← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.

стр. 5811

وسلم شيء من الدنيا، ولا أعجبه أحد قُط، إلا ذو تقى. تفرد به أحمد، ﵀ (١٠٥). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ أي: عليم بكم، خبير بأموركم، فيهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويرحم من يشاء، ويعذب من يشاء، ويفضل من يشاء على من يشاء، وهو الحكيم العلم الخبير في ذلك كله. وقد استدل بهذه الآية الكريمة، وهذه الأحاديث الشريفة، من ذهب من العلماء إلى أن الكفاءة في النكاح لا تشترط، ولا يشترط سوى الدين، لقوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وذهب الآخرون إلى أدلة أخرى مذكوره في كتب الفقه، و [قد ذكرنا] [¬١] طرفًا من ذلك في "كتاب الأحكام"، ولله الحمد والمنة. وقد [¬٢] روى الطبراني عن عبد الرحمن أنه سمع رجلًا منع بني هاشم يقول: أنا أولى الناس برسول الله. فقال: غيرك أولى به منك ولك منه نسبه [¬٣] (١٠٦). ﴿قَالتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ

стр. 5812

اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ (١٦) يَمُنُّونَ عَلَيكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾ يقول تعالى منكرًا على الأعراب الذين أول ما دخلوا في الإسلام ادّعوا لأنفسهم مقام الإيمان، ولم يتمكن الإِيمان في قلوبهم بعد: ﴿قَالتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا، قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. وقد استفيد من هذه الآية الكريمة أن الأيمان أخص من الإِسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ويدل عليه حديث جبريل ﵇ حين سأل عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان (١٠٧)، فترقى من الأعم إلى الأخص، ثم للأخص منه. قال الإِمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: أعطى رسول الله ﷺ رجالًا ولم يعط رجلًا منهم شيئًا، فقال سعد: يا رسول الله، أعطيت فلانًا وفلانًا ولم تُعط فلانًا شيئًا، وهو مؤمن؟ فقال النبي ﷺ : "أو مُسْلم". حتى أعادها سعد ثلاثًا، والنبي ﷺ يقول: "أوْ مسلم". ثم قال النبي ﷺ : "إني لأعطي رجالًا وأدع من هو أحب إليَّ منهم فلا أعطيه شيئًا مخافة أن يكبوا في النار على وجوههم" (١٠٨). أخرجاه في الصحيحين من حديث الزهريّ به (١٠٩). فقد فرق النبي ﷺ بين المسلم والمؤمن فَدَلّ على أن الإيمان أخص بن الإسلام. وقد قررنا ذلك بأدلته في أول شرح كتاب الإِيمان من "صحيح البخاري" ولله الحمد والمنة. ودَلّ ذلك على أن ذاك الرجل كان مسلمًا ليس منافقًا؛ لأنه تركه من العطاء،

стр. 5813

ووكله إلى ما هو فيه من الإسلام، فدل هذا على أن هؤلاء الأعراب المذكورين في هذه الآية ليسوا بمنافقين، وإنما هم مسلمون لم يستحكم الإِيمان في قلوبهم، فادعوا لأنفسهم مقامًا أعلى مما وصلوا إليه، فأدبوا في ذلك. وهذا معنى قول ابن عباس وإبراهيم النَخْغي، وقتادة، واختاره ابن جرير. وإنما قلنا هذا لأن البخاري ﵀ ذهب إلى أن هؤلاء كانوا منافقين، يُظهرون الإِيمان وليسوا كذلك. وقد رُوي عن سعيد بن جُبير، ومجاهد، وابن زيد أنهم قالوا في قوله: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ أي: استسلمنا خوف القتل والسّباء. قال مجاهد: نزلت في بني أسد بن خزيمة. وقال قتادة: نزلت في قوم امتنوا [¬١] بإيمانهم على رسول الله ﷺ . والصحيح الأول: أنهم قوم ادعوا لأنفسهم مقام الإِيمان، ولم يحصُل لهم بعد، فأدّبوا وأعلموا أن ذلك لم يصلوا إليه بعد، ولو كانوا منافقين لعنّفوا وفُضِحوا، كما ذكر المنافقون [¬٢] في سورة براءة. وإنما قيل لهؤلاء تأديبًا: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: لم تصلوا إلى حقيقة الإِيمان بعد. ثم قال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ [¬٣] مِنْ أَعْمَالِكُمْ﴾ أي: لا ينقصكم ملأ أجوركم [¬٤] ﴿شَيئًا﴾، كقوله: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيءٍ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: لمن تاب إليه وأناب. وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: إنما المؤمنون الكُمل ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ أي: لم يشكوا ولا تزلزلوا بل ثبتوا على حال واحدة، وهي التصديق المحض، ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: وبذلوا مهجهم [¬٥] ونفائس أموالهم في طاعة الله ورضوانه، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ أي: في قولهم إذا قالوا: إنهم مؤمنون، لا كبعض الأعراب الذين ليس معهم من الدين إلا الكلمة الظاهرة. وقال الإِمام أحمد: حدثنا يحيى بن غَيلان، حدثنا رشدين، حدثني عمرو بن الحارث، عن أبي السَّمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، قال [¬٦]: إن النبي ﷺ ، قال: "المؤمنون في الدنيا على ثلاثة أجزاء: [الذين] [¬٧] آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله. والذي يأمنه الناس على أموالهم وأنفسهم. ثم الذي إذا أشرف على طمع تركه [¬٨] لله " (١١٠).

стр. 5814

وقوله: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ أي أتخبرونه بما في ضمائركم، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لا يخفي عليه من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾. ثم قال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾، يعني الأعراب يمنون بإسلامهم ومتابعتهم ونصرتهم على الرسول، قوله الله ردًّا [¬١] عليهم: ﴿قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ﴾. فإن نفع ذلك إنما يعود عليكم، ولله المنة عليكم فيه، ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: في دعواكم ذلك، كما قال النبي ﷺ للأنصار يوم حنين: "يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضُلالًا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي". كما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمن (١١١). وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن محمَّد بن قيس، عن أبي عون، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: جاءت بنو أسد إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله؛ أسلمنا وقاتلتك العرب، ولم نقاتلك، فقال رسول الله ﷺ : "إن فقههم قليل، وإن الشيطان ينطق [¬٢] على ألسنتهم". ونزلت هذه الآية: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١١٢). ثم قال: لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه، ولا نعلم روى أبو عون محمَّد بن عبيد الله، عن سعيد بن جبير، غير هذا الحديث. ثم كرر الإِخبار بعلمه بجميع الكائنات، وبَصَره بأعمال المخلوقات فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. أخر تفسير سورة الحجرات، ولله الحمد والمنة. * * *

стр. 5815

تفسير سورة ق وهي مكية وهذه السورة هي أول الحزب المُفصَّل على الصحيح، وقيل: من الحجرات. وأما ما يقوله العامة: إنه من ﴿عَمَّ﴾ فلا أصل له، ولم يقله أحد من العلماء المعتبرين فيما نعلم. والدليل على أن هذه السورة هي أول المفصَّل ما رواه أبو داود (١) في سُننه، باب "تحزيب القرآن" ثم قال: حدثنا مسدد، حدثنا قرَّان [¬١] بن تمام، (ح) وحدثنا عبد الله بن سعيد أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد سليمان بن حَيَّان -وهذا لفظه- عن عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى، عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن جده - قال عبد الله بن سعيد: [حدثنيه] [¬٢] أوس [¬٣] بن حذيفة - ثم اتفقا قال: قَدمنا على رسول الله ﷺ في وفد ثقيف، قال: فنزلت الأحلاف على المغيرة بن شعبة، وأنزل رسول الله ﷺ بني مالك في قُبَّة له. -قال مسدد: وكان في الوفد الذين قدموا على رسول الله ﷺ من ثقيف- قال: كان رسول الله ﷺ يأتينا كل ليلة بعد العشاء يحدثنا. قال أبو سعيد: قائمًا على رجليه حتى يُراوح بين رجليه من طول القيام، فأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه [¬٤] قريش ثم يقول: [لا سواء] [¬٥]، وكنا مستضعفين مستذلين -قال مسدد: بمكة- فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجال الحرب بيننا وبينهم، نُدَال عليهم ويدالون علينا". فلما كانت ليلة أبطأ [عنا] [¬٦] الوقت الذي كان يأتينا فيه، فقلنا: لقد أبطأت عنا الليلة! قال: "إنه طَرأ عليّ جزئي [¬٧] من القرآن، فكرهت أن أجيء حتى أتمه". قال أوس: سألتُ أصحاب رسول الله ﷺ : كيف تحزبون [¬٨] القرآن؟ فقالوا: ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل وحده.

стр. 5816

ورواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر به. ورواه الإمام أحمد، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الله بن عبد الرحمن، هو ابن يعلى الطائفي به. إذا علم هذا فإذا عَدَدتَ ثمانيًا وأربعين سورة فالتي بعدهن سورة "ق". بيانه. ثلاث: البقرة، وآل عمران، والنساء. وخمس: المائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، وبراءة. وسبع؛ يونس، وهود، ويوسف، والرعد، وإبراهيم، والحجر، والنحل. وتسع: سبحان، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء، والحج، والمؤمنون، والنور، والفرقان. وإحدى عشرة: الشعراء، والنمل، والقصص، والعنكبوت، والروم، ولقمان، وألم السجدة، والأحزاب، وسبأ، وفاطر، ويس. وثلاث عشرة: الصافات، وص، والزمر، وغافر، وحم السجدة، وعسق، والزخرف، والدخان، والجاثية، والأحقاف، والقتال، والفتح، والحجرات. ثم بعد ذلك الحزب المفصل كما قاله الصحابة ﵃. فتعين أن أوله سورة "ق" وهو الذي قلناه، ولله الحمد والمنة. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا مالك، عن ضَمرَة بن سعيد عن عُبيد [¬١] الله بن عبد الله؛ أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي: ما كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيد؟ قال: بقاف. واقتربت (٢). ورواه مسلم وأهل السنن الأربعة من حديثه مالك به. وفي رواية لمسلم عن

стр. 5817

فليح [¬١] عن ضمرة عن عبيد [¬٢] الله عن أبي واقد، قال: سألني عمر، فذكره (٣). (حديث آخر) وقال أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن [¬٣] إسحاق: حدثني عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن عمرو [¬٤] بن حزم، عن يحيى [¬٥] بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد [¬٦] بن زرارة، عن أم هشام بنت حارثة؛ قالت: لقد كان تنُّورنا وتَنورُ النبي ﷺ واحدًا سنتين، أو سنة وبعض سنة، وما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إلا علي لسان رسول الله ﷺ ، كان يقرؤها كل يوم جمعة علي المنبر إذا خطب الناس (٤). [رواه مسلم] [¬٧] [من. حديث ابن إسحاق به] [¬٨]. وقال أبو داود: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن [خُبَيب، عن] [¬٩] عبد الله بن محمد بن مَعْن، عن ابنة الحارث بن النعمان؛ قالت: ما حفظت "ق" إلا من في رسول الله ﷺ يخطب بها كل جمعة. قالت: وكان تنُّورنا وتنور رسول الله ﷺ واحدًا (٥). و [¬١٠] كذا رواه مسلم والنسائي وابن ماجة من حديث شعبة به. والقصد أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بهذه السورة في المجامع الكبار، كالعيد والجمع، لاشتمالها على ابتداء الخلق والبحث والنشور، والمعاد والقيام، والحساب، والجنة والنار، والثواب والعقاب، والترغيب والترهيب.

стр. 5818

﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَال الْكَافِرُونَ هَذَا شَيءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾. ﴿ق﴾ حرف من حروف الهجاء المذكورة في أوائل السور، كقوله: (ص، ن [وألم وحم،] [¬١] طس) ونحو ذلك [¬٢]، قاله مجاهد وغيره. وقد أسلفنا الكلام عليها، في أول "سورة القبرة" بما أغنى عن إعادته. وقد روي عن بعض السلف أنهم قالوا: ﴿ق﴾: جبل محيط بجميع الأرض، يقال له: جبل قاف. وكأن هذا -والله أعلم- من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس، لما رأى من جواز الرواية عنهم فيما لا يصدق ولا يكذب. وعندي أن هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يُلبِسون به علي الناس أمر دينهم، كما افترى في هذه الأمة -مع جلالة قدر علمائها وحفاظها وأئمتها- أحاديث، عن النبي ﷺ وما بالعهد من قدم، فكيف بأمة بني إسرائيل مع طول المدى، وقلة الحفاظ النقاد فيهم، وشربهم الخمور، وتحريف علمائهم الكلم عن مواضعه، وتبديل كتب الله وآياته! وإنما أباح الشارع الرواية عنهم في قوله: "وحَدثوا عن بني إسرائيل، ولا حَرَجَ" (٦) فيما قد يجوزه العقل، فأما فيما [تُحيله العقول] [¬٣] ويُحكم عليه بالبطلان. ويغلب علي الظنون كذبه، فليس من هذا القبيل، والله أعلم. وقد أكثر كثير من السلف من المفسرين، وكذا طائفة كثيرة من الخلف، من الحكاية عن كتب أهل الكتاب في تفسير القرآن المجيد، وليس بهم احتياج إلي أخبارهم، ولله الحمد والمنة، حتى أن الإِمام أبا محمد [] [¬٤] عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي ﵀ أورد هاهنا أثرًا غربيًا لا يصح سنده عن ابن عباس فقال: حدثنا أبي، قال: حدثت عن محمد بن إسماعيل المخزومي، حدثنا ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: خلق الله من وراء هذه الأرض بحرًا محيطًا، ثم خلق من وراء ذلك [البحر] [¬٥] جبلًا يقال له: "ق"، السماء الدنيا مرفوفة عليه، ثم خلق الله

стр. 5819

من وراء ذلك الجبل أرضًا مثل تلك الأرض سبع مرات. ثم خلق من وراء ذلك بحرًا محيطًا بها، ثم خلق من [¬١] وراء ذلك [] [¬٢] جبلًا يقال له "ق"، السماء الثانية مَرفُوفة عليه، حتى عد سبع أرضين، [وسبعة أبحر] [¬٣]، وسبعة أجبل، وسبع سماوات. قال: وذلك قوله: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾. فإسناد هذا الأثر فيه انقطاع (٧)، والذي رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ق﴾ قال: هو اسم من أسماء الله، (٨). والذي ثبت من مجاهد، أنه حرف من حروف الهجاء، كقوله: (ص- ن- حم- طس-[طسم] [¬٤]- ألم) ونحو ذلك. فهذه تبعد ما تقدم عن ابن عباس. وقيل: المراد. "قُضي الأمر واللهِ" وأن قوله: ﴿ق﴾ دلت على المحذوف من بقية الكلم كقول الشاعر: قلت لها: قفي فقالت قاف وفي هذا التفسير نظر؛ لأن الحذف في الكلام إنما يكون إذا دل دليل عليه، ومن أين يفهم هذا من ذكر هذا الحرف؟ وقوله: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ أي: الكريم العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. واختلفوا في جواب القسم ما هو؟ فحكي ابن جرير عن بعض النحاة أنه قوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾.

стр. 5820

وفي هذا نظر؛ بل الجواب هو مضمون الكلام بعد القسم، وهو إثبات النبوة، وإثبات المعاد، وتقريره وتحقيقه وإن لم يكن القسم مُتَلقًّى لفظًا، وهذا كثير في أقسام القرآن كما تقدم في قوله: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ وهكذا قال هاهنا: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَال الْكَافِرُونَ هَذَا شَيءٌ عَجِيبٌ﴾ أي: تعجبوا من إرسال رسول إليهم من البشر، كقوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَينَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ أي: وليس هذا بعجيب فإن الله يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس. ثم قال مخبرًا عنهم في تعجبهم أيضًا من المعاد واستبعادهم لوقوعه [¬١]: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي يقولون: أئذا متنا وبَلينا، وتقطعت الأوصال منا، وصرنا ترابًا كيف يمكن الرجوع بعد ذلك إلي هذه البنية والتركيب؟ ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي: بعيد الوقوع. ومعنى هذا أنهم يعتقدون استحالته وعدم إمكانه، قال الله تعالى رادًّا عليهم: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ أي: ما تأكل من أجسادهم في البلي، نعلم [¬٢] ذلك ولا يخفى علينا أين تفرقت الأبدان، وأين ذهبت، وإلي أين صارت؟ ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ أي: حافظ لذلك، فالعلم شامل، والكتاب أيضًا فيه كل الأشياء مضبوطة. قال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ أي: ما تأكل من لحومهم وأبشارهم، وعظامهم وأشعارهم، وكذا قال مجاهد وقتادة والضحاك وغيرهم. ثم بين تعالى سبب كفرهم وعنادهم واستبعادهم ما ليس ببعيد؛ فقال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أي: وهذا. حال كل من خرج عن الحق، مهما قال بعد ذلك فهو باطل. والمريج: المختلف المضطرب الملتبس المنكر [¬٣] خلاله، كقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾. ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيفَ بَنَينَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَينَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ

стр. 5821

وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَينَا بِهِ بَلْدَةً مَيتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ يقول تعالى منبهًا للعباد علي قدرته العظيمة التي أظهر بها ما هو أعظم مما تعجبوا مستبعدين لوقوعه: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيفَ بَنَينَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾ أي؛ بالمصابيح، ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾. قال مجاهد: يعني من شقوق. وقال غيره: فتوق. وقال غيره: من [¬١]، صدوع. والمعنى متقارب؛ كقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَينِ يَنْقَلِبْ إِلَيكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: كليل، أي: عن [أن يرى] [¬٢] عيبًا أو نقصًا. وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ أي: وسعناها وفرشناها، ﴿وَأَلْقَينَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾، وهي الجبال، لئلا تميد بأهلها وتضطرب، فإنها مُقَرة على تيار الماء المحيط بها من جميع جوانبها، ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أي: من جميع الزروع والثمار والنبات والأنواع، ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيءٍ خَلَقْنَا زَوْجَينِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. وقوله: ﴿بَهِيجٍ﴾ أي: حسن نَضِر ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أي: ومشاهدة خلق السماوات والأرض [¬٣]، وما جُعل فيهما من الآيات العظيمة تبصرة ودلالة وذكرى ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أي: خاضع خائف وَجِل رَجّاع إلى الله . وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾، أي: نافعًا ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ﴾، أي: حدائق من بساتين ونحوها ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾، وهو: الزرع الذي يُرادُ لحبّه وادخاره. ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ أي: طوالًا شاهقات. وقال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والسدي، وغيرهم: الباسقات الطوال ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾، أي: منضود ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ أي: للخلق، ﴿وَأَحْيَينَا بِهِ بَلْدَةً مَيتًا﴾، وهي الأرض التي كانت هامدة، فلما نزل عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، من أزاهير وغير ذلك، مما يحار الطرف في حسنها، وذلك بعد ما كانت لا نباتَ بها [¬٤]، فأصبحت تهتز خضراء، فهذا مثال للبعث بعد الموت والهلاك، كذلك يحيي الله الموتى. وهذا

стр. 5822

المُشَاهَدُ من عظيم قدرته بالحس أعظمُ مما أنكره الجاحدون للبعث، كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾. وقوله: ﴿[أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ] [¬١] بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾. وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾. ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) ﴿وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤) أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾ يقول تعالى متهددًا لكفار قريش بما [¬٢] أحله بأشباههم ونظرائهم وأمثالهم من المكذبين قبله، من النقمات والعذاب الأليم في الدنيا، كقوم نوح وما عذبهم الله به [¬٣] من الغرق العام لجميع أهل الأرض، وأصحاب الرس وقد تقدمت قصتهم في "سورة الفرقان" ﴿وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾، وهم أمته الذين بعث إليهم من أهل سَدُوم ومعاملتها من الغور، وكيف خسف الله بهم الأرض، وأحال أرضهم بحيرة منتنة خبيثة؛ بكفرهم وطغيانهم ومخالفتهم الحق ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيكَةِ﴾ وهم قوم شعيب ﵇ ﴿وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾، وهو اليماني. وقد ذكرنا من شأنه في "سورة الدخان" بما أغنى عن إعادته هاهنا، ولله الحمد. ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ أي: كل من هذه الأمم وهؤلاء القرون كذب رسوله، ومن كذب برسول [¬٤] فكأنما كذب بجميع [¬٥] الرسل، كقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾، وإنما جاءهم رسول واحد، فهم في نفس الأمر لو جاءهم جميع الرسل كذبوهم، ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ أي: فحق عليهم ما أوعدهم الله على التكذيب من العذاب والنكال. فليحذر المخاطبون أن يصيبهم ما أصابهم؛ فإنهم قد كذبوا رسولهم كما كذب أولئك. وقوله: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ أي: أفأعْجزنا ابتداء الخلق حتى هم في شك من الإِعادة، ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾: والمعنى أن ابتداء الخلق لم يعجزنا

стр. 5823

والإعادة أسهل منه، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾ وقال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾. وقد تقدم في الصحيح: "يقول الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يقول: لن يعيدني كما بدأني. وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته" (٩). ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾ يخبر تعالى عن قدرته على الإنسان بأنه خالقه، وعلْمهُ محيط بجميع أموره، حتى إنه تعالى يعلم ما توسوس به نفوس بني آدم من الخير والشر. وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل" (١٠). وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، يعني ملائكته تعالى أقربُ إلي الإنسان من حبل وريده إليه. ومن تأوله علي العلم فإنما فَرّ لئلا يلزم حلول [¬١] أو اتحاد، وهما مَنفيان بالإجماع، تعالى الله وتقدس، ولكن اللفظ لا يقتضيه فإنه لم يقل: وأنا أقرب إليه من حبلَ الوريد، وإنما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، كما قال في المحتَضِر: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ يعني: ملائكته؛ وكما قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ فالملائكة نزلت بالذكر -وهو القرآن- بإذن الله . وكذلك الملائكة أقرب إلي الإِنسان من حبل وريده إليه بإقدار [¬٢] الله لهم علي ذلك،

стр. 5824

فللملك لَمّة في الإِنسان كما أن للشيطان لمة، وكذلك: "الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" (١١). كما أخبر بذلك الصادق المصدوق؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾، يعني الملكين اللذين يكتبان عمل الإنسان. ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ أي مترصد ﴿مَا يَلْفِظُ﴾ أي [¬١]: ابن آدم ﴿مِنْ قَوْلٍ﴾ أي: ما يتكلم بكلمة ﴿إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أي: إلا ولها من يراقبها مُعتَدّ لذلك يكتبها، لا يترك كلمة ولا حركة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. وقد اختلف العلماء: هل يكتب الملك كل شيء من الكلام، وهو قول الحسن وقتادة، أو إنما يكتب ما فيه ثواب وعقاب كما هو قول ابن عباس؟ على قولين، وظاهر الآية الأول؛ لعموم قوله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو [¬٢] معاوية، حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة الليثي، عن أبيه، عن جَدّه علقمة، عن بلال بن الحارث المزني؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه. وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سَخَط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله عليه بها سَخَطه إلي يوم يلقاه" (١٢). قال: فكان علقمة يقول: كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث. ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجة، من حديث محمد بن عمرو، به (١٣). وقال

стр. 5825

الترمذي: "حسن صحيح". وله شاهد في الصحيح (١٤). وقال الأحنف بن قيس: صاحب اليمين يكتب الخير، وهو أمير علي صاحب الشمال، فإن أصاب العبد خطئة [¬١]، قال له: أمسك فإن استغفر الله تعالى نهاه أن يكتبها، وإن أبى كتبها (١٥). رواه ابن أبي حاتم. وقال الحسن البصري- وتلا هذه الآية: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾: يا بن آدم، بُسطت لك صحيفة، ووكل [¬٢] بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك، والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك، [فاعمل] [¬٣] ما شئت، أقلل أو أكثر حتى إذا مت طُويت صحيفتك، وجُعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة، فعند ذلك يقول: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيكَ حَسِيبًا﴾. ثم يقول: عَدَل -والله- فيك مَنْ جعلك حسيبَ نفسك. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، قال: يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر، حتى إنه ليكتب قوله: "أكلت، شربت، ذهبت، جئت، رأيت"، حتى إذا كان يوم الخميس عُرض قوله وعمله، فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر، وألقي سائره، وذلك قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. وذكر عن الإِمام أحمد أنه كان يئن في مرضه، فبلغه عن طاووس

стр. 5826

أنه قال: يكتب الملك كل شيء حتى الأنين. فلم يئن أحمد حتى مات ﵀. وقوله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾، يقول تعالى وجاءت -أيها الإنسان- سكرة الموت بالحق، أي: كَشَفَت لك عن اليقين الذي كنت تمتري فيه ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أي: هذا هو الذي كنت تفر منه قد جاءك، فلا محيد ولا مناص، ولا فكاك ولا خلاص. وقد اختلف المفسرون في المخاطب بقوله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾، فالصحيح أن المخاطب بذلك الإنسان من حيث هو. وقيل: الكافر، وقيل غير ذلك. وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا إبراهيم بن زياد -سَبَلان- أخبرنا عَبّاد بن عَبّاد عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبيه، عن جده علقمة بن وقاص؛ أن عائشة ﵂ قالت: حضرت أبي وهو يموت وأنا جالسة عند رأسه، فأخذته غشية فتمثلت ببيت من الشعر: من لا يزال دمعه مقنعًا … فإنه لا بد مرة مدفوق [¬١] قالت: فرفع رأسه فقال: يا بنية [¬٢]؛ ليس كذلك، ولكن كما قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (١٦). وحدثنا خَلَف بن هشام، حدثنا أبو شهاب، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن البَهِيّ قال: لما أن ثقل أبو بكر ﵁ جاءت عائشة ﵂ فتمثلت بهذا البيت: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى … إذا حشرجت يومًا وضاق بها الصدر فكشف عن وجهه وقال: ليس كذلك، ولكن قوله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (١٧). وقد أوردت لهذا الأثر طُرقًا في سيرة الصديق عند ذكر وفاته ﵁. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه [¬٣] لما تغشاه الموت جعل يمسح

стр. 5827

العرق عن وجهه ويقول: "سبحان الله! إن للموت لَسَكرَات" (١٨). وفي قوله: ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ قولان: أحدهما: أن "ما" هاهنا موصولة، أي: الذي كنت منه تحيد -بمعنى: تبتعد وتنأى وتفر- قد حَلّ بك ونزل بساحتك. والقول الثاني: أن "ما" نافية بمعنى ذلك ما كنت تقدر على الفرار منه ولا [الحيد عنه] [¬١]. وقد قال الطبراني في "المعجم الكبير": حدثنا محمد بن علي الصائغ المكي، حدثنا حفص [] [¬٢] بن عُمر الحدي، حدثنا معاذ بن محمد الهذلي، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل الذي يفر من الموت مثل الثعلب، تطلبه الأرض بدين، فجاء يسعى حتى إذا أعيى وأسهر دخل جُحره، فقالت له الأرض: يا ثعلب؛ ديني. فخرج وله حُصَاص (*) فلم يزل كذلك حتى تقطعت عنقه ومات" (١٩). ومضمون هذا المثل: كما لا انفكاك له ولا محيد عن الأرض كذلك الإِنسان لا محيد له عن الموت. وقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾. قد تقدم الكلام علي حديث النفخ في الصور [والفَزَع] [¬٣] والصعق والبعث، وذلك يوم القيامة. وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: "كيف أنعم وصاحب القَرْن قد التقم القرن وحنى جبهته، وانتظر أن يؤذن له". قالوا: يا رسول الله؛ كيف نقول؟ قال: "قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل". فقال القوم: حسبنا الله ونعم الوكيل (٢٠).

стр. 5828

﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾، أي: ملك يسوقه إلى المحشر، وملك يشهد عليه بأعماله. هذا هو الظاهر من الآية الكريمة. وهو اختيار ابن جرير ثم روى من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن يحيى بن رافع -مولى لثقيف- قال: سمعت عثمان بن عفان يخطب، فقرأ هذه الآية: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾، فقال: سائق يسوقها إلى الله، وشاهد يشهد عليها بما عملت (٢١). وكذا قال مجاهد وقتادة وابن زيد. وقال مُطَرِّف، عن [¬١]، أبي جعفر -مولى أشجع- عن أبي هُريرة: السائق الملك، والشهيد العمل. وكذا قال الضحاك والسدي. وقال العوفي، عن ابن عباس: السائق من الملائكة، والشهيد الإنسان نفسه يشهد على نفسه. وبه قال الضحاك بن مزاحم أيضًا. وحكى ابن جرير ثلاثة أقوال في المراد بهذا الخطاب في قوله: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾، أحدها أن المراد بذلك الكافر. رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وبه يقول الضحاك بن مُزاحم وصالح بن كيسان. والثاني: أن المراد بذلك كل أحد من بَرّ وفاجر؛ لأن الآخرة بالنسبة إلي الدنيا كاليقظة والدنيا كالمنام [¬٢]. وهذا اختيار ابن جرير، ونقله عن حُسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس. والثالث: أن المخاطب بذلك النبي ﷺ . وبه يقول زيد بن أسلم وابنه. والمعنى على قولهما: لقد كنت في غفلة من هذا الشأن قبل أن يُوحى إليك، فكشفنا عنك غطاءك بإنزاله إليك، فبصرك اليوم حديد. والظاهر من السياق خلاف هذا، بل الخطاب مع الإِنسان من حيث هو، والمراد بقوله: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾، يعني من هذا اليوم، ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾، أي: قوي؛ لأن كل واحد يوم القيامة يكون مستبصرًا، حتى الكفار في الدنيا يكونون [¬٣] يوم القيامة على الاستقامة، لكن لا ينفعهم ذلك، قال الله تعالى:

стр. 5829

﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾. ﴿وَقَال قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦) قَال قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قَال لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)﴾. يقول تعالى مخبرًا [¬١] عن الملك الموكل بعمل ابن آدم: إنه يشهد عليه يوم القيامة بما فعل، ويقول: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أي: معتَدّ محضر بلا زيادة ولا نقصان. وقال مجاهد: هذا كلام الملك السائق يقول: هذا ابن آدم الذي وكلتني به قد أحضرته. وقد اختار ابن جرير أنه يعم السائق والشهيد، وله اتجاه [¬٢] وقوة. فعند ذلك يحكم الله في الخليقة بالعدل فيقول: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾. وقد اختلف النحاة في قوله: ﴿أَلْقِيَا﴾، فقال بعضهم: هي لغة لبعض العرب يخاطبون المفرد بالتثنية، كما روي عن الحجاج أنه كان يقول: يا حرسي، اضربا عنقه. ومما [¬٣] أنشد ابن جرير علي هذه اللغة قول الشاعر: فإن تزجراني -يا بن عفان- أنزجر … وإن تتركاني أحم عرضًا ممنعًا وقيل: بل هي نون التوكيد، سهلت إلى الألف. وهذا بعيد؛ لأَن هذا إنما يكون في الوقف، والظاهر أنها مخاطبة مع السائق والشهيد، فالسائق أحضره إلى عرصة الحساب، فلما أدى الشهيد عليه، أمرهما الله تعالى بإلقائه في نار جهنم وبئس المصير. ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ أي: كثير الكفر والتكذيب بالحق، ﴿عَنِيدٍ﴾:

стр. 5830

معاند للحق، معارض له بالباطل مع علمه بذلك. ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيرِ﴾ أي: لا يؤدي ما عليه من الحقوق، ولا بر فيه ولا صِلة ولا صدقة، ﴿مُعْتَد﴾ أي فيما ينفقه ويصرفه، يتجاوز فيه الحد. وقال قتادة: معتد في منطقه وسيرته وأمره. ﴿مُرِيبٍ﴾ أي: شاك في [¬١] أمره، مريب لمن نظر في أمره. ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ أي: أشرك بالله فعبد معه غيره، ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾. وقد تقدم في الحديث أن [¬٢] عُنقًا من النار يبرز للخلائق فينادي بصوت يسمع الخلائق: إني وكلت بثلاثة؛ بكل جبار عنيد، ومن جعل مع الله إلهًا آخر، وبالمصورين. ثم تلوى عليهم (٢٢). قال الإمام أحمد: حدثنا معاوية -هو ابن هشام- حدثنا شيبان، عن فِرَاس، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، عن نبي الله ﷺ ؛ أنه قال: "يخرج عُنُق من النار يتكلم، يقول: وكلت اليوم بثلاثة: بكل جبار، ومن جعل مع الله إلهًا آخر، ومن قتل نفسًا بغير نفس. فتنطوي عليهم، فتقذفهم في غمرات جهنم" (٢٣). ﴿قَال قَرِينُهُ﴾. قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وغيرهم: هو الشيطان الذي وُكِّل به. ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيتُهُ﴾ أي: يقول عن الإنسان الذي قد وافى القيامة كافرًا، يتبرأ منه شيطانه، فيقول: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيتُهُ﴾ أي: ما أضللته، ﴿وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ أي: بل كان هو في نفسه ضالًّا قابلًا للباطل معاندًا للحق. كما أخبر تعالى في

стр. 5831

الآية الأخرى في قوله: ﴿وَقَال الشَّيطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وقوله: ﴿قَال لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾، يقول الرب للإِنسي وقرينه من الجن، وذلك أنهما يختصمان بين يدي الحق، فيقول الإنسي: يارب، هذا أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني. ويقول الشيطان: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾، أي [¬١]: عن منهج الحق. فيقول الرب لهما: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ أي: عندي ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ أي: قد أعذرت إليكم على ألسنة الرسل، وأنزلت الكتب، وقامت عليكم الحُجج والبينات والبراهين. ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾. قال مجاهد: يعني قد قضيتُ ما أنا قاض، ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أي [¬٢]: لست أعذب أحدًا بذنب أحد، ولكن لا أعذب أحدًا إلا بذنبه، بعد قيام الحجة عليه. ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَينَا مَزِيدٌ (٣٥﴾ يخبر تعالى أنه يقول لجهنم يوم القيامة: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾؟ وذلك أنه وعدها أن سيملؤها من الجنّة والناس أجمعين، فهو سبحانه يأمر بمن يأمر به إليها، ويلقي وهي تقول: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ أي: هل بقي شيء تزيدوني؟ هذا هو الظاهر من سياق الآية، وعليه تدل الأحاديث: قال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا عبد الله بن أبي الأسود، حدثنا [حَرَمي بن

стр. 5832

عُمَارة] [¬١]، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ ؛ قال: "يُلقَي في النار وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع قدمه فيها، فتقول: قَط قط" (٢٤). وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزال جهنم يلقي فيها وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فينزوي بعضها إلي بعض، وتقول: قَط قَطْ، وعزتك وكرمك. ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقًا آخر، فيسكنهم [¬٢] في فضول الجنة (٢٥). ثم رواه مسلم من حديث قتادة بنحوه (٢٦). و [قد] [¬٣] رواه أبان العطار وسليمان التيمي، عن قتادة، بنحوه (٢٧). (حديث آخر) قال البخاري: حدثنا محمد بن موسى القَطّان، حدثنا أبو سفيان الحِميري سَعيد بن يحيى بن مهدي، حدثنا عوف، عن محمد، عن أبي هريرة -رفعه، وأكثر ما كان يوقفه أبو سفيان-: "يقال لجهنم: هل امتلأت، وتقول: هل من مزيد، فيضع الرب قدمه عليها، فتقول: قَط قَطْ" (٢٨). [ورواه أيوب] [¬٤]، وهشام بن حسان [¬٥]، عن محمد بن سيرين به. (طريق أخرى) قال البخاري: وحدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا

стр. 5833

معمر عن همّام [¬١]، عن أبي هريرة؛ قال: قال النبي ﷺ : "تحاجّت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرْتُ بالمتكبرين والمتجبرين. وقالت الجنة: ما لي [¬٢] لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقَطُهم. قال الله للجنة: أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء من عبادي. وقال للنار: إنما أنت عذابي، أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله، فتقول: قَطْ قَطْ قَطْ [¬٣]، فهنالك تمتلئ [ويُزوَى بعضها إلي بعض] [¬٤]، ولا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقًا [¬٥] (٢٩). (حديث آخر) قال مسلم في صحيحه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي [¬٦] سعيد؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "احتجت الجنة والنار، فقالت النار: في الجبارون والمتكبرون. وقالت الجنة: في ضعفاء الناس ومساكينهم. فقضى بينهما، فقال للجنة: إنما [¬٧] أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء من عبادي. وقال للنار: إنما أنت عذابي، أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها" (٣٠). انفرد به مسلم دون البخاري، من هذا الوجه، والله أعلم. وقد رواه الإمام أحمد من طريق أخرى، عن أبي سعيد بأبسط من هذا السياق؛ فقال: حدثنا حسن وروح؛ قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة [¬٨]، عن أبي سعيد الخُدري؛ أن رسول الله ﷺ ؛ قال: "افتخرت الجنة والنار، فقالت النار: يا رب؛ يدخلني الجبابرة والمتكبرون والملوك والأشراف. وقالت الجنة: أي رب؛ يدخلني الضعفاء والفقراء والمساكين. فيقول الله للنار: أنت عذابي، أصيب بك من أشاء. وقال للجنة: أنت رحمتي، وسعت كل شيء، ولكل واحدة منكما ملؤها، فيلقي في النار أهلها فتقول: هل من

стр. 5834

مزيد؟ " قال: "ويلقى فيها [¬١]، وتقول: هل من مزيد؟ ويلقي فيها وتقول: هل من مزيد حتى يأتيها فيضع قدمه عليها، فتزوَى وتقول: قَدْني، قَدْني! وأما الجنة فيبقى فيها ما شاء الله أن يبقى، فينشئ الله لها خلقًا ما يشاء" (٣١). حديث آخر، وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا عقبة بن مُكْرم، حدثنا يونس، حدثنا عبد الغفار بن القاسم، عن عدي بن ثابت، عن زرّ بن حُبَيش، عن أبي بن كعب؛ أن رسول الله ﷺ ؛ قال: "يعرّفني [¬٢] الله نفسه يوم القيامة، فأسجد سجدة يرضى بها عني، ثم أمدحة مدْحَة يرضى بها عني، ثم يؤذن لي في الكلام، ثم تمر أمتي على الصراط -مضروب بين ظهراني جهنم- فيمرون أسرع من الطرف والسهم، وأسرع من أجود الخيل، حتى يخرج الرجل منها يحبو، وهي الأعمال. وجهنم تسأل المزيد، حتى يضع فيها قدمه، فينزوي بعضها إلي بعض وتقول: قَطْ قَطْ! وأنا علي الحوض". قيل: وما الحوض يا رسول الله؟ قال: "والذي نفسي بيده، إن شرابه أبيض من اللبن، وأحلي من العسل، وأبرد من الثلج، وأطيب ريحًا من المسك، وآنيته أكثر من عدد النجوم، لا يشرب منه إنسان فيظمأ أبدًا، ولا يصرف فَيَروَى أبدًا، (٣٢). وهذا القول هو اختيار ابن جرير. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى [¬٣] الحمّاني عن [نَضْر الخزّاز] [¬٤]، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾؟، قال: ما امتلأت، قال: تقول: وهل فيّ من مكان يزاد في. وكذا روى الحكم [¬٥] بن أبان عن عكرمة: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾: وهل فيّ مدخل واحد؟ قد امتلأت. قال الوليد بن مسلم، عن يزيد بن أبي مريم: أنه سمع مجاهدًا يقول: لا يزال يُقذف فيها حتى تقول: قد امتلأت فتقول: هل من مزيد. وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم

стр. 5835

نحو هذا (٣٣). فعند هؤلاء أن قوله تعالى: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ إنما هو بعد ما يضع عليها قدمه، فتنزوي وتقول حينئذ: هل بقي في [مزيد يسع] [¬١] شيئًا؟ قال العوفي، عن ابن عباس: وذلك حين لا يبقى فيها موضع يسع [¬٢] إبرة. فالله أعلم. وقوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيرَ بَعِيدٍ﴾، قال قتادة، وأبو مالك، والسدي: ﴿وَأُزْلِفَتِ﴾ أدنيت وقُرّبت من المتقين ﴿غَيرَ بَعِيدٍ﴾، وذلك يوم القيامة، وليس ببعيد لأنه واقع لا محالة، وكل ما هو آت آت. ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ أي: رجّاع، تائب مقلع ﴿حَفِيظٍ﴾ أي: يحفظ العهد فلا ينقضه وينكثه [¬٣]. وقال عبيد بن عمير: الأواب الحفيظ الذي لا يجلس مجلسًا حتى يستغفر الله . ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيبِ﴾ أي: من خاف الله [¬٤] في سره حيث لا يراه أحد إلا الله؛ كقوله ﵇: "ورجل ذكر الله خاليًا، ففاضت عيناه" (٣٤). ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أي: ولقي الله يوم القيامة بقلب سليم منيب إليه خاضع لديه. ﴿ادْخُلُوهَا﴾ أي: الجنة ﴿بِسَلَامٍ﴾. قال قتادة: سَلموا من عذاب الله، وسلم عليهم ملائكة الله. وقوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ أي: يخلدون في الجنة فلا يموتون أبدًا، ولا يظعنون أبدًا، ولا يبغون عنها حولًا. وقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾ أي: مهما اختاروا وجدوا، من أيّ أصناف الملاذ طلَبوا أحضِر لهم.

стр. 5836

قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا بقية، عن بَحير [¬١] ابن سعد [¬٢]، عن خالد بن معدان، عن كثير بن مرة؛ قال: [من المزيد] [¬٣] أن تمر السحابة بأهل الجنة فتقول: ماذا تريدون فأمطره لكم؟ فلا يدعون بشيء إلا أمطرتهم. قال كثير: لئن [¬٤] أشهدني الله ذلك لأقولن: أمطرينا جواري مزينات (٣٥). وفي الحديث عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال له: "إنك لتشتهي الطير في الجنة، فيخر بين يديك مشويًّا" (٣٦). وقال الإِمام أحمد: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن عامر الأحول، عن أبي الصديق، عن أبي سعيد الخدري؛ أن رسول ﷺ ؛ قال: "إذا اشتهى المؤمن الولد في الجنة، كان حملة ووضعه وسِنّه في ساعة واحدة" (٣٧). ورواه الترمذي وابن ماجه عن بندار، عن معاذ بن هشام به (٣٨). وقال الترمذي: "حسن غريب". وزاد: "كما [¬٥] يشتهي".

стр. 5837

وقوله: ﴿وَلَدَينَا مَزِيدٌ﴾ كقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا [الْحُسْنَى] [¬١] وَزِيَادَةٌ﴾. وقد تقدم في صحيح مسلم عن صهيب بن سنان الرومي: أنها النظر إلى وجه الكريم (٣٩). وقد روى البزار وابن أبي حاتم، من حديث شريك القاضي [¬٢]، عن عثمان بن عمير [¬٣] أبي اليقظان، عن أنس بن مالك في قوله : ﴿وَلَدَينَا مَزِيدٌ﴾، قال: يظهر لهم الرب في كل جمعة (٤٠). وقد رواه الإِمام أبو عبد الله الشافعي مرفوعًا فقال في مسنده: أخبرنا إبراهيم بن محمَّد، حدثني موسى بن عبيدة، حدثني أبو الأزهر معاوية بن إسحاق بن طلحة، عن [عبيد بن عمير] [¬٤] أنه سمع أنس بن مالك يقول: [أتى جبرائيل] [¬٥] بمرآة بيضاء فيها نكتة إلى رسول الله ﷺ ، [فقال النبي، ﷺ ] [¬٦]: "ما هذه؟ ". فقال: هذه الجمعة، فُضلت بها أنت وأمتك، فالناس [لكم فيها تبع] [¬٧]، اليهود والنصارى، ولكم [¬٨] فيها خير، ولكم فيها ساعة لا يوافقها مؤمن يدعو [] [¬٩] الله بخير إلا استجيب له، وهو عندنا يوم المزيد. قال النبي ﷺ : "يا جبريل؛ وما يوم المزيد؟ ". قال إن: ربك اتخذ في الفردوس واديًا أفيح فيه كُثُب المسك، فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله ما شاء من ملائكته، وحوله منابر من نور، عليها

стр. 5838

مقاعد النبيين، وَحَفّ تلك [¬١] المنابر بمنابر [¬٢] من ذهب، مكللة بالياقوت والزبرجد، عليها الشهداء والصديقون، فجلسوا من ورائهم على تلك الكثُب، فيقول الله- : أنا ربكم، قد صَدَقتكُم وعدي، فسلوني أعطكم. فيقولون: ربنا؛ نسألك رضوانك، فيقول: قد رَضِيتُ عنكم، ولكم عَلَيّ ما تمنّيتم، ولديّ مزيد. فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه [¬٣] ربهم من الخير، وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش، وفيه خلق آدم، وفيه تقوم الساعة (٤١). هكذا أورده الإِمام الشافعي في كتاب الجمعة من "الأم"، وله طرق عن [¬٤] أنس بن مالك ﵁: وقد أورد ابن جرير هذا من رواية عثمان بن عمير، عن أنس بأبسط من هذا (٤٢)، وذكر ها هنا أثرًا مطولًا عن أنس بن مالك موقوفًا وفيه غرائب كثيرة (٤٣). وقال الإِمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دَرّاج عن [أبي الهيثم] [¬٥]، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ ؛ قال: "إن الرجل في الجنة ليتكئ [¬٦] في الجنة سبعين سنة [قبل أن يتحول] [¬٧] ثم تأتيه امرأة فتضرب على منكَبِه، فينظر وجْهَه في خَدّها أصفى من المرآة، وإن أدنى لؤلؤة عليها تضئ ما بين المشرق والمغرب؛ فتسلم عليه، فيرد السلام، فيسألها: من أنت؟ فتقول: أنا من المزيد. فإنّه ليكون عليها سبعون حلة، أدناها مثل النعمان، من طوبى، فينفذها بَصَره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك، وإن عليها من التيجان، إن أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب" (٤٤). وهكذا رواه عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث [¬٨] عن دراج به.

стр. 5839

﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠)﴾ يقول تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا﴾ قبل هؤلاء المنكرين: ﴿مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ أي: كانوا أكثر منهم وأشد قوة، وآثاروا الأرض وعَمَرُوها أكثر مما عمروها؛ ولهذا قال ها هنا: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ﴾. قال ابن عباس: أثَّروا فيها. وقال مجاهد: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ﴾: ضربوا [¬١] في الأرض. وقال قتادة: فساروا في البلاد: أي ساروا فيها يبتغون الأرزاق والمتاجر والمكَاسب أكثر مما طفتم أنتم فيها. ويقال لمن [¬٢] طوف في البلاد: نقب فيها. قال امرؤٌ القيس: لَقَدْ نَقَّبتُ فيِ الْآفاقِ حَتى … رَضِيتُ مِنَ الْغَنِيمَةِ بِالإيَاب وقوله: ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾: هل من مفر كان لهم من قضاء الله وقدره؟ وهل نفعهم ما جمعوه ورَدّ عنهم عذاب الله إذ جاءهم لما كذبوا الرسل؟ فأنتم أيضًا لا مفر لكم ولا محيد ولا مناص ولا محيص. وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ أي: لعبرة ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أي: لب يعي به. وقال مجاهد: عقل. ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أي استمع الكلام فوعاه، وتعقله بقلبه وتفهمه بلبه. وقال مجاهد: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ يعني: لا يحدث نفسه [بغيره، ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ وقال: شاهد بالقلب] [¬٣]. وقال الضحاك: العرب تقول: ألقى فلان سمعه: إذا استمع بأذنيه وهو شاهد، يقول [¬٤]: غير غائب. وهكذا قال الثوري وغير واحد.

стр. 5840

وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ فيه تقرير المعاد، لأن من قدر على خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن، قادر على أن يحيي الموتى بطريق الأولى والأحرى. وقال قتادة: قالت اليهود -عليهم لعائن الله- خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام، ثم استراح في اليوم السابع، وهو يوم السبت، وهم يسمونه يوم الراحة، فأنزل الله تكذيبهم فيما قالوه وتأولوه: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ أي: من إعياء ولا نصب ولا تعب، كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ وكما [¬١] قال: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ وقال: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾. وقوله: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ يعني: المكذبين، اصبر عليهم، واهجرهم هجرًا جميلًا، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ [وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾، وكانت الصلاة المفروضة قبل الإسراء، ثنتان قبل طلوع الشمس] [¬٢] في وقت الفجر، وقبل الغروب في وقت العصر، وقيام الليل كان واجبًا على النبي ﷺ [وعلى أمته] [¬٣] حولًا، ثم نسخ في حق الأمة وجوبُه. ثم بعد ذلك نسخ الله ذلك كله ليلة الإسراء بخمس صلوات، ولكن منهن صلاة الصبح والعصر، فهما قبل طلوع الشمس وقبل الغروب. وقد قال الإِمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله؛ قال: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ ، فنظر إلى القمر ليلة البدر [¬٤] فقال: "أما إنكم ستعرضون على ربكم فترونه كما ترون هذا القمر، لا تُضارون [¬٥] فيه، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، فافعلوا". ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (٤٥). ورواه البخاري ومسلم وبقية الجماعة، من حديث إسماعيل به (٤٦).

стр. 5841

وقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيلِ فَسَبِّحْهُ﴾ أي: فصلِّ له، كقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ قال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس: هو التسبيح بعد الصلاة. ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أنه قال: جاء فقراء [¬١] المهاجرين فقالوا: يا رسول الله؛ ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم. فقال: "وما ذاك؟ " قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق! قال: "أفلا أعلمكم شيئًا إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من فعل مثل ما فعلتم؟ تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر [¬٢] كل صلاة ثلاثا وثلاثين". قال: فقالوا: يا رسول الله، سمع إخواننا أهل الأموال [بما [¬٣] فعلنا] [¬٤]، ففعلوا مثله [¬٥]. قال: "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" (٤٧). والقول الثاني: أن المراد بقوله: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾، هما الركعتان بعد المغرب، روي ذلك عن عمر وعليّ، وابنه الحسن، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي أمامة، وبه يقول مجاهد، وعكرمة، والشعبي، والنخَعي، والحسن، وقتادة، وغيرهم.

стр. 5842

قال الإِمام أحمد: حدثنا وكيع وعبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي؛ قال: كان رسول الله ﷺ يصلي على أثر كل صلاة مكتوبة ركعتين إلا الفجر والعصر. وقال عبد الرحمن: دُبُر كل صلاة (٤٨). ورواه أبو داود والنسائي، من حديث سفيان الثوري به. زاد النسائي: ومطرف، عن أبي إسحاق، به (٤٩). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا ابن [¬١] فضيل، عن رشدين بن كريب، عن أنس عن ابن [¬٢] عباس؛ قال: بت ليلة عند رسول الله ﷺ فصلى ركعتين خفيفتين، اللتين قبل الفجر. ثم خرج إلى الصلاة فقال: "يا بن عباس؛ ركعتين قبل صلاة الفجر إدبار النجوم، وركعتين بعد المغرب أدبار السجود". ورواه الترمذي عن أبي [¬٣] هشام الرفاعي، عن محمَّد بن فضيل به. وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (٥٠). وحديث ابن عباس وأنه بات في بيت خالته ميمونة، وصلى تلك الليلة مع النبي ﷺ ثلاث عشرة ركعة - ثابت في الصحيحين وغيرهما (٥١). فأما هذه الزيادة فغريبة لا تعرف إلا من هذا الوجه، ورشدين بن كريب ضعيف، ولعله من كلام ابن عباس موقوفًا عليه، والله أعلم.

стр. 5843

﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَينَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَينَا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾ يقول تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ﴾ يا محمَّد ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ قال قتادة: قال كعب الأحبار: يأمر الله ملكًا أن ينادي على صخرة بيت المقدس: أيتها [¬١] العظام البالية، والأوصال المتقطعة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيحَةَ بِالْحَقِّ﴾، يعني النفخة في الصور التي تأتي بالحق الذي [¬٢] كان أكثرهم فيه [¬٣] يمترون. ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ أي: من الأجداث، ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَينَا الْمَصِيرُ﴾ أي: هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، وهو أهون عليه، وإليه مصير الخلائق كلهم، فيجازي كلا بعمله، إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر. وقوله: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا﴾، وذلك أن الله تعالى ينزل مطرًا من السماء تنبت به أجساد الخلائق في قبورها، كما ينبت الحب في الثرى بالماء، فإذا تكاملت الأجساد أمر الله إسرافيل [فينفخ في الصور، وقد أودعت الأرواح في ثقب في الصور، فإذا نفخ إسرافيل] [¬٤] فيه خرجت الأرواح تتوهج بين [¬٥] السماء والأرض، فيقول الله : وعزتي وجلالي، لترجِعَن كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره، فترجع كل روح إلى جسدها، فتدب فيه كما يدب السم في اللديغ [وتنشق الأرض عنهم فيقومون إلى موقف الحساب سراعًا مبادرين إلى أمر الله ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ] [¬٦] يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾. وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلًا﴾ وفي صحيح مسلم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أول من تنشق عنه

стр. 5844

الأرض" (٥٢). وقوله: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَينَا يَسِيرٌ﴾ أي تلك إعادة سهلة علينا، يسيرة لدينا، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾. وقال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. وقوله: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ أي: نحن علمنا محيط بما يقول لك المشركون من التكذيب فلا يهيدنك [¬١] ذلك، كقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ أي: ولست بالذي تجبر هؤلاء على الهدى، وليس ذلك مما كلفت به. وقال قتادة، ومجاهد، والضحاك: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ أي: لا تتجبر عليهم. والقول الأول أولى، ولو أراد ما قالوه لقال: ولا تكن جبارًا عليهم، وإنما قال: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيهِمْ بِجَبَّارٍ﴾، بمعنى: وما أنت بمجبرهم على الإيمان إنما أنت مبلغ. قال الفراء: سمعت العرب تقول: جبر فلان فلانًا على كذا بمعنى أجبره. ثم قال تعالى ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ أي: بلغ أنت رسالة ربك، فإنما يتذكر من يخاف الله ووعيده ويرجو وعده، كقوله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيكَ الْبَلَاغُ وَعَلَينَا الْحِسَابُ﴾، وقوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيهِمْ بِمُصَيطِرٍ﴾ ﴿لَيسَ عَلَيكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ولهذا قال ها هنا: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾. كان قتادة يقول: اللهم اجعلنا ممن يخاف وعيدك، [ويرجو موعودك] [¬٢]، يا بار يا رحيم. آخر تفسير سورة (ق)، والحمد لله وحده وحسبنا الله ونعم الوكيل". * * *

стр. 5845

تفسير سورة الذاريات وهي مكية ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (١١) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤)﴾ قال شعبة بن الحجاج عن سماك، عن خالد بن عَرعَرَة أنه سمع عليًّا. وشعبة أيضًا، عن القاسم بن أبي بَزّة، عن أبي الطفيل، سمع عليًّا. وثبت أيضًا من غير وجه، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب؛ أنه صعد منبر الكوفة فقال: لا تسألوني عن آية في كتاب الله، ولا عن سنة [عن] [¬١] رسول الله، إلا أنبأتكم بذلك. فقام إليه ابن الكواء فقال: يا أمير المؤمنين؛ ما معنى قوله تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾؟ قال: الريح. ﴿فَالْحَامِلَاتِ وقْرًا﴾؟ قال: السحاب. ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾؟ قال: السفن. ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾؟ قال: الملائكة (١). وقد رُويَ في ذلك حديث مرفوع، فقال الحافظ أبو بكر البزار (٢): حدثنا إبراهيم بن هانئ حدثنا سعيد بن سلام العطار، حدثنا أبو بكر بن أبي سبرة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: جاء صَبِيغ [¬٢] التميمي [¬٣] إلى عمر بن الخطاب، فقال: يا

стр. 5846

أمير المؤمنين؛ أخبرني عن "الذاريات ذروًا"؟ فقال: هي الرياح، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته. قال: فأخبرني عن "المقسمات أمرًا"؟ قال: هي الملائكة، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته. قال: فأخبرني عن "الجاريات يسرًا"؟ قال: هي السفن، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته. ثم أمر به فضرب مائة، وجعل في بيت، فلما برأ ضربه مائة أخرى، وحمله على قتب وكتب إلى أبي موسى الأشعري: امنع الناس من مجالسته. فلم يزل كذلك حتى أتى أبا موسى فحلف بالأيمان الغليظة ما يجد في نفسه مما كان يجد شيئًا. فكتب في ذلك إلى عمر، فكتب عمر: ما إخاله إلا صدق، فخل بينه وبين مجالسة الناس. قال أبو بكر البزار: فأبو بكر بن أبي [¬١] سبرة لين، وسعيد بن سلام ليس من أصحاب الحديث. قلت: فهذا الحديث ضعيف رفعه، وأقرب ما فيه أنه موقوف على عمر، فإن قصة صَبيغ [¬٢] بن عسل مشهورة مع عمر، وإنما ضربه لأنه ظهر له من أمره فيما يسأل تعنتًا وعنادًا، والله أعلم. وقد ذكر الحافظ ابن عساكر هذه القصة في ترجمة صبيغ مطولة، وهكذا فسرها ابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، والسدي، وغير واحد. ولم يحك ابن جرير وابن أبي حاتم غير ذلك. وقد قيل: أن المراد بالذاريات: الريح، كما تقدم، وبالحاملات وقرًا: السحاب، كما تقدم؛ لأنها تحمل الماء كما قال زيد بن عمرو بن نُفَيل: وَأَسْلَمتُ نَفْسِي لِمَنْ أَسلَمَت … لَهُ الْمُزنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلَالًا فأما الجاريات يسرًا [فالمشهور عن الجمهور -كما تقدم- أنها السفن تجري ميسرة في الماء جريًا سهلًا. وقال بعضهم: هي النجوم تجري يسرًا] [¬٣] في أفلاكها، ليكون ذلك ترقيا من الأدنى إلى الأعلى، إلى ما هو أعلى منه، فالرياح فوقها السحاب، والنجوم فوق ذلك، والمقسمات أمرًا الملائكة فوق ذلك، تنزل بأوامر الله الشرعية والكونية. وهذا قسم من الله

стр. 5847

على وقوع المعاد؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ أي: لخبر صدق، ﴿وَإِنَّ الدِّينَ﴾ وهو: الحساب ﴿لَوَاقِعٌ﴾ أي: لكائن لا محالة. ثم قال: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾. قال ابن عباس: ذات البهاء والجمال والحسن والاستواء. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جُبَير، وأبو مالك، وأبو صالح، والسدي وقتادة، وعطية العوفي، والربيع بن أنس، وغيرهم. و [¬١] قال الضحاك، والمنهال بن عمرو، وغيرهما: مثل تجعد الماء والرمل والزرع إذا ضربته الريح، فينسج بعضه بعضًا طرائق، فذلك الحبك. قال ابن جرير: حدثني، يعقوب بن إبراهيم، [حدثنا ابن عُلية] [¬٢]، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن من ورائكم الكذاب المضل، وإن رأسه من ورائه [حُبُكْ حُبُك] [¬٣] ". بعنى بالحبك: الجعودة (٣). وعن أبي صالح ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾: الشدة. وقال خُصيف: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾: ذات الصفاقة. وقال الحسن بن أبي الحسن البصري: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾: حبكت بالنجوم. وقال قتادة: عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن عمرو البَكالي، عن عبد الله بن عمرو [¬٤]: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ يعني: السماء السابعة. وكأنه، والله وأعلم- أراد كذلك السماء التي فيها الكواكب الثابتة، وهي عند كثير من علماء الهيئة في الفلك الثامن الذي فوق السابع، والله أعلم. وكل هذه الأقوال ترجع إلى شيء واحد، وهو الحسن والبهاء، كما قال ابن عباس ﵄ فإنها من حسنها مرتفعة شفافة صفيقة، شديدة البناء، متسعة الأرجاء، أنيقة البهاء، مكللة بالنجوم الثوابت والسيارات، موشحة بالشمس والقمر والكواكب الزاهرات. وقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ أي: إنكم أيها المشركون المكذبون للرسل لفي قول مختلف مضطرب، لا يلتئم ولا يجتمع. وقال قتادة: إنكم لفي قول مختلف، ما بين مصدق بالقرآن ومكذب به.

стр. 5848

﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ أي: إنما يروج على من هو ضال في نفسه؛ لأنه قول باطل، إنما ينقاد له ويضل بسببه ويؤفك عنه من هو مأفوك ضال عمر، لا فهم له، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ قال ابن عباس، والسدي: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾: ضل عنه من ضل. وقال مجاهد: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾: يؤفَن عنه من أمِنَ. وقال الحسن البصري: يصرف عن هذا القرآن من كذب به. وقوله: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾. قال مجاهد: الكذابون. قال: وهي مثل التي في عبس: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ والخراصون الذين يقولون: لا نبعث. ولا يوقنون. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾، أي: لعن المرتابون. وهكذا كان معاذ ﵁ يقول في خطبه: هلك المرتابون. وقال قتادة: ﴿الْخَرَّاصُونَ﴾ أهل الغرة [¬١] والظنون. وقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾. قال ابن عباس وغير واحد: في [¬٢] الكفر والشك غافلون لاهون. ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ وإنما يقولون هذا تكذيبها وعنادًا وشكًّا واستبعادًا. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن وغير واحد: ﴿يُفْتَنُونَ﴾: يعذبون كما يفتن الذهب على النار. وقال جماعة [¬٣] آخرون كمجاهد أيضًا، وعكرمة، وإبراهيم النخَعي، وزيد بن أسلم، وسفيان الثوري: ﴿يُفْتَنُونَ﴾ يحرقون. ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾، قال مجاهد: حريقكم. وقال غيره: عذابكم، ﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أي: يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا وتحقيرًا وتصغيرًا. ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)

стр. 5849

وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن المتقين لله : إنهم هم معادهم يكونون في جنات وعيون، بخلاف ما أولئك الأشقياء فيه من العذاب والنكال والحريق والأغلال. وقوله: ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾. قال ابن جرير: أي [¬١] عاملين بما آتاهم الله من الفرائض: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ أي: قبل أن يفرض عليهم الفرائض كانوا محسنين في الأعمال أيضًا. ثم روي عن ابن حميد، حدثنا مِهْرَان، عن سفيان، عن أبي [¬٢] عمر، عن مسلم البطين، عن ابن عباس في قوله: ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾، قال: من الفرائض، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾: قبل الفرائض فصلون (٤). وهذا الإسناد ضعيف، ولا يصح عن ابن عباس. وقد رواه عثمان بن أبي شيبة، عن معاوية بن هشَام، عن سفيان، عن أبي عمر البزار، عن مسلم البطين، بن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره (٥). والذي فسر به ابن جرير فيه نظر؛ لأن قوله: ﴿آخِذِينَ﴾ حال من قوله: ﴿جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، فالمتقون في حال كونهم في الجنات والعيون آخذون ما آتاهم ربهم، أي [¬٣]: من النعيم والسرور والغبطة. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾ أي: في الدار الدنيا ﴿مُحْسِنِينَ﴾، كقوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾. ثم إنه تعالى بيَّن إحسانهم في العمل فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾، اختلف المفسرون في ذلك على قولين: أحدهما: أن "ما" نافية تقديره: كانوا قليلًا من الليل لا يهجعونه. قال ابن عباس: لم تكن تمضي عليهم ليلة إلا يأخذون منها ولو شيئًا. وقال قتادة، عن مطرف بن عبد الله: قَلَّ ليلة [] [¬٤] تأتي عليهم لا يصلون فيها لله-

стр. 5850

إما من أولها وإما من أوسطها. وقال مجاهد: قَل ما يرقدون ليلة حتى الصباح لا يتهجدون. وكذا قال قتادة. وقال أنس بن مالك، وأبو العالية: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء. وقال أبو جعفر الباقر: كانوا لا ينامون حتى يصلوا العتمة. و [¬١] القول الثاني: أن "ما" مصدرية، تقديره: كانوا قليلًا من الليل هجوعهم ونومهم. واختاره ابن جرير. وقال الحسن البصري: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾، كابدوا قيام الليل، فلا ينامون من الليل إلا أقله، ونشطوا فمدّوا [¬٢] إلى السحر، حتى كان الاستغفار بسحر. وقال قتادة: قال الأحنف بن قيس: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾، كانوا لا ينامون إلا قليلًا. ثم يقول: لست من أهل هذه الآية! وقال الحسن البصري: كان الأحنف بن قيس يقول [¬٣]: عرضت عملي على عمل أهل الجنة، [فإذا قوم] [¬٤] قد باينونا بَونًا بعيدًا، إذا قوم لا نبلغ أعمالهم، كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون. وعرضت عملي على عمل أهل النار فإذا قوم لا خير فيهم، يكذبون [¬٥] بكتاب الله وبرسل الله، يكذبون بالبعث بعد الموت، فوجَدتُ من خيرنا منزلة قومًا خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال رجل من بني تميم. لأبي: يا أبا أسامة؛ صفة لا أجدها فينا، ذكَرَ الله قوما فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [ونحن والله قليلًا من الليل] [¬٦] ما نقوم. فقال له أبي: طوبى لمن رقد إذا نَعَس، واتقى الله إذا استيقظ. وقال عبد الله بن سلام: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس إليه، فكنت فيمن انجفل. فلما رأيت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه رَجُل كذاب، فكان أول ما سمعته يقول: "يا أيها الناس؛ أطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وأفشوا السلام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام" (٦).
следующие страницы →