← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

رضي الله عنهما-: إنه أنزل في رمضان، وفي ليلة القدر، وفي ليلة مباركة؛ جملة واحدة، ثم أنزل بعد ذلك على مواقع النجوم رسلا (١) في الشهور والأيام" (٢). وعن سعيد بن جبير قال: "نزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر في رمضان فجعل في بيت العزة، ثم أنزل على النبي ﷺ في عشرين سنة جواب كلام الناس" (٣). وعن سعيد بن جبير أيضا قال: "نزل القرآن جملة من السماء العليا إلى السماء الدنيا ليلة القدر، ثم نزل مفصلا" (٤). وعن الربيع بن أنس في قوله: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ قال: "أنزل الله القرآن جملة في ليلة القدر كله" (٥). وعن إبراهيم النخعي في قوله : ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ قال: "أنزل جملة على جبريل ﵇، وكان جبريل يجيء بعد إلى محمد ﷺ " (٦). ووجه الاستدلال بهذه الأحاديث والآثار التي أخرجها الأئمة وصححوا بعضها، والتي يعضد بعضها بعضا أنها وإن كانت موقوفة في جملتها على ابن عباس ﵄ فإن لها حكم الرفع إلى النبي ﷺ لأن قول الصحابي الذي لا يأخذ عن الإسرائيليات، فيما لا مجال للرأي فيه له حكم المرفوع إلى النبي ﷺ وابن عباس لن يقول ما قال من هذا التفصيل والتحديد بمحض رأيه ومن عند نفسه فهو إذا محمول على سماعه من النبي ﷺ أو ممن سمعه منه من الصحابة والصحابة كلهم عدول. ٣ - عدم معارضته للقول الثاني مع توجيه أدلة هذا القول والرد عليها. ٤ - ضعف الأقوال الأخرى. ٥ - انتفاء المحذور العقدي بالتصريح بسماع جبريل للقرآن من الله دون واسطة. ٦ - شهرة القول وكثرة القائلين به، والمصححين له، حتى حكى القرطبي (٧) الإجماع عليه. القول الثاني: أنه ابتُدئ إنزال القرآن في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك منجَّما في أوقات مختلفة حسب الحوادث والوقائع وحاجات الناس، وهذ قول التابعي الجليل الشعبي (٨)، ومحمد ابن إسحاق (٩)، واختاره النسفي (١٠).

стр. 37

وأدلتهم (١): ١ - الواقع الفعلي لنزول القرآن الكريم على الرسول ﷺ وأنه نزل منجما مفرقا حسب الحوادث والوقائع على نحو من ثلاث وعشرين سنة. ٢ - قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦]، فصريح القرآن، وواقع نزوله يدل على تنجيمه وتفريقه. ٣ - أن الآيات الثلاث الواردة في وصف نزول القرآن المراد بها ابتداء نزول القرآن الكريم على الرسول ﷺ وأنه ابتدأ نزوله في ليلة القدر من شهر رمضان وهي الليلة المباركة وفي هذا جمع بين هذه الآيات وقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦]. ٤ - أن ما جاء من الآثار الدالة على نزول القرآن جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء الدنيا وإن كانت صحيحة الإسناد فهي موقوفة على ابن عباس وغير متواترة. وهذه مسألة غيبية عقدية ولا يؤخذ في الغيبيات إلا بما تواتر يقينا في الكتاب والسنة فصحة الإسناد لا تكفي وحدها لوجوب اعتقاده. فكيف وقد نطق القرآن بخلافه. وهذا القول قول قويّ، إلاّ أنّه يُردّ من أوجه ثلاثة: الأوّل: أنّ أثر الشّعبي ﵀ رواه عنه الطّبري (٢)، بإسناد ضعيف، ففيه: أ- عمران أبو العوّام، وهو صدوق يهم (٣). ب- وفيه عمرو بن عاصم الكلابي، فهو صدوق في حفظه شيء (٤). الثّاني: أنّ الثّابت عن الشّعبي هو ما يوافق الجمهور، رواه عنه الطّبري بإسناد صحيح (٥). الثّالث: أنّه مخالف لما ذكره ابن عبّاس ﵁، وأقوال الصّحابة هي الحجّة في كلّ باب عند انعدام النّصوص. الرابع: كما يجاب على أدلة القول الثاني - على سبيل الإيجاز - بما يأتي: ١ - أن صفة نزول القرآن المباشر على الرسول ﷺ وكونه نزل عليه مفرقا، وكونه صريح قوله تعالى: ﴿وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث﴾ هو محل إجماع ولا خلاف حوله ولا يعارض النزول جملة. ٢ - القول بأن المراد بالآيات الثلاث من سور البقرة، والدخان، والقدر، هو ابتداء النزول؛ هو صرف لها عن ظاهرها بغير صارف ويجعلها تحتاج إلى تقدير محذوف.

стр. 38

فقوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ أي ابتدأنا إنزاله. وهو يقتضي حمل القرآن على أن المراد به بعض أجزائه وأقسامه (١) فقوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ أي أنزلنا بعضه. ٣ - أن القول بأن المسألة عقدية لا بد لها من أدلة متواترة قطعية الثبوت لإفادة العلم اليقيني ولا يكفي فيها الآثار الموقوفة؛ قول غير مسلم. واستبعاد الاستدلال بأحاديث الآحاد على العقائد غير صحيح فالعبرة بصحة الحديث فمتى صح الحديث احتج به سواء كان آحادا أم متواترا وسواء كان في الأحكام أم العقائد (٢). القول الثالث: أنّه نزل إلى السماء الدّنيا في ثلاث وعشرين ليلةِ قدر، في كلّ ليلة ينزل ما يقدّر الله إنزاله تلك السّنة. وهذا قول ابن جريج (٣)، وأبو عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي (٤)، ومقاتل بن حيان (٥)، وقال بنحوه مقاتل بن سليمان (٦)، ونسبه السيوطي للفخر الرازي (٧)، كما ينسب هذا القول في كثير من كتب علوم القرآن للماوردي (٨). وهذا القول ضعيف مدفوع أيضا بمذهب الصّحابيّ. قال عنه ابن حجر: "وهذا أورده ابن الأنباري من طريق ضعيفة ومنقطعة أيضا" (٩). وقال عنه القرطبي: "قلت: وقول مقاتل هذا خلاف ما نقل من الإجماع "أن القرآن أنزل جملة واحدة" (١٠). وحكاية القرطبي للإجماع هنا غير مسلمة لما علمته من الأقوال في ذلك.

стр. 39

القول الرابع: أن القرآن نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ وأن الحفظة نجمته على جبريل في عشرين ليلة، وأن جبريل نجمه على النبي ﷺ في عشرين سنة. حكاه بعض المفسرين عن ابن عباس (١). قال ابن حجر: " وهذا -أيضا- غريب" (٢). وقال أبو شامة: " وهو قول مردود لأنه ليس بين الله وجبريل واسطة في تلقي القرآن الكريم" (٣). وقال ابن العربي متعقبا هذا القول: "ومن جهلة المفسرين أنهم قالوا: إن السفرة ألقته إلى جبريل في عشرين ليلة وألقاه جبريل إلى محمد ﵉ في عشرين سنة وهذا باطل، ليس بين جبريل وبين الله واسطة، ولا بين جبريل ومحمد صلى الله عليهما واسطة" (٤). وقد نقل أبو شامة في المرشد الوجيز عن تفسير علي بن سهل النيسابوري عن جماعة من العلماء أن جبريل هو من أملاه على السفرة. قال: "قال جماعة من العلماء: تنزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى بيت يقال له بيت العزة، فحفظه جبريل ﵇، وغشى على أهل السماوات من هيبة كلام الله فمر بهم جبريل وقد أفاقوا فقالوا: ﴿ماذا قال ربكم قالوا الحق﴾ [سبأ: ٢٣] يعني القرآن وهو معنى قوله: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم﴾ [سبأ: ٢٣] فأتى به جبريل إلى بيت العزة فأملاه جبريل على السفرة الكتبة. يعني الملائكة وهو قوله تعالى: ﴿بأيدي سفرة﴾ ﴿كرام بررة﴾ [عبس: ١٥ - ١٦] " (٥). وذهب إلى هذا المعنى من إملاء جبريل القرآن على السفرة علم الدين السخاوي في جمال القرآن في معرض حديثه عن حكمة إنزاله جملة فقال: " .. وزاد سبحانه في هذا المعنى بأن أمر جبريل ﵇ بإملائه على السفرة الكرام البررة ﵈ وإنساخهم إياه، وتلاوتهم له" (٦) فيكون قولا خامسا. وقد حاول ابن عقيلة المكي الإجابة عما تضمنه ذلك الخبر من عدم أخذ جبريل للقرآن من الله. فقال بعد أن ساق الخبر: "فهذا يقضي أن جبريل ما أخذه إلا عن السفرة. قلت: لا تنافي، لاحتمال أن جبريل ﵇ سمعه من الله كما تقدم بصفة التجلي فعلمه جميعه ثم أمره الله أن يأخذه من اللوح المحفوظ فيضعه في بيت العزة عند السفرة، ثم أمر الله السفرة أن تنجمه على جبريل ﵇ في عشرين ليلة لكل سنة ليلة وإنما كان التنجيم من السفرة على جبريل لما ذكره الحكيم الترمذي: إن سر وضع القرآن في السماء الدنيا ليدخل في حدها لأنه رحمة لأهلها. فأخذ جبريل عن السفرة إشارة إلى أنه صار مخصوصا بهم فلا يؤخذ إلا عنهم" (٧).

стр. 40

ولا يخفى ما في هذا القول الأخير من ضعف، في كون جبريل ﵇ يأخذ القرآن إلى السفرة ثم يأخذه منهم؛ ، دون إنكار صلة السفرة بالقرآن، قال تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ [عبس: ١٣ - ١٦]. والاتفاق حاصل والإجماع قائم على صفة نزول القرآن الكريم المباشر على الرسول ﷺ وأنه نزل منجما مفرقا من بعثته ﷺ إلى قرب وفاته ينزل أحيانا ابتداء بغير سبب وهو أكثر القرآن الكريم وأحيانا أخرى ينزل مرتبطا بالأحداث والوقائع والأسباب. وأما نزوله جملة فهو ظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ وقوله: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ وقوله سبحانه: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ فهو أنزل في ليلة اسمها ليلة القدر، وصفتها أنها مباركة، وشهرها شهر رمضان. وهو صريح الأخبار الواردة عن ابن عباس، والتي لها حكم الرفع إلى الرسول ﷺ . وما دام أن النزول جملة لا يعارض صراحة النزول السابق، ولا يرتبط به من خلال تلك النصوص. بل هو نزول خاص، ووجود معين حيث القرآن الكريم كلام الله ومنزل من عند الله يتلقاه جبريل ﵇ من الله بلا واسطة عند نزوله به على الرسول ﷺ مباشرة. وإن كان قد نزل به إلى بيت العزة فذلك نزول خاص. وأحد وجودات القرآن الكريم المتعددة. حيث يوجد القرآن الكريم في اللوح المحفوظ (١). ويوجد - أيضا - في الصحف المطهرة الموجودة في أيدي الكرام البررة من الملائكة كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ [عبس: ١١ - ١٦]. ويوجد - كذلك - في بيت العزة من السماء الدنيا كما دلت على ذلك الأخبار عن ابن عباس. وجائز أن يكون الوجودان الأخيران مختلفين متغايرين وجائز أن يكونا وجودا واحدا بأن يكون القرآن الكريم في تلك الصحف في بيت العزة وبأيدي أولئك الملائكة الكرام كما يوجد في الأرض بنزوله على الرسول ﷺ والنزول مقترن بما عدا الأول من الوجودات المذكورة. يقول البيهقي ﵀: "وقوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ يريد به والله أعلم إنا أسمعناه الملك، وأفهمناه إياه، وأنزلناه بما سمع فيكون الملك منتقلا به من علو إلى سفل" (٢). ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعد عرض قرر فيه أن القرآن الكريم كلام الله منزل من عند الله كما هو صريح القرآن، قال: "فعلم أن القرآن العربي منزل من الله لا من الهواء، ولا من اللوح، ولا من جسم آخر، ولا من جبريل، ولا من محمد، ولا غيرهما، وإذا كان

стр. 41

أهل الكتاب يعلمون ذلك (١) فمن لم يقر بذلك من هذه الأمة كان أهل الكتاب المقرون بذلك خيرا منه من هذا الوجه. ثم قال: "وهذا لا ينافي ما جاء عن ابن عباس وغيره من السلف في تفسير قوله: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ أنه أنزله إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم أنزله بعد ذلك منجما مفرقا بحسب الحوادث. ولا يتنافى أنه مكتوب في اللوح المحفوظ قبل نزوله، كما قال تعالى: ﴿بل هو قرآن مجيد﴾ ﴿في لوح محفوظ﴾ وقال تعالى: ﴿إنه لقرآن كريم﴾ ﴿في كتاب مكنون﴾ ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ وقال تعالى: ﴿كلا إنها تذكرة﴾ ﴿فمن شاء ذكره﴾ ﴿في صحف مكرمة﴾ ﴿مرفوعة مطهرة﴾ ﴿بأيدي سفرة﴾ ﴿كرام بررة﴾. وقال تعالى: ﴿وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم﴾. فإن كونه مكتوبا في اللوح المحفوظ وفي صحف مطهرة بأيدي الملائكة لا ينافي أن يكون جبريل نزل به من الله سواء كتبه الله قبل أن يرسل به جبريل أو بعد ذلك وإذ كان قد أنزله مكتوبا إلى بيت العزة جملة واحدة في ليلة القدر فقد كتبه كله قبل أن ينزله ... " (٢). فعلى هذا الوجه لا إشكال في القول بأن للقرآن تنزلين: نزول جملة، ونزول مفرق، ولا يترتب عليه محذور. وإنما يقع المحذور ويحصل الإشكال في القول بأن جبريل يأخذ القرآن من الكتاب أو من بيت العزة عند نزوله به على الرسول ﷺ من دون سماع من الله تعالى. كما نقل أبو شامة عن الحكيم الترمذي - في معرض حديثه عن حكمة نزول القرآن جملة - قوله: "ثم أجرى من السماء الدنيا الآية بعد الآية عند نزول النوائب .. " (٣). وكما قد يفهم من ظاهر بعض الآثار فمثل هذا القول، ومثل هذا الفهم للقول بأن للقرآن تنزلين؛ لا يصح. فهو أولا لم يرد في تلك النصوص المفسرة والمفصلة لنزول القرآن جملة. وثانيا أنه يلزم منه أن جبريل ﵇ لم يسمع القرآن من الله وأن القرآن نزل من مخلوق لا من الله وهذا باطل. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والنبي ﷺ سمعه من جبريل، وهو الذي نزل عليه به، وجبريل سمعه من الله تعالى، كما نص على ذلك أحمد وغيره من الأئمة. قال تعالى: ﴿قل نزله روح القدس من ربك بالحق﴾ فأخبر سبحانه أنه نزله روح القدس وهو الروح الأمين، وهو جبريل من الله بالحق .. " (٤). وذكر ابن تيمية عن أبي حامد الإسفرائيني قوله: "مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار أن القرآن كلام الله غير مخلوق ومن قال: مخلوق فهو كافر، والقرآن حمله جبريل مسموعا من الله، والنبي ﷺ سمعه من جبريل، والصحابة سمعوه من رسول الله ﷺ وهو الذي نتلوه نحن بألسنتنا، وفيما بين الدفتين، وما في صدورنا: مسموعا، ومكتوبا، ومحفوظا .. " (٥).

стр. 42

فالقرآن كلام الله لفظه ومعناه سمعه منه جبريل، وبلغه عن الله إلى محمد، ومحمد سمعه من جبريل وبلغه إلى أمته، فهو كلام الله حيث سمع، وكتب، وقرئ، كما قال تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه﴾ (١). ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أيضا: "ومن قال إن جبريل أخذ القرآن من الكتاب لم يسمعه من الله كان هذا باطلا من وجوه: منها أن يقال إن الله قد كتب التوراة لموسى بيده فبنو إسرائيل أخذوا كلام الله من الكتاب الذي كتبه هو فيه فإن كان محمد أخذه عن جبريل، وجبريل عن الكتاب كان بنو إسرائيل أعلى من محمد بدرجة" (٢). وقد أبان الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ مذهب أهل السنة فقال: "فإن الذي عليه أهل السنة والجماعة قاطبة أن الله تعالى لم يزل متكلما إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، وأن جبريل ﵇، سمع القرآن الكريم من الله تعالى وبلغه محمد ﷺ " (٣). وهذا الخلاف - كما ترى - ليس له كبير أثر في واقع تنزيل القرآن على النبي ﷺ ، وقد قيل إن هذا التنزيل سببه إظهار كرامة القرآن وعظيم منزلته في العالَم العلو. قال بدر الدين الزركشي ﵀: " فإن قيل: ما السر في إنزاله جملة إلى السماء؟ قيل: فيه تفخيم لأمره وأمر مَن نزل عليه، وذلك بإعلان سكان السموات السبع أن هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل لأشرف الأمم" (٤). والراجح أن القرآن الكريم له تنزلان: - الأول: نزوله جملة واحدة في ليلة القدر إلى بيت العزة من السماء الدنيا. الثاني: نزوله من السماء الدنيا إلى الأرض مفرقاً منجماً في نيف وعشرين سنة (٥). الحكمة من تنجيم القرآن: إن لتنجيم القرآن الكريم حكم، نذكر منها: الحكمة الأولى: تثبيت فؤاد النبي ? وذلك من خلال الآتي: - أ- أن في تجدد الوحي، وتكرار نزوله من جانب الحق إلى رسوله? يملأ قلب الرسول الكريم سروراً، ويشعر بالعناية الإلهية. ومما لا شك فيه أن كثرة نزول الوحي أقوى بالقلب وأشد عناية بالمرسل إليه، فيحصل للنبي ﷺ الأُنْس والارتباط بالله تعالى يقول الإمام أبو شامة (٦): كك "فإن الوحي إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى بالقلب، وأشد عناية بالمرسل إليه، ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه وتجدد

стр. 43

العهد به وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز، فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة، ولهذا كان أجود ما يكون في رمضان لكثرة لقائه جبريل" (١). ومنها تسليته ﷺ ببيان ما يثبت قلبه على الحق ويشحذ عزمه للمضي قدمًا في طريق دعوته لا يبالي بظلمات الجهالة التي يواجهها من قومه، فما حصل للنبي محمد ﷺ قد حصل للأنبياء السابقين قال تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦] ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)﴾ [الأنعام: ٣٣ - ٣٤]، وكلما اشتد أذى المشركين للرسول ﷺ نزلت الآيات لطمأنة الرسول ﷺ وتسليته، وتهديد المشركين والمكذبين بأن الله يعلم أحوالهم وسيجازيهم على ذلك أشد الجزاء، قال تعالى: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [يس: ٧٦]، ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يونس: ٦٥]، ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠]، ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧]، ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود: ١١٥]، فكان لاتصال الوحي بالرسول ﷺ وتتابع نزول الآيات عليه تسليةً له بعد تسلية تشد من أزره وتحمله على الصبر والمصابرة، وكان لذلك أبلغ الأثر في مواساته والتخفيف عنه، ولو أن القرآن نزل جملةً واحدة لكان لانقطاع الوحي بعد ذلك أثر كبير في استشعار الوحشة والغربة. ب- ومنها تسليته ﷺ بذكر قصص الأنبياء السابقين، قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠]، ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١]، ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. ج- أن في التنجيم تيسيراً عليه من الله في حفظه وفهمه ومعرفة أحكامه وحكمه. فقد نزل القرآن مفرقًا لكي يسهل حفظه وفهمه، فكانت الآيات تنزل على النبي محمد ﷺ وكان النبي يعلمها أصحابه فكلما نزلت الآية أو الآيات حفظها الصحابة، وتدبروا معانيها، ووقفوا عند أحكامها (٢) بل صار الصحابة والتابعون يعلمون من بعدهم بنفس الطريقة فصارت سنة متبعة فعن أبي العالية الرِّياحي (٣) أنه قال "تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات فإن رسول الله ﷺ كان يأخذه خمسًا خمسًا " (٤).

стр. 44

وقال عبد الله بن مسعود "كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن" (١). وفي بعض الروايات أن أبا عبد الرحمن السلمي (٢) قال حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن أنهم كانوا يستقرئون من النبي ﷺ وكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها، فتعلمنا القرآن والعمل جميعًا (٣). ثم إن أدوات الكتابة لم تكن ميسورة للكُتَّاب على ندرتهم، فلو أنزل القرآن جملة واحدة لعجزوا عن حفظه وكتابته، فاقتضت حكمة الله العليا أن ينزله إليهم مفرقًا ليسهل عليهم حفظه ويتهيأ لهم استظهاره (٤). د- أن هذا التنزيل فيه نوع من الإعجاز، حيث تحدى كفار قريش في كل مرة أن يأتوا بمثل هذا التنزيل - ولا شك أن هذه المعجزة تقوي أزر الرسول الكريم? . قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾ [الطور: ٣٣ - ٣٤]، وقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣]، وقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣]. هـ- أن في هذا النزول دحض شبهات كفار قريش ورداً على أسئلتهم، وتسلية للرسول الكريم? وتأييداً له. فالمشركين تمادَوا في غيهم وأسئلتهم للرسول ﷺ فكانوا يسألون الرسول ﷺ أسئلة تعجيز وتحد ومبالغة مثل متى الساعة، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧]، فينزل الجواب من الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. ومثل ما المراد بالروح ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥]، فيقول القرآن: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] فرد الله عليهم بقوله: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣]، وحيث عجبوا من نزول القرآن منجمًا بين الله لهم الحق في ذلك، فإن تحديهم به مفرقًا مع عجزهم عن الإتيان بمثله أدخل في الإعجاز، وأبلغ في الحجة من أن ينزل جملة ويقال لهم: جيئوا بمثله، ولهذا جاءت الآية عقب اعتراضهم ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢]، أي: لا يأتونك بصفة عجيبة

стр. 45

يطلبونها كنزول القرآن جملة إلا أعطيناك من الأحوال ما يحق لك في حكمتنا وبما هو أبين معنى في إعجازهم وذلك بنزوله مفرقًا (١). الحكمة الثانية: التدرج في التشريع ، وذلك من خلال: أ- التدرج في انتزاع العادات الضارة، وذلك بالتخلي عنها شيئًا فشيئًا والتدرج في نقل الناس من حياة الفوضى والتفلت إلى حياة النظام والتقييد بالمعايير الإسلامية الصحيحة، فقد بُعث النبي ﷺ إليهم وهم يعبدون الأصنام، ويشركون بالله ومع الله، ويسفكون الدماء ويشربون الخمر ويزنون، ويقتلون الأولاد خشية الفقر، ويتعاملون بالربا الفاحش، ويلعبون الميسر، ويستقسمون بالأزلام، وينكحون نساء الآباء ويجمعون بين الأختين ويكرهون الفتيات على البغاء، وذكر العلماء في كتب التاريخ أن الحروب كانت تقع بين القبائل العربية لأوهى الأسباب ومجرد حب الانتقام، حتى أدى هذا إلى قطع حبال المودة بينهم وجعلهم شيعًا متباغضة يتربص كل فريق منهم بغيره الدوائر، واعتادوا على كثير من هذه الأخلاق المنحطة وتغلغلت فيهم حتى صارت جزءًا لا يتجزأ منهم ومن المعلوم أنه يصعب على المرء والمجتمع ترك هذه الأمور مرة واحدة لأن للعقائد حتى ولو كانت باطلة وللعادات ولو كانت مستهجنة سلطانًا على النفوس، والناس أَسْرى ما أَلفوا ونشأوا عليه، فلو أن القرآن نزل جملة واحدة وطالبهم بالتخلي عما هم منغمسون فيه من كفر وجهل وشرك مرة واحدة لما استجاب إليه أحد ولكن القرآن نجح معهم في هدم العادات الباطلة وانتزاعها بالتدريج بسبب نزول القرآن عليهم شيئًا فشيئًا (٢). وأبلغ دليل على ذلك هو انتزاع الخمر من ذلك المجتمع الذي كان يشربه كالماء، فعن أبي هريرة ﵁ قال: "حرمت الخمر ثلاث مرات، قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يشربون الخمر ويلعبون الميسر، فسألوا رسول الله عنهما فأنزل الله على نبيه ﷺ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، فقال الناس: ما حرم علينا إنما قال فيهما إثم كبير، وكانوا يشربون الخمر حتى إذا كان يوم من الأيام صلى رجل من المهاجرين أمَّ أصحابه في المغرب خَلَط في قراءته فأنزل الله فيها آية أغلظ منها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، وكان الناس يشربون حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق، ثم أنزلت آية أغلظ من ذلك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]، فقالوا: انتهينا يا رب، فقال الناس: يا رسول الله ناس قتلوا في سبيل الله أو ماتوا على فرشهم كانوا يشربون الخمر ويلعبون الميسر وقد جعله الله رجسًا ومن عمل الشيطان فأنزل الله ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣]، فقال النبي ﷺ لو حرمت عليهم لتركوها كما تركتم " (٣).

стр. 46

ومن هذا الحديث نستنبط أن الخمر حرمت على مراحل فتاب الناس والصحابة منها حتى جرت في سكك المدينة، ولو حرمت دفعة واحدة لاستمروا عليها، ولذلك تقول عائشة ﵂ "إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل (١) فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء (لا تشربوا الخمر) لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا قالوا: لا ندع الزنا أبدًا " (٢). ب-التدرج في تربية هذه الأمة الناشئة علمًا وعملًا، فبدأت الآيات تنزل على النبي ﷺ سالكة التدرج في تربية الأمة، فأول ما نزلت الآيات المتعلقة بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره والتوحيد وما يتعلق بذلك من أمور العقيدة، بدأت الآيات أولًا بفطامهم عن الشرك والإباحية وإحياء قلوبهم بعقائد التوحيد والجزاء، فإذا اطمأنت قلوبهم بالإيمان وأشربوا حبه انتقل بهم بعد ذلك إلى العبادات فبدأهم بالصلاة ثم الزكاة ثم الصوم ثم الحج ثم الأمور الأخرى، ولذلك كان مدار الآيات في القسم المكي على إثبات العقائد والفضائل التي لا تختلف باختلاف الشرائع، بخلاف القسم المدني فكان مدار التشريعات فيه على الأحكام العملية وتفصيل ما أجمل قبل ذلك (٣). لذا أنزل القرآن مفرقًا فحصلت النتيجة المطلوبة وهي التغير في العادات من حسن إلى أحسن ومن شر إلى خير ومن تفرق في الكلمة إلى اتحاد واعتصام بحبل الله المتين فكانت خير الأمم. الحكمة الثالثة: بيان بلاغة القرآن الكريم فقد نزل مفرقًا في ثلاثة وعشرين عامًا ، وكلما نزلت آية أو آيات قال لهم الرسول ﷺ " ضعوا هذه الآيات في موضع كذا من سورة كذا " (٤)، ومع ذلك فهو مترابط في الألفاظ والمعاني، حسن التنسيق، محكم النسج، دقيق السبك، متناسق الآيات والسور، متين الأسلوب، قوي الاتصال، لا يكاد يوجد بين أجزائه تفكك كأنه عِقْدٌ فريد نظمت حباته بما لم يعهد له مثيل في كلام البشر ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١]. وكل ذلك فيه دلالة على أن القرآن مُنَزَّلٌ من الله تعالى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، وأنه كلام الله تعالى ولا يمكن أن يكون كلام محمد ﷺ ولا كلام مخلوق سواه، وصدق الله إذ يقول: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦]. الحكمة الرابعة: مسايرة الحوادث والطوارئ في تجددها وتفرقها: فكانت تحدث حوادث لم يكن لها حكم معروف في الشريعة الإسلامية، فيحتاج المسلمون إلى معرفة ذلك فتنزل الآية من الله ﵎ لحكم تلك الحوادث، ومن ذلك حادثة

стр. 47

خولة بنت ثعلبة (١)، حين ما جاءت إلى رسول الله ﷺ تشتكي زوجها، وتصف لنا ذلك عائشة ﵂ ذلك فتقول "تَبَارَكَ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ كُلَّ شَيْءٍ إِنِّي لَأَسْمَعُ كَلَامَ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ وَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُهُ وَهِيَ تَشْتَكِي زَوْجَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ تَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَلَ شَبَابِي وَنَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي حَتَّى إِذَا كَبِرَتْ سِنِّي وَانْقَطَعَ وَلَدِي ظَاهَرَ مِنِّي اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ فَمَا بَرِحَتْ حَتَّى نَزَلَ جِبْرَائِيلُ بِهَؤُلَاءِ الْآيَاتِ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١] " (٢). وكذلك حادثة الإفك فعندما حصل ما حصل من المنافقين والمشركين واتهموا السيدة عائشة ﵂ أنزل الله تعالى براءتها من فوق سبع سماوات وأدان الذين رموها بدون شهود ولا بينة فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)﴾ [النور: ١١ - ١٢]، إلى قوله تعالى ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾ [النور: ٢٠] (٣). والقرآن مليء بتلك القصص والمواقف المشابهة، ومما هو طبيعي ومعروف أن هذه الحوادث لم تكن لتقع في وقت واحد فنزل القرآن في هذه الحوادث مفرقًا لذلك. الحكمة الخامسة: : تنبيه المسلمين من وقت لآخر لأخطائهم التي وقعوا فيها وكيفية تصحيحها ، وتحذيرهم من عواقب المخالفة وبيان الامتنان عليهم بالنصر مع القلة، ولنقرأ ما قصه الله تعالى في سورة آل عمران بشأن غزوة بدر وأحد من الامتنان والتنبيه والتحذير، ففي غزوة أحد خالف الرُّماة نصيحة رسول الله ﷺ متأولين فكانت النتيجة أن أوتي المسلمون من جهتهم وأن شاعت الهزيمة بينهم وشُجَّ وجه النبي ﷺ وكسرت رُباعيته فأنزل الله تعالى الآيات محذرًا المخالفين: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] (٤). وكذلك في غزوة حنين والأحزاب وغير ذلك كثير، ففي يوم حنين أعجب المسلمون بكثرتهم فكانت الهزيمة فقال تعالى لهم: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤) لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾ [التوبة: ٢٤ - ٢٦]،

стр. 48

وتعلم المسلمون من ذلك أن النصر ليس بالعدد والعُدَّة فحسب، وإنما هو من عند الله ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] " (١). الحكمة السادسة: توثيق وقائع السيرة النبوية المباركة والتاريخ ، وذلك عن طريق معرفة الحادثة ووقتها وأين كانت ومتى، فنستطيع أن نرتب السيرة النبوية من خلال الحوادث وضمها إلى قصص الأنبياء وسير المرسلين وحياة الأمم السابقين (٢). الحكمة السابعة: معرفة الناسخ والمنسوخ: إن في القرآن الكريم ناسخًا ومنسوخًا ولا يمكن أن يكون ذلك إذا نزل القرآن جملةً على المصطفى ﵊، إذ لا يُتصور النسخ إلا مع التفريق ولا يمكن أن يحدث ذلك إلا على تباعد الزمن فإن حكمة التربية الانتقالية قد تقتضي تشريعًا تجيء به آية إلى أجل مسمى ثم تجيء آية أخرى بتشريع آخر، ولا يكون هذا إلا مع تنجيم النزول (٣). الحكمة الثامنة: تفضيل القرآن الكريم على غيره من الكتب السماوية: لقد جمع الله له النزولين: النزول جملة واحدة، والنزول مفرقاً وبذلك شارك الكتب السماوية في الأولى، وانفرد في الفضل بالثانية، وهذا يعود بالتفضيل لنبينا محمد? على سائر إخوانه من الأنبياء ﵈ وإن الله جمع له من الخصائص ما لغيره، وزاد عليها (٤)، وكذلك تفخيم المنزل وهو القرآن الكريم، وتعظيم قدر من سوف ينزل عليه وهو الرسول ﷺ ، وتكريم من سوف ينزل إليهم وهم المسلمون. وذلك بإعلام سكان السماوات بأن هذا القرآن آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل لأشرف الأمم (٥). يقول السخاوي في جمال القراء: "فإن قيل: ما في إنزاله جملة إلى سماء الدنيا؟ قلت: في ذلك تكريم بني آدم، وتعظيم شأنهم عند الملائكة، وتعريفهم عناية الله بهم، ورحمته لهم، ولهذا المعنى أمر سبعين ألفا من الملائكة لما أنزل سورة الأنعام أن تزفها (٦). وزاد سبحانه في هذا المعنى بأن أمر جبريل ﵇ بإملائه على السفرة الكرام البررة ﵈ وإنساخهم إياه، وتلاوتهم له وفيه أيضا إعلام عباده من الملائكة وغيرهم أنه علام الغيوب لا يغرب عنه شيء إذ كان في هذا الكتاب العزيز ذكر الأشياء قبل وقوعها" (٧).

стр. 49

يقول السخاوي: "وفيه أيضا التسوية بينه وبين موسى ﵇ في إنزال كتابه جملة، والتفضيل لمحمد ﷺ في إنزاله عليه منجما ليحفظه. قال الله : ﴿كذلك لنثبت به فؤادك﴾ [الفرقان: ٣٢] وقال : ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ [الأعلى: ٦] " (١). وقت نزول القرآن الكريم: أكثر نزول القرآن الكريم نهارا حضرا، وقد نزل يسير منه في السفر وقليل منه في الليل. ١ - الآيات والسور المتفق على نزولها ليلاً: لقد تتبع العلماء ذلك فذكروا ما وقفوا عليه منه، فمن ذلك: أولاً: أواخرُ آلِ عمران: عن عائشةَ ﵂ أنَّ بلالاً أتى النبيَّ ﷺ يُؤْذِنه لصلاةِ الصبح فوجده يبكي فقال: يا رسول الله ما يُبكيك؟ قال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] إلى قوله: ﴿سبحانك فقنا عذاب النار﴾. ثم قال: ﴿وَيْلٌ لمن قَرَأَهَا ولَمْ يَتَفَكَرْ فِيْهَا﴾ " (٢). وعن إبراهيم بن سويد النخعي حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء قال: دخلت أنا وعبيد ابن عمير على عائشة ﵂ فقال عبد الله بن عمير: حدثينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله ﷺ ؟ فبكت وقالت: قام ليلة من الليالي فقال: " يا عائشة! ذريني أتعبد لربي "، قالت: قلت: والله إني لأحب قربك وأحب ما يسرك قالت: فقام فتطهر ثم قام يصلي فلم يزل يبكي حتى بل حجره، ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض، وجاء بلال يؤذنه بالصلاة فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله! تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ ! قال: " أفلا أكون عبدا شكورا؟ لقد نزلت علي الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] " (٣). فهذه الروايات الصحيحة تؤكد نزول هذه الآيات ليلاً على النبي ﷺ . ثانياً: آيات الثلاثة الذين خلفوا من سورة التوبة: فقد جاء عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ـ وَهُوَ أَحَدُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ ـ قال: " فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَوْبَتَنَا عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ حِينَ بَقِيَ الثُّلُثُ الْآخِرُ مِنْ اللَّيْلِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ، وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مُحْسِنَةً فِي شَأْنِي، مَعْنِيَّةً فِي أَمْرِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَا أُمَّ سَلَمَةَ تِيبَ عَلَى كَعْبٍ، قَالَتْ: أَفَلا أُرْسِلُ إِلَيْهِ فَأُبَشِّرَهُ؟

стр. 50

قَالَ: " إِذًا يَحْطِمَكُمْ النَّاسُ فَيَمْنَعُونَكُمْ النَّوْمَ سَائِرَ اللَّيْلَةِ، حَتَّى إِذَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْفَجْرِ آذَنَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَكَانَ إِذَا اسْتَبْشَرَ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنْ الْقَمَرِ " (١). فهذه الروايات الصحيحة التي هي في البخاري ومسلم من رواية كعب ابن مالك تؤكد نزول هذه الآيات ليلاً بما لا يجعل مجالاً للاختلاف في ذلك، بل نزلت ليلاً في الثلث الأخير كما قال كعب بن مالك: " فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَوْبَتَنَا عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ حِينَ بَقِيَ الثُّلُثُ الْآخِرُ مِنْ اللَّيْلِ " (٢) ثالثاً: أول سورة الفتح: عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلًا فَسَأَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا عُمَرُ نَزَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثَلاثَ مَرَّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ لا يُجِيبُكَ، قَالَ عُمَرُ: فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي ثُمَّ تَقَدَّمْتُ أَمَامَ الْمُسْلِمِينَ وَخَشِيتُ أَنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ فَمَا نَشِبْتُ أَنْ سَمِعْتُ صَارِخًا يَصْرُخُ بِي، قَالَ: فَقُلْتُ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ وَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: " لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ثُمَّ قَرَأَ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا" (٣). فهذه الرواية الصحيحة تؤكد أنها نزلت ليلاً بعد صلح الحديبية بين مكة والمدينة، كما جاء في الحديث: " لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ثُمَّ قَرَأَ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ وليس في ذلك خلاف. رابعاً: صدر سورة العلق: لا شك أن الآيات الأولى من القرآن نزلت ليلاً، وقد ثبت أن ابتداء نزول القرآن كان في شهر رمضان ليلاً، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة: ١٨٥] البقرة: ١٨٥)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣)﴾ [الدخان: ٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾ [القدر: ١ - ٣]، فبركة تلك الليلة، وشرفها وسمو قدرها؛ لأن الله تعالى جعلها مبدأ الوحي إلى رسوله الكريم. قال ابن عاشور: " فيجوز أن يراد به القرآنُ كلُّه فيكون فعل: (أنزلنا) مستعملاً في ابتداء الإِنزال لأن الذي أُنزل في تلك الليلة خمس الآيات الأول من سورة العلق ثم فتر الوحي ثم عاد إنزاله منجماً ولم يكمل إنزال القرآن إلا بعد نيف وعشرين سنة، ولكن لما كان جميع

стр. 51

القرآن مقرراً في علم الله تعالى مقدارُه وأنه ينزل على النبي ﷺ منجَّماً حتى يتم، كان إنزاله بإنزال الآيات الأُول منه لأن ما ألحق بالشيء يعد بمنزلة أوله " (١). وهذا هو الذي يقتضيه حديث بَدْء الوحي كما جاء عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: "أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ فَكَانَ لا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ ـ وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ ـ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: " مَا أَنَا بِقَارِئٍ "، قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: " مَا أَنَا بِقَارِئٍ "، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ فَقُلْتُ: " مَا أَنَا بِقَارِئٍ " فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ ﵂ فَقَالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ: لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي ... " (٢). فهو يدل على نزول الوحي عليه في وقت تعبده ليلاً. وقد جاء عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " نَزَلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الإِنْجِيلُ لِثَلاثِ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الزَّبُورُ لِثَمَانِ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْقُرْآنُ لأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ " (٣). قال ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ): " فيحتمل أن تكون ليلة القدر في تلك السنة كانت تلك الليلة فأنزل فيها جملة إلى سماء الدنيا ثم أنزل في اليوم الرابع والعشرين إلى الأرض أول اقرأ باسم ربك" (٤). فهذه الروايات المختلفة تشير إلى أن ابتداء نزول القرآن كان ليلاً، ولا شك أن أول ما نزل من القرآن هو صدر سورة العلق. خامساً وسادساً: المعوذتان: عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُنْزِلَ أَوْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَاتٌ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ ". وفي رواية أخرى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَلَمْ تَرَ آيَاتٍ أُنْزِلَتْ اللَّيْلَةَ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) وَ (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) " (٥).

стр. 52

فهذه الروايات الصحيحة تؤكد نزولهما ليلاً. ٢ - الآيات والسور المختلف في نزولها ليلاً: هنالك آيات تكلم العلماء في نزولها ليلاً؛ ولكن اختلفت فيها أقوالهم بسبب ضعف الرواية وعدم صحتها، أو لأنها محتملة، أو لتعارضها مع روايات أخرى، وهي على النحو التالي: أولاً: آيات تحويل القبلة: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلاةِ الصُّبْحِ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: " إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأْمِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ" (١). وعنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَنَزَلَتْ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ في السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِى سَلِمَةَ وَهُمْ رُكُوعٌ في صَلاةِ الْفَجْرِ وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً فَنَادَى أَلا إِنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ. فَمَالُوا كَمَا هُمْ نَحْوَ الْقِبْلَةِ " (٢). وعَنْ الْبَرَاءِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ ـ أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ ـ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلاةٍ صَلَّاهَا صَلاةَ الْعَصْرِ وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ " (٣). قال ابن حجر: " الأقوى أن نزولها كان نهارا، والجواب عن حديث ابن عمر أن الخبر وصل وقت العصر إلى من هو داخل المدينة وهم بنو حارثة، ووصل وقت الصبح إلى من هو خارج المدينة وهم بنو عمرو بن عوف أهل قباء، وقوله قد أنزل عليه الليلة مجاز من إطلاق الليلة على بعض اليوم الماضي والذي يليه "، وقال السيوطي بعد نقله لكلام ابن حجر " فهذا يقتضي أنها نزلت نهارا بين الظهر والعصر" (٤). والأرجح أنها نزلت ليلاً؛ لأن حديث أنس لا يعارض رواية ابن عمر، لأن حديث أنس في وقت بلوغ الخبر لبني سلمة كما في قوله: "فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِى سَلِمَةَ وَهُمْ رُكُوعٌ في صَلاةِ الْفَجْرِ وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً فَنَادَى أَلا إِنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ "، وابن عمر يتحدث عن وقت نزولها، وقرينة النص تدل على ذلك: " إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا " فهو يتحدث عن نفس الليلة، وهو يؤكد أنها نزلت ليلاً، وهي

стр. 53

الرواية الوحيدة التي تنص على زمان النزول، وحديث البراء لا يتحدث عن وقت النزول، وإنما يتحدث عن أول صلاة صلاها، وقد تكون هي أول صلاة لراوي الحديث، ودائماً تقليب النظر والتأمل والتفكر في السماء يكون بالليل أكثر من النهار، كما أن نزولها ليلاً يواكب مقتضيات التحول؛ إذ الفجر بداية يوم جديد وهو بداية تحول لعهد جديد، وهو التحول من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام؛ ولهذا قال القاضي جلال الدين البلقيني (ت: ٨٢٤): " والأرجح بمقتضى الاستدلال نزولها بالليل لأن قضية أهل قباء كانت في الصبح وقباء قريبة من المدينة فيبعد أن يكون رسول الله أخر البيان لهم من العصر إلى الصبح " (١). والله أعلم ثانياً: آية ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾: عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: "قَالَتِ الْيَهُودُ لِعُمَرَ: لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ يَهُودَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا (٣)﴾ [المائدة: ٣] نَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذي أُنْزِلَتْ فِيهِ لاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا. قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: " فَقَدْ عَلِمْتُ الْيَوْمَ الَّذي أُنْزِلَتْ فِيهِ وَالسَّاعَةَ وَأَيْنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ نَزَلَتْ. نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَاتٍ " (٢). وفي رواية أخرى "أُنْزِلَتْ بِعَرَفَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ) " (٣). وفي رواية: (نزلت عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ" (٤). فالرواية الأولى أنها "نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَاتٍ"، والرواية الثانية أنها "أُنْزِلَتْ بِعَرَفَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ"، والرواية الثالثة أنها" نزلت عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ" فهنالك اتفاق في المكان في عرفات، واليوم وهو يوم الجمعة، وهنالك اختلاف في الزمان الذي نزلت فيه، والراجح أنها نزلت يوم عرفة عشية والرسول ﷺ واقف على الموقف لم يدفع، وكان يوم جمعة، وهذا ما نص عليه عدد من أهل العلم منهم ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) (٥)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٦)، وابن كثير (ت: ٧٧١ هـ) () (٧)، والسيوطي (٨). قال ابن جرير بعد أن سرد جميع الروايات التي ذكرت في سبب نزولها: " وأولى الأقوال في وقت نزول الآية، القولُ الذي روي عن عمر بن الخطاب: أنها نزلت يوم عرفة يوم جمعة، لصحة سنده، وَوَهْيِ أسانيد غيره " (٩). وقال القرطبي " أنها نزلت في يوم جمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر ورسول الله ﷺ واقف بعرفة على ناقته العضباء، فكاد عضد الناقة ينقد من ثقلها فبركت " (١٠).

стр. 54

وما جاء أنها نزلت ليلة جمع مراد بها عشية عرفة لأن النبي ﷺ دفع بعد المغيب، كما جاء في الحديث: " فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلاً حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ " (١). والله أعلم. ثالثاً: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ من سورة المائدة: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحْرَسُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧]، فَأَخْرَجَ النَّبِيُّ ﷺ رَأْسَهُ مِنَ الْقُبَّةِ فَقَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ " (٢). فهذه الرواية وإن لم تنص على وقت النزول ولكن يفهم من دلالات النص أنها نزلت ليلاً؛ لأن النبي ﷺ كان يحرس ليلاً، قال السيوطي: "فأخرج رأسه من القبة فقال: يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله. في هذا الحديث دليل على أنها ـ أي الآية ـ ليلية نزلت ليلا فراشية - والرسول في فراشه " (٣). رابعاً: سورة الأنعام: عن ابن عباس ﵄ -قال: " نزلتْ سورةُ الأنعامِ بمكةَ ليلا جملةً، حولَها سبعونَ ألفَ مَلَكٍ يجأَرون بالتسبيحِ " (٤)، فإن صحت هذه الرواية تكون نزلت هذه السورة جملة ليلاً. والله أعلم. خامساً: سورة مريم: روى الطبراني عن أبي مريم الغساني قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: ولدت لي الليلة جارية فقال: " والليلة نزلت عليّ سورة مريم سمها مريم " (٥) فالحديث ضعيف لم يصح في سنده، ولذا لم يثبت في وقت نزولها شيء.

стр. 55

سادساً: أول الحج: ذكره ابن حبيب ومحمد بن بركات السعدي في كتابه الناسخ والمنسوخ، وجزم به السخاوي (ت: ٦٤٣) (١). قال السيوطي في الإتقان: "وقد يستدل له بما أخرجه ابن مردويه عن عمران بن حصين أنها نزلت على النبي ﷺ وقد نعس بعض القوم وتفرق بعضهم فرفع بها صوته الحديث " (٢)، والحديث جاء عن عَبْد اللَّهِ بن أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بن خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بن سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ، قَالَ: "نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ [الحج: ١] (الحج آية ١) وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ وَقَدْ نَعَسَ بَعْضُ الْقَوْمِ، وَتَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ، فَرَفَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَوْتَهُ ... " (٣) الحديث. فلم تنص أي رواية على أن ذلك كان ليلاً إلا رواية الطبراني حيث جاء فيها: "نزلت هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ [الحج: ١] ونحن مع رسول الله ﷺ في سفر وقد نعس بعض القوم وتفرق بعضهم فرفع بها رسول الله ﷺ صوته " علماً بأن جميع الروايات تثبت أنها نزلت في سفر، وما جاء فيها من قول الراوي " وقد نعس بعض القوم وتفرق بعضهم فرفع بها رسول الله ﷺ صوته" فقط هو الذي يشير للنزول الليلي. سابعاً: آية الإذن في خروج النسوة في الأحزاب: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "خَرَجَتْ سَوْدَةُ بَعْدَمَا ضُرِبَ الْحِجَابُ لِحَاجَتِهَا وَكَانَتْ امْرَأَةً جَسِيمَةً لا تَخْفَى عَلَى مَنْ يَعْرِفُهَا، فَرَأَىهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ: يَا سَوْدَةُ أَمَا وَاللَّهِ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا فَانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُجِينَ، قَالَتْ: فَانْكَفَأَتْ رَاجِعَةً وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِي، وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى وَفِي يَدِهِ عرْقٌ فَدَخَلَتْ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي فَقَالَ لِي عُمَرُ كَذَا ... وَكَذَا، قَالَتْ: فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ ثُمَّ رُفِعَ عَنْهُ وَإِنَّ الْعرْقَ فِي يَدِهِ مَا وَضَعَهُ فَقَالَ: " إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ " (٤). وعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَزْوَاجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى الْمَنَاصِعِ وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ احْجُبْ نِسَاءَكَ. فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ زَوْجُ النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي عِشَاءً وَكَانَتِ امْرَأَةً طَوِيلَةً فَنَادَاهَا عُمَرُ أَلا قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ. حِرْصًا عَلَى أَنْ يُنْزِلَ الْحِجَابَ. قَالَتْ عَائِشَةُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْحِجَابَ " (٥).

стр. 56

قال القاضي جلال الدين البلقيني: " وإنما قلنا أن ذلك كان ليلا لأنهن إنما كن يخرجن للحاجة ليلا كما في الصحيح عن عائشة في حديث الإفك " (١). فهذه الروايات ليس فيها ما ينص على نزولها في الليل ولكنها محتملة. ثامناً: قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ فَقُلْنَ: مَا مَعَنَا إِلَّا الْمَاءُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ يَضُمُّ أَوْ يُضِيفُ هَذَا؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: أَنَا فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَ: أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، فَقَالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ فَجَعَلَا يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلَانِ فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ أَوْ عَجِبَ مِنْ فَعَالِكُمَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩] (٢). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَابَنِي الْجَهْدُ، فَأَرْسَلَ إِلَى نِسَائِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلا رَجُلٌ يُضَيِّفُهُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ يَرْحَمُهُ اللَّهُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ فَقَالَ لامْرَأَتِهِ: ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لا تَدَّخِرِيهِ شَيْئًا، قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عِنْدِي إِلَّا قُوتُ الصِّبْيَةِ قَالَ: فَإِذَا أَرَادَ الصِّبْيَةُ الْعَشَاءَ فَنَوِّمِيهِمْ وَتَعَالَيْ فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ وَنَطْوِي بُطُونَنَا اللَّيْلَةَ فَفَعَلَتْ ثُمَّ غَدَا الرَّجُلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ أَوْ ضَحِكَ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانَةَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩] " (٣). فليس فيها ما هو صريح في وقت نزولها على أنها نزلت ليلاً، ولكنها محتملة، لأنه قد يكون هنالك تراخٍ بين سبب النزول ووقت النزول. تاسعاً: سورة المنافقون: عَنْ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي سَعْدٍ الْأَزْدِيِّ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ قَالَ: "غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ مَعَنَا أُنَاسٌ مِنْ الْأَعْرَابِ فَكُنَّا نَبْتَدِرُ الْمَاءَ، وَكَانَ الْأَعْرَابُ يَسْبِقُونَّا إِلَيْهِ، فَسَبَقَ أَعْرَابِيٌّ أَصْحَابَهُ فَيَسْبَقُ الْأَعْرَابِيُّ فَيَمْلَأُ الْحَوْضَ وَيَجْعَلُ حَوْلَهُ حِجَارَةً وَيَجْعَلُ النِّطْعَ عَلَيْهِ حَتَّى يَجِيءَ أَصْحَابُهُ، قَالَ: فَأَتَى رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ أَعْرَابِيًّا فَأَرْخَى زِمَامَ نَاقَتِهِ لِتَشْرَبَ فَأَبَى أَنْ يَدَعَهُ فَانْتَزَعَ قِبَاضَ الْمَاءِ فَرَفَعَ الْأَعْرَابِيُّ خَشَبَتَهُ فَضَرَبَ بِهَا رَأْسَ الْأَنْصَارِيِّ فَشَجَّهُ، فَأَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيّ رَأْسَ الْمُنَافِقِينَ فَأَخْبَرَهُ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِهِ فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيّ ثُمَّ قَالَ: لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ. يَعْنِي الْأَعْرَابَ، وَكَانُوا يَحْضُرُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ الطَّعَامِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ إِذَا انْفَضُّوا مِنْ عِنْدِ مُحَمَّدٍ فَأْتُوا مُحَمَّدًا بِالطَّعَامِ فَلْيَأْكُلْ هُوَ وَمَنْ عِنْدَهُ، ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، قَالَ زَيْدٌ: وَأَنَا رِدْفُ رَسُولِ اللَّهِ

стр. 57

- ﷺ فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ فَأَخْبَرْتُ عَمِّي فَانْطَلَقَ فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَلَفَ وَجَحَدَ قَالَ: فَصَدَّقَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَذَّبَنِي، قَالَ: فَجَاءَ عَمِّي إِلَيَّ فَقَالَ: مَا أَرَدْتَ إِلَّا أَنْ مَقَتَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَذَّبَكَ وَالْمُسْلِمُونَ، قَالَ: فَوَقَعَ عَلَيَّ مِنْ الْهَمِّ مَا لَمْ يَقَعْ عَلَى أَحَدٍ، قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ قَدْ خَفَقْتُ بِرَأْسِي مِنْ الْهَمِّ إِذْ أَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَعَرَكَ أُذُنِي وَضَحِكَ فِي وَجْهِي فَمَا كَانَ يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِهَا الْخُلْدَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَحِقَنِي فَقَالَ: مَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قُلْتُ: مَا قَالَ لِي شَيْئًا إِلَّا أَنَّهُ عَرَكَ أُذُنِي وَضَحِكَ فِي وَجْهِي، فَقَالَ: أَبْشِرْ ثُمَّ لَحِقَنِي عُمَرُ فَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ قَوْلِي لِأَبِي بَكْرٍ فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُورَةَ الْمُنَافِقِينَ " (١). وفي ذلك دليل على نزولها ليلاً وتلاوتها للناس بعد أن أصبحوا. والله أعلم. عاشراً: سورة المرسلات: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَارٍ فَنَزَلَتْ وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا فَإِنَّا لَنَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ إِذْ خَرَجَتْ حَيَّةٌ مِنْ جُحْرِهَا فَابْتَدَرْنَاهَا لِنَقْتُلَهَا فَسَبَقَتْنَا فَدَخَلَتْ جُحْرَهَا فَقَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا " (٢). وفي رواية أخرى له في البخاري: "قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَارٍ بِمِنًى إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِ وَالْمُرْسَلاتِ وَإِنَّهُ لَيَتْلُوهَا وَإِنِّي لَأَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ وَإِنَّ فَاهُ لَرَطْبٌ بِهَا إِذْ وَثَبَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اقْتُلُوهَا فَابْتَدَرْنَاهَا فَذَهَبَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا" (٣). قال السخاوي في جمال القراء: " روي عن ابن مسعود أنها نزلت على رسول الله ﷺ ليلة الجن بحراء " (٤). قال السيوطي: " قلت هذا أثر لا يعرف ثم رأيت في صحيح الإسماعيلي وهو مستخرجه على البخاري أنها نزلت ليلة عرفة بغار منى، وهو في الصحيحين بدون قوله ليلة عرفة، والمراد بها ليلة التاسع من ذي الحجة فإنها التي كان النبي ﷺ يبيتها بمنى " (٥). فإن صحت هذه الرواية تكون دليلاً على نزولها ليلاً. والله أعلم. وقد ذكر أبو القاسم الحسن بن محمد النيسابوري (ت ٤٠٦) في كتابه التنبيه على فضل علوم القرآن من وجوه شرف علوم القرآن؛ معرفة تفصيل نزول القرآن الكريم زمانا، ومكانا، وأوصافا. فقال: "من أشرف علوم القرآن علم نزوله وجهاته، وترتيب ما نزل بمكة والمدنية، وما نزل بمكة وحكمه مدني، وما نزل بالمدينة وحكمه مكي، وما نزل بمكة في أهل المدينة، وما نزل بالمدينة في أهل مكة، وما يشبه نزول المكي في المدني، وما يشبه نزول المدني في المكي، وما نزل بالجحفة، وما نزل ببيت المقدس، وما نزل بالطائف، وما نزل بالحديبية، وما نزل ليلا، وما نزل نهارا، وما نزل مشيعا، وما نزل مفردا، والآيات المدنيات، وما حمل من مكة إلى المدينة، وما

стр. 58

حمل من المدينة إلى مكة، وما حمل من المدينة إلى الحبشة، وما نزل مجملا، وما نزل مفسرا، وما اختلف فيه فقال بعضهم: مدني، وقال بعضهم: مكي، فهذه خمسة وعشرون وجها من لم يعرفها، ويميز بينها، لم يحل له أن يتكلم في كتاب الله تعالى" (١). وقد فسرت وفصلت هذه الأنواع مع التمثيل لها بما وردت به الروايات في البرهان للزركشي، والإتقان للسيوطي، والزيادة والإحسان لابن عقيلة المكي مما لا حاجة معه لزيادة الكلام في بسطه ونقله" (٢). وما ذكره النيسابوري هنا من وجوب معرفة هذه الأنواع والتمييز بينها وجعل ذلك شرطا للتفسير لا يسلم له وفيه نظر. فليس كله مما له أثر في التفسير. مدة نزول القرآن الكريم: اختلف العلماء في تحديد? مدة نزول القرآن الكريم? على الرسول ﷺ على أقوال: أحدها: أنها ثماني عشرة سنة. روي هذا القول غير المشتهر عن الحسن. وأنه كان يقول ذكر لنا أنه كان بين أوله وآخره ثماني عشرة سنة، وأنه أنزل على الرسول ﷺ ثماني سنين في مكة قبل الهجرة وعشر سنين بعدها (٣). وهو قول ضعيف ينتج عنه أن الرسول ﷺ توفي عن ثمان وخمسين سنة وهو ما لم يقل به أحد. قال ابن عطية: "وهذا قول مختل لا يصح عن الحسن والله أعلم" (٤). والثاني: أنها عشرون سنة: روي عن ابن عباس، وعكرمة، والشعبي وقتادة، واختاره ابن جزي الكلبي (٥). والثالث: أنها ثلاث وعشرون سنة. وهو قول الجمهور (٦). والرابع: أنها خمس وعشرون سنة. وهو قول من يذهب إلى أن الرسول ﷺ عاش خمسا وستين سنة خلافا للمشهور (٧). وتجدر الإشارة بأن منشأ هذا الاختلاف يعود إلى عدة أسباب: أحدها: الخلاف في مدة إقامته-﵊ بمكة بعد البعثة، فقيل: ثمان، وقيل عشر، وقيل ثلاث عشرة، وقيل خمس عشرة سنة. بناء على اختلاف الروايات في ذلك. فإذا أضيف إليها عشر سنين وهي مدة إقامته-﵊-بالمدينة بعد الهجرة المتفق عليها كما

стр. 59

نص على ذلك ابن كثير حيث قال: "أما إقامته بالمدينة عشرا فهذا مما لا خلاف فيه .. " (١)، فينتج عن ذلك الأقوال السابقة. والثاني: ومن الأسباب كذلك: اختلاف الاعتبار الذي يبدأ منه حساب تلك المدة، هل هو من بداية الرؤيا الصادقة، أو من البعثة التي تلاها فتور في نزول الوحي، أو من الرسالة وتتابع الوحي بعد ذلك. والثالث: ومنها ايضا: التسامح والتساهل في تحديد الوقت، وجبر الكسور في حساب السنوات اختصارا وعادة، يقول ابن كثير: "إن العرب كثيرا ما يحذفون الكسور من كلامهم" (٢). والرابع: ومنها: الخلاف في عمره ﵊. حيث قيل إنه ستون سنة، وقيل ثلاث وستون، وقيل خمس وستون. والمعتمد كما يقول ابن حجر أنه ﷺ عاش ثلاثا وستين سنة وأن ما ورد مما يخالف ذلك فهو محمول إما على إلغاء الكسر في السنين أو جبر الكسر في الشهور (٣). وأضاف ابن كثير معنى جديدا في الجمع وهو: اعتبار قرن جبريل بالرسول ﷺ في نزول الوحي حيث روي أنه قرن به ﵇ ميكائيل في ابتداء الأمر. يلقي إليه الكلمة والشيء ثم قرن به جبريل (٤). كما أنه بعث ﷺ على رأس أربعين سنة. كما قال النووي: "واتفقوا أنه ﷺ أقام بالمدينة بعد الهجرة عشر سنين وبمكة قبل النبوة أربعين سنة وإنما الخلاف في قدر إقامته بمكة بعد النبوة وقبل الهجرة. والصحيح أنها ثلاث عشرة فيكون عمره ثلاثا وستين وهذا الذي ذكرناه أنه بعث على رأس أربعين سنة هو الصواب المشهور الذي أطبق عليه العلماء" (٥). وقد حاول الشيخ محمد الخضري اختيار تحديد دقيق للمدة فذكر أن مدة مقامه ﷺ بمكة هي اثنتا عشرة سنة، وخمسة أشهر، وثلاثة عشر يوما من يوم ١٧ رمضان سنة ٤١ من ميلاده الشريف إلى أول ربيع الأول سنة ٥٤ منه. ومدة إقامته بالمدينة بعد الهجرة هي تسع سنوات، وتسعة أشهر، وتسعة أيام من أول ربيع الأول سنة ٤٥ إلى تاسع ذي الحجة سنة ٦٣ من ميلاده الشريف، وهي سنة عشر من هجرته ﷺ (٦). فصارت المدة بين مبتدأ التنزيل ومختتمه اثنتان وعشرون سنة وشهران واثنان وعشرون يوما (٧). وهذا التحديد هو ما أشار إليه الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني في كتابه مناهل العرفان حيث ذكره وتعقبه فقال: "لكن هذا التحقيق لا يزال في حاجة إلى تحقيقات ثلاث: ذلك لأنه أهمل

стр. 60

من حسابه باكورة الوحي إليه ﷺ عن طريق الرؤيا الصادقة ستة أشهر على أنها ثابتة في الصحيح. ثم جرى فيه على أنه ابتداء نزول القرآن كان ليلة السابع عشر من رمضان وهي ليلة القدر على بعض الآراء، غير أنه يخالف المشهور الذي يؤيده الصحيح. ثم ذهب فيه مذهب القائلين بأن آخر ما نزل من القرآن هو آية: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣] وذلك في تاسع ذي الحجة سنة عشر من الهجرة، وسترى في مبحث آخر ما نزل من القرآن أن هذا المذهب غير صحيح (١) " (٢). ومما يعترض به على هذا التحديد أن يوم الفرقان ١٧ رمضان هو يوم الجمعة يقول الخضري عن يوم الفرقان، ويوم ابتداء إنزال القرآن الكريم: " ... فهما متحدان في الوصف، وهو أنهما جميعا يوافقان الجمعة ١٧ رمضان وإن لم يكونا في سنة واحدة" (٣). والقول بأن يوم ابتداء إنزال القرآن يوافق يوم الجمعة معارض لما ثبت في صحيح مسلم عن يوم الاثنين وقوله ﷺ حين سئل عنه: " ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت - أو أنزل علي فيه " (٤). كما حدد الشيخ محمد محمد أبو شهبة مدة نزول القرآن الكريم بأنها اثنتان وعشرون سنة وخمسة أشهر، ونصف الشهر. راعى في هذا التحديد ما ذهب إليه الجمهور من أنه ﷺ ولد في الثاني عشر من ربيع الأول عام الفيل، وتوفي في الثاني عشر أيضا من ربيع الأول عام إحدى عشرة من الهجرة. وبين ذلك بأن النبي ﷺ نبئ على رأس الأربعين من ميلاده الشريف وذلك من الثاني عشر من ربيع الأول وقد بدئ الوحي إليه بالرؤيا الصادقة ومكث على ذلك إلى السابع عشر من رمضان وجملة ذلك ستة أشهر وخمسة أيام حين نزل عليه صدر سورة اقرأ. وآخر آية نزلت عليه من القرآن هي قوله تعالى: ﴿واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله﴾ الآية [البقرة: ٢٨١]، وقد روي أن ذلك قبل وفاة النبي ﷺ بتسعة أيام، وقيل بأحد عشر يوما، وقيل بواحد وعشرين يوما فلو أخذنا بالمتوسط تكون جملة المدة التي لم ينزل فيها القرآن ستة أشهر وستة عشر يوما. وجملة عمر ﷺ ثلاث وستون عاما، ومدة نبوته ثلاث وعشرون سنة فإذا أنقصنا منها ستة أشهر وستة عشر يوما يكون الباقي اثنتين وعشرين سنة وخمسة أشهر وأربعة عشر يوما. ثم قال أبو شهبة بعد هذا معبرا عن فرحه به: "والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. ثم انتقد حساب الخضري السابق بأنه بني على أن آخر آية نزلت هي قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ الآية [المائدة: ٣ [" (٥). وما ذكره أبو شهبة ﵀ من تحديد فيه نظر كذلك. إذ جعل يوم السابع عشر من رمضان بداية إنزال القرآن على الرسول ﷺ وقد تقدم أنه يوافق يوم الجمعة - على قول الخضري - وأنه بهذا يعارض ما ثبت في الصحيح?

стр. 61

وكذلك أنه بناه على الأخذ بأحد الأقوال في مدة بقاء الرسول ﷺ بعد آخر آية نزلت عليه دون دراسة ترجيحية له. فيبقى ملخص القول أن المدة نحوا من ثلاث وعشرين سنة تقريبا لا تحديدا (١). يوم إنزال القرآن: الصحيح أن أول يوم أنزل فيه القرآن هو يوم الاثنين. لحديث أبي قتادة الأنصاري الصحيح، وفيه: وسئل عن صوم يوم الاثنين. قال: " ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت - أو أنزل علي فيه " (٢). وفي رواية أخرى: .. فقال: " فيه ولدت، وفيه أنزل علي" (٣). وأخرج الواحدي عن أبي قتادة: " أن رجلا قال لرسول الله: أرأيت صوم يوم الإثنين: "قال فيه أنزل علي القرآن " (٤). وقد ذكر ابن سعد في طبقاته عن ابن عباس قال: "نبئ نبيكم ﷺ يوم الاثنين" (٥). وعن أنس قال: استنبأ النبي ﷺ يوم الاثنين (٦). قال الواحدي: "وأول يوم أنزل القرآن فيه يوم الاثنين" (٧). وذكر البلقيني أنه يوم الاثنين نهارا (٨). ولذا قال ابن القيم: " ولا خلاف أن مبعثه ﷺ كان يوم الاثنين" (٩). وقال ابن كثير: "وهكذا قال عبيد بن عمير وأبو جعفر الباقر وغير واحد من العلماء أنه ﵊ أوحي إليه يوم الاثنين. وهذا ما لا خلاف فيه بينهم" (١٠). شهر إنزال القرآن الكريم: اختلف في شهر إنزال القرآن الكريم على الرسول ﷺ ، على أقوال: الأول: أنه شهر رجب، في السابع عشر منه. وهو قول غير مشهور لكنه مذكور (١١). الثاني: أنه في شهر ربيع الأول. قيل في أوله، والمشهور في ثامنه سنة إحدى وأربعين من عام الفيل. وقد جعله ابن القيم قول الأكثرين (١٢).

стр. 62

وقيل في الثاني عشر من ربيع الأول يوم الاثنين كما روي عن جابر وابن عباس أنهما قالا: ولد رسول الله ﷺ عام الفيل يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول، وفيه بعث، وفيه عرج به إلى السماء، وفيه هاجر، وفيه مات (١). وعن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: ولد رسول الله ﷺ يوم الاثنين في ربيع الأول، وأنزلت عليه النبوة يوم الاثنين في أول شهر بيع الأول وأنزلت عليه البقرة في ربيع الأول (٢). الثالث: أنه في شهر رمضان، قال الواحدي: "وأول شهر أنزل فيه القرآن شهر رمضان" (٣)، قال الله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ [البقرة: ١٨٥]. وجعله ابن كثير: المشهور. فقال: والمشهور أنه بعث ﵊ في شهر رمضان كما نص على ذلك عبيد بن عمير، ومحمد بن إسحاق وغيرهما" (٤). قال ابن القيم: "وإليه ذهب جماعة منهم يحيى الصرصري حيث يقول في نونيته: شمس النبوة منه في رمضان، وأتت عليه أربعون فأشرقت" (٥). وقال ابن إسحاق: ابتدئ رسول الله ﷺ بالتنزيل في رمضان - ثم استدل له فقال- قال الله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ [البقرة: ١٨٥] وقال سبحانه: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر: ١] وقال تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ [الدخان: ٣] (٦). واختلف في أي الأوقات من رمضان: فقيل في سابعه (٧)، وقيل في الرابع عشر (٨)، وقيل في السابع عشر منه. فقد أخرج ابن سعد عن الواقدي عن أبي جعفر الباقر، قال نزل الملك على رسول الله ﷺ بحراء يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من شهر رمضان. ورسول الله يوميئذ ابن أربعين سنة. وجبريل الذي كان ينزل عليه بالوحي (٩). وقيل في الرابع والعشرين من رمضان، قال أبو عبد الله الحليمي: "يريد ليلة خمس وعشرين" (١٠). وقال ابن كثير: "ولهذا ذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن ليلة القدر ليلة أربع وعشرين" (١١).

стр. 63

واستدل لهذا بحديث واثلة بن الأسقع (١). وجعله السخاوي في النزول المباشر على الرسول ﷺ فقال بعد أن ساقه بنحوه: "فهذا الإنزال يريد به ﷺ أول نزول القرآن عليه- ثم قال: وقوله : ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ يشمل الإنزالين" (٢). أما البيهقي فقد حمل حديث واثلة بن الأسقع على أن المراد به الإنزال جملة فقال: "قلت: وإنما أراد - والله أعلم - نزول الملك بالقرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا" (٣). ويشهد لهذا المعنى ما رواه ابن أبي شيبة عن أبي قلابة قال: " .. أنزلت الكتب كاملة ليلة أربع وعشرين من رمضان .. " (٤). وقد ذهب صفي الرحمن المباركفوري في كتابه الرحيق المختوم إلى تحديد دقيق، ورأي جديد وهو أن يوم نزول القرآن وشهره كان يوم الاثنين لإحدى وعشرين مضت من رمضان ليلا. الموافق عشرة أغسطس سنة ٦١٠ م، وكان عمره ﷺ إذ ذاك أربعون سنة قمرية وستة أشهر و ١٢ يوما، وذلك نحو ٣٩ سنة شمسية وثلاثة أشهر و ٢٢ يوما. وهو قول لم يقل به أحد قبله وقد بناه على ما يأتي (٥): أولا: كونه يوم الاثنين بناء على ما صح من حديث أبي قتادة الأنصاري وفيه ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت أو أنزل علي فيه، وهو ما اتفق عليه أهل السير. ثانيا: وكونه شهر رمضان عملا بالآيات الثلاث في سور: البقرة، الدخان، والقدر. وكونه شهر الجوار والتحنث بحراء. ثالثا: كونه لإحدى وعشرين مضت من رمضان. بناء على أن حساب التقويم العلمي لذلك الشهر في تلك السنة لا يوافق يوم الاثنين إلا يوم السابع، والرابع عشر، والحادي والعشرين، والثامن والعشرين. ولأن ليلة القدر إنما تقع في الوتر من ليالي العشر من شهر رمضان، تعين كون ذلك يوم واحد وعشرين (٦).

стр. 64

وهذا جهد طيب ومنهج جيد في التحديد إلا أنه يرد عليه ما يأتي (١): أولا: أن كون ذلك يوم الاثنين لإحدى وعشرين مضت من شهر رمضان ليلا. يجعل تلك الليلة هي ليلة الثلاثاء اثنتين وعشرين فلا تصير بذلك من ليالي الوتر التي تتحرى بها ليلة القدر. (٢). ثانيا: أن الاستدلال بالآيات الثلاث في سور: البقرة، والدخان، والقدر. على ابتداء النزول ليس صريحا، وقد فسرت بأن المراد بها النزول جملة إلى السماء الدنيا. وهو ما يتفق مع الروايات الأخرى الواردة عن ابن عباس وغيره في ذلك. ثالثا: أن حمله تلك الآيات على ابتداء النزول يعني أن ليلة القدر صارت معروفة على وجه اليقين لأن معرفة ابتداء نزول القرآن ميسور للصحابة ﵃ لو تعلق به أمر تعيين ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر. ومعلوم أنها قد أخفيت عينها. فاختلف في تحديدها. وإذا سلم هذا الإيراد كان دليلا على نزول القرآن في غير شهر رمضان. وكان ترجيحا للقول بنزوله في شهر ربيع الأول إلا أن تكون ليلة تسع وعشرين على ما ذكر من الحساب. وقد رجح ابن حجر كون ابتداء النزول في رمضان فقال: "قلت: ورمضان هو الراجح لما تقدم من أنه الشهر الذي جاء فيه الرسول ﷺ حراء فجاءه الملك وعلى هذا يكون سنه حينئذ أربعين سنة وستة أشهر" (٣). كما رجح في موضع آخر أنه في آخر شهر رمضان ولم يحدده بتاريخ فقال: " .. فيستفاد من ذلك أن يكون آخر شهر رمضان، وهو قول آخر يضاف لما تقدم ولعله أرجحها" (٤). وجعل ابن حجر شهر رمضان زمانا لنزول القرآن جملة، ونزوله مفرقا أيضا، فقال عن حديث مدارسة جبريل ﵇ للرسول ﷺ للقرآن " .. وفيه إشارة إلى أن ابتداء نزول القرآن كان في شهر رمضان لأن نزوله إلى السماء الدنيا جملة واحدة كان في رمضان كما ثبت من حديث ابن عباس" (٥). وذكر ابن عرفة في تفسيره مثل هذا التوجيه بعد أن ساق بعض الأقوال في معنى قوله تعالى: ﴿أنزل فيه القرآن﴾ قال: "قال الضحاك: أنزل القرآن في فرضه وتعظيمه، والحض عليه. وقيل: الذي أنزل القرآن فيه. قال ابن عرفة: ولا يبعد أن يراد الأمران فيكون أنزل القرآن فيه تعظيما له وتشريفا .. وقيل: أنزل فيه القرآن جملة إلى سماء الدنيا. قال ابن عرفة فالقرآن على هذا الاسم للكل، وعلى القول الثاني: بأنه أنزل فيه بعضه يكون القرآن اسم جنس يصدق على القليل والكثير" (٦). وإلى مثل ذلك ذهب أبو شامة في تعليقه على ما نسب للشعبي من أن الله ابتدأ إنزال القرآن في ليلة القدر فقال: "هو إشارة إلى ابتداء إنزال القرآن على النبي صلى الله عليه

стр. 65

وسلم فإن ذلك كان وهو متحنث بحراء في شهر رمضان - ثم قال - وقد بينت ذلك في شرح حديث المبعث وغيره (١). وهذا وإن كان الأمر فيه كذلك إلا أن تفسير الآية به بعيد مع ما قد صح من الآثار عن ابن عباس: أنه نزل جملة إلى السماء الدنيا" (٢)، ففرق أبو شامة بهذا بين جعل رمضان شهر نزول القرآن والاستدلال له بالآيات. وقال في موضع آخر مبينا صلة شهر رمضان بالقرآن: " ... ويجوز أن يكون قوله: ﴿أنزل فيه القرآن﴾ إشارة إلى كل ذلك، وهو كونه أنزل جملة إلى السماء الدنيا، وأول نزوله إلى الأرض، وعرضه وإحكامه في شهر رمضان. فقويت ملابسة شهر رمضان للقرآن: إنزالا جملة وتفصيلا وعرضا وإحكاما فلم يكن شيء من الأزمان تحقق له من الظرفية للقرآن ما تحقق لشهر رمضان فلمجموع هذه المعاني قيل: ﴿أنزل فيه القرآن﴾ (٣). مقدار التنزيل: لقد ثبت نزول القرآن الكريم على الرسول ﷺ منجما مفرقا ابتداء أو حسب الحاجة والوقائع. وغالب القرآن الكريم نزل آيات مفرقات وبعضه نزل سورا كاملة، ونزلت سورتان من قصار السور معا هما المعوذتان. فأول ما نزل من القرآن الكريم الآيات الخمس الأولى من سورة العلق. وهي قوله تعالى: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ ﴿خلق الإنسان من علق﴾ ﴿اقرأ وربك الأكرم﴾ ﴿الذي علم بالقلم﴾ ﴿علم الإنسان ما لم يعلم﴾ ثم نزل باقيها بعد نزول سورة المدثر. كما نزلت الخمس الآيات الأولى من سورة الضحى إلى قوله: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ وصح نزول عشر آيات من قصة الإفك جملة واحدة من سورة النور. وصح كذلك نزول عشر آيات جملة من أول سورة المؤمنون. ونزلت آية ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ (المائدة: ٣) في عرفة في يوم جمعة. وصح نزول قوله ﴿غير أولي الضرر﴾ وحدها، وهي بعض آية. فقد أخرج البخاري من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: لما نزلت: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ (النساء: ٩٥) دعا رسول الله ﷺ زيدا فكتبها فجاء ابن أم مكتوم فشكا ضرارته: فأنزل الله: ﴿غير أولي الضرر﴾ (٤). وكذا قوله: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم﴾ (التوبة: ٢٨) نزلت بعد نزول أول الآية، فهي بعض آية (٥). وقد تنزل السورة كاملة ومن ذلك سورة الفاتحة، والإخلاص، والكوثر، والمسد، والنصر، والمرسلات، والصف .. وغيرها (٦).

стр. 66

وأما ما ورد من نزول سورة الأنعام جملة يشيعها سبعون ألف ملك. فلم يخل من خلاف. فقد قال ابن الصلاح في فتاويه: "الحديث الوارد في أنها نزلت جملة رويناه من طريق أبي بن كعب وفي إسناده ضعف، ولم نر له إسنادا صحيحا. وقد روي ما يخالفه فروي أنها لم تنزل جملة واحدة بل نزلت آيات منها بالمدينة اختلفوا في عددها، فقيل ثلاث، وقيل: ست، وقيل غير ذلك (١). وقد قال ابن عقيلة المكي في توجيه هذا الاعتراض. بأن نزول غالبها في حكم نزولها كلها. قال: "أقول: من قال: إن السورة نزلت كلها فإنما يعني - والله أعلم- الغالب، ولا يضر أن ينزل بعضها بعد ذلك وتمامها، فإن القرآن غالبه إنما ينزل مفرقا آيات. ومثل هذه السورة العظيمة إذا نزل غالبها فيحكم لها بالكل، فإنه نادر الوقوع" (٢). وقد نزلت سورتا المعوذتين معا بسبب سحر لبيد بن الأعصم اليهودي لرسول الله ﷺ فأنزل الله جل شأنه المعوذتين فقرأهما وتعوذ بهما فانحل السحر (٣). فتبين مما سبق أن القرآن نزل مفرقا: الآية، والآيتان، والخمس، والعشر، وأقل وأكثر. كما نزل جزء الآية. ونزلت سورة كاملة، ونزلت سورتا المعوذتين معا. ولا شك أن هذه المتابعة الدقيقة من قبل العلماء لجزئيات نزول القرآن الكريم في وقته، وصفته، ومقداره، ويوم إنزاله، وشهره، وكون ذلك ليلا ونهارا، حضرا وسفرا؛ دليل عناية الأمة البالغة بالقرآن الكريم التي ميز الله بها كتابه فصارت من خصائصه التي تفرد بها، وجعلها الله وسيلة حفظ كتابه الذي تكفل به في قوله سبحانه: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: ٩]. كما كان الرسول ﷺ يتلقى القرآن من جبريل فيحفظه ولا ينساه ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ فيبلغه أصحابه، ويحفظهم إياه، ويأمرهم بكتابته. فتوفر للقرآن الكريم بالغ العناية به، وكامل وسائل حفظه، والمحافظة عليه. وتلك نعمة ومنة من الله تعالى على الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ولا يشكرون (٤). ثالثا: - مراحل جمع القرآن الكريم وترتيبه المراد بجمع القرآن عند العلماء أحد معنيين: أولهما الحفظ، وهذا المعنى هو الذي ورد في قوله في خطابه لنبيه ﷺ «لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه» (٥). وثانيهما: الكتابة والتدوين، أي كتابة القرآن كله مفرق الآيات والسور، أو مرتب الآيات والسور في صحائف مجتمعة تضم السور جميعا (٦).

стр. 67

وقد اجتمع للقرآن الكريم ما لم يجتمع لغيره من الكتب السابقة فاعتمد في طريقة نقله المشافهة والحفظ والكتابة والتدوين، وتعتبر مسألة المشافهة والحفظ وهي أولى مراحل الجمع، من أعظم خصيصة شرفت بها الأمة الإسلامية دون سائر الملل والنحل. جمع القرآن في عهد النبي ﷺ . اعتبرت طريقة الحفظ (١) والمشافهة الوسيلة الوحيدة التي اعتمد عليها في جمع القرآن الكريم في العهد النبوي، فالقرآن الكريم لما نزل بروعة نظمه ونقاء ألفاظه وشدة تأثيره على العقول والمشاعر اشتد اهتمام العرب به، وخاصة الذين كانوا من السابقين إلى الإيمان به، وكانوا يترقبون كل جديد ينزل به الوحي يجمعون بين حفظه والعمل به، وهكذا اهتم جم غفير من الصحابة كالخلفاء الأربعة ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت ... بجمع القرآن الكريم وحفظه، وكان النبي ﷺ كلما نزل عليه شيء من الوحي أمر كتبة الوحي بكتابته فورا، سماعا من فمه ثم ينتشر ما نزل بين الناس، فكانت العلاقة بين المسلمين وكتاب ربهم هي الحفظ استنادا لما سمعوه من في رسول الله ﷺ ، وهذه خصيصة خص الله بها الأمة المحمدية. قال بن الجزري: «إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على خط المصاحف والكتب أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة» (٢). ومع حرص الصحابة على مدارسة القرآن واستظهاره، فإن رسول الله ﷺ كان يشجعهم على ذلك، ويختار لهم من يعلمهم القرآن، عن عبادة بن الصامت قال: «كان الرجل إذا هاجر دفعه النبي ﷺ إلى رجل منا يعلمه القرآن، وكان يسمع لمسجد رسول الله ﷺ ضجة بتلاوة القرآن، حتى أمرهم رسول الله ﷺ أن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا» (٣). وكان الصحابة يعرضون على رسول الله ﷺ ما لديهم من القرآن حفظا وكتابة، ولم تكن الوثائق (٤) التي كتبوها في العهد النبوي مجتمعة في مصحف عام بل عند هذا ما ليس عند ذاك، وهذا يعزى إلى اختلاف قراءات الصحابة لكون القرآن أنزل على سبعة أحرف. وقبض النبي ﵊ والقرآن محفوظ في الصدور ومكتوب في الصحف، مفرق الآيات والسور، أو مرتب الآيات فقط وكل سورة في صحيفة على حدة، بالأحرف السبعة الواردة، ولم يجمع في مصحف عام، حيث كان القرآن ينزل فيحفظه القراء ويكتبه الكتبه، ولم تدع الحاجة إلى تدوينه في مصحف واحد، لأنه ﵊ كان يترقب نزول الوحي من حين لآخر، وقد يكون منه الناسخ لشيء نزل من قبل، وكتابة القرآن لم يكن ترتيبها بترتيب النزول بل تكتب الآية بعد نزولها حيث يشير ﷺ إلى موضع كتابتها بين آية كذا وآية كذا في سورة كذا قال الزركشي: «وإنما لم يكتب في عهد النبي ﷺ مصحف لئلا يقضي إلى تغييره في كل وقت، فلهذا تأخرت كتابته إلى أن كمل نزول القرآن

стр. 68

بموته ﷺ » (١)، وبهذا يفسر ما روي عن زيد بن ثابت قال: «قبض النبي ﷺ ولم يكن القرآن جمع في شيء» (٢). وقال الخطابي: " إنما لم يجمع ﷺ القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك، وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة (٣) فكان ابتداء ذلك على يد الصديق بمشورة عمر " (٤). خلاصة القول أن الهدف من الجمع الأول كان هو حفظ القرآن واستظهاره خشية أن يفلت منه شيء، قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق ﵁ - بعد وفاة النبي ﷺ واستقرار نصوص الوحي دعت الضرورة إلى كتابة القرآن الكريم وترتيبه بمحضر من حفظته لاسيما بعد استشهاد كثير من حملته وظهور حركة الردة من جهة، ومن جهة أخرى دخول الناس في دين الله أفواجا وهم لا يعرفون من القرآن شيئا. وبعد أن استحر القتل بالقراء في معركة اليمامة وخشية أن يضيع القرآن أو يلتبس الأمر على المسلمين في شأن من آياته أشار عمر بن الخطاب ﵁ على الخليفة أبو بكر الصديق بجمع القرآن وكتابته خشية الضياع، فتردد أبو بكر في قبول ذلك خشية أن يفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ وبعد تردد شرح الله صدره لذلك، فكلف زيد بن ثابت -وهو ممن شهد العرضة الأخيرة مع النبي ﷺ بجمع القرآن ولا يخفى ما في هذا التكليف من مشقة قال زيد " والله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان علي أتقل مما أمرت به من جمع القرآن " (٥). ويتجلى جمع أبي بكر في جمع الوثائق التي كتبها كتبة الوحي في حضرة رسول الله، بمعنى تنسيق وثائق كل سورة مرتبة آياتها على نسق نزولها، ولا معنى لهذا الجمع الاما تم ذكره، وإطلاق وصف المصحف عليه إطلاق مجازي القصد منه أن يكون مرجعا موثوقا به عند اختلاف الحفاظ. ومما يجب التنبيه إليه أن الجمع في هذه المرحلة لم يضف شيئا أو يحذفه من تلك الوثائق الخطية التي تم تدوينها في حياة النبي ﷺ وإملاء منه على كتبة وحيه الأمناء الصادقين. وكان عمل الصديق ﵁ محل إكبار الصحابة كما قال علي بن أبي طالب ﵁ " أعظم الناس في المصاحف أجراً أبو بكر رحمة الله على أبي بكر هو أول من جمع كتاب الله " (٦).

стр. 69

جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان ﵁ . في عهد الخليفة عثمان بن عفان ﵁ اتسعت رقعة الدولة الإسلامية وامتد سلطانها واختلطت شعوبها، وتداخلت لغاتها وأخذ كل إقليم يلتفت حول صحابي ليعلمه القرآن، فكان من الطبيعي أن تتعدد القراءات وتتباعد اللهجات ويقع الاختلاف في القرآن خاصة في وجود مصاحف الصحابة التي لم يمكن ترتيبها وضبط تلاوتها ورسمها لتباعد الأمصار الإسلامية عن المدينة، وخشي بعض الصحابة أن تتسع دائرة الخلاف فطلبوا من الخليفة أن يوحد الناس على مصحف واحد قال حذيفة ابن اليمان لعثمان: " يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى " (١). فأدرك عثمان عظم الأمر وقال للصحابة، اجتمعوا يا أصحاب محمد واكتبوا للناس إماما. فأرسل إلى حفصة أن إرسل إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأمر طائفة من الصحابة (كزيد بن ثابت، عبد الله بن الزبير، سعيد بن العاص ... ) فنسخوها في المصاحف وقام عثمان بإرسال نسخ منها إلى كل الأمصار (٢). واتفق الصحابة ﵃ على هذا العمل وعدوه من مفاخر عثمان وحسناته، من ذلك قول الإمام علي ﵁ " لا تقولوا في عثمان إلا خيرا فو الله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا على ملإ منا " (٣). وكان هدف عثمان من هذا الجمع هو توحيد الأمة على القراءات الصحيحة التي قرأها النبي ﵊ في العرضة الأخيرة على جبريل، وهذا ما يؤكده الباقلاني من أن ما قصد عثمان هو جمع المسلمين على القراءات الثابتة المعروفة وإلغاء ما ليس كذلك وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير (٤). وهكذا عمل الخليفة عثمان على " حمل الناس على القراءة بوجه واحد، على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار، لما خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات " (٥). وبهذا قطع عثمان دائرة الفتنة وحسم مصدر الاختلاف، وحض القرآن من أن يتطرق إليه شيء من الزيادة والتحريف على مر العصور وتعاقب الأزمان. رابعا: - المكي والمدني للعلماء في معنى المكي والمدني ثلاثة اصطلاحات (٦): الاصطلاح الأول: باعتبار المكان: إن المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة، والمدني ما نزل بالمدينة، ويرد على هذا التعريف أنه غير ضابط ولا حاصر، لأنه يشمل ما نزل بغير مكة والمدينة وضواحيها، كقوله

стр. 70

تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاتَّبَعُوك ... َ﴾ [التوبة: ٤٢]، فإنها نزلت بتبوك، وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا ... ﴾ [الزخرف: ٤٥]، نزلت ببيت المقدس ليلة الإسراء. الاصطلاح الثاني: باعتبار المخاطب: أن المكي ما وقع خطاباً لأهل مكة، والمدني ما وقع خطاباً لأهل المدينة، ويحمل على هذا ما نقل عن ابن مسعود أنه قال: "ما كان في القرآن (يا أيها الذين آمنوا) أنزل بالمدينة أي مدني، وما كان من القرآن بلفظ (يا أيها الناس) و (يا بني آدم) فهو مكي، وذلك أن الإيمان كان غالباً على أهل المدينة، فخوطبوا بيا أيها الذين آمنوا، وكذلك خطاب الكافرين بيا أيها الناس، لأن الكفر كان غالباً على أهل مكة. وهذا التقسيم لوحظ فيه المخاطبون، لكنه غير ضابط ولا حاصر لجميع آيات القرآن الكريم لأمرين: - الأمر الأول: إنه يوجد آيات مدنية صُدِّرت بصيغة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ مثل ما جاء في سورة النساء التي اتفق على أنها مدنية، ولكنها تبدأ بـ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [النساء: ١]، وكذلك هناك آيات مكية صدرت بصيغة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ١]، وكذلك سورة البقرة مدنية وفيها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ... ﴾ [البقرة: ٢١]، وأيضاً ما جاء في سورة الحج المكية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا ... ﴾ [الحج: ٧٧]. الأمر الثاني: يوجد سور كثيرة في القرآن الكريم ليس فيها الخطاب بـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ و ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ فعلى هذا الاعتبار فهي غير مكية ولا مدنية، مثال قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ... ﴾ [الأحزاب: ١]، وقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقين: ١]. وعلى هذا فإن هذا التقسيم غير ضابط ولا حاصر. الاصطلاح الثالث: باعتبار زمن النزول: وهو ما عليه جمهور العلماء أن المكي ما نزل قبل هجرة الرسول? إلى المدينة، وإن كان نزوله بغير مكة، والمدني ما نزل بعد الهجرة وإن كان نزوله بمكة. وهذا التقسيم كما ترى لوحظ فيه زمن النزول، هو تقسيم صحيح سليم لأنه ضابط حاصر لجميع آيات القرآن الكريم. الطريق إلى معرفة المكي والمدني: لقد اعتمد العلماء في معرفة المكي والمدني على منهجين هما: - المنهج الأول: السماعي النقلي: العمدة في معرفة المكي والمدني النقل الصحيح عن الصحابة ﵃ الذين شاهدوا أحوال الوحي والتنزيل، والتابعين الآخذين عنهم، ولم يرد عن النبي? في ذلك قول، ويؤيد ذلك ما نقله السيوطي عن القاضي أبي بكر في الانتصار حيث قال: "إنما يُرجع في معرفة المكي والمدني إلى حفظ الصحابة والتابعين ولم يرد عن النبي? في ذلك قول، لأنه لم يؤمر به، ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة وإن وجب في بعض أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ، وقد يعرف ذلك بغير نص عن الرسول? " (١).

стр. 71

وقد اشتهر بمعرفة المكي والمدني من الصحابة ﵃ عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: "والله الذي لا إله غيره ما نزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، ولا نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم أنزلت، ولو أعلم أحداً أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه" (١). المنهج الثاني: القياس الاجتهادي: عرفنا فيما مضى أن مرد العلم بالمكي والمدني هو السماع عن طريق الصحابة والتابعين، ولكن هناك علامات وضوابط ومميزات وضعها العلماء يُعرف بها المكي والمدني هي: - أولاً: ضوابط القرآن المكي هي (٢): ١ - كل سورة فيها لفظ (كلا) وقد ذكر هذا اللفظ في القرآن ثلاثاً وثلاثين مرة في خمس عشرة سورة، كلها في النصف الأخير من القرآن، قال العماني: "وحكمة ذلك إن نصف القرآن الأخير نزل أكثره بمكة وأكثرها جبابرة، فتكررت فيه على وجه التهديد والتعنيف لهم والإنكار عليهم، بخلال النصف الأول، وما نزل منه في اليهود لم يحتج إلى إيرادها فيه، لذلتهم وضعفهم" (٣). ٢ - كل سورة في أولها حرف تهجي غير سورة البقرة وآل عمران فهما مدنيتان. ٣ - كل سورة فيها سجدة أو مبدوءة بقسم. ٤ - كل سورة فيها تفصيل لقصص الأنبياء وللأمم الغابرة فهي مكية سوى البقرة، وفيها ذكر - تعالى - تلك القصص لأخذ العبرة والعظة بسنته - تعالى - في هلاك أهل الكفر والطغيان وانتصار أهل الإيمان. ٥ - كل سورة فيها قصة آدم وإبليس فهي مكية سوى البقرة. ثانياً: مميزات القرآن المكي: ١ - الدعوة إلى أصول الإيمان الاعتقادية من الإيمان بالله واليوم الآخر وما فيه من البعث والحشر والجزاء، والإيمان بالرسالة، وذلك لأن أهل مكة كانوا منغمسين في الشرك والوثنية، كذلك ناقشهم بالأدلة العقلية والكونية في عقائدهم الضالة. ٢ - محاجة المشركين ومجادلتهم وإقامة الحجة عليهم في بطلان عبادتهم للأصنام، وبيان أنها لا تنفع ولا تضر. ٣ - إنه تحدث عن عاداتهم القبيحة، كالقتل وسفك الدماء، ووأد البنات واستباحة الأعراض، وأكل مال اليتيم، للفت أنظارهم إلى ما في ذلك من أخطار. ٤ - الدعوة إلى أصول التشريعات العامة والآداب والعقائد الثابتة التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان، ولا سيما التي يتعلق منها بحفظ الدين والنفس والمال والعقل والنسب، وأيضاً أمرهم بالصدق والعفاف وبر الوالدين وصلة الرحم والعفو والعدل وغير ذلك.

стр. 72

٥ - قصر أكثر آياته وسوره، فقد سلك مع أهل مكة سبيل الإيجاز في خطابه لهم، وذلك لأنهم كانوا أهل البلاغة والبيان، صناعتهم الكلام، فيناسبهم الإيجاز والإقلال دون الإسهاب والإطناب. ثالثاً: ضوابط القرآن المدني: ١ - تتميز الآيات المدنية بذكر وبيان الحدود والفرائض، وذلك لأنها شرعت بعد إقامة المجتمع الإسلامي. ٢ - كل سورة فيها إذن بالجهاد وبيان لأحكام الجهاد والصلح والمعاهدات فهي مدنية سوى سورة الحج. ٣ - كل سورة فيها ذكر المنافقين فهي مدنية ما عدا سورة العنكبوت مكية الآيات الإحدى عشرة الأولى، وذلك لأن ظاهرة النفاق بدت تظهر في المدينة. رابعا: - مميزان القرآن المدني (١): وللسور المدنية مميزات، منها: ١ - التحدث عن دقائق التشريع، وتفاصيل الأحكام في العبادات والمعاملات كأحكام الصلاة والصيام والزكاة ... وكذلك البيوع والربا والسرقة والكفارات كما في سورة البقرة والنساء والمائدة والنور، وذلك أن حياة المسلمين بدأت تستقر وأصبح لهم كيان ودولة وسلطان. ٢ - محاجة أهل الكتاب وبيان ضلالهم في عقائدهم، وبيان تحريفهم لكتب الله وهذا ما توضحه سورة البقرة والمائدة والفتح. ٣ - تمتاز آيات القرآن المدني بطول المقاطع، وذلك لأنها تتحدث عن التشريعات ومخاطبة أهل الكتاب. فوائد معرفة المكي والمدني (٢): ١ - معرفة المكي والمدني يساعد على تمييز الناسخ من المنسوخ فيما لو وردت آيتان متعارضتان وإحداهما مكية والأخرى مدنية، فإننا نحكم بنسخ المدنية للمكية لتأخرها عنها. ٢ - أنه يعين على معرفة تاريخ التشريع، والوقوف على سنة الله الحكيمة في تشريعه، وهي التدرج في التشريعات بتقديم الأصول على الفروع والإجمال في التفصيل، وبذلك يترتب عليه الإيمان بسمو السياسة الإسلامية في تربية الشعوب والأفراد. ٣ - معرفة هذا العلم يزيد الثقة بهذا القرآن العظيم، وبوصوله إلينا سالماً من التغيير والتحريف، ويدل على ذلك اهتمام المسلمين بهذا العلم عن طريق تناقلهم لهم وما نزل من قبل الهجرة وبعدها في السفر والحضر وفي الليل والنهار. ٤ - معرفة هذا العلم يفيد ويساعد على تفسير القرآن الكريم، فإن معرفة مكان النزول وزمنه يعين على فهم وتفسير القرآن العظيم. ٥ - أيضاً يفيدنا في معرفة أحداث السيرة النبوية من خلال متابعة أحوال النبي? وموقف المشركين من دعوته في العصر المكي والعصر المدني، والوقوف على الغزوات التي غزاها الرسول? كغزوة بدر وأحد وبني قريظة والفتح وحنين وغير ذلك.

стр. 73

٦ - تذوق أساليب القرآن المتنوعة في خطابه لخصومه والاستفادة منها في الدعوة إلى الله، فمخاطبة الكفار يحتاج إلى الأسلوب الخطابي في العهد المكي عن طريق التركيز على إثبات وجود الله والبعث والعقيدة، ومخاطبة أهل الكتاب والمنافقين يحتاج إلى أسلوب الخطابة في العهد المدني عن طرق مناقشتهم في عقيدتهم المنحرفة وبيان التحريف في كتبهم. خامسا: - أسباب النزول إن سبب النزول هو ما نزلت الآية أو الآيات متحدثة عنه، أو مبينة لحكمةٍ أيام وقوعه (١)، والمعنى أنه حادثة وقعت في زمن النبي? أو سؤال وجه إليه فنزلت الآية أو الآيات من الله - تعالى - ببيان ما يتصل بتلك الحادثة أو بجواب هذا السؤال. وذلك مثل حادثة خولة بنت ثعلبة، التي ظاهر منها زوجها "أوس بن الصامت" فنزلت آيات الظهار: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ*الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ * وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ١ - ٤]. ومثل ما حدث بين الأوس والخزرج من خصومة، بسبب تأليب أحد اليهود العداوة بينهما، فقد نزل بحقها قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٠ - ١٠٣]. ومثل ما نزل إجابة لسؤال وجه إلى النبي? قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٨٥]، وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً﴾ [الكهف: ٨٣]، وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [البقرة: ١٨٥]. ومثل ما نزل إرشاداً وهداية وتعليماً للرسول? كما في قوله تعالى ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، والأمثلة كثيرة على ذلك. وعندما نقول بأن سبب النزول هو ما نزلت الآية أو الآيات متحدثةً عنه أو مبينةً لحكمه أيام وقوعه، فذا يعني أن هناك ارتباطا بين وقوع الحدث والآية التي نزلت مبينة لحكم هذا أو هذه الحال، هذا احترز به عمَّا شاع وذاع عند بعض المفسرين حينما يذكرون مثلاً سورة الفيل نزلت قصة الفيل هل هناك ارتباط بين الحادثة والآيات؟ الجواب: لا، نقول: سبب النزول أن تكون الآية نزلت مبينةً لحكم الحادثة، وهذه الحادثة سبقت بزمنٍ يسير نزول الآيات حينئذٍ لا بد من ارتباطٍ بين الآيات وبين الواقع، فإذا كانت الواقعة قد خلا عليها الدهر كقصة أصحاب الفيل

стр. 74

ثم نزل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١]. لا نقول: هذه الآيات أو هذه السورة سبب نزولها ماذا؟ قصة أصحاب الفيل نقول: لا، قصة أصحاب الفيل تضمنت السورة بيانًا لحادثةٍ قد وقعت ومضى عليها الزمان الطويل حينئذٍ ليس ثم ارتباط بين السورة وبين هذه القصة، إذًا ما نزلت الآية أو الآيات متحدثةً عنه أو مبينةً لحكمه أيام وقوعه هذا فيه ردٌ على كل من وضع أمام قصةٍ من قصص الأنبياء أو سورةٍ تضمنت حادثة سابقة ربطها بماذا؟ بتلك الحادثة نقول: لا، جاءت هذه الآيات مبينة لحادثةٍ واقعةٍ في زمنٍ قد مضى، تحدثت كما تتحدث الآيات عن نوحٍ مع قومه، أو عن هودٍ مع قومه، أو عن صالحٍ، أو شعيب مع قومه هل نزلت هذه الآيات بسبب قوم نوح؟ لا، سورة نوح نقول: نزلت بسبب قوم نوح؟ الجواب: لا، وإنما تضمنت حادثة وواقعة وحكايةً لحالة أممٍ قد خلت في هذه السورة وليس ثَمَّ ارتباط من حيث النزول، يعني لم يكن سبب نزول الآيات هو تلك الحادثة (١). طريق معرفة سبب النزول (٢): لا طريق لمعرفة أسباب النزول إلا النقل الصحيح، ولا مجال للعقل فيه إلا بالتمحيص والترجيح، قال الواحدي: "لا يحل القول في أسباب نزول القرآن بالرواية والسماع، إلا ممن شاهدوا التنزيل، ووقفوا على الأسباب وبحثوا عن عللها" (٣). وعلى هذا فإن رُوي سبب النزول عن صحابي فهو مقبول، وإن لم يعزز برواية أخرى، لأن قول الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه حكمه المرفوع إلى النبي. وأما ما روي من سبب النزول بحديث مرسل، أي سقط من سنده الصحابي وانتهى إلى التابعي، ففي حكمه قولان: الأول: تقبل بأربعة شروط: ١ - التصريح بالسبب. ٢ - صحة الإسناد. ٣ - أن يكون من أئمة التفسير الذين أخذوا عن الصحابة. ٤ - أن يعتضد برواية تابعي آخر تتوفر فيه هذه الشروط. وهو قول السيوطي وجماعة. الثاني: لا تُقبل لأنها في حكم الحديث المرفوع وهو مرسل من التابعي، والمرسل لون من ألوان الحديث الضعيف وبالتالي فهو غير مقبول، والله أعلم. إذن لاتقبل رواية التابعي إلا إذا صح سنده، واعتضد بمرسل آخر، وكان الراوي له من أئمة التفسير الآخذين عن الصحابة مباشرة كمجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير. أقسام أسباب النزول: ينقسم القرآن الكريم من حيث سبب النزول وعدمه إلى قسمين: القسم الأول: قسم نزل من الله ابتداء غير مرتبط بسبب من الأسباب الخاصة إنما هو لمحض هداية الخلق إلى الحق، وإرشادهم على الأفضل في هذه الحياة، وهو كثير ظاهر في القرآن الكريم. القسم الثاني: قسم نزل مرتبطاً بسبب من الأسباب الخاصة وهو موضوع البحث، وهو كثير في القرآن الكريم، مثل حديث الإفك، أو إجابة عن سؤال، أو بيان لأمر يتعلق بحادثة معينة (٤).

стр. 75

فوائد معرفة سبب النزول (١): ١ - الاستعانة على فهم الآية وإزالة الإشكال عنها: مثاله: أنه أشكل على عروة بن الزبير ﵄ أن يفهم فريضة السعي بين الصفا والمروة من قوله ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وذلك لأن الآية نفت الجُناح، ونفي الجناح لا يدل على الفرضية، حتى سأل خالته السيدة عائشة ﵂ عن ذلك، فأفهمته أن نفي الجُناح ليس نفياً للفرضية، إنما هو نفي لما وقر في أذهان المسلمين يومئذٍ من التحرج والتأثم من السعي بين الصفا والمروة؛ لأنه من عمل الجاهلية (٢). وقد اختلف أهل التفسير في سبب نزول هذه الآية على أقوال (٣): أحدها: قالت: عائشة-﵂: "أنزلت هذه الآية في الأنصار، كانوا يهلون لمناة، وكانت مناة حذو قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية" (٤). الثاني: قال الشعبي: "أن وَثَنًا كان في الجاهلية على الصفا يسمى (إسافًا)، ووثنًا على المرْوة يسمى (نائلة)، فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بالبيت مَسحوا الوثَنين. فلما جاء الإسلام وكُسرت الأوثان، قال المسلمون: إنّ الصفا والمرْوة إنما كانَ يُطاف بهما من أجل الوَثنين، وليس الطواف بهما من الشعائر! قال: فأنزل الله: إنهما من الشعائر، " فمن حَجّ البيتَ أو اعتمر فلا جُناحَ عليه أن يطوّف بهما " (٥). وروي عن عامر (٦)، ويزيد (٧)، وأنس بن مالك (٨)، وابن عمر (٩)، ومجاهد (١٠)، وابن زيد (١١)، نحو ذلك.
следующие страницы →