← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

وفرغت قلبي، ليس يحول بيني وبينك شيء، لو يعلم عدوي إبليس بالذي صنعت حسدني! قال: فلقي إبليس من ذلك منكرًا. قال: وقال أيوب ﵇: يا رب، إنك أعطيتني المال والولد، فلم يقم على بابي أحد [يشكوني] [¬١] لظلم ظلمته، وأنت تعلم ذلك، وإنه كان يوطأ لي الفرش فأتركها، وأقول لنفسي: يا نفس، إنك لم تخلقي لوطء الفرش، ما تركت ذلك إلَّا ابتغاء وجهك. رواه ابن أبي حاتم. وقد ذكر عن وَهْب بن منبه في خبره قصة طويلة، ساقها ابن جرير وابن أبي حاتم بالسند عنه، وذكرها غير واحد من متأخري المفسرين، وفيها غرابة تركناها لحال الطول. وقد روي أنَّه مكث في البلاء مدة طويلة، ثم اختلفوا في السبب المهيج له على هذا الدعاء؛ فقال الحسن وقَتَادة: ابتلي أيوب ﵇ سبع سنين وأشهرًا، ملقى على كناسة بني إسرائيل، تختلف الدواب في جسده، ففرج الله عنه، وأعظم له الأجر، وأحسن عليه الثناء. وقال وَهْب بن منبه: مكث في البلاء ثلاث سنين لا يزيد ولا ينقص. وقال السدي: تساقط لحم أيوب، حتَّى لم يبق إلَّا العصب والعظام، فكانت امرأته تقوم عليه، وتأتيه بالزاد يكون فيه، فقالت له امرأته لما طال وجعه: يا أيوب، لو دعوت ربك يفرج عنك؟ فقال: قد عشت سبعين سنة صحيحًا، [فهل] [¬٢] قليل لله أن أصبر له سبعين سنة؟ فجزعت من ذلك فخرجت، فكانت تعمل للناس بالأجرة، وتأتيه بما تصيب فتطعمه، وإن إبليس انطلق إلى رجلين من فلسطين كانا صديقين له وأخوين، فآتاهما فقال: أخوكما أيوب أصابه من البلاء كذا وكذا، فأتياه وزوراه واحملا معكما من خمر أرضكما، فإنه إن شرب منه بَرئ، فأتياه، فلما نظرا إليه بكيا، فقال: من أنتما؟ فقالا: نحن فلان وفلان، فرحب بهما وقال: مرحبًا بمن لا يجفوني عند البلاء. فقالا: يا أيوب؛ لعلك كنت تسر شيئًا [و] [¬٣] تظهر غيره، فلذلك ابتلاك الله؟ فرفع رأسه إلى السماء ثم قال: هو يعلم، ما أسررت شيئًا أظهرت غيره، ولكن [ربي ابتلاني لينظر] [¬٤] أأصبر أم أجزع؟ فقالا له: يا أيوب، اشرب من خمرنا، فإنك أن شربت منه بَرَأت. [فقال] [¬٥]: فغضب وقال: جاءكما الخبيث فأمركما بهذا؟ كلامكما وطعامكما وشرابكما عليَّ حرام. فقاما من عنده، وخرجت

стр. 4342

امرأته تعمل للناس، فخبزت لأهل بيت لهم صبي، فجعلت لهم [قرصًا] [¬١]، وكان ابنهم نائمًا، فكرهوا أن يوقظوه، فوهبوه لها، فأتت به إلى أيوب، فأنكره وقال: ما كنت تأتيني بهذا، فما بالك اليوم؟ فأخبرته الخبر، قال: فلعل الصبي قد استيقظ، فطلب القرص فلم يجده، فهو يبكي على أهله، [فانطلقي به إليه. فأقبلت حتَّى بلغت درجة القوم، فنطحتها شاة لهم، فقالت: تعس أيوب الخطَّاء. فلما صعدت وجدت الصبي قد استيقظ وهو يطلب القرص، ويبكي على أهله] [¬٢]، لا يقبل منهم شيئًا غيره، فقالت: رحم الله أيوب فدفعت إليه القرص ورجعت، ثم إن إبليس أتاها في صورة طبيب، فقال لها: إن زوجك طال سقمه، فإن أراد أن يَبْرَأ فليأخذ ذبابًا فليذبحه باسم صنم بني فلان، فإنه يبرأ ويتوب بعد ذلك؟ فقالت ذلك لأيوب، فقال: قد أتاك الخبيث، لله عليَّ إن برئت أن أجلدك مائة جلدة. فخرجت تسعى عليه، [فحظر] [¬٣] عنها الرزق، فجعلت لا تأتي أهل بيت فيريدونها، فلما أشتد عليها [ذلك] [¬٤]، وخافت على أيوب الجوع، حلقت من شعرها قرنًا، فباعته من صبية من بنات الأشراف، فأعطوها طعامًا طيبًا كثيرًا، فأتت به أيوب، فلما رآه أنكره، وقال: من أين لك هذا؟ قالت: عملت لأناس فأطعموني. فأكل منه، فلما كان الغد خرجت فطلبت أن تعمل، فلم تجد، فحلقت أيضًا قرنًا فباعته من تلك الجارية، فأعطوها أيضًا من ذلك الطعام، فأتت به أيوب، فقال: والله لا أطعمه حتَّى أعلم من أين هو؟ فوضعت خمارها، فلما رأى رأسها محلوقًا جزع جزعًا شديدًا، فعند ذلك دعا الله : ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. وقال ابن أبي حاتم: ثنا أبي، حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا حمَّاد، حدَّثنا أبو عمران الجوني، عن نوف البكالي: أن الشيطان الذي عرج في أيوب كان يقال له سوط، قال: وكانت امرأة أيوب تقول: ادع الله فيشفيك. فجعل لا [يدعو] [¬٥]، حتَّى مر به نفر من بني إسرائيل، فقال بعضهم لبعض: ما أصابه [ما أصابه] [¬٦] إلَّا بذنب عظيم أصابه، فعند ذلك قال: ﴿أَنِّي [¬٧] مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. وحدثنا أبي، حدَّثنا أَبو سلمة، حدَّثنا جرير بن حازم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: كان لأيوب ﵇ أخوان، فجاءا يومًا، فلم يستطيعا أن يدنوا منه من ريحه، فقاما من بعيد، فقال أحدهما للآخر: لو كان الله علم من أيوب خيرًا ما ابتلاه

стр. 4343

بهذا؟ فجزع أيوب من قولهما جزعًا لم يجزع من شيء قط، فقال: اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة قط شبعان، وأنا أعلم مكان جائع فصدقني. فصدق من السماء وهما يسمعان، ثم قال: اللهم إن كنت تعلم أني لم يكن لي قميصان قط، وأنا أعلم مكان عار فصدقني. فصدق من السماء وهما يسمعان، ثم قال: اللهم بعزتك ثم خر ساجدًا، [ثم قال] [¬١]: اللهم بعزتك لا أرفع رأسي أبدًا حتَّى تكشف عني. فما رفع رأسه حتَّى كشف عنه. وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر مرفوعًا بنحو هذا فقال: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني نافع بن يزيد، عي عقيل، عن الزُّهْريّ، عن أَنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال: "إن نبي الله أَبوب لبس به بلاؤه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد، إلَّا رجلين من إخوانه، كانا من أخص إخوانه، كانا يغدوان إليه ويروحان [] [¬٢]، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبًا ما أذنبه أحد من العالمين. [فقال] [¬٣] له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به. فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتَّى ذكر ذلك له، فقال أيوب ﵇: [لا] [¬٤] أدري ما تقول، غير أن الله يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله، فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما، كراهة أن يذكر الله إلَّا في حق. قال: وكان خرج في حاجته، فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتَّى يبلغ، فلما كان ذات يوم [أبطأت] [¬٥] عليه، فأوحى [الله] [¬٦] إلى أدوب في مكانه: أن أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب. رفع هذا الحدث غريب جدًّا (٣٣). وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا حمَّاد، أخبرنا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عبَّاس قال: وألبسه [الله] [¬٧] حلة من الجنَّة، فتنحى أيوب فجلس في ناحية، وجاءت امرأته فلم تعرفه، فقالت: يا عبد الله، أين ذهب هذا المبتلى الذي كان ها هنا؟ لعل الكلاب ذهبت به أو الذئاب؟ فجعلت تكلمه ساعة، فقال: ويحك، أنا أيوب. قالت: أتسخر مني يا عبد الله؟ فقال: ويحك، أنا أيوب، قد ردَّ الله عليَّ جسدي.

стр. 4344

وبه قال ابن عبَّاس: ورد عليه ماله وولده عيانًا ومثلهم معه. وقال وَهْب بن منبه: أوحى الله ابن أيوب: قد رددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم، فاغتسل بهذا الماء، فإن فيه شفاءك، وقرب عن [صحابتك] [¬١] قربانًا، واستغفر لهم، فإنهم قد عصوني فيك. رواه ابن أبي حاتم. [وقال] [¬٢] أي: حدَّثنا أَبو زرعة، حدَّثنا عمرو بن مرزوق، حدَّثنا همام، عن قَتَادة، عن النضر بن أَنس، عن بَشِير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لما عافى الله أيوب، أمطر عليه جَرَادًا من ذهب، فجعل يأخذ بيده ويجعله في ثوبه، قال: فقيل له: يا أيوب، أما تشبع؟ قال: يا رب، ومن يشبع من رحمتك؟ ". أصله في الصحيحين (٣٤)، وسيأتي في موضع آخر. وقوله: ﴿وَآتَينَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ قد تقدم عن ابن عبَّاس أنَّه قال: ردوا عليه بأعيانهم، وكذا رواه العوفي عن ابن عبَّاس أيضًا، وروى مثله عن ابن مسعود ومجاهد، وبه قال الحسن وقَتَادة. وقد زعم بعضهم أن اسم زوجته رحمة، فإن كان أخذ ذلك من سياق الآية فقد أبعد النجعة، وإن كان أخذه من نقل أهل الكتاب، وصح ذلك عنهم، فهو مما لا يصدق ولا يكذب، وقد سماها ابن عساكر في تاريخه رحمه الله تعالى" قال: ويقال: اسمها ليا [بنت مِنَشَّا] [¬٣] بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، قال: ويقال: ليا بنت يعقوب ﵇، زوجة أيوب كانت معه بأرض البثنية. وقال مجاهد: قيل له: يا أيوب، إن أهلك لك في الجنَّة، فإن شئت أتيناك بهم، وإن شئت تركناهم لك في الجنة، وعوضناك مثلهم؟ قال: لا، بل اتركهم لي في الجنَّة. قال: فتركوا له في الجنَّة، وعوض مثلهم في الدنيا. وقال حمَّاد بن زيد، عن أبي عمران الجوني، عن نوف البكالي [قال:] [¬٤] أوتي أجرهم في الآخرة، وأعطي مثلهم في الدنيا. قال:

стр. 4345

فحدثت به مطرفًا فقال: ما عرفت وجها قبل اليوم وهكذا روي عن قَتَادة والسدى وغير واحد من السلف، والله أعلم. وقوله: ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ أي: فعلنا به ذلك رحمة من الله به ﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ أي: وجعلناه في ذلك قدوة؛ لئلا يظن أهل البلاء أنما [فعلنا] [¬١] بهم ذلك لهوانهم علينا، وليتأسوا به في الصبر على مقدورات الله وابتلائه لعباده بما يشاء، وله [الحكمة البالغة] [¬٢] في ذلك. ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦)﴾ وأما إسماعيل فالمراد به ابن إبراهيم الخليل ﵉ وقد تقدم ذكره في سورة مريم، وكذلك إدريس ﵇ وأمّا ذو الكفل فالظاهر من السياق أنَّه [ما] [¬٣] قرن مع الأنبياء إلَّا وهو نبي، وقال آخرون: إنما كان رجلا صالحًا، وكان ملكًا عادلًا، وحكمًا مقسطًا، وتوقف ابن جرير في ذلك، فالله أعلم. قال ابن جريج، عن مجاهد في قوله: ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ قال: رجل صالح غير نبي، تكفل لنبي قومه أن يكفيه أمر قومه، ويقيمهم له، ويقضي بينهم بالعدل، ففعل ذلك، فسمي: ذا الكفل. وكذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد أيضًا وقال ابن جرير (٣٥): حدَّثنا محمد بن المثنى، حدَّثنا عفان، حدَّثنا وهيب، حدَّثنا داود، عن مجاهد قال: لما كبر اليسع قال: لو أني استخلفت رجلًا على الناس يعمل عليهم في حياتي، حتَّى أنظر كيف يعمل؟ فجمع الناس فقال: من يتقبل مني بثلاث أستخلفه؛ [بصوم] [¬٤] النهار، ويقوم الليل، ولا يغضب؟ قال: فقام رجل تزدريه [العين] [¬٥]، فقال: أنا. فقال: أنت تصوم النهار، وتقوم الليل، ولا تغضب؟ قال: نعم. قال: فردهم ذلك اليوم، وقال مثلها في اليوم الآخر، فسكت الناس، وقام ذلك الرجل [فقال:] [¬٦] أَنَا. فاستخلفه قال: فجعل إبليس يقول للشياطين: عليكم بفلان. فأعياهم ذلك، فقال: دعوني وإياه. فأتاه في صورة شيخ كبير فقير، فأتاه حين أخذ

стр. 4346

مضجعه للقائلة - وكان لا ينام الليل والنهار إلَّا تلك النومة - فدق الباب فقال: من هذا؟ قال: شيخ كبير مظلوم. قال: فقام ففتح الباب، فجعل يقص عليه، فقال: إن بيني وبين قومي خصومة، وإنهم ظلموني، وفعلوا بي وفعلوا [] [¬١] وجعل يُطَول عليه حتَّى حضر الرواح وذهبت القائلة، فقال: إذا رحت فأتني آخذ لك بحقك. فانطلق وراح، فكان في مجلسه، فجعل ينظر هل يرى الشيخ فلم يره، فقام يتبعه، فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس، وينتظره [أفلا] [¬٢] يراه، فلما رجع إلى القائلة فأخذ مضجعه، أتاه فدق الباب فقال: من هذا؟ قال: الشيخ الكبير المظلوم. ففتح له فقال: ألم أقل لك إذا قعدت فأتني؟ قال إنهم أخبث قوم، إذا عرفوا أنك قاعد قالوا: نحن نعطيك حقك، وإذا قمت جحدوني. قال: فانطلق، فإذا رحت فأتني. قال: ففاتته القائلة، فراح فجعل [ينتظره] [¬٣] ولا يراه، وشق عليه النعاس، فقال لبعض أهله: لا تدعن أحدًا يقرب هذا الباب حتَّى أنام، فإني قد شق عليَّ النوم. فلما كان تلك الساعة أتاه، فقال له الرجل: وراءك وراءك. قال: إني قد أتيته أمس، وذكرت له أمري. فقال: لا، والله لقد أمرنا أن لا ندع أحدًا يقربه. فلما أعياه نظر [فرأى] [¬٤] كوة في البيت، فتسور منها، فإذا هو في البيت، وإذا هو يدق الباب بن داخل. قال: فاستيقظ الرجل فقال: يا فلان، [ألم] [¬٥] آمرك؟ قال: [أما] [¬٦] من قِبَلي والله [فلم] [¬٧] تؤتَ، فانظر من أين أتيت؟ [قال:] [¬٨] فقام إلى الباب، فإذا هو مغلق كما أغلقه، وإذا الرجل معه في البيت، فعرفه، فقال: أعدو الله؟ قال: نعم، أعييتني في كل شيء، ففعلت ما ترى لأغضبك. فسماه الله [ذا] [¬٩] الكفل، لأنه تكفل بأمر فوفى به. وهكذا رواه ابن أبي حاتم، من حديث زهير بن إسحاق، عن داود، عن مجاهد بمثله. وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا أحمد بن يونس، حدَّثنا أَبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن مسلم قال: قال ابن عبَّاس: كان قاض في بني إسرائيل، فحضره الموت، فقال: من يقوم مقامي على أن لا يغضب؟ قال: فقال رجل: أنا. فسمي ذا الكفل. قال: فكان ليله [جميعًا] [¬١٠] يصلي، ثم يصبح صائمًا، فيقضي بين الناس. قال: وله ساعة يقيلها. قال: فكان كذلك، فأتاه الشيطان عند نومته، فقال له أصحابه: ما لك؟ قال: إنسان مسكين، له على رجل حق وقد غلبني عليه. قالوا: كما أنت حتَّى يستيقظ - قال: وهو فوق نائم - قال: فجعل يصيح عمدًا حتَّى يوقظه. قال: فسمع. فقال: ما لك؟ قال:

стр. 4347

إنسان مسكين، له على رجل حق. قال: [اذهب] [¬١] فقل له يعطيك. قال: قد أَبى. قال: اذهب أنت إليه. قال: فذهب، ثم جاء من الغد، فقال: ما لك؟ قال: ذهبت إليه فلم يرفع بكلامك رأسًا. قال: اذهب إليه فقل له يعطيك حقك. قال: فذهب ثم جاء من الغد حين قال: قال: فقال له أصحابه: اخرج، فعل الله بك، تجيء كل يوم حين ينام، لا تدعه ينام؟ [] [¬٢] فجعل يصيح: من أجل إني إنسان مسكين، لو كنت غنيًّا؟ قال: فسمع أيضًا، فقال: ما لك؟ قال: ذهبت إليه فضربني. قال: امش حتَّى أجيء معك. قال: فهو ممسك بيده فلما رآه ذهب معه نثر يده منه ففر. وهكذا روي عن عبد الله بن الحارث، ومحمد بن قيس، وابن حجيرة الأكبر وغيرهم من السلف نحو [من] [¬٣] هذه القصة، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا أَبو الجماهر، أخبرنا سعيد بن بشير، حدَّثنا قتادة، عن [أبي] [¬٤] كنانة [الأخنس] [¬٥] قال: سمعت الأشعري وهو يقول على هذا المنبر: ما كان ذو الكفل بنبي، ولكن كان -يعني: في بني إسرائيل- رجل صالح يصلي كل يوم مائة صلاة، فتكفل له ذو الكفل من بعده، فكان يصلي [كل يوم] [¬٦] مائة صلاة، فسمي ذا الكفل. وقد رواه ابن جرير (٣٦) من حديث عبد الرزاق عن معمر عن قَتَادة قال: قال أَبو موسى الأشعري … فذكره منقطعًا، والله أعلم. وقد روى الإمام أحمد (٣٧) حديثًا غريبًا فقال: حدَّثنا أسباط بن محمد، حدَّثنا الأعمَش، عن عبد الله بن عبد الله، [عن سعد] [¬٧] مولى طلحة، عن [ابن] [¬٨] عمر قال: سمعت من رسول الله ﷺ حديثًا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين - حتَّى عدَّ سبع [مرات] [¬٩]- ولكن قد سمعته أكثر من ذلك، قال: "كان الكفل من بني إسرائيل، لا يتورّع من ذنب عمله، فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارًا

стр. 4348

على أن يطأها، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته، أرعِدَتْ وبكت، فقال: ما يبكيك، [أكْرَهْتُك] [¬١]؟ قالت: لا، ولكن هذا عمل لم أعمله قط، ولم إنما حملني عليه الحاجة. قال: فتفعلين هذا ولم تفعليه قط؟ فنزل فقال: اذهبي [فالدنانير] [¬٢] لك. ثم قال: والله لا يعصى الله الكفل أبدًا. فمات من ليلته، فأصبح مكتوبًا على بابه: قد غفر الله للكفل. هكذا وقع في هذه الرواية "الكفل" من غير إضافة، والله أعلم. وهذا الحديث لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة وإسناده غريب، وعلى كل تقدير فلفظ الحديث إن كان "الكفل" ولم يقل: "ذو الكفل" فلعله رجل آخر، والله أعلم. ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّينَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ هذه القصة مذكورة ها هنا وفي سورة "الصافات" وفي سورة "نون"، وذلك أن يونس بن متى ﵇ بعثه الله إلى أهل قرية "نينوى" وهي قرية من أرض الموصل، فدعاهم إلى الله تعالى، فأبوا عليه وتمادوا على كفرهم، فخرج من بين أظهرهم مغاضبًا لهم، ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث، فلما تحققوا منه ذلك، وعلموا أن النبي لا يكذب، خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم، وفرقوا بين الأمهات وأولادها، ثم تضرعوا إلى الله ، وجأروا إليه، ورغت الإِبل وفُصْلانها، وخارت البقر وأولادها، وثغت الغنم وحُمْلانها، فرفع الله عنهم العذاب، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾، وأمَّا يونس ﵇ فإنه ذهب فركب مع قوم في سفينة فلججت بهم وخافوا أن [يغرقوا] [¬٣] فاقترعوا على رجل يلقونه من بينهم يتخففون منه، فوقعت القرعة على يونس، فأبوا أن يلقوه، ثم أعادوا القرعة فوقعت عليه أيضًا، فأَبوا، ثم أعادوها فوقعت عليه أيضًا، قال الله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ أي: وقعت عليه القرعة، فقام يونس ﵇ وتجرد من ثيابه، ثم ألقى نفسه في البحر، وقد أرسل الله من البحر الأخضر - فيما قال ابن مسعود - حوتًا يشق البحار، حتَّى جاء فالتقم يونس حين ألقى نفسه من السفينة، وأوحى الله إلى ذلك الحوت ألا تأكل له لحمًا، ولا تهشم له عظمًا، فإن يونس

стр. 4349

ليس لك [رزقًا] [¬١]، وإنَّما بطنك تكون له سجنا. وقوله: ﴿وَذَا النُّونِ﴾ يعني: الحوت، صحت الإضافة إليه بهذه النسبة. ولوله ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ قال الضحاك: لقومه. ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ﴾ أي: [نضيق عليه في بطن الحوت، يروى نحو هذا عن ابن عبَّاس ومجاهد والضحاك وغيره، واختاره ابن جرير، واستشهد عليه لقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾. وقال: عطية العوفي: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ﴾ أي:] [¬٢] نقضي عليه. كأنه جعل ذلك بمعنى التقدير، فإن العرب تقول قدر وقدّر بمعنى واحد، قال الشاعر: فلا عائدٌ ذاك الزمانُ الذي مضى … [تباركت] [¬٣] ما تَقْدرْ يَكُن، فَلَكَ الأمر ومنه قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أي: قدَّر. وقوله: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، قال ابن مسعود: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل. وكذا روي عن ابن عبَّاس، وعمرو بن ميمون، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب، والضحاك، والحسن، وقَتَادة. وقال سالم بن أبي الجعد: ظلمة حوت في كطن حوت في ظلمة البحر. قال ابن مسعود وابن عبَّاس وغيرهما: وذلك أنَّه ذهب به الحوت في البحار يشقها، حتَّى انتهى به إلى قرار البحر، [حتَّى سمع] [¬٤] يونس تسبيح الحصى في قراره، فعند ذلك وهنالك قال: ﴿لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ﴾. وقال عوف: لما صار يونس في بطن الحوت، ظن أنَّه قد مات، ثم حرك رجليه، فلما تحركت سجد مكانه، ثم نادى: يا رب، اتخذت لك مسجدًا في موضع ما اتخذه أحد. وقال سعيد بن الحسن البصري: مكث في بطن الحوت أربعين يومًا. [رواهما ابن جرير] [¬٥]. وقال محمد بن إسحاق بن يسار، عمن حدثه، عن عبد الله بن رافع -مولى أم سلمة- سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "لما أراد الله حبس

стр. 4350

يونس في بطن الحوت، أوحى الله إلى الحوت أن [خذه] [¬١] ولا تخدش لحمًا ولا تكسر عظمًا، فلما انتهى به إلى أسفل البحر، سمع يونس حِسًّا، فقال في نفسه: ما هذا؛ فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت: إن هذا تسبيح دواب البحر. قال: فسبح وهو في بطن الحوت، [فسمعت] [¬٢] الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا، إنا نسمع [صوتًا] [¬٣] ضعيفًا [بأرض غريبة] [¬٤]؛ قال: ذلك عبدي يونس، عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر. قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالحًا قال: نعم. قال: فشفعوا له عند ذلك، فأمر الحوت فقذفه في الساحل، كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ ". رواه [¬٥] ابن جرير (٣٨)، ورواه البزار (٣٩) في مسنده، من طريق محمد بن إسحاق، عن عبد الله [بن] [¬٦] رافع، عن أبي هريرة، فذكره بنحوه، ثم قال: لا نعلمه وروى عن النبي ﷺ إلَّا من هذا الوجه بهذا الإسناد. [وروى ابن عبد الحق [من] [¬٧] حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن [سلمة] [¬٨] عن علي مرفوعًا -: "لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متَّى، سبح [لله] [¬٩] في الظلمات". وقد روي هذا الحديث بدون هذه الزِّيادة، من حديث ابن عبَّاس، وابن مسعود، وعبد الله بن جعفر، وسيأتي أسانيدها في سورة"ن"]. [وقال] [¬١٠] ابن أبي حاتم (٤٠): حدَّثنا أَبو [عبيد] [¬١١] الله أحمد بن عبد الرحمن بن أخي

стр. 4351

ابن وهب، حدثنا عمي، حدثني أبو صخر، أن يزيد الرقاشي حدثه قال: سمعت أنس بن مالك -ولا أعلم إلا أن أنسًا يرفع الحديث إلى رسول الله ﷺ "أن يونس النبي ﵇ حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت، قال: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. فأقبلت [هذه] [¬١] الدعوة تحف بالعرش، فقالت الملائكة: يا رب؛ صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة؟ [فقال:] [¬٢] أما تعرفون ذاك؟ قالوا: ألا، [¬٣]، يارب؛ ومن هو؟ قال: عبدي يونس. قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يُرفَع له عملًا متقبلًا ودعوة مجابة؟ [قال: نعم] [¬٤] قالوا: يا رب؛ أو لا [ترحم] [¬٥] ما كان [يصنع] [¬٦] في الرخاء فتنجيه من البلاء؟ قال: بلي. فأمر الحوت فطرحه في العراء وقوله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ [وَنَجَّينَاهُ] [¬٧] مِنَ الْغَمِّ﴾، أي: أخرجناه من بطن الحوت، وتلك الظلمات، ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إذا كانوا في الشدائد ودَعَونا منيبين إلينا، ولا سيما إذا دعوا بهذا الدعاء في حال البلاء، فقد جاء الترغيب في الدعاء بها عن سيد الأنبياء؛ قال الإمام أحمد (٤١): حَدَّثَنا إسماعيل بن عمر، حدثنا يونس بن أبي إسحاق الهمداني، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد، حدثني والدي محمد، عن أبيه سعد -وهو ابن أبي وقاص، ﵁ قال: مررت بعثمان بن عفان ﵁ في المسجد، فسلمت عليه، فملأ عينيه مني فلم يَرْدُدْ عليَّ السلام، فأتيت عمر بن الخطاب [فقلت] [¬٨]: يا أمير المؤمنين؛ هل حدث في الإِسلام شيء؟ مرتين، قال: لا، وما ذاك؟ قلت: لا، إلا أني مررت بعثمان آنفًا في المسجد، فسلمت عليه، فملأ عينيه مني ثمّ لم يَرْدُدْ عليَّ السلام. قال: فأرسل عمر إلي عثمان فدعاه، فقال: ما منعك أن لا تكون رددت علي أخيك السلام؟ قال: ما فعلت. قال سعد: قلت: بلي. حتى حَلَفَ وحلفتُ، قال: ثم إن عثمان ذكر فقال: بلي، وأستغفر الله وأتوب إليه، إنك مررت بي آنفًا وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتُها من رسول الله ﷺ ، لا والله ما ذكرتُها قط إلا [تَغْشَي] [¬٩] بصري وقلبي غشاوة. قال سعد: فأنا أنبئك بها، إن رسول الله صلي الله غليه وسلم ذكر لنا [أول دعوة] [¬١٠]، ثم جاء أعرابي فشغله، حتى قام رسول الله ﷺ فاتبعتُه، فلما أشفقت أن يسبقني إلي منزله ضربتُ

стр. 4352

بقدمي الأرض، فالتفت إليَّ رسول الله ﷺ فقال: "من هذا؟ أبو إسحاق قال: قلت: نعم يا رسول الله. قال: "فمه؟ ". قلت: لا والله، إلا أنك ذكرت لنا أول دعوة، ثم جاء [هذا] [¬١] الأعرابي فشغلك. قال: "نعم، دعوة ذي النون، إذ هو في بطن الحوت: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له" ورواه الترمذي (٤٢) والنسائي (٤٣) في "اليوم والليلة" من حديث إبراهيم بن محمد بن [سعد] [¬٢]، عن أبيه، عن سعد، به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر عن كثير بن زيد عن المطلب بن حنطب -قال أبو خالد: أحسبه عن مصعب -يعني ابن سعد- عن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : "من دعا بدعاء يونس، استجيب له". قال أبو سعيد: يريد به ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقال: ابن جرير (٤٤): حدثني عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا يحيى بن صالح، حدثنا أبو يحيى بن عبد الرحمن، حدثني بشر بن منصور، عن عليّ بن زيد، عن سعيد بن المسيب قال: سمعت سعد بن مالك -وهو ابن أبي وقاص- يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اسم الله الذي إذا دُعِيَ به أجاب، وإذا سئل به أعطي: دعوة يونس بن متى". قال: فقلت: يا رسول الله، هي ليونس خاصة، أم لجماعة المسلمين؟ قال: "هي ليونس بن متى خاصة، وللمؤمنين عامة، إذا دعوا بها، ألم تسمع قول الله : ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّينَاهُ [¬٣] مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ فهو شرط من الله لمن دعاه به"، وقال ابن أبي حاتم: حدثني أبي، حدثنا أحمد بن أبي [سريج] [¬٤]، حدثنا داود ابن [المحبَّر] [¬٥] بن قَحْذَم [المقدسي] [¬٦]، عن كثير بن معبد قال: سألت الحسن، قلت: يا أبا سعيد؛ اسم الله الأعظم، الذي إذا دعيَ به أجاب، وإذا سئل به أعطي؟ قال: ابنَ أخي؛ أما تقرأ القرآن! قول الله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ إلي قوله: ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾،

стр. 4353

ابنَ أخي، هذا هو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعيَ به أجاب وإذا سئل به أعطي. ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ يخبر تعالى عن عبده زكريا، حين طلب أن يهبه الله ولدًا، يكون من بعده نبيًّا. وقد تقدمت القصة مبسوطة في أول سورة مريم وفي سورة آل عمران أيضًا، وههنا أخصر منهما؛ ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ أي: خفية عن قومه ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾، أي: لا ولدَ لي ولا وارثَ يقوم بعدي في الناس، ﴿وَأَنْتَ خَيرُ الْوَارِثِينَ﴾ عاء وثناء مناسب للمسألة. قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ أي: امرأته. قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير: كانت عاقرًا لا تلد، فولدت. وقال عبد الرحمن بن مهدي: عن طلحة بن عمرو عن عطاء: كان في لسانها طول فأصلحها الله. وفي رواية: كان في خلقها شيء فأصلحها الله: وهكذا قال محمد بن كعب، والسدي، والأظهر من السياق: الأول وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيرَاتِ﴾، أي: في عمل القربات وفعل الطاعات ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ قال الثوري: رغبًا فيما عندنا، ورهبًا مما عندنا، ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ قال عليّ بن أبي طلحة: عن ابن عباس: أي: مصدقين بما أنزل الله وقال مجاهد: [مؤمنين] [¬١] حقًّا. وقال أبو العالية: خائفين. وقال أبو سنان: الخشوع هو الخوف اللازم للقلب لا يفارقه أبدًا. وعن مجاهد أيضًا ﴿خاشعين﴾، أي متواضعين. وقال الحسن، وقتادة، والضحاك: ﴿خاشعين﴾ أي: [متذللين] [¬٢] لله . وكل هذه الأقوال متقاربة. وقال: ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عليّ بن محمد الطنافسي، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق [عن] عبد الله القرشي عن [عبد] [¬٣] الله بن حكيم قال: خطبنا أبو بكر ﵁ ثم قال: أما بعد، فإني أوصيكم بتقوي الله، وتُثْنُوا عليه بما هو له أهل وتخلطوا الرغبة يالرهبة، وتجمعوا الإِلحاف بالمسألة، فإن الله

стр. 4354

أثني علي زكريا وأهل بيته، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾. ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالمِينَ (٩١)﴾ هكذا قَرَن الله تعالى قصة مريم وابنها عيسى ﵇، بقصة زكريا وابنه يحيي ﵉ فيذكر أولًا قصة زكريا، ثم يتبعها بقصة مريم، لأن تلك موَطّئة لهذه، فإنها إيجاد ولد من شيخ كبير قد طَعَن في السن، ومن امرأة عجوز عاقر لم تكن تلد في حال شبابها، ثم يذكر قصة مريم وهي أعجب، فإنها إيجاد ولد من أنثي بلا ذكر. هكذا وقع في سورة آل عمران، وفي سورة مريم، وههنا ذكر قصة زكريا، ثم أتبعها بقصة مريم، فقوله: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ يعني: مريم ﵍ كما قال في سورة التحريم: ﴿[وَمَرْيَمَ] [¬١] ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالمِينَ﴾، أي: دلالة علي أن الله علي كل شيء قددر، وأنه يخلق ما يشاء، و ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ وهذا كقوله: ﴿ولنجعله آية للناس﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، عن [شبيب] [¬٢]-يعني ابن [بشر] [¬٣]- عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿للعالمين﴾، قال: العالمين: الجن والإنس. ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَينَهُمْ كُلٌّ إِلَينَا رَاجِعُونَ (٩٣) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (٩٤)﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، يقول: دينكم دين واحد. وقال الحسن البصري [في] [¬٤] هذه الآية: بين لهم ما يتقون وما يأتون، ثم قال: ﴿إِنَّ هَذِهِ [أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، أي:] [¬٥] سنتكم سنة واحدة. فقوله: ﴿إن هذه﴾ إن واسمها،

стр. 4355

وأمتكم خبر إن، أي: هذه شريعتكم التي بينت لكم ووضحت لكم، وقوله: ﴿أمة واحدة﴾ [نصب] [¬١] علي الحال، ولهذا قال: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢)﴾ وقال رسول الله ﷺ : "نحن -معشر الأنبياء- أولاد علات ديننا واحد" (٤٥). يعني: أن المقصود هو عبادة الله وحده لا شريك له بشرائع متنوعة لرسله، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ وقوله: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَينَهُمْ﴾، أي: اختلفت الأمم على رسلها، فمن بين مصدق لهم ومكذب ولهذا قال: ﴿كُلٌّ إِلَينَا رَاجِعُونَ﴾، أي: يوم القيامة، [فيجازي] [¬٢] كل بحسب عمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، ولهذا قال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾، أي: قلبه مصدق، وعمل عملًا صالحا، ﴿فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾، كقوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾، [أي:] [¬٣] لا [يُكْفَر] [¬٤] سعيه -وهو عمله- بل [يشكر] [¬٥] فلا يظلم مثقال ذرة، ولهذا قال: ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾، أي: نكتب [¬٦] جميع عمله، فلا يضيع عليه منه شيء. ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥) حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧)﴾ يقول تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ قال ابن عباس: وجب. يعني: قدرًا مقدرًا أن أهل كل قرية أهلكوا أنهم لا يرجعون إلي الدنيا قبل يوم القيامة، هكذا صرح به ابن عباس، وأبو جعفر الباقر، وقتادة، وغير واحد. وفي رواية عن ابن عباس: ﴿أنهم لا يرجعون﴾ أي: [لا] يتوبون. والقول الأول أظهر والله أعلم.

стр. 4356

وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾: قد قدمنا أنهم من سلالة آدم ﵇ بل هم من نسل نوح أيضًا، من أولاد يافث أبي الترك، والترك شرذمة منهم، تُركوا من وراء السد الذي بناه ذو القرنين. وقال: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾، أي: يسرعون في المشي إلى الفساد. والحدب: هو المرتفع من الأرض، قاله ابن عباس، وعكرمة، وأبو صالح، والثوري، وغيرهم، وهذه صفتهم في حال خروجهم، [كأن] [¬١] السامع مشاهد لذلك، ﴿ولا ينبئك مثل خبير﴾، هذا إخبار عالم ما كان وما يكون، الذي يعلم غيب السموات والأرض، لا إله إلا هو. وقال ابن جرير (٤٦): حدثنا محمد بن مثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن [عُبَيد] [¬٢] الله بن أبي يزيد قال: رأي ابن عباس صبيانًا ينزو بعضهم علي بعض، يلعبون، فقال ابن عباس: هكذا يخرج يأجوج ومأجوج. وقد ورد ذكر خروجهم في أحاديث متعددة من السنة النبوية. فالحديث الأول: قال الإمام أحمد (٤٧): حَدَّثَنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عُمَر بن قتادة، عن محمود بن لَبِيد، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يُفتح يأجوج ومأجوج، فيخرجون كما قال الله : ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ فيغشون الناس، وينحاز المسلمون عنهم إلى مدائنهم وحصونهم، ويضمون إليهم مواشيَهم، ويشربون مياه الأرض، حتى إن بعضهم ليمر بالنهر، فيشربون ما فيه حتى يتركوه يَبسًا، حتى إن من بعدهم ليمر بذلك النهر فيقول: قد كان ها هنا ماء مرةً، حتى إذا لم يبق من الناس أحد إلا أحد في حصن أو مدينة، قال قائلهم: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم، بقي أهل السماء. قال ثم يهز أحدهم حربته، ثم يرمي بها إلى السماء، فترجع إليه مُخْتَضبَةً

стр. 4357

دمًا -للبلاء والفتنة- فبينما هم على ذلك، [إذ] [¬١] بعث الله دودًا في أعناقهم كَنَغَف الجراد الذي يخرج في أعناقه، فيصبحون موتى لا يسمع لهم حس، فيقول المسلمون: ألا رجل يشري لنا نفسه، فينظر ما فعل هذا العدو؟ قال: فيتجرد رجل منهم محتسبًا نفسه، وقد أوطنها على أنه مقتول، فينزل فيجدهم موتى، بعضهم على بعض، فينادي: يا معشر المسلمين، ألا أبشروا، إن الله قد كفاكم عدوكم، فيخرجون من مدائنهم وحصونهم، ويُسَرّحون مواشيهم، فما يكون لها رعي إلا لحومهم، [فَتَشْكر عنهم] [¬٢] كأحسن ما [شكرت] [¬٣] عن شيء من النبات أصابته قط. ورواه ابن ماجة (٤٨) من حديث يونس بن بكير، عن ابن إسحاق به. (الحديث الثاني): قال [الإمام، [¬٤] أحمد (٤٩) أيضًا: حدثنا الوليد بن مسلم أبو العباس الدمشقي، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني حمص بن جابر الطائي قاضي حمص، حدثني عبد الرحمن بن جُبَيبر بن نفير الحضرمي، عن أبيه، أنه سمع النواس بن سمعان الكلابي قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة، فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في [طائفة النخل] [¬٥] [فلما رُحْنَا إليه عرف ذلك في وجوهنا، فسألناه فقلنا: يا رسول الله، ذكرت الدجال الغداة، فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل؟] [¬٦] فقال: "غير الدجال [أخوف مني] [¬٧] عليكم، فإن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي علي كل مسلم؛ إنه شاب جعد قَطَط، عينه طافية، وإنه يخرج [خَلّةً] [¬٨] بين الشام والعراق [فعاث] [¬٩] يمينًا وشمالًا، يا عباد الله اثبتوا". قلنا: يا رسول الله، ما لبثه في الأرض؟ قال: "أربعين يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأكامكم". قلنا: كما رسول الله، فذاك اليوم الذي هو كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم وليلة؟ قال: لا، اقدروا له قدره. قلنا: يا رسول الله، فما إسراعه في الأرض؟ قال: "كالغيث استدبرته الريح"، قال: فيمر بالحي فيدعوهم فيستجيبون

стр. 4358

له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، وتروح عليهم سارحتهم وهي أطول ما كانت [ذُرُا] [¬١]، وأمده خواصر، [وأسبغه] [¬٢] ضروعًا. ويمر بالحي فيدعوهم فيردون عليه قولَه، فتتبعه أموالهم، فيصبحون مُمْحلين، ليس لهم من أموالهم شيء، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك. فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل (١). قال: ويأمر برجل فيُقتل، فيضربه بالسيف، فيقطعه جَزْلَتَيْن رَميَة الغرض (٢)، ثم يدعوه فيقبل إليه [يتهلل وجهه] [¬٣] فبينما هم على ذلك، إذ بعث الله المسيح بن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء، شرقي دمشق، بين مَهْرْودَتَين (٣) واضعًا يده على أجنحة ملكين، فيتبعه فيدركه، فيقتله عند باب لُدّ الشرقي". قال: "فبينما هم كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى ابن مريم ﵇: أني قد أخرجت عبادًا من عبادي لا [يَدَانِ] [¬٤] لك بقتالهم، فحَوّز عبادي إلى الطور، فيبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم كما قال الله تعالى: ﴿من كل حدب ينسلون﴾، فيرغب عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله عليهم نَغَفًا (٤) في رقابهم، فيصبحون [فَرْسى] [¬٥] كموت نفس واحدة. فيهبط عيسى وأصحابه، فلا يجدون في الأرض بيتًا إلا قد ملأه زَهَمُهم (٥) ونَتنهم، فيرغب عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل عليهم طيرًا كأعناق البخت، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله". [قال ابن جابر: فحدثني عطاء بن يزيد السكسكي عن كعب -أو غيره- قال: فتطرحهم [بالمهبل] [¬٦] [فقلت: يا أبا يزيد، وأين المَهْبِل؟] [¬٧] قال: مطلع الشمس. قال: "ويرسل الله مطرًا لا يكُنُّ (٦) منه بيت مَدَر ولا وبر أربعين يومًا، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزّلفَة (٧)، ويقال للأرض: أنبتي ثمرتك، وردي بركتك. قال: فيومئذ يأكل النفر

стр. 4359

من الرمانة ويستظلون بقحْفها (١)، ويبارك في [الرسْل]، [¬١]، حتى إن اللّقْحَة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر تكفي الفخذ، والشاة من الغنم تكفي أهل البيت" قال: فبينما هم على ذلك، إذ بعث الله [ريحًا طيبة] [¬٢] تحت آباطهم، [فتقبض] [¬٣] روح كل مسلم" -أو قال: "مؤمن"- "ويبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمير (٢)، وعليهم تقوم الساعة". انفرد بإخراجه مسلم (٣) دون البخاري، فرواه مع بقية أهل السنن (٤) من طرق عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر به، وقال الترمذي: حسن صحيح. (الحديث الثالث): قال الإمام أحمد (٥): حدثنا محمد بن بشر، حدثنا محمد بن عمرو [عن] [¬٤] ابن حرملة. عن خالته قالت: خطب رسول الله ﷺ وهو عاصب أصبُعَه من لدغة عقرب، فقال: " [إنكم] [¬٥] تقولون: لا عدو [لكم] [¬٦]، وإنكم لا تزالون تقاتلون عدوًّا، حتى يأتي يأجوج ومأجوج، عراض الوجوه، صغار العيون، صُهْب [الشعاف] [¬٧] من كل حدب ينسلون، كأن وجوههم المجان المطرقة. وكذا رواه ابن أبي حاتم: من حديث محمد بن [عمرو] [¬٨]، عن خالد بن عبد الله بن حرملة المدلجي، عن خالة له، عن النبي ﷺ ، فذكره مثله. (الحديث الرابع): قد تقدم في تفسير آخر سورة الأعراف من رواية الإمام أحمد (٦) عن

стр. 4360

هشيم، عن العوام، عن جبلة بن سحيم، عن مُؤثر بن [عَفَازَةَ] [¬١]، عن ابن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى ﵈ قال: فتذاكروا أمر الساعة، فردوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال: لا علم لي [بها] [¬٢]. فردوا أمرهم إلى موسى، فقال: لا علم لي [بها] [¬٣]. فردوا أمرهم إلى عيسى، فقال: أما [وجبتها] [¬٤] فلا يعلم بها أحد إلا الله، [وفيما] [¬٥] عهد إليَّ ربي أن الدجال خارج، [قال:] [¬٦] ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، قال: فيهلكه الله إذا رآني، حتى إن الحجر والشجر يفول: يا مسلم، إن تحتي كافرًا، فتعال فاقتله. قال: فيهلكهم الله، ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم. قال: فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيطئون بلادهم، لا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه. قال: ثم يرجع الناس [إليّ] [¬٧] يشكونهم، فأدعو الله عليهم، فيهلكهم ويميتهم، حتى تجوى الأرض من نَتْن ريحهم، وينزل الله المطر، فيجترف أجسادهم، حتى يقذفهم في البحر، ففيما عهد إليَّ ربي أن ذلك إذا كان كذلك، أن الساعة كالحامل المُتِمُ، لا يدري أهلها متى تَفْجؤهم [بولادها] [¬٨] ليلًا أو نهارًا. ورواه ابن ماجة: عن محمد بن بشار، عن يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب به، نحوه وزاد: قال العوام: ووجد تصديق ذلك في كتاب الله ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾. ورواه ابن جرير ها هنا من حديث جبلة به (٥٤). والأحاديث في هذا كثيرة جدًّا، والآثار عن السلف كذلك. وقد روى ابن جرير (٥٥) وابن أبي حاتم: من حديث معمر، عن غير واحد، عن حميد بن هلال، عن أبي [الضَّيف] [¬٩] قال: قال كعب: إذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج، حفروا حتى يسمع الذين يلونهم قرع فئوسهم، فإذا كان الليل قالوا: نجيء غدًا فنخرج.

стр. 4361

فيعيده الله كما كان، فيجيئون من الغد، فيجدونه قد أعاده الله كما كان، فيحفرون حتى يسمع الذين يلونهم قرع فئوسهم، فإذا كان الليل ألقى الله على لسان رجل منهم يقول: نجيء غدًا فنخرج إن شاء الله. فيجيئون من الغد فيجدونه كما تركوه، فيحفرون حتى يخرجوا، فتمر الزمرة الأولى بالبحيرة فيشربون ماءها، ثم تمر الزمرة الثانية فيلحسون طينها، ثم تمر الزمرة الثالثة فيقولون: قد كان ههنا مرة ماء. ويفر الناس منهم، فلا يقوم لهم شيء، ثم يرمون بسهامهم إلى السماء، فترجع إليه مُخَضَّبَة بالدماء، فيقولون: غلبنا أهل الأرض وأهل السماء. فيدعو عليهم عيسى ابن مريم ﵇ فيقول: اللهم لا طاقة ولا يَدَين لنا بهم، [فاكفناهم] [¬١] بما شئت. فيسلط الله عليهم دودًا، يقال له: النغف فيفرس رقابهم، ويبعث الله عليهم طيرًا تأخذهم بمناقيرها فتلقيهم في البحر، ويبعث الله عينًا يقال لها: الحياة، يطهر الله الأرض وينبتها، حتى إن الرمانة ليشبع منها السَّكن -قيل: وما السكن يا كعب؟ قال: أهل البيت- قال: فبينما الناس كذلك، إذ أتاهم الصريخ أن ذا السويقتين يريده، [قال:] [¬٢] فيبعث عيسى ابن مريم طليعة سبعمائة -أو بين السبعمائة والثمانمائة- حتى إذا كانوا ببعض الطريق، بعث الله ريحًا يمانية طيبة، فيقبض فيها روح كل مؤمن، ثم يبقى عجاج من الناس فيتسافدون كما [يتَسَافد] [¬٣] البهائم، فمثل الساعة كمثل رجل يطيف حول فرسه [ينتظرها] [¬٤] متى تضع. قال كعب: فمن [قال بعد] [¬٥] قولي هذا شيئًا أو [بعد علمي] [¬٦] هذا شيئًا فهو المتكلف. هذا من أحسن سياقات كعب الأحبَار، لما شهد له من صحيح الأخبار، وقد ثبت [في] [¬٧] الحديث: أن عيسى ابن مريم يحج البيت العتيق. وقال الإمام أحمد (٥٦): حَدَّثَنا سليمان بن داود، حدثنا عمران، عن قتادة، عن عبد الله بن أبي عتبة، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "ليحجن هذا البيت، وليعتمرن بعد خروج، يأجوج ومأجوج" انفرد بإخراجه البخاري. وقوله: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾، يغني: يوم القيامة، إذا وجدت هذه الأهوال والزلازل والبلابل، أزفت الساعة واقتربت، فإذا كانت ووقعت قال الكافرون ﴿هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: من شدة ما يشاهدونه

стр. 4362

من الأمور العظام ﴿يَاوَيلَنَا﴾، أي: يقولون: ﴿يَاوَيلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾، أي: في الدنيا ﴿بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ يعترفون بظلمهم لأنفسهم، حيث لا ينفعهم ذلك. إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣) يقول تعالى مخاطبًا لأهل مكة من مشركي قريش، ومن دان بدينهم من عبدة الأصنام والأوثان: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ قال ابن عباس: أي: وقودها. يعني كقوله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ وقال ابن عباس أيضًا: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ بمعنى: شجر جهنم. وفي رواية قال: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ يعني: حطب جهنم بالزنجية. وقال مجاهد وعكرمة وقتادة: حطبها. وهي كذلك في قراءة عليّ وعائشة ﵄ وقال الضحاك: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ أي ما يرمى به فيها. وكذا قال غيره، والجميع قريب. وقوله: ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ أي: داخلون، ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾، يعني: لو كانت [يعني] [¬١] هذه الأصنام والأنداد التي اتخذتموها من دون الله -آلهة صحيحة، لما وردوا النار ولما دخلوها ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، أي: العابدون ومعبوداتهم كلهم فيها خالدون ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾ كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ والزفير خروج أنفاسهم، والشهيق ولوج أنفاسهم ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عليّ بن محمد الطنافسي، حدثنا ابن فُضيل، حدثنا عبد الرحمن -يعني المسعودي- عن أبيه قال: قال ابن مسعود: إذا بقي من يخلد في النار، جعلوا في توابيت من نار، فيها مسامير من نار، فلا يرى أحد منهم أنه يعذب في النار غيره، ثم تلا عبد الله: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾.

стр. 4363

ورواه ابن جرير من حديث حجاج بن محمد عن المسعودي عن يونس بن [خباب] [¬١] عن ابن مسعود فذكره. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾، قال عكرمة: الرحمة. وقال غيره: السعادة ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾، لما ذكر تعالى أهل النار وعذابهم بسبب شركهم بالله، عطف بذكر السعداء من المؤمنين بالله ورسله، وهم الذين سبقت لهم من الله السعادة، وأسلفوا الأعمال الصالحة في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿[لِلَّذِينَ] [¬٢] أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ وقال: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إلا الْإِحْسَانُ﴾، فكما أحسنوا العمل في الدنيا، أحسن الله [مآلهم] [¬٣] وثوابهم، فنجاهم من العذاب، وحَصَّل لهم جزيل الثواب، فقال: ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا﴾ [أي: النار] [¬٤] ﴿مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ أي: حريقها في الأجساد. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن أبيه، [عن الجريري] [¬٥]، عن أبي عثمان: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ قال: حيات على الصراط تلسعهم، فإذا لسعتهم قال: حس حس. وقوله: ﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾، فسلمهم من المحذور والمرهوب، وحصل لهم المطوب والمحبوب. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي سُريج، حدثنا محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني، عن ليث بن أبي سليم، عن ابن عم النعمان بن بشير، [عن النعمان بن بشير] [¬٦] قال: [وسمر] [¬٧] مع عليّ ذات ليلة، فقرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾، قال: أنا منهم، وعمر منهم، وعثمان منهم، والزبير منهم، وطلحة منهم، وعبد الرحمن منهم -أو قال: سعد [منهم] [¬٨]- قال: وأقيمت الصلاة فقام، وأظنه يجر ثوبه، وهو يقول: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾. وقال شعبة: عن أبي بشر، عن يوسف المكي، عن محمد بن حاطب قال: سمعت عليًّا

стр. 4364

يقول في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾، قال: عثمان وأصحابه. ورواه ابن أبي حاتم أيضًا، ورواه ابن جرير من حديث يوسف بن سعد -وليس بابن ماهك- عن محمد بن حاطب، عن عليّ، فذكره، ولفظه: عثمان منهم. وقال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾: فأولئك أولياء الله، يمرون على الصراط مرًّا هو أسرع من البرق، ويبقى الكفار فيها جثيًّا. فهذا مطابق لما ذكرناه. وقال آخرون: بل نزلت استثناء من المعبودين، وخرج منهم عزيز والمسيح، كما قال حجاج بن محمد الأعور عن [ابن] [¬١] جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ ثم استثنى فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾، فيقال: هم الملائكة وعيسى، ونحو ذلك مما يعبد من دون الله . وكذا قال عكرمة والحسن وابن جريج. وقال الضحاك: عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾، قال: نزلت في عيسى بن مريم وعزير ﵉. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسين بن عيسى بن ميسرة، حدثنا أبو زهير، حدثنا سعد بن طريف، عن الأصبغ، عن عليّ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾، قال: كل شيء يعبد من دون الله في النار إلا الشمس والقمر وعيسى ابن مريم. إسناده ضعيف. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ قال: عيسى وعزير والملائكة. وقال الضحاك: عيسى ومريم والملائكة والشمس والقمر. وكذا روى عن سعيد بن جبير وأبي صالح وغير واحد. وقد روى ابن أبي حاتم (٥٧) في ذلك حديثًا غريبًا جدًّا فقال: حدثنا الفضل بن يعقوب [الرُّخّامي]، حدثنا سعيد بن [مسلمة] [¬٢] بن عبد الملك، حدثنا ليث بن أبي سليم، عن مغيث، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى [أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ] [¬٣]﴾، قال: "عيسى وعزير والملائكة". وذكر بعضهم قصة ابن الزبعرى ومناظرة المشركين.

стр. 4365

قال أبو بكر بن مردويه: حَدَّثَنا محمد بن عليّ [بن] [¬١] سهل، حدثنا محمد بن حسن الأنماطي، حدثنا إبراهيم بن محمد [بن] [¬٢] عَرْعَرَة، حدثنا يزيد بن أبي حكيم، حدثنا الحكم -يعني ابن أبان- عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء عبد الله بن الزبعرى إلى النبي ﷺ فقال: تزعم أن الله أنزل عليك هذه الآية: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾؟ [فقال] [¬٣] ابن الزبعرى: قد عُبدت الشمس والقمر والملائكة وعزيز وعيسى ابن مريم، كل هؤلاء في النار مع آلهتنا؟ فنزلت: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾، ثم نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾. رواه الحافظ أبو عبد الله في [كتاب] [¬٤]: "الأحاديث المختارة". وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا قبيصة بن عقبة، حدثنا سفيان -يعني الثوري- عن الأعمش، عن أصحابه، عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾. قال المشركون: فالملائكة وعزيز وعيسى يُعْبَدون من دون الله؟ فنزلت: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾. الآلهة التي يعبدون، ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. وروي عن أبي كدينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثل ذلك. وقال: فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾. وقال محمد بن إسحاق بن يسار (٥٨) ﵀ في كتاب "السيرة": وجلس رسول الله، ﷺ فيما بلغني-[يومًا] [¬٥] مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم، وفي [المجلس] [¬٦] غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله ﷺ فعرض له النضر بن الحارث، فكلمه رسول الله ﷺ حتى أفحمه، وتلا عليه وعليهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ ثم قام رسول الله ﷺ وأقبل عبد الله بن الزّبعْرَى السهمي حتى جلس، فقال الوليد بن المغيرة لعبد الله بن الزبعرى: والله ما قام النضر بن

стр. 4366

الحارث لابن عبد المطلب آنفًا ولا قعد، وقد زعم محمد [أنَّا وما] [¬١] نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم. فقال عبد الله بن الزبعرى: أما والله لو وجدته لخصمته، فسلوا محمدًا: [أكل] [¬٢] ما يُعْبَد من دون الله في جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة، واليهود [تعبد] [¬٣] عزيزًا، والنصارى [تعبد] [¬٤] عيسى ابن مريم؟ فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله بن الزبعرى، ورأوا أنه قد احتج وخاصم. فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "كل من أحب أن يُعْبَد من دون الله فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون الشياطين ومن [أمرتهم] [¬٥] بعبادته". وأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾. أي: عيسى وعزيز ومن عبدوا من الأحبار والرهبان، الذين مضوا على طاعة الله، فاتخذهم من يعبدهم من أهل الضلالة أربابًا من دون الله. ونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة وأنهم بنات الله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾. ونزل فيما ذكر من أمر عيسى، وأنه يعبد من دون الله، وعجب الوليد ومن حضره من حجته وخصومته: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ، وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ * إِنْ هُوَ إلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ * وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾. أي: ما وضعت على يديه من الآيات؛ من إحياء الموتى، وإبراء الأسقام، فكفى به دليلًا على علم الساعة، يقول: ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. وهذا الذي قاله ابن الزبعرى خطأ كبير؛ لأن الآية إنما نزلت خطابًا لأهل مكة في عبادتهم الأصنام التي هي جماد لا تعقل، ليكون ذلك تقريعًا وتوبيخًا لعابديها، ولهذا قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾. فكيف يورد على هذا المسيح والعزيز ونحوهما، ممن له عمل صالح، ولم يرض بعبادة من عبده؟ وعول ابن جرير في تفسيره في الجواب على أن "ما" لما لا يعقل [عند] [¬٦] العرب، وقد أسلم عبد الله بن الزبعرى بعد ذلك، وكان من الشعراء المشهورين، كان يهاجي المسلمين أولًا ثم قال معتذرًا: يا رسول المليك؛ إن لساني … رائق ما فتقت إذ أنا بور

стр. 4367

إذ أجاري الشيطانَ في سَننَ الغَيّ … ومن مال مَيلَه مَثْبُور وقوله: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾، قيل: المراد بذلك الموت. رواه عبد الرزاق، عن يحيى بن ربيعة، عن عطاء. وقيل: المراد بالفزع الأكبر: النفخة في الصور. قاله العوفي عن ابن عباس، وأبو سنان [سعيد] [¬١] بن سنان الشيباني، واختاره ابن جرير في تفسيره. وقيل: حين يؤمر بالعبد إلى النار. قاله الحسن البصري. وقيل: حين تطبق النار على أهلها. قاله سعيد بن جبير وابن جريج. وقيل: حين يذبح الموت بين الجنة والنار. قاله أبو بكر الهذلي فيما رواه ابن أبي حاتم عنه. وقوله: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾. يعني: تقول لهم الملائكة، تبشرهم يوم معادهم إذا خرجوا من قبورهم: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾. أي: قابلوا ما يسركم. يَوْمَ نَطْوي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَينَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤) يقول تعالى: هذا [كائن] [¬٢] يوم القيامة ﴿يَوْمَ نَطْوي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [¬٣]﴾. كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْويَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. وقد قال البخاري: حدثنا مقدم بن محمد، حدثني عمي القاسم بن يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين، وتكون السماوات بيمينه". انفرد به من هذا الوجه البخاري (٥٩) ﵀.

стр. 4368

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أحمد بن الحجاج الرقي، حدثنا محمد بن [مسلمة] [¬١] عن أبي [المواصل] [¬٢] عن أبي المليح الأزدي، عن أبي الجوزاء الأزدي، عن ابن عباس قال: يطوي الله السماوات السبع بما فيها من الخليقة، والأرضين السبع بما فيها من الخليقة، يطوي ذلك كله بيمينه، يكون ذلك كله في يده بمنزلة خردلة. وقوله: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾. قيل: المراد [بالسجل: الكتاب. وقيل: المراد] [¬٣] بالسجل ها هنا: ملك من الملائكة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا عليّ بن الحسين، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا يحيى بن [يمان] [¬٤] حدثنا أبو الوفاء الأشجعي، عن أبيه، عن ابن عمر في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾، قال: السجل ملك، فإذا صعد بالاستغفار قال: اكتبها نورًا. وهكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب عن ابن يمان [به] [¬٥]. قال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي [جعفر] [¬٦] محمد بن عليّ بن الحسين أن السجل ملك. وقال السدي في هذه الآية: السجل ملك موكل بالصحف، فإذا مات الإِنسان رفع كتابه إلى السجل فطواه، ورفعه إلى يوم القيامة. وقيل: المراد [به] [¬٧] اسم رجل صحابي كان يكتب للنبي ﷺ الوحي. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا نصر بن عليّ الجهضمي، حدثنا نوح بن قيس، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، [﴿يَوْمَ نَطْوي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾، قال: السجل هو الرجل. قال نوح: وأخبرني يزيد بن كعب -هو العَوْذي- عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس] [¬٨] قال: السجل كاتب للنبي ﷺ . وهكذا رواه أبو داود والنسائي (٦٠) عن قتيبة بن سعيد، عن نوح بن قيس، عن يزيد بن

стр. 4369

كعب، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس ﵄ قال: السجل كاتب للنبي ﷺ . ورواه ابن جرير عن نصر بن عليّ الجهضمي كما تقدم، ورواه ابن عدي (٦١) من رواية يحيى بن عمرو بن مالك [النُّكريّ] [¬١]، عن أبيه، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال: كان لرسول الله ﷺ كاتب يسمَّى السجل، وهو قوله: ﴿يَوْمَ نَطْوي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾، قال: كما يطوي السجل الكتاب، كذلك نطوي السماء، ثم قال: وهو غير محفوظ. وقال الخطيب البغدادي في تاريخه (٦٢): أنبأنا أبو بكر البَرْقاني، أنبأنا محمد بن محمد بن يعقوب الحجاجي، أنبأنا أحمد بن الحسن الكرخي، أن حمدان بن سعيد حدثهم، عن عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بين عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: السجل كاتب للنبي ﷺ . وهذا منكر جدًّا من حديث نافع عن ابن عمر لا يصح أصلًا، وكذلك ما تقدم عن ابن عباس من رواية أبي داود وغيره، لا يصح أيضًا. وقد صرح جماعة من الحفاظ بوضعه -وإن كان في سنن أبي داود- منهم: شيخنا الحافظ الكبير أبو الحجاج المزي فسح الله في عمره، ونسأ في أجله، وختم له بصالح عمله، وفد أفردت لهذا الحديث جزءًا على حدة، ولله الحمد. وقد تصدى الإِمام أبو جعفر بين جرير للإِنكار على هذا الحديث، ورده أتم ردٍّ، وقال: لا يعرف في الصحابة أحد اسمه السجل، وكتاب النبي، ﷺ ، [معروفون] [¬٢]، وليس فيهم أحد اسمه السجل. وصدق ﵀ في ذلك، وهو من أقوى الأدلة على [نكارة] [¬٣] هذا الحديث. وأما مَن ذكر في أسماء الصحابة هذا، فإنما اعتمد على هذا الحديث، لا على غيره، والله أعلم. والصحيح عن ابن عباس أن السجل هي الصحيفة، قاله عليّ بن أبي طلحة [والعوفي] [¬٤] عنه. ونص على ذلك مجاهد وقتادة وغير واحد، واختاره ابن جرير؛ لأنه المعروف في اللغة، فعلى هذا يكون معنى الكلام: ﴿يَوْمَ نَطْوي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ أي: على الكتاب، بمعنى المكتوب؛ كقوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أي: على الجبين، وله نظائر في اللغة، والله أعلم.

стр. 4370

وقوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَينَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾، يعني: هذا كائن لا محالة، يوم يعيد الله الخلائق خلقًا جديدًا، كما بدأهم هو القادر على إعادتهم، وذلك واجب الوقوع، لأنه من جملة وعبد الله الذي لا يخلف ولا يبدل، وهو القادر على ذلك، ولهذا قال: ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾. قال الإمام أحمد (٦٣): حدثنا وكيع وابن جعفر [وعفان] [¬١]- المعنى -[قالوا:] [¬٢] حدثنا شعبة، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة فقال: "إنكم محشورون إلى الله حفاة [عراة] [¬٣] غُرْلًا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَينَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾. وذكر تمام الحديث. أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة، ورواه البخاري عند هذه الآية في كتابه. وقد روى ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ ، نحو ذلك. وقال العَوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ قال: نهلك كل شيء كما كان أول مرة. وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِلْعَالمِينَ (١٠٧) يقول تعالى مخبرًا عما حتمه وقضاه لعباده الصالحين، من السعادة في الدنيا والآخرة، ووراثة الأرض في الدنيا والآخرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. [وقال] [¬٤]: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾. الآية.

стр. 4371

وأخبر تعالى أن هذا مكتوب مسطور في الكتب الشرعية والقدرية فهو كائن لا محالة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾. [قال الأعمش: سألت سعيد بن جبير عن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾] [¬١]؟، فقال: الزبور: التوراة، والإنجيل، والقرآن. وقال مجاهد: الزبور: الكتاب. وقال ابن عباس والشعبي والحسن وقتادة وغير واحد: الزبور: الذي أنزل على داود، والذكر: التوراة. وعن ابن عباس: الزبور: القرآن. وقال سعيد بن جبير: الذكر الذي في السماء. وقال مجاهد: الزبور: الكتب بعد الذكر، والذكر: أم الكتاب عند الله. واختار ذلك ابن جرير ﵀ وكذا قال زيد بن أسلم: [هو] [¬٢] الكتاب الأول. وقال الثوري: هو اللوح المحفوظ. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الزبور: الكتب التي نُزلت على الأنبياء، والذكر: أم الكتاب الذي يكتب فيه [الأشياء] [¬٣] قبل ذلك. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أخبر الله في التوراة والزبور وسابق علمه قبل أن تكون السموات والأرض، أن يورث أمة محمَّد ﷺ الأرض، ويدخلهم الجنة، وهم الصالحون. وقال مجاهد: عن ابن عباس: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾، قال: أرض الجنة. وكذا قال أبو العالية، ومجاهد، وسعيد بن جبير والشعبي، وقتادة، والسدي وأبو صالح، والربيع بن أنس، والثوري. وقال أبو الدرداء: نحن الصالحون. وقال السديُّ: هم المؤمنون. وقوله: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾. أي: إن في هذا القرآن الذي أنزلناه على عبدنا محمَّد ﷺ ﴿لَبَلَاغًا﴾: لَمَنْفعةً وكفاية ﴿لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾،

стр. 4372

وهم الذين عبدوا الله بما شرعه وأحبه ورضيه، وآثروا طاعة الله على طاعة الشيطان وشهوات أنفسهم. وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِلْعَالمِينَ﴾. يخبر تعالى أن الله جعل محمدًا ﷺ رحمة للعالمين، أي: أرسله رحمة لهم كلهم، فمن قبل هذه الرحمة، وشكر هذه النعمة، سعد في الدنيا والآخرة، ومن ردها وجحدها خسر في الدنيا والآخرة، كما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا [وَبِئْسَ] [¬١] الْقَرَارُ﴾. وقال الله تعالى في صفة القرآن: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. وقال مسلم في صحيحه (٦٤): حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا مروان الفزاري، عن يزيد بن كيسان، عن ابن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله، ادع على المشركين. قال: "إني لم أبعث لعانًا، وإنما بعثت رحمة". انفرد بإخراجه مسلم. وفي الحديث الآخر (٦٥): " إنما أنا رحمة مهداة". رواه عبد الله بن أبي عرابة وغيره، عن وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا. قال إبراهيم الحربي: وقد رواه غيره عن وكيع فلم يذكر أبا هريرة، وكذا قال البخاري، وقد سئل عن هذا الحديث فقال: كان عند حفص بن [غياث] [¬٢] مرسلًا. وقال الحافظ ابن عساكر: وقد رواه مالك [ابن سعير بن الخمس] [¬٣] عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا. ثم ساقه من طريق أبي بكر بن المقري وأبي أحمد الحاكم، كلاهما عن بكر بن محمَّد بن إبراهيم [الصوفي] [¬٤]، حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن أبي أسامة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن [قيس] [¬٥] بن أبي حازم، عن

стр. 4373

أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه، سلم: "إنما أنا رحمة مهداة". ثم أورده من طريق الصلت بن مسعود، عن سفيان بن عيينة، عن مسعر، عن سعيد بن خالد، عن رجل، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله بعثني رحمة مهداة، بعثت برفع قوم وخفض آخرين". قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن محمَّد بن نافع الطحان، حدثنا أحمد بن صالح قال: وجدت كتابًا بالمدينة عن عبد العزيز الدراوردي وإبراهيم بن محمَّد بن [عبد العزيز بن] [¬١] عمر بن عبد الرحمن [بن عبد العزيز بن عمرو] [¬٢] بن عوف، عن محمَّد بن صالح التمار، عن [بن شهاب] [¬٣]، عن محمَّد بن [جبير] [¬٤] بن مطعم، عن أبيه قال: قال أبو جهل حين قدم [مكة] [¬٥] منصرفه عن حمزة-: يا معشر قريش، إن محمدًا نزل يثرب وأرسل طلائعه، وإنما يريد أن يصيب منكم شيئًا، فاحذروا أن تمروا طريقه أو [تقاربوه] [¬٦] بأنه كالأسد الضاري، إنه حنق عليكم، لأنكم نفيتموه نفي القردان عن [المناسم] [¬٧] والله إن له لَسحْرَةً، ما رأيته قط ولا أحدًا من أصحابه إلا رأيت معهم الشيطان، وإنكم قد عرفتم عداوة ابني قَيلَةَ -يعني الأوس والخزرج- لهو عدو استعان بعدو، فقال له مطعم بن عدي: يا أبا الحكم، والله ما رأيت أحدًا أصدق لسانًا ولا أصدق موعدًا من أخيكم الذي طردتم، وإذ فعلتم الذي فعلتم فكونوا أكف الناس عنه. قال [أبو سفيان] [¬٨] بن الحارث: كونوا أشد ما كنتم عليه، بأن ابني قَيلَة إن ظفروا لهكم لم يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة، وإن أطعتموني ألجأتموهم خير كناية، أو تخرجوا محمدًا من بين ظهرانيهم، فيكون وحيدًا مطرودًا، وأما [ابنا قيلة فوالله ما هما] [¬٩] وأهل دهلك في المذلة إلَّا سواء، وسأكفيكم حدهم، وقال: سَأمْنَحُ جانبًا مني غليظًا … على ما كان من قُرب وبُعْد

стр. 4374

رجالُ الخزْرَجيَّة أهْلُ ذُلٍّ … إذا ما كان هَزلٌ بعد جد فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: "والذي نفسي بيده، لأقتلنهم ولأصلبنهم ولأهدينهم وهم كارهون، إني رحمة بعثني الله، ولا يتوفاني حتى يظهر الله دينه، لي خمسة أسماء: أنا محمَّد، وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحي الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب". [وقال] [¬١] أحمد بن صالح: أرجو أن يكون الحديث صحيحًا. وقال الإمام أحمد (٦٦): حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، حدثني عمرو بن قيس، عن عمرو بن أبي قرة الكندي قال: كان حذيفة بالمدائن، فكان يذكر أشياء قالها رسول الله ﷺ ، فجاء حذيفة إلى سلمان، فقال سلمان: يا حذيفة، إن رسول الله ﷺ [كان غضب فيقول، ويرضى فيقول، لقد علمت أن رسول الله ﷺ ] [¬٢] خطب فقال: "أيما رجل من أمتي سببته [سبة] [¬٣] في غَضَبي أو لعنته لعنةً، فإنما أنا رجل من ولد آدم، أغضب كما يغضبون، وإنما بعثني رحمة للعالمين، فاجعلها صلاة عليه يوم القيامة". ورواه أبو داود عن أحمد بن يونس عن زائدة. فإن قيل: فأي رحمة حصلت لمن كفر به؟ فالجواب ما رواه أبو جعفر بن جرير: حدثنا إسحاق بن شاهين، حدثنا إسحاق الأزرق، عن المسعودي، عن رجل يقال له: سعيد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِلْعَالمِينَ﴾، قال: من آمن بالله واليوم الآخر، كتب له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن بالله ورسوله عوفي مما أصاب الأمم من الخسف والقذف. وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث المسعودي، عن أبي سعد -وهو سعيد بن المرزُبان البقَّال- عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره بنحوه، والله أعلم. وقد رواه أبو القاسم الطبراني (٦٧): عن عبدان بن أحمد، عن عيسى بن يونس الرملي،

стр. 4375

عن أيوب بن سويد، عن المسعودي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِلْعَالمِينَ﴾، قال: من تبعه كان له رحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يتبعه عوفي مما كان يبتلى به سائر الأمم من الخسف والمسخ والقذف. ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (١١١) قَال رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾ يقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ أن يقول للمشركين: ﴿إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. أي: متبعون على ذلك، مستسلمون منقادون له ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: تركوا ما دعوتَهم إليه ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: أعلمتكم [أني] [¬١] حَرْب لكم، كما أنكم حرب لي، بريء منكم كما أنكم برآء مني، كقوله: ﴿[وَإِنْ] [¬٢] كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾. وقال ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾. أي: [ليكن] [¬٣] علمك وعلمهم بنبذ العهود على السواء، وهكذا ها هنا، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾، أي: [أعلمتكم] [¬٤] ببراءتي منكم، وبراءتكم مني، لعلمي بذلك. وقوله: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾، أي: هو واقع لا محالة، ولكن لا علم لي بقربه ولا ببعده، ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾، أي: إن الله يعلم الغيب جميعه، ويعلم ما يظهره العباد وما يسرون، يعلم الظواهر والضمائر، ويعلم السر وأخفى، ويعلم ما العباد عاملون في أجهارهم وأسرارهم، وسيجزيهم على ذلك، على القليل والجليل. وقوله: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ أي: وما أدري لعل هذا فتنة لكم ومتاع إلى حين.

стр. 4376

قال ابن جرير: لعل تأخير ذلك عنكم فتنة لكم، ومتاع إلى أجل مسمى. وحكاه عون عن ابن عباس، والله أعلم. ﴿[قَال] [¬١] رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾، أي: افصل بيننا وبين قومنا المكذبين بالحق. قال قتادة: كان الأنبياء ﵈ يقولون: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَينَنَا وَبَينَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيرُ الْفَاتِحِينَ﴾. وأُمِرَ رسولُ الله ﷺ أن يقولَ ذلك. وعن مالك عن زيد بن أسلم: كان رسول الله ﷺ إذا شهد قتالًا قال: ربي، احكم بالحق. وقوله: ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾. أي: على ما يقولون ويفترون من الكذب، ويتنوعون في مقامات التكذيب والإفك، [والله] [¬٢] المستعان عليكم في ذلك. [آخر تفسير سورة الأنبياء" ﵈: ولله الحمد والمنة] [¬٣]. انتهى بحمد الله تعالى وحسن توفيقه المجلد التاسع ويليه العاشر وأوله تفسير سورة الحج

стр. 4377

تفسير سورة الحج وهي مدنية ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ يقول تعالى آمرًا عباده بتقواه، ومخبرًا لهم بما يستقبلون من أهوال يوم القيامة وزلازلها وأحوالها. وقد اختلف المفسرون في زلزلة الساعة، هل هي بعد قيام الناس من قبورهم يوم نشورهم إلى عَرَصات القيامة؟ أو ذلك عبارة عن زلزلة الأرض قبل قيام الناس من أجداثهم؟ كما قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالهَا﴾ وقال تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ وقال تعالى: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ فقال قائلون: هذه الزلزلة كائنة في آخر عمر الدنيا، وأول أحوال الساعة. وقال ابن جرير (١): حدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة في قوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ﴾. قال: قبل الساعة. ورواه ابن أبي حاتم من حديث الثوري، عن منصور والأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، فذكره. قال: ورُوي عن الشعبي، وإبراهيم، وعبيد بن عمير، نحو ذلك. وقال أبو كدينة عن عطاء، عن عامر الشعبي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ الآية. قال: هذا في الدنيا قبل يوم القيامة. وقد أورد الإمام أبو جعفر بن جرير (٢) مُسْتَنَدَ مَنْ قال ذلك في حديث الصُّور، من رواية إسماعيل بن رافع قاضي أهل المدينة، عن يزيد بن أبي زياد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله لما فرغ من خلق السماوات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل، فهو

стр. 4378

واضعه على فيه، شاخص ببصره إلى العرش، ينتظر متى يؤمر". قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الصور؟ قال: "قَرْن". قال: فكيف هو؟ قال: "قرن عظيم، ينفخ فيه [¬١] ثلاث نفخات؛ الأولى: نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصَّعْق، والثالثة: نفخة القيام لرب العالمين، يأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقول: انفخ نفخة الفزع. فيفزع أهل السماوات وأهل الأرض، إلا من شاء الله، ويأمره فيمدها ويطولها ولا يَفْتُر، وهي التي يقول الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ فَيُسَيِّر الله الجبال فتكون سرابًا، وتُرَجّ الأرض بأهلها رجًّا، وهي التي يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ فتكون الأرض كالسفينة الموبَقَة [¬٢] في البحر تضربها الأمواج تكفؤها [¬٣] بأهلها، وكالقنديل المعلق بالعرش ترجحه الأرواح، فيمتد الناس على ظهرها، فتذهل المراضع، وتضع الحوامل، ويشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة، حتى تأتي الأقطار، فتلقاها الملائكة فتضرب وجوهها، فترجع، ويولي الناس مدبرين، ينادي بعضهم بعضًا، وهو الذي يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. فبينما هم على ذلك، إذ تصدعت [¬٤] الأرض من قطر إلى قطر، فرأوا أمرًا عظيمًا، فأخذهم لذلك من الكرب ما الله أعلم به، ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمهل، ثم خسف شمسها وخُسِفَ قمرها، وانتثرت نجومها، ثم كُشِطت عنهم". قال رسول الله، ﷺ : "والأموات لا يعلمون بشيء من ذلك". قال أبو هريرة: ثم [¬٥] استثنى الله حين يقول: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ قال: "أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، أولئك أحياء عند ربهم يرزقون، وقاهم الله شر ذلك اليوم وآمنهم، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه، وهو الذي يقول الله [¬٦]: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ ". وهذا الحديث قد رواه الطبراني، وابن جرير (٣)، وابن أبي حاتم، وغير واحد مطولًا جدًّا، والغرض منه أنه دل على أن هذه الزلزلة كائنة قبل يوم الساعة، وأضيفت إلى الساعة

стр. 4379

لقربها منها، كما يقال: أشراط الساعة، ونحو [¬١] ذلك، والله أعلم. وقال آخرون: بل ذلك هول وفزع، وزلزال وبَلبال، كائن يوم القيامة في العَرَصات، بعد القيام من القبور، واختار ذلك ابن جرير، واحتجوا بأحاديث: الأول: قال الإمام أحمد (٤): حدثنا يحيى، عن هشام، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين أن رسول الله، ﷺ ، قال وهو في بعض أسفاره، وقد [تفاوت بين أصحابه السير] [¬٢]، رفع بهاتين الآيتين صوته: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾. فلما سمع أصحابه بذلك حَثّوا المطيّ، وعرفوا أنه عند قول يقوله، فلما تأشّبوا [¬٣] حوله قال: "أتدرون أي يوم ذاك [¬٤]؟ ذاك يوم يُنادَى آدم ﵇ فيناديه ربه فيقول: يا آدم، ابعث بعثك إلى النار. فيقول: يا رب؛ وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون في النار، وواحد في الجنة". قال: فأبلس أصحابه حتى ما أوضحوا بضاحكة، فلما رأى ذلك قال: "أبشروا واعملوا [¬٥]، فوالذي نفس محمد بيده إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيء قط إلّا كثرتاه؛ يأجوج ومأجوج، ومن هلك من بني آدم وبني إبليس". قال: فسري عنهم ثم قال: "اعملوا وأبشروا، فوالذي نفس محمد بيده ما أنتم في الناس إلّا كان كالشامة في جنب البعير، أو الرقمة (*) في ذراع الدابة". وهكذا رواه الترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننيهما، عن محمد بن بشار، عن يحيى -وهو القطان- عن هشام -وهو الدستوائي- عن قتادة، به بنحوه. وقال الترمذي: حسن صحيح.

стр. 4380

(طريق أخرى لهذا الحديث) قال [¬١] الترمذي (٥): حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا ابن جدعان، عن الحسن، عن عمران بن حصين، أن النبي ﷺ قال لما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾. قال: أنزلت عليه هذه [¬٢]، الآية وهو في سفر، فقال: "أتدرون أي يوم ذلك؟ " فقالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "ذلك يوم يقول الله لآدم: ابعث بعث النار. قال: يا رب، وما بعث النار؟ قال: تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحد إلى [¬٣] الجنة! ". فأنشأ المسلمون ليكون، فقال رسول الله، ﷺ : "قاربوا وسددوا، فإنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية". قال: "فيؤخذ العدد من الجاهلية، فإن تمت وإلا كملت من المنافقين، وما مثلكم والأمم إلا
следующие страницы →