وقوله: ﴿إِلَى حِينٍ﴾ أي: إلى أجل مسمى ووقت [¬١] معلوم.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا﴾ قال قتادة: يعني الشجر.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ [أي: حصونًا] [¬٢] ومعاقل، كما ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ وهي: الثياب من القطن والكتان والصوف ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ كالدروع من الحديد المصفح والزرد وغير ذلك ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيكُمْ﴾ أي: هكذا يجعل لكم ما تستعينون به على أمركم وما تحتاجون إليه؛ ليكون عونا لكم على طاعته وعبادته ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾.
هكذا فسره الجمهور وقرءوه بكسر اللام من ﴿تُسْلِمُونَ﴾ أي [¬٣]: من الإِسلام.
و [¬٤] قال قتادة [في قوله: ﴿كَذَلِكَ] [¬٥] يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ [¬٦]﴾ هذه السورة تسمى سورة النعم.
وقال عبد الله بن المبارك وعباد بن [¬٧] العوام بن حنظلة السدوسي، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس: أنه كان [يقرؤها ﴿تُسْلِمُونَ﴾] [¬٨] [بفتح اللام. يعني: من الجراح". رواه أبو عبيد القاسم بن سلام، عن عباد، وأخرجه ابن جرير من الوجهين [¬٩] ورد [¬١٠] هذه القراءة.
وقال عطاء الخراساني: إنما نزل القرآن على قدر معرفة العرب، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ [¬١١] جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ وما جعل من السهل أعظم [¬١٢] وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب جبال؟ ألا ترى إلى قوله: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ وما جعل لهم [¬١٣] من غير ذلك أعظم منه [¬١٤] وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب وبر وشعر؟ ألا ترى إلى قوله: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ
стр. 3782
السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ لعجبهم من ذاك، وما أنزل من الثلج أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا لا يعرفونه؟ ألا ترى إن قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ وما تقي [¬١] من البرد أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب حر.
وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: بعد هذا البيان وهذا الامتنان فلا عليك منهم ﴿فَإِنَّمَا عَلَيكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ وقد أديته إليهم.
﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ أي: يعرفون أن الله تعالى هو المسدي إليهم ذلك، وهو المتفضل به عليهم، ومع هذا ينكرون ذلك، ويعبدون معه غيره، ويسندون النصر والرزق إلى غيره ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن مجاهد: أن أعرابيا أتى النبي ﷺ فسأله [¬٢]، فقرأ عليه رسول الله ﷺ : ﴿وَاللَّهُ [¬٣] جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ فقال [¬٤] الأعرابي: نعم. قال [¬٥]: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾. قال الأعرابي: نعم. ثم قرأ عليه، كل ذلك يقول الأعرابي نعم، حتى بلغ: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ فولى الأعرابي، فأنزل الله: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾.
﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (٨٦) وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا
стр. 3783
يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾.
يخبر تعالى عن شأن المشركين يوم معادهم في الدار الآخرة، وأنه يبعث من كل أمّه شهيدًا، وهو نبيها يشهد عليها [¬١] بما أجابته فيما بلغها عن الله تعالى ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: في الاعتذار؛ لأنهم يعلمون بطلانه وكذبه، كقوله [¬٢]: [﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾] [¬٣] فلهذا [¬٤] قال [¬٥]: ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: الذين [¬٦] أشركوا ﴿الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ أي: لا يفتر عنهم ساعة واحدة ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي: لا [¬٧] يؤخر عنهم، بل يأخذهم سريعًا من الموقف بلا حساب، فإنه إذا جيء بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، فيشرف [¬٨] عنق منها على الخلائق، وتزفر [¬٩] زفرة لا يبقي أحد إلا جثا لركبتيه، فتقول: إني وكلت بكل جبار عنيد الذي جعل مع الله إلها آخر، [وبكذا وبكذا] [¬١٠] (٣٧)، وتذكر أصنافًا من الناس كما جاء في الحديث، ثم تنطوي عليهم وتتلقطهم من الموقف، كما يلتقط الطائر الحب، قال الله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ وقال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.
ثم أخبر تعالى عن تبرؤ آلهتهم منهم أحوج ما يكونون إليها، فقال: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ﴾ أي: الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا ﴿قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا
стр. 3784
الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أي: قالت لهم الآلهة: كذبتم، ما نحن [] [¬١] أمرناكم بعبادتنا، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا﴾، وقال الخليل ﵊: ﴿ثُمَّ [¬٢] يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ الآية. والآيات في هذا كثيرة.
وقوله: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ قال قتادة وعكرمة: ذلوا واستسلموا يومئذ.
أي: استستلموا لله جميعهم، فلا أحد إلا سامع مطيع، وكقوله [¬٣] تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ أي: ما أسمعهم وما أبصرهم يومئذ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾. وقال: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ أي: خضعت وذلت واستكانت وأنابت واستسلمت.
وقوله [¬٤]: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: ذهب واضمحل ما كانوا يعبدونه افتراء على الله، فلا ناصر لهم ولا معين ولا مجير.
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾. أي: عذابًا على كفرهم، وعذابًا على صدهم الناس عن اتباع الحق، كقوله [¬٥] تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ أي: ينهون الناس [¬٦] عن اتباعه، ويبتعدون هم منه أيضًا ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.
وهذا دليل على تفاوت الكفار في عذابهم، كما يتفاوت المؤمنون في منازلهم في الجنة ودرجاتهم، كما قال تعالى: [﴿قَال لِكُلٍّ] [¬٧] ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وقد قال الحافظ أبو يعلى (٣٨): حدثنا سريج بن يونس، حدثنا أبو معاوية، حدثنا
стр. 3785
الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله في قول الله: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ قال: زيدوا عقارب أنيابها كالنخل الطوال.
و [¬١] حدثنا سريج بن يونس، حدثنا إبراهيم بن سليمان، حدثنا الأعمش، عن الحسن، عن ابن عباس [في الآية] [¬٢] أنه قال: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ قال: هي خمسة أنهار تحت [¬٣] العرش، يعذبون ببعضها بالليل، وببعضها بالنهار.
﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾
يقول تعالى مخاطبًا عبده ورسوله محمدًا ﷺ : ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ يعني: أمته. أي: اذكر ذلك اليوم وهوله، وما منحك الله فيه من الشرف العظيم والمقام الرفيع، وهذه الآية شبيهة بالآية التي انتهى إليها عبد الله بن مسعود، حين قرأ على رسول الله ﷺ صدر سورة [¬٤] النساء، فلما وصل إلى قوله: ﴿فَكَيفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ فقال له رسول الله ﷺ : "حسبك". فقال [¬٥] ابن مسعود ﵁: فالتفتُ فإذا عيناه تذرفان (٣٩).
وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيءٍ﴾ قال ابن مسعود: قد بين لنا في هذا القرآن كل علم وكل شيء. وقال مجاهد: كل حلال وكل [¬٦] حرام.
وقول ابن مسعود أعم وأشمل، فإن القرآن اشتمل على كل علم نافع؛ من خبر ما سبق، وعلم ما سيأتي، وحكم [¬٧] كل حلال وحرام، وما الناس إليه محتاجون في أمر دنياهم ودينهم، ومعاشهم ومعادهم.
﴿وَهُدًى﴾ أي: للقلوب [¬٨] ﴿وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾.
стр. 3786
وقال الأوزاعي: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيءٍ﴾ أي: بالسنة.
ووجه اقتران قوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ﴾ مع قوله ﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ أن [¬١] المراد -والله أعلم- إن الذي فرض عليك تبليغ الكتاب الذي أنزله عليك، سائلك عن ذلك يوم القيامة ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾، ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ أي: إن [¬٢] الذي أوجب عليك [¬٣] تبليغ القرآن لرادّك إليه، ومعيدك يوم القيامة، وسائلك عن أداء ما فرض عليك. هذا أحد الأقوال، وهو متجه حسن.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾
يخبر تعالى أنه يأمر عباده بالعدل: وهو القسط والموازنة، ويندب إلى الإحسان، كقوله [¬٤] تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾، وقوله [¬٥]: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، وقال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على شرعية العدل والندب إلى الفضل.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله.
وقال سفيان بن عيينة: العدل في هذا الموضع هو [¬٦] استواء السريرة والعلانية من كل عامل لله عملًا، والإِحسان أن تكون سريرته أحسن من علانيته، والفحشاء والمنكر أن تكون علانيته أحسن من سريرته.
وقوله: ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ أي: يأمر بصلة الأرحام، كما قال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾.
стр. 3787
وقوله: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ فالفواحش: المحرمات، والمنكرات: ما ظهر منها [من فاعلها، ولهذا قال في الموضع الآخر: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا [¬١] وَمَا بَطَنَ﴾ وأما البغي: فهو العدوان على الناس، وقد جاء في الحديث: "ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا، مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة؛ من البغي وقطيعة الرحم" (٤٠).
وقوله: ﴿يَعِظُكُمْ﴾ أي: يأمركم بما يأمركم به من الخير، وينهاكم [عما ينهاكم] [¬٢] عنه من الشر ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. و [¬٣] قال الشعبي: عن [شتير بن شكل] [¬٤]، سمعت ابن مسعود يقول: أن أجمع آية في القرآن في سورة النحل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ الآية. رواه بن جرير.
وقال سعيد: عن قتادة قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ الآية. ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر الله به، وليس من خلق سيئ كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدم فيه، وإنما نهى عن سفاسف [¬٥] الأخلاق ومذامها [¬٦].
قلت: ولهذا جاء في الحديث: "إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره
стр. 3788
سفسافها [¬١] " (٤١).
و [¬٢] قال الحافظ أبو نعيم في كتابه: "كتاب معرفة الصحابة": حدثنا أبو بكر محمَّد بن الفتح الحنبلي، حدثنا يحيى بن محمَّد مولى بني هاشم، حدثنا الحسن بن داود المنكدري، حدثنا عمر بن علي المقدمي، عن علي بن عبد الله [¬٣] بن عمير، عن أبيه قال: بلغ أكثم بن صيفي مخرج النبي ﷺ ، فأراد أن يأتيه، فأبى قومه أن يَدَعُوه، وقالوا: أنت [¬٤] كبيرنا لم تكن لتخف إليه. قال: فليأته من يبلغه عني ويبلغني عنه. فانتدب رجلان فأتيا النبي ﷺ ، فقالا: نحن رسل أكثم بن صيفي، وهو يسألك من أنت وما أنت [¬٥]؟ فقال النبي ﷺ : "أما من أنا: فأنا محمَّد بن عبد الله، وأما ما أنا: فأنا عبد الله ورسوله". قال: ثم تلا عليهم هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ قالوا: اردد علينا هذا القول. فردده عليهم حتى حفظوه، فأتيا أكثم، فقالا: أبى أن يرفع نسبه، فسألنا عن نسبه فوجدناه زاكي النسب، واسطًا. في مضر وقد رمى إلينا بكلمات قد سمعناها، فلما سمعهن أكثم قال: إني [] [¬٦] أراه يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن ملائمها، فكونوا في هذا الأمر رءرسًا ولا تكونوا فيه أذنابًا.
وقد ورد في نزول هذه الآية الكريمة [¬٧] حديث حسن رواه الإمام أحمد (٤٢):
حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الحميد، حدثنا شهر، حدثني عبد الله بن عباس قال: بينما رسول الله ﷺ بفناء بيته جالس، إذ مر به عثمان بن مظعون، فكشر إلى رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : "ألا
стр. 3789
تجلس؟ " فقال: بلى. قال: فجلس رسول الله ﷺ مستقبله، فبينما هو يحدثه إذ شخص رسول الله ﷺ ببصره إلى السماء، فنظر ساعة [إلى السماء] [¬١]، فأخذ يضع بصره حتى وضعه على يمنته في الأرض، فتحرف رسول الله ﷺ عن جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره، فأخذ ينغض رأسه كأنه يستفقه ما يقال له، وابن مظعون ينظر، فلما قضى حاجته، واستفقه ما يقال له، شخص [] [¬٢] بصر رسول الله ﷺ إلى السماء كما شخص أول مرة، فأتبعه بصره حتى توارى في السماء، فأقبل إلى عثمان بجلسته الأولى، فقال: يا محمَّد، فيما كنت أجالسك، ما رأيتك تفعل كفعلك الغداة. فقال [¬٣]: "وما رأيتني فعلت؟ " قال: رأيتك شخص بصرك إلى السماء، ثم وضعته حيث وضعته على يمينك، فتحرفت إليه وتركتني، فأخذت تنغض رأسك كأنك تستفقه شيئًا يقال لك. قال: "وفطنت لذلك؟ " فقال عثمان: نعم. قال رسول الله ﷺ : (أتاني رسول الله آنفًا وأنت جالس". قال: رسول الله؟ قال: "نعم". قال: فما قال لك؟ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. قال عثمان: فذلك حين استقر الإِيمان في قلبي، وأحببت محمدًا ﷺ .
إسناد جيد متصل حسن، قد بين فيه السماع المتصل، ورواه ابن أبي حاتم من حديث عبد الحميد بن بهرام مختصرًا.
حديث آخر عن عثمان بن أبي العاص الثقفي في ذلك؛ قال الإمام أحمد (٤٣):
حدثنا أسود بن عامر، حدثنا هريم، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن عثمان بن أبي العاص [¬٤] قال: كنت عند رسول الله ﷺ جالسًا إذ شخص بصره، فقال: "أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من هذه السورة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ الآية". وهذا إسناد لا بأس به، ولعله عند شهر بن حوشب من الوجهين، والله أعلم.
﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ
стр. 3790
جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١) وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيمَانَكُمْ دَخَلًا بَينَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢)﴾
وهذا مما [¬١] بأمر الله [¬٢] تعالى به [¬٣]: وهو الوفاء بالعهود والمواثيق، والمحافظة على الأيمان المؤكدة، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾.
ولا تعارض بين هذا [¬٤] ربين قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾. وبين قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيمَانَكُمْ﴾ أي: لا تتركوها بلا كفارة [¬٥]، وبين قوله ﵇ فيما ثبت عنه في الصحيحين (٤٤) [أنه ﵊ قال] [¬٦]: "إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها -وفي رواية- وكفرت عن يميني". لا تعارض بين هذا كله، ولا بين الآية المذكورة ها هنا وهي [¬٧] قوله: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾؛ لأن هذه الأيمان المراد بها: الداخلة [¬٨] في العهود والمواثيق، لا الأيمان التي هي واردة على حث أو منع، رلهذا قال مجاهد في قوله: ﴿لَا تَنْقُضُوا الْأَيمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ يعني: الحلف. أي: حلف الجاهلية، ويؤيده ما رواه الإمام أحمد (٤٥):
стр. 3791
حدثنا عبد الله بن محمَّد -هو ابن أبي شيبة- حدثنا ابن نمير وأبو أسامة، عن زكريا -وابن أبي زائدة- عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ : "لا حلف في الإِسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية [فإنه لا يزيده] [¬١] الإِسلام إلا شدة".
وكذا رواه مسلم (٤٦) عن ابن أبي شيبة به. ومعناه: أن الإِسلام لا يحتاج معه إلى الحلف الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، فإن في التمسك بالإِسلام كفاية عما كانوا فيه.
وأما ما ورد في الصحيحين (٤٧) عن عاصم الأحول، عن أنس ﵁ أنه قال: حالف رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دارنا. فمعناه: أنه آخى بينهم فكانوا يتوارثون به، حتى نسخ الله ذلك، والله أعلم.
وقال ابن جرير (٤٨): حدثني محمَّد بن عمارة الأسدي، حدثنا عبد الله بن موسى، [أخبرنا ابن أبي] [¬٢] ليلى، عن مزيدة في قوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [] [¬٣] قال: نزلت في بيعة [¬٤] النبي ﷺ ، كان من أسلم بايع النبي ﷺ على الإِسلام فقال [¬٥]: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ هذه البيعة التي بايعتم على الإِسلام ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾: البيعة، لا يحملنكم قلة محمَّد وأصحابه [¬٦] وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام.
وقال الإِمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا صخر بن جويرية، عن نافع قال: لما خلع الناس يزيدَ بن معاوية، جمع ابن عمر بنيه وأهله، ثم تشهد، ثم قال: أما بعد، فإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيعة [¬٧] الله ورسوله، وإني سمعت رسول الله ﷺ
стр. 3792
يقول: "إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان وإن من أعظم الغدر -إلا أن يكون الإشراك بالله- أن يبايع رجل رجلًا على بيعة [¬١] الله ورسوله ثم ينكث بيته" فلا يخلعنّ [¬٢] أحد منكم يزيد، ولا يسرفن أحد منكم في هذا الأمر، فيكون [صيلم] (*) بيني وبينه (٤٩).
المرفوع منه في الصحيحين (٥٠).
وقال الإِمام أحمد (٥١): حدثنا يزيد، حدثنا حجاج، عن عبد الرحمن بن عابس، عن أبيه، عن حذيفة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من شرط لأخيه شرطًا لا يريد أن يفي له به، فهو كالمدلي جاره إلى غير منعة".
وقوو: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ تهديد ووعيد لمن نقض الأيمان بعد توكيدها.
وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ قال عبد الله بن كثير والسدي: هذه امرأة خرقاء كانت بمكة، كلما غزلت شيئًا نقضته بعد إبرامه.
وقال مجاهد وقتادة وابن زيد: هذا مثل لمن نقض عهده بعد توكيده.
وهذا القول أرجح وأظهر، وسواء كان بمكة امرأة تنقض غزلها أم لا.
وقوله ﴿أَنْكَاثًا﴾ يحتمل أن يكون اسم مصدر ﴿نَقَضَتْ غَزْلَهَا [مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ] [¬٣] أَنْكَاثًا﴾ أي: أنقاضًا، ويحتمل أن يكون بدلًا عن خبر كان، أي: لا تكونوا أنكاثا، جمع نكث من ناكث، ولهذا قال بعده: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيمَانَكُمْ دَخَلًا بَينَكُمْ﴾ أي: خديعة ومكرًا ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ أي: تحلفون للناس، إذا كانوا أكثر منكم ليطمئنوا إليكم، فإذا أمكنكم الغدر بهم غدرتم، فنهى الله عن ذلك؛ لينبه بالأدنى على الأعلى، إذا كان قد نهى عن الغدر والحالة هذه، فلأن ينهى عنه مع التمكن والقدرة بطريق
стр. 3793
الأولى.
وقد قدمنا ولله الحمد في سورة الأنفال قصة معاوية لما كان بينه وبين ملك الروم أمد، فسار معاوية إليهم في آخر الأجل، حتى إذا انقضى وهو قريب من بلادهم أغار عليهم، وهم غارون [¬١] و [¬٢] لا يشعرون، فقال له عمرو بن عبسة [¬٣]: الله أكبر يا معاوية، وفاء لا غدرًا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كان بينه وبين قوم أجل فلا يحلن عقدة حتى ينقضي أمدها". فرجع معاوية [بالجيش ﵁ وأرضاه] [¬٤].
قال ابن عباس: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ أي: أكثر.
وقال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء، فيجدون أكثر منهم وأعز، فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون أولئك الذين هم أكثر وأعز، فنهوا عن ذلك.
وقال الضحاك وقتادة وابن زيد نحوه.
وقوله ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ قال سعيد بن جبير: يعني بالكثرة. رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن جرير: أي: بأمره إياكم بالوفاء بالعهد.
﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ فيجازي كل عامل بعمله من خير وشر.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣) وَلَا تَتَّخِذُوا أَيمَانَكُمْ دَخَلًا بَينَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٩٤) وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾
стр. 3794
يقول الله [¬١] تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ﴾ أيها الناس أمة واحدة، كقول تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ أي: لوفق بينكم، ولما جعل اختلافًا ولا تباغضًا ولا شحناء ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ وهكذا قال ها هنا: ﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ثم يسألكم يوم القيامة عن جميع أعمالكم، فيجازيكم عليها؛ على الفتيل والنقير والقطمير، ثم حذر تعالى عباده من [¬٢] اتخاذ الأيمان دخلًا أي: خديعة ومكرًا؛ لئلا تزل قدم بعد ثبوتها، مثل لمن كان على الاستقامة [¬٣] فحاد عنها، وزل عن طريق الهدى بسبب الأيمان الحانثة المشتملة على الصد عن سبيل الله؛ لأن الكافر إذا رأى أن المؤمن قد عاهده ثم غدر به، لم يبق له وثوق بالدين فانصد بسببه عن الدخول في الإسلام، ولهذا قال: ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي: لا تعتاضوا عن الأيمان بالله عرض الحياة الدنيا وزينتها فإنها قليلة، ولو حيزت لابن آدم الدنيا بحذافيرها لكان ما عند الله هو خير له، أي: جزاء الله وثوابه خير لمن رجاه وآمن به، وطلبه وحفظ عهده [¬٤] رجاء موعوده، ولهذا قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾ أي: يفرغ وينقضي، فإنه إلى أجل معدود محصور مقدر متناه ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ أي: وثوابه لكم في الجنة بأن لا انقطاع [ولا نفاد له]، فإنه دائم لا يحول ولا يزول ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قسم من الرب تعالى [¬٥] مؤكد [¬٦] باللام: أنه يجازي الصابرين بأحسن أعمالهم، أي: ويتجاوز عن سيئها.
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾
هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحا - وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى وسنة نبيه [ ﷺ ] من ذكر أو أنثى من بني آدم، وقلبه مؤمن بالله ورسوله، وأن هذا العمل المأمور به مشروع من عند الله - بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا، وأن يجزيه [¬٧]
стр. 3795
بأحسن [ما عمله] [¬١] في الدار الآخرة.
والحياة المطبعة تشتمل [¬٢] وجوه الراحة من أي جهة كانت، وقد روي عن ابن عباس وجماعة أنهم فسروها: بالرزق الحلال الطيب.
وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه فسرها: بالقناعة، وكذا قال ابن عباس وعكرمة ووهب بن منبه.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: إنها هي [¬٣] السعادة.
وقال الحسن ومجاهد وقتادة: لا يطلب لأحد حياة [¬٤] إلا في الجنة.
وقال الضحاك: هي الرزق الحلال والعبادة في الدنيا، وقال الضحاك أيضًا: هي [¬٥] العمل بالطاعة والانشراح بها.
والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله، كما جاء في الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (٥٢):
حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني شرحبيل بن شريك، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: "قد أفلح من أسلم، ورزق كفافًا، وقنعه الله بما آتاه".
ورواه مسلم (٥٣) من حديث عبد الله بن يزيد المقري به.
وروى الترمذي (٥٤) والنسائي (٥٥) من حديث أبي هانئ، عن أبي علي الجنبي [¬٦]، عن فضالة بن عبيد، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "قد أفلح من هدي
стр. 3796
للإسلام [¬١]، وكان عيشه كفافًا، وقنع به". وقال الترمذي: هذا [¬٢] حديث صحيح.
وقال الإِمام أحمد (٥٦): حدثنا يزيد، حدثنا همام، عن يحيى، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله لا يظلم المؤمن حسنة، [يعطى بها في الدنيا] [¬٣]، [ويثاب عليها في الآخرة، وأما الكافر فيعطيه حسناته في الدنيا] [¬٤]، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يعطى بها خيرًا". انفرد بإخراجه مسلم (٥٧).
﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾
هذا أمر من الله تعالى لعباده [¬٥]، على لسان نبيه ﷺ ، إذا أرادوا قراءة القرآن: أن يستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم، وهو أمر ندب ليسر بواجب، حكى [الإجماع على ذلك] [¬٦] أبو جعفر بن جرير وغيره من الأئمة، وقد قدمنا الأحاديث الواردة في الاستعاذة مبسوطة في أول التفسير، ولله الحمد والمنة.
والمعنى في الاستعاذة عند ابتداء القراءة لئلا يلبس على القارئ قراءته، ويخلط عليه، ويمنعه من التدبر والتفكر. ولهذا ذهب الجمهور إلى أن الاستعاذة إنما تكون قبل [¬٧] التلاوة، وحكي عن حمزة وأبي حاتم السجستاني أنها تكون بعد التلاوة، واحتجا بهذه الآية، ونقل النووي [¬٨] في شرح المهذب مثل ذلك عن أبي هريرة أيضًا ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي، والصحيح الأول لما تقدم من الأحاديث الدالة على تقدمها على التلاوة، والله
стр. 3797
أعلم.
وقوله: ﴿إِنَّهُ لَيسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قال الثوري: ليس له عليهم سلطان أن يوقعهم في ذنب [] [¬١] لا يتوبون منه.
وقال آخرون: معناه لا حجة له عليهم. [وقال آخرون: كقوله: ﴿إلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾.
﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ قال مجاهد: يطيعونه] [¬٢].
وقال آخرون: اتخذوه وليًّا من دون الله.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ أي: أشركوه في عبادة الله، ويحتمل أن تكون الباء سببية، أي: صاروا بسبب طاعتهم للشيطان مشركين بالله تعالى.
وقال آخرون: معناه أنه شركهم في الأموال والأولاد.
﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)﴾
يخبر تعالى عن ضعف عقول المشركين، وقلة ثباتهم وإيقانهم، وأنه لا يتصور منهم الإيمان، وقد كتب عليهم الشقاوة، وذلك أنهم إذا رأوا تغيير الأحكام ناسخها بمنسوخها قالوا لرسول [¬٣] [الله ﷺ ] [¬٤]: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ أي: كذاب، وإنما هو الرب تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
و [¬٥] قال مجاهد: ﴿بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ أي: رفعناها وأثبتنا غيرها.
وقال قتادة: هو كقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ الآية.
قال [¬٦] تعالى مجيبًا لهم: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ [] [¬٧]﴾ أي: جبريل ﴿مِنْ رَبِّكَ
стр. 3798
بِالْحَقِّ﴾ أي: بالصدق والعدل ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيصدقوا بما أنزل [¬١] أولًا وثانيًا، وتخبت له قلوبهم ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ أي: وجعله هاديًا وبشارة للمسلمين الذين آمنوا بالله ورسله [¬٢].
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن المشركين ما كانوا يقولونه من الكذب والافتراء والبهت: أن محمدًا إنما يعلمه هذا الذي يتلوه علينا من القرآن بشر، يشيرون إلى رجل أعجمي كان بين أظهرهم غلام لبعض بطون قريش، وكان بياعا يبيع عند الصفا، وربما [¬٣] كان رسول الله ﷺ يجلس إليه ويكلمه بعض الشيء، وذاك كان أعجمي اللسان لا يعرف العربية [¬٤]، أو أنه كان يعرف الشيء اليسير بقدر ما يرد جواب الخطاب فيما لا بد منه، فلهذا قال الله تعالى رادًّا عليهم في افترائهم ذلك: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ يعني [¬٥]: القرآن [¬٦] أي: فكيف يتعلم من جاء بهذا القرآن في فصاحت، وبلاغته، ومعانيه التامّة الشاملة، التي هي أكمل من معاني كل كتاب نزل على [نبيّ أُرْسِلَ] [¬٧]، كيف يتعلم من رجل أعجمي؟ لا يقول هذا من له أدنى مسكة من العقل.
قال محمَّد بن إسحاق بن يسار في السيرة: كان رسول الله ﷺ فيما بلغني كثيرًا ما يجلس عند المروة إلى مبيعة [¬٨] غلام نصراني قال له جبر، عبد لبعض [¬٩] بني الحضرمي [فكانوا يقولون: والله ما يعلم محمدًا كثيرًا مما يأتي به إلا جبرٌ النصراني غلام بني الحضرمي] [¬١٠] فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾.
وكذا قال عبد الله بن كثير، و [¬١١] عن عكرمة وقتادة: كان اسمه يعيش.
стр. 3799
وقال ابن جرير (٥٨): حدثني أحمد بن محمد الطوسي، حدثنا أبو عامر، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن مسلم بن عبد الله الملائي، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يعلم [¬١] قينا بمكة، وكان اسمه بلعام، وكان أعجمي اللسان، وكان المشركون يرون رسول الله ﷺ يدخل عليه ويخرج من عنده، فقالوا: إنما يعلمه بلعام، فأنزل الله هذه الآية: ﴿ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين﴾.
وقال الضحاك بن مزاحم: هو سلمان [¬٢] الفارسي. وهذا القول ضعيف، لأن هذه الآية مكية، وسلمان إنما أسلم بالمدينة، وقال عبيد الله بن مسلم: كان لنا غلامان [¬٣] روميان يقرآن كتابًا [¬٤] لهما بلسانهما، فكان النبي ﷺ يمر بهما فيقوم فيسمع منهما، فقال المشركون: يتعلم منهما، فأنزل الله هذه الآية.
وقال الزهريّ، عن سعيد بن المسيب: الذي قال ذلك من المشركين رجل كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه رسلم، فارتد بعد ذلك عن الإسلام، وافترى هذه المقالة قبحه الله.
﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥)﴾
يخبر تعالى: أنه لا يهدي من أعرض عن ذكره، وتغافل عما أنزله على رسوله [ ﷺ ]، ولم يكن له قصد إلى الإيمان بما جاء من عند الله، فهذا الجنس من الناس لا يهديهم الله إلى الإِيمان بآياته وما أرسلَ به رسله في الدنيا، ولهم عذاب أليم موجع في الآخرة.
ثم أخبر تعالى أن رسوله ﷺ ليس بمفتر ولا كذاب؛ لأنه إنما يفتري
الكذب على الله وعلى رسوله [ ﷺ ] شرار الخلق ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ
стр. 3800
الله﴾ من الكفرة و [¬١] الملحدين المعروفين [¬٢] بالكذب عند الناس، والرسول محمد ﷺ كان أصدق الناس وأبرهم، وأكملهم علمًا وعملًا وإيمانًا وإيقانًا، معروفًا بالصدق في قومه، لا يشك في ذلك أحد منهم، بحيث لا يدعى بينهم إلا بالأمين محمد، ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان عن تلك المسائل التي سألها من صفة رسول الله ﷺ ، كان فيما قال له: هل [¬٣] كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا. فقال هرقل: فما كان ليدع الكذب على الناس ويذهب فيكذب على الله (٥٩).
﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩)﴾
أخبر تعالى عمن كفر به بعد الإيمان والتبصر، وشرح صدره بالكفر واطمأن به -أنه قد غضب عليه؛ لعلمهم بالإِيمان ثم عدولهم عنه، وأن لهم عذابًا عظيمًا في الدار الآخرة؛ لأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، فأقدموا على ما أقدموا عليه من الردة لأجل الدنيا، ولم يهد الله قلوبهم، ويثبتهم على الدين الحق، فطبع على قلوبهم [فهم لا] [¬٤] يعقلون بها شيئًا ينفعهم، وختم على سمعهم وأبصارهم فلا ينتفعون بها، ولا أغنت عنهم شيئًا
стр. 3801
فهم [¬١] غافلون عما يراد بهم.
﴿لَا جَرَمَ﴾ أي: لا بد ولا عجب أن من هذه صفته ﴿أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أي: الذين خسروا أنفسهم وأهليهم [¬٢] يوم القيامة.
وأما قوله: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ فهو استثناء ممن [¬٣] كفر بلسانه، ووافق المشركين بلفظه، مكرهًا لما ناله من ضرب وأذى، وقلبه يأبى [¬٤] ما يقول، وهو مطمئن بالإِيمان بالله ورسوله.
وقد روى العوفي، عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر، حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد ﷺ ، فوافقهم على ذلك مكرهًا، وجاء معتذرًا إلى النبي ﷺ ، فأنزل الله هذه الآية. وهكذا قال الشعبي [وقتادة وأبو مالك].
وقال ابن جرير (٦٠): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري [¬٥]، عن أبي عبيدة بن [¬٦] محمد بن عمار بن ياسر، قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر، فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا، فشكا ذلك إلى النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "كيف تجد قلبك؟ " قال: مطمئنًا بالإيمان. قال النبي ﷺ : "إن عادوا فعد".
ورواه البيهقي (٦١) بأبسط من ذلك، وفيه أنه سب النبي ﷺ ، وذٍ كر آلهتهم بخير، [فشكا ذلك إلى النبي ﷺ ، فقال] [¬٧]: يا رسول الله، ما تُرِكتُ حتى سببتك، وذكرت آلهتهم بخير. قال: "كيف تجد قلبك؟ " قال: مطمئنًا بالإيمان. فقال [¬٨]: "إن عادوا فعد". وفي ذلك أنزل الله: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾.
ولهذا اتفق العلماء: على [أن المكره على الكفر يجوز له أن يوالي] [¬٩] إبقاء لمهجته،
стр. 3802
ويجوز له أن يستقتل، كما كان بلال ﵁ يأبى عليهم ذلك، وهم يفعلون به الأفاعيل، حتى أنهم ليضعوا الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر، ويأمرونه بالشرك [¬١] بالله فيأبى عليهم، وهو يقول: أحد أحد. ويقول: والله لو أعلم كلمة هي [¬٢] أغيظ لكم منها لقلتها. ﵁ وأرضاه. وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ فيقول: نعم. فيقول: أتشهد [¬٣] أني رسول الله؟ فيقول لا أسمع. فلم يزل يقطعه إربًا إربا وهو ثابت على ذلك.
وقال الإِمام أحمد (٦٢): حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن عكرمة: أن عليًّا ﵁ حرق ناسًا ارتدّوا عن الإِسلام، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لم أكن لأحرقهم بالنار، إن رسول الله ﷺ قال [¬٤]: "لا تعذبوا بعذاب الله"، وكنت أقاتلهم [¬٥] بقول رسول الله [] [¬٦] ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه". فبلغ ذلك عليًّا فقال: ويح [أم ابن] [¬٧] عباس. رواه البخاري (٦٣).
وقال الإمام أحمد (٦٤) أيضًا: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن أيوب، عن حميد بن هلال العدوي، عن أبي بردة قال: قدم على أبي موسى معاذ بن جبل باليمين، فإذا رجل عنده، قال: ما هذا؟ قال: رجل كان يهوديًّا فأسلم، ثم تهود، ونحن نريده على الإسلام منذ -قال أحسبه- شهرين. فقال: والله لا أقعد حتى تضربوا عنقه. [فضربت عنقه] [¬٨]، فقال: قضى الله ورسوله أن من رجع عن دينه فاقتلوه أو قال: "من بدل دينه فاقتلوه".
وهذه القصة في الصحيحين بلفظ آخر (٦٥).
стр. 3803
والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه ولو أفضى إلى [¬١] قتله، كما ذكر [¬٢] الحافظ بن عساكر في ترجمة عبد الله بن حذافة السهمي أحد الصحابة: أنه أسرته الروم، فجاءوا به إلى ملكهم، فقال له: تنصر وأنا أشركك في ملكي وأزوجك ابنتي. فقال له: لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما تملكه العرب، على أن أرجع عن دين محمد [ ﷺ ] طرفة عين ما فعلت. فقال: إذا أقتلك. فقال [¬٣]: أنت وذاك. قال [¬٤]: فأمر به فصلب، وأمر الرماة فرموه قريبًا من يديه ورجليه، وهو يعرض عليه دين النصرانية فيأبى، ثم أمر به فأنزل، ثم أمر بقدر -وفي رواية: ببقرة من نحاس- فأحميت، وجاء بأسير من المسلمين فألقاه وهو ينظر، فإذا هو عظام يلوح، وعرض عليه فأبى، فأمر به أن يلقى فيها، فرفع في البكرة ليلقى فيها فبكى، فطمع فيه ودعاه، فقال له [¬٥]: إني إنما بكيت لأن نفسي إنما هي نفس واحدة تلقى في هذه القدر الساعة [في الله] [¬٦]، فأحببت أن يكون في بعدد كل شعرة في جسدي نفس تعذب هذا العذاب في الله. وفي بعض الروايات: إنّه سجنه ومنع عنه الطعام والشراب أيامًا، ثم أرسل إليه بخمر ولحم خنزير فلم يقربه، ثم استدعاه فقال: ما منعك أن تأكل؟ فقال: أما إنه قد حل لي ولكن لم أكن لأشمتك في. فقال له الملك: فقبل رأسي وأنا أطلقك فقال [¬٧]: [وتطلق معى جميع أسارى المسلمين؟ قال:] [¬٨] نعم [¬٩]. فقبل رأسه، فأطلقه وأطلق معه [¬١٠] جميع أسارى المسلمين عنده، فلما رجع قال عمر بن الخطاب ﵁: حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة وأنا أبدأ. فقام فقبل رأسه [﵄]-.
﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١١١)﴾
هؤلاء صنف آخر كانوا مستضعفين بمكة مهانين في قومهم، قد واتوهم على الفتنة، ثم أنهم أمكنهم الخلاص بالهجرة، فتركوا بلادهم وأهليهم وأموالهم ابتغاء رضوان الله وغفرانه،
стр. 3804
وانتظموا في سلك المؤمنين، وجاهدوا معهم الكافرين وصبروا، فأخبر الله [¬١] تعالى أنه ﴿من بعدها﴾ أي: تلك الفعلة وهي الإِجابة إلى الفتنة ﴿لغفور﴾ لهم ﴿رحيم﴾ بهم يوم معادهم ﴿يوم تأتي نفس تجادل﴾ أي: تحاج ﴿عن نفسها﴾ ليس أحد يحاج عنها، لا أب ولا ابن، ولا أخ ولا زوج [¬٢] ﴿وتوفى كل نفس ما عملت﴾ أي: من خير وشر ﴿وهم لا يظلمون﴾ أي لا [لا] [¬٣] ينقص من ثواب الخير، ولا يزاد على ثواب الشر، ولا يظمون نقيرًا.
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣)﴾
هذا مثل أريد به أهل مكة؛ فإنها كانت آمنة مطمئنة مستقرة، يتخطف الناس من حولها، ومن دخلها [كان آمنًا] [¬٤] لا يخاف، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ وهكذا قال هاهنا: ﴿يأتيها رزقها رغدًا﴾ أي: هنيئًا سهلًا ﴿من كل مكان فكفرت بأنعم الله﴾ أي: جحدت آلاء الله عليها، وأعظمها [¬٥] بعثة محمد ﷺ إليهم، كما قال تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ [¬٦] الْقَرَارُ﴾ ولهذا بدلهم الله بحاليهم الأولين خلافهما، فقال: ﴿فأذاقها الله لباس الجوع والخوف﴾ أي: ألبسها وأذاقها الجوع بعد أن كان يجبى إليهم ثمرات كل شيء، ويأتيها رزقها رغدًا من كل مكان، وذلك لما استعصوا على رسول الله ﷺ ، وأبوا إلا خلافه، فدعا عليهم بسبع كسبع يوسف، فأصابتهم سنة أذهبت كل شيء لهم، فأكلوا العلهز [¬٧]: وهو وبر البعير يخلط [¬٨] بدمه إذا نحروه.
стр. 3805
وقوله: ﴿والخوف﴾ وذلك أنهم بدلوا بأمنهم خوفًا من رسول الله ﷺ وأصحابه حين هاجروا إلى المدينة، من سطوة [¬١] سراياه وجيوشه، وجعل [¬٢] كل مالهم في [دمار وسفال]، حتى فتحها الله عليهم، وذلك بسبب صنيعهم وبغيهم، وتكذيبهم الرسول ﷺ الذي بعثه الله فيهم [¬٣]، وامتن به عليهم في قوله: ﴿لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولًا من أنفسهم﴾ الآية. وقوله [¬٤] تعالى: ﴿فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرًا * رسولًا … ﴾ الآية. وقوله [¬٥]: ﴿كما أرسلنا فيكم رسولًا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة﴾ إلى قوله: ﴿ولا تكفرون﴾.
وكما أنه انعكس على الكافرين حالهم، فخافوا بعد الأمن، وجاعوا بعد الرغد، فبدل الله المؤمنين من بعد خوفهم أمنًا، ورزقهم بعد العيلة، وجعلهم أمراء الناس وحكامهم وسادتهم وقادتهم وأئمتهم.
وهذا [¬٦] الذي قلناه من أن هذا المثل مضروب [¬٧] لمكة [¬٨] قاله العوفي عن ابن عباس، وإليه ذهب مجاهد وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وحكاه مالك عن الزهريّ ﵏.
وقال ابن جرير (٦٦): حدثني ابن عبد الرحيم البرقي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا نافع بن يزيد، حدثنا عبد الرحمن بن شريح: أن عبد الكريم بن الحارث الحضرمي حدثه: أنه سمع [مشرح بن هاعان] [¬٩] يقول: سمعت سليم بن عَتْر [¬١٠] يقول: صدرنا من الحج مع حفصة زوج النبي ﷺ ، وعثمان ﵁ محصور بالمدينة، فكانت تسأل عنه ما فعل؟ حتى رأت راكبين: فأرسلت إليهما تسألهما [¬١١]، ففالا: قتل. فقالت حفصة: والذي نفسي بيده إنها القرية- التي قال الله تعالى: ﴿وضرب إلَّا مثلًا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان فكفرت بأنعم الله﴾. قال [¬١٢]
стр. 3806
ابن [¬١] شريح: وأخبرني عبيد الله بن المغيرة، عمن حدثه، أنه كان يقول: إنها المدينة.
﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيكُمُ الْمَيتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥) وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾
يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بأكل رزقه الحلال الطيب، وبشكره على ذلك، فإنه المنعم المتفضل به ابتداء، الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له.
ثم ذكر تعالى ما حرمه عليهم، مما [¬٢] فيه مضرة لهم في دينهم ودنياهم؛ من الميتة والدم ولحم الخنزير.
﴿وما أهل [] [¬٣] لغير الله به [¬٤]﴾ أي: ذبح على غير اسم الله، ومع هذا فمن اضطر إليه، أي: احتاج من [¬٥] غير بغي ولا عدوان فإن الله غفور رحيم.
وقد تقدم الكلام على مثل هذه الآية في سورة البقرة، بما فيه كفاية عن إعادته ولله الحمد.
ثم نهى تعالى عن [سلوك سبيل] [¬٦] المشركين: الذين حللوا وحرموا بمجرد ما وضعوه، واصطلحوا عليه من الأسماء بآرائهم، من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وغير ذلك مما كان شرعًا لهم ابتدعوه في جاهليتهم، فقال: ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب﴾ ويدخل في هذا كل من ابتدع بدعة ليس له فيها مستند شرعي، أو حلل شيئًا مما [¬٧] حرم الله، [أو حرم شيئًا مما أباح الله] [¬٨]،
стр. 3807
بمجرد رأيه وتشهيه.
"وما" في قوله: ﴿لما تصف [¬١]﴾ مصدرية، أي: ولا تقولوا الكذب لوصف ألسنتكم.
ثم توعد على ذلك فقال: ﴿إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون﴾ أي: في الدنيا ولا في الآخرة، أما في الدنيا فمتاع قليل، وأما في الآخرة فلهم عذاب أليم، كما قال: ﴿نمتعهم قليلًا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ﴾، وقال: ﴿إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون * متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون﴾.
﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩)﴾
لما ذكر تعالى: أنه حرم علينا الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، وإنه أرخص فيه عند الضرورة- وفي ذلك توسعة لهذه الأمة التي يريد الله بها اليسر ولا يريد بها العسر - ذكر ما كان حرمه على اليهود في شريعتهم قبل أن ينسخها، وما كانوا فيه من الآصار والتضييق [¬٢] والأغلال والحرج، فقال: ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا مما قصصنا عليك من قبل﴾ أي [¬٣]: في سورة الأنعام؛ في قوله: ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما﴾ إلى قوله: ﴿لصادقون﴾ ولهذا قال هاهنا: ﴿وما ظلمناهم﴾ أي: فيما ضيقنا عليهم ﴿ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ أي: فاستحقوا ذلك كقوله [¬٤]: ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدّهم عن سبيل الله كثيرًا﴾ ثم أخبر تعالى تكرمًا وامتنانًا في حق العصاة المؤمنين: أن من تاب منهم إليه تاب عليه، فقال: ﴿ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة﴾ قال بعض السلف: كل من عصى الله فهو جاهل.
﴿ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا﴾ أي: أقلعوا عما كانوا فيه من المعاصي، وأقبلوا على فعل الطاعات ﴿إن ربك من بعدها﴾ أي: تلك الفعلة والزلة ﴿لغفور رحيم﴾.
стр. 3808
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَينَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَينَا إِلَيكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾
يمدح تعالى عبده ورسوله وخليله إبراهيم إمام الحنفاء، ووالد الأنبياء، ويبرئه [¬١] من المشركين، ومن اليهودية والنصرانية، فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ فأما الأمة: فهو الإمام الذي يقتدى به، والقانت: هو الخاشع المطيع، و [¬٢] الحنيف: المنحرف قصدًا عن الشرك إلى التوحيد، ولهذا قال: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
قال سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن أبي العبيدين [¬٣]: أنه سأل عبد الله بن مسعود عن الأمة القانت؟ فقال: الأمة: معلم الخير، والقانت: المطيع لله ورسوله. وعن مالك قال: قال ابن عمر: الأمة الذي يعلم الناس دينهم.
وقال الأعمش [عن الحكم] [¬٤] عن يحيى بن الجزار، عن أبي العبيدين: أنه جاء إلى عبد الله فقال: من نسأل إذا لم نسألك؟ فكأن ابن مسعود رق له، فقال: أخبرني عن الأمة؟ فقال: الذي يعلم الناس الخير.
وقال الشعبي: حدثني فروة بن نوفل الأشجعي قال: قال ابن مسعود: إن معاذًا كان أمة قانتًا لله حنيفًا. فقلت في نفسي: غلط أبو عبد الرحممت، وقلت [¬٥]: إنما قال الله: ﴿إن إبراهيم كان أمة﴾ فقال: أتدري [¬٦] ما الأمة وما القانت؟ قلت: الله أعلم. فقال [¬٧] الأمة الذي يعلم الخير، والقانت: المطيع لله ورسوله.
وكذلك كان معاذ [معلم الخير وكان مطيعًا لله ورسوله] [¬٨]. وقد روي من غير وجه عن ابن مسعود. أخرجه [¬٩] ابن جرير (٦٧).
стр. 3809
وقال مجاهد: أمة أي: أمة وحده، والقانت: المطيع. وقال مجاهد أيضًا: كان إبراهيم أمة: أي: مؤمنًا وحده، والناس كلهم إذ ذاك كفار.
وقال قتادة: كان إمام هدى، والقانت: المطيع لله.
وقوله: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ أي: قائمًا بشكر نعم الله عليه كقوله تعالى: ﴿وإبراهيم الذي وفى﴾ أي: قام بجميع ما أمره الله تعالى به.
وقوله: ﴿اجتباه﴾ أي: اختاره واصبهاه، كقوله [¬١]: ﴿ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين﴾ ثم قال: ﴿وهداه إلى صراط مستقيم﴾ وهو عبادة الله وحده لا شريك له على شرع مرضي.
وقوله: ﴿وآتيناه في الدنيا حسنة﴾ أي: جمعنا له خير الدنيا من جميع ما يحتاج المؤمن إليه في إكمال حياته الطيبة ﴿وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾.
وقال مجاهد في قوله: ﴿وآتيناه في الدنيا حسنة﴾ أي: لسان صدق.
و [¬٢] قوله: ﴿ثم أوحيا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا﴾ أي: ومن كماله وعظمته وصحة توحيده وطريقه أنَّا أوحينا إليك يا خاتم الرسل وسيد الأنبياء ﴿أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين﴾ كقوله [¬٣] في الأنعام: ﴿قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم * دينًا قيمًا ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين﴾ ثم قال تعالى منكرًا على اليهود.
﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَينَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤)﴾
لا شك أن الله تعالى [¬٤] شرع في كل ملة يومًا من الأسبوع يجتمع الناس فيه للعبادة، فشرع تعالى لهذه الأمة يوم الجمعة؛ لأنه اليوم [¬٥] السادس الذي أكمل الله فيه الخليقة، واجتمعت فيه وتمت النعمة على عباده، ويقال: [إن الله] [¬٦] تعالى شرع ذلك لبني إسرائيل على لسان موسى، فعدلوا عنه واختاروا السبت؛ لأنه اليوم الذي لم يخلق فيه الرب شيئًا من المخلوقات الذي كمل خلقها يوم الجمعة، فألزمهم تعالى به في شريعة التوراة،
стр. 3810
ووصاهم أن يتمسكوا به، وأن يحافظوا عليه، مع أمره إياهم بمتابعة محمد ﷺ إذا بعثه، وأخذ [¬١] مواثيقهم وعهودهم على ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه﴾.
قال مجاهد: اتبعوه وتركوا الجمعة.
ثم إنهم لم يزالوا متمسكين به حتى بعث الله عيسى بن مريم، فيقال: إنه [¬٢] حولهم إلى يوم الأحد، ويقال: [إنه لم يترك شريعة التوراة إلا ما نسخ من بعض أحكامها، و] [¬٣] إنه لم يزل محافظًا على السبت حتى رفع، كان النصارى بعده في زمن [¬٤] قسطنطين هم الذين تحولوا إلى يوم الأحد مخالفة لليهود، وتحولوا إلى الصلاة شرقًا عن الصخرة، والله أعلم.
وقد ثبت في الصحيحين (٦٨): من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، [عن أبي هريرة ﵁[أن رسول الله ﷺ قال] [¬٥]: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم، فاختلفوا في فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدًا، والنصارى بعد غد" لفظ البخاري.
وعن أبي هريرة وحذيفة ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى وم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون وم القيامة، والمقضي بينهم قبل الخلائق" رواه مسلم (٦٩).
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾
стр. 3811
يقول تعالى: آمرًا رسوله محمدًا ﷺ أن يدعو الخلق إلى الله بالحكمة، قال ابن جرير: وهو ما أنزله عليه من الكتاب والسنة والموعظة الحسنة. أي: بما فيه من الزواجر والوقائع بالناس، ذكرهم بها ليحذروا بأس الله تعالى.
وقوله: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [أي: من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال، فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب، كقوله تعالى: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن] [¬١] إلا الذين ظلموا منهم﴾ الآية [¬٢]، فأمره تعالى بلين الجانب، كما أمر به [¬٣] موسى وهارون ﵉، حين بعثهما إلى فرعون في قوله: ﴿فقولا له قولًا لينًا لعله يتذكر أو يخشى﴾.
وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، أي: قد علم الشقي منهم والسعيد، وكتب ذلك عنده وفرغ منه، فادعهم إلى الله، ولا تذهب نفسك على من ضل منهم حسرات، فإنه ليس عليك هداهم، إنما أنت نذير، عليك البلاغة و [¬٤] علينا الحساب ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾، و ﴿ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء﴾.
﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إلا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾
يأمر تعالى بالعدل في القصاص [¬٥]، والمماثلة في استيفاء الحق، كما قال عبد الرزاق: عن الثوري، عن خالد، عن ابن سيرين أنه قال في قوله تعالى: ﴿فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إن أخذ منك رجل شيئًا فخذ منه [¬٦] مثله. وكذا قال مجاهد وإبراهيم والحسن البصري وغيرهم واختاره ابن جرير.
وقال ابن زيد: كانوا قد أمروا بالصفح عن المشركين، فأسلم رجال ذوو [¬٧] منعة،
стр. 3812
فقالوا: يا رسول الله، لو أذن الله لنا لانتصرنا من هؤلاء الكلاب. فنزلت هذه الآية، ثم نسخ ذلك بالجهاد.
وقال محمد بن إسحاق عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة النحل كلها بمكة، وهي مكية إلا ثلاث آيات من آخرها نزلت بالمدينة، بعد أحد حين [¬١] قتل حمزة ﵁ ومثل به، فقال رسول الله ﷺ : "لئن ظهرنا الله [¬٢] عليهم لنمثلن بثلاثين رجلًا منهم". فلما سمع المسلمون ذلك، قالوا: والله لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط. فأنزل الله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إلى آخر السورة (٧٠).
وهذا مرسل، وفيه رجل [¬٣] مبهم لم يسم، وقد روي هذا من وجه آخر متصل؛ فقال الحافظ أبو بكر البزار (٧١):
حدثنا الحسن بن يحيى، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا صالح المري [¬٤]، عن سليمان التيمي عن أبي عثمان، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ وقف على حمزة بن عبد المطلب ﵁ حين [¬٥] استشهد، فنظر إلى منظر لم ينظر أوجع للقلب منه -أو قال: لقلبه- فنظر إليه وقد مثل به، فقال: "رحمة الله عليك. إن كنت لما علمتُ لوصولًا للرحم، فعولا للخيرات، والله لولا حزن من بعدك عليك، لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من بطون السباع -أو كلمة نحوها- أما والله على ذلك لأمثلن بسبعين كمثلتك". فنزل جبريل ﵇ على محمد [ ﷺ ] [¬٦]، بهذه السورة، وقرأ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إلى آخر الآية، فكفر رسول الله ﷺ يعني عن يمينه وأمسك عن ذلك.
وهذا إسناد فيه ضعف، لأن صالحًا هو [¬٧] ابن [¬٨] بشير المري [¬٩] ضعيف عند الأئمة، وقال البخاري: هو منكر الحديث.
стр. 3813
وقال الشعبي وابن جريج: نزلت في قول المسلمين يوم أحد فيمن مثل بهم: [لنربينَّ عليهم] [¬١]. فأنزل الله فيهم ذلك.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه (٧٢): حدثنا هدية بن عبد الوهاب [¬٢] المروزي، حدثنا الفضل بن موسى، حدثنا عيسى بن عبيد، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: لما كان يوم أحد قتل من الأنصار ستون رجلًا، ومن المهاجرين ستة، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : لئن كان لنا يوم مثل هذا من المشركين [لنربين عليهم] [¬٣]. فلما كان هوم الفتح، قال رجل: لا نعرف قريش بعد اليوم. [فنادى مناد] [¬٤]: أن رسول الله ﷺ قد [¬٥] أمن الأسود والأبيض، إلا فلانًا وفلانًا -ناسًا سماهم- فأنزل الله ﵎: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [إلى آخر السورة] [¬٦]. فقال رسول الله ﷺ : "نصبر ولا نعاقب".
وهذه الآية الكريمة لها أمثال في القرآن، فإنها مشتملة على مشروعية العدل، والندب إلى الفضل، كما في قوله: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ ثم قال: ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ الآية [¬٧]، وقال: ﴿والجروح قصاص﴾ ثم قال ﴿فمن تصدق به فهو كفارة له﴾، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ثم قال: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ تأكيد للأمر بالصبر، وإخبار بأن ذلك لا [¬٨] ينال إلا [¬٩] بمشيئة الله وإعانته، وحوله وقوته.
стр. 3814
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على من خالفك لا تحزن عليهم؛ فإن الله قدر ذلك ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ﴾ أي: غم ﴿مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ أي: مما يجهدون أنفسهم في عداوتك وإيصال الشر إليك، فإن الله كافيك وناصرك ومؤيدك ومظهرك ومظفرك بهم.
وقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ أي: معهم [¬١] بتأبيده ونصره ومعونته [وهديه وسعيه] [¬٢]، [وهذه معية] [¬٣] خاصة، كقوله: ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا﴾، وقوله لموسى وهارون: ﴿لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى﴾، وقول النبي ﷺ للصدّيق وهما في الغار: "لا تحزن إن الله معنا" (٧٣)، وأما المعية العامة [¬٤] فبالسمع والبصر والعلم، كقوله تعالى: ﴿وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير﴾، وكقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾، وكما قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ الآية.
ومعنى: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أي: تركوا المحرمات ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ أي: فعلوا الطاعات، فهؤلاء [الله يحفظهم] ويكلؤهم، وينصرهم ويؤيدهم، ويظفرهم على أعدائهم ومخالفيهم.
وقال ابن أبي حاتم: ثنا أبي، ثنا محمد بن بشار، ثنا أبو أحمد الزبيري، ثنا مسعر، عن ابن عون، عن محمد بن حاطب قال: كان عثمان ﵁ من الذين آمنوا والذين اتقوا والذين هم محسنون.
آخر تفسير [¬٥] سورة النحل ولله الحمد أجمعه والمنة
وبه المستعان [وهو حسبنا ونعم الوكيل] [¬٦].
стр. 3815
[تفسير سورة سبحان وهي مكية] [¬١]
قال الإمام البخاري (١): حدثنا آدم بن أبي إياس، حدَّثنا شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد، سمعت ابن مسعود ﵁ [] [¬٢] قال في بني إسرائيل والكهف ومريم: إنهن من العِتَاق الأول، وهُن من تِلادي (*).
وقال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا عبد الرحمن، حدثنا حماد بن زيد، عن مَرْوان أبي لبابة، سمعت عائشة تقول: كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: ما يريد أن يُفْطِر، ويفطر حتى نقول: ما يريد أن يصوم، وكان يقرأ كل ليلة بني إسرائيل والزمر.
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾
يمجد تعالى نفسه، ويعظم شأنه، لقدرته على ما لا يقدر عليه أحد سواه، فلا إله غيره [ولا رب سواه] [¬٣]، ﴿الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ يعني محمدًا صلوات الله وسلامه عليه ﴿لَيْلًا﴾، أي: في جنح الليل، ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وهو مسجد مكة، ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾، وهوبيت المقدس الذي [بإيلياء] [¬٤]، معدن الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل ﵇؛ ولهذا جُمعوا له هنالك كلهم، فأمَّهم في محلتهم ودارهم، فدل على
стр. 3816
أنه هو الإمام الأعظم، والرئيس المقدّم، صلوات الله رسلامه عليه وعليهم أجمعين.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ أي: في الزروع والثمار، ﴿لنريه﴾، أي: محمدًا، ﴿من آياتنا﴾، أي: العظام، كما قال تعالى: ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ وسنذكر من ذلك ما وردت به السنة من [¬١] الأحاديث عنه، صلوات الله عليه وسلامه.
وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، أي: السميع لأقوال [¬٢] عباده، مؤمنهم وكافرهم، مصدقهم ومكذبهم، البصير بهم، فيعطي كلا [¬٣] ما يستحقه في الدنيا والآخرة.
[ذكر الأحاديث الواردة في الإسراء. رواية أنس بن مالك]
[قال الإمام أبو عبد الله البخاري (٣). حدثني عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا سليمان -هو ابن بلال- في شريك بن عبد الله، قال: سمعت أنس بن مالك] [¬٤] يقول ليلة أسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة: إنه جاءه ثلاثةُ نفرٍ قبل أن يوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيهم هو؟ فقال أوسطُهم: هو خيرُهم، وقال آخرهم: خذوا خيرهم [¬٥] فكانت تلك الليلة، فلم يَرَهُم حتى أتوه ليلة أخرى فيما هي قلبه وتنام عيناه. ولا ينام قلبه -وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم- فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم، فتولّاه منهم جبريلُ، فشق جبريل ما بين نحرهِ إلى لَبسهِ [¬٦] حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزمَ بيده، حتى أنقى جوفه، ثم أتَى بِطستٍ من ذهب فيه تَورٌ [¬٧] من ذهب محشوّ إيمانا وحكمةً، فحشا به صدَره ولغادِيَده -يعني عروق حلقه- ثم أطبقه ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب بابًا من أبوابها، فناداه أهل السماء: من هذا؟ فقال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: معي محمد ﷺ . قالوا: وقد بُعث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحبًا به وأهلا [¬٨]،، يستبشر به أهل
стр. 3817
السماء، لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يُعلمَهم.
ووجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل: هذا أبوك آدم، فسلِّم عليه. فسلمَ عليه، وردّ عليه آدم فقال: مرحبًا وأهلًا بابني [¬١]، نعم الابن أنت! فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان، فقال: "ما هذان النهران يا جبريل؟ " قال: هذان [¬٢] النيل والفرات عُنصرُهما، ثم مضى به في السماء، فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب بيده فإذا هو مسك أذفر [¬٣] فقال: "ما هذا يا جبريل؟ " قال: هذا الكوثر الذي خَبَأ لك ربُّكَ، ثم عَرَجَ إلى السماء الثانية، فقالت الملائكة له [¬٤] مثل ما قالت له الأولى [¬٥]: من هذا؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ . قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحبًا وأهلًا وسهلًا، ثم عَرَجَ به إلى السماء الثالثة، فقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية. ثم عرج به إلى السماء الرابعة فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء الخامسة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء السادسة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء [¬٦] السابعة، فقالوا له مثل ذلك، كل سماءٍ فيها أنبياء قد سَمَّاهم، قد وعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمَه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بفضل [¬٧] كلام الله -فقال موسى: ربِّ، لم أظنّ أن ترفع [¬٨] عليّ أحدًا، ثم علا به [¬٩] فوق ذلك، بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله إليه فيما يوحى خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة، ثم هبط به حتى بلغ موسى، فاحتبسه موسى فقال: يا محمد؛ ماذا عهد إليك ربك؟ قال: "عهد إليّ خمسين صلاة كل يوم وليلة". قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك، فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم، فالتفت النبي ﷺ إلى جبريل، كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه جبريل: أن نعم، إن شئت. فَعَلا به إلى الجبار تعالى، فقال [¬١٠] وهو في مكانه: "ياربِّ؛ خفف عنا، فإن أمتي لا تستطيع هذا". فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجع إلى موسى فاحتبسه، فلم يزل يردده موسى [إلى ربه] [¬١١] حتى صارت إلى [¬١٢] خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس فقال: يا محمد؛ والله لقد راودت
стр. 3818
بني إسرائيل قومي علي أدنى من هذا، فضعُفوا [¬١] فتركوه [¬٢]، فأمتك أضعفُ أجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأبصارًا وأسماعًا، فارجع فليخفف عنك ربك، كل ذلك يلتفت النبي ﷺ إلي جبريل ليشير عليه، ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة فقال: "ياربِّ؛ إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم، فخفف عنا". فقال الجبار: يا محمد، قال: "لبيك وسعديك". قال: إنه لا يبدل القول لديّ، كما فرضت عليك في أمّ الكتاب، كل حسنة بعشر أمثالها، فهي [¬٣] خمسون فِي أمّ الكتاب، وهي خمس عليك، فرجع إلي موسى فقال: كيف فعلت؟ فقال: "خفَّفّ عنا، أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها". فقال موسى: قد والله راودت بني إسرائيل علي [¬٤] أدنى من ذلك فتركوه، فارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضًا. قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "يا موسى، قد -والله- استحييت من ربي مما أختلف إليه". قال: فاهبط باسم الله، قال [¬٥]: فاستيقظ وهو في المسجد الحرام. هكذا ساقه البخاري في كتاب التوحيد، ورواه في صفة النبي (٤) ﷺ ، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه أبي بكر عبد الحميد، عن سليمان [بن بلال.
ورواه مسلم (٥) عن هارون بن سعيد عن ابن وهب عن سليمان] [¬٦] قال، فزاد ونقص، وقدم وأخّر، وهو كما قاله مسلم ﵀ فإن شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر اضطرب في هذا الحديث، وساء حفظه ولم يضبطه، كما سيأتر، بيانه في الأحاديث الأخر.
ومنهم من يجعل هذا منامًا توطئة لما وقع بعد ذلك، والله أعلم.
[وقد قال الحافظ أبو بكر] [¬٧] البيهقي (٦): في حديث شريك زيادة تفرد بها، علي
стр. 3819
مذهب من زعم أنه ﷺ رأى ربه [¬١] يعني قوله: ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى -قال: وقول عائشة وابن مسعود وأبي هريرة- في حملهم هذه الآيات علي رؤيته جبريل ﵇ أصح.
وهذا الذي قاله البيهقي في هذه المسألة هو الحق؛ فإن أبا ذر قال: يا رسول الله؛ هل [¬٢] رأيت ربك؟ قال: "نور أنى أراه". وفي رواية: "رأيت نورًا". أخرجه مسلم (٧)، ﵀.
وقوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ إنما هو جبريل ﵇ كما ثبت ذلك في الصحيحين، عن عائشة أمّ المؤمنين (٨)، وعن ابن مسعود (٩)، وكذلك هو في صحيح مسلم (١٠) عن أبي هريرة ﵁، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة في تفسير هذه الآية بهذا.
وقال [¬٣] الإمام أحمد (١١): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا ثابت البُنَاني، عن أَنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أتيتُ بالبراق، وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغال، يضع حافره عند منتهى طرفه، فركبته، فسار بي حتى أتيت بيت المقدس، فربطت الدابة بالحلقة التي يربط فيها الأنبياء، ثم دخلت فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت. فأتاني جبريل بإناء من خمر، وإناء من لبن، فاخترت اللبن قال جبريل: أصبت الفطرة. قال: ثم عَرَجَ بي إلي السماء الدنيا، فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل [¬٤]: وقد
стр. 3820
أرسل إليه؟ [قال: قد أرسل إليه] [¬١]، ففتح لنا؛ فإذا أنا بآدم، فرحب، ودعا [¬٢] لي بالخير [¬٣]، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل فقيل له [¬٤]: من أنت؟ قال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بابنَيِ الخالة: يحيى، وعيسى، فرحبا بي ودعَوَا لي بخير.
ثم عَرَجَ بنا [¬٥] إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ فقال: محمد ﷺ . فقيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف ﵇، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحب، ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ فقال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: قد أرسل إليه؟ قال: [قد أرسل إليه] [¬٦]. ففتح الباب؛ فإذا أنا بإدريس، فرحب، ودعا لي بخير. ثم قال [¬٧]: يقول الله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾.
ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ فقال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: [قد بعث إليه] [¬٨]؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا؛ فإذا أنا بهارون فرحب، ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ فقال [¬٩]: محمد، فقيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بموسى ﵇ فرحب ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلي السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل [¬١٠]: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح