← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣)﴾. يقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ الدالة على قدرته العظيمة ﴿خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خلق السموات في ارتفاعها واتساعها، وسقوف أجرامها، وزهارة كواكبها ونجومها الثوابت والسيارات، والأرض في انخفاضها وكثافتها، وما فيها من جبال وأودية وبحار، وقفار وحيوان وأشجار. وقوله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ يعني: اللّغات، فهؤلاء بلغة العرب، وهؤلاء تتر لهم لغة أخرى، وهؤلاء كرج، وهؤلاء روم، وهؤلاء فرنج، وهؤلاء بربر، وهؤلاء تكرور، وهؤلاء حبشة، وهؤلاء هنود، وهؤلاء عجم، وهؤلاء صقالبة، وهؤلاء خزر، وهؤلاء أرمن، وهؤلاء أكراد، إلى غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى من اختلاف لغات بني آدم واختلاف ألوانهم وهي حُلاهم، فجميع أهل الأرض بل أهل الدنيا منذ خلق الله آدم إلى قيام الساعة كل له عينان وحاجبان وأنف وجبين وفم وخدان، وليس يشبه واحد منهم الآخر، بل لابدّ أن يفارقه بشيء من السمت أو الهيئة أو الكلام ظاهرًا كان أو خفيًا يظهر عند التأمل، كل وجه منهم أسلوب بذاته وهيئته لا تشبه أخرى، ولو توافق جماعة في صفة من جمال أو قبح لابدّ من فارق بين كل واحد منهم وبين الآخر ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: ومن الآيات ما جعل الله من صفة النوم في الليل والنهار، فيه تحصل الراحة وسكون الحركة وذهاب الكلال والتعب. وجعل لكم الانتشار والسعي في الأسباب والأسفار في النهار وهذا ضد النوم ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أي: يعون. قال الطبراني: حدثنا حجاج بن عمران السدوسي، حدثنا عمرو بن الحصين العقيلي، حدثنا محمد بن عبد الله بن علاثة، حدثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، سمعت عبد الملك بن مروان يحدث عن أبيه، عن زيد بن ثابت ﵁ قال: أصابني أرق من الليل، فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: "قل اللهم غارت النجوم، وهدأت العيون، وأنت حي قيوم، يا حي يا قيوم، أنم عيني وأهدئ ليلي" فقلتها، فذهب عني (١). ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)﴾. يقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ الدالة على عظمته أنه ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ أي: تارة تخافون مما يحدث بعده من أمطار مزعجة وصواعق متلفة، وتارة ترجون وميضه وما يأتي بعده من المطر المحتاج إليه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾

стр. 3362

أي: بعد ما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء، فلما جاءها الماء ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥] وفي ذلك عبرة ودلالة واضحة على المعاد وقيام الساعة، ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١]. وكان عمر بن الخطاب ﵁ إذا اجتهد في اليمين يقول: لا والذي تقوم السماء والأرض بأمره؛ أي: هي قائمة ثابتة بأمره لها وتسخيره إياها، ثم إذا كان يوم القيامة بدلت الأرض غير الأرض والسموات، وخرجت الأموات من قبورها أحياء بأمره تعالى ودعائه إياهم، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢)﴾ [الإسراء]، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ [النازعات] وقال تعالى: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣)﴾ [يس]. ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾. يقول تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ملكه وعبيده ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ أي: خاضعون خاشعون طوعًا وكرهًا. وفي حديث دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد مرفوعًا "كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة" (١). وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني أيسر عليه (٢). وقال مجاهد: الإعادة أهون عليه من البداءة، والبداءة عليه هيّن (٣). وكذا قال عكرمة (٤) وغيره. وروى البخاري: حدثنا أبو اليمان: أخبرنا شعيب، أخبرنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : "قال الله كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد" (٥) انفرد

стр. 3363

بإخراجه البخاري، كما انفرد بروايته أيضًا من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة به (١). وقد رواه الإمام أحمد منفردًا به عن حسن بن موسى، عن ابن لهيعة: حدثنا أبو يونس سليم بن جبير، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه أو مثله (٢). وقال آخرون: كلاهما بالنسبة إلى القدرة على السواء. وقال العوفي عن ابن عباس: كل عليه هين (٣)، وكذا قاله الربيع بن خُثيم (٤)، ومال إليه ابن جرير وذكر عليه شواهد كثيرة، قال: ويحتمل أن يعود الضمير في قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ إلى الخلق؛ أي: وهو أهون على الخلق. وقوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٥) [الشورى: ١١]. وقال قتادة: مثله أنه لا إله إلا هو ولا ربَّ غيره (٦)، وقال مثل هذا ابن جرير، وقد أنشد بعض المفسرين عند ذكر هذه الآية لبعض أهل المعارف: إذا سكن الغدير على صفاء … وجُنِّبَ أن يحركه النسيم ترى فيه السماء بلا امتراء … كذاك الشمس تبدو والنجوم كذاك قلوبُ أرباب التجلي … يُرَى في صفوها الله العظيم وهو العزيز الذي لا يغالب ولا يمانع بل قد غلب كل شيء، وقهر كل شيء بقدرته وسلطانه، الحكيم في أقواله وأفعاله شرعًا وقدرًا. وعن مالك في تفسيره المروي عنه، عن محمد بن المنكدر في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ قال: لا إِله إِلا الله (٧). ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٩)﴾. هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين به، العابدين معه غيره، الجاعلين له شركاء وهم مع ذلك معترفون أن شركاءه من الأصنام والأنداد عبيد له، ملك له، كما كانوا في تلبيتهم يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك (٨). فقال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: تشهدونه وتفهمونه من أنفسكم ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ

стр. 3364

فِيهِ سَوَاءٌ﴾ أي: لا يرتضي أحدكم أن يكون عبده شريكًا له في ماله فهو وهو فيه على السواء ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: تخافون أن يقاسموكم الأموال. قال أبو مِجلز: إن مملوكك لا تخاف أن يقاسمك مالك، وليس له ذاك، كذلك الله لا شريك له (١)، والمعنى إن أحدكم يأنف من ذلك، فكيف تجعلون لله الأنداد من خلقه؟ وهذا كقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢] أي: من البنات حيث جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا، وجعلوها بنات الله، وقد كان أحدهم إذا بشر ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل: ٥٨ - ٥٩]. فهم يأنفون من البنات، وجعلوا الملائكة بنات الله، فنسبوا إليه ما لا يرتضونه لأنفسهم، فهذا أغلظ الكفر، وهكذا في هذا المقام جعلوا له شركاء من عبيده وخلقه، وأحدهم يأبى غاية الإباء ويأنف غاية الأنفة من ذلك، أن يكون عبده شريكه في ماله يساويه فيه ولو شاء لقاسمه عليه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. قال الطبراني: حدثنا محمود بن الفرج الأصفهاني، حدثنا إسماعيل بن عمرو البجلي، حدثنا حماد بن شعيب، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان يلبي أهل الشرك لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك. فأنزل الله تعالى: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢). ولما كان التنبيه بهذا المثل على براءته تعالى ونزاهته بطريق الأولى والأحرى. قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، ثم قال تعالى مبينًا أن المشركين إنما عبدوا غيره سفهًا من أنفسهم وجهلًا: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: المشركون ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾ أي: في عبادتهم الأنداد بغير علم ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ أي: فلا أحد يهديهم إذا كتب الله ضلالهم ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ أي: ليس لهم من قدرة الله منقذ ولا مُجير ولا مُحيد لهم عنه، لأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾. يقول تعالى: فسدِّد وجهك واستمر على الدين الذي شرعه الله لك من الحنيفية ملة إبراهيم، الذي هداك الله لها وكملها لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة التي فطر الله الخلق عليها، فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده وأنه لا إله غيره، كما تقدم عند قوله

стр. 3365

تعالى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]. وفي الحديث: "إني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم" (١). وسنذكر في الأحاديث أن الله تعالى فطر خلقه على الإسلام، ثم طرأ على بعضهم الأديان الفاسدة كاليهودية والنصرانية والمجوسية. وقوله تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ قال بعضهم: معناه لا تبدلوا خلق الله فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها، فيكون خبرًا بمعنى الطلب، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وهو معنى حسن صحيح. وقال آخرون: هو خبر على بابه ومعناه أنه تعالى ساوى بين خلقه كلهم في الفطرة على الجبلة المستقيمة، لا يولد أحد إلا على ذلك، ولا تفاوت بين الناس في ذلك. ولهذا قال ابن عباس وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك وابن زيد في قوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ لدين الله (٢). وقال البخاري: قوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ لدين الله (٣)، خلق الأولين دين الأولين، الدين والفطرة الإسلام. حدثنا عبدان: أخبرنا عبد الله، أخبرنا يونس، عن الزهري، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ " ثم يقول: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (٤). ورواه مسلم من حديث عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري به (٥)، وأخرجاه أيضًا من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ (٦). وفي معنى هذا الحديث قد وردت أحاديث عن جماعة من الصحابة، فمنهم الأسود بن سريع التميمي. قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا يونس، عن الحسن، عن الأسود بن سريع قال: أتيت رسول الله ﷺ وغزوت معه فأصبت ظهرًا، فقتل الناس يومئذٍ حتى قتلوا الولدان، فبلغ ذلك

стр. 3366

رسول الله ﷺ فقال: "ما بال أقوام جاوزهم القتل اليوم حتى قتلوا الذرية؟ " فقال رجل: يا رسول الله إنما هم أبناء المشركين؟ فقال: "ألا إنما خياركم أبناء المشركين، ثم قال: لا تقتلوا ذرية، لا تقتلوا ذرية، وقال: كل نسمة تولد على الفطرة حتى يُعرب عنها لسانها، فأبواها يهودانها أو ينصرانها" (١). ورواه النسائي في كتاب السير عن زياد بن أيوب، عن هشيم، عن يونس وهو ابن عبيد بن الحسن البصري به (٢). ومنهم جابر بن عبد الله الأنصاري. قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، [حدثنا] (٣) أبو جعفر، عن الربيع بن أنس، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه، فإذا عبر عنه لسانه إما شاكرًا وإما كفورًا" (٤). ومنهم عبد الله بن عباس الهاشمي. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ سئل عن أولاد المشركين، فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم" (٥). أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي بشر جعفر بن إياس اليشكري، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعًا بذلك (٦). وقد قال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا عفان، حدثنا حماد؛ يعني: ابن سلمة، أنبأنا عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس قال: أتى عليّ زمان وأنا أقول: أولاد المسلمين مع المسلمين، وأولاد المشركين مع المشركين، حتى حدثني فلان عن فلان أن رسول الله ﷺ سئل عنهم، فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين". قال: فلقيت الرجل فأخبرني، فأمسكت عن قولي (٧). ومنهم عياض بن حمار المجاشعي. قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا هشام، حدثنا قتادة، عن مطرف، عن عياض بن حمار أن رسول الله ﷺ خطب ذات يوم، فقال في خطبته: "إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا: كل مال نحلته عبادي حلال، وإِني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإِنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا، ثم إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء تقرؤه نائمًا ويقظان: ثم إن الله أمرني أن أحرق قريشًا، فقلت: يا ربِّ إذًا يثلغ (٨) رأسي فيدعه خبزة، قال: استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نغزك، وأنفق عليهم فسننفق عليك، وابعث جيشًا نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من

стр. 3367

عصاك، قال: وأهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، ورجل عفيف فقير متصدق وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر (١) له الذين هم فيكم تبع لا يبتغون أهلًا ولا مالًا، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك" وذكر البخيل أو الكذاب، والشنظير: الفحاش (٢). انفرد بإخراجه مسلم، فرواه من طرق عن قتادة به (٣). وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: التمسك بالشريعة والفطرة السليمة هو الدين القيم المستقيم ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: فلهذا لا يعرفه أكثر الناس، فهم عنه ناكبون، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [الأنعام: ١١٦]. وقوله تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ قال ابن زيد وابن جريج: أي: راجعين إليه (٤). ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ أي: خافوه وراقبوه، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ وهي الطاعة العظيمة ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: بل كونوا من الموحدين المخلصين له العبادة لا يريدون بها سواه. قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا يوسف بن أبي إسحاق، عن يزيد بن أبي مريم قال: مرَّ عمر ﵁ بمعاذ بن جبل فقال: ما قوام هذه الأُمة؟ قال معاذ: ثلاث وهن المنجيات: الإخلاص وهي الفطرة فطرة الله التي فطر الناس عليها، والصلاة وهي الملَّة، والطاعة وهي العصمة، فقال عمر: صدقت. حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا أيوب، عن [أبي قلابة] (٥) أن عمر ﷺ قال لمعاذ: ما قوام هذا الأمر؟ فذكر نحوه (٦). وقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ أي: لا تكونوا من المشركين الذين قد فرقوا دينهم؛ أي: بدلوه وغيروه، وآمنوا ببعض وكفروا ببعض، وقرأ بعضهم: ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ فارقوا (٧) دينهم؛ أي: تركوه وراء ظهورهم، وهؤلاء كاليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان وسائر أهل الأديان الباطلة مما عدا أهل الإسلام، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)﴾ [الأنعام]، فأهل الأديان قبلنا اختلفوا فيما بينهم على آراء ومثل باطلة، وكل فرقة منهم تزعم أنهم على شيء، وهذه الأُمة أيضًا اختلفوا فيما بينهم على نحل كلها ضلالة إلا واحدة وهم أهل السُّنَّة والجماعة، المتمسكون بكتاب الله وسُنَّة رسول الله ﷺ ، وبما كان عليه الصدر الأول

стр. 3368

من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين في قديم الدهر وحديثه، كما رواه الحاكم في مستدركه أنه سئل رسول الله ﷺ عن الفرقة الناجية منهم فقال: "ما أنا عليه وأصحابي" (١). ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧)﴾. يقول تعالى مخبرًا عن الناس أنهم في حال الإضطرار يدعون الله وحده لا شريك له، وأنه إذا أسبغ عليهم النعم إذا فريق منهم في حالة الاختيار يشركون بالله ويعبدون معه غيره. وقوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ هي لام العاقبة عند بعضهم، ولام التعليل عند آخرين، ولكنها تعليل لتقييض الله لهم ذلك، ثم توعدهم بقوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ قال بعضهم: والله لو توعدني حارس درب لخفت منه، فكيف والمتوعد ههنا هو الذي يقول للشيء كن فيكون؟ ثم قال: منكرًا على المشركين فيما اختلقوه من عبادة غيره بلا دليل ولا حجة ولا برهان ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ أي: حجة ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ أي: ينطق ﴿بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾، وهذا استفهام إنكار؛ أي: لم يكن لهم شيء من ذلك. ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦)﴾ هذا إنكار على الإنسان من حيث هو إلا من عصمه الله ووفقه، فإن الإنسان إذا أصابته نعمة بطر. وقال: ﴿ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠] أي: يفرح في نفسه ويفخر على غيره، وإذا أصابته شدة قنط وأيس أن يحصل له بعد ذلك خير بالكلية. قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [هود: ١١] أي: صبروا في الضراء وعملوا الصالحات في الرخاء. كما ثبت في الصحيح: "عجبًا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرًا له، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له" (٢). وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي: هو المتصرف الفاعل لذلك بحكمته وعدله، فيوسع على قوم ويضيق على آخرين ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠)﴾. يقول تعالى آمرًا بإعطاء ﴿ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ أي: من البر والصلة، ﴿وَالْمِسْكِينَ﴾ وهو الذي لا

стр. 3369

شيء له ينفق عليه أو له شيء لا يقوم بكفايته، ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ وهو المسافر المحتاج إلى نفقة وما يحتاج إليه في سفره، ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ أي: النظر إليه يوم القيامة وهو الغاية القصوى، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: في الدنيا والآخرة. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: من أعطى عطية يريد أن يرد عليه الناس أكثر مما أهدى لهم، فهذا لا ثواب له عند الله، بهذا فسره ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعكرمة ومحمد بن كعب والشعبي (١)، وهذا الصنيع مباح وإن كان لا ثواب فيه، إلا أنه قد نهى عنه رسول الله ﷺ خاصة، قاله الضحاك، واستدل بقوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾ [المدثر: ٦] أي: لا تعط العطاء تريد أكثر منه (٢). وقال ابن عباس: الربا رباءان: فربا لا يصح؛ يعني: ربا البيع؟ وربا لا بأس به وهو هدية الرجل يريد فضلها، وأضعافها، ثم تلا هذه الآية ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٣). وإنما الثواب عند الله في الزكاة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ أي: الذين يضاعف الله لهم الثواب والجزاء. كما جاء في الصحيح: "وما تصدق أحد بعدل تمرة من كسب طيب إلا أخذها الرحمن بيمينه فيربيها لصاحبها، كما يربي أحدكم فلوّه أو فصيله حتى تصير التمرة أعظم من أحد" (٤). وقوله : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ أي: هو الخالق الرزاق، يخرج الإنسان من بطن أمه عريانًا لا علم له ولا سمع ولا بصر ولا قوة، ثم يرزقه جميع ذلك بعد ذلك والرياش واللِّباس والمال والأملاك والمكاسب. كما قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن سلَّام أبي شُرحبيل، عن حبَّة وسَواء ابني خالد قالا: دخلنا على النبي ﷺ وهو يصلح شيئًا فأعنَّاه، فقال: "لا تيأسا من الرزق ما تهززت رؤوسكما، فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشرة، ثم يرزقه الله " (٥). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ أي: بعد هذه الحياة، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أي: يوم القيامة. وقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ أي: الذين تعبدونهم من دون الله ﴿مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾؟ أي: لا يقدر أحد منهم على فعل شيء من ذلك، بل الله هو المستقل بالخلق والرزق والإحياء والإماتة، ثم يبعث الخلائق يوم القيامة، ولهذا قال بعد هذا كلِّه: ﴿سُبْحَانَهُ

стр. 3370

وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تعالى وتقدس وتنزه وتعاظم وجلَّ وعزَّ عن أن يكون له شريك أو نظير أو مساوٍ أو ولد أو والد، بل هو الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد. ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢)﴾. قال ابن عباس وعكرمة والضحاك والسدي وغيرهم: المراد بالبر ههنا الفيافي، وبالبحر الأمصار والقرى. وفي رواية عن ابن عباس وعكرمة: البحر الأمصار، والقرى ما كان منهما على جانب نهر (١). وقال آخرون: بل المراد بالبر هو البر المعروف، وبالبحر هو البحر المعروف. وقال زيد بن رفيع: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ﴾ يعني: انقطاع المطر عن البر يعقبه القحط، وعن البحر تعمى دوابه، رواه ابن أبي حاتم (٢). وقال: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، عن سفيان، عن حميد بن قيس الأعرج، عن مجاهد ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ قال: فساد البر قتل ابن آدم، وفساد البحر أخذ السفينة غصبًا (٣). وقال عطاء الخراساني: المراد بالبر ما فيه من المدائن والقرى، وبالبحر جزائره (٤). والقول الأول أظهر وعليه الأكثرون، ويؤيده ما قاله محمد بن إسحاق في السيرة: إن رسول الله ﷺ صالح ملك أيلة، وكتب إليه ببحره (٥)؛ يعني: ببلده، ومعنى قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ أي: بان النقص في الزروع والثمار بسبب المعاصي. وقال أبو العالية: من عصى الله في الأرض فقد أفسد في الأرض، لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود: "لحدٍّ يُقام في الأرض أحبُّ إلى أهلها من أن يمطروا أربعين صباحًا" (٦). والسبب في هذا أن الحدود إذا أقيمت انكف الناس أو أكثرهم أو كثير منهم عن تعاطي المحرمات، وإذا تركت المعاصي كان سببًا في حصول البركات من السماء والأرض. ولهذا إذا نزل عيسى ابن مريم ﵇ في آخر الزمان يحكم بهذه الشريعة المطهرة في ذلك الوقت من قتل الخنزير وكسر الصليب ووضع الجزية، وهو تركها، فلا يقبل إلا الإسلام أو السيف، فإذا أهلك الله في زمانه الدجال وأتباعه ويأجوج ومأجوج، قيل للأرض:

стр. 3371

أخرجي بركتك، فيأكل من الرمانة الفئام (١) من الناس ويستظلون بقحفها (٢)، ويكفي لبن اللقحة الجماعة من الناس، وما ذاك إلا ببركة تنفيذ شريعة محمد ﷺ فكلما أقيم العدل كثرت البركات والخير. ولهذا ثبت في الصحيح: أن الفاجر إذا مات تستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب (٣). وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا محمد والحسين قالا: حدثنا عوف، عن أبي قحذم قال: وجد رجل في زمان زياد أو ابن زياد، صرَّة فيها حبُّ؛ يعني: من برّ، أمثال النوى عليه مكتوب: هذا نبت في زمان كان يعمل فيه بالعدل (٤). وروى مالك، عن زيد بن أسلم أن المراد بالفساد ههنا الشرك (٥)، وفيه نظر. وقوله تعالى: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ الآية؛ أي: يبتليهم بنقص الأموال والأنفس والثمرات اختبارًا منه لهم ومجازاة على صنيعهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: عن المعاصي، كما قال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] ثم قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبلكم ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ أي: فانظروا ما حلَّ بهم من تكذيب الرسل وكفر النعم. ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٤٥)﴾. يقول تعالى آمرًا عباده بالمبادرة إلى الاستقامة في طاعته والمبادرة إلى الخيرات ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: يوم القيامة إذا أراد كونه فلا رادَّ له ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أي: يتفرقون، ففريق في الجنة وفريق في السعير، ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: يجازيهم مجازاة الفضل، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما يشاء الله ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ومع هذا هو العادل فيهم الذي لا يجور. ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾. يذكر تعالى نعمه على خلقه في إرسال الرياح مبشرات بين يدي رحمته بمجيء الغيث عقبها،

стр. 3372

ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أي: المطر الذي ينزله فيحيي به العباد والبلاد ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾ أي: في البحر وإنما سيرها بالريح ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: في التجارات والمعايش والسير من إقليم إلى إقليم، وقطر إلى قطر ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرون الله على ما أنعم به عليكم من النعم الظاهرة والباطنة التي لا تُعدُّ ولا تُحصى. ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾، هذه تسلية من الله تعالى لعبده ورسوله محمد ﷺ بأنه وإن كذّبه كثير من قومه ومن الناس، فقد كذبت الرسل المتقدمون مع ما جاؤوا أممهم به من الدلائل الواضحات. ولكن انتقم الله ممن كذّبهم وخالفهم وأنجى المؤمنين بهم ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: هو حق أوجبه على نفسه الكريمة تكرمًا وتفضلًا، كقوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]. وروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا موسى بن أعين، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أُم الدرداء، عن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من امرئ مسلم يُرَدّ عن عرض أخيه إلا كان حقًا على الله أن يردَّ عنه نار جهنم يوم القيامة" ثم تلا هذه الآية ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠) وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١)﴾. يُبين تعالى كيف يخلق السحاب الذي ينزل منه الماء، فقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ إما من البحر كما ذكره غير واحد، أو مما يشاء الله ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ أي: يمده فيكثره وينميه، ويجعل من القليل كثير، ينشئ سحابة ترى في رأي العين مثل الترس، ثم يبسطها حتى تملأ أرجاء الأفق، وتارة يأتي السحاب من نحو البحر ثقالًا مملوءة ماءً، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾ [الأعراف]، وكذلك قال ههنا: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾، قال مجاهد وأبو عمرو بن العلاء ومطر الوراق وقتادة: يعني قطعًا (٢). وقال غيره: متراكمًا، قاله الضحاك (٣). وقال غيره: أسود من كثرة الماء، تراه مدلهمًا ثقيلًا قريبًا من الأرض. وقوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ أي: فترى المطر وهو القطر، يخرج من بين ذلك

стр. 3373

السحاب ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي: إليه يفرحون لحاجتهم بنزوله عليهم ووصوله إليهم. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩)﴾ معنى الكلام: أن هؤلاء القوم الذين أصابهم هذا المطر، كانوا قانطين أزلين من نزول المطر إليهم قبل ذلك، فلما جاءهم جاءهم على فاقة، فوقع منهم موقعًا عظيمًا. وقد اختلف النحاة في قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ فقال ابن جرير: هو تأكيد (١)، وحكاه عن بعض أهل العربية. وقال آخرون: من قبل أن ينزل عليهم المطر من قبله؛ أي: الإنزال لمبلسين، ويحتمل أن يكون ذلك من دلالة التأسيس، ويكون معنى الكلام: أنهم كانوا محتاجين إليه قبل نزوله، ومن قبله أيضًا قد فات عندهم نزوله وقتًا بعد وقت، فترقبوه في إبانه، فتأخر، ثم مضت مدة فترقبوه فتأخر، ثم جاءهم بغتة بعد الإياس منه والقنوط، فبعدما كانت أرضهم مقشعرة هامدة أصبحت وقد اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ولهذا قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ يعني: المطر ﴿كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. ثم نبّه بذلك على إحياء الأجساد بعد موتها وتفرقها وتمزقها فقال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ أي: إن الذي فعل ذلك لقادر على إحياء الأموات ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١)﴾ يقول تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ يابسة على الزرع الذي زرعوه ونبت وشبَّ واستوى على سوقه، فرأوه مصفرًا؛ أي: قد أصفر وشرع في الفساد لظلُّوا من بعده؛ أي: بعد هذا الحال، يكفرون؛ أي: يجحدون ما تقدم إليهم من النعم. كقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧)﴾ [الواقعة]. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع، حدثنا هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال: الرياح ثمانية: أربعة منها رحمة، وأربعة عذاب، فأما الرحمة: فالناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات، وأما العذاب: فالعقيم والصرصر وهما في البر، والعاصف والقاصف وهما في البحر (٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله بن أخي بن وهب، حدثنا عمي، حدثنا عبد الله بن عياش، حدثني عبد الله بن سليمان، عن دراج، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "الريح مسخرة من الثانية -يعني: الأرض الثانية- فلما أراد أن يهلك عادًا أمر خازن الريح أن يرسل عليهم ريحًا تهلك عادًا، فقال: يا ربِّ أرسل عليهم من الريح قدر منخر الثور، قال له الجبار ﵎: لا إذًا تكفأ الأرض وما عليها، ولكن أرسل عليهم بقدر خاتم، فهي التي قال الله في كتابه (٣) ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾

стр. 3374

[الذاريات] هذا حديث غريب، ورفعه منكر، والأظهر أنه من كلام عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما". ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣)﴾. يقول تعالى: كما أنك ليس في قدرتك أن تسمع الأموات في أجداثها (١)، ولا تبلغ كلامك الصم الذين لا يسمعون وهم مع ذلك مدبرون عنك، كذلك لا تقدر على هداية العميان عن الحق وردِّهم عن ضلالتهم بل ذلك إلى الله، فإنه تعالى بقدرته يسمع الأموات أصوات الأحياء إذا شاء، ويهدي من يشاء ويضلُّ من يشاء وليس ذلك لأحد سواه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: خاضعون مستجيبون مطيعون، فأولئك هم الذي يسمعون الحق ويتبعونه وهذا حال المؤمنين، والأول مثل الكافرين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)﴾ [الأنعام]. وقد استدلت أُم المؤمنين عائشة ﵂ بهذه الآية ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ على توهيم عبد الله بن عمر في روايته مخاطبة النبي ﷺ القتلى الذين ألقوا في قليب بدر بعد ثلاثة أيام ومعاتبته إياهم وتقريعه لهم، حتى قال عمر: يا رسول الله ما تخاطب من قوم قد جيفوا؟ (٢) فقال: "والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يجيبون" وتأولته عائشة على أنه قال: "إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق" (٣). وقال قتادة: أحياهم الله له حتى سمعوا مقالته تقريعًا وتوبيخًا ونقمة. والصحيح عند العلماء رواية عبد الله بن عمر لما لها من الشواهد على صحتها من وجوه كثيرة، من أشهر ذلك ما رواه ابن عبد البر مصححًا له عن ابن عباس مرفوعًا: "ما من أحد يمر بقبر أخيه المسلم كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه، إلا ردَّ الله عليه روحه حتى يرد عليه¬ السلام" (٤). [وثبت عنه ﷺ أن الميت يسمع قرع نعال المشيعين له، إذا انصرفوا عنه، وقد شرع النبي ﷺ لأمته إذا سلموا على أهل القبور أن يسلموا عليهم سلام من يخاطبونه فيقول المسلم: السلام عليكم دار قوم مؤمنين (٥)، وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل، ولولا هذا الخطاب لكانوا بمنزلة خطاب المعدوم والجماد، والسلف مجمعون على هذا، وقد تواترت الآثار عنهم بأن الميت يعرف بزيارة الحي له ويستبشر، فروى ابن أبي الدنيا في كتاب القبور عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : "ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده، إلا استأنس به وردَّ عليه حتى يقوم" (٦). وروى عن أبي هريرة ﵁، قال: إذا مرّ رجل بقبر يعرفه فسلم عليه، ردَّ عليه¬ السلام.

стр. 3375

وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن رجل من آل عاصم الجَحْدَري قال: رأيت عاصمًا الجحدري في منامي بعد موته بسنتين، فقلت: أليس قد متّ؟ قال: بلى، قلت: فأين أنت؟ قال: أنا والله، في روضة من رياض الجنة، أنا ونفر من أصحابي نجتمع كل ليلة جمعة وصبيحتها إلى بكر بن عبد الله المزني، فنتلقى أخباركم. قال: قلت: أجسامكم أم أرواحكم؟ قال: هيهات! قد بليت الأجسام، وإنما تتلاقى الأرواح، قال: قلت: فهل تعلمون بزيارتنا إياكم؟ قال: نعلم بها عشية الجمعة ويوم الجمعة كله ويوم السبت إلى طلوع الشمس، قال: قلت: فكيف ذلك دون الأيام كلها؟ قال: لفضل يوم الجمعة وعظمته (١). قال: وحدثنا محمد بن الحسين، ثنا بكر بن محمد، ثنا حسن القصاب قال: كنت أغدو مع محمد بن واسع في كل غداة سبت حتى نأتي أهل الجبان (٢)، فنقف على القبور فنسلم عليهم، وندعو لهم ثم ننصرف، فقلت ذات يوم: لو صيرت هذا اليوم يوم الإثنين؟ قال: بلغني أن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة ويومًا قبلها ويومًا بعدها. قال: ثنا محمد، ثنا عبد العزيز بن أبان قال: ثنا سفيان الثوري قال: بلغني عن الضحاك أنه قال: من زار قبرًا يوم السبت قبل طلوع الشمس علم الميت بزيارته، فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: لمكان يوم الجمعة. حدثنا خالد بن خداش، ثنا جعفر بن سليمان، عن أبي التيَّاح يقول: كان مطرَّف يغدو، فإذا كان يوم الجمعة أدلج. قال: وسمعت أبا التياح يقول: بلغنا أنه كان ينزل بغوطة، فأقبل ليلة حتى إذا كان عند المقابر يقوم وهو على فرسه، فرأى أهل القبور كل صاحب قبر جالسًا على قبره (٣)، فقالوا: هذا مطرف يأتي الجمعة ويصلون عندكم يوم الجمعة؟ قالوا: نعم، ونعلم ما يقول فيه الطير. قلت: وما يقولون؟ قال: يقولون: سلام عليكم. حدثني محمد بن الحسن، ثنا يحيى بن أبي بكر، ثنا الفضل بن الموفق ابن خال سفيان بن عيينة قال: لما مات أبي جزعت عليه جزعًا شديدًا، فكنت آتي قبره في كل يوم، ثم قصرت عن ذلك ما شاء الله، ثم إني أتيته يومًا، فبينا أنا جالس عند القبر غلبتني عيناي فنمت، فرأيت كأن قبر أبي قد انفرج، وكأنه قاعد في قبره متوشح أكفانه، عليه سحنة الموتى، قال: فكأني بكيت لما رأيته، قال: يا بني، ما أبطأ بك عني؟ قلت: وإنك أعلم بمجيئي؟ قال: ما جئت مرة إلا علمتها، وقد كنت تأتيني فأسر بك ويسر من حولي بدعائك، قال: فكنت آتيه بعد ذلك كثيرًا. حدثني محمد، حدثنا يحيى بن بَسطام، ثنا عثمان بن سُويد الطُّفاوي قال: وكانت أمه من العابدات، وكان يقال لها: راهبة، قال: لما احتضرت رفعت رأسها إلى السماء فقالت: يا ذخري وذخيرتي من عليه اعتمادي في حياتي وبعد موتي، لا تخذلني عند الموت ولا توحشني. قال: فماتت. فكنت آتيها في كل جمعة فأدعو لها وأستغفر لها ولأهل القبور، فرأيتها ذات يوم في منامي، فقلت لها: يا أُمي، كيف أنت؟ قالت: أي بني، إن للموت لكربة شديدة، وإني بحمد الله لفي برزخ محمود يفرش فيه الريحان، ونتوسد السندس والإستبرق إلى يوم النشور،

стр. 3376

فقلت لها: ألك حاجة؟ قالت: نعم، قلت: وما هي؟ قالت: لا تدع ما كنت تصنع من زيارتنا والدعاء لنا، فإني لأبشر بمجيئك يوم الجمعة إذا أقبلت من أهلك، يقال لي: يا راهبة، هذا ابنك، قد أقبل، فأسر ويسر بذلك من حولي من الأموات. حدثني محمد، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن سليمان، حدثنا بشر بن منصور قال: لما كان زمن الطاعون وكان رجل يختلف إلى الجبان (١)، فيشهد الصلاة على الجنائز، فإذا أمسى وقف على المقابر فقال: آنس الله وحشتكم، ورحم غربتكم، وتجاوز عن مسيئكم، وقبل حسناتكم، لا يزيد على هؤلاء الكلمات، قال: فامسيت ذات ليلة وانصرفت إلى أهلي ولم آت المقابر فأدعو كما كنت أدعو، قال: فبينا أنا نائم إذ بخلق قد جاؤوني، فقلت: ما أنتم وما حاجتكم؟ قالوا: نحن أهل المقابر، قلت: ما حاجتكم؟ قالوا: إنك عودتنا منك هدية عند انصرافك إلى أهلك، قلت: وما هي؟ قالوا: الدعوات التي كنت تدعو بها، قال: قلت: فإني أعود لذلك، قال: فما تركتها بعد. وأبلغ من ذلك أن الميت يعلم بعمل الحي من أقاربه وإخوانه. قال عبد الله بن المبارك: حدثني ثور بن يزيد، عن إبراهيم، عن أيوب قال: تعرض أعمال الأحياء على الموتى، فإذا رأوا حسنًا فرحوا واستبشروا وإن رأوا سوءًا قالوا: اللَّهُمّ راجع به. وذكر ابن أبي الدنيا عن أحمد بن أبي الحواري قال: ثنا محمد أخي قال: دخل عباد بن عباد على إبراهيم بن صالح وهو على فلسطين فقال: عظني، قال: بم أعظك، أصلحك الله؟ بلغني أن أعمال الأحياء تعرض على أقاربهم من الموتى، فانظر ما يعرض على رسول الله ﷺ من عملك، فبكى إبراهيم حتى أخضل لحيته. قال ابن أبي الدنيا: وحدثني محمد بن الحسين، ثنا خالد بن عمرو الأموي، ثنا صدقة بن سليمان الجعفري قال: كانت لي شِرَّة سمجة، فمات أبي فتبت وندمت على ما فرطت، ثم زللت أيما زلة، فرأيت أبي في المنام، فقال: أي بني، ما كان أشد فرحي بك وأعمالك تعرض علينا، فنشبهها بأعمال الصالحين، فلما كانت هذه المرة استحييت لذلك حياء شديدًا، فلا تخزني فيمن حولي من الأموات، قال: فكنت أسمعه بعد ذلك يقول في دعائه في السحر، وكان جارًا لي بالكوفة: أسألك إيابة لا رجعة فيها ولا حور، يا مصلح الصالحين، ويا هادي المضلين، ويا أرحم الراحمين. وهذا باب فيه آثار كثيرة عن الصحابة، وكان بعض الأنصار من أقارب عبد الله بن رواحة، يقول: اللَّهم إني أعوذ بك من عمل أخزى به عند عبد الله بن رواحة، كان يقول ذلك بعد أن استشهد عبد الله. وقد شرع السلام على الموتى، والسلام على من لم يشعر ولا يعلم بالمسلم محال، وقد عَلَّم النبي ﷺ أمته إذا رأوا القبور أن يقولوا: "سلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية" (٢) فهذا

стр. 3377

السلام والخطاب والنداء لموجود يسمع ويخاطب ويعقل ويرد، وإن لم يسمع المسلم الرد، والله أعلم] (١). ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤)﴾. يُنبه تعالى على تنقل الإنسان في أطوار الخلق حالًا بعد حال، فأصله من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة، ثم يصير عظامًا، ثم تكسى العظام لحمًا، وينفخ فيه الروح، ثم يخرج من بطن أمه ضعيفًا نحيفًا واهن القوي، ثم يشبُّ قليلًا قليلًا حتى يكون صغيرًا، ثم حدثًا ثم مراهقًا شابًا. وهو القوة بعد الضعف، ثم يشرع في النقص فيكتهل ثم يشيخ ثم يهرم، وهو الضعف بعد القوة، فتضعف الهمَّة والحركة والبطش، وتشيب اللَّمة، وتتغير الصفات الظاهرة والباطنة، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: يفعل ما يشاء ويتصرف في عبيده بما يريد ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾. قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن فُضيل ويزيد، حدثنا فُضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي قال: قرأت على ابن عمر ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ ثم قال: قرأت على رسول الله ﷺ كما قرأتُ عليَّ، فأخذ عليَّ كما أخذتُ عليكَ (٢)، ورواه أبو داود والترمذي وحسنه من حديث فضيل (٣)، ورواه أبو داود من حديث عبد الله بن جابر، عن عطية، عن أبي سعيد بنحوه (٤). ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧)﴾. يخبر تعالى عن جهل الكفار في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا فعلوا من عبادة الأوثان، وفي الآخرة يكون منهم جهل عظيم أيضًا، فمنه إقسامهم بالله أنهم ما لبثوا غير ساعة واحدة في الدنيا، ومقصودهم بذلك عدم قيام الحجة عليهم وأنهم لم ينظروا حتى يعذر إليهم. قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ أي: فيردّ عليهم المؤمنون العلماء في الآخرة كما أقاموا عليهم حجة الله في الدنيا، فيقولون لهم حين يحلفون ما لبثوا غير ساعة ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي: في كتاب الأعمال ﴿إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ أي: من يوم خلقتم إلى أن بعثتم ﴿وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

стр. 3378

قال الله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم القيامة ﴿لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ﴾ أي: اعتذارهم عما فعلوا ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: ولا هم يرجعون إلى الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤]. ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾. يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي: قد بيَّنا لهم الحق، ووضحناه لهم، وضربنا لهم فيه الأمثال ليستبينوا الحق ويتبعوه ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾ أي: لو رأوا أي آية كانت، سواء كانت باقتراحهم أو غيره، لا يؤمنون بها ويعتقدون أنها سحر وباطل، كما قالوا في انشقاق القمر ونحوه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس] ولهذا قال ههنا: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩)﴾ ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: اصبر على مخالفتهم وعنادهم، فإن الله تعالى منجز لك ما وعدك من نصره إياك عليهم وجعله العاقبة لك ولمن اتبعك في الدنيا والآخرة ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ أي: بل أثبت على ما بعثك الله به، فإنه الحق الذي لا مرية فيه، ولا تعدل عنه وليس فيما سواه هدى يتبع، بل الحق كله منحصر فيه. قال سعيد عن قتادة: نادى رجل من الخوارج عليًا ﵁ وهو في صلاة الغداة، فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزمر] فأنصتَ له عليٌّ حتى فهم ما قال، فأجابه وهو في الصلاة ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ رواه ابن جرير وابن أبي حاتم (١). وقد رواه ابن جرير من وجه آخر فقال: حدثنا ابن وكيع، حدثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن عثمان بن أبي زرعة، عن علي بن ربيعة قال: نادى رجل من الخوارج عليًا ﵁ وهو في صلاة الفجر، فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزمر] فأجابه علي ﵁ وهو في الصلاة ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ (٢). طريق أخرى قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شريك، عن عمران بن ظبيان، عن أبي يحيى قال: صلى علي بن أبي طالب ﵁ صلاة الفجر، فناداه رجل من الخوارج ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] فأجابه علي ﵁ وهو في الصلاة ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ (٣).

стр. 3379

ما روي في فضل هذه السورة الشريفة واستحباب قراءتها في الفجر. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عبد الملك بن عمير، سمعت شبيب أبا روح يحدث عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ ، صلى بهم الصبح فقرأ فيها الروم فأوهم (١)، فقال: "إنه يُلبِّس علينا القرآن، فإن أقوامًا منكم يصلُّون معنا لا يحسنون الوضوء، فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء" (٢). وهذا إسناد حسن، ومتن حسن، وفيه سرٌّ عجيب، ونبأ غريب، وهو أنه ﷺ تأثر بنقصان وضوء من ائتم به، فدلَّ ذلك على أن صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام. والله أعلم. آخر تفسير سورة الروم. والحمد لله وحده.

стр. 3380

سُورَةُ لُقْمَانَ وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾. تقدم في سورة البقرة عامة الكلام على ما يتعلق بصدر هذه السورة، وهو أنه جعل هذا القرآن هدىً وشفاءً ورحمةً للمحسنين، وهم الذين أحسنوا العمل في اتباع الشريعة، فأقاموا الصلاة المفروضة بحدودها وأوقاتها وما يتبعها من نوافل راتبة وغير راتبة، وآتوا الزكاة المفروضة عليهم إلى مستحقيها، ووصلوا أرحامهم وقراباتهم، وأيقنوا بالجزاء في الدار الآخرة، فرغبوا إلى الله في ثواب ذلك لم يراؤوا به، ولا أرادوا جزاءًا من الناس ولا شكورًا، فمن فعل ذلك كذلك، فهو من الذين قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: على بصيرة وبيّنة ومنهج واضح جليّ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: في الدنيا والآخرة. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾. لما ذكر تعالى حال السعداء، وهم الذين يهتدون بكتاب الله وينتفعون بسماعه، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ [الزمر]، عطف بذكر حال الأشقياء الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام الله وأقبلوا على استماع المزامير والغناء بالألحان وآلات الطرب، كما قال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال: هو واللهِ الغناء. روى ابن جرير: حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب، أخبرني يزيد بن يونس، عن أبي صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير، عن أبي الصهباء البكري أنه سمع عبد الله بن مسعود وهو يُسأل عن هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فقال عبد الله بن مسعود: الغناء واللهِ الذي لا إله إلا هو، يردِّدها ثلاث مرات (١).

стр. 3381

حدثنا عمرو بن علي، حدثنا صفوان بن عيسى، أخبرنا حميد الخراط، عن عمار، عن سعيد بن جبير، عن أبي الصهباء أنه سأل ابن مسعود، عن قول الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال: الغناء (١)، وكذا قال ابن عباس وجابر وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومكحول وعمرو بن شعيب و [علي بن نديمة] (٢) (٣). وقال الحسن البصري: نزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ في الغناء والمزامير (٤). وقال قتادة: قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ والله لعله لا ينفق فيه مالًا، ولكن شراؤه استحبابه بحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق (٥)، وما يضر على ما ينفع (٦). وقيل: أراد بقوله: ﴿يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ اشتراء المغنيات من الجواري. قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، عن خلاد الصفار، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أُمامة، عن النبي ﷺ قال: "لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن وأكل أثمانهن حرام، وفيهن أنزل الله علي: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ "، وهكذا رواه الترمذي وابن جرير من حديث عبيد الله بن زحر بنحوه، ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب، وضعَّف علي بن يزيد المذكور (٧). (قلت): علي وشيخه والراوي عنه كلهم ضعفاء، والله أعلم. وقال الضحاك في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال: يعني الشرك (٨)، وبه قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٩). واختار ابن جرير أنه كلُّ كلام يصدُّ عن آيات الله واتباع سبيله (١٠).

стр. 3382

وقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: إنما يصنع هذا للتخالف للإسلام وأهله، وعلى قراءة فتح الياء (١) تكون اللام لام العاقبة أو تعليلًا للأمر القدري؛ أي: قيضوا لذلك ليكونوا كذلك. وقوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ قال مجاهد: ويتخذ سبيل الله هزوًا يستهزئ بها (٢). وقال قتادة: يعني ويتخذ آيات الله هزوًا (٣)، وقول مجاهد أولى. وقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي: كما استهانوا بآيات الله وسبيله أهينوا يوم القيامة في العذاب الدائم المستمر. ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ أي: هذا المقبل على اللّهو واللَّعب والطرب إذا تليت عليه الآيات القرآنية ولَّى عنها وأعرض وأدبر وتصامم، وما به من صمم، كأنه ما سمعها لأنه يتأذى بسماعها إذ لا انتفاع له بها ولا أرب له فيها، ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: يوم القيامة، يؤلمه كما تألم بسماع كتاب الله وآياته. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾. هذا ذكرُ مآل الأبرار من السعداء في الدار الآخرة، الذي آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، وعملوا الأعمال الصالحة التابعة لشريعة الله ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ أي: يتنعمون فيها بأنواع الملاذ والمسار من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمراكب والنساء والنضرة والسماع، الذي لم يخطر ببال أحد وهم في ذلك مقيمون دائمًا لا يظعنون دائمًا ولا يبغون عنها حولًا. وقوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ أي: هذا كائن لا محالة لأنه من وعد الله، والله لا يخلف الميعاد، لأنه الكريم المنَّان الفعَّال لما يشاء القادر على كل شيء ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الذي قهر كل شيء ودان له كل شيء ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أقواله وأفعاله، الذي جعل القرآن هدىً للمؤمنين ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤]. ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء] ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾. يبيِّن سبحانه [بهذا] (٤) قدرته العظيمة على خلق السماوات والأرض، وما فيها وما بينهما، فقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ قال الحسن وقتادة: ليس لها عمد مرئية ولا غير مرئية (٥).

стр. 3383

وقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد: لها عمد لا ترونها (١). وقد تقدم تقرير هذه المسألة في أول سورة الرعد بما أغنى عن إعادته: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ يعني: الجبال أرست الأرض وثقلتها لئلا تضطرب بأهلها على وجه الماء، ولهذا قال: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي: لئلا تميدَ بكم. وقوله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ أي: وذرأ فيها من أصناف الحيوانات مما لا يعلم عدد أشكالها وألوانها إلا الذي خلقها، ولما قرر سبحانه أنه الخالق نبّه على أنه الرازق بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ أي: من كل زوج من النبات كريم؛ أي: حسن المنظر. وقال الشعبي: والناس أيضًا من نبات الأرض، فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم. وقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ أي: هذا الذي ذكره الله تعالى من خلق السماوات والأرض وما بينهما صادر عن فعل الله وخلقه وتقديره، وحده لا شريك له في ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: مما تعبدون وتدعون من الأصنام والأنداد ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ﴾ يعني: المشركين بالله العابدين معه غيره ﴿فِي ضَلَالٍ﴾ أي: جهل وعمى ﴿مُبِينٍ﴾ أي: واضح ظاهر لا خفاء به. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢)﴾. اختلف السلف في لقمان: هل كان نبيًا أو عبدًا صالحًا من غير نبوة؟ على قولين، الأكثرون على الثاني. وقال سفيان الثوري، عن الأشعث، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان لقمان عبدًا حبشيًا نجارًا (٢). وقال قتادة: عن عبد الله بن الزبير: قلت لجابر بن عبد الله: ما انتهى إليكم من شأن لقمان؟ قال: كان قصيرًا أفطس من النوبة (٣) (٤). وقال يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب قال: كان لقمان من سودان مصر، ذا مشافر، أعطاه الله الحكمة ومنعه النبوة (٥). وقال الأوزاعي: حدثني عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء أسود إلى سعيد بن المسيب يسأله، فقال له سعيد بن المسيب: لا تحزن من أجل أنك أسود، فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من

стр. 3384

السودان: بلال ومهجع مولى عمر بن الخطاب، ولقمان الحكيم كان أسود نوبيًا ذا مشافر (١) وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، عن أبي الأشهب، عن خالد الربعي قال: كان لقمان عبدًا حبشيًا نجارًا، فقال له مولاه: اذبح لنا هذه الشاة، فذبحها، قال: أخرج أطيب مضغتين فيها، فأخرج اللسان والقلب، ثم مكث ما شاء الله، ثم قال: اذبح لنا هذه الشاة، فذبحها، وقال: أخرج أخبث مضغتين فيها فأخرج اللسان والقلب، فقال له مولاه: أمرتك أن تخرج أطيب مضغتين فيها، فأخرجتهما، وأمرتك أن تخرج أخبث مضغتين فيها، فأخرجتهما؟ فقال لقمان: إنه ليس من شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا (٢). وقال شعبة، عن الحكم، عن مجاهد: كان لقمان عبدًا صالحًا ولم يكن نبيًا (٣). وقال الأعمش: قال مجاهد: كان لقمان عبدًا أسود عظيم الشفتين، مشقق القدمين (٤). وقال [حكام بن سلِم] (٥)، عن سعيد الزبيدي، عن مجاهد: كان لقمان الحكيم عبدًا حبشيًا، غليظ الشفتين، مصفح القدمين، قاضيًا على بني إسرائيل، وذكر غيره أنه كان قاضيًا على بني إسرائيل في زمان داود ﵇ (٦). وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا الحكم، حدثنا عمرو بن قيس قال: كان لقمان عبدًا أسود، غليظ الشفتين، مصفح القدمين، فأتاه رجل وهو في مجلس ناس يحدثهم، فقال له: ألستَ الذي كنت ترعى معي الغنم في مكان كذا وكذا؟ قال: نعم، قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صِدقُ الحديث والصمتُ عما لا يعنيني (٧). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: إن الله رفع لقمان الحكيم بحكمته، فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك، فقال له: ألستَ عبد بني فلان الذي كنت ترعى بالأمس؟ قال: بلى، قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: قَدَرُ الله، وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وتركي ما لا يعنيني (٨). فهذه الآثار منها ما هو مصرح فيه بنفي كونه نبيًا، ومنها ما هو مشعر بذلك، لأن كونه عبدًا قد مسه الرقّ ينافي كونه نبيًا، لأن الرسل كانت تبعث في أحساب قومها، ولهذا كان جمهور السلف

стр. 3385

على أنه لم يكن نبيًا، وإنما ينقل كونه نبيًا عن عكرمة إن صحَّ السند إليه، فإنه رواه ابن جرير وقال ابن أبي حاتم من حديث وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة، قال: كان لقمان نبيًا (١)، وجابر هذا هو ابن يزيد الجعفي، وهو ضعيف، والله أعلم. وقال عبد الله بن وهب: أخبرني عبد الله بن عياش القتباني، عن عمر مولى غُفرة، قال: وقف رجل على لقمان الحكيم، فقال: أنت لقمان، أنت عبد بني الخشخاس؟ قال: نعم، قال: أنت راعي الغنم؟ قال: نعم، قال: أنت الأسود؟ قال: أما سوادي فظاهر، فما الذي يعجبك من أمري؟ قال: وطء الناس بساطك، وغشيهم بابك، ورضاهم بقولك. قال: يا ابن أخي إن صَغيت إلى ما أقول لك كنت كذلك، قال لقمان: غضّي بصري وكفّي لساني، وعفة طعمتي وحفظي فرجي، وقولي بصدق، ووفائي بعهدي، وتكرمتي ضيفي، وحفظي جاري وتركي ما لا يعنيني، فذاك الذي صيرني إلى ما ترى (٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا عمرو بن واقد، عن عبدة بن رباح، عن ربيعة، عن أبي الدرداء أنه قال يومًا وذكر لقمان الحكيم، فقال: ما أوتي ما أوتي عن أهل ولا مال ولا حسب ولا خصال، ولكنه كان رجلًا صمصامة سكيتًا، طويل التفكر، عميق النظر، لم ينم نهارًا قط، ولم يره أحد قط يبزق ولا يتنخع، ولا يبول ولا يتغوط، ولا يغتسل، ولا يعبث ولا يضحك، وكان لا يعيد منطقًا نطقه إلا أن يقول حكمة يستعيدها إياه أحد، وكان قد تزوج وولد أولاد، فماتوا فلم يبك عليهم، وكان يغشى السلطان ويأتي الحكام لينظر ويتفكر ويعتبر، فبذلك أوتي ما أوتي (٣). وقد ورد أثر غريب عن قتادة رواه ابن أبي حاتم فقال: حدثنا أبي، حدثنا العباس بن الوليد، حدثنا زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي، حدثنا سعيد، عن ابن بشير، عن قتادة قال: خيّر الله لقمان الحكيم بين النبوة والحكمة، فاختار الحكمة على النبوة، قال: فأتاه جبريل وهو نائم، فذر عليه الحكمة، أو رشَّ عليه الحكمة، قال: فأصبح ينطق بها، قال سعيد: فسمعت عن قتادة يقول: قيل للقمان: كيف اخترت الحكمة على النبوة، وقد خيّرك ربك؟ فقال: إنه لو أرسل إلي بالنبوة عزمة لرجوت فيه الفوز منه، ولكنت أرجو أن أقوم بها، ولكنه خيرني فخفت أن أضعف عن النبوة، فكانت الحكمة أحبَّ إلي (٤). فهذا من رواية سعيد بن بشير، وفيه ضعف قد تكلموا فيه بسببه، فالله أعلم، والذي رواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ أي: الفقه في الإسلام، ولم يكن نبيًا ولم يوح إليه (٥). وقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ أي: الفهم والعلم والتعبير ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ أي: أمرناه أن

стр. 3386

يشكر الله على ما آتاه الله ومنحه ووهبه من الفضل الذي خصصه به عمَّن سواه من أبناء جنسه وأهل زمانه، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي: إنما يعود نفع ذلك وثوابه على الشاكرين لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤]. وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أي: غني عن العباد لا يتضرر بذلك ولو كفر أهل الأرض كلهم جميعًا، فإنه الغني عما سواه، فلا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه. ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾. يقول تعالى مخبرًا عن وصية لقمان لولده، وهو لقمان بن عنقاء بن سدون، واسم ابنه ثاران في قول حكاه السهيلي (١)، وقد ذكره الله تعالى بأحسن الذكر، وأنه آتاه الحكمة، وهو يوصي ولده الذي هو أشفق الناس عليه وأحبهم إليه، فهو حقيق أن يمنحه أفضل ما يعرف ولهذا أوصاه أولًا بأن يعبد الله ولا يشرك به شيئًا، ثم قال محذرًا له ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ أي: هو أعظم الظلم. قال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شقَّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنه ليس بذاك، ألا تسمع إلى قول لقمان: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ". ورواه مسلم من حديث الأعمش (٢) به، ثم قرن بوصيته إياه بعبادة الله وحده البر بالوالدين، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وكثيرًا ما يقرن تعالى بين ذلك في القرآن، وقال ههنا: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾، قال مجاهد: مشقة وهن الولد (٣). وقال قتادة: جهدًا على جهد (٤). وقال عطاء الخراساني: ضعفًا على ضعف (٥). وقوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ أي: تربيته وإرضاعه بعد وضعه في عامين، كما قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَة﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ومن ههنا استنبط ابن عباس وغيره من الأئمة أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، لأنه قال في الآية الأخرى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] وإنما يذكر تعالى تربية الوالدة وتعبها ومشقتها في سهرها ليلًا ونهارًا، ليذكر الولد بإحسانها المتقدم إليه، كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾

стр. 3387

[الإسراء: ٢٤] ولهذا قال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ أي: فإني سأجزيك على ذلك أوفر جزاء. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الله بن أبي شيبة ومحمود بن غيلان قالا: حدثنا عبيد الله، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب قال: قدم علينا معاذ بن جبل، وكان بعثه النبي ﷺ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إني رسول رسول الله ﷺ إليكم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تطيعوني لا آلوكم خيرًا، وإن المصير إلى الله إلى الجنة أو إلى النار إقامة فلا ظعن، وخلود فلا موت (١). وقوله: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ أي: إن حرصا عليك كل الحرص على أن تتابعهما على دينهما فلا تقبل منهما ذلك، ولا يمنعك ذلك من أن تصاحبهما في الدنيا معروفًا؛ أي: محسنًا إليهما، ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ يعني: المؤمنين، ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال الطبراني في "كتاب العشرة": حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أحمد بن أيوب بن راشد، حدثنا مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند، أن سعد بن مالك قال: أنزلت في هذه الآية ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ الآية، قال: كنتُ رجلًا برًا بأُمي، فلما أسلمت قالت: يا سعد ما هذا الذي أراك قد أحدثت؟ لتدعن دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعيّر بي، فيقال: يا قاتل أُمه، فقلت: لا تفعلي يا أُمه، فإني لا أدع ديني هذا لشيء. فمكثت يومًا وليلة لم تأكل، فأصبحت قد جهدت، فمكثت يومًا وليلة أخرى لا تأكل، فأصبحت قد اشتد جهدها، فلما رأيت ذلك قلت: يا أمه تعلمين والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسًا نفسًا ما تركت ديني هذا لشيء، فإن شئت فكلي وإن شئت لا تأكلي، فأكلت (٢). ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾. هذه وصايا نافعة قد حكاها الله سبحانه عن لقمان الحكيم، ليمتثلها الناس ويقتدوا بها، فقال: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ أي: إن المظلمة أو الخطيئة لو كانت مثقال حبة من خردل، وجوَّز بعضهم أن يكون الضمير في قوله إنها ضمير الشأن والقصة، وجوَّز على هذا رفع مثقال، والأول أولى. وقوله : ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ أي: أحضرها الله يوم القيامة حين يضع الموازين القسط، وجازى عليها إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ

стр. 3388

نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ الآية [الأنبياء: ٤٧]. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة]، ولو كانت تلك الذرة محصنة محجبة في داخل صخرة صماء، أو غائبة ذاهبة في أرجاء السماوات والأرض، فإن الله يأتي بها، لأنه لا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ أي: لطيف العلم، فلا تخفى عليه الأشياء وإن دقت ولطفت وتضاءلت، ﴿خَبِيرٌ﴾ بدبيب النمل في الليل البهيم. وقد زعم بعضهم أن المراد بقوله: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ أنها صخرة تحت الأرضين السبع، وذكره السدي بإسناده ذلك المطروق، عن ابن مسعود وابن عباس وجماعة من الصحابة (١) إن صحَّ ذلك، ويروى هذا عن عطية العوفي وأبي مالك والثوري والمنهال بن عمرو وغيرهم (٢)، وهذا - والله أعلم - كأنه متلقى من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب، والظاهر - والله أعلم - أن المراد أن هذه الحبة في حقارتها لو كانت داخل صخرة، فإن الله سيبديها ويظهرها بلطيف علمه. كما قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ قال: "لو أن أحدكم يعمل في صخرة صمَّاء ليس لها باب ولا كوَّة لخرج عمله للناس كائنًا ما كان" (٣). ثم قال ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ أي: بحدودها وفروضها وأوقاتها، ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ أي: بحسب طاقتك وجهدك ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾، علم أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا بدّ أن يناله من الناس أذى، فأمره بالصبر. وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي: إن الصبر على أذى الناس لمن عزم الأمور وقوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ يقول: لا تعرض بوجهك عن الناس إذا كلمتهم أو كلموك احتقارًا منك لهم، واستكبارًا عليهم، ولكن ألن جانبك وابسط وجهك إليهم، كما جاء في الحديث: "ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط، وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيَّلة، والمخيَّلة لا يحبها الله" (٤). قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ يقول: لا تتكبر فتحقر عباد الله، وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك (٥)، وكذا روى العوفي وعكرمة عنه (٦).

стр. 3389

وقال مالك: عن زيد بن أسلم ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ لا تتكلم وأنت معرض (١)، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة ويزيد بن الأصم وأبي الجوزاء وسعيد بن جبير والضحاك وابن زيد وغيرهم (٢). وقال إبراهيم النخعي: يعني بذلك التشديق في الكلام (٣). والصواب القول الأول. وقال ابن جرير: وأصل الصعر داء يأخذ الإبل في أعناقها أو رؤوسها، حتى تلفت أعناقها عن رؤوسها، فشبه به الرجل المتكبر، ومنه قول عمرو بن حيي التغلبي. وكنا إذا الجبار صعَّر خَدَّه … أقمنا له من ميله فتقوَّما (٤) وقال أبو طالب في شعره: وكنا قديمًا لا نقر ظُلامة … إذا ما ثنوا صعر الرؤوس نقيمها (٥) وقوله: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ أي: خيلاء متكبرًا جبارًا عنيدًا، لا تفعل ذلك يبغضك الله، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي: مختال معجب في نفسه، فخور؛ أي: على غيره. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧)﴾ [الإسراء] وقد تقدم الكلام على ذلك في موضعه. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى، حدثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ثابت بن قيس بن شماس قال: ذكر الكبر عند رسول الله ﷺ فشدد فيه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾، فقال رجل من القوم: والله يا رسول الله إني لأغسل ثيابي فيعجبني بياضها، ويعجبني شراك نعلي، وعلاقة سوطي، فقال: "ليس ذلك الكبر، إنما الكبر أن تسفه الحق وتغمط الناس" (٦). ورواه من طريق أخرى بمثله، وفيه قصة طويلة، ومقتل ثابت ووصيته بعد موته. وقوله: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ أي: امش مقتصدًا مشيًا ليس بالبطيء المتثبط، ولا بالسريع المفرط، بل عدلًا وسطًا بين بين. وقوله: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ أي: لا تبالغ في الكلام ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه،

стр. 3390

ولهذا قال: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾، قال مجاهد وغير واحد: إن أقبح الأصوات لصوت الحمير (١)؛ أي: غاية من رفع صوته أنه يشبه بالحمير في علوه ورفعه، ومع هذا هو بغيض إلى الله تعالى، وهذا التشبيه في هذا بالحمير، يقتضي تحريمه وذمه غاية الذم، لأن رسول الله ﷺ قال: "ليس لنا مثل السوء العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه" (٢). وقال النسائي عند تفسير هذه الآية: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله، وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنها رأت شيطانًا" (٣). وقد أخرجه بقية الجماعة سوى ابن ماجه من طرق عن جعفر بن ربيعة به (٤)، وفي بعض الألفاظ: بالليل، فالله أعلم. فهذه وصايا نافعة جدًا، وهي من قصص القرآن عن لقمان الحكيم، وقد روي عنه من الحكم والمواعظ أشياء كثيرة، فلنذكر منها أنموذجًا ودستورًا إلى ذلك. قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا سفيان، أخبرني نهشل بن مجمع الضبي، [عن قزعة] (٥)، عن ابن عمر قال: أخبرنا رسول الله ﷺ قال: "إن لقمان الحكيم كان يقول: إن الله إذا استودع شيئًا حفظه" (٦). وروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن موسى بن سليمان، عن القاسم [بن مخيمرة] (٧) أن رسول الله ﷺ قال: "قال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بني إياك والتقنع، فإنه مخوفة بالليل مذمة بالنهار" (٨). وقال: حدثنا أبي حدثنا عمرو بن عثمان عن ضمرة، حدثنا السدي بن يحيى قال: قال لقمان لابنه: يا بني إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك (٩). وقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، أخبرنا ابن المبارك، حدثنا عبد الرحمن المسعودي، عن عون بن عبد الله قال: قال لقمان لابنه: يا بني إذا أتيت نادي قوم فارمهم بسهم الإسلام؛ يعني: السلام، ثم اجلس في ناحيتهم فلا تنطق حتى تراهم قد نطقوا، فإن أفاضوا في

стр. 3391

ذكر الله، فأجل سهمك معهم، وإن أفاضوا في غير ذلك فتحول عنهم إلى غيرهم (١). وقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن سعيد بن كثير بن دينار، حدثنا ضمرة، عن حفص بن عمر قال: وضع لقمان جرابًا من خردل إلى جانبه، وجعل يعظ ابنه وعظة ويخرج خردلة حتى نفذ الخردل، فقال: يا بني لقد وعظتك موعظة لو وعظها جبل تفطر، قال: فتفطر ابنه (٢). وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا يحيى بن عبد الباقي المصيصي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الحراني، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، حدثنا [أبين] (٣) بن سفيان المقدسي، عن خليفة بن سلام، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "اتخذوا السودان، فإن ثلاثة منهم من سادات أهل الجنة: لقمان الحكيم، والنجاشي، وبلال المؤذن" قال أبو القاسم الطبراني أراد الحبش (٤). فصل في الخمول والتواضع (٥) وذلك متعلق بوصية لقمان ﵇ لابنه. وقد جمع في ذلك الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا كتابًا مفردًا، ونحن نذكر منه مقاصده، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا عبد الله بن موسى المدني، عن أُسامة بن زيد بن حفص بن عبد الله بن أنس، عن جده أنس بن مالك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "رُبَّ أشعث ذي طمرين (٦) يصفح عن أبواب الناس إذا أقسم على الله لأبره" (٧). ثم رواه من حديث جعفر بن سليمان، عن ثابت، وعلي بن زيد، عن أنس، عن النبي ﷺ فذكره، وزاد: "منهم البراء بن مالك". وقال أبو بكر بن سهل التميمي: حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا نافع بن زيد، عن عياش بن عباس، عن عيسى بن عبد الرحمن، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر ﵁ أنه دخل المسجد، فإذا هو بمعاذ بن جبل يبكي عند قبر رسول الله ﷺ قال له: ما يبكيك يا معاذ؟ قال: حديث سمعته عن رسول الله ﷺ : سمعته يقول: "إن اليسير من الرياء شرك، وإن الله يحب الأتقياء الأخفياء الأثرياء، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، ينجون من كل غبراء مظلمة" (٨).

стр. 3392

حدثنا الوليد بن شجاع، حدثنا عثّام بن علي، عن حميد بن عطاء الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: "رُبَّ ذي طمرين لا يُؤبه له لو أقسم على الله لأبره، لو قال: اللَّهم إني أسألك الجنة لأعطاه الجنة، ولم يعطه من الدنيا شيئًا" (١). وقال أيضًا: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من أُمتي من لو أتى باب أحدكم يسأله دينارًا أو درهمًا أو فلسًا لم يعطه، ولو سأل الله الجنة لأعطاه إياها، ولو سأله الدنيا لم يعطه إياها، ولم يمنعها إياه لهوانه عليه، ذو طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره" (٢). وهذا مرسل من هذا الوجه. وقال أيضًا: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جعفر بن سليمان، حدثنا عوف قال: قال أبو هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من ملوك الجنة من هو أشعث أغبر ذو طمرين لا يؤبه له الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم، وإذا خطبوا النساء لم ينكحوا، وإذا قالوا لم ينصت لهم، حوائج أحدهم تتجلجل في صدره، لو قسم نوره يوم القيامة بين الناس لوسعهم" (٣). قال: وأنشدني عمر بن شبة، عن ابن عائشة، قال: قال عبد الله بن المبارك: ألا رُبَّ ذي طمرين في منزل غدا … زرابيه مبثوثةٌ ونَمَارقُهْ قد اطَّردتْ أنهاره حول قصره … وأشرق والتفَّت عليه حدائقُهْ (٤) وروي أيضًا من حديث عبيد الله بن زحر، عن [علي بن يزيد] (٥)، عن القاسم، عن أبي أُمامة مرفوعًا: "قال الله: من أغبط أوليائي عندي مؤمن خفيف الحاذ، ذو حظ من صلاة، أحسن عبادة ربه وأطاعه في السر، وكان غامضًا في الناس لا يشار إليه بالأصابع إن صبر على ذلك" قال: ثم أنفذ رسول الله ﷺ بيده، وقال: "عجلت منيته، وقل تراثه، وقلت بواكيه" (٦). وعن عبد الله بن عمرو قال: أحبُّ عباد الله إلى الله الغرباء، قيل: ومن الغرباء؟ قال: الفرارون بدينهم يجمعون يوم القيامة إلى عيسى ابن مريم (٧). وقال الفضيل بن عياض: بلغني أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ألم أنعم عليك؟ ألم

стр. 3393

أعطك؟ ألم أسترك؟ ألم … ألم … ألم أُخمل ذكرك؟ ثم قال الفضيل: إن استطعت ألا تعرف فافعل، وما عليك أن لا يثنى عليك، وما عليك أن تكون مذمومًا عند الناس محمودًا عند الله (١). وكان ابن مُحَيريز يقول: اللَّهم إني أسألك ذكرًا خاملًا (٢). وكان الخليل بن أحمد يقول: اللَّهم اجعلني عندك من أرفع خلقك، واجعلني في نفسي من أوضع خلقك. وعند الناس من أوسط خلقك (٣). باب ما جاء في الشهرة حدثنا أحمد بن عيسى المصري، حدثنا ابن وهب، عن عمر بن الحارث وابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سعد، عن أنس، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "حسب امرئ من الشر إلا من عصم الله أن يشير الناس إليه بالأصابع في دينه ودنياه، وإن الله لا ينظر إلى صوركم، ولكن إلى قلوبكم وأعمالكم" (٤). وروي مثله عن إسحاق بن البهلول، عن ابن أبي فديك، عن محمد بن عبد الواحد الأخنسي، عن عبد الواحد بن أبي كثير، عن جابر بن عبد الله مرفوعًا مثله (٥)، وروي عن الحسن مرسلًا نحوه فقيل للحسن: فإنه يشار إليك بالأصابع، فقال: إنما المراد من يشار إليه في دينه بالبدعة، وفي دنياه بالفسق (٦). وعن علي ﵁ قال: لا تبدأ لأن تشتهر، ولا ترفع شخصك لتذكر، وتعلّم واكتم، واصمت تسلم، تسر الأبرار وتغيظ الفجار (٧). وقال إبراهيم بن أدهم ﵀ ما صدق الله من أحبَّ الشهرة. وقال أيوب: ما صدق الله عبد إلا سره أن لا يشعر بمكانه (٨). وقال محمد بن العلاء: من أحبَّ الله أحب أن لا يعرفه الناس (٩).

стр. 3394

وقال سماك بن سلمة: إياك وكثرة الأخلاء (١). وقال أبان بن عثمان: إن أحببت أن يسلم إليك دينك فأقل من المعارف (٢). كان أبو العالية إذا جلس إليه أكثر من ثلاثة نهض وتركهم (٣). وقال: حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة، عن عوف، عن أبي رجاء قال: رأى طلحة قومًا يمشون معه فقال: ذباب طمع وفراش النار (٤). وقال ابن إدريس، عن هارون بن أبي عنترة، عن سليم بن حنظلة قال: بينا نحن حول أُبي إذ علاه عمر بن الخطاب بالدرَّة وقال: إنها مذلة للتابع وفتنة للمتبوع (٥). وقال ابن عون: عن الحسن: خرج ابن مسعود فاتبعه أناس، فقال: والله لو تعلمون ما أغلق عليه بابي ما اتبعني منكم رجلان (٦). وقال حماد بن زيد: كنا إذا مررنا على المجلس ومعنا أيوب فسلم، ردُّوا ردًّا شديدًا، فكان ذلك يغمه (٧). وقال عبد الرزاق، عن معمر: كان أيوب يطيل قميصه، فقيل له في ذلك، فقال: إن الشهرة فيما مضى كانت في طول القميص، واليوم في تشميره (٨). واصطنع مرة نعلين على حذو نعلي النبي ﷺ ، فلبسهما أيامًا ثم خلعهما، وقال: لم أر الناس يلبسونهما (٩). وقال إبراهيم النخعي: لا تلبس من الثياب ما يشهرك في الفقهاء ولا ما يزدريك السفهاء (١٠). وقال الثوري: كانوا يكرهون من الثياب الجياد التي يشتهر بها ويرفع الناس إليه فيها أبصارهم. والثياب الرديئة التي يحتقر فيها ويستذل دينه (١١). وحدثنا خالد بن خداش، حدثنا حماد، عن أبي حسنة صاحب الزيادي قال: كنا عند أبي قلابة إذ دخل عليه رجل عليه أكسية فقال: إياكم وهذا الحمار النهاق (١٢). وقال الحسن ﵀: إن قومًا جعلوا الكبر في قلوبهم والتواضع في ثيابهم، فصاحب الكساء

стр. 3395

بكسائه أعظم من صاحب المطرف بمطرفه (١) ما لهم تفاقدوا (٢). وفي بعض الأخبار أن موسى ﵇ قال لبني إسرائيل: ما لكم تأتوني عليكم ثياب الرهبان، وقلوبكم قلوب الذئاب، البسوا ثياب الملوك، وألينوا قلوبكم بالخشية. فصل في حسن الخلق قال أبو التياح: عن أنس ﵁: كان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خلقًا (٣). وعن عطاء، عن ابن عمر: قيل: يا رسول الله؛ أي: المؤمنين أفضل؟ قال: "أحسنهم خلقًا" (٤). وعن نوح بن عباد، عن ثابت، عن أنس مرفوعًا: "إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجات الآخرة وشرف المنازل، وإنه لضعيف العبادة، وإنه ليبلغ بسوء خلقه درك جهنم وهو عابد" (٥). وعن سنان بن هارون، عن حميد، عن أنس مرفوعًا: "ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة" (٦). وعن عائشة مرفوعًا: "إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة قائم الليل صائم النهار" (٧). وقال ابن أبي الدنيا: حدثني أبو مسلم عبد الرحمن بن يونس، حدثنا عبد الله بن إدريس، أخبرني أبي وعمي، عن جدي، عن أبي هريرة ﵁ سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال: "تقوى الله وحسن الخلق". وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار، فقال: "الأجوفان: الفم والفرج" (٨). وقال أُسامة بن شريك: كنت عند رسول الله ﷺ فجاءته الأعراب من كل مكان، فقالوا: يا رسول الله ما خير ما أعطي الإنسان؟ قال: "حسن الخلق" (٩). وقال يعلى بن سماك، عن أُم الدرداء، عن أبي الدرداء يبلغ به قال: ما شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق، وكذا رواه عطاء، عن أُم الدرداء به (١٠).

стр. 3396

وعن مسروق، عن عبد الله مرفوعًا: "إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا" (١). حدثنا عبد الله بن أبي بدر، حدثنا محمد بن عيسى، عن محمد بن أبي سارة، عن الحسن بن علي قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله ليعطي العبد على الثواب من حسن الخلق، كما يعطي المجاهد في سبيل الله يغدو عليه الأجر ويروح" (٢). وعن مكحول، عن أبي ثعلبة مرفوعًا: "إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني منزلًا في الجنة مساويكم أخلاقًا الثرثارون المتشدقون المتفيهقون" (٣). وعن أبي أويس، عن محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعًا: "ألا أخبركم بأكملكم إيمانًا أحاسنكم أخلاقًا الموطؤون أكنافًا (٤) الذين يؤلفون ويألفون" (٥). وقال الليث: عن يزيد بن عبد الله بن أُسامة، عن بكر بن أبي الفرات قال: قال رسول الله ﷺ : "ما حسّن الله خلق رجل وخلقه فتطعمه النار" (٦). وعن عبد الله بن غالب الحداني، عن أبي سعيد مرفوعًا: "خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق" (٧). وقال ميمون بن مهران: عن رسول الله ﷺ : "ما من ذنب أعظم عند الله من سوء الخل" (٨) وذلك أن صاحبه لا يخرج من ذنب إلا وقع في آخر. قال: حدثنا علي بن الجعد، حدثنا أبو المغيرة الأحمسي، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن رجل من قريش قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من ذنب أعظم عند الله من سوء الخلق، إن الخلق الحسن ليذيب الذنوب. كما تذيب الشمس الجليد، وإن الخلق السيء ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل" (٩). وقال عبد الله بن إدريس، عن أبيه، عن جده، عن أبي هريرة مرفوعًا: "إنكم لا تسعون الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط وجوه وحسن خلق" (١٠).

стр. 3397

وقال محمد بن سيرين: حسن الخلق عون على الدين (١). فصل في ذم الكبر قال علقمة: عن ابن مسعود رفعه: "لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة من كبر، ولا يدخل النار من في قلبه مثقال حبة من إيمان" (٢). وقال إبراهيم بن أبي عبلة: عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، أكبه الله على وجهه في النار" (٣). حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا أبو معاوية، عن عمر بن راشد، عن إياس بن سلمة، عن أبيه مرفوعًا: "لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب عند الله من الجبَّارين، فيصيبه ما أصابهم من العذاب" (٤). وقال مالك بن دينار: ركب سليمان بن داود ﵉ ذات يوم البساط في مائتي ألف من الإنس ومائتي ألف من الجن، فرفع حتى سمع تسبيح الملائكة في السماء، ثم خفضوه حتى مست قدمه ماء البحر، فسمعوا صوتًا لو كان في قلب صاحبكم مثقال ذرة من كبر لخسف به أبعد مما رفع (٥). حدثنا أبو خيثمة، حدثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: كان أبو بكر يخطبنا فيذكر بدء خلق الإنسان حتى إن أحدنا ليقذر نفسه فيقول: خرج من مجرى البول مرتين (٦). وقال الشعبي: من قتل اثنين فهو جبار، ثم تلا: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾ (٧) [القصص: ١٩]. وقال الحسن: عجبًا لابن آدم يغسل الخرء بيده في اليوم مرتين، ثم يتكبر يعارض جبار السماوات (٨). قال: حدثنا خالد بن خداش، حدثنا حماد بن زيد، عن علي بن زيد، عن الضحاك بن سفيان، فذكر حديث ضرب مثل الدنيا بما يخرج من ابن آدم (٩).

стр. 3398

وقال الحسن: عن [عتّي] (١) عن أُبي قال: إن مطعم ابن آدم ضرب مثلًا للدنيا وإن قزَّحه (٢) وملَّحه (٣). وقال محمد بن الحسين بن علي - من ولد علي ﵁: ما دخل قلب رجل شيء من الكبر، إلا نقص من عقله بقدر ذلك (٤). وقال يونس بن عبيد: ليس مع السجود كبر، ولا مع التوحيد نفاق. ونظر طاوس إلى عمر بن عبد العزيز وهو يختال في مشيته، وذلك قبل أن يستخلف، فطعن طاوس في جنبه بأصبعه، وقال: ليس هذا شأن من في بطنه خرء؟ فقال له كالمعتذر إليه: يا عمِّ لقد ضرب كل عضو مني على هذه المشية حتى تعلمتها (٥). قال أبو بكر بن أبي الدنيا: كانت بنو أُمية يضربون أولادهم حتى يتعلمون هذه المشية. فصل في الاختيال عن ابن أبي ليلى، عن ابن بُريدة، عن أبيه مرفوعًا: "من جرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه" (٦). ورواه عن إسحاق بن إسماعيل، عن سفيان بن زيد بن أسلم، عن ابن عمر مرفوعًا مثله (٧). وحدثنا محمد بن بكار، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جرَّ إزاره، وبينما رجل يتبختر في برديه أعجبته نفسه خسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة" (٨) وروى الزهري عن سالم، عن أبيه بينما رجل إلى آخره (٩). ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾. يقول تعالى منبهًا خلقه على نعمه عليهم في الدنيا والآخرة بأنه سخر لهم ما في السماوات من نجوم يستضيئون بها في ليلهم ونهارهم، وما يخلق فيها من سحاب وأمطار وثلج وبرد، وجعله

стр. 3399

إياها لهم سقفًا محفوظًا، وما خلق لهم في الأرض من قرار وأنهار وأشجار وزروع وثمار، وأسبغ عليهم نعمه الظاهرة والباطنة من إرسال الرسل وإنزال الكتب وإزاحة الشبه والعلل، ثم مع هذا كلِّه ما آمن الناس كلُّهم، بل منهم من [يجادل] (١) في الله؛ أي: في توحيده وإرساله الرسل ومجادلته في ذلك بغير علم، ولا مستند من حجة صحيحة، ولا كتاب مأثور صحيح، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ أي: مبين مضيء ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: لهؤلاء المجادلين في توحيد الله ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أي: على رسوله من الشرائع المطهرة ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ أي: لم يكن لهم حجة إلا اتباع الآباء الأقدمين، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠] أي: فما ظنكم أيها المحتجون بصنيع آبائهم أنهم كانوا على ضلالة وأنتم خَلَفٌ لهم فيما كانوا فيه، ولهذا قال تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾. ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾. يقول تعالى مخبرًا عمَّن أسلم وجهه [لله] (٢)؛ أي: أخلص له العمل وانقاد لأمره واتبع شرعه، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: في عمله باتباع ما به أمر، وترك ما عنه زجر ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ أي: فقد أخذ موثقًا من الله متينًا لا يعذبه. ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾ ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ أي: لا تحزن عليهم يا محمد في كفرهم بالله وبما جئت به، فإن قدر الله نافذ فيهم، وإلى الله مرجعهم فينبئهم بما عملوا؛ أي: فيجزيهم عليه ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ فلا تخفى عليه خافية، ثم قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا﴾ أي: في الدنيا ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ﴾ أي: نلجئهم ﴿إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ أي: فظيع صعب مشق على النفوس، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ [يونس]. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥) لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦)﴾. يقول تعالى مخبرًا عن هؤلاء المشركين به أنهم يعرفون أن الله خالق السماوات والأرض وحده لا شريك له، ومع هذا يعبدون معه شركاء يعترفون أنها خلق له وملك له، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أي: إذ قامت عليكم الحجة باعترافكم ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

стр. 3400

ثم قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: هو خلقه وملكه ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أي: الغني عما سواه. وكل شيء فقير إليه، الحميد في جميع ما خلق، له الحمد في السماوات والأرض على ما خلق وشرع، وهو المحمود في الأمور كلِّها. ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾. يقول تعالى مخبرًا عن عظمته وكبريائه وجلاله وأسمائه الحسنى وصفاته العُلا، وكلماته التامة التي لا يحيط بها أحد، ولا اطلاع لبشر على كنهها وإحصائها، كما قال سيد البشر وخاتم الرسل: "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" (١) فقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ أي: ولو أن جميع أشجار الأرض جعلت أقلامًا وجعل البحر مدادًا وأمده سبعة أبحر معه، فكتبت بها كلمات الله الدالة على عظمته وصفاته وجلاله لتكسرت الأقلام ونفذ ماء البحر، ولو جاء أمثالها مددًا. وإنما ذكرت السبعة على وجه المبالغة، ولم يرد الحصر ولا أن ثم سبعة أبحر موجودة محيطة بالعالم كما يقوله من تلقاه من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب، بل كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف]، فليس المراد بقوله: ﴿بِمِثْلِهِ﴾ آخر فقط بل بمثله ثم بمثله، ثم بمثله ثم هلم جرا، لأنه لا حصر لآيات الله وكلماته. قال الحسن البصري: لو جعل شجر الأرض أقلامًا، وجعل البحر مدادًا، وقال الله إن من أمري كذا ومن أمري كذا، لنفد ماء البحر وتكسرت الأقلام (٢). وقال قتادة: قال المشركون: إنما هذا كلام يوشك أن ينفد، فقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ أي: لو كان شجر الأرض أقلامًا ومع البحر سبعة أبحر ما كان لتنفد عجائب ربي وحكمته وخلقه وعلمه (٣). وقال الربيع بن أنس: إن مثل علم العباد كلهم في علم الله كقطرة من ماء البحور كلها، وقد أنزل الله ذلك ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ الآية، يقول: لو كان البحر مدادًا لكلمات الله، والأشجار كلها أقلامًا، لانكسرت الأقلام وفني ماء البحر، وبقيت كلمات الله قائمة لا يفنيها شيء، لأن أحدًا لا يستطيع أن يقدر قدره ولا يثني كما ينبغي، حتى يكون هو الذي يثني على نفسه إن ربنا كما يقول وفوق ما نقول. وقد روي أن هذه الآية نزلت جوابًا لليهود.
следующие страницы →