← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

ومما يؤيد ذلك الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه، والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من رواية حيوة بن شريح المصري، عن أبي هانئ حميد بن هانئ، عن عمرو بن مالك أبي علي الجنبي، عن فُضالة بن عُبيد ﵁ قال: سمع رسول الله ﷺ رجلًا يدعو في صلاته لم يمجد الله ولم يصلِّ على النبي، فقال رسول الله ﷺ : "عَجِلَ هذا" ثم دعاه فقال له أو لغيره: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد الله والثناء عليه، ثم ليصلِّ على النبي ثم ليدع بعد بما شاء" (١). وكذا الحديث الذي رواه ابن ماجه من رواية عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، ولا صلاة لمن لم يصل على النبي، ولا صلاة لمن لم يحب الأنصار" (٢) ولكن عبد المهيمن هذا متروك وقد رواه الطبراني من رواية أخيه أُبي بن عباس، ولكن في ذلك نظر، وإنما يعرف من رواية عبد المهيمن، والله أعلم. حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا إسماعيل، عن أبي داود الأعمى، عن بُريدة قال: قلنا يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: "قولوا: اللَّهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد، كما جعلتها على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد" (٣). أبو داود الأعمى اسمه نفيع بن الحارث، متروك. حديث آخر موقوف: رويناه من طريق سعيد بن منصور ويزيد بن هارون وزيد بن الحباب، ثلاثتهم عن نوح بن قيس، حدثنا سلامة الكندي أن عليًا ﵁ كان يعلّم الناس هذا الدعاء: اللَّهم داحي المدحوات (٤)، وبارئ المسموكات (٥)، وجبار (٦) القلوب على فطرتها: شقيها وسعيدها، اجعل شرائف صلواتك، ونوامي بركاتك، ورأفة [تحننك] (٧) على محمد عبدك ورسولك الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق، والمعلن الحق بالحق، والدامغ لجيشات الأباطيل، كما حمل فاضطلع (٨) بأمرك لطاعتك، مستوفزًا (٩) [في] (١٠) مرضاتك، غير نكل في قدم، ولا واهن في

стр. 3502

عزم. داعيًا بوحيك، حافظًا لعهدك، ماضيًا على نفاذ أمرك حتى أورى قبسًا لقابس، آلاء الله تصل بأهله أسبابه، به هديت القلوب بعد خوضات الفتن والإثم، وأبهج موضحات الأعلام، ونائرات الأحكام، ومنيرات الإسلام، فهو أمينك المأمون، وخازن علمك المخزون، وشهيدك يوم الدين، وبعيثك نعمة، ورسولك بالحق رحمة، اللَّهم افسح له في عدنك، واجزه مضاعفات الخير من فضلك، مهنآت غير مكدرات، من فوز ثوابك المحلول وجزيل عطائك المجمول، اللَّهم أعل على بناء البانين بنيانه. وأكرم مثواه لديك ونزله، وأتمم له نوره واجزه من ابتعاثك له مقبول الشهادة، مرضي المقالة ذا منطق عدل، وخطة فصل، وحجة وبرهان عظيم (١). هذا مشهور من كلام علي ﵁، وقد تكلم عليه ابن قتيبة في مشكل الحديث، وكذا أبو الحسين أحمد بن فارس اللغوي في جزء جمعه في فضل الصلاة على النبي ﷺ إلا أن في إسناده نظرًا. قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: سلامة الكندي هذا ليس بمعروف ولم يدرك عليًا، كذا قال: وقد روى الحافظ أبو القاسم الطبراني هذا الأثر عن محمد بن علي الصائغ، عن سعيد بن منصور، حدثنا نوح بن قيس، عن سلامة الكندي قال: كان علي ﵁ يعلمنا الصلاة على النبي ﷺ فيقول: اللَّهم داحي المدحوات، وذكره. حديث آخر موقوف: قال ابن ماجه: حدثنا الحسين بن بيان، حدثنا زياد بن عبد الله، حدثنا المسعودي، عن عون بن عبد الله، عن أبي فاختة، عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إذا صليتم على رسول الله ﷺ ، فأحسنوا الصلاة عليه، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه، قال: فقالوا له علمنا، قال: قولوا: اللَّهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، محمد عبدك ورسولك، إمام الخير وقائد الخير، ورسول الرحمة، اللَّهم ابعثه مقامًا محمودًا يغبطه به الأولون والآخرون، اللَّهم صلِّ على محمد وعلى آله محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللَّهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد (٢)، وهذا موقوف، وقد روى إسماعيل القاضي عن عبد الله بن عمرو أو عمر على الشك من الراوي قريبًا من هذا (٣). حديث آخر: قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا أبو إسرائيل، عن يونس بن خباب قال: خطبنا بفارس فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ فقال: أنبأني من سمع ابن عباس يقول: هكذا أنزل،

стр. 3503

فقلنا: أو قالوا يا رسول الله علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ قال: "اللَّهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وارحم محمدًا وآل محمد، كما رحمت آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد" (١). فيستدل بهذا الحديث من ذهب إلى جواز الترحم على النبي ﷺ كما هو قول الجمهور، ويعضده حديث الأعرابي الذي قال: اللَّهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فقال رسول الله ﷺ : "لقد حجرت واسعًا" (٢). وحكى القاضي عياض عن جمهور المالكية منعه، قال: وأجازه أبو محمد بن أبي زيد. حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، أخبرنا شعبة، عن عاصم بن عبيد الله قال: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يحدث عن أبيه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من صلى علي صلاة، لم تزل الملائكة تصلي عليه ما صلى علي، فليُقلَّ عبدٌ من ذلك أو ليُكثر" (٣). ورواه ابن ماجه من حديث شعبة به (٤). حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سلمة منصور بن سلمة الخزاعي ويونس هو ابن محمد، قالا: حدثنا ليث، عن يزيد بن الهاد، عن عمرو بن أبي عمر، عن أبي الحويرث، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن عبد الرحمن بن عوف قال: خرج رسول الله ﷺ ، فاتبعته حتى دخل نخلًا، فسجد فأطال السجود حتى خفت أو خشيت أن يكون قد توفاه الله أو قبضه، قال فجئت أنظر فرفع رأسه فقال: "ما لك يا عبد الرحمن؟ " قال: فذكرت ذلك له فقال: "إن جبريل ﵇ قال لي: ألا أبشرك إن الله يقول: من صلى عليكَ صليتُ عليه، ومن سلم عليكَ سلمتُ عليه" (٥). طريق آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا سليمان بن بلال، حدثنا عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الواحد بن محمد بن عبد الرحمن بن عوف، عن عبد الرحمن بن عوف قال: قام رسول الله ﷺ فتوجه نحو صدقته، فدخل فاستقبل القبلة، فخر ساجدًا فأطال السجود حتى ظننت أن الله قد قبض نفسه فيها، فدنوت منه ثم جلست، فرفع رأسه فقال: "من هذا؟ " قلت: عبد الرحمن. قال: "ما شأنك؟ " قلت: يا رسول الله سجدت سجدة خشيت أن يكون الله قبض روحك فيها، فقال: "إن جبريل أتاني فبشرني أن الله يقول لك: من صلى عليكَ صليتُ عليه، ومن سلم عليكَ سلمتُ عليه، فسجدت لله شكرًا" (٦). ورواه إسماعيل بن إسحاق القاضي في كتابه عن يحيى بن عبد الحميد، عن الدراوردي، عن عمرو بن

стр. 3504

عبد الواحد، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف به، ورواه من وجه آخر عن عبد الرحمن. حديث آخر: قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الرحيم بن بحير بن عبد الله بن معاوية بن بحير بن ريسان، حدثنا يحيى بن أيوب، حدثني عبد الله بن عمر، عن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ لحاجة فلم يجد أحدًا يتبعه، ففزع عمر فأتاه بمطهرة من خلفه، فوجد النبي ﷺ ساجدًا في مشربة، فتنحى عنه من خلفه حتى رفع النبي ﷺ رأسه، فقال: "أحسنت يا عمر حين وجدتني ساجدًا فتنحيت عني، إن جبريل أتاني فقال: من صلى عليك من أمتك واحدة صلى الله عليه عشر صلوات ورفعه عشر درجات" (١). وقد اختار هذا الحديث الحافظ الضياء المقدسي في كتابه المستخرج على الصحيحين (٢)، وقد رواه إسماعيل القاضي عن القعنبي عن سلمة بن وردان، عن أنس، عن عمر بنحوه ورواه أيضًا عن يعقوب بن حميد، عن أنس بن عياض، عن سلمة بن وردان، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر بن الخطاب بنحوه (٣). حديث آخر: قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا بندار، حدثنا محمد بن خالد بن عثمة، حدثني موسى بن يعقوب الزمعي، حدثني عبد الله بن كيسان أن عبد الله بن شداد أخبره عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة" تفرد بروايته الترمذي ﵀، ثم قال: هذا حديث حسن غريب (٤). حديث آخر: قال إسماعيل القاضي: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن يعقوب بن زيد بن طلحة قال: قال رسول الله ﷺ : "أتاني آت من ربي فقال لي: ما من عبد يصلي عليك صلاة إلا صلى الله عليه بها عشرًا" فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله ألا أجعل نصف دعائي لك؟ قال: "إن شئت". قال: ألا أجعل ثلثي دعائي لك؟ قال: "إن شئت". قال: ألا أجعل دعائي لك كله. قال: "إذن يكفيك الله همَّ الدنيا وهمَّ الآخرة" فقال شيخ كان بمكة يقال له منيع لسفيان عمَّن أسنده: لا أدري (٥). حديث آخر: قال إسماعيل القاضي: حدثنا سعيد بن سلام العطار، حدثنا سفيان الثوري، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أُبي بن كعب، عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يخرج في جوف الليل فيقول: "جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه" فقال أُبي:

стр. 3505

يا رسول الله إني أصلي من الليل، أفأجعل لك ثلث صلاتي؟ قال رسول الله ﷺ : "الشطر". قال: أفأجعل لك شطر صلاتي؟ قال رسول الله ﷺ : "الثلثان". قال: أفأجعل لك صلاتي كلها؟ قال: "إذن يغفر لك الله ذنبك كله" (١). وقد رواه الترمذي بنحوه، فقال: حدثنا هناد، حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أُبي بن كعب، عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ثلثا الليل، قام فقال: "يا أيها الناس اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه" قال أُبي: قلت يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: "ما شئت" قلت: الربع؟ قال: "ما شئت، فإن زدت فهو خير لك" قلت: فالنصف؟ قال: "ما شئت، فإن زدت فهو خير لك". قلت فالثلثين؟ قال: "ما شئت، فإن زدت فهو خير لك" قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: "إذن تكفي همك، ويغفر لك ذنبك" ثم قال: هذا حديث حسن (٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أُبي، عن أبيه قال: قال رجل: يا رسول الله أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك؟ قال: "إذن يكفيك الله ما أهمك من دنياك وآخرتك" (٣). حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت بن سليمان مولى الحسن بن علي، عن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبيه أن رسول الله ﷺ جاء ذات يوم والسرور يرى في وجهه، فقالوا: يا رسول الله إنا لنرى السرور في وجهك، فقال: "إنه أتاني الملك فقال: يا محمد أما يرضيك أن ربك يقول: إنه لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرًا، ولا يسلم عليك أحد من أُمتك إلا سلمت عليه عشرًا، قال: بلى" (٤). ورواه النسائي من حديث حماد بن سلمة به (٥)، وقد رواه إسماعيل القاضي، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه، عن سليمان بن بلال، عن عبيد الله بن عمر، عن ثابت، عن أنس، عن أبي طلحة بنحوه (٦). طريق أخرى: قال الإمام أحمد: حدثنا سُريج، حدثنا أبو معشر، عن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن أبي طلحة الأنصاري قال: أصبح رسول الله ﷺ يومًا طيب النفس يرى في وجهه البشر، قالوا: يا رسول الله أصبحت اليوم طيب النفس يرى في وجهك البشر، قال: "أجل أتاني آت من ربي فقال: من صلى عليك من أُمتك صلاة، كتب الله له بها عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وردَّ عليه مثلها" (٧). وهذا أيضًا إسناد جيد، ولم يخرجوه.

стр. 3506

حديث آخر: روى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه بها عشرًا" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف وعامر بن ربيعة وعمار وأبي طلحة وأنس وأُبي بن كعب (١). وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا شريك، عن ليث، عن كعب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "صلوا علي، فإنها زكاة لكم وسلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في أعلى الجنة، ولا ينالها إلا رجل، وأرجو أن أكون أنا هو" (٢) تفرد به أحمد. وقد رواه البزار من طريق مجاهد، عن أبي هريرة بنحوه، فقال: حدثنا محمد بن إسحاق البكالي، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا [ذوَّاد بن علبة] (٣)، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "صلوا علي فإنها زكاة لكم، وسلوا الله لي الدرجة الوسيلة من الجنة" فسألناه أو أخبرنا فقال: "هي درجة في أعلى الجنة، وهي لرجل، وأرجو أن أكون ذلك الرجل" في إسناده بعض من تكلم فيه (٤). حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، عن عبد الرحمن بن [مُريح] (٥) الخولاني، سمعت أبا قيس مولى عمرو بن العاص، سمعت عبد الله بن عمرو يقول: من صلَّى على رسول الله ﷺ صلاة صلى الله عليه وملائكته بها سبعين صلاة، فليقل عبد من ذلك أو ليكثر، وسمعت عبد الله بن عمرو يقول: خرج علينا رسول الله ﷺ يومًا كالمودع فقال: "أنا محمد النبي الأمي - قاله ثلاث مرات - ولا نبي بعدي، أوتيت فواتح الكلام وخواتمه وجوامعه، وعلمت كم خزنة النار وحملة العرش وتجوز بي، عوفيت وعوفيت أمتي، فاسمعوا وأطيعوا ما دمت فيكم، فإذا ذهب بي فعليكم بكتاب الله، أحلوا حلاله وحرموا حرامه" (٦). حديث آخر: قال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو سلمة الخراساني، حدثنا أبو إسحاق، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "من ذكرت عنده فليصلِّ عليَّ، ومن صلى عليَّ مرة واحدة صلى الله عليه عشرًا" (٧). ورواه النسائي في اليوم والليلة من حديث أبي داود الطيالسي، عن أبي سلمة وهو المغيرة بن مسلم الخراساني، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن أنس به (٨).

стр. 3507

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا يونس بن عمرو يعني: يونس بن أبي إسحاق، عن بُريد بن أبي مريم، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات، وحطَّ عنه عشر خطيئات" (١). حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الملك بن عمرو وأبو سعيد، قالا: حدثنا سليمان بن بلال، عن عمارة بن [غزية] (٢)، عن عبد الله بن علي بن الحسين، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "البخيل من ذكرت عنده ثم لم يُصلّ عليَّ" وقال أبو سعيد: "فلم يصلِّ عليَّ" (٣) ورواه الترمذي من حديث سليمان بن بلال، ثم قال: هذا حديث حسن غريب صحيح (٤)، ومن الرواة من جعله من مسند الحسين بن علي، ومنهم من جعله من مسند علي نفسه. حديث آخر: قال إسماعيل القاضي: حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة، عن معبد بن بلال العنزي، حدثني رجل من أهل دمشق، عن عوف بن مالك، عن أبي ذرٍّ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أبخل الناس من ذكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ" (٥). حديث آخر مرسل: قال إسماعيل: وحدثنا سليمان بن حرب، حدثنا جرير بن حازم، سمعت الحسن يقول: قال رسول الله ﷺ : "بحسب امرئ من البخل أن أذكر عنده فلا يصلي عليَّ" (٦). حديث آخر: قال الترمذي: حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا ربعي بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "رَغُمَ أنف رجل ذكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ، ورَغُمَ أنف رجل دخل عليه شهر رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورَغُمَ أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة" ثم قال: حسن غريب (٧). قلت: وقد رواه البخاري في الأدب عن محمد بن عبيد الله: حدثنا ابن أبي حازم، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة مرفوعًا بنحوه، ورويناه من حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به. قال الترمذي: وفي الباب عن جابر وأنس (٨).

стр. 3508

قلت: وابن عباس وكعب بن عجرة، وقد ذكرت طرق هذا الحديث في أول كتاب الصيام عند قوله: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ (١) [الإسراء: ٢٣]، وهذا الحديث والذي قبله دليل على وجوب الصلاة على النبي ﷺ كما ذكر، وهو مذهب طائفة من العلماء منهم الطحاوي والحليمي، ويتقوى بالحديث الآخر الذي رواه ابن ماجه: حدثنا جبارة بن المغلس، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من نسي الصلاة علي أخطأ طريق الجنة" (٢) جبارة ضعيف، ولكن رواه إسماعيل القاضي من غير وجه عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر قال: قال رسول الله: "من نسي الصلاة عليَّ أخطأ طريق الجنة" وهذا مرسل يتقوى بالذي قبله، والله أعلم. وذهب آخرون إلى أنه تجب الصلاة عليه في المجلس مرة واحدة، ثم لا تجب في بقية ذلك المجلس، بل تستحب، نقله الترمذي عن بعضهم، ويتأيد بالحديث الذي رواه الترمذي: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم تِرة (٣) يوم القيامة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم" (٤) تفرد به الترمذي من هذا الوجه، ورواه الإمام أحمد، عن حجاج ويزيد بن هارون كلاهما عن ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة مرفوعًا مثله (٥)، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن. وقد روي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ من غير وجه. وقد رواه إسماعيل القاضي من حديث شعبة، عن سليمان، عن ذكوان، عن أبي سعيد قال: "ما من قوم يقعدون ثم يقومون ولا يصلون على النبي ﷺ إلا كان عليهم يوم القيامة حسرة وإن دخلوا الجنة لما يرون من الثواب" (٦). وحكي عن بعضهم أنه إنما تجب الصلاة عليه، ﵊، في العمر مرة واحدة امتثالًا لأمر الآية. ثم هي مستحبة في كل حال، وهذا هو الذي نصره القاضي عياض بعدما حكى الإجماع على وجوب الصلاة عليه ﷺ في الجملة. قال: وقد حكى الطبري أن محمل الآية على الندب وادّعى فيه الإجماع. قال: ولعله فيما زاد على المرة والواجب فيه مرة كالشهادة له بالنبوة، وما زاد على ذلك فمندوب ومرغب فيه من سنن الإسلام وشعار أهله. (قلت): وهذا قول غريب، فإنه قد ورد الأمر بالصلاة عليه في أوقات كثيرة، فمنها واجب ومنها مستحب على ما نبينه.

стр. 3509

فمنه بعد النداء للصلاة للحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، حدثنا كعب بن علقمة أنه سمع عبد الرحمن بن جبير يقول: إنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا سمعتم مؤذنًا فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا علي فإنه من صلى عليَّ صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلَّت عليه الشفاعة" وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث كعب بن علقمة (١). طريق أخرى: قال إسماعيل القاضي: حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا عمر بن علي بن أبي بكر الجشمي، عن صفوان بن سليم، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "من سأل الله لي الوسيلة حقَّت عليه شفاعتي يوم القيامة" (٢). حديث آخر: قال إسماعيل القاضي، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا سعيد بن زيد، عن ليث، عن كعب الأحبار، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صلوا علي فإن صلاتكم عليَّ زكاة لكم، وسلوا الله لي الوسيلة" قال: فإما حدثنا وإما سألناه، قال: "الوسيلة أعلى درجة في الجنة لا ينالها إلا رجل، وأرجو أن أكون أنا ذلك الرجل" ثم رواه عن محمد بن أبي بكر، عن معتمر، عن ليث وهو ابن أبي سُليم (٣) به، وكذا الحديث الآخر. قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا بكر بن سوادة عن زياد بن نعيم، عن [وفاء] الحضرمي (٤)، عن رويفع بن ثابت الأنصاري أن رسول الله ﷺ قال: "من صلى على محمد وقال: اللَّهم أنزله المقعد المقرب عندك يوم القيامة وجبت له شفاعتي" (٥). وهذا إسناد لا بأس به ولم يخرجوه. أثر آخر: قال إسماعيل القاضي: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثني معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، سمعت ابن عباس يقول: اللَّهم تقبل شفاعة محمد الكبرى وارفع درجته العليا، وأعطه سؤله في الآخرة والأولى، كما آتيت إبراهيم وموسى ﵉ (٦). إسناد جيد قوي صحيح. ومن ذلك عند دخول المسجد والخروج منه للحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا ليث بن أبي سُليم، عن عبد الله بن الحسن، عن أُمه فاطمة بنت

стр. 3510

الحسين، عن جدته فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم، ثم قال: "اللَّهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك"، وإذا خرج صلى على محمد وسلم، ثم قال: "اللَّهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك" (١). وقال إسماعيل القاضي: حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا سفيان بن عمر التميمي، عن سليمان الضبي، عن علي بن الحسين قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: إذا مررتم بالمساجد فصلوا على النبي ﷺ (٢). وأما الصلاة عليه ﷺ في الصلاة، فقد قدمنا الكلام عليها في التشهد الأخير ومن ذهب إلى ذلك من العلماء، منهم الشافعي ﵀ وأكرمه، وأحمد، وأما التشهد الأول فلا يجب فيه قولًا واحدًا وهل تستحب؟ على قولين للشافعي، ومن ذلك الصلاة عليه ﷺ في صلاة الجنازة، فإن السُّنَّة أن يقرأ في التكبيرة الأولى فاتحة الكتاب، وفي الثانية يصلي على النبي ﷺ ، وفي الثالثة يدعو للميت، وفي الرابعة يقول اللَّهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده. قال الشافعي ﵀: حدثنا مطرف بن مازن، عن معمر، عن الزهري، أخبرني أبو أُمامة بن سهل بن حنيف أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﷺ أن السُّنَّة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرًا في نفسه، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ويخلص الدعاء للجنازة، وفي التكبيرات لا يقرأ في شيء منها، ثم يسلم سرًا في نفسه (٣). ورواه النسائي عن أبي أُمامة نفسه أنه قال من السُّنَّة، فذكره (٤)، وهذا من الصحابي في حكم المرفوع على الصحيح. ورواه إسماعيل القاضي عن محمد بن المثنى، عن عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن أبي أُمامة بن سهل، عن سعيد بن المسيب أنه قال: السُّنَّة في الصلاة على الجنازة، فذكره (٥). وهكذا روي عن أبي هريرة وابن عمر والشعبي، ومن ذلك في صلاة العيد قال إسماعيل القاضي: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام الدستوائي، حدثنا حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، أن ابن مسعود وأبا موسى وحذيفة، خرج عليهم الوليد بن عقبة يومًا قبل العيد فقال لهم: إن هذا العيد قد دنا فكيف التكبير فيه؟ قال عبد الله: تبدأ فتكبر تكبيرة تفتتح بها الصلاة وتحمد ربك، وتصلي على النبي ﷺ ، ثم تدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تقرأ ثم تكبر وتركع، ثم تقوم فتقرأ وتحمد ربك وتصلي

стр. 3511

على النبي ﷺ ، ثم تدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك ثم تركع، فقال حذيفة وأبو موسى: صدق أبو عبد الرحمن (١)، إسناد صحيح. ومن ذلك أنه يستحب ختم الدعاء بالصلاة عليه ﷺ قال الترمذي: حدثنا أبو داود، حدثنا النضر بن شميل، عن أبي قرة الأسدي، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب قال: الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيِّك (٢). وكذا رواه أيوب بن موسى، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب. ورواه معاذ بن الحارث، عن أبي قرة، عن سعيد بن المسيب، عن عمر مرفوعًا، وكذا رواه رزين بن معاوية في كتابه مرفوعًا عن النبي ﷺ قال: "الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد حتى يُصلى عليَّ، فلا تجعلوني كغُمَر الراكب (٣)، صلوا عليَّ أول الدعاء وآخره وأوسطه" (٤)، وهذه الزيادة إنما تُروى من رواية جابر بن عبد الله في مسند الإمام عبد بن حميد الكشي حيث قال: حدثنا جعفر بن عون، أخبرنا موسى بن عبيدة، عن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه قال: قال جابر: قال لنا رسول الله ﷺ : "لا تجعلوني كقدح الراكب إذا علق تعاليقه أخذ قدحه فملأه من الماء، فإذا كان له حاجة في الوضوء توضأ، وإن كان له حاجة في الشرب شرب وإلا أهرق ما فيه، اجعلوني في أول الدعاء وفي وسط الدعاء وفي آخر الدعاء" (٥). وهذا حديث غريب، وموسى بن عبيدة ضعيف الحديث. ومن آكد ذلك دعاء القنوت لما رواه أحمد وأهل السنن وابن خزيمة وابن حبان والحاكم من حديث أبي الجوزاء، عن الحسن بن علي ﵄ قال: علّمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر: اللَّهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعزُّ من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، وزاد النسائي في سننه بعد هذا وصلى الله على محمد (٦). ومن ذلك أنه يستحب الإكثار من الصلاة عليه يوم الجمعة وليلة الجمعة. قال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن علي الجعفي، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي

стр. 3512

الأشعث الصنعاني، عن أوس الثقفي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أفضل أيامكم يوم الجمعة، وفيه خلق آدم وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليَّ" قالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أَرمتَ؟ يعني: وقد بليتَ، قال: "إن الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" (١). ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث حسين بن علي الجعفي (٢). وقد صحح هذا الحديث ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والنووي في "الأذكار". حديث آخر: قال أبو عبد الله ابن ماجه: حدثنا عمرو بن سواد المصري، حدثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أيمن، عن عُبادة بن نسي، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة، وإن أحدًا لا يصلي عليَّ فيه إلا عرضت عليَّ صلاته حتى يفرغ منها" قال: قلت وبعد الموت؟ قال: "إن الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء فنبي الله حيُّ يرزق" (٣). هذا حديث غريب من هذا الوجه وفيه انقطاع بين عبادة بن نسي وأبي الدرداء فإنه لم يدركه، والله أعلم. وقد روى البيهقي من حديث أبي أُمامة (٤) وابن مسعود عن النبي ﷺ في الأمر بالإكثار من الصلاة عليه ليلة الجمعة ويوم الجمعة، ولكن في إسنادهما ضعف، والله أعلم. وروي مرسلًا عن الحسن البصري. قال إسماعيل القاضي: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا جرير بن حازم، سمعت الحسن البصري فقال رسول الله ﷺ : "لا تأكل الأرض جسد من كلمه روح القدس" (٥). مرسل حسن. وقال الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، أخبرنا صفوان بن سليم أن النبي ﷺ قال: "إذا كان يوم الجمعة وليلة الجمعة، فأكثروا الصلاة عليَّ" (٦) هذا مرسل، وهكذا يجب على الخطيب أن يصليَّ على النبي ﷺ يوم الجمعة على المنبر في الخطبتين، ولا تصح الخطبتان إلا بذلك لأنها عبادة، وذكر الله شرط فيها فوجب ذكر الرسول ﷺ فيها كالأذان والصلاة، هذا مذهب الشافعي وأحمد رحمهما الله.

стр. 3513

ومن ذلك أنه يستحب الصلاة والسلام عليه عند زيارة قبره ﷺ . قال أبو داود: حدثنا ابن [عوف] (١) هو محمد، حدثنا المقري، حدثنا حيوة، عن أبي صخر حميد بن زياد، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ما منكم من أحد يسلم علي إلا ردَّ الله عليَّ روحي حتى أردَّ عليه¬ السلام" (٢). تفرد به أبو داود وصححه النووي في "الأذكار": ثم قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح قال: قرأت على عبد الله بن نافع، أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلُّوا عليَّ، فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم" (٣). تفرد به أبو داود أيضًا. وقد رواه الإمام أحمد، عن سُريج، عن عبد الله بن نافع وهو الصائغ به (٤)، وصححه النووي أيضًا. وقد روي من وجه آخر متصلًا قال القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتابه "فضل الصلاة على النبي ﷺ ": حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثنا جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، عمَّن أخبره من أهل بيته، عن علي بن الحسين بن علي أن رجلًا كان يأتي كل غداة فيزور قبر النبي ﷺ ويصلي عليه، ويصنع من ذلك ما اشتهر عليه علي بن الحسين، فقال له علي بن الحسين: ما يحملك على هذا؟ قال: أحبُّ السلام على النبي ﷺ فقال له علي بن الحسين: هل لك أن أحدثك حديثًا عن أبي؟ قال: نعم. قال له علي بن الحسين: أخبرني أبي عن جدي أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجعلوا قبري عيدًا، ولا تجعلوا بيوتكم قبورًا وصلوا عليَّ وسلموا حيثما كنتم، فتبلغني صلاتكم وسلامكم" (٥). في إسناده رجل مبهم لم يسم. وقد روي من وجه آخر مرسلًا قال عبد الرزاق في مصنفه عن الثوري، عن ابن عجلان، عن رجل يقال له سهيل، عن الحسن بن الحسن بن علي قال: رأى قومًا عند القبر فنهاهم وقال: إن النبي ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا تتخذوا بيوتكم قبورًا، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني" (٦). فلعله رآهم يسيئون الأدب برفع أصواتهم فوق الحاجة فنهاهم. وقد روي أنه رأى رجلًا ينتاب القبر فقال: يا هذا ما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء؛ أي: الجميع يبلغه صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين. وقال الطبراني في معجمه الكبير: حدثنا أحمد بن رشدين المصري، حدثنا سعيد بن أبي

стр. 3514

مريم، حدثنا محمد بن جعفر، أخبرني حميد بن أبي زينب، عن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ﵃، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "صلوا عليَّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني" (١). ثم قال الطبراني: حدثنا العباس بن حمدان الأصبهاني، حدثنا شعيب بن عبد الحميد الطحان، أخبرنا يزيد بن هارون بن أبي شيبان، عن الحكم بن عبد الله بن [خطاف] (٢)، عن أُم أنيس بنت الحسن بن علي، عن أبيها قال: قال رسول الله ﷺ : "أرأيت قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾؟ " فقال: "إن هذا من المكتوم، ولولا أنكم سألتموني عنه ما أخبرتكم، إن الله وكَّلَ بي مَلَكين لا أذكر عند عبد مسلم فيصلي عليَّ إلا قال ذانك الملكان غفر الله لك، وقال الله وملائكته جوابًا لذينك الملكين: آمين، ولا يصلي عليَّ أحد إلا قال ذانك الملكان: غفر الله لك، ويقول لله وملائكته جوابًا لذينك الملكين: آمين" (٣). غريب جدًا، وإسناده فيه ضعف شديد. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أُمتي السلام" (٤). وهكذا رواه النسائي من حديث سفيان الثوري وسليمان بن مهران الأعمش كلاهما عن عبد الله بن السائب به (٥). فأما الحديث الآخر: "من صلَّى عليَّ عند قبري سمعته، ومن صلَّى عليَّ من بعيد بلغته" ففي إسناده نظر تفرد به محمد بن مروان السدي الصغير وهو متروك، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا (٦). قال أصحابنا: ويستحب للمُحرِم إذا لبَّى وفرغ من تلبيته أن يصلي على النبي ﷺ لما رواه الشافعي والدارقطني من رواية صالح بن محمد بن زائدة، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال: كان يؤمر الرجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلي على النبي ﷺ على كلِّ حال (٧). وقال إسماعيل القاضي: حدثنا عارم بن الفضل، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا زكريا، عن الشعبي، عن وهب بن الأجدع قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: إذا قدمتم فطوفوا بالبيت سبعًا وصلوا عند المقام ركعتين، ثم ائتوا الصفا فقوموا عليه من حيث ترون البيت فكبروا

стр. 3515

سبع مرات تكبيرًا بين حمد الله وثناء عليه وصلاة على النبي ﷺ ومسألة لنفسك، وعلى المروة مثل ذلك (١). إسناد جيد حسن قوي. قالوا: ويستحب الصلاة على النبي ﷺ مع ذكر الله عند الذبح، واستأنسوا بقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشرح]، قال بعض المفسرين: يقول الله تعالى: لا أذكر إلا ذكرت معي، وخالفهم في ذلك الجمهور وقالوا: هذا موطن يفرد فيه ذكر الله تعالى كما عند الأكل والدخول والوقاع وغير ذلك مما لم ترد فيه السُّنة بالصلاة على النبي ﷺ . حديث آخر: قال إسماعيل القاضي: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا عمر بن هارون، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن ثابت، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "صلوا على أنبياء الله ورسله فإن الله بعثهم كما بعثني" (٢)، في إسناده ضعيفان، وهما: عمر بن هارون وشيخه، والله أعلم. وقد رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن موسى بن عبيدة الربذي به (٣). ومن ذلك أنه يستحب الصلاة عليه عند طنين الأذن إن صحَّ الخبر في ذلك على أن الإمام أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة قد رواه في صحيحه فقال: حدثنا زياد بن يحيى، حدثنا معمر بن محمد بن عبيد الله، عن علي بن أبي رافع، عن أبيه، عن أبي رافع قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا طنَّت أذن أحدكم فليذكرني وليصلِّ عليَّ وليقل ذكر الله من ذكرني بخير" (٤). إسناده غريب، وفي ثبوته نظر، والله أعلم. مسألة: وقد استحب أهل الكتابة أن يكرر الكاتب الصلاة على النبي ﷺ كلما كتبه، وقد ورد في الحديث من طريق كادح بن رحمة، عن نهشل، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى عليَّ في كتاب لم تزل الصلاة جارية له ما دام اسمي في ذلك الكتاب" (٥). وليس هذا الحديث بصحيح من وجوه كثيرة وقد روي من حديث أبي هريرة ولا يصح أيضًا (٦)، قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي شيخنا أحسبه موضوعًا، وقد روي نحوه عن أبي بكر وابن عباس ولا يصح من ذلك شيء والله أعلم. وقد ذكر الخطيب البغدادي في كتابه (الجامع لآداب الراوي والسامع) قال: رأيت بخط الإمام أحمد بن حنبل ﵀ كثيرًا ما يكتب اسم النبي ﷺ من غير ذكر الصلاة عليه كتابة قال: وبلغني أنه كان يصلي عليه لفظًا (٧).

стр. 3516

فصل وأما الصلاة على غير الأنبياء فإن كانت على سبيل التبعية كما تقدم في الحديث اللَّهم صل على محمد وآله وأزواجه وذريته، فهذا جائز بالإجماع وإنما وقع النزاع فيما إذا أفرد غير الأنبياء بالصلاة عليهم فقال قائلون: يجوز ذلك، واحتجوا بقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣]، وبقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]، وبقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وبحديث عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: "اللَّهم صلِّ عليهم" فأتاه أبي بصدقته فقال: "اللَّهم صلِّ على آل أبي أوفى" أخرجاه في الصحيحين (١)، وبحديث جابر أن امرأته قالت يا رسول الله صلِّ علي وعلى زوجي، فقال: "صلى الله عليك وعلى زوجك" (٢). قال الجمهور من العلماء: لا يجوز إفراد غير الأنبياء بالصلاة لأن هذا قد صار شعارًا للأنبياء إذا ذكروا، فلا يلحق بهم غيرهم فلا يقال: قال أبو بكر صلى الله عليه أو قال علي صلى الله عليه، وإن كان المعنى صحيحًا، كما لا يقال: قال محمد ، وإن كان عزيزًا جليلًا لأن هذا من شعار ذكر الله ، وحملوا ما ورد في ذلك من الكتاب والسُّنَّة على الدعاء لهم، ولهذا لم يثبت شعارًا لآل أبي أوفى ولا لجابر وامرأته، وهذا مسلك حسن. وقال آخرون: لا يجوز ذلك لأن الصلاة على غير الأنبياء قد صارت من شعار أهل الأهواء، يصلون على من يعتقدون فيهم، فلا يقتدى بهم في ذلك والله أعلم. ثم اختلف المانعون من ذلك: هل هو من باب التحريم أو الكراهة التنزيهية أو خلاف الأولى؟ على ثلاثة أقوال، حكاه الشيخ أبو زكريا النووي في كتاب الأذكار. ثم قال: والصحيح الذي عليه الأكثرون أنه مكروه كراهة تنزيه لأنه شعار أهل البدع وقد نهينا عن شعارهم، والمكروه هو ما ورد فيه نهي مقصود. قال أصحابنا والمعتمد في ذلك أن الصلاة صارت مخصوصة في لسان السلف بالأنبياء، كما أن قولنا: مخصوص بالله تعالى فكما لا يقال: محمد وإن كان عزيزًا جليلًا لا يقال: أبو بكر أو علي صلى الله عليه (٣)، هذا لفظه بحروفه. قال: وأما السلام؟ فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا: هو في معنى الصلاة فلا يستعمل في الغائب ولا يفرد به كير الأنبياء فلا يقال: علي ﵇ وسواء في هذا الأحياء والأموات، وأما الحاضر فيخاطب به فيقال: سلام عليك، وسلام عليكم أو السلام عليك أو عليكم، وهذا مجمع عليه انتهى ما ذكره. (قلت): وقد غلب هذا في عبارة كثيرة من النساخ للكتب أن ينفرد علي ﵁ بأن يقال ﵇ من دون سائر الصحابة أو كرم الله وجهه، وهذا وإن كان معناه صحيحًا، لكن ينبغي أن يسوى

стр. 3517

بين الصحابة في ذلك فإن هذا من باب التعظيم والتكريم، فالشيخان وأمير المؤمنين عثمان أولى بذلك منه ﵃ أجمعين. قال إسماعيل القاضي: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب بن زياد، حدثني عثمان بن حكيم بن عبادة بن حنيف، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: لا تصح الصلاة على أحد إلا على النبي ﷺ ولكن يدعى للمسلمين والمسلمات بالمغفرة (١). وقال أيضًا: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حسين بن علي، عن جعفر بن برقان، قال كتب عمر بن عبد العزيز ﵀: أما بعد فإن ناسًا من الناس قد التمسوا الدنيا بعمل الآخرة، وإن ناسًا من القصاص قد أحدثوا في الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عدل الصلاة على النبي ﷺ ، فإذا جاءك كتابي هذا فمرهم أن تكون صلاتهم على النبيين ودعاؤهم للمسلمين عامة ويدعوا ما سوى ذلك. أثر حسن (٢). قال إسماعيل القاضي: حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا ابن لهيعة، حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نبيه بن وهب أن كعبًا دخل على عائشة ﵂ فذكروا رسول الله ﷺ فقال كعب: ما من فجر يطلع إلا نزل سبعون ألفًا من الملائكة حتى يحفون بالقبر يضربون بأجنحتهم ويصلون على النبي ﷺ سبعون ألفًا بالليل وسبعون ألفًا بالنهار حتى إذا انشقت عنه الأرض خرج في سبعين ألفًا من الملائكة يزفونه (٣). فرع قال النووي: إذا صلى على النبي ﷺ فليجمع بين الصلاة والتسليم فلا يقتصر على أحدهما فلا يقول: صلى الله عليه فقط، ولا ﵇ فقط، وهذا الذي قاله منتزع من هذه الآية الكريمة وهي قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فالأولى أن يقال ﷺ تسليمًا. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾. يقول تعالى متهددًا ومتوعدًا من آذاه بمخالفة أوامره وارتكاب زواجره وإصراره على ذلك وإيذاء رسوله بعيب أو بنقص - عياذًا بالله من ذلك - قال عكرمة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ نزلت في المصورين (٤). وفي الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة

стр. 3518

قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله : يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر أقلب ليله ونهاره" (١). ومعنى هذا أن الجاهلية كانوا يقولون: يا خيبة الدهر فعل بنا كذا وكذا، فيسندون أفعال الله وتعالى إلى الدهر ويسبونه، وإنما الفاعل لذلك هو الله فنهى عن ذلك. هكذا قرره الشافعي وأبو عبيدة وغيرهما من العلماء ﵏. وقال العوفي: عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ نزلت في الذين طعنوا على النبي ﷺ في تزويجه صفية بنت حُييّ بن أخطب (٢). والظاهر أن الآية عامة في كل من آذاه بشيء ومن آذاه فقد آذى الله كما أن من أطاعه فقد أطاع الله كما قال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن عبيدة [بن أبي رائطة] (٣) الحذاء التيمي عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن المغفل المزني قال: قال رسول الله ﷺ : "الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضًا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه" (٤). وقد رواه الترمذي من حديث عبيدة بن أبي رائطة، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن المغفل به، ثم قال: وهذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (٥). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ أي: ينسبون إليهم ما هم برآء منه لم يعملوه ولم يفعلوه ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ وهذا هو البهت الكبير أن يحكى أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه على سبيل العيب والتنقص لهم، ومن أكثر من يدخل في هذا الوعيد الكفرة بالله ورسوله ثم الرافضة الذين يتنقصون الصحابة ويعيبونهم بما قد برأهم الله منه ويصفونهم بنقيض ما أخبر الله عنهم فإن الله قد أخبر أنه قد رضي عن المهاجرين والأنصار ومدحهم وهؤلاء الجهلة الأغبياء يسبونهم وينتقصونهم ويذكرون عنهم ما لم يكن ولا فعلوه أبدًا فهم في الحقيقة، منكسو القلوب يذمون الممدوحين ويمدحون المذمومين. وقال أبو داود: حدثنا القعنبي، حدثنا عبد العزيز يعني: ابن محمد، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أنه قيل يا رسول الله ما الغيبة؟ قال: "ذكرك أخاك بما يكره" قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته" (٦). وهكذا رواه الترمذي، عن قتيبة، عن الدراوردي به ثم قال حسن صحيح (٧).

стр. 3519

وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا أبو كريب، حدثنا معاوية بن هشام، عن عمار بن أنس، عن ابن أبي مُليكة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "أي الربا أربى عند الله؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم قال: "أربى الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم" ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ (١). ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩) لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾. يقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ تسليمًا أن يأمر النساء المؤمنات - خاصة أزواجه وبناته لشرفهنَّ - بأن يدنين عليهنَّ من جلابيبهنَّ ليتميزنَّ عن سمات نساء الجاهلية وسمات الإماء، والجلباب هو الرداء فوق الخمار، قاله ابن مسعود وعبيدة وقتادة والحسن البصري وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وعطاء الخراساني وغير واحد (٢)، وهو بمنزلة الإزار اليوم. قال الجوهري: الجِلباب الملحفة، قالت امرأة من هذيل ترثي قتيلًا لها: تمشي النسور إليه وهي لاهيةٌ … مشيَ العذارى عليهن الجلابيب (٣) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويُبدينَ عينًا واحدة (٤). وقال محمد بن سيرين: سألت عَبيدة السلماني عن قول الله : ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى (٥). وقال عكرمة: تغطي ثغرة نحرها بجلبابها تدنيه عليها (٦). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الطهراني فيما كتب إليَّ، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن خيثم، عن صفية بنت شيبة، عن أُم سلمة قالت: لما نزلت هذه الآية ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهنَّ الغربان من السكينة وعليهنَّ أكسية سود يلبسنها (٧).

стр. 3520

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثنا الليث، حدثنا يونس بن يزيد قال: وسألناه يعني الزهري هل على الوليدة خمار متزوجة أو غير متزوجة؟ قال: عليها الخمار إن كانت متزوجة وتنهى عنِ الجِلباب لأنه يكره لهن أن يتشبهن بالحرائر المحصنات وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ (١). وروي عن سفيان الثوري أنه قال: لا بأس بالنظر إلى زينة نساء أهل الذمة وإنما نهى عن ذلك لخوف الفتنة لا لحرمتهن واستدل بقوله تعالى: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ أي: إذا فعلنَّ ذلك عُرفنَّ أنهنَّ حرائر، لسن بإماء ولا عواهر. قال السدي في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ قال: كان ناس من فساق أهل المدينة يخرجون بالليل حين يختلط الظلام إلى طرق المدينة يتعرضون للنساء، وكانت مساكن أهل المدينة ضيقة فإذا كان الليل خرج النساء إلى الطرق يقضين حاجتهنَّ، فكان أولئك الفساق يبتغون ذلك منهنَّ، فإذا رأوا المرأة عليها جلباب قالوا: هذه حرة فكفُّوا عنها، وإذا رأوا المرأة ليس عليها جلباب قالوا: هذه أمة فوثبوا عليها (٢). وقال مجاهد: يتجلببن فيعلم أنهن حرائر فلا يتعرض لهن فاسق بأذى ولا ريبة (٣). وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: لما سلف في أيام الجاهلية حيث لم يكن عندهن علم بذلك، ثم قال تعالى متوعدًا للمنافقين وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قال عكرمة وغيره: هم الزناة (٤) ههنا. ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ يعني: الذين يقولون جاء الأعداء وجاءت الحروب، وهو كذب وافتراء لئن لم ينتهوا عن ذلك ويرجعوا إلى الحق ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس أي: لنسلطنك عليهم (٥). وقال قتادة: لنحرشنَّك بهم (٦). وقال السدي: لنعلمنك بهم (٧). ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا﴾ أي: في المدينة ﴿إِلَّا قَلِيلًا (٦٠)﴾ ﴿مَلْعُونِينَ﴾ حال منهم في مدة إقامتهم في المدينة مدة قريبة مطرودين مُبعدين ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾ أي: وجدوا ﴿أُخِذُوا﴾ لذلتهم وقلتهم ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ ثم قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: هذه سنته في

стр. 3521

المنافقين إذا تمردوا على نفاقهم وكفرهم ولم يرجعوا عما هم فيه أن أهل الإيمان يسلطون عليهم ويقهرونهم ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ أي: وسنة الله في ذلك لا تبدل ولا تغير. ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾. يقول تعالى مخبرًا لرسوله صلوات الله وسلامه عليه أنه لا علم له بالساعة وإن سأله الناس عن ذلك، وأرشده أن يردَّ علمها إلى الله كما قال الله تعالى في سورة الأعراف وهي مكية، وهذه مدنية فاستمر الحال في ردِّ علمها إلى الذي يقيمها لكن أخبره أنها قريبة بقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ كما قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر]، وقال: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾ [الأنبياء]، وقال: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]. ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: أبعدهم من رحمته ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾ أي: في الدار الآخرة ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أي: ماكثين مستمرين فلا خروج لهم منها ولا زوال لهم عنها ﴿لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ أي: وليس لهم مغيث ولا معين ينقذهم مما هم فيه. ثم قال: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦)﴾ أي: يُسحبون في النار على وجوههم وتلوى وجوههم على جهنَّم يقولون وهم كذلك، يتمنون أن لو كانوا في الدار الدنيا ممن أطاع الله وأطاع الرسول كما أخبر الله عنهم في حال العرصات بقوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)﴾ [الفرقان]، وقال تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾ [الحجر]، وهكذا أخبر عنهم في حالتهم هذه أنهم يودون أن لو كانوا أطاعوا الله وأطاعوا الرسول في الدنيا ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧)﴾، وقال طاوس: سادتنا يعني: الأشراف، وكبراءنا يعني: العلماء، رواه ابن أبي حاتم. أي: اتبعنا السادة وهم الأمراء والكبراء من المشيخة وخالفنا الرسل واعتقدنا أن عندهم شيئًا وأنهم على شيء فإذا هم ليسوا على شيء ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ أي: بكفرهم وإغوائهم إيانا، ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ قرأ بعض القراء بالباء الموحدة، وقرأ آخرون بالثاء المثلثة (١) وهما قريبا المعنى كما في حديث عبد الله بن عمرو أن أبا بكر قال: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال: "قل اللَّهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" أخرجاه في الصحيحين (٢)، يروى

стр. 3522

كثيرًا وكبيرًا (١) وكلاهما بمعنى صحيح واستحب بعضهم أن يجمع الداعي بين اللفظين في دعائه وفي ذلك نظر، بل الأولى أن يقول هذا تارة وهذا تارة كما أن القارئ مُخيّر بين القراءتين (٢) أيهما قرأ فَحَسَن وليس له الجمع بينهما، والله أعلم. وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا ضِرار بن صُرَد، حدثنا علي بن هاشم، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه في تسمية من شهد مع علي ﵁ الحجَّاج بن عمرو بن [غزية] (٣)، وهو الذي كان يقول عند اللقاء: يا معشر الأنصار أتريدون أن تقولوا لربنا إذا لقيناه: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾ (٤)؟ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾. قال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا عوف، عن الحسن ومحمد وخلاس، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ إن موسى كان رجلًا حييًّا وذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ (٥). هكذا أورد هذا الحديث ههنا مختصرًا جدًا وقد رواه في أحاديث الأنبياء بهذا السند بعينه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن موسى ﵇ كان رجلًا حييًّا ستيرًا لا يرى من جلده شيء استحياء منه فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا ما يتستر هذا التستر إلا من عيب في جلده إما برص وإما أدرة (٦) وإما آفة". وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى ﵇ فخلا يومًا وحده فخلع ثيابه على حجر ثم اغتسل فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها وإن الحجر عدا بثوبه فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر فجعل يقول: ثوبي حجر ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عريانًا أحسن ما خلق الله وأبرأه مما يقولون وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضربًا بعصاه فوالله إن بالحجر لندبًا (٧) من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ (٨). وهذا سياق حسن مطول وهذا الحديث من إفراد البخاري دون مسلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا عوف، عن الحسن، عن النبي ﷺ . وخلاس ومحمد،

стр. 3523

عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال في هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ قال: قال رسول الله: "إن موسى كان رجلًا حييًّا ستيرًا لا يكاد يرى من جلده شيء استحياء منه". ثم ساق الحديث كما رواه البخاري مطولًا (١). ورواه عنه في تفسيره عن روح عن عوف به (٢). ورواه ابن جرير من حديث الثوري، عن جابر الجعفي، عن عامر الشعبي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحو هذا (٣). وهكذا رواه من حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير وعبد الله بن الحارث، عن ابن عباس في قوله: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ قال: قال قومه له إنك آدر فخرج ذات يوم يغتسل فوضع ثيابه على صخرة فخرجت الصخرة تشد بثيابه وخرج يتبعها عريانًا حتى انتهت به مجالس بني إسرائيل فرأوه ليس بآدر، فذلك قوله: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ (٤). وهكذا رواه العوفي عن ابن عباس ﵄ سواء. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا روح بن حاتم وأحمد بن المعلى الآدمي قالا: حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "كان موسى ﵇ رجلًا حييًا وإنه أتى - أحسبه قال الماء - ليغتسل فوضع ثيابه على صخرة وكان لا يكاد تبدو عورته فقال بنو إسرائيل (٥): إن موسى آدر أو به آفة - يعنون أنه لا يضع ثيابه - فاحتملت الصخرة ثيابه حتى صارت بحذاء مجالس بني إسرائيل، فنظروا إلى موسى كأحسن الرجال" - أو كما قال - فذلك قوله: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ (٦). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن علي بن أبي طالب ﵃ في قوله: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ قال: صعد موسى وهارون الجبل فمات هارون ﵇ فقال بنو إسرائيل لموسى ﵇ أنت قتلته كان ألين لنا منك وأشد حياء، فآذوه من ذلك، فأمر الله الملائكة فحملته فمروا به على مجالس بني إسرائيل، فتكلمت بموته فما عرف موضع قبره إلا الرخم وإن الله جعله أصم أبكم (٧). وهكذا رواه ابن جرير عن علي بن موسى الطوسي، عن عباد بن العوام (٨) به. ثم

стр. 3524

قال: وجائز أن يكون هذا هو المراد بالأذى وجائز أن يكون الأول هو المراد فلا قول أولى من قول الله . (قلت): يحتمل أن يكون الكل مرادًا وأن يكون معه غيره، والله أعلم. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله قال: قسم رسول الله ﷺ ذات يوم قسمًا فقال رجل من الأنصار إن هذه القسمة ما أُريد بها وجه الله قال: فقلت: يا عدو الله أما لأخبرنَّ رسول الله ﷺ بما قلت، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فاحمرَّ وجهه ثم قال: "رحمة الله على موسى لقد أُوذي بأكثر من هذا فصبر" (١). أخرجاه في الصحيحين من حديث سليمان بن مهران الأعمش به (٢). طريق أخرى: قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، سمعت إسرائيل بن يونس، عن الوليد بن أبي هشام مولى الهمداني، عن زيد بن زائدة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئًا فإني أُحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر" فأتى رسول الله ﷺ مال فقسمه، قال: فمررت برجلين وأحدهما يقول لصاحبه والله ما أراد محمد بقسمته وجه الله ولا الدار الآخرة، قال: فتثبت حتى سمعت ما قالا ثم أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إنك قلت لنا: "لا يبلغني أحد عن أصحابي شيئًا" وإني مررت بفلان وفلان وهما يقولان كذا وكذا، فاحمرَّ وجه رسول الله ﷺ وشقَّ عليه ثم قال: "دعنا منك لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر" (٣). وقد رواه أبو داود في الأدب عن محمد بن يحيى الذهلي، عن محمد بن يوسف الفريابي، عن إسرائيل، عن الوليد بن أبي هشام به مختصرًا: "لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئًا إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر" (٤). وكذا رواه الترمذي في المناقب عن الذهلي سواء إلا أنه قال زيد بن زائدة، ورواه أيضًا عن محمد بن إسماعيل، عن عبد الله بن محمد، عن عبيد الله بن موسى وحسين بن محمد كلاهما، عن إسرائيل، عن السدي، عن الوليد بن أبي هشام به مختصرًا أيضًا فزاد في إسناده السدي، ثم قال: غريب من هذا الوجه (٥). وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ أي: له وجاهة وجاه عند ربه . قال الحسن البصري: كان مستجاب الدعوة عند الله (٦)، وقال غيره من السلف: لم يسأل الله

стр. 3525

شيئًا إلا أعطاه، ولكن منع الرؤية لما يشاء الله . وقال بعضهم: من وجاهته العظيمة عند الله أنه شفع في أخيه هارون أن يرسله الله معه فأجاب الله سؤاله فقال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾ [مريم]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾. يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بتقواه وأن يعبدوه عبادة من كأنه يراه وأن يقولوا ﴿قَوْلًا سَدِيدًا﴾ أي: مستقيمًا لا اعوجاج فيه ولا انحراف ووعدهم أنهم إذا فعلوا ذلك أثابهم عليه بأن يصلح لهم أعمالهم؛ أي: يوفقهم للأعمال الصالحة وأن يغفر لهم الذنوب الماضية. وما قد يقع منهم في المستقبل يُلهمهم التوبة منها ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ وذلك أن يجار من نار الجحيم ويصير إلى النعيم المقيم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عوف، حدثنا خالد، عن ليث، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الظهر، فلما انصرف أومأ إلينا بيده فجلسنا فقال: "إن الله تعالى أمرني أن آمركم أن تتقوا الله وتقولوا قولًا سديدًا" (١). وقال ابن أبي الدنيا في كتاب (التقوى): حدثنا محمد بن عباد بن موسى، حدثنا عبد العزيز بن عمران الزهري، حدثنا عيسى بن سمرة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: ما قام رسول الله ﷺ على المنبر إلا سمعته يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾ الآية (٢)، غريب جدًا. وروى من حديث عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس موقوفًا: من سرَّه أن يكون أكرم الناس فليتق الله (٣). قال عكرمة: القول السديد لا إله إلا الله (٤). وقال غيره: السديد الصدق (٥). وقال مجاهد: هو السداد (٦). وقال غيره: هو الصواب. والكل حق.

стр. 3526

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾. قال العوفي، عن ابن عباس: يعني بالأمانة الطاعة وعرضها عليهم قبل أن يعرضها على آدم فلم يطقنها فقال لآدم: إني قد عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال فلم يطقنها فهل أنت آخذ بما فيها؟ قال: يا ربِّ وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت، فأخذها آدم فتحملها ذلك قوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (١). قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الأمانة الفرائض، عرضها الله على السماوات والأرض والجبال إن أدوها أثابهم وإن ضيعوها عذبهم فكرهوا ذلك، وأشفقوا عليه من غير معصية، ولكن تعظيمًا لدين الله أن لا يقوموا بها ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها وهو قوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ يعني غِرًّا بأمر الله (٢). وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ قال: عرضت على آدم، فقال: خذها بما فيها، فإن أطعت غفرت لك، وإن عصيت عذبتك، قال: قبلت فما كان إلا مقدار ما بين العصر إلى الليل من ذلك اليوم حتى أصاب الخطيئة (٣)، وقد روى الضحاك عن ابن عباس قريبًا من هذا (٤)، وفيه نظر وانقطاع بين الضحاك وبينه، والله أعلم. وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك والحسن البصري وغير واحد: إن الأمانة هي الفرائض (٥)، وقال آخرون: هي الطاعة (٦). وقال الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: قال أُبي بن كعب: من الأمانة أن المرأة أؤتمنت على فرجها (٧). وقال قتادة: الأمانة الدين والفرائض والحدود (٨). وقال بعضهم: الغسل من الجنابة.

стр. 3527

وقال مالك: عن زيد بن أسلم قال: الأمانة ثلاثة: الصلاة والصوم والاغتسال من الجنابة (١). وكل هذه الأقوال لا تنافي بينها بل متفقة وراجعة إلى أنها التكليف وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وهو أنه إن قام بذلك أثيب، وإن تركها عوقب فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه إلا من وفق الله وبالله المستعان. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن المغيرة [البصري] (٢)، حدثنا حماد بن واقد؛ يعني: أبا عمر الصفار سمعت أبا معمر يعني: عون بن معمر يحدث عن الحسن، يعني: البصري أنه تلا هذه الآية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ قال: عرضها على السبع الطباق الطرائق التي زينت بالنجوم، وحملة العرش العظيم، فقيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت قالت: لا ثم عرضها على الأرضين السبع الشداد، التي شدت بالأوتاد، وذللت بالمهاد، قال: فقيل لها هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت، قالت: لا، ثم عرضها على الجبال الشمِّ الشوامخ الصعاب الصلاب، قال: قيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال لها: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت، قالت: لا (٣). وقال مقاتل بن حيان: إن الله تعالى حين خلق خلقه جمع بين الإنس والجن والسماوات والأرض والجبال فبدأ بالسماوات فعرض عليهن الأمانة، وهي الطاعة، فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة، ولكن على الفضل والكرامة والثواب في الجنة؟ فقلن: يا رب إنا لا نستطيع هذا الأمر وليس بنا قوة ولكنا لك مطيعون، ثم عرض الأمانة على الأرضين فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة وتقبلنها مني، وأعطيكن الفضل والكرامة في الدنيا؟ فقلن: لا صبر لنا على هذا يا رب، ولا نطيق ولكنا لك سامعون مطيعون لا نعصيك في شيء أمرتنا به. ثم قرّب آدم فقال له: أتحمل هذه الأمانة وترعاها حق رعايتها؟ فقال عند ذلك آدم: ما لي عندك؟ قال: يا آدم إن أحسنت وأطعت ورعيت الأمانة، فلك عندي الكرامة والفضل، وحسن الثواب في الجنة، وإن عصيت، ولم ترعها حق رعايتها، وأسأت فإني معذبك ومعاقبك وأنزلك النار، قال رضيت يا ربِّ، وتحمَّلها، فقال الله عند ذلك قد حملتكها فذلك قوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ رواه ابن أبي حاتم (٤). وعن مجاهد أنه قال: عرضها على السماوات فقالت: يا رب حملتني الكواكب وسكان السماء وما ذكر وما أريد ثوابًا ولا أحمل فريضة. قال: وعرضها على الأرض فقالت: يا ربِّ غرست فيَّ الأشجار وأجريت فيَّ الأنهار وسكان الأرض وما ذكر وما أريد ثوابًا ولا أحمل فريضة، وقالت الجبال مثل ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ في عاقبة أمره (٥)،

стр. 3528

وهكذا قال ابن جريج. وعن ابن أشوع أنه قال: لما عرض الله عليهن حمل الأمانة ضججن إلى الله ثلاثة أيام ولياليهن، وقلن: ربنا لا طاقة لنا بالعمل ولا نريد الثواب (١). ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء الموصلي، حدثنا أبي، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم في هذه الآية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾. فقال الإنسان: بين أذني وعاتقي، فقال الله : إني معينك عليها، إني معينك على عينيك بطبقتين، فإذا نازعاك إلى ما أكره فأطبق، ومعينك على لسانك بطبقتين، فإذا نازعك إلى ما أكره فأطبق، ومعينك على فرجك بلباس فلا تكشفه إلى ما أكره (٢). ثم روي عن أبي حازم نحو هذا (٣). وقال ابن جرير: حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قول الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾، قال: إن الله تعالى عرض عليهن الأمانة أن يفترض عليهن الدين ويجعل لهن ثوابًا وعقابًا، ويستأمنهن على الدين، فقلن لا، نحن مسخرات لأمرك لا نريد ثوابًا ولا عقابًا، قال: وعرض الله ﵎ على آدم فقال: بين أذني وعاتقي، قال ابن زيد: قال الله تعالى له: أما إذا تحملت هذا فسأعينك، أجعل لبصرك حجابًا فإذا خشيت أن تنظر إلى ما لا يحل لك، فأرخَّ عليه حجابه وأجعل للسانك بابًا وغلقًا، فإذا خشيت فأغلق، وأجعل لفرجك لباسًا فلا تكشفه إلا على ما أحللت [لك] (٤) (٥). وقال ابن جرير: حدثني سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية، حدثنا عيسى بن إبراهيم، عن موسى بن أبي حبيب، عن الحكم بن عمير ﵁، وكان من أصحاب النبي ﷺ ، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الأمانة والوفاء نزلا على ابن آدم مع الأنبياء فأرسلوا به، فمنهم رسول الله، ومنهم نبي، ومنهم نبي رسول، ونزل القرآن وهو كلام الله، وأنزلت العجمية والعربية، فعلموا أمر القرآن، وعلموا أمر السنن بألسنتهم، ولم يدع الله تعالى شيئًا من أمره مما يأتون وما يجتنبون وهي الحجج عليهم إلا بيّنه لهم، فليس أهل لسان إلا وهم يعرفون الحسن والقبيح، ثم الأمانة أول شيء يرفع ويبقى أثرها في جذور قلوب الناس، ثم يرفع الوفاء والعهد والذمم وتبقى الكتب، فعالم يعمل وجاهل يعرفها وينكرها ولا يحملها، حتى وصل إليّ وإلى أمتي، ولا يهلك على الله إلا هالك، ولا يغفله إلا تارك، فالحذر أيها الناس، وإياكم والوسواس الخناس، فإنما يبلوكم أيكم أحسن عملًا" (٦). هذا حديث غريب جدًا، وله شواهد من وجوه أخرى. ثم قال ابن جرير: حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، حدثنا أبو العوام القطان، حدثنا قتادة وأبان بن أبي عياش، عن خُليد العصري، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خمس من جاء بهن يوم القيامة مع إيمان دخل الجنة:

стр. 3529

من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وأعطى الزكاة من ماله طيب النفس بها - وكان يقول:- وايمُ الله لا يفعل ذلك إلا مؤمن وأدى الأمانة". قالوا: يا أبا الدرداء وما أداء الأمانة؟ قال ﵁: الغسل من الجنابة، فإن الله تعالى لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيره (١). وهكذا رواه أبو داود عن محمد بن عبد الرحمن العنبري، عن أبي علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، عن أبي العوام عمران بن دوار القطان به (٢). وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا تميم بن المنتصر، أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن الأعمش، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها - أو قال - يكفر كل شيء إلا الأمانة، يؤتى بصاحب الأمانة فيقال له: أدِّ أمانتك، فيقول أنى يا ربِّ وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال له: أدِّ أمانتك، فيقول: أنَّى يا ربِّ وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال له: أدِّ أمانتك، فيقول: أنَّى يا ربِّ وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول: اذهبوا به إلى أُمه الهاوية، فيذهب به إلى الهاوية، فيهوي فيها حتى ينتهي إلى قعرها فيجدها هنالك كهيئتها، فيحملها فيضعها على عاتقه فيصعد بها إلى شفير جهنم، حتى إذا رأى أنه قد خرج زلت قدمه فهوى في أثرها أبد الآبدين" قال: والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم والأمانة في الوضوء، والأمانة في الحديث، وأشد ذلك الودائع، فلقيت البراء فقلت: ألا تسمع ما يقول أخوك عبد الله؟ فقال: صدق. وقال شريك: وحدثنا عياش العامري، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ بنحوه، ولم يذكر الأمانة في الصلاة وفي كل شيء (٣)، إسناده جيد، ولم يخرجوه. ومما يتعلق بالأمانة الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حذيفة ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السُّنَّة. ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال: ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر المجل (٤) كجمر دحرجته على رجلك، تراه منتبرًا (٥) وليس فيه شيء، قال: ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله قال: فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا، حتى يقال للرجل ما أجلده وأظرفه وأعقله وما في قلبه حبة خردل من إيمان، ولقد أتى علي زمان وما أُبالي أيكم بايعت إن كان مسلمًا ليردنَّه علي دينه، وإن كان نصرانيًا أو يهوديًا ليردنَّه على ساعيه (٦)، فأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلانًا

стр. 3530

وفلانًا (١). وأخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش به (٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي، عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "أربع إذا كنَّ فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا. حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة طعمة" هكذا رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما (٣). وقد قال الطبراني في مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄: حدثنا يحيى بن أيوب العلاف المصري، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن ابن حجيرة، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة طعمة" (٤). فزاد في الإسناد ابن حجيرة وجعله في مسند ابن عمر ﵄. وقد ورد النهي عن الحلف بالأمانة، قال عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد: حدثنا شريك، عن أبي إسحاق الشيباني، عن خناس بن سحيم أو قال: [جَبَلَة] (٥) بن سحيم، قال: أقبلت مع زياد بن حدير من الجابية فقلت في كلامي لا والأمانة، فجعل زياد يبكي ويبكي فظننت أني أتيت أمرًا عظيمًا، فقلت له: أكان يكره هذا؟ قال: نعم، كان عمر بن الخطاب ينهى عن الحلف بالأمانة أشد النهي (٦). وقد ورد في ذلك حديث مرفوع قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا الوليد بن ثعلبة الطائي، عن ابن بُريدة، عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من حلف بالأمانة فليس منا" (٧) تفرد به أبو داود ﵀. وقوله تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ أي: إنما حمل بني آدم الأمانة وهي التكاليف، ليعذب الله المنافقين منهم والمنافقات، وهم الذين يظهرون الإيمان خوفًا من أهله ويبطنون الكفر متابعة لأهله ﴿وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ وهم الذين ظاهرهم وباطنهم على الشرك بالله ومخالفة رسله ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: وليرحم المؤمنين من الخلق الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله العالمين بطاعته ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. [آخر تفسير سورة الأحزاب، والحمد لله رب العالمين] (٨).

стр. 3531

سُورَةُ سَبَإٍ وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢)﴾. يخبر تعالى عن نفسه الكريمة أن له الحمد المطلق في الدنيا والآخرة، لأنه المنعم المتفضل على أهل الدنيا والآخرة، المالك لجميع ذلك، الحاكم في جميع ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾ [القصص]، ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: الجميع ملكه وعبيده وتحت تصرفه وقهره، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣)﴾ [الليل]. ثم قال: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ فهو المعبود أبدًا، المحمود على طول المدى. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ أي: في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره ﴿الْخَبِيرُ﴾ الذي لا تخفى عليه خافية ولا يغيب عنه شيء. وقال مالك، عن الزهري: خبير بخلقه، حكيم بأمره (١)، ولهذا قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ أي: يعلم عدد القطر النازل في أجزاء الأرض، والحب المبذور، والكامن فيها، ويعلم ما يخرج من ذلك عدده وكيفيته وصفاته ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: من قطر ورزق، وما يعرج فيها؛ أي: من الأعمال الصالحة وغير ذلك ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ أي: الرحيم بعباده، فلا يعاجل عصاتهم بالعقوبة، الغفور عن ذنوب التائبين إليه المتوكلين عليه. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥) وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)﴾. هذه إحدى الآيات الثلاث التي لا رابع لهنَّ مما أمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يقسم بربه

стр. 3532

العظيم على وقع: المعاد، لما أنكره من أنكره من أهل الكفر والعناد، فإحداهنَّ في سورة يونس ﵇، وهي قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾ [يونس]، والثانية هذه ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾، والثالثة في سورة التغابن، وهي قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التغابن]، فقال تعالى: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ ثم وصفه بما يؤكد ذلك ويقرره، فقال: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. قال مجاهد وقتادة: لا يعزب عنه لا يغيب عنه (١)؛ أي: الجميع مندرج تحت علمه، فلا يخفى عليه شيء، فالعظام وإن تلاشت وتفرقت وتمزقت، فهو عالم أين ذهبت، أين تفرقت، ثم يعيدها كما بدأها أول مرة، فإنه بكل شيء عليم. ثم بيّن حكمته في إعادة الأبدان وقيام الساعة، بقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ أي: سعوا في الصد عن سبيل الله تعالى وتكذيب رسله، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ أي: لينعم السعداء من المؤمنين ويعذب الأشقياء من الكافرين، كما قال : ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾ [الحشر]، وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ [ص]. وقوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ هذه حكمة أخرى معطوفة على التي قبلها، وهي أن المؤمنين بما أنزل على الرسل إذا شاهدوا قيام الساعة ومجازاة الأبرار والفجار بالذي كانوا قد علموه من كتب الله تعالى في الدنيا، رأوه حينئذٍ عين اليقين، ويقولون يومئذٍ أيضًا: ﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٤٣]، ويقال أيضًا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢]. ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦]، ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)﴾ العزيز هو المنيع الجناب الذي لا يغالب ولا يمانع، بل قد قهر كلَّ شيء وغلبه، الحميد في جميع أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، وهو المحمود في ذلك كله. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨) أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩)﴾. هذا إخبار من الله عن استبعاد الكفرة الملحدين قيام الساعة، واستهزائهم بالرسول ﷺ في إخباره بذلك ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أي: تفرقت أجسادكم في الأرض وذهبت فيها كل مذهب وتمزقت كل ممزق: ﴿إِنَّكُمْ﴾ أي: بعد هذا الحال

стр. 3533

﴿لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي: تعودون أحياء ترزقون بعد ذلك، وهو في هذا الإخبار لا يخلو أمره من قسمين: إما أن يكون قد تعمد الافتراء على الله تعالى أنه قد أوحي إليه ذلك، أو أنه لم يتعمد، لكن لبس عليه كما يلبس على المعتوه والمجنون، ولهذا قالوا: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ قال الله رادًّا عليهم: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ أي: ليس الأمر كما زعموا، ولا كما ذهبوا إليه، بل محمد ﷺ هو الصادق البار الراشد، الذي جاء بالحق، وهم الكذبة الجهلة الأغبياء ﴿فِي الْعَذَابِ﴾ أي: الكفر المفضي بهم إلى عذاب الله تعالى ﴿وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ من الحق في الدنيا. ثم قال تعالى منبهًا لهم على قدرته في خلق السماوات والأرض، فقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: حيثما توجهوا وذهبوا، فالسماء مطلة عليهم، والأرض تحتهم، كما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨)﴾ [الذاريات]. قال عبد بن حميد: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ قال: إنك إن نظرت عن يمينك، أو عن شمالك، أو من بين يديك، أو من خلفك، رأيت السماء والأرض (١). وقوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: لو شئنا لفعلنا بهم ذلك بظلمهم وقدرتنا عليهم، ولكن نؤخر ذلك لحلمنا وعفونا، ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾. قال معمر، عن قتادة: ﴿مُنِيبٍ﴾ تائب (٢). وقال [شيبان] (٣)، عن قتادة: المنيب: المقبل إلى الله تعالى (٤)؛ أي: إن في النظر إلى خلق السماوات والأرض لدلالة لكل عبد فطن لبيب رجَّاع إلى الله، على قدرة الله تعالى على بعث الأجساد ووقع المعاد، لأن من قدر على خلق هذه السماوات في ارتفاعها واتساعها، وهذه الأرضين في انخفاضها، وأطوالها وأعراضها، إنه لقادر على إعادة الأجسام ونشر الرميم من العظام، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى﴾ [يس: ٨١]، وقال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ [غافر]. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١)﴾. يخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله داود ﵊ مما آتاه من الفضل

стр. 3534

المبين، وجمع له بين النبوة والملك المتمكن، والجنود ذوي العدد والعدد، وما أعطاه ومنحه من الصوت العظيم، الذي كان إذا سبح به تسبح معه الجبال الراسيات، الصم الشامخات، وتقف له الطيور السارحات، والغاديات، والرائحات، وتجاوبه بانواع اللغات. وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ ، سمع صوت أبي موسى الأشعري ﵁ يقرأ من الليل، فوقف فاستمع لقراءته، ثم قال ﷺ : "لقد أوتي هذا مزمارًا من مزامير آل داود" (١). وقال أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صنج (٢) ولا بربط (٣) ولا وتر أحسن من صوت أبي موسى الأشعري ﵁ (٤). ومعنى قوله تعالى: ﴿أَوِّبِي﴾ أي: سبحي، قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد (٥). وزعم أبو ميسرة أنه بمعنى سبحي بلسان الحبشة، وفي هذا نظر، فإن التأويب في اللغة هو الترجيع، فأمرت الجبال والطير أن ترجع معه بأصواتها (٦). وقال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي في كتابه (الجُمل) (٧) في باب النداء منه ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ أي: سيري معه بالنهار كله، والتأويب سير النهار كله، والإسآد سير الليل كله، وهذا لفظه، وهو غريب جدًا لم أره لغيره، وإن كان له مساعدة من حيث اللفظ في اللغة، لكنه بعيد في معنى الآية ههنا، والصواب أن المعنى في قوله تعالى: ﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾ أي: رجعي مسبحة معه كما تقدم، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ قال الحسن البصري وقتادة والأعمش وغيرهم: كان لا يحتاج أن يدخله نارًا ولا يضربه بمطرقة، بل كان يفتله بيده مثل الخيوط (٨)، ولهذا قال تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ وهي: الدروع. قال قتادة: وهو أول من عملها من الخلق، وإنما كانت قبل ذلك صفائح (٩).

стр. 3535

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا ابن سماعة، حدثنا ابن ضمرة، عن ابن شوذب قال: كان داود ﵇ يرفع في كل يوم درعًا فيبيعها بستة آلاف درهم، ألفين له ولأهله، وأربعة آلاف درهم يطعم بها بني إسرائيل خبز الحواري (١). ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ هذا إرشاد من الله تعالى لنبيه داود ﵇ في تعليمه صنعة الدروع. وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ لا تدق المسمار فيقلق في الحلقة، ولا تغلظه فيقصمها واجعله بقدر (٢). وقال الحكم بن عيينة: لا تغلظه فيقصم، ولا تدقه فيقلق (٣)، وهكذا روي عن قتادة وغير واحد (٤). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: السرد حلق الحديد (٥). وقال بعضهم: يقال درع مسرودة إذا كانت مسمورة الحلق، واستشهد بقول الشاعر: وعليهما مسرودتان [قضاهما] (٦) … داود أو صَنَع السوابغ تبع (٧) وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة داود ﵊ من طريق إسحاق بن بشر، وفيه كلام، عن أبي إلياس، عن وهب بن منبه ما مضمونه أن داود ﵇ كان يخرج متنكرًا، فيسأل الرُكبان عنه وعن سيرته، فلا يسأل أحدًا إلا أثنى عليه خيرًا في عبادته وسيرته وعدله ﵇. قال وهب: حتى بعث الله تعالى ملكًا في صورة رجل، فلقيه داود ﵊ فسأله كما كان يسأل غيره، فقال: هو خير الناس لنفسه ولأمته، إلا أن فيه خصلة لو لم تكن فيه كان كاملًا. قال: ما هي؟ قال: يأكل ويطعم عياله من مال المسلمين، يعني: بيت المال، فعند ذلك نصب داود ﵇ إلى ربه في الدعاء أن يعلمه عملًا بيده يستغني به ويغني به عياله، فألان الله له الحديد، وعلمه صنعة الدروع، فعمل الدروع، وهو أول من عملها، فقال الله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ يعني: مسامير الحلق. قال: وكان يعمل الدرع، فإذا ارتفع من عمله درع، باعها فتصدق بثلثها، واشترى بثلثها ما يكفيه وعياله، وأمسك الثلث يتصدق به يومًا بيوم إلى أن يعمل غيرها، وقال: إن الله أعطى داود شيئًا لم يعطه غيره من حسن الصوت، إنه كان إذا قرأ الزبور تجتمع الوحوش إليه حتى يؤخذ بأعناقها وما تنفر، وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والصنوج (٨)، إلا على أصناف

стр. 3536

صوته ﵇، وكان شديد الاجتهاد، وكان إذا افتتح الزبور بالقراءة كأنما ينفخ في المزامير، وكان قد أعطي سبعين مزمارًا في حلقه (١). وقوله تعالى: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ أي: في الذين أعطاكم الله تعالى من النعم ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: مراقب لكم بصير بأعمالكم وأقوالكم، لا يخفى عليَّ من ذلك شيء. ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾. لما ذكر تعالى ما أنعم به على داود، عطف بذكر ما أعطى ابنه سليمان عليهما الصلاة والسلام من تسخير الريح له، تحمل بساطه غدوها شهر ورواحها شهر. قال الحسن البصري: كان يغدو على بساطه من دمشق، فينزل باصطخر (٢) يتغذى بها ويذهب رائحًا من اصطخر فيبيت بكابل (٣)، وبين دمشق واصطخر شهر كامل للمسرع، وبين اصطخر وكابل شهر كامل للمسرع (٤). وقوله تعالى: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ قال ابن عباس ﵄ ومجاهد وعكرمة وعطاء الخراساني وقتادة والسدي ومالك، عن زيد بن أسلم وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد: القطر النحاس (٥). قال قتادة: وكانت باليمن، فكل ما يصنع الناس مما أخرج الله تعالى لسليمان ﵇ (٦). قال السدي: وإنما أسيلت له ثلاثة أيام (٧). وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ أي: وسخرنا له الجن يعملون بين يديه بإذن ربه؛ أي: بقدره وتسخيره لهم بمشيئته ما يشاء من البنايات وغير ذلك ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا﴾ أي: ومن يعدل ويخرج منهم عن الطاعة ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ وهو الحريق. وقد ذكر ابن أبي حاتم ههنا حديثًا غريبًا، فقال: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثنا معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الجن على ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف

стр. 3537

حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون" (١) رفعه غريب جدًا. وقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا حرملة، حدثنا ابن وهب، أخبرني بكر بن مضر، عن محمد بن بحير، عن ابن أنعُم أنه قال: الجن ثلاثة أصناف: صنف لهم الثواب وعليهم العقاب، وصنف طيارون فيما بين السماء والأرض، وصنف حيات وكلاب. قال بكر بن مضر: ولا أعلم إلا أنه قال: حدثني أن الإنس ثلاثة أصناف: صنف يظلهم الله بظل عرشه يوم القيامة، وصنف كالأنعام بل هم أضل سبيلًا، وصنف في صورة الناس على قلوب الشياطين (٢). وقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا علي بن هاشم بن مرزوق، حدثنا سلمة؛ يعني: ابن الفضل، عن إسماعيل، عن الحسن قال: الجن ولد إبليس، والإنس ولد آدم، ومن هؤلاء مؤمنون ومن هؤلاء مؤمنون، وهم شركاؤهم في الثواب والعقاب، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمنًا، فهو ولي الله تعالى، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافرًا فهو شيطان (٣). وقوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ أما المحاريب فهي البناء الحسن، وهو أشرف شيء في المسكن وصدره. وقال مجاهد: المحاريب بنيان دون القصور (٤). وقال الضحاك: هي المساجد (٥). وقال قتادة: هي القصور والمساجد (٦). وقال ابن زيد: هي المساكن (٧). وأما التماثيل، فقال عطية العوفي والضحاك والسدي: التماثيل: الصور (٨). قال مجاهد: وكانت من نحاس (٩). وقال قتادة: من طين وزجاج (١٠). وقوله تعالى: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ الجواب جمع جابية، وهي الحوض الذي يجبى فيه الماء، كما قال الأعشى ميمون بن قيس:

стр. 3538

تروح على آل المحلق جفنة … كجابية الشيخ العراقي تَفَهقُ (١) (٢) وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ ﴿كَالْجَوَابِ﴾ أي: كالجوبة من الأرض (٣). وقال العوفي عنه كالحياض، وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم (٤). والقدور الراسيات؛ أي: الثابتات في أماكنها لا تتحرك ولا تتحول عن أماكنها لعظمها، كذا قال مجاهد والضحاك وغيرهما (٥). وقال عكرمة: أثافيها منها (٦). وقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ أي: وقلنا لهم: اعملوا شكرًا على ما أنعم به عليكم في الدين والدنيا، وشكرًا مصدر من غير الفعل، أو أنه مفعول له، وعلى التقديرين فيه دلالة على أن الشكر يكون بالفعل كما يكون بالقول والنية، كما قال: أفادتكم النعماء منِّي ثلاثةً … يدي ولساني والضمير المحجبا قال أبو عبد الرحمن الحُبلِّي: الصلاة شكر والصيام شكر، وكل خير تعمله لله شكر، وأفضل الشكر الحمد (٧)، رواه ابن جرير، وروى هو وابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي قال: الشكر تقوى الله تعالى والعمل الصالح (٨)، وهذا لمن هو متلبس بالفعل، وقد كان آل داود ﵇ كذلك قائمين بشكر الله تعالى قولًا وعملًا. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، حدثنا جعفر؛ يعني: ابن سليمان، عن ثابت البناني، قال: كان داود ﵇ قد جزأ على أهله وولده ونسائه الصلاة، فكان لا تأتي عليهم ساعة من الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي، فغمرتهم هذه الآية ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٩). وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن أحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وأحبُّ الصيام إلى الله تعالى صيام داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولا يفر إذا لاقى" (١٠). وقد روى أبو عبد الله ابن ماجه من حديث سُنيد بن داود: حدثنا يوسف بن محمد بن

стр. 3539

المنكدر، عن أبيه، عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قالت أُم سليمان بن داود ﵇، لسليمان، يا بني لا تكثر النوم بالليل، فإن كثرة النوم بالليل تترك الرجل فقيرًا يوم القيامة" (١). وروى ابن أبي حاتم، عن داود ﵊ ههنا أثرًا غريبًا مطولًا جدًا وقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا عمران بن موسى، حدثنا أبو زيد فيض بن إسحاق الرقي قال: قال فضيل في قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ قال داود: يا رب كيف أشكرك والشكر نعمة منك؟ قال: "الآن شكرتني حين قلت إن النعمة مني" (٢). وقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ إخبار عن الواقع. ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾. يذكر تعالى كيفية موت سليمان ﵇، وكيف عمَّى الله موته على الجان المسخرين له في الأعمال الشاقة، فإنه مكث متوكئًا على عصاه، وهي منسأته، كما قال ابن عباس ﵄ ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد (٣)، مدة طويلة نحوًا من سنة، فلما أكلتها دابة الأرض، وهي الأرضة، ضعفت وسقطت إلى الأرض، وعلم أنه قد مات قبل ذلك بمدة طويلة. وتبينت الجن والإنس أيضًا أن الجن لا يعلمون الغيب كما كانوا يتوهمون ويوهمون الناس ذلك. وقد ورد في ذلك حديث مرفوع غريب وفي صحته نظر. قال ابن جرير: حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا موسى بن مسعود، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن عطاء، عن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: "كان نبي الله سليمان ﵇ إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه، فيقول لها: ما اسمك؟ فتقول كذا، فيقول: لأي شيء أنت؟ فإن كانت تغرس غرست، وإن كانت لدواء كتبت، فبينما هو يصلي ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه فقال لها: ما اسمك؟ قالت: الخروب، قال: لأي شيء أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت، فقال سليمان ﵇: اللَّهم عمِّ على الجن موتي حتى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، فنحتها عصًا فتوكأ عليها حولًا ميتًا والجن تعمل، فأكلتها الأرضة فتبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولًا في العذاب المهين" قال: وكان ابن عباس يقرؤها كذلك، قال: فشكرت الجن للأرضة، فكانت تأتيها بالماء (٤)، وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث إبراهيم بن طهمان به. وفي رفعه غرابة ونكارة، والأقرب أن يكون موقوفًا، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني له غرابات وفي بعض حديثه نكارة.

стр. 3540

وقال السدي في حديث ذكره عن أبي مالك، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄ وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود ﵁، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ ﵃. قال: كان سليمان ﵊ يتحرر (١) في بيت المقدس السنة والسنتين، والشهر والشهرين، وأقلّ من ذلك وأكثر، فيدخل فيه ومعه طعامه وشرابه، فأدخله في المرة التي توفي فيها، فكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه إلا ينبت الله في بيت المقدس شجرة، فيأتيها فيسألها: فيقول ما اسمك؟ فتقول الشجرة: اسمي كذا وكذا، فإن كانت لغرس غرسها، وإن كانت تنبت دواء قالت: نبت دواء كذا وكذا، فيجعلها كذلك، حتى نبتت شجرة يقال لها الخروبة، فسألها: ما اسمك؟ قالت: أنا الخروبة، قال ولأي شيء نبت؟ قالت: نبت لخراب هذا المسجد، قال سليمان ﵊: ما كان الله ليخربه وأنا حي، أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس، فنزعها وغرسها في حائط له، ثم دخل المحراب فقام يصلي متكئًا على عصاه، فمات ولم تعلم به الشياطين، وهم في ذلك يعملون له يخافون أن يخرج عليهم فيعاقبهم، وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب، وكان المحراب له كوى بين يديه وخلفه، فكان الشيطان الذي يريد أن يخلع يقول: ألست جلدًا إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب، فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر، فدخل شيطان من أولئك فمر ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان ﵇ في المحراب إلا احترق، فمر ولم يسمع صوت سليمان، ثم رجع فلم يسمع، ثم رجع فوقع في البيت ولم يحترق، ونظر إلى سليمان ﵇ قد سقط ميتًا، فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات، ففتحوا عليه فأخرجوه. ووجدوا منسأته، وهي العصا بلسان الحبشة، قد أكلتها الأرضة، ولم يعلموا منذ كم مات، فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها يومًا وليلة، ثم حسبوا على ذلك النحو، فوجدوه قد مات منذ سنة، وهي في قراءة ابن مسعود ﵁، فمكثوا يدينون له من بعد موته حولًا كاملًا، فأيقن الناس عند ذلك أن الجن كانوا يكذبونهم ولو أنهم يطلعون على الغيب، لعلموا بموت سليمان ولم يلبثوا في العذاب سنة يعملون له، وذلك قول الله : ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ يقول: تبين أمرهم للناس أنهم كانوا يكذبونهم، ثم إن الشياطين قالوا للأرضة: لو كنت تأكلين الطعام أتيناك بأطيب الطعام، ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب، ولكنا سننقل إليك الماء والطين، قال: فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت، قال: ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب؟ فهو ما تأتيها به الشياطين شكرًا لها (٢). وهذا الأثر - والله أعلم - إنما هو مما تلقي من علماء أهل الكتاب، وهي وقف لا يصدق منه إلا ما وافق الحق، ولا يكذب منها إلا ما خالف الحق، والباقي لا يصدق ولا يكذب. وقال ابن وهب وأصبغ بن الفرج، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله ﵎: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ قال: قال سليمان ﵇ لملك الموت: إذا
следующие страницы →