← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 151137

شرح حديث «إن أغبط أوليائي»

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (29 стр.). Показаны 1–29.

стр. 1

شرح حديث "إن أغبط أوليائي"

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رب يسر وأعن يا كريم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله عَلَى سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا. خرَّج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه (١) من حديث أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَغْبَطَ أَوْلِيَائِي عِنْدِي لَمُؤْمِنٌ خَفِيفُ (الْحَاذِّ) (٢) ذُو حَظٍّ مِنَ الصَّلَاةِ، أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَأَطَاعَهُ فِي السِّرِّ، وَكَانَ غَامِضًا فِي النَّاسِ لَا يُشَارُ لَهُ بِالْأَصَابِعِ، وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافًا فَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ نَقَرَ بِيَدِهِ فَقَالَ: عُجِّلَتْ مَنِيَّتُهُ، قَلَّتْ بَوَاكِيهِ، قَلَّ تُرَاثُهُ».

стр. 3

وقال الترمذي: حديث حسن واللفظ له. ولفظ ابن ماجه: "أغبط الناس عندي" والباقي بمعناه ولم يذكر "نقر بيده". قوله ﷺ : "أغبط أوليائي عندي" الاغتباط هو: الفرح والسرور والابتهاج بالنعمة سواء كانت عَلَى الإنسان أو عَلَى غيره، محبة لذلك الغير وتهنئة له بما وصل إِلَيْهِ، وسواء كان المغبِط له أعلى منزلة من المغبوط أو مساويًا أو دونه. فأما مع علو المنزلة فكما في هذا الحديث، وفي حديث: «إن لِلَّهِ عِبَادًا لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِمَكَانِهِمْ مِنَ اللَّهِ » (١). وفسرهم بالمتحابين في الله ، وليس المراد أن الأنبياء يتمنون أن يكونوا بمنزلتهم لقصورهم عن درجاتهم، وإنَّما المراد أنهم يبتهجون ويسرون بهم بمكانهم من الله . ومن هنا يعلم أن من فسر الغبطة بتمني مثل نعمة المغبوط، من غير زوالها عنه -بخلاف الحسد، فإنَّه تمني زوال نعمة المحسود- ليس ذلك

стр. 4

عَلَى إطلاقه وإنَّما هي في غبطة الأدنى للأعلى خاصة. وقوله: "أغبط أوليائي عندي" يشير ﷺ إِلَى أن من كان كذلك فهو من خاصة أوليائه، وأن النبي ﷺ يُسَرُّ بمن كان من أمته عَلَى هذه الصفة، ويفرح به ويهنئه بما حصل له من السعادة، وكذلك جعله النبي ﷺ من أوليائه. وأولياء رسول الله ﷺ أولياء الله؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (١) وصحَّ عنه ﷺ أنَّه قال: "إن وليي الله وصالح المؤمنين". وفي حديث آخر "إن أوليائي، من كانوا وحيث كانوا". وكذلك هم أولياء الله ؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٢) فمن كان أعظم إيمانًا وتقوى فهو أعظم ولاية لله ورسوله ﷺ ، فلهذا قال في هذا الحديث: "إن أغبط أوليائي عندي لمؤمن" والمؤمن إذا أُطلق، لا سيما في مقام المدح، فإنما يراد به: من كمل إيمانه بفعل الواجبات وترك المحرمات، وربما أريد به: من قام بعد ذلك بالنوافل؛ لأنّ ذلك كله داخل في اسم الإيمان. وقوله: "خفيف الحاذ" فسره الأصمعي بقلة المال. ﴿قال﴾ (*): ابن قتيبة: ويفسر أيضاً بقلة العيال، ويشهد لهذا قول أبي ذر: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يُغْبَطُ الرَّجُلِ فِيهِ بِخِفَّةِ الْحَاذِ، كَمَا يُغْبَطُ الْيَوْمَ فِيكُمْ أَبُو عَشْرَةَ» خرجه أبو نعيم وغيره. وخرَّج ابن عدي (٣) وغيره (٤) من حديث حذيفة مرفوعًا: "خيركم في

стр. 5

المائتين كل خفيف الحاذ. قالوا: وما خفيف الحاذ؟ قال: الَّذِي لا أهل له ولا ولد". وهو من باب الاستعارة والكناية؛ لأنّ أصل الحاذ هو اللحم كما يقال: خفيف الظهر. فأما قلة المال: فهو ما يغبط به صاحبه في الدُّنْيَا إذا صبر عَلَى ذلك أو رضي به، وسنذكر ذلك في تفسير قوله: "وكان رزقه كفافًا فصبر عليه" إن شاء الله تعالى. وأما قلة العيال فهو مما يغبط به المؤمن أحيانًا لاسيما مع فقره وحاجته، ولهذا يقال: "قلة العيال أحد اليسارين". فإن كثرة العيال قد يحمل المؤمن عَلَى طلب الرزق لهم من الوجوه المكروهة، ولهذا وقع في كلام كثير من السَّلف ذم العيال، فكان سفيان الثوري يقول: لا يُعبأ بصاحب عيالٍ، فقلما رأيت صاحب عيال إلا خلط. وكان يقول: لا أعتد بعبادة رجل له عيال.

стр. 6

وقال: لو حدّثت عن ذي العيال أنَّه كفر ما أبعدت. وقال: صاحب العيال لا يكون ورعًا أبدًا. وقال: من تزوج فقد ركب البحر، فإن ولد له فقد كُسر المركب. وقال: كانت لنا هرَّة لا تؤذينا، فلما ولدت كشفت القدور. وعاتب سفيان رجلاً من كتاب الأمراء عَلَى كتابته معهم، وقال له سفيان: كلما دعي بأمير ممن كتبت له دعيت أنت معه، فسئلت عما جرى عَلَى يدك فأنت أسوؤهم حالاً. فَقَالَ له الرجل: فكيف أصنع بعيالي؛ فَقَالَ سفيان: اسمعوا هذا، يقول إذا عصى الله رُزق عياله، وإذا أطاع الله ضُيع عياله، ثم قال سفيان: لا تقتدوا بصاحب عيال، فما كان عذر من عوتب إلا أن قال: عيالي. وقال: يؤمر بالرجل إِلَى النار يوم القيامة فيقال: هذا عياله أكلوا حسناته. ولما ولي شريك قضاء الكوفة هجره سفيان وقال: أي رجل أفسدوه! فَقَالَ شريك: لو كان لسفيان بنات، أفسدوه أكثر مما أفسدوني. ومما يستدل عَلَى فضل قله العيال بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (١) عَلَى تفسير من فسره بكثرة العيال، ولكن الجمهور عَلَى تفسيره بالجور والحيف، فإن ملك اليمين قد تكثر به الأولاد كثر من الزوجات الأربع، فإنَّه لا ينحصر في عدد. وكان الإمام أحمد ينكر عَلَى من كره كثرة الأزواج والعيال، ويستدل بحال النبي ﷺ وأصحابه من كثيرة أزواجهم وعيالهم، ويمثل قوله: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢) ولكنه يأمر مع

стр. 7

هذا بطلب الحلال والكسب، والصبر عَلَى الفقر وإن شق، فالإمام أحمد أمر بما جاء الأمر به في الشرع، وسفيان نظر إِلَى قلة صبر الناس إِلَى ما يئول إِلَيْهِ حالهم عند كثرة عيالهم من ترك الورع، والتكسب من الوجوه المكروهة، وهذا هو الغالب عَلَى الناس لاسيما مع قلة العِلْم والصبر (١)، وأما حال الصابرين عَلَى العيال المحافظين عَلَى الورع معهم فعزيزٌ جدًّا كحال الفضيل لما دخل عليه الرشيد فأعطاه ألف دينار، فأبى أن يأخذها، فخرج عنه، فجاء إِلَيْهِ بعض عياله فقالوا له: لو قبلت هذا المال ففرجت به عنا، قال: مثلي ومثلكم كمثل ﴿رجال﴾ (٢) كان لهم جمل يستقون عليه، فلما كبر نحروه، فأكلوا لحمه. وكان الإمام أحمد له عيال وكان يومًا لا يكون عنده شيء يفرح، وقال: أسرُّ أيامي يوم أصبح وليس عندي شيء، وأرسل يومًا إِلَيْهِ عياله يَقُولُونَ له: ليس عندنا اليوم دقيق، أو قالوا: خبز -فَقَالَ لهم: الساعة، ثم أبطأ عليهم، فعاودوه فَقَالَ: الساعة. فدق عليه رجل الباب، فإذا هو رجل من خراسان قد أرسل معه إِلَيْهِ بخمسة آلاف درهم، فأبى أن يأخذها رردها. كان فتح الموصلي يجمع عياله في ليالي الشتاء، ويمد كساءه

стр. 8

عليهم ويقول: أجعتني وأجعت عيالي وأعريتني وأعريت عيالي، فبأي وسيلة توسلت بها إليك حتى تفعل هذا بي، وإنَّما تفعل هذا بأوليائك وأحسابك، فهل أنا منهم حتى أفرح، وعريت ابنة له فقِيلَ لَهُ: لو طلبت من أحد أن يكسوها؟ فَقَالَ: أدَعُها حتى يرى الله عريها وصبري عَلَى ذلك. وجيء إِلَى عبد الصمد الزاهد بمال، فأبى أن يقبله فقالوا له: تصدق به. فَقَالَ لأصحابه: من كانت له حاجة إلي شيء فليأخذ، فَتَورَّعَهُ أصحابُهُ بقدر حاجاتهم فجاء إِلَيْهِ بني له صغير يبكي فَقَالَ: أنا جائع. فَقَالَ: اذهب فخذ عليَّ من البقال ربع رطل تمر. إخواني، الطبع إِلَى التوسع في الدُّنْيَا يحن، والولد يطلب ما يشتهي، والزوجة تطلب سعة النفقة، والورع يمنع من التوسع ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ (١) فإن كان الإمام أحمد قد امتنع أن يأخذ من الخليفة شيئًا من مال بيت المال، واقتنع بِكَري حوانيت له، كانت تغل في الشهر عشرين درهمًا أو أقل، فأخذ أولاده من الخليفة، فهجرهم لذلك. وكانت أم ولده تعاتبه وتقول له: أنا معك في ضيق وأولادك يأكلون ويفعلون ويفعلون. ليقول لها: قولي خيرًا. فخرج إِلَيْهِ صبي له صغير يبكي فَقَالَ: أي شيء تريد؟ قال: زيت. قال: اذهب فخذ من البقال بحبة. [شعر] كم أحمل في هواك كلاًّ وعنَّا ... كم أصبر فيك تحت (سقم) (٢) وضنًّا لا تطردني فليس لي عنك غنى ... هذا حالي فإن رحمتم فأنا

стр. 9

غيره: من أجل هواكمُ هجرت الخلقا ... لم يُبق حقكمُ لنفسي حقًّا في حبكم يهون ما قد ألقى ... ما يسعد بالنعيم من لا يشقى وأيضًا فكثرة العيال مما يوجب تعلق القلب بهم، فيشغل ذلك عن محبته وخدمته لله، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (١). قال أبو حازم: كل ما شغلك عن الله من مال أو ولد فهو عليك شؤم. وقد روى أبو نعيم (٢) بإسناد ضعيف من حديث ابن مسعود مرفوعًا: "إذا أَحَبّ الله عبدًا اقتناه لنفسه، ولم يشغله بزوجة ولا ولد". ومن كلام الشيخ عبد القادر: وكم تقول: كل من أحبه لا يدوم لي، بل يحال بيني وبينه بموت أو غيره، فيقال لك: يا محبوب الحق! المعني به المنطورُ إِلَيْهِ المغَارُ عليه، أما علمت أن الله غيور، خلقك له وتروم أن تكون لغيره، أما سمعت قوله : ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (٣) وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٤) وقوله ﷺ : "إذا أَحَبّ الله عبدًا ابتلاه

стр. 10

فَإِذَا صبر اقتناه فلم يذر له مالاً ولا ولدًا (١) انتهى. ومن هذا المعنى الأثر الإسرائيلي: "يا ابن آدم خلقتُ كل شيء لك وخلقُتكَ لنفسي، فلا تشتغل بما خلقتُهُ لك عما خلقتُكَ له". وقد قيل: إن إبراهيم الخليل ﵇ إِنَّمَا أُمر بذبح ولده لتعلق قلبه به، فلما فرَّغه منه، وقدَّم محبة الله علي محبة ولده، وأسلما وتلّه للجبين، حصل الفداء بحصول المقصود منه، وهو تفريغ القلب، فلم يبق لإراقة الدم معنًى. وكذلك الخليل الأكبر لما اشتدت محبته لعائشة وقع تنغيصها عليه بما جرى من حديث الإفك. كان بعض العارفين له زوجة هي ابنة عمه وكان يحبها حبًّا شديدًا، فَقَالَ لنفسه يومًا: كيف ألقى الله بهذا الحال؟ فسأل الله فمرضت ثلاثة أيام ثم ماتت فخرج من فوره إِلَى مكة. مرَّ بعض الفقراء بامرأة فأعجبته فتزوجها، فلما دخل بها البيت نزعوا خلقَانَهُ، وألبسوه ثيابًا جددًا، فلما جن عليه الليل، طلب قلبه فلم يجده فصاح: خلقَاني خلقَاني. فأخذ ورجع. [شعر] نقِّل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأولِ كم منزل (للمرء) (*) يألفه الفتى ... وحنينه أبدًا لأول منزلِ

стр. 11

دخلوا عَلَى أبي سليمان الداراني بيته فَقَالَ بعضهم ما أحوجه إِلَى زوجة تؤنسه. فَقَالَ: لا آنسني الله إلا به أبدًا. كان إبراهيم بن أدهم قد خرج من أهله وولده وحشمه وأقام في بلاد الغربة، فحج مرة فرأى ولده وحشمه في الطواف، فجعل يسارقهم النظر ويبكي، فأخبر ولدُهُ به، فجاء إِلَيْهِ فاعتنقه وبكى، ثم صرفه وودعه. وأنشد بعضهم: هجرت الخلق طُرَّأ في هواكا ... وأيتمت العيال لكي أراكا ولو قطعتني في الحب إِرَبًا لما ... حن الفؤاد إِلَى سواكا قوله: "ذو حظ من الصلاة" يشير إِلَى أن المؤمن الخفي التقي لابد أن يكون له نصيب من التنفل بالصلاة فيكون هو لذته وقوته وغذاؤه كما قال ﷺ : "جعلت قرة عيني في الصلاة" خرّجه النسائي (١). وفي "سنن أبي داود" (٢) عنه ﷺ أنَّه قال: "يا بلال، أقم الصلاة وأرحنا بها". وفي "المسند" (٣) عن ابن عباس قال: "قال جبريل للنبي ﷺ : يا محمد، إن الله قد حبب إليك الصلاة فخذ منها ما شئت". وفي "مسند البزار (٤) والطبراني" عن أنس "كان رسول الله ﷺ إذا

стр. 12

أعجبه نحو الرجل أمره بالصلاة". وقال ثابت: "كان رسول الله ﷺ لا يشبع من الصلاة". وفي رواية عن أنس أنَّه ﷺ قال: «الْجَائِعُ يَشْبَعُ وَالظَّمْآنُ يَرْوَى وَأَنَا لَا أَشْبَعُ مِنْ حُبِّ الصَّلَاةِ» (١). خرَّجه عبد الله بن أحمد في الزهد. وعن أبي هريرة قال: "كان داود ﵇ كثير الصلاة لا يفتر". وكان ثابت البناني لا يقدر أن يَقَرّ من الصلاة حبًّا لها، وكان يقوم الليل أربعين سنة ويدعو في السحر: اللهم إن كنت أذنت لأحد من خلقك أن يصلي في قبره فاجعلني منهم، فلما مات وسُوي اللَّبن عَلَى لحده، سقطت منه لبنةٌ، فنظروا إِلَيْهِ قائمًا يصلي في قبره. كان محمد بن النضر الحارثي لا يفتر من الصلاة، فكان إذا خرج حاجًّا فنزل الناس، قام يصلي، ثم إذا قرب ارتحالهم تقدم عَلَى رأس ميل يصلي حتى ﴿إذا سمع حس﴾ (*) الإبل فإذا أدركته تقدم عليها يصلي حتى تلحقه فلا يزال كذلك حتى يصلي العصر ثم يركب في وقت النهي عن الصلاة. وكان كرز بن وبرة لا يفتر عن الصلاة، وكان إذا حج ونزل الناس منزلاً، توارى عن الناس يصلي في موضع لا يرونه، فإذا سمع بحركة الناس للسير، جاء إِلَى رفقته فاحتبس عنهم يومًا عند الرحيل، فطلبه بعض رفقته فوجده قائمًا يصلي في يوم شديد الحر وغمامة تظله، فاجتهد به حتى حلف له أن لا يخبر بما رأى منه أحدًا حتى يموت. [شعر] كم أكتم حبكم عن الأغيار ... والوجد يذيع في الهوى أسراري كم أستركم هتكتمو أستارى ... من يخفي في الهوى لهيب النار

стр. 13

قوله: "أحسن عبادة ربه" إحسان العبادة إتقانها وإكمالها والإتيان بها عَلَى أكمل الوجوه. والحاصل عَلَى ذلك أن يعبد العبد ربه كأنه يراه كما فسر النبي ﷺ الإحسان بذلك، وكان يقول في دعائه: "أسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك" وعلَّم معاذ بن جبل أن يقول: "اللهم أعني عَلَى ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" (١). قوله: "وإطاعته في السر" طاعة العبد لربه في السر دليل عَلَى قوة إيمانه وإخلاصه لربه، وكان النبي ﷺ يسأل ربه خشيته في السر والعلانية (٢) وأفضل النوافل إسرارها، ولذلك فضلت صلاة الليل عَلَى نوافل الصلاة وفضلت صدقة السر عَلَى صدقة العلانية. وفي الحديث "الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة (٣).

стр. 14

قال بعض السَّلف: ما أعتد بما ظهر من عملي، وحب الإسرار بالطاعة من علامات المحبين لمولاهم. قال مخلد بن الحسين: ما أَحَبّ الله عبدٌ فأحب أن يعرف الناس مكانه. وقال أحمد بن أبي الحواري: مَن عَبَدَ الله عَلَى المحبة لا يحب أن يرى خدمته سوى محبوبه. واطَّلع عَلَى بعض أسرار المحبين مع الله، فعلم بذلك، فدعا لنفسه بالموت، وقال: إنما كانت المعاملة تطيب حيث كانت سرًّا بيني وبينه، فمات. سئل بعضهم عن شيء من أسراره مع مولاه فأنشد: من سارروه فأبدى السر مجتهدًا ... لم يأمنوه عَلَى الأسرار ما عاشا وجانبوه فلم يظفر بودهم ... وأبدلوه من الإيناس إيحاشا لا يصفون مذيعًا بعض سرهم ... حاشا ودادهم من ذاكمو حاشا المحبون يغارون عَلَى الأسرار من اطلاع الأغيار. نسيم صبا نجد متى جئت حاملاً ... تحيتهم فاطو الحديث الركبِ ولا تذع السر المصون فإنني ... أغار على ذكر الأحبة من صحبِ قوله: "وكان غامضًا في الناس لا يشار إِلَيْهِ بالأصابع" يدل عَلَى فضل العبد التقي الخفي. وفي حديث سعد عن النبي ﷺ : "إن الله يحب العبد الغني التقي الخفي" (١). وفي حديثه أيضاً: "خير الرزق ما يكفي وخير الذكر الخفي" (٢).

стр. 15

وفي حديث معاذ المرفوع (١): «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْأَبْرَارَ الْأَتْقِيَاءَ الْأَخْفِيَاءَ الَّذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا وَإِنْ حَضَرُوا لَمْ يُدْعَوْا وَلَمْ يُعْرَفُوا، مَصَابِيحُ الْهُدَى يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ» خرّجه ابن ماجه. وخرَّج من حديثه مرفوعًا أيضاً: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ مُلُوكِ الْجَنَّةِ؟ قلت: بَلَى. قَالَ: رَجُلٌ ضَعِيفٌ مُسْتَضْعَفٌ ذُو طِمْرَيْنِ لَا يَؤُبهُ لَهُ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» (٢). وفي حديث آخر: «رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» (٣).

стр. 16

قال ابن مسعود (١): كونوا ينابيع العِلْم مصابيح الظلام، جُددُ القلوب خلقان الثياب، تعرفون في أهل السماء، وتخفون عَلَى أهل الأرض. كان قاسم الجوعي يقول لأصحابه: اغتنموا من زمانكم خمسًا إن حضرتم لم تعرفوا، وإن غبتم لم تفقدوا، وإن شهدتم لم تشاوروا، وإن قلتم شيئًا لم يقبل قولكم، وإن عملتم شيئًا لم تعطوا به. وأوصيكم بخمس أيضاً: إن ظلمتم لم تظلموا، وإن مُدحتُم لم تفْرحوا، وإن ذُممتُم لم تجزعوا، وإن كُذِّبتُم فلا تغضبوا، وإن خانوكم فلا تخونوا. طوبى لعبدٍ طوبى لعبد بحبل الله معتصم ... عَلَى صراط سويٍّ ثابت قدمه رثُّ اللباس جديدُ القلب مستترٌ ... في الأرض مشتهر فوق السماء اسمه ما زال يحتقر الأولى بهمته ... حتى ترَّقت إِلَى الأخرى به هممه فذاك أعظم من ذي التاج متكئًا ... عَلَى النمارق مختلفًا به خدمه ما زال الصادقون من العُلَمَاء والصالحين يكرهون الشهرة ويتباعدون عن أسبابها، ويحبون الخمول، ويجتهدون عَلَى حصوله. وقال بعضهم: ما اتَّقى الله من أَحَبّ الشهرة. وكان أيوب السختياني يقول: ما صدق عبدٌ إلا أَحَبّ أن لا يشعر بمكانه. ولما اشتهر بالبصرة كان إذا خرج إِلَى موضع يتحرى المشي في الطرقان الخالية، ويجتنب سلوك الأسواق والمواضع التي يعرف فيها. وكان سفيان الثوري لما اشتهر يقول: وددت أن يدي قُطعت من إبطي، وأني لم أشتهر ولم أُعرف. ولما اشتهر ذكر الإمام أحمد، اشتد غمه وحزنه، وكثر لزومه لمنزله، وقل خروجه في الجنائز وغيرها، خشية اجتماع الناس عليه.

стр. 17

وكان يقول: طوبى لمن أخمل الله ذكره. وكان يقول: لو قدرت عَلَى الخروج من هذه المدينة -يعني بغداد- لفعلت حتي لا أذكر عند هؤلاء -يعني الملوك. فكان إذا مشي معه أحد من أقاربه يعرفه الناس، أبعده عنه لئلا يعرف به، وكان لا يدع أحدًا يمشي معه في الطريق ولا يتبعه، فإن تبعه أحد وقف حتى ينصرف الَّذِي معه. وكان ابن مسعود يقول لمن تبعه: لو تعلمون ما أغلق عليه بابي لم يتَّبعني منكم أحد (١). ورأى عمر قومًا يتبعون رجلاً فعلاهم بالدَّرة وقال: إن خفق النعال خلف الأحمق، قل ما يُبقي من دينه (٢). مشى قومٌ مع معروف إِلَى بيته، فلما دخل قال لهم: مشيُنا هذا كان ينبغي لنا أن نتقيه، أليس جاء في الخبر: "أنَّه فتنة للمتبوع مذلة للتابع". وكان بعض العُلَمَاء في مجلسه فقام، فاتبعه جماعة فأعجبه ذلك، فرأى تلك الليلة في منامه قائلا يقول: سيعلمُ من يُحبُّ أن يُمشى خلفه غدًا. ورئي سفيان في النوم بعد موته فقِيلَ لَهُ: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي. قِيلَ لَهُ: هل رأيت شيئًا تكرهه؟ قال: نعم، الإشارة بالأصابع -يعني قول الناس هذا سفيان. الإشارة إِلَى الرجل بالأصابع فتنة، وإن كان في الخير. وفي الحديث "كَفَى بِالْمَرْءِ شَرًّا أَنْ يُشَارَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ فِي دِينهِ أَوْ دُنْيَاهُ، إِلَّا مَن عَصَمَهُ اللَّهُ" (٣).

стр. 18

كان بعض التابعين إذا جلس إِلَيْهِ أكثر من ثلاثة أنفس قام خوف الشهرة. وكان علقمة يكثر الجلوس في بيته فقِيلَ لَهُ: ألا تخرج فتحدث الناس. فَقَالَ: أكره أن يوطأ عقبي ويقال: هذا علقمة، هذا علقمة. كان كثير من الصادقين من السَّلف يجتنب لباس الثياب التي يُظنُّ بأصحابها الخير، إبعادًا لهذا الظن عن أنفسهم. وكان ابن محيريز يدعو فيقول: اللهم إني اسألك ذكرًا خاملاً. وقال مطرف: انظروا قومًا إذا ذكروا ذكروا بالقراءة، فلا تكونوا منهم، وانظروا قومًا إذا ذكروا ذكروا بالفجور فلا تكونوا منهم، وكونوا بين ذلك. وهذا هو الذكر الخفي المشار إِلَيْهِ في حديث سعد، وهو من أعظم نعم الله عَلَى عبده المؤمن، الَّذِي رزقه نصيبًا من ذوق الإيمان، فهو يعيش به مع ربه عيشًا طيبًا، ويحجبه عن خلقه حتى لا يُفسدُوا عليه حاله مع ربه، فهذه هي الغنيمة الباردة، فمن عرف قدرها وشكر عليها فقد تمت عليه النعمة. وقد ورد في بعض الآثار أن العبد يسأل عن شكر هذه النعمة يوم القيامة. تواريت من دهري بظل جناحه ... فعيني ترى دهرى وليس يراني فلو تسأل الأيام ما اسمي ما درت ... وأين مكاني ما عرفن مكاني كم بين حال هؤلاء الصادقين وبين من يسعى في ظهوره بكل طريق، باستجلاب قلوب الملوك وغيرهم، لكن إذا حقت الحقائق تبين الخالص من البهرج.

стр. 19

شعر: إذا اشتبكت دموع في خدود ... تبين من بكى ممن تباكى رائحة الإخلاص كرائحة البخور الخالص، كلما قوي ستره بالثياب، فاح وعبق بها، ورائحة الرياء كدخان الحطب، يعلو إِلَى الجو ثم يضمحل وتبقى رائحته الكريهة. كلما بليت أجسام الصادقين في التراب فاحت رائحة صدقهم فاستنشقها الخلق. كما اجتهد المخلصون في إخفاء أحوالهم عن الخلق، وريح الصدد تنم عليهم. كم يقول لسان الصادق: لا لا، وحاله ينادي: نعم نعم، ولسان الكاذب يقول: نعم نعم، وحاله ينادي عليه: لا لا. كما اجتهد الإمام أحمد عَلَى أن لا يذكر، وأبى الله إلا أن يُشهرهُ ويقرن الإمامة باسمه عَلَى ألسنة الخلق شاءوا أو أبوا، وكان في زمانه من يعطي الأموال لمن ينادي باسمه في الأسواق ليشتهر، فما ذكر بعد ذلك ولا عرف. خمول المحبين لمولاهم شهرة، وذلُّهم بين يديه عزُّ، وفقرٌ أليه الغنى الأكبر. شعر: تذلل أرباب الهوى في الهوى عزٌّ ... وفقرهم نحو الحبيب هو الكنزُ وسترهم فيه السرائر شهرة ... وغير تلاف النفس فيه هو العجزُ قوله: "وكان رزقه كفافًا فصبر عَلَى ذلك" هذا خير الرزق كما سبق في حديث "خير الرزق ما يكفي".

стр. 20

وفي الصحيح أن النبي ﷺ كان يقول: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا" (١) وقد فسر طائفة من المفسرين قوله تعالى: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (٢) بهذا، وقالوا: المراد رزق يوم بيوم. في "صحيح مسلم" (٣) عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: "قد أفلح من هُدي إِلَى الإسلام وكان عيشه كفافًا وقنَّعه الله به". وخَرَّج الترمذي والنسائي (٤) من حديث فضالة بن عبيد عن النبي ﷺ قاله: "طُوبَى لِمَنْ هُدِيَ لِلْإِسْلَامِ وَكَانَ عَيْشُهُ كَفَافًا وَقَنَع". وفي "المسند" و ﴿سنن ابن ماجه (٥) عن أنس مرفوعًا "ما من غني ولا فقير إلا وَدَّ يوم القيامة أنَّه أوتي قوتًا". وفي الترمذي (٦) عن أبي أمامة مرفوعًا "عرض عَلَيَّ ربي أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبًا فقلت: لا يا رب، ولكن أجوع يومًا وأشبع يومًا، فإذا جعت تضرعت إليك ودعوتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك"﴾ (٧). وفي سنن ابن ماجه (٨) "أن النبي ﷺ بعث إِلَى رجل يستمنحه ناقة

стр. 21

فردَّه، ثم بعث إِلَى آخر فبعث إِلَيْهِ بناقة، فَقَالَ النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَ فُلَانٍ -لِلْمَانِعِ الْأَوَّلِ- وَاجْعَلْ رِزْقَ فُلَانٍ يَوْمًا بِيَوْمٍ -لِلَّذِي بَعَثَ بِالنَّاقَةِ». وخرَّج ابن أبي الدُّنْيَا من حديث أبي هريرة مرفوعا "اللهم من أجبني فارزقه العفاف والكفاف، ومن أبغضني فأكثر ماله وولده". (١) وفي الترمذي وابن ماجه (٢) عن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي بَدَنِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا». وخرَّجه الطبراني (٣) وزاد في أوله "ابن آدم جمعتُ عندك ما يكفيك، وأنت تطلب ما يطغيك، لا بقليل ولا من كثير تشبع" وزاد في آخره، "فعلى الدُّنْيَا العفاء". وقال عمر (٤): كونوا أوعية الكتاب ينابيع للعلم، وسلوا الله رزق يوم بيوم، وعدوا أنفسكم في الموتى، ولا يضركم أن لا يكثر لكم". والكفاف من الرزق هو ما ليس فيه فضل لأنّ يكتفي به صاحبه من غير فضل. وجاء من حديث ابن عباس (٥) مرفوعًا: "وإنَّما يكفي أحدكم ما قنعت به نفسه" خرَّجه ابن أبي الدُّنْيَا. والمراد أن من اكتفى من الدُّنْيَا باليسير وقنعت به نفسه، فقد كفاه ذلك واستغنى به وإن كان يسيرًا. قال أبو حازم: إن كان يغنيك ما يكفيك، فإن أدنى ما في الدُّنْيَا يكفيك،

стр. 22

وإن كان لا يغنيك ما يكفيك، فليس في الدُّنْيَا شيء يكفيك. قال بكر المزني: يكفيك من الدُّنْيَا ما قَنَعَت به، ولو كف تمر وشربة ماء. وقال الإمام أحمد: قليل الدُّنْيَا يكفي، وكثير ما يكفي يُعني، إن من اكتفى من الدُّنْيَا كفاه منها القليل، ومن لم يكتف لم يكفه الكثير. كما قال بعضهم، شعر: حقيق بالتواضع من يموتُ ... ويكفي المرء من ديناه قوتُ وقال آخر: يكفي الفتى خلق وقوت ... ما أكثر القوت لمن يموت وقد مدح في هذا الحديث من صبر عَلَى كفاف عيشه وقنع به، فأما الراضي بذلك فهو أعلى منزلة من الصابر القانع. وقد قيل: إن الفقير الراضي، أفضل من الفقير الصابر، والغني الشاكر بالإنفاق. وفي الحديث أنَّه ﵇ كان يقول في دعائه: "رضني بما قسمت لي" (١). وفي حديث آخر: "إذا أراد بعبد خيرًا أرضاه بما قسم له وبارك له فيه". شعر: إذا رضيت بميسور من القوت ... أصبحت في الناس حرًّا غير ممقوت

стр. 23

ياقوت نفسي إذا ما تم عفوك لي ... فلست آسى عَلَى دُرٍّ وياقوت قوله: "عجلت منيته، قلَّت بواكيه، قلَّ تراثه" يعني أنَّه يعجل له الموت عَلَى هذه الصفة، وهي أن يكون من يبكي ﴿عليه﴾ (*) قليلاً، وذلك لقلة عياله كما سبق، وأن يكون تراثه قليلاً، ويعني بتراثه الَّذِي يخلفه من الدُّنْيَا، وبذلك فسَّره الإمام أحمد وغيره. وهذا الكلام يحتمل أن يكون إخبارًا عن حال هذا المؤمن، ويحتمل أن يكون دعاء له من النبي ﷺ ، فاقتضى هذا الكلام أن المؤمن إذا كان عَلَى حالةٍ حسنة من حسن عبادةٍ وخمولٍ وقناعةٍ باليسير، فإنَّه يغبط بتعجيل موته عَلَى هذه الحالة، خشية أن يفتن في دينه ويتغير عما عليه. ولهذا المعنى شُرع تمني الموت وطلبه، خشية الفتنة في الدين. وفي "المسند" مرفوعًا (١) "لا يتمنين الموت إلا من وثق بعمله". فمن كان عَلَى حالةٍ حسنةٍ في دينه فإنَّه يغبط بموته قبل تغير حاله. كان أبو الدرداء إذا مات الرجل عَلَى الحالة الصالحة قال: هنيئًا لك، يا ليتني مكانك، فقالت له أم الدرداء في ذلك فَقَالَ: هل تعلمين يا حمقاء، أن الرجل يصبح مؤمنًا ويمسي منافقًا، يسلب إيمانه وهو لا يشعر، فأنا لهذا الميت أغبط مني لهذا بالبقاء والصلاة والصوم. وقيل: ما تحب لمن تحب؟ قال: الموت. قِيلَ لَهُ: فإن لم يمت؟ قال: قلة المال والولد. وكان ابن مسعود يتمنى الموت، فقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: لو أني أعلم أني أبقى عَلَى ما أنا عليه لتمنيت البقاء عشرين سنة. ورأى أبو هريرة شبابًا يتعبدون فَقَالَ: ليت الموت ذهب بهؤلاء.

стр. 24

وكان داود الطائي يبكي ويقول: أخاف أن يطول عمري. وسبب هذا أن من أطاع الله أَحَبّ لقاءه؛ كما قال الصديق في وصيته لعمر: إن أنت حفظت وصيتي لم يكن غائب أَحَبّ إليك من الموت، ولابد لك منه وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١). وقوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢). ومن أراد الله به خيرًا عسَّلهُ، فاستعمله بعمل صالح قبل موته فيقبضه عليه، إِنَّمَا الأعمال بالخواتيم. وقوله "قلَّت بواكيه" لما كان هذا المؤمن خفيف الحاذ قليل العيال، لم يكن له عند الموت كبير أحد يبكي عليه، خلاف من له أهل وولد وخدم وحشم وعشيرة، فإنَّه يكثر بواكيه مع قلة غناهم عنه، بل يزيد بكاؤهم في عذابه كما في الصحيح عن النبي ﷺ : "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" (٣) فإنهم كثيرًا ما يفعلون ما لا يجوز من النياحة واللطم، وتحريق الثياب، وإتلاف الأمول، والتسخط لقضاء الله، وذلك كله يعذب به الميت ويتألم به. ولهذا أوصى كثير من السَّلف أهلهم أن لا يبكون عليهم. لما احتضر هشام بن عبد الملك أحد خلفاء بني أمية بكى أهله، فَقَالَ لهم: جاد عليكم هشام بالدنيا وجدتم عليه بالبكاء، ترك لكم ما جمع وتركتم عليه ما حمل، ما أعظم منقلب هشام إن لم يغفر له. وقال الحسن: شر الناس لميت أهله يبكون عليه ولا يقضون دينه، فهم يفعلون معه ما يضره، ولا يفعلون ما ينفعه في قبره، وكثر من يكي عَلَى

стр. 25

الميت عند موته، إِنَّمَا يبكي لفقد حظه منه، إما من نفعه الحاصل له به من مال أو غيره، أو لفقده الأنس به ونحو ذلك من حظوظ الباكين، ولا يبكون رحمة لما هو فيه، وبكاء الرحمة هو بكاء العارفين دون بكاء الحزن، كما قال النبي ﷺ لما بكى: "إِنَّمَا هذه رحمة، وإنَّما يرحم الله من عباده الرحماء" (١). احتضر بعض (الصالحين) (٢) فبكى أبواه وولده وأهله وصبيانه، فسألهم ما الَّذِي أبكاهم؟ قال أبواه: نبكي لفراقك، وما نتعجل من الوحشة بعدك. وقال ولده: نبكي لفراقك وما يُتعجَّلُ من اليتم بعدك. فَقَالَ: كلكم يبكي لدنياي، أما فيكم من يبكي لآخرتي؟ أما فيكم من ييكي لما يلقى في التراب وجهي؟ أما فيكم من يبكي لمسائلة منكر ونكير؟ أما فيكم من يبكي لوقوفي بين يدي ربي؟ ثم صرخ صرخة فمات ﵀. فمن قلت بواكيه كان ذلك أقرب إِلَى رحمته. وقد روى صالح المري عن الحسن قال: إن الله إذا توفى المؤمن ببلاد غربة لم يعذبه رحمة لغربته، وأمر الملائكة فبكته لغيبة بواكيه عنه. وفي الحديث "إن من مات في غير مولده قِيسَ به إِلَى منتهى أثره في الجنة". وقد تبكي السماء والأرض عَلَى المؤمن لفقد عمله الصالح. وقد قال طائفة من السَّلف في قوله : ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ (٣) قالوا: إن السماء والأرض تبكي عَلَى المؤمن. فَقَالَ علي: يبكي عَلَى المؤمن مصلاه الَّذِي كان يصلي فيه من الأرض، وبابه الَّذِي كان يصعد فيه قوله وعمله، ولم يكن ذلك لآل فرعون، فلذلك لم (تبك) (٤)

стр. 26

عليهم السماء والأرض. وقيل: إن في التوراة أن الأرض تبكي عَلَى المؤمن أربعين صباحًا. فكلما قلت بواكي الميت المؤمن من بني آدم، كان أقرب إِلَى بكاء غيرهم عليه. وقد سُمع نياحة الجن وبكاؤهم عَلَى جماعة من سلف الأمة منهم: عمر ابن الخطاب، والحسين بن علي، وعمر بن عبد العزيز ﵃. كان للمأمون ولد يسمى عليًّا وكان شديد الترف، فألقى الله في قلبه الزهد في الدُّنْيَا، فهرب من أبيه وخرج إِلَى البصرة وتنكر ولبس الخشن، وكان يصوم النهار ويقوم الليل، ويحمل عَلَى رأسه للناس بالأجرة ما يتقوت به، ويبيت في المساجد يتخللها حتى لا يفطن به، فمرض في بعض المساجد، فلما اشتد مرضه دخل خانًا بالبصرة، فاكترى فيه بيتًا وألقى نفسه عَلَى بارية فلما آيس من نفسه، دعا صاحب الخان، فناوله خاتمه ورقعة مختومة فَقَالَ له: إذا مت فاخرج إِلَى صاحبكم -يعني الأمير- بالبصرة فأه خاتمي وعرِّفهُ موضعي وناولُه هذه الرقعة. فلما مات خرج الرجل إِلَى باب الأمير، فأدى النصيحة فأدخله فأراه الخاتم، فلما نظر إِلَيْهِ عرفه فَقَالَ: ويلك أين صاحب هذا الخاتم؟ قال: في الخان ميت، وناوله الرقعة مختومة مكتوب عليها: لا يفكها إلا المأمون أمير المؤمنين، فأرسله الأمير ميتًا في دجلة إِلَى المأمون، وكتب إِلَيْهِ يعرفه قصته وأنه وجده في غرفة عَلَى بارية في بعض الخانات، ما تحته مهاد ولا عنده باكية، مسجي مغمض العينين مستنير الوجه طيب الرائحة، وبعث معه الخاتم والرقعة، ففكها المأمون فإذا فيها: يا أمير المؤمنين اقرأ سورة الفجر إِلَى قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ (١) فاعتبر بها، واعلم أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.

стр. 27

قوله "قل تراثه" فسره الإمام أحمد وغيره ميراثه بعد موته، يعنيان ما يخلف من الدُّنْيَا بعده يكون قليلاً نزرًا يسيرًا، هذه سنة الأنبياء ﵈ كما في حديث أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» (١) والنبي ﷺ لم يخلف إلا آلات الجهاد؛ ففي الصحيح عنه أنَّه لم يخلف إلا سلاحه وبغلته وأرضًا جعلها صدقة (٢). ولما احتضر أبو بكر الصديق قال لعائشة ﵂: "يا بنية إنا ولينا أمر المسلمين فلم نأخذ لهم دينارًا ولا درهمًا، ولكنا أكلنا من حريش طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم عَلَى ظهورنا، وإنه لم يبق عندنا من مال المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشي، وهذا البعير الناضح، وجرد هذه القطيفة، فإذا مت فابعثي بهن إِلَى عمر. فلما جاء الرسول إِلَى عمر بذلك، بكى عمر، وقال: رحم الله أبا بكر، لقد اتعب من بعده. ولما احتضر عمر بن عبد العزيز قال: لا تتهموا الخازن فإني لا أدع إلا إحدى وعشرين دينارًا، وصَّى منها بوفاء ديون، فلم يبق لورثته سوى أربعة عشر دينارًا، هذا وجميع مملكة الإسلام تحت يديه. ودخلوا عليه في مرض موته وعليه قميص قد اتسخ جيبه وتحرق، فَقَالَ مسلمة بن عبد الملك لأخته -وهي زوجة عمر: ناوليني قميصًا سوى هذا حتى يلبسه أمير المؤمنين فإن الناس يدخلون ﴿عليه﴾ (٣). فَقَالَ عمر:

стр. 28

دعها يا مسلمة فما أمسى ولا أصبح لأمير المؤمنين ثوب سوى الَّذِي ترى علَيَّ. وكان يحيى بن أبي كثير من العُلَمَاء الربانيين، وكان حسن اللباس حسن الهيئة، فمات ولم يخلف سوى ثلاثين درهمًا كفنوه بها. وكان الأوزاعي قد وصل إِلَيْهِ في حياته من ملوك بني أمية وبني العباس أكثر من سبعين ألف دينار (*)، فأنفقها كلها في سبيل الله وفي الفقراء، فمات ولم يخلف سوى سبعة دنانير. ومات الإمام أحمد ولم يخلف سوى قطعًا في خرقة، كان وزنها دون نصف درهم، وترك دينًا (عليه) (**) وُفِّيَ من أجرة عقارٍ خلفه. وكان محمد بن أسلم الطوسي من العُلَمَاء الربانيين، فمات ولم يخلف سوى كسائه يراناء لوضوئه، فتصدقوا به. ووصى معروف أن يتصدق عند موته بقميصه الَّذِي عليه، وقال: أَحَبّ أن أخرج من الدُّنْيَا كما دخلت إليها عريانًا. وقال سفيان: يعجبني أن يموت الرجل ولا يخلف كفنًا. مات بعض الفقراء ولم يخلف كفنًا، فقالت له زوجته: نفتضح إذا لم تخلف كفنًا. فَقَالَ: لو خلفت كفنًا لافتضحت. قال يحيى بن معاذ: لا تكن ممن يفضحه في الدُّنْيَا ميراثه وفي الآخرة ميزانه. لابن آدم في ماله عند مماته مصيبتان عظيمتان يُسْلَبُهُ كله ويسأل عنه كله. فهو حينئذ يجمع لمن لا يحمده ويقدم عَلَى من لا يعذره.

стр. 29

يا نفس توبي فإن الموت قد حانا ... واعصي الهوى فالهوى ما زال فتانا أما ترين المنايا كيف تلقطنا ... لقطًا وتُحلق أخرانا بأولانا في كل يوم لنا ميت نشيعه ... نرى بمصرعه آثار موتانا يا نفس مالي وللأموال أتركها ... خلفي وأخرج من دنياي عريانا أبعد خمسين قد قضيتها لعبًا ... قد آن أن تقصري قد آن قد آنا ما بالنا نتعامى عن مصائرنا ... ننسى بغفلتنا من ليس ينسانا نزداد حرصًا وهذا الدهر يزجرنا ... كان زاجرنا بالحرص أعرانا أين الملوك وأبناء الملوك ومن ... كانت تخر له الأذقان إِذعانًا صاحت بهم حادثات الدهر فانقلبوا ... مستبدلين من الأوطار أوطانًا خلوا مدائن كان العز مفرشها ... واستفرشوا حفرًا غُيرًا وقيعانا يا راكضًا في ميادين الهوى مرحًا ... ورافلا في ثياب الغي نشوانًا مضى الزمان وولى العمر فى لعب ... يكفيك ما قد مضى قد كان ما كانا تم آخره والحمد لله وحده، وصلى الله عَلَى سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.