← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.

стр. 4551

سُورَةُ الفَجْرِ [وهي] مكية قال النسائي: أنبأنا عبد الوهاب بن الحكم، أخبرني يحيى بن سعيد، عن سليمان، عن محارب بن دثار وأبي صالح، عن جابر قال: صلى معاذ صلاة، فجاء رجل فصلى معه، فطول فصلى في ناحية المسجد ثم انصرف، فبلغ ذلك معاذًا فقال: منافق، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فسأل الفتى فقال: يا رسول الله: جئت أصلي معه فطول عليَّ، فانصرفت وصليت في ناحية المسجد، فعلفت ناقتي، فقال رسول الله ﷺ : "أفتان يا معاذ؟ أين أنت من ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾، ﴿وَالْفَجْرِ (١)﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ " (١)؟. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾. أما الفجر فمعروف وهو الصبح، قاله علي وابن [عباس] (٢) وعكرمة ومجاهد والسدي (٣). وعن مسروق ومحمد بن كعب: المراد به فجر يوم النحر خاصة، وهو خاتمة الليالي العشر. وقيل: المراد بذلك الصلاة التي تفعل عنده كما قاله عكرمة. وقيل: المراد به جميع النهار، وهو رواية عن ابن عباس (٤). والليالي العشر المراد بها عشر ذي الحجة كما قاله ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغير واحد من السلف والخلف (٥).

стр. 4552

وقد ثبت في صحيح البخاري، عن ابن عباس مرفوعًا: "ما من أيام العمل الصالح أحبّ إلى الله فيهن من هذه الأيام"؛ يعني: عشر ذي الحجة قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلًا خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء" (١). وقيل: المراد بذلك العشر الأول من المحرم، حكاه أبو جعفر بن جرير ولم يعزه إلى أحد (٢). وقد روى أبو كدينة، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾ قال: هو العشر الأول من رمضان (٣)، والصحيح القول الأول. قال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا عياش بن عقبة، حدثني خير بن نعيم، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "إن العشر عشر الأضحى، والوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر" (٤). ورواه النسائي عن محمد بن رافع وعبدة بن عبد الله، وكل منهما عن زيد بن الحباب به (٥). ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث زيد بن الحباب به، وهذا إسناد رجاله لا بأس بهم، وعندي أن المتن في رفعه نكارة، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)﴾ قد تقدم في هذا الحديث أن الوتر يوم عرفة لكونه التاسع، وأن الشفع يوم النحر لكونه العاشر، وقاله ابن عباس وعكرمة والضحاك أيضًا (٦). (قول ثان) وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثني عقبة بن خالد، عن واصل بن السائب، قال: سألت عطاء عن قوله تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)﴾ قلت: صلاتنا وترنا هذا؟ قال: لا، ولكن الشفع يوم عرفة، والوتر ليلة الأضحى (٧). (قول ثالث) قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عامر بن إبراهيم الأصبهاني، حدثني أبي، عن النعمان؛ يعني: ابن عبد السلام، عن أبي سعيد بن عوف، حدثني بمكة قال: سمعت عبد الله بن الزبير يخطب الناس، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن الشفع والوتر، فقال: الشفع قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] والوتر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٨) [البقرة: ٢٠٣].

стр. 4553

وقال ابن جريج: أخبرني محمد بن المرتفع أنه سمع ابن الزبير يقول: الشفع أوسط أيام التشريق والوتر آخر أيام التشريق (١). وفي الصحيحين من رواية أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر" (٢). (قول رابع) قال الحسن البصري وزيد بن أسلم: الخلق كلهم شفع ووتر أقسم تعالى بخلقه، وهو رواية عن مجاهد (٣)، والمشهور عنه الأول. وقال العوفي، عن ابن عباس ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)﴾ قال: الله وتر واحد، وأنتم شفع، ويقال الشفع صلاة الغداة والوتر صلاة المغرب (٤). (قول خامس) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)﴾ قال: الشفع الزوج، والوتر: الله (٥). وقال أبو عبد الله، عن مجاهد: الله الوتر وخلقه الشفع الذكر والأنثى. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)﴾ كل شيء خلقه الله شفع. السماء والأرض والبر والبحر والجن والإنس والشمس والقمر (٦). ونحو هذا، ونحا مجاهد في هذا ما ذكروه في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩)﴾ [الذاريات] أي: لتعلموا أن خالق الأزواج واحد. (قول سادس) قال قتادة، عن الحسن: والشفع والوتر: هو العدد منه شفع ومنه وتر (٧). (قول سابع في الآية الكريمة) رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من طريق ابن جريج ثم قال ابن جرير: وروي عن النبي ﷺ خبر يؤيد القول الذي ذكرنا عن أبي الزبير؛ حدثني عبد الله بن أبي زياد القطواني، حدثنا زيد بن الحباب، أخبرني عياش بن عقبة، حدثني خير بن نعيم، عن أبي الزبير، عن جابر أن رسول الله قال: "الشفع اليومان والوتر اليوم الثالث" (٨). هكذا ورد هذا

стр. 4554

الخبر بهذا اللفظ، وهو مخالف لما تقدم من اللفظ في رواية أحمد والنسائي وابن أبي حاتم وما رواه هو أيضًا، والله أعلم. قال أبو العالية والربيع بن أنس وغيرهما: هي الصلاة منها شفع كالرباعية والثنائية، ومنها وتر كالمغرب فإنها ثلاث وهي وتر النهار، وكذلك صلاة الوتر في آخر التهجد من الليل (١). وقد قال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن عمران بن حصين ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)﴾ قال: هي الصلاة المكتوبة منها شفع ومنها وتر (٢). وهذا منقطع وموقوف ولفظه خاص بالمكتوبة وقد روي متصلًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ ولفظه عام. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو داود هو الطيالسي، حدثنا همام، عن قتادة، عن عمران بن عصام أن شيخًا حدثه من أهل البصرة، عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ سئل عن الشفع والوتر فقال: "هي الصلاة بعضها شفع وبعضها وتر" (٣). هكذا وقع في المسند، وكذا رواه ابن جرير، عن بندار، عن عفان، وعن أبي كريب، عن عبيد الله بن موسى وكلاهما عن همام، وهو ابن يحيى، عن قتادة، عن عمران بن عصام، عن شيخ، عن عمران بن حصين، وكذا رواه أبو عيسى الترمذي، عن عمرو بن علي، عن ابن مهدي وأبي داود، كلاهما عن همام، عن قتادة، عن عمران بن عصام، عن رجل من أهل البصرة، عن عمران بن حصين به، ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من حديث قتادة، وقد رواه خالد بن قيس أيضًا عن قتادة، وقد روي عن عمران بن عصام، عن عمران نفسه (٤). والله أعلم. قلت: ورواه ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا همام، عن قتادة، عن عمران بن عصام الضبعي شيخ من أهل البصرة، عن عمران بن حصين، عن النبي ﷺ ، فذكره، هكذا رأيته في تفسيره فجعل الشيخ البصري هو: عمران بن عصام. وهكذا رواه ابن جرير: أخبرنا نصر بن علي، حدثني أبي، حدثني خالد بن قيس، عن قتادة، عن عمران بن عصام، عن عمران بن حصين، عن النبي ﷺ في الشفع والوتر قال: "هي الصلاة منها شفع ومنها وتر" (٥). فأسقط ذكر الشيخ المبهم، وتفرد به عمران بن عصام الضبعي أبو عمارة البصري إمام مسجد بني ضبيعة. وهو والد أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي، روى عنه قتادة وابنه أبو جمرة والمثنى بن سعيد وأبو التياح يزيد بن حميد، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات، وذكره خليفة بن خياط في التابعين من أهل البصرة، وكان شريفًا نبيلًا حظيًا عند الحجاج بن

стр. 4555

يوسف، ثم قتله يوم الزاوية سنة ثلاث وثمانين لخروجه مع ابن الأشعث، وليس له عند الترمذي سوى هذا الحديث الواحد، وعندي أن وقفه على عمران بن حصين أشبه والله أعلم، ولم يجزم ابن جرير بشيء من هذه الأقوال في الشفع والوتر. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾ قال العوفي، عن ابن عباس: أي إذا ذهب (١). وقال عبد الله بن الزبير: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾ حتى يذهب بعضه بعضًا (٢). وقال مجاهد وأبو العالية وقتادة ومالك، عن زيد بن أسلم، وابن زيد: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾ إذا سار (٣)، وهذا يمكن حمله على ما قال ابن عباس؛ أي: ذهب، ويحتمل أن يكون المراد إذا سار؛ أي: أقبل، وقد يقال إن هذا أنسب لأنه في مقابلة قوله: ﴿وَالْفَجْرِ (١)﴾ فإن الفجر هو إقبال النهار وإدبار الليل، فإذا حمل قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾ على إقباله كان قسمًا بإقبال الليل وإدبار النهار وبالعكس كقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾ [التكوير] وكذا قال الضحاك: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾ أي: يجري. وقال عكرمة: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾ يعني: ليلة جمع؛ ليلة المزدلفة (٤). رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو عامر، عن كثير بن عبد الله بن عمرو قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾ قال: اسر يا سار ولا تبيتنَّ إلا بجمع (٥). وقوله تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥)﴾ أي: لذي عقل ولب ودين وحجا، وإنما سمي العقل حجرًا لأنه يمنع الإنسان من تعاطي ما لا يليق به من الأفعال والأقوال، ومنه حجر البيت؛ لأنه يمنع الطائف من اللصوق بجداره الشامي، ومنه حجر اليمامة، وحَجَر الحاكم على فلان إذا منعه التصرف ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢] كل هذا من قبيل واحد، ومعنى متقارب، وهذا القسم هو بأوقات العبادة وبنفس العبادة من حج وصلاة وغير ذلك من أنواع القرب التي يتقرب بها إليه عباده المتقون المطيعون له، الخائفون منه المتواضعون لديه الخاضعون لوجهه الكريم، ولما ذكر هؤلاء وعبادتهم وطاعتهم قال بعده: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦)﴾؟ وهؤلاء كانوا متمردين عتاة جبارين خارجين عن طاعته مكذبين لرسله جاحدين لكتبه، فذكر تعالى كيف أهلكهم ودمرهم وجعلهم أحاديث وعبرًا فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧)﴾؟ وهؤلاء عاد الأولى وهم

стр. 4556

ولد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح. قاله ابن إسحاق (١)، وهم الذين بعث الله فيهم رسوله هودًا ﵇ فكذبوه وخالفوه، فأنجاه الله من بين أظهرهم ومن آمن معه منهم وأهلكهم ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾ [الحاقة] وقد ذكر الله قصتهم في القرآن في غير ما موضع ليعتبر بمصرعهم المؤمنون، فقوله تعالى: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧)﴾ عطف بيان، زيادة تعريف بهم. وقوله تعالى: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشعر التي ترفع بالأعمدة الشداد، وقد كانوا أشد الناس في زمانهم خلقة وأقواهم بطشًا، ولهذا ذكرهم هود بتلك النعمة وأرشدهم إلى أن يستعملوها في طاعة ربهم الذي خلقهم فقال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (٢)﴾ [الأعراف: ٦٩] وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] وقال ههنا: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨)﴾ أي: القبيلة التي لم يخلق مثلها في بلادهم لقوتهم وشدتهم وعظم تركيبهم. قال مجاهد: إرم، أُمة قديمة؛ يعني: عادًا الأولى. قال قتادة بن دعامة والسدي: إن إرم بيت مملكة عاد (٣)، وهذا قول حسن جيد وقوي. وقال مجاهد وقتادة والكلبي في قوله: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ كانوا أهل عُمُد لا يقيمون (٤). وقال العوفي، عن ابن عباس: إنما قيل لهم ذات العماد لطولهم (٥)، واختار الأول ابن جرير، وردَّ الثاني، فأصاب. وقوله تعالى: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨)﴾ أعاد ابن زيد الضمير على العماد لارتفاعها وقال: بنوا عمدًا بالأحقاف لم يخلق مثلها في البلاد (٦)، وأما قتادة وابن جرير فأعاد الضمير على القبيلة؛ أي: لم يخلق مثل تلك القبيلة في البلاد؛ يعني: في زمانهم، وهذا القول هو الصواب، وقول ابن زيد ومن ذهب مذهبه ضعيف، لأنه لو كان المراد ذلك لقال التي لم يعمل مثلها في البلاد وإنما قال: ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثني معاوية بن صالح، عمَّن حدثه، عن المقدام، عن النبي ﷺ أنه ذكر ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧)﴾ فقال: "كان الرجل منهم يأتي على الصخرة فيحملها على الحي فيهلكهم" (٧).

стр. 4557

ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو الطاهر، حدثنا أنس بن عياض، عن ثور بن زيد الديلي قال: قرأت كتابًا وقد سمى حيث قرأه: أنا شداد بن عاد، وأنا الذي رفعت العماد، وأنا الذي شددت بذراعي نظر واحد، وأنا الذي كنزت كنزًا على سبعة أذرع لا يخرجه إلا أمة محمد ﷺ (١). (قلت): فعلى كل قول سواء كانت العماد أبنية بنوها أو أعمدة بيوتهم للبدو أو سلاحًا يقاتلون به أو طول واحد منهم، فهم قبيلة وأُمة من الأُمم، وهم المذكورون في القرآن في غير ما موضع المقرونون بثمود كما ههنا، والله أعلم. ومن زعم أن المراد بقوله: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧)﴾ مدينة إما دمشق كما روي عن سعيد بن المسيب وعكرمة (٢)، أو إسكندرية كما روي عن القرظي (٣) أو غيرهما ففيه نظر، فإنه كيف يلتئم الكلام على هذا ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧)﴾ إن جعل ذلك بدلًا أو عطف بيان، فإنه لا يتسق الكلام حينئذٍ، ثم المراد إنما هو الإخبار عن إهلاك القبيلة المسماة بعاد وما أحلَّ الله بهم من بأسه الذي لا يُردّ، لا أن المراد الإخبار عن مدينة أو إقليم. وإنما نبهت على ذلك لئلا يغتر بكثير مما ذكره جماعة من المفسرين عند هذه الآية من ذكر مدينة يقال لها: إرم ذات العماد، مبنية بلبن الذهب والفضة قصورها ودورها وبساتينها، وأن حصباءها لآلئ وجواهر، وترابها بنادق المسك، وأنهارها سارحة وثمارها ساقطة، ودورها لا أنيس بها وسورها وأبوابها تصفر ليس بها داع ولا مجيب، وأنها تتنقل فتارة تكون بأرض الشام وتارة باليمن وتارة بالعراق وتارة بغير ذلك من البلاد، فإن هذا كله من خرافات الإسرائيليين من وضع بعض زنادقتهم ليختبروا بذلك عقول الجهلة من الناس أن تصدقهم في جميع ذلك. وذكر الثعلبي وغيره أن رجلًا من الأعراب وهو عبد الله بن قلابة في زمان معاوية ذهب في طلب أباعر له شردت، فبينما هو يتيه في ابتغائها إذ اطلع على مدينة عظيمة لها سور وأبواب، فدخلها فوجد فيها قريبًا مما ذكرناه من صفات المدينة الذهبية التي تقدم ذكرها، وأنه رجع فأخبر الناس فذهبوا معه إلى المكان الذي قال فلم يروا شيئًا. وقد ذكر ابن أبي حاتم قصة إرم ذات العماد ههنا مطولة جدًا فهذه الحكاية ليس يصح إسنادها، ولو صحّ إلى ذلك الأعرابي فقد يكون اختلق ذلك أو أنه أصابه نوع من الهوس والخبال، فاعتقد أن ذلك له حقيقة في الخارج وليس كذلك، وهذا مما يقطع بعدم صحته، وهذا قريب مما يخبر به كثير من الجهلة والطامعين والمُتحيلين من وجود مطالب تحت الأرض، فيها قناطير الذهب والفضة وألوان الجواهر واليواقيت واللآلئ والإكسير الكبير، لكن عليها موانع تمنع من الوصول إليها والأخذ منها، فيحتالون على أموال الأغنياء والضعفة والسفهاء فيأكلونها بالباطل

стр. 4558

في صرفها في بخاخير وعقاقير ونحو ذلك من الهذيانات ويطنزون بهم، والذي يجزم به أن في الأرض دفائن جاهلية وإسلامية وكنوزًا كثيرة من ظفر بشيء منها أمكنه تحويله، فأما على الصفة التي زعموها فكذب وافتراء وبهت، ولم يصح في ذلك شيء مما يقولون إلا عن نقلهم أو نقل من أخذ عنهم، والله الهادي للصواب. وقول ابن جرير يحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧)﴾ قبيلة أو بلدة كانت عاد تسكنها فلذلك لم تصرف، فيه نظر لأن المراد من السياق إنما هو الإخبار عن القبيلة، ولهذا قال بعده: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩)﴾ يعني: يقطعون الصخر بالوادي. قال ابن عباس: ينحتونها ويخرقونها (١)، وكذا قال مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد (٢)، ومنه يقال مجتابي النمار إذا خرقوها، واجتاب الثوب إذا فتحه، ومنه الجيب أيضًا وقال الله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩)﴾ [الشعراء]، وأنشد ابن جرير وابن أبي حاتم ههنا قول الشاعر: ألا كل شيء ما خلا الله بائد … كما باد حي من شنيف ومارد هم ضربوا في كل صماء صعدة … بأيدٍ شدادٍ أيدات السواعد (٣) وقال ابن إسحاق: كانوا عربًا وكان منزلهم بوادي القرى. وقد ذكرنا قصة عاد مستقصاة في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته (٤). وقوله تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠)﴾ قال العوفي، عن ابن عباس: الأوتاد الجنود الذين يشدون له أمره، ويقال: كان فرعون يوتد أيديهم وأرجلهم في أوتاد من حديد يعلقهم بها (٥)، وكذا قال مجاهد: كان يوتد الناس بالأوتاد (٦)، وهكذا قال سعيد بن جبير والحسن والسدي. قال السدي: كان يربط الرجل في كل قائمة من قوائمه في وتد ثم يرسل عليه صخرة عظيمة فيشدخه (٧). وقال قتادة: بلغنا أنه كان له مظال وملاعب يلعب له تحتها من أوتاد وحبال (٨). وقال ثابت البناني، عن أبي رافع: قيل لفرعون ذي الأوتاد لأنه ضرب لامرأته أربعة أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى (٩) عظيمة حتى ماتت (١٠).

стр. 4559

وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢)﴾ أي: تمردوا وعتوا وعاثوا في الأرض بالإفساد والأذية للناس ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣)﴾ أي: أنزل عليهم رجزًا من السماء وأحلَّ بهم عقوبة، لا يردّها عن القوم المجرمين. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ قال ابن عباس: يسمع ويرى (١)؛ يعني: يرصد خلقه فيما يعملون ويجازي كلًا بسعيه في الدنيا والأخرى، وسيعرض الخلائق كلهم عليه فيحكم فيهم بعدله ويقابل كلا بما يستحقه، وهو المنزه عن الظلم والجور. وقد ذكر ابن أبي حاتم ههنا حديثًا غريبًا جدًا وفي إسناده نظر وفي صحته، فقال: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا يونس الحذاء، عن أبي حمزة البيساني، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ : "يا معاذ إن المؤمن لدى الحق أسير، يا معاذ إن المؤمن لا يسكن روعه ولا يأمن اضطرابه حتى يخلف جسر جهنم خلف ظهره، يا معاذ إن المؤمن قيده القرآن عن كثير من شهواته وعن أن يهلك فيها هو -بإذن الله -، فالقرآن دليله، والخوف محجته، والشوق مطيته، والصلاة كهفه، والصوم جنته، والصدقة فكاكه، والصدق أميره، والحياء وزيره، وربه من وراء ذلك كله بالمرصاد" (٢). قال ابن أبي حاتم: يونس الحذاء وأبو حمزة مجهولان وأبو حمزة، عن معاذ مرسل. ولو كان عن أبي حمزة لكان حسنًا؛ أي: لو كان من كلامه لكان حسنًا. ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو، عن أيفع، عن ابن عبد الكلاعي أنه سمعه وهو يعظ الناس يقول: إن لجهنم سبع قناطر قال: والصراط عليهنَّ، قال: فيحبس الخلائق عند القنطرة الأولى فيقول: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ [الصافات] قال: فيحاسبون على الصلاة ويسألون عنها، قال: فيهلك فيها من هلك وينجو من نجا، فإذا بلغوا القنطرة الثانية حوسبوا على الأمانة كيف أدوها وكيف خانوها؟ قال: فيهلك من هلك وينجو من نجا، فإذا بلغوا القنطرة الثالثة سئلوا عن الرحم كيف وصلوها وكيف قطعوها؟ قال: فيهلك من هلك وينجو من نجا، قال: والرحم يومئذٍ متدلية إلى الهوى في جهنم تقول: اللَّهم من وصلني فصله، ومن قطعني فاقطعه، قال: وهي التي يقول الله : ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ (٣). هكذا أورد هذا الأثر ولم يذكر تمامه. ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾. يقول تعالى منكرًا على الإنسان في اعتقاده إذا وسع الله تعالى عليه في الرزق ليختبره في

стр. 4560

ذلك، فيعتقد أن ذلك من الله إكرام له وليس كذلك بل هو ابتلاء وامتحان كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون] وكذلك في الجانب الآخر إذا ابتلاه وامتحنه وضيق عليه في الرزق يعتقد أن ذلك من الله إهانة له، كما قال الله تعالى: ﴿كَلَّا﴾ أي: ليس الأمر كما زعم لا في هذا ولا في هذا، فإن الله تعالى يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ويضيق على من يحب ومن لا يحب، وإنما المدار في ذلك على طاعة الله في كل من الحالين: إذا كان غنيًا بأن يشكر الله على ذلك وإذا كان فقيرًا بأن يصبر. وقوله تعالى: ﴿بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ فيه أمر بالإكرام له؛ كما جاء في الحديث الذي رواه عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن أبي أيوب، عن يحيى بن أبي سليمان، عن يزيد بن أبي عتاب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه"، ثم قال بأصبعه: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا" (١). وقال أبو داود: حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان، أخبرنا عبد العزيز؛ يعني: ابن أبي [حازم] (٢)، حدثني أبي، عن سهل؛ يعني: ابن سعيد أن رسول الله ﷺ قال: "أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة" وقرن بين أصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام (٣)، ﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨)﴾ يعني: لا يأمرون بالإحسان إلى الفقراء والمساكين ويحث بعضهم على بعض في ذلك ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ﴾ يعني: الميراث ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾ أي: من أي جهة حصل لهم ذلك من حلال أو حرام ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾ أي: كثيرًا، زاد بعضهم: فاحشًا. ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾. يخبر تعالى عما يقع يوم القيامة من الأهوال العظيمة، فقال تعالى: ﴿كَلَّا﴾ أي: حقًا ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ أي: وطئت ومهدت وسويت الأرض والجبال، وقام الخلائق من قبورهم لربهم ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ يعني: لفصل القضاء بين خلقه وذلك بعدما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد صلوات الله عليه وسلامه عليه، بعدما يسألون أولي العزم من الرسل واحدًا بعد واحد، فكلهم يقول: لست بصاحب ذاكم حتى تنتهي النوبة إلى محمد ﷺ فيقول: "أنا لها أنا

стр. 4561

لها" فيذهب فيشفع عند الله تعالى في أن يأتي لفصل القضاء، فيشفعه الله تعالى في ذلك. وهي أول الشفاعات وهي المقام المحمود كما تقدم بيانه في سورة سبحان (١)، فيجيء الربُّ ﵎ لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفًا صفوفًا. وقوله تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ قال الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، عن العلاء بن خالد الكاهلي، عن شقيق، عن عبد الله هو: ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤتى بجهنم يومئذٍ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها" (٢). وهكذا رواه الترمذي، عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن عمر بن حفص به. ورواه أيضًا عن عبد بن حميد، عن أبي عامر، عن سفيان الثوري، عن العلاء بن خالد، عن شقيق بن سلمة -وهو أبو وائل- عن عبد الله بن مسعود قوله ولم يرفعه، وكذا رواه ابن جرير، عن الحسن بن عرفة، عن مروان بن معاوية الفزاري، عن العلاء بن خالد، عن شقيق، عن عبد الله قوله (٣). وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ﴾ أي: عمله وما كان أسلفه في قديم دهره وحديثه ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ أي: وكيف تنفعه الذكرى ﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤)﴾ يعني: يندم على ما كان سلف منه من المعاصي إن كان عاصيًا ويود لو كان ازداد من الطاعات إن كان طائعًا؛ كما قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا عبد الله -يعني: ابن المبارك-، حدثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن محمد بن أبي عميرة، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: لو أن عبدًا خرّ على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت هرمًا في طاعة الله لحقره يوم القيامة، ولودّ أنه رُدَّ إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب (٤). وقد رواه أيضًا عن خالد بن معدان، عن عتبة بن عبيد، عن رسول الله ﷺ (٥). قال الله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥)﴾ أي: ليس أحد أشد عذابًا من تعذيب الله من عصاه ﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦)﴾ أي: وليس أحد أشد قبضًا ووثقًا من الزبانية لمن كفر بربهم ، وهذا في حق المجرمين من الخلائق والظالمين، فأما النفس الزكية المطمئنة وهي الساكنة الثابتة الدائرة مع الحق فيقال لها: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧)﴾ ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ أي: إلى جواره وثوابه وما أعدَّ لعباده في جنته ﴿رَاضِيَةً﴾ أي: في نفسها ﴿مَرْضِيَّةً﴾ أي: قد رضيت عن الله ورضي عنها وأرضاها ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩)﴾ أي: في جملتهم ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ وهذا يقال لها عند الاحتضار وفي يوم القيامة أيضًا، كما أن الملائكة يبشرون المؤمن عند احتضاره وعند قيامه من قبره، فكذلك ههنا.

стр. 4562

ثم اختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآية، فروى الضحاك، عن ابن عباس: نزلت في عثمان بن عفان (١). وعن بُريدة بن الحصيب: نزلت في حمزة بن عبد المطلب ﵁ (٢). وقال العوفي، عن ابن عباس: يقال للأرواح المطمئنة يوم القيامة: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ (٣) يعني: صاحبك وهو بدنها الذي كانت تعمره في الدنيا ﴿رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ وروي عنه أنه كان يقرؤها ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩)﴾ (٤) وكذا قال عكرمة (٥) والكلبي، واختاره ابن جرير وهو غريب، والظاهر الأول لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢]، ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر: ٤٣] أي: إلى حكمه والوقوف بين يديه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله الدشتكي، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨)﴾ قال: نزلت وأبو بكر جالس فقال: يا رسول الله ما أحسن هذا، فقال: "أما إنه سيقال لك هذا" (٦). ثم قال: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن يمان، عن أشعث، عن سعيد بن جبير قال: قرئت عند النبي ﷺ : ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨)﴾ فقال أبو بكر ﵁: إن هذا لحسن، فقال له النبي ﷺ : "أما إن الملك سيقول لك هذا عند الموت". وكذا رواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن ابن يمان به (٧)، وهذا مرسل حسن. ثم قال ابن أبي حاتم: وحدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا مروان بن شجاع الجزري، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير قال: مات ابن عباس بالطائف فجاء طير لم يُرَ على خلقته، فدخل نعشه ثم لم يُرَ خارجًا منه، فلما دفن تُليت هذه الآية على شفير القبر لا يُدرى من تلاها: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ (٨). ورواه الطبراني عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه، عن مروان بن شجاع، عن سالم بن عجلان الأفطس به فذكره (٩).

стр. 4563

وقد ذكر الحافظ محمد بن المنذر الهروي -المعروف بشكر- في كتاب "العجائب" بسنده عن ثُباث بن رزين أبي هاشم قال: أُسرت في بلاد الروم، فجمعنا الملك وعرض علينا دينه على أن من امتنع ضُربت عنقه، فارتدَّ ثلاثة، وجاء الرابع فامتنع فضُربت عنقه وألقي رأسه في نهر هناك فرسب في الماء ثم طفا على وجه الماء ونظر إلى أولئك الثلاثة فقال: يا فلان ويا فلان ويا فلان يناديهم بأسمائهم قال الله تعالى في كتابه: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ ثم غاص في الماء، قال: فكادت النصارى أن يسلموا ووقع سرير الملك ورجع أولئك الثلاثة إلى الإسلام، قال وجاء الفداء من عند الخليفة أبي جعفر المنصور فخلصنا. وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة رواحة بنت أبي عمرو الأوزاعي، عن أبيها، حدثني سليمان بن حبيب المحاربي، حدثني أبو أُمامة، أن رسول الله ﷺ قال لرجل: "قل اللَّهم إني أسألك نفسًا بك مطمئنة تؤمن بلقائك وترضى بقضائك وتقنع بعطائك" (١). ثم روى عن أبي سليمان بن زَبْر أنه قال: حديث رواحة هذا واحد أمَه (٢). آخر تفسير سورة الفجر، ولله الحمد [والمنّة] (٣).

стр. 4564

سُورَةُ البَلَدِ مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾. هذا قسم من الله ﵎ بمكة أُم القرى في حال كون الساكن فيها حالًا لينبه على عظمة قدرها في حال إحرام أهلها. قال خُصيف، عن مجاهد: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ ﴿لَا﴾ ردٌ عليهم، ﴿أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ (١). وقال شبيب بن بشر: عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ يعني: مكة ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢)﴾ قال: أنت يا محمد يحل لك أن تُقاتل به (٢)، وكذا روي عن سعيد بن جبير وأبي صالح وعطية والضحاك وقتادة والسدي وابن زيد (٣). وقال مجاهد: ما أصبت فيه فهو حلال لك (٤). وقال قتادة: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢)﴾ قال: أنت به من غير حرج ولا إثم (٥). وقال الحسن البصري: أحلَّها الله له ساعة من نهار، وهذا المعنى الذي قالوه ورد به الحديث المتفق على صحته: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شجره ولا يختلى خلاه، وإنما أُحلت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ألا فليبلغ الشاهد الغائب" (٦). وفي لفظ آخر: "فإن أحد ترخص بقتال رسول الله فقولوا: إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم" (٧).

стр. 4565

وقوله تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣)﴾ قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن عطية، عن شريك، عن خُصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣)﴾ الوالد الذي يلد وما ولد العاقر الذي لا يولد له (١). ورواه ابن أبي حاتم من حديث شريك وهو ابن عبد الله القاضي به (٢). وقال عكرمة: الوالد العاقر، وما ولد الذي يلد (٣). رواه ابن أبي حاتم. وقال مجاهد وأبو صالح وقتادة والضحاك وسفيان الثوري وسعيد بن جبير والسدي والحسن البصري وخُصيف وشرحبيل بن سعد وغيرهم: يعني بالوالد: آدم، وما ولد: ولده (٤). وهذا الذي ذهب إليه مجاهد وأصحابه حسن قوي؛ لأنه تعالى لما أقسم بأُم القرى وهي: أُم المساكن أقسم بعده بالساكن وهو آدم أبو البشر وولده. وقال أبو عمران الجوني: هو إبراهيم وذريته، رواه ابن جرير (٥) وابن أبي حاتم، واختار ابن جرير أنه عام في كل والد وولده وهو محتمل أيضًا. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤)﴾ روي عن ابن مسعود وابن عباس وعكرمة ومجاهد وإبراهيم النخعي وخيثمة والضحاك وغيرهم يعني: منتصبًا، زاد ابن عباس في رواية عنه: منتصبًا في بطن أمه (٦)، والكبد الاستواء والاستقامة، ومعنى هذا القول لقد خلقناه سويًا مستقيمًا كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار] وكقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ [التين]. وقال ابن جريج، [عن] (٧) عطاء، عن ابن عباس: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ قال: في شدة خلق ألم ترَ إليه؟ وذكر مولده ونبات أسنانه (٨). وقال مجاهد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ نطفة ثم علقة ثم مضغة يتكبد في الخلق، قال مجاهد: وهو كقوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ وأرضعته كرهًا ومعيشته كره فهو يكابد ذلك. وقال سعيد بن جبير: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤)﴾ في شدة وطلب معيشة.

стр. 4566

وقال عكرمة: في شدة وطوْل (١). وقال قتادة: في مشقة (٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو عاصم، أخبرنا عبد الحميد بن جعفر، سمعت محمد بن علي أبا جعفر الباقر سأل رجلًا من الأنصار عن قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤)﴾ قال: في قيامه واعتداله فلم ينكر عليه أبو جعفر (٣). وروي من طريق أبي مودود سمعت الحسن قرأ هذه الآية: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤)﴾ قال: يكابد أمرًا من أمر الدنيا وأمرًا من أمر الآخرة، وفي رواية: يكابد مضايق الدنيا وشدائد الآخرة (٤). وقال ابن زيد: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤)﴾ قال: آدم خلق في السماء فسمي ذلك الكبد (٥)، واختار ابن جرير أن المراد بذلك: مكابدة الأمور ومشاقها. وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥)﴾ [قال الحسن البصري: يعني: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥)﴾ يأخذ ماله] (٦). وقال قتادة: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥)﴾ قال: ابن آدم يظن أن لن يسأل عن هذا المال من أين اكتسبه، وأين أنفقه. وقال السدي: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥)﴾ قال الله (٧). وقوله تعالى: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦)﴾ أي: يقول ابن آدم: أنفقت مالًا لبدًا؛ أي: كثيرًا. قاله مجاهد والحسن وقتادة والسدي وغيرهم (٨). ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧)﴾ قال مجاهد: أي: أيحسب أن لم يره الله ؟ وكذا قال غيره من السلف (٩). وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨)﴾ أي: يبصر بهما ﴿وَلِسَانًا﴾ أي: ينطق به فيعبر عما في ضميره ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ يستعين بهما على الكلام وأكل الطعام وجمالًا لوجهه وفمه. وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي الربيع الدمشقي عن مكحول قال: قال النبي ﷺ : "يقول الله تعالى يا ابن آدم قد أنعمت عليك نعمًا عظامًا لا تحصي عددها ولا تطيق شكرها، وإن مما أنعمت عليك أن جعلت لك عينين تنظر بهما وجعلت لهما غطاء، فانظر

стр. 4567

بعينيك إلى ما أحللت لك، وإن رأيت ما حرمت عليك فأطبق عليهما غطاءهما، وجعلت لك لسانًا وجعلت له غلافًا فانطق بما أمرتك وأحللت لك، فإن عرض عليك ما حرمت عليك فأغلق عليك لسانك. وجعلت لك فرجًا وجعلت لك سترًا، فأصب بفرجك ما أحللت لك، فإن عرض عليك ما حرمت عليك فأرخِ عليك سترك، ابن آدم إنك لا تحمل سخطي، ولا تطيق انتقامي" (١). ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ الطريقين. قال سفيان الثوري: عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله هو: ابن مسعود ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ قال: الخير والشر (٢)، وكذا روي عن علي وابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبي وائل وأبي صالح ومحمد بن كعب والضحاك وعطاء الخراساني في آخرين (٣). وقال عبد الله بن وهب: أخبرني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سعد، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "هما نجدان فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير" (٤). تفرد به سنان بن سعد، ويقال: سعد بن سنان، وقد وثقه ابن معين، وقال الإمام أحمد والنسائي والجوزجاني: منكر الحديث، وقال أحمد: تركتُ حديثه لاضطرابه، وروى خمسة عشر حديثًا منكرة كلها ما أعرف منها حديثًا واحدًا يشبه حديثه حديث الحسن -يعنى البصري- لا يشبه حديث أنس. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء قال: سمعت الحسن يقول: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ قال: ذُكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: "يا أيها الناس إنهما النجدان نجد الخير ونجد الشر، فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير" وكذا رواه حبيب بن الشهيد ومعمر ويونس بن عبيد وأبو وهب، عن الحسن مرسلًا، وهكذا أرسله قتادة (٥). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا عيسى بن عقال، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ قال: الثديين (٦) وروي عن الربيع بن خُثيم وقتادة وأبي حازم مثل ذلك (٧)، ورواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن وكيع، عن عيسى بن عقال به ثم قال: والصواب القول الأول، ونظير هذه الآية قوله تعالى؛ ﴿إِنَّا

стр. 4568

خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ (١) [الإنسان]. ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)﴾. قال ابن جرير: حدثني عمر بن إسماعيل بن مجالد، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن أبيه، عن [عطية] (٢)، عن ابن عمر في قوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ﴾ أي: دخل ﴿الْعَقَبَةَ﴾ قال: جبل في جهنم (٣). وقال كعب الأحبار: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١)﴾ هو سبعون درجة في جهنم (٤). وقال الحسن البصري: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١)﴾ قال: عقبة في جهنم (٥). وقال قتادة: إنها عقبة قحمة شديدة فاقتحموها بطاعة الله تعالى (٦). وقال قتادة: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢)﴾ ثم أخبر تعالى عن اقتحامها فقال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ﴾. وقال ابن زيد: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١)﴾ أي: أفلا سلك الطريق التي فيها النجاة والخير ثم بيَّنها فقال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ﴾ (٧). قُرئ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾ بالإضافة، وقريء على أنه فعل وفيه ضمير الفاعل والرقبة مفعوله، وكلتا القراءتين معناهما متقارب (٨). قال الإمام أحمد: حدثنا [مكي] (٩) بن إبراهيم، حدثنا عبد الله -يعني: ابن سعيد بن أبي هند-، عن إسماعيل بن أبي حكيم، مولى آل الزبير، عن سعيد بن مرجانة أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل إرب؛ -أي: عضوٍ- منها إربًا منه من النار حتى إنه ليعتق باليد اليد وبالرجل الرجل وبالفرج الفرج". فقال علي بن الحسين: أنت سمعت هذا من أبي هريرة؟ فقال سعيد: نعم. فقال علي بن الحسين لغلام له أفره غلمانه: ادع مطرفًا، فلما قام بين يديه قال: اذهب فأنت حرٌّ لوجه الله (١٠).

стр. 4569

وقد رواه البخاري، ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن سعيد بن مرجانة به، وعند مسلم أن هذا الغلام الذي أعتقه علي بن الحسين زين العابدين كان قد أعطي فيه عشرة آلاف درهم (١). وقال قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي نجيح قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أيّما مسلم أعتق رجلًا مسلمًا فإن الله جاعل وفاء كل عظم من عظامه عظمًا من عظامه محررًا من النار، وأيما امرأة أعتقت امرأة مسلمة فإن الله جاعل وفاء كل عظم من عظامها عظمًا من عظامها من النار" رواه ابن جرير (٢) هكذا، وأبو نجيح هذا هو عمر بن عبسة السلمي ﵁. قال الإمام أحمد: حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا بقية، حدثني بجير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن كثير بن مرة، عن عمرو بن عبسة أنه حدثهم أن النبي ﷺ قال: "من بنى مسجدًا ليذكر الله فيه بنى الله له بيتًا في الجنة. ومن أعتق نفسًا مسلمة كانت فديته من جهنم، ومن شاب شيبة في الإسلام كانت له نورًا يوم القيامة" (٣). طريق أخرى: قال أحمد: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا جرير، عن سليم بن عامر، أن شرحبيل بن السمط قال لعمرو بن عبسة: حدثنا حديثًا ليس فيه تزيد ولا نسيان. قال عمرو: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أعتق رقبة مسلمة كانت فكاكه من النار عضوًا بعضو، ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورًا يوم القيامة، ومن رمى بسهم فبلغ فأصاب أو أخطأ كان كمعتق رقبة من بني إسماعيل" (٤). وروى أبو داود والنسائي بعضه (٥). طريق أخرى: قال أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا الفرج، حدثنا لقمان، عن أبي أُمامة، عن عمرو بن عبسة، قال السلمي: قلت له: حدثنا حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ ليس فيه انتقاص ولا وهم، قال: سمعته يقول: "من ولد له ثلاثة أولاد في الإسلام فماتوا قبل أن يبلغوا الحنث أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم، ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورًا يوم القيامة، ومن رمى بسهم في سبيل الله بلغ به العدو أصاب أو أخطأ كان له عتق رقبة، ومن أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منه عضوًا منه من النار، ومن أنفق زوجين في سبيل الله فإن للجنة ثمانية أبواب يدخله الله من أي باب شاء منها" (٦). وهذه أسانيد جيدة قوية، ولله الحمد.

стр. 4570

حديث آخر: قال أبو داود: حدثنا عيسى بن محمد الرملي، حدثنا ضمرة، عن ابن أبي عبلة، عن الغَريف بن عياش الديلمي، قال: أتينا واثلة بن الأسقع فقلنا له: حدِّثنا حديثًا ليس فيه زيادة ولا نقصان، فغضب وقال: إن أحدكم ليقرأ ومصحفه معلق في بيته فيزيد وينقص، قلنا: إنما أردنا حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ ، قال: أتينا رسول الله ﷺ في صاحب لنا قد أوجب يعني النار بالقتل فقال: "أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوًا من النار" (١)، وكذا رواه النسائي من حديث إبراهيم بن أبي عبلة، عن العريف بن عياش الديلمي، عن واثلة به (٢). حديث آخر: قال أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا هشام، عن قتادة، عن قيس الجذامي، عن عقبة بن عامر الجهني، أن رسول الله ﷺ قال: "من أعتق رقبة مسلمة فهو فداؤه من النار" (٣)، وحدثنا عبد الوهاب الخفاف، عن سعيد، عن قتادة، قال: ذُكر لنا أن قيسًا الجذامي حدث عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: "من أعتق رقبة مؤمنة فهي فكاكه من النار" (٤). تفرد به أحمد من هذا الوجه. حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم وأبو أحمد قالا: حدثنا عيسى بن عبد الرحمن البجلي من بني بجيلة من بني سليم، عن طلحة بن مصرف، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء بن عازب قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله علمني عملًا يدخلني الجنة، فقال: "لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة، أعتق النسمة وفك الرقبة" فقال: يا رسول الله أو ليستا بواحدة، قال: "لا إن عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفكَّ الرقبة أن تعين في عتقها، والمنحةُ الوكوف (٥)، والفيء على ذي الرحم الظالم، فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع، واسق الظمآن، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من الخير" (٦). وقوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤)﴾ قال ابن عباس: ذي مجاعة (٧)، وكذا قال عكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة وغير واحد (٨)، والسغب هو الجوع.

стр. 4571

وقال إبراهيم النخعي: في يوم الطعام فيه عزيز. وقال قتادة: في يوم [يُشتهى] (١) فيه الطعام. وقوله تعالى: ﴿يَتِيمًا﴾ أي: أطعم في مثل هذا اليوم يتيمًا ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ أي: ذا قرابة منه. قاله ابن عباس وعكرمة والحسن والضحاك والسدي (٢)، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا هشام، عن حفصة بنت سيرين، عن سلمان بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة" (٣) وقد رواه الترمذي والنسائي (٤). وهذا إسناد صحيح. وقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ أي: فقيرًا مدقعًا لاصقًا بالتراب، وهو الدقعاء أيضًا. قال ابن عباس: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ هو المطروح في الطريق الذي لا بيت له ولا شيء يقيه من التراب (٥). وفي رواية: هو الذي لصق بالدقعاء من الفقر والحاجة ليس له شيء. وفي رواية عنه: هو البعيد التربة (٦). قال ابن أبي حاتم: يعني: الغريب عن وطنه. وقال عكرمة: هو الفقير المديون المحتاج. وقال سعيد بن جبير: هو الذي لا أحد له (٧). وقال ابن عباس وسعيد وقتادة ومقاتل بن حيان: هو ذو العيال (٨). وكل هذه قريبة المعنى. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: ثم هو مع هذه الأوصاف الجميلة الطاهرة مؤمن بقلبه محتسب ثواب ذلك عند الله كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء]. وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ الآية [النحل: ٩٧] وقوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ أي: كان من

стр. 4572

المؤمنين العاملين صالحًا، المتواصين بالصبر على أذى الناس وعلى الرحمة بهم كما جاء في الحديث الشريف: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" (١). وفي الحديث الآخر: "لا يرحم الله من لا يرحم الناس" (٢). وقال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن ابن عامر، عن عبد الله بن عمرو يرويه [عن النبي ﷺ ] (٣) قال: "من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس مِنَّا" (٤). وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨)﴾ أي: المتصفون بهذه الصفات من أصحاب اليمين. ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩)﴾ أي: أصحاب الشمال ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)﴾ أي: مطبقة عليهم فلا محيد لهم عنها ولا خروج لهم منها! قال أبو هريرة وابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومحمد بن كعب القرظي وعطية العوفي والحسن وقتادة والسدي: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ أي: مطبقة (٥). قال ابن عباس: مغلقة الأبواب، وقال مجاهد: أصد الباب بلغة [قريش] (٦) أي: أغلقه (٧). وسيأتي في ذلك حديث في سورة ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾ [الهمزة]. وقال الضحاك: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ حِيَط لا باب له. وقال قتادة: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ مطبقة فلا ضوء فيها ولا فُرَج ولا خروج منها آخر الأبد (٨). وقال أبو عمران الجوني: إذا كان يوم القيامة أمر الله بكل جبار وكل شيطان وكل من كان يخاف الناس في الدنيا شره، فأوثقوا بالحديد ثم أمر بهم إلى جهنم ثم أوصدوها عليهم؛ أي: أطبقوها، قال: فلا واللهِ لا تستقر أقدامهم على قرار أبدًا، ولا واللهِ لا ينظرون فيها إلى أديم سماء أبدًا، ولا واللهِ لا تلتقي جفون أعينهم على غمض نوم أبدًا، ولا واللهِ لا يذوقون فيها بارد شراب أبدًا (٩)، رواه ابن أبي حاتم. آخر تفسير سورة البلد، ولله الحمد والمنّة.

стр. 4573

سُورَةُ الشَّمْسِ وهي مكية تقدم حديث جابر الذي في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ: "هلَّا صليت بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾؟ " (١). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾. قال مجاهد: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾ أي: وضوئها (٢). وقال قتادة: ﴿وَضُحَاهَا﴾ النهار كله (٣). قال ابن جرير: والصواب أن يقال: أقسم الله بالشمس ونهارها؛ لأن ضوء الشمس الظاهر هو النهار (٤). ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢)﴾ قال مجاهد: تبعها (٥). وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢)﴾ قال: يتلو النهار (٦). وقال قتادة: إذا تلاها ليلة الهلال إذا سقطت الشمس رؤي الهلال (٧). وقال ابن زيد: هو يتلوها في النصف الأول من الشهر ثم هي تتلوه وهو يتقدمها في النصف الأخير من الشهر (٨). وقال مالك، عن زيد بن أسلم: إذا تلاها ليلة القدر (٩). وقوله تعالى: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣)﴾ قال مجاهد: أضاء (١٠).

стр. 4574

وقال قتادة: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣)﴾ إذا غشيها النهار (١). وقال ابن جرير: وكان بعض أهل العربية يتأول ذلك بمعنى: والنهار إذا جلّا الظلمة، لدلالة الكلام عليها (٢). (قلت): ولو أن هذا القائل تأول ذلك بمعنى ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣)﴾ أي: البسيطة لكان أولى ولصحَّ تأويله في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤)﴾ فكان أجود وأقوى، والله أعلم. ولهذا قال مجاهد: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣)﴾ إنه كقوله تعالى: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾ [الليل] وأما ابن جرير فاختار عود الضمير في ذلك كله على الشمس لجريان ذكرها، وقالوا في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤)﴾ يعني: إذا يغشى الشمس حين تغيب فتظلم الآفاق. وقال بقية بن الوليد، عن صفوان: حدثني يزيد بن ذي حمامة قال: إذا جاء الليل قال الرب ﷻ غشي عبادي خلقي العظيم فالليل يهابه، والذي خلقه أحق أن يهاب. رواه ابن أبي حاتم. وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥)﴾ يحتمل أن تكون ما هاهنا مصدرية بمعنى والسماء وبنائها، وهو قول قتادة (٣)، ويحتمل أن تكون بمعنى (مَنْ) يعني والسماء وبانيها، وهو قول مجاهد (٤)، وكلاهما متلازم والبناء هو الرفع كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ أي: بقوة ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨)﴾ [الذاريات] وهكذا قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦)﴾ قال مجاهد: طحاها: دحاها (٥). وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَمَا طَحَاهَا﴾ أي: خلق فيها (٦). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: طحاها قسمها (٧). وقال مجاهد وقتادة والضحاك والسدي والثوري وأبو صالح وابن زيد: ﴿طَحَاهَا﴾ بسطها (٨)، وهذا أشهر الأقوال وعليه الأكثر من المفسرين، وهو المعروف عند أهل اللغة. قال الجوهري: طحوته مثل دحوته؛ أي: بسطته. وقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧)﴾ أي: خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ﴾ [الروم: ٣٠]

стр. 4575

وقال رسول الله ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ " أخرجاه من رواية أبي هريرة (١)، وفي صحيح مسلم من رواية عياض بن حمار المجاشعي عن رسول الله ﷺ قال: "يقول الله : إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم" (٢). وقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ أي: فأرشدها إلى فجورها؛ أي: بيّن ذلك لها وهداها إلى ما قدر لها. قال ابن عباس: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ بيَّن لها: الخير والشر (٣)، وكذا قال مجاهد وقتادة والضحاك والثوري (٤). وقال سعيد بن جبير: ألهمها الخير والشر (٥). وقال ابن زيد: جعل فيها فجورها وتقواها (٦). وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا صفوان بن عيسى وأبو عاصم النبيل قالا: حدثنا عزرة بن ثابت، حدثني يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الديلي قال: قال لي عمران بن حصين: أرأيت ما يعمل الناس فيه ويتكادحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم ﷺ وأكدت عليهم الحجة؟ قلت: بل شيء قضي عليهم، قال: فهل يكون ذلك ظلمًا؟ قال: ففزعت منه فزعًا شديدًا قال: قلت له: ليس شيء إلا وهو خلقه وملك يده لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، قال: سددك الله إنما سألتك لأخبر عقلك، إن رجلًا من مزينة أو جهينة أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس فيه ويتكادحون، أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق أم شيء مما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم ﷺ وأكدت به عليهم الحجة؟ قال: "بل شيء قد قضي عليهم" قال: [ففيم نعمل]؟ (٧) قال: "من كان الله خلقه لإحدى المنزلتين يهيئه لها وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ " (٨). رواه أحمد ومسلم من حديث [عزرة] (٩) ابن ثابت به (١٠).

стр. 4576

وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ يحتمل أن يكون المعنى قد أفلح من زكى نفسه؛ أي: بطاعة الله كما قال قتادة وطهرها من الأخلاق الدنيئة والرذائل (١)، ويروى نحوه عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير (٢). وكقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى]. ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ أي: دسسها؛ أي: أخملها ووضع منها بخذلانه إياها عن الهدى حتى ركب المعاصي وترك طاعة الله ، وقد يحتمل أن يكون المعنى قد أفلح من زكى الله نفسه، وقد خاب من دسى الله نفسه؛ كما قال العوفي وعلي بن أبي طلحة عن ابن عباس (٣). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي وأبو زرعة قالا: حدثنا سهل بن عثمان، حدثنا أبو مالك يعني: عمرو بن هشام، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في قول الله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾ قال النبي ﷺ : "أفلحت نفس زكاها الله " ورواه ابن أبي حاتم من حديث مالك به (٤)، وجويبر هذا هو ابن سعيد: متروك الحديث، والضحاك لم يلق ابن عباس. وقال الطبراني: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح، حدثنا أبي، حدثنا ابن لهيعة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا مرَّ بهذه الآية: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ وقف ثم قال: "اللَّهم آت نفسي تقواها، أنت وليها ومولاها، وخير من زكاها" (٥). حديث آخر: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يعقوب بن حميد المدني، حدثنا عبد الله بن الأموي، حدثنا معن بن محمد الغفاري، عن حنظلة بن علي الأسلمي، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ: " ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ " قال: "اللَّهم آتِ نفسي تقواها، وزكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها" (٦). لم يخرجوه من هذا الوجه. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن نافع، عن ابن عمر، عن صالح بن سعيد، عن عائشة أنها فقدت النبي ﷺ من مضجعه فلمسته بيدها فوقعت عليه وهو ساجد وهو يقول: "ربِّ أعط نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها" (٧). تفرد به.

стр. 4577

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا عاصم الأحول، عن عبد الله بن الحارث، عن زيد بن أرقم، قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "اللَّهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والهرم والجبن والبخل وعذاب القبر. اللَّهم آتِ نفسي تقواها، وزكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللَّهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع. وعلم لا ينفع ودعوة لا يستجاب لها" قال زيد: كان رسول الله ﷺ يُعلمناهنَّ ونحن نُعلمكموهنَّ (١)، رواه مسلم من حديث أبي معاوية، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن الحارث وأبي عثمان النهدي، عن زيد بن أرقم به (٢). ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)﴾. يخبر تعالى عن ثمود أنهم كذبوا رسولهم بسبب ما كانوا عليه من الطغيان والبغي. وقال محمد بن كعب: ﴿بِطَغْوَاهَا﴾ أي: بأجمعها (٣)، والأول أولى. قاله مجاهد وقتادة وغيرهما (٤)، فأعقبهم ذلك تكذيبًا في قلوبهم بما جاءهم به رسولهم ﵊ من الهدى واليقين ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢)﴾ أي: أشقى القبيلة هو قدار بن سالف عاقر الناقة، وهو أحيمر ثمود، وهو الذي قال الله تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠)﴾ [القمر]. وكان هذا الرجل عزيزًا فيهم شريفًا في قومه نسيبًا رئيسًا مطاعًا، كما قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن زمعة قال: خطب رسول الله ﷺ فذكر الناقة وذكر الذي عقرها فقال: "إذا انبعث أشقاها انبعث لها رجل عارم عزيز منيع في رهطه مثل أبي زمعة" (٥). ورواه البخاري في التفسير ومسلم في صفة النار والترمذي والنسائي في التفسير من سننيهما، وكذا ابن جرير وابن أبي حاتم عن هشام بن عروة به (٦). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن محمد بن خثيم، عن محمد بن كعب القرظي، عن محمد بن خثيم [أبي يزيد] (٧)، عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: "ألا أحدثك

стр. 4578

بأشقى الناس؟ " قال: بلى. قال: "رجلان أحيمر ثمود الذي عقر الناقة والذي يضربك يا علي على هذا -يعني: قرنه- حتى تبتل منه هذه" يعني: لحيته (١). وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ يعني: صالحًا ﵇ ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ أي: احذروا ناقة الله أن تمسوها بسوء ﴿وَسُقْيَاهَا﴾ أي: لا تعتدوا عليها في سقياها فإن لها شرب يوم ولكم شرب يوم معلوم، قال الله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ أي: كذبوه فيما جاءهم به فأعقبهم ذلك أن عقروا الناقة التي أخرجها الله من الصخرة آية لهم وحجة عليهم ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ﴾ أي: غضب عليهم فدمر عليهم ﴿فَسَوَّاهَا﴾ أي: فجعل العقوبة نازلة عليهم على السواء. قال قتادة: بلغنا أن أحيمر ثمود لم يعقر الناقة حتى بايعه صغيرهم وكبيرهم وأنثاهم، فلما اشترك القوم في عقرها دمدم الله عليهم بذنبهم فسواها (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَخَافُ﴾ وقرئ: "فلا يخاف" (٣) ﴿عُقْبَاهَا﴾ قال ابن عباس: لا يخاف الله من أحد تَبِعهُ (٤)، وكذا قال مجاهد والحسن وبكر بن عبد الله المزني وغيرهم (٥). وقال الضحاك والسدي: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)﴾ أي: لم يخف الذي عقرها عاقبة ما صنع (٦)، والقول الأول أولى لدلالة السياق عليه، والله أعلم. آخر تفسير سورة ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾ [الشمس].

стр. 4579

سُورَةُ اللَيْلِ تقدم قوله ﵊ لمعاذ: "فهلّا صلَّيت بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ (١). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١)﴾. قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قدم الشام، فدخل مسجد دمشق فصلى فيه ركعتين وقال: اللَّهم ارزقني جليسًا صالحًا قال: فجلس له أبو الدرداء فقال له أبو الدرداء: ممن أنت؟ قال: من أهل الكوفة، قال: كيف سمعت ابن أُم عبد يقرأ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾؟ قال علقمة: (والذكر والأنثى) (٢) فقال أبو الدرداء: لقد سمعتها من رسول الله ﷺ فما زال هؤلاء حتى شككوني ثم قال: ألم يكن فيكم صاحب الوساد وصاحب السرّ الذي لا يعلمه أحد غيره، والذي أجير من الشيطان على لسان محمد ﷺ ؟ (٣). وقد رواه البخاري هاهنا ومسلم من طريق الأعمش عن إبراهيم قال: قدم أصحاب عبد الله على أبي الدرداء فطلبهم فوجدهم فقال: أيكم يقرأ عليّ قراءة عبد الله؟ قالوا: كلنا، قال: أيكم أحفظ؟ فأشاروا إلى علقمة فقال: كيف سمعته يقرأ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾؟ قال: (والذكر والأنثى) قال: أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ هكذا، وهؤلاء يريدون أن أقرأ: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾ واللهِ لا أتابعهم (٤). هذا لفظ البخاري. وهكذا قرأ ذلك ابن مسعود وأبو الدرداء ورفعه أبو الدرداء، وأما الجمهور فقرأوا ذلك كما هو المثبت في المصحف الإمام العثماني في سائر الآفاق ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾ فأقسم تعالى بـ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا

стр. 4580

يَغْشَى (١)﴾ أي: إذا غشى الخليقة بظلامه ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾ أي: بضيائه وإشراقه. ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾ كقوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨)﴾ [النبأ] وكقوله: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩] ولما كان القسم بهذه الأشياء المتضادة كان المقسم عليه أيضًا متضادًا، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)﴾ أي: أعمال العباد التي اكتسبوها متضادة أيضًا ومتخالفة فمن فاعل خيرًا ومن فاعل شرًا. قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥)﴾ أي: أعطى ما أمر بإخراجه، واتقى الله في أموره ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ أي: بالمجازاة على ذلك قاله قتادة (١). وقال خُصيف: بالثواب. وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبو صالح وزيد بن أسلم: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ أي: بالخَلَف (٢). وقال أبو عبد الرحمن السلمي والضحاك: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ أي: بلا إله إلا الله (٣). وفي رواية عن عكرمة: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ أي: بما أنعم الله عليه. وفي رواية عن زيد بن أسلم: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ قال: الصلاة والزكاة والصوم، وقال مرة: وصدقة الفطر. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان بن صالح الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا زهير بن محمد، حدثني من سمع أبا العالية الرياحي يحدث عن أُبي بن كعب قال: سألت رسول الله ﷺ عن الحسنى قال: "الحسنى: الجنة" (٤). وقوله تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ قال ابن عباس: يعني للخير. وقال زيد بن أسلم: يعني للجنة، وقال بعض السلف: من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن جزاء السيئة السيئة بعدها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾ أي: بما عنده ﴿وَاسْتَغْنَى﴾. قال عكرمة، عن ابن عباس: أي بخل بماله واستغنى عن ربه (٥). رواه ابن أبي حاتم ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩)﴾ أي: بالجزاء في الدار الآخرة ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ أي: لطريق الشر كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ [الأنعام] والآيات في هذا المعنى كثيرة دالة على أن الله يجازي من قصد الخير بالتوفيق له، ومن قصد الشر بالخذلان، وكل ذلك بقدر مقدر والأحاديث الدالَّة على هذا المعنى كثيرة.

стр. 4581

رواية أبي بكر الصديق ﵁: قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن [عياش] (١)، حدثني العطاف بن خالد، حدثني رجل من أهل البصرة، عن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن أبيه قال: سمعت أبي يذكر أن أباه سمع أبا بكر وهو يقول: قلت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله أنعمل على ما فرغ منه أو على أمر مؤتنف؟ قال: "بل على أمر قد فرغ منه" قال: ففيم العمل يا رسول الله؟ قال: "كل ميسر لما خلق له" (٢). رواية علي ﵁: قال البخاري: حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في بقيع الغرقد في جنازة فقال: "ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار" فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكل؟ فقال: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ إلى قوله: ﴿لِلْعُسْرَى﴾ (٣). وكذا رواه من طريق شعبة (٤)، ووكيع (٥) عن الأعمش بنحوه. ثم رواه عن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، عن منصور، عن سعيد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتى رسول الله ﷺ ، فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس، فجعل ينكت بمخصرته ثم قال: "ما منكم من أحد -أو ما من نفس منفوسة- إلا كتب مكانها من الجنة والنار وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة" فقال رجل: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى أهل الشقاء؟ فقال: "أما أهل السعادة فيُيسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء فيُيسرون إلى عمل أهل الشقاء"، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ (٦). وقد أخرجه بقية الجماعة من طرق عن سعيد بن عبيدة به. رواية عبد الله بن عمر: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا شعبة، عن عاصم بن عبيد الله، قال: سمعت سالم بن عبد الله يحدث عن ابن عمر قال: قال عمر: يا رسول الله أرأيت ما نعمل فيه أفي أمر قد فرغ أو مبتدأ أو مبتدع؟ قال: "فيما قد فرغ منه، فاعمل يا ابن الخطاب، فإن كلًّا ميسر، أما من كان من أهل السعادة فإنه يعمل للسعادة وأما من كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء" (٧). ورواه الترمذي في القدر عن بُندار، عن ابن مهدي به، وقال: حسن صحيح (٨).

стр. 4582

حديث آخر من رواية جابر: قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله أنه قال: يا رسول الله أنعمل لأمر قد فرغ منه أو لأمر نستأنفه؟ فقال: "لأمر قد فرغ منه" فقال سراقة: ففيم العمل إذًا؟ فقال رسول الله ﷺ : "كل عامل ميسر لعمله" (١). ورواه مسلم عن أبي الطاهر، عن ابن وهب به (٢). حديث آخر: قال ابن جرير: حدثني يونس، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طلق بن حبيب، عن بشير بن كعب العدوي قال: سأل غلامان شابان النبي ﷺ فقالا: يا رسول الله أنعمل فيما جفت الأقلام وجرت به المقادير أو في شيء يستأنف؟ فقال: "بل فيما جفَّت به الأقلام وجرت به المقادير" قالا: ففيم العمل إذًا؟ قال: "اعملوا فكل عامل مُيسر لعمله الذي خلق له" قالا: نجد ونعمل (٣). رواية أبي الدرداء: قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم بن خارجة، حدثنا أبو الربيع سليمان بن عتبة السلمي، عن يونس بن ميسرة بن حلبس، عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء قال: قالوا يا رسول الله أرأيت ما نعمل أمر قد فرغ منه أم شيء نستأنفه؟ قال: "بل أمر قد فرغ منه" فقالوا: فكيف بالعمل يا رسول الله؟ قال: "كل امرء مهيأ لما خلق له" (٤). تفرد به أحمد من هذا الوجه. حديث آخر: قال ابن جرير: حدثني الحسن بن سلمة بن أبي كبشة، حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا عباد بن راشد، عن قتادة، حدثني خُليد العصري، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من يوم غربت فيه شمسه إلا وبجنبتيها ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين: اللهم أعط منفقًا خلفًا، وأعط ممسكًا تلفًا" وأنزل الله في ذلك القرآن: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ (٥). ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن ابن أبي كبشة بإسناده مثله. حديث آخر: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الطهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثني الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رجلًا كان له نخيل، ومنها نخلة فرعها في دار رجل صالح فقير ذي عيال، فإذا جاء الرجل فدخل داره فيأخذ التمرة من نخلته فتسقط التمرة، فيأخذها صبيان الرجل الفقير، فينزل من نخلته فينزع التمرة من أيديهم، وإن أدخل أحدهم التمرة في فمه أدخل أصبعه في حلق الغلام ونزع التمرة من حلقه، فشكا ذلك الرجل إلى النبي ﷺ وأخبره بما هو فيه من صاحب النخلة فقال له النبي ﷺ : "اذهب" ولقي النبي ﷺ صاحب النخلة فقال له: "أعطني نخلتك التي فرعها في دار فلان ولك بها نخلة في الجنة" فقال

стр. 4583

له: لقد أعطيت ولكن يعجبني ثمرها وإن لي لنخلًا كثيرًا ما فيها نخلة أعجب إلي ثمرة من ثمرها، فذهب النبي ﷺ فتبعه رجل كان يسمع الكلام من رسول الله ﷺ ومن صاحب النخلة فقال الرجل: يا رسول الله إن أنا أخذت النخلة فصارت لي النخلة فأعطيتك إياها، أتعطيني ما أعطيته بها نخلة في الجنة؟ قال: "نعم". ثم إن الرجل لقي صاحب النخلة ولكلاهما نخل، فقال له: أخبرك أن محمدًا أعطاني بنخلتي المائلة في دار فلان نخلة في الجنة، فقلت له: قد أعطيت ولكن يعجبني ثمرها، فسكت عنه الرجل فقال له: أراك إذا بعتها، قال: لا إلا أن أعطى بها شيئًا ولا أظنني أعطاه، قال: وما مُناك؟ قال: أربعون نخلة، فقال الرجل: لقد جئت بأمر عظيم، نخلتك تطلب بها أربعين نخلة؟ ثم سكتا وأنشآ في كلام آخر، ثم قال: أنا أعطيتك أربعين نخلة، فقال: أَشهِد لي إن كنت صادقًا، فأمر بأناس فدعاهم فقال: اشهدوا إني قد أعطيته من نخلي أربعين نخلة بنخلته التي فرعها في دار فلان بن فلان، ثم قال: ما تقول؟ فقال صاحب النخلة: قد رضيت، ثم قال بعد: ليس بيني وبينك بيع لم نفترق، فقال له: قد أقالك الله ولست بأحمق حين أعطيتك أربعين نخلة بنخلتك المائلة، فقال صاحب النخلة: قد رضيت على أن تعطيني الأربعين على ما أريد، قال: تعطينيها على ساق، ثم مكث ساعة ثم قال: هي لك على ساق، وأوقف له شهودًا وعد له أربعين نخلة على ساق، فتفرقا، فذهب الرجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن النخلة المائلة في دار فلان قد صارت لي فهي لك، فذهب رسول الله ﷺ إلى الرجل صاحب الدار فقال له: "النخلة لك ولعيالك" قال عكرمة: قال ابن عباس فأنزل الله : ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ إلى قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ إلى آخر السورة (١). هكذا رواه ابن أبي حاتم وهو حديث غريب جدًّا. قال ابن جرير: وذكر أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق ﵁: حدثنا هارون بن إدريس الأصم، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁، عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر ﵁ يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني أراك تعتق أناسًا ضعفاء فلو أنك تعتق رجالًا جلداء يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك، فقال: أي أبت إنما أريد -أظنه قال- ما عند الله، قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية أنزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١)﴾ قال مجاهد: أي إذا مات (٣).

стр. 4584

وقال أبو صالح ومالك عن زيد بن أسلم: ﴿إِذَا تَرَدَّى﴾ في النار (١). ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾. قال قتادة: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢)﴾ أي: نبين الحلال والحرام (٢)، وقال غيره: من سلك طريق الهدى وصل إلى الله (٣)، وجعله كقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] حكاه ابن جرير. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣)﴾ أي: الجميع ملكنا وأنا المتصرف فيهما. وقوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤)﴾ قال مجاهد: أي توهج (٤). قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، سمعت النعمان بن بشير يخطب يقول: سمعت رسول الله ﷺ يخطب يقول: "أنذرتكم النار [أنذرتكم النار] (٥) " حتى لو أن رجلًا كان بالسوق لسمعه من مقامي هذا، قال: حتى وقعت خميصة كانت على عاتقة عند رجليه (٦). وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثني شعبة، حدثني أبو إسحاق، سمعت النعمان بن بشير يخطب ويقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة رجل توضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه" (٧). رواه البخاري (٨). وقال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أُسامة، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أهون أهل النار عذابًا من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا وإنه لأهونهم عذابًا" (٩). وقوله تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥)﴾ أي: لا يدخلها دخولًا يحيط به من جميع جوانبه إلا الأشقى ثم فسره فقال: ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ أي: بقلبه ﴿وَتَوَلَّى﴾ أي: عن العمل بجوارحه وأركانه.

стр. 4585

قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا عبد ربه بن سعيد، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يدخل النار إلا شقي" قيل: ومن الشقي؟ قال: "الذي لا يعمل بطاعة ولا يترك لله معصية" (١). وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس وسريج قالا: حدثنا فليح، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "كل أُمتي تدخل الجنة يوم القيامة إلا من أبى" قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" (٢). رواه البخاري، عن محمد بن سنان، عن فليح به (٣). وقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧)﴾ أي: وسيزحزح عن النار التقي النقي ثم فسره بقوله: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨)﴾ أي: يصرف ماله في طاعة ربه ليزكي نفسه وماله وما وهبه الله من دين ودنيا ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩)﴾ أي: ليس بذله ماله في مكافأة من أسدى إليه معروفًا، فهو يعطي في مقابلة ذلك وإنما دفعه ذلك ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾ أي: طمعًا في أن يحصل له رؤيته في الدار الآخرة في روضات الجنات قال الله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾ أي: ولسوف يرضى من اتصف بهذه الصفات. وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق ﵁، حتى إن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك، ولا شك أنه داخل فيها وأولى الأمة بعمومها فإن لفظها العموم، وهو قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩)﴾ ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع هذه الأوصاف وسائر الأوصاف الحميدة، فإنه كان صديقًا تقيًّا كريمًا جوادًا بذالًا لأمواله في طاعة مولاه ونصرة رسول الله ﷺ ، فكم من دراهم ودنانير بذلها ابتغاء وجه ربه الكريم، ولم يكن لأحد من الناس عنده منة يحتاج إلى أن يكافئه بها، ولكن كان فضله وإحسانه على السادات والرؤساء من سائر القبائل، ولهذا قال له عروة بن مسعود وهو سيد ثقيف يوم صلح الحديبية: وأما واللهِ لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، وكان الصديق قد أغلظ له في المقالة، فإن كان هذا حاله مع سادات العرب ورؤساء القبائل فكيف بمن عداهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾. وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: "من أنفق زوجين في سبيل الله دعته خزنة الجنة يا عبد الله هذا خير" فقال أبو بكر: يا رسول الله ما على من يدعى منها ضرورة فهل يدعى منها كلها أحد؟ قال: "نعم وأرجو أن تكون منهم" (٤). آخر تفسير سورة الليل، ولله الحمد والمنة.

стр. 4586

سُورَةُ الضُّحَى وهي مكية رُوِّينا من طريق أبي الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي بزة المقريء قال: قرأت على عكرمة بن سليمان، وأخبرني أنه قرأ على إسماعيل بن قسطنطين وشبل بن عباد، فلما بلغت ﴿وَالضُّحَى (١)﴾ قالا لي: كبِّر حتى تختم مع خاتمة كل سورة، فإنا قرأنا على ابن كثير، فأمرنا بذلك، وأخبرنا أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك. وأخبره مجاهد أنه قرأ على ابن عباس فأمره بذلك، وأخبره ابن عباس أنه قرأ على أُبي بن كعب فأمره بذلك، وأخبره أُبي أنه قرأ على رسول الله ﷺ فأمره بذلك (١). فهذه سنة تفرد بها أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله البزي من ولد القاسم بن أبي بزة، وكان إمامًا في القراءات، فأما في الحديث فقد ضعفه أبو حاتم الرازي وقال: لا أحدث عنه، وكذلك أبو جعفر العقيلي قال: هو منكر الحديث، لكن حكى الشيخ شهاب الدين أبو شامة في "شرح الشاطبية" عن الشافعي أنه سمع رجلًا يكبر هذا التكبير في الصلاة فقال: أحسنت وأصبت السنة، وهذا يقتضي صحة هذا الحديث. ثم اختلف القراء في موضع هذا التكبير وكيفيته فقال بعضهم: يكبر من آخر ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ وقال آخرون: من آخر ﴿وَالضُّحَى (١)﴾ وكيفية التكبير عند بعضهم أن يقول: الله أكبر. ويقتصر، ومنهم من يقول: الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر. وذكر القراء في مناسبة التكبير من أول سورة الضحى أنه لما تأخر الوحي عن رسول الله ﷺ وفتر تلك المدة ثم جاء الملك فأوحى إليه: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾ السورة بتمامها كبر فرحًا وسرورًا، ولم يرو ذلك بإسناد يحكم عليه بصحة ولا ضعف، فالله أعلم (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن الأسود بن قيس قال: سمعت جندبًا

стр. 4587

يقول: اشتكى النبي ﷺ فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتت امرأة فقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فأنزل الله : ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ (١). رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير من طرق عن الأسود بن قيس، عن جُندب، هو ابن عبد الله البجلي، ثم العلقي به (٢)، وفي رواية سفيان بن عيينة، عن الأسود بن قيس سمع جُندبًا قال: أبطأ جبريل على رسول الله ﷺ فقال المشركون: ودَّع محمدًا ربه؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج وعمرو بن عبد الله الأودي، قالا: حدثنا أبو أسامة، حدثني سفيان، حدثني الأسود بن قيس أنه سمع جُندبًا يقول: رُمي رسول الله ﷺ بحجر في أصبعه فقال: "هل أنت إلا أصبع دميت … وفي سبيل الله ما لقيت؟ " قال: فمكث ليلتين أو ثلاثًا لا يقوم، فقالت له امرأة ما أرى شيطانك إلا قد تركك فنزلت ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ والسياق لأبي سعيد (٣). قيل: إن هذه المرأة هي أم جميل امرأة أبي لهب، وذكر أن أصبعه ﵇ دُميت، وقوله هذا الكلام الذي اتفق أنه موزون ثابت في الصحيحين ولكن الغريب هاهنا جعله سببًا لتركه القيام ونزول هذه السورة. فأما ما رواه ابن جرير: حدثنا ابن أبي الشوارب، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا سليمان الشيباني، عن عبد الله بن شداد، أن خديجة قالت للنبي ﷺ : ما أرى ربك إلا قد قلاك، فأنزل الله ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ (٤). وقال أيضًا: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: أبطأ جبريل على النبي ﷺ فجزع جزعًا شديدًا فقالت خديجة: إني أرى ربك قد قلاك مما نرى من جزعك، قال: فنزلت ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣). . .﴾ إلى آخرها (٥). فإنه حديث مرسل من [هذين الوجهين] (٦) ولعلّ ذكر خديجة ليس محفوظًا أو قالته على وجه التأسف والحزن، والله أعلم.

стр. 4588

وقد ذكر بعض السلف منهم ابن إسحاق أن هذه السورة هي التي أوحاها جبريل إلى رسول الله ﷺ حين تبدَّى له في صورته التي خلقه الله عليها، ودنا إليه وتدلى منهبطًا عليه وهو بالأبطح ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم] قال: قال له هذه السورة ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾. قال العوفي، عن ابن عباس: لما نزل على رسول الله ﷺ القرآن أبطأ عنه جبريل أيامًا فتغير بذلك، فقال المشركون: ودعه ربه وقلاه فأنزل الله ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ (١). وهذا قسم منه تعالى بالضحى وما جعل فيه من الضياء ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾ أي: سكن فأظلم وادلهم. قاله مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد وغيرهم (٢)، وذلك دليل ظاهر على قدرة خالق هذا وهذا كما قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾ [الليل] وقال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦)﴾ [الأنعام]. وقوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ أي: ما تركك ﴿وَمَا قَلَى﴾ أي: وما أبغضك. ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)﴾ أي: وللدار الآخرة خير لك من هذه الدار، ولهذا كان رسول الله ﷺ أزهد الناس في الدنيا وأعظمهم لها اطراحًا كما هو معلوم بالضرورة من سيرته، ولما خُيِّر ﵇ في آخر عمره بين الخلد في الدنيا إلى آخرها ثم الجنة وبين الصيرورة إلى الله ، اختار ما عند الله على هذه الدنيا الدنية. قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن عبد الله هو: ابن مسعود قال: اضطجع رسول الله ﷺ على حصير فأثر في جنبه، فلما استيقظ جعلت أمسح جنبه وقلت: يا رسول الله ألا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئًا؟ فقال رسول الله ﷺ : "ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب ظل تحت شجرة ثم راح وتركها" (٣). ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث المسعودي به وقال الترمذي: حسن صحيح (٤). وقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ أي: في الدار الآخرة يعطيه حتى يرضيه في أمته، وفيما أعده له من الكرامة، ومن جملته نهر الكوثر الذي حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، وطينه مِسك أذفر كما سيأتي (٥). وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر المخزومي، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه قال: عُرِض على رسول الله ﷺ ما هو مفتوح على أُمته من

стр. 4589

بعده كنزًا كنزًا فسر بذلك، فأنزل الله ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ فأعطاه في الجنة ألف ألف قصر في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم (١)، رواه ابن جرير من طرقه، وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس ومثل هذا ما يقال إلا عن توقيف. وقال السدي، عن ابن عباس من رضاء محمد ﷺ أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم (٢). وقال الحسن: يعني بذلك الشفاعة (٣)، وهكذا قال أبو جعفر الباقر. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا معاوية بن هشام، عن علي بن صالح، عن يزيد بن أبي زياد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّا أهل بيتٍ اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ " (٤). ثم قال تعالى يعدد نعمه على عبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦)﴾ وذلك أن أباه توفي وهو حمل في بطن أُمه، وقيل: بعد أن ولد ﵇ ثم توفيت أُمه آمنة بنت وهب وله من العمر ست سنين، ثم كان في كفالة جده عبد المطلب إلى أن توفي وله من العمر ثمان سنين، فكفله عمُّه أبو طالب، ثم لم يزل يحوطه وينصره ويرفع من قدره ويوقره، ويكفّ عنه أذى قومه بعد أن ابتعثه الله على رأس أربعين سنة من عمره، هذا وأبو طالب على دين قومه من عبادة الأوثان، وكل ذلك بقدر الله وحسن تدبيره إلى أن توفي أبو طالب قبل الهجرة بقليل، فأقدم عليه سفهاء قريش وجهالهم، فاختار الله له الهجرة من بين أظهرهم إلى بلد الأنصار من الأوس والخزرج، كما أجرى الله سنته على الوجه الأتم الأكمل، فلما وصل إليهم آووه ونصروه وحاطوه وقاتلوا بين يديه ﵃ أجمعين، وكل هذا من حفظ الله له وكلاءته وعنايته به. وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾ كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ الآية [الشورى: ٥٢]. ومنهم من قال: إن المراد بهذا أن النبي ﷺ ضلَّ في شِعاب مكة وهو صغير ثم رجع. وقيل: إنه ضلَّ وهو مع عمِّه في طريق الشام، وكان راكبًا ناقة في الليل، فجاء إبليس فعدل بها عن الطريق، فجاء جبريل فنفخ إبليس نفخة ذهب منها إلى الحبشة، ثم عدل بالراحلة إلى الطريق حكاهما البغوي (٥).

стр. 4590

وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ أي: كنت فقيرًا ذا عيال فأغناك الله عمن سواه فجمع له بين مقامي الفقير الصابر والغني الشاكر صلوات الله وسلامه عليه. وقال قتادة في قوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ قال: كانت هذه منازل رسول الله ﷺ قبل أن يبعثه الله . رواه ابن جرير (١) وابن أبي حاتم. وفي الصحيحين من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ["ليس الغنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى غنى النفس" (٢). وفي صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ :] (٣) "قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا وقنعه الله بما آتاه" (٤). ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾ أي: كما كنت يتيمًا فآواك الله فلا تقهر اليتيم؛ أي: لا تذله وتنهره وتهنه ولكن أحسن إليه وتلطف به. قال قتادة: كن لليتيم كالأب الرحيم (٥). ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠)﴾ أي: وكما كنت ضالًّا فهداك الله، فلا تنهر السائل في العلم المسترشد. قال ابن إسحاق: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠)﴾ أي: فلا تكن جبارًا ولا متكبرًا ولا فحَّاشًا ولا فظًّا على الضعفاء من عباد الله. وقال قتادة: يعني: ردّ المسكين برحمة ولين ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ أي: وكما كنت عائلًا فقيرًا فأغناك الله فحدث بنعمة الله عليك كما جاء في الدعاء المأثور النبوي: "واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها عليك قابليها وأتمها علينا". وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا سعيد بن [إياس الجريري] (٦)، عن أبي نضرة قال: كان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن يحدث بها (٧). وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا الجراح بن مليح، عن أبي عبد الرحمن، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ على المنبر: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر
следующие страницы →