← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

وحدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال: قال الحسن: عنى بها ذرية آدم ومن أشرك منهم بعده يعني: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ (١). وحدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان الحسن يقول: هم اليهود، والنصارى رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصروا (٢). وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن ﵁ أنه فسّر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية، ولو كان هذا الحديث عنده محفوظًا عن رسول الله ﷺ لما عدل عنه هو ولا غيره ولا سيما مع تقواه لله وورعه، فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب من آمن منهم مثل كعب أو وهب بن منبه وغيرهما، كما سيأتي بيانه إن شاء الله إلا أننا برئنا من عهدة المرفوع، والله أعلم. فأما الآثار فقال محمد بن إسحاق بن يسار: عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كانت حواء تلد لآدم ﵇ أولادًا، فيعبدهم لله ويسميهم عبد الله وعبيد الله ونحو ذلك، فيصيبهم الموت، فأتاهما إبليس فقال: إنكما لو سميتماه بغير الذي تسميانه به لعاش، قال: فولدت له رجلًا فسماه عبد الحارث، ففيه أنزل الله يقول الله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ إلى آخر الآية (٣). وقال العوفي، عن ابن عباس قوله في آدم: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ - إلى قوله -: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ شكت أحملت أم لا؟ ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ فأتاهما الشيطان، فقال: هل تدريان ما يولد لكم؟ أم هل تدريان ما يكون أبهيمة أم لا؟ وزين لهما الباطل، إنه غوي مبين، وقد كانت قبل ذلك ولدت ولدين فماتا، فقال لهما الشيطان: إنكما إن لم تسمياه بي لم يخرج سويًا ومات كما مات الأول، فسميا ولدهما عبد الحارث، فذلك قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ الآية (٤). وقال عبد الله بن المبارك، عن شريك، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ قال: قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ آدم ﴿حَمَلَتْ﴾ فأتاهما إبليس لعنه الله فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة لتطيعاني أو لأجعلنّ له قرني إيل فيخرج من بطنك فيشقه، ولأفعلنّ ولأفعلنّ يخوفهما، فسمياه عبد الحارث فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتًا، ثم حملت الثانية فأتاهما أيضًا فقال: أنا صاحبكما الذي فعلت ما فعلت لتفعلنّ أو لأفعلنّ يخوفهما فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتًا، ثم حملت الثالثة فأتاهما أيضًا فذكر لهما فأدركهما حبُّ الولد فسمياه عبد الحارث، فذلك قوله تعالى: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ رواه ابن أبي حاتم (٥). وقد تلقى هذا الأثر عن ابن عباس من أصحابه كمجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة، ومن الطبقة

стр. 1997

الثانية قتادة والسدي وغير واحد من السلف وجماعة من الخلف، ومن المفسرين من المتأخرين جماعات لا يحصون كثرة، وكأنه - والله أعلم - أصله مأخوذ من أهل الكتاب، فإن ابن عباس رواه عن أُبي بن كعب، كما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الجماهر، حدثنا سعيد - يعني: ابن بشير -، عن عقبة، عن قتادة، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أُبي بن كعب قال: لما حملت حواء أتاها الشيطان فقال لها: أتطيعيني ويسلم لك ولدك، سميه عبد الحارث، فلم تفعل، فولد فمات، ثم حملت فقال لها مثل ذلك فلم تفعل، ثم حملت الثالثة فجاءها فقال: إن تطيعيني يسلم وإلا فإنه يكون بهيمة، فهيّبهما فأطاعا (١). وهذه الآثار يظهر عليها - والله أعلم - أنها من آثار أهل الكتاب، وقد صحّ الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم" (٢)، ثم أخبارهم على ثلاثة أقسام، فمنها ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله، ومنها ما علمنا كذبه بما دل على خلافه من الكتاب والسنة أيضًا، ومنها ما هو مسكوت عنه فهو المأذون في روايته بقوله ﵇: "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" (٣) وهو الذي لا يصدق ولا يكذب لقوله: "فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم" وهذا الأثر هو من القسم الثاني أو الثالث فيه نظر، فأما من حدث به من صحابي أو تابعي فإنه يراه من القسم الثالث، وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري ﵀ في هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته، [فذكر آدم وحواء أولًا كالتوطئة لما بعدهما من الوالدين وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس، كقوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ الآية [الملك: ٥]، ومعلوم أن المصابيح وهي النجوم التي زينت بها السماء ليست هي التي يرمى بها، وإنما هذا استطراد من شخص المصابيح إلى جنسها، لهذا نظائر كثيرة في القرآن، والله أعلم] (٤). ولهذا قال الله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ثم قال: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (١٩٨)﴾. هذا إنكار من الله على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأنداد والأصنام والأوثان، وهي مخلوقة لله مربوبة مصنوعة، لا تملك شيئًا من الأمر ولا تضرّ ولا تنفع، ولا تبصر ولا تنتصر

стр. 1998

لعابديها، بل هي جماد لا تتحرك ولا تسمع ولا تبصر، وعابدوها أكمل منها بسمعهم وبصرهم وبطشهم، ولهذا قال: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾ أي: أتشركون به من المعبودات ما لا يخلق شيئًا ولا يستطيع ذلك، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾ [الحج] أخبر تعالى أن آلهتهم لو اجتمعوا كلهم ما استطاعوا خلق ذبابة، بل لو سلبتهم الذبابة شيئًا من حقير المطاعم وطارت، لما استطاعوا إنقاذه منها، فمن هذه صفته وحاله كيف يعبد ليرزق ويستنصر؟ ولهذا قال تعالى: ﴿لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ أي: بل هم مخلوقون مصنوعون كما قال الخليل: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات]. ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ أي: لعابديهم ﴿وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ يعني: ولا لأنفسهم ينصرون ممن أرادهم بسوء، كما كان الخليل ﵊ يكسر أصنام قومه ويهينها غاية الإهانة كما أخبر تعالى عنه في قوله: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣)﴾ [الصافات] وقال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨)﴾ [الأنبياء] وكما كان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن جبل ﵄، وكانا شابّين قد أسلما لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، فكانا يعدوان في الليل على أصنام المشركين يكسرانها ويتلفانها ويتخذانها حطبًا للأرامل ليعتبر قومهما بذلك ويرتؤوا لأنفسهم، فكان لعمرو بن الجموح - وكان سيدًا في قومه - صنم يعبده ويطيّبه، فكانا يجيئان في الليل فينكسّانه على رأسه ويلطخّانه بالعذرة، فيجيء عمرو بن الجموح فيرى ما صنع به، فيغسله ويطيّبه ويضع عنده سيفًا ويقول له: انتصر، ثم يعودان لمثل ذلك، ويعود إلى صنيعه أيضًا، حتى أخذاه مرّة فقرناه مع جرو كلب ميّت، ودلّياه في حبل في بئر هناك، فلما جاء عمرو بن الجموح ورأى ذلك نظر فعلم أن ما كان عليه من الدين باطل، وقال: تالله لو كنت إلهًا مُستدن … لم تكُ والكلب جميعًا في قرن (١) ثم أسلم فحسن إسلامه، وقتل يوم أُحد شهيدًا ﵁ (٢) وأرضاه وجعل جنّة الفردوس مأواه. وقوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ الآية، يعني: أن هذه الأصنام لا تسمع دعاء من دعاها، وسواء لديها من دعاها ومن دحاها، كما قال إبراهيم: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]. ثم ذكر تعالى أنها عبيد مثل عابديها أي مخلوقات مثلهم، بل الأناس أكمل منها لأنها تسمع وتبصر وتبطش، وتلك لا تفعل شيئًا من ذلك. وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ الآية، أي: استنصروا بها علي فلا تؤخروني طرفة عين، واجهدوا جهدكم ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦)﴾ أي: الله حسبي وكافني، وهو

стр. 1999

نصيري وعليه مُتّكلي وإليه ألجأ، وهو ولييّ في الدنيا والآخرة، وهو وليّ كل صالح بعدي، وهذا كما قال هود ﵇ لما قال له قومه: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود] وكقول الخليل: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨)﴾ الآيات [الشعراء]، وكقوله لأبيه وقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ [الزخرف]. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ إلى آخر الآية، مؤكد لما تقدم إلا أنه بصيغة الخطاب وذلك بصيغة الغيبة، ولهذا قال: ﴿يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (١٩٨)﴾ كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر]. وقوله: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ إنما قال: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ أي: يقابلونك بعيون مصورة كأنها ناظرة وهي جماد، ولهذا عاملهم معاملة من يعقل لأنها على صورة مصورة كالإنسان وتراهم ينظرون إليك، فعبّر عنها بضمير من يعقل. وقال السدي: المراد بهذا المشركون (١)، وروي عن مجاهد نحوه (٢)، والأول أولى، وهو اختيار ابن جرير، وقاله قتادة (٣). ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ يعني: خذ ما عفي لك من أموالهم وما أتوك به من شيء فخذه، وكان هذا قبل أن تنزل براءة بفرائض الصدقات وتفصيلها وما انتهت إليه الصدقات (٤)، وقاله السدي (٥). وقال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أنفق الفضل (٦). وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ قال: الفضل. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾: أمره الله بالعفو والصفح عن المشركين عشر سنين، ثم أمره بالغلظة عليهم (٧)، واختار هذا القول ابن جرير. وقال: غير واحد

стр. 2000

عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ قال: من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تجسس (١). وقال هشام بن عروة، عن أبيه: أمر الله رسول الله ﷺ أن يأخذ العفو من أخلاق الناس (٢)، وفي رواية قال: خذ ما عفي لك من أخلاقهم. وفي صحيح البخاري، عن هشام، عن أبيه عروة، عن أخيه عبد الله بن الزبير قال: إنما أنزل ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ من أخلاق الناس (٣). وفي رواية عن أبيه، عن ابن عمر (٤)، وفي رواية عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أنهما قالا مثل ذلك (٥)، والله أعلم. وفي رواية سعيد بن منصور، عن أبي معاوية، عن هشام، عن وهب بن كيسان، عن ابن الزبير: خذ العفو، قال: من أخلاق الناس، والله لآخذنّه منهم ما صحبتهم (٦). وهذا أشهر الأقوال، ويشهد له ما رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم جميعًا: حدثنا يونس، حدثنا سفيان هو: ابن عيينة، عن أُمَيّ قال: لما أنزل الله على نبيه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ قال رسول الله ﷺ : "ما هذا يا جبريل؟ " قال: إن الله أمرك أن تعفو عمّن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك (٧)، وقد رواه ابن أبي حاتم أيضًا عن أبي يزيد القراطيسي كتابة، عن أصبغ بن الفرج عن سفيان [عن] (٨) أُمَيّ، عن الشعبي نحوه (٩)، وهذا مرسل على كل حال، وقد روي له شواهد من وجوه أخر، وقد روي مرفوعًا عن جابر (١٠) وقيس بن سعد بن عبادة عن النبي ﷺ (١١) أسندهما ابن مردويه. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معاذ بن رفاعة، حدثني علي بن يزيد، عن القاسم عن أبي أُمامة الباهلي، عن عقبة بن عامر ﵁ قال: لقيت رسول الله ﷺ فابتدأته، فأخذت بيده فقلت: يا رسول الله أخبرني بفواضل الأعمال، فقال: "يا عقبة صِلْ من قطعك، وأعط من حرمك، وأعرض عمّن ظلمك" (١٢) وروى الترمذي نحوه من طريق عبيد الله بن زُحر عن علي بن يزيد به. وقال: حسن.

стр. 2001

قلت: ولكن علي بن يزيد وشيخه القاسم أبو عبد الرحمن فيهما ضعف. وقال البخاري: قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ العرف: المعروف، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب عن الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن ابن عباس ﵄ قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة، فنزل على ابن أخيه الحرُّ بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولًا كانوا أو شبابًا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: فاستأذن الحرُّ لعيينة فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: هي يا ابن الخطاب فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى همّ أن يوقع به، فقال له الحرُّ، يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ وإن هذا من الجاهلين، واللهِ ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقّافًا عند كتاب الله (١)، وانفرد بإخراجه البخاري. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى - قراءة -، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك بن أنس، عن عبد الله بن نافع، أن سالم بن عبد الله بن عمر مرَّ على عير لأهل الشام وفيها جرس، فقال: إن هذا منهي عنه، فقالوا: نحن أعلم بهذا منك، إنما يكره الجلْجل الكبير، فأما مثل هذا فلا بأس به، فسكت سالم وقال: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (٢). وقول البخاري: العرف: المعروف، نصَّ عليه عروة بن الزبير والسدي وقتادة وابن جريج (٣) وغير واحد. وحكى ابن جرير أنه يقال: أوليته معروفًا وعارفًا وعارفة، كلّ ذلك بمعنى المعروف، قال: وقد أمر الله نبيه ﷺ أن يأمر عباده بالمعروف، ويدخل في ذلك جميع الطاعات وبالإعراض عن الجاهلين، وذلك وإن كان أمرًا لنبيه ﷺ فإنه تأديب لخلقه باحتمال من ظلمهم واعتدى عليهم لا بالإعراض عمَّن جهل الحق الواجب من حق الله، ولا بالصفح عمَّن كفر بالله وجهل وحدانيته وهو للمسلمين حرب (٤). وقال سعيد بن أبي عروبة: عن قتادة في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ قال: هذه أخلاق أمر الله بها نبيه ﷺ ودلَّه عليها (٥)، وقد أخذ بعض الحكماء هذا المعنى فسبكه في بيتين فيهما جناس، فقال: خذ العفو وأمر بعرف كما … أُمرت وأعرض عن الجاهلين ولِن في الكلام لكلّ الأنام … فمستحسن من ذوي الجاه لين وقال بعض العلماء: الناس رجلان، فرجل محسن فخذ ما عفا لك من إحسانه، ولا تكلّفه فوق طاقته ولا ما يحرجه، وإما مسيء فمره بالمعروف، فإن تمادى على ضلاله واستعصى

стр. 2002

عليك واستمر في جهله فأعرض عنه، فلعل ذلك أن يردّ كيده، كما قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ [المؤمنون] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت] [أي هذه الوصية] (١) وقال في هذه السورة الكريمة أيضًا ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ فهذه الآيات الثلاث في الأعراف والمؤمنون وحم السجدة لا رابع لهنّ، فإنه تعالى، يرشد فيهن إلى معاملة العاصي من الإنس بالمعروف بالتي هي أحسن فإن ذلك يكفّه عمّا هو فيه من التمرد بإذنه تعالى، ولهذا قال: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] ثم يرشد تعالى إلى الاستعاذة به من شيطان الجان، فإن لا يكفّه عنك الإحسان وإنما يريد هلاكك ودمارك بالكلية، فإنه عدو مبين لك ولأبيك من قبلك. وقال ابن جرير في تفسير قوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾: وإما يغضبنّك من الشيطان غضب يصدك عن الإعراض عن الجاهل ويحملك على مجازاته ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ يقول: فاستجر بالله من نزغه ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سميع لجهل الجاهل عليك والاستعاذة به من نزغه، ولغير ذلك من كلام خلقه لا يخفى عليه منه شيء عليم بما يذهب عنك نزغ الشيطان وغير ذلك من أمور خلقه (٢). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما نزل ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ قال: يا ربِّ كيف بالغضب؟، فأنزل الله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ (٣). قلت: وقد تقدم في أول الاستعاذة حديث الرجلين اللذين تسابّا بحضرة النبي ﷺ فغضب أحدهما حتى جعل أنفه يتمرغ غضبًا، فقال رسول الله ﷺ : "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" فقيل له: فقال: ما بي من جنون (٤). وأصل النزغ الفساد إما بالغضب أو غيره، قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣] والعياذ: الالتجاء والاستناد والاستجارة من الشرّ، وأما الملاذ ففي طلب الخير، كما قال أبو الطَّيب المتنبي في شعره: يا من ألوذُ به فيما أو ملّه … ومن أعوذ به مما أحاذره لا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره … ولا يهيضون عظمًا أنت جابره (٥) وقد قدمنا أحاديث الاستعاذة في أول التفسير بما أغنى عن إعادته ههنا.

стр. 2003

﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾. يخبر تعالى عن المتقين من عباده الذين أطاعوه فيما أمر، وتركوا ما عنه زجر أنهم ﴿إِذَا مَسَّهُمْ﴾ أي: أصابهم طيف. وقرأ الآخرون طائف (١)، وقد جاء فيه حديث وهما قراءتان مشهورتان، فقيل بمعنى واحد، وقيل: بينهما فرق، ومنهم من فسّر ذلك بالغضب، ومنهم من فسّره بمسّ الشيطان بالصرع ونحوه، ومنهم من فسّره بالهمّ بالذنب، ومنهم من فسّره بإصابة الذنب. وقوله: ﴿تَذَكَّرُوا﴾ أي: عقاب الله وجزيل ثوابه ووعده، ووعيده، فتابوا وأنابوا واستعاذوا بالله ورجعوا إليه من قريب ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ أي: قد استقاموا وصحوا مما كانوا فيه. وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه هاهنا حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ وبها طيف (٢) فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يشفيني، فقال: "إن شئت دعوت الله فشفاك، وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك" فقالت: بل أصبر ولا حساب عليّ (٣)، ورواه غير واحد من أهل السنن وعندهم قالت: يا رسول الله إني أصرع وأتكشف، فادع الله أن يشفيني، فقال: "إن شئت دعوت الله أن يشفيك، وإن شئت صبرت ولك الجنة" فقالت: بل أصبر ولي الجنة، ولكن ادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها فكانت لا تتكشف (٤). وأخرجه الحاكم من مستدركه، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة عمرو بن جامع من تاريخه أن شابًا كان يتعبد في المسجد، فهويته امرأة فدعته إلى نفسها، فما زالت به حتى كاد يدخل معها المنزل، فذكر هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ فخرّ مغشيًا عليه، ثم أفاق فأعادها، فمات، فجاء عمر فعزّى فيه أباه، وكان قد دفن ليلًا فذهب فصلّى على قبره بمن معه، ثم ناداه عمر فقال: يا فتى ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن] فأجابه الفتى من داخل القبر: يا عمر قد أعطانيهما ربي في الجنّة مرتين (٥). وقوله تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ﴾ أي: وأخوان الشياطين من الإنس كقوله: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] وهم أتباعهم والمستمعون لهم، القابلون لأوامرهم يمدّونهم في الغيّ أي: تساعدهم الشياطين على المعاصي وتسهلها عليهم وتحسّنها لهم.

стр. 2004

وقال ابن كثير: المدّ الزيادة (١). يعني: يزيدونهم في الغيّ يعني الجهل والسّفه ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ قيل: معناه: إن الشياطين تمدّ الإنس لا تقصر في أعمالهم بذلك، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾ الآية، قال: لا الإنس يقصّرون عما يعملون، ولا الشياطين تمسك عنهم (٢). وقيل: معناه كما رواه العوفي عن ابن عباس قي قوله: ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ قال: هم الجن يوحون إلى أوليائهم من الإنس ثم لا يقصرون، يقول: لا يسأمون (٣)، وكذا قال السدي وغيره يعني: أن الشياطين يمدون أولياءهم من الإنس ولا تسأم من إمدادهم في الشر (٤)، لأن ذلك طبيعة لهم وسجية ﴿لَا يُقْصِرُونَ﴾ لا تفتر فيه ولا تبطل عنه، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ [مريم] قال ابن عباس وغيره: تزعجهم إلى المعاصي إزعاجًا (٥). ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)﴾. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ يقول: لولا تلقيتها. وقال مرة أخرى: لولا أحدثتها فأنشأتها (٦). وقال ابن جرير، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد في قوله: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ قال: لولا اقتضيتها، قالوا: تخرجها عن نفسك (٧)، وكذا قال قتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٨)، واختاره ابن جرير. وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ يقول: تلقيتها من الله تعالى (٩). وقال الضحاك: ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ يقول: لولا أخذتها أنت فجئت بها من السماء (١٠). ومعنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ أي: معجزة وخارق، كقوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤)﴾ [الشعراء] يقولون للرسول ﷺ : ألا تجهد نفسك في طلب الآيات من الله حتى نراها ونؤمن بها، قال الله تعالى له: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ

стр. 2005

رَبِّي﴾ أي: أنا لا أتقدم إليه تعالى في شيء، وإنما أتّبع ما أمرني به فأمتثل ما يوحيه إلي، فإن بعث آية قبلتها وإن منعها لم أسأله ابتداء إياها إلا أن يأذن لي في ذلك، فإنه حكيم عليم، ثم أرشدهم إلى أن هذا القرآن هو أعظم المعجزات وأبيَن الدلالات وأصدق الحجج والبيّنات، فقال: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾. لما ذكر تعالى أن القرآن بصائر للناس وهدى ورحمة، أمر تعالى بالإنصات عند تلاوته إعظامًا له واحترامًا، لا كما كان "يتعمده" كفار قريش المشركون في قولهم: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦]، ولكن يتأكد ذلك من الصلاة المكتوبة إذا جهر الإمام بالقراءة، كما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتمّ به فإذا كبّر فكبّروا، وإذا قرأ فأنصتوا" (١). وكذا رواه أهل السنن من حديث أبي هريرة أيضًا، وصححه مسلم بن الحجاج أيضًا، ولم يخرجه في كتابه، وقال إبراهيم بن مسلم الهجري، عن أبي عياض، عن أبي هريرة قال: كانوا يتكلمون في الصلاة، فلما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ والآية الأخرى، أمروا بالإنصات (٢). قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن المسيب بن رافع قال ابن مسعود: كنّا يسلّم بعضنا على بعض في الصلاة، فجاء القرآن: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾. وقال أيضًا: حدثنا أبو كريب، حدثنا المحاربي، عن داود بن أبي هند، عن يُسير بن جابر قال: صلّى ابن مسعود فسمع ناسًا يقرؤون مع الإمام، فلما انصرف قال: أما آن لكم أن تفهموا، أما آن لكم أن تعقلوا ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ كما أمركم الله (٣). قال: وحدثني أبو السائب، حدثنا حفص، عن أشعث، عن الزهري قال: نزلت هذه الآية في فتى من الأنصار كان رسول الله ﷺ كلّما قرأ شيئًا قرأه، فنزلت: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (٤). وقد روى الإمام أحمد وأهل السنن من حديث الزهري عن [أبي أُكَيمة] (٥) الليثي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: "هل قرأ أحد منكم معي آنفًا؟ " قال رجل: نعم يا رسول الله، قال: "إني أقول ما لي أنازع القرآن" قال: فانتهى الناس عن

стр. 2006

القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه بالقراءة من الصلاة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ (١). وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وصححه أبو حاتم الرازي (٢). وقال عبد الله بن المبارك، عن يونس، عن الزهري: قال: لا يقرأ من وراء الإمام فيما يجهر به الإمام، تكفيهم قراءة الإمام وإن لم يسمعهم صوته، ولكنهم يقرأون فيما لا يجهر به سرًا في أنفسهم، ولا يصلح لأحد خلفه أن يقرأ معه فيما يجهر به سرًا ولا علانية، فإن الله تعالى قال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ (٣). قلت: هذا مذهب طائفة من العلماء أن المأموم لا يجب عليه في الصلاة الجهرية قراءة فيما جهر فيه الإمام لا الفاتحة ولا غيرها، وهو أحد قوليّ الشافعية، وهو القديم كمذهب مالك ورواية عن أحمد بن حنبل، لما ذكرناه من الأدلة المتقدمة، وقال في الجديد: يقرأ الفاتحة فقط في سكتات الإمام، وهو قول طائفة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم. وقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل: لا يجب على المأموم قراءة أصلًا في السرية ولا الجهرية بما ورد في الحديث: "من كان له إمام فقراءته قراءة له" وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده عن جابر مرفوعًا، وهو في موطأ مالك عن وهب بن كيسان عن جابر موقوفًا (٤)، وهذا أصح وهذه المسألة مبسوطة في غير هذا الموضع، وقد أفرد لها الإمام أبو عبد الله البخاري مصنفًا على حدة (٥)، واختار وجوب القراءة خلف الإمام في السرية والجهرية أيضًا، والله أعلم. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في الآية قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ يعني: في الصلاة المفروضة (٦)، وكذا روي عن عبد الله بن المغفل (٧). وقال ابن جرير: حدثنا حميد بن مسعدة، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا الجريري، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز قال: رأيت عُبيد بن عمير وعطاء بن أبي رباح يتحدثان، والقاصّ يقصّ، فقلت: ألا تستمعان إلى الذكر وتستوجبان الموعود؟ قال: فنظرا إليّ ثم أقبلا على حديثهما، قال: فأعدت فنظرا إليّ وأقبلا على حديثهما، قال: فأعدت الثالثة قال: فنظرا إليّ فقالا: إنما ذلك في الصلاة ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (٨) وكذا قال سفيان الثوري، عن أبي هشام إسماعيل بن كثير، عن مجاهد في قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾

стр. 2007

قال: في الصلاة (١)، وكذا رواه غير واحد عن مجاهد. وقال عبد الرزاق، عن الثوري، عن ليث، عن مجاهد قال: لا بأس إذا قرأ الرجل في غير الصلاة أن يتكلم (٢). وكذا قال سعيد بن جبير والضحاك وإبراهيم النخعي وقتادة والشعبي والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إن المراد بذلك في الصلاة (٣). وقال شعبة، عن منصور: سمعت إبراهيم بن أبي حمزة يحدث أنه سمع مجاهدًا يقول في هذه الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ قال: في الصلاة والخطبة يوم الجمعة (٤)، وكذا روى ابن جريج عن عطاء مثله (٥). وقال هشيم، عن الربيع بن صبيح، عن الحسن قال: في الصلاة وعند الذكر (٦). وقال ابن المبارك، عن بقية: سمعت ثابت بن عجلان يقول: سمعت سعيد بن جبير يقول في قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ قال: الإنصات يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم الجمعة وفيما يجهر به الإمام من الصلاة (٧). وهذا اختيار ابن جرير أن المراد من ذلك الإنصات في الصلاة وفي الخطبة، كما جاء في الأحاديث من الأمر بالإنصات خلف الإمام وحال الخطبة. وقال عبد الرزاق، عن الثوري، عن ليث، عن مجاهد أنه كره إذا مرّ الإمام بآية خوف أو بآية رحمة أن يقول أحد من خلفه شيئًا، قال: السكوت (٨). وقال مبارك بن فضالة، عن الحسن: إذا جلست إلى القرآن فأنصت له (٩). وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عبَّاد بن ميسرة، عن الحسن، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من استمع إلى آية من كتاب الله كُتبت له حسنة مضاعفة، ومن تلاها كانت له نورًا يوم القيامة" (١٠). تفرد به الإمام أحمد رحمه الله تعالى. ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾. يأمر تعالى بذكره أول النهار وآخره كثيرًا، كما أمر بعبادته في هذين الوقتين في قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] وقد كان هذا قبل أن تفرض الصلوات الخمس

стр. 2008

ليلة الإسراء، وهذه الآية مكية. وقال ههنا: بالغدو، وهو أول النهار، والآصال: جمع أصيل كما أن الأيمان جمع يمين، وأما قوله: ﴿تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ أي: اذكر ربك في نفسك رغبة ورهبة وبالقول لا جهرًا، ولهذا قال: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ وهكذا يستحب أن يكون الذكر لا يكون نداءً وجهرًا بليغًا، ولهذا لما سألوا رسول الله ﷺ فقالوا: أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] (١). وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: رفع الناس أصواتهم بالدعاء في بعض الأسفار، فقال لهم النبي ﷺ : "يا أيها الناس اربِعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا إن الذي تدعونه سميع قريب أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته" (٢). وقد يكون المراد من هذه الآية كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠)﴾ [الإسراء] فإن المشركين كانوا إذا سمعوا القرآن سبّوه وسبّوا من أنزله وسبّوا من جاء به، فأمره الله تعالى أن لا يجهر به لئلا ينال منه المشركون ولا يخافت به عن أصحابه فلا يسمعهم، وليتخذ سبيلًا بين الجهر والإسرار، وكذا قال في هذه الآية الكريمة: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾. وقد زعم ابن جرير وقبله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٣) أن المراد بها أمر السامع للقرآن في حال استماعه بالذكر على هذه الصفة. وهذا بعيد منافٍ للإنصات المأمور به، ثم إن المراد بذلك في الصلاة كما تقدم أو في الصلاة والخطبة، ومعلوم أن الإنصات إذ ذاك أفضل من الذكر باللسان، سواء كان سرًا أو جهرًا، فهذا الذي قالاه لم يتابعا عليه، بل المراد الحضّ على كثرة الذكر من العباد بالغدو والآصال، لئلا يكونوا من الغافلين، ولهذا مدح الملائكة الذين يسبّحون الليل والنهار لا يفترون، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ الآية، وإنما ذكرهم بهذا ليقتدى بهم في كثرة طاعتهم وعبادتهم، ولهذا شرع لنا السجود ههنا لما ذكر سجودهم لله ، كما جاء في الحديث: "ألا تصفّون كما تصفّ الملائكة عند ربها يتمّون الصفوف الأول فالأول، ويتراصون في الصف" (٤) وهذه أول سجدة في القرآن مما يشرع لتاليها ومستمعها السجود بالإجماع، وقد ورد في حديث رواه ابن ماجه عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ أنه عدّها في سجدات القرآن (٥). آخر تفسير سورة الأعراف، ولله الحمد والمنّة.

стр. 2009

سُوْرَةُ الأَنْفَالِ وهي مدنية آياتها سبعون وست آيات. كلماتها ألف كلمة وستمائة كلمة وإحدى وثلاثون كلمة. حروفها خمسة آلاف ومائتان وأربعة وتسعون حرفًا، والله أعلم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾. قال البخاري: قال ابن عباس: الأنفال المغانم، حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن سليمان، أخبرنا هشيم، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس ﵄: سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بدر (١). أما ما علَّقه عن ابن عباس فكذلك رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس أنه قال: الأنفال الغنائم، كانت لرسول الله ﷺ خالصة ليس لأحد منها شيء (٢). وكذا قال مجاهد وعكرمة وعطاء والضحاك وقتادة وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد: أنها الغنائم (٣). وقال الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أنه قال: الأنفال الغنائم (٤). قال فيها لبيد (٥): إن تقوى ربنا خير نفل … وبإذن الله ريثى وعجل وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن القاسم بن محمد قال: سمعت رجلًا يسأل ابن عباس عن الأنفال، فقال ابن عباس ﵄: الفرس من النفل والسلب من النفل. ثم عاد لمسألته فقال ابن عباس ذلك أيضًا ثم قال الرجل:

стр. 2010

الأنفال التي قال الله في كتابه ما هي؟ قال القاسم فلم يزل يسأله حتى كاد يحرجه، فقال ابن عباس: أتدرون ما مثل هذا؟ مثل صبيغ (١) الذي ضربه عمر بن الخطاب (٢). وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن القاسم بن محمد قال: قال ابن عباس: كان عمر بن الخطاب ﵁: إذا سئل عن شيء قال لا آمرك ولا أنهاك. ثم قال ابن عباس: والله ما بعث الله نبيه ﷺ إلا زاجرًا آمرًا محللًا محرمًا. قال القاسم: فسلّط على ابن عباس رجل فسأله عن الأنفال، فقال ابن عباس: كان الرجل يُنفَّل فرس الرجل وسلاحه، فأعاد عليه الرجل فقال له مثل ذلك، ثم عاد عليه حتى أغضبه، فقال ابن عباس: أتدرون ما مثل هذا؟ مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب حتى سالت الدماء على عقبيه أو على رجليه، فقال الرجل: أما أنت فقد انتقم الله لعمر منك (٣). وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، أنه فسر النفل بما ينفِّله الإمام لبعض الأشخاص من سلب أو نحوه بعد قسم أصل المغنم وهو المتبادر إلى فهم كثير من الفقهاء من لفظ النفل، والله أعلم. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: إنهم سألوا رسول الله ﷺ عن الخُمس بعد الأربعة من الأخماس، فنزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ (٤). وقال ابن مسعود ومسروق: لا نفل يوم الزَّحف، إنما النفل قبل التقاء الصفوف، رواه ابن أبي حاتم عنهما (٥). وقال ابن المبارك وغير واحد، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح في الآية ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ قال: يسألونك فيما شذَّ من المشركين إلى المسلمين في غير قتال، من دابّة أو عبد أو أمة أو متاع فهو نفل للنبي ﷺ يصنع به ما يشاء (٦). وهذا يقتضي أنه فسر الأنفال بالفيء وهو: ما أُخذ من الكفار من غير قتال. قال ابن جرير: وقال آخرون: هي أنفال السرايا، حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا علي بن صالح بن حُيّ، قال: بلغني في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ قال السرايا (٧). ومعنى هذا ما ينفله الإمام لبعض السرايا زيادة على قسمهم مع بقية الجيش. وقد صرح بذلك الشعبي (٨).

стр. 2011

واختار ابن جرير أنها زيادة على القسم، ويشهد لذلك ما ورد في سبب نزول الآية وهو ما رواه الإمام أحمد، حيث قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا أبو إسحاق الشيباني، عن محمد بن عبيد الله الثقفي، عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم بدر وقتل أخي عمير قتلتُ سعيد بن العاص وأخذت سيفه، وكان يُسمى ذا الكَتيفة (١)، فأتيت به النبي ﷺ فقال؛ "اذهب فاطرحه في القبض" قال: فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله، من قتل أخي وأخذ سلبي، قال: فما جاوزت إلا يسيرًا حتى نزلت سورة الأنفال، فقال لي رسول الله ﷺ : "اذهب فخذ سلبك" (٢). وقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا أبو بكر، عن عاصم بن أبي النجود، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن مالك، قال: قلت يا رسول الله قد شفاني الله اليوم من المشركين، فهب لي هذا السَّيف، فقال: "إن هذا السَّيف لا لك ولا لي، ضعه" قال: فوضعته، ثم رجعت فقلت: عسى أن يعطي هذا السَّيف من لا يبلي بلائي، قال: فإذا رجل يدعوني من ورائي قال: قلت: قد أنزل الله فيّ شيئًا؟ قال: كنت سألتني السيف وليس هو لي، وإنه قد وهب لي، فهو لك. قال: وأنزل الله هذه الآية ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٣). ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن أبي بكر بن عياش به، وقال الترمذي: حسن صحيح (٤). وهكذا رواه أبو داود الطيالسي، أخبرنا شعبة أخبرنا سماك بن حرب قال: سمعت مصعب بن سعد يحدث عن سعد، قال: نزلت فيّ أربع آيات، أصبت سيفًا يوم بدر فأتيت النبي ﷺ فقلت نفلنيه، فقال: "ضعه من حيث أخذته" مرتين، ثم عاودته فقال النبي ﷺ : "ضعه من حيث أخذته" فنزلت هذه الآية ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ (٥) الآية وتمام الحديث، في نزول ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] وآية الوصية، وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث شعبة به (٦). وقال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن بعض بني ساعدة قال: سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة يقول: أصبت سيف ابن عائذ يوم بدر، وكان السيف يدعى بالمرزبان، فلما أمر رسول الله ﷺ الناس أن يردّوا ما في أيديهم من النفل، أقبلت به فألقيته في النفل، وكان رسول الله ﷺ لا يمنع شيئًا يسأله، فرآه الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، فسأله رسول الله ﷺ فأعطاه إياه (٧) ورواه ابن جرير من وجه آخر.

стр. 2012

(سبب آخر في نزول الآية): وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الرحمن، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبي أُمامة قال: سألت عبادة عن الأنفال فقال: فينا أصحاب بدر، نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا فانتزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسول الله ﷺ فقسمه رسول الله ﷺ بين المسلمين، عن بواء يقول: عن سواء (١). وقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا أبو معاوية بن عمرو، أخبرنا أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، عن سليمان بن موسى، عن أبي سلام، عن أبي أمامة، عن عبادة بن الصامت، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ فشهدت معه بدرًا، فالتقى الناس، فهزم الله تعالى العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، وأقبلت طائفة على العسكر يحوزونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله ﷺ لا يصيب العدو منه غِرَّة (٢)، حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق به منا، نحن منعنا عنه العدو وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله ﷺ : خفنا أن يصيب العدو منه غرَّة فاشتغلنا به، فنزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ فقسمها رسول الله ﷺ بين المسلمين وكان رسول الله ﷺ إذا أغار في أرض العدو نفَّل الرُّبع، فإذا أقبل راجعًا نفَّل الثلث، وكان يكره الأنفال (٣). ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن الحارث به نحوه، قال الترمذي: هذا حديث حسن، ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه، من حديث عبد الرحمن بن الحارث، وقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه (٤). وروى أبو داود والنسائي وابن جرير وابن مردويه واللفظ له، وابن حبان والحاكم من طرق عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله ﷺ : "من صنع كذا وكذا فله كذا وكذا" فتسارع في ذلك شُبَّان القوم وبقي الشيوخ تحت الرايات، فلما كانت المغانم جاؤوا يطلبون الذي جعل لهم، فقال الشيوخ: لا تستأثروا علينا فإنا كنا رِدءً لكم لو انكشفتم لفئتم إلينا. فتنازعوا فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٥).

стр. 2013

وقال الثوري، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله ﷺ : "من قتل قتيلًا فله كذا وكذا، ومن أتى أسيرًا فله كذا وكذا". فجاء أبو اليسر بأسيرين فقال: يا رسول الله صلى الله عليك، أنت وعدتنا، فقام سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله، إنك لو أعطيت هؤلاء لم يبق لأصحابك شيء، وإنه لم يمنعنا من هذا زهادة في الأجر، ولا جبن عن العدو، وإنما قمنا هذا المقام محافظة عليك مخافة أن يأتوك من ورائك، فتشاجروا ونزل القرآن ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، قال: ونزل القرآن ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] إلى آخر الآية (١). وقال الإمام أبو عبيد الله القاسم بن سلام ﵀ في كتاب "الأموال الشرعية وبيان جهاتها ومصارفها": أما الأنفال فهي المغانم وكل نيل ناله المسلمون من أموال أهل الحرب، فكانت الأنفال الأولى لرسول الله ﷺ ، يقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، فقسمها يوم بدر على ما أراه الله من غير أن يخمِّسها على ما ذكرناه في حديث سعد، ثم نزلت بعد ذلك آية الخمس فنسخت الأولى (٢). قلت: هكذا روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس سواء (٣)، وبه قال مجاهد وعكرمة والسدي (٤). وقال ابن زيد: ليست منسوخة بل هي محكمة (٥). قال أبو عبيد: وفي ذلك آثار، والأنفال أصلها جماع الغنائم، إلا أن الخمس منها مخصوص لأهله على ما نزل به الكتاب وجرت به السنة، ومعنى الأنفال في كلام العرب كل إحسان فعله فاعل تفضلًا، من غير أن يجب ذلك عليه، فذلك النفل الذي أحلَّه الله للمؤمنين من أموال عدوهم، وإنما هو شيء خصَّهم الله به تطولًا منه عليهم بعد أن كانت الغنائم محرَّمة على الأمم قبلهم، فنفَّلها الله تعالى هذه الأمة، فهذا أصل النفل (٦). قلت: شاهد هذا ما في الصحيحين عن جابر ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "أُعطيت خمسًا لم يعطهنَّ أحد قبلي - فذكر الحديث إلى أن قال:- وأُحلَّت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي". وذكر تمام الحديث (٧). ثم قال أبو عبيد: ولهذا سمى ما جعل الإمام للمقاتلة نفلًا، وهو تفضيله بعض الجيش على

стр. 2014

بعض بشيء سوى سهامهم يفعل ذلك بهم على قدر الغناء عن الإسلام والنكاية في العدو، وفي النفل الذي ينفِّله الإمام سنن أربع لكل واحدة منهن موضع غير موضع الأخرى: (فإحداهن): في النفل لا خمس فيه وذلك السلب. (والثانية): النفل الذي يكون من الغنيمة بعد إخراج الخمس وهو أن يوجِّه الإمام السرايا في أرض الحرب، فتأتي بالغنائم، فيكون للسرية مما جاءت به الربع أو الثلث بعد الخمس. (والثالثة): في النفل من الخمس نفسه، وهو أن تحاز الغنيمة كلها، ثم تخمس فإذا صار الخُمس في يدي الإمام، نفل منه على قدر ما يرى. (والرابعة): في النفل في جملة الغنيمة قبل أن يخمِّس منها شيء، وهو أن يعطي الأدلاء ورعاة الماشية والسوّاق لها. وفي كل ذلك اختلاف. قال الربيع: قال الشافعي: الأنفال أن لا يخرج من رأس الغنيمة قبل الخُمس شيء غير السلب. قال أبو عبيد: والوجه الثاني من النفل هو شيء زيدوه غير الذي كان لهم وذلك من خُمس النبي ﷺ ، فإن له خُمس الخُمس من كل غنيمة، فينبغي للإمام أن يجتهد، فإذا كثر العدو واشتدَّت شوكتهم وقلَّ من بإزائه من المسلمين، نفَّل منه اتباعًا لسنة رسول الله ﷺ وإذا لم يكن ذلك لم ينفل. (والوجه الثالث): من النفل إذا بعث الإمام سرية أو جيشًا فقال لهم قبل اللِّقاء من غنم شيئًا، فهو له، بعد الخمس فهو لهم على ما شرط الإمام، لأنهم على ذلك غزوا وبه رضوا (١)، انتهى كلامه. وفيما تقدم من كلامه وهو قوله: إن غنائم بدر لم تُخمَّس نظر. ويردُّ عليه حديث علي بن أبي طالب، في شارفيه (٢) اللذين حصلا له من الخمس يوم بدر، وقد بيّنت ذلك في كتاب السيرة (٣) بيانًا شافيًا، ولله الحمد والمنة. وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أي: اتقوا الله في أموركم وأصلحوا فيما بينكم ولا تظالموا ولا تخاصموا ولا تشاجروا فما آتاكم الله من الهدى والعلم خير مما تختصمون بسببه ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: في قسمه بينكم على ما أراده الله، فإنه إنما يقسمه كما أمره الله من العدل والإنصاف. وقال ابن عباس: هذا تحريج من الله ورسوله أن يتقوا ويصلحوا ذات بينهم (٤). وكذا قال مجاهد (٥)، وقال السدي: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أي: لا تستبوا. ولنذكر ههنا حديثًا أورده الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي ﵀، في مسنده

стр. 2015

فإنه قال: حدثنا مجاهد بن موسى، حدثنا عبد الله بن بكر، حدثنا عبَّاد بن شيبة [الحبطي] (١)، عن سعيد بن أنس، عن أنس ﵁ قال: بينا رسول الله ﷺ جالس إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه، فقال عمر: ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟ فقال: "رجلان من أُمتي جثيا بين يديّ ربِّ العزة ﵎، فقال أحدهما: يا ربِّ خذ لي مظلمتي من أخي. فقال الله تعالى؛ أعط أخاك مظلمته، قال: يا ربِّ لم يبق من حسناتي شيء قال: ربِّ فليحمل عني من أوزاري". قال: ففاضت عينا رسول الله ﷺ بالبكاء ثم قال: "إن ذلك ليوم عظيم يوم يحتاج الناس إلى من يتحمل عنهم من أوزارهم، فقال الله تعالى للطالب: ارفع بصرك وانظر في الجنان فرفع رأسه فقال: يا ربِّ أرى مدائن من فضة وقصورًا من ذهب مكللة باللؤلؤ، لأي نبي هذا؟ لأي صديق هذا؟ لأي شهيد هذا؟ قال: هذا لمن أعطى ثمنه، قال: ربِّ ومن يملك ثمنه؟ قال أنت تملكه، قال: ماذا يا ربّ؟ قال: تعفو عن أخيك، قال: يا ربِّ، فإني قد عفوت عنه، قال الله تعالى: خذ بيد أخيك، فادخلا الجنة". ثم قال رسول الله ﷺ : "فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، فإن الله تعالى يصلح بين المؤمنين يوم القيامة" (٢). ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: المنافقون لا يدخل قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه. ولا يؤمنون بشيء من آيات الله ولا يتوكلون ولا يصلون إذا غابوا ولا يؤدون زكاة أموالهم، فاخبر الله تعالى أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف الله المؤمنين فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فأدوا فرائضه ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ يقول زادتهم تصديقًا ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ يقول: لا يرجون غيره (٣). وقال مجاهد: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فَرَقت (٤). أي: فزعت وخافت، وكذا قال السدي (٥) وغير واحد، وهذه صفة المؤمن حق الإيمان الذي إذا ذكر الله وجل قلبه أي: خاف منه، ففعل أوامره وترك زواجره، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)﴾ [آل عمران]،

стр. 2016

وكقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ [النازعات] ولهذا قال سفيان الثوري: سمعت السدي يقول في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: هو الرجل يريد أن يظلم أو قال يهم بمعصية فيقال له: اتقِّ الله فيجلّ قلبه (١). وقال الثوري أيضًا عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن شهر بن حوشب [عن أبي الدرداء] (٢) في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قال: الوجل في القلب كاحتراق السعفة، أما تجد له قشعريرة؟ قال: بلى. قالت: إذا وجدت ذلك فادع الله عند ذلك، فإن الدعاء يذهب ذلك (٣). وقوله: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، كقوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)﴾ [التوبة]. وقد استدلَّ البخاري وغيره من الأئمة بهذه الآية وأشباهها على زيادة الإيمان وتفاضله في القلوب، كما هو مذهب جمهور الأُمة، بل قد حكى الإجماع عليه غير واحد من الأئمة كالشافعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد، كما بينا ذلك مستقصى في أول شرح البخاري، ولله الحمد والمنة. ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي: لا يرجون سواه ولا يقصدون إلا إياه ولا يلوذون إلا بجنابه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه، ويعلمون أنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الملك، وحده لا شريك له ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب، ولهذا قال سعيد بن جبير: التوكل على الله جماع الإيمان (٤). وقوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ ينبه تعالى بذلك على أعمالهم بعدما ذكر اعتقادهم وهذه الأعمال تشمل أنواع الخير كلها، وهو إقامة الصلاة وهو حق الله تعالى. وقال قتادة: إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها (٥). وقال مقاتل بن حيان: إقامتها المحافظة على مواقيتها وإسباغ الطهور فيها وتمام ركوعها وسجودها وتلاوة القرآن فيها والتشهد والصلاة على النبي ﷺ هذا إقامتها (٦). والإنفاق مما رزقهم الله يشمل إخراج الزكاة وسائر الحقوق للعباد من واجب ومستحب. والخلق كلهم عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لخلقه. قال قتادة في قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، فأنفقوا مما رزقكم الله فإنما هذه الأموال عواري

стр. 2017

وودائع عندك يا ابن آدم أوشكت أن تفارقها (١). وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ أي: المتصفون بهذه الصفات هم المؤمنون حق الإيمان. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا أبو كريب، حدثنا [زيد] (٢) بن الحباب، حدثنا ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد السكسكي، عن سعيد بن أبي هلال، عن محمد بن أبي الجهم، عن الحارث بن مالك الأنصاري، أنه مرَّ برسول الله فقال له: "كيف أصبحت يا حارث؟ " قال: أصبحت مؤمنًا حقًّا، قال: "انظر ما تقول، فإن لكل شيء حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ " فقال: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربّي بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها. فقال: "يا حارث عرفت فالزم" ثلاثًا (٣). وقال عمرو بن مرة في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾: إنما أنزل القرآن بلسان العرب كقولك فلان سيد حقًا، وفي القوم سادة. وفلان تاجر حقًا، وفي القوم تجَّار. وفلان شاعر حقًّا، وفي القوم شعراء (٤). وقوله: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: منازل ومقامات ودرجات في الجنات كما قال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران] ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أي: يغفر لهم السيئات ويشكر لهم الحسنات. وقال الضحّاك في قوله: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: أهل الجنة بعضهم فوق بعض، فيرى الذي هو فوق فضله على الذي هو أسفل منه، ولا يرى الذي هو أسفل منه أنه فضل عليه أحد (٥)، ولهذا جاء في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: "إن أهل عليين ليراهم من أسفل منهم كما ترون الكوكب الغابر في أفق من آفاق السماء". قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا ينالها غيرهم فقال: "بلى والّذي نفسي بيده، لرجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين" (٦). وفي الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أهل الجنة ليتراءون أهل الدرجات العلى كما تراءون الكوكب الغابر في أفق

стр. 2018

السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما" (١). ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾. قال الإمام أبو جعفر الطبري: اختلف المفسرون في السبب الجالب لهذه الكاف في قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾، فقال بعضهم: شُبِّه به في الصلاح للمؤمنين اتقاؤهم ربهم، وإصلاحهم ذات بينهم وطاعتهم لله ورسوله، ثم روى عن عكرمة نحو هذا (٢)، ومعنى هذا: أن الله تعالى يقول كما أنكم لما اختلفتم في المغانم وتشاححّتم فيها فانتزعها الله منكم وجعلها إلى قسمه، وقسم رسوله ﷺ فقسمها على العدل والتسوية، فكان هذا هو المصلحة التامَّة لكم، وكذلك لما كرهتم الخروج إلى الأعداء من قتال ذات الشوكة، وهم النفير الذين خرجوا لنصر دينهم وإحراز عيرهم، فكان عاقبة كراهتكم للقتال بأن قدره لكم وجمع به بينكم وبين عدوكم على غير ميعاد رشدًا وهدى، ونصرًا وفتحًا، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة]. قال ابن جرير: وقال آخرون: معنى ذلك ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾، على كره من فريق من المؤمنين كذلك هم كارهون للقتال فهم يجادلونك فيه بعدما تبين لهم (٣). ثم روى عن مجاهد نحوه أنه قال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ قال: كذلك يجادلونك في الحق (٤). وقال السدي: أنزل الله في خروجه إلى بدر ومجادلتهم إياه، فقال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥)﴾ لطلب المشركين ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ (٥). وقال بعضهم: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١] مجادلة كما جادلوك يوم بدر فقالوا: أخرجتنا للعير ولم تعلمنا قتالًا فنستعد له. قلت: رسول الله ﷺ إنما خرج من المدينة طالبًا لعير أبي سفيان التي بلغه خبرها أنها صادرة من الشام فيها أموال جزيلة لقريش فاستنهض رسول الله ﷺ المسلمين من خفَّ منهم فخرج في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، وطلب نحو الساحل من على طريق بدر، وعلم أبو سفيان بخروج رسول الله ﷺ في طلبه، فبعث ضمضم بن عمرو نذيرًا إلى

стр. 2019

أهل مكة، فنهضوا في قريب من ألف مقنع ما بين التسعمائة إلى الألف وتيامن أبو سفيان بالعير إلى سيف البحر، فنجا وجاء النفير فوردوا ماء بدر، وجمع الله بين المسلمين والكافرين على غير ميعاد لما يريد الله تعالى من إعلاء كلمة المسلمين ونصرهم على عدوهم والتفرقة بين الحق والباطل كما سيأتي بيانه، والغرض أن رسول الله ﷺ لما بلغه خروج النفير أوحى الله إليه يعده إحدى الطائفتين إما العير وإما النفير، ورغب كثير من المسلمين إلى العير لأنه كسب بلا قتال، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ (١). قال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني، حدثنا بكر بن سهل، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران، حدثه أنه سمع أبا أيوب الأنصاري يقول: قال رسول الله ﷺ ونحن بالمدينة: "إني أُخبرت عن عير أبي سفيان أنها مقبلة فهل لكم أن نخرج قبل هذه العير لعلَّ الله أن يغنمناها؟ " فقلنا: نعم، فخرج وخرجنا، فلما سرنا يومًا أو يومين، قال لنا: "ما ترون في قتال القوم فإنهم قد أخبروا بمخرجكم؟ " فقلنا: لا والله ما لنا طاقة بقتال العدو ولكنَّا أردنا العير، ثم قال: "ما ترون في قتال القوم؟ " فقلنا مثل ذلك. فقال المقداد بن عمرو: إذًا لا نقول لك يا رسول الله كما قال قوم موسى لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] قال: فتمنَّينا معشر الأنصار أن لو قلنا كما قال المقداد أحبّ إلينا من أن يكون لنا مال عظيم، قال: فأنزل الله على رسوله ﷺ : ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥)﴾ (٢). وذكر تمام الحديث ورواه ابن أبي حاتم من حديث ابن لهيعة بنحوه (٣). وروى ابن مردويه أيضًا من حديث محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، عن أبيه، عن جده قال: خرج رسول الله ﷺ إلى بدر حتى إذا كان بالروحاء خطب الناس فقال: "كيف ترون؟ " فقال أبو بكر: يا رسول الله بلغنا أنهم بمكان كذا وكذا، قال: ثم خطب الناس فقال: "كيف ترون؟ " فقال عمر: مثل قول أبي بكر، ثم خطب الناس فقال: "كيف ترون؟ " فقال سعد بن معاذ يا رسول الله إيانا تريد؟ فوالذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب ما سلكتها قط ولا لي بها علم، ولئن سرت حتى تأتي برك الغماد من ذي يمن لنسيرنَّ معك، ولا نكون كالذين قالوا لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، ولعلك أن تكون خرجت لأمر وأحدث الله إليك غيره، فانظر الذي أحدث الله إليك فامض له، فَصِلْ حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وعادِ من شئت، وسالم من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، فنزل القرآن على قول سعد: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ

стр. 2020

وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥)﴾ الآيات (١). وقال العوفي، عن ابن عباس: لما شاور النبي ﷺ في لقاء العدو، وقال له سعد بن عبادة ما قال وذلك يوم بدر أمر الناس أن يتهيئوا للقتال وأمرهم بالشوكة، فكره ذلك أهل الإيمان فأنزل الله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦)﴾ (٢). [وقال مجاهد: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ في القتال. وقال محمد بن إسحاق: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾] (٣) أي: كراهية للقاء المشركين، وإنكارًا لمسير قريش حين ذكروا لهم (٤). وقال السدي: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ أي: بعدما تبين لهم أنك لا تفعل إلا ما أمرك الله به (٥). قال ابن جرير: وقال آخرون: عُنى بذلك المشركين، حدثنا يونس أنبأنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦)﴾ قال: هؤلاء المشركون جادلوه في الحق كأنما يُساقون إلى الموت حين يدعون إلى الإسلام وهم ينظرون. قال: وليس هذا من صفة الآخرين، هذه صفة مبتدأة لأهل الكفر (٦). ثم قال ابن جرير: ولا معنى لما قاله، لأن الذي قبل قوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ خبر عن أهل الإيمان والذي يتلوه خبر عنهم. والصواب قول ابن عباس وابن إسحاق: أنه خبر عن المؤمنين (٧). وهذا الذي نصره ابن جرير هو الحق وهو الذي يدل عليه سياق الكلام، والله أعلم. وقال الإمام أحمد ﵀: حدثنا يحيى بن بكير وعبد الرزاق قالا: حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قيل لرسول الله ﷺ حين فرغ من بدر: عليك بالعير ليس دونها شيء، فناداه العباس بن عبد المطلب - قال عبد الرزاق وهو أسير في وثاقه -: إنه لا يصلح لك، قال ولِمَ؟ قال: لأن الله إنما وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك الله ما وعدك (٨). إسناد جيد ولم يخرجوه.

стр. 2021

ومعنى قوله تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ أي: يحبون أن الطائفة التي لا حدّ لها ولا منعة ولا قتال تكون لهم وهي العير، ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ أي: هو يريد أن يجمع بينكم وبين الطائفة التي لها الشوكة والقتال ليظفركم بهم وينصركم عليهم، ويظهر دينه ويرفع كلمة الإسلام ويجعله غالبًا على الأديان، وهو أعلم بعواقب الأمور، وهو الذي يدبركم بحسن تدبيره، وإن كان العباد يُحبّون خلاف ذلك فيما يظهر لهم كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]. وقال محمد بن إسحاق ﵀: حدثني محمد بن مسلم الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا، عن عبد الله بن عباس، كل قد حدثني بعض هذا الحديث فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث بدر قالوا: لما سمع رسول الله ﷺ بأبي سفيان مقبلًا من الشام ندب المسلمين إليهم، وقال هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعلَّ الله أن ينفلِّكموها، فانتدب الناس فخفّ بعضهم وثقل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنُّوا أن رسول الله ﷺ يلقى حربًا، وكان أبو سفيان قد استنفر حين دنا من الحجاز يتجسس الأخبار، ويسأل من لقي من الركبان تخوفًا على أمر الناس، حتى أصاب خبرًا من بعض الركبان أن محمدًا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك، فحذر عند ذلك فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري فبعثه إلى أهل مكة وأمره أن يأتي قريشًا فيستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمدًا قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضم بن عمرو سريعًا إلى مكة، وخرج رسول الله ﷺ في أصحابه، حتى بلغ واديًا يقال له: ذفران، فخرج منه حتى إذا كان ببعضه نزل وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار رسول الله ﷺ الناس وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر ﵁ فقال، فأحسن. ثم قام عمر ﵁ فقال، فأحسن. ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله به، فنحن معك والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد، - يعني مدينة الحبشة - لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله ﷺ ، خيرًا ودعا له بخير، ثم قال رسول الله ﷺ : "أشيروا علي أيها الناس". وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم كانوا عدد الناس، وذلك أنهم حين بايعوه بالعقبة، قالوا: يا رسول الله إنا برآء من زمامك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في زمامنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا، وكان رسول الله ﷺ يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم، فلما قال رسول الله ﷺ ذلك قال له سعد بن معاذ: والله لكأنَّك تريدنا يا رسول الله؟ قال: "أجل". فقال: آمنَّا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أمرك الله فوالّذي بعثك بالحق إن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما يتخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصُبر عند الحرب صُدق عند اللقاء، ولعلَّ الله يريك منَّا ما تقرّ به عينك،

стр. 2022

فسِر بنا على بركة الله، فسُر رسول الله ﷺ بقول سعد ونشطه ذلك ثم قال: "سيروا على بركة الله وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأنِّي الآن أنظر إلى مصارع القوم" (١). وروى العوفي عن ابن عباس نحو هذا (٢)، وكذلك قال السدي وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد من علماء السلف والخلف، اختصرنا أقوالهم اكتفاء بسياق محمد بن إسحاق (٣). ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو نوح قُراد، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا سماك الحنفي أبو زُميل، حدثني ابن عباس، حدثني عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما كان يوم بدر، نظر النبي ﷺ إلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي ﷺ القبلة وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال: "اللّهم أنجز لي ما وعدتني، اللّهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تُعبد في الأرض أبدًا" قال: فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فرده ثم التزمه من ورائه ثم قال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ فلما كان يومئذٍ التقوا، فهزم الله المشركين فقتل منهم سبعون رجلًا وأسر منهم سبعون رجلًا، واستشار رسول الله ﷺ أبا بكر وعمر وعليًا فقال أبو بكر: يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذناه منهم قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدًا فقال رسول الله ﷺ : "ما ترى يا ابن الخطاب؟ " قال: قلت: ما أرى ما رأى أبو بكر ولكني أرى أن تمكنِّي من فلان قريب لعمر فأضرب عنقه، وتمكِّن عليًا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكِّن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه حتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم. فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلتُ، وأخذ منهم الفداء، فلما كان من الغد قال عمر: فغدوت إلى النبي ﷺ وأبي بكر وهما يبكيان فقلت: ما يبكيك أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. قال النبي ﷺ : "للذي عرض عليَّ أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض عليَّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة" لشجرة قريبة من النبي ﷺ وأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ [الأنفال: ٦٧ - ٦٨] من الغداء ثم أحل لهم الغنائم. فلما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقُتل منهم سبعون، وفرَّ أصحاب

стр. 2023

النبي ﷺ عن النبي ﷺ وكُسرت ربَاعيته، وهشِّمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل الله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)﴾ [آل عمران] بأخذكم الفداء (١). ورواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن جرير وابن مردويه من طرق عن عكرمة بن عمار به وصححه علي بن المديني والترمذي وقالا: لا يعرف إلا من حديث عكرمة بن عمار اليمامي (٢). وهكذا روى علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس أن هذه الآية الكريمة قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ في دعاء النبي ﷺ (٣)، وكذا قال: [زيد بن يُثيع] (٤) والسدي وابن جريج. وقال أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن أبي صالح قال: لما كان يوم بدر جعل النبي ﷺ يناشد ربه أشدَّ المناشدة يدعو، فأتاه عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسول الله بعض نشدتك فوالله ليفيَنَّ الله لك بما وعدك (٥). قال البخاري في كتاب المغازي باب قول الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ٢١١]: حدثنا أبو نعيم، حدثنا إسرائيل، عن مخارق، عن طارق بن شهاب قال: سمعت ابن مسعود يقول: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا لأن أكون صاحبه أحبّ إليَّ مما عدل به، أتى النبي- ﷺ وهو يدعو على المشركين فقال: لا نقول كما قال قوم موسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ [المائدة: ٢٤] ولكنَّا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك، فرأيت النبي ﷺ أشرق وجهه وسره (٦). حدثني محمد بن عبد الله بن حوشب، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ يوم بدر: "اللهم أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد" فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك. فخرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ (٧) [القمر] ورواه النسائي عن بندار، عن عبد الوهاب، عن عبد المجيد الثقفي (٨). وقوله تعالى: ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ أي: يردف بعضهم بعضًا كما قال [هارون بن عنترة] (٩)، عن ابن عباس ﴿مُرْدِفِينَ﴾ متتابعين (١٠).

стр. 2024

ويحتمل أن المراد ﴿مُرْدِفِينَ﴾ لكم: أي نجدة لكم كما قال العوفي عن ابن عباس: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ يقول المدد، كما تقول: ائت الرجل فزده كذا وكذا (١). وهكذا قال مجاهد وابن كثير القاري وابن زيد: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ ممدين (٢). وقال أبو كدينة، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ قال: وراء كل ملك ملك (٣). وفي رواية بهذا الإسناد ﴿مُرْدِفِينَ﴾ قال: بعضهم على إثر بعض، وكذا قال أبو ظبيان (٤) والضحّاك وقتادة (٥). وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثني عبد العزيز بن عمران، عن الزمعي، عن أبي الحويرث، عن محمد جبير، عن علي ﵁ قال: نزل جبريل في ألف من الملائكة عن ميمنة النبي ﷺ وفيها أبو بكر، ونزل ميكائيل في ألف من الملائكة عن ميسرة النبي ﷺ في الميسرة (٦). وهذا يقتضي إن صح إسناده أن الألف مردفة بمثلها ولهذا قرأ بعضهم: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بفتح الدال (٧)، والله أعلم. والمشهور ما رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: وأمدَّ الله نبيه ﷺ والمؤمنين بألف من الملائكة، فكان جبريل في خمسمائة من الملائكة مجنبة (٨)، وميكائيل في خمسمائة مجنبة (٩). وروى الإمام أبو جعفر بن جرير ومسلم من حديث عكرمة بن عمار، عن أبي زُميل سماك بن وليد الحنفي، عن ابن عباس، عن عمر الحديث المتقدم، ثم قال أبو زميل: حدثني ابن عباس قال: بينا رجل من المسلمين يشتدُّ في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه فخرَّ مستلقيًا. قال: فنظر إليه، فإذا هو قد حطِّم وشق وجهه كضربة السوط فاخضرَّ ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث ذلك رسول الله ﷺ قال: صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة فقتلوا يومئذٍ سبعين وأسروا سبعين (١٠). وقال البخاري: باب شهود الملائكة بدرًا. حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا جرير، عن يحيى بن سعيد، عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي، عن أبيه - وكان أبوه من أهل بدر - قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: "من أفضل المسلمين" أو كلمة

стр. 2025

نحوها قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة (١). انفرد بإخراجه البخاري وقد رواه الطبراني في المعجم الكبير من حديث رافع بن خديج (٢) وهو خطأ، والصواب رواية البخاري، والله أعلم. وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لعمر لمّا شاوره في قتل حاطب بن أبي بلتعة: "إنه قد شهد بدرًا وما يدريك لعلَّ الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" (٣). وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى﴾ الآية، أي وما جعل الله بعث الملائكة وإعلامه إيّاكم بهم إلا بشرى ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ وإلا فهو تعالى قادر على نصركم على أعدائكم ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي بدون ذلك ولهذا قال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦)﴾ [محمد] وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١)﴾ [آل عمران] فهذه حكم شرع الله جهاد الكفار بأيدي المؤمنين لأجلها، وقد كان تعالى إنما يعاقب الأمم السالفة المكذِّبة للأنبياء بالقوارع التي تعم تلك الأمم المكذبة كما أهلك قوم نوح بالطُّوفان، وعادًا الأولى بالدبور، وثمود بالصيّحة، وقوم لوط بالخسف والقلب وحجارة السجِّيل، وقوم شعيب بيوم الظُلة، فلما بعث الله تعالى موسى وأهلك عدوه فرعون وقومه بالغرق في اليمِّ، ثم أنزل على موسى التوراة شرع فيها قتال الكفار واستمر الحكم في بقية الشرائع بعده على ذلك كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ﴾ [القصص: ٤٣] وقتل المؤمنين للكافرين، أشدُّ إهانة للكافرين، وأشفى لصدور المؤمنين، كما قال تعالى للمؤمنين من هذه الأمة ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤)﴾ [التوبة] ولهذا كان قتل صناديد قريش بأيدي أعدائهم الذين ينظرون إليهم باعين ازدرائهم أنكى لهم، وأشفى لصدور حزب الإيمان، فقتل أبي جهل في معركة القتال وحومة الوغى أشدُّ إهانة له من موته على فراشه بقارعة أو صاعقة أو نحو ذلك، كما مات أبو لهب لعنه الله بالعدسة (٤) بحيث لم يقربه أحد من أقاربه، إنما غسلوه بالماء قذفًا من بعيد، ورجموه حتى دفنوه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أي: له العزة ولرسوله وللمؤمنين بهما في الدنيا والآخرة كقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر] ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما شرعه من قتال الكفار مع القدرة على دمارهم وإهلاكهم بحوله وقوته .

стр. 2026

﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤)﴾. يذكِّرهم الله تعالى بما أنعم به عليهم من إلقائه النعاس عليهم أمانًا أمَّنهم به من خوفهم الذي حصل لهم من كثرة عدوهم وقلَّة عددهم، وكذلك فعل تعالى بهم يوم أحد كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٤]، قال أبو طلحة: كنت ممن أصابه النعاس يوم أحد، ولقد سقط السيف من يدي مرارًا يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه، ولقد نظرت إليهم يميدون وهم تحت الحَجَف (١). وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا زهير، حدثنا ابن مهدي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مُضرِّب، عن علي ﵁ قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد ولقد رأيتنا وما فينا إلّا نائم، إلا رسول الله ﷺ يصلِّي تحت شجرة ويبكي حتى أصبح (٢). وقال سفيان الثوري، عن عاصم، عن أبي رزين، عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: النعاس في القتال أمنة من الله، وفي الصلاة من الشيطان (٣). وقال قتادة: النعاس في الرأس، والنوم في القلب (٤). قلت: أما النعاس فقد أصابهم يوم أحد وأمر ذلك مشهور جدًا، وأما الآية الشريفة إنما هي في سياق قصة بدر، وهي دالّة على وقوع ذلك أيضًا وكأن ذلك كائن للمؤمنين عند شدَّة البأس لتكون قلوبهم آمنة مطمئنة بنصر الله، وهذا من فضل الله ورحمته بهم ونعمته عليهم وكما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ [الشرح] ولهذا جاء في الصحيح أن رسول الله ﷺ لما كان يوم بدر في العريش مع الصدِّيق ﵁ وهما يدعوان أخذت رسول الله ﷺ سِنة من النوم ثم استيقظ مبتسمًا فقال: "أبشر يا أبا بكر هذا جبريل على ثناياه النقع" ثم خرج من باب العريش وهو يتلو قوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ (٥) [القمر]. وقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: نزل النبي ﷺ حين سار إلى بدر والمشركون بينهم وبين الماء رملة دعصة، وأصاب المسلمين ضعف شديد وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ يوسوس بينهم تزعمون أنكم أولياء الله تعالى وفيكم رسوله

стр. 2027

وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم تصلُّون مجنبين، فأمطر الله عليهم مطرًا شديدًا فشرب المسلمون وتطهَّروا، وأذهب الله عنهم رجس الشيطان وثبَّت الرمل حين أصابه المطر، ومشى الناس عليه والدوابّ فساروا إلى القوم، وأمدَّ الله نبيه ﷺ والمؤمنين بألف من الملائكة فكان جبريل في خمسمائة مجنبة، وميكائيل في خمسمائة مجنبة (١). وكذا قال العوفي، عن ابن عباس: إن المشركين من قريش لما خرجوا لينصروا العير وليقاتلوا عنها نزلوا على الماء يوم بدر فغلبوا المؤمنين عليه فأصاب المؤمنين الظمأ، فجعلوا يصلُّون مجنبين محدثين حتى تعاطوا ذلك في صدورهم، فأنزل الله من السماء ماء حتى سال الوادي فشرب المؤمنون وملؤوا الأسقية وسقوا الركاب واغتسلوا من الجنابة، فجعل الله في ذلك طهورًا وثبَّت به الأقدام، وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رملة فبعث الله المطر عليها فضربها حتى اشتدت وثبتت عليها الأقدام (٢). ونحو ذلك روي عن قتادة والضحاك والسدي (٣)، وقد روي عن سعيد بن المسيب والشعبي والزهري وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه طشٌّ أصابهم يوم بدر (٤). والمعروف أن رسول الله ﷺ لما سار إلى بدر نزل على أدنى ماء هناك أي أول ماء وجده، فتقدم إليه الحُباب بن المنذر فقال: يا رسول الله هذا المنزل الذي نزلته منزل أنزلك الله إياه فليس لنا أن نجاوزه أو منزل نزلته للحرب والمكيدة؟ فقال: "بل منزل نزلته للحرب والمكيدة" فقال: يا رسول الله إن هذا ليس بمنزل ولكن سرّ بنا حتى ننزل على أدنى ماء يلي القوم، ونغور ما وراءه من القلب، ونستقي الحياض فيكون لنا ماء وليس لهم ماء، فسار رسول الله ﷺ وسلم ففعل كذلك. وفي مغازي الأموي أن الحُباب لما قال ذلك، نزل ملك من السماء وجبريل جالس عند رسول الله ﷺ فقال ذلك الملك: يا محمد إن ربك يقرئك السلام، ويقول لك: إن الرأي ما أشار به الحُباب بن المنذر، فالتفت رسول الله ﷺ إلى جبريل ﵇ فقال: "هل تعرف هذا"؟ فنظر إليه فقال: ما كل الملائكة أعرفهم وإنه ملك وليس بشيطان. وأحسن ما في هذا ما رواه الإمام محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي ﵀: حدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قال: بعث الله السماء وكان الوادي دهسًا فأصاب رسول الله ﷺ وأصحابه ما لبَّد لهم الأرض، ولم يمنعهم من المسير وأصاب قريشًا ما لم يقدروا على أن يرحلوا معه (٥).

стр. 2028

وقال مجاهد: أنزل الله عليهم المطر قبل النعاس فأطفأ بالمطر الغبار وتلبَّدت به الأرض وطابت نفوسهم وثبتت به أقدامهم (١). وقال ابن جرير: حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا مصعب بن المقدام، حدثنا إسرائيل، حدثنا أبو إسحاق، عن حارثة، عن علي ﵁ قال: أصابنا من الليل طشُّ من المطر - يعني الليلة التي كانت في صبيحتها وقعة بدر - فانطلقنا تحت الشحر والحجف نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله ﷺ وحرَّض على القتال (٢). وقوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ أي: من حدث أصغر أو أكبر وهو تطهير الظاهر ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ أي: من وسوسة أو خاطر سيء وهو تطهير الباطن كما قال تعالى في حق أهل الجنَّة ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ٢١] فهذا زينة الظاهر ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] أي: مطهِّرًا لما كان من غلٍّ أو حسد أو تباغض وهو زينة الباطن وطهارته ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ أي: بالصبر والإقدام على مجالدة الأعداء وهو شجاعة الباطن ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ وهو شجاعة الظاهر، والله أعلم. وقوله: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهذه نعمة خفيَّة أظهرها الله تعالى لهم ليشكروه عليها، وهو أنه تعالى وتقدَّس وتبارك وتمجَّد أوحى إلى الملائكة الذين أنزلهم لنصر نبيه ودينه وحزبه المؤمنين يوحي إليهم فيما بينه وبينهم أن يثبِّتوا الذين آمنوا. قال ابن إسحاق: وآزروهم (٣). وقال غيره: قاتلوا معهم. وقيل: كثَّروا سوادهم. وقيل: كان ذلك بأن المَلك كان يأتي الرجل من أصحاب النبي ﷺ فيقول: سمعت هؤلاء القوم - يعني: المشركين - يقولون: واللهِ لئن حملوا علينا لننكشفنَّ، فيحدِّث المسلمون بعضهم بعضًا بذلك فتقوى أنفسهم (٤) حكاه ابن جرير وهذا لفظه بحروفه. وقوله: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ أي: ثبِّتوا أنتم المؤمنين وقووا أنفسهم على أعدائهم عن أمري لكم بذلك سألقي الرعب والذلَّة والصَغار على من خالف أمري وكذَّب رسولي ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ أي: اضربوا الهام ففلِقوها، واحتزوا الرقاب فقطِّعوها، وقطِّعوا الأطراف منهم وهي أيديهم وأرجلهم. وقد اختلف المفسرون في معنى ﴿فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ فقيل: معناه اضربوا الرؤوس، قاله عكرمة (٥). وقيل: معناه: أي على الأعناق وهي: الرقاب، قاله الضحاك وعطية العوفي (٦). ويشهد لهذا

стр. 2029

المعنى أن الله تعالى أرشد المؤمنين إلى هذا في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: ٤]. وقال وكيع، عن المسعودي، عن القاسم قال: قال النبي ﷺ : "إني لم أبعث لأعذِّب بعذاب الله، إنما بعثت لضرب الرِّقاب وشدِّ الوثاق" (١). واختار ابن جرير أنها قد تدلُّ على ضرب الرِّقاب وفلق الهام. قلت: وفي مغازي الأموي أن رسول الله ﷺ جعل يمرُّ بين القتلى يوم بدر فيقول: "نفلِّق هامًا" فيقول أبو بكر: من رجال أعزَّة علينا … وهم كانوا أعقُّ وأظلما (٢) فيبتدئ رسول الله ﷺ بأول البيت، ويستطعم أبا بكر ﵁ إنشاد آخره، لأنه كان لا يحسن إنشاد الشعر كما قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]. وقال الربيع بن أنس: كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب فوق الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد أحرق به (٣). وقوله: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ وقال ابن جرير: معناه واضربوا من عدوكم أيها المؤمنون كلَّ طرف ومفصل من أطراف أيديهم وأرجلهم، والبنان جمع بنانة كما قال الشاعر (٤): ألا ليتني قطعت منِّي بنانةً … ولاقيتهُ في البيت يقظانَ حاذرا (٥) وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ يعني: بالبنان الأطراف (٦). وكذا قال الضحاك وابن جريج (٧). وقال السدي البنان: الأطراف، ويقال كل مفصل. وقال عكرمة وعطية العوفي والضحاك في رواية أخرى: كل مفصل (٨). وقال الأوزاعي في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ قال: اضرب منه الوجه والعين وارمه بشهاب من نار فإذا أخذته حرم ذلك كلّه عليك (٩). وقال العوفي، عن ابن عباس: فذكر قصَّة بدر إلى أن قال: فقال أبو جهل: لا تقتلوهم قتلًا ولكن خذوهم أخذًا حتى تعرفوهم الذي صنعوا من طعنهم في دينكم، ورغبتهم عن اللّات

стр. 2030

والعزى، فأوحى الله إلى الملائكة ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ الآية، فقتل أبو جهل لعنه الله في تسعة وستين رجلًا، وأسر عقبة بن أبي معيط فقتل صبرًا فوفى ذلك سبعين - يعني قتيلًا - (١). ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي خالفوهما فساروا في شق، وتركوا الشرع والإيمان به واتباعه في شق، ومأخوذ أيضًا من شقِّ العصا وهو جعلها فرقتين ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: هو الطالب الغالب لمن خالفه وناوأه لا يفوته شيء ولا يقوم لغضبه شيء، ﵎ لا إله ولا ربَّ سواه ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤)﴾ هذا خطاب للكفار أي: ذوقوا هذا العذاب والنكال في الدنيا، واعلموا أيضًا أن للكافرين عذاب النار في الآخرة. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾. يقول تعالى متوعدًا على الفرار من الزحف بالنار لمن فعل ذلك ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ أي: تقاربتم منهم ودنوتم إليهم ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ أي: تفرُّوا وتتركوا أصحابكم ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ أي: يفرُّ بين يدي قرنه مكيدة ليريه أنه قد خاف منه فيتبعه ثم يكرُّ عليه فيقتله، فلا بأس عليه في ذلك نصّ عليه سعيد بن جبير والسدّي (٢). وقال الضحّاك: أن يتقدم عن أصحابه ليرى غرَّة من العدو فيصيبها ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ أي: فرَّ من هاهنا إلى فئة أخرى من المسلمين يعاونهم ويعاونونه (٣) فيجوز له ذلك حتى لو كان في سرية ففرَّ إلى أميره أو الإمام الأعظم دخل في هذه الرخصة. قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا زهير، حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله ﷺ فحاص الناس حيصة (٤)، فكنت فيمن حاص، فقلنا كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ ثم قلنا: لو دخلنا المدينة، فبتنا، ثم قلنا لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ﷺ ، فإن كانت لنا توبة وإلا ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: "من القوم؟ " فقلنا: نحن الفرَّارون فقال: "لا بل أنتم العكّارون (٥) أنا فئتكم وأنا فئة المسلمين" قال: فأتيناه حتى قَبَّلنا يده (٦). وهكذا رواه أبو

стр. 2031

داود والترمذي وابن ماجه من طرق عن يزيد بن أبي زياد وقال الترمذي: حسن لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي زياد (١). ورواه ابن أبي حاتم من حديث يزيد بن أبي زياد به، وزاد في آخره وقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ (٢). قال أهل العلم: معنى قوله: "العكَّارون" أي: العطَّافون، وكذلك قال عمر بن الخطاب ﵁ في أبي عُبيد (٣) لما قُتل على الجسر بأرض فارس لكثرة الجيش من ناحية المجوس، فقال عمر: لو تحيَّز إليَّ لكنت له فئة هكذا رواه محمد بن سيرين عن عمر (٤). وفي رواية أبي عثمان النهدي عن عمر قال: لما قتل أبو عُبيد قال عمر: أيها الناس أنا فئتكم (٥). وقال مجاهد: قال عمر: أنا فئة كلِّ مسلم (٦). وقال عبد الملك بن عُمير، عن عمر: أيها الناس لا تغرنَّكم هذه الآية، فإنما كانت يوم بدر، وأنا فئة لكلِّ مسلم (٧). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا حسان بن عبد الله المصري، حدثنا خلّاد بن سليمان الحضرمي، حدثنا نافع أنه سأل ابن عمر قلت: إنا قوم لا نثبت عند قتال عدونا، ولا ندري من الفئة إمامنا أو عسكرنا؟ فقال إن الفئة رسول الله ﷺ فقلت: إن الله يقول: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ الآية، فقال: إنما أنزلت هذه الآية في يوم بدر لا قبلها ولا بعدها (٨). وقال الضحّاك في قوله: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾: المتحيّز الفارُّ إلى النبي ﷺ وأصحابه، وكذلك من فرَّ اليوم إلى أميره أو أصحابه (٩) فأما إن كان الفرار لا عن سبب من هذه الأسباب فإنه حرام وكبيرة من الكبائر لما رواه البخاري ومسلم في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اجتنبوا السبع الموبقات" قيل: يا رسول الله وما هنّ؟ قال: "الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" (١٠). وله شواهد من وجوه أخر، ولهذا قال تعالى: ﴿فَقَدْ

стр. 2032

بَاءَ﴾ أي: رجع ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ﴾ أي: مصيره ومنقلبه يوم ميعاده ﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. وقال الإمام أحمد: حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبد الله بن عمر الرقي، عن زيد بن أبي أنيسة، حدثنا جبلة بن سُحيم، عن أبي المثنى العبدي سمعت السدوسي - يعني: ابن الخصاصية وهو بشير بن معبد - قال: أتيت النبي ﷺ لأبايعه فاشترط عليَّ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أؤدي الزكاة، وأن أحجَّ حجَّة الإسلام، وأن أصوم شهر رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله، فقلت: يا رسول الله أما اثنتان فوالله لا أطيقهما: الجهاد، فإنهم زعموا أنه من ولّى الدبر فقد باء بغضب من الله، فأخاف إن حضرت ذلك خشعت نفسي وكرهت الموت، والصدقة فوالله ما لي إلا غنيمة وعشر ذَوْدٍ هنّ رِسلُ أهلي وحمولتهم، فقبض رسول الله ﷺ يده ثم قال: "فلا جهاد ولا صدقة فبم تدخل الجنة إذًا؟ " قلت: يا رسول الله أنا أبايعك فبايعته عليهن كلهنَّ (١)، هذا حديث غريب من هذا الوجه ولم يخرجوه في الكتب الستة. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم أبو النضر، حدثنا يزيد بن ربيعة، حدثنا أبو الأشعث، عن ثوبان مرفوعًا عن النبي ﷺ قال: "ثلاثة لا ينفع معهنَّ عمل: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف" (٢). وهذا أيضًا حديث غريب جدًا. وقال الطبراني أيضًا: حدثنا العباس بن الفضل الأسفاطي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حفص بن عمر الشني، حدثني عمرو بن مرة قال: سمعت بلال بن يسار بن زيد مولى رسول الله ﷺ قال: سمعت أبي يحدث عن جدي قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو وأتوب إليه غفر له، وإن كان قد فرّ من الزحف" (٣). وهكذا رواه أبو داود عن موسى بن إسماعيل به وأخرجه الترمذي، عن البخاري، عن موسى بن إسماعيل به وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، قلت: ولا يعرف لزيد مولى النبي ﷺ عنه سواه. وقد ذهب ذاهبون إلى أن الفرار إنما كان حرامًا على الصحابة لأنه كان فرض عين عليهم، وقيل: على الأنصار خاصة لأنهم بايعوا على السمع والطاعة في المنشط والمكره. وقيل: المراد بهذه الآية أهل بدر خاصة يروى هذا عن عمر وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وأبي نضرة ونافع مولى ابن عمر وسعيد بن جبير والحسن البصري وعكرمة وقتادة والضحّاك وغيرهم (٤)، وحجتهم في هذا أنه لم تكن عصابة لها شوكة يفيئون إليها إلا عصابتهم تلك كما قال

стр. 2033

النبي ﷺ : "اللَّهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض" (١). ولهذا قال عبد الله بن المبارك عن مبارك بن فضالة، عن الحسن في قوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ قال: ذلك يوم بدر فأما اليوم فإن انحاز إلى فئة أو مصر - أحسبه قال - فلا بأس عليه (٢). وقال ابن المبارك أيضًا، عن ابن لهيعة، حدثني يزيد بن أبي حبيب قال: أوجب الله تعالى لمن فرَّ يوم بدر النار قال: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فلما كان يوم أحد بعد ذلك قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥] ثم كان يوم حنين بعد ذلك بسبع سنين قال: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ (٣) [التوبة: ٢٧]. وفي سنن أبي داود والنسائي ومستدرك الحاكم وتفسير ابن جرير وابن مردويه من حديث داود بن أبي هند عن أبي نضرة، عن أبي سعيد أنه قال في هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾: إنما أنزلت في أهل بدر (٤)، وهذا كلُّه لا ينفي أن يكون الفرار من الزحف حرامًا على غير أهل بدر، وإن كان سبب نزول الآية فيهم كما دلَّ عليه حديث أبي هريرة المتقدم من أن الفرار من الزحف من الموبقات (٥) كما هو مذهب الجماهير، والله أعلم. ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨)﴾. يُبيِّن تعالى أنه خالق أفعال العباد وأنه المحمود على جميع ما صدر منهم من خير، لأنه هو الذي وفقهم لذلك وأعانهم عليه ولهذا قال: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ أي: ليس بحولكم وقوتكم قتلتم أعداءكم مع كثر عددهم وقلّة عددكم. أي: بل هو الذي أظفركم عليهم كما قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ الآية [آل عمران: ١٢٣]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)﴾ [التوبة] يعلم ﵎ أن النصر ليس على كثرة العدد ولا بلبس اللأمة والعدد، وإنما النصر من عنده تعالى كما قال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]. ثم قال تعالى لنبيه ﷺ أيضًا في شأن القبضة من التراب التي حصب بها وجوه الكافرين يوم بدر حين خرج من العريش بعد دعائه وتضرعه واستكانته فرماهم بها وقال: "شاهت الوجوه" (٦)،

стр. 2034

ثم أمر أصحابه أن يصدقوا الحملة إثرها، ففعلوا فأوصل الله تلك الحصباء إلى أعين المشركين فلم يبق أحد منهم إلا ناله منها ما شغله عن حاله ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ أي: هو الذي بلغ ذلك إليهم وكبتهم بها لا أنت. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: رفع رسول الله ﷺ يديه يعني: يوم بدر فقال: "يا ربِّ إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدًا" فقال له جبريل: خذ قبضة من التراب فارم بها في وجوههم، فأخذ قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة فولُّوا مدبرين (١). وقال السدي: قال رسول الله ﷺ لعلي ﵁ يوم بدر: "أعطني حصبًا من الأرض" فناوله حصبًا عليه تراب، فرمى به في وجوه القوم فلم يبقَ مشرك إلا دخل عينيه من ذلك التراب شيء، ثم ردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، وأنزل الله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (٢). وقال أبو معشر المدني، عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي قالا: لما دنا القوم بعضهم من بعض أخذ رسول الله ﷺ قبضة من تراب، فرمى بها في وجوه القوم وقال: "شاهت الوجوه" فدخلت في أعينهم كلِّهم وأقبل أصحاب رسول الله ﷺ يقتلونهم ويأسرونهم، وكانت هزيمتهم في رمية رسول الله ﷺ فأنزل الله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (٣). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ قال: هذا يوم بدر أخذ رسول الله ﷺ ثلاث حصيات فرمى بحصاة ميمنة القوم، وحصاة في ميسرة القوم وحصاة بين أظهرهم وقال: "شاهت الوجوه" فانهزموا (٤). وقد روي في هذه القصة، عن عروة ومجاهد وعكرمة وقتادة وغير واحد من الأئمة أنه أنزلت في رمية النبي ﷺ يوم بدر (٥) وإن كان قد فعل ذلك يوم حنين أيضًا. وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا يعقوب بن محمد، حدثنا عبد العزيز بن عمران، حدثنا موسى بن يعقوب بن عبد الله بن زمعة، عن يزيد بن عبد الله، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن حكيم بن حزام قال: لما كان يوم بدر سمعنا صوتًا وقع من السماء كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله ﷺ تلك الرمية فانهزمنا (٦). غريب من هذا الوجه.

стр. 2035

وههنا قولان آخران غريبان جدًا: (أحدهما): قال ابن جرير: حدثني محمد بن عوف الطائي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان بن عمرو، حدثنا عبد الرحمن بن جبير أن رسول الله ﷺ يوم ابن أبي الحقيق بخيبر دعا بقوس فأُتيَ بقوس طويلة وقال: "جيئوني بقوس غيرها"، فجاؤوه بقوس كبداء فرمى النبي ﷺ الحصن، فأقبل السهم يهوي حتى قتل ابن أبي الحقيق وهو في فراشه فأنزل الله : ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (١) وهذا غريب وإسناده جيد إلى عبد الرحمن بن جبير بن نفير، ولعله اشتبه عليه أو أنه أراد أن الآية تعم هذا كله وإلا فسياق الآية في سورة الأنفال في قصة بدر لا محالة، وهذا مما لا يخفى على أئمة العلم، والله أعلم. (والثاني): روى ابن جرير أيضًا والحاكم في مستدركه بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب والزهري أنهما قالا: أنزلت في رمية النبي ﷺ يوم أحد أبي بن خلف بالحربة وهو في لأمته، فخدشه في ترقوته فجعل يتدأدأ عن فرسه مرارًا حتى كانت وفاته بعد أيام قاسى فيها العذاب الأليم موصولًا بعذاب البرزخ المتصل بعذاب الآخرة (٢)، وهذا القول عن هذين الإمامين غريب أيضًا جدًا، ولعلهما أرادا أن الآية تتناوله بعمومها لا أنها نزلت فيه خاصَّة كما تقدم والله أعلم. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير في قوله: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ أي: ليعرف المؤمنين نعمته عليهم من إظهارهم على عدوهم مع كثرة عدوهم وقلَّة عددهم ليعرفوا بذلك حقه ويشكروا بذلك نعمته (٣). وهكذا فسره ابن جرير أيضًا، وفي الحديث: "وكل بلاء حسن أبلانا" (٤). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: سميع الدعاء عليم بمن يستحق النصر والغلب، وقوله: ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨)﴾ هذه بشارة أخرى مع ما حصل من النصر أنه أعلمهم تعالى بأنه مضعف كيد الكافرين فيما يستقبل مصغر أمرهم، وأنهم وكلُّ ما لهم في [تبار (٥)] ودمار، ولله الحمد والمنة. ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)﴾. يقول تعالى للكفار: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ أي: تستنصروا وتستقضوا الله وتستحكموه أن يفصل بينكم وبين أعدائكم المؤمنين فقد جاءكم ما سألتم كما قال محمد بن إسحاق وغيره عن الزهري،
следующие страницы →