الفريقين إلى الآخر، ﴿قَال أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَال كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ووقف موسى ببني إسرائيل، البحرُ أمامهم، وفرعون وراءهم، فعند ذلك أوحى الله إليه: أن اضرب لهم طريقًا في البحر يبسًا، فضرب البحر بعصاه، وقال: انفلق بإذن الله! ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ أي: الجبل العظيم. وأرسل الله الريح، على أرض [¬١] البحر فلفحته [¬٢] حتَّى صار يبسًا كوجه الأرض، ولهذا قال: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾ أي: من فرعون، ﴿وَلَا تَخْشَى﴾، يعني: من البحر أن يغرق قومك.
ثم قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ﴾، أي: البحر ﴿مَا غَشِيَهُمْ﴾ أي: الذي هو معروف ومشمهور، وهذا يقال عند الأمر المعروف المشهور، كما قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ وكما قال الشاعر:
أنا أَبو النجم وشعري شعري
أي الذي يعرف وهو مشهور، وكما تقدمهم فرعون فسلك بهم في اليم، فأضلهم وما هداهم إلى سبيل الرشاد، كذلك: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْورْدُ الْمَوْرُودُ﴾.
﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَينَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾
يذكر تعالى نعمه على بني إسرائيل العظام، ومننه الجسام، حيث نجاهم من عدوهم فرعون، وأقر أعينهم منه، وهم ينظرون إليه والى جنده قد غرقوا في صبيحة واحدة، لم ينج منهم أحد، كما قال: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.
وقال البخاري (٦٦): حدَّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدَّثنا روح بن عبادة، حدَّثنا شعبة،
стр. 4272
حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما قدم رسول اللَّه، ﷺ ، المدينة و [¬١] اليهود تصوم عاشوراء، فسألهم فقالوا: هذا اليوم الذي أظهر [¬٢] اللَّه فيه موسى على فرعون. فقال: "نحن أولى بموسى فصوموه". ورواه مسلم (٦٧) أيضًا في صحيحه.
ثم إنه تعالى واعد موسى وبني إسرائيل بعد هلاك فرعون إلى جانب الطور الأيمن، وهو الذي كلمه تعالى عليه، وسأل فيه الرؤية، وأعطاه التوراة هناك، وفي غُضُون [¬٣] ذلك عبد بنو إسرائيل العجل، كما يقصه تعالى قريبا.
وأما المن والسلوى فقد تقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة وغيرها. فالمن: حلوى كانت تنزل عليهم من السماء. والسلوى: طائر يسقط عليهم، فيأخذون من كل قدر الحاجة إلى الغد، لُطْفًا من اللَّه، ورحمة بهم، وإحسانًا إليهم، ولهذا قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيكُمْ غَضَبِي﴾. أي: كلوا من هذا الرزق [¬٤] الذي رزقتكم، ولا تطغوا في رزقي، فتأخذوه من غير حاجة، و [¬٥] تخالفوا ما أمرتكم به، ﴿فَيَحِلَّ عَلَيكُمْ غَضَبِي﴾ أي: اغضب عليكم ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾. قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس (٦٨) ﵄: أي: فقد شقي.
وقال شُفَيّ بن ماتع: إن في جهنم قصرًا يرمى [¬٦] الكافر من أعلاه، فيهوي في جهنم أربعين خريفًا قبل أن يبلغ الصلصال، وذلك قوله: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾. رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، أي: كل من تاب إليَّ نبت عليه من أي ذنب كان، حتى أنه تاب تعالى على من عبد العجل من بني إسرائيل.
وقوله تعالى: ﴿تَابَ﴾ أي: رجع عما كان فيه من كفر أو شوك. أو معصية أو نفاق.
стр. 4273
وقوله: ﴿وَآمَنَ﴾ أي: بقلبه [¬١] ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أي: بجوارحه.
وقوله: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي ثم لم يشكك.
وقال سعيد بن جبير: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾، أي: استقام على السنة والجماعة. وروي نحوه عن مجاهد والضحاك وغير واحد من السلف.
وقال قتادة: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ أي: لزم الإسلام حتى يموت.
وقال سفيان الثوري: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ أي: علم أن لهذا [¬٢] ثوابًا، و"ثم" هاهنا لترتيب الخبر على الخبر، كقوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ] [¬٣]﴾.
﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (٨٣) قَال هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤) قَال فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَال يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَال عَلَيكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)﴾
لما سار موسى ﵇ ببني إسرائيل بعد هلاك فرعون ﴿فَأَتَوْا [¬٤] عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَال إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وواعده ربه ثلاثين ليلة، ثم أتبعها له عشرًا، فتمت أربعين ليلة، أي: يصومها ليلًا ونهارًا. وقد تقدم في حديث الفتون بيان ذلك. فسارع موسى ﵇ مبادرًا إلى الطور، واستخلف على بني إسرائيل أخاه
стр. 4274
هارون، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (٨٣) قَال هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ أي: قادمون ينزلون قريبًا من الطور ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ أي: لتزداد عني رضًا. ﴿قَال فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾.
أخبر تعالى نبيه موسى بما كان بعده من الحدث في بني إسرائيل، وعبادتهم العجل الذي عمله لهم ذلك إلى سامري. وفي الكتب الإِسرائيلية: أنه كان اسمه هارون أيضًا، وكتب اللَّه تعالى له في هذه المدة الألواح المتضمنة التوراة، كما قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾. أي: عاقبة الخارجين عن طاعتي المخالفين لأمري.
وقوله: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾، أي: بعد ما أخبره تعالى بذلك، في غاية الغضب والحنق عليهم، هو فيما هو فيه من الاعتناء بأمرهم، وتسلم [¬١] التوراة التي فيها شريعتهم، وفيها شرف لهم، وهم قوم قد عبدوا غير اللَّه، ما يَعْلَمُ كل عاقل له لب [وحزم] [¬٢] بطلان ما هم فيه وسخافة عقولهم وأذهانهم، ولهذا رجع إليهم غضبان أسفًا. والأسف شدة الغضب. وقال مجاهد: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ أي: جزعًا.
وقال قتادة والسدي: ﴿أَسِفًا﴾ حزينًا على ما صنع قومه من بعده ﴿قَال يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾، أي: أما وعدكم على لساني كل خير في الدنيا والآخرة، وحسن العاقبة كما قد شاهدتم من نصرته إياكم على عدوكم، وإظهاركم عليه، وغير ذلك من أياديه عندكم ﴿أَفَطَال عَلَيكُمُ الْعَهْدُ﴾ أي: في انتظار ماوعدكم اللَّه، ونسيان ما سلف من نعمه، وما بالعهد من قدم. ﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، ﴿أَمْ﴾: هاهنا بمعنى بل، وهي للإضراب عن الكلام الأول، وعدول إلى الثاني، كأنه يقول: بل أردتم بصنيعكم هذا أن يحل عليكم غضب من ربكم ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قَالُوا﴾، أي: بنو إسرائيل في جواب ما أنبهم موسى وقرعهم: ﴿مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ أي: عن قدرتنا واختيارنا.
ثم شرعوا يعتذرون بالعذر البارد، يخبرونه عن تورعهم عما كان بأيديهم من حلي القبط، الذي كانوا قد استعاروه منهم، حين خرجوا من مصر ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾. أي: ألقيناها عنا. وقد تقدم في حديث الفتون أن هارون ﵇ -هو الذي كان أمَرَهم بإلقاء الحلي في حفيرة فيها نار.
стр. 4275
وفي رواية السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس: إنما أراد هارون أن يجتمع الحلي كله في تلك الحفيرة، ويجعل حجزا واحدًا، حتى إذا رجع موسى ﵇ يرى فيه ما يشاء، ثم جاء ذلك السامري فألقى عليها تلك القبضة التي أخذها من أثر الرسول، وسأل هارون أن يدعو اللَّه أن يستجيب له في دعوته؛ فدعا له هارون وهو لا يعلم ما يريد، فأجيب له، فقال السامري عند ذلك: أسأل اللَّه أن يكون عجلًا. فكان عجلًا له خوار. أي: صوت استدراجًا وامهالًا ومحنة واختبارًا، ولهذا قال: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبادة بن البَخْتَري [¬١]، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا حماد، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن هارون مر بالسامري وهو ينحت العجل، فقال له: ما تصنع؟ فقال: أصنع ما يضر ولا ينفع. فقال هارون: اللهم أعلى ما سأل على ما في نفسه. ومضى هارون، فقال السامري: اللهم إني أسألك أن يخور. فخار، فكان إذا خار سجدوا له، وإذا خار رفعوا رءوسهم. ثم رواه من وجه آخر عن حماد، وقال: أعمل [¬٢] ما ينفع ولا يضر.
وقال السدي [¬٣]: كان يخور ويمشي ﴿فَقَالُوا﴾، أي: الضلال منهم الذين افتتنوا بالعجل وعبدوه: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ أي: نسيه هاهنا وذهب يتطلبه، كذا تقدم في حديث الفتون عن ابن عباس، وبه قال مجاهد.
وقال سماك عن عكرمة عن ابن عباس: ﴿فَنَسِيَ﴾. أي: نسي أن يذكركم أن هذا إلهكم.
وقال محمد بن إسحاق، عن حكيم بن جبير [¬٤]، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ قال: فعكفوا عليه وأحبوه حبا لم يحبوا شيئًا قط -يعني مثله- يقول اللَّه: ﴿فَنَسِيَ﴾، أي: ترك ما كان عليه من الإِسلام -يعني السامري، قال اللَّه تعالى ردًّا عليهم، وتقريعًا لهم، وبيانًا لفضيحتهم، وسخافة عقولهم فيما ذهبوا إليه: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ أي: العجل، ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ﴾ أنه لا يجيبهم إذا سألوه، ولا إذا خاطبوه، ﴿وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾. أي: في دنياهم ولا أخراهم.
стр. 4276
قال ابن عباس ﵄: لا واللَّه ما كان خواره إلا أن يدخل الريح في دبره، فتخرج من فيه فيسمع له صوت. وقد تقدم في متون الحديث عن الحسن البصري أن هذا العجل اسمه: بهموت.
وحاصل ما اعتذر به هؤلاء الجهلة أنهم تورعوا عن [¬١] زينة القبط فألقوها عنهم، وعبدوا العجل، فتورعوا عن الحقير وفعلوا الأمر الكبير. كما جاء في الحديث الصحيح (٦٩)؛ عن [عبد اللَّه بن] [¬٢] عمر أنه سأله رجل من أهل العراق عن دم البعوض إذا أصاب الثوب، يعني: هل يصلي فيه أم لا؟ فقال ابن عمر ﵄: انظروا إلى أهل العراق، قتلوا ابن بنت رسول اللَّه، ﷺ -يعني الحسين- وهم يسألون عن دم البعوض!
﴿وَلَقَدْ قَال لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَينَا مُوسَى (٩١)﴾
يخبر تعالى عما كان من نهي هارون ﵇ لهم عن عبادتهم العجل، وإخباره إياهم: إنما هذا فتنة لكم، ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ الذي خلق كل شيء فقدره تقديًرا، ذو العرش المجيد، الفعال لما يريد، ﴿فَاتَّبِعُونِي [وَأَطِيعُوا أَمْرِي] [¬٣]﴾ أي: فيما آمركم به، واتركوا ما أنهاكم عنه.
﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَينَا مُوسَى﴾ أي: لا نترك عبادته حتى نسمع كلام موسى فيه، وخالفوا هارون في ذلك وحاربوه، وكادوا أن يقتلوه.
﴿قَال يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيتَ أَمْرِي (٩٣) قَال يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَينَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾
стр. 4277
يخبر تعالى عن موسى ﵇ حين رجع إلى قومه، فرأى ما قد حديث فيهم من الأمر العظيم، فامتلأ عند ذلك غيظًا، وألقى ما كان في يده من الألواح الإِلهية، وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه، وقد قدمنا في سورة [¬١] الأعراف بسط ذلك، وذكرنا هناك حديث "ليس الخبر كالمعاينة". وشرع يلوم أخاه هارون فقال: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ أي: فتخبرني بهذا الأمر أول ما وقع ﴿أَفَعَصَيتَ أَمْرِي﴾ أي: فيما كنت تقدمت إليك، وهو قوله: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ قال: ﴿قَال يَبْنَؤُمَّ﴾ تَرَقَّقَ له بذكر الأم، مع أنه شقيقه لأبويه؛ لأن ذكر الأم هاهنا أرق وأبلغ، أي في الحنو والعطف، ولهذا قال: ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَينَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾. الآية.
هذا اعتذار من هارون عند موسى في سبب تأخره عنه، حيث لم يلحقه فيخبره بما كان من هذا الخطب الجسيم، ﴿قَال إِنِّي خَشِيتُ﴾ أن أتبعك فأخبرك بهذا، فتقول لي: لم تركتهم وحدهم وفرقت بينهم ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ أي: وما راعيت ما أمرتك به حيث استخلفتك فيهم.
قال ابن عباس (٧٠): وكان هارون [¬٢] هائِبًا مطيعًا له.
﴿قَال فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ (٩٥) قَال بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قَال فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إلا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيءٍ عِلْمًا (٩٨)﴾
يقول موسى ﵇ للسامري: ما حملك على ما صنعت؟ وما الذي عرض لك حتى فعلت ما فعلت؟
стр. 4278
قال محمد بن إسحاق، عن حكيم بن جبير [¬١]، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان السامري رجلًا من أهل باجرما، وكان من قوم يعبدون البقر، وكان حب عبادة البقر في نفسه، وكان قد أظهر الإسلام مع بني إسرائيل [¬٢]، وكان [اسم السامري]: موسى بن ظِفر.
وفي رواية عن ابن عباس أنه كان من كرمان.
وقال قتادة: كان من قرية اسمها سامرا [¬٣].
﴿قَال بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ أي: رأيت جبريل حين جاء لهلاك فرعون ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ أي: من أثر فرسه، وهذا هو المشهور عند كثير من المفسرين أو أكثرهم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار [¬٤] بن الحارث، أخبرني عبيد اللَّه بن موسى، أخبرنا إسرائيل، عن السدي، عن أبي بن عمارة، عن علي ﵁ قال: إن جبريل ﵇ لما نزل فصعد بموسى ﵇ إلى السماء، بصر به السامري من بين الناس، فقبض قبضة من أثر الفرس. قال: وحمل جبريل موسى ﵉ خلفه، حتى إذا دنا من باب السماء صعد، وكتب اللَّه الألواح وهو يسمع صرير الأقلام في الألواح، فلما أخبره أن قومه قد فُتِنُوا من بعده، قال: نزل موسى فأخذ العجل فأحرقه. غريب.
وقال مجاهد ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ قال: من تحت حافر فرس جبريل.
قال: والقبضة ملء الكف، والقبضة بأطراف الأصابع.
قال مجاهد: نبذ السامري، أي: ألقى ما كان في يده على حلية بني إسرائيل، فانسبك عجلًا جسدًا له خوار، حفيف الريح فيه فهو خواره.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن يحيى، أخبرنا علي بن المديني، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا عمارة، حدثنا عكرمة: أن السامري رأى الرسول، فألقى في روعه: أنك إن أخذت من أثر هذا الفرس قبضة فألقيتها في شيء، فقلت له: كن فكان، فقبض قبضة من أثر الرسول، فيبست أصابعه على القبضة، فلما ذهب موسى للميقات، وكان بنو إسرائيل قد [¬٥] استعاروا حلي آل فرعون، فقال لهم السامري: إنما أصابكم من أجل هذا الحلي،
стр. 4279
فاجمعوه. فجمعوه فأوقدوا عليه، فذاب، فرآه السامري، فألقي في روعه: أنك لو قذفت هذه القبضة في هذه، فقلت: كن فكان، فقذف القبضة، وقال: كن، فكان عجلًا جسدًا [¬١] له خوار، فقال: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾.
ولهذا قال: ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ أي: ألقيتها مع من ألقى ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ أي: حسنته وأعجبها إذ ذاك ﴿قَال فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾. أي: كما أخذت ومسست ما لم يكن لك أخذه ومسه من أثر الرسول، فعقوبتك في الدنيا أن تقول: ﴿لَا مِسَاسَ﴾، أي: لا [¬٢] تماسّ الناس ولا يمسونك.
﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾ أي: يوم القيامة. ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ أي: لا محيد لك عنه.
و [¬٣] قال قتادة: ﴿أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾. قال: عقوبة لهم، وبقاياهم اليوم يقولون [¬٤]: لا مساس.
وقوله: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾. قال الحسن وخمادة وأبو نَهيك: بين تغيب عنه.
وقوله: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾، أي: معبودك ﴿الَّذِي ظَلْتَ عَلَيهِ عَاكِفًا﴾ أي: أقمت على عبادته، يعني: العجل ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ قال الضحاك: عن ابن عباس والسدي: سحله بالمبارد، وألقاه على النار. وقال قتادة: استحال العجل من الذهب لحمًا ودمًا، فحرقه بالنار، ثم ألقاه -أي: رماده- في البحر، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾.
وقال ابن أبي حاتم (٧١): حدثنا أبي، حدثنا عبد اللَّه بن رجاء، أنبأنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمارة بن عبد اللَّه وأبي عبد الرحمن، عن عليّ ﵁ قال: إن موسى لما تعجل إلى ربه، عمد السامري فجمع ما قدر عليه من حليّ نساء بني إسرائيل، ثم صوره عجلًا، قال: فعمد موسى إلى العجل، فوضع عليه المبارد، فبرده بها، وهو على شط نهر، فلم يشرب أحد من ذلك الماء ممن كان يعبد العجل إلا اصفرَّ وجهه مثل الذهب. ففالوا لموسى: ما توبتنا؟ قال: يقتل بعضكم بعضًا.
стр. 4280
وهكذا قال السديّ، وقد تقدم في تفسير سورة البقرة، ثم في حديث الفتون بسط ذلك.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إلا هُوَ [وَسِعَ كُلَّ شَيءٍ عِلْمًا﴾ يقول لهم موسى ﵇: ليس هذا إلهكم، إنما إلهكم اللَّه الذي لا إله إلا هو] [¬١]. أي: لا يستحق ذلك على العباد إلا هو، ولا تنبغي العبادة إلا له، فإن كل شيء فقير إليه، عبد لديه [¬٢].
وقوله: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيءٍ عِلْمًا﴾ نُصِبَ على التمييز، أي: هو عالم بكل شيء، أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا فلا يعزب عنه مثقال ذرة ﴿وَمَا [¬٣] تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إلا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. والآيات في هذا [¬٤] ذلك كثيرة جدًّا.
﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَينَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١٠١)﴾
يقول تعالى لنبيه محمد، ﷺ : كما قصصنا عليك خبر [¬٥] موسى، وما جرى له مع فرعون وجنوده على الجليّة والأمر [¬٦] الواقع، كذلك نقص عليك الأخبار الماخية كما وقعت من غير زيادة ولا نقص، هذا ﴿وَقَدْ آتَينَاكَ مِنْ لَدُنَّا﴾. أي: من عندنا ذكرًا، وهو القرآن العظيم، الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ الذي لم يُعطَ نبي من الأنبياء-[منذ بعثوا إلى أن ختموا] [¬٧] بمحمد، ﷺ تسليمًا كتابًا مثله، ولا أكمل منه، ولا أجمع لخبر ما سبق، وخبر ما هو كائن، وحكم الفصل بين الناس منه، ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ أي: كذب به وأعرض عن اتباعه أمرًا وطلبًا، وابتغى الهدى في غيره، فإن اللَّه يضله ويهديه إلى سواء الجحيم، ولهذا قال: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وزْرًا﴾، أي:
стр. 4281
إثمًا، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾، وهذا عام في كل من بلغه القرآن؛ من العرب والعجم، أهل الكتاب وغيرهم، كما قال: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ فكل من بلغه القرآن فهو نذير له وداع، فمن اتبعه هدي، ومن خالفه وأعرض عنه ضل وشقي في الدنيا، والنار موعده يوم القيامة، ولهذا قال: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ﴾ أي: لا محيد لهم عنه ولا انفكاك ﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ أي: وبئس الحمل حملهم!
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَينَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إلا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إلا يَوْمًا (١٠٤)﴾
ثبت في الحديث (٧٢) أن رسول اللَّه، ﷺ ، سئل عن الصور؟ فقال: "قرن ينفخ فيه"، وقد جاء في حديث الصور من رواية أبي هريرة أنه قرن عظيم، الدارةُ منه بقدر السموات والأرض، ينفخ فيه [¬١] إسرافيل ﵇ وجاء في الحديث (٧٣): " كيف أنعم وصاحب القرن قد القم القرن، وحنى جبهته، وانتظر أن يؤذن له؟ ". فقالوا: يا رسول اللَّه؛ كيف نقول؟ قال: "قولوا حسبنا اللَّه ونعم الوكيل، على اللَّه توكلنا".
وقوله: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾، قيل: معناه زُرْق العيون من شدة ما هم فيه من الأهوال.
стр. 4282
﴿يَتَخَافَتُونَ بَينَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يتسارّون بينهم. أي: يقول بعضهم لبعض: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إلا عَشْرًا﴾، أي: في الدار الدنيا، لقد كان لبثكم فيها قليلًا، عشرة أيام أو نحوها؛ قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾، أي: في حال تناجيهم بينهم ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾، أي: العاقل الكامل فيهم ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إلا يَوْمًا﴾، أي: لقصر مدة الدنيا في أنفسهم [يوم المعاد، لأن الدنيا كلها وإن تكررت أوقاتها وتعاقبت لياليها وأيامها] [¬١] وساعاتها كأنها يوم واحد، ولهذا [يستقصر الكافرون] [¬٢] مدة الحياة الدنيا يوم القيامة، وكان غرضهم في ذلك دَرْء [¬٣] قيام الحجة عليهم، لقصر المدة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقَال الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾، وقال تعالى: ﴿قَال كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَال إِنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: إنما [¬٤] كان لبثكم فيها قليلًا لو كنتم تعلمون لآثرتم الباقي على الفاني، ولكن تصرفتم فأسأتم التصرف، قدمتم الحاضر الفاني علي الدائم الباقي.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا (١٠٨)﴾
يقول تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾، أي: هل تبقى يوم القيامة أو تزول؟ ﴿فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾، أي: يذهبها عن أماكنها ويمحقها ويسيرها تسييرًا ﴿فَيَذَرُهَا﴾، أي: الأرض ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾ أي: بساطًا [¬٥] واحدًا.
والقاع: هو المستوي من الأرض، والصفصف تأكيد لمعنى ذلك، وقيل: الذي لا نبات فيه، والأول أولى، وإن كان الآخر مرادًا أيضًا باللازم، ولهذا قال: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾، أي: لا ترى في الأرض يومئذ واديًا ولا رابية، ولا مكانًا منخفضًا ولا مرتفعًا، كذلك قال ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، والحسن البصري، والضحاك، وقتادة،
стр. 4283
وغير واحد من السلف.
﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ﴾، أي: يوم يرون هذه الأحوال والأهوال، يستجيبون مسارعين إلي الداعي، حيثما أمروا بادروا إليه، ولو إليه كان هذا في الدنيا لكان أنفع لهم، ولكن حيث لا ينفعهم، كما قال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾، وقال: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ [يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ]﴾. وقال محمد بن كعب القرظي: يحشر الله الناس يوم القيامة في ظلمة، ويطوي السماء، وتتناثر النجوم، وتذهب الشمس والقمر، وينادي مناد، فيتبع الناس الصوت يؤمونه، فذلك قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ﴾ [وقال قتادة: ﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾، أي: لا يميلون عنه] [¬١].
[وقال أبو صالح: ﴿عِوَجَ لَهُ﴾: لا عوج عنه] [¬٢].
وقوله: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ قال ابن عباس: سكنت، وكذا قال السدى: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾ قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: يعني وطء الأقدام. وكذا قال عكرمة، ومجاهد، والضحاك، والربيع بن أنس، وقتادة، وابن زيد، وغيرهم.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾: الصوت الخفى، وهو رواية عن عكرمة والضحاك. وقال سعيد بن جبير: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾: الحديث، وسره، ووطء الأقدام. فقد جمع سعيد كلا القولين، وهو محتمل، أما وطء الأقدام: فالمراد سعي الناس إلي المحشر، وهو مشيهم في سكون وخضوع، وأما الكلام الخفي: فقد يكون في حال دون حال، فقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾.
﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩) يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾
يقول تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم القيامة، ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾ أي: عنده، ﴿إلا
стр. 4284
مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾، كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِهِ﴾، وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا إلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾، وقال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ وقال: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ وقال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَال صَوَابًا﴾ وفي الصحيحين (٧٤) من غير وجه، عن رسول الله، ﷺ ، وهو سيد ولد آدم، وأكرم الخلائق على الله أنه قال: "آتي تحت العرش، فأخر [¬١] لله ساجدًا، ويفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن، فيدعني ما شاء إلا أن يدعني، ثم يقول: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع، واشفع تشفع". قال "فيحد لي حدًّا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود". فذكر أربع مرات صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء. وفي الحديث (٧٥) أيضًا [¬٢]: "يقول تعالى: أخرجوا من النار من كان لي قلبه مثقال حبة [¬٣] من إيمان. فيُخرجُون خلقًا كثيرًا، ثم يقول: أخرجوا من النار من كان في قلبه نصف مثقال من إيمان، أخرجوا من النار من كان في قلبه ما يزن ذرّة، من كان في قلبه أدني أدنى أدني مثقال ذرة من إيمان". الحديث.
стр. 4285
وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾، أي: يحيط علمًا بالخلائق كلهم، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ قوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلا بِمَا شَاءَ﴾ وقوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ قال ابن عباس (٧٦) وغير واحد خضعت وذلت واستسلمت الخلائق لجبارها الحيّ الذي لا يموت، ﴿الْقَيُّومِ﴾: الذي لا ينام، وهو قيم على كل شيء، يدبره ويحفظه، فهو الكامل في نفسه، الذي كل شيء فقير إليه، لا قوام له إلا به.
وقوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ أي: يوم القيامة، فإن الله سيؤدي كل حق إلى صاحبه، حتى يقتص للشاة الجماء [¬١] من الشاة القرناء.
وفي الحديث: "يقول الله- : وعزتي وجلالي لا يجاورني [¬٢] اليوم ظلم ظالم".
وفي الصحيح (٧٧): " إياكم والظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة والخيبة كل الخيبة من لقى الله وهو به مشرك، فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾، لما ذكر الظالمين ووعيدهم، ثنى بالمتقين وحكمهم، وهو أنهم لا يُظلمون ولا يُهضمون، اي: لا يزاد في سيئاتهم، ولا ينقص من حسناتهم، قاله ابن عباس (٧٨)، ومجاهد، والضحاك،
стр. 4286
والحسن، وقتادة، وغير واحد، فالظم: الزيادة بأن يحمل [¬١] عليه ذنب [¬٢] غيره، والهضم: النقص.
﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣) فَتَعَالى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾
يقول تعالى: ولما كان يوم المعاد والجزاء بالخير [¬٣] والشر واقعًا لا محالة، أنزلنا القرآن بشيرًا ونذيرًا، بلسان عربيّ مبين فصيح، لا ليس فيه ولا عي، ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، أي: يتركون المآثم والمحارم والفواحش ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ وهو إيجاد الطاعة وفعل القربات، ﴿فَتَعَالى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ أي: تنزه وتقدس الملك الحق، الذي هو حق، ووعده حق، ووعيده حق، ورسله حق، والجنة حق، والنار حق، وكل شيء منه حق، وعدله تعالى أن لا [¬٤] يعذب أحدًا قبل الإِنذار، وبعثة الرسل والإِعذار إلي خلقه؛ لئلا يبقى لأحد حجة ولا شبهة.
وقوله: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيكَ وَحْيُهُ﴾ كقوله تعالى في سورة: "لا أقسم بيوم القيامة": ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَينَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ﴾، وثبت في الصحيح (٧٩)، عن ابن عباس: أن رسول الله، ﷺ ، كان يعالج من الوحي شدًة، فكان [¬٥] مما يحرك به [¬٦] لسانه، فأنزل الله هذه الآية. يعني: أنه ﵇ كان إذا جاءه جبريل بالوحي، كلما قال جبريل آية قالها معه، من شدة حرصه علي حفظ القرآن، فأرشده الله تعالى إلى ما هو الأسهل والأخف [¬٧]، في حقه، لئلا يشق عليه، فقال: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَينَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾، أي: أن [¬٨] نجمعه في صدرك، ثم تقرأه على الناس من غير
стр. 4287
أن تنسى منه شيئًا، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ﴾، وقال في هذه الآية: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيكَ وَحْيُهُ﴾، أي: بل أنصت، فإذا فرغ الملك من قراءته عليك فاقرأه بعده، ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ أي: زدني منك علمًا.
قال ابن عيينة ﵀: ولم يزل، ﷺ ، في زيادة حتى توفاه الله .
ولهذا جاء في الحديث: "إن الله تابع الوحي علي رسوله، حتى كان الوحي أكثر ما كان يوم تُوُفي رسول الله، ﷺ ".
وقال ابن ماجة (٨٠): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن نمير، عن موسى بن عبيدة [¬١]، عن محمد بن ثابت، عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علمًا، والحمد لله علي كل حال".
وأخرجه الترمذي عن أبي كريب، عن عبد الله بن نمير، به. وقال: غريب من هذا الوجه. ورواه البزار: عن عمرد بن علي الفلاس، عن أبي عاصم، عن موسى بن عبيدة، به. وزاد في آخره: "وأعوذ بالله من حال أهل النار".
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦) فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيهِ
стр. 4288
الشَّيطَانُ قَال يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾
قال ابن أبي حاتم (٨١): حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إنما سمي الإِنسان؛ لأنه عهد إليه فنسي.
وكذا رواه علي بن أبي طلحة عنه.
وقال مجاهد والحسن: ترك.
وقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ يذكر تعالى تشريف آدم وتكريمه وما [¬١] فضله به على كثير ممن خلق تفضيلًا.
وقد تقدم الكلام على هذه القصة في سورة البقرة وفي الأعراف وفي الحجر والكهف.
وسيأتي في آخر سورة ﴿ص﴾؛ يذكر تعالى فيها خلق آدم، وأمره الملائكة بالسجود له تشريفًا وتكريمًا، ويبين عداوة إبليس لبني آدم ولأبيهم قديمًا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ أي: امتنع واستكبر، ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾، يعني: حواء ﵉ ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾، أي: إياك أن يسعى في إخراجك منها فتتعب وتَعْنَى، وتشقى في طلب رزقك، فإنك هاهنا في عيش رغيد هنيء، لا كلفة ولا مشقة.
﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ إنما قرن بين الجوع والعرْي؛ لأن الجوع ذل الباطن والعرى ذل الظاهر.
﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ وهذان أيضًا متقابلان، فالظمأ: حر الباطن، وهو العطش. والضحى: حر الظاهر.
стр. 4289
وقوله: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيهِ الشَّيطَانُ قَال يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾، وقد تقدم أنه دلاهما بغرور ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾، وقد تقدم أن الله تعالى عهد [¬١] إلى آدم وزوجه [¬٢] أن يأكلا مِنْ كل الثمار، ولا يقربا هذه الشجرة المعينة في الجنة، فلم يزل بهما إبليس حتى أكلا منها، وكانت شجرة الخلد، يعني: التي من أكل منها خلد ودام مكثه، وقد جاء في الحديث ذكر شجرة الخلد، فقال أبو داود الطيالسي (٨٢):
حدثنا شعبة، عن أبي الضحاك، سمعت أبا هريرة حديث، عن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة شجرة، يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها، وهي شجرة الخلد" ورواه الإمام أحمد (٨٣).
وقوله: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ قال ابن أبي حاتم:
حدثنا عليّ بن الحسين بن إشكاب، حدثنا علي بن عاصم، عن سعيد [بن أبي] [¬٣] عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله، ﷺ : "إن الله خلق آدم رجلًا طوالا، كثير شعر الرأس، كأنه نخلة سَحُوق، فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه، فأول ما بدا منة عورته، فلما نظر إلي عورته جعل يَشْتَدُّ في الجنة، فأخذت شعره شجرة، فنازعها، فناداه [¬٤]، الرحمن: يا آدم، مني تفر؟ فلما سمع كلام الرحمن، قال: يا رب لا، ولكن استحياء، أرأيت [إن تبت] [¬٥]، ورجعت أعائدي إلي الجنة؟ قال: نعم". فذلك قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيهِ﴾.
وهذا منقطع بين الحسن وأبي بن كعب فلم يسمعه منه وفي رفعه نظر أيضًا.
وقوله: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾، قال مجاهد: يرقعان كهيئة الثوب. وكذا قال قتادة والسدي.
стр. 4290
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر عن [¬١] عون، حدثنا سفيان، عن ابن أبي ليلى عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾، قال: ينزعان ورق التين، فيجعلانه على سوآتهما.
وقوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيهِ وَهَدَى﴾ قال البخاري (٨٤):
حدثنا قتيبة، حدثنا أيوب بن النجار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ ، قال: "حاج موسى آدمَ، فقال له: أنت الذي أخرجتَ الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم؟ قال آدم: يا موسى، أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمر قد كتبه الله عليّ قبل أن يخلقني"- أو: "قدره الله عليّ قبل أن يخلقني" قال رسول الله، ﷺ : "فحج آدم موسى".
وهذا الحديث له طرق في الصحيحين (٨٥) وغيرهما من المسانيد.
стр. 4291
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني أنس بن عياض، عن الحارث بن أبي ذباب، عن يزيد بن هرمز قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله، ﷺ : "احتج [¬١] آدم وموسى عند ربهما، فحج آدم موسى، قال موسى: أنت الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس إلى الأرض بخطيئتك؛ قال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء، وقربك نجيًّا، فبكم وجدت الله كتب التوراة [قبل أن أخلق؟] [¬٢] قال موسى: بأربعين [¬٣]، عامًا. قال آدم: فهل وجدت فيها ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾؟ قال: نعم. قال: أفتلومني على أن عملت عملًا كتب الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ " قال رسول الله، ﷺ : "فحج آدم موسى" قال الحارث: وحدثني عبد الرحمن بن هرمز بذلك، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ .
﴿قَال اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَال رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَال كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾
يقول تعالى لآدم وحواء وإبليس ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ أي: من الجنة كلكم، وقد [قدمنا بسط] [¬٤] ذلك في سورة البقرة.
﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، قال: آدم وذريته، وإبليس وذريته.
وقوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾، قال أبو العالية: الأنبياء والرسل والبيان.
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ قال ابن عباس (٨٦): لا يضل في الدنيا ولا
стр. 4292
يشقى في الآخرة.
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾، أي: خالف أمري، وما أنزلته على رسولي، أعرض عنه وتناساه، وأخذ من غيره هداه، ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، أي: ضنكا [¬١] في الدنيا، فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق [¬٢] حرج لضلاله، وإن تنعَّم ظاهره، ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى، فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد، فهذا من ضنك المعيشة.
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (٨٧) ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قال: الشقاء.
و [¬٣] قال العوفي عن ابن عباس (٨٨): ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، قال: كل مالٍ [¬٤] أعطيته عبدًا من عبادي قل أو كثر لا يتقيني فيه، فلا خير فيه وهو الضنك في المعيشة، وقال [¬٥] أيضًا: إن قومًا ضلالًا أعرضوا عن الحق وكانوا في سعة من الدنيا متكبرين فكانت معيشتهم ضنكًا، ذلك أنهم كانوا يرون أن الله ليس مخلفًا لهم معايشهم، من سوء ظنهم بالله والتكذيب، فإذا كان العبد يكذب بالله، ويسئ الظن به، والثقه به، اشتدت عليه معيشته، فذلك الضنك.
وقال الضحاك (٨٩): هو العمل السيئ والرزق الخبيث، وكذا [¬٦] قال عكرمة (٩٠)، ومالك بن دينار (٩١).
وقال سفيان بن عيينة، عن أبي [¬٧] حازم، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد (٩٢) في قوله:
стр. 4293
﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، قال: يُضيَّق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه فيه. وقال أبو حاتم الرازي: [النعمان بن] [¬١] أبي عياش: يكنى [¬٢] أبا سلمة.
وقال ابن أبي حاتم (٩٣): حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، أنبأنا [¬٣] الوليد، أنبأنا [¬٤] عبد الله بن لهيعة، عن دراج، عن أبي [¬٥] الهيثم، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ ، في قول الله : ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، قال: "ضمة القبر له [¬٦] ". و [¬٧] الموقوف أصح.
وقال ابن أبي حاتم أيضًا [¬٨] (٩٤): حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج أبو السمح، عن ابن حجيرة [¬٩]- و [¬١٠] اسمه عبد الرحمن- عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ ، قال: "المؤمن في قبره في روضة خضراء، يفسح [¬١١] له في قبره سبعون ذراعًا، وينوّر له قبره كالقمر ليلة البدر، أتدرون فيما أنزلت هذه الآية: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾؟ أتدرون ما المعيشة الضنك؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده- إنه ليسلط عليه تسعة وتسعون تنينًا، أتدرون [¬١٢] ما التنين؟ تسعة وتسعون حية، لكل حية سبعة رءوس ينفخون [¬١٣] في جسمه ويلسعونه ويخدشونه إلى يوم يبعثون" رفعه منكر جدًّا.
стр. 4294
وقال البزار (٩٥): حدثنا محمد بن يحيى الأزدي، حدثنا محمد بن عمر [¬١]، حدثنا هشام بن سعد، عن سعيد بن أبي هلال، [عن ابن حُجَيرة] [¬٢]، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ ، في قول الله : ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، قال: "المعيشة الضنك الذي قال الله تعالى: أنه يسلط عليه تسعة وتسعون حية، ينهشون لحمه حتى تقوم الساعة".
وقال أيضًا؛ حدثنا [¬٣] أبو زرعة، حدثنا أبو الوليد، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ : ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قال: "عذاب القبر". إسناد جيد.
وقوله: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾، قال [¬٤] مجاهد وأبو صالح والسدى: لا حجة له وقال عكرمة: عُمِّي عليه كل شيء إلا جهنم.
ويحتمل أن يكون المراد أنه [¬٥]، يبعث أو يحشر إلى النار أعمى البصر والبصيرة أيضًا، كما قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾، ولهذا يقول: ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾، أي: في الدنيا ﴿قَال كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾، أي: لما أعرضت عن آيات الله، وعامَلْتَها معاملة من لم يذكرها، بعد بلاغها إليك تناسيتها، وأعرضت عنها وأغفلتها، كذلك اليوم [¬٦] نعاملك معاملة مَن نسيك، ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ فإن الجزاء من جنس العمل، فأما نسيان لفظ القرآن مع فهم معناه والقيام بمقتضاه، فليس داخلًا في هذا الوعيد الخاص، وإن كان متوعدًا عليه من جهة أخرى، فإنه قد وَرَدَت السنة بالنهي الأكيد والوعيد [¬٧] الشديد في ذلك.
قال الإمام أحمد (٩٦): حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا خالد، عني يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد [¬٨]، عن رجل، عن سعد بن عبادة [¬٩]﵁ عن النبي،
стр. 4295
ﷺ ، قال: "ما من رجل قرأ القرآن فنسيه إلا لقي الله يوم يلقاه وهو أجذم".
ثم رواه الإمام أحمد (٩٧) من حديث يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد [¬١]، عن عبادة بن الصامت، عن النبي، ﷺ ، فذكر مثله سواء
وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)﴾
يقول تعالى: وهكذا نجازي المسرفين المكذبين بآيات الله في الدنيا والآخرة، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾، ولهذا قال: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾. أي: أشد ألمًا من عذاب الدنيا، وأدوم عليهم، فهم مخلدون فيه. ولهذا قال رسول الله ﷺ ، للمتلاعنين: "إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة" (٩٨).
﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (١٢٨) وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩)
стр. 4296
فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠)﴾
يقول تعالى: ﴿أَفَلَمْ [¬١] يَهْدِ﴾ لهؤلاء المكذبين بما جئتهم به: يا محمد، كم أهلكنا من الأمم المكذبين بالرسل قبلهم، فبادوا، فليس لهم باقية ولا عين ولا أثر، كما يشاهدون ذلك من ديارهم الخالية التي خلفوهم فيها، يمشون فيها، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾، أي: العقول الصحيحة، والألباب المستقيمة، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. وقال في سورة الم السجدة: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾، أي: لولا الكلمة السابقة من الله، وهو أنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، والأجل المسمى الذي ضربه الله [¬٢] تعالى لهؤلاء المكذبين إلي مدة معينة، لجاءهم العذاب بغتة.
ولهذا قال لنبيه مسليًّا له: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾، أي: من تكذيبهم لك ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾، يعني: صلاة الفجر، ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ يعني: صلاة العصر، كما جاء في الصحيحين (٩٩)، عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: كنا جلوسًا عند رسول الله ﷺ ، فنظر إلي القمر ليلة البدر، فقال: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا علي صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا"، ثم قرأ هذه الآية.
وقال الإمام أحمد (١٠٠): حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، عن عمارة بن رؤبَةَ [¬٣] قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "لن يلج النار أحد
стр. 4297
صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها". رواه مسلم من حديث عبد الملك بن عمير، به.
وفي المسند [¬١] (١٠١) والسنن (١٠٢)، عن ابن عمر قال: قال رسول الله، ﷺ : "إن [¬٢] أدنى أهل الجنة منزلة [¬٣] من ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة، ينظر إلى أقصاه كما ينظر إلى إدناه، وإن أعلاهم منزلة لمن ينظر إلى الله تعالى في اليوم مرتين".
وقوله: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيلِ فَسَبِّحْ﴾، أي: من ساعاته فتهجد به، وحمله بعضهم علي المغرب والعشاء، ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾، في مقابلة آناء الليل، ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾، كما قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ وفي الصحيح (١٠٣): " يقول الله تعالى: يا أهل الجنة. فيقولون: لبيك ربنا وسعديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟ فيقول: إني أعطيكم أفضل من ذلك. فيقولون: وأى شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا".
وفي الحديث (١٠٤) يقال: "يا أهل الجنة؛ إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه. فيقولون: وما هو؟! ألم تبيض وجوهنا، وتثقل موازيننا، وتزحزحنا عن النار، وتدخلنا الجنة؟! فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فو الله ما أعطاهم خيرًا من النظر إليه، وهي الزيادة".
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ
стр. 4298
وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيرٌ وَأَبْقَى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾
يقول تعالى لنبيه محمد -صلوات الله وسلامه عليه-: لا تنظر إلى هؤلاء المترفين [¬١] وأشباههم ونظرئهم، وما هم فيه من النعيم [¬٢]، فإنما هو زهرة زائلة، ونعمة حائلة، لنختبرهم [¬٣] بذلك، وقليل من عبادي [¬٤] الشكور.
وقال مجاهد: ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾، يعني: الأغنياء، فقد آتاك خيرًا مما آتاهم. كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلَقَدْ آتَينَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾. وكذلك [ما ادَّخره الله] [¬٥] تعالى لرسوله، ﷺ ، في الدار الآخرة أمر عظيم، لا يحد ولا يوصف، كما قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾. ولهذا قال: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيرٌ وَأَبْقَى﴾.
وفي الصحيح (١٠٥): أن عمر بن الخطاب لما دخل علي رسول الله، ﷺ ، في تلك المَشْرُبة التي كان قد اعتزل فيها نساءه، حين آلى منهن فرآه متوسدًا مضطجعًا على رمال حصير، وليس في البيت إلا صُبرة من قَرَظ وأهب [¬٦] معلقة، فابتدرت عينا عمر بالبكاء، فقال له [¬٧] رسول الله، ﷺ : "ما يبكيك؟ ". فقال: يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت صفوة الله من خلقه. فقال: "أَوَ في شك أنت يا بن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم [¬٨] طيباتهم في حياتهم الدنيا".
فكان، ﷺ ، أزهد الناس في الدنيا مع القدرة عليها، إذا حصلت له ينفقها هكذا وهكذا في عباد [¬٩] الله، ولم يدخر لنفسه شيئًا لغد.
стр. 4299
و [¬١]، قال إلي أبي حاتم: أنبأنا يونس، أخبرني إلي وهب، أخبرني مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي [¬٢] سعيد: أن رسول الله ﷺ ، قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم، ما يفتح الله من زهرة الدنيا". قالوا: وما زهرة الدنيا يا رسول الله قال: "بركات الأرض".
وقال قتادة والسدي وغيره [¬٣]: زهرة الحياة الدنيا يعني: زينة الحياة الدنيا.
وقال قتادة: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ لنبتليهم.
وقوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيهَا﴾. أي: استنقذهم [¬٤] من عذاب الله بإقام الصلاة، واصطبر [¬٥] أنت على فعلها، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾.
وقال ابن أبي حاتم (١٠٦): حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أن [¬٦] عمر بن الخطاب كان يبيت عنده آنًا وَيَرْفأ، وكان له ساعة من الليل يصلي فيها، فربما لم يقم [¬٧]، فنقول: لا يقوم الليلة كما كان يقوم، وكان إذا استيقظ [¬٨] أقام -يعني: أهله- وقال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيهَا﴾.
وقوله: ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾. أي [¬٩]: إذا أقمت الصلاة أتاك الرزق من حيث لا تحتسب، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. ولهذا قال: ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾. قال الثوري: ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾. أي: لا نكلفك الطلب.
وقال ابن أبي حاتم (١٠٧): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن [¬١٠] غياث، عن
стр. 4300
هشام، عن أبيه أنه كان إذا دخل على أهل الدنيا، فرأى من دنياهم طرفًا، فإذا رجع إلى أهله فدخل الدار قرأ: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ﴾ إلي قوله: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾، ثم يقول: الصلاة الصلاة رحمكم الله!.
وقال ابن أبي حاتم (١٠٨): حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي [¬١] زياد القطواني [¬٢]، حدثنا سيار [¬٣]،، حدثنا جعفر، عن ثابت قال: كان النبي، ﷺ ، إذا أصابه خصاصة نادى أهله: "يا أهلاه، صلوا صلوا". قال ثابت: وكانت الأنبياء إذا نزل [بهم أمر] [¬٤]، فزعوا إلى الصلاة.
وقد روى الترمذي [¬٥] (١٠٩) وابن ماجة (١١٠) من حديث عمران بن زائدة، عن أبيه، عن أبي خالد الوالبي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ،: "يقول الله تعالى: يا ابن آدم، تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإن لم تفعل ملأتُ صدرك شغلًا، ولم أسد فقرك".
وروى ابن ماجة (١١١) من حديث الضحاك، عن الأسود، عن ابن مسعود، سمعت نبيكم، ﷺ ، يقول: "من جعل الهموم همًّا واحدًا هم المعاد كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم في [¬٦] أحوال الدنيا، لم يبال الله في أي أوديته هلك".
وروى أيضًا (١١٢) من حديث شعبة، عن عمر بن سليمان، عن عبد الرحمن بن أبان،
стр. 4301
عن أبيه، عن زيد بن ثابت: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "من كانت الدنيا همَّه، فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيَّته، جمع له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة".
وقوله [¬١]: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [¬٢]﴾ أي: وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة -وهي الجنة- لمن اتقى الله.
وفي الصحيح (١١٣) أن رسول الله، ﷺ ، قال: "رأيت الليلة كأنا في دار عقبة بن رافع، وأنا أتينا برطب [من رطب] [¬٣] ابن طاب، فأولت ذلك أن العاقبة لنا في الدنيا والرفعة وأن ديننا قد طاب".
﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَينَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّويِّ وَمَنِ اهْتَدَى (١٣٥)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن الكفار في قولهم: ﴿لَوْلَا﴾، أي: هلا ﴿يَأْتِينَا﴾ محمد ﴿بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: بعلامة دالة على صدقه في أنه رسول الله؟ قال الله تعالى: ﴿أَوَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾، يعني: القرآن العظيم الذي أنزله عليه الله وهو أميّ، لا يحسن الكتابة، ولم يدارس أهل الكتاب، وقد جاء فيه أخبار الأولين، بما كان منهم في سالف الدهور، بما يوافقه عليه الكتب المتقدمة الصحيحة [¬٤] منها، فإن القرآن مهيمن عليها، يصدق الصحيح، ويبين خطأ المكذوب فيها وعليها، وهذه الآية كقوله تعالى
стр. 4302
في سورة العنكبوت: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيهِ آيَاتٌ [¬١] مِنْ رَبِّهِ قُلْ [¬٢] إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وفي الصحيحين [¬٣] (١١٤) عن رسول الله، ﷺ ، أنه قال: (ما من نبي [¬٤]، إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجوا [¬٥]، أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة".
وإنما ذكر هاهنا أعظم الآيات التي أعطيها ﵇ وهو القرآن - وله من المعجزات ما لا يحد ولا يحصر، كما هو مودع في كتبه، ومقرر في مواضعه.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَينَا رَسُولًا﴾ أي: لو أنا أهلكنا هؤلاء المكذبين قبل أن نرسل إليهم هذا الرسول الكريم، وننزل عليهم هذا الكتاب العظيم، لكانوا قالوا: ﴿رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَينَا رَسُولًا﴾ قبل أن تهلكنا حتى نؤمن به ونتبعه، كما قال: ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾، يبين تعالى أن هؤلاء المكذبين متعنتون معاندون [لا يؤمنون] [¬٦] ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ إلى قوله ﴿بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾، وقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إلا نُفُورًا﴾ وقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ الآيتين.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ﴾، أي: يا محمد، لمن كذبك وخالفك، واستمر على كفره وعناده ﴿كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ﴾، أي: منا ومنكم ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾، أي: فانتظروا ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّويِّ﴾، أي: الطريق المستقيم ﴿وَمَنِ اهْتَدَى﴾، إلى الحق وسبيل الرشاد، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ وقال [¬٧]: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾.
آخر تفسير سورة طه، ولله الحمد والمنة
стр. 4303
تفسير سورة الأنبياء وهي مكية
قال البخاري (١): حدثنا محمد بن بشار، [ثنا غندر] [¬١]، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق: سمعت عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله قال: بنو إسرائيل، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء: هنّ من [العتاق] [¬٢] الأول، وهن من تلادي.
﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) قَال رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾
هذا تنبيه من الله على اقتراب الساعة ودنوها، وأن الناس في غفلة [عنها] [¬٣]، أي: [لا يعملون لها] [¬٤]، ولا يستعدون من أجلها.
وقال النسائي (٢): حدثنا أحمد بن نصر، حدثنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ : ﴿فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ قال: "في الدنيا". وقال تعالى: ﴿أَتَى
стр. 4304
أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾.
وقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرّ﴾ الآية.
وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة الحسن بن هانئ أبي نواس الشاعر أنه قال: أشعر الناس، الشيخ الطاهر أبو العتاهية حيث يقول:
الناسُ في غفلاتهم … ورحا المنية تطحنُ
فقيل له: من أين أخذ هذا؟ قال: من [قوله] تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾.
[وروى في ترجمة عامر بن ربيعة: من طريق موسى بن عبيد الآمدي، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عامر بن ربيعة: أنه نزل به رجل من العرب، فأكرم عامر مثواه، وكلم فيه رسول الله ﷺ ، فجاءه الرجل فقال: إني استقمت من رسول الله ﷺ واديًا في العرب، وقد أردت أن أقطع لك منه قمة تكون لك ولعقبك من بعدك. فقال عامر: لا حاجة لي في قطيعتك، نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [¬١].
ثم أخبر تعالى أنهم لا يُصغون إلى الوحي الذي أنزله الله على رسوله -والخطاب مع قريش و من [¬٢] شابههم- من الكفار، فقال: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾، أي: جديد إنزاله ﴿إلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾، كما قال ابن عباس: ما لكم تسألون أهل الكتاب عما بأيديهم وقد حرفوه وبدلوه، وزادوا فيه ونقصوا [منه] [¬٣]، وكتابكم أحدث الكتب بالله، [تقرءونه محضًا] [¬٤] لم يشب. ورواه البخاري (٣) بنحوه.
وقوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، أي: قائلين فيما بينهم خفْيَةً ﴿هَلْ هَذَا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ يعنون رسولَ الله، ﷺ ، يستبعدون كونه نبيًّا؛ لأنه بَشَرٌ مثلهم، فكيف اختص بالوحي دونهم، ولهذا قال: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾، أي: أفتتبعونه فتكونون كمن [يأتي السحر] [¬٥] وهو يعلم أنه سحر؟! فقال
стр. 4305
تعالى مجيبًا لهم عما افتروه واختلقوه من الكذب: ﴿[قَال] [¬١] رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: الذي يعلم ذلك لا يخفى عليه خافية، وهو الذي أنزل هذا القرآن المشتمل على خبر الأولين والآخرين، الذي لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله، إلا الذي يعلم السر في السماوات والأرض.
وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [أي: السميع] [¬٢] لأقوالكم، العليم بأحوالكم. وفي هذا تهديد لهم ووعيد.
وقوله: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ﴾: هذا إخبار [عن] [¬٣] تعنت الكفار وإلحادهم، واختلافهم فيما يصفون به القرآن، وحيرتهم فيه، وضلالهم عنه، فتارة يجعلونه سحرًا، وتارة يجعلونه شعرًا، وتارة يجعلونه أضغاث أحلام، وتارة يجعلونه مفترى، كما قال: ﴿انْظُرْ كَيفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَال فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾.
وقوله: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾، يعنون [كناقة] [¬٤] صالح، وآيات موسى وعيسى، وقد قال الله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَينَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾ الآية، ولهذا قال تعالى: ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾، أي: ما آتينا قرية من القرى [الذين] [¬٥] بعث فيهم الرسل آية على يدي نبيها فآمنوا بها، بل كذبوا فأهلكناهم بذلك، [أفهؤلاء] [¬٦] يؤمنون بالآيات لو رَأَوْها دون أولئك؟ كلا، بل ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ هذا كله، وقد شاهدوا من الآيات الباهرات، والحجج القاطعات، والدلائل البينات، على يدي رسول الله، ﷺ ، ما هو أظهر [وأجلى] [¬٧]، وأبهر وأقطع وأقهر، مما شُوهِدَ مع غيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
قال ابن أبي حاتم ﵀: ذكر عن زيد بن الحُبَاب، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا الحارث بن يزيد الحضرمي، عن عليّ بن رباح اللخمي، حدثني من شهد عبادة بن الصامت يقول: كنا في المسجد، ومعنا أبو بكر الصديق ﵁ يُقْرِئ بعضنا بعضًا القرآن، فجاء عبدُ الله بن أُبيٍّ بن سلول ومعه نمرقة (*) وزربية (**)، فوضع واتكأ، وكان
стр. 4306
صبيحًا فصيحًا جدلًا [فقال: يا أبا بكر، قل لمحمد يأتينا بآية كما جاء الأولون؟ جاء موسى بالألواح] [¬١]، وجاء داود بالزبور، وجاء صالح بالناقة، و [جاء] [¬٢] عيسى بالإِنجيل وبالمائدة. فبكى أبو بكر ﵁، فخرج رسول الله، ﷺ ، فقال أبو بكر: قوموا بنا إلى رسول الله، ﷺ ، نستغيث به من هذا المنافق. فقال رسول الله، ﷺ : "إنه لا يقام لي، [إنما] [¬٣] يقام لله ". فقلنا: يا رسول الله، إنا لقينا من هذا المنافق. فقال: "إن جبريل قال لي: اخرج فأخبر بنعم الله التي أنعم بها عليك، وفضيلته التي فضلت بها، فبشرني [أنه بعثني] [¬٤] إلى الأحمر والأسود، وأمرني أن أنذر الجن، وآتاني كتابه وأنا أميّ، وغفر ذنبي ما تقدم وما تأخر، وذكر اسمي في الأذان، و [أيدني] [¬٥] بالملائكة، وآتاني النصر، وجعل الرعب أمامي، وآتاني الكوثر، وجعل حوضي من أعظم الحياض يوم القيامة، ووعدني المقام المحمود، والناس [مهطعون مقنعو] [¬٦] رءوسهم، وجعلني في أول زمرة تخرج من الناس، وأدخل في شفاعتي سبعين ألفًا من أمتي الجنة بغير حساب، وآتاني السلطان والملك، وجعلني في أعلى غرفة في الجنة؛ [في] [¬٧] جنات النعيم، فليس فوقي أحد إلا الملائكة الذين يحملون العرش، وأحل لي [ولأمتى] [¬٨] الغنائم، ولم تحل لأحد كان قبلنا". [هذا حديث] [¬٩] غريب جدًّا.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إلا رِجَالًا نُوحِي إِلَيهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَينَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩)﴾
يقول تعالى رادًّا على من أنكر بعثة الرسل من البشر: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إلا رِجَالًا [نُوحِي] [¬١٠] إِلَيهِمْ﴾، أي: جميع الرسل الذين تقدموا كانوا رجالا من البشر، لم يكن فيهم أحد من الملائكة كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إلا رِجَالًا
стр. 4307
[نُوحِي] [¬١] إِلَيهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ وقال تعالى: ﴿[قُلْ] [¬٢] مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ وقال تعالى حكاية عمن تقدم من الأمم أنهم أنكروا ذلك فقالوا: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾؟ ولهذا قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، أي: سلوا أهل العلم من الأمم؛ كاليهود والنصارى وسائر الطوائف: هل كان الرسل الذين أتوهم بشرًا أو ملائكة؟ إنما كانوا بشرًا، وذلك من تمام [نعم] [¬٣] الله على خلقه، إذ بعث فيهم رسلًا منهم يتمكنون من تناول البلاغ منهم والأخذ عنهم.
وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾، أي: بل قد كانوا أجسادًا يأكلون الطعام، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾، [أي: قد كانوا بشرًا من البشر، يأكلون ويشربون مثل الناس، ويدخلون الأسواق] [¬٤] للتكسب والتجارة، وليس ذلك [بضارٍّ] [¬٥] لهم ولا ناقص منهم [شيئًا، كما توهمه] [¬٦] المشركون في قولهم: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ [إِلَيهِ] [¬٧] مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَال الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ الآية.
وقوله: ﴿وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾، أي: في الدنيا، بل كانوا يعيشون ثم يموتون ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾، وخاصّتهم أنهم يوحى إليهم من الله تنزل عليهم الملائكة عن الله بما [يحكم] [¬٨] في خلقه، مما يأمر به وينهى عنه.
وقوله: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ﴾، أي: الذي وعدهم ربهم: ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾، صدقهم الله وعده ففعل ذلك، ولهذا قال: ﴿فَأَنْجَينَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ﴾، أي: أتباعهم من المؤمنين ﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾، أي: المكذبين بما جاءت به الرسل.
﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠) وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ
стр. 4308
لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣) قَالُوا يَاوَيلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (١٥)﴾
يقول تعالى منبهًا على شرف القرآن، ومحرضًا لهم على معرفة قدره: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ قال ابن عباس: شرفكم. وقال مجاهد: حديثكم. وقال الحسن: دينكم.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، أي: هذه النعمة و [تتلقَّونها] [¬١] بالقبول، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ وقوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ هذه صيغة تكثير، كما قال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ وقال تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ [أَهْلَكْنَاهَا] [¬٢] وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاويَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ الآية.
وقوله: ﴿وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾، أي: أمة أخرى بعدهم ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾، أي: تيقنوا أن العذاب واقع بهم [لا محالة] [¬٣]، كما وعدهم نبيهم ﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾، أي: يفرون هاربين ﴿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ﴾، هذا تهكم بهم قدرًا، أي: قيل لهم قدرًا: لا تركضوا هاربين من نزول العذاب، وارجعوا إلى ما كنتم فيه من النعمة والسرور [والمعيشة] [¬٤] والمساكن الطيبة.
قال قتادة: استهزاءً بهم.
﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي: عما كنتم فيه من أداء شكر النعم [¬٥].
﴿قَالُوا يَاوَيلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾، اعترفوا بذنوبهم حين لا ينفعهم ذلك، ﴿فَمَا زَالتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾، أي: ما زالت تلك المقالة، وهي الاعتراف بالظلم، هِجّيرَاهم (*) حتى حصدناهم [حصدًا] [¬٦]، وخمدت حركاتهم وأصواتهم خمودًا.
стр. 4309
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾
يخبر تعالى أنه خلق السماوات والأرض بالحق، أي: بالعدل [والقسط] [¬١]؛ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ وأنه لم يخلق ذلك عبثًا ولا لعبًا كما قال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا [السَّمَاءَ] [¬٢] وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾، قال ابن أبي نجيح: عن مجاهد: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾، يعني: من عندنا، يقول: وما خلقنا جنة ولا نارًا، ولا موتًا ولا بعثًا ولا حسابًا.
وقال الحسن وقتادة وغيرهما: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾، اللهو: [المرأة] [¬٣]، بلسان أهل اليمن.
وقال إبراهيم النخعي: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ﴾ من الحور العين.
وقال عكرمة والسدي: المراد باللهو ها هنا: الولد.
وهذا والذي قبله متلازمان، وهو كقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ﴾ فنزه نفسه عن اتخاذ الولد مطلقًا، ولا سيما عما يقولون من الإِفك والباطل، من اتخاذ عيسى أو العزيز أو الملائكة سبحان الله ﴿عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾.
وقوله: ﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾، قال قتادة والسدى وإبراهيم النخعي ومغيرة بن مقسم:
стр. 4310
أي ما كنا فاعلين.
وقال مجاهد: كل شيء في القرآن "إن" فهو إنكار.
وقوله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾، أي: نبين الحق فيدحض الباطل، ولهذا قال: ﴿فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ أي: ذاهب مضمحلٌّ، ﴿وَلَكُمُ الْوَيلُ﴾، أي: أيها القائلون: لله ولد، ﴿مِمَّا تَصِفُونَ﴾، أي: تقولون وتفترون.
ثم أخبر تعالى عن عبودية الملاثكة له ودأبهم في طاعته ليلًا ونهارًا، فقال: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾، يعني: الملائكة، ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾، أي: لا يستنكفون عنها، كما قال: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا﴾.
وقوله: ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾، أي: ولا يتعبون ولا يَمَلُّون، ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾، فهم دئبون في العمل ليلًا ونهارًا، يطعون قصدًا وعملًا، قادرون عليه، كما قال تعالى: ﴿ونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عليّ بن أبي دُلامة البغدادي، أنبأنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن صفوان بن مُحرز، عن حكيم بن حزام قال: بينا رسول الله ﷺ بين أصحابه، إذ قال لهم: "هل تسمعون ما أسمع؟ " قالوا: ما نسمع من شيء. فقال رسول الله ﷺ : "إني لأسمع أطيط السماء، وما تلام أن تئطَّ، وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم" (٤). غريب ولم يخرجوه.
ثم رواه ابن أبي حاتم من طريق يزيد بن [زريع] [¬١] عن سعيد، عن قتادة مرسلًا. وقال محمد بن إسحاق: عن حسان بن مخارق عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: جلست إلى كعب الأحبار وأنا غلام، فقلت له: أرأيت قول الله تعالى [لملائكة] [¬٢]: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ أما يشغلهم عن التسبيح الكلام والرسالة والعمل؟ فقال: فمن هذا الغلام؟ فقالوا: من بني عبد المطلب. قال: فقبَّل رأسي، ثم قال لي: يا بني، إنه