← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

حتى يقضي حجه ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهلّ بالحج، فمن لم يجد هديًا فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله" وذكر تمام الحديث. قال الزهري: وأخبرني عروة، عن عائشة بمثل ما أخبرني سالم عن أبيه، والحديث مخرج في الصحيحين من حديث الزهري (١) به. وقوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ قيل: تأكيد، كما تقول العرب: رأيت بعيني، وسمعت بأذني، وكتبت بيدي، وقال الله تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٣٨] وقال: ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]، وقال: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] وقيل: معناهُ كاملة الأمر بإكمالها وإتمامها، اختاره ابن جرير، وقيل: معنى ﴿كَامِلَةٌ﴾: أي مجزئة عن الهدي (٢). قال هشيم: عن عباد بن راشد، عن الحسن البصري في قوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ قال: من الهدي (٣). وقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال ابن جرير: واختلف أهل التأويل فيمن عنى بقوله: ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ بعد إجماع جميعهم على أن أهل الحرم معنيون به وأنه لا متعة لهم، فقال بعضهم: عنى بذلك أهل الحرم خاصة دون غيرهم، حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان - هو الثوري - قال ابن عباس ومجاهد: هم أهل الحرم. وكذا روى ابن المبارك عن الثوري، وزاد الجماعة عليه (٤)، وقال قتادة: ذكر لنا أن ابن عباس كان يقول: يا أهل مكة، لا متعة لكم، أحلت لأهل الآفاق وحرمت عليكم، إنما يقطع أحدكم واديًا، أو قال: يجعل بينه وبين الحرم واديًا، [ثم] (٥) يهلّ بعمرة (٦). وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: المتعة للناس لا لأهل مكة، من لم يكن أهله من الحرم. وذلك قول الله : ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال: وبلغني عن ابن عباس مثل قول طاوس (٧). وقال آخرون: هم أهل الحرم ومن بينه وبين المواقيت، كما قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن رجل، عن عطاء، قال: من كان أهله دون المواقيت فهو كأهل مكة لا يتمتع (٨).

стр. 807

وقال عبد الله بن المبارك: عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن مكحول في قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال: من كان دون الميقات (١). وقال ابن جريج: عن عطاء ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال: عرفة ومرّ (٢) وعرنة (٣) والرجيع (٤) وضجنان (٥) (٦). وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر سمعت الزهري يقول من كان أهله على يوم أو نحوه تمتع (٧). وفي رواية عنه: اليوم واليومين (٨)، واختار ابن جرير في ذلك مذهب الشافعي أنهم أهل الحرم، ومن كان منه على مسافة لا يقصر فيها الصلاة، لأن من كان كذلك يعد حاضرًا لا مسافرًا، والله أعلم (٩). وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: فيما أمركم ونهاكم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: لمن خالف أمره وارتكب ما عنه زجره. ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾. اختلف أهل العربية في قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ فقال بعضهم: تقديره الحج حج أشهر معلومات، فعلى هذا التقدير يكون الإحرام بالحج فيها أكمل من الإحرام فيما عداها وإن كان ذاك صحيحًا، والقول بصحة الإحرام بالحج في جميع السنة مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وبه يقول إبراهيم النخعي والثوري والليث بن سعد واحتج لهم بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] وبأنه أحد النسكين، فصحَّ الإحرام به في جميع السنة كالعمرة. وذهب الشافعي ﵀، إلى أنه لا يصح الإحرام بالحج إلا في أشهره، فلو أحرم به قبلها لم ينعقد إحرامه، بل. وهل ينعقد عمرة؟ فيه قولان عنه. والقول بأنه لا يصح الإحرام بالحج إلا في أشهره مروي عن ابن عباس وجابر، وبه يقول عطاء وطاوس ومجاهد ﵏، والدليل عليه قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [وظاهره التقدير الآخر الذي ذهب إليه النحاة (١٠)، وهو أن وقت

стр. 808

الحج أشهر معلومات] (١)، فخصصه بها من بين سائر شهور السنة، فدل على أنه لا يصح قبلها كميقات الصلاة. وقال الشافعي ﵀: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، أخبرني عمر بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في شهور الحج من أجل قول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾. وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن يحيى بن مالك السوسي، عن حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج (٢) به. ورواه ابن مردويه في تفسيره من طريقين عن حجاج بن أرطاة، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس أنه قال: من السنّة لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج. وقال ابن خزيمة في صحيحه: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، [فإن من سنّة الحج أن يحرم في أشهر الحج] (٣) (٤). وهذا إسناد صحيح، وقول الصحابي: من السنة كذا في حكم المرفوع عند الأكثرين، ولا سيّما قول ابن عباس تفسيرًا للقرآن وهو ترجمانه. وقد ورد فيه حديث مرفوع. قال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي بن قانع، حدثنا الحسن بن المثنى، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج" (٥) وإسناده لا بأس به. لكن رواه الشافعي والبيهقي من طرق عن ابن جريج، عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل: أيهلّ بالحج قبل أشهر الحج؟ فقال: لا، وهذا الموقوف أصح وأثبت من المرفوع، ويبقى حينئذٍ مذهب صحابي يتقوى بقول ابن عباس من السنة: أن لا يحرم بالحج إلا في أشهره، والله أعلم. وقوله: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ قال البخاري: قال ابن عمر: هي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة (٦).

стр. 809

وهذا الذي علّقه البخاري بصيغة الجزم، رواه ابن جرير، حدثنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة، حدثنا أبو نعيم، حدثنا ورقاء، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ قال: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة (١). إسناد صحيح، وقد رواه الحاكم أيضًا في مستدركه عن الأصم، عن الحسن بن علي بن عفان، عن عبد الله بن نمير، [عن عبيد الله] (٢) عن نافع، عن ابن عمر … فذكره وقال: هو على شرط الشيخين (٣). (قلت): وهو مروي عن عمر وعلي وابن مسعود وعبد الله بن الزبير وابن عباس وعطاء وطاوس ومجاهد وإبراهيم النخعي والشعبي والحسن وابن سيرين ومكحول وقتادة والضحاك بن مزاحم والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان (٤). وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وأبي يوسف وأبي ثور ﵏، واختار هذا القول ابن جرير، قال: وصحّ إطلاق الجمع (٥) على شهرين وبعض الثالث للتغليب، كما تقول العرب: زرته العام ورأيته اليوم، وإنما وقع ذلك في بعض العام واليوم (٦). قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وإنما تعجل في يوم ونصف. وقال الإمام مالك بن أنس [والشافعي - في القديم] (٧): هي شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله. وهو رواية عن ابن عمر أيضًا. قال ابن جرير: حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا شريك عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: شوال وذو القعدة وذو الحجة (٨). وقال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني ابن جريج، قال: قلت لنافع: أسمعت عبد الله بن عمر يسمي شهور الحج. قال: نعم، كان عبد الله يسمي شوالًا وذا القعدة وذا الحجة. قال ابن جريج: وقال ذلك ابن شهاب وعطاء وجابر بن عبد الله صاحب النبي ﷺ (٩). وهذا إسناد صحيح إلى ابن جريج، وقد حكى هذا أيضًا عن طاوس ومجاهد وعروة بن الزبير والربيع بن أنس وقتادة (١٠).

стр. 810

وجاء فيه حديث مرفوع لكنه موضوع، رواه الحافظ ابن مردويه من طريق حُصين بن مخارق، وهو متهم بالوضع، عن يونس بن عبيد، عن شهر بن حوشب، عن أبي أُمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾: شوال وذو القعدة وذو الحجة" وهذا كما رأيت لا يصح رفعه، والله أعلم. وفائدة مذهب مالك: أنه إلى آخر ذي الحجة بمعنى أنه مختص بالحج، فيكره الاعتمار في بقية ذي الحجة، لا أنه يصح الحج بعد ليلة النحر. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: قال عبد الله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، ليس فيها عمرة (١). وهذا إسناد صحيح. قال ابن جرير: وإنما أراد من ذهب إلى أن أشهر الحج: شوال وذو القعدة وذو الحجة أن هذه الأشهر ليست أشهر العمرة إنما هي للحج وإن كان عمل الحج قد انقضى بانقضاء أيام منى، كما قال محمد بن سيرين: ما أحد من أهل العلم يشك في أن عمرة في غير أشهر الحج أفضل من عمرة في أشهر الحج. وقال ابن عون: سألت القاسم بن محمد عن العمرة في أشهر الحج فقال: كانوا لا يرونها تامة (٢). (قلت): وقد ثبت عن عمر وعثمان ﵄، أنهما كان يحبان الاعتمار في غير أشهر الحج وينهيان عن ذلك في أشهر الحج، والله أعلم. وقوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ أي: أوجب بإحرامه حجًا، فيه دلالة على لزوم الإحرام بالحج والمضي فيه. قال ابن جرير: أجمعوا على أن المراد من الفرض ههنا الإيجاب والإلزام، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ يقول: من أحرم بحج أو عمرة (٣). وقال عطاء: الفرض الإحرام (٤). وكذا قال إبراهيم والضحاك وغيرهم (٥). وقال [ابن جُريج] (٦): أخبرني عمر بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ فلا ينبغي أن يلبي بالحج ثم يقيم بأرض (٧). قال ابن أبي حاتم: روي عن ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير ومجاهد وعطاء وإبراهيم

стр. 811

النخعي وعكرمة والضحاك وقتادة وسفيان الثوري والزهري ومقاتل بن حيان: نحو ذلك. وقال طاوس والقاسم بن محمد: هو التلبية (١). وقوله: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ أي: من أحرم بالحج أو العمرة فليجتنب الرفث، وهو الجماع، كما قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] وكذلك يحرم تعاطي دواعيه من المباشرة والتقبيل ونحو ذلك، وكذا التكلم به بحضرة النساء. قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس: أن نافعًا أخبره أن عبد الله بن عمر كان يقول: الرفث إتيان النساء والتكلم بذلك للرجال والنساء إذا ذكروا ذلك بأفواههم (٢). قال ابن وهب: وأخبرني أبو صخر عن محمد بن كعب مثله (٣). قال ابن جرير: وحدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن رجل، عن أبي العالية الرياحي، عن ابن عباس، أنه كان يحدو وهو محرم، وهو يقول: وهنّ يمشين بنا هَميسا … إن تصدُقِ الطيرُ نَنِكْ لَميسا (٤) قال أبو العالية: فقلت: تتكلم بالرفث وأنت محرم؟ قال: إنما الرفث ما قيل عند النساء (٥). ورواه الأعمش عن زياد بن حصين عن أبي العالية عن ابن عباس … فذكره (٦). وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن عوف، قال: حدثني زياد بن حصين قال: حدثني أبي حصين بن قيس، قال: أصعدت مع ابن عباس في الحاج، وكنت خليله، فلما كان بعد إحرامنا وقال ابن عباس: فأخذ بذنب بعيره فجعل يلويه ويرتجز ويقول: وهنّ يمشين بنا هَميسا … إن تصدُقِ الطيرُ نَنِكْ لَميسا قال: فقلت: أترفث وأنت محرم؟ فقال: إنما الرفث ما قيل عند النساء (٧). وقال عبد الله بن طاوس، عن أبيه: سألت ابن عباس عن قول الله : ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾؟ قال: الرفث: التعريض بذكر الجماع، وهي العرابة في كلام العرب، وهو أدنى الرفث (٨).

стр. 812

وقال عطاء بن أبي رباح: الرفث: الجماع وما دونه من قول الفحش (١). وكذا قال عمرو بن دينار (٢). وقال عطاء: كانوا يكرهون العرابة، وهو التعريض وهو محرم (٣). وقال طاوس: هو أن يقول للمرأة: إذا حللت أصبتك (٤)، وكذا قال أبو العالية. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الرفث: غشيان النساء والقبلة والغمز، وأن يعرض لها بالفحش من الكلام ونحو ذلك (٥). وقال ابن عباس أيضًا وابن عمر: الرفث: غشيان النساء (٦). وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وإبراهيم وأبو العالية عن عطاء ومكحول [وعطاء الخراساني، (٧) وعطاء بن يسار وعطية وإبراهيم النخعي والربيع والزهري والسدي ومالك بن أنس ومقاتل بن حيان وعبد الكريم بن مالك والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم (٨). وقوله: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾ قال مقسم وغير واحد، عن ابن عباس هي: المعاصي (٩). وكذا قال عطاء ومجاهد وطاوس وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن وقتادة وإبراهيم النخعي والزهري ومكحول والربيع بن أنس وعطاء بن يسار وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان (١٠). وقال محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: الفسوق ما أصيب من معاصي الله صيدًا أو غيره (١١). وكذا روى ابن وهب، عن يونس، عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: الفسوق إتيان معاصي الله في الحرم (١١). وقال آخرون: الفسوق ههنا السباب. قاله ابن عباس وابن عمر وابن الزبير ومجاهد والسدي

стр. 813

وإبراهيم والحسن (١). وقد يتمسك هؤلاء بما ثبت في الصحيح: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" (٢) [ولهذا رواه ههنا الحبر أبو محمد بن أبي حاتم ﵀ من حديث سفيان الثوري عن زبيد، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبي ﷺ ، قال: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" (٣). وروي من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، ومن حديث أبي إسحاق، عن محمد بن سعد، عن أبيه] (٤). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الفسوق ههنا الذبح للأصنام. قال الله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٥) [الأنعام: ١٤٥]. وقال الضحاك: الفسوق: التنابز بالألقاب (٦). والذين قالوا: الفسوق ههنا: هو جميع المعاصي معهم الصواب، كما نهى تعالى عن الظلم في الأشهر الحرم، وإن كان في جميع السنّة منهيًا عنه، إلا أنه في الأشهر الحرم آكد، ولهذا قال: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]. وقال في الحرم: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. واختار ابن جرير أن الفسوق ههنا ارتكاب ما نهى عنه في الإحرام من قتل الصيد وحلق الشعر وقلم الأظفار ونحو ذلك، كما تقدم عن ابن عمر، وما ذكرناه أولى، والله أعلم، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي حازم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من حجَّ هذا البيت، فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" (٧). وقوله: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ فيه قولان: (أحدهما): ولا مجادلة في وقت الحج وفي مناسكه، وقد بيّنه الله أتم بيان، ووضحه أكمل إيضاح، كما قال وكيع: عن العلاء بن عبد الكريم: سمعت مجاهدًا يقول: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ قد بيّن الله أشهر الحج فليس فيه جدال بين الناس (٨). وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ قال: لا شهر ينسأ ولا جدال في

стр. 814

الحجِّ قد تبيّن ثم ذكر كيفية ما كان المشركون يصنعون في النسيء الذي ذمهم الله به (١). وقال الثوري، عن عبد العزيز بن رفيع (٢)، عن مجاهد في قوله: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ قال: قد استقام الحج، فلا جدال فيه (٣). وكذا قال السدي (٤). وقال هشيم: أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ قال: المراء في الحج (٥). وقال عبد الله بن وهب: قال مالك: قال الله تعالى: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ فالجدال في الحج - والله أعلم - أن قريشًا كانت تقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة، وكانت العرب وغيرهم يقفون بعرفة، وكانوا يتجادلون يقول هؤلاء: نحن أصوب ويقول هؤلاء: نحن أصوب، فهذا فيما نرى، والله أعلم (٦). وقال ابن وهب: عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كانوا يقفون مواقف مختلفة يتجادلون كلهم يدعي أن موقفه موقف إبراهيم، فقطعه [الله حين] (٧) أعلم نبيه بالمناسك (٨). وقال ابن وهب: عن أبي صخر، عن محمد بن كعب، قال: كانت قريش إذا اجتمعت بمنى قال هؤلاء: حجنا أتمُّ من حجِّكم، وقال هؤلاء: حجُّنا أتمُّ من حجِّكم (٩). وقال حماد بن سلمة، عن جُبير بن حبيب، عن القاسم بن محمد أنه قال: الجدال في الحجِّ أن يقول بعضهم: الحجُّ غدًا، ويقول بعضهم: الحجُّ اليوم (١٠). وقد اختار ابن جرير مضمون هذه الأقوال، وهو قطع التنازع في مناسك الحجِّ. (والقول الثاني): أن المراد بالجدال ههنا المخاصمة. قال ابن جرير: حدثنا عبد الحميد بن بيان، حدثنا إسحاق، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود في قوله: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ قال: أن تماري صاحبك حتى تغضبه (١١). وبهذا الإسناد إلى أبي إسحاق، عن التميمي، سألت ابن عباس، عن الجدال، قال: المراء تماري صاحبك حتى تغضبه (١٢). وكذلك

стр. 815

روى مقسم والضحاك عن ابن عباس (١). وكذا قال أبو العالية وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وجابر بن زيد وعطاء الخراساني ومكحول والسدي ومقاتل بن حيان وعمرو بن دينار والضحاك والربيع بن أنس وإبراهيم النخعي وعطاء بن يسار والحسن وقتادة والزهري (٢). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، المِراء والملاحاة حتى تغضب أخاك وصاحبك فنهى الله عن ذلك (٣)، وقال إبراهيم النخعي: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ قال: كانوا يكرهون الجدال. وقال محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: الجدال في الحج السباب والمنازعة (٤). وكذا روى ابن وهب عن يونس، عن نافع أن ابن عمر كان يقول: الجدال في الحج السباب والمراء والخصومات (٥). وقال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن الزبير والحسن وإبراهيم وطاوس ومحمد بن كعب، قالوا: الجدال المراء (٦). وقال عبد الله بن المبارك، عن يحيى بن بشر، عن عكرمة ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ والجدال: الغضب، أن تغضب عليك مسلمًا إلا أن تستعتب مملوكًا فتغضبه من غير أن تضربه، فلا بأس عليك. إن شاء الله (٧). (قلت): ولو ضربه لكان جائزًا سائغًا (٨)، والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن إدريس، حدثنا محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ حجاجًا حتى إذا كنا بالعرج (٩) نزل رسول الله ﷺ فجلست عائشة إلى جنب رسول الله ﷺ وجلست إلى جانب أبي، وكانت زمالة (١٠) أبي بكر وزمالة رسول الله ﷺ واحدة مع غلام أبي بكر، فجلس أبو بكر ينتظره إلى أن يطلع عليه، فاطلع وليس مع بعيره، فقال: أين بعيرك؟ فقال: أضللته البارحة، فقال أبو بكر: بعير واحد تضله؟ فطفق يضربه ورسول الله ﷺ يبتسم ويقول: "انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع". وهكذا أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث ابن إسحاق (١١).

стр. 816

ومن هذا الحديث حكى بعضهم عن بعض السلف أنه قال: من تمام الحج ضرب الجمال، ولكن يستفاد من قول النبي ﷺ عن أبي بكر ﵁: "انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع" كهيئة الإنكار اللطيف أن الأولى ترك ذلك، والله أعلم. وقد قال الإمام عبد بن حميد في مسنده: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن موسى بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيد الله، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "من قضى نسكه وسلم المسلمون من لسانه ويده، غفر له ما تقدم من ذنبه" (١). وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ لما نهاهم عن إتيان القبيح قولًا وفعلًا، حثهم على فعل الجميل وأخبرهم أنه عالم به، وسيجزيهم عليه أوفر الجزاء يوم القيامة. وقوله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ قال العوفي عن ابن عباس: كان أناس يخرجون من أهليهم ليست معهم أزودة، يقولون: نحج بيت الله ولا يطعمنا؟ فقال الله: تزوّدوا ما يكف وجوهكم عن الناس (٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري (٣)، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة أن ناسًا كانوا يحجون بغير زاد فأنزل الله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (٤). وكذا رواه ابن جرير عن عمرو وهو الفلاس، عن ابن عيينة. قال ابن أبي حاتم: وقد روى هذا الحديث ورقاء عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: وما يرويه ابن عيينة أصح. (قلت): قد رواه النسائي، عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس: كان ناس يحجون بغير زاد، فأنزل الله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (٥). وأما حديث ورقاء فأخرجه [البخاري عن يحيى بن بشر، عن شبابة، وأخرجه] (٦) أبو داود (٧)، عن أبي مسعود أحمد بن الفرات الرازي ومحمد بن عبد الله المخزومي عن شبابة، عن ورقاء، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون، فأنزل الله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (٨).

стр. 817

ورواه عبد بن حميد في تفسيره عن شبابة، ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث شبابة به، وروى ابن جرير وابن مردويه من حديث عمرو بن عبد الغفار، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كانوا إذا أحرموا ومعهم أزوادهم رموا بها واستأنفوا زادًا آخر، فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ فنهوا عن ذلك وأمروا أن يتزودوا الدقيق والسويق والكعك (١). وكذا قال ابن الزبير وأبو العالية ومجاهد وعكرمة والشعبي والنخعي وسالم بن عبد الله وعطاء الخراساني وقتادة والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان (٢). وقال سعيد بن جبير: فتزودوا الدقيق والسويق والكعك (٣). وقال وكيع بن الجراح في تفسيره: حدثنا سفيان، عن محمد بن سوقة، عن سعيد بن جبير ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ قال: الخشكنانج (٤) والسويق (٥). قال وكيع أيضًا: حدثنا إبراهيم المكي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: إن من كرم الرجل طيب زاده في السفر (٦). وزاد فيه حماد بن سلمة، عن أبي ريحانة أن ابن عمر كان يشترط على من صحبه الجودة. وقوله: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ لما أمرهم بالزاد للسفر في الدنيا أرشدهم إلى زاد الآخرة، وهو استصحاب التقوى إليها، كما قال: ﴿وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] لما ذكر اللباس الحسي نبّه مرشدًا إلى اللباس المعنوي، وهو الخشوع والطاعة والتقوى، وذكر أنه خير من هذا وأنفع. قال عطاء الخراساني في قوله: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ يعني: زاد الآخرة (٧). وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا عبدان، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا مروان بن معاوية، عن إسماعيل، عن قيس، عن جرير، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "من يتزوّد في الدنيا ينفعه في الآخرة" (٨). وقال مقاتل بن حيان لما نزلت هذه الآية ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾: قام رجل من فقراء المسلمين فقال: يا رسول الله، ما نجد زادًا نتزوّده، فقال رسول الله ﷺ : "تزوّد ما تكفّ به وجهك عن الناس، وخير ما تزوّدتم التقوى" رواه ابن أبي حاتم (٩).

стр. 818

وقوله: ﴿وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ يقول: واتقوا عقابي ونكالي وعذابي لمن خالفني ولم يأتمر بأمري، يا ذوي العقول والأفهام. ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾. قال البخاري: حدثنا محمد، أخبرني ابن عيينة، عن عمرو، عن ابن عباس، قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في الموسم، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج (١). وهكذا رواه عبد الرزاق (٢) وسعيد بن منصور (٣) وغير واحد عن سفيان بن عيينة به (٤). ولبعضهم فلما جاء الإسلام تأثموا أن يتجروا، فسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله هذه الآية. وكذا رواه ابن جريج عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، قال: كان متجر الناس في الجاهلية عكاظ ومجنة وذو المجاز، فلما كان الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت هذه الآية (٥). وروى أبو داود وغيره من حديث يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: كانوا يتقون البيوع والتجارة في الموسم والحج، يقولون: أيام ذكر، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٦). وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس أنه قال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج (٧). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده (٨)، وهكذا روى العوفي عن ابن عباس (٩). وقال وكيع: حدثنا طلحة بن عمرو الحضرمي، عن عطاء، عن ابن عباس أنه كان يقرأ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج (١٠).

стр. 819

[وقال عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد: سمعت ابن الزبير يقول: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج] (١). ورواه عبد بن حميد، عن محمد بن الفضل، عن حماد بن زيد، عن عبيد الله بن أبي يزيد: سمعت ابن الزبير يقرأ … فذكر مثله سواء. وهكذا فسّرها مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة ومنصور بن المعتمر وقتادة وإبراهيم النخعي والربيع بن أنس وغيرهم، وقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا شعبة، عن أبي أميمة، قال: سمعت ابن عمر سئل عن الرجل يحج ومعه تجارة، فقرأ ابن عمر: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهذا موقوف (٢). وهو قوي جيد. وقد روي مرفوعًا، قال أحمد: حدثنا أسباط، حدثنا الحسن بن عمرو الفقيمي، عن أبي أُمامة التيمي، قال: قلت لابن عمر: إنا نكري فهل لنا من حج؟ قال: أليس تطوفون بالبيت، وتأتون المعرف، وترمون الجمار، وتحلقون رؤوسكم؟ قال: قلنا: بلى، فقال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فسأله عن الذي سألتني، فلم يجبه حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فدعاه النبي ﷺ ، فقال: "أنتم حجاج" (٣). وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري عن العلاء بن المسيب، عن رجل من بني تميم، قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إنا نقوم نكري ويزعمون أنه ليس لنا حج، قال: ألستم تحرمون كما يحرمون، وتطوفون كما يطوفون، وترمون كما يرمون؟ قال: بلى، قال: فأنت حاج، ثم قال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عما سألت عنه، فنزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٤). ورواه عبد بن حميد في تفسيره، عن عبد الرزاق به، وهكذا روى هذا الحديث أبو حذيفة عن الثوري مرفوعًا (٥)، وهكذا روي من غير هذا الوجه مرفوعًا، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عباد بن العوام، عن العلاء بن المسيب، عن أبي أُمامة التيمي، قال: قلت لابن عمر: إنا أناس نكري في هذا الوجه إلى مكة، وإن أناسًا يزعمون أنه لا حجَّ لنا، فهل ترى لنا حجًّا؟ قال: ألستم تحرمون وتطوفون بالبيت وتقضون المناسك؟ قال: قلت: [بلى] (٦)، قال: "فأنتم حُجَّاج" ثم قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن الذي سألت فلم يدر ما يعود عليه، أو قال: فلم يرد عليه شيئًا حتى نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فدعا الرجل فتلاها عليه، وقال: "أنتم

стр. 820

حُجَّاج" (١)، وكذا رواه مسعود بن سعد وعبد الواحد بن زياد وشريك القاضي، عن العلاء بن المسيب به مرفوعًا. وقال ابن جرير: حدثني طليق بن محمد الواسطي، حدثنا أسباط هو: ابن محمد، أخبرنا الحسن بن عمرو هو الفقيمي، عن أبي أُمامة التيمي، قال: قلت لابن عمر: إنا قوم نكري، فهل لنا من حج؟ فقال: أليس تطوفون بالبيت، وتأتون المعرف، وترمون الجمار، وتحلقون رؤوسكم؟ قلنا: بلى، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن الذي سألتني عنه، فلم يدر ما يقول له حتى نزل جبريل ﵇ بهذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ … ﴾ إلى آخر الآية، وقال النبي ﷺ : "أنتم حجاج" (٢). وقال ابن جرير: حدثني أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا مِنْدل، عن عبد الرحمن بن المهاجر، عن أبي صالح مولى عمرو قال: قلت: يا أمير المؤمنين، كنتم تتجرون في الحج؟ قال: وهل كانت معايشهم إلا في الحج (٣)؟. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ إنما صرف عرفات وإن كان علمًا على مؤنث، لأنه في الأصل جمع كمسلمات ومؤمنات، سمى به بقعة معينة فروعي فيه الأصل فصرف، اختاره ابن جرير (٤)، وعرفة موضع الوقوف في الحجِّ، وهي عمدة أفعال الحجِّ، ولهذا روى الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح عن الثوري، عن بكير، عن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الحجُّ عرفات - ثلاثًا - فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك، وأيام منى ثلاثة، فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه" (٥). ووقت الوقوف من الزوال يوم عرفة إلى طلوع الفجر الثاني من يوم النحر، لأن النبي ﷺ وقف في حجة الوداع بعد أن صلى الظهر إلى أن غربت الشمس، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم" (٦). وقال في هذا الحديث: "فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك" (٧)، وهذا مذهب مالك

стр. 821

وأبي حنيفة والشافعي، ﵏، وذهب الإمام أحمد إلى أن وقت الوقوف من أول يوم عرفة، واحتجوا بحديث الشعبي، عن عروة بن مضرس بن حارثة بن لام الطائي، قال: أتيت رسول الله ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت: يا رسول الله، إني جئت من جبل طيء، أكللت راحلتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل [لي] (١) من حج؟ فقال رسول الله ﷺ : "من شهد صلاتنا هذه، فوقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا، فقد تمّ حجه وقضى تفثه" رواه الإمام أحمد وأهل السنن، وصححه الترمذي (٢). ثم قيل: إنما سميت عرفات لما رواه عبد الرزاق: أخبرني ابن جريج، قال: قال ابن المسيب: قال علي بن أبي طالب: بعث الله جبريل ﵇ إلى إبراهيم ﵇ فحجَّ به، حتى إذا أتى عرفة قال: عرفت، وكان قد أتاها مرة قبل ذلك، فلذلك سميت عرفة (٣). وقال ابن المبارك، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، قال: إنما سميت عرفة لأن جبريل كان يري إبراهيم المناسك فيقول: عرفت عرفت، فسميت عرفات (٤). وروي نحوه عن ابن عباس وابن عمرو وأبي مِجلز (٥)، فالله أعلم. وتسمى عرفات المشعر الحرام، والمشعر الأقصى، وإلال على وزن هلال، ويقال للجبل في وسطها: جبل الرحمة، قال أبو طالب في قصيدته المشهورة: وبالمشعر الأقصى إذا قصدوا … له إلال إلى تلك الشراج القوابل (٦) وقال ابن أبي حاتم: حدثنا حماد بن الحسن بن عنبسة، حدثنا أبو عامر، عن زمعة هو: ابن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يقفون بعرفة حتى إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال كأنها العمائم على رؤوس الرجال دفعوا، فأخّر رسول الله ﷺ الدفعة من عرفة حتى غربت الشمس (٧). ورواه ابن مردويه من حديث زمعة بن صالح وزاد: ثم وقف بالمزدلفة وصلّى الفجر بغلس، حتى إذا أسفر كل شيء وكان في الوقت الآخر دفع، وهذا حسن الإسناد.

стр. 822

وقال ابن جريج، عن محمد بن قيس، عن المسور بن مخرمة، قال: خطبنا رسول الله ﷺ وهو بعرفات، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد - وكان إذا خطب خطبة قال: أما بعد - فإن هذا اليوم الحج الأكبر، ألا وإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون في هذا اليوم قبل أن تغيب الشمس إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها، وإنا ندفع بعد أن تغيب الشمس، وكانوا يدفعون من المشعر الحرام بعد أن تطلع الشمس إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها، وإنا ندفع قبل أن تطلع الشمس مخالفًا هدينا هدي أهل الشرك"، هكذا رواه ابن مردويه، وهذا لفظه، والحاكم في مستدركه، كلاهما من حديث عبد الرحمن بن المبارك العيشي، عن عبد الوارث بن سعيد، عن ابن جريج، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (١)، وقد صحَّ وثبت بما ذكرناه سماع المسور من رسول الله ﷺ : لا كما يتوهمه رعاع أصحابنا أنه ممن له رؤية بلا سماع. وقال وكيع، عن شعبة، عن إسماعيل بن [الزبيدي] (٢) عن المعرور بن سويد، قال: رأيت عمر ﵁ حين دفع من عرفة كأني أنظر إليه رجل أصلع على بعير له يوضع وهو يقول: إنا وجدنا الإفاضة هي الإيضاع (٣). وفي حديث جابر بن عبد الله الطويل الذي في صحيح مسلم، قال فيه: فلم يزل واقفًا - يعني عرفة - حتى غربت الشمس، وبدت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص، وأردف أُسامة خلفه، ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: "أيها الناس السكينة السكينة" كلما أتى جبلًا من الجبال أرخى لها قليلًا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئًا، ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر، حتى تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا الله وكبّره وهلّله ووحّده، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس (٤). وفي الصحيحين عن أُسامة بن زيد أنه سئل: كيف كان يسير رسول الله ﷺ حين دفع؟ قال: كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نصَّ. والعنق هو انبساط السير، [والنص] (٥) فوقه (٦). وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبو محمد ابن بنت الشافعي فيما كتب إليّ عن أبيه أو عمه، عن سفيان بن عيينة قوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ وهي الصلاتين جميعًا (٧).

стр. 823

وقال أبو إسحاق السبيعي، عن عمرو بن ميمون: سألت عبد الله بن عمرو عن المشعر الحرام، فسكت حتى إذا هبطت أيدي رواحلنا بالمزدلفة، قال: أين السائل عن المشعر الحرام، هذا المشعر الحرام (١). وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم، قال: قال ابن عمر: المشعر الحرام المزدلفة كلها (٢). وقال هشيم، عن حجاج، عن نافع، عن ابن عمر: أنه سئل عن قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ قال: فقال: هو الجبل وما حوله (٣). وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن المغيرة، عن إبراهيم، قال: فرآهم ابن عمر يزدحمون على قزح، فقال: على ما يزدحم هؤلاء، كل ههنا مشعر (٤). وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والسدي والربيع بن أنس والحسن وقتادة أنهم قالوا: هو ما بين الجبلين (٥). وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أين المزدلفة؟ قال: إذا أفضت من مأزمي عرفة فذلك إلى محسر، قال: وليس المأزمان مأزما عرفة من المزدلفة، ولكن مفاضاهما، قال: فقف بينهما إن شئت، قال: وأحب أن تقف دون قُزَح (٦) هلمّ إلينا من أجل طريق الناس (٧). (قلت): والمشاعر هي المعالم الظاهرة، وإنما سميت المزدلفة المشعر الحرام، لأنها داخل الحرم، وهل الوقوف بها ركن في الحج لا يصح إلا به، كما ذهب إليه طائفة من السلف وبعض أصحاب الشافعي منهم: القفال وابن خزيمة لحديث عروة بن مضرس (٨)؟ أو واجب كما هو أحد قولي الشافعي يجبر بدم؟ أو مستحب لا يجب بتركه شيء كما هو القول الآخر؟ في ذلك ثلاثة أقوال للعلماء لبسطها موضع آخر غير هذا، والله أعلم. وقال عبد الله بن المبارك، عن سفيان الثوري، عن زيد بن أسلم أن رسول الله ﷺ قال: "عرفة كلها موقف، وارفعوا عن عرنة، وجمع كلها موقف إلا محسرًا" هذا حديث مرسل، وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، حدثني سليمان بن موسى، عن جبير بن مُطعِم، عن النبي ﷺ ، قال: "كل عرفات موقف، وارفعوا عن عرنة (٩)، وكل مزدلفة موقف، وارفعوا عن محسر، وكل فجاج مكة منحر، وكل أيام التشريق ذبح" (١٠) (١١). وهذا أيضًا

стр. 824

منقطع، فإن سليمان بن موسى هذا، وهو الأشدق، لم يدرك جبير بن مطعم، ولكن رواه الوليد بن مسلم وسويد بن عبد العزيز، عن سليمان، فقال الوليد: عن جبير بن مطعم، عن أبيه، وقال سويد: عن نافع بن جبير، عن أبيه، عن النبي ﷺ … فذكره، والله أعلم. وقوله: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ تنبيه لهم على ما أنعم الله به عليهم من الهداية والبيان والإرشاد إلى مشاعر الحج على ما كان عليه إبراهيم الخليل ﵇، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ قيل: من قبل هذا الهدى، وقيل: القرآن، وقيل: الرسول، والكل متقارب ومتلازم وصحيح. ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾. ثم - ههنا - لعطف خبر على خبر وترتيبه عليه، كأنه تعالى أمر الواقف بعرفات أن يدفع إلى المزدلفة ليذكر الله عند المشعر الحرام، وأمره أن يكون وقوفه مع جمهور الناس بعرفات، كما كان جمهور الناس يصنعون، يقفون بها إلا قريشًا فإنهم لم يكونوا يخرجون من الحرم فيقفون في طرف الحرم عند أدنى الحِلّ، ويقولون: نحن أهل الله في بلدته وقُطّان (١) بيته. قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا محمد بن حازم، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وكانت سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه ﷺ أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ (٢). وكذا قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة والسدي وغيرهم (٣)، واختاره ابن جرير وحكى عليه الإجماع، ﵏. وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن عمرو، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: أضللت بعيرًا لي بعرفة فذهبت أطلبه، فإذا النبي ﷺ واقف، قلت: إن هذا من الحمس ما شأنه ههنا (٤)؟ أخرجاه في الصحيحين (٥)، ثم رواه البخاري من حديث موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس: ما يقتضي أن المراد بالإفاضة ههنا هي: الإفاضة من المزدلفة إلى منى لرمي الجمار (٦). فالله أعلم.

стр. 825

وحكاه ابن جرير، عن الضحاك بن مزاحم (١) فقط. قال: والمراد بالناس إبراهيم ﵇، وفي رواية عنه: الإمام (٢). قال ابن جرير: ولولا إجماع الحجة على خلافه لكان هو الأرجح (٣). وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ كثيرًا ما يأمر الله بذكره بعد قضاء العبادات، ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ ، كان إذا فرغ من الصلاة، يستغفر الله ثلاثًا (٤). وفي الصحيحين: أنه ندب إلى التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثًا وثلاثين، ثلاثًا وثلاثين (٥). وقد روى ابن جرير ههنا حديث ابن عباس (٦) بن مرداس السلمي، في استغفاره ﷺ لأمته عشية عرفة، وقد أوردناه في جزء جمعناه في فضل يوم عرفة (٧). وأورد ابن مردويه ههنا الحديث الذي رواه البخاري عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : "سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، [أعوذ بك من شر ما صنعت] (٨)، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، من قالها في ليلة فمات في ليلته دخل الجنة، ومن قالها في يومه فمات دخل الجنة" (٩). وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو أن أبا بكر قال: يا رسول الله، علّمني دعاء أدعو به في صلاتي، فقال: "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" (١٠). والأحاديث في الاستغفار كثيرة.

стр. 826

﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾. يأمر تعالى بذكره والإكثار منه بعد قضاء المناسك وفراغها، وقوله: ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ اختلفوا في معناه: فقال ابن جريج، عن عطاء: هو كقول الصبي أبه أمه (١). يعني: كما يلهج الصبي بذكر أبيه وأمه، فكذلك أنتم فالهجوا بذكر الله بعد قضاء النسك، وكذا قال الضحاك والربيع بن أنس (٢). وروى ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس نحوه (٣)، وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم ويحمل الحمالات [ويحمل الديات] (٤)، ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، فأنزل الله على محمد ﷺ : ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ (٥). قال ابن أبي حاتم: وروي عن أنس بن مالك وأبي وائل وعطاء بن أبي رباح في أحد قوليه وسعيد بن جبير وعكرمة في أحد رواياته، ومجاهد والسدي وعطاء الخراساني والربيع بن أنس والحسن وقتادة ومحمد بن كعب ومقاتل بن حيان نحو ذلك (٦). وهكذا حكاه ابن جرير عن جماعة (٧)، والله أعلم. والمقصود منه الحثّ على كثرة الذكر لله ، ولهذا كان انتصاب قوله، أو أشد ذكرًا على التمييز، تقديره كذكركم آباءكم أو أشد ذكرًا، و ﴿أَوْ﴾ - ههنا - لتحقيق المماثلة في الخبر كقوله: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]، وقوله: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧]، ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ [الصافات]، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ [النجم] فليست ههنا للشك قطعًا، وإنما هي لتحقيق [المخبر] (٨) عنه بأنه كذلك أو أزيد منه.

стр. 827

ثم إنه تعالى أرشد إلى دعائه بعد كثرة ذكره فإنه مظنة الإجابة، وذم من لا يسأله إلا في أمر دنياه وهو معرض عن أخراه، فقال: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: من نصيب ولا حظ، وتضمن هذا الذم والتنفير عن التشبُّه بمن هو كذلك. قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون: اللَّهم اجعله عام غيث، وعام خصب، وعام ولاد حسن، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئًا، فأنزل الله فيهم: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾، وكان يجيء بعدهم آخرون [من المؤمنين] (١) فيقولون: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ فأنزل الله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٢). ولهذا مدح من يسأله الدنيا والأخرى، فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ فجمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا وصرفت كل شر، فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هني، وثناء جميل إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين، ولا منافاة بينها، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا، وأما الحسنة في الآخرة، فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة، وأما النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام وترك الشبهات والحرام. وقال القاسم بن عبد الرحمن: من أعطي قلبًا شاكرًا، ولسانًا ذاكرًا، وجسدًا صابرًا، فقد أُوتي في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، ووقي عذاب النار (٣). ولهذا وردت السنّة بالترغيب في هذا الدعاء، فقال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، عن عبد العزيز، عن أنس بن مالك، قال: كان النبي ﷺ يقول: "اللَّهم ربنا اتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار" (٤). وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، [قال: سأل قتادة أنسًا: أي دعوة] (٥) كان أكثر ما يدعوها النبي ﷺ ؟ قال: يقول: "اللَّهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار" [وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، وإذا

стр. 828

أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه] (١) (٢) ورواه مسلم (٣). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد السلام بن شداد - يعني: أبا طالوت -، قال: كنت عند أنس بن مالك، فقال له ثابت: إن إخوانك يحبون أن تدعو لهم، فقال: "اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار" وتحدثوا ساعة، حتى إذا أرادوا القيام قال: يا أبا حمزة، إن إخوانك يريدون القيام، فادع الله لهم، فقال: أتريدون أن أشقق لكم الأمور إذا آتاكم الله في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، ووقاكم عذاب النار، فقد آتاكم الخير كله (٤). وقال أحمد أيضًا: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن حميد، عن ثابت، عن أنس أن رسول الله ﷺ عاد رجلًا من المسلمين قد صار مثل الفرخ، فقال له رسول الله ﷺ : "هل تدعو الله بشيء أو تسأله إياه؟ " قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجّله لي في الدنيا، فقال رسول الله ﷺ : "سبحان الله لا تطيقه - أو لا تستطيعه -، فهلا قلت: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ قال: فدعا الله فشفاه (٥). انفرد بإخراجه مسلم، فرواه من حديث ابن أبي عدي (٦) به (٧). وقال الإمام الشافعي: أخبرنا سعيد بن سالم القداح، عن ابن جريج، عن يحيى بن عبيد مولى السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن السائب أنه سمع النبي ﷺ يقول فيما بين الركن اليماني والركن الأسود: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٨). ورواه الثوري عن ابن جريج كذلك. وروى ابن ماجه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحو ذلك (٩). وفي سنده ضعيف، والله أعلم. وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي، أخبرنا أحمد بن القاسم بن مساور، حدثنا سعيد بن

стр. 829

سليمان، عن إبراهيم بن سليمان، عن عبد الله بن هرمز، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مررت على الركن إلا رأيت عليه ملكًا يقول: آمين، فإذا مررتم عليه فقولوا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ " (١). وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو زكريا العنبري، حدثنا محمد بن عبد السلام، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جرير، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني أجرت نفسي من قوم على أن يحملوني، ووضعت لهم من أجرتي على أن يدعوني أحج معهم، أفيجزي ذلك؟ فقال: أنت من الذين قال الله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾. ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجا (٢). ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾. قال ابن عباس: الأيام المعدودات أيام التشريق، والأيام المعلومات أيام العشر (٣). وقال عكرمة: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ يعني: التكبير أيام التشريق بعد الصلوات المكتوبات: الله أكبر الله أكبر (٤). وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا موسى بن علي، عن أبيه، قال: سمعت عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب" (٥). وقال أحمد أيضًا: حدثنا هُشيم، أخبرنا خالد، عن أبي المليح، عن نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله ﷺ : "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله" (٦) ورواه مسلم أيضًا (٧)، وتقدم حديث جبير بن مطعم: "عرفة كلها موقف، وأيام التشريق كلها ذبح" (٨). وتقدم أيضًا حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي: "وأيام منى ثلاثة فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخّر فلا إثم عليه" (٩).

стр. 830

وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم وخلّاد بن أسلم قالا: حدثنا هشيم، عن عمرو بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ [قال: "أيام التشريق أيام طعم وذكر الله"، وحدثنا خلّاد بن أسلم، حدثنا روح، حدثنا صالح، حدثني ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ ] (١) بعث عبد الله بن حذافة يطوف في مِنَى: "لا تصوموا هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وذكر الله " (٢). وحدثنا يعقوب، حدثنا هشيم، عن سفيان بن حسين، عن الزهري قال: بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن حذافة فنادى في أيام التشريق فقال: "إن هذه أيام أكل وشرب وذكر الله إلا من كان عليه صوم من هدي" زيادة حسنة ولكن مرسلة (٣). وبه قال هشيم عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عمرو بن دينار أن رسول الله ﷺ بعث بشر بن سحيم فنادى في أيام التشريق فقال: "إن هذه أيام أكل وشرب وذكر الله" (٤). وقال هشيم، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عائشة قالت: نهى رسول الله ﷺ عن صوم أيام التشريق، قال: "وهي أيام أكل وشرب وذكر الله" (٥). وقال محمد بن إسحاق، عن حكيم بن حكيم، عن مسعود بن الحكم الزرقي، عن أمه قالت: [لكأني] (٦) أنظر إلى عليّ على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء حتى وقف على شعب الأنصار وهو يقول: يا أيها الناس، إنها ليست بأيام صيام، إنما هي أيام أكل وشرب وذكر (٧). وقال مقسم، عن ابن عباس: الأيام المعدودات أيام التشريق؛ أربعة أيام: يوم النحر، وثلاثة أيام بعده (٨). وروي عن ابن عمر وابن الزبير وأبي موسى وعطاء ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي مالك وإبراهيم النخعي [ويحيى بن أبي كثير] (٩) والحسن وقتادة والسدي والزهري والربيع بن أنس والضحاك ومقاتل بن حيان وعطاء الخراساني ومالك بن أنس وغيرهم مثل ذلك (١٠). وقال علي بن أبي طالب: هي ثلاثة: يوم النحر ويومان بعده اذبح في أيهن شئت، وأفضلها

стр. 831

أولها (١). والقول الأول هو المشهور، وعليه دلّ ظاهر الآية الكريمة حيث قال: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ فدلّ على ثلاثة بعد النحر ويتعلق بقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ ذكر الله على الأضاحي وقد تقدم، وأن الراجح في ذلك مذهب الشافعي ﵀ وهو أن وقت الأضحية من يوم النحر إلى آخر أيام التشريق ويتعلق به. أيضًا الذكر المؤقت خلف الصلوات، والمطلق في سائر الأحوال وفي وقته أقوال للعلماء أشهرها الذي عليه العمل أنه من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وهو آخر النفر الآخر، وقد جاء فيه حديث رواه الدارقطني لكن لا يصح مرفوعًا (٢)، والله أعلم. وقد ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يكبر في قبته فيكبر أهل السوق بتكبيره حتى ترتج منًى تكبيرًا، ويتعلق بذلك أيضًا التكبير وذكر الله عند رمي الجمرات كل يوم من أيام التشريق وقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره: "إنما جعل الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله " (٣). [ولما ذكر الله تعالى النفر الأول والثاني وهو تفرق الناس من موسم الحج إلى سائر الأقاليم والآفاق بعد اجتماعهم في المشاعر والموقف، قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩)﴾ [المؤمنون: ٧٩]] (٤). ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾. قال السدي: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، جاء إلى رسول الله ﷺ ، وأظهر الإسلام وفي باطنه خلاف ذلك (٥). وعن ابن عباس، أنها نزلت في نفر من المنافقين تكلموا في خبيب وأصحابه الذين قتلوا بالرجيع وعابوهم، فأنزل الله ذم المنافقين ومدح خبيب وأصحابه ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (٦). وقيل: بل ذلك عام في المنافقين كلهم وفي المؤمنين كلهم، وهذا قول قتادة ومجاهد والربيع بن أنس وغير واحد (٧)، وهو الصحيح.

стр. 832

وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن القرظي، عن نوف وهو البكالي وكان ممن يقرأ الكتب، قال: إني لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنزل: قوم يحتالون الدنيا بالدين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرّ من الصبر، يلبسون للناس مسوك الضأن، وقلوبهم قلوب الذئاب، فعليّ يجترئون وبي يغترون، حلفت بنفسي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيها حيران، قال القرظي: تدبرتها في القرآن فإذا هم المنافقون فوجدتها ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ … ﴾ الآية (١). وحدثني محمد بن أبي معشر: أخبرني أبو معشر نجيح، قال: سمعت سعيدًا المقبري يذاكر محمد بن كعب القرظي، فقال سعيد: إن في بعض الكتب: إن لله عبادًا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، لبسوا للناس مسوك الضأن من اللين، يجترئون الدنيا بالدين، قال الله تعالى: عليّ تجترئون وبي تغترون؟ وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران، فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله، فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله؟ قال: قول الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية، فقال سعيد: قد عرفت فيمن أُنزلت هذه الآية؟ فقال محمد بن كعب: إن الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد (٢). وهذا الذي قاله القرظي، حسن صحيح. وأما قوله: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ فقرأه ابن محيصن (وَيشهد اللهُ) بفتح الياء وضم الجلالة (٣). ﴿عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ ومعناها هذا وإن أظهر لكم الجميل لكن الله يعلم من قلبه القبيح كقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ [المنافقون] وقراءة الجمهور بضم الياء ونصب الجلالة (٤)، ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ ومعناه أنه يظهر للناس الإسلام ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق [كقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية [النساء: ١٠٨]] (٥) هذا معنى ما رواه ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس (٦). وقيل: معناه أنه إذا أظهر للناس الإسلام حلف وأشهد الله لهم أن الذي في قلبه موافق للسانه، وهذا المعنى صحيح، وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٧)، واختاره ابن جرير وعزاه

стр. 833

إلى ابن عباس وحكاه عن مجاهد (١)، والله أعلم. وقوله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ الألَد في اللغة الأعوج ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧] أي: عوجًا، وهكذا المنافق في حال خصومته، يكذب ويزور عن الحق ولا يستقيم معه، بل يفتري ويفجر، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" (٢). وقال البخاري: حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان عن ابن جريج، عن ابن مليكة، عن عائشة ترفعه، قال: "أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم" (٣). قال: وقال عبد الله بن يزيد: حدثنا سفيان، حدثنا ابن جريج عن ابن مليكة عن عائشة عن النبي ﷺ (٤)، وهكذا رواه عبد الرزاق عن معمر في قوله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن النبي ﷺ ، قال: "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم" (٥). وقوله: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾ أي: هو أعوج المقال سيء الفعال، فذلك قوله وهذا فعله، كلامه كذب، واعتقاده فاسد، وأفعاله قبيحة، والسعي - ههنا - هو القصد، كما قال إخبارًا عن فرعون: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾ [النازعات]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] أي: اقصدوا واعمدوا ناوين بذلك صلاة الجمعة، فإن السعي الحسي إلى الصلاة منهي عنه بالسنة النبوية: "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة والوقار" (٦)، فهذا المنافق ليس له همة إلا الفساد في الأرض وإهلاك الحرث، وهو محل نماء الزروع والثمار والنسل، وهو نتاج الحيوانات الذين لا قوام للناس إلا بهما. وقال مجاهد: إذا سعى في الأرض فسادًا، منع الله القطر فهلك الحرث والنسل (٧). ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ أي: لا يحب من هذه صفته، ولا من يصدر منه ذلك. وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ أي: إذا وعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله، وقيل له: اتقِ الله وانزع عن قولك وفعلك وارجع إلى الحق، امتنع وأبى وأخذته الحمية والغضب بالإثم، أي: بسبب ما اشتمل عليه من الآثام، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ

стр. 834

﴿آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)﴾ [الحج]، ولهذا قال في هذه الآية: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ أي: هي كافيته عقوبة في ذلك. وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ لما أخبر عن المنافقين بصفاتهم الذميمة، ذكر صفات المؤمنين الحميدة فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس وأنس وسعيد بن المسيب وأبو عثمان النهدي وعكرمة وجماعة: نزلت في صُهيب بن سنان الرومي، وذلك أنه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة، منعه الناس أن يهاجر بماله، وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر فعل، فتخلص منهم وأعطاهم ماله، فأنزل الله فيه هذه الآية، فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة وقالوا له: ربح البيع فقال: وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم وما ذاك؟ فأخبره أن الله أنزل فيه هذه الآية (١). ويروَى أن رسول الله ﷺ قال له: "ربح البيع صهيب ربح البيع صهيب" (٢). قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن عبد الله بن رستة، حدثنا سليمان بن داود، حدثنا جعفر بن سليان الضبعي، حدثنا عوف، عن أبي عثمان النهدي، عن صُهيب، قال: لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي ﷺ قالت لي قريش: يا صُهيب قدمت إلينا، ولا مال لك، وتخرج أنت ومالك! والله لا يكون ذلك أبدًا، فقلت لهم: أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تخلون عني؟ قالوا: نعم، فدفعت إليهم مالي، فخلوا عني، فخرجت حتى قدمت المدينة، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "رَبح صُهيب رَبح صُهيب" مرتين (٣). وقال حماد بن سلمة: عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، قال: أقبل صُهيب مهاجرًا نحو النبي ﷺ فاتبعه نفر من قريش، فنزل [عن] (٤) راحلته وأنثل ما في كنانته، ثم قال: يا معشر قريش قد علمتم أني من أرماكم رجلًا، وأنتم والله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل (٥) سهم في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم وإن شئتم دللتكم على مالي وقنيتي بمكة وخليتم سبيلي، قالوا: نعم، فلما قدم على النبي ﷺ قال: "ربح البيع ربح البيع" قال: ونزلت ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ (٦).

стр. 835

وأما الأكثرون فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله كما قال تعالى: ﴿* إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾ [التوبة]. ولما حمل هشام بن عامر بين الصفين أنكر عليه بعض الناس، فردَّ عليهم عمر بن الخطاب وأبو هريرة وغيرهما، وتلوا هذه الآية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ (١). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾. يقول الله تعالى آمرًا عباده المؤمنين به المصدقين برسوله أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره، ما استطاعوا من ذلك، قال العوفي، عن ابن عباس ومجاهد وطاوس والضحاك وعكرمة وقتادة والسدي وابن زيد في قوله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ يعني: الإسلام (٢). وقال الضحاك، عن ابن عباس وأبو العالية والربيع بن أنس ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ يعني: الطاعة (٣). وقال قتادة أيضًا: [الموادعة] (٤). وقوله (٥): ﴿كَافَّةً﴾ قال ابن عباس ومجاهد وأبو العالية وعكرمة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان وقتادة والضحاك: جميعًا، وقال مجاهد: أي: اعملوا بجميع الأعمال ووجوه البر. وزعم عكرمة أنها نزلت في نفر ممن أسلم من اليهود وغيرهم كعبد الله بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة وطائفة استأذنوا رسول الله ﷺ في أن يسبتوا وأن يقوموا بالتوراة ليلًا، فأمرهم الله بإقامة شعائر الإسلام والاشتغال بها عما عداها (٦).

стр. 836

وفي ذكر عبد الله بن سلام مع هؤلاء نظر، إذ يبعد أن يستأذن في إقامة السبت وهو مع تمام إيمانه يتحقق نسخه ورفعه وبطلانه والتعويض عنه بأعياد الإسلام. ومن المفسرين من يجعل قوله: ﴿كَافَّةً﴾ حالًا من الداخلين؛ أي: ادخلوا في الإسلام كلكم والصحيح الأول، وهو أنهم أمروا [كلهم] (١) أن يعملوا بجميع شعب الإيمان وشرائع الإسلام وهي كثيرة جدًّا ما استطاعوا منها، كما قال ابن أبي حاتم: أخبرنا علي بن الحسين، أخبرنا أحمد بن الصباح، أخبرني الهيثم بن يمان، حدثنا إسماعيل بن زكريا، حدثني محمد بن عون، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ كذا قرأها بالنصب، يعني مؤمني أهل الكتاب، فإنهم كانوا مع الإيمان بالله مستمسكين ببعض أمور التوراة والشرائع التي أنزلت فيهم، فقال الله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ يقول: ادخلوا في شرائع دين محمد ﷺ ولا تدعوا منها شيئًا وحسبكم الإيمان بالتوراة وما فيها (٢). وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ أي: اعملوا الطاعات واجتنبوا ما يأمركم به الشيطان فـ ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ [البقرة] و ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]، ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. قال مطرف: أغشّ عباد الله لعبيد الله الشيطان (٣). وقوله: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ أي: عدلتم عن الحق بعدما قامت عليكم الحجج، فاعلموا أن الله عزيز؟ أي: في انتقامه لا يفوته هارب ولا يغلبه غالب حكيم في أحكامه ونقضه وإبرامه، ولهذا قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس: عزيز في نقمته حكيم في أمره (٤). وقال محمد بن إسحاق: العزيز في نصره ممن كفر به إذا شاء الحكيم في عذره وحجته إلى عباده (٥). ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾. يقول تعالى مهددًا للكافرين بمحمد صلوات الله وسلامه عليه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ يعني: يوم القيامة لفصل القضاء بين الأولين والآخرين، فيجزي كل عامل بعمله إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ كما قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣)﴾ [الفجر] وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨].

стр. 837

وقد ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير - ههنا - حديث الصور بطوله من أوله عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ ، وهو حديث مشهور ساقه غير واحد من أصحاب المسانيد وغيرهم، وفيه: أن الناس إذا اهتموا لموقفهم في العرصات تشفعوا إلى ربهم بالأنبياء واحدًا واحدًا من آدم فمن بعده فكلهم يحيد عنها حتى ينتهوا إلى محمد ﷺ ، فإذا جاؤوا إليه قال: "أنا لها أنا لها" فيذهب فيسجد لله تحت العرش، ويشفع عند الله في أن يأتي بفصل القضاء بين العباد فيشفعه الله ويأتي في ظلل من الغمام بعدما تنشق السماء الدنيا وينزل من فيها من الملائكة، ثم الثانية، ثم الثالثة، إلى السابعة، وينزل حملة العرش والكروبيون، قال: وينزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة، ولهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان ربِّ العرش (١) ذي الجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى، سبحان ذي السلطان والعظمة، سبحانه أبدًا أبدًا (٢). وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه - ههنا - أحاديث فيها غرابة، والله أعلم. فمنها ما رواه من حديث المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن مسروق، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ ، قال: "يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قيامًا شاخصة أبصارهم إلى السماء ينتظرون فصل القضاء، وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي" (٣). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا أبو بكر بن عطاء بن مقدم، حدثنا معتمر بن سليمان، سمعت عبد الجليل القيسي يحدث عن عبد الله بن عمرو ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ الآية. قال: يهبط حين يهبط وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب، منها النور والظلمة والماء فيصوت الماء في تلك الظلمة صوتًا تنخلع له القلوب (٤). قال: وحدثنا أبي، حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي، حدثنا الوليد. قال: سألت زهير بن محمد عن قول الله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ قال: ظلل من الغمام منظوم بالياقوت، مكلل بالجوهر والزبرجد (٥). وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد في ظلل من الغمام، قال: هو غير السحاب ولم يكن قط إلا

стр. 838

لبني إسرائيل في تيههم حين تاهوا (١). وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ يقول: والملائكة يجيئون في ظلل من الغمام، والله تعالى يجيء فيما يشاء، وهي في بعض القراءة (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام) وهي كقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)﴾ [الفرقان] (٢). ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢)﴾. يقول تعالى مخبرًا عن بني إسرائيل: كم شاهدوا مع موسى من آية بينة؛ أي: حجة قاطعة بصدقه فيما جاءهم به، كيده وعصاه وفلقه البحر وضربه الحجر، وما كان من تظليل الغمام عليهم في شدة الحر، ومن إنزال المن والسلوى، وغير ذلك من الآيات الدالات على وجود الفاعل المختار، وصدق من جرت هذه الخوارق على يديه، ومع هذا أعرض كثير منهم عنها وبدلوا نعمة الله [كفرًا] (٣)؛ أي: استبدلوا بالإيمان بها الكفر بها والإعراض عنها ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، كما قال تعالى إخبارًا عن كفار قريش: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾ [إبراهيم] ثم أخبر تعالى عن تزيينه الحياة الدنيا للكافرين الذي رضوا بها، واطمأنوا إليها وجمعوا الأموال ومنعوها من مصارفها التي أمروا بها، مما يرضي الله عنهم وسخروا من الذين آمنوا، الذين أعرضوا عنها، وأنفقوا ما حصل لهم منها في طاعة ربهم، وبذلوه ابتغاء وجه الله، فلهذا فازوا بالمقام الأسعد والحظ الأوفر يوم معادهم، فكانوا فوق أولئك في محشرهم ومنشرهم ومسيرهم ومأواهم، فاستقروا في الدرجات في أعلى عليين، وخلد أولئك في الدركات في أسفل سافلين، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: يرزق من يشاء من خلقه ويعطيه عطاء كثيرًا جزيلًا بلا حصر ولا تعداد في الدنيا والآخرة، كما جاء في الحديث "ابن آدم أَنفق أُنفق عليك" (٤). وقال النبي ﷺ : "أنفق بلالًا ولا تخش من ذي العرش إقلالًا" (٥).

стр. 839

وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩]، وفي الصحيح: "إن ملكين [ينزلان من السماء صبيحة] (١) كل يوم فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خَلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا" (٢). وفي الصحيح: "يقول ابن آدم: مالي مالي. [وهل لك من] (٣) مالك إلا ما أكلت فأفنيت، وما لبست فأبليت، وما تصدقت فأمضيت، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس" (٤). وفي مسند الإمام أحمد عن النبي ﷺ أنه قال: "الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له" (٥). ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾. قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو داود، أخبرنا همام عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان بين (٦) نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله (كان الناس أمةً واحدةً فاختلفوا) (٧). ورواه الحاكم في مستدركه من حديث بندار محمد بن بشار ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (٨)، كذا روى أبو جعفر الرازي عن أُبي العالية، عن أُبي بن كعب أنه كان

стр. 840

يقرؤها (كان الناس أمة واحدةً فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين) (١). وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال: كانوا على الهدى جميعًا فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين فكان أول من بعث نوحًا (٢). وهكذا قال مجاهد، كما قال ابن عباس أولًا (٣). وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يقول: كانوا كفارًا ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ (٤). والقول الأول عن ابن عباس أصح سندًا ومعنى، لأن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم نوحًا ﵇، فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض. ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أي: من بعد ما قامت الحجج عليهم، وما حملهم على ذلك إلا البغي من بعضهم على بعض ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن سليمان الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة في قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾، قال: قال النبي ﷺ : "نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولًا الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع فغدًا لليهود وبعد غد للنصارى" (٥)، ثم رواه عبد الرزاق عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة (٦). وقال ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه في قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ فاختلفوا في يوم الجمعة، فاتخذ اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، فهدى الله أمة محمد ﷺ ليوم الجمعة واختلفوا في القبلة فاستقبلت النصارى المشرق واليهود بيت المقدس فهدى الله أمة محمد للقبلة واختلفوا في الصلاة، فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ومنهم من يصلي وهو يتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم بعض النهار، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام، فهدى الله أُمة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في

стр. 841

إبراهيم ﵇، فقالت اليهود: كان يهوديًا، وقالت النصارى: كان نصرانيًا، وجعله الله حنيفًا مسلمًا، فهدى الله أُمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في عيسى ﵇، فكذبت به اليهود وقالوا لأمه بهتانًا عظيمًا، وجعلته النصارى إلهًا وولدًا، وجعله الله روحه وكلمته، فهدى الله أُمة محمد ﷺ للحق من ذلك (١). وقال الربيع بن أنس في قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ أي: عند الاختلاف أنهم كانوا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف، أقاموا على الإخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له، هاقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فأقاموا على الأمر الأول الذي كان قبل الاختلاف واعتزلوا الاختلاف وكانوا شهداء على الناس يوم القيامة شهداء على قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم شعيب وآل فرعون، أن رسلهم قد بلغوهم، وأنهم قد كذبوا رسلهم، وفي قراءة أُبي بن كعب: (وليكونوا شهداء على الناس يوم القيامة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)، وكان أبو العالية يقول في هذه الآية: المخرج من الشبهات والضلالات والفتن (٢). وقوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أي: بعلمه بهم وبما هداهم له، قاله ابن جرير (٣): ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: من خلقه ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: وله الحكمة (٤) والحجة البالغة، وفي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة: أن رسول الله ﷺ ، كان إذا قام من الليل يصلي يقول: "اللَّهم ربِّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" (٥). وفي الدعاء المأثور: "اللَّهم أرنا الحق حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسًا علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إمامًا" (٦). ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾. يقول تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ قبل أن تبتلوا وتخبروا وتمتحنوا كما فعل بالذين من قبلكم من الأمم، ولهذا قال: ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ وهي الأمراض والأسقام والآلام والمصائب والنوائب.

стр. 842

قال ابن مسعود وابن عباس وأبو العالية ومجاهد وسعيد بن جبير ومرة الهمداني والحسن وقتادة والضحاك والربيع والسدي ومقاتل بن حيان (١): ﴿الْبَأْسَاءِ﴾ الفقر. قال ابن عباس: ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ السقم ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ خوفًا من الأعداء زلزالًا شديدًا، وامتحنوا امتحانًا عظيمًا (٢)، كما جاء في الحديث الصحيح عن خبَّاب بن الأرت، قال: قلنا: يا رسول اللّه، ألا تستنصر لنا، ألا تدعو اللّه لنا؟ فقال: "إن من كان قبلكم [كان أحدهم] (٣) يوضع المنشار على مفرق رأسه فيخلص إلى قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، لا يصرفه ذلك عن دينه"، ثم [قال] (٤): "واللّه ليتمنَّ اللّه هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا اللّه والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون" (٥). وقال اللّه تعالى ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت]، وقد حصل من هذا جانب عظيم للصحابة - رضي اللّه تعالى عنهم - في يوم الأحزاب، كما قال اللّه تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)﴾ الآيات [الأحزاب]. ولما سأل هِرَقل أبا سفيان: هل قاتلتموه؟ قال: نعم. قال: فكيف كانت (٦) الحرب بينكم؟ قال: سجالًا، يدال علينا وندال عليه. قال: كذلك الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة (٧). وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: سنتهم كما قال تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾ [الزخرف]، وقوله: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ أي يستفتحون على أعدائهم ويدعون بقرب الفرج والمخرج عند ضيق الحال والشدة، قال اللّه تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [كما قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ [الشرح]، وكما تكون الشدة ينزل من النصر مثلها، ولهذا قال: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ وفي حديث أبي رزين: "عجب ربك من قنوط عباده وقرب غيثه، فينظر إليهم قنطين، فيظل يضحك يعلم أن فرجهم قريب … " الحديث (٨)] (٩).

стр. 843

﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)﴾. قال مقاتل بن حيان: هذه الآية في نفقة التطوع (١). وقال السدي: نسختها الزكاة (٢)، وفيه نظر، ومعنى الآية: يسألونك كيف ينفقون؟ قاله ابن عباس ومجاهد (٣)، فبيَّن لهم تعالى ذلك، فقال: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ أي اصرفوها في هذه الوجوه. كما جاء الحديث: "أُمكَ وأباكَ وأُختك وأخاك، ثم أناك أناك" (٤). وتلا ميمون بن مِهران هذه الآية، ثم قال: هذه مواضع النفقة ما ذكر فيها طبلًا ولا مزمارًا ولا تصاوير الخشب ولا كسوة الحيطان (٥). ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ أي: مهما صدر منكم من فعل معروف، فإن اللّه يعلمه وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء، فإنه لا يظلم مثقال ذرة. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾. هذا إيجاب من اللّه تعالى للجهاد على المسلمين أن يكفُّوا شرَّ الأعداء عن حوزة الإسلام. وقال الزهري: الجهاد واجب على كل أحد غزا أو قعد، فالقاعد عليه إذا استعين أن يعين، وإذا استغيث أن يغيث، وإذا استنفر أن ينفر، وإن لم يحتج إليه قعد (٦). (قلت): ولهذا ثبت في الصحيح: "من مات ولم يغزُ ولم يحدِّث نفسه بالغزو، مات ميتة جاهلية" (٧)، وقال ﵇ يوم الفتح: "لا هجرة ولكن جهاد وفية، وإذا استنفرتم فانفروا" (٨). وقوله: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ أي: شديد عليكم ومشقة وهو كذلك، فإنه إما أن يقتل أو يجرح مع مشقة السفر ومجالدة الأعداء. ثم قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: لأن القتال يعقبه النصر والظفر على الأعداء والاستيلاء على بلادهم وأموالهم وذراريهم وأولادهم. ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ وهذا عام في الأمور كلها قد يحب المرء شيئًا وليس له فيه خيرة ولا مصلحة، ومن ذلك القعود عن القتال قد يعقبه استيلاء العدو على البلاد والحكم.

стр. 844

ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: هو أعلم بعواقب الأمور منكم، وأخبر بما فيه صلاحكم في دنياكم وأخراكم، فاستجيبوا له وانقادوا لأمره، لعلكم ترشدون. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، حدثني الحضرمي، عن أبي السوار، عن جُندب بن عبد الله، أن رسول اللّه ﷺ بعث رهطًا، وبعث عليهم [أبا عبيدة بن الجراح أو أبا عبيدة بن الحارث] (١)، فلما ذهب ينطلق بكى صبابة إلى رسول اللّه ﷺ فجلس فبعث عليهم مكانه عبد اللّه بن جحش، وكتب له كتابًا وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال: "لا تكرهنَّ أحدًا على السير معك من أصحابك" فلما قرأ الكتاب استرجع، وقال: سمعًا وطاعة للّه ولرسوله، فخبرهم الخبر وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان وبقي بقيتهم، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو من جمادى، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام! فأنزل اللّه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ الآية (٢). وقال السدي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مُرَّة، عن ابن مسعود: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وذلك أن رسول اللّه ﷺ بعث سرية، وكانوا سبعة نفر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، وفيهم: عمار بن ياسر، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان السلمي حليف [لبني] (٣) نوفل، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن فهيرة، وواقد بن عبد الله اليربوعي حليف لعمر بن الخطاب، وكتب لابن جحش كتابًا وأمره أن لا يقرأه حتى ينزل بطن ملل، فلما نزل بطن ملل فتح الكتاب فإذا فيه: "أن سِرْ حتى تنزل بطن نخلة". فقال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمض وليوص، فإنني موصٍ وماضٍ لأمر رسول اللّه ﷺ ، فسار، فتخلف عنه سعد بن أبي وقاص وعتبة، أضلا راحلة لهما فأتيا يجوبان يطلبانها، وسار ابن جحش إلى بطن نخلة، فإذا هو بالحكم بن كيسان والمغيرة بن عثمان وعبد الله بن المغيرة، وانفلت وقتل عمرو، قتله واقد بن عبد اللّه، فكانت أول غنيمة غنمها أصحاب رسول اللّه ﷺ ، فلما رجعوا إلى المدينة بأسيرين وما أصابوا من المال، أراد أهل مكة

стр. 845

أن يفادوا الأسيرين [وعاب] (١) عليه المشركون. وقالوا: إن محمدًا يزعم أنه يتبع طاعة اللّه وهو أول من استحل الشهر الحرام وقتل صاحبنا في رجب، فقال المسلمون: إنما قتلناه في جمادى، وقتل في أول رجب وآخر ليلة من جمادى، وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل شهر رجب، وأنزل اللّه يعير أهل مكة ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ لا يحل، وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام حين كفرقم بالله وصددتم عن محمد ﷺ وأصحابه، وإخراج أهل المسجد الحرام منه حين أخرجوا محمدًا ﷺ ، أكبر من القتل عند الله (٢). وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وذلك أن المشركين صدوا رسول اللّه ﷺ وردوه عن المسجد في شهر حرام، ففتح اللّه على نبيه في شهر حرام من العام المقبل، فعاب المشركون على رسول اللّه ﷺ القتال في شهر حرام، فقال اللّه: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ﴾ من القتال فيه، وأن محمدًا ﷺ بعث سرية، فلقوا عمرو بن الحضرمي وهو مقبل من الطائف في آخر ليلة من جمادى [وأول ليلة من رجب وأن أصحاب محمد ﷺ ، كانوا يظنون أن تلك الليلة من جمادى] (٣)، وكانت أول رجب، ولم يشعروا، فقتله رجل منهم وأخذوا ما كان معه، وإن المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك، فقال اللّه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وغير ذلك أكبر منه ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ إخراج أهل المسجد الحرام أكبر من الذي أصاب أصحاب محمد ﷺ ، والشرك أشد منه (٤). وهكذا روى أبو سعيد [البقال] (٥) عن عكرمة، عن ابن عباس، أنها نزلت في سرية عبد الله بن جحش وقتل عمرو بن الحضرمي. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: نزل فيما كان من مصاب عمرو بن الحضرمي ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ … ﴾ إلى آخر الآية (٦)، وقال عبد الملك بن هشام راوي السيرة، عن زياد بن عبد اللّه البكائي، عن محمد بن إسحاق بن يسار المدني ﵀، في كتاب السيرة له، إنه قال: وبعث - يعني: رسول الله ﷺ عبد اللّه بن جحش بن رباب الأسدي في رجب مقفله من بدر الأولى، وبعث معه
следующие страницы →