← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

وقوله: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ أي: في الكذب والباطل ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أي: بطلت مساعيهم فلا ثواب لهم عليها؛ لأنها فاسدة ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾؛ لأنهم لم يحصل لهم عليها ثواب. قال ابن جريج، عن عمر بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية، قال ابن عباس: ما أشبه الليلة بالبارحة ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ هؤلاء بنو إسرائيل شبَّهنا بهم لا أعلم إلا أنه قال: "والذي نفسي بيده لتتبعنهم حتى لو دخل الرجل منهم جُحَر ضبِّ (١) لدخلتموه" (٢). قال ابن جريج: وأخبرني زياد بن سعد، عن محمد بن زياد بن مهاجر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لتتبعنَّ سَنن الذين من قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع وباعًا بباع، حتى لو دخلوا جُحَر ضبٍّ لدخلتموه" قالوا: ومن هم يا رسول الله، أهل الكتاب؟ قال: فَمَه (٣) " (٤). وهكذا رواه أبو معشر، عن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : فذكره، وزاد قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم القرآن ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية، قال أبو هريرة: الخِلاق: الدين ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ قالوا: يا رسول الله كما صنعت فارس والروم؟ قال: "فهل الناس إلا هم؟ " (٥) وهذا الحديث له شاهد في الصحيح (٦). ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠)﴾. يقول تعالى واعظًا لهؤلاء المنافقين المكذبين للرسل: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: ألم تخبروا خبر من كان قبلكم من الأمم المكذبة للرسل؟ ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ وما أصابهم من الغرق العام لجميع أهل الأرض إلا من آمن بعبده ورسوله نوح ﵇، ﴿وَعَادٍ﴾ كيف أهلكوا بالريح العقيم لما كذبوا هودًا ﵇، ﴿وَثَمُودَ﴾ كيف أخذتهم الصيحة لما كذبوا صالحًا ﵇ وعقروا الناقة، ﴿وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ﴾ كيف نصره الله عليهم وأيده بالمعجزات الظاهرة عليهم، وأهلك ملكهم نمروذ بن كنعان بن كوش الكنعاني لعنه الله، ﴿وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ﴾ وهم قوم شعيب ﵇ وكيف

стр. 2172

أصابتهم الرجفة وعذاب يوم الظلة؟ ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ قوم لوط وقد كانوا يسكنون في مدائن، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣)﴾ [النجم] أي: الأُمة المؤتكفة وقيل: أُم قراهم، وهي سدوم، والغرض أن الله تعالى أهلكهم عن آخرهم بتكذيبهم نبي الله لوط ﵇ وإتيانهم الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين، ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالحجج والدلائل القاطعات، ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي: بإهلاكه إياهم؛ لأنه أقام عليهم الحجة بإرسال الرسل وإزاحة العلل، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: بتكذيبهم الرسل ومخالفتهم الحق، فصاروا إلى ما صاروا إليه من العذاب والدمار. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾. لما ذكر تعالى صفات المنافقين الذميمة عطف بذكر صفات المؤمنين المحمودة، فقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ أي: يتناصرون ويتعاضدون كما جاء في الصحيح: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" وشبك بين أصابعه (١). وفي الصحيح أيضًا: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحُمَّى والسهر" (٢). وقوله: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران]، وقوله: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ أي: يطيعون الله ويحسنون إلى خلقه ﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: فيما أمر وترك ما عنه زجر ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ أي: سيرحم الله من اتَّصف بهذه الصفات ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أي: عز من أطاعه، فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ﴿حَكِيمٌ﴾ في قسمته هذه الصفات لهؤلاء وتخصيصه المنافقين بصفاتهم المتقدمة، فإنه له الحكمة في جميع ما يفعله ﵎. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾. يخبر تعالى بما أعده للمؤمنين به والمؤمنات من الخيرات والنعيم المقيم في ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها أبدًا ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ أي: حسنة البناء طيبة القرار، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي عمران الجوني، عن أبي بكر بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه

стр. 2173

في جنة عدن" (١). وبه قال: قال رسول الله ﷺ : "إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلًا في السماء! للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم لا يرى بعضهم بعضًا" أخرجاه في الصحيحين (٢)، وفيهما -أيضًا- عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان، فإن حقًا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو حبس في أرضه التي ولد فيها" قالوا: يا رسول الله أفلا نخبر الناس؟ قال: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن" (٣). وعند الطبراني والترمذي وابن ماجه من رواية زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن معاذ بن جبل ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول … فذكر مثله (٤)، وللترمذي عن عبادة بن الصامت مثله (٥). وعن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أهل الجنة ليتراءون الغرف في الجنة كما ترون الكوكب في السماء" أخرجاه في الصحيحين (٦). ثم ليعلم أن أعلى منزلة في الجنة مكان يقال له: الوسيلة، لقربه من العرش وهو: مسكن رسول الله ﷺ من الجنة، كما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن ليث، عن كعب، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صليتم عليّ فسلوا الله لي الوسيلة". قيل: يا رسول الله وما الوسيلة؟ قال: "أعلى درجة في الجنة لا ينالها إلا رجل واحد وأرجو أن أكون أنا هو" (٧). وفي صحيح مسلم من حديث كعب بن علقمة: عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلُّوا عليَّ فإنه من صلَّى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة

стр. 2174

في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله. وأرجو أن أكون هو، فمن سأل الله ليَّ الوسيلة حلَّت عليه الشفاعة يوم القيامة" (١). وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا الوليد بن عبد الملك الحراني، حدثنا موسى بن أعين، عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "سلوا الله لي الوسيلة فإنه لم يسألها لي عبد في الدنيا إلا كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة" (٢). وفي مسند الإمام أحمد من حديث سعد بن مجاهد الطائي، عن أبي المِدلَّه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قلنا يا رسول الله حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال: "لبنة ذهب ولبنة فضة، وملاطها المسك وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم لا يبأس ويخلد لا يموت، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه" (٣) وروي عن ابن عمر مرفوعًا نحوه. وعند الترمذي من حديث عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة لغرفًا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها" فقام أعرابي فقال: يا رسول الله لمن هي؟ فقال: "لمن طيب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام" ثم قال: حديث غريب (٤). ورواه الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو وأبي مالك الأشعري كل منهما عن النبي ﷺ بنحوه، وكل من الإسنادين جيد وحسن، وعنده أن السائل هو: أبو مالك الأشعري (٥)، فالله أعلم. وعن أُسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا هل من مشمِّر إلى الجنة؟ فإن الجنة لا خطر لها، هي -وربِّ الكعبة- نور يتلألأ وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطَّرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار سليمة، وفاكهة وخضرة وحبرة ونعمة في محلة عالية بهية" قالوا: نعم يا رسول الله نحن المشمِّرون لها، قال: "قولوا: إن شاء الله" فقال القوم: إن شاء الله. رواه ابن ماجه (٦). وقوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أي: رضا الله عنهم أكبر وأجل وأعظم مما هم فيه من النعيم، كما قال الإمام مالك ﵀ عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد

стр. 2175

الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا ربِّ وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أُحلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا" أخرجاه من حديث مالك (١). وقال أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي: حدثنا الفضل [الرخامي] (٢) حدثنا الفريابي، عن سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله : هل تشتهون شيئًا فأزيدكم؟ قالوا: يا ربنا ما خير مما أعطيتنا؟ قال: رضواني أكبر" (٣). ورواه البزار في مسنده من حديث الثوري، وقال الحافظ الضياء المقدسي في كتابه (صفة الجنة): هذا عندي على شرط الصحيح، والله أعلم. ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٧٤)﴾. أمر تعالى رسوله ﷺ بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم، كما أمره بأن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين، وأخبره أن مصير الكفار والمنافقين إلى النار في الدار الآخرة، وقد تقدم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال: بعث رسول الله ﷺ بأربعة أسياف (٤): سيف للمشركين ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، وسيف لكفار أهل الكتاب ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة]، وسيف للمنافقين ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، وسيف للبغاة ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، وهذا يقتضي أنهم يجاهدون بالسيوف إذا أظهروا النفاق وهو اختيار ابن جرير. وقال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ قال: بيده، فإن لم يستطع فليكفهر (٥) في وجهه (٦).

стр. 2176

وقال ابن عباس: أمره الله تعالى بجهاد الكفار بالسيف؛ والمنافقين باللسان وأذهب الرفق عنهم (١). وقال الضحاك: جاهد الكفار بالسيف؛ واغلظ على المنافقين بالكلام وهو مجاهدتهم (٢). وعن مقاتل والربيع مثله (٣)، وقال الحسن وقتادة: مجاهدتهم إقامة الحدود عليهم (٤). وقد يقال: إنه لا منافاة بين هذه الأقوال؛ لأنه تارة يؤاخذهم بهذا، وتارة بهذا بحسب الأحوال، والله أعلم. وقوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ قال قتادة: نزلت في عبد الله بن أُبي، وذلك أنه اقتتل رجلان جهني وأنصاري، فعلا الجهني على الأنصاري، فقال عبد الله للأنصار: ألا تنصروا أخاكم؟ والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك، وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي ﷺ ، فأرسل إليه فسأله، فجعل يحلف باللهِ ما قاله، فأنزل الله فيه هذه الآية (٥). وروى إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة قال: فحدثني عبد الله بن الفضل أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: حزنت على من أُصيب بالحَرة من قومي، فكتب إلي زيد بن أرقم وبلغه شدة حزني يذكر أنه سمع رسول الله يقول: "اللَّهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار" وشكَّ ابن الفضل في أبناء أبناء الأنصار قال ابن الفضل: فسأل أنس بعض من كان عنده عن زيد بن أرقم فقال: هو الذي يقول له رسول الله ﷺ : "أوفى الله له بِأُذُنِه" (٦) قال: وذلك حين سمع رجلًا من المنافقين يقول ورسول الله ﷺ يخطب: لئن كان صادقًا فنحن شرُّ من الحمير، فقال زيد بن أرقم: فهو والله صادق ولأنت شرُّ من الحمار. ثم رفع ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فجحده القائل، فأنزل الله هذه الآية تصديقًا لزيد، يعني قوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ الآية، رواه البخاري في صحيحه عن إسماعيل بن أبي أويس، عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة -إلى قوله:- هذا الذي أوفى الله له بِأُذُنِه، ولعلَّ ما بعده من قول موسى بن عقبة، وقد رواه محمد بن فليح عن موسى بن عقبة بإسناده، ثم قال: قال ابن شهاب … فذكر ما بعده عن موسى، عن ابن شهاب (٧).

стр. 2177

والمشهور في هذه القصة أنه كانت في غزوة بني المصطلق، فلعل الراوي وهم في ذكر الآية، وأراد أن يذكر غيرها فذكرها (١)، والله أعلم. قال الأموي في مغازيه: حدثنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن جده قال: لما قدم رسول الله ﷺ أخذني قومي فقالوا: إنك امرؤ شاعر فإن شئت أن تعتذر إلى رسول الله ﷺ ببعض العلَّة ثم يكون ذنبًا تستغفر الله منه، وذكر الحديث بطوله إلى أن قال: وكان ممن تخلف من المنافقين ونزل فيه القرآن منهم ممن كان مع النبي ﷺ الجُلاس بن سويد بن الصامت (٢)، وكان على أم عُمير بن سعد، وكان عُمير في حجره، فلما نزل القرآن وذكرهم الله بما ذكر مما أنزل في المنافقين قال الجلاس: والله لئن كان هذا الرجل صادقًا فيما يقول لنحن شرٌ من الحمير؟ فسمعها عمير بن سعد (٣) فقال: والله يا جُلاس إنك لأحبُّ الناس إليَّ وأحسنهم بلاء عندي وأعزَّهم عليَّ أن يصله شيء يكرهه، ولقد قلتَ مقالة لئن ذكرتها لتفضحنك، ولئن كتمتها لتهلكني، ولإحداهما أهون عليَّ من الأخرى، فمشى إلى رسول الله ﷺ فذكر له ما قال الجُلاس، فلما بلغ ذلك الجُلاس خرج حتى أتى النبي ﷺ فحلف بالله ما قال ما قال عُمير بن سعد، ولقد كذب عليَّ، فأنزل الله فيه: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ … ﴾ إلى آخر الآية، فوقفه رسول الله ﷺ عليها فزعموا أن الجلاس تاب فحسنت توبته ونزع فأحسن النزوع (٤). هكذا جاء هذا مدرجًا في الحديث متصلًا به وكأنه -والله أعلم- من كلام ابن إسحاق نفسه لا من كلام كعب بن مالك (٥). وقال عروة بن الزبير: نزلت هذه الآية في الجُلاس بن سويد بن الصامت، أقبل هو وابن امرأته مصعب من قباء، فقال الجلاس: إن كان ما جاء به محمد حقًا فنحن أشرُّ من حمرنا هذه التي نحن عليها، فقال مصعب: أما والله يا عدو الله لأخبرنَّ رسول الله ﷺ بما قلت، فأتيت النبي ﷺ وخفت أن ينزل فيّ القرآن أو تصيبني قارعة أو أن أخلط بخطيئته، فقلت: يا رسول الله أقبلت أنا والجلاس من قباء، فقال كذا وكذا، ولولا مخافة أن أخلط بخطيئة أو تصيبني قارعة ما أخبرتك، قال: فدعا الجلاس فقال: "يا جُلاس أقلت الذي قاله مصعب؟ " فحلف فأنزل الله ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ الآية (٦). وقال محمد بن إسحاق: كان الذي قال تلك المقالة فيما بلغني الجُلاس بن سويد بن الصامت، فرفعها عليه رجل كان في حجره يقال له: عُمير بن سعد فأنكرها فحلف بالله ما قالها، فلما نزل فيه القرآن تاب ونزع وحسنت توبته فيما بلغني (٧).

стр. 2178

وقال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثني أيوب بن إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ جالسًا في ظل شجرة فقال: "إنه سيأتيكم إنسان فينظر إليكم -بعيني الشيطان- فإذا جاء فلا تكلموه" فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق (١)، فدعاه رسول الله ﷺ فقال: "علام تشتمني أنت وأصحابك؟ " فانطلق الرجل فجاءه بأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا حتى تجاوز عنهم، فأنزل الله : ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ الآية (٢). وقوله: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ قيل: أنزلت في الجُلاس بن سويد وذلك أنه همَّ بقتل ابن امرأته حين قال: لأخبرن رسول الله ﷺ (٣)، وقيل: في عبد الله بن أُبي، همَّ بقتل رسول الله ﷺ (٤). وقال السدي: نزلت في أناس أرادوا أن يتوجوا عبد الله بن أُبي وإن لم يرض رسول الله ﷺ (٥) وقد ورد أن نفرًا من المنافقين همّوا بالفتك بالنبي ﷺ وهو في غزوة تبوك، في بعض تلك الليالي في حال السير، وكانوا بضعة عشر رجلًا، قال الضحاك: ففيهم نزلت هذه الآية. وذلك بيِّن فيما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب (دلائل النبوة) من حديث محمد بن إسحاق، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: كنت آخذًا بخطام ناقة رسول الله ﷺ أقود به وعمار يسوق الناقة، أو أنا أسوقه وعمار يقوده حتى إذا كنا بالعقبة فإذا أنا باثني عشر راكبًا قد اعترضوه فيها، قال فأنبهت رسول الله ﷺ بهم، فصرخ بهم، فولُّوا مدبرين. فقال لنا رسول الله ﷺ : "هل عرفتم القوم؟ " قلنا: لا يا رسول الله قد كانوا متلثمين ولكنا قد عرفنا الركاب قال: "هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة وهل تدرون ما أرادوا؟ " قلنا: لا، قال: "أرادوا أن يزاحموا رسول الله ﷺ في العقبة فيلقوه منها" قلنا: يا رسول الله أفلا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ قال: "لا، أكره أن تتحدث العرب بينها أن محمدًا قاتل بقوم حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم -ثم قال:- اللَّهم ارمهم بالدبيلة" قلنا: يا رسول الله وما الدبيلة؟ قال: "شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك" (٦). وقال الإمام أحمد ﵀: حدثنا يزيد، أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جُميع، عن أبي الطفيل قال: لما أقبل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أمر مناديًا فنادى: إن رسول الله ﷺ أخذ العقبة فلا يأخذها أحد، فبينما رسول الله ﷺ يقوده حذيفة ويسوقه عمار إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل، فغشوا عمارًا وهو يسوق برسول الله ﷺ ، فأقبل عمار ﵁ يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول الله ﷺ لحذيفة: "قد قد" حتى هبط رسول الله ﷺ ، فلما هبط نزل ورجع عمار

стр. 2179

فقال: يا عمار، "هل عرفت القوم؟ " قال: لقد عرفت عامة الرواحل والقوم متلثمون قال: "هل تدري ما أرادوا؟ " قال: الله ورسوله أعلم قال: "أرادوا أن ينفروا برسول الله ﷺ فيطرحوه" قال: فسأل عمار رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ فقال: "نشدتك بالله كم تعلم كان أصحاب العقبة؟ قال: أربعة عشر رجلًا فقال: إن كنت منهم فقد كانوا خمسة عشر، قال فعدَّ رسول الله ﷺ منهم ثلاثة قالوا: والله ما سمعنا منادي رسول الله ﷺ وما علمنا ما أراد القوم، فقال عمار أشهد: أن الاثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد" (١). وهكذا روى ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير نحو هذا، وأن رسول الله ﷺ أمر أن يمشي الناس في بطن الوادي وصعد هو وحذيفة وعمار العقبة، فتبعهم هؤلاء النفر الأرذلون وهم متلثمون فأرادوا سلوك العقبة، فأطلع الله على مرادهم رسول الله ﷺ ، فأمر حذيفة فرجع إليهم فضرب وجوه رواحلهم ففزعوا ورجعوا مقبوحين، وأعلم رسول الله ﷺ حذيفة وعمارًا بأسمائهم وما كانوا همُّوا به من الفتك به صلوات الله وسلامه عليه وأمرهما أن يكتما عليهم (٢)، وكذا روى يونس بن بكير عن ابن إسحاق، إلا أنه سمَّى جماعة منهم، فالله أعلم (٣). وكذا قد حكي في معجم الطبراني قاله البيهقي، ويشهد لهذه القصة بالصحة ما رواه مسلم: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا أبو أحمد الكوفي، حدثنا الوليد بن جميع، حدثنا أبو الطفيل قال: كان بين رجل من أهل العقبة أو بين حذيفة بعض ما يكون بين الناس، فقال: أنشدك بالله كم كان أصحاب العقبة؟] (٤) قال: فقال له القوم: أخبره إذ سألك؟ فقال: كنا نخبر أنهم أربعة عشر فإن كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر، وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وعذر ثلاثة قالوا: ما سمعنا منادي رسول الله ﷺ ولا علمنا بما أراد القوم؟ وقد كان في حرَّة يمشي فقال: إن الماء قليل فلا يسبقني إليه أحد، فوجد قومًا قد سبقوه فلعنهم يومئذٍ (٥)، وما رواه مسلم أيضًا من حديث قتادة عن أبي نضرة، عن قيس بن عباد، عن عمار بن ياسر قال: أخبرني حذيفة عن النبي ﷺ أنه قال: "في أصحابي اثنا عشر منافقًا لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سَمِّ الخياط: ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة: سراج من نار تظهر بين أكتافهم حتى ينجم في صدورهم" (٦) ولهذا كان حذيفة يقال له: صاحب السر الذي لا يعلمه غيره، أي من تعيين جماعة من المنافقين وهم هؤلاء قد أطلعه عليهم رسول الله ﷺ دون غيره، والله أعلم. [وقد ترجم الطبراني في مسند حذيفة تسمية أصحاب العقبة، ثم روي عن علي بن عبد العزيز،

стр. 2180

عن الزبير بن بكار أنه قال: هم [معتب بن قشير] (١)، ووديعة بن ثابت، وجد بن عبد الله بن نبتل بن الحارث من بني عمرو بن عوف، والحارث بن يزيد الطائي، وأوس بن قيظي، والحارث بن سويد، وسعد بن وراه، وقيس بن فهد، وسويد بن داعس من بنى الحبلى، وقيس بن عمرو بن سهل، [وزيد بن اللصيت] (٢)، وسلالة بن الحمام وهما من بني قينقاع أظهرا الإسلام] (٣) (٤). وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: وما للرسول عندهم ذنب إلا أن الله أغناهم ببركته ويمن سعادته، ولو تمَّت عليه السعادة لهداهم الله لما جاء به كما قال ﷺ للأنصار: "ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي" كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمنّ (٥). وهذه الصيغة تقال حيث لا ذنب، كقوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾ [البروج]. وقوله ﵇: "ما ينقم ابن جميل (٦) إلا أن كان فقيرًا فأغناه الله" (٧) ثم دعاهم الله ﵎ إلى التوبة فقال: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أي: وإن يستمروا على طريقهم يعذبهم الله عذابًا أليمًا في الدنيا أي: بالقتل والهم والغم، والآخرة أي: بالعذاب والنكال والهوان والصغَار ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ أي: وليس لهم أحد يسعدهم ولا ينجدهم لا يحصل لهم خيرًا ولا يدفع عنهم شرًا. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨)﴾. يقول تعالى: ومن المنافقين من أعطى الله عهده وميثاقه لئن أغناه من فضله ليصدقن من ماله

стр. 2181

وليكونن من الصالحين، فما وفَّى بما قال، ولا صدق فيما ادعى، فأعقبهم هذا الصنيع نفاقًا سكن في قلوبهم إلى يوم يلقون الله يوم القيامة عياذًا بالله من ذلك. وقد ذكر كثير من المفسرين منهم ابن عباس والحسن البصري أن سبب نزول هذه الآية الكريمة في ثعلبة بن حاطب الأنصاري (١). وقد ورد فيه حديث رواه ابن جرير ههنا، وابن أبي حاتم من حديث معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن أبي عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن مولى عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية، عن أبي أُمامة الباهلي، عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري، أنه قال لرسول الله ﷺ : ادع الله أن يرزقني مالًا، قال: فقال رسول الله ﷺ : "ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه" قال: ثم قال مرة أخرى فقال: "أما ترضى أن تكون مثل نبي الله -فوالذي نفسي بيده- لو شئت أن تسير الجبال معي ذهبًا وفضةً لسارت" قال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله فرزقني مالًا لأعطينَّ كل ذي حق حقه، فقال رسول الله ﷺ : "اللَّهم ارزق ثعلبة مالًا" قال: فاتخذ غنمًا فنَمت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها فنزل واديًا من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ويترك ما سواهما، ثم نمّت وكثرت فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تنمو كما ينمو الدود حتى ترك الجمعة، فطفق يتلقى الركبان يوم الجمعة ليسألهم عن الأخبار فقال رسول الله ﷺ : "ما فعل ثعلبة؟ " فقالوا: يا رسول الله اتخذ غنمًا فضاقت عليه المدينة، فأخبروه بأمره، فقال: "يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة". وأنزل الله جل ثناؤه ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية [التوبة: ١٠٣]، ونزلت فرائض الصدقة، فبعث رسول الله ﷺ رجلين على الصدقة من المسلمين رجلًا من جهينة ورجلًا من سليم وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة من المسلمين، وقال لهما: "مرا بثعلبة وبفلان -رجل من بني سليم- فخذا صدقاتهما" فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله ﷺ ، فقال: ما هذه إلا جزية! ما هذه إلا أخت الجزية ما أدري ما هذا؟ انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إليَّ فانطلقا، وسمع بهما السُّلمي فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة ثم استقبلهما بهما، فلما رأوها قالوا: ما يجب عليك هذا وما نريد أن نأخذ هذا منك، فقال: بلى فخذوها فإن نفسي بذلك طيبة وإنما هي لله، فأخذاها منه ومرَّا على الناس، فأخذا الصدقات ثم رجعا إلى ثعلبة فقال: أروني كتابكما فقرأه فقال: ما هذه إلا جزية! ما هذه إلا أخت الجزية انطلقا حتى أرى رأيي! فانطلقا حتى أتيا النبي ﷺ فلما رآهما قال: "ويح ثعلبة" قبل أن يكلمهما ودعا للسُّلمي بالبركة، فأخبراه بالذي صنع ثعلبة والذي صنع السُّلمي، فأنزل الله : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ الآية، قال: وعند رسول الله ﷺ رجل من أقارب ثعلبة فسمع ذلك فخرج حتى أتاه فقال: ويحك يا ثعلبة قد أنزل الله فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي ﷺ فسأله أن يقبل

стр. 2182

منه صدقته، فقال: "ويحك إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك"، فجعل يحثو (١) على رأسه التراب، فقال له رسول الله ﷺ : "هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني" فلما أبى رسول الله ﷺ أن يقبل صدقته رجع إلى منزله، فقبض رسول الله ﷺ ولم يقبل منه شيئًا، ثم أتى أبا بكر ﵁ حين استخلف فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله ﷺ وموضعي من الأنصار فاقبل صدقتي، فقال أبو بكر: لم يقبلها منك رسول الله ﷺ وأبى أن يقبلها، فقبض أبو بكر ولم يقبلها. فلما ولي عمر ﵁ أتاه فقال: يا أمير المؤمنين اقبل صدقتي فقال: لم يقبلها رسول الله ﷺ ولا أبو بكر وأنا أقبلها منك؟ فقبض ولم يقبلها، فلما ولي عثمان ﵁ أتاه فقال: اقبل صدقتي فقال: لم يقبلها رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر وأنا أقبلها منك؟ فلم يقبلها منه فهلك ثعلبة في خلافة عثمان (٢). وقوله تعالى: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ الآية، أي: أعقبهم النفاق في قلوبهم بسبب إخلافهم الوعد وكذبهم؛ كما في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان" (٣) وله شواهد كثيرة، والله أعلم. وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ الآية، يخبر تعالى أنه يعلم السر وأخفى، وأنه أعلم بضمائرهم وإن أظهروا أنه إن حصل لهم أموال تصدقوا منها وشكروا عليها فإن الله أعلم بهم من أنفسهم؛ لأنه تعالى علام الغيوب أي يعلم كل غيب وشهادة، وكلَّ سر ونجوى، ويعلم ما ظهر وما بطن. ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾. وهذا أيضًا من صفات المنافقين لا يسلم أحد من عيبهم ولمزهِم في جميع الأحوال حتى ولا المتصدقون يسلمون منهم، إن جاء أحد منهم بمال جزيل قالوا هذا مراء، وإن جاء بشيء يسير قالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا، كما روى البخاري: حدثنا عبيد الله بن سعيد، حدثنا أبو النعمان البصري، حدثنا شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، عن أبي مسعود ﵁ قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل على ظهورنا، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير فقالوا: مرائي، وجاء رجل فتصدق بصاع، فقالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا. فنزلت ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ

стр. 2183

الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ الآية (١). وقد رواه مسلم أيضًا في صحيحه من حديث شعبة به (٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا الجريري، عن أبي السليل قال: وقف علينا رجل في مجلسنا بالبقيع فقال: حدثني أبي أو عمي أنه رأى رسول الله ﷺ بالبقيع وهو يقول: "من يتصدق بصدقة أشهد له بها يوم القيامة" قال: فحللت من عمامتي لوثًا أو لوثين وأنا أريد أن أتصدق بهما، فأدركني ما يدرك ابن آدم فعقدت على عمامتي، فجاء رجل لم أر بالبقيع رجلًا أشد منه سوادًا ولا أصغر منه ولا أدم، ببعير ساقه لم أر بالبقيع ناقة أحسن منها فقال: يا رسول الله أصدقة؟ قال: "نعم" قال: دونك هذه الناقة، قال فلمزه رجل فقال: هذا يتصدق بهذه فوالله لهي خير منه. قال: فسمعها رسول الله ﷺ فقال: "كذبت بل هو خير منك ومنها" ثلاث مرات، ثم قال: "ويل لأصحاب المئين من الإبل" ثلاثًا قالوا إلا من يا رسول الله؟ قال: "إلا من قال بالمال هكذا وهكذا" وجمع بين كفيه عن يمينه وعن شماله ثم قال: "فد أفلح المزهد المجهد" ثلاثًا (٣). المزهد في العيش، المجهد في العبادة. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية قال: جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب إلى رسول الله ﷺ ، وجاءه رجل من الأنصار بصاع من طعام، فقال بعض المنافقين: والله ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلا رياء، وقالوا: إن الله ورسوله لغنيان عن هذا الصاع (٤). وقال العوفي، عن ابن عباس: إن رسول الله خرج إلى الناس يومًا فنادى فيهم أن اجمعوا صدقاتكم، فجمع الناس صدقاتهم، ثم جاء رجل من آخرهم بصاع من تمر، فقال: يا رسول الله هذا صاع من تمر بتُّ ليلتي أجرُّ بالجرير الماء حتى نلت صاعين من تمر، فأمسكت أحدهما وأتيتك بالآخر، فأمره رسول الله ﷺ أن ينثره في الصدقات، فسخر منه رجال وقالوا: إن الله ورسوله لغنيان عن هذا وما يصنعون بصاعك من شيء، ثم إن عبد الرحمن بن عوف قال لرسول الله ﷺ : هل بقي أحد من أهل الصدقات؟ فقال رسول الله ﷺ : "لم يبق أحد غيرك" فقال له عبد الرحمن بن عوف: فإن عندي مائة أوقية من ذهب في الصدقات، فقال له عمر بن الخطاب ﵁: أمجنون أنت؟ قال: ليس بي جنون، قال: أفعلت ما فعلت؟ قال: نعم مالي ثمانية آلاف أما أربعة آلاف فأقرضها ربي وأما أربعة آلاف فلي، فقال له رسول الله ﷺ : "بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت". ولمزه المنافقون فقالوا: والله ما أعطى عبد الرحمن عطيته إلا رياء وهم كاذبون إنما كان به متطوعًا، فأنزل الله عذره وعذر صاحبه المسكين الذي جاء بالصاع من التمر فقال تعالى في كتابه: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾

стр. 2184

الآية (١)، وهكذا روي عن مجاهد وغير واحد (٢). وقال ابن إسحاق: كان من المطوعين من المؤمنين في الصدقات عبد الرحمن بن عوف تصدق بأربعة آلاف درهم وعاصم بن عدي أخو بني العجلان، وذلك أن رسول الله ﷺ رغَّب في الصدقة وحضَّ عليها، فقام عبد الرحمن بن عوف فتصدق بأربعة آلاف وقام عاصم بن عدي وتصدق بمائة وسق من تمر، فلمزوهما وقالوا: ما هذا إلا رياء، وكان الذي تصدق بجهده أبو عقيل أخو بني أنيف الأراشي حليف بني عمرو بن عوف، أتى بصاع من تمر فأفرغه في الصدقة، فتضاحكوا به وقالوا: إن الله لغني عن صاع أبي عقيل (٣). وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا طالوت بن عباد، حدثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "تصدقوا فإني أريد أن أبعث بعثًا" قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف فقال: يا رسول الله: عندي أربعة آلاف، ألفين أقرضهما ربي وألفين لعيالي، فقال رسول الله ﷺ : "بارك الله لك فيما أعطيت وبارك لك فيما أمسكت"، وبات رجل من الأنصار فأصاب صاعين من تمر فقال يا رسول الله: أصبت صاعين من تمر صاع أقرضه لربي وصاع لعيالي، قال فلمزه المنافقون وقالوا: ما أعطى الذي أعطى ابن عوف إلا رياء، وقالوا: ألم يكن الله ورسوله غنيّين عن صاع هذا؟ فأنزل الله ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ الآية (٤)، ثم رواه عن أبي كامل، عن أبي عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه مرسلًا، قال ولم يسنده أحد إلا طالوت. وقال الإمام أبو جعفر ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا زيد بن الحباب، عن موسى بن عبيدة، حدثني خالد بن يسار، عن ابن أبي عقيل، عن أبيه، قال: بتُّ أجر الجرير على ظهري على صاعين من تمر، فانقلبت بأحدهما إلى أهلي يتبلغون به وجئت بالآخر أتقرب إلى رسول الله ﷺ فأتيته فأخبرته، فقال: "انثره في الصدقة" قال: فسخر القوم، وقالوا: لقد كان الله غنيًا عن صدقة هذا المسكين، فأنزل الله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ﴾ الآيتين (٥)، وكذا رواه الطبراني من حديث زيد بن حباب به (٦)، وقال: اسم أبي عقيل: حباب ويقال: عبد الرحمن بن عبد الله بن ثعلبة.

стр. 2185

وقوله: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ هذا من باب المقابلة على سوء صنيعهم واستهزائهم بالمؤمنين؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فعاملهم معاملة من سخر منهم انتصارًا للمؤمنين في الدنيا، وأعدَّ للمنافقين في الآخرة عذابًا أليمًا؛ لأن الجزاء من جنس العمل. ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٨٠)﴾. يخبر تعالى نبيه ﷺ بأن هؤلاء المنافقين ليسوا أهلًا للاستغفار وأنه لو استغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم، وقد قيل: إن السبعين إنما ذكرت حسمًا لمادة الاستغفار لهم؛ لأن العرب في أساليب كلامها تذكر السبعين في مبالغة كلامها، ولا تريد التحديد بها ولا أن يكون ما زاد عليها بخلافها، وقيل: بل لها مفهوم كما روى العوفي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "لما نزلت هذه الآية أسمع ربِّي قد رخَّص لي فيهم فوالله لأستغفرنَّ لهم أكثر من سبعين مرة لعلّ الله أن يغفر لهم" فقال الله من شدة غضبه عليهم: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية (١) [المنافقون: ٦]. وقال الشعبي: لما ثَقُلَ عبد الله بن أُبي انطلق ابنه إلى النبي ﷺ فقال: إن أبي قد احتضر فأحبُّ أن تشهده وتصلي عليه فقال له النبي ﷺ : "ما اسمك؟ " قال: الحباب بن عبد الله قال: "بل أنت عبد الله بن عبد الله إن الحباب اسم شيطان"، فانطلق معه حتى شهده وألبسه قميصه وهو عرق وصلَّى عليه فقيل له: أتصلي عليه وهو منافق؟ فقال: "إن الله قال: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ ولأستغفرنَّ لهم سبعين وسبعين وسبعين" (٢). وكذا روي عن عروة بن الزبير ومجاهد بن جبير وقتادة بن دعامة رواها ابن جرير بأسانيده (٣). ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾. يقول تعالى ذامًّا للمنافقين المتخلفين عن صحابة رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وفرحوا بقعودهم بعد خروجه: ﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا﴾ معه ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا﴾ أي: بعضهم

стр. 2186

لبعض ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ وذلك أن الخروج في غزوة تبوك كان في شدَّة الحرِّ عند طيب الظلال والثمار، فلهذا قالوا: ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ قال الله تعالى لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ﴾ لهم ﴿نَارُ جَهَنَّمَ﴾ التي تصيرون إليها بمخالفتكم ﴿أَشَدُّ حَرًّا﴾ مما فررتم منه من الحر، بل أشدّ حرًّا من النار؛ كما قال الإمام مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "نار بني آدم التي يوقدون بها جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم" فقالوا: يا رسول الله إن كانت لكافية؟ فقال: "فُضلت عليها بتسعة وستين جزءًا" (١) أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به (٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، وضربت في البحر مرتين، ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد" (٣) وهذا أيضًا إسناده صحيح. وقد روى الإمام أبو عيسى الترمذي وابن ماجه عن عباس الدوري وعن يحيى بن أبي بكير، عن شريك، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أوقد الله على النار ألف سنة حتى احمرَّت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضَّت، ثم أوقد عليها ألف سنة، حتى اسودَّت، فهي سوداء كالليل المظلم" ثم قال الترمذي: لا أعلم أحدًا رفعه غير يحيى، كذا قال (٤)، وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه، عن إبراهيم بن محمد، عن محمد بن الحسين بن مكرم، عن عبيد الله بن سعد، عن عمه، عن شريك وهو ابن عبد الله النخعي به (٥). وروى -أيضًا- ابن مردويه، من رواية مبارك بن فضالة، عن ثابت، عن أنس قال: تلا رسول الله ﷺ : ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] قال: "أوقد عليها ألف عام حتى ابيضَّت، وألف عام حتى احمرَّت، وألف عام حتى اسودَّت، فهي سوداء كالليل لا يضيء لهبها (٦). وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني من حديث تمَّام بن نجيح، وقد اختلف فيه، عن الحسن، عن أنس رفعه: "لو أن شرارة بالمشرق -أي من نار جهنم- لوجد حرُّها مَنْ بالمغرب" (٧). وروى الحافظ أبو يعلى، عن إسحاق بن أبي إسرائيل، عن أبي عبيدة الحداد، عن هشام بن حسان، عن محمد بن شبيب، عن جعفر بن أبي وحشية، عن سعيد بن جبير، عن أبي هريرة

стр. 2187

قال: قال رسول الله ﷺ : "لو كان في هذا المسجد مائة ألف أو يزيدون وفيهم رجل من أهل النار فتنفس فأصابهم نفسه لاحترق المسجد ومن فيه" (١) غريب. وقال الأعمش، عن أبي إسحاق، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة لمن له نعلان وشراكان من نار جهنم يغلي منهما دماغه كما يغلي المِرجل، لا يرى أن أحدًا من أهل النار أشد عذابًا منه وإنه أهونهم عذابًا" أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش (٢). وقال مسلم أيضًا: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن أبي كثير، حدثنا زهير بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن النعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "إن أدنى أهل النار عذابًا يوم القيامة ينتعل بنعلين من نار يغلي دماغه من حرارة نعليه" (٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى عن ابن عجلان، سمعت أبي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن أدنى أهل النار عذابًا رجل يجعل له نعلان يغلي منهما دماغه" (٤) وهذا إسناد جيد قوي رجاله على شرط مسلم والله أعلم، والأحاديث والآثار النبوية في هذا كثيرة، وقال الله تعالى في كتابه العزيز ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦)﴾ [المعارج] وقال تعالى: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢)﴾ [الحج] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦] وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ أي: لو أنهم يفقهون ويفهمون لنفروا مع الرسول في سبيل الله في الحرِّ، ليتقوا به من حرِّ جهنم الذي هو أضعاف أضعاف هذا ولكنهم كما قال الآخر (٥): كالمستجير من الرمضاء بالنار وقال الآخر: عمرك بالحمية أفنيته … مخافة من البارد والحار وكان أولى لك أن تتقي … مِن المعاصي حذر النار

стр. 2188

ثم قال تعالى ﷻ متوعدًا هؤلاء المنافقين على صنيعهم هذا: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ الآية، قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: الدنيا قليل فليضحكوا فيها ما شاؤوا، فإذا انقطعت الدنيا وصاروا إلى الله استأنفوا بكاء لا ينقطع أبدًا (١). وكذا قال أبو رزين والحسن وقتادة والربيع بن خثيم وعون العقيلي وزيد بن أسلم (٢). وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا عبد الله بن عبد الصمد بن أبي خداش، حدثنا محمد بن جبير، عن ابن المبارك، عن عمران بن زيد، حدثنا يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يا أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتقرح العيون، فلو أن سفنًا أزجيت فيها لجرت" (٣) ورواه ابن ماجه من حديث الأعمش عن يزيد الرقاشي به (٤). وقال الحافظ أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن عباس، حدثنا حماد الجزري، عن زيد بن رفيع رفعه، قال: إن أهل النار إذا دخلوا النار بكوا الدموع زمانًا ثم بكوا القيح زمانًا، قال: فتقول لهم الخزنة: يا معشر الأشقياء تركتم البكاء في الدار المرحوم فيها أهلها في الدنيا هل تجدون اليوم من تستغيثون به؟ قال: فيرفعون أصواتهم: يا أهل الجنة يا معشر الآباء والأمهات والأولاد خرجنا من القبور عطاشًا، وكنا طول الموقف عطاشًا ونحن اليوم عطاش، فأفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله، فيدعون أربعين سنة لا يجيبهم، ثم يجيبهم ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] فييأسون من كل خير" (٥). ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣)﴾. يقول تعالى آمرًا لرسوله ﵊: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ أي: ردَّك الله من غزوتك هذه ﴿إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ قال قتادة: ذُكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلًا (٦) ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ أي: معك إلى غزوة أخرى ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ أي: تعزيرًا لهم وعقوبة، ثم

стр. 2189

علَّل ذلك بقوله: ﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وهذا كقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]، فإن جزاء السيئة السيئة بعدها كما أن ثواب الحسنة الحسنة بعدها، كما قال في عمرة الحديبية: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الفتح: ١٥]. وقوله تعالى: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ قال ابن عباس: أي الرجال الذين تخلفوا عن الغزاة (١). وقال قتادة: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ أي: مع النساء (٢). قال ابن جرير: وهذا لا يستقيم لأن جمع النساء لا يكون بالياء والنون، ولو أريد النساء لقال: فاقعدوا مع الخوالف أو الخالفات، ورجح قول ابن عباس ﵄. ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾. أمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يبرأ من المنافقين وأن لا يصلي على أحد منهم إذا مات، وأن لا يقوم على قبره ليستغفر له أو يدعو له؛ لأنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا عليه، وهذا حكم عام في كلِّ من عُرف نفاقه، وإن كان سبب نزول الآية في عبد الله بن أُبي بن سلول رأس المنافقين كما قال البخاري: حدثنا عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أُبي جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله ﷺ فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟! فقال رسول الله ﷺ : "إنما خيرني الله فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وسأزيده على السبعين" قال: إنه منافق. قال: فصلَّى عليه رسول الله ﷺ ، فأنزل الله آية ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (٣). وكذا رواه مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أُسامة حماد بن أُسامة به (٤)، ثم رواه البخاري، عن إبراهيم بن المنذر، عن أنس بن عياض، عن عبيد الله وهو ابن عمر العمري به، وقال فصلى عليه وصلينا معه وأنزل الله ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ الآية (٥). وهكذا رواه الإمام أحمد، عن يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله به (٦). وقد روي من حديث عمر بن الخطاب نفسه -أيضًا- بنحو من هذا، فقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن

стр. 2190

عباس، قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: لما توفي عبد الله بن أُبي [دُعي رسول الله ﷺ للصلاة عليه، فقام إليه فلما وقف عليه يريد الصلاة تحولت حتى قمت في صدره فقلت: يا رسول الله أعلى عدو الله عبد الله بن أُبي] (١) القائل يوم كذا وكذا وكذا يعدد أيامه؟! قال: ورسول الله ﷺ يبتسم، حتى إذا أكثرتُ عليه فقال: "أخِّر عني يا عمر، إني خُيرت فاخترت، قد قيل لي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت" قال: ثم صلَّى عليه ومشى معه وقام على قبره حتى فرغ منه، قال: فعجبت من جرأتي على رسول الله ﷺ والله ورسوله أعلم. قال: فوالله ما كان إلا يسيرًا حتى نزلت هاتان الآيتان: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ الآية. فما صلى رسول الله ﷺ بعده على منافق ولا قام على قبره حتى قبضه الله (٢). وهكذا رواه الترمذي في التفسير من حديث محمد بن إسحاق عن الزهري به، وقال: حسن صحيح (٣). ورواه البخاري، عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري به فذكر مثله، قال: "أخِّر عني يا عمر" فلما أكثرت عليه قال: "إني خُيرت فاخترت ولو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت عليها" قال: فصلَّى عليه رسول الله ثم انصرف، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى نزلت الآيتان من براءة ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ الآية، فعجبت بعدُ من جرأتي على رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ أعلم (٤). وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا عبد الملك، عن أبي الزبير، عن جابر قال: لما مات عبد الله بن أُبي أتى ابنه النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله إنك إن لم تأته لم نزل نُعيَّر بهذا، فأتاه النبي ﷺ فوجده قد أُدخل في حفرته فقال: "أفلا قبل أن تدخلوه"؟ فأخرج من حفرته، وتفل عليه من ريقه من قرنه إلى قدمه وألبسه قميصه (٥)، ورواه النسائي، عن أبي داود الحراني، عن يعلى بن عبيد، عن عبد الملك وهو ابن أبي سليمان به (٦). وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن عثمان، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو سمع جابر بن عبد الله قال: أتى النبي ﷺ عبد الله بن أُبي بعد ما أدخل في قبره فأمر به فأخرج ووضع على ركبتيه ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه (٧). والله أعلم. وقد رواه أيضًا في غير موضع مع مسلم والنسائي من غير وجه، عن سفيان بن عيينة (٨) به.

стр. 2191

وقال الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى، حدثنا مجالد، حدثنا عامر، حدثنا جابر "ح" وحدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء الدوسي، حدثنا مجالد، عن الشعبي، عن جابر قال: لما مات رأس المنافقين قال يحيى بن سعيد بالمدينة: فأوصى أن يصلي عليه النبي ﷺ فجاء ابنه إلى النبي ﷺ فقال: "إن أبي أوصى أن يكفن بقميصك -وهذا الكلام في حديث عبد الرحمن بن مغراء- قال يحيى في حديثه: فصلَّى عليه وألبسه قميصه فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ وزاد عبد الرحمن: وخلع النبي ﷺ قميصه، فأعطاه إياه ومشى، فصلى عليه وقام على قبره، فأتاه جبريل ﵇ لما ولَّى قال: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (١) وإسناده لا بأس به وما قبله شاهد له. وقال الإمام أبو جعفر الطبري: حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أحمد، حدثنا حماد بن سلمة، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، أن رسول الله ﷺ أراد أن يصلي على عبد الله بن أُبي، فأخذ جبريل بثوبه وقال: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (٢). ورواه الحافظ أبو يعلى في مسنده من حديث يزيد الرقاشي وهو ضعيف (٣). وقال قتادة: أرسل عبد الله بن أُبي إلى رسول الله ﷺ وهو مريض فلما دخل عليه قال له النبي ﷺ : "أهلكك حبُّ يهود" قال: يا رسول الله إنما أرسلت إليك لتستغفر لي ولم أرسل إليك لتؤنِّبني، ثم سأله عبد الله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه إياه وصلَّى عليه وقام على قبره، فأنزل الله : ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ الآية (٤). وقد ذكر بعض السلف أنه إنما كساه قميصه، لأن عبد الله بن أُبي لما قدم العباس طلب له قميص فلم يوجد على تفصيله إلا ثوب عبد الله بن أُبي لأنه كان ضخمًا طويلًا، ففعل ذلك به رسول الله ﷺ مكافأة له، فالله أعلم. ولهذا كان رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية الكريمة عليه لا يصلي على أحد من المنافقين ولا يقوم على قبره، كما قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن أبيه، حدثني عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا دُعي إلى جنازة سأل عنها، فإن أثني عليها خيرًا قام فصلى عليها، وإن كان غير ذلك قال لأهلها: "شأنكم بها" ولم يصلِّ عليها (٥). وكان عمر بن الخطاب لا يصلي على جنازة من جهل حاله حتى يصلي عليها حذيفة بن اليمان؛ لأنه كان يعلم أعيان المنافقين، قد أخبره بهم رسول الله ﷺ ، ولهذا كان يقال له: صاحب السر الذي لا يعلمه غيره أي من الصحابة. وقال أبو عبيد في كتاب "الغريب" في حديث عمر: إنه أراد أن يصلي على جنازة رجل فمرزه

стр. 2192

حذيفة كأنه أراد أن يصدَّه عن الصلاة عليها. ثم حكى عن بعضهم: أن المرز -بلغة أهل اليمامة- هو القرص بأطراف الأصابع. ولما نهى الله عن الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم للاستغفار لهم، كان هذا الصنيع من أكبر القربات في حق المؤمنين فشرع ذلك، وفي فعله الأجر الجزيل كما ثبت في الصحاح وغيرها من حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان" قيل: وما القيراطان؟ قال: "أصغرهما مثل أحد" (١). وأما القيام عند قبر المؤمن إذا مات، فروى أبو داود: حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، أخبرنا هشام، عن عبد الله بن بحير، عن هانئ، وهو أبو سعيد البربري مولى عثمان بن عفان، عن عثمان ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل" (٢) انفرد بإخراجه أبو داود رحمه الله تعالى. ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٨٥)﴾. قد تم تفسير نظير هذه الآية الكريمة (٣)، ولله الحمد. ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٨٧)﴾. يقول تعالى منكرًا وذامًّا للمتخلفين عن الجهاد الناكلين عنه مع القدرة عليه ووجود السعة والطول (٤)، واستأذنوا الرسول في القعود وقالوا: ﴿ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ ورضوا لأنفسهم بالعار والقعود في البلد مع النساء، وهنَّ الخوالف بعد خروج الجيش، فإذا وقع الحرب كانوا أجبن الناس، وإذا كان أمن كانوا أكثر الناس كلامًا، كما قال تعالى عنهم في الآية الأخرى: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩] أي: علت ألسنتهم بالكلام الحاد القوي في الأمن، وفي الحرب أجبن شيء، وكما قال الشاعر: أفي السلم أعيار (٥) أجفاء وغلظة … وفي الحرب أشباه النساء العوارك (٦)؟ (٧)

стр. 2193

وقال تعالي في الآية الأخرى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ الآية [محمد]. وقوله: ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أي: بسبب نكولهم عن الجهاد والخروج مع الرسول في سبيل الله ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ أي: لا يفهمون ما فيه صلاح لهم فيفعلوه ولا ما فيه مضرة لهم فيجتنبوه. ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾. لما ذكر تعالى ذنب المنافقين وبين ثناءه على المؤمنين وما لهم في آخرتهم، فقال: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا … ﴾ إلى آخر الآيتين من بيان حالهم ومآلهم، وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾ أي: في الدار الآخرة في جنات الفردوس، والدرجات العلى. ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٠)﴾. ثم بيَّن تعالى حال ذوي الأعذار في ترك الجهاد الذين جاؤوا رسول الله ﷺ يعتذرون إليه ويبينون له ما هم فيه من الضعف وعدم القدرة على الخروج، وهم من أحياء العرب ممن حول المدينة. قال الضحاك، عن ابن عباس، إنه كان يقرأ: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ بالتخفيف ويقول: هم أهل العذر (١). وكذا روى ابن عيينة، عن حميد، عن مجاهد سواء (٢). قال ابن إسحاق: وبلغني أنهم نفر من بني غفار خفاف بن إيماء بن رخصة (٣)، وهذا: القول هو الأظهر في معنى الآية، لأنه قال بعد هذا: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: لم يأتوا فيعتذروا. وقال ابن جريج، عن مجاهد: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ قال: نفر من بني غفار جاؤوا فاعتذروا فلم يعذرهم الله (٤)، وكذا قال الحسن وقتادة (٥) ومحمد بن إسحاق والقول الأول أظهر والله أعلم، لما قدمنا من قوله بعده: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: وقعد آخرون من

стр. 2194

الأعراب عن المجيء للاعتذار ثم أوعدهم بالعذاب الأليم فقال: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٩٣)﴾. ثم بيَّن تعالى الأعذار التي لا حرج على من قعد معها عن القتال، فذكر منها ما هو لازم للشخص لا ينفك عنه وهو الضعف في التركيب الذي لا يستطيع معه الجِلاد في الجهاد، ومنه العمى والعرج ونحوهما، ولهذا بدأ به، ومنه ما هو عارض بسبب مرض عنّ له في بدنه شغله عن الخروج في سبيل الله أو بسبب فقره لا يقدر على التجهيز للحرب، فليس على هؤلاء حرج إذا قعدوا ونصحوا في حال قعودهم ولم يرجفوا بالناس ولا يثبطوهم وهم محسنون في حالهم هذا، ولهذا قال: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقال سفيان الثوري، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي ثمامة ﵁ قال: قال الحواريون يا روح الله أخبرنا عن الناصح لله؟ قال: الذي يؤثر حقَّ الله على حقِّ الناس، وإذا حدث له أمران أو بدا له أمر الدنيا وأمر الآخرة، بدأ بالذي للآخرة ثم تفرغ للذي للدنيا (١). وقال الأوزاعي: خرج الناس إلى الاستسقاء فقام فيهم بلال بن سعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا معشر من حضر ألستم مقرين بالإساءة؟ قالوا: اللَّهم نعم، فقال: اللَّهم إنَّا نسمعك تقول: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ اللَّهم وقد أقررنا بالإساءة فاغفر لنا وارحمنا واسقنا، ورفع يديه، ورفعوا أيديهم فسُقوا (٢). وقال قتادة: نزلت هذه الآية في عائذ بن عمرو المزني (٣). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد الله الرازي، حدثنا ابن جابر، عن ابن فروة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب لرسول الله ﷺ فكنت أكتب براءة، فإني لواضع القلم على أُذني إذ أمرنا بالقتال، فجعل رسول الله ﷺ ينظر ما ينزل عليه، إذ جاء أعمى فقال: كيف بي يا رسول الله وأنا أعمى؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ الآية (٤). وقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية، وذلك أن رسول الله ﷺ أمر الناس أن ينبعثوا

стр. 2195

غازين معه، فجاءته عصابة من أصحابه فيهم: عبد الله بن مغفل بن مقرن المزني فقالوا: يا رسول الله احملنا. فقال لهم: "والله لا أجد ما أحملكم عليه" فتولوا وهم يبكون وعزَّ عليهم أن يجلسوا عن الجهاد ولا يجدون نفقة أو محملًا. فلما رأى الله حرصهم على محبته ومحبة رسوله أنزل عذرهم في كتابه فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١). وقال مجاهد في قوله: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾: نزلت في بني مقرن من مزينة (٢). وقال محمد بن كعب: كانوا سبعة نفر: من بني عمرو بن عوف سالم بن عمير، ومن بني واقف: حرمي بن عمرو، ومن بني مازن بن النجار: عبد الرحمن بن كعب ويكنى أبا ليلى، ومن بني المعلى: سلمان بن صخر، ومن بني سلمة: عمرو بن غنمة وعبد الله بن عمرو المزني (٣). وقال محمد بن إسحاق في سياق غزوة تبوك: ثم إن رجالًا من المسلمين أتوا رسول الله ﷺ وهم البكاؤون وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، من بني عمرو بن عوف سالم بن عمير، وعلية بن زيد أخو بني حارثة، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب أخو بني مازن بن النجار، وعمرو بن الحمام بن الجموح أخو بني سلمة، وعبد الله بن المغفل المزني، وبعض الناس يقول: بل هو عبد الله بن عمرو المزني، وحرمي بن عبد الله أخو بني واقف، وعياض بن سارية الفزاري، فاستحملوا رسول الله ﷺ ، وكانوا أهل حاجة فقال: ﴿لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ (٤). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن الأودي، حدثنا وكيع، عن الربيع، عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : "لقد خلفتم بالمدينة أقوامًا ما أنفقتم من نفقة ولا قطعتم واديًا ولا نلتم من عدو نيلًا إلا وقد شركوكم في الأجر" ثم قرأ: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ الآية (٥)، وأصل الحديث في الصحيحين من حديث [أنس] (٦) أن رسول الله ﷺ قال: "إن بالمدينة أقوامًا ما قطعتم واديًا ولا سرتم سيرًا إلا وهم معكم" قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: "نعم حبسهم العذر" (٧). وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال

стр. 2196

رسول الله ﷺ : "لقد خلفتم بالمدينة رجالًا ما قطعتم واديًا ولا سلكتم طريقًا إلا شركوكم في الأجر، حبسهم المرض" (١). ورواه مسلم وابن ماجه من طرق عن الأعمش به (٢). ثم ردَّ تعالى الملامة على الذين يستأذنون في القعود وهم أغنياء، وأنَّبهُم في رضاهم بأن يكونوا مع النساء الخوالف في الرحال ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾. أخبر تعالى عن المنافقين بأنهم إذا رجعوا إلى المدينة أنهم يعتذرون إليهم ﴿قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ أي: لن نصدقكم ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ أي: قد أعلمنا الله أحوالكم ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ أي: سيظهر أعمالكم للناس في الدنيا ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: فيخبركم بأعمالكم خيرها وشرها ويجزيكم عليها. ثم أخبر عنهم أنهم سيحلفون لكم معتذرين لتعرضوا عنهم، فلا تؤنِّبوهم فأعرضوا عنهم احتقارًا لهم ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ أي: خبث نجس بواطنهم واعتقاداتهم، ﴿وَمَأْوَاهُمْ﴾ في آخرتهم جهنم ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: من الآثام والخطايا، وأخبر أنهم إن رضوا عنهم بحلفهم لهم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ أي: الخارجين عن طاعة الله وطاعة رسوله، فإن الفسق هو الخروج، ومنه سميت الفأرة فويسقة لخروجها من جحرها للإفساد، ويقال: (فسقت الرطبة إذا خرجت من أكمامها). ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾. أخبر تعالى أن في الأعراب كفارًا ومنافقين ومؤمنين، وأن كفرهم ونفاقهم أعظم من غيرهم وأشدُّ وأجدر، أي أحرى أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، كما قال الأعمش عن إبراهيم قال: جلس أعرابي إلى زيد بن صوحان وهو يحدث أصحابه، وكانت يده قد أُصيبت يوم نهاوند، فقال الأعرابي: والله إن حديثك ليعجني، وإن يدك لتُريبُني. فقال زيد: ما يُريبك من يدي إنها الشمال؟ فقال الأعرابي: والله ما أدري اليمين يقطعون أو الشمال؟ فقال زيد بن صوحان: صدق الله ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا

стр. 2197

حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ﴾ (١). وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن أبي موسى، عن وهب بن منبه، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ قال: "من سكن البادية جفا (٢) ومن اتبع الصيد غفل (٣)، ومن أتى السلطان افتتن" (٤)، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن سفيان الثوري به، وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الثوري (٥). ولما كانت الغلظة والجفاء في أهل البوادي لم يبعث الله منهم رسولًا، وإنما كانت البعثة من أهل القرى كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩] ولما أهدى ذلك الأعرابي تلك الهدية لرسول الله ﷺ فردَّ عليه أضعافها حتى رضي، قال: "لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا من قُرشي أو ثقفي أو أنصاري أو دوسي" (٦)، لأن هؤلاء كانوا يسكنون المدن مكة والطائف والمدينة واليمن، فهم ألطف أخلاقًا من الأعراب لما في طباع الأعراب من الجفاء. (حديث [الأعرابي في تقبيل الولد): قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا: حدثنا أبو أُسامة وابن نمير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: قدم ناس من الأعراب على رسول الله ﷺ فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ قالوا: نعم، قالوا: لكنا والله ما نقبّل، فقال رسول الله ﷺ : "وأملك إن كان الله نزع منكم الرحمة" وقال ابن نمير: "من قلبك الرحمة"] (٧) (٨). وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عليم بمن يستحق أن يعلمه الإيمان والعلم، حكيم فيما قسم بين عباده من العلم والجهل والإيمان والكفر والنفاق، لا يسأل عما يفعل لعلمه وحكمته. وأخبر تعالى أن منهم ﴿مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ﴾ أي: في سبيل الله ﴿مَغْرَمًا﴾ أي: غرامة وخسارة ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾ أي: ينتظر بكم الحوادث والآفات ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ أي: هي منعكسة عليهم والسوء دائر عليهم ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: سميع لدعاء عباده عليم بمن يستحق النصر ممن يستحق الخذلان.

стр. 2198

وقوله: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ هذا هو القسم الممدوح من الأعراب، وهم الذين يتخذون ما ينفقون في سبيل الله قربة يتقربون بها عند الله، ويبتغون بذلك دعاء الرسول لهم ﴿أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ أي: ألا إن ذلك حاصل لهم ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾. يخبر تعالى عن رضاه عن السابقين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، ورضاهم عنه بما أعدَّ لهم من جنات النعيم والنعيم المقيم. قال الشعبي: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار من أدرك بيعة الرضوان عام الحديبية (١). وقال أبو موسى الأشعري وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين والحسن وقتادة: هم الذين صلوا إلى القبلتين مع رسول الله ﷺ (٢). وقال محمد بن كعب القرظي: مرَّ عمر بن الخطاب برجل يقرأ هذه الآية، ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ فأخذ عمر بيده فقال: من أقرأك هذا؟ فقال: أُبي بن كعب، فقال: لا تفارقني حتى أذهب بك إليه، فلما جاءه قال عمر: أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا؟ قال: نعم. قال: وسمعتها من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قال: لقد كنت أرى أنَّا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا، فقال أُبي: تصديق هذه الآية في أول سورة الجمعة: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (ضض ٣)﴾ [الجمعة] وفي سورة الحشر: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية [الحشر: ١٠]، وفي الأنفال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٥]. ورواه ابن جرير (٣)، قال: وذُكر عن الحسن البصري أنه كان يقرؤها برفع (الأنصارُ) (٤) عطفًا على ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾، فقد أخبر الله العظيم أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فيا ويل من أبغضهم أو سبَّهم أو أبغض أو سبَّ بعضهم، ولاسيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم أعني: الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا

стр. 2199

بكر بن أبي قحافة ﵁، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ويبغضونهم ويسبُّونهم. عياذًا بالله من ذلك. وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة وقلوبهم منكوسة، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ يسبُّون من ﵃؟ وأما أهل السُّنة فإنهم يترضون عمن ﵁ ويسبُّون من سبَّه الله ورسوله، ويوالون من يوالي الله، ويعادون من يعادي الله وهم متَّبِعون لا مبتدعون ويقتدون ولا يبتدون، ولهذا هم حزب الله المفلحون وعباده المؤمنون. ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾. يخبر تعالى رسوله صلوات الله وسلامه عليه أن في أحياء العرب من حول المدينة منافقون، وفي أهل المدينة -أيضًا- منافقون ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ أي: مرنوا واستمروا عليه، ومنه يقال: شيطان مريد، ومارد، ويقال: تمرد فلان على الله، أي عتا وتجبَّر. وقوله: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ لا ينافي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] لأن هذا من باب التوسم فيهم بصفات يعرفون بها، لا أنه يعرف جميع من عنده من أهل النفاق والريب على التعيين، وقد كان يعلم أن في بعض من يخالطه من أهل المدينة نفاقًا وإن كان يراه صباحًا ومساء، وشاهد هذا بالصحة ما رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، عن رجل، عن جُبير بن مُطعم ﵁، قال: قلت: يا رسول الله إنهم يزعمون أنه ليس لنا أجر بمكة فقال: "لتأتينكم أجوركم ولو كنتم في جحر ثعلب" وأصغى إلى رسول الله ﷺ برأسه فقال: "إن في أصحابي منافقين" (١). ومعناه: أنه قد يبوح بعض المنافقين والمرجفين من الكلام بما لا صحة له ومن مثلهم صدر هذا الكلام الذي سمعه جبير بن مطعم، وتقدم في تفسير قوله: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [التوبة: ٧٤] أنه ﷺ أعلم حذيفة بأعيان أربعة عشر أو خمسة عشر منافقًا، وهذا تخصيص لا يقتضي أنه اطلع على أسمائهم وأعيانهم كلِّهم، والله أعلم. وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عمر البيروتي من طريق هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا ابن جابر، حدثني شيخ ببيروت يكنى أبا عمر، أظنه حدثني عن أبي الدرداء أن رجلًا يقال له: حرملة أتى النبي ﷺ فقال: الإيمان ههنا وأشار بيده إلى لسانه، والنفاق ههنا وأشار بيده إلى قلبه، ولم يذكر الله إلا قليلًا، فقال رسول الله ﷺ : "اللَّهم اجعل له لسانًا ذاكرًا، وقلبًا شاكرًا، وارزقه حُبِّي وحُبَّ من يحبني، وصيِّر أمره إلى خير" فقال: يا رسول الله إنه كان لي أصحاب من المنافقين وكنت رأسًا فيهم أفلا آتيك بهم؟ قال: "من أتانا

стр. 2200

استغفرنا له، ومن أصرَّ فالله أولى به، ولا تخرقنَّ على أحد سترًا". قال: وكذا رواه أبو أحمد الحاكم عن أبي بكر الباغندي عن هشام بن عمار به (١). وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة في هذه الآية أنه قال: ما بال أقوام يتكلفون علم الناس، فلان في الجنة وفلان في النار، فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال: لا أدري لعمري أنت بنفسك أعلم منك بأحوال الناس، ولقد تكلفت شيئًا ما تكلفه الأنبياء قبلك، قال نبي الله نوح ﵇: ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١٢] وقال نبي الله شعيب ﵇: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦)﴾ [هود] وقال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ (٢). وقال السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس في هذه الآية قال: قام رسول الله ﷺ خطيبًا يوم الجمعة فقال: "اخرج يا فلان فإنك منافق، واخرج يا فلان إنك منافق" فأخرج من المسجد ناسًا منهم فضحهم، فجاء عمر وهم يخرجون من المسجد فاختبأ منهم حياء أنه لم يشهد الجمعة وظن أن الناس قد انصرفوا، واختبأوا هم من عمر ظنوا أنه قد علم بأمرهم، فجاء عمر فدخل المسجد فإذا الناس لم يصلوا، فقال له رجل من المسلمين: أبشر يا عمر قد فضح الله المنافقين اليوم، قال ابن عباس: فهذا العذاب الأول حين أخرجهم من المسجد، والعذاب الثاني عذاب القبر (٣)، وكذا قال الثوري عن السدي عن أبي مالك نحو هذا (٤). وقال مجاهد في قوله: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾: يعني: القتل والسبي (٥)، وقال في رواية: بالجوع وعذاب القبر (٦)، ثم يردون إلى عذاب عظيم. وقال ابن جريج: عذاب الدنيا وعذاب القبر، ثم يردون إلى عذاب النار (٧). وقال الحسن البصري: عذاب في الدنيا وعذاب في القبر (٨). وقال عبد الرحمن بن زيد: أما عذاب في الدنيا فالأموال والأولاد، وقرأ قوله تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [التوبة: ٥٥] فهذه المصائب لهم عذاب وهي للمؤمنين أجر، وعذاب في الآخرة في النار ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ قال: النار (٩).

стр. 2201

وقال محمد بن إسحاق: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ قال: هو فيما بلغني ما هم فيه من أمر الإسلام وما يدخل عليهم من غيظ ذلك على غير حسبة، ثم عذابهم في القبور إذا صاروا إليها، ثم العذاب العظيم الذي يُردُّون إليه عذاب الآخرة والخلد فيه (١). وقال سعيد، عن قتادة في قوله: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾: عذاب الدنيا وعذاب القبر ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ وذُكر لنا أن نبي الله ﷺ أسرَّ إلى حذيفة باثني عشر رجلًا من المنافقين، فقال: "ستة منهم تكفيهم الدبيلة: سراج من نار جهنم يأخذ في كتف أحدهم حتى يفضي إلى صدره، وستة يموتون موتًا"، وذُكر لنا أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا مات رجل ممن يرى أنه منهم، نظر إلى حذيفة فإن صلى عليه وإلا تركه، وذُكر لنا أن عمر قال لحذيفة: أنشدك الله أمنهم أنا؟ قال: لا [ولا أومِن] (٢) منها أحدًا بعدك (٣). ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢)﴾. لما بيّن تعالى حال المنافقين المتخلفين عن الغزاة رغبة عنها وتكذيبًا وشكًّا، شرع في بيان حال المذنبين الذين تأخروا عن الجهاد كسلًا وميلًا إلى الراحة مع إيمانهم وتصديقهم بالحق، فقال: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: أقرُّوا بها واعترفوا فيما بينهم وبين ربهم، ولهم أعمال أُخر صالحة خلطوا هذه بتلك، فهؤلاء تحت عفو الله وغفرانه. وهذه الآية وإن كانت نزلت في أناس مُعيَّنين إلا أنها عامة في كل المذنبين الخطَّائين المخلطين المتلوثين. وقد قال مجاهد: إنها نزلت في أبي لبابة لما قال لبني قريظة: إنه الذبح، وأشار بيده إلى حلقه (٤). وقال ابن عباس: ﴿وَآخَرُونَ﴾ نزلت في أبي لبابة وجماعة من أصحابه تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فقال بعضهم: أبو لبابة وخمسة معه، وقيل: وسبعة معه، وقيل: وتسعة معه، فلما رجع رسول الله ﷺ من غزوته ربطوا أنفسهم بسواري المسجد وحلفوا لا يحلهم إلا رسول الله ﷺ ، فلما أنزل الله هذه الآية ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ أطلقهم رسول الله ﷺ وعفا عنهم (٥). وقال البخاري: حدثنا مؤمل بن هشام، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عوف، حدثنا أبو

стр. 2202

رجاء، حدثنا سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ لنا: "أتاني الليلة آتيان فابتعثاني فانتهيا بي إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راءٍ، وشطر كأقبح ما أنت راءٍ، قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة، قالا لي: هذه جنة عدن وهذا منزلك، قالا: وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح، فإنهم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا تجاوز الله عنهم" (١)، هكذا رواه البخاري مختصرًا في تفسير هذه الآية. ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾. أمر تعالى رسوله ﷺ بأن يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم ويزكيهم بها، وهذا عام وإن أعاد بعضهم الضمير في أموالهم إلى الذين اعترفوا بذنوبهم وخلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، ولهذا اعتقد بعض مانعي الزكاة من أحياء العرب أن دفع الزكاة إلى الإمام لا يكون (٢)، وإنما كان هذا خاصًا برسول الله ﷺ ، ولهذا احتجوا بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية، وقد ردَّ عليهم هذا التأويل والفهم الفاسد، أبو بكر الصديق وسائر الصحابة وقاتلوهم حتى أدوا الزكاة إلى الخليفة كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ ، حتى قال الصديق: والله لو منعوني عِقالًا (٣) -وفي رواية: عَناقًا- (٤) كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لأقاتلنهم على منعه (٥). وقوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ادع لهم واستغفر لهم، كما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان النبي ﷺ إذا أُتي بصدقة قوم صلى عليهم فأتاه أبي بصدقته فقال: "اللَّهم صلِّ على آل أبي أوفى" (٦). وفي الحديث الآخر أن امرأة قالت: يا رسول الله صلِّ عليَّ وعلى زوجي، فقال: "صلى الله عليك وعلى زوجك" (٧). وقوله: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ قرأ بعضهم ﴿صَلَاتَكَ﴾ على الجمع، وآخرون قرأوا ﴿إِنَّ

стр. 2203

صَلَاتَكَ﴾ على الإفراد (١) ﴿سَكَنٌ لَهُمْ﴾ قال ابن عباس: رحمة لهم (٢). وقال قتادة: وقار (٣). وقوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ أي: لدعائك ﴿عَلِيمٌ﴾ أي: بمن يستحق ذلك منك ومن هو أهل له، قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا أبو العميس، عن أبي بكر بن عمرو بن عتبة، عن ابن حذيفة، عن أبيه أن النبي ﷺ كان إذا دعا لرجل أصابته وأصابت ولده وولد ولده (٤)، ثم رواه عن أبي نعيم، عن مسعر، عن أبي بكر بن عمرو بن عتبة، عن ابن لحذيفة، قال مسعر: وقد ذكره مرةً عن حذيفة: إن صلاة النبي ﷺ لتدرك الرجل وولده وولد ولده (٥). وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ هذا تهييج إلى التوبة والصدقة اللَّتين كل منهما يحطُّ الذنوب ويمحصها ويمحقها، وأخبر تعالى أن كلَّ من تاب إليه تاب عليه، ومن تصدق بصدقة من كسب حلال، فإن الله تعالى يتقبلها بيمينه فيربيها لصاحبها حتى تصير التمرة مثل أُحد (٦)، كما جاء بذلك الحديث عن رسول الله ﷺ كما قال الثوري ووكيع كلاهما عن عباد بن منصور، عن القاسم بن محمد، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره، حتى أن اللقمة لتكون مثل أُحد" وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ (٧). وقال الثوري والأعمش كلاهما، عن عبد الله بن السائب، عن عبد الله بن أبي قتادة قال: قال عبد الله بن مسعود ﵁: إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل، ثم قرأ هذه الآية ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ (٨). وقد روى ابن عساكر في تاريخه في ترجمة عبد الله بن الشاعر السكسكي الدمشقي وأصله حمصي، وكان أحد الفقهاء، روى عن معاوية وغيره، وحكى عنه حوشب بن سيف السكسكي الحمصي قال: غزا الناس في زمان معاوية ﵁ وعليهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فغلَّ (٩) رجل من المسلمين مائة دينار رومية. فلما قفل الجيش ندم وأتى الأمير فأبى أن يقبلها منه.

стр. 2204

وقال: قد تفرق الناس ولن أقبلها منك حتى تأتي الله بها يوم القيامة، فجعل الرجل يستقري الصحابة فيقولون له مثل ذلك، فلما قدم دمشق ذهب إلى معاوية ليقبلها منه فأبى عليه، فخرج من عنده وهو يبكي ويسترجع، فمرَّ بعبد الله بن الشاعر السكسكي فقال له: ما يبكيك؟ فذكر له أمره، فقال له: أو مطيعي أنت؟ فقال: نعم، فقال: اذهب إلى معاوية فقل له: اقبل مني خمسك. فادفع إليه عشرين دينارًا، وانظر إلى الثمانين الباقية فتصدق بها عن ذلك الجيش، فإن الله يقبل التوبة عن عباده وهو أعلم بأسمائهم ومكانهم، ففعل الرجل، فقال معاوية ﵁: لأن أكون أفتيته بها أحبّ إلي من كل شيء أملكه؛ أحسن الرجل. ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾. قال مجاهد: هذا وعيد (١). يعني: من الله تعالى للمخالفين أوامره بأن أعمالهم ستعرض عليه ﵎ وعلى الرسول ﷺ وعلى المؤمنين. وهذا كائن لا محالة يوم القيامة كما قال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾ [الحاقة] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾ [الطارق] وقال: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠)﴾ [العاديات] وقد يُظهر الله تعالى ذلك للناس في الدنيا، كما قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لأخرج الله عمله للناس كائنًا ما كان" (٢). وقد ورد: أن أعمال الأحياء تعرض على الأموات من الأقرباء والعشائر في البرزخ، كما قال أبو داود الطيالسي: حدثنا الصلت بن دينار، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أعمالكم تعرض على أقربائكم وعشائركم في قبورهم، فإن كان خيرًا استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: اللَّهم ألهمهم أن يعملوا بطاعتك" (٣). وقال الإمام أحمد: أنبأنا عبد الرزاق، عن سفيان، عمَّن سمع أنسًا يقول: قال النبي ﷺ : "إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات، فإن كان خيرًا استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: اللَّهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا" (٤). وقال البخاري: قالت عائشة ﵂: إذا أعجبك حسن عمل امرئ مسلم فقل: ﴿اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (٥). وقد ورد في الحديث شبيه بهذا، قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد،

стр. 2205

حدثنا حميد، عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "لا عليكم أن تعجبوا بأحد حتى تنظروا بم يختم له؟ فإن العامل يعمل زمانًا من عمره أو بُرهة من دهره بعمل صالح لو مات عليه دخل الجنة ثم يتحول فيعمل عملًا سيئًا، وإن العبد ليعمل البُرهة من دهره بعمل سيء لو مات عليه دخل النار ثم يتحول فيعمل عملًا صالحًا، وإذا أراد الله بعبده خيرًا استعمله قبل موته" قالوا: يا رسول الله وكيف يستعمله؟ قال: "يوفقه لعمل صالح يقبضه عليه" (١). تفرد به الإمام أحمد من هذا الوجه. ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦)﴾. قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وغير واحد: هم الثلاثة الذين خُلِّفوا أي عن التوبة، وهم: مرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، وهلال بن أمية (٢)، قعدوا عن غزوة تبوك في جملة من قعد كسلًا وميلًا إلى الدعة والحفظ وطيب الثمار والظلال لا شكًا ونفاقًا، فكانت منهم طائفة ربطوا أنفسهم بالسواري كما فعل أبو لبابة وأصحابه، وطائفة لم يفعلوا ذلك وهم هؤلاء الثلاثة المذكورون، فنزلت توبة أولئك قبل هؤلاء وأرجي هؤلاء عن التوبة، حتى نزلت الآية الآتية وهي قوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١١٧] الآية، ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة: ١١٨] الآية، كما سيأتي بيانه في حديث كعب بن مالك. وقوله: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: هم تحت عفو الله إن شاء فعل بهم هذا وإن شاء فعل بهم ذاك، ولكن رحمته تغلب غضبه ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عليم بمن يستحق العقوبة ممن يستحق العفو، حكيم في أفعاله وأقواله لا إله إلا هو ولا رب سواه. ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾. سبب نزول هذه الآيات الكريمات، أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول الله ﷺ إليها رجل من الخزرج يقال له: أبو عامر الراهب، وكان قد تنصَّر في الجاهلية وقرأ علم أهل الكتاب، وكان فيه عبادة في الجاهلية وله شرف في الخزرج كبير، فلما قدم رسول الله ﷺ مهاجرًا إلى المدينة، واجتمع المسلمون عليه وصارت للإسلام كلمة عالية وأظهرهم الله يوم بدر، شَرِق اللّعين أبو عامر بريقه وبارز بالعداوة وظاهر بها، وخرج فارًّا إلى كفار مكة من مشركي قريش، يمالئهم على حرب

стр. 2206

رسول الله ﷺ ، فاجتعموا بمن وافقهم من أحياء العرب وقدموا عام أُحد، فكان من أمر المسلمين ما كان وامتحنهم الله ، وكانت العاقبة للمتقين. وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين، فوقع في إحداهنَّ رسول الله ﷺ وأصيب ذلك اليوم، فجُرح وجهه وكسرت رباعيته اليمنى السفلى وشُجَّ رأسه صلوات الله وسلامه عليه، وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار فخاطبهم واستمالهم إلى نصره وموافقته، فلما عرفوا كلامه قالوا: لا أنعم الله بك عينًا يا فاسق يا عدو الله، ونالوا منه وسبُّوه فرجع وهو يقول: والله لقد أصاب قومي بعدي شرُّ، وكان رسول الله ﷺ قد دعاه إلى الله قبل فراره وقرأ عليه من القرآن، فأبى أن يسلم وتمرَّد، فدعا عليه رسول الله ﷺ أن يموت بعيدًا طريدًا فنالته هذه الدعوة، وذلك أنه لما فرغ الناس من أُحد، ورأى أمر الرسول ﷺ في ارتفاع وظهور، ذهب إلى هِرقل ملك الروم يستنصره على النبي ﷺ ، فوعده ومنَّاه وأقام عنده، وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنّيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول الله ﷺ ويغلبه ويردُّه عمَّا هو فيه، وأمرهم أن يتخذوا له معقلًا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه ويكون مرصدًا له إذا قدم عليهم بعد ذلك، فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء فبنوه وأحكموه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله ﷺ إلى تبوك، وجاؤوا فسألوا رسول الله ﷺ أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته، وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلَّة في الليلة الشاتية، فعصمه الله من الصلاة فيه؛ فقال: "إنا على سفر ولكن إذا رجعنا إن شاء الله" فلما قفل ﵇ راجعًا إلى المدينة من تبوك ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم، نزل عليه جبريل بخبر مسجد الضِّرار وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم مسجد قباء الذي أُسس من أول يوم على التقوى. فبعث رسول الله ﷺ إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه المدينة. كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ الآية، هم أناس من الأنصار بنوا مسجدًا فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجدًا واستعدوا بما استطعتم من قوة ومن سلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجنود من الروم وأخرج محمدًا وأصحابه، فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي ﷺ فقالوا له: قد فرغنا من بناء مسجدنا فنحب أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة، فأنزل الله : ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ … وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (١) وكذا روي عن سعيد بن جبير ومجاهد وعروة بن الزبير (٢) وقتادة وغير واحد من العلماء. وقال محمد بن إسحاق بن يسار، عن الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم، قالوا: أقبل رسول الله ﷺ -يعني من تبوك- حتى نزل بذي أوان بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار، وكان أصحاب مسجد الضِّرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدًا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة

стр. 2207

الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، فقال: "إني على جناح سفر وحال شغل" -أو كما قال رسول الله ﷺ : "ولو قد قدمنا إن شاء الله تعالى أتيناكم فصلينا لكم فيه"- فلما نزل بذي أوان أتاه خبر المسجد فدعا رسول الله ﷺ مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف، ومعن بن عدي أو أخاه عامر بن عدي أخا بلعجلان فقال: "انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه" فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن الدخشم. فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، فدخل أهله فأخذ سعفًا من النخل فأشعل فيه نارًا ثم خرجا يشتدان حتى دخلا المسجد وفيه أهله، فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه، ونزل فيهم من القرآن ما نزل ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا … ﴾ إلى آخر القصة. وكان الذين بنوه اثني عشر رجلًا: خذام بن خالد: من بني عبيد بن زيد أحد بني عمرو بن عوف ومن داره أخرج مسجد الشقاق، وثعلبة بن حاطب: من بني عبيد وموالي بني أمية بن زيد، ومعتب بن قشير: من بني ضبيعة بن زيد، وأبو حبيبة بن الأزعر: من بني ضبيعة بن زيد، وعباد بن حنيف: أخو سهل بن حنيف من بني عمرو بن عوف، وحارثة بن عامر وابناه: مجمع بن حارثة وزيد بن حارثة ونبتل الحارث وهم من بني ضبيعة، وبخرج وهو من بني ضبيعة، وبجاد بن عثمان وهو من بني ضبيعة، ووديعة بن ثابت، وهو إلى بني أُمية رهط أبي لبابة بن عبد المنذر (١). وقوله: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ﴾ أي: الذين بنوه ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ أي: ما أردنا ببنيانه إلا خيرًا ورفقًا بالناس، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أي: فيما قصدوا وفيما نووا، وإنما بنوه، ضرارًا لمسجد قباء، وكفرًا بالله وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل، وهو: أبو عامر الفاسق الذي يقال له: (الراهب) لعنه الله، وقوله: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ نهي له ﷺ والأمة تبع له في ذلك عن أن يقوم فيه، أي يصلي فيه أبدًا. ثم حثه على الصلاة بمسجد قباء الذي أسس من أول يوم بنيانه على التقوى: وهي طاعة الله وطاعة رسوله وجمعًا لكلمة المؤمنين ومعقلًا وموئلًا للإسلام وأهله، ولهذا قال تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ والسياق إنما هو في معرض مسجد قباء، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة في مسجد قباء كعمرة" (٢). وفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ كان يزور مسجد قباء راكبًا وماشيًا (٣). وفي الحديث: أن رسول الله ﷺ لما بناه وأسسه أول قدومه ونزوله على بني عمرو بن عوف كان جبريل هو الذي عيَّن له جهة القبلة، فالله أعلم. وقال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا معاوية بن هشام، عن يونس بن الحارث، عن

стр. 2208

إبراهيم بن أبي ميمونة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "نزلت هذه الآية في أهل قباء ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية" (١). ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث يونس بن الحارث وهو ضعيف، وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه (٢). وقال الطبراني: حدثنا الحسن بن علي المعمري، حدثنا محمد بن حميد الرازي، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ بعث رسول الله ﷺ إلى عُوَيم بن ساعدة فقال: "ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم؟ " فقال: يا رسول الله ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا وغسل فرجه، أو قال: مقعدته، فقال النبي ﷺ : "هو هذا" (٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا أبو أويس، حدثنا شرحبيل، عن عويم بن ساعدة الأنصاري: أنه حدثه أن النبي ﷺ أتاهم في مسجد قباء فقال: "إن الله تعالى قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم، فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟ " فقالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئًا، إلا أنه كان لنا جيران من اليهود فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا (٤). ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٥). وقال هشيم، عن عبد الحميد المدني، عن إبراهيم بن إسماعيل الأنصاري: إن رسول الله ﷺ قال لعويم بن ساعدة: "ما هذا الذي أثنى الله عليكم ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا؟﴾ " الآية، قالوا: يا رسول الله إنا نغسل الأدبار بالماء (٦). وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عمارة الأسدي، حدثنا محمد بن سعد عن إبراهيم بن محمد، عن شرحبيل بن سعد قال: سمعت خزيمة بن ثابت يقول: نزلت هذه الآية ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ قال: كانوا يغسلون أدبارهم من الغائط (٧). (حديث آخر): قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا مالك -يعني: ابن مغول-، سمعت سيارًا أبا الحكم، عن شهر بن حوشب، عن محمد بن عبد الله بن سلام قال:

стр. 2209

لما قدم رسول الله ﷺ -يعني: قباء-، فقال: "إن الله قد أثنى عليكم في الطهور خيرًا أفلا تخبروني؟ " يعني قوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ فقالوا: يا رسول الله إنا نجده مكتوبًا علينا في التوراة الاستنجاء بالماء (١). وقد صرح بأنه مسجد قباء جماعة من السلف، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ورواه عبد الرزاق عن معمر الزهري عن عروة بن الزبير، وقال عطية العوفي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم والشعبي والحسن البصري (٢)، ونقله البغوي عن سعيد بن جبير وقتادة. وقد ورد الحديث الصحيح أن مسجد رسول الله ﷺ الذي في جوف المدينة هو المسجد الذي أُسس على التقوى (٣)، وهذا صحيح. ولا منافاة بين الآية وبين هذا، لأنه إذا كان مسجد قباء قد أُسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله ﷺ بطريق الأولى والأحرى، ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد الله بن عامر الأسلمي، عن عمران بن أبي أنس، عن سهل بن سعد، عن أُبي بن كعب أن النبي ﷺ قال: "المسجد الذي أُسس على التقوى مسجدي هذا" (٤). تفرد به أحمد. (حديث آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا ربيعة بن عثمان بن التيمي، عن عمران بن أبي أنس، عن سهل بن سعد الساعدي قال: اختلف رجلان على عهد رسول الله ﷺ في المسجد الذي أُسس على التقوى فقال أحدهما: هو مسجد رسول الله ﷺ ، وقال الآخر: هو مسجد قباء، فأتيا النبي ﷺ فسألاه، فقال: "هو مسجدي هذا" (٥). تفرد به أحمد أيضًا. (حديث آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ليث، عن عمران بن أبي أنس، عن سعيد بن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أُسس على التقوى من أول يوم، فقال أحدهما: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "هو مسجدي هذا" (٦). تفرد به أحمد. (طريق أخرى): قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا ليث، حدثني عمران بن

стр. 2210

أبي أنس، عن ابن أبي سعيد، عن أبيه أنه قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أُسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "هو مسجدي" (١). وكذا رواه الترمذي والنسائي عن قتيبة عن الليث وصححه الترمذي (٢)، ورواه مسلم كما سيأتي (٣). (طريق أخرى): قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن أنيس بن أبي يحيى، حدثني أبي قال: سمعت أبا سعيد الخدري قال: اختلف رجلان رجل من بني خدرة ورجل من بني عمرو بن عوف، في المسجد الذي أُسس على التقوى، فقال الخدري: هو مسجد رسول الله ﷺ ، وقال العمري: هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله ﷺ فسألاه عن ذلك فقال: "هو هذا المسجد" لمسجد رسول الله ﷺ ، وقال في ذلك خير كثير، يعني: مسجد قباء (٤). (طريق أخرى): قال أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا حميد الخراط المدني، سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن أبي سعيد فقلت: كيف سمعت أباك يقول في المسجد الذي أُسس على التقوى؟ فقال: إني أتيت رسول الله ﷺ فدخلت عليه في بيت لبعض نسائه فقلت: يا رسول الله أين المسجد الذي أُسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفًا من حصباء فضرب به الأرض ثم قال: "هو مسجدكم هذا" ثم قال: سمعت أباك يذكره (٥)، رواه مسلم منفردًا به عن محمد بن حاتم عن يحيى بن سعيد به، ورواه عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره عن حاتم بن إسماعيل عن حميد الخراط به (٦)، وقد قال بأنه مسجد النبي ﷺ جماعة من السلف والخلف، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب (٧)، واختاره ابن جرير. وقوله: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ دليل على استحباب الصلاة في المساجد القديمة المؤسسة من أول بنائها على عبادة الله وحده لا شريك له، وعلى استحباب الصلاة مع الجماعة الصالحين والعباد العاملين المحافظين على إسباغ الوضوء والتنزه عن ملابسة القاذورات. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عبد الملك بن عمير، سمعت شبيبًا أبا روح يحدث عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ : أن رسول الله ﷺ صلى بهم الصبح، فقرأ الروم فيها، فأوهم فلما انصرف قال: "إنه يَلِبسُ علينا القرآن أنَّ أقوامًا منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء، فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء" (٨). ثم رواه من طريقين آخرين عن
следующие страницы →