← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم" تفرد به أبو داود وهكذا رواه الإمام أحمد، عن أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الشامي به (١). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي: حدثنا أحمد بن عبدة، أخبرنا أبو عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد العمي، أخبرنا أبو هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا: يا رسول الله، حدثنا ما رأيت ليلة أسري بك؟ قال: ثم انطلق بي إلى خلق من خلق الله كثير، رجال ونساء موكل بهم رجال يعمدون إلى عرض جنب أحدهم، فيجذون منه الجذة مثل النعل ثم يضعونها في فيّ أحدهم. فيقال له: كل كما أكلت وهو يجد من أكله الموت يا محمد لو يجد الموت وهو يكره عليه، فقلت: يا جبرائيل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الهمازون واللمازون أصحاب النميمة، فيقال: (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه) وهو يكره على أكل لحمه (٢)؟ هكذا أورد هذا الحديث، وقد سقناه بطوله في أول تفسير سورة سبحان ولله الحمد والمنة. وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا الربيع، عن يزيد، عن أنس أن رسول الله ﷺ أمر الناس أن يصوموا يومًا ولا يفطرن أحد حتى آذن له، فصام الناس، فلما أمسوا جعل الرجل يجيء إلى رسول الله ﷺ فيقول: "ظللت منذ اليوم صائمًا فائذن لي فأفطر فأذن له ويجيء الرجل فيقول ذلك، فيأذن له حتى جاء رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتين من أهلك ظلتا منذ اليوم صائمتين، فائذن لهما فليفطرا، فأعرض عنه ثم أعاد، فقال رسول الله ﷺ : "ما صامتا، وكيف صام من ظل يأكل من لحوم الناس؟ اذهب فمرهما إن كانتا صائمتين أن يستقيئا" ففعلتا، فقاءت كل واحدة منهما علقة، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال رسول الله ﷺ : "لو ماتتا وهما فيهما لأكلتهما النار" (٣). إسناد ضعيف ومتن غريب. وقد رواه الحافظ البيهقي من حديث يزيد بن هارون، حدثنا سليمان التيمي قال: سمعت رجلًا يحدث في مجلس أبي عثمان النهدي، عن عبيد مولى رسول الله ﷺ أن امرأتين صامتا على عهد رسول الله ﷺ ، وأن رجلًا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن ههنا امرأتين صامتا وإنهما كادتا تموتان من العطش، أراه قال بالهاجرة، فأعرض عنه أو سكت عنه، فقال: يا نبي الله إنهما والله قد ماتتا أو كادتا تموتان، فقال: ادعهما. فجاءتا قال: فجيء بقدح أو عس، فقال لإحداهما: قيئي. فقاءت من قيح ودم وصديد حتى قاءت نصف القدح، ثم قال للأخرى: قيئي، فقاءت قيحًا ودمًا وصديدًا ولحمًا ودمًا عبيطًا (٤) وغيره حتى ملأت القدح، ثم قال: "إن هاتين صامتا عما أحل الله تعالى لهما وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تأكلان لحوم الناس" (٥). وهكذا رواه الإمام أحمد، عن يزيد بن هارون وابن أبي عدي، كلاهما عن سليمان بن [طرخان] (٦) التيمي به مثله أو نحوه، ثم رواه أيضًا من حديث مسدد، عن يحيى القطان، عن عثمان بن

стр. 3992

غياث. حدثني رجل أظنه في حلقة أبي عثمان، عن سعد مولى رسول الله ﷺ ، أنهم أمروا بصيام، فجاء رجل في نصف النهار فقال: يا رسول الله فلانة وفلانة قد بلغتا الجهد فأعرض عنه مرتين أو ثلاثًا ثم قال: "ادعهما" فجاء بعس أو قدح فقال لإحداهما: قيئي. فقاءت لحمًا ودمًا عبيطًا وقيحًا، وقال للأخرى مثل ذلك ثم قال: إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما وأفطرتا على ما حرم الله عليهما. أتت إحداهما للأخرى فلم تزالا تأكلان لحوم الناس حتى امتلأت أجوافهما قيحًا (١). قال البيهقي: كذا قال عن سعد، والأول وهو عبيد أصح. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا عمرو بن الضحاك بن مخلد، حدثنا أبي أبو عاصم، حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، عن ابن عمّ لأبي هريرة أنّ ماعزًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني قد زنيت، فأعرض عنه حتى قالها أربعًا، فلما كان في الخامسة قال: قال: (زنيت) قال: وتدري ما الزنا؟ قال: نعم أتيت منها حرامًا ما يأتي الرجل من امرأته حلالًا. قال: ما تريد إلى قول هذا؟ قال: أريد أن تطهرني. قال: فقال رسول الله ﷺ : أدخلت ذلك منك في ذلك منها كما يغيب الميل في المكحلة والرشا في البئر؟ قال: نعم يا رسول الله قال: فأمر برجمه، فرجم، فسمع النبي ﷺ رجلين يقول أحدهما لصاحبه: ألم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه، فلم تدعه نفسه حتى رُجم رجم الكلب؟ ثم سار النبي ﷺ حتى مرّ بجيفة حمار فقال: "أين فلان وفلان؟ انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار" قالا: غفر الله لك يا رسول الله وهل يؤكل هذا؟ قال ﷺ : "فما نلتما من أخيكما آنفًا أشد أكلًا منه، والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها" (٢) (٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثني أبي. حدثنا واصل مولى ابن عيينة، حدثني خالد بن عرفطة، عن طلحة بن نافع، عن جابر بن عبد الله قال: كنا مع النبي ﷺ فارتفعت ريح جيفة منتنة. فقال رسول الله ﷺ : "أتدرون ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين يغتابون [المؤمنين] " (٤) (٥). طريق أخرى: قال عبد بن حميد في مسنده: حدثنا إبراهيم بن الأشعث، حدثنا الفضيل بن عياض، عن سليمان، عن أبي سفيان وهو طلحة بن نافع، عن جابر بن عبد الله قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فهاجت ريح منتنة، فقال النبي ﷺ : "إن نفرًا من المنافقين اغتابوا ناسًا من المسلمين فلذلك بعثت هذه الريح" وربما قال: "فلذلك هاجت هذه الريح" (٦).

стр. 3993

وقال السدي في قوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ زُعم أن سلمان الفارسي كان مع رجلين من أصحاب النبي ﷺ في سفر يخدمهما ويخف لهما وينال من طعامهما، وأن سلمان لما سار الناس ذات يوم، وبقي سلمان نائمًا لم يسر معهم، فجعل صاحباه يكلمانه فلم يجداه، فضربا الخباء فقالا: ما يريد سلمان أو هذا العبد شيئًا غير هذا أن يجيء إلى طعام مقدور وخباء مضروب، فلما جاء سلمان أرسلاه إلى رسول الله ﷺ يطلب لهما إدامًا، فانطلق فأتى رسول الله ﷺ ومعه قدح له فقال: يا رسول الله بعثني أصحابي لتؤدمهم إن كان عندك. قال ﷺ : "ما يصنع أصحابك بالأدم؟ قد ائتدموا" فرجع سلمان يخبرهما بقول رسول الله ﷺ فانطلقا حتى أتيا رسول الله فقالا: والذي بعثك بالحق ما أصبنا طعامًا منذ نزلنا. قال رسول الله ﷺ : "إنكما قد ائتدمتما بسلمان بقولكما" قال: ونزلت ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ أنه كان نائمًا (١). وروى الحافظ الضياء المقدسي في كتابه المختارة من طريق حبّان بن هلال، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: كانت العرب تخدم بعضها بعضًا في الأسفار، وكان مع أبي بكر وعمر، رجل يخدمهما فناما فاستيقظا ولم يهيئ لهما طعامًا فقالا: إن هذا لنؤوم فأيقظاه، فقالا له: ائت رسول الله ﷺ فقل له إن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام ويستأدمانك فقال ﷺ : "إنهما قد ائتدما" فجاءا فقالا: يا رسول الله بأي شيء ائتدمنا؟ فقال ﷺ : "بلحم أخيكما، والذي نفسي بيده إني لأرى لحمه بين ثناياكما" فقالا: استغفر لنا يا رسول الله، فقال ﷺ : "مُرَاهُ فليستغفر لكما" (٢). وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا محمد بن مسلم، عن محمد بن إسحاق، عن عمه موسى بن يسار، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أكل من لحم أخيه في الدنيا قرب الله إليه لحمه في الآخرة، فيقال له: كله ميتًا كما أكلته حيًا، قال: فيأكله ويكلح ويصيح" (٣) غريب جدًا. وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: فيما أمركم به ونهاكم عنه فراقبوه في ذلك واخشوا منه ﴿إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ أي: تواب على من تاب إليه رحيم لمن رجع إليه واعتمد عليه. قال الجمهور من العلماء: طريق المغتاب للناس في توبته أن يقلع عن ذلك ويعزم على أن لا يعود، وهل يشترط الندم على ما فات؟ فيه نزاع، وأن يتحلل من الذي اغتابه.

стр. 3994

وقال آخرون: لا يشترط أن يتحلله فإنه إذا أعلمه بذلك ربما تأذى أشد مما إذا لم يعلم بما كان منه فطريقه إذًا أن يثني عليه بما فيه في المجالس التي كان يذمه فيها، وأن يردَّ عنه الغيبة بحسبه وطاقته، لتكون تلك بتلك كما قال الإمام أحمد، حدثنا أحمد بن الحجاج، حدثنا عبد الله، أخبرنا [يحيى بن] (١) أيوب، عن عبد الله بن سليمان أن إسماعيل بن يحيى المعافري أخبره، أن سهل بن معاذ بن أنس الجهني أخبره، عن أبيه ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من حمى مؤمنًا من منافق يغتابه، بعث الله تعالى إليه ملكًا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمى مؤمنًا بشيء يريد سبه حبسه الله تعالى على جسر جهنم حتى يخرج مما قال" (٢). وكذا رواه أبو داود من حديث عبد الله وهو ابن المبارك به بنحوه (٣). وقال أبو داود أيضًا: حدثنا إسحاق بن الصباح، حدثنا ابن أبي مريم، أخبرنا الليث، حدثني يحيى بن سليم أنه سمع إسماعيل بن بشير يقول: سمعت جابر بن عبد الله وأبا طلحة بن سهل الأنصاري يقولان: قال رسول الله ﷺ : "ما من امرئ يخذل امرءًا مسلمًا في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله في مواطن يحب فيها نصرته، وما من امرئ ينصر امرءًا مسلمًا في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في مواطن يحب فيها نصرته" (٤). تفرد به أبو داود. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾. يقول تعالى مخبرًا للناس أنه خلقهم من نفس واحدة وجعل منها زوجها، وهما آدم وحواء، وجعلهم شعوبًا وهي أعمُّ من القبائل، وبعد القبائل مراتب أخر كالفصائل والعشائر والعمائر والأفخاذ وغير ذلك، وقيل: المراد بالشعوب بطون العجم، وبالقبائل بطون العرب، كما أن الأسباط بطون بني إسرائيل، وقد لخصت هذه في مقدمة مفردة جمعتها من كتاب "الإنباه" لأبي عمر ابن عبد البر، ومن كتاب (القصد والأمم في معرفة أنساب العرب والعجم) فجميع الناس في الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء ﵉ سواء، وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية وهي طاعة الله تعالى ومتابعة رسوله ﷺ ، ولهذا قال تعالى بعد النهي عن الغيبة واحتقار بعض الناس بعضًا، منبهًا على تساويهم في البشرية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ أي: ليحصل التعارف بينهم كل يرجع إلى قبيلته.

стр. 3995

وقال مجاهد في قوله: ﴿لِتَعَارَفُوا﴾: كما يقال فلان بن فلان من كذا وكذا؛ أي: قبيلة كذا وكذا (١). وقال سفيان الثوري: كانت حمير ينتسبون إلى مخاليفها، وكانت عرب الحجاز ينتسبون إلى قبائلها (٢). وقد قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا أحمد بن محمد، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن عبد الملك بن عيسى الثقفي، عن [يزيد] (٣) مولى المنبعث، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأصل مثراة في المال منسأة في الأثر" ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (٤). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ أي: إنما تتفاضلون عند الله تعالى بالتقوى لا بالأحساب، وقد وردت الأحاديث بذلك عن رسول الله ﷺ . قال البخاري: حدثنا محمد بن سلام، حدثنا عبدة، عن عبيد الله، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله ﷺ : أي الناس أكرم؟ قال: "أكرمهم عند الله أتقاهم" قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: "فأكرم الناس يوسف نبي الله، ابن نبي الله، ابن نبي الله ابن خليل الله" قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: "فعن معادن العرب تسألوني؟ " قالوا: نعم. قال: "فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا" (٥). وقد رواه البخاري في غير موضع من طرق عن عبدة بن سليمان، ورواه النسائي في التفسير من حديث عبيد الله وهو ابن عمر العمري به (٦). حديث آخر: قال مسلم ﵀: حدثنا عمرو الناقد، حدثنا كثير بن هشام، حدثنا جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم". ورواه ابن ماجه، عن أحمد بن سنان، عن كثير بن هشام به (٧).

стр. 3996

حديث آخر: وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن أبي هلال، عن بكر، عن أبي ذرٍّ قال: إن النبي ﷺ قال له: "انظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى الله" (١). تفرد به أحمد (٢). حديث آخر: وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أبو عبيدة عبد الوارث بن إبراهيم العسكري، حدثنا عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة، حدثنا عبيد بن حنين الطائي، سمعت محمد بن حبيب بن خراش العصري يحدث عن أبيه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "المسلمون إخوة لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى" (٣). حديث آخر: قال أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا أحمد بن يحيى الكوفي، حدثنا الحسن بن الحسين، حدثنا قيس يعني ابن الربيع، عن شبيب بن غرقدة، عن المستظل بن حصين، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب، ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله تعالى من الجعلان (٤) ". ثم قال: لا نعرفه عن حذيفة إلا من هذا الوجه (٥). حديث آخر: قال ابن أبي حاتم: حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا يحيى بن زكريا القطان، حدثنا موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: طاف رسول الله ﷺ يوم فتح مكة على ناقته القصواء يستلم الأركان بمحجن في يده، فما وجد لها مناخًا في المسجد حتى نزل ﷺ على أيدي الرجال، فخرج بها إلى بطن المسيل فأنيخت، ثم إن رسول الله ﷺ خطبهم على راحلته فحمد الله تعالى وأثنى عليه بما هو له أهل ثم قال: "يا أيها الناس إن الله تعالى قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتعظمها بآبائها، فالناس رجلان: رجل بَرٌّ تقي كريم على الله تعالى، ورجل فاجر شقي هيِّن على الله تعالى، إن الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ

стр. 3997

وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾، ثم قال ﷺ : أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم" (١). هكذا رواه عبد بن حميد، عن أبي عاصم الضحاك، عن مخلد، عن موسى بن عبيدة به (٢). حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح، عن [عقبة] (٣) بن عامر قال: إن رسول الله ﷺ قال: "أن أنسابكم هذه ليست بمسبة على أحد، كلكم بنو آدم طَفُّ الصاع (٤) لم يملؤوه، ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين وتقوى، وكفى بالرجل أن يكون بذيًا بخيلًا فاحشًا" (٥). وقد رواه ابن جرير، عن يونس، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة به ولفظه: "الناس لآدم وحواء طَفُّ الصاع لم يملؤوه، إن الله لا يسألكم عن أحسابكم ولا عن أنسابكم يوم القيامة، إن أكرمكم عند الله أتقاكم" (٦). وليس هو في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه. حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا شريك، عن سماك، عن عبد الله بن عميرة زوج دُرَّة بنت أبي لهب، عن دُرَّة بنت أبي لهب قالت: قام رجل إلى النبي ﷺ وهو على المنبر فقال: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال ﷺ : "خير الناس أقرأهم وأتقاهم لله ، وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم" (٧). حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو الأسود، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: ما أعجب رسول الله ﷺ شيء من الدنيا ولا أعجبه أحد قط إلا ذو تقى (٨). تفرد به أحمد.

стр. 3998

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ أي: عليم بكم خبير بأموركم، فيهدي من يشاء ويضل من يشاء، ويرحم من يشاء ويعذب من يشاء، ويفضل من يشاء على من يشاء، وهو الحكيم العليم الخبير في ذلك كله، وقد استدلَّ بهذه الآية الكريمة وهذه الأحاديث الشريفة من ذهب من العلماء إلى أن الكفاءة في النكاح لا تشترط ولا يشترط سوى الدين لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ وذهب الآخرون إلى أدلة مذكورة في كتب الفقه، وقد ذكرنا طرفًا من ذلك في (كتاب الأحكام) ولله الحمد والمنة. وقد روى الطبراني، عن عبد الرحمن أنه سمع رجلًا من بني هاشم يقول: أنا أولى الناس برسول الله ﷺ فقال غيره: أنا أولى به منك ولك منه [نسبة] (١) (٢). ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾. يقول تعالى منكرًا على الأعراب الذين أول ما دخلوا في الإسلام ادعوا لأنفسهم مقام الإيمان ولم يتمكن الإيمان في قلوبهم بعد: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ وقد استفيد من هذه الآية الكريمة أن الإيمان أخصُّ من الإسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ويدل عليه حديث جبريل ﵊ حين سأل عن الإسلام ثم عن الإيمان ثم عن الإحسان، فترقى من الأعم إلى الأخصِّ ثم للأخصِّ منه. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: أعطى رسول الله ﷺ رجالًا ولم يعط رجلًا منهم شيئًا، فقال سعد: يا رسول الله أعطيت فلانًا وفلانًا ولم تعط فلانًا شيئًا، وهو مؤمن، فقال النبي ﷺ : أو مسلم؟ حتى أعادها سعد ﵁ ثلاثًا والنبي ﷺ : يقول: أو مسلم؟ ثم قال النبي ﷺ : "إني لأُعطي رجالًا وأدع من هو أحب إلي منهم، فلم أعطه شيئًا مخافة أن يكبوا في النار

стр. 3999

على وجوههم" (١). أخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري به (٢). فقد فرق النبي ﷺ بين المؤمن والمسلم، فدلَّ على أن الإيمان أخص من الإسلام، وقد قررنا ذلك بأدلته في أول شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري ولله الحمد والمنة. ودلَّ ذلك على أن ذاك الرجل كان مسلمًا ليس منافقًا لأنه تركه من العطاء، ووكله إلى ما هو فيه من الإسلام، فدلُّ هذا على أن هؤلاء الأعراب المذكورين في هذه الآية ليسوا بمنافقين وإنما هم مسلمون لم يستحكم الإيمان في قلوبهم، فادعوا لأنفسهم مقامًا أعلى مما وصلوا إليه فأدبوا في ذلك، وهذا معنى قول ابن عباس وإبراهيم النخعي وقتادة (٣) واختاره ابن جرير. وإنما قلنا هذا لأن البخاري ﵀ ذهب إلى أن هؤلاء كانوا منافقين يظهرون الإيمان وليسوا كذلك. وقد روي عن سعيد بن جبير ومجاهد وابن زيد أنهم قالوا في قوله: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ أي: استسلمنا خوف القتل والسبي (٤). قال مجاهد: نزلت في بني أسد بن خزيمة (٥). وقال قتادة: نزلت في قوم امتنوا بإيمانهم على رسول الله ﷺ (٦)، والصحيح الأول أنهم قوم ادعوا لأنفسهم مقام الإيمان، ولم يحصل لهم بعد فأُدبوا وأُعلموا أن ذلك لم يصلوا إليه بعد، ولو كانوا منافقين لعنفوا وفضحوا كما ذكر المنافقون في سورة براءة، وإنما قيل لهؤلاء تأديبًا: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: لم تصلوا إلى حقيقة الإيمان بعد. ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ أي: لا ينقصكم من أجوركم شيئًا كقوله: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: لمن تاب إليه وأناب. وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: إنما المؤمنون الكُمَّل ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ أي: لم يشكوا ولا تزلزلوا بل ثبتوا على حال واحدة هي التصديق المحض ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ

стр. 4000

وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: وبذلوا مهجهم ونفائس أموالهم في طاعة الله ورضوانه ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ أي: في قولهم إذا قالوا إنهم مؤمنون، لا كبعض الأعراب الذين ليس لهم من الإيمان إلا الكلمة الظاهرة. وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رشدين، حدثنا عمرو بن الحارث، عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد ﵁ قال: إن النبي ﷺ قال: "المؤمنون في الدنيا على ثلاثة أجزاء: الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، والذي يأمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والذي إذا أشرف على طمع [تركه] (١) لله " (٢). وقوله: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ أي: أتخبرونه بما في ضمائركم ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لا يخفى عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ثم قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ﴾ يعني: الأعراب الذين يمنون بإسلامهم ومتابعتهم ونصرتهم على الرسول ﷺ يقول الله تعالى رادًّا عليهم: ﴿قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ﴾ فإن نفع ذلك إنما يعود عليكم ولله المنة عليكم فيه ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: في دعواكم ذلك كما قال النبي ﷺ للأنصار يوم حنين: "يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وكنتم عالة فأغناكم الله بي؟ " كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أَمْنّ (٣). وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا يحيى بن سعيد الأُموي، عن محمد بن قيس، عن أبي عون، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاءت بنو أسد إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله أسلمنا وقاتلتك العرب ولم نقاتلك. فقال رسول الله ﷺ : "إن فقههم قليل وإن الشيطان ينطق على ألسنتهم". ونزلت هذه الآية ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ (٤). ثم قال: لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه، ولا نعلم روى أبو عون محمد بن عبيد الله، عن سعيد بن جبير غير هذا الحديث.

стр. 4001

ثم كرر الإخبار بعلمه بجميع الكائنات وبصره بأعمال المخلوقات فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾. آخر تفسير سورة الحجرات، ولله الحمد والمنة.

стр. 4002

سُورَةُ ق وهي مكية هذه السورة هي أول الحزب المفصل على الصحيح وقيل من الحجرات. وأما ما يقوله العوام إنه من (عم) فلا أصل له ولم يقله أحد من العلماء المعتبرين فيما نعلم. والدليل على أن هذه السورة هي أول المفصل ما رواه أبو داود في سننه "باب تحزيب القرآن" ثم قال: حدثنا مسدد، حدثنا قران بن تمام، حدثنا عبد الله بن سعيد أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد، سليمان بن حيّان، وهذا لفظه: عن عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى، عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن جده، قال عبد الله بن سعيد: حدثنيه أوس بن حذيفة ثم اتفقا قال: قدمنا على رسول الله ﷺ في وفد ثقيف، قال: فنزلت الأحلاف على المغيرة بن شعبة، وأنزل الرسول ﷺ بني مالك في قبة له، قال مسدد: وكان في الوفد الذين قدموا على رسول الله ﷺ من ثقيف، قال: كان رسول الله ﷺ كل ليلة يأتينا بعد العشاء يحدثنا، قال أبو سعيد، قائمًا على رجليه حتى يراوح بين رجليه من طول القيام، فأكثر ما يحدثنا به ﷺ ما لقي من قومه قريش ثم يقول ﷺ : "لا سواء وكنا مستضعفين مستذلين - قال مسدد بمكة - فلما خرجنا إلى المدينة كانت الحرب سجالًا بيننا وبينهم ندال عليهم ويدالون علينا" فلما كانت ليلة أبطأ عنا ﷺ عن الوقت الذي كان يأتينا فيه، فقلنا: لقد أبطأت علينا الليلة، قال ﷺ : "إنه طرأ علي حزبي من القرآن فكرهت أن أجيء حتى أتمه". قال أوس: سألت أصحاب رسول الله ﷺ كيف يحزبون القرآن؟ فقالوا: ثلاث وخمس وسبع وتسع وإحدى عشرة وثلاثة عشرة، وحزب المفصل وحده (١)، ورواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر به، ورواه الإمام أحمد، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الله بن عبد الرحمن هو ابن يعلى الطائفي به (٢). إذا علم هذا فإذا عددت ثمانيًا وأربعين سورة فالتي بعدهن سورة ق. بيانه ثلاث: البقرة وآل عمران والنساء. وخمس: المائدة والأنعام والأعراف والأنفال وبراءة. وسبع: يونس وهود ويوسف والرعد وإبراهيم والحجر والنحل. وتسع: سبحان والكهف ومريم وطه والأنبياء والحج والمؤمنون والنور والفرقان. وإحدى عشرة: الشعراء والنمل والقصص والعنكبوت والروم ولقمان

стр. 4003

و ﴿الم﴾ السجدة والأحزاب وسبأ وفاطر ويس. وثلاث عشرة: الصافات وص والزمر وغافر وحم السجدة وحم عسق والزخرف والدخان والجاثية والأحقاف والقتال والفتح والحجرات. ثم بعد ذلك الحزب المفصل كما قاله الصحابة ﵃. فتعين أن أوله سورة ق. وهو الذي قلنا، ولله الحمد والمنة. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا مالك، عن ضمرة بن سعيد، عن عبيد الله بن عبد الله أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي: ما كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيد؟ قال: بقاف واقتربت (١)، ورواه مسلم وأهل السنن الأربعة من حديث مالك به (٢). وفي رواية لمسلم، عن فليح، عن ضمرة، عن عبيد الله، عن أبي واقد قال: سألني عمر ﵁، فذكره (٣). حديث آخر: وقال أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، عن أم هشام بنت حارثة قالت: لقد كان تنورنا وتنور النبي ﷺ واحدًا سنتين أو سنة وبعض سنة، وما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ [ق] إلا على رسول الله، وكان يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس (٤). رواه مسلم من حديث ابن إسحاق به (٥). وقال أبو داود: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن حبيب، عن عبد الله بن محمد بن معن، عن ابنة الحارث بن النعمان قالت: ما حفظت ﴿ق﴾ إلا من فِي رسول الله ﷺ يخطب بها كل جمعة. قالت: وكان تنورنا وتنور رسول الله ﷺ واحدًا (٦). وكذا رواه مسلم والنسائي وابن ماجه من حديث شعبة به (٧). والقصد أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بهذه السورة في المجامع الكبار: كالعيد والجُمَع لاشتمالها على ابتداء الخلق، والبعث والنشور والمعاد والقيام والحساب، والجنة والنار والثواب والعقاب والترغيب والترهيب.

стр. 4004

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾. ﴿ق﴾ حرف من حروف الهجاء المذكورة في أوائل السور كقوله تعالى: ﴿ص﴾ و ﴿ن﴾ و ﴿الم﴾ و ﴿حم﴾ و ﴿طس﴾ ونحو ذلك، قاله مجاهد وغيره. وقد أسلفنا الكلام عليها في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته، وقد روي عن بعض السلف أنهم قالوا: ﴿ق﴾ جبل محيط بجميع الأرض يقال له جبل قاف (١)، وكأن هذا، والله أعلم، من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس لما رأى من جواز الرواية عنهم مما لا يصدق ولا يكذب، وعندي أن هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يلبسون به على الناس أمر دينهم، كما افترى في هذه الأمة مع جلالة قدر علمائها وحفاظها وأئمتها أحاديث عن النبي ﷺ وما بالعهد من قدم فكيف بأمة بني إسرائيل مع طول المدى وقلة الحفاظ النقاد فيهم وشربهم الخمور، وتحريف علمائهم الكلم عن مواضعه وتبديل كتب الله وآياته؟ وإنما أباح الشارع الرواية عنهم في قوله: "وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" (٢) فيما قد يجوزه العقل، فأما فيما تحيله العقول ويحكم فيه بالبطلان ويغلب على الظنون كذبه فليس من هذا القبيل، والله أعلم. وقد أكثر كثير من السلف من المفسرين، وكذا طائفة كثيرة من الخلف من الحكاية عن كتب أهل الكتاب في تفسير القرآن المجيد، وليس بهم احتياج إلى أخبارهم، ولله الحمد والمنة، حتى أن الإمام أبا محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، رحمة الله عليه، أورد ههنا أثرًا غريبًا لا يصح سنده عن ابن عباس فقال: حدثنا أبي قال: حُدثت عن محمد بن إسماعيل المخزومي، حدثنا ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: خلق الله من وراء هذه الأرض بحرًا محيطًا بها، ثم خلق من وراء ذلك البحر جبلًا يقال له قاف، سماء الدنيا مرفوعة عليه، ثم خلق الله تعالى من وراء ذلك الجبل أرضًا مثل تلك الأرض سبع مرات، ثم خلق من وراء ذلك بحرًا محيطًا بها، ثم خلق من وراء ذلك جبلًا يقال له قاف السماء الثانية مرفوعة عليه، حتى عدَّ سبع أرضين وسبعة أبحر وسبعة أجبل وسبع سماوات، قال: وذلك في قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ (٣) [لقمان: ٢٧]. فإسناده هذا الأثر فيه انقطاع، والذي رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ق﴾ هو اسم من أسماء الله (٤).

стр. 4005

والذي ثبت عن مجاهد أنه حرف من حروف الهجاء (١) كقوله تعالى: ﴿ص﴾، ﴿ن﴾، ﴿حم﴾، ﴿طس﴾، ﴿الم﴾ ونحو ذلك، فهذه تبعد ما تقدم عن ابن عباس. وقيل: المراد قضي الأمر والله، وأن قوله: ﴿ق﴾ قال: دلَّت على المحذوف من بقية الكلمة كقول الشاعر: قلت لها قفي فقالت ق (٢) وفي هذا التفسير نظر لأن الحذف في الكلام يكون إنما يكون إذا دل دليل عليه، ومن أين يفهم هذا من ذكر هذا الحرف؟ وقوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ أي: الكريم العظيم الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت] واختلفوا في جواب القسم ما هو؟ فحكى ابن جرير عن بعض النحاة أنه قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤)﴾، وفي هذا نظر (٣) بل الجواب هو مضمون الكلام بعد القسم، وهو إثبات النبوة وإثبات المعاد وتقريره وتحقيقه، وإن لم يكن القسم يلتقي لفظًا، وهذا كثير في أقسام القرآن كما تقدم في قوله: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)﴾ [ص] وهكذا قال ههنا: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢)﴾ أي: تعجبوا من إرسال رسول إليهم من البشر، كقوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ [يونس: ٢] أي: وليس هذا بعجيب فإن الله يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس. ثم قال مخبرًا عنهم في تعجبهم أيضًا من المعاد واستبعادهم لوقوعه: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾ أي: يقولون أئذا متنا وبلينا وتقطعت الأوصال منا وصرنا ترابًا، كيف يمكن الرجوع بعد ذلك إلى هذه البنية والتركيب؟ ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي: بعيد الوقوع. والمعنى أنهم يعتقدون استحالته وعدم إمكانه. قال الله تعالى رادًّا عليهم: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ أي: ما تأكل من أجسادهم في البلى نعلم ذلك ولا يخفى علينا أين تفرقت الأبدان وأين ذهبت وإلى أين صارت ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ أي: حافظ لذلك فالعلم شامل والكتاب أيضًا فيه كل الأشياء مضبوطة. قال العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ أي: ما تأكل من لحومهم وأبشارهم، وعظامهم وأشعارهم (٤)، وكذا قال مجاهد وقتادة والضحاك وغيرهم (٥).

стр. 4006

ثم بين ﵎ سبب كفرهم وعنادهم واستبعادهم ما ليس ببعيد فقال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾ أي: وهذا حال كل من خرج عن الحق مهما قال بعد ذلك فهو باطل، والمريج: المختلف المضطرب الملتبس المنكر خلاله كقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)﴾ [الذاريات]. ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾. يقول تعالى منبهًا للعباد على قدرته العظيمة التي أظهر بها ما هو أعظم مما تعجبوا مستبعدين لوقوعه: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾ أي: بالمصابيح. ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ قال مجاهد: يعني من شقوق (١)، وقال غيره: فتوق، وقال غيره: صدوع (٢)، والمعنى متقارب كقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)﴾ [الملك] أي: كليل عن أن يرى عيبًا أو نقصًا. وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ أي: وسعناها وفرشناها ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ وهي الجبال لئلا تميد بأهلها وتضطرب، فإنها مقرة على تيار الماء المحيط بها من جميع جوانبها ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أي: من جميع الزروع والثمار والنبات والأنواع ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩)﴾ [الذاريات] وقوله: بهيج؛ أي: حسن المنظر ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ أي: ومشاهدة خلق السماوات والأرض وما جعل الله فيهما من الآيات العظيمة تبصرة ودلالة وذكرى لكل عبد منيب؛ أي: خاضع خائف وجل رجّاع إلى الله . وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ أي: نافعًا ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ﴾ أي: حدائق من بساتين ونحوها ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ وهو الزرع الذي يراد لحبه وادخاره ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ أي: طوالًا شاهقات، قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والسدي وغيرهم: الباسقات الطوال (٣). ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ أي: منضود (٤) ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ أي: للخلق ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾

стр. 4007

وهي الأرض التي كانت هامدة، فلما نزل الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج من أزاهير وغير ذلك، مما يحار الطرف في حسنها، وذلك بعد ما كانت لا نبات بها فأصبحت تهتز خضراء، فهذا مثال للبعث بعد الموت والهلاك، كذلك يُحيي الله الموتى وهذا المشاهد من عظيم قدرته بالحسِّ أعظم مما أنكره الجاحدون للبعث، كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾ [الأحقاف] وقال : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [فصلت]. ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤) أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾. يقول تعالى متهددًا لكفار قريش، بما أحلَّه بأشباههم ونظرائهم وأمثالهم من المكذبين قبلهم، من النقمات والعذاب الأليم في الدنيا كقوم نوح وما عذبهم الله تعالى به من الغرق العام لجميع أهل الأرض وأصحاب الرسِّ، وقد تقدمت قصتهم في سورة الفرقان. ﴿وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣)﴾ وهم أمته الذين بعث إليهم من أهل سدوم ومعاملتها من الغور، وكيف خسف الله تعالى بهم الأرض، وأحال أرضهم بحيرة منتنة خبيثة بكفرهم وطغيانهم ومخالفتهم الحق. ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ وهم قوم شعيب ﵊ ﴿وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ وهو اليماني، وقد ذكرنا من شأنه في سورة الدخان ما أغنى عن إعادته ههنا، ولله الحمد والشكر. ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ أي: كل من هذه الأمم وهؤلاء القرون كذب رسولهم، ومن كذب رسولًا فكأنما كذب جميع الرسل كقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ [الشعراء] وإنما جاءهم رسول واحد فهم في نفس الأمر لو جاءهم جميع الرسل كذبوهم ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ أي: فحق عليهم ما أوعدهم الله تعالى على التكذيب من العذاب والنكال، فليحذر المخاطبون أن يصيبهم ما أصابهم فإنهم قد كذبوا رسولهم كما كذبوا أولئك. وقوله تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ أي: أفعجزنا ابتداء الخلق حتى هم في شك من الإعادة ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ والمعنى أن ابتداء الخلق لم يعجزنا والإعادة أسهل منه كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] وقال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس]. وقد تقدم في الصحيح: "يقول الله تعالى يؤذيني ابن آدم يقول لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته" (١).

стр. 4008

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾. يخبر تعالى عن قدرته على الإنسان بأنه خالقه وعلمه محيط بجميع أموره، حتى إنه تعالى يعلم ما توسوس به نفوس بني آدم من الخير والشر. وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن الله تعالى تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل" (١). وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ يعني: ملائكته تعالى أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه، ومن تأوله على العلم فإنما فرَّ لئلا يلزم حلول أو اتحاد وهما منفيان بالإجماع، تعالى الله وتقدس، ولكن اللفظ لا يقتضيه فإنه لم يقل: وأنا أقرب إليه من حبل الوريد وإنما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ كما قال المحتضر: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥)﴾ [الواقعة] يعني: ملائكته وكما قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر] فالملائكة نزلت بالذكر وهو القرآن بإذن الله ، وكذلك الملائكة أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه [بتقدير] (٢) الله لهم على ذلك. فللملك لمة من الإنسان كما أن للشيطان لمة، وكذلك الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم (٣)، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ يعني: الملكين اللذين يكتبان عمل الإنسان. ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ أي: مترصد ﴿مَا يَلْفِظُ﴾ أي: ابن آدم ﴿مِنْ قَوْلٍ﴾ أي: ما يتكلم بكلمة ﴿إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أي: إلا ولها من يرقبها معد لذلك يكتبها لا يترك كلمة ولا حركة كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار]. وقد اختلف العلماء هل يكتب الملك كل شيء من الكلام. وهو قول الحسن وقتادة (٤)، أو إنما يكتب ما فيه ثواب وعقاب كما هو قول ابن عباس (٥)، على قولين، وظاهر الآية الأول لعموم قوله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة الليثي، عن أبيه، عن جده علقمة، عن بلال بن الحارث المزني قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله عليه بها سخطه إلى

стр. 4009

يوم يلقاه" فكان علقمة يقول: كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث (١). ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث محمد بن عمرو به، وقال الترمذي: حسن صحيح وله شاهد في الصحيح (٢). وقال الأحنف بن قيس: صاحب اليمين يكتب الخير وهو أمير على صاحب الشمال، فإن أصاب العبد خطيئة قال له: أمسك، فإن استغفر الله تعالى نهاه أن يكتبها، وإن أبى كتبها (٣). رواه ابن أبي حاتم، وقال الحسن البصري وتلا هذه الآية ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ يا ابن آدم بسطت لك صحيفة ووكل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت أقلل أو أكثر حتى إذا مت طويت صحيفتك وجعلت في عنقك معك في قبرك حتى يخرج يوم القيامة فعند ذلك يقول تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء] ثم يقول: عدل والله فيك من جعلك حسيب نفسك (٤). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ قال: يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر حتى أنه ليكتب قوله: أكلت شربت ذهبت جئت رأيت، حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله، فأقرّ منه ما كان فيه من خير أو شر وألقي سائره، وذلك قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ (٥) [الرعد]. وذُكر عن الإمام أحمد أنه كان يئن في مرضه فبلغه عن طاوس أنه قال: يكتب الملك كل شيء حتى الأنين فلم يئن أحمد حتى مات ﵀ (٦). وقوله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩)﴾ يقول تعالى: وجاءت أيها الإنسان سكرة الموت بالحق؛ أي: كشفت لك عن اليقين الذي كنت تمتري فيه ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أي: هذا هو الذي كنت تفر منه قد جاءك فلا محيد ولا مناص ولا فكاك ولا خلاص. وقد اختلف المفسرون في المخاطب بقوله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩)﴾ فالصحيح أن المخاطب بذلك الإنسان من حيث هو، وقيل الكافر، وقيل غير ذلك.

стр. 4010

وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا إبراهيم بن زياد سبلان، أخبرنا عباد بن عباد، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبيه، عن جده علقمة بن وقاص قال: إن عائشة ﵂ قالت: حضرت أبي ﵁ وهو يموت، وأنا جالسة عند رأسه فأخذته غشية، فتمثلت ببيت من الشعر: من لا يزال دمعه مقنعًا … فإنه لا بدّ مرة مدفوق قالت: فرفع رأسه فقال: يا بُنية ليس كذلك ولكن كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩)﴾ (١). وحدثنا خلف بن هشام، حدثنا أبو شهاب الخياط، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن البهي قال: لما أن ثقل أبو بكر ﵁ جاءت عائشة ﵂ فتمثلت بهذا البيت: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى … إذا حشرجت يومًا وضاق بها الصدر (٢) فكشف عن وجهه وقال ﵁: ليس كذلك، ولكن قولي ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩)﴾ (٣). وقد أوردت لهذا الأثر طرقًا كثيرة في سيرة الصديق ﵁ عند ذكر وفاته، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه لما تغشاه الموت جعل يمسح العرق، عن وجهه ويقول: "سبحان الله إن للموت لسكرات" (٤). وفي قوله: ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ قولان: (أحدهما): أن ما ههنا موصولة؛ أي: الذي كنت منه تحيد بمعنى تبتعد وتتناءى وتفر قد حلَّ بك ونزل بساحتك. (والقول الثاني): أن ما نافية بمعنى ذلك ما كنت تقدر على الفرار منه ولا الحيد عنه. وقد قال الطبراني في المعجم الكبير: حدثنا مؤمل بن علي الصائغ المكي، حدثنا حفص، عن ابن عمر الحدي، حدثنا معاذ بن محمد الهذلي، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن سَمرة قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل الذي يفر من الموت مثل الثعلب تطلبه الأرض بدين، فجاء يسعى حتى إذا أعيا وأسهر دخل حجره. وقالت له الأرض: يا ثعلب ديني، فخرج وله حُصاص (٥) فلم يزل كذلك حتى تقطعت عنقه ومات" ومضمون هذا المثل كما لا انفكاك له ولا محيد عن الأرض، كذلك الإنسان لا محيد له عن الموت (٦).

стр. 4011

وقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠)﴾ قد تقدم الكلام على حديث النفخ في الصور والفزع والصعق والبعث، وذلك يوم القيامة. وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: "كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته وانتظر أن يؤذن له" قالوا: يا رسول الله كيف نقول؟ قال ﷺ : "قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل" فقال القوم: حسبنا الله ونعم الوكيل (١). ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١)﴾ أي: ملك يسوقه إلى المحشر وملك يشهد عليه بأعماله هذا هو الظاهر من الآية الكريمة، وهو اختيار ابن جرير ثم روي من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن يحيى بن رافع مولى لثقيف قال: سمعت عثمان بن عفان ﵁ يخطب فقرأ هذه الآية ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١)﴾ فقال: سائق يسوقها إلى الله تعالى وشاهد يشهد عليها بما عملت (٢)، وكذا قال مجاهد وقتادة وابن زيد (٣). وقال مُطرِّف، عن أبي جعفر مولى أشجع، عن أبي هريرة ﵁ قال: السائق الملك والشهيد (٤) العمل، وكذلك قال الضحاك والسدي (٥). وقال العوفي، عن ابن عباس: السائق من الملائكة والشهيد الإنسان نفسه، يشهد على نفسه (٦)، وبه قال الضحاك بن مزاحم أيضًا (٧). وحكى ابن جرير ثلاثة أقوال في المراد بهذا الخطاب في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾. (أحدها): أن المراد بذلك الكافر، رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (٨)، وبه يقول الضحاك بن مزاحم وصالح بن كيسان. (والثاني): أن المراد بذلك كل أحد من بر وفاجر لأن الآخرة بالنسبة إلى الدنيا كاليقظة، والدنيا كالمنام، وهذا اختيار ابن جرير، ونقله عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله، عن عبد الله بن عباس (٩).

стр. 4012

(والثالث): أن المخاطب بذلك النبي ﷺ وبه يقول زيد بن أسلم (١) وابنه، والمعنى على قولهما: لقد كنت في غفلة من هذا القرآن قبل أن يوحى إليك، فكشفنا عنك غطاءك بإنزاله إليك فبصرك اليوم حديد، والظاهر من السياق خلاف هذا بل الخطاب مع الإنسان من حيث هو، والمراد بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ يعني: من هذا اليوم ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أي: قوي لأن كل أحد يوم القيامة يكون مستبصرًا حتى الكفار في الدنيا، يكونون يوم القيامة على الاستقامة، لكن لا ينفعهم ذلك، قال الله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم: ٣٨]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾ [السجدة]. ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)﴾. يقول تعالى مخبرًا عن الملك الموكل بعمل ابن آدم إنه يشهد عليه يوم القيامة بما فعل ويقول: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أي: معتمد محضر بلا زيادة ولا نقصان. وقال مجاهد: هذا كلام الملك السائق (٢)، يقول ابن آدم الذي وكلتني به قد أحضرته، وقد اختار ابن جرير أنه يعمُّ السائق والشهيد، وله اتجاه وقوة، فعند ذلك يحكم الله تعالى في الخليقة بالعدل فيقول: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤)﴾. وقد اختلف النحاة في قوله: ﴿أَلْقِيَا﴾ فقال بعضهم هي لغة لبعض العرب يخاطبون المفرد بالتثنية كما روي عن الحجاج أنه كان يقول: يا حرسي اضربا عنقه، ومما أُنشد ابن جرير على هذه قول الشاعر: فإن تزجراني يا ابن عفان أَنزجر … وإن تتركاني أحم عرضًا ممنعا (٣) وقيل: بل هي نون التأكيد سهلت إلى الألف، وهذا بعيد لأن هذا إنما يكون في الوقف، والظاهر أنها مخاطبة مع السائق والشهيد، فالسائق أحضره إلى عرصة الحساب، فلما أدّى الشهيد عليه أمرهما الله تعالى بإلقائه في نار جهنم، وبئس المصير ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤)﴾ أي: كثير الكفر والتكذيب بالحق عنيد معاند للحق، معارض له بالباطل مع علمه بذلك ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أي: لا يؤدي ما عليه من الحقوق ولا بر فيه ولا صلة ولا صدقة ﴿مُعْتَدٍ﴾ أي: فيما ينفقه ويصرفه يتجاوز فيه الحد.

стр. 4013

وقال قتادة: معتد في منطقه وسيرته وأمره (١). ﴿مُرِيبٍ﴾ أي: شاك في أمره مريب لمن نظر في أمره ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ أي: أشرك بالله فعبد معه غيره ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ وقد تقدم في الحديث أن عنقًا من النار يبرز للخلائق فينادي بصوت يسمع الخلائق: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، ومن جعل مع الله إلهًا آخر، وبالمصورين، ثم تنطوي عليهم. قال الإمام أحمد: حدثنا معاوية هو: ابن هشام، حدثنا شيبان، عن فراس، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "يخرج عنق من النار يتكلم يقول وكلت اليوم بثلاثة: بكل جبار عنيد، ومن جعل مع الله إلهًا آخر، ومن قتل نفسًا بغير نفس فتنطوي عليهم فتقذفهم في غمرات جهنم" (٢). ﴿قَالَ قَرِينُهُ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم: هو الشيطان الذي وكِّل به (٣). ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ أي: يقول عن الإنسان الذي قد أوفى القيامة كافرًا يتبرأ منه شيطانه فيقول: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ أي: ما أضللته ﴿وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ أي: بل كان هو في نفسه ضالًّا قابلًا للباطل معاندًا للحق، كما أخبر تعالى في الآية الأخرى في قوله: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢)﴾ [إبراهيم]. وقوله: ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ يقول الرب للإنسي وقرينه من الجن، وذلك أنهما يختصمان بين يدي الحق تعالى، فيقول الإنسي؛ يا رب هذا أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني، ويقول الشيطان: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ أي: عن منهج الحق، فيقول الرب لهما: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ أي: عندي ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ أي: قد أعذرت إليكم على ألسنة الرسل، وأنزلت الكتب وقامت عليكم الحجج والبينات والبراهين. ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ قال مجاهد: يعني قد قضيت ما أنا قاض ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أي: لست أعذب أحدًا إلا بذنبه بعد قيام الحجة عليه. ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾. يخبر تعالى أنه يقول لجهنم يوم القيامة: هل امتلأت؟ وذلك أنه تبارك وعدها أن سيملؤها من

стр. 4014

الجنة والناس أجمعين، فهو يأمر بمن يأمر به إليها ويلقى وهي تقول: هل من مزيد؛ أي: هل بقي شيء تزيدوني؟ هذا هو الظاهر في سياق الآية وعليه تدل الأحاديث. قال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا عبد الله بن أبي الأسود، حدثني حَرمي بن عمارة، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "يلقى في النار وتقول: هل من مزيد؟ " حتى يضع قدمه فتقول: "قط، قط" (١). وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد؟ حتى يضع ربُّ العزة قدمه فيها فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط وعزتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقًا آخر فيسكنهم الله تعالى في فضول الجنة" (٢). ثم رواه مسلم من حديث قتادة بنحوه، ورواه أبان العطار وسليمان التيمي عن قتادة بنحوه (٣). حديث آخر: قال البخاري: حدثنا محمد بن موسى القطان، حدثنا أبو سفيان الحميري سعيد بن يحيى بن مهدي، حدثنا عوف، عن محمد، عن أبي هريرة، رفعه وأكثر ما كان يوقفه أبو سفيان: "يقال لجهنم: هل امتلأت، وتقول: هل من مزيد؟ فيضع الربُّ ﵎ قدمه عليها فتقول: قط قط" (٤). ورواه أبو أيوب وهشام بن حسان، عن محمد بن سيرين به. طريق أخرى: قال البخاري: وحدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن [همام] (٥) بن منبه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تحاجت الجنة والنار فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم. قال الله للجنة: أنتِ رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنتِ عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فيها فتقول: قط قط فهنالك تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض ولا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقًا آخر" (٦). حديث آخر: قال مسلم في صحيحه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "احتجَّت الجنة والنار فقالت النار: فيَّ

стр. 4015

الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: فيَّ ضعفاء الناس ومساكينهم فقضى بينهما فقال للجنة: إنما أنتِ رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنتِ عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منكما ملؤها" (١) انفرد به مسلم دون البخاري من هذا الوجه والله أعلم. وقد رواه الإمام أحمد من طريق أخرى عن أبي سعيد ﵁ بأبسط من هذا السايق فقال: حدثنا حسن وروح قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن عبيد الله بن عتبة، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قال: "افتخرت الجنة والنار فقالت النار: يا ربِّ يدخلني الجبابرة والمتكبرون والملوك والأشراف، وقالت الجنة: أي ربِّ يدخلني الضعفاء والفقراء والمساكين فيقول الله للنار: أنتِ عذابي أصيب بك من أشاء، وقال للجنة: أنتِ رحمتي وسعت كل شيء ولكل واحدة منكما ملؤها، فيلقى في النار أهلها فتقول هل من مزيد؟ قال: ويلقى فيها وتقول هل من مزيد؟ ويلقى فيها وتقول هل من مزيد؟ حتى يأتيها فيضع قدمه عليها فتنزوي وتقول قدني قدني، وأما الجنة فيبقى فيها ما شاء تعالى أن يبقى فينشئ الله لها خلقًا ما يشاء" (٢). حديث آخر: وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثني عقبة بن مكرم، حدثنا يونس، حدثنا عبد الغفار بن القاسم، عن عدي بن ثابت، عن زرٍّ بن حبيش، عن أُبي بن كعب قال: إن رسول الله ﷺ قال: "يعرفني الله تعالى نفسه يوم القيامة، فأسجد سجدة يرضى بها عني ثم أمدحه مدحة يرضى بها عني، ثم يؤذن لي في الكلام، ثم تمر أُمتي على الصراط مضروب بين ظهراني جهنم، فيمرون أسرع من الطرف والسهم، وأسرع من أجود الخيل، حتى يخرج الرجل منها يحبو وهي الأعمال، وجهنم تسأل المزيد حتى يضع فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط وأنا على الحوض" قيل: وما الحوض يا رسول الله؟ قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده إن شرابه أبيض من اللبن وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج. وأطيب ريحًا من المسك، وآنيته أكثر من عدد النجوم لا يشرب منه إنسان فيظمأ أبدًا ولا يصرف فيروى أبدًا" (٣). وهذا القول هو اختيار ابن جرير. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى الحِماني، عن نصر الخراز، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾ قال: ما امتلأت. قال تقول: وهل من مكان يزاد فيَّ (٤)؟ وكذا رواه [الحكم] (٥) بن أبان، عن عكرمة ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ

стр. 4016

مَزِيدٍ﴾ وهل في مدخل واحد قد امتلأت (١)؟ قال الوليد بن مسلم، عن يزيد بن أبي مريم أنه سمع مجاهدًا يقول: لا يزال يقذف فيها حتى تقول: امتلأت، فتقول: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾؟ (٢). وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحو هذا (٣). فعند هؤلاء أن قوله تعالى: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ إنما هو بعدما يضع عليها قدمه فتنزوي وتقول حينئذٍ هل بقي فيَّ مزيد يسع شيئًا؟ قال العوفي عن ابن عباس: وذلك حين لا يبقى فيها موضع يسع إبرة (٤)، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١)﴾ قال قتادة وأبو مالك والسدي ﴿وَأُزْلِفَتِ﴾ أدنيت (٥) وقربت من المتقين. ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ وذلك يوم القيامة، وليس ببعيد لأنه واقع لا محالة وكل ما هو آت قريب ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ أي: راجع تائب مقلع ﴿حَفِيظٍ﴾ أي: يحفظ العهد فلا ينقضه ولا ينكثه. وقال عبيد بن عمرو: الأواب الحفيظ الذي لا يجلس مجلسًا فيقوم حتى يستغفر الله (٦). ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ أي: من خاف الله في سره حيث لا يراه أحد إلا الله كقوله ﷺ : "ورجل ذكر الله تعالى خاليًا، ففاضت عيناه" (٧). ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أي: ولقي الله يوم القيامة بقلب منيب سليم إليه خاضع لديه ﴿ادْخُلُوهَا﴾ أي: الجنة ﴿بِسَلَامٍ﴾. قال قتادة: سلموا من عذاب الله، وسلَّم عليهم ملائكة الله. وقوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ أي: يخلدون في الجنة فلا يموتون أبدًا، ولا يظعنون أبدًا ولا يبغون عنها حولًا، وقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾ أي: مهما اختاروا وجدوا من أي أصناف الملاذ طلبوا أحضر لهم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عمر بن عثمان، حدثنا بقية، عن يحيى بن سعيد، عن خالد بن معدان، عن كثير بن مرة قال: من المزيد أن تمر السحابة بأهل الجنة فتقول: ماذا تريدون فأمطره لكم؟ فلا يدعون بشيء إلا أمطرتهم، قال كثير: لئن أشهدني الله تعالى ذلك لأقولن أمطرينا جواري مزينات (٨). وفي الحديث عن ابن مسعود قال: إن رسول الله ﷺ قال له: "إنك لتشتهي الطير في الجنة

стр. 4017

فيخر بين يديك مشويًا" (١). وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن عامر الأحول، عن أبي بكر الصديق ﵁، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: "إذا اشتهى المؤمن الولد في الجنة كان حمله ووضعه وسنه في ساعة واحدة" (٢) ورواه الترمذي وابن ماجه، عن بندار، عن معاذ بن هشام به (٣). وقال الترمذي حسن غريب وزاد: [كما] (٤) اشتهى. وقوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ كقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وقد تقدم في صحيح مسلم عن صهيب بن سنان الرومي أنها النظر إلى وجه الله الكريم (٥). وقد روى البزار وابن أبي حاتم من حديث شريك القاضي، عن عثمان بن عمير أبي اليقظان، عن أنس بن مالك ﵁ في قوله : ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ قال: يظهر لهم الرب في كل جمعة (٦). وقد رواه الإمام أبو عبد الله الشافعي مرفوعًا فقال في مسنده: أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثني موسى بن عبيدة، حدثني أبو الأزهر معاوية بن إسحاق بن طلحة، عن عبد الله بن عمير أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: أتى جبرائيل ﵊ بمرآة بيضاء فيها نكتة إلى رسول الله فقال رسول الله ﷺ : "ما هذه؟ " فقال: هذه الجمعة فضلت بها أنت وأمتك، فالناس لكم فيها تبع اليهود والنصارى ولكم فيها خير، ولكم فيها ساعة لا يوافقها مؤمن، يدعو الله تعالى فيها بخير إلا استجيب له وهو عندنا يوم المزيد. قال النبي ﷺ : "يا جبريل وما يوم المزيد؟ " قال ﵇: إن ربك ﵎ اتخذ في الفردوس واديًا أفيح فيه كثب المسك، فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله تعالى ما شاء من ملائكته، وحوله منابر من نور عليها مقاعد النبيين، وحفت تلك المنابر بمنابر من ذهب مكللة بالياقوت والزبرجد عليها الشهداء والصديقون، فجلسوا من ورائهم على تلك الكثب، فيقول الله : أنا ربكم قد صدقتكم وعدي فسلوني أعطكم، فيقولون: ربنا نسألك رضوانك، فيقول: قد رضيت عنكم ولكم علي ما تمنيتم ولدي مزيد. فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربهم من الخير، وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش وفيه خلق آدم وفيه تقوم الساعة. هكذا أورده الإمام الشافعي ﵀ في كتاب الجمعة من الأُم (٧)، وله طرق عن أنس بن مالك ﵁، وقد أورد ابن جرير هذا الحديث من رواية عثمان بن عمير، عن أنس ﵁ بأبسط من هذا، وذكر ههنا أثرًا

стр. 4018

مطولًا عن أنس بن مالك ﵁ موقوفًا وفيه غرائب كثيرة (١). وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "إن الرجل في الجنة ليتكئ في الجنة سبعين سنة [قبل أن يتحول] (٢)، ثم تأتيه امرأة تضرب على منكبه فينظر وجهه في خدها أصفى من المرآة، وأن أدنى لؤلؤة عليها تضيء ما بين المشرق والمغرب فتسلم عليه فيرد السلام فيسألها من أنت؟ فتقول أنا من المزيد وإنه ليكون عليها سبعون حلة أدناها مثل النعمان من طوبى فينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك، وإن عليها من التيجان إن أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب" (٣). وهكذا رواه عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن دراج به. ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠)﴾. يقول تعالى: وكم أهلكنا قبل هؤلاء المكذبين ﴿مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ أي: كانوا أكثر منهم وأشد قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها ولهذا قال ههنا: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ قال ابن عباس: أثروا فيها (٤). وقال مجاهد: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ﴾ ضربوا في الأرض (٥). وقال قتادة: فساروا في البلاد؛ أي: ساروا فيها يبتغون الأرزاق والمتاجر والمكاسب أكثر مما طفتم بها (٦). ويقال لمن طوَّف في البلاد نقب فيها، قال امرؤ القيس (٧): لقد نقبت في الآفاق حتى … رضيت من الغنيمة بالإياب (٨) وقوله: ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ أي: هل من مفرٍّ كان لهم من قضاء الله وقدره؟ وهل نفعهم ما جمعوه؟ وردَّ عنهم عذاب الله إذ جاءهم لما كذبوا الرسل فأنتم أيضًا لا مفرَّ لكم ولا محيد ولا مناص ولا محيص. وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ أي: لعبرة ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أي: لب يعي به. وقال مجاهد: عقل ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أي: استمع الكلام فوعاه وتعقله وتفهمه بلبه. وقال مجاهد: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ يعني: لا يحدث نفسه في هذا بقلب (٩).

стр. 4019

وقال الضحاك: العرب تقول: ألقى فلان سمعه إذا استمع بأذنيه، وهو شاهد يقول: غير غائب (١). وهكذا قال الثوري وغير واحد (٢). وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ فيه تقرير للمعاد لأن من قدر على خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن قادر على أن يحيي الموتى بطريق الأولى والأحرى. وقال قتادة: قالت اليهود - عليهم لعائن الله -: خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع وهو يوم السبت - وهم يسمُّونه: يوم الراحة - فأنزل الله تعالى تكذيبهم فيما قالوه وتأولوه (٣). ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ أي: من إعياء ولا تعب ولا نصب، كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾ [الأحقاف] وكما قال: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وقال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧)﴾ [النازعات]. وقوله: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ يعني المكذبين اصبر عليهم واهجرهم هجرًا جميلًا ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ وكانت الصلاة المفروضة قبل الإسراء ثنتين قبل طلوع الشمس في وقت الفجر وقبل الغروب في وقت العصر، وقيام الليل كان واجبًا على النبي ﷺ وعلى أمته حولًا ثم نسخ في حق الأمة وجوبه، ثم بعد ذلك نسخ الله تعالى ذلك كله ليلة الإسراء بخمس صلوات، ولكن منهنَّ صلاة الصبح والعصر فهما قبل طلوع الشمس وقبل الغروب. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله قال: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: "أما إنكم ستعرضون على ربكم فترونه كما ترون هذا القمر [لا تضامون] (٤) فيه، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا" ثم قرأ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (٥). ورواه البخاري ومسلم وبقية الجماعة من حديث إسماعيل به (٦). وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ أي فصلِّ له كقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء] ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾.

стр. 4020

قال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس: هو التسبيح بعد الصلاة (١). ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيحين، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: جاء فقراء المهاجرين فقالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم، فقال النبي ﷺ : "وما ذاك؟ " قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق. قال ﷺ : "أفلا أعلمكم شيئًا إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من فعل مثل ما فعلتم؟ تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين" قال: فقالوا: يا رسول الله سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله. فقال ﷺ : "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" (٢). والقول الثاني: أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ هما الركعتان بعد المغرب، وروي ذلك عن عمر وعلي وابنه الحسن وابن عباس وأبي هريرة وأبي أُمامة، وبه يقول مجاهد وعكرمة والشعبي والنخعي والحسن وقتادة وغيرهم (٣). قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وعبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يصلي على أثر كل صلاة مكتوبة ركعتين إلا الفجر والعصر، وقال عبد الرحمن: دبر كل صلاة. ورواه أبو داود والنسائي من حديث سفيان الثوري به، زاد النسائي ومطرف، عن أبي إسحاق به (٤). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا ابن فضيل، عن رشدين بن كريب، عن أبيه، عن ابن عباس قال: بتُّ ليلة عند رسول الله ﷺ ، فصلى ركعتين خفيفتين اللتين قبل الفجر، ثم خرج إلى الصلاة فقال يا ابن عباس "ركعتين قبل صلاة الفجر إدبار النجوم، وركعتين بعد المغرب إدبار السجود" ورواه الترمذي، عن أبي هشام الرفاعي، عن محمد بن فضيل به. وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (٥). وحديث ابن عباس، وأنه بات في بيت

стр. 4021

خالته ميمونة، وصلى تلك الليلة مع النبي ﷺ ثلاث عشرة ركعة ثابت في الصحيحين وغيرهما (١). فأما هذه الزيادة فغريبة لا تعرف إلا من هذا الوجه ورشدين بن كريب ضعيف، ولعله من كلام ابن عباس موقوفًا عليه، والله أعلم. ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾. يقول تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ﴾ يا محمد ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ قال قتادة: قال كعب الأحبار يأمر الله تعالى ملكًا أن ينادي على صخرة بيت المقدس أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة، إن الله تعالى يأمركنَّ أن تجتمعنَ لفصل القضاء ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ﴾ يعني: النفخة في الصور التي تأتي بالحق الذي كان أكثرهم فيه يمترون ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ أي: من الأجداث ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣)﴾ أي: هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وإليه مصير الخلائق كلهم، فيجازي كلّا بعمله إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر. وقوله: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا﴾ وذلك أن الله تعالى ينزل مطرًا من السماء ينبت به أجساد الخلائق كلها في قبورها، كما ينبت الحب في الثرى بالماء، فإذا تكاملت الأجساد أمر الله تعالى إسرافيل فينفخ في الصور وقد أودعت الأرواح في ثقب في الصور فإذا نفخ إسرافيل فيه خرجت الأرواح تتوهج بين السماء والأرض، فيقول الله : وعزتي وجلالي لترجعن كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره فترجع كل روح إلى جسدها، فتدبُّ فيه كما يدبُّ السُّم في اللديغ، [وتنشق الأرض عنهم فيقومون إلى موقف الحساب سراعًا مبادرين إلى أمر الله ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ] (٢) يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٨] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢)﴾ [الإسراء] وفي صحيح مسلم، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أول من تنشق عنه الأرض" (٣). وقوله: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ أي: تلك إعادة سهلة علينا، يسيرة لدينا كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر] وقال : ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾ [لقمان]. وقوله: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ أي: نحن علمنا محيط بما يقول لك المشركون من التكذيب فلا يهولنَّكَ ذلك كقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر].

стр. 4022

وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ أي ولست بالذي تجبر هؤلاء على الهدى، وليس ذلك مما كلفت به. وقال مجاهد وقتادة والضحاك: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ أي: لا تتجبر عليهم (١). والقول الأول أولى، ولو أراد ما قالوه لقال: ولا تكن جبارًا عليهم، وإنما قال: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ بمعنى وما أنت بمجبرهم على الإيمان إنما أنت مبلغ. وقال الفراء: سمعت العرب تقول جبر فلان فلانًا على كذا أجبره (٢). ثم قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ أي: بلغ أنت رسالة ربك فإنما يتذكر من يخاف الله ووعيده ويرجو وعده، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] وقوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ [الغاشية] ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة] ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ كان قتادة يقول: اللَّهُمَّ اجعلنا ممن يخاف وعيدك ويرجو موعودك يا بار يا رحيم. آخر تفسير سورة ق، والحمد لله وحده وحسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 4023

سُورَةُ الذَّارِيَاتِ وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (١١) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤)﴾. قال شعبة بن الحجاج، عن سماك، عن خالد بن عرعرة أنه سمع عليًا ﵁، وشعبة أيضًا عن القاسم بن أبي بزة، عن أبي الطفيل أنه سمع عليًا ﵁، وثبت أيضًا من غير وجه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، أنه صعد منبر الكوفة فقال: لا تسألوني عن آية في كتاب الله تعالى، ولا عن سنة عن رسول الله ﷺ إلا أنبأتكم بذلك، فقام إليه ابن الكواء، فقال: يا أمير المؤمنين ما معنى قوله تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١)﴾ قال علي: الريح، قال: ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢)﴾؟ قال: السحاب، قال: ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣)﴾؟ قال: السفن، قال: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾؟ قال: الملائكة (١). وقد روي في ذلك حديث مرفوع، فقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن هانئ، حدثنا سعيد بن سلام العطار، حدثنا أبو بكر بن أبي سبرة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: جاء صبيغ التميمي إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، فأخبرني عن الذاريات ذروًا، فقال: هي الرياح، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته. قال: فأخبرني عن المقسمات أمرًا، قال ﵁ عنه هي الملائكة، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته، قال: فأخبرني عن الجاريات يسرًا، قال: هي السفن، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته. ثم أمر بضربه فضرب مائة وجعل في بيت، فلما برأ دعا به فضربه مائة أخرى وحمله على قتب وكتب إلى أبي موسى الأشعري ﵁: امنع الناس من مجالسته، فلم يزل كذلك حتى أتى أبا موسى ﵁، فحلف بالأيمان المغلظة ما يجد في نفسه مما كان يجد شيئًا، فكتب في ذلك إلى عمر ﵁، فكتب عمر: ما إخاله إلا [قد] (٢) صدق فخلِّ بينه وبين مجالسة الناس.

стр. 4024

قال أبو بكر البزار: فأبو بكر بن أبي سبرة: لين، وسعيد بن سلام ليس من أصحاب الحديث (١). قلت: فهذا الحديث ضعيف رفعه، وأقرب ما فيه أنه موقوف على عمر ﵁، فإن قصة صبيغ بن عسل مشهورة مع عمر، وإنما ضربه لأنه ظهر له من أمره فيما يسأل تعنتًا وعنادًا، والله أعلم. وقد ذكر الحافظ ابن عساكر هذه القصة في ترجمة صبيغ مطولة (٢)، وهكذا فسرها ابن عباس وابن عمر ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والسدي وغير واحد (٣)، ولم يحكِ ابن جرير وابن أبي حاتم غير ذلك، وقد قيل إن المراد بالذاريات الريح كما تقدم، وبالحاملات وقرًا السحاب كما تقدم؛ لأنها تحمل الماء كما قال زيد بن عمرو بن نفيل: وأسلمت نفسي لمن أسلمت له … المزن تحمل عذبًا زلالًا (٤) فأما الجاريات يُسرًا فالمشهور عن الجمهور ما تقدم أنها السفن، تجري ميسرة في الماء جريًا سهلًا، وقال بعضهم: هي النجوم تجري يسرًا في أفلاكها ليكون ذلك ترقيًا من الأدنى إلى الأعلى إلى ما هو أعلى منه، فالرياح فوقها السحاب، والنجوم فوق كذلك، والمقسمات أمرًا الملائكة فوق ذلك تنزل بأوامر الله الشرعية والكونية، وهذا قَسم من الله على وقوع المعاد، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥)﴾ أي: لخبر صدق ﴿وَإِنَّ الدِّينَ﴾ وهو الحساب ﴿لَوَاقِعٌ﴾ أي: لكائن لا محالة. ثم قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧)﴾ قال ابن عباس: ذات الجمال والبهاء والحسن والاستواء (٥)، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو مالك وأبو صالح والسدي وقتادة وعطية العوفي والربيع بن أنس وغيرهم (٦). وقال الضحاك والمنهال بن عمرو وغيرهما: مثل تجعد الماء والرمل والزرع، إذا ضربته الريح فينسج بعضه بعضًا طرائق طرائق، فذلك الحبك (٧). قال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عُلية، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن من ورائكم الكذاب المضلّ، وإن

стр. 4025

رأسه من ورائه [حُبُكٌ حُبُك] " (١)؛ يعني: بالحبك الجعودة (٢). وعن أبي صالح: ذات الحبك: الشدة (٣). وقال خُصيف: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾: ذات الصفاقة (٤). وقال الحسن بن أبي الحسن البصري: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾: حبكت بالنجوم (٥). وقال قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن عمرو البكالي، عن عبد الله بن عمر: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧)﴾ يعني: السماء السابعة (٦)، وكأنه والله أعلم أراد بذلك السماء التي فيها الكواكب الثابتة، وهي عند كثير من علماء الهيئة في الفلك الثامن الذي فوق السابع، والله أعلم. وكل هذه الأقوال ترجع إلى شيء واحد وهو الحسن والبهاء كما قال ابن عباس ﵄، فإنها من حسنها مرتفعة شفافة صفيقة شديدة البناء متسعة الأرجاء أنيقة البهاء، مكلَّلة بالنجوم الثوابت والسيارات، موشحة بالشمس والقمر والكواكب الزهرات وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)﴾ أي: إنكم أيها المشركون المكذبون للرسل لفي قول مختلف مضطرب لا يلتئم ولا يجتمع. وقال قتادة: إنكم لفي قول مختلف: ما بين مصدق بالقرآن ومكذب به (٧). ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)﴾ أي: إنما يروج على من هو ضالّ في نفسه؛ لأنه قول باطل إنما ينقاد له ويضل بسببه، ويؤفك عنه من هو مأفوك ضالّ غُمر لا فهم له كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾ [الصافات] قال ابن عباس والسدي: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)﴾ يضل عنه من ضل (٨). وقال مجاهد: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)﴾ يؤفن عنه من أفن (٩)، وقال الحسن البصري: يصرف عن هذا القرآن من كذب به (١٠). وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠)﴾ قال مجاهد: الكذابون، قال: وهي مثل التي في عبس ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧)﴾ [عبس] والخراصون الذين يقولون لا نبعث ولا يوقنون (١١). وقال علي بن أبي

стр. 4026

طلحة، عن ابن عباس: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠)﴾ أي: لعن المرتابون (١). وهكذا كان معاذ ﵁ يقول في خطبته. هلك المرتابون. وقال قتادة: الخراصون أهل [الغرة] (٢) والظنون (٣). وقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (١١)﴾ قال ابن عباس وغير واحد: في الكفر والشك غافلون لاهون (٤). ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢)﴾ وإنما يقولون هذا تكذيبًا وعنادًا وشكًا واستبعادًا، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ قال ابن عباس ومجاهد والحسن وغير واحد ﴿يُفْتَنُونَ﴾: يعذبون (٥). قال مجاهد: كما يفتن الذهب على النار (٦). وقال جماعة آخرون كمجاهد أيضًا وعكرمة وإبراهيم النخعي وزيد بن أسلم وسفيان الثوري: ﴿يُفْتَنُونَ﴾ يحرقون (٧). ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ قال مجاهد: حريقكم (٨)، وقال غيره: عذابكم ﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أي: يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا وتحقيرًا وتصغيرًا. ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾. يقول تعالى مخبرًا عن المتقين لله أنهم يوم معادهم يكونون في جنات وعيون بخلاف ما أولئك الأشقياء فيه من العذاب والنكال والحريق والأغلال. وقوله تعالى: ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ قال ابن جرير: أي عاملين بما آتاهم الله من الفرائض (٩). ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ أي: قبل أن يفرض عليهم الفرائض كانوا محسنين في الأعمال أيضًا، ثم روي عن ابن حميد حدثنا مهران، عن سفيان، عن أبي عمر، عن مسلم البطين، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ قال: من الفرائض ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ قبل الفرائض يعملون (١٠). وهذا الإسناد ضعيف ولا يصح عن ابن عباس.

стр. 4027

وقد رواه عثمان بن أبي شيبة، عن معاوية بن هشام، عن سفيان، عن أبي عمر البزار، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره، والذي فسر به ابن جرير فيه نظر؛ لأن قوله ﵎ آخذين حال من قوله في جنات وعيون، فالمتقون في حال كونهم في الجنات والعيون آخذين ما آتاهم ربهم؛ أي: من النعيم والسرور والغبطة، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾ أي: في الدار الدنيا ﴿مُحْسِنِينَ﴾ كقوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾ [الحاقة] ثم إنه تعالى بيّن إحسانهم في العمل فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾. اختلف المفسرون في ذلك على قولين: (أحدها): أن ﴿مَا﴾ نافية تقديره كانوا قليلًا من الليل لا يهجعونه، قال ابن عباس: لم تكن تمضي عليهم ليلة إلا يأخذون منها ولو شيئًا (١). وقال قتادة، عن مُطِّرف بن عبد الله: قل ليلة لا تأتي عليهم إلا يصلون فيها لله ، إما من أولها وإما من أوسطها (٢). وقال مجاهد: قل ما يرقدون ليلة حتى الصباح لا يتهجدون (٣) وكذا قال قتادة. وقال أنس بن مالك وأبو العالية: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء (٤). وقال أبو جعفر الباقر: كانوا لا ينامون حتى يصلوا العتمة (٥). (والقول الثاني) أن ﴿مَا﴾ مصدرية تقديره كانوا قليلًا من الليل هجوعهم ونومهم، واختاره ابن جرير. وقال الحسن البصري: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾ كابدوا قيام الليل فلا ينامون من الليل إلا أقله، ونشطوا فمدوا إلى السحر حتى كان الاستغفار بسحر (٦). وقال قتادة: قال الأحنف بن قيس: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾ كانوا لا ينامون إلا قليلًا ثم يقول: لست من أهل هذه الآية (٧). وقال الحسن البصري: كان الأحنف بن قيس يقول

стр. 4028

عرضت عملي على عمل أهل الجنة، فإذا قوم قد باينونا بونًا بعيدًا، إذا قوم لا نبلغ أعمالهم كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون، وعرضت عملي على عمل أهل النار، فإذا قوم لا خير فيهم مكذبون بكتاب الله وبرسل الله، مكذبون بالبعث بعد الموت، فقد وجدت من خيرنا منزلة قومًا خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا (١). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال رجل من بني تميم لأُبي: يا أبا أُسامة صفة لا أجدها فينا ذكر الله تعالى قومًا فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾ ونحن والله قليلًا من الليل ما نقوم، فقال له أُبي: طوبى لمن رقد إذا نعس واتقى الله إذا استيقظ (٢). وقال عبد الله بن سلام: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس إليه، فكنت فيمن انجفل، فلما رأيت وجهه ﷺ عرفت أن وجهه ليس بوجه رجل كذاب، فكان أول ما سمعته ﷺ يقول: "يا أيها الناس أطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وأفشوا السلام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام" (٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثني حُيي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمر قال: إن رسول الله ﷺ قال: "إن في الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها" فقال أبو موسى الأشعري: لمن هي يا رسول الله؟ قال ﷺ : "لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وبات لله قائمًا والناس نيام" (٤). وقال معمر في قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾: كان الزهري والحسن يقولان: كانوا كثيرًا من الليل ما يصلون (٥). وقال ابن عباس وإبراهيم النخعي: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾ ما ينامون (٦). وقال الضحاك: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾ (٧) [وهذا القول فيه بُعد وتعسف. وقوله : ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾] (٨). قال مجاهد وغير واحد: يصلون (٩) وقال آخرون: قاموا الليل وأخروا الاستغفار إلى الأسحار

стр. 4029

كما قال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧] فإن كان الاستغفار في صلاة فهو أحسن. وقد ثبت في الصحاح وغيرها عن جماعة من الصحابة ﵃، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول هل من تائب فاتوب عليه، هل من مستغفر فأغفر له، هل من سائل فيعطى سؤله؟ حتى يطلع الفجر" (١). وقال كثير من المفسرين في قوله تعالى: إخبارًا عن يعقوب أنه قال لبنيه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] قالوا: أخَّرهم إلى وقت السحر (٢). وقوله: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾ لما وصفهم بالصلاة ثنى بوصفهم بالزكاة والبر والصلة فقال: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾ أي: جزء مقسوم قد أفرزوه للسائل والمحروم. أما السائل فمعروف وهو الذي يبتدئ بالسؤال، وله حق كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وعبد الرحمن قالا: حدثنا سفيان، عن مصعب بن محمد، عن يعلى بن أبي يحيى، عن فاطمة بنت الحسين، عن أبيها الحسين بن علي قال: قال رسول الله ﷺ : "للسائل حق وإن جاء على فرس" (٣). ورواه أبو داود من حديث سفيان الثوري به (٤). ثم أسنده من وجه آخر عن علي بن أبي طالب (٥)، وروي من حديث الهرماس بن زياد مرفوعًا (٦). وأما المحروم فقال ابن عباس ومجاهد: هو المحارف الذي ليس له في الإسلام سهم (٧)؛ يعني: لا سهم له في بيت المال ولا كسب له ولا حرفة يتقوت منها. وقالت أم المؤمنين عائشة: هو المحارف الذي لا يكاد يتيسر له مكسبه (٨). وقال الضحاك: هو الذي لا يكون له مال إلا ذهب، قضى الله تعالى له ذلك (٩). وقال أبو قلابة: جاء سيل باليمامة فذهب بمال رجل، فقال رجل من الصحابة: هذا المحروم (١٠) وقال ابن عباس أيضًا وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي ونافع مولى ابن عمر

стр. 4030

وعطاء بن أبي رباح: ﴿وَالْمَحْرُومِ﴾ المحارف (١). وقال قتادة والزهري: ﴿وَالْمَحْرُومِ﴾ الذي لا يسأل الناس شيئًا (٢). قال الزهري: وقد قال رسول الله ﷺ : "ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنًى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه" وهذا الحديث قد أسنده الشيخان في صحيحيهما من وجه آخر (٣). وقال سعيد بن جبير: هو الذي يجيء وقد قسم المغنم فيرضخ له. وقال محمد بن إسحاق: حدثني بعض أصحابنا قال: كنا مع عمر بن عبد العزيز في طريق مكة، [فجاء كلب] (٤) فانتزع عمر كتف شاة فرمى بها إليه وقال: يقولون إنه المحروم (٥). وقال الشعبي: أعياني أن أعلم ما المحروم (٦). واختار ابن جرير أن المحروم الذي لا مال له بأي سبب كان وقد ذهب ماله، سواء كان لا يقدر على الكسب أو قد هلك ماله أو نحوه بآفة أو نحوها (٧). وقال الثوري: عن قيس بن مسلم، عن الحسن بن محمد قال: إن رسول الله ﷺ بعث سرية فغنموا، فجاءه قوم لم يشهدوا الغنيمة، فنزلت هذه الآية ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾ (٨) وهذا يقتضي أن هذه مدنية وليس كذلك بل هي مكية شاملة لما بعدها. وقوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠)﴾ أي: فيها من الآيات الدالَّة على عظمة خالقها وقدرته الباهرة مما قد ذرأ فيها من صنوف النبات والحيوانات والمهاد والجبال والقفار والأنهار والبحار، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم وما جبلوا عليه من الإرادات والقِوى، وما بينهم من التفاوت في العقول والفهوم والحركات والسعادة والشقاوة، وما في تركيبهم من الحكم في وضع كل عضو من أعضائهم في المحل الذي هو محتاج إليه فيه، ولهذا قال: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾. قال قتادة: من تفكر في خلق نفسه عرف أنه إنما خلق ولينت مفاصله للعبادة. ثم قال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ يعني: المطر (٩) ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾ يعني: الجنة، قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد (١٠). وقال سفيان الثوري: قرأ واصل الأحدب هذه الآية: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ فقال:
следующие страницы →