← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 151109

ورثة الأنبياء شرح حديث أبي الدرداء

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (55 стр.). Показаны 36–55 · переход к 41.

стр. 36

قال ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١). قال: "إِنَّمَا يَخَافَنِي مِنْ عِبَادِي مَنْ عَرِفَ جَلاَلِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي". فأفضل العِلْم العِلْم بالله، وهو العِلْم بأسمائه وصفاته، وأفعاله التي توجب لصاحبها معرفة الله وخشيته ومحبته وهيبته وإجلاله وعظمته، والتبتل إِلَيْهِ والتوكل عليه، والرضا عنه، والاشتغال به دون خلقه. ويتبع ذلك العِلْم بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتفاصيل ذلك، والعلم بأوامر الله ونواهيه وشرائعه وأحكامه، وما يحبه من عباده من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وما يكرهه من عباده من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. ومن جمع هذه العلوم فهو من العلماء الربانيين، العلماء بالله، العلماء بأمر الله. وهم أكمل ممن قصر علمه على العِلْم بالله دون العِلْم بأمره وبالعكس، وشاهد هذا النظر في حال الحسن وابن المسيب والثوري وأحمد وغيرهم من العلماء الربانيين، وحال مالك بن دينار والفضيل بن عياض ومعروف وبشر وغيرهم من العارفين. فمن قايس بين الحالين عرف فضل العلماء بالله وبأمره على العلماء بالله فقط. فما الظن بتفضيل العلماء بالله وبأمره على العلماء بأمره فقط، فإن هذا واضح لا خفاء به، وإنما يظن بعض من لا علم له تفضيل العباد على العلماء؛ لأنهم تخيلوا أن العلماء هم العلماء بأمر الله فقط، وأن العباد هم العلماء بالله وحده، فرجحوا العالم بالله على العالم بأمره، وهذا حق.

стр. 37

ونحن إنما نقول: إن العلماء بالله والعلماء بأمره أفضل من العباد، ولو كان العباد من العلماء بالله؛ لأنّ [العلماء] (١) الربانيين شاركوا العباد في فضيلة العِلْم بالله؛ بل ربما زادوا عليهم فيه، وانفردوا بفضيلة العِلْم بأمر الله، وبفضيلة دعوة الخلق إلى الله وهدايتهم إِلَيْهِ، وهو مقام الرسل ﵈ وكذلك كانوا خلفاء الرسل وورثتهم كما سيأتي ذكره -إن شاء الله تعالى. وهذا القدر الَّذِي انفردوا به عن العُبَّاد أفضل من القدر الَّذِي انفرد به العُبَّاد من نوافل العبادة، فإن زيادة المعرفة بما أنزل الله على رسوله توجب زيادة المعرفة بالله والإيمان به، وجنس المعرفة بالله والإيمان [به] (١) أفضل من جنس العمل بالجوارح والأركان، ولكن من لا علم له تعظم في نفسه العبادات على العِلْم؛ لأنّه لا يتصور حقيقة العِلْم ولا شرفه، ولا قدرة له على ذلك، وهو يتصور حقيقة العبادات، وله قدرة على جنسها في الجملة. ولهذا تجد كثيرًا ممن لا علم لديه يفضل الزهد في الدنيا على العلوم والمعارف وسببه ما ذكرناه. وهو أنّه لا يتصور معنى العِلْم والمعرفة، ومن لا يتصور شيئًا لا يقر فى صدره عظمته، وإنما يتصور الجاهل بالعلم حقيقة الدنيا، وقد عظمت في صدره، فعظم عنده من تركها. كما قال محمد بن واسع -وقد رأى (شابًّا) (*)، فقِيلَ لَهُ: هؤلاء زهاد- فَقَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ قَدْرُ الدُّنْيَا حَتَّى يُمْدَحَ مَنْ زَهِدَ فِيهَا. وقال أبو سليمان الداراني قريبًا من هذا المعنى أيضاً، فالمفتخر بالزهد في الدنيا كأنّه يفتخر بترك نزر يسير من شيء هو أقل عند الله من جناح بعوضة، وهذا أحقر من أن يذكر، فضلاً عن أن يفتخر به.

стр. 38

ولهذا أيضاً يعظم في نفوس كثير من الناس ذكر الخوارق والكرامات، ويرونها أفضل مما أعطيه العلماء من المعرفة والعلم، وإنما يتصورون حقيقة الخوارق؛ لأنها من جنس القدرة والسلطان في الدنيا، الَّذِي يعجز أكثر الناس عنه. وأما العلماء بالله فلا تعظم هذه الخوارق عندهم؛ بل يرون الزهد فيها، وإنها من نوع الفتنة والمحنة وبسط الدنيا على العبد، فيخافون من الاشتغال بها والوقوف معها، والانقطاع عن الله . وقد ذكر أبو طالب المكي هذا المعنى فى كتابه عن كثير من العارفين منهم أبو يزيد، ويحيى بن معاذ، وسهل [التستري] (١)، وذو النون، [والجنيد] (١) وغيرهم. وقيل لبعضهم: إن فلانًا يمشي على الماء! فَقَالَ: "مَنْ أَمْكَنهُ اللهُ مِنْ مُخَالَفَةِ هَوَاهُ فَهُوَ أَفْضَلُ". وكان أبو حفص النيسابوري يومًا جالسًا مع أصحابه خارج المدينة، وهو يتكلم عليهم، فطابت أنفسهم فجاء أيل (٢) قد نزل من الجبل حتى برك بين يديه، فبكى بكاءً شديدًا وانزعج، فسئل عن سبب بكائه، فَقَالَ: رأيت اجتماعكم حولي وقد طابت قلوبكم، فوقع في قلبي، لو أن لي شاة ذبحتها ودعوتكم، فما تحكم هذا الخاطر حتى جاء هذا الوحش فبرك بين يدي، فخيل لي أني مثل فرعون، الَّذِي سأل ربه أن يجري له النيل فأجراه له، قلت: فما يؤمنني أن يكون الله يعطني كل حظ في الدنيا، وأبقى في الآخرة فقيرًا لا شيء لي، فهذا الَّذِي أزعجني.

стр. 39

فأحوال العارفين كلها تدل على أنّهم لم يكونوا يلتفتون إلى هذه الخوارق وإنما كان اهتمامهم بمعرفة الله وخشيته، ومحبته والأنس به، والشوق إلى لقائه وطاعته، والعلماء الربانيون [يشاركون] (١) في ذلك ويزيدون عليهم بالعلم بأمر الله وبدعوة الخلق إلى الله. وهذا هو الفضل العظيم عند الله وملائكته ورسله كما قال بعض السلف: مَنْ عَمِلَ وَعَلِمَ وَعَلَّمَ فَذَلِكَ يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاءِ. وإذا ظهر فضل العالم على العابد، فإنما المراد تفضيله على العابد بعلم، فأما العابد بغير علم؛ فإنه مذموم. ولهذا شبهه السلف بالسائر على غير طريق، وبأنه يفسد أكثر مما يصلح. وبأنه كالحمار في الطاحون، يدور حتى يهلك من التعب ولا ييرح من مكانه. وهذا أشد ظهورًا ووضوحًا من أن يحتاج إلى بسط القول فيه. ولنضرب هاهنا مثلاً جامعًا لأحوال الخلق كلهم، بالنسبة إلى دعوة الرسول ﷺ وانقسامهم في إجابة دعوته إلى: سابق، ومقتصد، وظالم لنفسه، وبه يظهر فضل العلماء الربانيين على غيرهم من الناس أجمعين، فنقول: مثل ذلك كمثل رسول قدم من بلد الملك الأعظم فأدى رسالة الملك إلى سائر البلدان، وظهر لهم صدقه في رسالته، فكان مضمون رسالته التي أداها عند الملك الأعظم إلى رعيته: أن هذا الملك لا إحسان أتم من إحسانه، ولا عدل أكمل من عدله، ولا بطش أشد من بطشه، وأنه لابد أن يستدعي الرعية كلهم إِلَيْهِ ليقيموا عنده، فمن قدم عليه بإحسان جازاه بإحسانه أفضل الجزاء، ومن قدم عليه بإساءة جازاه بإساءته أشد الجزاء، وأنه يحب كذا وكذا، ويكره كذا وكذا، ولم يدع شيئًا مما تعمله الرعية إلا أخبرهم بما يحبه الملك منه وبما يكره، وأمرهم

стр. 40

بالتجهز والسير إلى دار الملك التي فيها الإقامة وأخبرهم بخراب جميع البلدان سوى ذلك البلد، وأن من لم يتجهز للسير بعث إِلَيْهِ الملك من يزعجه عن وطنه، وينقله منه على أسوأ حال، وجعل يصف صفات هذا الملك الحسنى من الجمال والكمال، والجلال والإفضال. فانقسم الناس في إجابة هذا الرسول الداعي إلى الملك أقسامًا عديدة: فمنهم من صدقه، ولم يكن له هم إلا السؤال عما يحب هذا الملك من الرعية واستصحابه إلى داره عند السير إِلَيْهِ. فانشغل بتخليصه لنفسه، وبدعاء من يمكنه دعاؤه من الخلق إلى ذلك، وعما يكرهه الملك، فاجتنبه وأمر الناس باجتنابه، وجعل همه الأعظم السؤال عن صفات الملك وعظمته وإفضاله، فزاد بذلك محبته لهذا الملك وإجلاله، والشوق إلى لقائه، فارتحل إلى الملك مستصحبًا لأنفس ما قدر عليه مما يحبه الملك ويرتضيه، واستصحب معه ركبًا عظيمًا على مثل حاله، سار بهم إلى دار الملك. وقد عرف من جهة ذلك الدليل -وهو الرسول الصادق- أقرب الطرق التي يتوصل بالسير فيها إلى الملك، وما ينفع من التزود للمسير فيها، وعَمِلَ بمقتضى ذلك في السير هو ومن اتبعه. فهذه صفة العلماء الربانيين الذين اهتدوا وهدوا الخلق معهم إلى طريق الله، وهؤلاء يقدمون على الملك قدوم الغائب على أهله، المنتظرين لقدومه، المشتاقين إِلَيْهِ أشد الشوق. وقسم آخرون اشتغلوا بالتأهب لمسيرهم بأنفسهم إلى الملك ولم يتفرغوا لاستصحاب غيرهم معهم. وهذه صفة العباد الذين تعلموا ما ينفعهم في خاصة أنفسهم، واشتغلوا بالعمل بمقتضاه.

стр. 41

وقسم آخرون تشبهوا بأحد القسمين، وأظهروا للناس أنّهم منهم، وأن قصدهم التزود للرحيل، وإنما كان قصدهم استيطان دارهم الفانية. وهم العلماء والعباد المراءون بأعمالهم؛ لينالوا بذلك مصالح دارهم التي هم بها مستوطنون، وحال هؤلاء عند الملك الأعظم إذا قدموا عليه شر حال، ويقال لهم: اطلبوا جزاء أعمالكم ممن عملتم لهم، فليس لكم عندنا من خلاف، وهم أول من تسعر بهم النار من أهل التوحيد. وقسم آخرون فهموا ما أراده الرسول من رسالة الملك، لكنهم غلب عليهم الكسل والتقاعد عن التزود للسفر. واستصحاب ما يحب الملك، واجتناب ما يكرهه. وهؤلاء العلماء الذين لا يعملون بعلمهم، وهم على شفا هلكة، وربما انتفع غيرهم بمعرفتهم ووصفهم لطريق السير، فسار المتعلمون فنجوا، وانقطع بمن تعلموا منهم الطريق فهلكوا. وقسم آخرون صدقوا الرسول فيما دعا إِلَيْهِ من دعوة الملك، لكنهم لم يتعلموا منه طريق السير، ولا معرفة تفاصيل ما يحبه الملك وما يكرهه، فساروا بأنفسهم، ورموا نفوسهم في طرق شاقة، ومخاوف وقفار وعرة، فهلك أكثرهم، وانقطعوا في الطريق، ولم يصلوا إلى دار الملك. وهؤلاء هم الذين يعملون بغير علم. وقسم لم يهتموا بهذه الرسالة، ولا رفعوا بها رأسًا، واشتغلوا بمصالح إقامتهم في أوطانهم التي أخبر الرسول بخرابها. وهؤلاء: منهم من كذب الرسول بالكلية ومنهم من صدقه بالقول ولكنه لم يشتغل بمعرفة ما دل عليه ولا بالعمل به، وهؤلاء عموم الخلق المُعْرِضُون عن العِلْم والعمل.

стр. 42

ومنهم الكفار والمنافقون، ومنهم العصاة الظالمون لأنفسهم. فلم يشعروا إلا وقد طرقهم داعي الملك، فأخرجهم عن أوطانهم، واستدعاهم إلى الملك، فقدموا عليه قدوم الآبق على سيده الغضبان. فإذا تأملت أقسام الناس المذكورة لم تجد أشرف ولا أقرب عند الملك من العلماء الربانيين، فهم أفضل الخلق بعد المرسلين. قوله ﷺ : "وَإِنَّ العُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ". يعني أنّهم ورثوا ما جاء به الأنبياء من العِلْم، فخلفوا الأنبياء في أممهم بالدعوة إلى الله وإلى طاعته، والنهي عن معاصي الله والذب عن دينه. وفي مراسيل الحسن، عن النبي ﷺ قال: "رَحْمَةُ اللهِ عَلَى خُلَفَائِي. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَنْ خُلَفَاؤُكَ؟ قَالَ: «الَّذِينَ يُحْيُونَ سُنَّتِي مِنْ بَعْدِي وَيُعَلِّمُونَهَا عِبَادَ اللَّهِ". وقد روي نحوه من حديث (١) علي بن أبي طالب ﵁ مرفوعًا أيضاً. فالعلماء في مقام الرسل بين الله وبين خلقه، كما قال ابن المنكدر: إِنَّ العَالِمَ بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، فَلْيَنْظُرْ كَيفَ يَدْخُلُ عَلَيْهِمِ. وقال ابن عيينة: أَعْظَمُ النَّاسِ مَنْزِلَةً مَنْ كَانَ بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ: الأَنْبِيَاءُ، وَالعُلَمَاءُ. وقال سهل التستري: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَجَالِسِ الأَنْبِيَاءِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَجَالِسِ العُلَمَاءِ، يَجِيءُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: يَا فُلاَنُ، أيش تَقُولُ فِي رَجُلٍ حَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: طُلِّقَتْ امْرَأَتُهُ، وَيَجِيءُ آخَرُ فَيَقَولُ: مَا تَقُولُ

стр. 43

في رَجُلٍ حَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ بِكَذَا وَكَذَا؟ فيقول: ليس يحنث بهذا القول. وليس هذا إلا لنبي أو عالم، فاعرفوا لهم ذلك. ورأت امرأة من العابدات في زمن الحسن البصري، كأنها تستفتي في المستحاضة، فقِيلَ لَهُا: أتستفتين وفيكم الحسن، وفي يده خاتم جبرئيل ﵇؟ وفي هذا إشارة إلى وراثة الحسن ما جاء به جبرئيل من الوحي بخاتمه. ورأى بعض العلماء النبي ﷺ في المنام فَقَالَ له: يا رسول الله، قد اختلف علينا في مالك والليث أيهما أعلم؟ فَقَالَ ﷺ : مالك ورث جدي -يعني: ورث علمي. ورأى بعضهم في المنام النبي ﷺ قاعدًا في المسجد، والناس حوله، ومالك قائم بين يديه، وبين يدي رسول الله ﷺ مسك، وهو يأخذ منه قبضة فيدفعها إلى مالك، ومالك ينشرها على الناس فأول ذلك لمالك بالعلم واتباع السنة. ورأى الفضيل بن عياض النبي ﷺ في منامه جالسًا، وإلى جنبه فرجة، فجاء ليجلس فيها، فَقَالَ له النبي ﷺ : "هذا مجلس أبي إسحاق الفزاري". فسئل بعضهم: أيهما كان أفضل أبو إسحاق أو فضيل؟ فَقَالَ: كان فضيل رجل نفسه، وكان أبو إسحاق رجل عامة. يشير إلى أنّه كان عالمًا ينتفع الناس بعلمه، وكان فضيل عابدًا نفعه لنفسه. والعلماء في الآخرة يتلون الأنبياء في الشفاعة وغيرها، كما في الترمذي (١)، عن عثمان، عن النبي ﷺ : "يَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْعُلَمَاءُ، ثُمَّ الشُّهَدَاءُ".

стр. 44

وقال مالك بن دينار: "بَلَغَنَا أَنّهُ يُقَالُ لِلعَابِدِ: ادْخُلِ الجَنَّةَ، وَيُقَالُ لِلْعَالِمِ: قِفْ فَاشْفَعْ". وقد روي هذا مرفوعًا من حديث أبي هريرة (١) بإسناد ضعيف جدًّا. وللعلماء الكلام في الموقف إذا اشتبهت الأمور على الناس؛ فإذا ظن أهل الموقف أنّهم لم يلبثوا في قبورهم إلا ساعة؛ بَيّن أهل العِلْم أن الأمر على خلاف ذلك كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ الآية (٢). والعلماء يخبرون يوم القيامة بخزي المشركين كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٣). وقد روي في حديث مرفوع: "إِنَّ النَّاسَ يَحْتَاجُونَ فِي الجَنّةِ إِلَى العُلَمَاءِ كَمَا كَانُوا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِمْ في الدُّنيا، إِذَا اسْتَدْعَى الرَّبُّ أَهْلَ الجَنَّةِ لِزِيَارَتِهِ وَقَالَ لَهُمْ: سَلُونِي مَا شِئْتُمْ فَيَلْتَفِتُونَ إِلَى العُلَمَاءِ مِنْهُمْ، فَيَقُولُونَ: سَلُوهُ رُؤْيَتِهِ؛ فَمَا فِي الْجَنَّةِ أَعْظَمُ مِنْهَا" (٤). وهذا كله يبين أن لا درجة بعد النبوة أفضل من درجة العلماء.

стр. 45

وقد يطلق اسم العلماء ويراد إدخال الأنبياء فيهم كما في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ (١). فلم يفرد الأنبياء بالذكر؛ بل أدخلهم في مسمى العلماء، وكفى بهذا شرفًا للعلماء أنّهم يسمون باسم يجتمعون هم والأنبياء فيه. ومن هنا قال من قال: إِنَّ العُلَمَاءَ العَامِلِينَ هُمْ أَوْلِيَاءُ اللهِ. كما قال أبو حنيفة والشافعي: إِنْ لَمْ يَكُنْ العُلَمَاءُ وَالفُقَهَاءُ أَوْلِيَاءَ اللهِ فَلَيْسَ للهِ وَلِيٌّ. وقال الإمام أحمد في أَهْلِ الْحَدِيثِ: إِنَّهُمْ هُمُ الأَبْدَالُ. قوله ﷺ : "إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ؛ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ". والمراد بهذا أن العلماء ورثوا الأنبياء فيما خلفوه، وأن الَّذِي خلف الأنبياء هو العِلْم النافع، فمن أخذ العِلْم وحصل له فقد حصل له الحظ العظيم الوافر الَّذِي يغبط به صاحبه. وَرَأَى ابْنُ مَسْعُود قَوْمًا فِي المَسْجِدِ يَتَعَلَّمُونَ فَقَالَ رَجُلٌ: عَلَى مَا اجْتَمَعَ هَؤُلاَءِ؟ فَقَالَ: عَلَى مِيرَاثِ مُحَمَّد ﷺ يَقْتَسِمُونَهُ. وخرج أبو هريرة إلى السوق، فَقَالَ لأهله: تَرَكْتُمْ مِيرَاثَ مُحَمَّدٍ ﷺ يُقْتَسَمُ فِي المَسْجدِ ِوَأَنْتُمْ هَا هُنَا (٢)؟! فتركة النبي ﷺ وميراثه هو هذا الكتاب الَّذِي جاء به مع السنة المفسرة له المبينة لمعانيه. وفي "صحيح البخاري" (٣) عن ابن عباس "أنّه سئل: أترك النبي ﷺ من شيء؟ قال: مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ، يَعْنِي: دفتي المُصْحَف".

стр. 46

وفي " الصحيحين " (١) عن ابن أبي أوفى "أنّه سئل: هل وصى رسول الله ﷺ بشيء؟ قال: وَصَّى بِكِتَابِ اللهِ ". وخطب ﷺ في مرجعه من حجة الوداع فَقَالَ: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَهُ، وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: أَوَّلَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، مَنِ اسْتَمْسَكَ بِهِ وَأَخَذَ بِهِ كَانَ عَلَى الهُدَى وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ" خرَّجه مسلم (٢). وفي "المسند" (٣) عن عبد الله بن عمرو قال: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا كَالْمُوَدِّعِ، فَقَالَ: "أَنَا النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ " -قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- "وَلَا نَبِيَّ بَعْدِي، أُوتِيتُ فَوَاتِحَ الْكَلِمِ وَجَوَامِعَهُ، وَعَلِمْتُ كَمْ خَزَنَةُ النَّارِ وَحَمَلَةُ الْعَرْشِ، وَعُوفِيتْ أُمَّتِي، فَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا مَا دُمْتُ فِيكُمْ؛ فَإِذَا ذُهِبَ بِي فَعَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اللهِ، أَحِلُّوا حَلَالَهُ وَحَرِّمُوا حَرَامَهُ". قوله ﷺ : "إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ". يريد أنّهم لم يورث عنهم سوى العِلْم، وهذا يبين المراد بقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ (٤). وقوله تعالى عن زكريا أنّه قال: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ (٥). إنما أريد به ميراث العِلْم والنبوة لا المال؛ فإن الأنبياء لا يجمعون مالاً يتركونه.

стр. 47

قال ﵇: "مَا تَرَكْتُ بَعْدَ مُؤْنَةِ عَامِلِي وَنَفَقَةِ عِيَالِي فَهُوَ صَدَقَةٌ" (١). "وَمَا تَرَكَ إِلاَّ دِرْعَهُ وَسِلاَحه وَبَغْلَتَهُ البَيْضَاءَ وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً" (٢). فلم يخلف سوى آلته الَّذِي بعث به، والأرض التي كان يقتات منها هو وعياله، ردها صدقة على المسلمين. وكل هذا إشارة إلى أن الرسل لم تبعث بجمع الدنيا وتوريثها لأهليهم، وإنما بعثوا بالدعوة إلى الله والجهاد في سبيله والعلم النافع وتوريثه لأممهم. وفي مراسيل أبي مسلم الخولاني، عن النبي ﷺ قال: "مَا أَوْحَى اللهُ إِلَيَّ أَنْ أَجْمَعَ المَالَ وَأَكُنْ مِنَ التَّاجِرِينَ، وَلَكِنْ أَوْحَى إِلَيّ: أَنْ سَبّحَ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ" خرجه أبو نعيم (٣). وفي الترمذي (٤) وغيره عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "مَا لِي وَلِلدُّنْيَا؟! إنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ بِظِلِّ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا". فقوله ﷺ : "وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ". فيه إشارة إلى أمرين: أحدهما: أن العالم الَّذِي هو وارث للرسول حقيقة، كما أنّه ورث علمه فينبغي أن يورثه كما ورث الرسول العِلْم، وتوريث العالم العِلْم هو أن يخلفه بعده بتعليم أو تصنيف، ونحو ذلك مما ينتفع به بعده. وفي " الصحيح " (٥) عن النبي ﷺ : "إِذَا مَاتَ العبدُ انْقَطَعَ عَمَلُه إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: عِلْمٍ نَافِعٍ، أَوْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ".

стр. 48

فالعالم إذا عَلَّم من يقوم به بعده؛ فقد خلف علمًا نافعًا وصدقة جارية؛ لأنّ تعليم العِلْم صدقة، كما سبق عن معاذ وغيره، والذين علمهم بمنزلة أولاد الصالحين يدعون له، فيجتمع له بتخليف علمه هذه الخصال الثلاث. والأمر الثاني: أن من كمال ميراث العالم للرسول ﵇ أن لا يخلف الدنيا كما لم يخلفها الرسول، وهذا من جملة الاقتداء بالرسول وبسنته في زهده في الدنيا، وتقلله منها، واجتزائه منها باليسير. كما كان سهل التستري يقول: مِنْ عَلاَمَةِ حُبِّ السُّنَّةِ حُبُّ الآخِرَةِ وَبُغْضُ الدُّنْيَا، وألا يأخذ مِنْهَا إِلاَّ زَادًا بُلْغَةً إِلَى الآخِرَةِ. وقال مالك بن دينار: إِنَّمَا العَالِمُ الَّذِي إِذَا أَتَيْتَهُ فِي بَيْتِهِ فَلَمْ تَجِدْهُ قَصَّ عَلَيْكَ بَيْتِهِ، رَأَيْتَ حَصِيرَةَ الصَّلاةِ وَمُصْحَفِهِ وَمَطْهَرَتَهُ فِي جَانِبِ البَيْتِ، تَرَى أَثَرَ الآخِرَةِ. وكان الفضيل يقول: احْذَرُوا عَالِمَ الدُّنْيَا لاَ يَصُدَّكُمْ بِسُكْرِهِ. ثم قال: إِنَّ كثيرًا مِنْ عُلَمَائِكُمْ زِيُّهُ أَشْبَهَ بِزِيِّ كِسْرَى وَقَيْصَر، أَشْبَهُ مِنْهُ بِزِيِّ مُحَمَّد ﷺ ، إِنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَضَعْ لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةٍ، وَلاَ قَصَبَةً عَلَى قَصَبَةٍ، وَلَكِنْ رُفِعَ لَهُ عَلَمٌ فَشَمَّرَ إِلَيْهِ". وكان يقول: العُلَمَاءُ كَثِيرٌ وَالحُكَمَاءُ قَلِيلٌ، وَإِنَّمَا يُزَادُ مِنَ العِلْمِ الحِكْمَةُ، فَمَنْ أُوتِيَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا. وهكذا كان حال العُلَمَاء الربانيين كالحسن وسفيان وأحمد، اجتزءوا من الدنيا باليسير إلى أن خرجوا منها، ولم يخلفوا سوى العِلْم، مع أن بعضهم كان يلبس لباسًا حسنًا، ويأكل أكلاً متوسطًا بعيدًا من التقشف. كالحسن البصري؛ فإنه كان يأكل اللحم كل يوم، كان يشتري بنصف درهم لحمًا فيطبخه مرقة طيبة فيأكل منه هو وعياله، ويُطْعِمُ كل من دخل عليه، وكان يلبس الثياب الحسنة، وهو مع هذا أزهد الناس في الدنيا، وما زاحم على شيء منها قط.

стр. 49

وكان الناس إذا دخلوا عليه خرجوا من عنده، ولا يعدون الدُّنْيَا شيئًا، وما رأوا أشد احتقارًا لأهل الدُّنْيَا منه. وكانوا يدخلون عليه في مرضه يعودونه وليس في بيته إلا سرير مرمول (١) هو عليه، وليس في بيته قليل ولا كثير، حتى قال ابن عون: "إِنَّمَا اسْتَبَدَّ الحَسَنُ النَّاس بِالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، فَأَمَّا العِلْمُ فَقَدْ شُورِكَ فِيهِ". وكان الحسن يقول: "إِنَّمَا الْفَقِيهُ الزَّاهِدُ فِي الدُّنْيَا، الرَّاغِبُ فِي الْآخِرَةِ، المُجْتَهِدُ فِي العِبَادَةِ، القَائِمُ بِسُنَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، من رأى مُحَمَّدًا فقد رآه غاديًا ورائحًا لم يضع لبنة، على لبنة ولا قصبة على قصبة؛ إِنَّمَا رفع له علم فشمر إِلَيْهِ". وكان سفيان الثوري أشد تقشفًا في ملبسه من الحسن، حتى كان من يراه ولا يعرفه يظنه من السؤال، وكان مع شدة ورعه إذا وجد الحلال أكل منه طيبًا، وإن لم يجد حلالاً استف الرمل، وربما بقي ثلاثًا لا يطعم شيئًا مع عرض الناس عليه الأموال الكثيرة. وكان إذا شبع من الحلال يزيد في عمله ويقول: "أطعم الزنجي وكده ". وكان أزهد الناس في الدُّنْيَا في زمانه حتى كان يتعرى بمجلسه عن الدُّنْيَا ولم تكن السلاطين والملوك والأغنياء أذل منهم في مجلسه، ولا الفقراء والمساكين أعز منهم فى مجلسه. وكان الخوف قد غلب عليه، فلما مرض مرض الموت حُمل ماؤه إلى طبيب فَقَالَ: "لَيْسَ لِهَذَا دَوَاءٌ، هَذَا قَدْ فَتَّتَ الحُزنُ وَالخَوفُ كَبِدَهُ". ويقال: لم يكن في زمانه من هو أخوف لله منه، ولا من هيبة الله في صدره أعظم منه.

стр. 50

ولما مات قال بعض العُلَمَاء: معشر أهل الهوى، كلوا الدُّنْيَا بالدين، فقد مات سفيان، يعني؛ ما بقي بعده أحد يستحيا منه. وأما الإمام أحمد فكان أشد منهما تقشفًا في عيشه وأكثر صبرًا على خشونة العيش للقلة، وكانت معيشته من حوانيت له ورثها من أبيه، ويأخذ أجرها في الشهر دون عشرين درهمًا، ومات لم يخلف إلا قطعًا في خرقة له، كان وزنها دون نصف درهم، وترك عليه دينًا قضي عنه من أجرة حوانيته مع كثرة ما كان يرد عليه من الخلفاء من الجوائز والصلات. وكان يحيى بن أبي كثير من العُلَمَاء الربانيين المتوسعين في العِلْم، وكان يقال: إنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مِثْلُهُ، وَكَانَ حسن الثياب، حسن الهيئة، فلما مات خلف ثلاثين درهمًا كفنوه بها ﵀. وكان محمد بن أسلم الطوسي من العُلَمَاء الربانيين الزهاد، فمات ولم يخلف سوى كساءه ولبده (١)، فوضعوهما على نعشه وإناء للوضوء تصدقوا به. فكان النساء على السطوح يقلن في جنازته: هَذَا العَالِمُ الَّذِي خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا، وَهَذَا مِيرَاثُهُ الَّذِي عَلَى جَنَازَتِهِ، لَيْسَ مِثْلَ عُلَمَائِنَا هَؤُلاَءِ عَبِيدُ بُطُونِهِمْ، يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ لِلْعِلْمِ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا فَيَشْتَرِي الضّيَاعَ وَيَسْتَفِيدُ المَالَ. وقال العباس بن مرثد: سَمِعْتُ أَصْحَابَنَا يَقُولُونَ: صَارَ إِلَى الأَوْزَاعِي أَكْثَرُ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ مِنَ السُّلْطَانِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، فَلَمَّا مَاتَ خَلَّفَ سَبْعَةَ دَنَانِيرَ بَقِيَتْ بَقِيَّة، وَمَا كَانَ لَهُ أَرْضٌ وَلاَ دَارٌ. قال العباس: نَظَرْنَا فَإِذَا هُوَ أَخْرَجَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالفُقَرَاءِ. وقد وصف الله سبحانه في كتابه العُلَمَاء بأوصاف منها: الخشية والخشوع والبكاء، كما سبق ذكره.

стр. 51

ومنها احتقار الدُّنْيَا والتزهيد فيها كما قال تعالى في قصة قارون: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ (١). وقيل للإمام أحمد: إِنَّ ابن المبارك قِيلَ لَهُ: كيف يعرف العالم الصادق؟ فَقَالَ: الَّذِي يَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا وَيُقْبِلُ عَلَى أَمْرِ الآخِرَةِ. فَقَالَ أحمد: نعم، هكذا ينبغي أن يكون. وكان أحمد ينكر على أهل العِلْم حب الدُّنْيَا والحرص على طلبها. واعلم أنّه إِنَّمَا أهلك أهل العِلْم وأوجب إساءة ظن الجهال بهم وتقديم جهال المتعبدين عليهم ما دخل عليهم من الطمع في الدُّنْيَا. وقد رأى علي بن أبي طالب- ﵁ رجلاً يقص، فَقَالَ له: لأَسْأَلَنَّكَ مَسْأَلَةً، فَإِنْ خَرَجْتَ مِنْهِا وَإِلاَّ عَلَوْتُكَ بِهَذِهِ الدُّرَّةِ، فَقَالَ له: سَلْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ. فَقَالَ له: مَا ثَبَاتُ الدِّينِ وَزَوَالُهُ؟ فَقَالَ له: ثَبَاتُ الدِّينِ الوَرَعُ، وَزَوَالُهُ الطَّمَعُ. فَقَالَ له: قُصَّ، فَمِثْلُكَ يَقُصُّ (٢). وهذا السؤال من علي ﵁ لهذا القاص فيه إشارة إِلَى أن من نشر علمه للناس وتكلم عليهم، ينبغي أن يكون ورعًا عما في أيديهم، غير طامع في شيء من أموالهم ولا أرزاقهم، ولا اجتلاب قلوبهم اليه، وإنما ينشر علمه لله ويتعفف عن الناس بالورع.

стр. 52

وفي "سنن ابن ماجه" (١) عن ابن مسعود قال: "لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ صَانُوا الْعِلْمَ وَوَضَعُوهُ عِنْدَ أَهْلِهِ لَسَادُوا أَهْلَ زَمَانِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ بَذَلُوهُ لِأَهْلِ الدُّنْيَا لِيَنَالُوا بِهِ مِنْ دُنْيَاهُمْ فَهَانُوا عَلَيْهِمْ، سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا: هَمَّ آخِرَتِهِ، كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ وَادٍ مِنْ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ". وقال أبو حازم الزاهد: لَقَدْ أَتَتْ عَلَيْنَا بُرْهَةٌ مِنْ دَهْرِنَا وَمَا عَالِمٌ يَطْلُبُ أَمِيرًا، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا عَلِمَ اكْتَفَى بِالعِلْمِ عَمَّا سِوَاهُ، فَكَانَتْ الأُمَرَاءُ تعساهم في منازلهم وتقتبس منهم، فَكَانَ فِي ذَلِكَ صَلاَحٌ لِلْفَرِيقَيْنِ لِلْوَالِي والمُولى عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَتْ الأُمَرَاءُ أَنَّ العُلَمَاءَ قَدْ غَشُّوهُمْ وَجَالَسُوهُمْ، وَسَأَلُوهُمْ مَا فِي أَيْدِيهِمْ هَانُوا عَلَيْهِمْ، وَتَرَكُوا الأَخْذَ عَنْهُمْ وَالاقْتِبَاسَ مِنْهُمْ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ هَلاَكُ الفَرِيقَيْنِ الوَالِي والمُولى عَلَيهِ. ودخل أعرابي البصرة فَقَالَ: مَنْ سَيّدُ هَذِهِ القَرْيَةِ؟ فقالوا: الحَسَنُ، قَالَ: فَبِمَ سَادهُمْ؟ قالوا: احْتَاجَ النَّاسُ إِلَى عِلْمِهِ، وَاسْتَغْنَى هُوَ عَنْ دُنْيَاهُمْ. وكان الحسن يقول: إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شَيْنًا، وَشَيْنُ العِلْمِ الطَّمَعُ. وقال: مَنْ ازْدَادَ عِلْمًا فَازْدَادَ عَلَى الدُّنْيَا حِرْصًا، لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللهِ إِلاَّ بُعْدًا، وَلَمْ يَزْدَدْ اللهُ لَهُ إِلاَّ بُغْضًا. واجتاز الحسن يَوْمًا ببعض القراء عَلَى أبواب بعض السلاطين فَقَالَ: أَقْرَحْتُمْ جِبَاهَكُمْ، وَفَرْطَحْتُمْ نِعَالَكُمْ، وَجِئْتُمْ بِالعِلْمِ تَحْمِلُونَهُ عَلَى رِقَابِكُمْ إِلَى

стр. 53

أَبْوَابِهِمْ، فَزَهِدُوا فِيكُمْ، أَمَّا إِنَّكُمْ لَوْ جَلَسْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ حَتَّى يَكُونُوا هُمُ الَّذِينَ يُرْسِلُونَ إِلَيْكُمْ؛ لَكَانَ أَعْظَمَ لَكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ، تَفَرَّقُوا فَرَّقَ اللهُ بَيْنَ أَضْلاَعِكُمْ. وفي رواية: تَفَرَّقُوا فَرَّقَ اللهُ بَيْنَ أَرْوَاحِكُمْ وَأَجْسَامكُمْ، فَرْطَحْتُمْ نِعَالكُمْ، وَشَمَّرْتُمْ ثِيَابَكُمْ، وَجَزَزْتُمْ شُعُورَكُمْ، وَلَكِنَّكُمْ رَغِبْتُمْ فِيمَا عِنْدَهُمْ فَزَهِدُوا فِيكُمْ، فَضَحْتُمْ القُرَّاءَ فَضَحَكُمُ اللهُ، أَما وَاللهِ لَوْ زَهِدْتُّمْ فِيمَا عِنْدَهُمْ لَرَغِبُوا فِيمَا عِنْدَكُمْ، وَلَكِنَّكُمْ رَغِبْتُمْ فِيمَا عِنْدَهُمْ فَزَهِدُوا فِيكُمْ وَفِيمَا عِنْدَكُمْ أَبْعَدَ اللهُ مَنْ أَبْعَدَ. وفي الجملة فمن لا يصون نفسه لا ينتفع بعلمه ولا ينتفع غيره به. قال الشافعي: مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ عَظُمَتْ قِيمَتُهُ، وَمَنْ كَتَبَ الحَدِيثَ قَوِيَتْ حُجَّتُهُ، وَمَنْ تَفَقَّهَ نَبُلَ قَدْرُهُ، وَمَنْ تَعَلَّمَ العَرَبِيَّةَ رَقَّ طَبْعُهُ، وَمَنْ تَعَلَّمَ الحِسَابَ جَزُلَ رَأْيُهُ، وَمَنْ لَمْ يَصُنْ نَفْسَهُ لَمْ يَنْفَعُهُ عِلْمُهُ. وفي هذا المعنى يقول أبو الحسن عبد العزيز الجرجاني ﵀: يَقُولُونَ لِي فِيكَ انْقِبَاضٌ وَإِنَّمَا ... رَأَوْا رَجُلاً عَنْ مَوْقِفِ الذُّلّ أَحْجَمَا أَرَى النَّاسَ مَنْ دَانَاهُمُ هَانَ عِنْدَهُمْ ... وَمَنْ أَكْرَمَتْهُ عِزَّةُ النَّفْسِ أُكْرِمَا وَلَمْ أَقْضِ حَقَّ العِلْمِ إِنْ كَانَ كُلَّمَا ... بَدَا طَمَعٌ صَيَّرْتُهُ لِي سُلَّمَا إِذَا قِيلَ هَذَا مَنْهَلٌ قُلْتُ قَدْ أَرَى ... وَلَكِنَّ نَفْسَ الحُرِّ تَحْتَمِلُ الظّمَا ولَمْ أَبْتَذِلْ فِي خِدْمَةِ العِلْمِ مُهْجَتِي ... لأَِخْدِمَ مَنْ لاَقَيْتُ لَكِنْ لأُِخْدَمَا

стр. 54

أَأَشْقَى بِهِ عَرْسًا وَأَجْنِيهِ ذِلَّةً ... إِذًا فَاتِّبَاعُ الْجَهْلِ قَدْ كَانَ أَحْزَمَا وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ صَانُوهُ صَانَهُمْ ... وَلَوْ عَظَّمُوهُ فِي النُّفُوسِ لَعُظِّمَا وَلَكِنْ أَهَانُوهُ فَهَانُوا وَدَنَّسُوا ... مُحَيَّاهُ بِالْأَطْمَاعِ حَتَّى تَجَهَّمَا الحرص عَلَى الدُّنْيَا والطمع فيها قبيح وهو من العُلَمَاء أقبح، فإن كان بعد نزول الشيب فهو أقبح وأقبح. لبس بعض العُلَمَاء من التابعين ثيابه وتهيأ ليمضي لبعض الملوك فأخذ المرآة فنظر فيها فنظر في لحيته طاقة شيب، فَقَالَ: السلطان والشيب! ثم نزع ثيابه وجلس. قَدْ آنَ بَعْدَ ظَلاَمِ الجَهْلِ إِبْصَارِي ... لِلْشَّيْبِ صُبْح يُنَادِينِي بِأَسْفَارِي لَيْلُ الشَّبَابِ قَصِيرٌ فَاسْرِ مُتَّئِدًا ... إِنَّ الصَّبَاحَ قُصَارَى المُدَلِجِ السَّارِي كَمْ ذَا اغْتِرَارِي بِالدُّنيا وَزُخْرُفهَا ... أَبْنِي بِنَاهَا عَلَى جُرْفٍ لَهَا هَارٍ دَارٌ مَآثِمُهَا تَبْقَى وَلَذَّتُهَا ... تَفْنِى أَلا قَبُحَتْ هَاتِيكَ مِنْ دَارِ لَيسَ السَّعِيدُ الَّذِي دُنْيَاهُ تُسْعِدُهُ ... إِنَّ السَّعِيدَ الَّذِي يَنْجُو مِنَ النَّارِ

стр. 55

أَصْبَحْتُ مِنْ سَيِّئاتِي خَائِفًا وَجلاً ... وَاللهُ يَعْلَمُ إِعْلاَئِي وَإِسْرَارِي إَذَا تَعَاظَمْتُ ذَنْبِي ثُمَّ آيَسَنِي ... رَجَوْتُ عَفْوَ عَظِيمِ العَفْوِ غَفَّارِ نجزت، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله عَلَى سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ***