أما ادعاء الشيخ مخالفتي الحافظ ابن حجر في حَدِيث سعد، فهو ادعاء باطل، لأن ابن حجر لم يصحح إسناده بل ضَعَّفَه، وإنَّما صحح متن الحديث للشاهد الذي ذكره من حَدِيث أَبِي أمامة وليس فيه التسبيح بالحصى الذي يصححه الشيخ فبقي هذا القدر منه على ضعفه وقد سبق تفصيل القول في ذلك فلا داعي للاطالة فيه، والقصد التنبيه فقط، فأين مخالفتهم للحافظ ابن حجر المزعومة؟ ! .
وأمَّا مخالفتي لتحسين الترمذي فالجواب من وجهين:
الأول: أَنَّهُ لا بأس علي إِذَا خالفت الترمذي في شيء من تحسيناته بل في شيء من تصحيحاته، ذلك لأن الترمذي معروف عند العلماء. بتساهله في ذلك حَتَّى قَالَ الحافظ الذهبي:
"فلهذا لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي".
وهذا الذي قَالَ الذهبي يلمسه الباحث في أقوال العلماء حول الأحاديث التي اختلفوا فيها، وقد سبق أن ذكرت في مقالاتي "الأحاديث الضعيفة والموضوعة" أحاديث كثيرة حسنها أو صححها الترمذي وهي عند العلماء ضعيفة لثبوت ما يخدج في ثبوتها عندهم وقد خفي ذلك على الترمذي ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾.
فمخالفتي إياه إذن إن ثبتت لا شيء فيها إلَّا عند من يعرف الحق بالرجال! على خلاف ما هو مقرر عند العلماء أن الرجال أعرف بالحق، فاعرف الحق تعرف الرجال.
الثاني: أن اتهام الشيخ إياي بمخالفتي لتحسين الترمذي إنما يصح لو كان الترمذي يعني بقوله: "حَدِيث حسن" أن إسناده حسن لذاته، ودون إثبات هذا خرط القتاد، فإن الترمذي قد عرف الحديث الذي يقول فيه "حَدِيث حسن" في خاتمة كتابه "السنن" بما خلاصته أن إسناده غير حسن لذاته عنده، وإنَّما
стр. 37
حسن عنده بمجيئه من وجه آخر (١). ونص كلامه في ذلك قد نقله حضرة الشيخ من بعض تعليقاتي في الصفحة (١٩) من رسالته، فليعد النظر إليه حضرته إنّ شاء ليتأكد مِمَّا نقوله، وليظهر له جيدًا أَنَّهُ سريع الاتهام، جريء عليه بدون حق! .
فإذا تبين هذا للقارئ الكريم يظهر له أن الترمذي متفق معي على أن الحديث إسناده ضعيف، وإنَّما يبقى النظر في مراد الترمذي بقوله: "حَدِيث حسن" هل يريد أَنَّهُ حسن من جميع معانيه والأحكام التي وردت فيه في أم يريد بعض ذلك، فإن أراد هذا الثاني فلا اختلاف بيني وبينه أيضًا مطلقًا لأنني أقول بصحة الحديث فيما عدا التسبيح بالحصى كما سبق ذكره مرارًا، وهذا هو الراجح عندي؛ لأن الترمذي أورد الحديث في "باب في دعاء النَّبِيّ ﷺ وتعوذه في دبر كلّ صلاة" ولو أَنَّهُ أراد الأول لعقد له بابا آخر، كما فعل بعض المتأخرين مثل "باب جواز عد التسبيح بالنوى ونحوه" أو على الأقل لأورده في "باب مَا جَاءَ في عقد التسبيح باليد" الذي عقده في سننه ولأشار إليه في الباب بقوله:
"وعده بالنوى ونحوه" كما فعل ذلك البعض المشار إليه آنفًا، ولكنه لم يفعل شيئًا من هذا مطلقًا، وإنَّما اقتصر على إيراده في الباب السابق وأنا غير مخالف له في ذلك كما تقدم، فمن زعم أن التسبيح بالحصى ثابت عند الترمذي فعليه الدليل، وَلَا يَجوز أن يتمسك بقوله: "حَدِيث حسن" عند النزاع، لاحتمال أَنَّهُ لا يريد بذلك
стр. 38
الحديث بتمامه وإنَّما القدر المتعلق منه بالباب لما سبق بيانه، ويؤيده أيضًا قول الترمذي في تمام تعريفه للحديث الحسن عنده:
وروى من غير وجه نحو ذلك، فهو عندنا حَدِيث حسن".
فقوله: "نحو ذلك" كالنص على أنَّه لا يريد أَنَّهُ موافق له من جميع معانيه وإلا لقال "مثل ذلك"، والفرق بين العبارتين لا يخفى على عالم، لا سيما إِذَا كان له اطلاع على هذا العلم الشريف.
فسقط بهذا التحقيق ما ادعاه الشيخ من مخالفتي لتحسين الترمذي وتصحيح الحافظ ابن حجر الحديث سعد، وثبت أن كلًا منها قد سبقني إِلَى القول بضعف سند الحديث، الأول تلويحًا، والآخر تصريحًا، وأن تحسين الأول منها وتصحيح الآخر له إنَّما أرادا متن الحديث في الجملة لا السند، وأني غير مخالف لما في ذلك، وأن ذكر النوى أو الحصى فيه ضعيف، لعدم ورود ما يشهد له، إلَّا حَدِيث صفية وهو منكر كما سبق بيانه عند الكلام على الحديث الأول: "نعم المذكر السبحة" ونزيده بيانا هنا فنقول:
الحديث الثالث
ثم قَالَ فضيلة الشيخ (ص ٢٣ - ٢٤):
"ثم قلتَ ما لفظه: الثاني عن صفية قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ وبين يدي أربعة آلاف نواة أسبح بهن فقال: يا بنت حيي ما هذا؟ قلت: أسبح بهن، قَالَ: قد سبحت منذ قمتُ على رأسك أكثر من هذا .... قولي: سبحان الله عدد ما خلق الله من شيء. أخرجه الترمذي (١)، والحاكم من طريق هاشم
стр. 39
ابن سعيد عن كنانة مولى صفية عنها، وضعفه الترمذي بقوله: (هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث هاشم بن سعيد الكوفي وليس إسناده بمعروف، وفي الباب عن ابن عباس، وأما الحاكم فقال: صحيح الاسناد ووافقه الذهبي إلخ. اهـ.
أقول: الجواب عن هذا التغريب من الترمذي الذي ظاهرة التضعيف أن الحافظ بن حجر (١) قال في تخريج الأذكار كما في شرح ابن علان (ص ٤٥) (٢) بعد تخريبه من طريق الطبراني "حديث حسن" وأخرجه الترمذي عن محمد بن بشار بن بندار (٣) عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن هاشم بن سعيد عن كنانة عن صفية ﵂ وهو مدني روى عنه خمسة أنفس وذكره ابن حبان في الثقات اهـ.
فهل يبقى لك شيء تتشبث به بعد اطلاع الحافظ على طريق له آخر وتحسينه من أجلها لا من أجل طريق الترمذي؟ .
стр. 40
قلت هذا اعتراف من الشيخ بضعف إسناد الترمذي في الحديث فكفانا بذلك مؤنة البحث فيه مرة أخرى، كما أغنانا عن الجواب عما نقله عن الحافظ حول "كنانة مولي صفية" مما يوهم أن كنانة ثقة عند الحافظ وليس كذلك، بل هو مقبول عنده كما ذكرته أنا فما سبق وحضرة الشيخ في رسالته (ص ٢٦)؛ فإن كان يفهم من هذه الكلمة "مقبول" أي "ثقة" أو نحو ذلك فهو مخطىء قطعًا، ولكننا لا نناقشه فيه ولا فيما سود به الصفحة (٢٥) من رسالته من الكلام حول ما نقلته عن الحافظ من تضعيف هاشم بن سعيد, أقول لا أناقشه في كل هذا الآن لأنه لا طائل منه بعد اعتراف الشيخ بضعف إسناد الحديث الذي ضعفته أنا تبعًا للترمذي فلتنظر إذن في الطريق الأخرى التي من أجلها حسن الحافظ ابن حجر هذا الحديث.
قال الشيخ (ص ٢٥) عقب ما نقلته عنه آنفًا من كلام الحافظ:
"ثم خرجه من رواية خديج (١) بن معاوية عن كنانة عن صفية بنحوه وقال فيه "وكان فيه (الأصل: "فيه وكان"! ) أربعة آلاف نواة إذا صلت الغداة أتيت بهن فسبحت بعد ذلك، قال: وأخرجه في الدعاء من وجه آخر عن صفية، وبقية رجال الترمذي من رجال الصحيج كما في شرح الأذكار لابن علان (ص ٤٥) (٢).
قلت: في كلام الحافظ هذا فائدتان:
الأولى: أن حُدَيج بن معاوية قد تابع هاشم بن سعيد الضعيف، فزالت شبهة
стр. 41
تفرده، أقول: لكن بقيت فيه العلة الأخرى وهي "كنانة" وقد عرفت حاله مما كنا أوردناه من أقوال العلماء عند الكلام على هذا الحديث في صدد بيان وضع حديث " نعم المذكر السبحة" فراجعه إن شئت.
الثانية: أن للحديث طريقا آخر عن صفية.
وهذه الفائدة هي التي تمسك بها الشيخ حين تبجح بقوله السابق:
"فهل يبقى شيء نتشبث به .... الخ"
وجوابًا على هذا أقول:
نعم لا زلت متمسكًا بما ذهبت إليه من تضعيف إسناد الحديث؛ لان الحجة على ضعفه لا تزال قائمة، ولا يجوز تركها والإعراض عنها لمجرد وهم متوهم! وما نقلته أنت عن الحافظ ابن حجر لا يفيد أكثر من أن الحديث حسن لغيره، وقد بينا لك الفرق بين كون الحديث حسنًا لذاته، وبين كونه حسنًا لغيره فيما مضى من الكلام على حديث سعد فلا نعيد القول فيه، كما أنني ذكرت مرارًا أنني لا أنكر فضل الذكر الوارد في الحديث لوروده في حديث جويرية في صحيح مسلم، وإنما أنكرت ولا أزال أنكر عد الذكر بالحصى أو النوى لعدم ثبوته في الحديث، ولمخالفته أيضًا للسنة الثابتة عنه ﷺ من العقد بالأنامل، وهذه الطريق الأخرى التي ذكرها الحافظ لم يذكر أنه وقع فيها ذكر الحصى أو النوي، فيحتمل أن يكون ذلك فيه، ويحتمل خلافه، ومعلوم أن الاحتمال مسقط للاستدلال في موارد النزاع والجدال، فتبين أن لا حجة لك في كلام الحافظ بن حجر ﵀ تعالي.
وجملة القول في هذا الحديث أن الشيخ يوافقني على تضعيفه من الطريق الأولى ولكنه يحتج على تقويه بالطرق الأخرى تقليدًا للحافظ ابن حجر، ولكن هذا لم يذكر أن في الحديث ذكرًا للحصي، فلا يجوز الاحتجاج بكلامه السابق المجمل على هذا الأمر المفصل، فعلى الشيخ -إن شاء- أن يفتش عن لفظ هذا الطريق وينظر إن كان فيه هذا العد، فإن ثبت فيه، وخلا عما يخدج في الاحتجاج به كما هو ظاهر كلام الحافظ ثبت دعواه وإلا فدون ذلك خرط القتاد.
стр. 42
بينت فيما سلف أن فضيلة الشيخ الحبشي لم يستطع أن يثبت صحة ذكر الحصى أو النوى في حديث سعد وصفية، وأن غاية ما فعل أنه أثبت صحة الحديثين في الجملة، وذكرت أنا أن هذا القدر لا نزاع فيه لصحة ذلك في حديث جورية عند مسلم. وبناء على ذلك أقول: إن حكمي السابق بأن صاحبة القصة هي جويرية وأن ذكر النوى فيها منكر لا يزال قائمًا ضرورة عدم ثبوت ذكر الحصى فيها وأن من ناحية القصة في صفية، ولا يوهن من هذا الحكم ما سوده الشيخ في رسالته (ص ٢٦ - ٢٨) فإنه كلام لا طائل تحته، لأنه قائم على أساس ما توهمه من صحة ذكر الحصى أو النوى في الحديث، ولما كان هذا غير صحيح فمن البدهي أن يسقط كلامه المشار إليه برمته.
نسبة الشيخ إلى الحافظ ما لم يقله !
غير أنه قد جاء في صدد كلام الشيخ المشار إليه جملة، نسب فيها إلى الحافظ ابن حجر ما لم يقله، ذلك أنه اعترض على حكي السابق بأنه
"مبني على توحيد الحديثين، وقد أثبت الحافظ تغاريرهما".
وجوابًا على هذا أقول:
إن ما نسبته الحافظ لم تذكر المصدر الذي استندت عليه فيه، وأنا أقطع أن ذلك فهم منك بناء على ما توهمته أنت من أن تحسين الحافظ للحديث معناه تحسين منه لكل جملة، بل وكل لفظة وردت فيه، وليس الأمر كذلك كما سبق بيانه بالحجة المقنعة ويؤيد هذا ما ذكره ابن علان في"شرح الأذكار" تحت حديث سعد المتقدم بلفظ: أنه دخل مع رسول الله ﷺ على امرأة وبين يديها نوى أو حصى. الحديث قال ابن علان (١/ ٢٤٥):
"قال صاحب السلاح: فيحتمل أن تكون المرأة المبهمة في الحديث في صفية .... قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن تكون جويرية".
стр. 43
أقول: فهذا نص من الحافظ ابن حجر ﵀ يبطل ما نسبه إليه فضيلة الشيخ من تغاير الحديثين، إذ لو كان الأمر كما حكى الشيخ عنه لجزم الحافظ بأن المراة المبهمة في حديث سعد إنما هي صفية كما هو مصرح به في حدثيهما -كما سبق في أول هذا الرد- وذلك لتشابه حديثيهما، وتقوية الحافظ إياهما، وورود ذكر النوي فيهما، ولما ذكر احتمال كونها جورية؛ لأن حديثها ليس فيه ذكر النوي، وهو مغاير لحديث صفية في رأي الشيخ وفيها نسبه إلى الحافظ بسوء فهمه!
والحق أن قول الحافظ بالاحتمال المذكور يؤيد تأيدًا قويًا ما ذهبت إليه في المقال السابق أنه لا يلزم من تحسين الحافظ لحديث صفية تحسين كل ما ورد فيه من الجمل والألفاظ، وكذلك يقال في تصحيحه لحديث سعد، ألا ترى أنه لو كان الأمر على خلاف ما ذهبت إليه وعلى وفق ما توهمه حضرة الشيخ لكان الحافظ جزم أو رجح على الأقل أن المرأة هي صفية وليست جويرية، لأن الحديث الذي حسنه الحافظ فيه التصريح بأنها صفية، فعدول الحافظ عن الجزم بهذا إلى ذكر احتمال كونها جويرية دليل واضح منه على أنه لا يمتد بكل عبارة أو لفظة وردت في حديث حسن لغيره، والسبب في هذا سبق ذكره في المقال السابق، فمن شاء فليراجعه إن كان ناسيًا.
وخلاصة القول أنه إذا جاز للحافظ أن لا يحتج بعض ما جاء في حديث صفية الذي حسن هو إسناده، أفلا يجوز لي أن لا أثق بي آخر ورد فيه لا يوجد في غيره ما يقويه؟ لا سيما وفي السنة الصحيحة ما يخالفه، وفي أثر ابن مسعود ما يرده كما سبق بيانه.
جهل الشيخ بتراجم الرواة:
الظاهر أن فضيلة الشيخ لم يرد أن يجعل رده علي فيما يتعلق بالحديث فقط، بل أحب أن يتعداه إلى الرد عليَّ فيما يتعلق بأثر ابن مسعود المشار إليه آنفًا، وأنا أعتبر ذلك من
стр. 44
تدبيرات الله تعالى اللطيفة، لكي تظهر حقائق النفوس وقيمها العلمية! فقال حضرته (ص ١٣):
"وكيف استدل على ذلك بأثر ابن مسعود؛ بإسناد فيه الصلت وهو مجهول".
قلت: الصلت هذا هو ابن بهرام كما جاء مصرحًا به في سند الأثر نفسه ونقله الشيخ ذاته عني في رسالته (ص ١٢)، فحكم الشيخ عليه بالجهالة من العجائب التي لا تنقضي! ذلك لأنه قول لم يسبقه إليه أحد مطلقًا، فالرجل ثقة اتفاقًا، فقد ترجمه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٢/ ١/ ٤٣٨) وروي توثيقه عن أحمد وابن معين، وعن ابن عينية أنه قال فيه: "أصدق أهل الكوفة". ووثقه غير هؤلاء أيضًا كالبخاري وغيره، فمن شاء الوقوف على ذلك فليراجع "لسان الميزان" للحافظ ابن حجر (٣/ ١٩٤).
وهذا الخطأ من فضيلة الشيخ مثال من الأمثلة الكثيرة على أن فضيلته لا يوثق بعلمه مطلقًا في علم الحديث وتراجم الرجال، ولا يكفي فيه الصلاح والتقوى كما قد يظن بعض المغفلين! بل لا بد مع ذلك من اليقظة والنباهة وعدم الغفلة، فإن كل مشتغل بهذا العلم الشريف على علم بما قاله المحدثون في بعض الصالحين! فقال ابن عدي: "سمعت أحمد بن خالد يقول: كان وهب بن حفص من الصالحين مكث عشرين سنة لا يكلم أحدًا (! ) قال أبو عروبة: كان يكذب كذبًا فاحشًا. وعن يحيى بن سعيد القطان قال: "ما رأيت الكذب في أحد أكثر منه فيمن ينسب إلى الخير والزهد" (١).
قلت: وذلك لكثرة غفلتهم وحسن ظنهم بكل من يحدثهم أو ينقل لهم من الكتب، وأنا أخشى أن يكون الشيخ وقع في مثل هذا، فقد علمت أنه يكلف بعض الطلبة ممن لا علم لهم بالحديث والتراجم أن يراجعوا له بعض الكتب في المكاتب
стр. 45
العامة، ثم هو يعتمد على ما يقدمونه إليه من النقول التي أرجو أن لا يكون الحامل على الخطأ فيها العداء المذهبي والبغض الشخصي، وإنما الجهل والغفلة فقط!
هذا ومع أن الصلت هذا ثقة فإنه لم يدرك ابن مسعود كما كنت أشرت له هناك في مقال حديث "نعم المذكر السبحة".
ولكن هذه الإشارة لم تعجب فضيلة الشيخ فقال (ص ١٣ - ١٤):
"وماذا يفيد قولك (في الصلت وهو من أتباع التابعين) ".
قلت: لا أدري كيف تخفى فائدة هذا القول على الشيخ وهو يدعي العلم بالحديث وقواعده، حتى لقد أوهم أتباعه أنه وحيد زمانه في هذا العلم وغيره! فقد وصفوه بأنه: العالم العلامة القدوة الكامل جاوي شتات الفضائل المحدث الكبير، الفقيه النحرير ... " وأقرهم هو نفسه على هذه الكلمات في بعض رسائله، مع علمه بقوله ﷺ : "احثوا في وجوه المداحين التراب"!
وأما فائدة قولي هذا فلا تخفى على مبتدئ في هذا العلم وهي الإشارة إلى أن السند منقطع بين الصلت وابن مسعود، لأنه إذا كان الصلت من أتباع التابعين فيدعي أنه لم يسمع من ابن مسعود، ولولا قولي هذا لكنت كاتمًا للعلم، وموهمًا للناس صحة الأثر وهذا مما لا يجوز عندنا، ولو أنه حجة لي، فهذا مما لا يبدر لي السكوت عنه.
قلة انصاف الشيخ:
هذا ما فعلته أنا في هذا الأثر من الإشارة إلى ضعفه، ومع ذلك فإن حضرة الشيخ يأخذ علي أني لم أصرح بضعفه كما صرحت بضعف أثر الحسن الذي ذكرته عقبه هناك، فيقول في رسالته (ص ١٤) هذا سياق كلامي الصريح في تضعيف أثر الحسن:
стр. 46
"فماذا ينفعك، وقد اعترفت بضعف أسناده؟ ولِمّ لم تفصح عن إسناد سابقه? " أما عدم إفصاحي عن الأثر السابق واكتفائي بالإشارة لضعفه فهو لأنه ليس في سنده رجل مضعف، بل رواته كلهم ثقات، وليس فيه إلا الانقطاع الذي سبق بيانه آنفًا، فاكتفيت ببيان انقطاعه مع ثقة رجاله؛ لأن بعض العلماء يحتجون بالمنقطع والمرسل إذا كان مرسله ثقة كما هو الأمر في هذا الأثر، ومن هؤلاء العلماء الحنفية الذين اتخذ بعضهم السبحة كأنها سنة! وهذا الصحابي الجليل ينكر ما هو دونهما!
وأما الفائدة من إيرادي لهذين الأثرين مع تضعيفي لأسناديهما فمن وجهين: الأول: استئناسي بهما على انكار السبحة. الثاني: إقامة الحجة على الحنفية بأثر ابن مسعود لأنه صحيح على قواعدهم، وقد تقرر في الشرع حسن مكالمة الناس بما يعقلون! على أن إنكار ابن مسعود للعدد بالحصى ثابت عنه عندنا قطعًا كما سيأتي بيانه، وإنكار الشيخ له لا يفيده إلا الكشف عن حقيقة علمه بالآثار! وعليه فهذا الأثر عن ابن مسعود صحيح لغيره عند الحنفية والشافعية وغيرهم، لتأيده بالطرق الأخري، فلعل فضيلة الشيخ قد ظهرت له فائدة هذا الأثر!
لقد كان المأمول من إنصاف الشيخ أن يستحسن تضعيفنا لهذين الأثرين مع أنهما حجة لنا وأن يعلن ذلك في رسالته، ولا يمنعه من ذلك ما بينه وبيني من الخلاف واعترافًا بالحق، وعملًا بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ لأنه قد يعلم أن القليل من الناس اليوم وقبل اليوم من يصرح بتضعيف سند دليله الذي يورده، وأن الأكثرين همهم أن يحتجوا بما يؤيدون به آراءهم من الأحاديث والآثار، ثبتت أسانيدها أو لم يثبت، وأنا لا أذهب بالقارئ بعيدًا في ضرب الأمثلة على ما ذكرته، فهاك فضيلة الشيخ المنتقد نفسه أورد في رسالته (ص ١١) حديث نبيط الأشجعي وحديث عمر في الورق المعلق مستدلًا بهما على أن النبي ﷺ حض الصحابة على العمل بما لا يعرفونه! مع أنهما حديثان
стр. 47
ضعيفان جدًا كما كنت بينته في أوائل هذا الرد. ثم ها هو ذا يحتج على إثبات أن السبحة كانت معروفة في عهد عمر بقوله (ص ١٠):
"فقد أخرج السيوطي في "الجامع الكبير" إقرار عمر ﵁ لبعض من كان يستعملها".
ولا أظن إلا أن فضيلة الشيخ يعلم أن "الجامع الكبير" للسيوطي فيه روايات صحيحة، وأخري ضعيفه، وبعضها موضوعة، فمن أي نوع هذا الأثر فيه يا حضرة الشيخ؟ وكيف جاز لك السكوت عنه؟ ! "ولِمَ لم تفصح عن إسناده؟ ! "
فأنت حين استدللت بهذا الأثر بين أمرين اثنين لا ثالت لهما:
إما أنك لا تعلم عدم ثبوته، أو تعلم، فعلى الأمر الأول، كيف استدللت به وأنت تجهل صحته؟ وعلى الثاني كيف جاز لك السكوت عليه وعدم بيان ضعفه موهمًا القراء بسكوتك عليه أنه ثابت! بينما أنت تنكر علي استدلالي بأثر ابن مسعود وغيره مع بياني لضعفه؟ ! فمن منا أحق أن ينكر عليه يا فضيلة الشيخ؟ الذي يكتم العلم أم الذي ينشره؟
فحسبكو هذا التفاوت بيننا ... وكل إناء بما فيه ينضح
جهل الشيخ بآثار الصحابة:
كنتُ ذكرت في المقال الذي حققت فيه القول على وضع حديث "نعم الذكر السبحة" أن ذكر الحصى في حديث صفية منكر، ثم قلت:
"ويؤيد هذا إنكار عبد الله بن مسعود ﵁ على الذين رآهم يعدون بالحصى، وقد جاء ذلك عنه من طرق سبق أحدها، ولو كان ذلك مما أقره ﷺ لما خفي علي ابن مسعود إن شاء الله".
стр. 48
وقد أقر فضيلة الشيخ استدلالي هذا بناء على إنكار ابن مسعود المذكور، ولكنه فيما يظهر لا علم له بهذا الإنكار، فإنه قال في رسالته (ص ٢٨) بعد أن نقل الشطر الأول من قولي السابق قال:
"يقال لك بأي سند تثبت هذا الإنكار عن عبد الله بن مسعود".
أقول: بسند كالجبل رسوخًا وثبوتا، وخفاء مثله عليه يدل العاقل على مبلغ علم الشيخ بالآثار! فإن هذا الأثر الذي يشير حضرته إلى إنكاره ورد من ثلاثة طرق عن ابن مسعود، في ثلاثة كتب من كتب الحديث المعروفة عند أهله! لكن المحدث اليوم هو الذي درس الكتب الستة فقط أو حفظها! فليراجع فضيلة الشيخ إن شاء التحقق مما قلت "كتاب الزهد" للإمام أحمد (ص ٣٥٨)، "سنن الدارمي" (١/ ٦٨ طبع دمشق)، "حلية الأولياء" (٤/ ٣٨٠ - ٣٨١)، ولتمام الفائدة أذكر هنا أصح هذه الطرق سندًا وأتمها متنا، وهي عند الدارمي من طريق عُمارة بن أبي حسن المازني قال:
"كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري فقال: أَخَرجَ إليكم أبو عبد الرحمن بعدُ؟ (هو ابن مسعود) قلنا: لا، فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه (١)
стр. 49
جميعًا، فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفًا أمرًا أنكرته ولم أر -والحمد لله- إلا خيرًا، قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه، قال: رأيتُ في المسجد قومًا حِلَقًا جلوسًا ينتظرون الصلاة، في كل حَلّقة رجل, وفي أيديهم حصى، فيقول: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائه، فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة، قال: فماذا قلتَ لهم؟ قال: ما قلتُ لهم شيئًا، انتظار رأيك أو انتظار أمرك، قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتِهم وضمنتَ لهم أن لا يضيع من حسناتهم؟ ثم مضى ومضينا معه حتى أتي حَلقة من تلك الحِلَق فوقف عليهم، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ ! قالوا: يا أبا عبد الرحمن حصي نَعِّد به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون، وهذه ثيابه لم تَبلَ، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد أو مفتتحوا باب ضلالة! قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير أن يصيبه! إن
стр. 50
رسول الله ﷺ حدثنا "إن قومًا يقرؤن القرآن لا يجاوز تراقيهم" وايم الله لا أدري لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم، فقال: عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك الخلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج".
قلت: وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات رجال البخاري في صحيحه غير عمارة وهو ثقة. وأعتقد أن هذا البيان كاف لإقناع الشيخ بخطأه في إنكاره ما عزوته لابن مسعود من إنكاره العد بالحصى، وبعد ذلك يسلم لي الاحتجاج به على عدم ثبوت العد بالحصى في حديثي سعد وصفية لما سبق ذكره قريبًا.
ثم إن هذا الأثر الصحيح عن ابن مسعود مما يؤيد قولي الذي كنت قلته في "المقال": "إن ذكر الله تعالى في عدد مخصوص لم يأت به الشارع الحكيم- بدعة".
الرد على الشيخ في تجويزه تقييد النصوص المطلقة برأيه !
وقد رد هذا فضيلة الشيخ بدليل عجيب ما كنت أتصور صدوره من مثله! فقال (ص ٢٨ - ٢٩):
"أقول يرد قولك بأنه قد صح الترغيب في الإكثار من الذكر كحديث "أكثر (١) من قول لا حول ولا قوة إلا بالله" من غير تقييد إلى غاية معينة، قال الحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٨٧) عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "استكثروا من الباقيات الصالحات قيل: وما هي يا رسول? قال: التكبير والتهليل والتحميد والتسبيح ولا حول ولا قوة إلى بالله" رواه أحمد وأبو يعلى وإسنادهما حسن".
والجواب: إن هذا الحديث لو صح -ليس فيه إلا الحض على الإكثار من الذكر، وهذا أمر لا يختلف فيه اثنان فأين الدليل فيه على أنه يجوز للمسلم أن بأتي إلى ذكر لم يقيده الشارع بعدد، فيقيده هو من عنده؟ !
وهل هذا إلا تشريع من عند نفسه لم يأذن به الله ﵎. ومن المقرر في علم أصول الفقه أنه لا يجوز تقييد ما أطلقه الشارع، كما لا يجوز إطلاق ما قيده ولا فرق، فالمطلق يجري علي إطلاقة، والمقيد يبقي عي قيده، ولهذا قال الإمام المحقق أبو إسحاق الشاطي في كتابه العظيم "الاعتصام" (٢/ ٩٤):
стр. 51
"فالتقييد في المطلقات التي لم يثبت بدليل الشرع تقييدها رأي في التشريع". وقال أيضًا (٢/ ١٤٠):
"فصل: ومن البدع الإضافية التي تقرب من الحقيقة أن يكون أصل العبادة مشروعًا، إلا أنها تخرج عن أصل شرعتها [بتقييدها] بغير دليل توهمًا أنها باقية على إطلاقها تحت مقتضي الدليل، وذلك بأن يقيد إطلاقها بالرأي أو يطلق تقييدها، ثم أتي في سبيل توضيح ذلك بأمثلة كثيرة مفيدة فليراجعها من شاء التوسع في هذا البحث الهام.
وقال أيضًا في الباب الرابع في مأخذ أهل البدع بالاستدلال (ص ٣٣٤):
"ومنها تحريف الأدلة عن مواضعها بأن يرد الدليل على مناط فيصرف عن ذلك المناط إلى أمر آخر موهمًا أن المناطين واحد. وبيان ذلك أن الدليل الشرعي إذا اقتضى أمرًا في الجملة مما يتعلق بالعبادات -مثلًا- فأتي به المكلف في الجملة أيضًا كذكر الله والدعاء والنوافل المستحبات وما أشبهها يعلم من الشارع فيها التوسعة كان الدليل عاضدًا لعمله من جهتين: من جهة معناه ومن جهة عمل السلف الصالح به، فإن أتي المكلف في ذلك الأمر بكيفية مخصوصة أو زمان مخصوص أو مكان مخصوص أو مقارنًا لعبادة مخصوصة والتزم ذلك بحيث صار متخيلًا أن الكيفية أو الزمان مقصود شرعًا من غير أن يدل الدليل عليه، وكان الدليل بمعزل عن ذلك المعنى المستدل عليه، فإذا ندب الشرع مثلًا إلى ذكر الله فالتزم قوم الاجتماع عليه على لسان واحد وبصوت [واحد] أو في وقت معلوم مخصوص عن سائر الأوقات لم يكن في ندب الشرع ما يدل على هذا التخصيص الملتزم بل فيه ما يدل على خلافه لأن التزام الأمور غير اللازمة شرعًا شأنها أن يفهم التشريع وخصوصًا مع من يقتدى به في مجامع الناس كالمساجد، فإنها إذا ظُهِّرت هذا الإظهار ووضعت في المساجد كسائر الشعائر التي وضعها رسول الله ﷺ في المساجد وما أشبهها كالأذان ... فهم منها بلا شك أنها سنن إذا لم تفهم منها الفرضية، فأحرى أن لا يتناولها الدليل المستدل به، فصارت من هذه الجهة بدعًا محدثة بذلك".
стр. 52
ولهذا قال الفقيه ابن عابدين في الحاشية (١/ ٧٧٨):
"تخصيص الذكر بوقت لم يرد به الشرع غير مشروع".
ومما لا شك فيه أنه لا فرق بين تخصيص الذكر بوقت لم يرد، وبين تخصيصه بعدد لم يرد، إذ كله من باب واحد، فمن لا يجيز ذاك لا يجيز هذا، والعكس بالعكس، كحضرة الشيخ فإن كلامه صريح في جواز تقييد العدد المطلق فإنه قال فيما بعد (ص ٢٩): "وهل من ضير شرعًا في أن يواظب المرء على عدد مخصوص من هذه الأذكار لا ينقصه كل يوم .... "
فالذي يقول هذا، يقول بجواز تخصيص هذه الأذكار أيضًا بوقت لم يخصصه الشارع الحكيم به، وهذه غفلة عظيمة عما سبق من الإمام الشاطبي والفقيه ابن عابدين، وجهل الناس بهذه القاعدة أوقعهم في كثير من البدع تمسكها منهم بعمومات أدخلوا عليها بآرائهم قيودًا وهيئات ما أنزل الله بها من سلطان، وأنا أرى أن أذكر بعض الأمثلة على ذلك مما نبه العلماء على بدعيتها تنبيهًا للغافلين وتذكيرًا للمؤمنين.
أمثلة من البدع يلزم الشيخ القول بمشروعيتها خلافًا للعلماء:
١ - الأذان للعيدين.
٢ - السجود بعد السلام من الصلاة لغير سهو."الباعث على إنكار البدع والحوادث" (ص ٤٢)، "الاقتضاء" لابن تيمية (ص ١٤٠)، "حاشية ابن عابدين" (١/ ٧٣١).
٣ - المصافحة بعد الصلوات. "حاشية ابن عابدين" (٥/ ٣٣٦)، "المدخل" (٢/ ٢١٩).
٤ - الدعاء عند ختم القرآن جماعة."الفتاوى الهندية" (٥/ ٢٨٠).
٥ - اجتماع القوم يقرؤن في سورة واحدة يعني بصوت واحد "الباعث على إنكار البدع والحوادث" (ص ٥٨)، "الاعتصام" (١/ ٣٤)، "والموافقات" (٣/ ٧٢).
стр. 53
٦ - الصلاة علي النبي ﷺ عند التعجب "موافقات" (٣/ ٢١٥)، "المدخل" (٤/ ١٠٠).
٧ - الاغتسال لصلاة الكسوف والطواف ونحوه .. "الابداع في مضار الابتداع" (ص ٢٢).
٨ - اتخاذ إناء خاص للوضوء. "شرح الطريقة المحمدية" (٤/ ٢٧٨).
٩ - اتخاذ ثياب خاصة لدخول الخلاء "شرح الطريقة" (٤/ ٢٦٠ - ٢٦١).
١٠ - تخصيص شهر رجب بالصيام. (الباعث ٣٤ - ٣٦).
١١ - التزام صيام يوم النصف من شعبان وقيام ليلته. (الاعتصام ١/ ٣٤). فهذا غيض من فيض مما حكم العلماء على أنها من البدع التي لا يجوز التعبد بها، وهي كما ترى كل واحدة منها داخلة في نص عام، من مثل الحض على ذكر الله تعالى والدعاء والصلاة على النبي ﷺ ونحو ذلك من الطاعات، مع ذلك فقد خرجت عن كونها طاعة إلى البدعة بسبب ما لزمها من القيد والتخصيص بدون نص شرعي.
وجملة القول أن هذه الأمثلة وما شابهها لا يمكن لعالم أن يقول بمشروعيتها، فإذا كان فضيلة الشيخ يرى القول باستحسانها كما يترشح من كلامه السابق المتعلق بجواز الذكر بعدد مخصوص غير وارد فقد أبعد عن الصواب، وخالف أقوال العلماء الثقات، وفي مقدمتهم صحابي رسول الله ﷺ عبد الله بن مسعود الذي أنكر حصر الذكر المطلق بعدد غير وارد، كما أنكر المد بالحصى كما سبق.
وأخيرًا فإني موجه إلى فضيلته سؤالا يكون الجواب منه عليه فصل النزاع في هذه المسألة فأقول:
هل يجوز يا فضيلة الشيخ أن تصلي السنن الرواتب في المساجد جماعة، فإن قلت: لا يجوز -وهذا هو المظنون فيك- فتقول: فلم لا يجوز وهو داخل في لصوص عامة مثل قوله ﷺ : "يد الله على الجماعة" فإن قلت: لأنه لم يفعله
стр. 54
رسول الله ﷺ ، فنقول: صدقت، فليزمك أن لا تجيز الذكر بعدد مخصوص لم يرد؛ لأن رسول الله ﷺ لم يفعله وإن دخل في النص المطلق، فالنص المطلق هنا لا يشمل الذكر الموصوف بصفة لم ترد، كما لم يشمل عموم قوله: "يد الله مع الجماعة" جماعة السنن لاتصافها بصفة لم ترد، فإن فرقت بين الأمرين فأنت متناقض، وهذا ما لا نريده لك ولا لأي مسلم.
فأرجو أن يكون فيما سبق ما يبين لك السبيل الذي ييسر لك الرجوع إلى الصواب إن شاء الله، وهو الهادي.
ضعف الحديث السابق:
وقبل أن أنهي هذا البحث لابد من التنبيه على أن حديث أبي سعيد الخدري الذي نقل الشيخ تحسين أسناده عن الهيثمي -كما تقدم- ليس بحسن؛ لأنه في المسند وغيره من رواية دَرّاج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري، ودراج كثير المناكير كما قال الذهبي، وقال الحافظ ابن حجر: "صدوق في حديثه عن أبي الهيثم ضعف" قلت: وهذا منها كما ترى، وعهدي بالشيخ أنه يقلد الحافظ ابن حجر في الجرح والتعديل، فهذا حجة عليه في تحسينه إسنادًا فيه ضعبف باعتراف الحافظ، ولكن الشيخ لا شأن له في التحقيق، بل حينما وجد حديثًا فيه ما يرد به على خصمه بزعمه تعلق به ولو كان ضعيفًا جدًا كما سبق في حديث الورق المعلق، فكيف لا يتمسك بمثله إذا حسنه بعضهم كما في هذا الحديث؟ !
ودراج هذا هو صاحب حديث "أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون" وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في مقالات "الأحاديث الضعيفة".
стр. 55
التزام بعض المشايخ السبحة بدل العقد بالأنامل !
ثم إن الشيخ أنكر عليّ قولي:
"ولو لم يكن في السبحة إلَّا سيئة واحدة وهي أنَّها قضت على سنة العد بالأصابع أو كادت [لكفي في ردها] " فادعى أَنَّهُ خلاف الواقع، قَالَ: (ص ٣٠)
"فلا نزال نرى النّاس أكثرهم يسبحون أدبار الصلوات بالأصابع .... "
أقول: إِذَا صح هذا فالفضل في ذلك يعود إِلَى الدعاة إِلَى السنة الذين يحضون النّاس على المحافظة عليها والإعراض عن كل ما يخالفها، وإن سماه بعض النّاس بدعة حسنة! ولكن إنكار الشيخ هذا غير وارد عليّ لأنني لم أقصد بهذا القول النّاس جميعًا، وليس في كلامي ما يدل على ذلك، وإنَّما أردت من يظن النّاس أنهم أحرص الخلق على الفضائل وهم المشايخ ونحوهم، والدليل على ذلك تمام قولي الذي نقله الشيخ مبتورًا:
"فإني قَلَّما أرى شيخًا يعقد التسبيح بالأنامل".
ولكن الشيخ -عافاه الله وسامحه- قد جرى في رده عليّ على أنَّ يأخذ من كلامي القدر الذي يناسبه ليصح له الرد علي، ويعرض عن تمام الكلام الذي لو وقف عليه القارئ ظهر له بداهة أن رد الشيخ عليّ غير وارد.
فهل يقول الشيخ في كلامي هذا بعد نقله بتمامه مع توضيح المراد منه؛ إنه خلاف الواقع أيضًا؟ لئن قال ذلك فقد كابر، فإن من المؤسف أن أقول: إن العامة تعتقد الصلاح في حملة المسابح، ذلك لاعتقادهم أن السبحة مظهر الكمال، كيف لا وهذا فضيلة الشيخ يؤلف هذه الرسالة في الرد علي، أحد اسميها (وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى! ): "تحقيق البيان في إثبات سبحة أهل الإيمان" وإن كان هو قد عجز أن يثبت الأصل وهو التسبيح بالنوي والحصي، فكيف لا يعجز عن إثبات الفرع، وهو التسبيح بالسبحة؟ ! وهل يستقيم الظل والعود أعوج؟ !
هذا وإذا كان فضيلة الشيخ يقول: إن أكثر النّاس يسبحون بالأنامل فهو اعتراف منه بأن أقلّ النّاس يسبحون بالسبحة، فأقول: أليس في هؤلاء كثير من الخاصة ممن
стр. 56
يتولون إرشاد النّاس وهدايتهم. فلماذا يحرص هؤلاء على السبعة مع ما في ذلك من "ترك الأفضل الذي هو العقد بالأنامل" كما اعترف بذلك الشيخ في رسالته (ص ١٥)، وإذا كان حضرته يؤلف رسالة ينتصر فيها للسبحة وهي باعترافه مفضولة فلا توجه فيها بكلمة إِلى أولئك الحريصين -وما يدريني لعل الشيخ نفسه منهم! - يدعوهم فيها إِلَى الإعراض عنها، وينصحهم بالتمسك بما هو الأفضل وهو العقد بالأنامل؟ أم إن الغرض من تأليفها هو -كما يتحدث به البعض- الانتصار لبعض المشايخ من حملة السبح بالرد على ناصر الدين الداعي إِلى إحياء السنة وإماتة البدعة! أرجو أن لا يكون هذا هو غرض الشيخ من تأليفها، وإن كنا نصر على مؤاخذته بإغفاله تلك الكلمة والنصيحة، لأنَّ الرسالة بدونها تعطي نتيجة لا يرضاها الشيخ -فيما أظن- وهي استمرار أولئك على المفضول وهجرهم للفاضل وهذا لا يجوز بلا خلاف أعلمه.
ثم قَالَ الشيخ: "وهل تعلم أحدًا من السلف عادي السبحة معاداتك، بلغك عنه ذلك بإسناد صحيح".
أقول نعم، ألا وهو ابن مسعود ﵁ فقد عادى ما هو دون السبحة وهو العد بالحصى واعتبر الفاعلين متمسكين بذنب ضلالة! كما قدمناه بسند صحيح عنه. ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾؟
ومن التابعين من بالغ في إنكار السبحة إِلَى درجة أن اعتبر فتل الخيط للسبحة مميز منكرًا! فهل في هذا ما هو أبلغ في إنكار السبحة نفسها؟ ! فقد روى الإِمام ابن أَبِي شيبة في "المصنّف" (٢/ ٨٩ / ٢): نا حميد بن عَبْد الرَّحمن عن حسن عن إبْرَاهِيم ابن المهاجر عن إبْرَاهِيم من كان ينهي ابنته أن تعين النساء على فتل خيوط التسبيح التي يُسبّح بها! قلت: وهذا سند جيد رجاله كلهم ثقات رجال مسلم، وحسن هو ابن صالح ابن صالح بن حي الثَّوريّ، وإبراهيم هو ابن يزيد النخي الفقيه المشهور المتخرج من مدرسة الإِمام أَبِي حنيفة ﵀ تعالي.
فإذا كان هذا هو رأي الإِمام المذكور من فتل خيوط السبحة فماذا يكون رأيه في السبحة ذاتها؟ لا شك أَنَّهُ منكر هل أشد الانكار.
ثم قَالَ: "فإذا لم تجد ذلك فمع من أنت".
стр. 57
قلت: قد أوجدنا لك ذلك عن غير واحد من السلف على خلاف ما كنت ترجوه فهل في ذلك ما يقنعك؟
ثم هب أنني لا أعلم أحدًا من السلف عادي السبحة، فما قيمة ذلك إِذَا كنت أنا إنَّما أعاديها لمخالفتها للسنة، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وهي محدثة اتفاقا، وهل يشترط عند أَهْلِ العِلْمِ والعقل في إنكار مفردات البدع أن يكون عندنا نقل (بإسناد صحيح) عن أحد من السلف بإنكارها بدعة بدعة؟ هذا مما لا يقوله من شم رائحة العلم!
فسقط بنك آخر جملة من كلامك المتعلق بالسبحة في رسالتك. وإلى الله المشتكي من إضاعة الوقت وتسويد الورق حولها، والشيخ متفق معنا على أنَّ الأفضل التسبيح بالأنامل كما سبق مرارًا، فتعال يا فضيلة الشيخ ندْعُ النّاس إِلَى ما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه، شريطة أن يكون غاية الجميع الحرص على إحياء السنة وإماتة البدعة، ورحم الله من قَال:
وخير أمور الدين ما كان سنة ... وشر الأمور المحدثات البدائع
الخاتمة فيمن يجوز له التصحيح والتضعيف:
ثم إن فضيلة الشيخ عقد "خاتمة" في "من له حق التصحيح والتضعيف في الحديث، ومن ليس له ذلك؛ ومن هو الحافظ" وادعى أن "التصحيح والتضعيف من وظيفة الحافظ واختصاصه لا غير" .. ثم تقل بعض الكلمات في تعريف الحافظ، ومع أن هذه الكلمات مختلفة لا تعطي تعريفًا جامعًا مانعًا لـ "الحافظ" بل إن اختلافها يدل على أنَّ الأمر فيه واسع، وما نقله الشيخ عن الحافظ المزمي يؤيد ذلك، إنه قَال: إنه يرجع في ذلك إِلَى أهل العرف، فلو كان هناك تعريف متَّفقٌ عليه بينهم لما أحال الحافظ على أهل العرف، لا سيما وهم قليلون باعترافه، ومثله قول ابن سيد النّاس:
"وأمَّا ما يحكي عن بعض المتقدمين من قولهم: "كنا لا نعد صاحب حَدِيث من لم يكتب عشرين ألف حَدِيث في الإملاء" فذلك بحسب زمنهم"
стр. 58
ففيه إشارة إِلَى أن هذه التعاريف خاصة بأزمانهم وأنها لا يلزم من بعدهم التمسكُ بها، ومهما كان الأمر فإن تلك الكلمات متفقة في الجملة على أنَّ درجة "الحافظ" من أسمى الدرجات الخاصة بالمحدث، ولذلك ندر في المتأخرين من بلغها، قَالَ الشيخ أحمد مُحَمَّد شاكر في "الباعث الحثيث" (ص ١٧٩):
"وأمَّا الحفظ فإنه انقطع أثره وختم بالحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀، ثم قارب السخاوي والسيوطي أن يكونا حافظين، ثم لم يبق بعدهما أحد، ومن يدري: فلعل الأمم الإسلامية تستعيد مجدها، وترجع إِلَى دينها وعلومها، وَلَا يعلم الغيب إلَّا الله، وصدق رسول الله ﷺ : بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ".
قلت: ولكن هذا لا يمنع المتخصصين في علم السنة من سد هذا النقص بالاستعانه بمؤلفات الحفاظ أنفسهم ودواوينهم، لا سيما إِذَا جمع أقوالهم وبحوثهم حول الحديث الواحد وما ذكروه له من الطرق، فإنه بذلك يستعيض ما فاته من الحفظ الذي كان يساعد الأولين من الحفّاظ على التحقيق والإتقان، بل إنه ربما استدرك بذلك على بعضهم. كما نراه في بحوث بعض محققي العصر الحاضر كالشيخ أحمد شاكر المصري وغيره مثل علماء الهند بارك الله فيهم ...
ولكن ليس في تلك الكلمات ما يدل على أنَّ التصحيح والتضعيف من وظيفة الحافظ فقط، وأمَّا استدلال الشيخ على ذلك بما نقله (ص ٣٦) عن البلقيني أَنَّهُ قَالَ:
"الحسن لما توسط بين الصحيح والضعيف عند الناظر، كان شيئًا يتقدح في نفس الحافظ .. " قَالَ الشيخ: "ففيه كما ترى اشتراط الحفظ في التحسين وأنه من خصائص الحافظ".
قلت: فبم الشرطية من هذه العبارة ما لا نغبط الشيخ عليه؛ لأنَّ ذكر "الحافظ" فيها ليس قيدًا إحترازيًا، بدليل أَنَّهُ قد يتقدح ذلك في نفس من
стр. 59
هو دون الحافظ كـ "المحدث" مثلًا، وهو ممن له حق التكلم في العلل والوفيات والأسانيد كما قال السُّبكي، (١) ويؤيده أن أحدًا من العلماء لم يصرح بشرطية "الحافظ" في "التصحيح" كما زعم الشيخ، وكل ما اشترطوه في ذلك هو المعرفة والأهلية، وهو ما نقله الشيخ نفسه عن النووي ﵀ أنه قال في "التصحيح":
"والأظهر عندي جوازه، لمن تمكن وقويت معرفته" ومثله قول السيوطي في رسالة "التنقيح في مسألة التصحيح":
"ذكر الشيخ ابن الصلاح أن باب التصحيح انسَدَّ في هذه الأزمان، وخالفه النووي وكل من جاء بعده من الحفاظ إلى الحافظ ابن حجر، فاعترضوا على ابن الصلاح في مقالته، وجوّزوا التصحيح وأنه لا ينقطع ذلك ولا يمتنع ممن له أهلية ذلك، ثم منهم من رد كلام ابن الصلاح بأنه لا سلف له فيما قاله, ومنهم من رده بأنه مبني على القول بجواز خلو العصر عن مجتهد، وهو قول ساقط مردود، ومنهم من رده بأن أهل الحديث في عصر ابن الصلاح ومن بعده لم يزالوا مستمرين على التصحيح، فصححوا أحاديث لم يتقدم إلى تصحيحها أحد كأبي الحسن بن القَطَّان والضياء المقدسي وابن الموَّاق والمنُذري والدِّميْاطي والمِزيَ والنقي السُّبكي وغيرهم، وأطال ابن حجر في نُكَته المناقشة مع ابن الصلاح في ذلك".
وقال الحافظ ابن كثير في "اختصار علوم الحديث" (ص ٢٩) ما خلاصته: "ويجوز للمتبحر في هذا الشأن الإقدام على الحكم بصحة كثير مما جاء في المسانيد والمعاجم والفوائد والأجزاء من الحديث وإن لم ينص على صحته حافظ قبله، موافقة للشيخ النووي وخلافًا للشيخ أبي عمر" (يعني ابن الصلاح). وعلق عليه الشيخ أحمد شاكر. بقوله:
стр. 60
"وقد رد العراقي وغيره قول ابن الصلاح هذا وأجازوا لمن تمكن وقويت معرفته أن يحكم بالصحة أو بالضعف على الحديث بعد الفحص عن إسناده وعلله وهو الصواب، والذي أراه أن ابن الصلاح ذهب إلى ما ذهب إليه بناء على القول بمنع الاجتهاد بعد الأئمة، فكما حظروا الاجتهاد في الفقه، أراد ابن الصلاح أن يمنع الاجتهاد في الحديث وهيهات، فالقول بمنع الاجتهاد قول باطل، لا برهان عليه من كتاب ولا سنة، ولا تجد له شبه دليل".
أقول: فقد اتفقت كلمات هؤلاء الأئمة جميعًا على أن الشرط الوحيد لمن يصحح ويضعف أن يكون متمكنًا في علم الحديث عارفًا بعلله ورجاله، ولم يتعرض أحد منهم -ولو تلميحًا- للشرط الذي ادعاه الشيخ، فدل ذلك على أنه شرط ساقط الاعتبار، وأن الشيخ يدعي أشياء ليست من "المصطلح" في شيء، وليته اكتفى بذلك بل هو يلصقها بعلم المصطلح، ويرمي مخالفه بالجهل".
ومما يدل العاقل على بطلان هذا الشرط وأنه لم يقل به أحد قبل الشيخ جريان العمل على خلافه من العلماء في سائر البلاد الإسلامية، كابن عراق صاحب كتاب "تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة" وعبد الرؤوف المناوي صاحب "فيض القدير شرح الجامع الصغير" وأبي الحسنات اللكنوي الهندي صاحب الكتب الكثيرة النافعة، والشيخ أنور الكشميري مؤلف "فيض الباري على صحيح البخاري" والصنعاني، والشوكاني، وغير هؤلاء كثيرون في كل قطر ومصر ممن لا يشملهم عد ولا حصر، وقد صرح بما ذهبنا إليه الإمام الصنعاني في رسالته "إرشاد العباد إلى تيسير الإجتهاد" فقال (ص ٢١):
"فقد تقرر لك بما سقناه واتضح لك مما حققناه أن للناظر في هذه الأعمار أن يصحح ويضعف ويحسن، كما فعله من قبله الأئمة الكبار، فإن عطاء ربك لم يكن محظورًا، وإفضاله الممدود ليس على السابق مقصورًا ... ".
والصنعاني هذا من علماء القرن الثاني عشر، وما أظن أن الشيخ يعتقد الحفظ بأحد
стр. 61
بعد الحافظ ابن حجر إلا أن يكون تلميذه السخاوي أو السيوطي، فإذا أجاز الصنعاني لمن كان في عصره التصحيح والتضعيف ولا حافظ فيه باعتراف الجميع فكلامة دليل واضح على بطلان شرط الشيخ، فثبت المراد. فرحم الله من ترك الجدال والإصرار.
هذا وإذا ثبت جواز التصحيح للمتمكن جاز له بالتالي التضعيف أيضًا ولا فرق بل لعلي هذا أولى، فإن التصحيح يستلزم العلم بانتقاء كل العلل المبينة في المصطلح بينما التضعيف يكفي فيه الوقوف على علة قادحة، ولهذا أجازه من منع التصحيح ألا وهو أبو عمر بن الصلاح، فقال في "المقدمة" (ص ١٨) بعد أن ذ كر تساهل الحاكم في مستدركه:
"فالأولى أن نتوسط في أمره فنقول ما حكم بصحته ولم نجد ذلك فيه لغيره من الأئمة إن لم يكن من قبيل الصحيح فهو من قبيل الحسن يحتج به، ويعمل به إلا أن تظهر فيه علة توجب ضعفه".
قال الحافظ العراقي في شرحه:
"وقد تعقبه بدر الدين ابن جماعة فقال: "إنه يتتبع ويحكم عليه بما يليق له من الحسن أو الصحة أو الضعف"، وهذا هو الصواب".
فهذا يبين أن التضعيف أمر متفق عليه بين ابن الصلاح ومخالفيه في رأيه في "التصحيح"، فيجوز تضعيف الحديث بناء على ضعف السند، ولا يخالف هذا ما نقله الشيخ عن النووي وغيره (ص ٣٧) من المنع أن يجزم بتضعيف الحديث اعتمادًا على ضعف إسناده، لاحتمال أن يكون له إسناد صحيح غيره
لأن هذا إنما يمنع من الجزم، للاحتمال المذكور، وأما إذا لم يجزم الباحث بالضعف وإنما قاله بناء على غلبة الظن، أو جزم به بعد دفع الاحتمال المذكور إما بنقل عن إمام حافظ بتفرد الضعيف به أو بعد إفراغ الجهد في استقصاءِ الطرق من كتب الحفاظ الجامعين فهذا مما لا اعتراض عليه، ولا أتصور عاقلًا شم رائحة
стр. 62
علم الحديث يقول بخلاف هذا، وبذلك يسقط قول الشيخ (ص ٣٧) عقب قول النووي المذكور:
"فهذا. صريح في دفع ما صنع هذا الكاتب من الإقدام على التضعيف للأحاديث المذكورة من غير أن يكون له في ذلك سلف صرح بذلك .... ".
ثم إن هذا الكلام مبني على أمرين كلاهما ساقط:
الأول: فهم كلام النووي من المنع بالجزم على أنه أراد المنع ولو على غلبة الظن وهذا خطأ لأن الظن دون الجزم، الثاني: أنه قلد في ذلك ابن الصلاح. وقد أثبتنا خطأه في ذلك بالنقول الصريحة عن العلماء، وما بني على خطأ فهو خطأ. ومن غرائب الشيخ أنه ينقض كلامه بنفسه! فإنه قال عقب كلامه المذكور:
"إن الذي تعطية القواعد الحديثية أن حديث (نعم المذكر السبحة) ضعيف بهذا السند"، فقد ضعف الحديث دون أن يذكر له سلفًا فيه! فما الفرق بيني فيما أضعفه من الأحاديث وبينه في هذا لولا الشغب؟
وأما الحديثان الآخران اللذان يشير الشيخ إلى أنْ لا سلف لي في تضعيفهما فهو اتهام من جملة اتهاماته الكثيرة التي لا حقيقة لها، فأحدهما وهو حديث سعد بن أبي وقاص سبقني إلى تضعيفه الحافظ ابن حجر، وأما الآخر وهو حديث صفية فقد ضعفه الترمذي بقوله "غريب ... وليس إسناده بمعروف" وسبق بيان ذلك كله، فلم أنفرد أنا بتضعيفهما، أقول هذا بيانًا للواقع، وإلا فإني لا أري هذا الشرط الذي يتكئ عليه الشيخ في رد تحقيقاتنا حول الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ألا وهو أن يكون لنا سلف في التضعيف، فإنه خلاف ما أفادته كلمات الأئمة السابقة، بل أرى أن هذا الشرط فيه تعطيل للعلم وتجميد للفكر، وإلا فما فائدة قراءة هذه العلوم كلها، ومنها علم مصطلح الحديث إذا كان العارف به لا يجوز له أن يحكم إلا بما سُبِق إليه من صحة أو ضعف، وهل هذا إلا خلاف ما جاء في نفس "المصطلح"؟ ! قال النووي ﵀ في "التقريب" (ص ٣٠):
стр. 63
"فصل: ولا ينبغي أن يقتصر على سماعه وكَتْبِه دون معرفته وفهمه، فليتعرف صحته وضعفه، وفقهه ومعانيه ولغته وإعرابه وأسماء رجاله محققًا كل ذلك ... "
والحقيقة أن الغاية من علم الحديث في معرفة الصحيح من غيره، كما قال عز الدين ابن جماعة، ونص كلامه: "علم الحديث علم بقوانين يعرف بها أحوال السند والمتن، وموضوعه السند والمتن، وغايته معرفة الصحيح من غيره" (١).
والشرط الذي ابتدعه الشيخ يقضي على هذه الغاية العظمى، فإن الباحث في كتب السنة يقف على أحاديث كثيرة جدًا لا يجد من تكلم فيها تصحيحًا أو تضعيفًا، فالتوقف حينئذ عن التصحيح والتضعيف من عارف بهذا العلم الشريف مما يؤدي إلى تعطيل الغاية من علم الحديث كما هو بين لا يخفي.
وما مَثلُ من يقول بهذا إلا مَثَلُ من يزعم أنهُ لا يجوز للعارف بعلم أصول الفقه أن يفتي في نازلة حادثة بفتوى لا سلف له فيها! ففي هذا القول القضاء على غاية علم أصول الفقه، كما أن في قول الشيخ القضاء على الغاية من علم الحديث ولا فرق.
وخلاصة القول أن الشرط في "التصحيح والتضعيف" إنما هو الأهلية فقط، وأما الحفظ فشيء آخر، إن وجد فنور على نوره وإلا فليس بشرط كما أفادته كلمات الأئمة السابقة. والله الموفق لا رب سواه.
стр. 64
خاتمة الرد:
كنت أود أن أنهي الرد على فضيلة الشيخ الحبشي في رسالته "التعقيب الحثيث" بالمقال السابق، ولكن حضرته كان سمح لناشر الرسالة أن يكتب كلمة جعلها خاتمة لها، وبما أن فضيلته أقره عليها، فهو يتحمل مسؤوليتها الأدبية كسائر الرسالة، فكان لا بد من أنْ نبين رأينا حول تلك الكلمة، فأقول: قالا:
"فائدة ذكر السيوطي في رسالته "المنحة في السبحة" جماعة من اتخذوا السبحة أو ما في معناها". قلت: ثم ذكرا جماعة منهم: صفية، وأبو صفية مولى النَّبِيّ ﷺ وسعد بن أَبِي وقاص، وفاطمة بنت الحسين، وأبو هُرَيْرَة، وغيرهم.
وجوابنا على ذلك من وجهين:
الأول: أن هذه الآثار لا يصح شيء من أسانيدها، وَلَا فائدة كبرى من إطالة البحث بالكلام على جميع مفرداتها، وحسبنا أن نحقق القول على روايات هؤلاء الذين نقلنا عنها أسماءهم على سبيل المثال، وإلا فالواجب يقضي أن يقوم الشيخ بتحقيق الكلام عليها -لو كان يستطيع- لأنَّه هو الذي احتج بها، والقاعدة الأصولية تقول: "إن كنت ناقلًا فالصحة، أو مدعيًا فالدليل"!
ولكن أنى للشيخ أن ينقل الصحيح فقط وهو يجهله! فقد صرح في رسالته (ص ٢١) أَنَّهُ ليس له وظيفة التصحيح، ثم هو يستغل هذا الجهل، فيحتج بالأحاديث المنكرة والآثار الضعيفة، بينما الواجب عليه أن يتوقف عن الاحتجاج بشيء منها حَتَّى يقيض له من يعرفه بالصحيح منها والضعيف! ولهذا فإن كلا منا على بعض هذه الآثار هو من باب التطوع لا الواجب فأقول:
١ - صفية ﵂. ويشيرون بذلك إِلى حديثها المتقدم، وقد أعاد الكلام عليه الناشر، وقد بَيَّنَّا فيما سلف أن سند حديثها ضعيف، وأن الترمذي ضَعَّفَهُ، وكذلك سند حَدِيث سعد بن أَبِي وقاص ضعيف حَتَّى عند الحافظ ابن حجر، كما تقدم تحقيق ذلك كله، وقولهما:
стр. 65
"نقدم في هذه الرسالة تصحيح الحديث عن الحافظ ابن حجر".
جوابه أن الحافظ إنما صحح الحديث ولم يصحح السند، ولا يلزم من التصحيح الأول لتصحيح متن الحديث بكل ما فيه، كالعد بالحصى على ما حققناه فيما سبق فراجعه فإنه أمر دقيق.
٢ - أبو صفية: في السند إليه أم يونس بن عبيد ولا ذكر لها في شيء من كتب التراجم، كذلك رواه البغوي ومن طريقه ابن شاهين في "الفوائد" (١١٤/ ٢) , ورواه أبو عبد الله الحسين بن يحيى القطان في جزء من حديثه (١٧٠/ ١) عن أبي لعبة (١) عن جده بقية عن أبي صفية. وأبو لعبة وجده بقية لم أعرفهما.
٣ - سعد بن أبي وقاص: السند إليه منقطع أو مجهول، فقد رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٣/ ١٤٣) من طريق حكيم بن الديلمي عنه. وحكيم لم يدرك سعدًا، وقد ذكره الحافظ في الطبقة السادسة، وهي التي لم يثبت لأصحابها لقاء أحد من الصحابة، ويؤيد الانقطاع أن ابن أبي شيبة رواه في "المصنف" (٢/ ٨٩ / ٢) عن حكيم الديلمي عن مولاة لسعد عن سعد، وهذه المولاة لم تسم فهي مجهولة.
٤ - أبو هريرة: في السند إليه. عند ابن أبي شيبة (٢/ ١٨٩/ ١) رجل من الطفاوة لم يسم فهو مجهول.
٥ - فاطمة بنت الحسين: السند إليها ضعيف جدًا. رواه ابن سعد (٨/ ٤٧٤) عن جابر -وهو الجعفي متهم بالكذب وكان يؤمن برجعة علي! - عن امرأة لم تسم، فهي مجهولة.
стр. 66
فتأمل، ما أبعد الشيخ عن التحقيق العلمي حين ينسب إِلى مثل هؤلاء الأفاضل مخالفة السنة في رأينا، ومخالفة الأفضل في رأيه بمثل هذه الأسانيد الواهية! .
الوجه الثاني: لو صحت هذه الآثار أو بعضها فأنا نعارضها بما صح عن ابن مسعود من إنكاره العد بالحصي، وقد سبق تخريجه وبيان مصدره بل مصادره الكثيرة التي جهلها الشيخ -كما بينته فيما سبق فحسبنا الآن التذكير به، وبما ثبت عن الإِمام إبْرَاهِيم النخعي من انكاره فتل الخيط من أجل السبحة، واعتباره ذلك إعانة على المنكر! يضاف إِلى ذلك ما وقفت عليه أخيرًا عن أَبي بكر بن حفص قَالَ: سألت ابن عمر عن التسبيح بالحصى؟ فقال: "على الله أحصى؟ ! (١) الله أحصا! " رواه الإِمام أَبُو زرعة الرازي في تاريخه بسند صحيح عن أَبِي بكر هذا وهو عَبْدُ الله بن حفص بن عمر بن سعد بن أَبِي وقاص، وهو ثقة حجة.
فهؤلاء عَبْدُ الله بن مسعود وعبد الله بن عمر أفقه وأعلم من كل أولئك الصحابة الذين روى عنهم العد بالحصي، وكذلك إبْرَاهِيم النخعي أفقه من فاطمة بنت الحسين ﵄، مع الفارق الكبير، وهو أن هؤلاء ثبت عنهم الإنكار للعدو أولئك لم يثبت عنهم العد!
ويمكن أن نضم إِلَى العبدين ابن مسعود وابن عمر السِّيدة عَائِشَة ﵃، ولكن على طريقة الشيخ من الاحتجاج بما لم يثبت! فقد أخرج ابن أَبِي شيبة في "المصنّف" عن امرأة من بني كليب قالت:
"ورأتني عَائِشَة أسبح بتسابيح معي، فقالت: أين الشواهد؟ ! تعني الأصابع". ولكن حاشا لنا أن نحتج بما لم يصح لدينا، وإن استجاز ذلك غيرنا! بعلم أو بجهل! فإن هذه المرأة من بني كليب لم أعرفها.
ومن هذه الآثار الصحيحة يتبين للقراء الكرام خطأ ما نقله، الشيخ عقب تلك الآثار الواهية:
стр. 67
"ولم ينقل عن أحد من السلف ولا من الخلف المنع من جواز عد الذكر بالسبحة ... ".
فإن من البدهي عند الجميع أن الذي ينكر العدَّ بالحصى ينكر العد بالسبحة أيضًا لأنَّهما سواء عند الشيخ وغيره، وعندنا إنكارها من باب أولى، لأن في السبحة من المساوئ ما لا يوجد في العد بالحصى، كما سبق الإشارة إلى ذلك فيا مضى.
وأما ما نقلاه عن ابن حجر -وهو الهيثمي الفقيه، لا العسقلاني المحدث، خلافًا لما أوهموا! "أن حديث سعد السابق أصل صحيح بتجويز السبحة".
فأقول: أثبت العرش ثم انقش! فقد أثبتنا فيما سلف ضعف سند حديث سعد وكذا حديث صفية، على أنه لو ثبت الحديث فلا يصح في نظرنا أن يتخذ أصلًا السبحة لأنها من شعار النصارى، فإننا لا نزال نراهم حتى اليوم يعلقونها على أوساطهم وعليها الصليب، يضاف إلى ذلك أنها كثيرًا ما تكون أداة للرياء والسمعة والتظاهر بالصلاح والتقوى، كالذي يعلقها على رقبته، أو يكورها على يده. كما قلت في الرسالة الأولى من "تسديد الإصابة إلى من زعم نصرة الخلفاء الراشدين والصحابة" (١).
ثم قالا تبعًا لغيرهما: "إن استعمال السبحة في أعداد الأذكار الكثيرة التي يُلهي الاشتغال بها عن التوجه للذكر أفضل من العقد بالأنامل".
стр. 68
أقول: ليس في السنة عدد كبير يلهي الاشتغال بِعَدِّه عن التوجه للذكر! وإنما يحمل الشيخ وأمثالَه على هذه الدعوى أعني تفضيل السبحة في الأعداد الكثيرة التزامهم ما لم يرد في السنة من العدد الكثير، مثل التزام بعضهم العدد المشهور في بعض صيغ الصلوات المبتدعة! ألا وهو كما سبق التنبيه عليه.
وأنا اعتقد أن الاشتغال بِعدِّ الذكر المشروع عَدُّه وإحصاؤه أمر مقصود من الشارع الحكيم كالذكر نفسه، ولولا ذلك لكان الاشتغال بالعد عبثًا، وهذا أمر تتنزه الشريعة الحكيمة عنه، وعليه فلا يجوز لمسلم عاقل أن يعتبر الاشتغال بِعَدّ الذكر المشروع مهما كان عدده بالوسيلة المشروعة مُلهيًا عن التوجه للذكر، لأن العدَّ نفسه عبادة مشروعة في الوقت نفسه، وإنما يحمل على القول بخلاف هذا التزام أعداد مخترعة لا يمكن إحصاؤها إلا بوسيلة مبتدعة! .
فاللهم اجعلنا من أنصار سنة نبيك، المحاربين لما أحدث الناس في دينك.
* * *
هذا وما كاد ينشر المقال الأول والثاني من هذا الرد المبارك إن شاء الله تعالى حتى طلع علينا فضيلة الشيخ الحبشي برد آخر في رسالة أخرى أكثر كلامًا من الأولى! سماها "نصرة التعقيب الحثيث"! وقد كنت أشرت إليها أكثر من مرة في تضاعيف تحقيقنا في بعض المقالات السابقة، ولما رأيتها كسابقتها في سوء الفهم لكلامي والمغالطة في البحث، والخروج عن الجادة في الرد بالتي هي أحسن، بل وجدتها أشد إغراقًا من الأولى في الطعن والشتم والافتراء، الذي يترفع عنه العلماء مهما اختلفت أنظارهم، فتأمل على سبيل المثال إلى قوله في شخصي في التعليق (ص ٣):
"يضلل الشيخ بدر الدين في استعماله السبحة"!
стр. 69
فهذا كذب محض ومجرد اختلاق، وليته اكتفى بهذا بل أتبعه بقوله:
"وأنى لناصر أن يلحق غبار نعل الشيخ بدر الدين ﵀ علمًا وعملًا ..... ! " وقوله (ص ٦٤):
"فيا خجلته يومئذ ويا فضيحته! هذا إن مات مسلمًا، وإلا عوقب والعياذ بالله بسوء الخاتمة"! .
لما رأيت هذا وغيره تيقنت أن الشيخ -عفا الله عنا وعنه- لا يستحق الرد عليه" والوقت أضيق وأعز من أن يصرف في بيان جهالاته وأخطائه التي لا تكاد تنفد!
وختامًا أقول: إني مع كل هذا الذي فعله الشيخ فإني أكن له بالغ الاحترام والتعظيم؛ لأني أظن فيه الصلاح الذي كثيرًا ما يستغله بعض المغرضين لغير صلاح الصالح لو تنبه لذلك! ولهذا فإني أبادره بالسلام كلما لقيته وإن كان هو في الرد -رد السلام طبعًا! - لا يكاد يبين أيضًا! .
أسأل الله ﵎ أن يوفقنا وإياه لاتباع كتابه، واقتفاء آثار نبيه، واجتناب ما أحدثه المُحدِثون في دينه" إنه سميع مجيب.
وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
والحمد لله رب العالمين.