← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

والشمس آية النهار، ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ السواد الذي في القمر (١). وقد روى أبو جعفر بن جرير من طرق متعددة جيدة أن ابن الكواء سأل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فقال: يا أمير المؤمنين ما هذه اللطخة التي في القمر؟ فقال: ويحك أما تقرأ القرآن؟ فقال: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ فهذه محوه (٢). وقال قتادة في قوله: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ كنا نحدث أن محو آية الليل سواد القمر الذي فيه، وجعلنا آية النهار مبصرة أي منيرة، وخلق الشمس أنور من القمر وأعظم (٣). وقال ابن أبي نجيح، عن ابن عباس ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ قال: ليلًا ونهارًا، كذلك خلقهما الله (٤). ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾. يقول تعالى بعد ذكر الزمان وذكر ما (٥) يقع فيه من أعمال بني آدم: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ وطائره هو ما طار عنه من عمله، كما قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما، من خير وشر ويلزم به ويجازى عليه (٦)، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة] وقال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق] وقال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الانفطار] وقال: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦] وقال: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، والمقصود أن عمل ابن آدم محفوظ عليه قليله وكثيره، ويكتب عليه ليلًا ونهارًا، صباحًا ومساءً. وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "طائر كل إنسان في عنقه" قال ابن لهيعة: يعني الطيرة (٧)، وهذا القول من ابن لهيعة في تفسير هذا الحديث غريب جدًا، والله أعلم. وقوله: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾: أي نجمع له عمله كله في كتاب يعطاه يوم القيامة إما بيمينه إن كان سعيدًا أو بشماله إن كان شقيًا، منشورًا، أي: مفتوحًا يقرؤه هو وغيره

стр. 2627

فيه جميع عمله من أول عمره إلى آخره ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾ [القيامة] ولهذا قال تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ أي: إنك لم تظلم ولم يكتب عليك إلا ما عملت، لأنك ذكرت جميع ما كان منك، ولا ينسى أحد شيئًا مما كان منه، وكل أحد يقرأ كتابه من كاتب وأمي. وقوله: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ إنما ذكر العنق لأنه عضو من الأعضاء لا نظير له في الجسد، ومن ألزم بشيء فيه فلا محيد له عنه، كما قال الشاعر (١): اذهب بها اذهب بها … طوقتها طوق الحمامة (٢) قال قتادة، عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: "لا عدوى ولا طيرة، وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه" كذا رواه ابن جرير (٣)، وقد رواه الإمام عبد بن حميد في مسنده متصلًا، فقال: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "طير كل عبد في عنقه" (٤). وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا عبد الله، حدثنا ابن لهيعة، حدثني يزيد أن أبا الخير حدثه أنه سمع عقبة بن عامر ﵁، يحدث عن النبي ﷺ قال: "ليس من عمل يوم إلا وهو يختم عليه فإذا مرض المؤمن قالت الملائكة: يا ربنا عبدك فلان قد حبسته، فيقول الرب ﷻ : اختموا له على مثل عمله حتى يبرأ أو يموت" (٥) إسناده جيد قوي، ولم يخرجوه. وقال معمر، عن قتادة: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ قال: عمله ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قال: نخرج ذلك العمل ﴿كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ قال معمر: وتلا الحسن البصري: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق:١٧] يا ابن آدم بسطت لك صحيفتك، ووكِّل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت أقلل أو أكثر حتى إذا متَّ طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة كتابًا تلقاه منشورًا، اقرأ كتابك الآية، فقد عدل والله من جعلك حسيب نفسك (٦)، هذا من أحسن كلام الحسن، ﵀.

стр. 2628

﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾. يخبر تعالى أن من اهتدى واتبع الحق، واقتفى آثار النبوة، فإنما يحصل عاقبة ذلك الحميدة لنفسه، ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ أي: عن الحق، وزاغ عن سبيل الرشاد، فإنما يجني على نفسه، وإنما يعود وبال ذلك عليه، ثم قال: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي: لا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يجني جانٍ إلا على نفسه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر: ١٨]. ولا منافاة بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، وقوله: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] فإن الدعاة عليهم إثم ضلالتهم مي أنفسهم، وإثم آخر بسبب ما أضلوا من أضلوا من غير أن ينقص من أوزار أولئك، ولا يحمل عنهم شيئًا، وهذا من عدل الله ورحمته بعباده. وكذا قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ إخبار عن عدله تعالى، وأنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩)﴾ [الملك] وكذا قوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١)﴾ [الزمر] وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾ [فاطر] فاطر، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى لا يدخل أحدًا النار إلا بعد إرسال الرسول إليه، ومن ثم طعن جماعة من العلماء في اللفظة التي جاءت مقحمة في صحيح البخاري عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]. حدثنا عبد الله بن سعد، حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن صالح بن كيسان، عن الأعرج بإسناده إلى أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "اختصمت الجنة والنار" فذكر الحديث إلى أن قال: "وأما الجنة فلا يظلم الله من خلقه أحدًا، وإنه ينشئ للنار خلقًا فيلقون فيها، فتقول هل من مزيد؟ ثلاثًا" وذكر تمام الحديث (١)، فهذا إنما جاء في الجنة، لأنها دار فضل، وأما النار فإنها دار عدل لا يدخلها أحد إلا بعد الإعذار إليه وقيام الحجة عليه. وقد تكلم جماعة من الحفاظ في هذه اللفظة، وقالوا: لعله انقلب على الراوي بدليل ما أخرجاه في الصحيحين، واللفظ للبخاري من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همَّام، عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "تحاجت الجنة والنار" فذكر الحديث إلى أن قال: "فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع فيها قدمه، فتقول: قط قط، فهناك تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض. ولا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقًا" (٢).

стр. 2629

بقي [ههنا] (١) مسألة قد اختلف الأئمة رحمهم الله تعالى فيها قديمًا وحديثًا، وهي الولدان الذين ماتوا وهم صغار وآباؤهم كفار: ماذا حكمهم؟ وكذا المجنون والأصم والشيخ الخرف ومن مات في الفترة ولم تبلغه دعوة؟ وقد ورد في شأنهم أحاديث أنا أذكرها لك بعون الله وتوفيقه، ثم نذكر فصلًا ملخصًا من كلام الأئمة في ذلك، والله المستعان. (فالحديث الأول): عن الأسود بن سريع. قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سريع أن رسول الله ﷺ قال: "أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول: ربِّ قد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا، وأما الأحمق فيقول: ربّ قد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول: ربِّ لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا، وأما الذي مات في الفترة فيقول: ربّ ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، فوالذي نفس محمد بيده، لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا" (٢). وبالإسناد عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة مثله، غير أنه قال في آخره: "فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لم يدخلها يسحب إليها" (٣)، وكذا رواه إسحاق بن راهويه عن معاذ بن هشام، ورواه البيهقي في كتاب الاعتقاد من حديث حنبل بن إسحاق عن علي بن عبد الله المديني به، وقال: هذا إسناد صحيح (٤)، وكذا رواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أربعة كلهم يدلي على الله بحجة" فذكر نحوه (٥)، ورواه ابن جرير من حديث معمر، عن همام، عن أبي هريرة، فذكره موقوفًا، ثم قال أبو هريرة: فاقرؤوا إن شئتم: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٦). وكذا رواه معمر، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة موقوفًا. (الحديث الثاني): عن أنس بن مالك: قال أبو داود الطيالسي: حدثنا الربيع، عن يزيد بن أبان قال: قلنا لأنس: يا أبا حمزة ما تقول في أطفال المشركين؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : "لم يكن لهم سيئات فيعذبوا بها، فيكونوا من أهل النار، ولم يكن لهم حسنات فيجازوا بها، فيكونوا من ملوك أهل الجنة، هم من خدم

стр. 2630

أهل الجنة" (١). (الحديث الثالث): عن أنس أيضًا. قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا جرير، عن ليث، عن عبد الوارث، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤتى بأربعة يوم القيامة: بالمولود، والمعتوه، ومن مات في الفترة، والشيخ الفاني الهرم كلهم يتكلم بحجته، فيقول الرب ﵎: لعنق من النار أبرز، ويقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلًا من أنفسهم، وإني رسول نفسي إليكم ادخلوا هذه، قال: فيقول من كتب عليه الشقاء: يا رب أنى ندخلها ومنها كنا نفر؟ قال: ومن كتب عليه السعادة يمضي فيقتحم فيها مسرعًا، فقال: فيقول الله تعالى: أنتم لرسلي أشد تكذيبًا ومعصية، فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء النار" (٢). وهكذا رواه الحافظ أبو بكر البزار عن يوسف بن موسى، عن جرير بن عبد الحميد بإسناده مثله (٣). (الحديث الرابع): عن البراء بن عازب ﵁. قال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده أيضًا: حدثنا قاسم بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله يعني: ابن داود، عن عمر بن ذرٍّ، عن يزيد بن أمية، عن البراء قال: سئل رسول الله ﷺ عن أطفال المسلمين، قال: "هم مع آبائهم" وسئل عن أولاد المشركين، فقال: "هم مع آبائهم" فقيل: يا رسول الله ما يعملون؟ قال: "الله أعلم بهم" (٤). ورواه عمر بن ذرٍّ، عن يزيد بن أمية، عن رجل، عن البراء، عن عائشة، فذكره (٥). (الحديث الخامس): عن ثوبان. قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا ريحان بن سعيد، حدثنا عباد بن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان أن النبي ﷺ عظم شأن المسألة قال: "إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلين يحملون أوزارهم على ظهورهم، فيسألهم ربهم، فيقولون: ربنا لِمَ ترسل إلينا رسولًا، ولم يأتنا

стр. 2631

لك أمر؟ ولو أرسلت إلينا رسولًا لكنا أطوع عبادك، فيقول لهم ربهم: أرأيتم إن أمرتكم بأمر تطيعوني؟ فيقولون: نعم، فيأمرهم أن يعمدوا إلى جهنم فيدخلوها، فينطلقون حتى إذا دنوا منها وجدوا لها تغيظًا وزفيرًا، فرجعوا إلى ربهم، فيقولون: ربنا أخرجنا أو أجرنا منها، فيقول لهم: ألم تزعموا أني إن أمرتكم بأمر تطيعوني؟ فيأخذ على ذلك مواثيقهم، فيقول: اعمدوا إليها فادخلوها، فينطلقون حتى إذا رأوها فرقوا منها ورجعوا وقالوا: ربنا فرقنا منها ولا نستطيع أن ندخلها، فيقول: ادخلوها داخرين" فقال نبي الله ﷺ : "لو دخلوها أول مرة كانت عليهم بردًا وسلامًا". ثم قال البزار: ومتن هذا الحديث غير معروف إلا من هذا الوجه، لم يروه عن أيوب إلا عباد، ولا عن عباد إلا ريحان بن سعيد (١). قلت: وقد ذكره ابن حيان في ثقاته، وقال يحيى بن معين والنسائي: لا بأس به، ولم يرضه أبو داود، وقال أبو حاتم: شيخ لا بأس به يكتب حديثه ولا يحتج به. (الحديث السادس): عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري (٢). قال الإمام محمد بن يحيى الذهلي: حدثنا سعيد بن سليمان، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "الهالك في الفترة والمعتوه والمولود، يقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب، ويقول المعتوه: ربِّ لم تجعل لي عقلًا أعقل به خيرًا ولا شرًا، ويقول المولود: ربِّ لم أدرك العقل، فترفع لهم نار، فيقال لهم: ردُّوها، قال: فيردُّها من كان في علم الله سعيدًا لو أدرك العمل، ويمسك عنها من كان في علم الله شقيًا لو أدرك العمل، فيقول: إياي عصيتم، فكيف لو [أن] (٣) رسلي أتتكم؟! " (٤) وكذا رواه البزار عن محمد بن عمر بن هياج الكوفي، عن عبيد الله بن موسى، عن فضيل بن مرزوق به، ثم قال: لا يعرف من حديث أبي سعيد إلا من طريقه عن عطية عنه، وقال في آخره: "فيقول الله إياي عصيتم، فكيف برسلي بالغيب؟ " (٥). (الحديث السابع): عن معاذ بن جبل ﵁: قال هشام بن عمار ومحمد بن المبارك الصوري: حدثنا عمرو بن واقد، عن يونس بن حلبس، عن أبي إدريس الخولاني، عن معاذ بن جبل، عن نبي الله ﷺ قال: "يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلًا وبهالك في الفترة وبهالك صغيرًا، فيقول الممسوخ: يا ربِّ لو آتيتني عقلًا ما كان من آتيته عقلًا بأسعد مني" وذكر في الهالك في الفترة والصغير نحو ذلك "فيقول الرب : إني آمركم بأمر فتطيعوني؟ فيقولون: نعم، فيقول: اذهبوا فادخلوا النار، قال: لو دخلوها ما

стр. 2632

ضرتهم، فتخرج عليهم قوابض فيظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء فيرجعون سراعًا، ثم يأمرهم ثانية، فيرجعون كذلك، فيقول الرب : قبل أن أخلقكم علمت ما أنتم عاملون، وعلى علمي خلقتكم، وإلى علمي تصيرون، ضميهم، فتأخذهم النار" (١). (الحديث الثامن): عن أبي هريرة ﵁ قد تقدمت روايته مندرجة مع رواية الأسود بن سريع ﵁، وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ " (٢). وفي رواية قالوا: يا رسول الله، أفرأيت من يموت صغيرًا؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" (٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت، عن عطاء بن قرة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ فيما أعلم -شك موسى- قال: "ذراري المسلمين في الجنة يكفلهم إبراهيم ﵇" (٤). وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار عن رسول الله ﷺ عن الله أنه قال: "إني خلقت عبادي حنفاء" (٥)، وفي رواية لغيره "مسلمين" (٦). (الحديث التاسع): عن سَمُرة ﵁. رواه الحافظ أبو بكر البرقاني في كتابه المستخرج على البخاري من حديث عوف الأعرابي، عن أبي رجاء العطاردي، عن سَمُرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "كل مولود يولد على الفطرة" فناداه الناس: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ قال: "وأولاد المشركين" (٧). وقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا عقبة بن مكرم الضبي، عن عيسى بن شعيب، عن عباد بن منصور، عن أبي رجاء، عن سمرة قال: سألنا رسول الله ﷺ عن أطفال المشركين، فقال: "هم خدم أهل الجنة" (٨). (الحديث العاشر): عن عم حسناء قال أحمد: حدثنا إسحاق -يعني: الأزرق- أخبرنا روح،

стр. 2633

حدثنا عوف، عن حسناء بنت معاوية من بني صريم قالت: حدثني عمي قال: قلت: يا رسول الله مَن في الجنة؟ قال: "النبي في الجنة، والشهيد في الجنة والمولود في الجنة، والوئيد في الجنة" (١). فمن العلماء من ذهب إلى الوقوف فيهم لهذا الحديث، ومنهم من جزم لهم بالجنة لحديث سمرة بن جندب في صحيح البخاري أنه ﵊ قال في جملة ذلك المنام حين مرّ على ذلك الشيخ تحت الشجرة وحوله ولدان، فقال له جبريل: هذا إبراهيم ﵇، وهؤلاء أولاد المسلمين وأولاد المشركين، قالوا: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ قال: "نعم وأولاد المشركين" (٢). ومنهم من جزم لهم بالنار لقوله ﵇: "هم مع آبائهم" (٣) ومنهم من ذهب إلى أنّهم (يمتحنون يوم القيامة في العرصات)، فمن أطاع دخل الجنة وانكشف على الله فيهم بسابق السعادة، ومن عصى دخل النار داخرًا وانكشف علم الله به بسابق الشقاوة وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض. وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عن أهل السنة والجماعة، وهو الذي نصره الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب الاعتقاد، وكذلك غيره من محققي العلماء والحفاظ والنقاد. وقد ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري بعد ما تقدم من أحاديث الامتحان، ثم قال: وأحاديث هذا الباب ليست قوية ولا تقوم بها حجة، وأهل العلم ينكرونها، لأن الآخرة دار جزاء وليست بدار عمل ولا ابتلاء، فكيف يكلفون دخول النار وليس ذلك في وسع المخلوقين والله لا يكلف نفسًا إلا وسعها (٤)؟ والجواب عمّن قال أن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح كما قد نصّ على ذلك كثير من أئمة العلماء، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط، أفادت الحجة عند الناظر فيها. وأما قوله: إن الدار الآخرة دار جزاء، فلا شك أنها دار جزاء، ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار، كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة من إمتحان الأطفال وقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ [القلم]. وقد ثبتت السُنة في الصحاح وغيرها أن المؤمنين يسجدون لله يوم القيامة، وأن المنافق لا يستطيع ذلك ويعود ظهره كالصفيحة الواحدة طبقًا واحدًا كلما أراد السجود خرّ لقفاه.

стр. 2634

وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجًا منها، أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأل غير ما هو فيه، ويتكرر ذلك مرارًا ويقول الله تعالى: يا ابن آدم ما أغدرك، ثم يأذن له في دخول الجنة (١). وأما قوله: فكيف يكلفهم الله دخول النار وليس ذلك في وسعهم؟ فليس هذا بمانع من صحة الحديث، فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط، وهو جسر على جهنم أحدّ من السيف وأدق من الشعرة، ويمرُّ المؤمنون عليه بحسب أعمالهم كالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، ومنهم الساعي ومنهم الماشي ومنهم من يحبو حبوًا ومنهم المكدوش (٢) على وجهه في النار، وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا بل هذا أطم وأعظم. وأيضًا فقد أثبتت السنة بأن الدجال يكون معه جنة ونار، وقد أمر الشارع المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار، فإنه يكون عليه بردًا وسلامًا (٣)، فهذا نظير ذاك، وأيضًا فإن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم فقتل بعضهم بعضًا حتى قتلوا فيما قيل في غداة واحدة سبعين ألفًا، يقتل الرجل أباه وأخاه، وهم في عماية غمامة أرسلها الله عليهم، وذلك عقوبة لهم على عبادتهم العجل، وهذا أيضًا شاق على النفوس جدًا لا يتقاصر عما ورد في الحديث المذكور، والله أعلم. فصل إذا تقرر هذا فقد اختلف الناس في ولدان المشركين على أقوال: أحدها: أنهم في الجنة. واحتجوا بحديث سمرة أنه ﵇ رأى مع إبراهيم ﵇ أولاد المسلمين وأولاد المشركين، وبما تقدم في رواية أحمد عن حسناء عن عمها أن رسول الله ﷺ قال: "والمولود في الجنة" وهذا استدلال صحيح، ولكن أحاديث الامتحان أخصّ منه. فمن علم الله منه أنه يطيع جعل روحه في البرزخ مع إبراهيم وأولاد المسلمين الذين ماتوا على الفطرة، ومن علم منه أنه لا يجيب، فأمره إلى الله تعالى يوم القيامة يكون في النار، كما دلت عليه أحاديث الامتحان، ونقله الأشعري عن أهل السنة، ثم إن هؤلاء القائلين بأنهم في الجنة منهم من جعلهم مستقلين فيها، ومنهم من جعلهم خدمًا لهم، كما جاء في حديث علي بن زيد عن أنس عند أبي داود الطيالسي وهو ضعيف، والله أعلم (٤). والقول الثاني: أنهم مع آبائهم في النار. واستدل عليه بما رواه الإمام أحمد بن حنبل عن أبي المغيرة، حدثنا عتبة بن ضمرة بن حبيب، حدثني عبد الله بن أبي قيس مولى غطيف أنه أتى

стр. 2635

عائشة فسألها عن ذراري الكفار، فقال: قال رسول الله ﷺ : "هم تبع لآبائهم" فقلت: يا رسول الله بلا أعمال؟ فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" (١). وأخرجه أبو داود من حديث محمد بن حرب عن محمد بن زياد الألهاني، سمعت عبد الله بن أبي قيس، سمعت عائشة تقول: سألت رسول الله ﷺ عن ذراري المؤمنين، قال: "هم مع آبائهم" قلت: فذراري المشركين؟ قال: "هم مع آبائهم" فقلت بلا عمل؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" (٢). ورواه أحمد أيضًا عن وكيع عن أبي عقيل يحيى بن المتوكل وهو متروك عن مولاته بهية عن عائشة أنها ذكرت أطفال المشركين لرسول الله ﷺ فقال: "إن شئت أسمعتك تضاغيهم (٣) في النار" (٤). وروى عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، عن محمد بن فضيل بن غزوان، عن محمد بن عثمان، عن زاذان، عن علي ﵁ قال: سألت خديجة رسول الله ﷺ عن ولدين لها ماتا في الجاهلية، فقال: "هما في النار" قال: فلما رأى الكراهية في وجهها فقال لها: "لو رأيت مكانهما لأبغضتهما" قال: فولدي منك؟ قال: قال: "في الجنة". قال: ثم قال رسول الله ﷺ : "إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار" -ثم قرأ:- ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (٥) [الطور: ٢١] وهذا حديث غريب، فإن في إسناده محمد بن عثمان مجهول الحال، وشيخه زاذان لم يدرك عليًا، والله أعلم. وروى أبو داود من حديث ابن أبي زائدة، عن أبيه، عن الشعبي قال: قال رسول الله ﷺ : "الوائدة والموؤودة في النار" ثم قال الشعبي: حدثني به علقمة، عن أبي وائل، عن ابن مسعود (٦). وقد رواه جماعة عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن سلمة بن قيس الأشجعي قال: أتيت أنا وأخي النبي ﷺ فقلنا: إن أمنا ماتت في الجاهلية، وكانت تقري الضيف، وتصل الرحم، وإنها وأدت أختًا لنا في الجاهلية لم تبلغ الحنث. فقال: "الوائدة والموؤودة في النار إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فتسلم" (٧). وهذا إسناد حسن.

стр. 2636

والقول الثالث: التوقف فيهم. واعتمدوا على قوله ﷺ : "الله أعلم بما كانوا عاملين" وهو في الصحيحين من حديث جعفر بن أبي إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس سئل رسول لله ﷺ عن أولاد المشركين، قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" وكذلك هو في الصحيحين من حديث الزهري عن عطاء بن يزيد، وعن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه سئل عن أطفال المشركين، فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين". ومنهم من جعلهم من أهل الأعراف، وهذا القول يرجع إلى قول من ذهب إلى أنهم من أهل الجنة، لأن الأعراف ليس دار قرار ومآل أهلها الجنة، كما تقدم تقرير ذلك في سورة الأعراف، والله أعلم. فصل وليعلم أن هذا الخلاف مخصوص بأطفال المشركين، فأما ولدان المؤمنين فلا خلاف بين العلماء كما حكاه القاضي أبو يعلى بن الفراء الحنبلي عن الإمام أحمد أنه قال: لا يختلف فيهم أنهم من أهل الجنة، وهذا هو المشهور بين الناس، وهو الذي نقطع به إن شاء الله فأما ما ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر، عن بعض العلماء أنهم توقفوا في ذلك وأن الولدان كلهم تحت المشيئة، قال أبو عمر: ذهب إلى هذا القول جماعة من أهل الفقه والحديث، منهم حماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن المبارك وإسحاق بن راهويه وغيرهم، قالوا: وهو يشبه ما رسم مالك في موطئه في أبواب القدر، وما أورده من الأحاديث في ذلك، وعلى ذلك أكثر أصحابه، وليس عن مالك فيه شيء منصوص إلا أن المتأخرين من أصحابه ذهبوا إلى أن أطفال المسلمين في الجنة وأطفال المشركين خاصة في المشيئة (١)، انتهى كلامه، وهو غريب جدًا، وقد ذكر أبو عبد الله القرطبي في كتاب التذكرة نحو ذلك أيضًا (٢)، والله أعلم. وقد ذكروا في ذلك أيضًا حديث عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: دعي النبي ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه، فقال: "أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلًا وهم في أصلاب آبائهم. وخلق النار وخلق لها أهلًا وهم في أصلاب آبائهم". رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه (٣). ولما كان الكلام في هذه المسألة يحتاج إلى دلائل صحيحة جيدة وقد يتكلم فيها من لا علم عنده عن الشارع، كره جماعة من العلماء الكلام فيها، روي ذلك عن ابن عباس والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ومحمد ابن الحنفية وغيرهم، وأخرج ابن حبان في صحيحه عن

стр. 2637

جرير بن حازم: سمعت أبا رجاء العطاردي، سمعت ابن عباس ﵄ وهو على المنبر يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا يزال أمر هذه الأُمة مواتيًا أو مقاربًا ما لم يتكلموا في الوِلدان والقدر" (١). قال ابن حبان: يعني أطفال المشركين، وهكذا رواه أبو بكر البزار من طريق جرير بن حازم، ثم قال: وقد رواه جماعة عن أبي رجاء، عن ابن عباس موقوفًا (٢). ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾. اختلف القراء في قراءة قوله: ﴿أَمَرْنَا﴾ فالمشهور قراءة التخفيف (٣). واختلف المفسرون في معناها، فقيل: معناها أمرنا مترفيها ففسقوا فيها أمرًا قدريًا، كقوله تعالى: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾ [يونس: ٢٤] فإن الله لا يأمر بالفحشاء، قالوا: معناه أنه سخرهم إلى فعل الفواحش، فاستحقوا العذاب. وقيل: معناه أمرناهم بالطاعات ففعلوا الفواحش، فاستحقوا العقوبة، رواه ابن جريج عن ابن عباس (٤)، وقاله سعيد بن جبير أيضًا (٥). وقال ابن جرير: يحتمل أن يكون معناه جعلناهم أمراء، قلت إنما يجيء هذا على قراءة من قرأ: (أمَّرنا (٦) مترفيها). قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: (أمرَّنا مترفيها ففسقوا فيها) يقول: سلطنا أشرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكهم الله بالعذاب، وهو قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ (٧) [الأنعام: ١٢٣]، وكذا قال أبو العالية ومجاهد والربيع بن أنس (٨). وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً (٩) أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ يقول: أكثرنا

стр. 2638

عددهم (١)، وكذا قال عكرمة والحسن والضحاك وقتادة (٢). وعن مالك، عن الزهري ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ أكثرنا (٣). وقد استشهد بعضهم بالحديث الذي رواه الإمام أحمد، حيث قال: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا أبو نعيم العدوي، عن مسلم بن بديل، عن إياس بن زهير، عن سويد بن هُبيرة، عن النبي ﷺ قال: "خير مال امرئ له مهرة مأمورة، أو سكة مأبورة" (٤). قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ في كتابه الغريب: "المأمورة كثيرة النسل، والسكة الطريقة المصطفة من النخل، والمأبورة من التأبير". وقال بعضهم: إنما جاء هذا متناسبًا كقوله: "مأزورات غير مأجورات" (٥). ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)﴾. يقول تعالى منذرًا كفار قريش في تكذيبهم رسوله محمدًا ﷺ ، بأنه قد أهلك من المكذبين للرسل من بعد نوح، ودلَّ هذا على أن القرون التي كانت بين آدم ونوح على الإسلام كما قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام (٦)، ومعناه أنكم أيها المكذبون لستم أكرم على الله منهم وقد كذّبتم أشرف الرسل وأكرم الخلائق، فعقوبتكم أولى وأحرى. وقوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ أي: هو عالم بجميع أعمالهم: خيرها وشرها لا يخفى عليه منها خافية [ ] (٧). ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾. يخبر تعالى أنه ما كل من طلب الدنيا وما فيها من النعيم يحصل عليه، بل إنما يحصل لمن

стр. 2639

أراد الله وما يشاء، وهذه مقيدة لإطلاق ما سواها من الآيات (١)، فإنه قال: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ﴾ أي: في الدار الآخرة ﴿يَصْلَاهَا﴾ أي: يدخلها حتى تغمره من جميع جوانبه ﴿مَذْمُومًا﴾ أي: في حال كونه مذمومًا على سوء تصرفه وصنيعه، إذ اختار الفاني على الباقي ﴿مَدْحُورًا﴾ مبعدًا مقصيًا ذليلًا مهانًا. روى الإمام أحمد: حدثنا حسين، حدثنا دُويد، عن أبي إسحاق، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له" (٢). وقوله: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ﴾ أي: أراد الدار الآخرة وما فيها من النعيم والسرور ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ أي: طلب ذلك من طريقه وهو متابعة الرسول ﷺ ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ أي: قلبه مؤمن؛ أي: مصدق موقن بالثواب والجزاء ﴿فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾. ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾. [يقول تعالى: ﴿كُلًّا﴾ أي: كل واحد من الفريقين الذين أرادوا الدنيا والذين أرادوا الآخرة نمدهم فيما هم فيه ﴿مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ أي: هو المتصرف الحاكم الذي لا يجور، فيعطي كلًا ما يستحقه من السعادة والشقاوة، فلا رادَّ لحكمه، ولا مانع لما أعطى، ولا مغير لما أراد، ولهذا قال: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ أي: لا يمنعه أحد، ولا يرده راد. قال قتادة: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ أي: منقوصًا (٣). وقال الحسن وابن جريج وابن زيد أي: ممنوعًا (٤). ثم قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: في الدنيا، فمنهم الغني والفقير وبين ذلك، والحسن والقبيح وبين ذلك، ومن يموت صغيرًا، ومن يعمر حتى يبقى شيخًا كبيرًا، وبين ذلك. ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ أي: ولتفاوتهم في الدار الآخرة أكبر من الدنيا، فإن منهم من يكون في الدركات في جهنم وسلاسلها وأغلالها، ومنهم من يكون في الدرجات العليا

стр. 2640

ونعيمها وسرورها، ثم أهل الدركات يتفاتون في ما هم فيه، كما أن أهل الدرجات يتفاوتون، فإن الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض. وفي الصحيحين "إن أهل الدرجات العلى ليرون أهل عليين كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء" (١) ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾. وفي الطبراني من رواية زاذان، عن سلمان مرفوعًا: "ما من عبد يريد أن يرتفع في الدنيا فى درجة فارتفع، إلا وضعه الله في الآخرة أكبر منها"، ثم قرأ: ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ (٢). ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾] (٣). يقول تعالى، والمراد المكلفون من الأمة: لا تجعل أيها المكلف في عبادتك ربك له شريكًا ﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا﴾ أي: على إشراكك به ﴿مَخْذُولًا﴾ لأن الرب تعالى لا ينصرك بل يكلك إلى الذي عبدت معه، وهو لا يملك لك ضرًا ولا نفعًا، لأن مالك الضر والنفع هو الله وحده لا شريك له. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا بشير بن سلمان، عن سيار أبي الحكم، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله أرسل الله له بالغنى إما آجلًا وإما غنى عاجلًا" (٤). رواه أبو داود والترمذي من حديث بشير بن سلمان به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب (٥). ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾. يقول تعالى آمرًا بعبادته وحده لا شريك له، فإن القضاء ههنا بمعنى الأمر. قال مجاهد: ﴿وَقَضَى﴾ يعني: وصى (٦)، وكذا قرأ أُبي بن كعب وابن مسعود والضحاك بن مزاحم (ووصى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه) (٧) ولهذا قرن بعبادته برّ الوالدين، فقال: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ

стр. 2641

إِحْسَانًا﴾ أي: وأمر بالوالدين إحسانًا، كقوله في الآية الأخرى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤]. ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [أي: لا تسمعهما قولًا سيئًا حتى ولا التأفيف الذي هو أدنى مراتب القول السيء ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ (١) أي: ولا يصدر منك إليهما فعل قبيح، كما قال عطاء بن رباح في قوله: ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ أي: لا تنفض يدك عليهما (٢). ولما نهاه عن القول القبيح والفعل القبيح، أمره بالقول والفعل الحسن، فقال: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ أي: لينًا طيبًا حسنًا بتأدب وتوقير وتعظيم، ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ أي: تواضع لهما بفعلك ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ أي: في كبرهما وعند وفاتهما، قال ابن عباس: ثم أنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ (٣) [التوبة: ١١٣]. وقد جاء في بر الوالدين أحاديث كثيرة منها الحديث المروي من طرق عن أنسِ وغيره أن النبي ﷺ لما صعد المنبر قال: "آمين آمين آمين" قيل: يا رسول الله علامَ أمنَّت؟ قال: "أتاني جبريل فقال: يا محمد رَغِمَ (٤) أنف رجل ذكرت عنده فلم يصلِّ عليك، قل: آمين، فقلت: آمين، ثم قال: رَغِمَ أنف رجل دخل عليه شهر رمضان ثم خرج فلم يغفر له، قل: آمين، فقلت: آمين، ثم قال: رَغِمَ أنف رجل أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة، قل: آمين، فقلت: آمين" (٥). حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا علي بن زيد، أخبرنا زرارة بن أوفى، عن مالك بن الحارث، عن رجل منهم أنه سمع النبي ﷺ يقول: "من ضمَّ يتيمًا من أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يستغني عنه، وجبت له الجنة البتة، ومن أعتق امرأ مسلمًا، كان فكاكه من النار يجزى بكل عضو منه عضوًا منه" (٦).

стр. 2642

ثم قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت علي بن زيد فذكر معناه، إلا أنه قال عن رجل من قومه يقال له: مالك أو ابن مالك، وزاد "ومن أدرك والديه أو أحدهما، فدخل النار فأبعده الله" (١). حديث آخر: وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، عن حماد بن سلمة، حدثنا علي بن زيد، عن زرارة بن أوفى، عن مالك بن عمرو القشيري، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أعتق رقبة مسلمة فهي فداؤه من النار، فإن كل عظم من عظامه محررة بعظم من عظامه، ومن أدرك أحد والديه ثم لم يغفر له فأبعده الله ، ومن ضمَّ يتيمًا من أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يغنيه الله وجبت له الجنة" (٢). حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج ومحمد بن جعفر قالا: حدثنا شعبة، عن قتادة، سمعت زرارة بن أوفى يحدث عن أُبي بن مالك القشيري قال: قال النبي ﷺ : "من أدرك والديه أو أحدهما ثم دخل النار من بعد ذلك، فأبعده الله وأسحقه" (٣)، ورواه أبو داود الطيالسي عن شعبة به، وفيه زيادات أخر (٤). حديث آخر: قال الإمام أحمد حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، حدثنا سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "رغم أنف، ثم رَغِمَ أنف ثم رَغِمَ أنف رجل أدرك أحد أبويه أو كلاهما عند الكبر ولم يدخل الجنة" (٥) صحيح من هذا الوجه، ولم يخرجوه، سوى مسلم من حديث أبي عوانة وجرير وسليمان بن بلال عن سهيل به (٦). حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا ربعي بن إبراهيم، قال أحمد وهو: أخو إسماعيل بن علية وكان يفضل على أخيه، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "رَغِمَ أنف رجل ذكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ، وَرَغِمَ أنف رجل دخل عليه شهر رمضان فانسلخ فلم يغفر له، ورَغِمَ أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر، فلم

стр. 2643

يدخلاه الجنة" قال ربعي: ولا أعلمه: إلا قال: "أو أحدهما" (١). ورواه الترمذي عن أحمد بن إبراهيم الدورقي عن ربعي بن إبراهيم، ثم قال: غريب من هذا الوجه (٢). حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا عبد الرحمن بن الغسيل، حدثنا أسيد بن علي، عن أبيه علي بن عبيد، عن أبي أسيل وهو: مالك بن ربيعة الساعدي قال: بينما أنا جالس عند رسول الله ﷺ ، إذ جاءه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله هل بقي عليَّ من برِّ أبوي شيء بعد موتهما أبرهما به؟ قال: نعم خصال أربع: الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما، فهو الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما" (٣). ورواه أبو داود وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن سليمان وهو ابن الغسيل به (٤). حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا ابن جريج، أخبرني محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن، عن معاوية بن جاهمة السلمي، أن جاهمة جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أردت الغزو وجئتك أستشيرك فقال: "فهل لك من أُم؟ قال: نعم قال: فألزمها فإن الجنة عند رجليها" ثم الثانية ثم الثالثة في مقاعد شتى كمثل هذا القول (٥)، ورواه النسائي وابن ماجه من حديث ابن جريج به (٦). حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا ابن عياش، عن بَحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معديكرب، عن النبي ﷺ قال: "إن الله يوصيكم بآبائكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بالأقرب فالأقرب" (٧). وأخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عياش به (٨).

стр. 2644

حديث آخر: قال أحمد: حدثنا يونس، حدثنا أبو عوانة، عن الأشعث بن سليم عن أبيه، عن رجل من بني يربوع قال: أتيت النبي ﷺ فسمعته وهو يكلم الناس يقول: "يد المعطي العليا، أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك" (١). حديث آخر: قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده: حدثنا إبراهيم بن المستمر العُروقي، حدثنا عمرو بن سفيان، حدثنا الحسن بن أبي جعفر، عن ليث بن أبي سليم، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه أن رجلًا كان في الطواف حاملًا أمه يطوف بها فسأل النبي ﷺ : هل أديت حقها؟ قال: "لا ولا بزفرة واحدة" أو كما قال، ثم قال البزار: لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه (٢). قلت: والحسن بن أبي جعفر ضعيف، والله أعلم. ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥)﴾. قال سعيد بن جبير: هو الرجل تكون منه البادرة إلى أبويه، وفي نيته وقلبه أنه لا يؤخذ به، وفي رواية: لا يريد إلا الخير بذلك، فقال: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾ (٣). وقوله: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ قال قتادة: للمطيعين أهل الصلاة (٤). وعن ابن عباس: المسبحين (٥). وفي رواية عنه: المطيعين المحسنين (٦)، وقال بعضهم: هم الذين يصلون بين العشاءين (٧). وقال بعضهم: هم الذين يصلون الضحى (٨). وقال شعبة عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ قال: الذين يصيبون الذنب ثم يتوبون، ويصيبون الذنب ثم يتوبون (٩). [وكذا رواه عبد الرزاق عن الثوري، ومعمر عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب بنحوه (١٠)، وكذا رواه الليث وابن جريج] (١١)، عن ابن المسيب به (١٢).

стр. 2645

وكذا قال عطاء بن يسار وسعيد بن جبير ومجاهد: هم الراجعون إلى الخير (١). وقال مجاهد، عن عبيد بن عمير في الآية: هو الذي إذا ذكر ذنوبه فى الخلاء فيستغفر الله منها (٢)، ووافقه مجاهد في ذلك (٣). وقال عبد الرزاق: حدثنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير في قوله: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ قال: كنا نعد الأواب الحفيظ أن يقول: اللهم اغفر لي ما أصبت في مجلسي هذا (٤). وقال ابن جرير: والأولى في ذلك قول من قال: هو التائب من الذنب، الراجع من المعصية إلى الطاعة مما يكره الله إلى ما يحبه ويرضاه (٥)، وهذا الذي قاله هو الصواب، لأن الأواب مشتق من الأوب، وهو الرجوع، يقال: آب فلان إذا رجع، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥)﴾ [الغاشية]. وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ كان إذا رجع من سفر قال: "آيبون تائبون، عابدون لربنا حامدون" (٦). ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨)﴾. لما ذكر تعالى برَّ الوالدين، عطف بذكر الإحسان إلى القرابة وصلة الأرحام، وفي الحديث "أمك وأباك ثم أدناك أدناك" (٧) وفي رواية "ثم الأقرب فالأقرب" (٨)، وفي الحديث "من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أجله، فليصل رحمه" (٩). وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عباد بن يعقوب، حدثنا [أبو يحيى التميمي] (١٠)، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد قال: لما نزلت ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ دعا رسول الله ﷺ فاطمة فأعطاها فدك، ثم قال: لا نعلم حدَّث به عن فضيل بن مرزوق إلا [أبو

стр. 2646

يحيى التميمي] (١) وحميد بن حماد بن أبي الخوار (٢). وهذا الحديث مشكل لو صحَّ إسناده، لأن الآية مكية، وفدك إنما فتحت مع خيبر سنة سبع من الهجرة، فكيف يلتئم هذا مع هذا؟ فهو إذًا حديث منكر، والأشبه أنه من وضع الرافضة، والله أعلم. وقد تقدم الكلام على المساكين وأبناء السبيل في سورة براءة بما أغنى عن إعادته ههنا. وقوله: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ لما أمر بالإنفاق، نهى عن الإسراف فيه، بل يكون وسطًا كما قال في الآية الأخرى ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان]، ثم قال منفرًا عن التبذير والسرف ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ أي: أشباههم في ذلك. قال ابن مسعود: التبذير الإنفاق في غير حق (٣). وكذا قال ابن عباس (٤). وقال مجاهد: لو أنفق إنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذرًا، ولو أنفق مدًا في غير حق كان مبذرًا (٥). وقال قتادة: التبذير النفقة في معصية الله تعالى، وفي غير الحق والفساد (٦). وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: أتى رجل من بني تميم إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني ذو مال كثير، وذو أهل وولد وحاضرة، فأخبرني كيف أنفق، وكيف أصنع؟ فقال رسول الله ﷺ : "تخرج الزكاة من مالك إن كان، فإنها طهرة تطهرك، وتصل أقرباءك، وتعرف حق السائل والجار والمسكين" فقال: يا رسول الله أقلل لي؟ فقال: "فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرًا" فقال: حسبي يا رسول الله إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله وإلى رسوله؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها ولك أجرها، وإثمها على من بدَّلها" (٧).

стр. 2647

وقوله: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ أي: في التبذير والسفه وترك طاعة الله وارتكاب معصيته، ولهذا قال: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ أي: جحودًا؛ لأنه أنكر نعمة الله عليه ولم يعمل بطاعته؛ بل أقبل على معصيته ومخالفته. وقوله: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية، أي: إذا سألك أقاربك ومن أمرناك بإعطائهم وليس عندك شيء، أعرضت عنهم لفقد النفقة ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ أي: عدهم وعدًا بسهولة ولين، إذا جاء رزق الله فسنصلكم إن شاء الله، هكذا فسر قوله: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ بالوعد، مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغير واحد (١). ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)﴾. يقول تعالى آمرًا بالاقتصاد في العيش، ذامًا للبخل، ناهيًا عن السرف ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ أي: لا تكن بخيلًا منوعًا، لا تعطي أحدًا شيئًا، كما قالت اليهود -عليهم لعائن الله- ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾: [المائدة: ٦٤] أي: نسبوه إلى البخل، تعالى وتقدس الكريم الوهاب. وقوله: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ أي: ولا تسرف في الإنفاق، فتعطي فوق طاقتك، وتخرج أكثر من دخلك فتقعد ملومًا محسورًا، وهذا من باب اللف والنشر؛ أي: فتقعد إن بخلت ملومًا يلومك الناس ويذمونك ويستغنون عنك، كما قال زهير بن أبي سلمى في المعلقة: ومن كان ذا مال فيبخل بماله … على قومه يستغن عنه ويذمم (٢) ومتى بسطت يدك فوق طاقتك، قعدت بلا شيء تنفقه، فتكون كالحسير، وهو الدابَّة التي عجزت عن السير فوقفت ضعفًا وعجزًا، فإنها تسمى الحسير، وهو مأخوذ من الكلال، كما قال: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)﴾ [الملك] أي: كليل عن أن يرى عيبًا، هكذا فسر هذه الآية بأن المراد هنا البخل والسرف: ابن عباس والحسن وقتادة وابن جريج وابن زيد وغيرهم (٣).

стр. 2648

وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من ثديهما إلى تراقيهما (١)، فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت أو وفرت (٢) على جلده حتى تخفي بنانه وتعفو (٣) أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئًا إلا لزقت كل حلقة منها مكانها، فهو يوسعها فلا تتسع" هذا لفظ البخاري في الزكاة (٤). وفي الصحيحين من طريق هشام بن عروة، عن زوجته فاطمة بنت المنذر، عن جدتها أسماء بنت أبي بكر قالت: قال رسول الله ﷺ : "أنفقي هكذا وهكذا وهكذا ولا توعي فيوعي الله عليك، ولا توكي فيوكي الله عليك". وفي لفظ: "ولا تحصي فيحصي الله عليك" (٥). وفي صحيح مسلم من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله قال لي: أنفق، أنفق عليك" (٦). وفي الصحيحين من طريق معاوية بن أبي مُزرد، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان من السماء يقول أحدهما: اللَّهم أَعطِ منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللَّهم أَعطِ ممسكًا تلفًا" (٧). وروى مسلم عن قتيبة، عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا "ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، ومن تواضع لله رفعه الله" (٨). وفي حديث أبي كثير عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا "إياكم والشحّ فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا" (٩). وروى البيهقي من طريق سعدان بن نصر، عن أبي معاوية، عن الأعمش، [عن ابن بريدة] (١٠)، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما يخرج رجل صدقة حتى يفك لحي سبعين شيطانًا" (١١).

стр. 2649

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبيدة [الحداد] (١)، حدثنا سُكين بن عبد العزيز، حدثنا إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "ما عال من اقتصد" (٢). وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِر﴾ إخبارًا أنه تعالى هو الرزاق القابض الباسط المتصرف في خلقه بما يشاء، فيغني من يشاء، ويفقر من يشاء لما له في ذلك من الحكمة، ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ أي: خبيرًا بصيرًا بمن يستحق الغنى ويستحق الفقر، كما جاء في الحديث: "إن من عبادي لمن لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه، وإن من عبادي لمن لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه" (٣). وقد يكون الغنى في حق بعض الناس استدراجًا، والفقر عقوبة، عياذًا بالله من هذا وهذا. ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾. هذه الآية الكريمة دالة على أن الله تعالى أرحم بعباده من الوالد بولده، لأنه نهى عن قتل الأولاد كما أوصى الآباء بالأولاد في الميراث، وكان أهل الجاهلية لا يورثون البنات بل كان أحدهم ربما قتل ابنته لئلا تكثر عيلته، فنهى الله تعالى عن ذلك وقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ أي: خوف أن تفتقروا في ثاني حال، ولهذا قدم الاهتمام برزقهم فقال: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ وفي الأنعام: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١] أي: من فقر ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]. وقوله: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ أي: ذنبًا عظيمًا، وقرأ بعضهم: كان خطأ كبيرًا وهو بمعناه، وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم: قال: "أن تجعل لله ندًا وهو خلقك -قلت: ثم أي؟ - قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك -قلت: ثم أي؟ - قال: أن تزاني بحليلة جارك" (٤). ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾. يقول تعالى ناهيًا عباده عن الزنا وعن مقاربته ومخالطة أسبابه ودواعيه ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ

стр. 2650

فَاحِشَةً﴾ أي: ذنبًا عظيمًا ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ أي: بئس طريقًا ومسلكًا. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا [حريز] (١)، حدثنا سليم بن عامر، عن أبي أُمامة أن فتى شابًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه، فقال: "ادنه" فدنا منه قريبًا، فقال: "اجلس" فجلس، فقال: "أتحبه لأمك"؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: "أفتحبه لابنتك؟ " قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم. قال: "أفتحبه لأختك؟ " قال: لا والله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: "أفتحبه لعمتك؟ " قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال: "أفتحبه لخالتك؟ " قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم، قال: فوضع يده عليه، وقال: "اللَّهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصِّن فرجه" قال: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء (٢). وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا عمار بن نصر، حدثنا بَقية، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن الهيثم بن مالك الطائي، عن النبي ﷺ قال: "ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له" (٣). ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾. يقول تعالى ناهيًا عن قتل النفس بغير حق شرعي، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والزاني المحصن، والتارك لدينه المفارق للجماعة" (٤). وفي السنن "لزوال الدنيا عند الله أهون من قتل مسلم" (٥). وقوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ أي: سلطة على القاتل، فإنه بالخيار فيه إن شاء قتله قودًا، وإن شاء عفا عنه على الدية، وإن شاء عفا عنه مجانًا، كما ثبتت السنة بذلك (٦).

стр. 2651

وقد أخذ الإمام الحبر ابن عباس من عموم هذه الآية الكريمة ولاية معاوية السلطنة أنه سيملك لأنه كان وليَّ عثمان، وقد قتل مظلومًا ﵁، وكان معاوية يطالب عليًا ﵁ أن يسلمه قتلته حتى يقتصّ منهم؛ لأنه أموي، وكان علي ﵁ يستمهله في الأمر حتى يتمكن ويفعل ذلك، ويطلب علي من معاوية أن يسلمه الشام فيأبى معاوية ذلك، حتى يسلمه القتلة، وأبى أن يبايع عليًا هو وأهل الشام، ثم مع المطاولة تمكن معاوية وصار الأمر إليه، كما قال ابن عباس واستنبطه من هذه الآية الكريمة، وهذا من الأمر العجب. وقد روى ذلك الطبراني في معجمه حيث قال: حدثنا يحيى بن عبد الباقي، حدثنا أبو عمير بن النحاس، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن ابن شَوْذَب عن مطر الوراق، عن زهدم الجرمي قال: كنا في سمر ابن عباس فقال: إني محدثكم بحديث ليس بسرٍّ ولا علانية؛ إنه لما كان من أمر هذا الرجل ما كان (يعني عثمان)، قلت لعلي: اعتزل فلو كنتَ في جحرٍ طُلبت حتى تُستخرج فعصاني، وايم الله ليتأمرنَّ عليكم معاوية، وذلك أن الله يقول: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ الآية، وليحملنكم قريش على سنة فارس والروم، وليقيمنَّ عليكم النصارى واليهود والمجوس، فمن أخذ منكم يومئذٍ بما يعرف نجا، ومن ترك -وأنتم تاركون- كنتم كقرن من القرون هلك فيمن هلك (١). وقوله: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ قالوا: معناه فلا يسرف الولي في قتل القاتل بأن يمثل به أو يقتص من غير القاتل. وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ أي: إن الولي منصور على القاتل شرعًا وغالبًا قدرًا. ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥)﴾. يقول تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ أي: لا تتصرفوا في مال اليتيم إلا بالغبطة ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]. وقد جاء في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال لأبي ذرّ: "يا أبا ذرّ إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي: لا تأمرن على اثنين، ولا تَولَّينَ مال اليتيم" (٢). وقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ أي: الذي تعاهدون عليه الناس والعقود التي تعاملونهم بها، فإن العهد والعقد كل منهما يسأل صاحبه عنه ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ أي عنه. وقوله: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾ أي: من غير تطفيف ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ﴿وَزِنُوا

стр. 2652

بِالْقِسْطَاسِ﴾ قرئ بضم القاف وكسرها (١)، كالقرطاس، وهو الميزان. وقال مجاهد: هو العدل بالرومية (٢). وقوله: ﴿الْمُسْتَقِيمِ﴾ أي: الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا اضطراب ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي: لكم في معاشكم ومعادكم، ولهذا قال: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي: مآلا ومنقلبًا في آخرتكم. قال سعيد، عن قتادة: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي: خير ثوابًا وأحسن عاقبة (٣). وأما ابن عباس كان يقول: يا معشر الموالي إنكم وليتم أمرين بهما هلك الناس قبلكم، هذا المكيال، وهذا الميزان، قال: وذُكر لنا أن نبي الله ﵊ كان يقول: "لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه ليس به إلا مخافة الله، إلا أبدله الله به في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك" (٤). ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس يقول: لا تقل (٥). وقال العوفي عنه: لا ترم أحدًا بما ليس لك به علم (٦). وقال محمد ابن الحنفية: يعني شهادة الزور (٧). وقال قتادة: لا تقل رأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع، وعلمت ولم تعلم، فإن الله تعالى سائلك عن ذلك كله (٨). ومضمون ما ذكروه أن الله تعالى نهى عن القول بلا علم بل بالظن الذي هو التوهم والخيال، كما قال تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] وفي الحديث "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث" (٩). وفي سنن أبي داود "بئس مطية الرجل زعموا" (١٠) وفي الحديث الآخر: "إن أفرى الفرى أن

стр. 2653

يري الرجل عينيه ما لم تريا" (١). وفي الصحيح "من تحلم حلمًا كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين وليس بفاعل" (٢). وقوله: ﴿كُلُّ أُولَئِكَ﴾ أي: هذه الصفات من السمع والبصر والفؤاد ﴿كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ أي: سيسأل العبد عنها يوم القيامة، وتسأل عنه عما عمل فيها، ويصح استعمال أولئك مكان تلك، كما قال الشارع (٣): ذُمَّ المنازلَ بعد منزلة اللِّوى … والعيش بعد أولئك الأيام ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾. يقول تعالى ناهيًا عباده عن التجبر والتبختر في المشية ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ أي: متبخترًا متمايلًا مشي الجبارين ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ أي: لن تقطع الأرض بمشيك، قاله ابن جرير: واستشهد عليه بقول رؤبة بن العجاج (٤): وقاتم (٥) الأعماق (٦) خاوي (٧) المخترق (٨) وقوله: ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ أي: بتمايلك وفخرك وإعجابك بنفسك، بل قد يجازي فاعل ذلك بنقيض قصده، كما ثبت في الصحيح: "بينما رجل يمشي فيمن كان قبلكم وعليه بردان يتبختر فيهما، إذ خسف به الأرض فهو يتجلجل (٩) فيها إلى يوم القيامة" (١٠) وكذلك أخبر الله تعالى عن قارون أنه خرج على قومه في زينته، وأن الله تعالى خسف به وبداره الأرض. وفي الحديث "من تواضع لله رفعه الله، فهو في نفسه حقير وعند الناس كبير، ومن استكبر وضعه الله فهو في نفسه كبير وعند الناس حقير، حتى لهو أبغض إليهم من الكلب والخنزير" (١١).

стр. 2654

وقال أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب "الخمول والتواضع: "حدثنا أحمد بن إبراهيم بن كثير، حدثنا حجاج بن محمد، عن أبي بكر الهذلي قال: بينما نحن مع الحسن إذ مرَّ عليه ابن الأهيم يريد: المنصور، وعليه جباب خزّ قد نضَّد بعضها فوق بعض على ساقه، وانفرج عنها قباؤه، وهو يمشي ويتبختر، إذ نظر إليه الحسن نظرة فقال: أف أف، شامخ بأنفه، ثاني عطفه، مصعر خده، ينظر في عطفيه؛ أي حميق ينظر في عطفه في نعم غير مشكورة ولا مذكورة، غير المأخوذ بأمر الله فيها، ولا المؤدي حق الله منها، والله أن يمشي أحدهم طبيعته [يتلجلج] (١) تلجلج المجنون في كل عضو منه نعمة، وللشيطان به لعنة، فسمعه ابن الأهيم فرجع يعتذر إليه، فقال: لا تعتذر إليَّ وتُب إلى ربك، أما سمعت قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧)﴾ " (٢). ورأى البختري العابد رجلًا من آل علي يمشي وهو يخطر في مشيته، فقال له: يا هذا، إن الذي أكرمك به لم تكن هذه مشيته، قال: فتركها ورأى ابن عمر رجلًا يخطر في مشيته، فقال: إن للشياطين إخوانًا (٣). وقال خالد بن معدان: إياكم والخطر (٤)، فإن الرجل (٥) يده من سائر جسده (٦)، رواهما ابن أبي الدنيا (٧). وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا خلف بن هشام البزار، حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى عن سعيد (٨)، عن يُحنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا مشت أمتي المطيطاء (٩)، وخدمتهم فارس والروم، سلط بعضهم على بعض" (١٠).

стр. 2655

وقوله: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾ أما من قرأ سيئة (١)؛ أي: فاحشة فمعناه عنده كل هذا الذي نهيناه عنه من قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ إلى هنا فهو سيئه مؤاخذ عليها مكروه عند الله لا يحبه ولا يرضاه، وأما من قرأ سيئه على الإضافة فمعناه عنده كل هذا الذي ذكرناه من قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى هنا فسيئه أي فقبيحه مكروه عند الله، هكذا وجَّه ذلك ابن جرير ﵀ (٢). ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)﴾. يقول تعالى: هذا الذي أمرناك به من الأخلاق الجميلة، ونهيناك عنه من الصفات الرذيلة، مما أوحينا إليك يا محمد لتأمر به الناس، ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا﴾ أي: تلومك نفسك ويلومك الله والخلق، ﴿مَدْحُورًا﴾ أي: مبعدًا من كل خير. قال ابن عباس وقتادة: مطرودًا (٣)، والمراد من هذا الخطاب الأُمة بواسطة الرسول ﷺ ، فإنه صلوات الله وسلامه عليه معصوم. ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾. يقول تعالى رادًّا على المشركين الكاذبين الزاعمين، عليهم لعائن الله، أن الملائكة بنات الله، فجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا، ثم ادعوا أنهم بنات الله، ثم عبدوهم فأخطأوا في كل من المقامات الثلاث خطأ عظيمًا، فقال تعالى منكرًا عليهم ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ أي: خصصكم بالذكور ﴿وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾ أي: واختار لنفسه على زعمكم البنات، ثم شدَّد الإنكار عليهم فقال: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ أي: في زعمكم أن لله ولدًا، ثم جعلكم ولده الإناث التي تأنفون أن يكن لكم وربما قتلتموهن بالوأد، فتلك إذًا قسمة ضيزى، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم]. ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤١)﴾. يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا﴾ أي: صرفنا فيه من الوعيد لعلهم يذكرون ما فيه من الحجج والبينات والمواعظ، فينزجروا عما هم فيه من الشرك والظلم والإفك، ﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ﴾ أي: الظالمين منهم ﴿إِلَّا نُفُورًا﴾ أي: عن الحق وبعدًا منه.

стр. 2656

﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣)﴾. يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الزاعمين أن لله شريكًا من خلقه، العابدين معه غيره، ليقربهم إليه زُلفى لو كان الأمر كما يقولون، وأن معه آلهة تعبد لتقرب إليه وتشفع لديه، لكان أولئك المعبودون يعبدونه ويتقربون إليه ويبتغون إليه الوسيلة والقربة، فاعبدوه أنتم وحده كما يعبده من تدعونه من دونه، ولا حاجة لكم إلى معبود يكون وساطة بينكم وبينه؛ فإنه لا يحب ذلك ولا يرضاه؛ بل يكرهه ويأباه، وقد نهى عن ذلك على ألسنة جميع رسله وأنبيائه، ثم نزَّه نفسه الكريمة وقدّسها فقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ﴾ أي: هؤلاء المشركون المعتدون الظالمون في زعمهم أن معه آلهة أخرى ﴿عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ أي: تعاليًا كبيرًا، بل هو الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد. ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾. يقول تعالى: تقدسه السموات السبع والأرض ومن فيهن؛ أي: من المخلوقات، وتنزهه وتعظمه وتبجله وتكبره عما يقول هؤلاء المشركون، وتشهد له بالوحدانية في ربوبيته وإلهيته: ففي كل شيء له آية … تدل على أنه واحد كما قال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١)﴾ [مريم]. وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا مسكين بن ميمون مؤذن مسجد الرملة، حدثنا عروة بن رويم، عن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله ﷺ ليلة أسري به إلى المسجد الأقصى، كان بين المقام وزمزم، جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فطارا حتى بلغ السموات السبع. فلما رجع قال: "سمعت تسبيحًا في السموات العلى مع تسبيح كثير سبحت السموات العلى، من ذي المهابة مشفقات لذي العلو بما علا، سبحان العلي الأعلى " (١). وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ أي: وما من شيء من المخلوقات إلا يسبح بحمد الله ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ أي: لا تفقهون تسبيحهم أيها الناس، لأنها بخلاف لغاتكم، وهذا عام في الحيوانات والجمادات والنباتات، وهذا أشهر القولين، كما ثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود أنه قال: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل (٢). وفي حديث أبي ذرٍّ أن النبي ﷺ أخذ في يده حصيات فسمع لهن تسبيح كحنين النحل، وكذا في يد أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ (٣)، وهو حديث مشهور في المسانيد.

стр. 2657

وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زَبَّان، عن سهل بن معاذ، ابن أنس، عن أبيه ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه دخل على قوم وهم وقوف على دواب لهم ورواحل، فقال لهم: "اركبوها سالمة ودعوها سالمة، ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق، فربَّ مركوبة خير من راكبها، وأكثر ذكرًا لله تعالى منه" (١). وفي سنن النسائي عن عبد الله بن عمرو قال: نهى رسول الله ﷺ عن قتل الضفدع، وقال: "نقيقها تسبيح" (٢). وقال قتادة، عن عبد الله بن بابي، عن عبد الله بن عمرو أن الرجل إذا قال: لا إله إلا الله، فهي كلمة الإخلاص التي لا يقبل الله من أحد عملًا حتى يقولها، وإذا قال: الحمد لله، فهي كلمة الشكر التي لم يشكر الله عبد قط حتى يقولها، وإذا قال: الله أكبر، فهي تملأ ما بين السماء والأرض، وإذا قال: سبحان الله، فهي صلاة الخلائق التي لم يدع الله أحدًا من خلقه إلا قرره بالصلاة والتسبيح. وإذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، قال: أسلم عبدي واستسلم (٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، سمعت الصّقعب بن زهير يحدث عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو قال: أتى النبي ﷺ أعرابي عليه جبة من طيالسة مكفوفة بديباج، [أو مزورة بديباج] (٤)، فقال: إن صاحبكم هذا يريد أن يرفع كل راع بن راع ويضع كل رأس بن رأس، فقام إليه النبي ﷺ مغضبًا فأخذ بمجامع جبته فاجتذبه فقال: "لا أرى عليك ثياب من لا يعقل" ثم رجع رسول الله ﷺ فجلس، فقال: "إن نوحًا ﵇ لما حضرته الوفاة دعا ابنيه فقال: إني قاص عليكما الوصية آمركما باثنتين، وأنهاكما عن اثنتين، أنهاكما عن الشرك بالله والكبر، وآمركما بلا إله إلا الله فإن السموات والأرض وما فيها لو وضعت في كفة وضعت لا إله إلا الله في الكفة الأخرى كانت أرجع ولو أن السموات والأرض كانتا حلقة فوضعت لا إله إلا الله عليهما، لقصمتهما أو لفصمتهما، وآمركما بسبحان الله وبحمده، فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق كل شيء" (٥). ورواه الإمام أحمد أيضًا عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد، عن الصقعب بن زهير به أطول من هذا وتفرد به (٦).

стр. 2658

وقال ابن جرير: حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، حدثنا محمد بن يعلى، عن موسى بن عبيدة، عن زيد بن أسلم، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه؟ إن نوحًا ﵇ قال لابنه: يا بني آمرك أن تقول: سبحان الله، فإنها صلاة الخلق وتسبيح الخلق، وبها يرزق الخلق" قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (١). إسناده فيه ضعف، فإن الربذي ضعيف عند الأكثرين. وقال عكرمة في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ قال: الأسطوانة تسبح والشجرة تسبح (٢) -الأسطوانة: السارية- وقال بعض السلف: صرير الباب تسبيحه، وخرير الماء تسبيحه قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ وقال سفيان الثوري عن منصور، عن إبراهيم قال: الطعام يسبح (٣)، ويشهد لهذا القول آية السجدة في الحج (٤). وقال آخرون: إنما يسبح ما كان فيه روح، يعنون: من حيوان ونبات. قال قتادة في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ قال: كل شيء فيه روح يسبح من شجر أو شيء فيه [الروح] (٥) (٦). وقال الحسن والضحاك في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ قالا: كل شيء فيه الروح (٧). وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن حميد، حدثنا يحيى بن واضح وزيد بن حباب، قالا: حدثنا حُديد (٨) أبو الخطاب، قال: كنا مع يزيد الرقاشي ومعه الحسن في طعام، فقدما الخوان، فقال يزيد الرقاشي: يا أبا سعد، يسبح هذا الخوان؟ فقال: كان يسبح مرة (٩). قلت: الخوان هو المائدة من الخشب، فكأن الحسن ﵀، ذهب إلى أنه لما كان حيًا فيه خضرة كان يسبح، فلما قطع وصار خشبة يابسة انقطع تسبيحه، وقد يستأنس لهذا القول بحديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ مرَّ بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة" ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين، ثم غرز في كل قبر واحدة، ثم قال: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا "أخرجاه في

стр. 2659

الصحيحين (١)، قال بعض من تكلم على هذا الحديث من العلماء: إنما قال ما لم ييبسا لأنهما يسبحان مادام فيهما خضرة، فإذا يبسا انقطع تسبيحهما، والله أعلم. وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ أي: لا يعاجل من عصاه بالعقوبة بل يؤجله وينظره، فإن استمر على كفره وعناده أخذه أخذ عزيز مقتدر، كما جاء في الصحيحين: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته"، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ (٢) [هود]. وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)﴾ [الحج]، ومن أقلع عما هو فيه من كفر أو عصيان، ورجع إلى الله تاب إليه وتاب عليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء]، وقال ههنا: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ كما قال في آخر فاطر ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ إلى أن قال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾ [فاطر]. ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)﴾. يقول تعالى لرسوله محمد ﷺ : وإذا قرأت يا محمد على هؤلاء المشركين القرآن، جعلنا بينك وبينهم حجابًا مستورًا. قال قتادة وابن زيد: هو الأكنة على قلوبهم (٣)، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥] أي: مانع حائل أن يصل إلينا مما تقول شيء. وقوله: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ بمعنى: ساتر كميمون ومشؤوم بمعنى: يا من وشائم؛ لأنه من يمنهم وشؤمهم، وقيل: مستورًا عن الأبصار فلا تراه وهو مع ذلك حجاب بينهم وبين الهدى، ومال إلى ترجيحه ابن جرير ﵀ (٤). وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو موسى الهروي إسحاق بن إبراهيم، حدثنا سفيان، عن الوليد بن كثير، عن يزيد بن تدرس، عن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله تعالى عنها- قالت: لما نزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] جاءت العوراء أُم جميل ولها ولولة (٥) وفي يدها فهر (٦)

стр. 2660

وهي تقول: مذممًا أتينا -أو أبينا- قال أبو موسى: الشك مني، ودينه قلينا، وأمره عصينا، ورسول الله ﷺ جالس وأبو بكر إلى جنبه فقال أبو بكر ﵁: لقد أقبلت هذه وأنا أخاف أن تراك، فقال: "إنها لن تراني" وقرأ قرآنًا اعتصم به منها ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾ قال: فجاءت حتى قامت على أبي بكر فلم ترَ النبي ﷺ فقالت: يا أبا بكر، بلغني أن صاحبك هجاني، قال أبو بكر: لا وربّ هذا البيت ما هجاك، قال: فانصرفت وهي تقول: لقد علمت قريش أني بنت سيدها (١). وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ وهي جمع كنان الذي يغشى القلب ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أي: لئلا يفهموا القرآن ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ وهو الثقل الذي منعهم من سماع القرآن سماعًا ينفعهم ويهتدون به. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ﴾ أي: إذا وحدت الله في تلاوتك، وقلت لا إله إلا الله، ﴿وَلَّوْا﴾ أي: أدبروا راجعين ﴿عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ ونفور جمع نافر، وكقعود جمع قاعد، ويجوز أن يكون مصدرًا من غير الفعل، والله أعلم. كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾ [الزمر]، قال قتادة في قوله: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾، إن المسلمين لما قالوا: لا إله إلا الله، أنكر ذلك المشركون، وكبرت عليهم وضاقها إبليس وجنوده، فأبى الله إلا أن يمضيها ويعليها وينصرها ويظهرها على من ناوأها، إنها كلمة من خاصم بها [فلج] (٢)، ومن قاتل بها نصر، إنما يعرفها أهل هذه الجزيرة من المسلمين التي يقطعها الراكب في ليال قلائل، ويسير الدهر في فئام من الناس لا يعرفونها ولا يقرون بها (٣). (قول آخر في الآية): روى ابن جرير: حدثني الحسين بن محمد [الذارع] (٤)، حدثنا روح بن المسيب أبو رجاء الكلبي، وحدثنا عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ هم الشياطين (٥). وهذا غريب جدًا في تفسيرها، وإلا فالشياطين إذا قرئ القرآن أو نودي بالأذان أو ذكر الله انصرفوا. ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨)﴾. يخبر تعالى نبيه ﷺ بما يتناجى به رؤساء قريش حين جاؤوا يستمعون قراءته ﷺ سرًا من

стр. 2661

قومهم بما قالوا من أنه رجل مسحور من السِّحْر على المشهور، أو من السَّحْر وهو الرئة؛ أي: إن تتبعون إن اتبعتم محمدًا إلا بشرًا يأكل، كما قال الشاعر (١): فإن تسألينا فيم نحن فإننا … عصافير من هذا الأنام المُسحَّر (٢) وقال الراجز (٣): نسحر بالطعام وبالشراب أي: يُغَذي، وقد صوَّب هذا القول ابن جرير (٤)، وفيه نظر؛ لأنهم أرادوا ههنا أنه مسحور له رئي يأتيه بما استمعوه من الكلام الذي يتلوه، ومنهم من قال: شاعر، ومنهم من قال: كاهن، ومنهم من قال: مجنون، ومنهم من قال: ساحر، ولهذا قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨)﴾ أي: فلا يهتدون إلى الحق ولا يجدون إليه مخلصًا. قال محمد بن إسحاق في السيرة: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أنه حدث أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي حليف بني زهرة، خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله ﷺ وهو يصلي بالليل في بيته، فأخذ كل واحد منهم مجلسًا يستمع فيه، وكلٌّ لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، حتى إذا جمعتهم الطريق تلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئًا، ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية، عاد كل رجل منهم إلى مجلسه فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا وجمعتهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قاله أول مرة، ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل مجلسه فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعتهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد لا نعود، فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا. فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته، فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد. قال: يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها، قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به. قال: ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته، فقال: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال: ماذا سمعت؟ قال: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه والله لا نؤمن به أبدًا ولا نصدقه. قال: فقام عنه الأخنس وتركه (٥).

стр. 2662

﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢)﴾. يقول تعالى مخبرًا عن الكفار المستبعدين وقوع المعاد القائلين استفهام إنكار منهم لذلك ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾ أي: ترابًا، قاله مجاهد (١). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: غبارًا (٢). ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ أي: يوم القيامة بعدما بلينا وصرنا عدمًا لا نذكر، كما أخبر عنهم في الموضع الآخر ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢)﴾ [النازعات]. وقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس]، وهكذا أمر رسوله ههنا أن يجيبهم فقال: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠)﴾ إذ هما أشد امتناعًا من العظام والرفات ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾. قال ابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: سألت ابن عباس عن ذلك، فقال: هو الموت (٣). وروى عطية عن ابن عمر أنه قال في تفسير هذه الآية: لو كنتم موتى لأحييتكم (٤)، وكذا قال سعيد بن جبير وأبو صالح والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم (٥)، ومعنى ذلك أنكم لو فرضتم أنكم لو صرتم إلى الموت الذي هو ضد الحياة، لأحياكم الله إذا شاء؛ فإنه لا يمتنع عليه شيء إذا أراده. وقد ذكر ابن جرير [ههنا] (٦) حديثًا: "يجاء بالموت يوم القيامة وكأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، ثم يقال: يا أهل النار أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود بلا موت،

стр. 2663

ويا أهل النار خلود بلا موت" (١). وقال مجاهد: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ يعني: السماء والأرض والجبال (٢). وفي رواية: ما شئتم فكونوا فسيعيدكم الله بعد موتكم (٣). وقد وقع في التفسير المروي عن الإمام مالك عن الزهري في قوله: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ قال النبي ﷺ : قال مالك: ويقولون: هو الموت (٤). وقوله تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا﴾ أي: من يعيدنا إذا كنا حجارة أو حديدًا أو خلقًا آخر شديدًا ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: الذي خلقكم ولم تكونوا شيئًا مذكورًا ثم صرتم بشرًا تنتشرون؛ فإنه قادر على إعادتكم ولو صرتم إلى أي حال ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]. وقوله تعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ قال ابن عباس وقتادة: يحركونها استهزاء، وهذا الذي قالاه هو الذي تعرفه العرب من لغاتها (٥)؛ لأن الإنغاض هو: التحرك من أسفل إلى أعلى أو من أعلى إلى أسفل، ومنه قيل للظليم وهو: ولد النعامة نغضًا؛ لأنه إذا مشى عجل بمشيته وحرك رأسه، ويقال: نغَضَت سنّهُ إذا تحركت وارتفعت من منبتها وقال الراجز: ونَغضَت من هرمٍ أسنانها (٦) وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُو﴾ إخبار عنهم بالاستبعاد منهم لوقوع ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥)﴾ [الملك] وقال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ [الشورى: ١٨]. وقوله: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ أي: احذروا ذلك؛ فإنه قريب سيأتيكم لا محالة، فكل ما هو آت آت. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ أي: الرب ﵎: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥] أي: إذا أمركم بالخروج منها، فإنه لا يخالف ولا يمانع، بل كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر] ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل]. وقوله: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ [النازعات] أي: إنما هو أمر واحد بانتهار، فإذا الناس قد خرجوا من باطن الأرض إلى ظاهرها، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أي: تقومون كلكم إجابة لأمره وطاعة لإرادته.

стр. 2664

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: فتستجيبون بحمده؛ أي بأمره (١)، وكذا قال ابن جريج (٢)، وقال قتادة بمعرفته وطاعته (٣). وقال بعضهم: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أي: وله الحمد في كل حال (٤). وقد جاء في الحديث: "ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم، كأني بأهل لا إله إلا الله يقومون من قبورهم ينفضون التراب عن رؤوسهم يقولون: لا إله إلا الله" (٥). وفي رواية يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ وسيأتي في سورة فاطر (٦). وقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ﴾ أي: يوم تقومون من قبوركم ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ أي: في الدار الدنيا ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾، وكقوله تعالى ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾ [النازعات]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤)﴾ [طه]، وقال تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤)﴾ [المؤمنون]. ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣)﴾. يأمر ﵎ عبده ورسوله ﷺ أن يأمر عباد الله المؤمنين أن يقولوا في مخاطبتهم ومحاورتهم الكلام الأحسن والكلمة الطيبة؛ فإنهم إن لم يفعلوا ذلك، نزغ الشيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال، وأوقع الشر والمخاصمة والمقاتلة؛ فإنه عدو لآدم وذريته من حين امتنع عن السجود لآدم، وعداوته ظاهرة بينة، ولهذا نهى أن يشير الرجل إلى أخيه المسلم بحديدة؛ فإن الشيطان ينزغ في يده؛ أي: فربما أصابه بها. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يشيرن أحدكم إلى أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان أن ينزغ في يده فيقع في حفرة من النار" (٧). أخرجاه من حديث عبد الرزاق (٨). وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، أنبأنا علي بن زيد، عن الحسن قال: حدثني

стр. 2665

رجل من بني سليط قال: أتيت النبي ﷺ وهو في أزفَلة (١) من الناس فسمعته يقول: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، التقوى ههنا" قال حماد: وقال بيده إلى صدره: "وما تواد رجلان في الله ففرق بينهما إلا حدث يحدثه أحدهما، المُحدِثُ شر والمُحدِثُ شر والمُحدِثُ شر" (٢). ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٥٤) وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥)﴾. يقول تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ أيها الناس أي: أعلم بمن يستحق منكم الهداية ومن لا يستحق ﴿إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ بأن يوفقكم لطاعته والإنابة إليه ﴿أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾ يا محمد ﴿عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ أي: إنما أرسلناك نذيرًا، فمن أطاعك دخل الجنة، ومن عصاك دخل النار. وقوله: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: بمراتبهم في الطاعة والمعصية ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ وكما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وهذا لا ينافي ما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: "لا تفضلوا بين الأنبياء" (٣) فإن المراد من ذاك هو التفضيل بمجرد التشهي والعصبية لا بمقتضى الدليل فإذا دلَّ الدليل على شيء وجب اتباعه، ولا خلاف أن الرسل أفضل من بقية الأنبياء، وأن أولي العزم منهم أفضلهم، وهم الخمسة المذكورون نصًا في آيتين من القرآن في سورة الأحزاب ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧] وفي الشورى قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] ولا خلاف أن محمدًا ﷺ أفضلهم، ثم بعده إبراهيم، ثم موسى ثم عيسى ﵈ على المشهور، وقد بسطناه بدلائله في غير هذا الموضع، والله الموفق. وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ تنبيه على فضله وشرفه. قال البخاري: حدثنا إسحاق بن نصر، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "خُفِّف على داود القرآن، فكان يأمر بدابته فتسرج، فكان يقرؤه قبل أن يفرغ" يعني القرآن (٤). ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ يقول تعالى: ﴿قُلِ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الذن عبدوا غير الله ﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ
следующие страницы →