← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤) وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)﴾. يقول تعالى منكرًا على المشركين في عدم تفهمهم للقرآن العظيم وتدبرهم له وإعراضهم عنه، مع أنهم قد خصوا بهذا الكتاب الذي لم ينزل اللَّه على رسول أكمل منه ولا أشرف، لاسيما آباؤهم الذين ماتوا في الجاهلية حيث لم يبلغهم كتاب ولا أتاهم نذير، فكان اللائق بهؤلاء أن يقابلوا النعمة التي أسداها اللَّه عليهم بقبولها والقيام بشكرها وتفهمها والعمل بمقتضاها آناء الليل وأطراف النهار، كما فعله النجباء منهم ممن أسلم واتبع الرسول ﷺ ورضي عنهم. وقال قتادة: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ إذ والله يجدون في القرآن زاجرًا عن معصية اللَّه لو تدبره القوم وعقلوه ولكنهم أخذوا بما تشابه منه فهلكوا عند ذلك. ثم قال منكرًا على الكافرين من قريش: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩)﴾ أي: أفهم لا يعرفون محمدًا وصدقه وأمانته وصيانته التي نشأ بها فيهم؛ أي أفيقدرون على إنكار ذلك والمباهتة فيه، ولهذا قال جعفر بن أبي طالب ﵁ للنجاشي ملك الحبشة: أيها الملك إن اللَّه بعث فينا رسولًا نعرف نسبه وصدقه وأمانته، وهكذا قال المغيرة بن شعبة لنائب كسرى حين بارزهم، وكذلك قال أبو سفيان صخر بن حرب لملك الروم هرقل حين سأله وأصحابه عن صفات النَّبِيّ ﷺ ونسبه وصدقه وأمانته، وكانوا بعد كفارًا لم يسلموا، ومع هذا لم يمكنهم إلا الصدق فاعترفوا بذلك. وقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ يحكي قول المشركين عن النَّبِيّ ﷺ أنه تقول القرآن؛ أي افتراه من عنده أو أن به جنونًا لا يدري ما يقول، وأخبر عنهم أن قلوبهم لا تؤمن به وهم يعلمون بطلان ما يقولونه في القرآن فإنه قد أتاهم من كلام اللَّه ما لا يطاق ولا يدافع وقد تحداهم وجميع أهل الأرض أن يأتوا بمثله إن استطاعوا ولا يستطيعون أبد الآبدين، ولهذا قال: ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ يحتمل أن تكون هذه جملة حالية؛ أي في حالة كراهة أكثرهم للحق، ويحتمل أن تكون خبرية مستأنفة، والله أعلم. وقال قتادة: ذُكرَ لنا أن نبي اللَّه ﷺ لقي رجلًا فقال له: "أسلم" فقال الرجل: إنك لتدعوني إلى أمر أنا له كاره، فقال نبي اللَّه ﷺ : "وإن كنت كارهًا". وذكر لنا أنه لقي رجلًا فقال له: "أسلم" فتصعده ذلك، وكبَّر عليه، فقال له نبي الله ﷺ : "أرأيت لو كنت في طريق وعر وعث، فلقيت رجلًا تعرف وجهه وتعرف نسبه، فدعاك إلى طريق واسع سهل، أكنت تتبعه؟ " قال: نعم. قال: "فوالذي نفس محمد بيده إنك لفي أوعر من ذلك الطريق لو قد كنت عليه، وإني لأدعوك لأسهل من ذلك لو دعيت إليه"، وذُكر لنا أن نبي الله ﷺ لقي رجلًا فقال له: "أسلم" فتصعده ذلك، فقال له نبي الله ﷺ : "أرأيت لو كان فتيكَ أحدهما إذا حدثك صدقك، وإذا ائتمنته أدّى إليك، أهو أحب إليك أم فتاك الذي إذا حدثك كذلك وإذا ائتمنته خانك؟ " قال: بل فتاي الذي

стр. 3047

إذا حدثني صدقني وإذا ائتمنته أدّى إلي، فقال نبي الله ﷺ : "كذاكم [أنتم] (١) عند ربكم" (٢). وقوله: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ قال مجاهد وأبو صالح والسدي: الحق هو: الله (٣)، والمراد: لو أجابهم اللَّه إلى ما في أنفسهم من الهوى، وشرع الأمور على وفق ذلك ﴿لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾؛ أي لفساد أهوائهم واختلافها، كما أخبر عنهم في قولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾، ثم قال: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣١، ٣٢] وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠)﴾ [الإسراء] وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣)﴾ [النساء]، ففي هذا كله تبيين عجز العباد واختلاف آرائهم وأهوائهم، وأنه تعالى هو الكامل في جميع صفاته وأقواله وأفعاله وشرعه وقدره وتدبيره لخلقه، تعالى وتقدس، فلا إله غيره ولا رب سواه، ولهذا قال: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ أي: القرآن ﴿فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾. وقوله: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا﴾ قال الحسن: أجرًا (٤). وقال قتادة: جعلًا (٥) ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ أي: أنت لا تسألهم أجرة ولا جعلًا ولا شيئًا على دعوتك إياهم إلى الهدى؛ بل أنت في ذلك تحتسب عند اللَّه جزيل ثوابه، كما قال: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [سبأ: ٤٧]، وقال: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ [ص] وقال: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] وقال: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)﴾ [يس: ٢٠، ٢١]. وقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤)﴾ قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا حسن بن موسى، حَدَّثَنَا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس: أن رسول اللَّه ﷺ أتاه فيما يرى النائم ملكان، فقعد أحدهما عند رجليه، والآخر عند رأسه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: اضرب مثل هذا ومثل أمته، فقال: إن مثل هذا ومثل أمته كمثل قوم سفر انتهوا إلى رأس مفازة، فلم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة ولا ما يرجعون به، فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجل في حِلّة حَبِرة (٦)، فقال: أرأيتم إن أوردتكم رياضًا معشبة وحياضًا رِواء (٧) تتبعوني؟ فقالوا: نعم، قال: فانطلق بهم وأوردهم، رياضًا معشبة وحياضًا رِواء، فأكلوا وشربوا وسمنوا، فقال لهم: ألم

стр. 3048

ألفكم على تلك الحال فجعلتم لي إن وردت بكم رياضًا معشبة وحياضًا رواء أن تتبعوني؟ قالوا: بلى، قال: فإن بين أيديكم رياضًا أعشب من هذه وحياضًا هي أروى من هذه فاتبعوني، قال: فقالت طائفة: صدق والله لنتبعنه، وقالت طائفة: قد رضينا بهذا نقيم عليه (١). وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حَدَّثَنَا زهير، حَدَّثَنَا يونس بن محمد، حَدَّثَنَا يعقوب بن عبد الله الأشعري، حَدَّثَنَا حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إني ممسك بحجزكم هلم عن النار هلم عن النار، وتغلبونني تقاحمون فيها تقاحم الفراش والجنادب، فأوشك أن أرسل حجزكم وأنا فرطكم على الحوض، فتردون علي معًا وأشتاتًا أعرفكم بسيماكم وأسمائكم، كما يعرف الرجل الغريب من الإبل في إبله، فيذهب بكم ذات اليمين وذات الشمال، فأناشد فيكم رب العالمين: أي ربِّ قومي، أي رب أمتي، فيقال: يا محمد، إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم كانوا يمشون بعدك القهقرى على أعقابهم، فلأعرفنَّ أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء ينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك من اللَّه شيئًا قد بلغت، ولأعرفنَّ أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل بعيرًا له رغاء ينادي: يا محمد يا محمد، فاقول: لا أملك لك شيئًا قد بلغت، ولأعرفنَّ أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرسًا لها حمحمة فينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد بلغت، ولأعرفنَّ أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل سقاء من أدم ينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد بلغت" (٢). وقال علي بن المديني: هذا حديث حسن الإسناد إلا أن حفص بن حميد مجهول، لا أعلم روى عنه غير يعقوب بن عبد اللَّه الأشعري [القمي] (٣). (قلت): بل قد روى عنه أيضًا أشعث بن إسحاق، وقال فيه يحيى بن معين: صالح، ووثقه النسائي وابن حبان. وقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤)﴾ أي: لعادلون جائرون منحرفون، تقول العرب: نكب فلان عن الطريق: إذا زاغ عنها. وقوله: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)﴾ يخبر تعالى عن غلظهم في كفرهم بأنه لو أزاح عنهم الضرّ وأفهمهم القرآن لما انقادوا له ولاستمروا على كفرهم وعنادهم وطغيانهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [الأنفال]، وقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾ [الأنعام]، فهذا من باب علمه تعالى بما لا يكون، ولو كان كيف يكون.

стр. 3049

قال الضحاك، عن ابن عباس: كل ما فيه (لو) فهو مما لا يكون أبدًا (١). ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠) بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)﴾. يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ أي: ابتليناهم بالمصائب والشدائد ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي: فما ردَّهم ذلك عمَّا كانوا فيه من الكفر والمخالفة؛ بل استمروا على غيهم وضلالهم ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا﴾ أي: ما خشعوا ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي: ما دعوا، كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [الأنعام]. وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا علي بن الحسين، حَدَّثَنَا محمد بن حمزة المروزي، حَدَّثَنَا علي بن الحسين، حَدَّثَنَا أبي، عن يزيد -يعني النحوي- عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: جاء أبو سفيان إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد أنشدك اللَّه والرحم، فقد أكلنا العلهز -يعني: الوبر والدم-، فأنزل اللَّه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾ (٢)، وكذا رواه النسائي عن محمد بن عقيل، عن علي بن الحسين، عن أبيه به (٣)، وأصله في الصحيحين: أن رسول الله ﷺ دعا على قريش حين استعصوا، فقال: "اللَّهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف" (٤). وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا علي بن الحسين، حَدَّثَنَا سلمة بن شبيب، حَدَّثَنَا عبد اللَّه بن إبراهيم بن عمر بن كيسان، حدثني وهب بن عمر بن كيسان قال: حُبس وهب بن منبه فقال له رجل من الأبناء: ألا أنشدك بيتًا من شعر يا أبا عبد اللَّه؟ فقال وهب: نحن في طرف من عذاب اللَّه، والله يقول: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾ قال: وصام وهب ثلاثًا متواصلة، فقيل له: ما هذا الصوم يا أبا عبد اللَّه؟ قال: أحدث لنا فأحدثنا، يعني: أحدث لنا الحبس فأحدثنا زيادة عبادة (٥). وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧)﴾ أي: حتَّى إذا جاءهم أمر اللَّه وجاءتهم الساعة بغتةً، فأخذهم من عذاب اللَّه ما لم يكونوا يحتسبون، فعند ذلك أبلسوا من كل خير وأيسوا من كل راحة، وانقطعت آمالهم ورجاؤهم، ثم ذكر تعالى نعمه على عباده بأن جعل لهم السمع والأبصار والأفئدة، وهي العقول والفهوم التي يدركون بها الأشياء ويعتبرون بما

стр. 3050

في الكون من الآيات الدالة على وحدانية اللَّه، وأنه الفاعل المختار لما يشاء. وقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ أي: ما أقل شكركم لله على ما أنعم به عليكم، كقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف]، ثم أخبر تعالى عن قدرته العظيمة وسلطانه القاهر في برئه الخليقة وذرئه لهم في سائر أقطار الأرض على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وصفاتهم، ثم يوم القيامة يجمع الأولين منهم والآخرين لميقات يوم معلوم، فلا يترك منهم صغيرًا ولا كبيرًا، ولا ذكرًا ولا أنثى، ولا جليلًا ولا حقيرًا، إلا أعاده كما بدأه، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: يحيي الرمم ويميت الأمم، ﴿وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: وعن أمره تسخير الليل والنهار، كل منهما يطلب الآخر طلبًا حثيثًا، يتعاقبان لا يفتران ولا يفترقان بزمان غيرهما، كقوله: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس]. وقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي: أفليس لكم عقول تدلكم على العزيز العليم الذي قد قهر كل شيء، وعزَّ كل شيء وخضع له كل شيء؟ ثم قال مخبرًا عن منكري البعث الذين أشبهوا من قبلهم من المكذبين؟ ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢)﴾ يعني: يستبعدون وقوع ذلك بعد صيرورتهم إلى البلى ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)﴾ يعنون: الإعادة محال، إنما يخبر بها من تلقاها عن كتب الأولين واختلافهم، وهذا الإنكار والتكذيب منهم كقوله إخبارًا عنهم ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ [النازعات]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس]. ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠)﴾. يقرر تعالى وحدانيته واستقلاله بالخلق والتصرف والملك ليرشد إلى أنه اللَّه الذي لا إله إلا هو، ولا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، ولهذا قال لرسوله محمد ﷺ أن يقول للمشركين العابدين معه غيره المعترفين له بالربوبية، وأنه لا شريك له فيها، ومع هذا فقد أشركوا معه في الإلهية فعبدوا غيره معه مع اعترافهم أن الذين عبدوهم لا يخلقون شيئًا ولا يملكون شيئًا ولا يستبدون بشيء؛ بل اعتقدوا أنهم يقربونهم إليه زلفى ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، فقال: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا﴾ أي: من مالكها الذي خلقها ومن فيها من الحيوانات والنباتات والثمرات وسائر صنوف المخلوقات ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ أي: فيعترفون لك بأن ذلك لله وحده لا شريك له، فإذا كان ذلك ﴿قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أنه لا

стр. 3051

تنبغي العبادة إلا للخالق الرزاق لا لغيره ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦)﴾ أي: من هو خالق العالم العلوي بما فيه من الكواكب النيرات والملائكة الخاضعين له في سائر الأقطار منها والجهات، ومن هو رب العرش العظيم؛ يعني: الذي هو سقف المخلوقات، كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود، عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "شأن اللَّه أعظم من ذلك إن عرشه على سمواته هكذا" وأشار بيده مثل القبة (١). وفي الحديث الآخر: "ما السموات السبع والأرضون السبع وما بينهن وما فيهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن الكرسي بما فيه بالنسبة إلى العرش كتلك الحلقة في تلك الفلاة" (٢)، ولهذا قال بعض السلف: إن مسافة ما بين قطري العرش من جانب إلى جانب مسيرة خمسين ألف سنة، وارتفاعه عن الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة. وقال الضحاك عن ابن عباس: إنما سمي عرشًا لارتفاعه (٣). وقال الأعمش، عن كعب الأحبار: إن السموات والأرض في العرش كالقنديل المعلق بين السماء والأرض (٤). وقال مجاهد: ما السموات والأرض في العرش إلا كحلقة في أرض فلاة (٥). وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا العلاء بن سالم، حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا سفيان الثوري، عن عمار الدّهني، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: العرش لا يقدر قدره أحد (٦)، وفي رواية: إلا الله ، وقال بعض السلف: العرش من ياقوتة حمراء (٧)، ولهذا قال ههنا: ﴿وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ أي: الكبير. وقال في آخر السورة: ﴿وَرَبُّ الْعَرْشِ الكَرِيْم﴾ أي: الحسن البهي، فقد جمع العرش بين العظمة في الاتساع والعلو والحسن الباهر، ولهذا قال من قال: إنه من ياقوتة حمراء. وقال ابن مسعود: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور العرش من نور وجهه. وقوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧)﴾ أي: إذا كنتم تعترفون بأنه ربُّ السموات وربُّ العرش العظيم، أفلا تخافون عقابه وتحذرون عذابه في عبادتكم معه غيره وإشراككم به؟. قال أبو بكر عبد اللَّه بن محمد بن أبي الدنيا القرشي في كتاب "التفكر والاعتبار": حَدَّثَنَا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبيد اللَّه بن جعفر، أخبرني عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ كثيرًا ما يحدث عن امرأة كانت في الجاهلية على رأس جبل معها ابن لها يرعى غنمًا، فقال لها ابنها: يا أمه من خلقك؟ قالت: اللَّه. قال: فمن خلق أبي؟ قالت: اللَّه. قال:

стр. 3052

فمن خلقني؟ قالت: اللَّه. قال: فمن خلق السموات؟ قالت: اللَّه. قال: فمن خلق الأرض؟ قالت: اللَّه. قال: فمن خلق الجبل؟ قالت: اللَّه. قال: فمن خلق هذه الغنم؟ قالت: اللَّه. قال: فإني أسمع لله شأنًا ثم ألقى نفسه من الجبل فتقطع. قال ابن عمر: كان رسول اللَّه ﷺ كثيرًا ما يحدثنا هذا الحديث، قال عبد اللَّه بن دينار: كان ابن عمر كثيرًا ما يحدثنا بهذا الحديث (١)، قلت: في إسناده عبد اللَّه بن جعفر المديني، والد الإمام علي بن المديني، وقد تكلموا فيه، فالله أعلم. ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: بيده الملك ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦] أي: متصرف فيها، وكان رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا والذي نفسي بيده" (٢)، وكان إذا اجتهد في اليمين قال: "لا ومقلب القلوب" (٣)، فهو سبحانه الخالق المالك المتصرف ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ كانت العرب إذا كان السيد فيهم فأجار أحدًا لا يخفر في جواره، وليس لمن دونه أن يجير عليه لئلا يفتات عليه، ولهذا قال اللَّه: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ أي: وهو السيد العظيم الذي لا أعظم منه، الذي له الخلق والأمر ولا معقب لحكمه، الذي لا يمانع ولا يخالف، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وقال اللَّه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء] أي: لا يسأل عما يفعل لعظمته وكبريائه وغلبته وقهره وحكمته وعدله، فالخلق كلهم يسألون عن أعمالهم، كما قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر]. وقوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ أي: سيعترفون أن السيد العظيم الذي يجير ولا يجار عليه هو اللَّه تعالى وحده لا شريك له ﴿قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ أي: فكيف تذهب عقولكم في عبادتكم معه غيره مع اعترافكم وعلمكم بذلك، ثم قال تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ﴾ وهو الإعلام بأنه لا إله إلا اللَّه، وأقمنا الأدلة الصحيحة الواضحة القاطعة على ذلك ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أي: في عبادتهم مع اللَّه غيره ولا دليلٌ لهم على ذلك، كما قال في آخر السورة: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ فالمشركون لا يفعلون ذلك عن دليلٌ قادهم إلى ما هم فيه من الإفك والضلال، وإنما يفعلون ذلك اتباعًا لآبائهم وأسلافهم الحيارى الجهال، كما قال اللَّه عنهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]. ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾. ينزه تعالى نفسه عن أن يكون له ولد أو شريك في الملك والتصرف والعبادة، فقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: لو قدر تعدد الآلهة لانفرد كل منهم بما خلق فما كان ينتظم الوجود، والمشاهد أن الوجود منتظم

стр. 3053

متسق كل من العالم العلوي والسفلي مرتبط بعضه ببعض في غاية الكمال ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣]، ثم لكان كل منهم يطلب قهر الآخر وخلافه، فيعلو بعضهم على بعض، والمتكلمون ذكروا هذا المعنى، وعبروا عنه بدليل التمانع، وهو أنه لو فرض صانعان فصاعدًا فأراد واحد تحريك جسم والآخر أراد سكونه، فإن لم يحصل مراد كل واحد منهما كانا عاجزين، والواجب لا يكون عاجزًا ويمتنع اجتماع مراديهما للتضاد، وما جاء هذا المحال إلا من فرض التعدد، فيكون محالًا، فأما إن حصل مراد أحدهما دون الآخر، كان الغالب هو الواجب والآخر المغلوب ممكنًا؛ لأنَّهُ لا يليق بصفة الواجب أن يكون مقهورًا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: عمّا يقول الظالمون المعتدون في دعواهم الولد أو الشريك علوًا كبيرًا ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: يعلم ما يغيب عن المخلوقات وما يشاهدونه ﴿فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تقدّس وتنزّه وتعالى عمَّا يقول الظالمون والجاحدون. ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾. يقول تعالى آمرًا نبيه محمدًا ﷺ أن يدعو بهذا الدعاء عند حلول النقم ﴿رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾ أي: إن عاقبتهم وأنا أشاهد ذلك، فلا تجعلني فيهم، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه: "وإذا أردت بقوم فتنة فتوفّني إليك غير مفتون" (١). وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥)﴾ أي: لو شئنا لأريناك ما نحل بهم من النقم والبلاء والمحن. ثم قال تعالى مرشدًا له إلى الترياق النافع في مخالطة الناس وهو الإحسان إلى من يسيء إليه، ليستجلب خاطره فتعود عداوته صداقة وبغضه محبة، فقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾، وهذا كما قال في الآية الأخرى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت] أي: وما يلهم هذه الوصية أو هذه الخصلة أو الصفة ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أي: على أذى الناس فعاملوهم بالجميل مع إسدائهم القبيح ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أي: في الدنيا والآخرة. وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧)﴾ أمره اللَّه أن يستعيذ من الشياطين؛ لأنهم لا تنفع معهم الحيل ولا ينقادون بالمعروف، وقد قدمنا عند الاستعاذة أن رسول الله ﷺ كان يقول: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه" (٢).

стр. 3054

وقوله تعالى: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ أي: في شيء من أمري، ولهذا أمر بذكر اللَّه في ابتداء الأمور، وذلك لطرد الشيطان عند الأكل والجماع والذبح وغير ذلك من الأمور، ولهذا روى أبو داود أن رسول الله ﷺ كان يقول: "اللَّهم إني أعوذ بك من الهرم، وأعوذ بك من الهدم ومن الغرق، وأعوذ بك من أن يتخبطني الشيطان عند الموت" (١). وقال الإمام أحمد، حَدَّثَنَا يزيد، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا كلمات يقولهن عند النوم من الفزع: "باسم اللَّه، أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه ومن شر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون" قال: فكان عبد اللَّه بن عمرو يعلمها من بلغ من ولده أن يقولها عند نومه، ومن كان منهم صغيرًا لا يعقل أن يحفظها كتبها له فعلقها في عنقه (٢). ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث محمد بن إسحاق. وقال الترمذي: حسن غريب (٣). ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾. يخبر تعالى عن حال المحتضر عند الموت من الكافرين أو المفرطين في أمر اللَّه تعالى، وقيلهم عند ذلك وسؤالهم الرجعة إلى الدنيا ليصلح ما كان أفسده في مدة حياته، ولهذا قال: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا﴾، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾ [المنافقون]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤)﴾ [إبراهيم]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف: ٥٣] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾ [السجدة]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤)﴾ [الشورى: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ

стр. 3055

كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ [غافر]، وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾ [فاطر]، فذكر تعالى أنهم يسألون الرجعة فلا يجابون عند الاحتضار ويوم النشور ووقت العرض على الجبار، وحين يعرضون على النار وهم في غمرات العذاب في الجحيم. وقوله ههنا: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ ﴿كَلَّا﴾ حرف ردع وزجر؛ أي لا نجيبه إلى ما طلب ولا نقبل منه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أي لابدّ أن يقولها (١)، لا محالة كل محتضر ظالم، ويحتمل أن يكون ذلك علة لقوله: كلّا؛ أي لأنها كلمة؛ أي سؤاله الرجوع ليعمل صالحًا هو كلام منه وقول لا عمل معه، ولو رد لما عمل صالحًا ولكان يكذب في مقالته هذه، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]. وقال محمد بن كعب القرظي: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ قال: فيقول الجبار: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ (٢). وقال عمر بن عبد اللَّه مولى غُفْرة: إذا قال الكافر: ربِّ ارجعون لعلي أعمل صالحًا، يقول اللَّه تعالى: كلا، كذبت. وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ قال: كان العلاء بن زياد يقول: لينزلن أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت فاستقال ربه فأقاله، فليعمل بطاعة الله تعالى. وقال قتادة: والله ما تمنى أنا يرجع إلى الأهل ولا إلى عشرية ولكن تعنى بطاعة اللَّه، فانظروا أمنية الكافر المفرط فاعملوا بها، ولا قوة إلا بالله، وعن محمد بن كعب القرظي نحوه. وقال [أبو] (٣) محمد بن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا أحمد بن يوسف، حَدَّثَنَا فضيل -يعني: ابن عياض- عن ليث، عن طلحة بن مصرف، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: إذا وضع -يعني: الكافر- في قبره فيرى مقعده من النار، قال: فيقول: ربِّ ارجعون أتوب وأعمل صالحًا، قال: فيقال: قد عَمَّرتَ ما كنت مُعمرًا، قال: فيضيق عليه قبره ويلتئم، فهو كالمنهوش ينام ويفزع، تهوي إليه هوام الأرض وحياتها وعقاربها (٤). وقال أيضًا: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا عمرو بن علي، حدثني سلمة بن تمام، حَدَّثَنَا علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة ﵂ أنها قالت: ويل لأهل المعاصي من أهل القبور تدخل عليهم في قبورهم حيات سود أو دهم، حية عند رأسه وحية عند رجليه يقرصانه حتَّى يلتقيا في

стр. 3056

وسطه، فذلك العذاب في البرزخ الذي قال اللَّه تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (١). وقال أبو صالح وغيره في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ﴾ يعني: أمامهم. وقال مجاهد: البرزخ: الحاجز ما بين الدنيا والآخرة (٢). وقال محمد بن كعب: البرزخ ما بين الدنيا والآخرة، ليسوا مع أهل الدنيا يأكلون ويشربون ولا مع أهل الآخرة يجازون بأعمالهم (٣). وقال أبو صخر: البرزخ: المقابر لا هم في الدنيا ولا هم في الآخرة، فهم مقيمون إلى يوم يبعثون (٤)، وفي قوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ تهديد لهؤلاء المحتضرين من الظلمة بعذاب البرزخ، كما قال تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية: ١٠] وقال تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧]. وقوله تعالى: ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أي: يستمر به العذاب إلى يوم البعث، كما جاء في الحديث: "فلا يزال معذبًا فيها" (٥)؛ أي في الأرض. ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)﴾. يخبر تعالى أنه إذا نفخ في الصور نفخة النشور، وقام الناس من القبور ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي: لا تنفع الأنساب يومئذٍ ولا يرثي والد لولده ولا يلوي عليه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج] أي: لا يسأل القريب عن قريبه وهو يبصره ولو كان عليه من الأوزار ما قد أثقل ظهره، وهو كان أعزّ الناس عليه في الدنيا ما التفت إليه ولا حمل عنه وزن جناح بعوضة، قال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ [عبس]. وقال ابن مسعود: إذا كان يوم القيامة جمع اللَّه الأولين والآخرين، ثم نادى منادٍ: ألا مَن كان له مظلمة فليجئ فليأخذ حقَّه، قال: فيفرح المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده أو زوجته وإن كان صغيرًا، ومصداق ذلك في كتاب اللَّه، قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ (٦). رواه ابن أبي حاتم. وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا أبو سعيد مولى بني هاشم، حَدَّثَنَا عبد اللَّه بن جعفر، حدثتنا أُم بكر

стр. 3057

بنت المسور بن مخرمة، عن عبد اللَّه بن أبي رافع، عن المسور -هو: ابن مخرمة- ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "فاطمة بضعة مني، يغيظني ما يغيظها، وينشطني ما ينشطها، وإن الأنساب تنقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي وصهري" (١). وهذا الحديث له أصل في الصحيحين عن المسور بن مخرمة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "فاطمة بضعة مني، يريبني ما يريبها، ويؤذيني ما آذاها" (٢). وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا أبو عامر، حَدَّثَنَا زهير، عن عبد اللَّه بن محمد، عن حمزة بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول على هذا المنبر: "ما بال رجال يقولون: إن رحم رسول الله ﷺ لا تنفع قومه؟ بلى والله إن رحمي موصولة في الدنيا والآخرة، وإنّي أيها الناس فرط لكم إذا جئتم" قال رجل: يا رسول اللَّه أنا فلان بن فلان، وقال أخوه: أنا فلان بن فلان فأقول لهم: "أما النسب فقد عرفت ولكنكم أحدثتم بعدي وارتددتم القهقرى" (٣). وقد ذكرنا في مسند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من طرق متعددة عنه ﵁ أنه لما تزوج أُم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ﵄ قال: أما والله ما بي إلا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل سبب ونسب فإنه منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي" رواه الطبراني والبزار والهيثم بن كليب والبيهقي، والحافظ الضياء في المختارة، وذكرنا أنه أصدقها أربعين ألفًا إعظامًا وإكرامًا ﵁ (٤). فقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي العاص بن الربيع زوج زينب بنت رسول الله ﷺ من طريق أبي القاسم البغوي: حَدَّثَنَا سليمان بن عمر بن الأقطع، حَدَّثَنَا إبراهيم بن عبد السلام، عن إبراهيم بن يزيد، عن محمد بن عباد بن جعفر: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : "كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري" (٥)، وروى فيها من طريق عمار بن سيف، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: "سألت ربي أن لا أتزوج إلى أحد من أُمتي، ولا يتزوج إلي أحد منهم إلا كان معي في الجنة فأعطاني ذلك". ومن حديث عمار بن سيف، عن إسماعيل، عن عبد اللَّه بن [عمرو] (٦) (٧). وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢)﴾ أي: من رجحت حسناته على سيئاته ولو بواحدة، قاله ابن عباس: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الذين فازوا فنجوا من النار وأدخلوا الجنة.

стр. 3058

وقال ابن عَبَّاسٍ: أولئك الذين فازوا بما طلبوا، ونجوا من شر ما منه هربوا (١). ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ أي: ثقلت سيئاته على حسناته ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: خابوا وهلكوا وفازوا بالصفقة الخاسرة. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حَدَّثَنَا إسماعيل بن أبي الحارث، حَدَّثَنَا داود بن المحبر، حَدَّثَنَا صالح المري، عن ثابت البناني وجعفر بن زيد ومنصور بن زاذان، عن أنس بن مالك يرفعه قال: إن لله ملكًا موكلًا بالميزان، فيؤتى بابن آدم فيوقف بين كفتي الميزان، فإن ثقل ميزانه نادى ملك بصوت يسمعه الخلائق: سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدًا، وإن خف ميزانه نادى ملك بصوت يسمع الخلائق: شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدًا. إسناده ضعيف فإن داود بن المحبر: ضعيف متروك (٢)، ولهذا قال تعالى: ﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ أي: ماكثون فيها دائمون مقيمون فلا يظعنون ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠] وقال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩)﴾ [الأنبياء]. وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا فروة بن أبي [المغراء] (٣)، حَدَّثَنَا محمد بن سليمان بن الأصبهاني، عن أبي سنان ضرار بن مرة، عن عبد اللَّه بن أبي الهذيل، عن أبي هريرة، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "إن جهنم لما سيق لها أهلها تلقاهم لهبها، ثم تلفحهم لفحة (٤) فلم يبق لهم لحم إلا سقط على العرقوب" (٥). وقال ابن مردويه: حَدَّثَنَا أحمد بن محمد بن يحيى القزاز، حَدَّثَنَا الخضر بن علي بن يونس القطان، حَدَّثَنَا عمر بن أبي الحارث بن الخضر القطان، حَدَّثَنَا سعد بن سعيد المقبري، عن أخيه، عن أبيه، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في قول اللَّه تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ قال: "تلفحهم لفحة تسيل لحومهم على أعقابهم" (٦). وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني عابسون (٧). وقال الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه بن مسعود ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ قال: ألم ترَ إلى الرأس المشيط الذي قد بدا أسنانه وقلصت شفتاه (٨). وقال الإمام أحمد: أخبرنا علي بن إسحاق، أخبرنا عبد اللَّه -هو: ابن المبارك ﵀-،

стр. 3059

أخبرنا سعيد بن يزيد، عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن النَّبِيّ ﷺ قال: " ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ قال: "تشويه النار فتقلص شفته العليا حتَّى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتَّى تبلغ سرته" (١)، ورواه الترمذي عن سويد بن نصر، عن عبد اللَّه بن المبارك به، وقال: حسن غريب (٢). ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾. هذا تقريع من اللَّه وتوبيخ لأهل النار على ما ارتكبوه من الكفر والمآثم والمحارم والعظائم التي أوبقتهم في ذلك، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥)﴾ أي: قد أرسلت إليكم الرسل، وأنزلت عليكم الكتب، وأزلت شبهكم، ولم يبق لكم حجة، كما قال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾ [الملك]، ولهذا قالوا: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ أي: قد قامت علينا الحجة، ولكن كنا أشقى من أن ننقاد لها ونتبعها، فضللنا عنها ولم نرزقها. ثم قالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾ أي: ردّنا إلى الدنيا، فإن عدنا إلى ما سلف منا فنحن ظالمون مستحقون للعقوبة، كما قال: ﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ [غافر]؛ أي: لا سبيل إلى الخروج لأنكم كنتم تشركون بالله إذا وحّده المؤمنون. ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١)﴾. هذا جواب من اللَّه تعالى للكفار إذا سألوا الخروج من النار والرجعة إلى هذه الدار. يقول: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾ أي: امكثوا فيها صاغرين مهانين أذلاء، ﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ أي: لا تعودوا إلى سؤالكم هذا، فإنه لا جواب لكم عندي. قال العوفي، عن ابن عباس: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ قال: هذا قول الرحمن حين انقطع

стр. 3060

كلامهم منه (١). وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي: حَدَّثَنَا عبدة بن سليمان المروزي، حَدَّثَنَا عبد اللَّه بن المبارك، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد اللَّه بن عمرو قال: إن أهل جهنم يدعون مالكًا فلا يجيبهم أربعين عامًا، ثم يردُّ عليهم: إنكم ماكثون، قال: هانت دعوتهم واللهِ على مالك وربِّ مالك، ثم يدعون ربهم فيقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾ [المؤمنون] قال: فيسكت عنهم قدر الدنيا مرتين ثم يرد عليهم ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ قال: فواللهِ ما [نبس] (٢) القوم بعدها بكلمة واحدة، وما هو إلا الزفير والشهيق في نار جهنم، قال: فشبهت أصواتهم بأصوات الحمير أولها زفير وآخرها شهيق (٣). وقال ابن أبي حاتم أيضًا: حَدَّثَنَا أحمد بن سنان، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن مهدي، حَدَّثَنَا سفيان، عن سلمة بن كهيل، حَدَّثَنَا أبو الزعراء قال: قال عبد اللَّه بن مسعود: إذا أراد اللَّه تعالى أن لا يخرج منهم أحدًا -يعني من جهنم-، غير وجوههم وألوانهم، فيجيء الرجل من المؤمنين فيشفع فيقول: يا رب، فيقول اللَّه: من عرف أحدًا فليخرجه، فيجيء الرجل من المؤمنين فينظر فلا يعرف أحدًا، فيناديه الرجل: يا فلان أنا فلان، فيقول: ما أعرفك، قال: فعند ذلك يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾ فعند ذلك يقول اللَّه تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ فإذا قال ذلك أطبقت عليهم النار فلا يخرج منهم أحد (٤). ثم قال تعالى مذكرًا لهم بذنوبهم في الدنيا وما كانوا يستهزئون بعباده المؤمنين وأوليائه، فقال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ أي: فسخرتم منهم في دعائهم إياي وتضرعهم إليّ ﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ أي: حملكم بغضهم على أن نسيتم معاملتي ﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ أي: من صنيعهم وعبادتهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠)﴾ [المطففين] أي: يلمزونهم استهزاء: ثم أخبر تعالى عما جازى به أولياؤه وعباده الصالحين، فقال تعالى: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾ أي: على أذاكم لهم واستهزائكم بهم ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ بالسعادة والسلامة والجنة والنجاة من النار. عياذًا بالله تعالى منها. ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾. يقول تعالى منبهًا لهم على ما أضاعوه في عمرهم القصير في الدنيا من طاعة اللَّه تعالى وعبادته

стр. 3061

وحده، ولو صبروا في مدة الدنيا القصيرة لفازوا كما فاز أولياؤه المتقون ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢)﴾ أي: كم كانت إقامتكم في الدنيا؟ ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣)﴾ أي: الحاسبين ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: مدة يسيرة على كل تقدير ﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: لما آثرتم الفاني على الباقي ولما تصرفتم لأنفسكم هذا التصرف السيء، ولا استحققتم من اللَّه سخطه في تلك المدة اليسيرة، فلو أنكم صبرتم على طاعة اللَّه وعبادته كما فعل المؤمنون لفزتم كما فازوا. قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا محمد بن [الوزير] (١)، حَدَّثَنَا الوليد، حَدَّثَنَا صفوان، عن أيفع بن عبدٍ الكلاعي أنه سمعه يخطب الناس فقال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه إذا أدخل أهل الجنةِ الجنَّةَ وأهل النارِ النارَ، قال: يا أهل الجنة كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يومًا أو بعض يوم، قال: لنعم ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم رحمتي ورضواني وجنتي أمكثوا فيها خالدين مخلدين، ثم قال: يا أهل النار كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يومًا أو بعض يوم، فيقول: بئس ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم، ناري وسخطي امكثوا فيها خالدين مخلدين" (٢). وقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ أي: أفظننتم أنكم مخلوقون عبثًا بلا قصد ولا إرادة منكم ولا حكمة لنا؟ وقيل: للعبث؛ أي لتلعبوا وتعبثوا كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا عقاب، وإنما خلقناكم للعبادة وإقامة أوامر الله : ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ أي: لا تعودون في الدار الآخرة، كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ [القيامة] يعني: هملًا. وقوله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ أي: تقدس أن يخلق شيئًا عبثًا، فإنه الملك الحق المنزه عن ذلك ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ فذكر العرش لأنَّهُ سقف جميع المخلوقات، ووصفه بأنه كريم؛ أي حسن المنظر بهي الشكل، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧]. قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا علي بن الحسين، حَدَّثَنَا علي بن محمد الطنافسي، حَدَّثَنَا إسحاق بن سليمان -شيخ من أهل العراق-، أنبأنا شعيب بن صفوان، عن رجل من آل سعيد بن العاص قال: كان آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز أن حمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد؛ أيها الناس إنكم لم تخلقوا عبثًا، ولن تتركوا سدى، وإن لكم معادًا ينزل اللَّه فيه للحكم بينكم والفصل بينكم، فخاب وخسر وشقي عبد أخرجه اللَّه من رحمته، وحرم جنة عرضها السموات والأرض، ألم تعلموا أنه لا يأمن عذاب اللَّه غدًا إلا من حذر هذا اليوم وخافه، وباع نافدًا بباقٍ وقليلا بكثير وخوفًا بأمان، ألا ترون أنكم من أصلاب الهالكين، وسيكون من بعدكم الباقين حتَّى تردون إلى خير الوارثين؟ ثم إنكم في كل يوم تشيعون غاديًا ورائحًا إلى الله ، قد قضى نحبه وانقضى أجله حتَّى تغيبوه في صدع من الأرض في بطن صدع غير ممهد ولا موسد، قد فارق الأحباب وباشر التراب، وواجه الحساب، مرتهن بعمله، غني عما ترك، فقير إلى ما قدم؛ فاتقوا اللَّه قبل

стр. 3062

انقضاء مواثيقه ونزول الموت بكم، ثم جعل طرف ردائه على وجهه فبكى وأبكى من حوله (١). وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا يحيى بن نصير الخولاني، حَدَّثَنَا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن أبي هبيرة، عن [حسن] (٢) بن عبد اللَّه: أن رجلًا مصابًا مرَّ به عبد اللَّه بن مسعود فقرأ في أذنه هذه الآية ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ حتَّى ختم السورة فبرأ، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "بماذا قرأت في أذنه؟ " فأخبره، فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لو أن رجلًا موقنًا قرأها على جبل لزال" (٣). وروى أبو نعيم من طريق خالد بن نزار، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبيه قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية وأمرنا أن نقول إذا نحن أمسينا وأصبحنا: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ قال: فقرأناها فغنمنا وسلمنا (٤). وقال ابن أبي حاتم أيضًا: حَدَّثَنَا إسحاق بن وهب العلاف الواسطي، حَدَّثَنَا أبو المسيب سالم بن سلام، حَدَّثَنَا بكر بن حُبيش، عن نهشل بن سعيد، عن الضحاك بن مزاحم، عن عبد اللَّه بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "أمان أمتي من الغرق إذا ركبوا السفينة باسم اللَّه الملك الحق، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]، ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود: ٤١] " (٥). ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾. يقول تعالى متوعدًا من أشرك به غيره وعبد معه سواه، ومخبرًا أن من أشرك بالله لا برهان له؛ أي لا دليل له على قوله، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ وهذه جملة معترضة، وجواب الشَّرط في قوله: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أي: اللَّه يحاسبه على ذلك، ثم أخبر ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ أي: لديه يوم القيامة لا فلاح لهم ولا نجاة. قال قتادة: ذُكر لنا أن نبي اللَّه ﷺ قال لرجل: "ما تعبد؟ " قال: أعبد اللَّه وكذا وكذا حتَّى عد أصنامأ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "فأيهم إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك؟ " قال: الله ، قال: "فأيهم إذا كانت لك حاجة فدعوته أعطاكها؟ " قال: الله ، قال: "فما يحملك على أن تعبد

стр. 3063

هؤلاء معه، أم حسبت أن تغلب عليه؟ " قال: أردت شكره بعبادة هؤلاء معه، فقال رسول الله ﷺ : "تعلمون ولا يعلمون" فقال الرجل بعدما أسلم: لقيت رجلًا خصمني (١). هذا مرسل من هذا الوجه. وقد روى أبو عيسى الترمذي في جامعه مسندًا عن عمران بن الحصين، عن أبيه، عن رسول اللَّه ﷺ ، نحو ذلك (٢). وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾ هذا إرشاد من اللَّه تعالى إلى هذا الدعاء، فالغفر إذا أطلق معناه: محو الذنب وستره عن الناس، والرحمة معناها: أن يسدده ويوفقه في الأقوال والأفعال. آخر تفسير سورة المؤمنون.

стр. 3064

سُوْرَةُ النُّوْرِ وهي مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾. يقول تعالى: هذه ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ فيه تنبيه على الاعتناء بها ولا ينفي ما عداها "وفرَّضناها". قال مجاهد وقتادة: أي بيَّنا الحلال والحرام والأمر والنهي والحدود (١). وقال البخاري: ومن قرأ ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ (٢)، يقول: فرضناها عليكم وعلى من بعدكم (٣). ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ أي: مفسرات واضحات ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ هذه الآية الكريمة فيها حكم الزاني في الحد، وللعلماء فيه تفصيل ونزاع، فإن الزاني لا يخلو إما أن يكون بكرًا، وهو الذي لم يتزوج، أو محصنًا، وهو الذي قد وطئ في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل، فأما إذا كان بكرًا لم يتزوج، فإن حدَّه مِائَة جلدة كما في الآية، ويُزاد على ذلك أن يُغرَّب عامًا عن بلده عند جمهور العلماء خلافًا لأبي حنيفة ﵀، فإن عنده أن التغريب إلى رأي الإمام: إن شاء غرَّب وإن شاء لم يغرِّب، وحجة الجمهور في ذلك ما ثبت في الصحيحين من رواية الزهري عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني في الأعرابيين اللّذين أتيا رسول الله ﷺ ، فقال أحدهما: يا رسول اللَّه إن ابني هذا كان عسيفًا -يعني: أجيرًا- على هذا، فزنى بامرأته، فافتديت ابني منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مِائَة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب اللَّه تعالى، الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ابنك جلد مِائَة وتغريب عام، واغد يا أُنيس -لرجل من أسلم- إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها"، "فغدا عليها فاعترفت فرجمها" (٤)،

стр. 3065

ففي هذا دلالة على تغريب الزاني مع جلد مِائَة إذا كان بكرًا لم يتزوج. فأما إذا كان محصنًا، وهو الذي قد وطئ في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل، فإنه يرجم، كما قال الإمام مالك: حدثني محمد بن شهاب، أخبرنا عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود: أن ابن عباس أخبره: أن عمر قام فحمد اللَّه وأثنى عليه. ثم قال: أما بعد؛ أيها الناس فإن اللَّه تعالى بعث محمدًا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها ووعيناها، ورجم رسول اللَّه ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى أن يطول بالناس زمان أن يقول قائل: لا نجد آية الرجم في كتاب اللَّه فيضلوا بترك فريضة قد أنزلها اللَّه، فالرجم في كتاب اللَّه حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، النساء إذا قامت البينة أو الحبل أو الاعتراف. أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك مطولًا (١)، وهذه قطعة منه فيها مقصودنا ههنا. وروى الإمام أحمد: عن هشيم، عن الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن ابن عباس؛ حدثني عبد الرحمن بن عوف: أن عمر بن الخطاب خطب الناس فسمعته يقول: ألا وإن أناسًا يقولون: ما بال الرجم في كتاب اللَّه الجلد؟ وقد رجم رسول اللَّه ﷺ ورجمنا بعده، ولولا أن يقول قائل أو يتكلم متكلم: إن عمر زاد في كتاب اللَّه ما ليس منه؛ لأثبتها كما نزلت به (٢). وأخرجه النسائي من حديث عبيد اللَّه بن عبد اللَّه به (٣)، وقد روى الإمام أحمد أيضًا، عن هشيم، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس قال: خطب عمر بن الخطاب ﵁ فذكر الرجم، فقال: لا تُخدعُنَّ عنه فإنه حدُّ من حدود اللَّه تعالى، ألا وإن رسول اللَّه ﷺ قد رجم ورجمنا بعده، ولولا أن يقول قائلون: زاد عمر في كتاب اللَّه ما ليس فيه لكتبت في ناحية من المصحف، وشهد عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وفلان وفلان أن رسول الله ﷺ قد رجم ورجمنا بعده، ألا إنه سيكون من بعدكم قومٌ يكذبون بالرجم، وبالدجال وبالشفاعة، وبعذاب القبر، وبقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا (٤). وروى أحمد أيضًا، عن يحيى القطان، عن يحيى الأنصاري، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب: "إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم" (٥)، الحديث رواه الترمذي من حديث سعيد، عن عمر، وقال: صحيح (٦)، وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حَدَّثَنَا عبيد اللَّه بن عمر القواريري، حَدَّثَنَا يزيد بن زريع، حَدَّثَنَا ابن عون -عن محمد هو: ابن سيرين-، قال: نبئت عن كثير بن الصلت قال: كنا عند مروان وفينا زيد، فقال زيد بن ثابت: كنا نقرأ "الشيخ والشيخة إذا

стр. 3066

زنيا فارجموهما البتة"، قال مروان: ألا كتبتها في المصحف؟ قال: ذكرنا ذلك وفينا عمر بن الخطاب، فقال: أنا أشفيكم من ذلك، قال: قلنا: فكيف؟ قال جاء رجل إلى النَّبِيّ ﷺ قال: فذكر كذا وكذا وذكر الرجم، فقال: يا رسول اكتب لي آية الرجم، قال: "لا أستطيع الآن" هذا أو نحو ذلك (١). وقد رواه النسائي من حديث محمد بن المثنى، عن غُندر، عن شعبة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن كثير بن الصلت، عن زيد بن ثابت به (٢)، وهذه طرق كلها متعددة ودالة على أن آية الرجم كانت مكتوبة فنسخ تلاوتها وبقي حكمها معمولًا به، والله أعلم. وقد أمر رسول الله ﷺ برجم هذه المرأة، وهي زوجة الرجل الذي استأجر الأجير لما زنت مع الأجير، ورجم رسول اللَّه ﷺ ماعزًا والغامدية، وكل هؤلاء لم ينقل عن رسول الله ﷺ أنه جلدهم قبل الرجم، وإنما وردت الأحاديث الصحاح المتعددة الطرق والألفاظ بالاقتصار على رجمهم وليس فيها ذكر الجلد، ولهذا كان هذا مذهب جمهور العلماء، وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي ﵏، وذهب الإمام أحمد ﵀ إلى أنه يجب أن يجمع على الزاني المحصن بين الجلد للآية، والرجم للسُّنة. كما رُويَ عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه لما أتى بشراحة، وكانت قد زنت وهي محصنة، فجلدها يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، فقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ (٣). وقد روى الإمام أحمد وأهل السنن الأربعة ومسلم من حديث قتادة، عن الحسن، عن حطّان بن عبد اللَّه الرقاشي، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "خذوا عني خذوا عني، قد جعل اللَّه لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مِائَة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مِائَة والرجم" (٤). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ أي: في حكم اللَّه؛ أي لا ترحموهما [وترأفوا بهما] (٥) في شرع اللَّه، وليس المنهي عنه الرأفة الطبيعية على إقامة الحد، وإنما هي الرأفة التي تحمل الحاكم على ترك الحد، فلا يجوز ذلك. قال مجاهد: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ قال: إقامة الحدود إذا رفعت إلى السلطان فتقام ولا تعطل (٦)، وكذا روي عن سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح.

стр. 3067

وقد جاء في الحديث: "تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حدٍّ فقد وجب" (١). وفي الحديث الآخر: "لحدُّ يقام في الأرض خير لأهلها من أن يمطروا أربعين صباحًا" (٢). وقيل: المراد ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ فلا تقيموا الحدَّ كما ينبغي من شدة الضرب الزاجر عن المأثم، وليس المراد الضرب المبرح. قال عامر الشعبي: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ قال: رحمة في شدة الضرب (٣). وقال عطاء: ضرب ليس بالمبرح (٤). وقال سعيد بن أبي عروبة، عن حماد بن أبي سليمان: يجلد القاذف وعليه ثيابه والزاني تخلع ثيابه، ثم تلا ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ فقلت: هذا في الحكم؟ قال: هذا في الحكم، والجلد، يعني: في إقامة الحد وفي شدة الضرب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد اللَّه الأودي، حَدَّثَنَا وكيع، عن نافع، عن ابن عمر، عن ابن أبي مليكة، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر: أن جارية لابن عمر زنت فضرب رجليها (٥)، قال نافع: أراه قال: وظهرها، قال: قلت: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ قال: يا بني ورأيتني أخذتني بها رأفة إن اللَّه لم يأمرني أن أقتلها، ولا أن أجعل جلدها في رأسها، وقد أوجعت حين ضربتها (٦). وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: فافعلوا ذلك وأقيموا الحدود على من زنى، وشددوا عليه الضرب، ولكن ليس مبرحًا ليرتدع هو ومن يصنع مثله بذلك، وقد جاء في المسند عن بعض الصحابة أنه قال: يا رسول اللَّه إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها، فقال: "ولك في ذلك أجر" (٧). وقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا فيه تنكيل للزانيين إذا جلدا بحضرة الناس، فإن ذلك يكون أبلغ في زجرهما وأنجع في ردعهما، فإن في ذلك تقريعًا وتوبيخًا وفضيحة إذا كان الناس حضورًا. قال الحسن البصري في قوله: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: يعني علانية (٨).

стр. 3068

ثم قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الطائفة: الرجل فما فوقه (١). وقال مجاهد: الطائفة رجل إلى ألف (٢)، وكذا قال عكرمة (٣)، ولهذا قال أحمد: إن الطائفة تصدق على واحد. وقال عطاء بن أبي رباح: اثنان (٤)، وبه قال إسحاق بن راهويه، وكذا قال سعيد بن جبير ﴿طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: يعني: رجلين فصاعدًا (٥). وقال الزهري: ثلاثة نفر فصاعدًا (٦). وقال عبد الرزاق: حدثني ابن وهب، عن الإمام مالك في قوله: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: الطائفة أربعة نفر فصاعدًا (٧)، لأنَّهُ لا يكفي شهادة في الزنا دون أربعة شهداء فصاعدًا، وبه قال الشافعي (٨). وقال ربيعة: خمسة. وقال الحسن البصري: عشرة. وقال قتادة: أمر اللَّه أن يشهد عذابهما طائفة من المؤمنين؛ أي نفر من المسلمين (٩) ليكون ذلك موعظة وعبرة ونكالًا. وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا يحيى بن عثمان، حَدَّثَنَا بقية قال: سمعت نصر بن علقمة يقول في قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: ليس ذلك للفضيحة، إنما ذلك ليدعى اللَّه تعالى لهما بالتوبة والرحمة (١٠). ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾. هذا خبر من اللَّه تعالى بأن الزاني لا يطأ إلا زانية أو مشركة؛ أي لا يطاوعه على مراده من الزنا إلا زانية عاصية، أو مشركة لا ترى حرمة ذلك، وكذلك ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ﴾ أي: عاصٍ بزناه ﴿أَوْ مُشْرِكٌ﴾ لا يعتقد تحريمه. قال سفيان الثوري: عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁:

стр. 3069

﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ قال: ليس هذا بالنكاح، إنما هو الجماع لا يزني بها إلا زانٍ أو مشرك (١). وهذا إسناد صحيح عنه، وقد روي عنه من غير وجه أيضًا. وقد روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير والضحاك ومكحول ومقاتل بن حيان وغير واحد نحو ذلك (٢). وقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى اَلْمُؤمْنِينَ﴾ أي: تعاطيه والتزوج بالبغايا، أو تزويج العفائف بالرجال الفجار. وقال أبو داود الطيالسي: حَدَّثَنَا قيس، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى اَلْمُؤمْنِينَ﴾ قال: حرَّم اللَّه الزنا على المؤمنين (٣). وقال قتادة ومقاتل بن حيان: حرَّم اللَّه على المؤمنين نكاح البغايا (٤)، وتقدم ذلك فقال: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى اَلْمُؤمْنِينَ﴾، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥]. وقوله: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ .... ﴾ الآية [المائدة: ٥]، ومن ههنا ذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ إلى أنه لا يصح العقد من الرجل العفيف على المرأة البغي مادامت كذلك حتَّى تستتاب، فإن تابت صح العقد عليها وإلا فلا، وكذلك لا يصح تزويج المرأة الحرة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح، حتَّى يتوب توبة صحيحة؛ لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عارم، حَدَّثَنَا معتمر بن سليمان، قال أبي: حَدَّثَنَا الحضرمي، عن القاسم بن محمد، عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄: أن رجلًا من المؤمنين استأذن رسول الله ﷺ في امرأة يقال لها: أم مهزول، كانت تسافح وتشترط له أن تنفق عليه، قال: فاستأذن رسول الله ﷺ أو ذكر له أمرها قال: فقرأ عليه رسول اللَّه ﷺ ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ (٥). وقال النسائي: أخبرنا عمرو بن علي، حَدَّثَنَا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحضرمي، عن القاسم بن محمد، عن عبد اللَّه بن عمرو قال: كانت امرأة يقال لها: أم مهزول، وكانت تسافح، فأراد رجل من أصحاب رسول اللَّه ﷺ أن يتزوجها، فأنزل الله : ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا

стр. 3070

زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ (١). وقال الترمذي: حَدَّثَنَا عبد بن حميد، حَدَّثَنَا روح بن عبادة، عن عبيد اللَّه بن الأخنس، أخبرني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كان رجل يقال له: مرثد بن أبي مرثد، وكان رجلًا يحمل الأسارى من مكة حتَّى يأتي بهم المدينة، قال: وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها: عناق، وكانت صديقة له، وإنه واعد رجلًا من أسارى مكة يحمله، قال: فجئت حتَّى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة، قال: فجاءت عناق، فأبصرت سواد ظلي تحت الحائط، فلما انتهت إلي عرفتني، فقالت: مرثد؟ فقلت: مرثد، فقالت: مرحبًا وأهلًا، هلم فبت عندنا الليلة، قال: فقلت: يا عناق حرم اللَّه الزنا، فقالت: يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم، قال: فتبعني ثمانية ودخلت الخندمة فانتهيت إلى غار أو كهف، فدخلت فيه فجاؤوا حتَّى قاموا على رأسي، فبالوا: فظل بولهم على رأسي، فأعماهم اللَّه عني، قال: ثم رجعوا فرجعت إلى صاحبي فحملته، وكان رجلًا ثقيلًا حتَّى انتهيت إلى الإذخر، ففككت عنه أحبله، فجعلت أحمله ويعينني حتَّى أتيت به المدينة، فأتيت رسول اللَّه ﷺ فقلت: يا رسول اللَّه أنكح عناقًا أنكح عناقًا -مرتين؟ -، فأمسك رسول الله ﷺ فلم يرد عليّ شيئًا حتَّى نزلت ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾، فقال رسول الله ﷺ : "يا مرثد، ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ فلا تنكحها". ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه (٢)، وقد رواه أبو داود والنسائي في كتاب النكاح من سننهما من حديث عبيد اللَّه بن الأخنس به (٣). وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا مسدد أبو الحسن، حَدَّثَنَا عبد الوارث، عن حبيب المعلم، حدثني عمرو بن شعيب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله" (٤). وهكذا أخرجه أبو داود في سننه عن مسدد وأبي معمر، عن عبد اللَّه بن عمر كلاهما عن عبد الوارث، به (٥). وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يعقوب، حَدَّثَنَا عاصم بن محمد بن زيد بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، عن أخيه عمر بن محمد، عن عبد اللَّه بن يسار مولى ابن عمر، قال: أشهد لسمعت سالمًا يقول: قال عبد اللَّه: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا يدخلون الجنة ولا ينظر اللَّه إليهم يوم القيامة: العاقّ لوالديه، والمرأة المترجّلة المتشبهة بالرجال، والديوث، وثلاث لا ينظر اللَّه إليهم يوم القيامة: العاقّ لوالديه، ومدمن الخمر، والمنَّان بما أعطى" (٦). ورواه النسائي عن عمرو بن

стр. 3071

علي الفلاس، عن يزيد بن زريع، عن عمر بن محمد العمري، عن عبد اللَّه بن يسار، به (١). وقال الإمام أحمد أيضًا: حَدَّثَنَا يعقوب، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا الوليد بن كثير، عن قطن بن وهب، عن عويمر بن الأجدع، عمّن حدثه، عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر؛ قال: حدثني عبد الله بن عمر أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ثلاثة حرّم اللَّه عليهم الجنة: مدمن الخمر، والعاق لوالديه، والديوث الذي يقرّ في أهله الخبث" (٢). وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثني شعبة، حدثني رجل من آل سهل بن حنيف، عن محمد بن عمار، عن عمار بن ياسر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يدخل الجنة ديوث" (٣). يستشهد به لما قبله من الأحاديث. وقال ابن ماجه: حَدَّثَنَا هشام بن عمار، حَدَّثَنَا سلام بن سوار، حَدَّثَنَا كثير بن سليم، عن الضحاك بن مزاحم: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من أراد أن يلقى اللَّه وهو طاهر متطهر، فليتزوج الحرائر" (٤)، في إسناده ضعف. وقال الإمام أبو النصر إسماعيل بن حماد الجوهري في كتابه الصحاح في اللغة: الديوث القُنذع، وهو: الذي لا غيرة له (٥). فأما الحديث الذي رواه الإمام أبو عبد الرحمن النسائي في كتاب النكاح من سننه: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن علية، عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة وغيره، عن هارون بن رئاب، عن عبد اللَّه بن عبيد بن عمير وعبد الكريم، عن عبد اللَّه بن عبيد بن عمير، عن ابن عباس. -عبد الكريم رفعه إلى ابن عباس وهارون لم يرفعه-، قالا: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إن عندي امرأة هي من أحب الناس إلي، وهي لا تمنع يد لامس؟ قال: "طلقها" قال: لا صبر لي عنها. قال: "استمتع بها". ثم قال النسائي: هذا الحديث غير ثابت، وعبد الكريم ليس بالقوي، وهارون أثبت منه، وقد أرسل الحديث وهو ثقة، وحديثه أولى بالصواب من حديث عبد الكريم (٦). قلت: وهو: ابن أبي المخارق البصري المؤدب تابعي ضعيف الحديث، وقد خالفه هارون بن رئاب وهو تابعي ثقة من رجال مسلم، فحديثه المرسل أولى كما قال النسائي، لكن قد رواه النسائي في كتاب الطلاق، عن إسحاق بن راهويه، عن النضر بن شميل، عن حماد بن سلمة، عن هارون بن رئاب، عن عبد اللَّه بن عبيد بن عمير، عن ابن عباس مسندًا، فذكره بهذا الإسناد،

стр. 3072

فرجاله على شرط مسلم إلا أن النسائي بعد روايته له قال هذا خطأ والصواب مرسل (١)، ورواه غير النضر على الصواب. وقد رواه النسائي أيضًا وأبو داود، عن الحسين بن حريث، أخبرنا الفضل بن موسى، أخبرنا الحسين بن واقد، عن عمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النَّبِيّ ﷺ … فذكره (٢)، وهذا الإسناد جيد. وقد اختلف الناس في هذا الحديث ما بين مضعّف له كما تقدم عن النسائي، ومنكر كما قال الإمام أحمد: هو حديث منكر، وقال ابن قتيبة: إنما أراد أنها سخية لا تمنع سائلًا (٣)، وحكاه النسائي في سننه عن بعضهم فقال: وقيل: سخية تعطي، ورد هذا بأن لو كان المراد لقال: لا ترَدّ يد ملتمس، وقيل: المراد أن سجيتها لا تردّ يد لامس لا أن المراد أن هذا واقع منها وأنها تفعل الفاحشة، فإن رسول اللَّه ﷺ لا يأذن في مصاحبة من هذه صفتها، فإن زوجها والحالة هذه يكون ديوثًا، وقد تقدم الوعيد على ذلك، ولكن لما كانت سجيتها هكذا ليس فيها ممانعة ولا مخالفة لمن أرادها لو خلا بها أحد، أمره رسول اللَّه ﷺ بفراقها، فلما ذكر أنه يحبها أباح له البقاء معها؛ لأن محبته لها محققة ووقوع الفاحشة منها متوهم، فلا يصار إلى الضرر العاجل لتوهم الآجل، والله أعلم. قالوا: فأما إذا حصلت توبة فإنه يحل التزويج، كما قال الإمام أبو محمد بن أبي حاتم ﵀: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا أبو خالد، عن ابن أبي ذئب قال: سمعت شعبة مولى ابن عباس ﵁ قال: سمعت ابن عباس وسأله رجل فقال: إني كنت ألمُّ بامرأة آتي منها ما حرم الله عليّ، فرزقني الله من ذلك توبة، فأردت أن أتزوجها، فقال أناس: إن الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، فقال ابن عَبَّاسٍ: ليس هذا في هذا، أنكحها فما كان من إثم فعليّ (٤)، وقد ادعى طائفة آخرون من العلماء أن هذه الآية منسوخة. قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا أبو خالد، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: ذكر عنده ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ قال: كان يقال: نسختها التي بعدها ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] قال: كان يقال: الأيامى من المسلمين (٥)، وهكذا رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الناسخ والمنسوخ (٦) له عن سعيد بن المسيب، ونصَّ على ذلك أيضًا الإمام أبو عبد اللَّه محمد بن إدريس الشافعي (٧). ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾. هذه الآية الكريمة فيها بيان حكم جلد القاذف للمحصنة، وهي الحرة البالغة العفيفة، فإذا كان

стр. 3073

المقذوف رجلًا فكذلك يجلد قاذفه أيضًا، وليس في هذا نزاع بين العلماء، فإن أقام القاذف بينة على صحة ما قاله درأ عنه الحد، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ فأوجب على القاذف، إذا لم يقم البينة على صحة ما قال: ثلاثة أحكام: (أحدها): أن يجلد ثمانين جلدة. (الثاني): أنه ترد شهادته أبدًا. (الثالث): أن يكون فاسقًا ليس بعدل، لا عند اللَّه، ولا عند الناس. ثم قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ الآية. واختلف العلماء في هذا الاستثناء: هل يعود إلى الجملة الأخيرة فقط، فترفع التوبة الفسق فقط، ويبقى مردود الشهادة دائمًا وإن تاب؟ أو يعود إلى الجملتين الثانية والثالثة؟ أما الجلد فقد ذهب وانقضى سواء تاب أو أصر ولا حكم له بعد ذلك بلا خلاف، فذهب الإمام مالك وأحمد والشافعي إلى أنه إذا تاب قبلت شهادته، وارتفع عنه حكم الفسق، ونصَّ عليه سعيد بن المسيب سيد التابعين (١)، وجماعة من السلف أيضًا. وقال الإمام أبو حنيفة: إنما يعود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة فقط، فيرتفع الفسق بالتوبة، ويبقى مردود الشهادة أبدًا، وممن ذهب إليه من السلف القاضي شريح وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومكحول وعبد الرحمن بن زيد بن جابر (٢). وقال الشعبي والضحاك: لا تقبل شهادته، وإن تاب، إلا أن يعترف على نفسه أنه قد قال البهتان، فحينئذٍ تقبل شهادته (٣)، والله أعلم. ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾. هذه الآية الكريمة فيها فرج للأزواج وزيادة مخرج إذا قذف أحدهم زوجته، وتعسر عليه إقامة البينة أن يلاعنها كما أمر الله ، وهو أن يحضرها إلى الإمام فيدعي عليها بما رماها به، فيحلّفه الحاكم أربع شهادات بالله في مقابلة أربعة شهداء: إنه لمن الصادقين؛ أي فيما رماها به من الزنا ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧)﴾ فإذا قال ذلك، بانت منه بنفس هذا اللعان عند الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء، وحرمت عليه أبدًا، ويعطيها مهرها ويتوجب عليها

стр. 3074

حد الزنا، ولا يدرأ عنها العذاب إلا أن تلاعن فتشهد أربع شهادات بالله: ﴿أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ أي: فيما رماها به ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ ولهذا قال: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ يعني: الحد ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ فخصَّها بالغضب، كما أن الغالب أن الرجل لا يتجشم فضيحة أهله ورميها بالزنا إلا وهو صادق معذور، وهي تعلم صدقه فيما رماها به، ولهذا كانت الخامسة في حقِّها أن غضب اللَّه عليها، والمغضوب عليه هو الذي يعلم الحق ثم يحيد عنه. ثم ذكر تعالى رأفته بخلقه ولطفه بهم فيما شرع لهم من الفرج والمخرج من شدة ما يكون بهم من الضيق، فقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أي: لحرجتم ولشق عليكم كثير من أموركم ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ﴾ أي: على عباده، وإن كان ذلك بعد الحلف والأيمان المغلظة ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يشرعه ويأمر به وفيما ينهى عنه، وقد وردت الأحاديث بمقتضى العمل بهذه الآية، وذكر سبب نزولها، وفيمن نزلت فيه من الصحابة. فقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يزيد، أخبرنا عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار ﵁: أهكذا أنزلت يا رسول اللَّه؟ فقال رسول الله ﷺ : "يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟ " فقالوا: يا رسول اللَّه لا تلمه فإنه رجل غيور، والله ما تزوج امرأة قط إلا بكرًا، وما طلق امرأة له قط فاجترأ رجل منا أن يتزوجها من شدة غيرته. فقال سعد: والله يا رسول اللَّه إني لأعلم أنها حق وأنها من اللَّه، ولكني قد تعجبت أني لو وجدت لكاعًا (١) قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتَّى آتي بأربعة شهداء، فوالله لا آتي بهم حتَّى يقضي حاجته -قال: فما لبثوا إلا يسيرًا- حتَّى جاء هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، فجاء من أرضه عشاء، فوجد عند أهله رجلًا، فرأى بعينيه وسمع بأذنيه فلم يهيجه حتَّى أصبح، فغدا على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني جئت على أهلي عشاء فوجدت عندها رجلًا، فرأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله ﷺ ما جاء به واشتد عليه، واجتمعت عليه الأنصار وقالوا: قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة الآن، يضرب رسول الله ﷺ هلال بن أمية ويبطل شهادته في الناس، فقال هلال: والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجًا. وقال هلال: يا رسول اللَّه فإني قد أرى ما اشتد عليك مما جئت به، والله يعلم إني لصادق. فواللهِ إن رسول الله ﷺ يريد أن يأمر بضربه؛ إذ أنزل اللَّه على رسوله ﷺ الوحي. وكان إذا أنزل عليه الوحي عرفوا ذلك في تربد (٢) وجهه؛ يعني: فأمسكوا عنه حتَّى فرغ من الوحي، فنزلت ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ .. .. ﴾ الآية، فسُريَّ عن رسول اللَّه ﷺ فقال: "أبشر يا هلال فقد جعل اللَّه لك فرجًا ومخرجًا" فقال هلال: قد كنت أرجو ذلك من ربي ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أرسلوا إليها" فأرسلوا إليها

стр. 3075

فجاءت، فتلاها رسول اللِّه ﷺ عليهما، فذكرهما وأخبرهما عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، فقال هلال: والله يا رسول اللَّه لقد صدقت عليها، فقالت: كذب، فقال رسول الله ﷺ : "لاعنوا بينهما" فقيل لهلال: اشهد، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فلما كانت الخامسة قيل له: يا هلال اتق اللَّه، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فقال: والله لا يعذبني اللَّه عليها كما لم يجلدني عليها، فشهد في الخامسة أن لعنة اللَّه عليه إن كان من الكاذبين، ثم قيل للمرأة: اشهدي أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، وقيل لها عند الخامسة: اتقي اللَّه، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب فتلكأت ساعة وهمت بالاعتراف، ثم قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت في الخامسة أن غضب اللَّه عليها إن كان من الصادقين. ففرق رسول الله ﷺ بينهما، وقضى أن لا يدعى ولدها لأب، ولا يرمى ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد، وقضى أن لا بيت لها عليه ولا قوت لها من أجل أن يفترقا من غير طلاق ولا متوفى عنها، وقال: "إن جاءت به أصيهب (١) أريسح (٢) حمس الساقين (٣)، فهو لهلال، وإن جاءت به أورق جعدًا جماليًا خدلج الساقين سابغ الأليتين، فهو الذي رميت به" فجاءت به أورق (٤) جعدًا (٥) جماليًا (٦) خدلج الساقين (٧) سابغ الأليتين، فقال رسول الله ﷺ : "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن". قال عكرمة: فكان بعد ذلك أميرًا على مصر، وكان يدعى لأمه ولا يدعى لأب (٨). ورواه أبو داود، عن الحسن بن علي، عن يزيد بن هارون به نحوه مختصرًا (٩). ولهذا الحديث شواهد كثيرة في الصحاح وغيرها من وجوه كثيرة، فمنها ما قال البخاري: حدثني محمد بن بشار، حَدَّثَنَا ابن أبي عدي، عن هشام بن حسان، حدثني عكرمة، عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النَّبِيّ ﷺ بشريك بن سحماء، فقال النَّبِيّ ﷺ : "البينة أو حد في ظهرك" فقال: يا رسول اللَّه إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النَّبِيّ ﷺ يقول: "البينة وإلا حد في ظهرك" فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن اللَّه ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل عليه ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فقرأ حتَّى بلغ ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فانصرف النَّبِيّ ﷺ ، فأرسل إليهما، فجاء هلال فشهد والنبي ﷺ يقول: "إن اللَّه يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ " ثم قامت فشهدت، فلما كان في الخامسة وقفوها وقالوا: إنها موجبة، قال ابن عَبَّاسٍ: فتلكأت ونكصت حتَّى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت، فقال النَّبِيّ ﷺ : "أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ

стр. 3076

الأليتين خدلج الساقين، فهو لشريك ابن سحماء" فجاءت به كذلك، فقال النبي ﷺ : "لولا ما مضى من كتاب اللَّه لكان لي ولها شأن" (١)، انفرد به البخاري من هذا الوجه، وقد رواه من غير وجه عن ابن عباس وغيره. وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أحمد بن منصور الرمادي، حَدَّثَنَا يونس بن محمد، حَدَّثَنَا صالح -وهو: ابن عمر-، حَدَّثَنَا عاصم -يعني: ابن كليب-، عن أبيه، حدثني ابن عباس قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فرمى امرأته برجل، فكره ذلك رسول اللَّه ﷺ ، فلم يزل يردده حتَّى أنزل اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ فقرأ حتَّى فرغ من الآيتين، فأرسل إليهما فدعاهما فقال: "إن اللَّه تعالى قد أنزل فيكما" فدعا الرجل فقرأ عليه، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، ثم أمر به فأمسك على فيه فوعظه، فقال له: "كل شيء أهون عليه من لعنة اللَّه" ثم أرسله فقال: "لعنة اللَّه عليه إن كان من الكاذبين" ثم دعاها فقرأ عليها، فشهدت أربع شهادات بالله إنه من الكاذبين، ثم أمر فأمسك على فيها فوعظها وقال: "ويحك كل شيء أهون من غضب اللَّه" ثم أرسلها فقالت: غضب اللَّه عليها إن كان من الصادقين. فقال رسول اللَّه ﷺ : "أما والله لأقضين بينكما قضاء فصلًا" قال: فولدت فما رأيت مولودًا بالمدينة أكثر غاشيةً منه، فقال: "إن جاءت به لكذا وكذا فهو كذا، وإن جاءت به لكذا وكذا فهو كذا"، فجاءت به يشبه الذي قذفت به (٢). وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد، حَدَّثَنَا عبد الملك بن أبي سليمان قال: سمعت سعيد بن جبير قال: سُئلت عن المتلاعنين أيفرق بينهما في إمارة ابن الزبير؟ فما دريت ما أقول، فقمت من مكاني إلى منزل ابن عمر فقلت: يا أبا عبد الرحمن، المتلاعنان أيفرق بينهما؟ فقال: سبحان اللَّه، إن أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان، فقال: يا رسول اللَّه أرأيت الرجل يرى امرأته على فاحشة فإن تكلم تكلم بأمر عظيم وإن سكت سكت على مثل ذلك، فسكت فلم يجبه. فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: الذي سألتك عنه قد ابتليت به، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآيات في سورة النور ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ حتَّى بلغ ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فبدأ بالرجل فوعظه وذكره، وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فقال: والذي بعثك بالحق ما كذبتك، ثم ثنّى بالمرأة فوعظها وذكرها، وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. فقالت المرأة: والذي بعثك بالحق إنه لكاذب، قال: فبدأ بالرجل، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة اللَّه عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنى بالمرأة، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب اللَّه عليها إن كان من الصادقين، ثم فرق بينهما. رواه النسائي في التفسير من حديث عبد الملك بن أبي سليمان به، وأخرجاه فى الصحيحين من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس (٣).

стр. 3077

وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يحيى بن حماد، حَدَّثَنَا أبو عوانة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه قال: كنا جلوسًا عشية الجمعة في المسجد، فقال رجل من الأنصار: أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلًا إن قتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ، والله لئن أصبحت صالحًا لأسألنَّ رسول اللَّه ﷺ ، قال: فسأله، فقال: يا رسول اللَّه إن أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلًا فقتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ، اللَّهم احكم. قال: فأنزلت آية اللعان، فكان ذلك الرجل أول من ابتلي به. انفرد بإخراجه مسلم، فرواه من طرق عن سليمان بن مهران الأعمش، به (١). وقال الإمام أحمد أيضًا: حَدَّثَنَا أبو كامل، حَدَّثَنَا إبراهيم بن سعد، حَدَّثَنَا ابن شهاب، عن سهل بن سعد قال: جاء عويمر إلى عاصم بن عدي (٢) فقال له: سل رسول اللَّه ﷺ : أرأيت رجلًا وجد رجلًا مع امرأته فقتله أيقتل به، أم كيف يصنع؟ فسأل عاصم رسول اللَّه ﷺ فعاب رسول اللَّه ﷺ المسائل، قال: فلقيه عويمر فقال: ما صنعت؟ قال: ما صنعت إنك لم تأتني بخير، سألت رسول اللَّه ﷺ فعاب المسائل، فقال عويمر: والله لآتين رسول الله ﷺ فلأسألنه. فأتاه فوجده قد أنزل عليه فيهما، قال: فدعا بهما فلاعن بينهما. قال عويمر: لئن انطلقت بها يا رسول اللَّه لقد كذبت عليها. قال: ففارقها قبل أن يأمره رسول اللَّه ﷺ فصارت سنّة المتلاعنين، وقال رسول الله ﷺ : "أبصروها فإن جاءت به أسحم أدعج العينين، عظيم الأليتين، فلا أراه إلا قد صدق، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة، فلا أراه إلا كاذبًا" فجاءت به على النعت المكروه. أخرجاه في الصحيحين وبقية الجماعة إلا الترمذي من طرق عن الزهري، به (٣). ورواه البخاري أيضًا من طرق عن الزهري به، فقال: حَدَّثَنَا سليمان بن داود أبو الربيع حَدَّثَنَا فليع عن الزهري عن سهل بن سعد أن رجلًا أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه! أرأيت رجلًا رأى مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ فأنزل اللَّه تعالى فيهما ما ذكر في القرآن من التلاعن فقال له رسول اللَّه ﷺ : "قد قضي فيك وفي امرأتك" قال: فتلاعنا وأنا شاهد عند رسول الله ﷺ مفارقها، فكانت سنة أن يفرق بين المتلاعنَين وكانت حاملًا فأنكر حملها وكان ابنها يدعى إليها. ثم جرت السنة في الميراث أن يرثها وترث منه ما فرض اللَّه لها (٤). وقال الحافظ أبو بكر البزار: حَدَّثَنَا إسحاق بن الضيف، حَدَّثَنَا النضر بن شميل، حَدَّثَنَا يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن زيد بن يُثيع، عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ لأبي بكر: "لو رأيت مع أُم رومان رجلًا ما كنت فاعلًا به؟ " قال: كنت والله فاعلًا به شرًا، قال: "فأنت يا عمر؟ " قال: كنت والله فاعلًا، كنت أقول: لعن اللَّه الأعجز فإنه خبيث. قال: فنزلت ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾. ثم قال: لا نعلم أحدًا أسنده إلا النضر بن شميل، عن يونس بن أبي

стр. 3078

إسحاق، ثم رواه من حديث الثوري عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، مرسلًا (١)، فالله أعلم. وقال الحافظ أبو يعلى: حَدَّثَنَا مسلم بن أبي مسلم الجرمي، حَدَّثَنَا مخلد بن الحسين، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك ﵁ قال: لأول لعان كان في الإسلام أن شريك بن سحماء قذفه هلال بن أمية بامرأته، فرفعه إلى رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "أربعة شهود، وإلا فحد في ظهرك" فقال: يا رسول اللَّه إن اللَّه يعلم إني لصادق، ولينزلن اللَّه عليك ما يبرئ به ظهري من الجلد، فأنزل الله آية اللعان ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ … ﴾ إلى آخر الآية، قال: فدعاه النَّبِيّ ﷺ فقال: "اشهد بالله إنك لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا" فشهد بذلك أربع شهادات، ثم قال له في الخامسة: "ولعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا" ففعل، ثم دعاها رسول اللَّه ﷺ فقال: "قومي فاشهدي بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماك به من الزنا" فشهدت بذلك أربع شهادات، ثم قال لها في الخامسة: "وغضب اللَّه عليك إن كان من الصادقين فيما رماك به من الزنا" قال: فلما كانت الرابعة أو الخامسة، سكت سكتة حتَّى ظنوا أنها ستعترف، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت على القول، ففرق رسول اللَّه ﷺ بينهما، وقال: "انظروا فإن جاءت به جعدًا حمش الساقين، فهو لشريك بن سحماء، وإن جاءت به أبيض سبطًا قضيء العينين (٢)، فهو لهلال بن أُمية "فجاءت به آدم جعدًا حمش الساقين، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لولا ما نزل فيهما من كتاب اللَّه لكان لي ولها شأن" (٣). ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١)﴾. هذه العشر آيات كلها نزلت في شأن عائشة أم المؤمنين ﵂ حين رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين بما قالوه من الكذب البحت والفرية التي غار الله لها ولنبيه صلوات اللَّه وسلامه عليه، فأنزل اللَّه تعالى براءتها صيانة لعرض رسول الله ﷺ فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ أي: جماعة منكم، يعني: ما هو واحد ولا اثنان بل جماعة، فكان المقدم في هذه اللعنة عبد اللَّه بن أُبي ابن سلول رأس المنافقين، فإنه كان يجمعه ويستوشيه، حتَّى دخل ذلك في أذهان بعض المسلمين فتكلموا به، وجوزه آخرون منهم، وبقي الأمر كذلك قريبًا من شهر حتَّى نزل القرآن، وسياق ذلك في الأحاديث الصحيحة. قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الرزاق، حَدَّثَنَا معمر، عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن حديث عائشة زوج النَّبِيّ ﷺ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها اللَّه تعالى، وكلهم قد حدثني بطائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت لها اقتصاصًا، وقد وعيت عن كل واحدٍ

стр. 3079

منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة وبعض حديثهم يصدق بعضًا، ذكروا أن عائشة ﵂ زوج النَّبِيّ ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج لسفر أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها، خرج بها رسول اللَّه ﷺ معه، قالت عائشة ﵂: فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي، وخرجت مع رسول الله ﷺ وذلك بعدما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه، فسرنا حتَّى إذا فرغ رسول اللَّه ﷺ من غزوة وقفل ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذن بالرحيل فمشيت حتَّى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع ظفار (١) قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه وأقبل الرهط الذي كانوا يرحلونني فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه، قالت: وكان النساء إذ ذاك خفافًا لم يُهلَبهن (٢) ولم يغشهن اللحم، إنما يأكلن العلقة (٣) من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أن القوم سيفقدونني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرس من وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وقد كان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، والله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتَّى أناخ راحلته، فوطئ على يدها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتَّى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين (٤) في نحر الظهيرة، فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبره عبد اللَّه بن أُبي ابن سلول، فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمناها شهرًا والناس يفيضون في قول أهل الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أرى من رسول اللَّه ﷺ اللطف الذي أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل رسول اللَّه ﷺ فيسلم ثم يقول: "كيف تيكم؟ " فذلك الذي يريبني ولا أشعر بالشر حتَّى خرجت بعدما نقهت (٥)، وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو متبرزنا ولا نخرج إلا ليلًا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبًا من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه (٦) في البرية، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها في بيوتنا، فانطلقت أنا وأُم مسطح وهي بنت أبي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن عبد المطلب، فأقبلت أنا وابنة أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أُم مسطح في مرطها (٧)، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئسما قلت: تسبين رجلًا شهد بدرًا؟ فقالت: أي هنتاه ألم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضًا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول اللَّه ﷺ ، ثم قال: "كيف تيكم؟ " فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأنا حينئذٍ أريد أن أتيقن الخبر من

стр. 3080

قبلهما، فأذن لي رسول الله ﷺ ، فجئت أُبوي فقلت لأُمي: يا أمتاه ما يتحدث الناس به؟ فقالت: أي بنية هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها. قالت: فقلت سبحان الله أوقد تحدث الناس بها، فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي، قالت: فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأُسامة بن زيد حين استلبث الوحي ويستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أُسامة بن زيد فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود، فقال أُسامة: يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلا خيرًا. وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك الخبر. قالت: فدعا رسول الله ﷺ بريرة فقال: "أي بريرة، هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟ " فقالت له بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت منها أمرًا قط أغمصه (١) عليها أكثر من جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن (٢) فتأكله. فقام رسول الله ﷺ من يومه، فاستعذر من عبد الله بن أُبي ابن سلول، قالت: فقال رسول الله ﷺ وهو على المنبر: "يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي" فقام سعد بن معاذ الأنصاري ﵁ فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا بأمرك، قالت: فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان رجلًا صالحًا، ولكن احتملته الحمية فقال لسعد بن معاذ: لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضير، وهو ابن عم سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فتثاور الحيان: الأوس والخزرج حتى همَّوا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ قائمٌ على المنبر، فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا وسكت رسول الله ﷺ ، قالت: وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي، قال: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت عليّ امرأة من الأنصار، فأذنت لها فجلست تبكي معي، فبينا نحن على ذلك إذ دخل علينا رسول الله ﷺ فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني شيء، قالت: فتشهد رسول الله ﷺ حين جلس، ثم قال: "أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله ثم توبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب، تاب الله عليه" قالت: فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته، قلص (٣) دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عني رسول الله ﷺ ، فقال والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ، فقلت لأُمي: أجيبي عني رسول الله ﷺ فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ، قالت: فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أحفظ كثيرًا من القرآن: والله لقد عرفت، أنكم قد سمعتم بهذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به، ولئن قلت لكم: إني بريئة، والله يعلم أني بريئة لا تصدقونني بذلك، ولئن اعترفت بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقني، وإني والله ما أجد لي ولكم

стр. 3081

مثلًا إلا كما قال أبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] قالت: ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، قالت: وأنا والله حينئذٍ أعلم أني بريئة وأن الله تعالى مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله فيّ بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها. قالت: فوالله ما رام رسول الله ﷺ مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله تعالى على نبيه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق، وهو في اليوم الشاتي من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت: فلما سُرّي عن رسول الله ﷺ وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: "أبشري يا عائشة أما الله فقد برأك"، قالت: فقالت لي أُمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله هو الذي أنزل براءتي، وأنزل الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ. . .﴾ العشر آيات كلها، فأنزل الله هذه الآيات في براءتي قالت: فقال أبو بكر ﵁ وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق عليه شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ إلى قوله: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] فقال أبو بكر: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا. قالت عائشة: وكان رسول الله ﷺ سأل زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ عن أمري، فقال: "يا زينب ماذا علمت أو رأيت؟ " فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيرًا، قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ فعصمها الله تعالى بالورع. وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها، فهلكت فيمن هلك. قال ابن شهاب: فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط. أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث الزهري (١). وهكذا رواه ابن إسحاق، عن الزهري، كذلك قال: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة ﵂، وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، عن عمرة، عن عائشة بنحو ما تقدم (٢)، والله أعلم. ثم قال البخاري: وقال أبو أُسامة، عن هشام بن عروة قال: أخبرني أبي، عن عائشة ﵂ قالت: لما ذكر من شأني الذي ذكر وما علمت به، قام رسول الله ﷺ فيّ خطيبًا، فتشهّد فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد؛ أشيروا عليّ في أناس أبنوا (٣) أهلي، وايمُ الله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، وما علمت على أهلي من سوء، وأبنوهم (٤) بمن والله ما علمت عليه من سوء قط، ولا يدخل بيتي قط إلا وأنا حاضر، ولا غبت في سفر إلا غاب معي"، فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: يا رسول الله ﷺ ، ائذن لنا أن نضرب أعناقهم، فقام رجل من

стр. 3082

الخزرج وكانت أُم حسان بن ثابت من رهط ذلك الرجل، فقال: كذبت أما والله لو كانوا من الأوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم، حتى كاد أن يكون بين الأوس والخزرج شر في المسجد وما علمت، فلما كان مساء ذلك اليوم خرجت لبعض حاجتي ومعي أم مسطح، فعثرت فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: أي أم تسبين ابنك؟ فسكتت، ثم عثرت الثانية فقالت: تعسَ مسطح فقلت لها: أي أم تسبين ابنك؟ ثم عثرت الثالثة فقالت: تعس مسطح فانتهرتُها، فقالت: والله ما أسبه إلا فيك، فقلت: في أي شأني؟ قالت: فبقرت (١) لي الحديث، فقلت: وقد كان هذا؟ قالت: نعم والله، فرجعت إلى بيتي كأن الذي خرجت له لا أجد منه قليلًا ولا كثيرًا، ووعكت وقلت لرسول الله ﷺ : أرسلني إلى بيت أبي، فأرسل معي الغلام، فدخلت الدار فوجدت أم رومان في السفل، وأبا بكر فوق البيت يقرأ، فقالت أُم رومان: ما جاء بك بنية، فأخبرتها وذكرت لها الحديث، وإذا هو لم يبلغ منها مثل ما بلغ مني، فقالت: يا بنية خففي عليك الشأن، فإنه واللهِ لقل ما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا حسدنها، وقيل فيها، فقلت: وقد علم به أبي؟ قالت: نعم. قلت: ورسول الله ﷺ ؟ قالت: نعم ورسول الله ﷺ ، فاستعبرت وبكيت، فسمع أبو بكر صوتي وهو فوق البيت يقرأ، فنزل فقال لأُمي: ما شأنها؟ قالت: بلغها الذي ذكر من شأنها، ففاضت عيناه ﵁ وقال: أقسمت عليك - أي بنية - إلا رجعت إلى بيتك؛ فرجعت، ولقد جاء رسول الله ﷺ بيتي فسأل عني خادمتي فقالت: لا والله ما علمت عليها عيبًا إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل خميرها أو عجينها، وانتهرها بعض أصحابه فقال: اصدقي رسول الله ﷺ حتى أسقطوا لها به. فقالت: سبحان الله، والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ عن تبر الذهب الأحمر، وبلغ الأمر ذلك الرجل الذي قيل له، فقال: سبحان الله، والله ما كشفت كنف أنثى قط. قالت عائشة ﵂: فقتل شهيدًا في سبيل الله، وقالت: وأصبح أبواي عندي فلم يزالا حتى دخل عليّ رسول الله ﷺ وقد صلى العصر، ثم دخل وقد اكتنفني أبواي عن يميني وعن شمالي فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد؛ يا عائشة إن كنت قارفت سوءًا أو ظلمت فتوبي إلى الله، فإن الله يقبل التوبة عن عباده" قالت: وقد جاءت امرأة من الأنصار فهي جالسة بالباب فقلت: ألا تستحيي من هذه المرأة أن تذكر شيئًا؟ فوعظ رسول الله ﷺ فالتفت إلى أبي فقلت له: أجبه قال: فماذا أقول؟ فالتفت إلى أمي فقلت: أجيبيه قالت: ماذا أقول؟ فلما لم يجيباه تشهّدت فحمدت الله وأثنيت عليه بما هو أهله، ثم قلت: أما بعد فوالله إن قلت لكم: إني لم أفعل والله يشهد أني لصادقة ما ذاك بنافعي عندكم، لقد تكلمتم به وأشربته قلوبكم، وإن قلت لكم: إني قد فعلت، والله يعلم أني لم أفعل، لتقولن: قد باءت به على نفسها، وإنني والله ما أجد لي ولكم مثلًا، والتمست اسم يعقوب فلم أقدر عليه إلا أبا يوسف حين قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، وأنزل الله على رسوله ﷺ من ساعته، فسكتنا فرفع عنه وإني لأتبين السرور في وجهه وهو يمسح جبينه ويقول: "أبشري يا عائشة فقد أنزل الله براءتك" قالت: وكنت أشد ما كنت غضبًا فقال لي أبواي: قومي إليه، فقلت: لا والله لا أقوم

стр. 3083

إليه ولا أحمده ولا أحمدكما، ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي، لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه. وكانت عائشة تقول: أما زينب بنت جحش فقد عصمها الله بدينها فلم تقل إلا خيرًا، وأما أختها حمنة بنت جحش فهلكت فيمن هلك، وكان الذي يتكلم به مسطح وحسان بن ثابت، وأمِا المنافق عبد الله بن أُبي بن سلول، وهو الذي كان يستوشيه ويجمعه، وهو الذي تولى كبره منهم هو وحمنة، قالت: وحلف أبو بكر أن لا ينفع مسطحًا، بنافعة أبدًا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ يعني: أبا بكر ﴿وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ يعني: مسطحًا إلى قوله: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] فقال أبو بكر: بلى والله يا ربنا إنا لنحب أن تغفر لنا، وعاد له بما كان يصنع (١). هكذا رواه البخاري من هذا الوجه معلقًا بصيغة الجزم عن أبي أسامة حماد بن أُسامة أحد الأئمة الثقات. وقد رواه ابن جرير في تفسيره عن سفيان بن وكيع، عن أبي أُسامة به مطولًا مثله أو نحوه. ورواه ابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الأشج، عن أبي أُسامة ببعضه (٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، أخبرنا عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: لما نزل عذري من السماء جاءني النبي ﷺ فأخبرني بذلك، فقلت: نحمد الله لا نحمدك (٣). وقال الإمام أحمد: حدثني ابن أبي عدي، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة أيضًا، عن عائشة قالت: لما نزل عذري قام رسول الله ﷺ فذكر ذلك وتلا القرآن، فلما نزل أمَرَ برجلين وامرأة فضربوا حدَّهم (٤)، وأخرجه أهل السنن الأربعة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ووقع عند أبي داود تسميتهم: حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش (٥)، فهذه طرق متعددة عن أم المؤمنين عائشة ﵂ في المسانيد والصحاح والسنن وغيرها. وقد روي من حديث أُمها أُم رومان ﵂، فقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، أخبرنا حصين، عن أبي وائل، عن مسروق، عن أُم رومان، قالت: بينا أنا عند عائشة؛ إذ دخلت علينا امرأة من الأنصار فقالت: فعل الله بابنها وفعل، فقالت عائشة: ولم؟ قالت: إنه كان فيمن حدث الحديث، قالت: وأي الحديث؟ قالت: كذا وكذا، قالت: وقد بلغ ذلك رسول الله ﷺ ؟ قالت: نعم، قالت: وبلغ أبا بكر؟ قالت: نعم، فخرّت عائشة ﵂ مغشيًا عليها، فما أفاقت إلا وعليها حمى بنافض، فقمت فدثرتها، قالت: فجاء النبي ﷺ قال: "فما شأن هذه؟ " فقلت: يا رسول الله

стр. 3084

أخذتها حُمَّى بنافض، قال: "فلعله في حديث تحدث به" قالت: فاستوت له عائشة قاعدة، فقالت: والله لئن حلفت لكم لا تصدقوني، ولئن اعتذرت إليكم لا تعذروني، فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وبنيه حين قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] قالت: فخرج رسول الله ﷺ وأنزل الله عذرها، فرجع رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر، فدخل فقال: يا عائشة "إن الله تعالى قد أنزل عذرك" فقالت: بحمد الله لا بحمدك، فقال لها أبو بكر: تقولين هذا لرسول الله ﷺ ؟ قالت: نعم. قالت: فكان فيمن حدث هذا الحديث رجل كان يعوله أبو بكر فحلف أن لا يصله، فأنزل الله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ. . .﴾ إلى آخر الآية [النور: ٢٢]، فقال أبو بكر: بلى فوصله. تفرد به البخاري دون مسلم من طريق حصين (١). وقد رواه البخاري عن موسى بن إسماعيل، عن أبي عوانة، وعن محمد بن سلام، عن محمد بن فضيل كلاهما عن حصين به، وفي لفظ أبي عوانة: حدثتني أُم رومان (٢)، وهذا صريح في سماع مسروق منها، وقد أنكر ذلك جماعة من الحفّاظ منهم الخطيب البغدادي، وذلك لما ذكره أهل التاريخ أنها ماتت في زمن النبي ﷺ ، قال الخطيب: وقد كان مسروق يرسله فيقول: سئلت أم رومان، ويسوقه فلعل بعضهم كتب (سئلت) بألف اعتقد الراوي أنها (سألت) فظنه متصلًا، قال الخطيب: وقد رواه البخاري كذلك ولم تظهر له علته، كذا قال (٣)، والله أعلم. فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ أي: بالكذب والبهت والافتراء ﴿عُصْبَةٌ﴾ أي: جماعة منكم ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ أي: يا آل أبي بكر ﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: في الدنيا والآخرة لسان صدق في الدنيا ورفعة منازل في الآخرة، وإظهار شرف لهم باعتناء الله تعالى بعائشة أم المؤمنين ﵂، حيث أنزل الله براءتها في القرآن العظيم الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت]، ولهذا لما دخل عليها ابن عباس ﵁ وعنها وهي في سياق الموت، قال لها: أبشري فإنك زوجة رسول الله ﷺ ، وكان يحبك ولم يتزوج بكرًا غيرك، وأنزل براءتك من السماء (٤). وقال ابن جرير في تفسيره: حدثني محمد بن عثمان الواسطي، حدثنا جعفر بن عون، عن

стр. 3085

المعلى بن [عرفان] (١)، عن محمد بن عبد الله بن جحش قال: تفاخرت عائشة وزينب ﵄ فقالت زينب: أنا التي نزل تزويجي من السماء، وقالت عائشة: أنا التي نزل عذري في كتاب الله حين حملني صفوان بن المعطل على الراحلة، فقالت لها زينب: يا عائشة ما قلت: حين ركبتيها؟ قالت: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل، قالت: قلت: كلمة المؤمنين (٢). وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ أي: لكل من تكلم في هذه القضية ورمى أم المؤمنين عائشة ﵂ بشيء من الفاحشة نصيب عظيم من العذاب. ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ قيل: ابتدأ به، وقيل: الذي كان يجمعه ويستوشيه ويذيعه ويشيعه ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي: على ذلك، ثم الأكثرون على أن المراد بذلك إنما هو عبد الله بن أُبي بن سلول - قبحه الله تعالى ولعنه - وهو الذي تقدم النص عليه في الحديث، وقال ذلك مجاهد وغير واحد (٣)، وقيل: المراد به حسان بن ثابت، وهو قول غريب، ولولا أنه وقع في صحيح البخاري ما قد يدل على ذلك، لما كان لإيراده كبير فائدة، فإنه من الصحابة الذين لهم فضائل ومناقب ومآثر، وأحسن مآثره أنه كان يذبُّ عن رسول الله ﷺ بشعره، وهو الذي قال له رسول الله ﷺ : "هاجهم وجبريل معك" (٤). وقال الأعمش: عن أبي الضحى، عن مسروق قال: كنت عند عائشة ﵂، فدخل حسان بن ثابت، فأمرت فألقي له وسادة، فلما خرج قلت لعائشة: ما تصنعين بهذا؟ يعني: يدخل عليك، وفي رواية: قيل لها: أتأذنين لهذا يدخل عليك، وقد قال الله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ قالت: وأي عذاب أشد من العمى، وكان قد ذهب بصره، لعل الله أن يجعل ذلك هو العذاب العظيم، ثم قالت: إنه كان ينافح عن رسول الله ﷺ ، وفي رواية: أنه أنشدها عندما دخل عليها شعرًا يمتدحها به، فقال (٥): حصانٌ رزانٌ ما تُزَنُّ بريبةٍ … وتصبح غَرثى من لحوم الغوافل (٦) فقالت: أما أنت فلست كذلك. وفي رواية: لكنك لست كذلك. وقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن قزعة، حدثنا سلمة بن علقمة (٧)، حدثنا داود، عن عامر، عن عائشة أنها قالت: ما سمعت بشعر أحسن من شعر حسان، ولا تمثلت به إلا رجوت له الجنة قوله لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب: هجوت محمدًا فأجبتُ عنه … وعند الله في ذاك الجزاء فإن أبي ووالده وعرضي … لعرض محمد منكم وقاء
следующие страницы →