← Акыда

Акыда · id 151141

كلمة الإخلاص وتحقيق معناها - ضمن رسائل ابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (46 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

التوحيد أو تحقيق كلمة الإخلاص

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وهو حسبي وبه أستعين قال الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام زين الدين بن رجب -رحمه الله تعالى-: خرج البخاري (١) ومسلم (٢) في الصحيحين عن أنس ﵁ قال: «كَانَ النَّبِيَّ ﷺ وَمُعاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ، فَقَالَ: يَا مُعَاذَ. قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ! قَالَ: «يَا مُعَاذُ» قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: يَا مُعَاذُ. قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَلا أُخْبِرُ بِهَا النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا! قَالَ: إِذًا يَتَّكِلُوا» وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا. وفي "الصحيحين" (٣) عن عتبان بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ". وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة -أو أبي سعيد، بالشك (٤) - أنهم كانوا مع النبي ﷺ في (غزاة) (*) تبوك فأصابتهم مَجَاعَةٌ، فدعا النبي ﷺ بِنِطَعٍ (٥) فَبَسَطَهُ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ،

стр. 3

وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ، وَجَعَلَ الْآخَرُ يَجِيءُ بِكَسْرَةٍ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطَعِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ يَسِيرٌ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِ بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ قَالَ: خُذُوا فِي أَوْعِيَتِكُمْ. فَأَخَذُوا فِي أَوْعِيَتِهِمْ، حَتَّى مَا تَرَكُوا فِي الْعَسْكَرِ وِعَاءً إِلَّا مَلَئُوهُ. قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فَيُحْجَبَ عَنِ الْجَنَّةِ». وفي "الصحيحين" (١) عن أبي ذر، عن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الجَنَّةَ. قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ؟! قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، قَالَهَا ثَلاَثًا، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ. فَخَرَجَ أَبُو ذَرٍّ، وَهُوَ يَقُولُ: وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ». وفي "صحيح مسلم" (٢) عن عبادة، أنَّه قال عند موته: سمعت رسول الله ﷺ - يقول: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ». وفي " الصحيحين" (٣) عن عبادة عن النبي ﷺ قال: " «مَنْ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلِ». وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة جدًّا، يطول ذكرها. ...

стр. 4

أهل التوحيد لا يخلدون في النار وإن دخلوها وأحاديث هذا الباب نوعان: أحدهما: ما فيه أنَّ من أتى بالشهادتين دخل الجنة، أو لم يحجب عنها؛ وهذا ظاهر؛ فإن النار لا يخلد فيها أحد من أهل التوحيد الخالص، وقد يدخل الجنة ولا يحجب عنها إذا طُهِّر من ذنوبه بالنار. وحديث أبي ذر معنا: أن الزنا والسرقة لا يمنعان دخول الجنة مع التوحيد، وهذا حق لا مرية فيه، ليس فيه أنَّه لا يعذب يومًا عليهما مع التوحيد. وفي "مسند البزار" (١) عن أبي هريرة مرفوعًا: "مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ نَفَعَتْهُ يَوْمًا مِنَ دَهْرِهِ، يُصيبُهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا أَصَابَهُ".

стр. 5

والثاني: ما فيه أنَّه يحرم عَلَى النار، وهذا قد حمله بعضهم عَلَى الخلود فيها، أو عَلَى نار يخلَّد فيها أهلُها، وهي ما عدا الدرك الأعلى، فإن الدرك الأعلى يدخله خلق كثير من عصاة الموحدين بذنوبهم، ثم يخرجون بشفاعة الشافعين، وبرحمة أرحم الراحمين. وفي "الصحيحين" (١): "أن الله -تعالى- يقول: وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال: لا اله إلا الله". ...

стр. 6

شروط لا إله إلا الله وقالت طائفة من العُلَمَاء: المراد من هذه الأحاديث: أن لا إله إلا الله سبب لدخول الجنة والنجاة من النار، ومتقض لذلك، ولكن المقتضي لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه، أو لوجود مانع؛ وهذا قول الحسن ووهب بن منبه وهو الأظهر. وقال الحسن للفرزدق -وهو يدفن امرأته-: ما أعددت لهذا اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة. قال الحسن: نعم العُدة إن لـ "لا إله إلا الله" شروطما؛ فإياك وقذف المحصنة!. ورُوي عنه أنَّه قال للفرزدق: هذا العمود. فأين الطنب (١)؟ وقيل للحسن: إن ناسًا يَقُولُونَ: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة؟ فَقَالَ: من قال: لا إله إلا الله، فأدّى حقها وفرضها دخل الجنة. وقال وهب بن منبه لمن سأله: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى، ولكن (ليس) (*) مفتاح إلا وله أسنانُ؛ فإن جئت بمفتاح له أسنان فُتح لك، وإلا لم يُفتَح لك. وهذا الحديث: "إن مفتاح الجنة لا اله إلا الله" خرجه الإمام أحمد (٢) بإسناد

стр. 7

منقطع. عن معاذ قال: "قال لي رسول الله ﷺ : إذا سألك أهل اليمن عن مفتاح الجنة فقل: شهادة أن لا إله إلا الله". ويدل عَلَى صحة هذا القول أن النبي ﷺ رتَّب دخول الجنة عَلَى الأعمال الصالحة في كثير من النصوص، كما في "الصحيحين" (١) عن أبي أيوب أن رجلاً قال: يا رسول الله! أَخْبِرْنِى بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِى الْجَنَّةَ. فَقَالَ: "تَعْبُدُ اللَّهَ، لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِى الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ". وفي "صحيح مسلم" (٢) عن أبي هريرة "أنَّ رَجُلاً قال: يا رسول الله، دُلَّنِى عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، قَالَ: تَعْبُدُ اللَّهَ لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّى الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ. فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لا أَزِيدُ عَلَى هَذَا شَيْئًا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ. فَقَالَ النبي ﷺ : "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا". وفي "المسند" (٣) عَنْ بَشِيرِ بْنِ الْخَصَاصِيَةِ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ لِأُبَايِعَهُ فَاشْتَرَطَ عَلَيَّ: شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنْ أُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَأَنْ (أُؤَدِّي) (٤) الزَّكَاةَ، وَأَنْ أَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، وَأَنْ أَصُومَ رَمَضَانَ، وَأَنْ أُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَّا [اثْنَتَانِ] (٥) فَوَاللَّهِ لاَ أُطِيقُهُمَا: الْجِهَادُ وَالصَّدَقَةُ! فَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ ثُمَّ حَرَّكَهَا، وَقَالَ: فَلَا جِهَادَ وَلَا صَدَقَةَ، فَبِمَ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِذًا؟! قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنْ أُبَايِعُكَ، فَبَايَعْتُهُ عَلَيْهِنَّ كُلِّهِنَّ».

стр. 8

شروط دخول الجنة ففي هذا الحديث أن الجهاد والصدقة شرط في دخول الجنة، مع حصول التوحيد والصلاة والصيام والحج. ونظير هذا أن النبي ﷺ قال: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله" (١). ففهم عمر، وجماعة من الصحابة أن من أتى بالشهادتين امتنع من عقوبة الدُّنْيَا بمجرد ذلك، فتوقفوا في قتال مانعي الزكاة، وفهم الصِّديق أنَّه لا يمتنع قتاله إلا بأداء حقوقها، لقوله ﷺ : "فإذا فعلوا ذلك منعوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها. وقال: الزكاة حق المال" (٢). وهذا الَّذِي فهمه الصديق؛ قد رواه عن النبي ﷺ (صريحًا غير واحد من الصحابة) (*) منهم: ابن عمر (٣) وأنس (٤) وغيرهما (٥)، وأنه قال: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ» ".

стр. 9

وقد دل عَلَى ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. كما دل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، عَلَى أن الأخوة في الدين لا تثبت إلا بأداء الفرائض مع التوحيد، فإن التوبة من الشرك لا تحصل إلا بالتوحيد. ولما قرر أبو بكر هذا للصحابة رجعوا إِلَى قوله (١)، ورأوه صوابًا. فإذا عُلم أن عقوبة الدُّنْيَا لا ترفع عمن أدّى الشهادتين مطلقًا. بل قد يعاقب بإخلاله بحق من حقوق الإسلام، فكذلك عقوبة الآخرة. وقد ذهب طائفة إِلَى أن هذه الأحاديث المذكورة أولاً وما في معناها، كانت قبل نزول الفرائض والحدود، منهم: الزهري والثوري وغيرهما. وهذا بعيد جدًا، فإن كثيرًا منها كان بالمدينة قد نزل بعد نزول الفرائض والحدود، وفي بعضها أنَّه كان في غزوة تبوك (وهي) (*) في آخر حياة النبي ﷺ . وهؤلاء منهم من يقول في هذه الأحاديث أنها منسوخة، ومنهم من يقول: هي (**) محكمة، ولكن ضم إليها شرائط، ويلتفت هذا إِلَى أن الزيادة عَلَى النص: هل هي نسخ أم لا؟ والخلاف في ذلك بين الأصوليين مشهور. وقد صرَّح الثَّوري وغيره بأنها منسوخة، وأن نسخها الفرائض والحدود، وقد يكون مرادهم بالنسخ البيان والإيضاح، فإن السَّلف كانوا يطلقون النسخ

стр. 10

عَلَى مثل ذلك كثيرًا، ويكون مقصودهم أن آيات الفرائض والحدود تبين بها توقفُ دخول الجنة والنجاة من النار عَلَى فعل الفرائض واجتناب المحارم، فصارت تلك النصوص منسوخة، أي: مبيَّنة مفسَّرة، ونصوص الفرائض والحدود ناسخة أي: مفسَّرة لمعنى تلك، موضِّحة لها. ***

стр. 11

فهم النصوص المطلقة في ضوء النصوص المقيدة وقالت طائفة: تلك النصوص المطلقة قد جاءت مقيَّدة في أحاديث أُخر، ففي بعضها: "من قال: لا إله إلا الله مخلصًا" (١) وفي بعضها: (مُستيقنًا) (*) " (٢)، وفي بعضها: "يصدق قلبه لسانه" (٣) وفي بعضها: "يقولها حقًّا من قبله" (٤) وفي بعضها: "قد ذل بها لسانه، واطمأن بها قلبه" (٥). وهذا كله إشارة إِلَى عمل القلب، وتحققه بمعنى الشهادتين، فتحققه بقول: لا إله إلا الله أن لا يأله القلب غير الله حبًّا ورجاءً، وخوفًا، وتوكلا واستعانة، وخضوعًا وإنابة وطلبًا، وتحققه بأن محمدًا رسول الله، ألا يعبد الله بغير ما شرعه الله عَلَى لسان رسوله محمد ﷺ .

стр. 12

وقد جاء هذا المعنى مرفوعًا إِلَى النبي ﷺ صريحًا أنَّه قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا دَخَلَ الْجَنَّةَ. قِيلَ: مَا إِخْلَاصُهَا يَا رَسُولَ الله؟! قَالَ: أَنْ تَحْجِزَكَ (عَمَّا) (*) حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيكَ». وهذا يُروى من حديث أنس بن مالك (١)، وزيد بن أرقم (٢)، ولكن إسنادهما لا يصح. وجاء أيضاً من مراسيل الحسن نحوه. وتحقيق هذا المعنى وإيضاحه أن قول العبد: لا إله إلا الله يقتضي أن لا إله غير الله، والإله الَّذِي يطاع فلا يعصى هيبة له وإجلالا، ومحبة وخوفًا ورجاء، وتوكلاً عليه، وسؤالا منه، ودعاء له، ولا يصلح ذلك كله إلا لله ، فمن أشرك مخلوقًا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان ذلك قدحًا في إخلاصه في قول: لا إله إلا الله، ونقصًا في توحيده (فكان فيه عبودية لذاك المخلوق) (**) بحسب ما فيه من ذلك. ...

стр. 13

الشرك والكفر له أصل وفروع وهذا كله من فروع الشرك، ولهذا ورد إطلاق الكفر والشرك عَلَى كثير من المعاصي (التي) (*) منشؤها من طاعة غير الله أو خوفه أو رجائه، أو التوكل عليه أو العمل لأجله، كما ورد في (الصحيح) (**) إطلاق الشرك عَلَى الرياء (١)، وعلى الحلف بغير الله (٢)، وعلى التوكل عَلَى غير الله والاعتماد عليه، وعلى من سوَّى بين الله وبين المخلوق في المشيئة، مثل أن يقول: ما شاء الله وشاء فلان (٣). وكذا قوله: ما لي إلا الله وأنت؛ وكذلك ما يقدح في التوكل وتفرد الله بالنفع والضر: كالطيرة، والرُّقَى المكروهة، وإتيان الكهان وتصديقهم بما يَقُولُونَ، وكذلك اتباع هوى النفس فيما نهى الله عنه، قادحٌ في تمام التوحيد وكماله. ولهذا أطلق الشرع عَلَى كثير من الذنوب التي منشؤها من اتباع هوى النفس بما هو كفر وشرك؛ كقتال المسلم (٤)، ومن أتى حائضًا أو امرأة في

стр. 14

دبرها (١)، ومن شرب الخمر في المرة الرابعة (٢)، وإن كان ذلك لا يخرجه عن الملّة بالكلية. ولهذا قال السَّلف: كُفر دون كفر، وشرك دون شرك.

стр. 15

وقد ورد إطلاق الإله عَلَى الهوى المتَّبع، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] وقال الحسن: هو الَّذِي لا يهوى شيئًا إلا ركبه. وقال قتادة: هو الَّذِي كلما هوى شيئًا ركبه، وكلما اشتهى شيئًا أتاه لا يحجزُه عن ذلك ورعٌ ولا تقوى. ورُوي من حديث أبي أمامة مرفوعًا بإسناد ضعيف: «مَا تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ إِلَهٌ يُعْبَدُ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ هَوًى مُتَّبَعٍ» (١). وفي حديث آخر: "لا تزال لا إله إلا الله تدفع عن أصحابها حتى يؤثروا دنياهم عَلَى دينهم، فَإِذَا فعلوا ذلك رُدَّت عليهم، وقِيلَ لَهُم: كذبتم" (٢).

стр. 16

ويشهد لذلك الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْقَطِيفَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلا انْتَقَشَ" (١). فدل هذا عَلَى أن كل من أَحَبّ شيئًا وأطاعه، وكان غاية قصده ومطلوبه، ووالى لأجله، وعادى لأجله؛ فهو عبده، وذلك الشيء معبوده وإلهه. ...

стр. 17

طاعة الشيطان تقدح في توحيد الرحمن ويدل عليه أيضاً أن الله -تعالى- سمَّى طاعة الشيطان في معصية عبادةً للشيطان، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠]. وقال حاكيًا عن خليله إبراهيم أنَّه قال لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: ٤٤]. فمن لم يحقق عبودية الرحمن وطاعته فإنَّه يعبد الشيطان بطاعته له، ولم يخلص من عبادة الشيطان إلا من أخلص عبودية الرحمن، وهم الذين قال فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]. فهم الذين (حققوا) (*) قول: "لا إله إلا الله" وأخلصوا في قولها، وصدقوا قولهم بفعلهم، فلم يلتفتوا إِلَى غير الله، محبةً ورجاءً وخشية وطاعة وتوكلا، وهم الذين صدقوا في قول: "لا إله إلا الله" وهم عباد الله حقًّا. فأما من قال: "لا إله إلا الله" بلسانه ثم أطاع الشيطان، وهواه في معصية الله ومخالفته فقد كذب فعلُهُ قولَهُ، ونقص من كمال توحيده بقدر معصية الله في طاعة الشيطان والهوى ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]. فيا هذا كن عبد الله لا عبد الهوى، فإن الهوى يهوي بصاحبه في النار: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] "تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ" والله ما ينجو غدًا من عذاب الله إلا من حقق عبودية الله

стр. 18

وحده، ولم يلتفت معه إِلَى شيء من الأغيار". من علم أن إلهه ومعبوده فرد، فليُفرده بالعبودية ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. كان بعض العارفين يتكلم عَلَى أصحابه عَلَى رأس جبل، فَقَالَ في كلامه: لا ينال أحد مراده حتى ينفرد فردًا بفرد، فانزعج واضطرب، حتى رأى أصحابه أن الصخور قد تدكدكت، وبقي عَلَى ذلك ساعات، فلما أفاق فكأنه نُشر من قبر. قوله: "لا إله إلا الله" يقتضي أن لا يحب سواه، فإن الإله هو الَّذِي يطاع، محبةً وخوفًا ورجاءً، ومن تمام محبته محبةُ ما يحبه وكراهية ما يكرهه، فمن أَحَبّ شيئًا مما يكره الله، أو كره شيئًا مما يحبه الله لم يكمل توحيده ولا صدقه في قول: لا إله إلا الله، وكان فيه من الشرك الخفي بحسب ما كرهه مما يحبه الله، وما أحبه مما يكرهه الله. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨]. ***

стр. 19

دلالة محبة الله قال الليث، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]، قال: لا تحبوا غيري. وفي صحيح الحاكم (١) عن عائشة عن النبي ﷺ قال: «الشَّرَكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ الذَّرِّ عَلَى الصَّفَا فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، وَأَدْنَاهُ أَنْ تُحِبَّ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْجَوْرِ، أَوْ أَنْ تُبْغِضَ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْعَدْلِ، وَهَلِ الدِّينُ إِلَّا الْحُبُّ وَالْبُغْضُ؟». قَالَ اللَّهُ : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. وهذا نص في أن محبة ما يكرهه الله وبغض ما يحبه متابعة للهوى، والموالاة عَلَى ذلك والمعاداة عليه من الشرك الخفي. وقال الحسن: اعلمْ أنك لن تحب الله حتى تحب طاعته! وسئل ذو النون: متى أحبّ ربي؟ قال: إذا كان ما يبغضه عندك أمرَّ من الصبر. وقال بشر بن السري: ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغضه حبيبك. وقال أبو يعقوب النَّهْرجَوري: كل من ادعى محبة الله ولم يوافق الله في أمره فدعواه باطلة. وقال يحيى بن معاذ: ليس بصادقٍ من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده. وقال رويم: المحبة: الموافقة في جميع الأحوال. وأنشد: وَلَوْ قُلْتَ لي مُتْ مُتُّ سَمعًا وطَاعَةً ... وَقلت لِدَاعي المَوْتِ أهلا ومَرْحَبًا

стр. 20

ويشهد لهذا المعنى أيضاً قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. قال الحسن: قال أصحاب النبي ﷺ : يا رسول، الله إنا نحب ربنا حبًّا شديدًا؛ فأحبَّ الله أن يجعل لحبه علماً. فأنزل الله -تعالى- هذه الآية. ومن هنا يُعلم أنَّه لا تتم شهادة أن لا إله إلا الله إلا بشهادة أن محمدًا رسول الله؛ فإنَّه إذا علم أنَّه لا تتم محبة الله إلا بمحبة ما يحبه وكراهة ما يكرهه. ولا طريق إِلَى معرفة ما يحبه وما يكرهه إلا من جهة محمد المبلّغ عن الله ما يحبه وما يكرهه، فصارت محبة الله مستلزمة لمحبة رسوله وتصديقه ومتابعته. ولهذا قرن الله بين محبته ومحبة رسوله في قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ ... ﴾ إِلَى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] كما قرن بين طاعته وطاعة رسوله في مواضع كثيرة. وقال ﷺ : "ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ، وَأَنْ يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِى النَّارِ" (١). ...

стр. 21

تلازم الظاهر والباطن هذا حال السحرة لما سكنت المحبة قلوبهم، سمحوا ببذل نفوسهم، قالوا لفرعون: "اقض ما أنت قاض" ومتى تمكنت المحبة في القلب لم تنبعث الجوارح إلا إِلَى طاعة الرب. وهذا هو معنى الحديث الإلهي الَّذِي خرَّجه البخاري في "صحيحه" (١) وفيه: "وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ؛ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا". وفي بعض الروايات: "فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش، وبي يمشي". والمعنى أن محبه الله إذا استغرق بها القلب واستولت عليه لم تنبعث الجوارح إلا إِلَى مراضي الرب، وصارت النفس حينئذٍ مطمئنة، ففنيت بإرادة مولاها عن مرادها وهواها. يا هذا، اعبد الله لمراده منك لا لمرادك منه، فمن عبده لمراده منه فهو ممن يعبد الله عَلَى حرف، إن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب عَلَى وجهه خسر الدُّنْيَا والآخرة، ومتى قويت المعرفة والمحبة لم يُرد صاحبها إلا ما يريده مولاه. وفي بعض الكتب السالفة: من أَحَبّ الله لم يكن في شيءٌ عنده آثر من رضاه، ومن أحبَّ الدُّنْيَا لم يكن شيء عنده آثر من هوى نفسه. وروى ابن أبي الدُّنْيَا بإسناده عن الحسن قال: (ما نظرت) (*) ببصري، ولا نطقت بلساني، ولا بَطَشْتُ بيدي، ولا نَهَضْتُ عَلَى قدمي، حتى أنظر عَلَى طاعة

стр. 22

أو معصية، فإن كانت طاعة تقدمتُ، وإن كانت معصية تأخرت. هذا حال خَوَاصّ المحبين الصادقين، فافهموا -رحمكم الله- هذا، فإنَّه من دقائق أسرار التوحيد الغامضة. وإلى هذا أشار ﷺ في خطبته لما قدم المدينة حيث قال: "أحبوا الله من كل قلوبكم" وقد ذكرها ابن إسحاق (١) وغيره. فإن من امتلأ قلبه من محبة الله لم يكن فيه فراغ لشيء من إرادات النفس والهوى، وإلى ذلك أشار القائل بقوله: أروح وَقد ختمت على فُؤَادِي ... بحبِّك أَن يَحُلَّ بِهِ سواكا فَلَو أَنِّي اسْتَطَعْت غضضت طَرفِي ... فَلم أنظُر بِهِ حَتَّى أراكا أحبك لَا ببعضي بل بكلِّي ... وَإِن لم يُبْق حُبُّك لي حِراكا وَفِي الأحباب مَخْصُوص بوجدٍ ... وَآخر يَدَّعِي معه اشتراكا إِذا اشتكبت دموعٌ فِي خدودٍ ... تبيَّن من بَكَى مِمَّن تباكى فَأَما من بَكَى فيذوبُ وجدًا ... وينطقُ بالهوى من قد تشاكى متى بقي للمحب من نفسه حظ، فما بيده من المحبة إلا الدعوى، إِنَّمَا المحب من يفنى عن نفسه كله، ويبقى بحبيبه، "فبي يسمع، وبي يبصر". القلب بيت الرب: وفي الإسرائيليات يقول الله: "ما وسعني سمواتي ولا أرضي، ولكن وسعني قلبُ عبدي المؤمن" (٢). فمتى كان القلب فيه غير الله، فالله أغنى الأغنياء عن الشرك، وهو لا يرضى بمزاحمة أصنام الهوى. الحق -تعالى- غيور، يغار عَلَى عبده المؤمن من أن يسكن في قلبه سواه،

стр. 23

وأن يكون فيه شيء لا يرضاه. أردناكموا صِرْفًا فلما مَزَجْتُم ... بعُدْتُم بمقدار التفاتكموا عنَّا وقلنا لكم لا تُسْكِنُوا غَيْرَنَا ... فأسْكَنْتُمُوا الأغيار ما أنتموا مِنَّا ***

стр. 24

النجاة لا تكون إلا لصاحب القلب السليم لا ينجو غدًا إلا من لقي الله بقلب سليم، ليس فيه سواه؛ قال الله -تعالى-: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٩٠]. القلب السليم هو الطاهر من أدناس المخالفات، فأما المتلطخ بشيء من المكروهات فلا يصلح لمجاورة حضرة (القدوس) (*) إلا بعد أن يطهر في كير العذاب، فإذا زال منه الخبث صلح حينئذٍ للمجاورة، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا. فأما القلوب الطيبة فتصلح للمجاورة من أول الأمر: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [النحل: ٣٢]. ومن لم يُحرق اليوم قلبَه بنار الأسف عَلَى ما سلف، أو بنار الشوق إِلَى لقاء الحبيب، فنار جهنم له أشد حرًا. ما يحتاج إِلَى التطهير بنار جهنم إلا من لم يُكمل تحقيق التوحيد والقيام بحقوقه. ...

стр. 25

احذروا الرياء أول من تُسعر به النار من الموحدين العباد المراءون بأعمالهم؛ أولهم العالم والمجاهد والمتصدق للرياء (١)؛ لأنّ يسير الرياء شرك. ما ينظر المرائي إِلَى الخلق في عمله إلا لجهله بعظمة الخالق. المرائي يُزوِّر التواقيع عَلَى اسم الملك ليأخذ البراطيل (٢) لنفسه، ويوهم أنَّه من خاصة الملك، وهو ما يعرف الملك بالكلية. نقش المرائي عَلَى الدرهم الزائف اسم الملك ليروج، والبهرج (٣) ما يجوز إلا عَلَى غير الناقد. وبعد أهل الرياء يدخل النار أصحاب الشهوات وعبيد الهوى، الذين أطاعوا هواهم، وعصوا مولاهم، فأما عبيد الله حقًّا، فيقال لهم: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠]. نار جهنم تنطفئ بنور إيمان الموحدين. في الحديث: "تقول النار للمؤمن: (جُزْ) (٤)، فقد أطفأ نورك

стр. 26

لهبي! " (١). وفي "المسند" (٢) عن جابر عن النبي ﷺ : "لَا يَبْقَى (بَرٌّ) (*) وَلَا فَاجِرٌ إِلَّا دَخَلَهَا، فَتَكُونُ عَلَى الْمُؤْمِنِ بَرْدًا وَسَلَامًا، كَمَا كَانَتْ عَلَى إِبْرَاهِيمَ حَتَّى إِنَّ لِلنَّارِ ضَجِيجًا مِنْ بَرْدِهِمْ". هذا ميراث ورثه المحبون من حال الخليل ﵇. نار المحبة في قلوب المحبين تخاف منها نار جهنم. قال الجنيد: قالت النار: يا رب لو لم أطعك هل كنت تعذبني بشيء هو أشد مني؟ قال: نعم كنت أسلط عليك ناري الكبرى. قالت: وهل هناك نار أعظم مني وأشد؟! قال: نار محبتي أسكنها قلوب أوليائي المؤمنين. قفا قليلاً بها عَلَيَّ فلا ... أقلَّ من نظرة أرددها ففي فؤاد المحبِّ نارُ جويّ ... أحرُّ نار الجحيم أبردُها لولا دموع المحبين تطفئ بعض ... حرارة الوجد لاحترقوا كمدًا دعوه يطفي بالدموع حرارة ... عَلَى كبدٍ حرِّي دعوه دعُواه سلوا عاذليه يعذروه هنيهة ... فبالعذل دون الشوق قد قتلوه كان بعض العارفين، يقول: أليس عجبًا أن كون حيًّا بين أظهركم، وفي

стр. 27

قلبي من الاشتياق إِلَى ربي مثل شُعَلِ النار التي لا تنطفئ؟! ولم أرَ مِثْل نارِ (المحبين) (*) نارًا ... تزيدُ بُبُعد موقِدِها اتِّقادًا ما للعارفين شغل بغير مولاهم، ولا همّ في غيره. وفي الحديث: "من أصبح وهمه غير الله فليس من الله" (١). قال بعضهم: من أخبرك أن الله وليه [و] (٢) همه في غيره فلا تصدقه. وكان داود الطائي يقول في الليل: همك عطّل عليّ الهموم، وحال بيني وبين السهاد، وشوقي إِلَى النظر إليك أوبق مني اللذات، وحال بيني وبين الشهوات، فأنا في سجنك أيها الكريم مطلوب. ما لي شُغْلٌ سواه ما لي شُغلُ ... ما يصرفُ قلبي عن هواه عذل ما أصنع إن جَفَا وخَابَ الأملُ ... مني بَدلٌ ومنه مالي بَدَلُ إخواني: إذا فهمتم هذا المعنى فهمتم معنى قول النبي ﷺ : "من شهد أن لا إله إلا الله (صدقًا) (**) من قلبه حرّمه الله عَلَى النار" (٣). ...

стр. 28

من صدق في قول لا إله إلا الله نجا من كربات يوم القيامة فأما من دخل النار من أهل الكلمة، فلقلة صدقه في قولها، فإن هذه الكلمة إذا صدقت في قولها طهَّرت القلب من كل ما سوى الله، ومتى بقي في القلب أثر (لما سوى) (*) الله، فمن قلة (صدقه) (**) في قولها. من صَدَق في قوله: لا إله إلا الله، لم يحبّ سواه، ولم يرج إلا إياه، ولم يخش أحدًا إلا الله، ولم يتوكل إلا عَلَى الله، ولم يبق له بقية من آثار نفسه وهواه. ومع هذا فلا تظنوا أن المراد أن المحب مطالب بالعصمة، وإنَّما هو مطالب كلما زَلَّ أن يتلافى تلك الوصمة. قال زيد بن أسلم: إن الله ليحبُّ العبد حتى يبلغ من حبه له أن يقول: اذهب فاعمل ما شئت فقد غفرت لك. وقال الشعبي: إذا أَحَبّ الله عبدًا لم يضره (ذنب) ( ... ). وتفسير هذا الكلام أن الله له عناية بمق يحبه من عباده، فكلما زلق ذلك العبد في هوة الهوى أخذ بيده إِلَى نجوة النجاة، ييسر له أسباب التوبة، وينبهه عَلَى قبح الزلة، فيفزع إِلَى الاعتذار، ويبتليه بمصائب مكفّرة لما جنى. وفي بعض الآثار: يقول الله: "أهل ذكري أهل مجالستي، وأهل طاعتي

стр. 29

أهل كرامتي، وأهل مصيبتي لا أؤيسهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعائب". وفي "صحيح مسلم" (١) عن جابر عن النبي ﷺ قال: "الحمى تذهب الخطايا كما يذهب الكير الخبث". وفي "المسند" (٢) و"صحيح ابن حبان" (٣) عن عبد الله بن مغفل "أَنَّ رَجُلًا لَقِيَ امْرَأَةً كَانَتْ بَغِيًّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَجَعَلَ يُلَاعِبُهَا حَتَّى بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا، فَقَالَتِ: مَهْ (٤) فَإِنَّ اللهَ أَذْهَبَ بِالشِّرْكِ وَجَاءَ بالإِسْلامِ! فَتَرَكَهَا وَوَلَّى، فَجَعَلَ يَلْتَفِتُ خَلْفَهُ وَيَنْظُرُ إِلَيْهَا حَتَّى أَصَابَ وَجْهُهُ حَائِطًا، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَالدَّمُ يَسِيلُ عَلَى وَجْهِهِ، فَأَخْبَرَهُ بِالْأَمْرِ فَقَالَ ﷺ : «أَنْتَ عَبْدٌ أَرَادَ اللَّهُ بِكَ خَيْرًا». ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللهَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْرًا عَجَّلَ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ شَرًّا أَمْسَكَ ذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". يا قوم، قلوبكم عَلَى أصل الطهارة، وإنَّما أصابها رشاش من نجاسة الذنوب، فرشوا عليها قليلاً من (ماء) (*) العيون، وقد طهرت. اعزموا عَلَى فطام النفوس عن رضاع الهوى، فالحِمية رأس الدواء. متى طالبتكم بمألوفاتها، فقولوا لها كما قالت تلك المرأة لذلك الرجل، الَّذِي دمي وجهه: قد أذهب الله الشرك وجاء بالإسلام، والإسلام يقتضي الاستسلام والانقياد للطاعة. ذكِّروها مدحةَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] لعلها تَحِنَّ إِلَى الاستقامة.

стр. 30

عرِّفوها اطلاع من هو أقرب إليها من حبل الوريد، لعلها تستحي من قربه ونظره: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤] ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤]. راود رجل امرأة في فلاة ليلا فأبت، فَقَالَ لها: ما يرانا إلا الكواكب، قالت: فأين مُكَوْكبُها؟! أكره رجلٌ امرأة عَلَى نفسها، وأمرها بغلق الأبواب ففعلت، فَقَالَ لها: هل بقي باب لم تغلقيه؟ قالت: نعم، الباب الَّذِي بيننا وبين الله! فلم يتعرض لها. رأى بعض العارفين رجلاً يكلم امرأة، فَقَالَ: إن الله يراكما، سترنا الله وإياكما!. سُئل الجنيد: بم يستعان عَلَى غض البصر؟ قال: بعلمك أن نظر الله إليك أسبقُ من نظرك إِلَى ما تنظر. وقال المحاسبي: المراقبة: علم القلب بقرب الرب. كلما قويت المعرفة بالله قوي الحياء من قربه ونظره. وصّى النبي ﷺ رجلاً أن يستحي من الله كما يستحي من رجل صالح من عشيرته لا يفارقه (١).

стр. 31

.........................................

стр. 32

قال بعضهم: استح من الله عَلَى قدر قربه منك، وخف الله عَلَى قدر قدرته عليك. كان بعضهم يقول لي منذ أربعين سنة ما خطوت خطوة لغير الله، ولا نظرت إلى شيء أستحسنه حياءً من الله : كَأَن رقيبًا مِنْك يرْعَى خواطري ... وَآخر يرْعَى ناظري ولساني فَمَا أَبْصرت عَيْنَايَ بعْدك منْظرًا ... لغيرك إِلَّا قلتُ قد رَمَقاني وَلَا بدرت من فِيَّ بعْدك لَفْظَة ... لغيرك إِلَّا قلتُ قد سمعاني وَلَا خطرت من ذكر غَيْرك خطرة ... على الْقلب إِلَّا عرَّجا بعناني ***

стр. 33

فصل فضائل كلمة التوحيد وكلمة التوحيد لها فضائل عظيمة لا يمكن ها هنا استقصاؤها؛ فلنذكر بعض ما ورد فيها. فهي كلمة التقوى، كما قاله عمر (١) وغيره من الصحابة. وهي كلمة الإخلاص، وشهادة الحق، ودعوة الحق، وبراءة من الشرك، ونجاة هذا الأمر، ولأجلها خُلق الخلق. كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. ولأجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل: ٢]. وهذه الآية أول ما عدَّد الله عَلَى عباده من النعم في سورة النعم التي تسمى "سورة النحل". ولهذا قال ابن عيينة: ما أنعم الله عَلَى العباد نعمة أعظم من أن عرَّفهم لا إله إلا الله، وإن لا إله إلا الله لأهل الجنة كالماء البارد لأهل الدُّنْيَا، ولأجلها

стр. 34

أعدت دارُ الثواب ودار العقاب في الآخرة. فمن قالها ومات عليها كان من أهل دار الثواب، ومن ردها كان من أهل العقاب. ومن أجلها أُمرت الرسل بالجهاد، فمن قالها عصم ماله ودمه، ومن أباها فماله ودمه (هدر) (*). وهي مفتاح دعوة الرسل، وبها كلم الله موسى كفاحًا (١). وفي "مسند البزار" (٢) وغيره عن عياض الأنصاري عن النبي ﷺ قال: "إن لا إله إلا الله كلمة حقٍّ عَلَى الله كريمة، ولها من الله مكان، وهي كلمة جُمعت وشُرِكَتْ؛ فمن قالها صادقًا أدخله الله الجنة، ومن قالها كاذبًا أحرزت ماله، وحقنت دمه، ولقي الله فحاسبه". وهي مفتاح الجنة كما تقدم. وهي ثمن الجنة؛ قاله الحسن. وجاء مرفوعًا من وجوهٍ ضعيفة (٣): "ومن كانت آخر كلامه دخل الجنة" (٤). وهي نجاة من النار:

стр. 35

وسمع النبي ﷺ مؤذنًا يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، فَقَالَ: "خرج من النار" خرجه مسلم (١). وهي توجب المغفرة: في "المسند" (٢) عن شداد بن أوس وعبادة بن الصامت أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمًا: ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ، وَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَرَفَعْنَا أَيْدِيَنَا سَاعَةً، ثُمَّ وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، اللَّهُمَّ بَعَثْتَنِي بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ وَأَمَرْتَنِي بِهَا، وَوَعَدْتَنِي الْجَنَّةَ عَلَيْهَا، وَإِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ. ثُمَّ قَالَ: أَبْشِرُوا، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكُمْ". وهي أحسن الحسنات: قال أبو ذَرٍّ: "قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي عَمَلًا يُقَرِّبُنِي مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ، قَالَ: "إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَاعْمَلْ حَسَنَةً، فَإِنَّهَا عَشْرُ أَمْثَالِهَا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ؟ قَالَ: هِيَ أَحْسَنُ الْحَسَنَاتِ" (٣).

стр. 36

وهي تمحو الذنوب والخطايا: وفي "سنن ابن ماجه" (١) عن أم هانئ بنت أبي طالب عن النبي ﷺ قال: "لا إله إلا الله لا تترك ذنبًا، ولا يسبقها عملٌ". رؤي بعض السَّلف بعد موته في المنام، فسئل عن حاله، فَقَالَ: ما أبقت لا إله إلا الله شيئًا. وهي تجدد ما دُرِسَ من الإيمان في القلب: وفي "المسند" (٢) "أن النبي ﷺ قال لأصحابه: جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ. قَالُوا: كَيْفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا؟! قَالَ: قُولُوا: لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ". وهي التي لا يعدلها شيء في الوزن، فلو وزنت بالسماوات والأرض رجحت بهن. كما في "المسند" (٣) عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ : "أَنَّ نُوحًا قَالَ

стр. 37

لَابْنِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ: آمُرُكَ بِلاَ إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِنَّ السَّمَاوَات السَّبع وَالْأَرْضين السَّبع لَوْ وُضِعَتْ فِي كِفَّةٍ وَوُضِعَتْ لاَ إِلهَ إِلَّا اللَّهُ فِي كِفَّةٍ، رَجَحَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَلَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرْضين السَّبع كُنَّ حَلْقَةً مُبْهَمَةً قَصَمَتْهُنَّ لاَ إِلهَ إِلَّا اللَّهُ". وفيه أيضاً عن عبد الله بن عمرو (١) عن النبي ﷺ : "أن مُوسَى ﵇ قَالَ: يَا رَبِّ، عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ بِهِ وَأَدْعُوكَ بِهِ. قَالَ: يَا مُوسَى: قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ: يَا رَبِّ!، كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونَ هَذَا.! قَالَ: قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، إِنَّمَا أُرِيدُ شَيْئًا تَخُصَّنِي بِهِ، قَالَ: يَا مُوسَى، لَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي كَفَّةٍ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فِي كَفَّةٍ، مَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" (٢). ولذلك نرجح بصحائف الذنوب: كما في حديث السجلات والبطاقة، وقد خرّجه أحمد (٣) والنسائي (٤)

стр. 38

والترمذي (١) أيضاً من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ . وهي التي تخرق الحجب كلها حتى تصل إِلَى الله . وفي "الترمذي" (٢) عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: "لا إله إلا الله ليس لها دون الله حجاب، حتى تصل إليه". وفيه أيضاً (٣) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «مَا قَالَ عَبْدٌ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ حَتَّى تُفْضِيَ إِلَى العَرْشِ مَا اجْتَنَبَ الكَبَائِرَ». ويُروى عن ابن عباس مرفوعًا: "ما من شيء إلا بينه وبين الله حجابٌ، إلا قول: لا إله إلا الله، كما أن شفيتك لا تحجبها كذلك، لا يحجبها شيءٌ، حتى تنتهي إِلَى الله " (٤). وقال أبو أمامة: ما من عبد يهلل تهليلة فينهنهها (٥) شيء دون العرش. وهي التي ينظر الله إِلَى قائلها، ويجيب دعاه. خرَّج النسائي في كتاب "اليوم والليلة" (٦) من حديث رجلين من الصحابة عن النبي ﷺ : "مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، مخلصًا بها روحه مصدقًا بها قلبه ولسانه، إلا فتق الله له السماء فتقًا، حتى ينظر إلى قائلها من أهل الأرض، وحُقّ لعبدٍ نظر الله

стр. 39

إليه أن يعطيه سؤله (*) ". وهي الكلمة التي يصدق الله قائلها. كما خرجه النسائي (١) والترمذي (٢) وابن حبان (٣) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: "إِذَا قَالَ الْعَبْدُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، صَدَّقَهُ رّبُّهُ، وَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَأَنَا أَكْبَرُ وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، يَقُولُ اللهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحْدِي، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، قَالَ اللهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحْدِي لَا شَرِيكَ لِي، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، قَالَ اللهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، لِي الْمُلْكُ، وَلِيَ الْحَمْدُ. وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، قَالَ اللهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِي". وكان يقول: "من قالها في مرضه ثم مات لم تطعمه النار" (٤). وهي أفضل ما قاله النبيون، كما ورد في دعاء يوم عرفة (٥).

стр. 40

وهي أفضل الذكر: كما في حديث جابر المرفوع: "أفضل الذكر لا إله إلا الله" (١). وعن ابن عباس قال: أَحَبُّ كلمة إِلَى الله -تعالى- لا يقبل الله عملاً إلا بها. وهي أفضل الأعمال وأكثرها تضعيفًا، وتعدل عتق الرقاب، وتكون حرزًا من الشيطان. كما في "الصحيحين" (٢) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ
следующие страницы →