← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 4691–4710 · переход к 4696.

стр. 4691

حديث آخر في ذلك: قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا ليث بن سعد، حدثني الخليل بن مرة، عن الأزهر بن عبد الله، عن تميم الداري قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال: لا إله إلا الله واحدًا أحدًا صمدًا، لم يتخذ صاحبةً ولا ولدًا، ولم يكن له كفوًا أحدًا، عشر مرات، كُتِب له أربعون ألف ألف حسنة" (١). تفرد به أحمد، والخليل بن مُرّة: ضعفه البخاري وغيره بمُرّة. حديث آخر: قال أحمد أيضًا: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لَهِيعَة، حدثنا [زَبَّان] (٢) بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ قال: "من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ حتى يختمها، عشر مرات، بنى الله له قصرًا في الجنة". فقال عمر: إذن نستكثر يا رسول الله. فقال ﷺ : "الله أكثر وأطيب". تفرد به أحمد (٣). ورواه أبو محمد الدارمي في مسنده فقال: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا حيوة، حدثنا أبو [عقيل] (٤) وغيره عن معبد -قال الدارمي: وكان من الأبدال- أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إن نبي الله ﷺ : "من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ عشر مرات، بنى الله له قصرًا في الجنة، ومن قرأها عشرين مرة بني الله له قصرين في الجنة، ومن قرأها ثلاثين مرة بنى الله له ثلاثة قصور في الجنة". فقال عمر بن الخطاب: إذن لتكثر قصورنا؟ فقال رسول الله ﷺ : "الله أوسع من ذلك" (٥). وهذا مرسل جيد. حديث آخر: قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا [نصر] (٦) بن علي، حدثني نوح بن قيس، أخبرني محمد العطار، أخبرتني أُم كثير الأنصارية، عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ قال: "من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ خمسين مرة غُفرت له ذنوب خمسين سنة" (٧). إسناده ضعيف. حديث آخر: قال أبو يعلى: حدثنا أبو الربيع، حدثنا حاتم بن ميمون، حدثنا ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ في يوم: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ مائتي مرة، كتب الله له ألفًا وخمسمائة حسنة إلا أن يكون عليه دين" (٨). إسناده ضعيف، حاتم بن ميمون: ضعفه البخاري وغيره. ورواه الترمذي، عن محمد بن مرزوق البصري، عن حاتم بن ميمون، به. ولفظه: "من قرأ كل يوم، مائتي مرة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ محي عنه ذنوب خمسين سنة، إلا أن يكون عليه دَين".

стр. 4692

قال الترمذي: وبهذا الإسناد عن النبي ﷺ قال: "من أراد أن ينام على فراشه، فنام على يمينه، ثم قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ مائة مرة، فإذا كان يوم القيامة يقول له الرب : يا عبدي، ادخُل على يمينك الجنة". ثم قال: غريب من حديث ثابت، وقد رُوي من غير هذا الوجه، عنه (١). وقال أبو بكر البزار: حدثنا سهل بن بحر، حدثنا حَبّان بن أغلب، حدثنا أبي، حدثنا ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ مائتي مرة، حطَّ الله عنه ذنوب مائتي سنة". ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت إلا الحسن بن أبي جعفر، والأغلب بن [تميم] (٢)، وهما متقاربان في سوء الحفظ (٣). حديث آخر في الدعاء بما تضمنته من الأسماء: قال النسائي عند تفسيرها: حدثنا عبد الرحمن بن خالد، حدثنا زيد بن الحباب، حدثني مالك بن مِغْول، حدثنا عبد الله بن بُرَيدة، عن أبيه: أنه دخل مع رسول الله ﷺ المسجد فإذا رجل يصلي، يدعو يقول: اللهم، إني أسألك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. قال: "والذي نفسي بيده، لقد سأله باسمه الأعظم، الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب". وقد أخرجه بَقِيَّة أصحاب السنن من طُرُق، عن مالك بن مِغْول، عن عبد الله بن بُرَيدة، عن أبيه، به. وقال الترمذي: حسن غريب (٤). حديث آخر في قراءتها عشر مرات بعد المكتوبة: قال الحافظ أبو يعلى [الموصلي] (٥): حدثنا عبد الأعلى، حدثنا بشر بن منصور، عن عمر بن [نبهان] (٦)، عن أبي شداد، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث من جاء بِهِنّ مع الإيمان دَخَل من أيِّ أبواب الجنة شاء، وزُوِّج من الحور العين حيث شاء: من عفا عن قاتله، وأدَّى دينا خفيًّا، وقرأ في دُبر كل صلاة مكتوبة عشر مرات: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ ". قال: فقال أبو بكر: أو إحداهن يا رسول الله؟ قال: "أو إحداهن" (٧). حديث في قراءتها عند دخول المنزل: قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن

стр. 4693

عبد الله بن بكر السراج العسكري، حدثنا محمد بن الفرج، حدثنا محمد بن الزبرقان، عن مروان بن سالم، عن أبي زُرْعَة بن عمرو بن جرير، عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ حين يدخل منزله، نفت الفقر عن أهل ذلك المنزل والجيران" (١). إسناده ضعيف. حديث في الإكثار من قراءتها في سائر الأحوال: قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي، حدثنا يزيد بن هارون، عن العلاء بن محمد الثقفي قال: سمعت أنس بن مالك يقول: كنا مع رسول الله ﷺ بتبوك، فطلعت الشمس بضياء وشعاع ونور لم نرها طلعت فيما مضى بمثله، فأتى جبريل النبي ﷺ فقال: "يا جبريل، ما لي أرى الشمس طلعت اليوم بضياء ونور وشعاع لم أرها طلعت بمثله فيما مضى؟ ". قال: إن ذلك معاوية بن معاوية الليثي، مات بالمدينة اليوم، فبعث الله إليه سبعين ألف ملك يصلون عليه. قال: "وفيم ذلك؟ " قال: كان يكثر قراءة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ في الليل وفي النهار، وفي ممشاه وقيامه وقعوده، فهل لك يا رسول الله أن أقبض لك الأرض فتصلي عليه؟ قال: "نعم". فصلى عليه (٢). وكذا رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في [كتاب] (٣) "دلائل النبوة" من طريق يزيد بن هارون، عن العلاء أبي محمد (٤) -وهو متهم بالوضع- فالله أعلم. طريق أخرى: قال أبو يعلى: حدثنا محمد بن إبراهيم الشامي أبو عبد الله، حدثنا عثمان بن الهيثم -مؤذن مسجد الجامع بالبصرة عندي- عن محمود أبي عبد الله، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس قال: نزل جبريل على النبي ﷺ فقال: مات معاوية بن معاوية الليثي، فتحب أن تصلي عليه؟ قال: "نعم". فضرب بجناحه الأرض، فلم تبقَ شجرة ولا أكمَة إلا تضعضعت، فرفع سريره فنظر إليه، فكبَّر عليه وخلفه صفان من الملائكة، في كل صف سبعون ألف ملك، فقال النبي ﷺ : "يا جبريل، بمَ نال هذه المنزلة من الله تعالى؟ ". قال بحبه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، وقراءته إياها ذاهبًا وجائيًا وقاعدًا، وعلى كل حال (٥). ورواه البيهقي، من رواية عثمان بن الهيثم المؤذن، عن محبوب بن هلال، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس، فذكره (٦). وهذا هو الصواب، ومحبوب بن هلال قال أبو حاتم الرازي: "ليس بالمشهور" (٧). وقد روي هذا من طرق أخر، تركناها اختصارًا، وكلها ضعيفة. حديث آخر في فضلها مع المعوذتين: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معاذ بن رفاعة، حدثني علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أُمامة، عن عقبة بن عامر قال: لقيت رسول الله ﷺ ، فابتدأته فأخذتُ بيده، فقلت: يا رسول الله، بمَ نجاة المؤمن؟ قال: "يا عقبة،

стр. 4694

احْرُسْ لسانك وليسَعَك بيتُك، وابْكِ على خطيئتك". قال: ثم لقيني رسول الله ﷺ ، فابتدأني فأخذ بيدي، فقال: "يا عقبة بن عامر، ألا أعلمك خير ثلاث سُوَر أنزلت في التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن العظيم؟ ". قال: قلت: بلى، جعلني الله فداك. قال: فأقرأني: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ [الفلق] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ [الناس]، ثم قال: "يا عقبة، لا تَنْسَهُن ولا تُبتْ ليلة حتى تقرأهن". قال: فما نسيتهن منذ قال: "لا تنسهن"، وما بت ليلة قط حتى أقرأهن. قال عقبة، ثم لقيت رسول الله ﷺ فابتدأته، فأخذت بيده، فقلت: يا رسول الله، أخبرني بفواضل الأعمال. فقال: "يا عقبة، صِلْ من قطعك، وأعْطِ من حَرَمَك، وأعرض عمَّن ظلمك" (١). روى الترمذي بعضه في "الزهد"، من حديث عُبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد وقال: هذا حديث حسن (٢). وقد رواه أحمد من طريق آخر: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا ابن عياش، عن أسيد بن عبد الرحمن الخَثْعَمي، عن فرْوَة بن مجاهد اللخمي، عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ ، فذكر مثله سواء (٣). تفرد به أحمد. حديث آخر في الاستشفاء بهن: قال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا المفضل، عن عُقَيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كُل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما فقرأ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات (٤). وهكذا رواه أهل السنن، من حديث عُقَيل، به. بسم الله لرحمن الرحيم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾. قد تقدم ذكر سبب نزولها. وقال عكرمة: لما قالت اليهود: نحن نعبد عُزيرَ ابن الله، وقالت النصارى: نحن نعبد المسيح ابن الله. وقالت المجوس: نحن نعبد الشمس والقمر، وقالت المشركون: نحن نعبد الأوثان، أنزل الله على رسوله ﷺ : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ (٥). يعني: هو الواحد الأحد، الذي لا نظير له ولا وزير، ولا نديد ولا شبيه ولا عديل، ولا

стр. 4695

يُطلَق هذا اللفظ على أحد في الإثبات إلا على الله ؛ لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله. وقوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ قال عكرمة، عن ابن عباس: يعني الذي يصمد الخلائق إليه في حوائجهم ومسائلهم (١). قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته (٢). وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه، هذه صفته لا تنبغى إلا له، ليس له كفء، وليس كمثله شيء، سبحان الله الواحد القهار. وقال الأعمش، عن شقيق، عن أبي وائل: ﴿الصَّمَدُ﴾ السيد الذي قد انتهى سؤدده (٣)، ورواه عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، مثله (٤). وقال مالك، عن زيد بن أسلم: ﴿الصَّمَدُ﴾ السيد (٥). وقال الحسن، وقتادة: هو الباقي بعد خلقه (٦). وقال الحسن أيضًا: ﴿الصَّمَدُ﴾ الحي القيوم الذي لا زوال له. وقال عكرمة: ﴿الصَّمَدُ﴾ الذي لم يخرج منه شيء ولا يطعم (٧). وقال الربيع بن أنس: هو الذي لم يلد ولم يولد (٨). كأنه جعل ما بعده تفسيرًا له، وهو قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣)﴾ وهو تفسير جيد. وقد تقدم الحديث من رواية ابن جرير، عن أُبي بن كعب في ذلك، وهو صريح فيه. وقال ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، ومجاهد، وعبد الله بن بُريدة، وعكرمة أيضًا، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، وعطية العوفي، والضحاك، والسدي: ﴿الصَّمَدُ﴾ الذي لا جوف له (٩). قال سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿الصَّمَدُ﴾ المصمت الذي لا جوف له (١٠).

стр. 4696

وقال الشعبي: هو الذي لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب (١). وقال عبد الله بن بُرَيدة أيضًا: ﴿الصَّمَدُ﴾ نور يتلألأ. روى ذلك كلَّه وحكاه: ابن أبي حاتم، والبيهقي والطبراني، وكذا أبو جعفر بن جرير ساق أكثر ذلك بأسانيده، وقال: حدثني العباس بن أبي طالب، حدثنا محمد بن عمر بن رومي، عن عبيد الله بن سعيد قائد الأعمش، حدثني صالح بن حيان، عن عبد الله بن بُريدة، عن أبيه قال -لا أعلم إلا قد رفعه- قال: ﴿الصَّمَدُ﴾ الذي لا جوف له (٢). وهذا غريب جدًّا، والصحيح أنه موقوف على عبد الله بن بُريدة. وقد قال الحافظ أبو القاسم الطبراني في كتاب السنة له، بعد إيراده كثيرًا من هذه الأقوال في تفسير "الصمد": وكل هذه صحيحة، وهي صفات ربنا ، وهو الذي يُصمَد إليه في الحوائج، وهو الذي قد انتهى سؤدده، وهو الصمد الذي لا جوف له، ولا يأكل ولا يشرب، وهو الباقي بعد خلقه. وقال البيهقي نحو ذلك أيضًا. وقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ أي: ليس له ولد ولا والد ولا صاحبة. قال مجاهد: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ يعني: لا صاحبة له (٣). وهذا كما قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠١] أي: هو مالك كل شيء وخالقه، فكيف يكون له من خلقه من نظير يساميه، أو قريب يدانيه؟ تعالى وتقدس وتنزه. قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم] وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ [الأنبياء] وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩)﴾ [الصافات] وفي الصحيح -صحيح البخاري-: "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدًا، وهو يرزقهم ويعافيهم" (٤). وقال البخاري: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هُرَيرة، عن النبي ﷺ قال: "قال الله : كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يُعيدَني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته،

стр. 4697

وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا. وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد" (١). ورواه أيضًا من حديث عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن همام بن مُنَبِّه، عن أبي هريرة، مرفوعًا بمثله. تفرد بهما من هذين الوجهين (٢). آخر تفسير سورة "الإخلاص"، ولله الحمد والمنّة.

стр. 4698

تفسير سورتي المعوَّذتين وهما مدنيتان قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا عاصم بن بَهْدَلة، عن زرِّ بنُ حُبَيش قال: قلت لأُبي بن كعب: إن ابن مسعود [كان] (١) لا يكتب المعوَّذتين في مصحفه؟ فقال: أشهد أن رسول الله ﷺ أخبرني أن جبريل ﵇، قال له: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ فقلتها، قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ فقلتها. فنحن نقول ما قال النبي ﷺ (٢). ورواه أبو بكر الحُميدي في مسنده، عن سفيان بن عيينة، حدثنا عبدة بن أبي لُبَابة وعاصم بن بهدلة، أنهما سمعا زرَّ بن حبيش قال: سألتُ أُبي بن كعب عن المعوذتين، فقلت: يا أبا المنذر، إن أخاك ابن مسعود يَحُكَّهما من المصحف. فقال: إني سألت رسول الله ﷺ ، فقال: "قيل لي: قل، فقلت". فنحن نقول كما قال رسول الله ﷺ (٣). وقال أحمد: حدثنا وَكِيع، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن زرٍّ قال: سألتُ ابنَ مسعود عن المعوذتين فقال: سألتُ النبي ﷺ عنهما فقال: "قيل لي، فقلت لكم، فقولوا". قال أُبي: فقال لنا النبي ﷺ فنحن نقول (٤). وقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا عَبدةُ بن أبي لُبَابة، عن زرِّ بن حُبَيش -وحدثنا عاصم عن زرٍّ- قال: سألت أُبي بن كعب فقلت: أبا المنذر، إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا. فقال: إني سألت النبي ﷺ فقال: "قيل لي، فقلت". فنحن نقول كما قال رسول الله ﷺ (٥). ورواه البخاري -أيضًا- والنسائي، عن قتيبة، عن سفيان بن عيينة، عن عبدة وعاصم بن أبي النجود، عن زرِّ بن حبيش، عن أُبى بن كعب، به (٦). وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا الأزرق بن علي، حدثنا حسان بن إبراهيم، حدثنا الصَّلْت بن بَهرَام، عن إبراهيم، عن علقمة قال: كان عبد الله [يَحُكُّ] (٧) المعوَّذتين من المصحف، ويقول:

стр. 4699

إنما أمر رسول الله ﷺ أن يتعوذ بهما، ولم يكن عبد الله يقرأ بهما (١). ورواه عبد الله بن أحمد من حديث الأعمش، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كان عبد الله يحكُّ المعوذتين من مصاحفه، ويقول: إنهما ليستا من كتاب الله. قال الأعمش: وحدثنا عاصم، عن زرِّ بن حبيش، عن أُبي بن كعب قال: سألنا عنهما رسول الله ﷺ ، قال: "قيل لي، فقلت" (٢). وهذا مشهور عند كثير من القراء والفقهاء: أن ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، فلعله لم يسمعهما من النبي ﷺ ، ولم يتواتر عنده (٣)، ثم لعله قد رجع عن قوله ذلك إلى قول الجماعة، فإن الصحابة ﵃، كتبوهما في المصاحف الأئمة، ونفذوها إلى سائر الآفاق كذلك، ولله الحمد والمنة. وقد قال مسلم في صحيحه: حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن بيان، عن قيس بن أبي حَازم، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم يُر مثلهن قط: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ " (٤). ورواه أحمد، ومسلم أيضًا، والترمذي، والنسائي، من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عقبة، به. وقال الترمذي: حسن صحيح (٥). طريق أخرى: قال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن جابر، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن عُقبة بن عامر قال: بينا أنا أقود برسول الله ﷺ في نَقب من تلك النقاب، إذ قال لي: "يا عقبة، ألا تَركب؟ ". قال: [فَأجْلَلْتُ رسول الله ﷺ أن أركب مركبه. ثم قال: "يا عُقيب، ألا تركب؟ ". قال] (٦): فأشفقت أن تكون معصية، قال: فنزل رسول الله ﷺ وركبت هنيهة، ثم ركب، ثم قال: "يا عُقيب، ألا أُعلمك سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس؟ ". قلت: بلى يا رسول الله. فأقرأني: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾. ثم أقيمت الصلاة، فتقدم رسول الله ﷺ فقرأ بهما، ثم مرَّ بي فقال: "كيف رأيت يا عقيب؟ اقرأ بهما كلما نمت وكلما قمت" (٧). ورواه [النسائي] (٨) من حديث الوليد بن مسلم وعبد الله بن المبارك كلاهما عن ابن

стр. 4700

جابر به (١). ورواه أبو داود والنسائي -أيضًا-، من حديث ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عقبة، به (٢). طريق أخرى: قال أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني يزيد بن عبد العزيز الرعيني وأبو مرحوم، عن يزيد بن محمد القرشي، عن علي بن رباح، عن عقبة بن عامر قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوذات في دُبر كل صلاة. ورواه أبو داود والترمذي والنسائي، من طرق، عن علي بن رباح. وقال الترمذي: غريب (٣). طريق أخرى: قال أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لَهِيعة، عن مشَرح بن هاعان، عن عقبة بن عامر قال: قال لي رسول الله ﷺ : "اقرأ بالمعوذتين، فإنك لن تقرأ بمثلهما". تفرد به أحمد (٤). طريق أخرى: قال أحمد: حدثنا حيوة بن شُرَيْح، حدثنا بَقِيَّة، حدثنا بَحِير بن سعد، عن خالد بن مَعْدان، عن جُبَير بن نُفَير، عن عقبة بن عامر أنه قال: إن رسول الله ﷺ أهديت له بغلة شهباء، فركبها فأخذ عقبة يقودها له، فقال رسول الله ﷺ لعقبة: "اقرأ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ ". فأعادها له حتى قرأها، فعرف أني لم أفرح بها جدًّا. فقال: "لعلك تهاونت بها؟ فما قمت تصلي بشيء مثلها". ورواه النسائي عن عمرو بن عثمان، عن بَقيَّة، به. ورواه النسائي -أيضًا- من حديث الثوري، عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عقبة بن عامر: أنه سأل رسول الله ﷺ عن المعوذتين، فذكر نحوه (٥). طريق أخرى: قال النسائي: أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر، سمعت النعمان، عن زياد أبي الأسد، عن عقبة بن عامر؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الناس لم يتعوذوا بمثل هذين: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ " (٦).

стр. 4701

طريق أخرى: قال النسائي: أخبرنا قتيبة، حدثنا الليث، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن عقبة بن عامر قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ فقال: "يا عقبة، قل". فقلت: ماذا أقول؟ فسكت عني، ثم قال: "قل". قلت: ماذا أقول يا رسول الله؟ [فسكت عني، فقلت: اللَّهم اردده عليَّ فقال: "يا عقبة قل". قلت: ماذا أقول يا رسول الله] (١) فقال: " ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ "، فقرأتها حتى أتيت على آخرها، ثم قال: "قل". قلت: ماذا أقول يا رسول الله؟ قال: " ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ "، فقرأتها حتى أتيت على آخرها، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: "ما سأل سائل بمثلهما، ولا استعاذ مستعيذ بمثلهما" (٢). طريق أخرى: قال النسائي: أخبرنا محمد بن [بشار] (٣)، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا معاوية، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن عُقبة بن عامر: أن رسول الله ﷺ قرأ بهما في صلاة الصبح (٤). طريق أخرى: قال النسائي: أخبرنا قتيبة، حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي عمران أسلم، عن عُقبة بن عامر قال: اتبعت رسول الله ﷺ وهو راكب، فوضعت يدي على قدمه فقلت: أقرئني سورة هود أو سورة يوسف. فقال: "لن تقرأ شيئًا أنفع عند الله من ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ " (٥). حديث آخر: قال النسائي: أخبرنا محمود بن خالد، حدثنا الوليد، حدثنا أبو عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبي عبد الله، عن ابن عابس الجهني: أن النبي ﷺ قال له: "يا ابن عابس، ألا أدلك -أو: ألا أخبرك- بأفضل ما يتعوذ به المتعوذون؟ ". قال: بلى، يا رسول الله. قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾، هاتان السورتان" (٦). فهذه طرق عن عقبة كالمتواترة عنه، تفيد القطع عند كثير من المحققين في الحديث. وقد تقدم في رواية صُدَيّ بن عجلان، وفَرْوَةَ بن مُجَاهد، عنه: "ألا أعلمك ثلاثَ سُورَ لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلهن؟ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ " (٧). حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا الجريري، عن أبي العلاء قال: قال رجل: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، والناس يعتقبون، وفي الظهر قلة، فحانت نَزْلَة رسول الله ﷺ ونزلتي، فلحقني فضرب منكبي، فقال: " ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ "، فقرأها

стр. 4702

رسول الله ﷺ وقرأتها معه، ثم قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾، فقرأها رسول الله ﷺ وقرأتها معه، فقال: "إذا صلَّيتَ فاقرأ بهما" (١). الظاهر أن هذا الرجل هو عُقبة بن عامر، والله أعلم. ورواه النسائي عن يعقوب بن إبراهيم، عن ابن علية، به (٢). حديث آخر: قال النسائي: أخبرنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، عن عبد الله بن سعيد، حدثني يزيد بن [رومان] (٣)، عن عُقبة بن عامر، عن عبد الله الأسلمي -هو ابن أنيس-: أن رسول الله ﷺ وضع يده على صدره ثم قال: "قل". فلم أدرِ ما أقول، ثم قال لي: "قل". قلت ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص]. ثم قال لي: "قل". قلت: ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢)﴾، حتى فرغت منها، ثم قال لي: "قل". قلت: ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ حتى فرغت منها. فقال رسول الله ﷺ : "هكذا فَتَعَوّذْ، ما تعوذَ المتعوذون بمثلهن قط" (٤). حديث آخر: قال النسائي: أخبرنا عمرو بن علي أبو حفص، حدثنا بَدَل، حدثنا شداد بن سعيد أبو طلحة، عن سعيد الجُرَيري، حدثنا أبو نَضْرة، عن جابر بن عبد الله قال: قال لي رسول الله ﷺ : "اقرأ يا جابر". قلت: وما أقرأ بأبي أنت وأُمي؟ قال: "اقرأ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾. فقرأتهما، فقال: "اقرأ بهما، ولن تقرأ بمثلهما" (٥). وتقدم حديث عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بهن، وينفث في كفيه، ويمسح بهما رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده. وقال الإمام مالك: عن ابن شهاب، عن عُرْوَة، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذتين وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه، وأمسح بيده عليه، رجاء بركتها (٦). ورواه البخاري عن عبد الله بن يوسف ومسلم؛ عن يحيى بن يحيى، وأبو داود، عن القعنبي، والنسائي عن قتيبة -ومن حديث ابن القاسم، وعيسى بن يونس- وابن ماجه من حديث معن وبشر بن عُمَر، ثمانيتهم عن مالك، به (٧).

стр. 4703

وتقدم في آخر سورة: ﴿ن﴾ [القلم] من حديث أبي نضرة، عن أبي سعيد: أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ من أعين الجان وعين الإنسان، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما، وترك ما سواهما. رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا حسن بن صالح، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قال: الفلق: الصبح (١). وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿الْفَلَقِ﴾ الصبح. ورُوي عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن محمد بن عقيل، والحسن، وقتادة، ومحمد بن كعب القرظي، وابن زيد، ومالك عن زيد بن أسلم، مثل هذا (٢). قال القرظي، وابن زيد، وابن جرير: وهي كقوله تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: ٩٦] (٣). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿الْفَلَقِ﴾ الخلق (٤). وكذا قال الضحاك: أمر الله نبيه أن يتعوذ من الخلق كله. وقال كعب الأحبار: ﴿الْفَلَقِ﴾ بيت في جهنم، إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدة حره (٥)، ورواه ابن أبي حاتم، ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا سهيل بن عثمان، عن رجل سماه، عن السدي، عن زيد بن علي، عن آبائه أنهم قالوا: ﴿الْفَلَقِ﴾ جب في قعر جهنم، عليه غطاء، فإذا كشف عنه خرجت منه نار تصيح منه جهنم، من شدة حر ما يخرج منه (٦). وكذا رُوي عن عمرو بن [عَبَسَةَ] (٧)، والسدي (٨)، وغيرهم. وقد ورد في ذلك حديثٌ مرفوع منكر، فقال ابن جرير: حدثني إسحاق بن وهب الواسطي، حدثنا مسعود بن موسى بن مشكان الواسطي، حدثنا

стр. 4704

نصر بن خزيمة الخراساني، عن شعيب بن صفوان، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هُريرة، عن النبي ﷺ قال: " ﴿الْفَلَقِ﴾ جُبّ في جهنم مغطى" (١) إسناده غريب ولا يصح رفعه. وقال أبو عبد الرحمن الحبلي: ﴿الْفَلَقِ﴾ من أسماء جهنم (٢). قال ابن جرير: والصواب القول الأول، أنه فلق الصبح (٣). وهذا هو الصحيح، وهو اختيار البخاري ﵀، في صحيحه (٤). وقوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢)﴾ أي: من شر جميع المخلوقات. وقال ثابت البناني، والحسن البصري: جهنم وإبليس وذريته مما خلق. ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣)﴾ قال مجاهد: غاسقُ الليلُ إذا وقبَ غُروبُ الشمس. حكاه البخاري عنه (٥). ورواه ابن أبي نَجِيح، عنه. وكذا قال ابن عباس، ومحمد بن كعب القرظي، والضحاك، وخُصَيف، والحسن، وقتادة: إنه الليل إذا أقبل بظلامه (٦). وقال الزهري: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣)﴾ الشمس إذا غربت. وعن عطية وقتادة: إذا وقب الليل: إذا ذهب (٧). وقال أبو المهزَّم، عن أبي هريرة: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣)﴾ كوكب (٨). وقال ابن زيد: كانت العرب تقول: الغاسق سقوط الثريا، وكانت الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها، وترتفع عند طلوعها (٩). قال ابن جرير: ولهؤلاء من الأثر ما حدثني: نصر بن علي، حدثني بكار بن عبد الله -ابن أخي همام- حدثنا محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن أبي هُرَيرة، عن النبي: " ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣)﴾ قال: النجم الغاسق" (١٠).

стр. 4705

قلت: وهذا الحديث لا يصح رفعه إلى النبي ﷺ . قال ابن جرير: وقال آخرون: هو القمر. قلت: وعمدة أصحاب هذا القول ما رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو داود الحَفري، عن ابن أبي ذئب، عن الحارث، عن أبي سلمة قال: قالت عائشة ﵂: أخذ رسول الله ﷺ بيدي، فأراني القمر حين يطلع، وقال: "تَعوَّذِي بالله من شر هذا الغاسق إذا وقب" (١). ورواه الترمذي والنسائي، في كتابي التفسير من سننيهما، من حديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن خاله الحارث بن عبد الرحمن، به. وقال الترمذي: حسن صحيح. ولفظه: "تعوذي بالله من شر هذا، فإن هذا الغاسق إذا وقب". ولفظ النسائي: "تعوَّذي بالله من شر هذا، هذا الغاسق إذا وقب" (٢). قال أصحاب القول الأول وهو أنه الليل إذا ولج: هذا لا ينافي قولنا؛ لأن القمر آيةُ الليل، ولا يوجد له سلطان إلا فيه، وكذلك النجوم لا تضيء، إلا في الليل، فهو يرجع إلى ما قلناه، والله أعلم. وقوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ قال مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة والضحاك: يعني: السواحر، قال مجاهد: إذا رقين ونفثن في العقد (٣). وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن مَعْمَر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: ما من شيء أقرب من الشرك من رقية الحية والمجانين (٤). وفي الحديث الآخر: أن جبريل جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: اشتكيت يا محمد؟ فقال: "نعم". فقال: باسم الله أرْقِيك، من كل داء يؤذيك، ومن شر كل حاسد وعين، الله يشفيك (٥). ولعل هذا كان من شكواه ﵇، حين سحر، ثم عافاه الله تعالى وشفاه، وردَّ كيد السحرةَ الحسَّاد من اليهود في رؤوسهم، وجعل تدميرهم في تدبيرهم، وفضحهم، ولكن مع هذا لم يعاتبه رسول الله ﷺ يومًا من الدهر، بل كفى الله وشفى وعافى. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن يزيد بن حَيَّان، عن زيد بن أرقم قال: سَحَر النبيَّ ﷺ رجلٌ من اليهود، فاشتكى لذلك أيامًا، قال: فجاءه جبريل فقال: إن رجلًا من اليهود سحرك، عقد لك عُقَدًا في بئر كذا وكذا، فَأرْسِل إليها من يجيء بها. فبعث رسول الله ﷺ [عليًّا رضي الله تعالى عنه] (٦) فاستخرجها، فجاء بها فحللها، قال: فقام

стр. 4706

رسول الله ﷺ كأنما نَشط من عقال، فما ذكر ذلك لليهودي ولا رآه في وجهه حتى مات (١). ورواه النسائي عن هَنَّاد، عن أبي معاوية محمد بن حَازم الضرير (٢). وقال البخاري في "كتاب الطب" من صحيحه: حدثنا عبد الله بن محمد قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: أول من حدثنا به ابنُ جُرَيْج، يقول: حدثني آل عُرْوَة، عن عروة، فسألت هشامًا عنه، فحدثَنا عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ سُحر، حتى كان يُرَى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن -قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر، إذا كان كذا- فقال: "يا عائشة، أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟ أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للآخر: ما بال الرجل؟ قال: مطبوب. قال: ومن طَبَّه؟ قال: لَبيد بن أعصم -رجل من بني زُرَيق حَليف ليهُودَ، كان منافقًا- قال: وفيم؟ قال: في مُشط ومُشاقة. قال: وأين؟ قال: في جُفَ طَلْعَة ذكر تحت رعوفة (٣) في بئر ذَرْوَان". قالت: فأتى البئر حتى استخرجه فقال: "هذه البئر التي أريتها، وكأن ماءها نُقَاعة الحنَّاء، وكأن نخلها رؤوس الشياطين". قال: فاستخرج. فقلت: أفلا؟ أي: تَنَشَّرْتَ؟ فقال: "أمَّا اللهُ فقد شفاني، وأكره أن أثير على أحد من الناس شرًّا" (٤). وأسنده من حديث عيسى بن يونس، وأبي ضَمْرة أنس بن عياض، [وأبي أُسامة] (٥)، ويحيى القطان وفيه: "قالت: حتى كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله". وعنده: "فأمر بالبئر فدفنت". وذكر أنه رواه عن هشام أيضًا ابن أبي الزَّناد والليث بن سعد (٦). وقد رواه مسلم، من حديث أبي أُسامة حماد بن أُسامة وعبد الله بن نمير (٧). ورواه أحمد، عن عفان، عن وُهَيب، عن هشام، به (٨). ورواه الإمام أحمد -أيضًا- عن إبراهيم بن خالد، عن رباح، عن مَعْمَر، عن هشَام، عن أبيه، عن عائشة قالت: لبث رسول الله ﷺ ستة أشهر يُرى أنه يأتي ولا يأتي، فأتاه ملكان، فجلس أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال أحدهما للآخر: ما باله؟ قال: مطبوب. قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصَم، وذكر تمام الحديث (٩). وقال الأستاذ المفسر الثعلبي في تفسيره: قال ابن عباس وعائشة ﵄: كان غلام من اليهود

стр. 4707

يخدم رسول الله ﷺ فدبَّت إليه اليهود، فلم يزالوا به حتى أخذ مُشَاطة رأس النبي ﷺ وعدة أسنان من مُشطه، فأعطاها اليهود، فسحروه فيها. وكان الذي تولى ذلك رجل منهم -يقال له: لبيد ابن أعصم- ثم دسَّها في بئر لبني زُرَيق، يقال لها: ذَرْوان، فمرض رسول الله ﷺ وانتثر شعر رأسه، ولبث سته أشهر يُرَى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، وجعل يَذُوب ولا يدري ما عراه. فبينما هو نائم إذ أتاه ملكان فَقَعَد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ما بال الرجل؟ قال: طُبَّ. قال: وما طُبّ؟ قال: سحر. قال: ومن سحره؟ قال: لبيد بن أعصم اليهودي. قال: وبم طَبَّه؟ قال: بمشط ومشاطة. قال: وأين هو؟ قال: في جُف طلعة تحت راعوفة في بئر ذَرْوَان -والجف: قشر الطلع، والراعوفة: حجر في أسفل البئر ناتئ يقوم عليه الماتح- فانتبه رسول الله ﷺ مذعورًا، وقال: "يا عائشة، أما شعرت أن الله أخبرني بدائي؟ ". ثم بعث رسول الله ﷺ عليًّا والزبير وعمار بن ياسر، فنزحوا ماء البئر كأنه نُقاعة الحناء، ثم رفعوا الصخرة، وأخرجوا الجفَّ، فإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان من مشطه، وإذا فيه وتر معقود، فيه اثنتا عشرة عقدة مغروزة بالإبر. فأنزل الله تعالى السورتين، فجعل كلما قرأ آية انحلَّت عقدة، ووجد رسول الله ﷺ خفة حين انحلَّت العقدة الأخيرة، فقام كأنما نَشطَ من عقال، وجعل جبريل ﵇ يقول: باسم الله أرْقِيك، من كل شر يؤذيك، من حاسد وعين الله يشفيك. فقالوا: يا رسول الله، أفلا نأخذ الخبيث نقتله؟ فقال رسول الله ﷺ : "أما أنا فقد شفاني الله، وأكره أن يثير على الناس شرًّا" (١). هكذا أورده بلا إسناد، وفيه [غرابة] (٢)، وفي بعضه نكارة شديدة، ولبعضه شواهد مما تقدم، والله أعلم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾. هذه ثلاث صفات من صفات الربِّ ؛ الربوبية، والملك، والإلهية: فهو ربُّ كل شيء ومليكه وإلهه، فجميع الأشياء مخلوقة له، مملوكة عبيد له، فأمر المستعيذ أن يتعوذ بالمتصف بهذه الصفات، من شر الوسواس الخناس، وهو الشيطان الموكل بالإنسان، فإنه ما من أحد من بني آدم إلا وله قرين يُزَين له الفواحش، ولا يألوه جهدًا في الخبال. والمعصوم من عَصَم الله، وقد ثبت في الصحيح أنه: "ما منكم من أحد إلا قد وُكِل به قرينه". قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: "نعم، إلا أن الله أعانني عليه، فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير" (٣).

стр. 4708

وثبت في الصحيح، عن أنس في قصة زيارة صفية النبي ﷺ وهو معتكف، وخروجه معها ليلًا ليردها إلى منزلها، فلقيه رجلان من الأنصار، فلما رأيا رسول الله ﷺ أسرعا، فقال رسول الله: "على رسلكما، إنها صفية بنت حُيي". فقالا: سبحان الله، يا رسول الله. فقال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا، أو قال: شرًّا" (١). وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا محمد بن بحر، حدثنا عدي بن أبي عمَارة، حدثنا زياد النّميري، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر خَنَس، وإن نسي الْتقم قلبه، فذلك الوسواس الخناس" (٢). غريب. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عاصم، سمعت أبا تميمة يُحَدث عن رَديف رسول الله ﷺ قال: عَثَر بالنبي ﷺ حمارهُ، فقلت: تَعِس الشيطان. فقال النبي ﷺ : "لا تقل: تعس الشيطان، فإنك إذا قلت: تعس الشيطان، تعاظَم، وقال: بقوتي صرعته، وإذا قلت: باسم الله، تصاغر حتى يصير مثل الذباب" (٣). تفرد به أحمد، إسناده جيد قوي، وفيه دلالة على أن القلب متى ذكر الله تصاغر الشيطان وغُلِب، وإن لم يذكر الله تعاظم وغلب. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا الضحاك بن عثمان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أحدكم إذا كان في المسجد، جاءه الشيطان فأبسَّ (٤) به كما يُبَس الرجل بدابته، فإذا سكن له زنقه - أو: ألجمه". قال أبو هُرَيرة: وأنتم ترون ذلك، أما المزنوق فتراه مائلًا -كذا- لا يذكر الله، وأما الملجم ففاتح فاه لا يذكر الله (٥). تفرد به أحمد. وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ قال: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله خَنَس (٦). وكذا قال مجاهد، وقتادة (٧). وقال المعتمر بن سليمان، عن أبيه: ذُكرَ لي أن الشيطان، أو: الوسواس ينفث في قلب ابن آدم عند الحزن وعند الفرح، فإذا ذكر الله خنس (٨).

стр. 4709

وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿الْوَسْوَاسِ﴾ قال: هو الشيطان يأمر، فإذا أطيع خنس (١). وقوله: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥)﴾ هل يختص هذا ببني آدم -كما هو الظاهر- أو يعمُّ بني آدم والجن؟ فيه قولان، ويكونون قد دخلوا في لفظ الناس تغليبًا. وقال ابن جرير: وقد استعمل فيهم (رجَالٌ منَ الجنّ) فلا بدع في إطلاق الناس عليهم (٢). وقوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ هل هو تفصيل لقوله: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥)﴾ ثم بينهم فقال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ وهذا يقوي القول الثاني. وقيل قوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ تفسير للذي يُوسوس في صدور الناس، من شياطين الإنس والجن، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] وكما قال الإمام أحمد: حدثنا وَكِيع، حدثنا المسعودي، حدثنا أبو عُمَر الدمشقي، حدثنا عبيد بن الخشخاش، عن أبي ذَرٍّ قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو في المسجد، فجلست، فقال: "يا أبا ذرّ، هل صليت؟ ". قلت: لا. قال: "قم فصل". قال: فقمت فصليت، ثم جلست فقال: "يا أبا ذر، تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن". قال: قلت: يا رسول الله، وللإنس شياطين؟ قال: "نعم". قال: قلت: يا رسول الله، الصلاة؟ قال: "خير موضوع، من شاء أقل، ومن شاء أكثر". قلت: يا رسول الله فما الصوم؟ قال: "فرض يجزئ، وعند الله مزيد". قلت: يا رسول الله، فالصدقة؟ قال: "أضعاف مضاعفة". قلت: يا رسول الله، أيها أفضل؟ قال: "جُهد من مُقل، أو سر إلى فقير". قلت: يا رسول الله؛ أي: الأنبياء كان أول؟ قال: "آدم". قلت: يا رسول الله، ونبي كان؟ قال: "نعم، نبي مُكَلَّم". قلت: يا رسول الله، كم المرسلون؟ قال: "ثلثمائة وبضعة عشر، جَمًّا غَفيرًا". وقال مرة: "خمسة عشر". قلت: يا رسول الله، أيما أنزل عليك أعظم؟ قال: "آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] (٣) ". ورواه النسائي، من حديث أبي عمر الدمشقي، به (٤). وقد أخرج هذا الحديث مطولًا جدًّا أبو حاتم بن حبان في صحيحه، بطريق آخر، ولفظ آخر مطول جدًّا (٥)، فالله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا وَكِيع، عن سفيان، عن منصور، عن ذرِّ بن عبد الله الهَمْداني، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أحدث

стр. 4710

نفسي بالشيء لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أتكلم به. قال: فقال النبي ﷺ : "الله أكبر الله أكبر، الحمد لله الذي ردَّ كيده إلى الوسوسة" (١). ورواه أبو داود والنسائي، من حديث منصور؛ زاد النسائي: والأعمش كلاهما عن ذر، به (٢). * * * آخر التفسير، ولله الحمد والمنّة [والحمد لله رب العالمين] (٣)، وصلواته وسلامه على خير خلقه محمد وآله وصحبه وسلم. [حسبنا الله ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير] (٤).