← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.

стр. 5321

وقال عبد الرزاق (٥٠): أخبرنا معمر، عن الزُّهْريّ، أخبرنا القاسم قال: اجتمع أبو هريرة وكعب، فجعل أبو هريرة يحدث عن النبي ﷺ ، وجعل كعب يحدث عن الكُتُب، فقال أبر هروة: قال النبي ﷺ : "إن لكل نبي دعوة مستجابة، وإني قد خَبأتُ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة". فقال له كعب: أنت سمعتَ هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قال: فداك أبي وأمي -أو: فداه أبي وأمي - أفلا أخبرك عن إبراهيم ﵇؟ إنه لما أري ذَبْح ابنه إسحاق قال الشيطان: إن لم أفتن هؤلاء عند هذه لم أفتنهم أبدًا. فخرج إبراهيم بابنه ليذبحه، فذهب الشيطان فدخل على سارة، فقال: أين ذهب إبراهيم بابنك؟ قالت: غدا به لبعض حاجته. قال: لم يغد به لحاجة، وإنَّما ذهب به ليذبحه. قالت: وَلِمَ يذبحه؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك. قالت: فقد أحسن أن يطيع ربه. فذهب الشيطان في أثرهما فقال للغلام: أين يذهب بك أبوك؟ قال: لبعض حاجته. قال: إنه لا يذهب بك لحاجة، ولكنه يذهب بك ليذبحك. قال: ولم يذبحني؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك. قال: فوالله لئن كان الله أمره بذلك ليفعلن. قال: فيئس منه فلحق بإبراهيم، فقال [¬١]: أين غدوت بابنك [¬٢]؟ قال: لحاجة. قال: فإنك لم تغد به لحاجة، وإنَّما غدوت به لتذبحه. قال: وَلم أذبَحه؟ قال: تزعم أن ربك أمرك بذلك. قال: فوالله لئن كان الله أمرني بذلك لأفعلن. قال: فتركه ويئس أن يطاع. وقد رواه ابن جرير (٥١) عن يونس، عن ابن وَهْب، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، أن [¬٣] عمرو بن أبي سفيان بن [¬٤] أسيد بن جَارية [¬٥] الثقفي أخبره، أن كعبًا قال لأبي

стр. 5322

هريرة … فذكره بطوله، وقال في آخره: وأوحى الله إلى إسحاق [أني أعطيتك] [¬١] دعوة أستجيب لك فيها. قال إسحاق: اللهم، إني أدعو أن تستجيب لي: أيُّما عَبْد لقيك من الأولين والآخرين، لا يشرك بك شيئًا، فأدخله الجنَّة. وقال ابن أبي حاتم (٥٢): حدَّثنا أبي، حدَّثنا محمد بن الوزير الدمشقي، حدَّثنا الوليد في مسلم، حدَّثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله خيرني بين أن يغفر لنصف أمتي، وبين أن أختبئ شفاعتي، فاختبأت شفاعتي، ورجوت أن تكفر الجمّ لأمتي، ولولا الذي سبقني إليه العبد الصالح لتعجلت فيها دعوتي، إن الله لما فرج عن إسحاق كرْبَ الذبح قيل له: يا إسحاق، سَل تُعْطَهْ. فقال: أما والذي نفسي بيده لأتعجلنها قبل نزغات الشيطان، اللَّهم؛ من مات لا يشرك بك شيئًا فاغفر له وأدخله الجنَّة". هذا حديث غريب منكر، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف الحديث، وأخشى أن يكون في الحديث زيادة مدرجة، وهي قوله: "إن الله تعالى لما فرج عن إسحاق … " إلى آخره، والله أعلم. فهذا إن كان محفوظًا فالأشبه أن السياق إنما هو عن "إسماعيل"، وإنما حرفوه بإسحاق، حَسَدًا منهم كما تقدم، وإلا فالمناسك والذبائح إنما محلها بمنى [من أرض مكة، حيث كان إسماعيل لا إسحاق، فإنه إنما كان ببلاد كنعان] [¬٢] من أرض الشام. وقوله تعالى: ﴿وَنَادَينَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ أي: قد حصل المقصود من رؤياك بإضجاعك ولدك للذبح. وذكر السَّدي وغيره أنَّه أَمَرَّ السكين على رقبته فلم تقطع شيئًا، بل حال بينها وبينه صفيحة من نحاس، ونودي إبراهيم ﵇ عند ذلك: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾.

стр. 5323

وقوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: هكذا نصرف عمن أطاعنا المكاره والشدائد، ونجعل لهم من أمرهم فرجًا ومخرجًا، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيءٍ قَدْرًا﴾. وقد استدل بهذه الآية والقصة جماعة من علماء الأصول على صحة النسخ قبل التمكن من الفعل، خلافًا لطائفة من المعتزلة، والدلالة من هذه ظاهرة، لأن الله تعالى شرع لإِبراهيم ذَبْحَ ولده، ثم نسخه عنه وصرفه إلى الفداء، وإنَّما كان المقصود من شرعه أولًا إثابة الخليل على الصبر على ذبح ولده وعزمه على ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ أي: الاختبار الواضح الجلي؟ حيث أُمِرَ بذبح ولده، فسارع إلى ذلك مستسلمًا لأمر الله، منقادًا لطاعته، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ ". وقوله: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾، قال سفيان الثَّوري (٥٣): عن جابر الجُعْفي، عن أبي الطفيل، عن علي ﵁: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال: بكبش أبيض أعين أقرن، قد ربط بسمرة، قال أبو الطفيل: وجدوه مربوطًا بَسُمَرة في ثَبِير، وقال الثَّوري أيضًا (٥٤): عن عبد الله ابن عثمان بن خُثَيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس قال: كبش قد رعى في الجنَّة أربعين خريفًا. وقال ابن أبي حاتم (٥٥): حدَّثنا أبي، حدَّثنا يوسف بن يعقوب الصفار، حدَّثنا داود العَطّار [¬١]، عن ابن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس قال: الصخرة التي بمنى بأصل ثَبِير هي الصخرة التي ذبح عليها إبراهيم فداء ابنه، هبط عليه من ثبير كبش أعين أقرن له ثغاء،

стр. 5324

فذبحه، وهو الكبش الذي قَرَّبه ابن آدم فتقبل منه، فكان مخزونًا حتَّى فدي به إسحاق. ورُوي أيضًا عن سعيد بن جبير أنَّه قال: كان الكبش يرتع في الجنَّة حتَّى تشقق عنه ثبير وكان عليه عِهْنٌ [¬١] أحمرٌ. وعن الحسن البصري (٥٦)؛ أنَّه [] [¬٢] كان اسم [¬٣] كبش إبراهيم: جرير. وقال ابن جريج: قال عبيد بن عمير: ذبحه بالمقام. وقال مجاهد: ذبحه بمنى عند المنحر. وقال هُشَيم (٥٧): عن سيار، عن عكرمة: إن ابن عبَّاس كان أفتى الذي جعل عليه نذرًا [¬٤] أن ينحر نفسه، فأمره بمائة من الإبل. ثم قال بعد ذلك: [لو كنت أفتيته] [¬٥] بكبش لأجزأه أن يذبح كبشًا، فإن الله تعالى قال في كتابه: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾.

стр. 5325

والصحيح الذي عليه الأكثرون أنَّه فُدي بكبش. وقال الثَّوري (٥٨): عن رجل، عن أبي صالح، عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال: وَعِل [¬١]. وقال محمد بن إسحاق (٥٩): عن عمرو بن عبيد، عن الحسن أنَّه كان يقول: ما فُدي إسماعيل إلَّا بتيس من الأرْوَى أهبط عليه من ثبير. وقد قال الإِمام أحمد (٦٠): حدَّثنا سفيان، حدثني منصور، عن خاله مسافع، عن صفية بنت شيبة قالتَ: أخبرتني امرأة من بني سليم - وَلَدت عَامَّة أهل دارنا - أرسل رسول الله ﷺ إلى عثمان بن طلحة، وقال [¬٢] مَرَّة: إنها سألت عثمان: لم دعاك النبي ﷺ ؟ قال: قال: "إني كنتُ رأيتُ قرني الكبش حين دخلت البيت، فنسيت أن آمرك أن تخمّرهما، فخَمِّرْهما، فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء [¬٣] يشغل المصلي". قال سفيان: لم يزل [¬٤] قرنا الكبش معلقين [¬٥] في البيت حتَّى احترق البيت، فاحترقا. وهذا دليل مستقل على أنَّه إسماعيل ﵇ فإن قريشًا توارثوا قرني الكبش الذي فدى به إبراهيم خلفًا عن سلف وجيلًا بعد جيل إلى أن بعث الله رسوله ﷺ . فصل في ذكر الآثار الواردة عن السلف في أن الذبيح من هو؟

стр. 5326

ذكر من قال: هو إسحاق: قال حمزة الزيات (٦١)، عن أبي يسرة ﵀ قال: قال يوسف ﵇ للملك في وجهه: ترغب أن تأكل معي، وأنا والله يوسف بن يعقوب نبي الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله. وقال الثوري (٦٢): عن أبي سنان، عن ابن أبي الهذيل: أن يوسف ﵇ قال للملك كذلك أيضًا. وقال سفيان الثَّوري (٦٣): عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه قال: قال موسى: يارب؛ يقولون: يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فبم قالوا ذلك؟ قال: إن إبراهيم لم يعدل بي شيء قط إلا اختارني عليه. وإن إسحاق جاد لي بالذبح، وهو بغير ذلك أجود. لأن يعقوب كلما زدته بلاء زادني حُسنَ ظن. وقال شعبة (٦٤): عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص قال: افتخر رجل عند ابن مسعود فقال: أنا فلان بن فلان، ابن [¬١] الأشياخ الكرام. فقال عبد الله: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله.

стр. 5327

وهذا صحيح إلى ابن مسعود، وكذا رَوَى عكرمة (٦٥)، عن ابن عباس أنَّه إسحاق. وعن أبيه العباس (٦٦)، وعلي بن أبي طالب (٦٧) مثل ذلك. وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير، ومجاهد، والشعبي، وعبيد بن عمير، وأَبو ميسرة، وزيد بن أسلم، وعبد اللَّه بن شقيق، والزهري، والقاسم بن أبي بَزَّة [¬١]، ومكحول، وعثمان بن [¬٢] حاضر، والسدي، والحسن، وقَتَادة، وأَبو الهذيل، وابن سابط، وهو اختيار ابن جرير، وتقدم روايته عن كعب الأحبار أنَّه إسحاق. وهكذا روى ابن إسحاق (٦٨) عن عبد الله بن أبي بكر، عن الزُّهْريّ، عن أبي سفيان ابن [¬٣] العلاء ابن جارية، عن أبي هريرة، عن كعب الأحبار، أنَّه قال: هو إسحاق. وهذه الأقوال - والله أعلم - كلها مأخوذة عن كعب الأحبار، فإنه لما أسلم في الدولة العُمَرية جعل يُحدِّث عمر ﵁ عن كتبه، فربما استمع له عمر ﵁ فترخص الناس في استماع ما عنده، ونقلوا عنه غَثَّها وسمينها، وليس بهذه [¬٤] الأمة - والله أعلم - حاجة إلى حرف واحد كما عنده. وقد حكى البغوي هذا القول بأنَّه إسحاق: عن عمر، وعلي، وابن مسعود، والعباس، ومن التابعين: عن كعب الأحبار، وسعيد بن جبير، وقَتَادة، ومسروق، وعكرمة، ومقاتل، وعطاء، والزهري، والسدي قال: وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس. وقد ورد في ذلك حديث -لو ثبت لقلنا به على الرأس والعين، لكن لم يصح سنده- قال

стр. 5328

ابن جرير (٦٩): حدَّثنا أَبو كريب، حدَّثنا زيد بن حُبَاب، عن الحسن بن دينار، عن علي بن زيد بن جُدعان، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب، عن النبي ﷺ في حديث ذكره قال: "هو إسحاق". ففي إسناده ضعيفان، وهما الحسن بن دينار البصري؛ متروك، وعلي بن زيد بن جُدْعان، منكر الحديث. وقد رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن مسلم بن إبراهيم، عن حمَّاد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جُدْعان، به مرفوعًا. ثم قال [¬١]: قد رواه مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن الأحنف، عن العباس قوله، وهذا أشبه وأصح. ذكر الآثار الواردة بأنه إسماعيل ﵇ وهو الصحيح المقطوع به قد تقدمت الرواية عن ابن عبَّاس أنَّه إسحاق، [وقال] [¬٢] سعيد بن جبير، وعامر الشعبي،

стр. 5329

ويوسف بن مهران، ومجاهد، وعطاء، وغير واحد، عن ابن عبَّاس (٧٠): هو إسماعيل ﵇. وقال ابن جرير (٧١): حدثني يونس، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني عمر بن قيس، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عبَّاس أنَّه قال: المفدى إسماعيل ﵇، وزعمت اليهود أنَّه إسحاق، وكذبت اليهود. وقال إسرائيل (٧٢) عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر قال: الذبيح إسماعيل. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: هو إسماعيل. وكذا قال يوسف بن مهران. وقال الشعبي: هو إسماعيل ﵇ وقد رأيت قرني الكبش في الكعبة. وقال محمد بن إسحاق (٧٣) عن الحسن بن دينار وعمرو بن عبيد، عن الحسن البصري: أنَّه كان لا يشك [¬١] في ذلك: أن الذي أمِرَ بذبحه من ابني إبراهيم: إسماعيل. قال ابن إسحاق (٧٤): وسمعت محمد بن كعب القرظي وهو [¬٢] يقول: إن الذي أمر الله

стр. 5330

إبراهيم بذبحه من ابنيه إسماعيل. وإنا لنجد ذلك في كتاب الله، وذلك أن الله حين فرغ من قصة المذبوح من ابني إبراهيم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ يقول الله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا [¬١] بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾، يقول: بابن وابن ابن، فلم يكن ليأمره بذبح إسحاق وله فيه من الموعود ما وعده، وما الذي أمر بذبحه إلَّا إسماعيل. وقال ابن إسحاق (٧٥): عن بُرَيدة بن سفيان بن فَرْوَةَ الأسلمي، عن محمد بن كعب القرظى أنَّه حدثهم: أنَّه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز وهو خليفة إذ كان معه بالشام، فقال له عمر: إن هذا لشيء ما كنت أنظر فيه، وإني لأراه كما قلت. ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام، كان يهوديًّا فأسلم وحَسُن إسلامه، وكان يرى أنَّه من علمائهم، فسأله عمر بن عبد العزيز عن ذلك - قال محمد بن كعب: وأنا عند عمر بن عبد العزيز - فقال له عمر: أيّ ابني إبراهيم أمِرَ بذبحه؟ فقال: إسماعيل والله. يا أمير المؤمنين، وإن يهود لتعلم بذلك، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه والفضل الذي ذكره الله منه لصبره لمَا أمر به، فهم يجحدون ذلك، ويزعمون أنَّه إسحاق، بكون إسحاق أباهم [¬٢]، والله أعلم أيهما كان، وكلٌّ قد كان طاهرًا طيبًا مطيعًا لله . وقال عبد الله ابن الإِمام أحمد بن حنبل ﵀: سألت أبي عن الذبيح، مَن هو؟ إسماعيل أو إسحاق؟ فقال: إسماعيل. ذكره في "كتاب الزهد". وقال ابن أبي حاتم: وسمعت أبي يقول: الصحيع أن الذبيح إسماعيل ﵇. قال: ورُويَ عن علي، وابن عمر، وأبي هريرة، وأبي الطفيل، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد، والشعبي، ومحمد بن كعب القرظي، وأبي جعفر محمد بن علي، وأبي صالح أنهم قالوا: الذبيح إسماعيل. وقال البغوي في تفسيره: وإليه ذهب عبد الله بن عمر، وسعيد بن المسيب، والسدي، والحسن البصري، ومجاهد، والربيع بن أَنس، ومحمد بن كعب القرظي، والكلبي، وهو رواية عن ابن عبَّاس، وحكاه أيضًا عن أبي عمرو بن العلاء. وقد روى ابنُ جرير في ذلك حديثًا غريبًا فقال (٧٦): حدثني محمد بن عمار الرازي،

стр. 5331

حدَّثنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة، حدَّثنا عمر بن عبد الرحيم الخطابي، عن عُبيد الله بن محمد العُتْبي - من ولد عُتبة بن أبي سفيان - عن أبيه: حدثني عبد الله بن سعيد، عن الصُّنَابحي قال: كنا عند معاوية بن أَبي سفيان، فذكروا الذبيح: إسماعيل أو إسحاق؟ فقال: على الخبير سَقَطتُم، كنا عند رسول الله ﷺ ، فجاءه رجل فقال: يا رسول الله، عُدْ علي مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين. فضحك رسول الله ﷺ . فقيل له: يا أمير المؤمنين، وما الذبيحان؟ فقال: إن عبد المطلب لما أُمِر بحفر زمزم نذر لله إن سهل الله أمرها عليه [¬١] ليَذْبَحَن أحدَ ولده، قال: فخرج السهم على عبد الله، فمنعه أخواله وقالوا: افد ابنك بمائة من الإِبل. ففداه بمائة من الإِبل، وإسماعيل الثاني. وهذا حديث غريب جدًّا، وقد رواه الأموي في مغازيه: حدَّثنا بعض أصحابنا، أخبرنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة، حدَّثنا عمر بن عبد الرحمن القرشي، حدَّثنا عبيد [¬٢] الله بن محمد العتبي - من [¬٣] ولد عتبة بن أبي سفيان - حدَّثنا عبد الله بن سعيد [¬٤]، حدَّثنا الصنابحي قال: حضرنا مجلس معاوية، فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق، وذكره. كذا كتبته من نسخة [] [¬٥] وإنما عَوَّل ابنُ جرير في اختياره أن الذبيح إسحاق على قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ [¬٦] بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ بغلام حليم، فجعل هذه البشارة هي البشارة بإسحاق في قوله: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾، وأجاب عن البشارة بيعقوب بأنه قد كان بلغ معه السعي، أي العمل، ومن الممكن أنَّه قد كان ولد له أولاد مع يعقوب أيضًا، قال: وأما القرنان اللذان كانا مُعَلَّقين بالكعبة فمن الجائز أنهما نقلا من بلاد الشام. قال [¬٧]: وقد تقدم أن من الناس من ذهب إلى أنَّه ذبيح [¬٨] إسحاق هناك. هذا ما اعتمد عليه في تفسيره، وليس ما ذهب إليه بمذهب ولا لازم، بل هو [¬٩] بعيد جدًّا، والذي استدل به محمد بن كعب القرظي على أنَّه إسماعيل أثبت

стр. 5332

وأصح وأقوى، والله أعلم. وقوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، لما تقدمت البشارة بالذبيح - وهو إسماعيل - عطف بذكر البشارة بأخيه إسحاق، وقد ذكرت في سورتي "هود" و "الحجر". وقوله: ﴿نَبِيًّا﴾ حال مقدرة [¬١] أي سيصير منه نبي من الصالحين. وقال ابن جرير (٧٧): حدثني يعقوب، حدَّثنا ابن عُلَيّة، عن داود، عن عكرمة قال: قال ابن عبَّاس ﵄: الذبيح إسحاق. قال: وقوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، قال: بشر بنبوته، قال: وقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾، قال: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد: وَهَب له نبوته. وحدثنا ابن عبد الأعلى (٧٨)، حدَّثنا المعتمر بن سليمان قال [¬٢]: سمعتُ داود يُحدّث، عن عكرمة، عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، قال: إنما بُشّر به نبيًّا حين فداه الله من الذبح، ولم تكن البشارة بالنبوة عند مولده. وقال ابن أبي حاتم (٧٩): حدَّثنا أبي، حدَّثنا أَبو نُعَيم، حدَّثنا سفيان] [¬٣] الثوري، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، قال: بُشّر به حين ولد، وحين نُبّي. وقال سعيد بن أبي عَرُوبَةَ (٨٠): عن قَتَادة في قوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، قال: بعد ما كان من أمره، لما جاد لله بنفسه وقال الله: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾. وقوله: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾، كقوله تعالى: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

стр. 5333

﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّينَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (١١٦) وَآتَينَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَينَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنَا عَلَيهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)﴾ يذكر تعالى ما أنعم به على موسى وهارون من النبوة والنجاة بمن آمن معهما، من قهر فرعون وقومه، وما كان يعتمده في حقهم من الإِساءة العظيمة، من قتل الأبناء واستحياء النساء، واستعمالهم في أخسِّ الأشياء. ثم بعد هذا كله نصرهم عليهم، وأقر أعينهم منهم، فغلبوهم وأخذوا أرضهم وأموالهم وما كانوا جمعوه طول حياتهم. ثم أنزل الله على موسى الكتاب العظيم الواضح الجلي المستبين، وهو التوراة، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً﴾، وقال هاهنا: ﴿وَآتَينَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَينَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي: في الأقوال والأفعال، ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيهِمَا فِي الْآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا لهما من بعدهما ذكرًا جميلًا وثناءً حسنًا ثم فسره بقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿إِذْ قَال لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنَا عَلَيهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١)﴾ قال قَتَادة ومحمد بن إسحاق، يقال: إلياس هو إدريس. وقال ابن أبي حاتم (٨١): حدَّثنا أبي، حدَّثنا أَبو نُعَيم، حدَّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق،

стр. 5334

عن عَبيدة بن ربيعة عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إلياس هو إدريس. وكذا قال الضحاك. وقال وَهْب بن منبه: هو إلياس بن ياسين [¬١] بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران، بعثه الله في بني إسرائيل بعد حزقيل ﵉ وكانوا قد عبدوا صنمًا يقال له: "بعل"، فدعاهم إلى الله، ونهاهم عن عبادة ما سواه، وكان قد آمن به ملكهم ثم ارتد، واستمروا على ضلالتهم، ولم يؤمن به منهم أحد. فدعا الله عليهم، فحَبَس عنهم القَطْر ثلاث سنين، ثم سألوه أن يكشف ذلك عنهم، ووعدوه [¬٢] الإيمان به إن هم أصابهم المطر. فدعا الله لهم، فجاءهم الغيث فاستمروا على أخبث ما كانوا عليه من الكفر، فسأل الله أن يقبضه إليه. وكان قد نشأ على يديه اليسع بن أخطوب ﵇ فأمر الياس أن يذهب إلى مكان [¬٣] كذا وكذا، فمهما جاءه فليركبه [ولا يهبه] [¬٤]، فجاءته فرس من نار فركب، وألبسه الله النور وكساه الريش، وكان يطير مع الملائكة ملكًا إنسيًّا سماويًّا أرضيًّا. هكذا حكاه وَهْب عن أهل الكتاب، والله أعلم بصحته. ﴿إِذْ قَال لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ﴾؟ أي: ألا تخافون الله في عبادتكم غيره؟ ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾، قال ابن عبَّاس، ومجاهد، وعكرمة، وقَتَادة، والسدي: بعلًا يعني: ربًّا. قال قَتَادة وعكرمة: وهي لغة أهل اليمن. وفي رواية عن قَتَادة قال: هي لغة أزْد شَنُوءة. وقال ابن إسحاق: أخبرني بعض أهل العلم أنهم كانوا يعبدون امرأة اسمها "بعل". وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه: هو اسم صنم كان يعبده أهل مدينة يقال لها: "بعلبك"، غربي دمشق. وقال الضحاك: هو صنم كانوا يعبدونه. وقوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾، أي: أتعبدون صنمًا؟ ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له.

стр. 5335

قال اللَّه تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: للعذاب يوم الحساب، ﴿إلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الموحدين منهم، وهذا استثناء منقطع من مثبت. وقوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ أي: ثناءً جميلًا، ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾، كما يقال [¬١] في إسماعيل: إسماعين، وهي لغة بني أسد. وأنشد بعض بني نمير [¬٢] في ضبٍّ صاده: يقول رب السوق لما جينا … هذا ورب [البيت إسرائينا] [¬٣] ويقال: ميكال وميكائيل وميكائين، وإبراهيم وإبراهام، واسرائيل وإسرائين، وطور سيناء، وطور سينين، وهو موضع واحد، وكل هذا سائغ. وقرأ آخرون: "سَلَامٌ عَلَى إِدريس" [¬٤] ". وهي قراءة عبد اللَّه بن مسعود. وآخرون: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾، يعني: آل محمد ﷺ . وقوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ قد تقدم تفسيره. ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢) وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّينَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إلا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ يخبر تعالى عن عبده ورسوله لوط ﵇ أنَّه بعثه إلى قومه فكذبوه، فنجاه الله من بين أظهرهم هو وأهله، إلا امرأته فإنها هلكت مع من هلك من قومها، فإن الله تعالى أهلكهم بأنواع من العقوبات، وجعل محلتهم من الأرض بحيرة منتنة قبيحة المنظر والطعم والريح، وجعلها بسبيل مقيم يمر بها المسافرون ليلًا ونهارًا؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي: أفلا تعتبرون بهم، كيف دمر الله عليهم، وتعلمون أن للكافرين أمثالها؟! ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ

стр. 5336

الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨)﴾ وقد تقدمت قصة يونس ﵇ في "سورة الأنبياء" وفي الصحيحين (٨٢) عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى". ونَسَبَه إلى أمه وفي رواية قيل: "إلى أبيه". وقوله: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾، قال ابن عباس: هو المُوقر. أي: المملوء بالأمتعة. ﴿فَسَاهَمَ﴾ أي: قارع، ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ أي: المغلويين، وذلك أن السفينة تَلَغَّبَتْ بها الأمواج من كل جانب، وأشرفوا على الغرق، فتساهموا [¬١] على من تقع عليه القرعة يُلقى في البحر، لتخف بهم السفينة، فوقعت القرعة على نبي اللَّه يونس ﵊ ثلاث مرات، وهم يضنون به أن يلقى من بينهم، فتجرد من ثيابه ليلقي نفسه وهم يأبون عليه ذلك. وأمر اللَّه تعالى حوتًا من البحر الأخضر أن يشق البحار، وأن يلتقم يونس ﵇ فلا يَهْشِمُ له لحمًا، ولا يكسر له عظمًا. فجاء ذلك الحوت وألقى يونس ﵇ نفسه، فالتقمه الحوت، وذهب به فطاف به البحار كلها. ولما استقر يونس في بطن الحوت، حسب أنه قد مات، ثم حرك رأسه ورجليه وأطرافه فإذا هو حي، فقام يصلى في بطن الحوت، وكان من جملة دعائه: "يا رب، اتخذتُ لك مسجدًا في موضع لم يبلغه أحد من الناس". واختلفوا في مقدار ما لبث في بطن الحوت، فقيل: ثلاثة أيام. قاله قتادة. وقيل: جُمْعَة. قاله جعفر الصادق. وقيل: أربعين يومًا. قاله أبو مالك. وقال مُجَالد، عن الشعبي: التقمه ضحًى، وقذفه عشية. والله أعلم بمقدار ذلك وفي شعر أمية بن أبي الصلت: وَأنْتَ بفضل منْكَ نجَّيتَ يُونُسا … وَقَدْ بَاتَ فيِ أضْعَاف حُوتٍ لَياليًا وقوله: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، قيل: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء. قاله الضحاك بن قيس، وأبو العالية، ووهب بن منبه، وقتادة،

стр. 5337

وغير واحد، واختاره ابن جرير، وقد ورد في الحديث الذي سنورده ما يدل على ذلك إن صح الخبر. وفي حديث عن [¬١] ابن عباس (٨٣): " تَعَرّف إلى اللَّه في الرخاء يعرفك في الشدة". وقال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والضحاك، وعطاء بن السائب، والسدي، والحسن، وقتادة: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ يعني: المصلين. وصرح بعضهم بأنه كان من المصلين قبل ذلك، وقال بعضهم: كان من المسبحين في جوف أبويه. وقيل المراد: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ هو قوله: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّينَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾، قاله سعيد بن جبير وغيره. وقال ابن أبي حاتم (٨٤): حدثنا أبو عبيد اللَّه ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثنا أبو صخر: أن يزيد الرقاشي حَدّثه: أنه سمع أنس بن مالك- ولا أعلم إلا أنّ [¬٢] أنسًا يرفع الحديث إلى رسول اللَّه ﷺ : "أن يونس النبي ﷺ حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت، فقال: اللهم، لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين. فأقبلت الدعوة تحف [¬٣] بالعرش، قالت الملائكة: يا رب، هذا صوت ضعيف معروف من بلاد بعيدة [¬٤] غريبة؟ فقال: أما [¬٥] تعرفون ذلك. قالوا: يا رب، ومن هو؟ قال: عبدي يونس. قالوا: [عبدك يونس الذي] [¬٦] لم يزل يرفع له عمل متقبل [¬٧]، ودعوة مستجابة؟! قالرا: يارب، أو لا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجّيَه من البلاء؟ قال: بلى. فأمر الحوت فطرحه بالعراء".

стр. 5338

ورواه ابن جرير عن يونس عن ابن وهب به. زاد ابن أبي حاتم: قال أبو صخر حُمَيد بن زياد: فأخبرني ابن قُسَيط وأنا أحدثه [¬١] هذا الحديث: أنه سمع أبا هريرة يقول: طرح بالعراء، وأنبت اللَّه عليه اليقطينة. قلنا: يا أبا هريرة، وما اليقطينة؟ قال: شجرة الدُّباء. قال أبو هريرة: وَهَيَّأ اللَّه له أُرْويَّة [¬٢] وحشيةً تأكل من خشاش الأرض -أو قال: هشاش الأرض- قال: فتتفشح [¬٣] عليه فَتَرْويه من لبنها كل عَشية وبُكرةٍ حتى نَبَت. وقال أمية بن أبي الصلت في ذلك بيتًا من شعره: فأنبت يقطينا عليه برحمةٍ … من اللَّه لولا اللَّه ألفى ضاحيًا وقد تقدم حديث أبي هريرة (٨٥) مسندًا مرفوعًا في تفسير "سورة الأنبياء" ولهذا قال تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ﴾ أي: ألقيناه ﴿بِالْعَرَاءِ﴾ قال ابن عباس، وغيره: وهي الأرض التي ليس فيها [¬٤] نبت ولا بناء. قيل: على جانب دجلة. وقيل: بأرض اليمن. فالله أعلم. ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ أي: ضعيف البدن. قال ابن مسعود ﵁: كهيئة الفرخ ليس عليه ريش. وقال السدي: كهيئة الصبي يعني [¬٥] حين يولد، وهو المنفوس. وقاله ابن

стр. 5339

عباس، وابن زيد أيضًا. ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ قال ابن مسعود (٨٦)، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ووهب بن منبه، وهلال بن يَسَاف، وعبد اللَّه بن طاوس، والسدي [¬١]، وقتادة، والضحاك، وعطاء الخراساني، وغير واحد -قالوا كلهم-: اليقطين هو القرع. و [¬٢] قال هشيم (٨٧) عن القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير: كل شجرة لا ساق لها فهي من اليقطين. وفي رواية عنه: كل شجرة تهلك [¬٣] من عامها [¬٤] فهي من اليقطين. وذكر بعضهم في القرع فوائد، منها: سرعة نباته، وتظليلُ ورقه لكبره، ونعومته، وأنه لا يقربها الذباب، وجودة أغذية ثمره، وأنه يؤكل نيئًا ومطوخًا بلبه وقشره أيضًا. وقد ثبت أن رسول اللَّه ﷺ كان يُحبُّ الدباء، ويتتبعه من حَوَاشي الصَّحْفة (٨٨). وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾، روى شهر بن حوشب، عن ابن عباس أنه قال: إنما كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت. رواه ابن جرير (٨٩) [حدثني الحارث قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا] [¬٥] أبو هلال عن شهر

стр. 5340

به. وقال ابن أبي نَجِيح: عن مجاهد: أرسل إليهم قبل أن يلتقمه الحوت. قلت: ولا مانع أن يكون الذين أرسل إليهم أولًا أُمر بالعود إليهم بعد خروجه من الحوت، فصدقوه كلهم وآمنوا به. وحكى البغوي أنه أرسل إلى أمة أخرى بعد خروجه من الحوت، كانوا مائة ألف أو يزيدون. وقوله: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾، قال ابن عباس -في رواية عنه-: بل يزيدون، وكانوا مائة وثلاثين ألفًا. وعنه: مائة ألف وبضعة وثلانين ألفًا. وعنه: مائة ألف وبضعة وأربعين ألفًا. وقال سعيد بن جبير: يزيدون سبعين ألفًا. وقال مكحول: كانوا مائة ألف وعشرة آلاف. رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن جرير (٩٠): حدثنا محمد بن عبد الرحيم البرقي، حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال [¬١]: سمعت زُهَيرًا، عمن سمع أبا العالية قال [¬٢]: حدثني [] [¬٣] أبي بن كعب أنه سأل رسول اللَّه ﷺ عن قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ قال: "يزيدون عشرين ألفًا". ورواه الترمذي عن علي بن حُجْر، عن الوليد بن مسلم، عن زُهَير، عن رجل، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، به، وقال: غريب. ورواه ابن أبي حاتم من حديث زهير به. قال ابن جرير: وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول في ذلك: معناه إلى المائة الألف [¬٤]، أو كانوا يزيدون عندكم، يقول: كذلك كانوا عندكم. وهكذا [¬٥] سلك ابن جرير هاهنا ما سلكه عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ وقوله: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ وقوله: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَينِ أَوْ أَدْنَى﴾ أن المراد ليس أنقص من ذلك بل أزيد.

стр. 5341

وقوله: ﴿فَآمَنُوا﴾ أي: فآمن هؤلاء القوم الذين أرسل إليهم يونس ﵇ جميعهم، ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ أي: إلى وقت آجالهم، كقوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾. ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَينَهُ وَبَينَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠)﴾ يقول تعالى منكرًا على هؤلاء المشركين في جعلهم للَّه البنات -سبحانه- ولهم ما يشتهون، أي: من الذكور، أي: يَودون لأنفسهم الجيد. ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي: يسوؤه ذلك، ولا يختار لنفسه إلا البنين. يقول تعالى: فكيف نسبوا إلى اللَّه القسم الذي لا يختارونه لأنفسهم؟ ولهذا قال: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: سلهم على سبيل الإِنكار عليهم: ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾، كقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾. وقوله: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ أي: كيف حكموا على الملائكة أنهم إناث وما شاهدوا خلقهم؟ كقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ أي: يسألون عن ذلك يوم القيامة. وقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ﴾ أي: من كذبهم ﴿لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ﴾ أي: صدر منه الولد، ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. فذكر اللَّه عنهم في الملائكة ثلاثة أقوال في غاية الكفر والكذب: فأولا جعلوهم بنات اللَّه، فجعلوا للَّه ولدًا، وجعلوا ذلك الولد أنثى، ثم عبدوهم من دون اللَّه. وكل [¬١] منها كاف في التخليد في نار جهنم. ثم قال منكرًا عليهم: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾، أي: أيّ شيء يحمله على [¬٢] أن

стр. 5342

يختار البنات دون [¬١] البنين؟! كقوله: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾؛ ولهذا قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيفَ تَحْكُمُونَ﴾، أي: ما لكم عقول [تتدبرون بها] [¬٢] ما تقولون ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾ أي: حجة على ما تقولونه، ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: هاتوا برهانكم على ذلك يكون مستندًا إلى [كتاب مُنَزَّل] [¬٣] من السماء عن اللَّه أنه اتخذ ما تقولونه، فإن ما تقولونه لا يمكن استناده [¬٤] إلى عقل، بل لا يُجَوِّزُه العقل بالكلية. وقوله: ﴿وَجَعَلُوا بَينَهُ وَبَينَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قال مجاهد (٩١): قال المشركون: الملائكة بنات اللَّه فسأل [¬٥] أبو بكر ﵁: فمن أمهاتهن؟ قالوا: بنات سروات الجن. وكذا قال قتادة، وابن زيد؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ﴾ أي: الذين نسبوا إليهم ذلك: ﴿إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾، أي: إن الذين قالوا ذلك لمحضرون في العذاب يوم الحساب لكذبهم في ذلك وافترائهم، وقولهم الباطل بلا علم. وقال العوفي (٩٢): عن ابن عباس في قوله: ﴿وَجَعَلُوا بَينَهُ وَبَينَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قال: زعم أعداء اللَّه أنه ﵎ [] [¬٦] هو وإبليس أخوان. حكاه ابن جرير وقوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تعالى وتقدس وتنزه عن أن يكون له ولد، وعما يصفه به الظالمون الملحدون علوًّا كبيرًا. وقوله: ﴿إلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ استثناء منقطع، وهو من مثبت، إلا أن يكون الضمير في قوله: ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ عائد إلى جميع الناس ثم استثنى منهم المخلصين، وهم المتبعون للحق المنزل على كل [¬٧] نبي ومرسل. وجعل ابن جرير هذا الاستثناء من قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. وفي هذا الذي قاله نظر. ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) وَمَا مِنَّا إلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ

стр. 5343

وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠)﴾ يقول تعالى مخاطبًا للمشركين: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ أي: ما ينقاد لمقالكم وما أنتم عليه من الضلالة والعبادة الباطلة إلا من هو أضل منكم ممن ذُرئ للنار. ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. فهذا الضرب من الناس هو الذي ينقاد لدين الشرك والكفر والضلالة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ أي [¬١]: إنما يضل به من هو مأفوك ومبطل. ثم قال تعالى مُنَزّهًا للملائكة مما نَسَبوا إليهم من الكفر بهم والكذب عليهم أنهم بنات اللَّه: ﴿وَمَا مِنَّا إلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ أي: [] [¬٢] موضع مخصوص في السماوات ومقامات العبادة لا [يتجاوزه ولا يتعداه] [¬٣]. قال [¬٤] إلى عساكر (٩٣) في ترجمته لمحمد بن خالد، بسنده إلى عبد الرحمن بين العلاء بن سعد [¬٥]، [عن أبيه] [¬٦]-وكان ممن بايع يوم الفتح- أن رسول اللَّه ﷺ [] [¬٧] قال يومًا لجلسائه: "أطَّتِ السماء وحُق لها أن تَئِطّ، ليس فيها موضع قَدَم إلا عليه ملك راكع أو ساجد". ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾.

стр. 5344

وقال الضحاك في تفسيره (٩٤): ﴿وَمَا مِنَّا إلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ قال: كان مسروق يَرْوي عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من السماء الدنيا موضع إلا عليه ملك ساجد أو قائم". فذلك قوله: ﴿وَمَا مِنَّا إلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾. وقال الأعمش (٩٥): عن [أبي إسحاق] (٥)، عن مسروق، عن ابن مسعود ﵁ قال [¬١]: إن في السماوات لسماءً ما فيها موضع شبر إلا عليه جبهة ملك أو قدماه. ثم قرأ

стр. 5345

عبد اللَّه: ﴿وَمَا مِنَّا إلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾. وكذا قال سعيد بن جبير. وقال قتادة: كانوا يصلون الرجال والنساء جميعًا، حتى نزلت: ﴿وَمَا مِنَّا إلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾، فتقدم الرجال وتأخر النساء. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ أي: نقف صفوفًا في الطاعة، كما تقدم عند قوله: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾، قال ابن جريج [¬١] (٩٦): عن الوليد بن عبد اللَّه بن أبي مغيث قال: كانوا لا يصفون في الصلاة حتى نزلت: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾، فصفوا. وقال أبو نضرة: كان عمر إذا أقيمت الصلاة استقبل الناس بوجهه، ثم قال: أقيموا صفوفكم، استروا قيامًا، يريد اللَّه بكم هَدْيَ الملائكة، ثم يقول: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾، تأخر يا فلان، تقدم يافلان، ثم يتقدم فيكبر ﵁. رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير (٩٧). وفي صحيح مسلم (٩٨) عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "فُضلنا على الناس بثلاث: جُعلَت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض مسجدًا، وتربتها طهورًا … ". الحديث. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ أي: نصطف فنسبح الرب ونمجده ونقدسه وننزهه عن النقائص، فنحن عبيد له، فقراء إليه، خاضعون لديه. وقال ابن عباس، ومجاهد: ﴿وَمَا مِنَّا إلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾: الملائكة، ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾: الملائكة، ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾: الملائكة يسبحون اللَّه، . وقال قتادة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ يعني: المصلون، يثبتون [¬٢] بمكانهم من العبادة، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي

стр. 5346

الظَّالِمِينَ﴾. وقوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي: قد كانوا يتمنون قبل أن تأتيهم يا محمد لو كان عندهم من يذكرهم بأمر الله، وما كان من أمر القرون الأولى، ويأتيهم بكتاب الله، كما قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إلا نُفُورًا﴾، وقال: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَينِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَينَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧)﴾، ولهذا قال هاهنا: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، وعيد أكيد وتهديد شديد، على كفرهم بربهم وتكذبيهم رسوله ﷺ . ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩)﴾ يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: تقدم في الكتاب الأول أن العاقبة للرسل وأتباعهم في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَويٌّ عَزِيزٌ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ أي: في الدنيا والآخرة. كما تقدم بيان نصرتهم علي قومهم ممن كذبهم وخالفهم، و [¬١] كيف أهلك الله [¬٢] الكافرين، ونجي عباده المؤمنين، ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [أي: تكون لهم العاقبة. وقوله جل وعلا] [¬٣]: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ أي: اصبر علي أذاهم لك، وانتظر إلي وقت مؤجل، فإنا سنجعل لك العاقبة والنصرة والظفر، ولهذا قال [بعضهم: غيًّا ذلك إلى يوم بدر وما بعدها أيضًا في معناها. وقوله، [¬٤]: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: انظرهم وارتقب ماذا يحل بهم من العذاب والنكال على مخالفتك وتكذيبك؛ ولهذا قال علي وجه التهديد والوعيد: ﴿فَسَوْفَ

стр. 5347

يُبْصِرُونَ﴾. ثم قال : ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ أي: هم إنما يستعجلون العذاب لتكذيبهم وكفرهم، فإن الله يغضب عليهم بذلك، ويعجل [¬١] لهم العقوبة، ومع هذا أيضًا كانوا من كفرهم وعنادهم يستعجلون العذاب والعقوبة، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: فإذا نزل العذاب بمحلتهم، فبئس ذلك اليوم يومُهم، بإهلاكهم ودمارهم [¬٢]. قال السدي: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ يعني: بدارهم، ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: فبئس ما يصبحون، أي: بئس الصباح صباحهم؛ ولهذا ثبت في الصحيحين (٩٩) من حديث إسماعيل بن عُلَية، عن عبد العزيز بن صُهَيب، عن أنس ﵁ قال: صَبَّح رسولُ الله ﷺ خيبر، فلما خرجوا بفئوسهم ومساحيهم و [¬٣] رأوا الجيش، رجعوا وهم [¬٤] يقولون: محمد والله، محمد والخميس. فقال النبي ﷺ : "الله أكبر خَربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. ورواه البخاري (١٠٠) من حديث مالك عن حميد عن أنس. وقال الإمام أحمد (١٠١): حدثنا رَوح، حدثنا سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة قال: لما صَبّح رسول الله ﷺ خيبر، وقد أخذوا مساحيَهم وغَدَوا إلى حروثهم وأرضيهم، فلما رأوا النبي ﷺ ولوا مدبرين، فقال نبي الله ﷺ : ["الله أكبر، الله أكبر] [¬٥]، إنا إذا نزلنا بساحة قوم

стр. 5348

فساء صباح المنذرين". لم يخرجوه من هذا الوجه، وهو صحيح على شرط الشيخين. وقوله: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ تأكيد لما تقدم من الأمر بذلك. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ ينزه تعالى نفسه الكريمة ويقدسها ويبرئها عما يقوله الظالمون المكذبون المعتدون [¬١]-تعالى وتقدس عن قولهم علوًّا كبيرًا- ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ أي: ذي العزة التي لا تُرَام، ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: عن قول هؤلاء المعتدين المفترين، ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: سلام الله عليهم في الدنيا والآخرة، لسلامة ما قالوه في ربهم، وصحته وحَقّيّته [¬٢]، ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ أي: له الحمد في الأولى والآخرة في كل حال. ولما كان التسبيح يتضمن التنزيه والتبرئة من [¬٣] النقص بدلالة المطابقة، ويستلزم إثبات الكمال، كما أن الحمد يدل علي إثبات صفات الكمال مطابقة، ويستلزم التنزيه من النقص- قرن بينهما في هذا الموضع، وفي مواضع كثيرة من القرآن؛ ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾. وقال سعيد بن أبي عَرُوبة عن قتادة قال: قال [¬٤] رسول الله ﷺ : "إذا سلمتم عليّ فسلموا علي المرسلين، فإنما أنا رسول من المرسلين". هكذا [¬٥] رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث سعيد عنه كذلك (١٠٢)، وقد أسنده ابن أبي حاتم ﵀ فقال (١٠٣): حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أبو بكر الأعين، ومحمد

стр. 5349

بن عبد الرحيم -صاعقة- قالا: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا شيبان [¬١]، عن قتادة قال: حَدّث أنس بن مالك، عن أبي طلحة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين". و [¬٢] قال الحافظ أبو يعلى (١٠٤): حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا نوح [¬٣] وحدثنا أبو هارون، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا سَلَّم قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾. ثم يسلم. إسناده ضعيف. وقال ابن أبي حاتم (١٠٥): حدثنا عمار بن خالد الواسطي، حدثنا شبابة، عن يونس بن أبي إسحاق، عن الشعبي قال: قال رسول الله ﷺ : "من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليقل آخر مجلسه حين يريد أن يقوم: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾. وروي من وجه آخر متصل موقوف على علي ﵁:

стр. 5350

قال أبو محمد البغوي في تفسيره: أخبرنا أبو سعيد أحمد بن شريح، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن منجويه، حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدثنا إبراهيم بن سهلويه، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا وكيع، عن ثابت بن أبي صفية، عن الأصبغ بن نباتة، عن علي ﵁ قال: من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه في [¬١] مجلسه: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾. وروى الطبراني (١٠٦) من طريق عبد الله بن صخر [بن أنس] [¬٢] عن عبد الله بن زيد بن أرقم، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من قال دُبُر كل صلاة: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾، ثلاث مرات، فقد اكتال بالجرَيب الأوفى من الأجر". وقد وردت أحاديث (١٠٧) في كفارة المجلس: "سبحالك اللَّهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك". وقد أفردت لها جزءًا على حدة، فليكتب هاهنا إن شاء الله تعالى. [آخر تفسير سورة الصافات]

стр. 5351

تفسير سورة ص وهي مكية ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾ أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول "سورة البقرة". بما أغنى عن إعادته هاهنا. وقوله: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ أي: والقرآن المشتمل على ما فيه ذكر للعباد ونفع لهم في المعاش والمعاد. قال الضحاك في قوله: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾، كقوله: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾، أي: تذكيركم. وكذا قال قتادة، واختاره ابن جرير. وقال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وإسماعيل بن أبي خالد، وابن عيينة، وأبو حصين، وأبو صالح، والسدي: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾: ذي الشرف، أي: ذي الشأن والمكانة. ولا منافاة بين القولين فإنه كتاب شريف مشتمل على التذكير والإعذار والإنذار، واختلفوا في جواب هذا القسم، فقال بعضهم: هو قوله: ﴿إِنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾. وقيل: قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾، حكاهما ابن جرير، [وهذا الثاني فيه بُعد كبير، وَضَعّفَه ابن جرير] [¬١]. وقال قتادة: جوابه: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾، [واختاره ابن جرير] [¬٢]. وقيل: جوابه ما تضمنه سياق السورة بكمالها، والله أعلم. ثم حكى ابن جرير عن بعض أهل العربية [¬٣] أنه قال: جوابه: "ص" بمعنى [¬٤]: صدق حق والقرآن ذي الذكر. وقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ أي: إن في هذا القرآن لذكرًا [¬٥] لمن يتذكر، وعبرة لمن يعتبر. وإنما لم ينتفع به الكافرون لأنهم ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ أي: استكبار عنه وحمية، ﴿وَشِقَاقٍ﴾ أي: مخالفة له ومعاندة ومفارقة.

стр. 5352

ثم خوفهم ما أهلك به الأمم المكذبة قبلهم بسبب مخالفتهم للرسل وتكذيبهم الكتب المنزلة من السماء، فقال: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أي: من أمة مكذبة، ﴿فَنَادَوْا﴾ أي: حين جاءهم العذاب استغاثوا وجَأرُوا إلى الله، وليس ذلك بمُجدٍ عنهم شيئًا، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ أي: يهربون، ﴿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾. قال أبو داود الطيالسي (١): حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن التميمي، قال: سألت ابن عباس عن قول الله: ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾، قال: ليس بحين نداء [¬١]، ولا نَزْو [¬٢]. ولا فرار وقال عليَّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: ليس بحين مغاث. وقال شبيب بن بشر عن عكرمة، عن ابن عباس: نادوا النداء حين لا ينفعهم، وأنشد: تَذَكَّرَ [¬٣] لَيْلَى لَاتَ حَين تَذَكُّرِ. وقال محمد بن كعب في قوله: ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾، يقول: نادوا بالتوحيد حين تولت الدنيا عنهم، واستباصوا [¬٤] للتوبة [¬٥] حين تولت الدنيا عنهم. وقال قتادة: لما رأوا العذاب أرادوا التوبة في غير حين [¬٦] النداء. وقال مجاهد: ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾، ليس بحين فرار ولا إجابة. وقد روي نحو هذا عن عكرمة، وسعيد بن جبير، وأبي [¬٧] مالك، والضحاك، وزيد بن أسلم، والحسن، وقتادة. وعن مالك، عن زيد بن اسم: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾، ولا نداء في غير حين النداء. وهذه الكلمة وهي ﴿وَلَاتَ﴾، هي"لا" التي للنفي، زيدت معها "التاء"، [كما تزاد] [¬٨] في "ثُمّ"، فيقولون: "ثُمّت"، و"رب" فيقولون [¬٩]: "رُبَّت". وهي

стр. 5353

مفصولة، والوقف عليها. ومنهم من حكى عن المصحف الإمام فيما ذكره [بن جرير] [¬١] أنها متصلة بحين: (ولا تحين مناص). والمشهور الأول. ثم قرأ لجمهور بنصب ﴿حِينَ﴾، تقديره: وليس الحين حينَ مناص. ومنهم من جوز النصب بها، وأنشد: تَذَكُرَ حَبَّ لَيلَى لَاتَ حِينا … وَأَضْحَى الشَّيبَ قَدْ قَطَعَ الْقَرِينا ومنهم من جَوَّز الجر بها، وأنشد: طَلَبُوا صُلْحَنَا وَلَاتَ أوَانٍ … فَأَجَبنَا أَنْ لَيسَ حَين بَقَاءِ وأنشد بعضهم أيضًا: ولاتَ ساعةِ مَنْدَمِ [¬٢]. بخفض الساعة، وأهل اللغة يقولون: "النوص: التأخر، والبوص: التقدم"؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ أي: ليس الحين حين فرار ولا ذهاب. ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَال الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إلا اخْتِلَاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيهِ الذِّكْرُ مِنْ بَينِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن المشركين في تعجبهم من بعثه الرسول بشرًا، كما قال تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَينَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَال الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾، وقال هاهنا: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ أي: بشر مثلهم، ﴿وَقَال الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أي: أزعم أن المعبود [¬٣] واحد لا إله إلا هو؟! أنكر المشركون ذلك -قَبَّحهم الله تعالى- وتعجبوا من ترك الشرك بالله، فإنهم كانوا قد تلقوا عن آبائهم عبادة الأوثان وَأشربته

стр. 5354

قلوبهم، فلما دعاهم الرسول ﷺ إلي خلع ذلك من قلوبهم، وإفراد الله بالوحدانية، أعظموا ذلك وتعجبوا وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ﴾، وهم سادتهم وقادتهم ورؤساؤهم وكبراؤهم قائلين: ﴿امْشُوا﴾ أي: استمروا على دينكم ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾، ولا تستجيبوا لما يدعوكم إليه محمد من التوحيد. وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ يُرَاد﴾ قال ابن جرير: إن هذا الذي يدعونا إليه محمد من التوحيد لشيء يريد به الشرف عليكم، والاستعلاء، وأن يكون له منكم أتباع [¬١]، ولسنا [¬٢] مُجِيبيه إليه. ذكر سبب نزول هذه الآيات قال السدي: إن ناسًا [¬٣] من قريش اجتمعوا، فيهم: أبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث في نفر من مشيخة قريش، فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى أبي طالب فَلْنُكَلّمه فيه، فَلْينصفنا منه، فَلْيكف عن شَتْم آلهتنا، ونَدَعه وإلهه الذي يعبده؛ فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ، فيكونَ منا إليه شيء، فتعيرنا العرب، يقولون: تركوه حتى إذا مات عنه تناولوه. فبعثوا رجلًا منهم يقال له: المطلب، فاستأذن لهم علي أبي طالب، فقال: هؤلاء مشيخة قومك وسَرَاتهم يستأذنون عليك؟ قال: أدخلهم. فلما دخلوا عليه قالوا: يا أبا طالب، أنت كبيرنا وسيدنا، فأنصفنا من ابن أخيك، فمره فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه. قال: فبعث إليه أبو طالب، فلما دخل عليه رسول الله ﷺ قال: يا ابن أخي، هؤلاء مشيخة قومك وسَرَاتهم، وقد سألوك أن تكف عن شتم آلهتهم ويدَعُوك وإلهك. قال: "ياعم، أفلا أدعوهم إلي ما هو خير لهم؟ " قال: وإلام تدعوهم؟ قال: "أدعوهم أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها [¬٤] العرب، ويملكون بها العجم". فقال أبو جهل من بين القوم: ما هي وأبيك؟ لنعطينكها [¬٥] وعشرة أمثالها. قال: "تقولون: لا إله إلا الله". فنفر وقال: سلْنا غير هذا. قال: "لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي، ما سألتكم غيرها". فقاموا من عنده غضَابًا، وقالوا: والله لنشتمنك وإلهك الذي أمرك بهذا. ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ يُرَادُ﴾. رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير (٢)، وزاد: فلما خرجوا دعا رسول الله صلي الله عليه

стр. 5355

وسلم عمه [¬١] إلي قول "لا إله إلا الله"، فأبى وقال: بل على دين الأشياخ. ونزلت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾. وقال أبو جعفر بن جرير (٣): حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا: حدثنا أبو أسامة، حدثنا الأعمش، حدثنا عباد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما مرض أبو طالب، دخل عليه رهط من قريش، فيهم [¬٢] أبو جهل، فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا. ويفعل ويفعل، ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته؟ فبعث إليه، فجاء النبي ﷺ فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، قال: فخشي أبو جهل إن جلس إلي جنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه. فوثب فجلس في ذلك المجلس، ولم يجد رسول الله ﷺ مجلسًا قرب عمه، فجلس عند الباب. فقال له أبو طالب: أي ابنَ أخي، ما بال قومك يشكونك، يزعمون أنك تشتم آلهتهم، وتقول وتقول؟ قال: وأكثروا عليه من القول. وتكلم رسول الله ﷺ فنقال: "يا عم، إني أريدهم علي كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية". ففزعوا لكلمته ولقوله، وقالوا: كلمة واحدة! نعم وأبيك عشرًا، فقالوا: وما [¬٣] هي؟ وقال أبو طالب: و [¬٤] أي كلمة هي يا بن أخي؟ فقال: "لا إله إلا الله". فقامرا فزعين ينفضون ثيابهم، وهم يقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عُجَابٌ﴾. قال: ونزلت من [¬٥] هذا الموضع إلى قوله: ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾. لفظ أبي كريب. وهكذا رواه الإمام أحمد، والنسائي من حديث محمد بن عبد الله بن [¬٦] نمير، كلاهما عن أبي أسامة، عن الأعمش، عن عباد، غير منسوب، به نحوه. ورواه الترمذي، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن جرير أيضًا، كلهم في تفاسيرهم (٤) من حديث سفيان الثوري، عن الأعمش، عن يحيى بن عُمَارة الكوفي، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، فذكر نحوه. وقال الترمذي: حسن. وقولهم: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ أي: ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه محمد من التوحيد في الملة الآخرة.

стр. 5356

و [¬١] قال مجاهد وقتادة وابن [¬٢] زيد: يعنون دين قريش. وقال غيرهم: يعنون النصرانية. قاله محمد بن كعب، والسدي. وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ يعني النصرانية، قالوا: لو كان هذا القرآن حقًّا أخبرتنا به النصارى ﴿إِنْ هَذَا إلا اخْتِلَاقٌ﴾ قال مجاهد وقتادة: كذب. وقال ابن عباس: تخرص. وقولهم: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيهِ الذِّكْرُ مِنْ بَينِنَا﴾: أنهم يستبعدون تخصيصه بإنزال القرآن عليه [¬٣] من بينهم كلهم، كما قالوا في الآية الأخرى: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَينِ عَظِيمٍ﴾، قال الله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَينَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾، ولهذا لما قالوا هذا الذي دل علي [¬٤] جهلهم وقلة عقلهم، في استبعادهم إنزال القرآن علي الرسول من بينهم، قال الله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ أي: إنما يقولون هذا لأنهم ما ذاقوا إلي حين قولهم ذلك عذابَ الله ونقمته، سيعلمون غِبّ ما قالوا وما كذبوا به يوم يدعون إلى نار جهنم دعا ثم قال مبينًا أنه المنصرف في ملكه، الفعال لما يشاء، الذي يعطي من شاء لمن يشاء، [ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويهدي من يشاء، ويضل من يشاء] [¬٥]، وينزل الروح من أمره علي من يشاء من عباده، ويختم علي قلب من يشاء، فلا يهديه أحد من بعبد الله، وإن العباد لا يملكون شيئًا من الأمر، وليس إليهم من التصرف [في الملك] [¬٦] ولا مثقال ذرة، وما يملكون من قطمير؛ ولهذا قال تعالى منكرًا عليهم: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ أي: العزيز الذي لا يُرَام جَنَابه، الوهاب الذي يعطي ما يريد لمن يريد. وهذه الآية شبيهة بقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَينَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَينَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ وقوله: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ وذلك بعد الحكاية عن الكفار أنهم أنكروا بعثة الرسول البَشَريّ، وكما أخبر تعالى عن قوم صالح حين قالوا: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيهِ مِنْ بَينِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾. وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ أي: إن

стр. 5357

كان لهم ذلك فليصعدوا في الأسباب. قال [¬١] ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم: يعني [¬٢]: طرق السماء. وقال الضحاك: فليصعدوا إلى السماء السابعة. ثم قال: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ أي: هؤلاء الجند المكذبون الذين هم في عزة وشقاق سيهزمون [¬٣] ويغلبون ويُكبَتُون، كما كبت الذين من قبلهم من الأحزاب المكذبين، وهذه كقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾، [كان ذلك يوم بدر] [¬٤]، ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾. ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤) وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن هؤلاء القرون الماضية، وما حل بهم من العذاب والنكال والنقمات في مخالفة الرسل وتكذيب الأنبياء. وقد تَقَدمت قصَصُهم مبسوطة في أماكن متعددة. وقوله: ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ أي: كانوا أكثر منكم وأشد قوة، وأكثر أموالًا وأولادًا، فما [¬٥] دافع ذلك عنهم من عذاب الله من شيء، لما جاء أمر ربك؛ ولهذا قال: ﴿إِنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾، فجعل علة هلاكهم هو تكذيبهم بالرسل، فليحذر المخاطبون من ذلك أشد الحذر. وقوله: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ قال مالك، عن زيد بن أسلم: أي: ليس لها مثنوية. أي: ما ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها، أي: قد اقتربت ودنت وأزفت. وهذه الصيحة هي نفخة الفزع التي يأمر [¬٦] الله إسرافيل أن يُطَوّلها، فلا يبقى أحد من أهل السماوات والأرض إلا فزع، إلا من استثنى الله، .

стр. 5358

وقوله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾. هذا إنكار من الله على المشركين في دعائهم علي أنفسهم بتعجيل العذاب، فإن القط هو الكتابُ. وقيل: هو الحظ والنصيب. قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، والحسن، وغير واحد: سألوا تعجيل العذاب. زاد قتادة: كما قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَينَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَو ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وقيل: سألوا تعجيل نصيبهم من الجنة، إن كانت موجودة أن يلقوا ذلك [¬١] في الدنيا. وإنما خَرَج هذا [¬٢] منهم مَخْرَج الاستبعاد والتكذيب. وقال ابن جرير: سألوا تعجيل ما يستحقونه من الخير أو [¬٣] الشر في الدنيا. وهذا الذي قاله جيد، وعليه يدور كلام الضحاك، وإسماعيل بن أبي خالد، والله أعلم. ولما كان هذا الكلام منهم علي وجه الاستهزاء والاستبعاد، قال الله تعالى لرسوله ﷺ آمرًا له بالصبر علي أذاهم، ومبشرًا له علي صبره بالعاقبة والنصمر [¬٤] والظفر. ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَينَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠)﴾ يذكر تعالى عن عبده ورسوله داود ﵊؛ أنه كان ذا أيد، والأيد: القوة في العلم والعمل، قال ابن زيد والسدي: الأيد القوة. وقرأ ابن زيد: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَينَاهَا بِأَيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ وقال مجاهد: الأيد: القوة في الطاعة. وقال قتادة: أعطي داود ﵇ قوة في العبادة، وفقهًا في الإِسلام، وقد ذُكر لنا أنه ﵇ كان يقوم ثلث الليل، ويصوم نصف الدهر، وهذا ثابت في الصحيحين (٥) عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أحب الصلاة إلي الله صلاة داود، وأحب الصيام إلي الله صيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولا يفر إذا لاقي، وإنه كان أوابًا". وهو الرجاع إلى الله في جميع أموره وشئونه.

стр. 5359

وقوله: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ أي: إنه تعالى سخر الجبال تسبح معه عند إشراق الشمس وآخر النهار، كما قال تعالى: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيرَ﴾، وكذلك كانت الطير تسبح بتسبيحه، وترجّع بترجيعه، إذا مر به الطير وهو سابح [¬١] في الهواء فسمعه [¬٢] وهو يترنم بقراءة الزبور، لا تستطيع الذهاب، بل تقف في الهواء، تسبح [¬٣] معه وتجيبه الجبال الشامخات، ترجع معه، وتسبح تبعًا له. قال ابن جرير (٦): حدثنا أبو كريب، حدثنا محمد بن بشر، عن مسْعَر، عن عبد الكريم، عن موسى بن أبي كثير، عن ابن عباس أنه بلغه أن أم هانئ ذكرت أن رسول الله ﷺ يوم فتح مكة صلى الضحى ثمان ركعات. قال ابن عباس: [قد ظننت] [¬٤] أن لهذه الساعة صلاة، يقول الله تعالى: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾. ثم رواه (٧) من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن أبي المتوكل، عن أيوب بن صفوان، عن مولاه [¬٥] عبد الله بن الحارث بن نوفل، أن ابن عباس كان لا يصلي الضحى. قال: فأدخلته على أم هانئ فقلت: أخبري هذا ما أخبرتيني به [¬٦]، فقالت أم هانئ: دخل علي رسول الله ﷺ يوم الفتح في بيتي، ثم أمر بماء صُبّ في قصعة، ثم أمر بثوب، فأخذ بيني وبينه، فاغتسل ثم رَش ناحية البيت، فصلى ثماني ركعات، وذلك من الضحى، قيامهن وركوعهن وسجودهن وجلوسهن [¬٧] سواء، قريب بعضهن من بعض. فخرج ابن عباس وهو يقول: لقد قرأت ما بين اللوحين ما عرفت صلاة الضحى إلا الآن: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾، وكنت أقول: أين صلاة الإِشراق؟! وكان بَعدُ يقول: صلاة الإِشراق.

стр. 5360

ولهذا قال: ﴿وَالطَّيرَ مَحْشُورَةً﴾ أي: محبوسة في الهواء، ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّاب﴾ أي: مطيع يسبح تبعًا له. قال سعيد بن جبير وقتادة ومالك عن زيد بن أسلم وابن زيد ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ أي: مطيع. ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ أي: جعلنا له ملكًا كاملًا من جميع ما يحتاج إليه الملوك. قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: كان أشد أهل الدنيا سلطانًا. وقال السدي: كان يحرسه في كل يوم أربعة آلاف. وقال بعض السلف: بلغني أنه كان حَرَسُه في كل ليلة ثلاثة وثلاثين ألفًا، لا تدور عليهم النوبة إلي مثلها من العام القابل. وقال غيره: أربعون ألفًا [مشملون بالسلاح] [¬١]. وقد ذكر ابنُ جرير، وابن أبي حاتم (٨)، من رواية علْباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن نَفَرين من بني إسرائيل استعدى أحدهما علي الآخر إلي داود ﵇ أنه اغتصبه بقرًا، فأنكر الآخر، ولم يكن للمدعي بيّنة، فأرجأ أمرهما. فلما كان الليل أمر داود ﵇ في المنام بقتل المدعي. فلما كان النهار طلبهما وأمر بقتل المدعي، فقال: يا نبي الله؛ علام تقتلني وقد اغتصبني هذا بقري؟ فقال: إن الله قد [¬٢] أمرني بقتلك، فأنا قاتلك لا محالة. فقال: والله [¬٣] يا نبي الله؛ إن الله لم يأمرك بقتلي لأجل هذا الذي ادعيتُ عليه، وإني لصادق فيما ادعيت، ولكني كنت قد اغتلت أباه وقتلته، ولم يشعر بذلك أحد، فأمر [داود بقتله فقتل] [¬٤]. قال ابن عباس: فاشتدت هيبته في بني إسرائيل، وهو الذي يقول الله : ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾. وقوله: ﴿وَآتَينَاهُ الْحِكْمَةَ﴾، قال مجاهد: يعني الفهم والعقل والفطة. وقال مَرّة: الحكمة والعدل. وقال مَرّة: الصواب. وقال قتادة: كتاب الله واتباع ما فيه.
следующие страницы →