سلوك صراط الله
قَالَ خليدٌ العَصَريُّ: إنَّ كلَّ حبيبٍ يحب أنْ يلقى حبيبه، فأحبوا ربكم وسيروا إِلَيْه سيرًا جميلاً لا مصعدًا ولا مميلا.
فغاية السير يوصل المؤمن إِلَى ربه، ومن لا يعرف الطريق إِلَى ربه لم يسلك إِلَيْه فيه، فهو والبهيمة سواء.
قَالَ ذو النون: السفلة من لا يعرف الطريق إلى الله ولا يتعرَّفه.
والطريقُ إِلَى اللهِ هو سلوكُ صراطه المستقيمِ، الَّذِي بعث الله به (رسوله) (*) وأنزل به (كتابه) (**)، وأمر الخلق كلهم بسلوكه والسير فيه.
قَالَ ابن مسعود ﵁: الصراط المستقيم، تركنا محمد ﷺ في أدناه، وطرفه الجنة، وعن يمينه جَوَادُّ، وعن يساره جَوَادُّ، وثم رجال يدعون من مرَّ بهم، فمن أخذ في تلك الجَوَادِّ انتهت به إلى النار، ومن أخذ عَلَى الصراط انتهى به إِلَى الجنة. ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] خرّجه ابن جرير (١) وغيره (٢).
فالطريقُ الموصلُ إلى الله واحدٌ، وهو صراطُهُ المستقيمُ، وبقيَّةُ السُّبلِ كلِّها سبل الشيطان، مَنْ سلكها قطعت به عن الله، وأوصلته إِلَى دار سَخَطه وغضبه وعقابه.
...
стр. 37
الأعمال بالخواتيم
فربما سلك الإنسان في أول أمره عَلَى الصراط المستقيم، ثم ينحرف عنه في آخر عُمُره فيسلك بعض سبل الشيطان فينقطع عن الله فيهلك، "إنَّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكونَ بينه وبينها إلاَّ ذراعٌ أو باعٌ، فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار" (١).
وربما سلك الرجل أولاً بعض سبل الشيطان ثم تدركه السعادة فيسلك الصراط المستقيم في آخر عمره فيصل به إِلَى الله.
والشأن كل الشأن في الاستقامة عَلَى الصراط المستقيم من أول السير إِلَى آخره، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الجمعة: ٤].
﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥].
ما أكثر من يرجع أثناء الطريق أو ينقطع، فإنَّ القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
خَلِيليَّ قُطَّاع (الفيافي إِلَى الحما) (*) ... كثير وأما الواصلون قليل
...
стр. 38
فضل تقرب العبد إِلَى الله
وفي الحديث الصحيح الإلهي يقول الله : "من تقرّب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة" (١).
وفي "المسند" (٢): "والله أعلى وأجل، والله أعلى وأجل، والله أعلى وأجل".
وفيه أيضاً (٣)، يقول الله: "يابن آدم قم إِلَيَّ أمشِ إليك، وامش إليّ أهرول إليك".
مَنْ أَقْبَلَ إلينا تَلَقَّيناه من بعيد ... ومن أراد مرادنا أردنا ما يُريد
ومن سَأَلنا أعطيناه فوق المزيد ... ومن عمل بقوَّتنا ألنَّا له الحديد
يا هذا لو أنك قصدت باب والي الشُّرطة، لَمَا أقبل إليك ولا تلقَّاك، وربما حجبك عن الوصول إِلَيْه وأقصاك، وملك الملوك يقول: "من أتاني يمشي أتيته (هرولة) (*) ".
وأنت عنه معرضٌ وعلى غيره مقبلٌ، لقد غُبنت أفحشَ الغبن وخسرت أكبر الخسران.
стр. 39
واللهِ ما جئتكم زائرًا ... إلاَّ وجدتُ الأرض تُطوى لي
ولا ثَنيت العزم عن بابكم ... إلاَّ تعثرتُ بأذيالي
يا معشر المريدين قد وضح الطريق فما هذا التأخر عن السلوك والتعويق؟
لقد وضح الطريق إليك حقًّا ... فما خَلْقٌ أرادكَ يستدل
﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [إبراهيم: ١٠].
﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١].
يا نفسُ ويحك قد أتاكِ هداكِ ... أجيبي فهذا داعي الله قد ناداك
كم قد دعيتِ إِلَى الرشاد فتُعْرضي ... وأجبتِ داعي الغيِّ حين دعاكِ
***
стр. 40
أنواع الوصول إِلَى الله تعالى
الوصول إِلَى الله نوعان: أحدهما في الدُّنْيَا، والثاني في الآخرة.
فأما الوصول الدنيوي فالمراد به:
أن القلوبَ تصل إِلَى معرفته، فإذا عرفته أحبته، وأنِست به، فوجدته منها قريبًا ولدعائها مجيبًا.
كما في بعض الآثار: "ابن آدم اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدتَ كلَّ شيء، وإن فِتُّكَ فاتك كل شيء.
برزَ المرسوم منّا ... لا نُخيب قَط ظنا
فاطلبونا تجدونا ... في قلوب قد تسعنا
صابرات راضيات ... بالذي قد يصدر عنّا
كان ذو النون يخرج بالليل فيردد نظره في السماء ويردد هذه الأبيات حتى يصبح وهي هذه:
اطلبوا لأنفسكم ... مثل ما وجدت أنا
قد وجدتُ سكنًا ... ليس في هواه عَنَا
إنْ بعدتُ قربني ... أو قربت منه دنا
وأما الوصولُ الأخرويُّ فالدخولُ إِلَى الجنة التي هي دارُ كرامةِ الله لأوليائه.
ولكنهم في درجاتها متفاوتون في القرب بحسب تفاوت قلوبهم في الدُّنْيَا في القرب والمشاهد بحسب تفاوت قلوبهم في الدُّنْيَا في القرب والمشاهدة.
قَالَ تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾
стр. 41
[الواقعة: ٧ - ١١].
كان الشبلي يهيج في داره وينشد يقول:
عَلَى بُعدكم لا صبر ... عَلَى مَنْ عادته القربُ
ولا يقوى عَلَى حجبك ... من تيَّمه الحبُّ
فإنْ لم تَرَكَ العين ... فقد (أبصركَ) (*) القلبُ
...
стр. 42
حال من التزم الإِسلام أو الإِيمان أو الإِحسان
الصراط المستقيم في الدُّنْيَا يشمل عَلَى ثلاثة درجات: درجة الإِسلام، ودرجة الإِيمان، ودرجة الإِحسان.
فمن سلك درجة الإسلام إِلَى أن يموت عليها منعته من الخلود في النار، ولم يكن له بُدَّ من دخول الجَنة، وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه.
ومن سلك عَلَى درجة الإيمان إِلَى أن يموت عليها منعته من دخول النار بالكلية، فإنَّ نورَ الإيمان يطفئ لهب نار جهنم حتى تقول: "يا مؤمن جُز فقد أطفأ نورُك لهب" (١).
وفي "المسند" (٢) عن جابر مرفوعًا: "لا يبقي بَرٌّ ولا فاجر إلاَّ دخلها، فتكون عَلَى المؤمن بردًا وسلامًا كما كانت عَلَى إبراهيم حتى أن للنار ضجيجًا من بردهم".
هذا ميراثٌ رثه المحبوب من حال أبيهم إبراهيم ﵇.
ففي فؤاد المحبِّ نارُ (هوى) (*) ... حر نارِ الجحيم أبردُها
ومن سلك عَلَى درجة الإحسان إِلَى أن يموت عليها، صل بعد
стр. 43
الموت إِلَى الله ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
وفي الحديث الصحيح: "إذا دخل أهلُ الجنةِ الجنةَ نادي منادٍ: يا أهلَ الجنةِ إنَّ لكم عندَ اللهِ موعدًا يريد أن ينجزكموه.
فيقولون: ما هو؟
ألم يبيِّض وجوهنا؟ ألم يثقِّل موازيننا؟ ألم يدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟
فيَكْشِف الحجاب فينظرون إِلَيْهِ، فواللهِ ما أعطاهم الله شيئًا أحبّ إليهم، ولا أقرَّ لأعينهم من النظر إِلَيْه". وهو الزيادة ثم تلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (١).
كلُّ أهل الجنة يشتركون في الرؤية لكن يتفاوتون فى القرب فى حال الرؤية وفي أوقات الرؤيا.
عموم أهل الجنة يرون يوم المزيد وهو يوم الجمعة، وخواصهم (ينظرون إِلَى وجه الله) (*) كل يوم مرتين بكرةً وعشيًّا.
عموم أهل الجنة لهم رزقهم فيها بكرةً وعشيًّا، وخواصهم يرون الله بكرةً وعشيًّا.
العارفون لا (يسليهم) (**) عن محبوبهم قصرٌ ولا يرويهم دونه نهرٌ.
كان بعضهم يقول: إذا جعتُ فَذِكْرُهُ زادي، إذا عطَشتُ فمشاهدته سُؤْلي ومرادي.
رُؤي بعض الصالحين في المنام بعد موته فسئل عن حال رجلين من العُلَمَاء؟
فَقَالَ: تركتهما الآن بين يدي الله يأكلان ويشربان ويتنعمان.
قِيلَ لَهُ فأنت؟
قَالَ: عَلِمَ قلة رغبتي في الطعام فأباحني النظرَ إِلَيْهِ.
стр. 44
أنت ربِّي إذا ظمأت إِلَى الماء ... وقوتي إذا أردت الطعاما
وفي "المسند" (١) عن ابن عمر مرفوعًا "إنَّ أدنى أهلِ الجنةِ منزلةً لمن ينظر في ملكه ألفي سنة يرى أقصاه كما يرى أدناه، ينظر إِلَى أزواجه وخدمه، وإن أفضلهم منزلةً لينظر إِلَى وجه الله ﵎ كلَّ يومٍ مرتين".
وخرَّجه الترمذي (٢) ولفظه. "إنَّ أدنى أهلِ الجنة منزلةً لَمَن ينظر إِلَى جنانه وأزواجه (ونعيمه) (*) وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمُهُم عَلَى الله من ينظر إِلَى وجهه غدوة وعشيًّا"، ثم قرأ رسولُ اللهِ ﷺ : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
ولهذا المعنى قَالَ رسول الله ﷺ فِي الحديث الصحيح، عن جرِير بن عبد الله البَجَلي: "إنكم لترون ربكم يومَ القيامةِ كما ترون هذا القمرَ ليلةَ البدرِ لا تُضامون في رؤيته".
قَالَ: "فإن استطعتم أن لا تُغلبوا عن صلاة قبل طلوعِ الشمسِ وقبل غروبها فافعلوا". ثم قرأ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] (٣).
...
стр. 45
فضل وَقْتَي الغَدّاة والعَشِي والمقصود بهما
لمَّا كان هذان الوقتان في الجنة وقتين للرؤية في حقِّ خواصِّ أهلِ الجنة، حضَّ ﷺ عَلَى المحافظة عَلَى الصلاة في هذين الوقتين في الدُّنْيَا.
فمن حافظ على هاتين الصلاتين في الدُّنْيَا في هذين الوقتين وصلاَّهما عَلَى أكمل وجوههما وخشوعهما وحضورهما وآدابهما، فإنَّه يرجى له أن يكون ممن يرى اللهَ في هذينِ الوقتين في الجنة.
لا سيما إنْ حافظ بعدهما عَلَى الذكر وأنواع العبادات حتى تطلع الشمس أو تغرب، فإن وصل العبدُ ذلك بدلجةِ آخرِ الليلِ فقد اجتمع له السير في الأوقات الثلاثة، وهي: الدلجة، والغدوة، والروحة فيوشك أن يعقبه الصدق في هذا السير، الوصول الأعظم إِلَى ما يطلبه ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥].
من لزم الصدق في طلبه أدّاه الصدقُ إِلَى مقعدِ الصدق وبأكثر ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢].
المحبُّ لا يقطع السؤال عمن يحب، ويتجسس الأخبار، (ويتنسم) (*) الرياح، ويستدل بالآثار لسلوكِ الطريق إِلَى محبوبه
أسائلكم عنها فهل من مخبر ... فما لي بنعم بعد مكثنا علم
فلو كنتُ أدري أين خيَّم أهلها ... وأَيُّ بلادِ الله إذا ظعنوا أمُّوا
إذًا لسلكنا مسلك الريح خلفَها ... ولو أصبحت نعم ومن دونها النجمُ
لقد كبرت همةٌ (اللهُ مطلوبُهَا) (**)، وشرُفت نفسٌ اللهُ محبوبُهَا:
﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢].
ما للمحب سوى إرادة حُبِّه ... إنَّ المحبَّ بكلِّ بر يضرع
стр. 46
حال من ركن إِلَى الآخرة ومن ركن إِلَى الدُّنْيَا
قيمة كل امرئ ما يطلب، فمر كان يطلب الله فلا قيمة له من طلب الله فهو أجلْ من أن يقوَّم، ومن طلب غيره فهو أخس من أن يكون له قيمة.
قَالَ الشُّبْلي: منْ ركن إِلَى الدُّنْيَا أحرقته بنارها فصار رمادًا (تذروه) (*) الرياح، ومن ركن إِلَى الآخرة أحرقته بنورها فصار سبيكة ذهب يُنتفع به، ومن ركن إِلَى الله أحرقه بنور التوحيد فصار جوهرًا لا قيمة له.
له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجلُّ من الدهر
وسُئل الشبلي: هل يقنع المحبُّ بشيءٍ من حبيبه قبل مشاهدته؟
فأنشد:
والله لو أنك توجتني ... بتاج كسرى ملك المشرِقِ
ولو بأموال الورى جُدت لي ... أموال من بادَ ومن قد بقي
وقلتَ لي لا نلتقي ساعةً ... اخترت يا مولاي أن نلتقي
من كبرت همته لم يرض بطلب شيءٍ سوى الله
كلُّ غدوي ورواحي ... في مسائي وصباحي
وكذا ذكرك روحي ... ثم ريحاني وراحي
أنت سؤلي ونصيبي ... ومرادي ونجاحي
يا غياثي وملاذي ... لرشادي وصلاحي
...
стр. 47
فصل في قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧]
هذه الآية ُكانت تشتدُّ عَلَى الخائفين في العارفين، فإنها تقتضي أنَّ من العباد من يبدو له عند لقاء الله ما لم يكن يحتسب، مثل أن يكون غافلاً عما بين يديه معرضًا عنه غير عامل ولا يحتسب له، فإذا كُشف الغطاء عاين تلك الأهوال الفظيعة، فبدا له ما لم يكن في حسابه.
ولهذا قَالَ عمر ﵁: لو أن لي ملء الأرض ذهبًا لافتديت به من هول المطلع (١).
وفي الحديث: "لا تَمنَّوا الموت فإن هول المطلع شديد، وإنَّ من سعادة (المرء) (*) أن يطول عمره ويرزقه الله الإنابة" (٢).
وقال بعضُ حكماءِ السَّلف: كم من موقف خزي يوم القيامة لم يخطر عَلَى بالك قط.
ونظير هذا قوله تعالي: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢].
стр. 48
بيان ما يصير هباء منثورًا من الأعمال
النوع الأول:
ويشتمل عَلَى ما هو أعم من ذلك وهو أن يكون له أعمالٌ يرجو بها الخير فتصير هباءً منثورًا وتبدل سيئات. وقد قَالَ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩]. وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
قَالَ الفضيل في هذه الآية: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] قَالَ: عملوا أعمالاً وحسبوا أنها حسنات فإذا هي سيئات.
النوع الثاني:
وقريب من هذا أن يعملَ الإنسانُ ذنبًا يحتقره، ويستهون به فيكون هو سبب هلاكه، كما قَالَ تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥].
وقال بعض الصحابة: إنكم تعلمون أعمالاً هي أدقُّ في أعينكم من الشعر، كنا نعدها عَلَى عهد رسول الله ﷺ من المُوبقات (١).
النوع الثالث:
وأصعب من هذا من زُيّن له سوء عمله فرآه حسنًا قَالَ تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤].
قَالَ ابن عُيَيْنَة: لما حضرت محمدَ بنَ المُنكَدر الوفاةُ جزع فَدَعوا له أبا حازم فجاء، فَقَالَ له ابن المنكدر: إنَّ الله يقول: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا
стр. 49
﴿يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧]، فأخافُ أن يبدو لي من الله ما لم أكن أحتسب. فجعلا يبكيان جميعًا. خرَّجه ابن أبي الدُّنْيَا وابن أبي حاتم.
وزاد ابن أبي الدُّنْيَا: فَقَالَ له أهله: دعوناكَ لتخفِّف عليه فزدته فأخبرهم بما قَالَ.
وقال الفُضَيْل بن عِيَاض: أُخْبِرتُ عن سليمان التيمي أنّه قِيلَ لَهُ: أنتَ أنتَ ومن مُثلك؟
فَقَالَ: مه، لا تقوّلوا هذا، لا أدري ما يبدو لي من الله، سمعت الله يقول: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧].
النوع الرابع:
وكان سفيان الثوري يقول عند هذه الآية: ويلٌ لأهل الرياء من هذه الآية.
وهذا كما في حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار، العالم، والمتصدِّق والمجاهد (١).
النوع الخامس
وكذلك من عمل أعمالاً صالحةً وكانت عليه مظالم فهو يظنُّ أنَّ أعماله تنجيه فيبدو له من الله ما لم يكن يحتسب، فيقتسم الغرماء أعماله كلها ثم يفضل لهم فضل فيطرح من سيئاتهم عليه ثم يطرح في النار.
النوع السادس
وقد يُنَاقَشُ الحساب فيُطلب منه شكر النعم، فأصغرها تستوعب أعماله كلها، وتبقى بقية النعم، فيُطالَب شكرها فيعذَّب، ولهذا قَالَ ﵊: "من نوقش الحساب عُذِّب أو هَلَك" (٢).
стр. 50
النوع السابع
وقد يكون له سيئات تحبط بعض أعماله وأعمال جوارحه سوى التوحيد فيدخل النار.
وفي "سنن ابن ماجه" (١) من رواية ثوبان مرفوعًا: "إنَّ مِنْ أمتي من يجيء بأعمال أمثال الجبال فيجعلها الله هباءً منثورًا".
وفيه: "هم قومٌ من جلدتكم (ويتكلمون بألسنتكم) (٢) ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها".
وخرَّج يعقوب بن شيبة وابن أبي الدُّنْيَا من حديث سالم مولى أبي حذيفة مرفوعًا: "لَيجيء يوم القيامة أقوامٌ معهم من الحسنات مثل جبال تِهامَةَ، حتى إذا جيء بهم جعل الله أعمالهم هباءً ثم أكبَّهم في النار".
قَالَ سالم: خشيت أن أكون منهم.
قَالَ: "أما إنَّهم كانوا يصومون ويصلون ويأخذون هنيهة من الليل، لعلهم كانوا إذا عرض لهم شيء من الحرام أخذوه، فأدحض الله أعمالهم" (٣).
وقد يحبط العمل بآفة من رياء خفيٍّ وعُجْب به ونحو ذلك ولا يشعر به صاحبه.
...
стр. 51
هم الدُّنْيَا وشقاء الآخرة
قَالَ ضيغم العابد: إن لم تأت الآخرةُ المؤمنَ بالسرور، لقد اجتمع عليه همان، همُّ الدُّنْيَا وشقاء الآخرة.
فقِيلَ لَهُ: كيف (لا) (*) تأتيه الآخرة بالسرور وهو يتعب في دار الدُّنْيَا ويدأب؟
قَالَ: كيف بالقبول، كيف بالسلامة؟ كم (من) (*) رجل يرى أنّه قد أصلح همته يُجمع ذلك كله يوم القيامة ثم يضرب به وجهه.
ومن هنا كان عامر بن عبد قيس وغيره يقلقون من هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
وقال ابن عون: لا تثق بكثرة العمل، فإنك لا تدري أيُقبل منك أم لا، ولا تأمن ذنوبك فإنّك لا تدري هل كُفِّرت عنك أم لا؟ لأنّ عملك مُغَيَّبٌ عنك كله لا تدري ما الله صانع به.
وبكى النخعيُّ عند الموت وقال أنتظرُ رسول ربي ما أدري أَيُبشرني بالجنة أم بالنار؟.
وجزع غيره عند الموت، فقِيلَ لَهُ: لم تجزع؟ قَالَ: إِنَّمَا هي ساعة ولا أدري أين يُسلك بي؟.
وجزع بعض الصحابة عند موته، فسئل عن حاله فَقَالَ: إن الله قبض خلقه قبضتين قبضة للجنة، وقبضة للنار، ولست أري في أي القبضتين أنا؟ (١).
стр. 52
الحذر ... الحذر
ومن تأمل هذا حقَّ التأمل أوجب له القلق. فإنَّ ابن آدم متعرض، لأهوال عظيمةٍ من الموت وأهوال القبر والبرزخ وأهوال الموقف، والصراط والميزان.
وأعظم من ذلك الوقوف بين يدي الله ودخول النار، ويخشى عَلَى نفسه الخلود فيها بأن يُسلب إيمانه عند الموت، ولم يأمن المؤمن شيئًا من هذه الأمور ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩].
فتحقيق هذا يمنعُ ابن آدم القرار.
رأى بعضهم قائلاً يقول له:
وكيف تنام العين وهي قريرة ... ولم تدر في أيّ المحلين تنزل
وسئل بعض الموتى وكان عابدًا مجتهدًا عن حاله، فأنشد يقول:
وليس يعلم ما في القبر داخله ... إلاَّ الإِله وساكن الأجداث
وقال غيره:
أمَا والله لو علم الأنام ... لما خُلقوا لما غفلوا وناموا
لقد خلقوا لما لو أَبْصَرَتْه ... عيون قلوبهم تاهوا وهاموا
مَمَاتٌ ثم قبر ثم حشر ... وتوبيخ وأهوال عظامُ
ليوم الحشر قد عملت رجال ... فصلوا من مخافته وصاموا
ونحن إذا أمرنا أو نهينا ... كأهل الكهف أيقاظ نيامُ
آخرة والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم عَلَى عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تم بقلم العبد الفقير المقر بالذنب والتقصير، راجي عفو ربه المنان سليمان بن عبد
стр. 53
الرحمن العمري، غفر الله له ولوالديه ولمشايخه وإخوانه وذريته، ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين، آمين.
وذلك في ٨ من شوال سنة ١٣٣٣ هجرية.