الكفار السابقين، وليس لهم براءة في الزبر، ولهم دعوى ثالثة ﴿أم يقولون نحن جميع منتصر﴾ ، أم هنا بمعنى بل الإضرابية، وهي إضراب الانتقال، يعني: بل يقولون نحن، والضمير لقريش ﴿جميع منتصر﴾ ، جميع هنا بمعنى جمع، ولهذا قال ﴿منتصر﴾ ، ولم يقل منتصرون، يعني جمع كثير منتصر على محمد وقومه، هذا معنى كلامهم، فأعجبوا بأنفسهم، وظنوا أنهم قادرون على القضاء على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورسالته، فماذا كان جوابهم من الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾ أي: يخذلون شر خذيلة، ويولون الدبر، ولا يستطيعون المقاومة ولا المدافعة ولا المهاجمة، مع أنهم كانوا يقولون نحن جميع منتصر، ولكن لا انتصار لهم، وهذا هو الذي وقع ولله الحمد، وأول ما وقع في غزوة بدر حين اجتمع كبراؤهم ورؤساؤهم وصناديدهم في نحو ما بين تسعمائة إلى ألف رجل، في مقابل ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً مع النبي ﷺ فهزموا - والحمد لله - شر هزيمة، وتحدثت بهم الأخبار، وألقي أربعة وعشرون نفراً من رؤسائهم في قليب من قلب بدر خبيثة منتنة، وهذه شر هزيمة لا شك، ولذا قال:
﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾ ، هذه عقوبتهم في الدنيا، أما في الآخرة: ﴿بل الساعة موعدهم﴾ يعني أضف إلى ذلك أن الساعة موعدهم وهو يوم البعث ﴿والساعة أدهى وأمر﴾ أي: أشد فتكاً، وأمرُّ مذاقاً، لأن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، ثم قال الله مبيناً ماذا يحدث لهم ولأمثالهم فقال: ﴿إن المجرمين في ضلال وسعر﴾
стр. 282
الضلال في الدنيا لا يهتدون، والسعر في الآخرة، أي: في نار شديدة التأجج تحرقهم، كلما نضجت جلودهم بدلهم الله جلوداً غيرها، ليذوقوا العذاب.
ويحتمل أن قوله ﴿في ضلال﴾ أي: في ضلال عن الطريق الذي يهتدون به إلى الجنة، لأنهم ضلوا في الدنيا فضلوا في الآخرة ﴿يوم يسحبون في النار على وجوههم﴾ يسحبون سحباً كما تسحب الجيفة، ليبعد بها عن المنازل، وليسوا يسحبون على ظهورهم ولكن على وجوههم - والعياذ بالله - ويقال: ﴿ذوقوا مس سقر﴾ ولقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة﴾ أي: يتقي بوجهه وكان يتقي في الدنيا الحر بيديه لوقاية وجهه، لكنه في النار ليس له ما يقي وجهه النار، بل يتقي بوجهه نسأل الله العافية، فهم يسحبون في النار على وجوههم، وهذه ليست أساطير الأولين، وليست قصصاً تقال، هذه حقيقة نشهد بها - والله - كأننا نراها رأي العين، لابد أن يكون هذا لكل مجرم ﴿يوم يسحبون في النار على وجوههم﴾ الساحب هم الملائكة الموكلين بهم، لأن للنار ملائكة موكلين بها، ويقال ﴿ذوقوا مس سقر﴾ ، انظر إلى الإذلال: جسدي وقلبي، الجسدي هو أنهم يسحبون على وجوههم، والقلبي أنهم يوبخون، ويقال: ﴿ذوقوا مس سقر﴾ ، مس أي: صلاها، وسقر من أسماء النار - نسأل الله العافية ثم قال - جل وعلا -: ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ لما ذكر عذاب أهل النار ثم سيذكر نعيم أهل الجنة، ذكر بينهما أن هذا الخلق وتفاوته بقدر الله فكل شيء مخلوق فهو بقدر، كل ذرة في رملة فهي مخلوقة بقدر،
стр. 283
وكل نقطة تقع على الأرض من السحاب فهي مخلوقة بقدر، وكل شيء تعم ما سوى الخالق، لأنه ما ثم إلا مخلوق وخالق، فإذا كان كل شيء مخلوقاً كان الخالق وحده الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، قال النبي ﷺ : «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس» (١)
العجز يعني تكاسل الإنسان، والكيس يعني حزم الإنسان ونشاطه في طلب ما ينفعه والبعد عما يضره، وفي هذه الآية الكريمة دليل على أن الإنسان مخلوق لله تعالى، وأن أفعاله مخلوقة لله، وأن كل شيء قد قدر وانتهى، وإذا كان كذلك فيلجأ الإنسان إذا أصابته ضراء إلى الله الخالق، وإذا أراد السراء أيضاً يلتجىء إلى الله الخالق، لا يفخرن ويعجبن بنفسه إذا حصل له مطلوب، ولا ييأسن إذا أصابه المكروب، فالأمر بيد الله، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف» (٢) القوي في إيمانه، والقوي في إرادته وهمته ونشاطه، وليس المراد القوي في بدنه، فقوة البدن إما لك وإما عليك، إن استعملتها في العمل الصالح فهي لك، وإن عجزت عنه مع فعلك إياه في حال القوة كتب لك، وإن استعملت هذه القوة في معصية الله كانت عليك، لكن المراد بقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «القوي» أي: في إيمانه وإرادته، أما قوة البدن فهي لك أو عليك، قال: «وفي كلِّ خير» أي: في كل
стр. 284
من القوي والضعيف خير، وهذه الجملة يسميها علماء البلاغة جملة احترازية، لأنه لما قال: «المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف» يظن الظان أن المؤمن الضعيف ليس فيه خير، فقال: «وفي كل خير» .
ولها نظائر قال الله تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل﴾ يعني من قبل صلح الحديبية ﴿أولئك أعظم درجةً من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى﴾ كلاًّ من هؤلاء وهؤلاء، يعني فلا تظنوا أن هذا التفاوت يحط من قدر الآخرين ويحرمهم الخير، وقال تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجةً وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً﴾ فهنا قال النبي ﷺ : «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز» (١) فإذا فعلت ذلك حرصت على ما ينفع واستعنت بالله، وكنت حازماً نشيطاً وقويًّا في مرادك، إن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله يعني هذا قدر الله، وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان، أنت عليك أن تسعى للخير، وليس عليك أن يتم لك ما تريد، المهم أن كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس، فمن قدر الله له الهداية، ومن قدر له الشقاء فهو بقدر، ولكن السبب لتقدير الله الشقاء على العبد هو نفس العبد، لقول الله تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدى القوم الفاسقين﴾ .
стр. 285
﴿ومآ أمرنا إلا واحدة﴾ يعني ما أمرنا فيما نريد أن يكون ﴿إلا واحدة﴾ أي: إلا مرة واحدة، بدون تكرار ﴿كلمح بالبصر﴾ بدون تأخر - سبحان الله - أمر الله واحدة لا تكرار، بسرعة فورية أسرع ما يمكن أن يكون كلمح للبصر، كن فيكون، واشتهر عند العوام يقولون: يا من أمره بين الكاف والنون، وهذا غلط ليس أمر الله بين الكاف والنون، بل بعد الكاف والنون، لأن الله قال: كن فيكون، بعد كن، فقولهم بين الكاف والنون غلط لأنه لا يتم الأمر بين الكاف والنون، بل لا يتم الأمر إلا بالكاف والنون، أي بعد الكاف والنون فوراً كلمح بالبصر، وإن شئت أن ترى عجائب ذلك فانظر إلى الزلازل تصيب مئات القرى، أو آلاف القرى وبلحظة واحدة تعدمها، لو جاءت المعاول والدركترات والقنابل ما فعلت مثل فعل لحظة واحدة من أمر الله ، واسأل الخبراء بالزلازل تجد الجواب، وانظر إلى ما هو أعظم من ذلك، الموتى في قبورهم، والحشرات والحيوانات وكل الأشياء تبعث يوم القيامة بكلمة واحدة، كما قال - جل وعلا -: ﴿إن كانت إلا صيحةً واحدةً فإذا هم جميع لدينا محضرون﴾ صيحة واحدة فقط، ﴿فإذا هم جميع﴾ ، كلهم ﴿لدينا﴾ أي عندنا ﴿محضرون﴾ فصدق الله وعده ﴿ومآ أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر﴾ مثل لمح البصر.
﴿ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر﴾ الخطاب لكفار قريش، وقوله: ﴿أشياعكم فهل من مدكر﴾ أي: أشباهكم من الكفار السابقين، وقد قص الله في هذه السورة من
стр. 286
نبئهم ما فيه عبرة وعظة، قص علينا ما حصل لقوم نوح، وما حصل لعاد، ولثمود، ولقوم لوط، ولآل فرعون، وفي هذا مدكر لمن أراد الادكار، ولهذا قال: ﴿فهل من مدكر﴾ ، يعني هل من متعظ ومعتبر بما جرى على السابقين أن يجري على اللاحقين، لأن الله ليس بينه وبين عباده محاباة أو نسب، بل أكرمهم عند الله أتقاهم له من أي جنس كان، وفي أي مكان كان، وفي أي زمان كان، كما قال الله ﵎: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ ثم قال الله : ﴿وكل شيء فعلوه في الزبر﴾ كل مبتدأ ﴿في الزبر﴾ خبره، وليس هذا من باب الاشتغال، بل هو خبر محض، لأن (كل) لا يمكن أن تكون مفعولاً لفعلوه، بل هي مبتدأ، ﴿وكل شيء فعلوه﴾ أي: فعلته الأمم السابقة، أو الأمم اللاحقة، فإنه مكتوب ﴿في الزبر﴾ أي في الكتب، وكتابة الأعمال كتابة سابقة، وكتابة لاحقة.
والكتابة السابقة كتابة على أن هذا سيفعل كذا، وهذه الكتابة لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب، لأن المرء لم يكلف بها بعد، وكتابة لاحقة وهي كتابة أنه فعل، فإذا فعل الإنسان حسنة كتبها الله، وإذا فعل سيئة كتبها الله، وهذه الكتابة اللاحقة هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب، وبما قررناه يزول الإشكال عند بعض الناس في قول الله ﵎: ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم﴾ فإن بعض الناس قد يشكل عليه هذه الآية، كيف يقول ﴿حتى نعلم﴾ وهو
стр. 287
قد علم؟ فيقال: ﴿حتى نعلم﴾ يعني العلم الذي يترتب عليه الثواب، وأما علم الله السابق فإنه لا يترتب عليه الثواب ولا العقاب.
والكتابة السابقة معناها أن الله كتب في اللوح المحفوظ كل شيء، كما جاء في الحديث الصحيح: «أن الله لما خلق القلم قال له: اكتب، قال: ربي وماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فجرى في تلك الساعة ما هو كائن إلى يوم القيامة» (١) . فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، نؤمن بهذا، قال الله تعالى: ﴿ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأَرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير﴾ . وقال : ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأَرض يرثها عبادي الصالحون﴾ أما الكتابة اللاحقة فهي أن الله إذا عمل الإنسان عملاً كتبه، قال الله تعالى: ﴿كلا بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين﴾ وهذه الكتابة هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب، ﴿وكل شيء فعلوه في الزبر﴾ ، ومعنى الآية: أن كل شيء يفعله الإنسان فإنه مكتوب، فلا تظن أنه يضيع عليك شيء أبداً، كما قال : ﴿ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرًا ولا يظلم ربك أحدًا﴾ .
سبحان الله، بعد
стр. 288
مئات السنين التي لا يعلمها إلا الله يجدونه حاضراً، لا يظلم ربك أحداً، ﴿وكل صغير وكبير مستطر﴾ ، كل صغير وكبير مما يحدث في هذا الكون من المخلوقات، وأوصافها، وأعمالها، ﴿مستطر﴾ ، أي: مسطر في الكتاب العزيز، اللوح المحفوظ، كل صغير وكبير حتى الشوكة يشاكها الإنسان تكتب، حتى ما يزن مثقال ذرة من الأعمال يكتب، كل صغير وكبير، وإذا آمنت بذلك ويجب عليك أن تؤمن به، فإنه يجب عليك الحذر من المخالفة، فإياك أن تخالف بقولك، أو فعلك، أو تركك، لأن كل شيء مكتوب، قال الله : ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ وما يفعل من فعل كذلك لديه رقيب عتيد، لأنه إذا كانت الأقوال تكتب وهي أكثر بآلاف المرات من الأفعال، فما تنطق به لا يحصى، فإذا كانت الأقوال تكتب، فالأفعال من باب أولى، فعليك أن تتقي الله ولا تخالف الله، إذا سمعت الله يقول خبراً، فقل: آمنت به وصدقت، وإذا سمعت الله يقول شيئاً أمراً، فقل: آمنت به سمعاً وطاعة، نهياً آمنت به، وسمعاً وطاعة.
فاترك المنهي عنه، وافعل المأمور به، ﴿إن المتقين في جنات ونهر﴾ هذا مقابل قوله: ﴿إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار على وجوههم﴾ ﴿إن المتقين في جنات ونهر﴾ الجنات جمع جنة، وقد ذكر الله تعالى أصنافها في سورة الرحمن فقال: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ ثم قال: ﴿ومن دونهما جنتان﴾ فهي إذن أربع ذكرها الله في سورة الرحمن، إذاً ﴿في جنات﴾ يعني في هذه الجنات الأربع، هذه الأصناف لكن أنواعها
стр. 289
كثيرة، والجنات نفسرها بأنها شرعاً هي: (الدار التي أعدها الله للمتقين، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) ، لكن عندما تقرأ قول الله تعالى: ﴿إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة﴾ تفسر الجنة بأنها البستان الكثير الأشجار، وعندما تقرأ: ﴿كلتا الجنتين آتت أكلها﴾ تفسر بأنها بستان كثير الأشجار، لكن لا تفسر جنة النعيم في الآخرة بهذا التفسير، لأنك إن فسرتها بهذا التفسير قلَّت الرغبة فيها وهبطت عظمتها في قلوب الناس، لكن قل: هي الدار التي أعدها الله لأوليائه، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، سكانها خير البشر، النبيون، والصديقون، والشهداء والصالحون، حتى تحفز النفوس على العمل لها، وحتى لا يتصور الجاهل أن ما فيها كأمثال ما في الدنيا وقوله: ﴿ونهر﴾ يعني بذلك الأنهار، وذكر الله تعالى أصنافها أربعة في سورة القتال: ﴿أنهار من ماء غير ءاسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى﴾ .
أما المكان: ﴿في مقعد صدق عند مليك﴾ يعني في مقعد صدق ليس فيه كذب لا في الخبر عنه ولا في وصفه، كله حق وعند من؟ ﴿عند مليك مقتدر﴾ وهو الله جل وعلا، - اللهم اجعلنا منهم - عند مليك مقتدر، يتنعمون بلذة النظر إلى الله وهو أنعم ما يكون لأهل الجنة، قال الله تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله، وقال تعالى ﴿وجوه يومئذ ناضرة﴾ يعني حسنة بهية يكسوها الله تعالى نضراً، أي: حسناً وجمالاً وبهاءً؛ لتكون مستعدة للنظر إلى الله -
стр. 290
﴿إلى ربها ناظرة﴾ ثم ينظرون إلى الله فيزدادون حسناً إلى حسنهم، ولهذا إذا رجعوا إلى أهلهم، قال لهم أهلوهم: إنكم ازددتم بعدنا حسناً بالنظر إلى وجه الله ﵎ (١) ، اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العليا أن تجعلنا من هؤلاء بمنك وكرمك، إنك على كل شيء قدير.
стр. 291
تفسير سورة الرحمن
﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ البسملة تقدم الكلام عليها، ﴿الرحمن علم القرءان خلق الإنسان علمه البيان﴾ ﴿الرحمن﴾ مبتدأ، وجملة ﴿علم القرءان﴾ خبر، ﴿خلق الإنسان﴾ خبر ثان، ﴿علمه البيان﴾ خبر ثالث، والمعنى أن هذا الرب العظيم، الذي سمى نفسه بالرحمن تفضل على عباده بهذه النعم، والرحمن هو ذو الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء، كما قال تعالى: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾ .
وابتدأ هذه السورة بالرحمن عنواناً على أن ما بعده كله من رحمة الله تعالى، ومن نعمه ﴿علم القرءان﴾ أي: علمه من شاء من عباده، فعلمه جبريل ﵇ أولاً، ثم نزل به جبريل على قلب النبي ﷺ ثانياً، ثم بلغه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثالثاً إلى جميع الناس، والقرآن هو هذا الكتاب العزيز الذي أنزله الله تعالى باللغة العربية، كما قال الله تعالى: ﴿إنا جعلناه قرءاناً عربياً لعلكم تعقلون﴾ وقال تعالى: ﴿نزل به الروح الأَمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين﴾ وتعليم القرآن يشمل تعليم لفظه، وتعليم معناه، وتعليم كيف العمل به، فهو يشمل ثلاثة أشياء، ﴿خلق الإنسان﴾ المراد الجنس، فيشمل آدم وذريته، أي: أوجده من العدم، فالإنسان كان معدوماً قبل وجوده، وقبل خلقه، قال الله : ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً
стр. 292
مذكوراً﴾ يعني أتى عليه حين من الدهر قبل أن يوجد، وليس شيئاً مذكوراً ولا يعلم عنه، وبدأ الله تعالى بتعليم القرآن قبل خلق الإنسان إشارة إلى أن نعمة الله علينا بتعليم القرآن أشد وأبلغ من نعمته بخلق الإنسان وإلا فمن المعلوم أن خلق الإنسان سابق على تعليم القرآن، لكن لما كان تعليم القرآن أعظم منة من الله على العبد قدمه على خلقه ﴿علمه﴾ أي: علم الإنسان ﴿البيان﴾ ، أي: ما يبين به عما في قلبه، وأيضاً ما يستبين به عند المخاطبة، فهنا بيانان: البيان الأول من المتكلم، والبيان الثاني من المخاطب، فالبيان من المتكلم يعني التعبير عما في قلبه، ويكون باللسان نطقاً، ويكون بالبنان كتابة، فعندما يكون في قلبك شيء تريد أن تخبر به، تارة تخبر به بالنطق، وتارة بالكتابة، كلاهما داخل في قوله ﴿علمه البيان﴾ ، وأيضاً ﴿علمه البيان﴾ كيف يستبين الشيء وذلك بالنسبة للمخاطب
يعلم ويعرف وما يقول صاحبه، ولو شاء الله تعالى لأسمع المخاطب الصوت دون أن يفهم المعنى فالبيان سواء من المتكلم، أو من المخاطب كلاهما منة من الله فهذه ثلاث نعم: ﴿علم القرءان خلق الإنسان علمه البيان﴾ .
﴿الشمس والقمر بحسبان﴾ لما تكلم عن العالم السفلي بين العالم العلوي فقال: ﴿الشمس والقمر بحسبان﴾ أي: بحساب دقيق معلوم متقن منتظم أشد الانتظام، يجريان كما أمرهما الله ولم تتغير الشمس والقمر منذ خلقهما الله
стр. 293
عز وجل إلى أن يفنيهما يسيران على خط واحد، كما أمرهما الله، وهذا دليل على كمال قدرة الله تعالى، وكمال سلطانه، وكمال علمه أن تكون هذه الأجرام العظيمة تسير سيراً منظماً، لا تتغير على مدى السنين الطوال، ﴿والنجم والشجر يسجدان﴾ النجم اسم جنس، والمراد به النجوم تسجد لله فهذه النجوم العليا التي نشاهدها في السماء تسجد لله سجوداً حقيقياً، لكننا لا نعلم كيفيته، لأن هذا من الأمور التي لا تدركها العقول، والشجر يسجد لله سجوداً حقيقياً، لكن لا ندري كيف ذلك، والله على كل شيء قدير، وانظر إلى الأشجار إذا طلعت الشمس تتجه أوراقها إلى الشمس تشاهدها بعينك، وكلما ارتفعت، ارتفعت الأشجار، وإذا مالت للغروب مالت، لكن هذا ليس هو السجود، إنما السجود حقيقة لا يُعلم، كما قال : ﴿تسبح له السماوات السبع والأَرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليمًا غفورًا﴾ فالنجوم كلها تسجد لله، والأشجار كلها تسجد لله قال الله تعالى: ﴿ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأَرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس﴾ ويقابله، ﴿وكثير حق عليه العذاب﴾ فلا يسجد - والعياذ بالله - ﴿والسماء رفعها﴾ يعني
ورفع السماء ولم يحدد في القرآن الكريم مقدار هذا الرفع، لكن جاءت السنة بذلك، فهي رفيعة عظيمة ارتفاعاً عظيماً شاهقاً، ﴿ووضع الميزان﴾ أي: وضع العدل، والدليل على أن المراد بالميزان هنا العدل قوله تعالى: ﴿لقد
стр. 294
أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان﴾ يعني العدل، وليس المراد بالميزان هنا الميزان ذا الكفتين المعروف ولكن المراد بالميزان العدل، ومعنى وضع الميزان أي أثبته للناس، ليقوموا بالقسط أي بالعدل ﴿ألا تطغوا في الميزان﴾ يعني ألا تطغوا في العدل، يعني وضع العدل لئلا تطغوا في العدل فتجوروا، فتحكم للشخص وهو لا يستحق، أو على الشخص وهو لا يستحق، ﴿وأقيموا الوزن بالقسط﴾ ، يعني وزنكم للأشياء، أقيموه ولا تبخسوه فتنقصوا، لهذا قال: ﴿ولا تخسروا الميزان﴾ أي لا تخسروا الموزون، فصار الميزان يختلف في مواضعه الثلاثة: ﴿ووضع الميزان﴾ أي: العدل ﴿ألا تطغوا في الميزان﴾ لا تجوروا في الوزن ﴿ولا تخسروا الميزان﴾ أي: الموزون.
﴿والأَرض وضعها للأَنام﴾ يعني: أن من نعم الله أن الله وضع الأرض للأنام أي: أنزلها بالنسبة للسماء، والأنام هم الخلق، ففيها الإنس، وفيها الجن، وفيها الملائكة، تنزل بأمر الله من السماء، وإن كان مقر الملائكة في السماء لكن ينزلون إلى الأرض، مثل الملكين اللذين عن اليمين وعن الشمال قعيد، والملائكة الذين يحفظون من أمر الله المعقبات، والملائكة الذين ينزلون في ليلة القدر وغير ذلك، ﴿فيها﴾ ، أي في الأرض ﴿فاكهة﴾ أي: ثمار يتفكه بها الناس، وأنواع الفاكهة كثيرة، كالعنب والرمان والتفاح والبرتقال وغيرها ﴿والنخل ذات الأَكمام﴾ نص على النخل، لأن ثمرتها أفضل
стр. 295
الثمار فهي حلوى وغذاء وفاكهة، وشجرتها من أبرك الأشجار وأنفعها، حتى إن النبي ﷺ شبه النخلة بالمؤمن فقال: «إن من الشجر شجرة مثلها مثل المؤمن» ، فخاض الصحابة ﵃ في الشجر حتى أخبرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنها النخلة (١)
وقوله: ﴿ذات الأَكمام﴾ جمع كم وهو غلاف الثمرة، فإن ثمرة النخل أول ما تخرج يكون عليها كم قوي، ثم تنمو في ذلك الكم حتى يتفطر وتخرج الثمرة، ﴿والحب ذو العصف﴾ الحب يعني الذي يؤكل من الحنطة والذرة والدخن والأرز وغير ذلك، وقوله: ﴿ذو العصف﴾ يعني ما يحصل من ساقه عند يبسه وهو ما يعرف بالتبن؛ لأنه يعصف أي تطؤه البهائم بأقدامها حتى ينعصف، ﴿والريحان﴾ هذا الشجر ذو الرائحة الطيبة، فذكر الله في الأرض الفواكه، والنخل، والحب، والريحان، لأن كل واحد من هذه الأربع له اختصاص يختص به، وكل ذلك من أجل مصلحة العباد ومنفعتهم ﴿فبأي ءالآء ربكما تكذبان﴾ الخطاب للجن والإنس، والاستفهام للإنكار، أي: أي نعمة تكذبون بها ﴿خلق الإنسان من صلصال كالفخار﴾ خلق الإنسان يعني جنسه من صلصال، والصلصال هو الطين اليابس الذي له صوت، عندما تنقره بظفرك يكون له صوت كالفخار، هو الطين المشوي، وهذا باعتبار خلق آدم ﵇، فإن الله خلقه من تراب، من طين، من صلصال كالفخار، من حمأ
стр. 296
مسنون، كل هذه أوصاف للتراب ينتقل من كونه تراباً، إلى كونه طيناً، إلى كونه حمأ، إلى كونه صلصالاً، إلى كونه كالفخار، حتى إذا استتم نفخ الله فيه من روحه فصار آدمياً، ﴿وخلق الجآن﴾ وهم الجن ﴿من مارج من نار﴾ ، المارج هو المختلط الذي يكون في اللهب إذا ارتفع صار مختلطاً بالدخان، فيكون له لون بين الحمرة والصفرة، فهذا هو المارج من نار، والجان، خلق قبل الإنس، ولهذا قال إبليس لله : ﴿أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾ ﴿فبأي ءالآء ربكما تكذبان﴾ أي: بأي نعمة من نعم الله تكذبون، حيث خلق الله الإنسان من هذه المادة، والجن من هذه المادة، وأيهما خير التراب أم النار؟ التراب خير، لا شك فيه، ومن أراد أن يطلع على ذلك فليرجع إلى كلام ابن القيم - رحمه
الله - في كتاب «إغاثة اللهفان من مكائد الشيطان» ﴿رب المشرقين ورب المغربين﴾ يعني هو رب، فهي خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هو رب المشرقين ورب المغربين، يعني أنه مالكهما ومدبرهما، فما من شيء يشرق إلا بإذن الله، ولا يغرب إلا بإذن الله وما من شيء يحوزه المشرق والمغرب إلا لله وثنى المشرق هنا باعتبار مشرق الشتاء ومشرق الصيف، فالشمس في الشتاء تشرق من أقصى الجنوب، وفي الصيف بالعكس، والقمر في الشهر الواحد يشرق من أقصى الجنوب ومن أقصى الشمال، وفي آية أخرى قال الله تعالى: ﴿فلا أقسم برب المشارق والمغارب﴾ فجمعها، وفي آية ثالثة ﴿رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلاً﴾ فما
стр. 297
الجمع بينها؟ نقول: أما التثنية فباعتبار مشرقي الشتاء والصيف، أما جمع المغارب والمشارق فباعتبار مشرق كل يوم ومغربه، لأن الشمس كل يوم تشرق من غير المكان الذي أشرقت منه بالأمس، فالشمس يتغير شروقها وغروبها كل يوم، ولاسيما عند تساوي الليل والنهار، فتجد الفرق دقيقة، أو دقيقة ونصفاً بين غروبها بالأمس واليوم، وكذلك الغروب، أو باعتبار الشارقات والغاربات، لأنها تشمل الشمس والقمر والنجوم، وهذه لا يحصيها إلا الله ، أما قوله: ﴿رب المشرق والمغرب﴾ فباعتبار الناحية، لأن النواحي أربع: مشرق، ومغرب، وشمال، وجنوب، ﴿فبأي ءالآء ربكما تكذبان﴾ أي: بأي شيء من نعم الله تكذبان يا معشر الجن والإنس؟ فما جوابنا على هذه الاستفهامات بهذه الآيات كلها؟ جوابنا: ألا نكذب بشيء من آلائك يا ربنا، ولهذا ورد حديث في إسناده ضعف عن جابر ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه، فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها، فسكتوا، فقال: «لقد قرأتها على الجن، ليلة الجن، فكانوا أحسن مردوداً منكم، كنت كلما أتيت على قوله
﴿فبأي ءالآء ربكما تكذبان﴾ قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد» . لكن هذا الحديث ضعيف (١) ، يذكره المفسرون هنا، وكل آية أعقبت ﴿فبأي ءالآء ربكما تكذبان﴾ فهي تتضمن نعماً عظيمة، فما النعم التي يتضمنها اختلاف المشرق
стр. 298
والمغرب؟ النعم ما يترتب على ذلك من مصالح الخلق: صيفاً، وشتاء، ربيعاً، وخريفاً، وغير ذلك مما لا نعلم، فهي نعم عظيمة باختلاف المشرق والمغرب، ثم قال : ﴿مرج البحرين يلتقيان﴾ مرج بمعنى أرسل البحرين، يعني المالح والعذب ﴿يلتقيان﴾ ، يلتقي بعضهما ببعض، البحر المالح هذه البحار العظيمة، البحر الأحمر، والبحر الأبيض، والبحر الأطلسي، وهذه البحار كلها مالحة، وجعلها الله ﵎ مالحة، لأنها لو كانت عذبة لفسد الهواء وأنتنت، لكن الملح يمنع الإنتان والفساد، والبحر الآخر البحر العذب وهو الأنهار التي تأتي: إما من كثرة الأمطار، وإما من ثلوج تذوب وتسيح في الأرض، فالله أرسلهما بحكمته وقدرته حيث شاء ﴿يلتقيان﴾ أي: يلتقي بعضهما ببعض عند مصب النهر في البحر فيمتزج بعضهما ببعض، لكن حين سيرهما أو حين انفرادهما، يقول الله : ﴿بينهما برزخ﴾ وهو اليابس من الأرض ﴿لا يبغيان﴾ أي: لا يبغي أحدهما على الآخر، ولو شاء الله تعالى لسلط البحار ولفاضت على الأرض وأغرقت الأرض، لأن البحر عندما تقف على الساحل لا تجد جداراً يمنع انسيابه إلى اليابس مع أن الأرض كروية، ومع ذلك لا يسيح البحر لا هاهنا، ولا هاهنا بقدرة الله ، ولو شاء الله لساحت مياه البحر على اليابس من الأرض ودمرتها، إذن البرزخ الذي بينهما هو اليابس من الأرض هذا قول علماء الجغرافيا، وقال بعض
أهل العلم: بل البرزخ أمر معنوي يحول
стр. 299
بين المالح والعذب أن يختلط بعضهما ببعض، وقالوا: إنه يوجد الآن في عمق البحار عيون عذبة تنبع من الأرض، حتى إن الغواصين يغوصون إليها ويشربون منها كأعذب ماء، ومع ذلك لا تفسدها مياه البحار، فإذا ثبت ذلك فلا مانع من أن نقول بقول علماء الجغرافيا وقول علماء التفسير، والله على كل شيء قدير ﴿فبأي ءالآء ربكما تكذبان يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ أي: يخرج من البحرين العذب والمالح اللؤلؤ والمرجان، وهو قطع من اللؤلؤ أحمر جميل الشكل واللون مع أنها مياه، وقوله تعالى: ﴿منهما﴾ أضاف الخروج إلى البحرين العذب والمالح، وقد قيل: إن اللؤلؤ لا يخرج إلا من المالح ولا يخرج من العذب، والذين قالوا بهذا اضطربوا في معنى الآية، كيف يقول الله ﴿منهما﴾ وهو من أحدهما؟ فأجابوا: بأن هذا من باب التغليب، والتغليب أن يغلب أحد الجانبين على الآخر، مثلما يقال: العمران، لأبي بكر وعمر، ويقال: القمران، للشمس والقمر، فهذا من باب التغليب، فـ ﴿منهما﴾ المراد واحد منهما، وقال بعضهم: بل هذا على حذف مضاف، والتقدير: يخرج: من أحدهما، وهناك قول ثالث: أن تبقى الآية على ظاهرها لا تغليب ولا حذف، ويقول ﴿منهما﴾ أي: منهما جميعاً يخرج اللؤلؤ والمرجان، وإن امتاز المالح بأنه أكثر وأطيب.
فبأي هذه الأقوال الثلاثة، نأخذ؟ نأخذ بما يوافق ظاهر القرآن، فالله يقول: ﴿يخرج منهما﴾ وهو خالقهما وهو يعلم ماذا يخرج منهما، فإذا كانت الآية ظاهرها أن اللؤلؤ يخرج
стр. 300
منهما جميعاً وجب الأخذ بظاهرها، لكن لا شك أن اللؤلؤ من الماء المالح أكثر وأطيب، لكن لا يمنع أن نقول بظاهر الآية، بل يتعين أن نقول بظاهر الآية، وهذه قاعدة في القرآن والسنة: إننا نحمل الشيء على ظاهره، ولا نؤول، اللهم إلا لضرورة، فإذا كان هناك ضرورة، فلابد أن نتمشى على ما تقتضيه الضرورة، أما بغير ضرورة فيجب أن نحمل القرآن والسنة على ظاهرهما ﴿فبأي ءالاء ربكما تكذبان﴾ لأن ما في هذه البحار وما يحصل من المنافع العظيمة، نِعم كثيرة لا يمكن للإنسان أن ينكرها أبداً.
﴿وله الجوار المنشئات في البحر كالأَعلام﴾ أي لله ملكاً وتدبيراً وتيسيراً ﴿الجوار﴾ بحذف الياء للتخفيف، وأصلها الجواري جمع جارية، وهي السفينة تجري في البحر كما قال الله : ﴿ألم تر أن الفلك تجرى في البحر بنعمت الله﴾ ﴿المنشئات﴾ أي: التي أنشأها صانعوها ليسيروا عليها في البحر، وقوله: ﴿في البحر﴾ متعلق بالجواري أي الجواري في البحر، وليست فيما يظهر متعلقة بالمنشآت، يعني الجواري التي تصنع في البحر، لأن السفن تصنع في البر أولاً، ثم تنزل في البحر، وقوله: ﴿كالأَعلام﴾ تشبيه، والأعلام جمع علم وهو الجبل، كما قال الشاعر:
وإن صخراً لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار
كأنه جبل، ومن شاهد السفن في البحار رأى أن هذا التشبيه منطبق تماماً عليها، فهي كالجبال تسير في البحر بأمر الله ، وإنما نص الله عليها لأنها تحمل الأرزاق من جانب إلى
стр. 301
جانب، ولولا أن الله تعالى يسرها لكان في ذلك فوات خير كثير للبلاد التي تنقل منها والبلاد التي تنقل إليها، وفي هذا العصر جعل الله ﵎ جواري أخرى، لكنها تجري في الجو، كما تجري هذه في البحر، وهي الطائرات، فهي منة من الله كمنته على عباده في جواري البحار، بل ربما نقول: إن السيارات أيضاً من جواري البر، فتكون الجواري ثلاثة أصناف: بحرية، وبرية، وجوية، وكلها من نعم الله ، ولهذا قال: ﴿فبأي ءالآء ربكما تكذبان﴾ أي بأي: نعمة من نعم الله تكذبان، والخطاب للإنس والجن، ثم قال : ﴿كل من عليها﴾ أي: كل من على الأرض ﴿فان﴾ أي: ذاهب من الجن والإنس والحيوان والأشجار، قال الله ﵎: ﴿إنا جعلنا ما على الأَرض زينةً لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً﴾ أي: خالية، وقال الله تعالى: ﴿ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً فيذرها قاعاً صفصفاً﴾ أي: يذر الأرض قاعاً صفصفاً، أو يذر الجبال بعد أن كانت عالية شامخة قاعاً كالقيعان مساوية لغيرها، صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ أي: يبقى الله ذو الوجه الكريم، وكان بعض السلف إذا قرأ هاتين الآيتين وصل بعضهما ببعض، قال: ليتبين بذلك كمال الخالق ونقص المخلوق (١) ؛
لأن المخلوق فانٍ والرب باقٍ، وهذه الملاحظة
стр. 302
جيدة أن تصل فتقول: ﴿كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ وهذا هو محط الثناء والحمد على الله أن تفنى الخلائق ويبقى الله وقوله تعالى: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ فيه إثبات الوجه لله ولكنه وجه لا يشبه أوجه المخلوقين، لقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ يعني أنت تؤمن بأن لله وجهاً، لكن يجب أن تؤمن بأنه لا يماثل أوجه المخلوقين بأي حال من الأحوال، لقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ ولما ظن بعض أهل التعطيل أن إثبات الوجه يستلزم التمثيل أنكروا أن يكون لله وقالوا: المراد بقوله ﴿ويبقى وجه ربك﴾ أي ثوابه، أو أن كلمة ﴿وجه﴾ زائدة، وأن المعنى: ويبقى ربك! ولكنهم ضلوا سواء السبيل، وخرجوا عن ظاهر القرآن وحرفوه وخرجوا عن طريق السلف الصالح، ونحن نقول: إن لله وجهاً، لإثباته له في هذه الآية، ولا يماثل أوجه المخلوقين لنفي المماثلة في قوله: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ وبذلك نسلم ونجري النصوص على ظاهرها، المراد بها، وقوله: ﴿ذو الجلال﴾ أي: ذو العظمة ﴿والإكرام﴾ أي: إكرام من يطيع الله كما قال تعالى: ﴿أولئك في جنات مكرمون﴾ فالإكرام أي أنه يكرم من يستحق الإكرام من خلقه، ويحتمل أن يكون لها معنى آخر وهو أنه يُكْرَم من أهل العبادة من خلقه، فيكون الإكرام هذا المصدر صالحاً للمفعول والفاعل، فهو مكرَم ومكرِم ﴿فبأي ءالآء ربكما تكذبان﴾ وهذه الآية تكررت عدة مرات في هذه
стр. 303
السورة، ومعناها أنه بأي نعمة من نعم الله تكذبان يا معشر الجن والإنس، وهذا كالتحدي لهم، لأنه لن يستطيع أحد أن يأتي بمثل هذه النعم، ثم قال : ﴿يسأله من في السماوات والأَرض كل يوم هو في شأن﴾ أي: يسأل
الله من في السماوات والأرض، والذي في السماوات هم الملائكة يسألون الله ومن سؤالهم أنهم ﴿ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمةً وعلماً فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم﴾ إلى آخره، ويسأله من في الأرض من الخلائق، وسؤال أهل الأرض لله قسمان: الأول: السؤال بلسان المقال، وهذا إنما يكون من المؤمنين، فالمؤمن يسأل ربه دائماً حاجاته، لأنه يعلم أنه لا يقضيها إلا الله وسؤال المؤمن ربه عبادة، سواء حصل مقصوده أم لم يحصل، فإذا قلت: يا رب أعطني كذا. فهذه عبادة، كما جاء في الحديث: «الدعاء عبادة (١) » . وقال تعالى ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾ فقال ﴿ادعوني﴾ ثم قال: ﴿إن الذين يستكبرون عن عبادتي﴾ وهذا دليل على أن الدعاء عبادة، النوع الثاني: دعاء بلسان الحال، وهو أن كل مخلوق مفتقر إلى الله ينظر إلى رحمته، فالكفار مثلاً ينظرون إلى الغيث النازل من السماء، وإلى نبات الأرض، وإلى صحة الحيوان، وإلى كثرة الأرزاق وهم يعلمون إنهم لا
стр. 304
يستطيعون أن يجدوا ذلك بأنفسهم، فهم إذن يسألون الله بلسان الحال، ولذلك إذا مستهم ضراء اضطروا إلى سؤال الله بلسان المقال ﴿وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين﴾ .
﴿كل يوم هو في شأن﴾ من يحصي الأيام؟ لا أحد إلا الله ومن يحصي الشهور؟ لا أحد إلا الله ﴿كل يوم هو في شأن﴾ ، يغني فقيراً، ويفقر غنيًّا، ويمرض صحيحاً، ويشفي سقيماً، ويؤمّن خائفاً ويخوف آمناً، وهلم جرا، كل يوم يفعل الله تعالى ذلك، هذه الشئون التي تتبدل عن حكمة ولا شك، قال الله تعالى: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون﴾ وقال تعالى: ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدًى﴾ فنحن نؤمن أن الله لا يقدر قدراً إلا لحكمة، لكن قد نعلم هذه الحكمة وقد لا نعلم، ولهذا قال: ﴿كل يوم هو في شأن﴾ ، ولكن اعلم أيها المؤمن أن الله تعالى لا يقدر لك قدراً إلا كان خيراً لك، إن أصابتك ضراء فاصبر وانتظر الفرج، وقل: الحمد لله على كل حال. وكما يقال: دوام الحال من المحال، فينتظر الفرج فيكون خيراً له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وليس هذا لأحد إلا للمؤمن ﴿فبأي ءالآء ربكما تكذبان﴾ نقول فيها ما قلنا في الآيات السابقة أن المعنى بأي نعمة من نعم الله تكذبان؟ والجواب: لا نكذب بشيء من نعم الله، بل نقول: هي من عند الله، فله الحمد وله الشكر، ومن نسب النعمة إلى غير الله فهو مكذب.
وإن لم يقل إنه مكذب قال الله تعالى: ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾ وهذه الآية يعني بها قولهم: مطرنا بنوء كذا وكذا، وقد قال النبي ﷺ وهو يحدث
стр. 305
أصحابه على إثر مطر كان، قال لهم بعد صلاة الصبح: «هل تدرون ماذا قال ربكم» ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي، كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا، وكذا، فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب» (١) .
﴿سنفرغ لكم أيها الثقلان فبأي ءالآء ربكما تكذبان﴾ هذه الجملة المقصود بها الوعيد، كما يقول قائل لمن يتوعده سأتفرغ لك، وأجازيك. وليس المعنى أن الله تعالى يشغله شأن عن شأن ثم يفرغ من هذا، ويأتي إلى هذا، هو سبحانه يدبر كل شيء في آن واحد في مشارق الأرض ومغاربها وفي السماوات، وفي كل مكان يدبره في آن واحد، ولا يعجزه. فلا تتوهمن أن قوله: ﴿سنفرغ﴾ أنه الآن مشغول وسيفرغ.
بل هذه جملة وعيدية تعبر بها العرب، والقرآن الكريم نزل بلغة العرب وفي قوله: ﴿سنفرغ لكم﴾ من التعظيم ما هو ظاهر حيث أتى بضمير الجمع، ﴿سنفرغ﴾ تعظيماً لنفسه - جل وعلا - وإلا فهو واحد، وقوله: ﴿أيها الثقلان﴾ يعني الجن والإنس، وإنما وجه هذا الوعيد إليهما، لأنهما مناط التكليف، ﴿فبأي ءالآء ربكما تكذبان﴾ سبق تفسيرها فلا حاجة إلى التكرار ﴿يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأَرض فانفذوا﴾ بعد الوعيد قال: ﴿إن استطعتم أن تنفذوا﴾ أي: مما نريده بكم ﴿من أقطر السماوات والأَرض
стр. 306
فانفذوا﴾ ولكنكم لا تستطيعون هذا، فالأمر هنا للتعجيز، ولهذا قال: ﴿لا تنفذون إلا بسلطان﴾ يعني ولا سلطان لكم، ولا يمكن أحد أن ينفذ من أقطار السماوات والأرض إلى أين يذهب؟ لا يمكن ثم قال: ﴿فبأي ءالآء ربكما تكذبان يرسل عليكما شواظ من نار﴾ يعني لو استطعتم، أو لو حاولتم لكان هذا الجزاء ﴿يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس﴾ أي: محمى بالنار ﴿فلا تنتصران﴾ أي: فلا ينصر بعضكم بعضاً، وهذه الآية في مقام التحدي، وقد أخطأ غاية الخطأ من زعم أنها تشير إلى ما توصل إليه العلماء من الطيران، حتى يخرجوا من أقطار الأرض ومن جاذبيتها، وإلى أن يصلوا كما يزعمون إلى القمر أو إلى ما فوق القمر، فالآية ظاهرة في التحدي، والتحدي هو توجيه الخطاب إلى من لا يستطيع، ثم نقول: إن هؤلاء هل استطاعوا أن ينفذوا من أقطار السماوات، لو فرضنا أنهم نفذوا من أقطار الأرض ما نفذوا من أقطار السماوات، فالآية واضحة أنها في مقام التحدي، وأنها لا تشير إلى ما زعم هؤلاء أنها تشير إليه، ونحن نقول الشيء الواقع لا نكذبه، ولكن لا يلزم من تصديقه أن يكون القرآن دل عليه أو السنة، الواقع واقع، فهم خرجوا من أقطار الأرض، وهذا واقع لا يحتاج إلى دليل، وهذه الآية في سياقها
إذا تأملتها وجدت أن هذا التحدي يوم القيامة، لأنه قال: ﴿كل من عليها فان﴾ ، ثم ذكر ﴿يسأله من في السماوات والأَرض﴾ ثم ذكر ﴿يا معشر الجن﴾ ، ثم ذكر ما بعدها يوم القيامة، ﴿فإذا انشقت السماء﴾ يعني تفتحت وذلك يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت وإذا الأرض
стр. 307
مدت وألقت ما فيها وتخلت وأذنت لربها وحقت ...
أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه﴾ ﴿فكانت وردةً﴾ أي: مثل الوردة في الحمرة ﴿كالدهان﴾ ، كالجلد المدهون، ﴿فبأي ءالآء ربكما تكذبان﴾ ﴿فيومئذ﴾ أي: إذا انشقت ﴿لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جآن﴾ لماذا؟ لأن كل شيء معلوم، والمراد لا يسأل سؤال استرشاد واستعلام، لأن كل شيء معلوم، أما سؤال تبكيت فيسأل مثل قوله تعالى: ﴿ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين فعميت عليهم الأَنباء يومئذ فهم لا يتساءلون﴾ وقال : ﴿إلا أصحاب اليمين في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين﴾ وقال لأهل النار وهم يلقون فيها: ﴿أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى﴾ وأمثالها كثير، إذن لا يسأل عن ذنبه سؤال استرشاد واستعلام، وإنما يسألون سؤال تبكيت وتوبيخ، وما جاء من سؤال الإنس والجن عن ذنوبهم: هل أنت عملت أو لم تعمل؟ فهو سؤال تبكيت وتوبيخ، وهناك فرق بين سؤال الاسترشاد وسؤال التوبيخ فلا تتناقض الآيات، فما جاء أنهم يسألون فهو سؤال توبيخ، وما جاء أنهم لا يسألون فهو سؤال استرشاد واستعلام، لأن الكل معلوم ومكتوب، ﴿فبأي ءالآء ربكما تكذبان يعرف المجرمون بسيماهم﴾ أي: بعلامتهم يعرفون، ومن علاماتهم - والعياذ بالله - أنهم سود الوجوه، قال الله تعالى: ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه﴾ وأنهم يحشرون يوم القيامة زرقاً إما أنهم زرق أحياناً وسود أحياناً، وإما أنهم سود الوجوه زرق العيون، وإما
стр. 308
أنهم زرق زرقة يعني بالغة يحسبها الإنسان سوداء ﴿يعرف المجرمون بسيمهم فيؤخذ بالنواصي والأَقدام﴾ النواصي مقدم الرأس، والأقدام معروفة، فتؤخذ رجله إلى ناصيته، هكذا يطوى طيًّا إهانة له وخزياً له، فيؤخذ بالنواصي والأقدام، ويلقون في النار ﴿فبأي ءالآء ربكما تكذبان هذه جهنم التى يكذب بها المجرمون﴾ يعني يقال هذه
جهنم التي تكذبون بها، وقال ﴿المجرمون﴾ ولم يقل: تكذبون بها، إشارة إلى أنهم مجرمون، وما أعظم جرم الكفار الذين كفروا بالله ورسوله، واستهزؤا بآيات الله واتخذوها هزواً ولعباً، ﴿يطوفون بينها﴾ أي: يترددون بينها ﴿وبين حميم ءان﴾ أي: شديد الحرارة - والعياذ بالله -. أما كيف يكون ذلك فالله أعلم، لكننا نؤمن بأنهم يطوفون بينها وبين الحميم الحار الشديد الحرارة، والله أعلم بذلك، ﴿فبأي ءالآء ربكما تكذبان﴾ ، ثم ذكر جزاء أهل الجنة فقال: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ يعني أن من خاف المقام بين يدي الله يوم القيامة، فإن له جنتين. وهذا الخوف يستلزم شيئين: الشيء الأول: الإيمان بلقاء الله لأن الإنسان لا يخاف من شيء إلا وقد تيقنه.
والثاني: أن يتجنب محارم الله، وأن يقوم بما أوجبه الله خوفاً من عقاب الله تعالى، فعليه يلزم كل إنسان أن يؤمن بلقاء الله ، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه﴾ وقال تعالى: ﴿واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين﴾ ، وأن يقوم بما أوجبه الله، وأن يجتنب محارم الله فمن خاف هذا المقام بين يدي الله فله جنتان ﴿فبأي ءالآء ربكما تكذبان﴾ سبق الكلام عليها ﴿ذواتآ
стр. 309
أفنان﴾ أي صاحبتا أفنان، والأفنان جمع فنن وهو الغصن، أي أنهما مشتملتان على أشجار عظيمة ذواتي أغصان كثيرة وهذه الأغصان كلها تبهج الناظرين ﴿فبأي ءالآء ربكما تكذبان﴾ ، ثم قال ﴿فيهما عينان تجريان﴾ أي: في الجنتين عينان تجريان، وقد ذكر الله تعالى أن في الجنة أنهاراً من أربعة أصناف، فقال - جل وعلا -: ﴿مثل الجنة التى وعد المتقون فيهآ أنهار من ماء غير ءاسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى﴾ والعينان اللتان تجريان، يظهر - والله أعلم - أنهما سوى هذه الأنهار الأربعة ﴿فبأي ءالآء ربكما تكذبان﴾ وقوله: ﴿فيهما من كل فاكهة زوجان﴾ أي: في هاتين الجنتين من كل فاكهة، والفاكهة كل ما يتفكه الإنسان به مذاقاً ونظراً، فيشمل أنواع الفاكهة الموجودة في الدنيا، وربما يكون هناك فواكه أخرى ليس لها نظير في الدنيا، ﴿فبأي ءالآء ربكما تكذبان﴾ ﴿متكئين على فرش بطآئنها من إستبرق وجنى الجنتين دان﴾ أي: يتنعمون بهذه الفاكهة حال كونهم متكئين، وعلى هذا فكلمة متكئين حال من فاعل والفعل المحذوف، أي: يتنعمون ويتفكهون، متكئين، والاتكاء قيل: إنه التربع، لأن الإنسان أريح ما يكون إذا كان متربعاً، وقيل ﴿متكئين﴾ أي: معتمدين على مساند من اليمين والشمال ووراء الظهر ﴿على فرش﴾ يعني جالسين ﴿على فرش
بطآئنها من إستبرق﴾ يعني بطانة الفراش وهو ما يدحى به الفراش من استبرق وهو غليظ الديباج، وأما أعلى هذه الفرش فهو من سندس، وهو رقيق الديباج، وكله من الحرير ﴿وجنى الجنتين دان﴾ تأمل أو تصور هذه الحال إنسان متكىء مطمئن
стр. 310
مستريح يريد أن يتفكه من هذه الفواكه هل يقوم من مكانه الذي هو مستقر فيه متكىء فيه ليتناول الثمرة؟ بيّن الله بقوله تعالى ذلك ﴿وجنى الجنتين دان﴾ قال أهل العلم: إنه كلما نظر إلى ثمرة وهو يشتهيها، مال الغصن حتى كانت الثمرة بين يديه لا يحتاج إلى تعب وإلى قيام، بل هو متكىء، ينظر إلى الثمرة مشتهياً إياها، فتتدلى له بأمر الله مع أنها جماد، لكن الله تعالى أعطاها إحساساً بأن تتدلى عليه إذا اشتهاها ولا تستغرب فهاهي الأشجار في الغالب تستقبل الشمس، انظر إلى وجوه الأوراق أول النهار تجدها متجهة إلى المشرق، وفي آخر النهار تجدها متجهة إلى المغرب ففيها إحساس، كذلك أيضاً جنى الجنتين دان قريب يحس، إذا نظر إليه الرجل أو المرأة فإنه يتدلى حتى يكون بين يديه، ﴿فبأي ءالآء ربكما تكذبان فيهن قاصرات الطرف﴾ ﴿فيهن﴾ أكثر العلماء يقولون: إن الضمير يعود إلى الجنتين، وأن الجمع باعتبار أن لكل واحد من الناس جنة خاصة به، فيكون ﴿فيهن﴾ أي في جنة كل واحد ممن هو في هاتين الجنتين قاصرات الطرف، وعندي أن قوله ﴿فيهن﴾ يشمل الجنات الأربع، هاتين الجنتين، والجنتين اللتين بعدهما، ﴿قاصرات الطرف﴾ يعني أنها تقصر طرفها أي نظرها على زوجها فلا تريد غيره، والوجه الآخر: قاصرات الطرف، أي: أنها تقصر طرف زوجها عليها فلا يريد غيرها، وعلى القول الأول يكون قاصرات مضافة إلى الفاعل، وعلى الثاني مضاف إلى المفعول ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن﴾ أي: لم يجامعهن، وقيل: إن الطمث مجامعة البكر، والمعنى
стр. 311
أنهن أبكار لم يجامعهن أحد من
قبل لا إنس ولا جن، وفي هذا دليل واضح على أن المؤمنين من الجن يدخلون الجنة، ﴿فبأي ءالآء ربكما تكذبان كأنهن الياقوت والمرجان﴾ أي: في الحسن والصفاء كالياقوت والمرجان، وهما جوهران نفيسان، الياقوت في الصفاء، والمرجان في الحمرة، يعني أنهن مشربات بالحمرة مع صفاء تام ﴿فبأي ءالآء ربكما تكذبان﴾ ، ثم قال : ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ يعني ما جزاء الإحسان إلا الإحسان، الإحسان الأول: العمل، والإحسان الثاني: الثواب، أي: ما جزاء إحسان العمل إلا إحسان الثواب، ﴿فبأي ءالآء ربكما تكذبان ومن دونهما جنتان﴾ أي: من دون الجنتين السابقتين جنتان من نوع آخر، وقد جاء ذلك مبيناً في السنة، حيث قال النبي ﷺ : «جنتان من ذهب آنيتهما، وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما (١) » والآية صريحة أن هاتين الجنتين دون الأوليان ﴿فبأي ءالآء ربكما تكذبان مدهآ متان﴾ أي: سوداوان من كثرة الأشجار ﴿فبأي ءالآء ربكما تكذبان فيهما عينان نضاختان﴾ أي: تنضخ بالماء، أي: تنبع، وفي الجنتين السابقتين قال: ﴿فيهما عينان تجريان﴾ ، والجري أكمل من النبع، لأن النبع لايزال في مكانه لكنه لا ينضب، أما الذي يجري فإنه يسيح، فهو أعلى وأكمل، ﴿فبأي ءالآء ربكما تكذبان فيهما فاكهة ونخل ورمان﴾ وهناك يقول: ﴿فيهما من كل فاكهة زوجان﴾ ، أما هذا فقال ﴿فيهما فاكهة ونخل ورمان﴾ ، والنخل والرمان معروفان في الدنيا، ولكن
стр. 312
يجب أن تعلم أنه لا يستوي هذا وهذا.
الاسم واحد والمسمى يختلف اختلافاً كثيراً، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين جزاءً بما كانوا يعملون﴾ ولو كانت النخل والرمان كالنخل والرمان في الدنيا لكنا نعلم، لكننا لا نعلم، فالاسم واحد، ولكن الحقيقة مختلفة، ولهذا قال ابن عباس ﵄: «ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء فقط» (١) ، ﴿فبأي ءالآء ربكما تكذبان فيهن خيرات حسان﴾ ﴿فيهن﴾ وهذا جمع، وقد قال قبل ذلك ﴿فيهما﴾ ، لأن هذا الجمع يعود على الجنان الأربع، ففي الجنان الأربع قاصرات الطرف كما سبق، وفي الجنان الأربع ﴿خيرات حسان﴾ أي: في الأخلاق.
الأخلاق طيبة، حسان الوجوه والبدن، فالأول حسن الباطن وهذا حسن الظاهر ﴿فبأي ءالآء ربكما تكذبان حور مقصورات في الخيام﴾ الحوراء هي الجميلة، التي جملت في جميع خلقها، وبالأخص العين: شديدة البياض، شديدة السواد، واسعة مستديرة من أحسن ما يكون، ﴿مقصورات﴾ أي: مخبئات، ﴿في الخيام﴾ : جمع خيمة، والخيمة معروفة هي بناء له عمود وأروقة، لكن الخيمة في الآخرة ليست كالخيمة في الدنيا، بل هي خيمة من لؤلؤة طولها في السماء مرتفع جداً، ويرى من في باطنها من ظاهرها، ولا تسأل عن حسنها وجمالها، هؤلاء الحور مقصورات مخبئات في هذه الخيام على أكمل ما يكون من الدلال والتنعيم ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن﴾ يعني لم يجامعهن
стр. 313
أحد، بل هي باقية على بكارتها إلى أن يغشاها زوجها، جعلنا الله منهم، ﴿ولا جآن﴾ أي: ولا جن، وهذا يدل على أن الجن يدخلون الجنة مع الإنس وهو كذلك، لأن الله لا يظلم أحداً، والجن منهم صالحون، ومنهم دون ذلك، ومنهم مسلمون ومنهم كافرون، كالإنس تماماً، كما أن الإنس فيهم مطيع وعاصٍ، وفيهم كافر ومؤمن، كذلك الجن، والجن المسلم فيه خير، ويدل على الخير، وينبىء بالخير، ويساعد أهل الصلاح من الإنس، والجن الفاسق أو الكافر مثل الفاسق أوالكافر من بني آدم سواء بسواء، وكافرهم يدخل النار، بإجماع المسلمين كما في القرآن: ﴿قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار﴾ وهذا نص القرآن، وأجمع العلماء على أن الكافر من الجن يدخل النار، ومؤمن الجن يدخل الجنة، وقوله تعالى: ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن﴾ يدل على أن الجن يدخلون الجنة، وهو كذلك ﴿فبأي ءالآء ربكما تكذبان متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان﴾ أي: معتمدين بأيديهم وظهورهم ﴿على رفرف﴾ أي: على مساند ترفرف مثل ما يكون على أطراف المساند، ويكون في الأسرّة، هكذا يرفرف،
﴿متكئين على رفرف خضر﴾ ، لأن اللون الأخضر أنسب ما يكون للنظر، وأشد ما يكون بهجة للقلب، ﴿وعبقري حسان﴾ ، العبقري هو الفرش الجيدة جداً، ولهذا يسمى الجيد من كل شيء عبقري، كما قال النبي ﷺ في الرؤية التي رآها حين نزع عمر بن الخطاب ﵁ قال: «فما رأيت عبقرياً يفري فريه» (١) أي:
стр. 314
ينزع نزعه: من قوته ﵁، ﴿فبأي ءالآء ربكما تكذبان﴾ المعنى التقرير، يعني أن النعم واضحة فبأي شيء تكذبون؟ الجواب: لا نكذب بشيء، نعترف بآلاء الله ونعمه ونقر بها ونعترف بأننا مقصرون، لم نشكر الله تعالى حق شكره، ولكننا نؤمن بأن الله أوسع من ذنوبنا، وأن الله ﵎ عفو كريم يحب توبة عبده، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، حتى قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم» وذكر الرجل في فلاة أضل راحلته، وعليها طعامه وشرابه، فطلبها ولم يجدها، فأيس منها فاضطجع في ظل شجرة ينتظرالموت، آيس من الحياة، فإذا بخطام ناقته متعلقاً بالشجرة، فأخذه وقال: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك» (١) ،
يريد أنت ربي وأنا عبدك، لكن من شدة الفرح أخطأ فقال: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك» ، فالله تعالى أشد فرحاً بتوبة عبده من هذا الرجل بناقته، اللهم تب علينا يا رب العالمين ﴿تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام﴾ ختم الله ﵎ هذه السورة بهذه الجملة العظيمة، أي ما أعظم بركة الله وما أعظم البركة باسمه، حتى إن اسم الله يحلل الذبيحة أو يحرمها، لو ذبح الإنسان ذبيحة ولم يقل باسم الله تكون ميتة حراماً نجسة مضرة على البدن، حتى لو ذبح ونسي
стр. 315
أن يقول: بسم الله. فهي حرام نجسة تفسد البدن، فيجب أن يسحبها للكلاب، لأنها نجسة، قال الله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾ فانظر البركة، والإنسان إذا توضأ ولم يسم فوضوؤه عند بعض العلماء فاسد لابد من الإعادة، لأن البسملة واجبة عند بعض أهل العلم، والإنسان إذا رأى الصيد الزاحف، أو الطائر فيرميه ولم يسمِ يكون هذا الصيد حراماً ميتة نجساً مضراً على البدن، فانظر البركة، والإنسان إذا أتى أهله يعني جامع زوجته وقال: «بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا» كان هذا حماية لهذا الولد الذي ينشأ من هذا الجماع، حماية له من الشيطان، قال النبي ﷺ : «لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: «بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا. فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره الشيطان أبداً (١) »
والإنسان يسعى يميناً وشمالاً لحماية ولده ويخسر الدراهم الكثيرة، وهنا هذا الدواء من الرسول ﵊ وهو يسير من ناحية العمل، وسهل، وكل هذا دليل على بركة اسم الله ، ﴿ذي الجلال والإكرام﴾ أي: ذي العظمة والإكرام، ﴿ذي الجلال والإكرام﴾ : بمعنى صاحب، وهي صفة لرب، لا لـ (اسم) ولو كانت صفة لـ (اسم) لكانت ذو، والإكرام يعني هو يُكرِم وهو يُكرَم، فهو يكرم ويحترم ويعظم وهو أيضاً يكرم، قال الله تعالى في أصحاب الجنة ﴿أولئك في جنات مكرمون﴾ فهو
стр. 316
ذو الجلال والإكرام يكرم من يستحق الإكرام، وهو يكرمه عباده الصالحون جعلنا الله منهم بمنه وكرمه.
стр. 317
تفسير سورة الواقعة
﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ، البسملة تقدم الكلام عليها ﴿إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة خافضة رافعة إذا رجت الأَرض رجاً﴾ حذف الله جواب الشرط في هذه الآيات من أجل أن يذهب الذهن في تقديره كل مذهب، يعني إذا وقعت الواقعة صارت الأهوال العظيمة، وصار انقسام الناس، وحصل ما حصل مما أخبر به الله ورسوله مما يكون في يوم القيامة، وقوله: ﴿إذا وقعت الواقعة﴾ كقوله: ﴿الحاقة ما الحآقة﴾ والمراد بذلك يوم القيامة ﴿ليس لوقعتها كاذبة﴾ أي: ليست لوقعتها كذب، بل وقعتها حق ولابد، والإيمان بيوم القيامة أحد أركان الإيمان الستة التي أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم جبريل ﵇ حين سأله عن الإيمان قال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره» (١) وكثيراً ما يقرن الله الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر، لأن الإيمان باليوم الآخر يحدو بالإنسان أن يعمل العمل الصالح، وأن يبتعد عن العمل السيء لأنه يؤمن أن هناك يوماً آخر يجازى فيه الإنسان المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ﴿خافضة رافعة﴾ يعني هي خافضة رافعة، أي: يخفض فيها الناس ويرفع فيها آخرون. ولكن من الذي يرفع؟ قال الله : ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ فأهل العلم والإيمان هم الذين لهم الرفعة
стр. 318
في الدنيا والآخرة، ومن سواهم فإنهم موضوعون بحسب بعدهم عن الإيمان والعلم، وتخفض أهل الجهل والعصيان، وكم من إنسان في الدنيا رفيع الجاه، معظم عند الناس يكون يوم القيامة من أحقر عباد الله، والجبارون المتكبرون يحشرون يوم القيامة كأمثال الذر يطؤهم الناس بأقدامهم (١) ،
مع أنهم في الدنيا متبخترون مستكبرون عالون على عباد الله، لكنهم يوم القيامة موضوعون مهينون قد أخزاهم الله ﴿إذا رجت الأَرض رجاً﴾ يعني زلزلت زلزلة عظيمة، ولهذا قال: ﴿رجاً﴾ أي: رجًّا عظيماً، وأنت تصور أنك ترج إناء فيه ماء كيف يكون اضطراب الماء فيه، فالأرض يوم القيامة ترج بأمر الله ، وهذا كقوله تعالى: ﴿إذا زلزلت الأَرض زلزالها﴾ وقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم﴾ ، ﴿وبست الجبال بساً﴾ أي: بعثرت وهبطت وصارت كثيباً مهيلاً، ولهذاقال: ﴿فكانت هباءً منبثاً﴾ كالهباء الذي نراه حينما تنعكس أنوار الشمس في حجرة مظلمة، ترى هذا الهباء من خلال ضوء الشمس منبثًّا متفرقاً، هذه الجبال الصم الصلبة التي يكون الصخر فيها أكبر من الجبال، بل ربما يكون الجبل الواحد صخرة واحدة يكون يوم القيامة هباء منبثًّا بأمر الله ، فتبقى الأرض ليس فيها جبال ولا شجر ولا أودية ولا رمال، كما قال الله : ﴿ويسئلونك عن الجبال فقل
стр. 319
ينسفها ربي نسفاً ينسفها ربي نسفاً فيذرها﴾ أي الأرض ﴿قاعاً صفصفاً لا ترىفيها عوجاً ولا أمتاً﴾ ﴿وكنتم﴾ الخطاب للآدميين عموماً ﴿أزواجاً ثلاثة﴾ أي أصنافاً، كما قال الله : ﴿احشروا الذين ظلموا وأزواجهم﴾ أي: أصنافهم، وقال تعالى: ﴿وءاخر من شكله أزواج﴾ أي: أصنافاً، فمعنى أزواجاً يعني أصنافاً (ثلاثة) لا رابع لها: السابقون، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال، فينقسم الناس يوم القيامة ثلاثة أقسام لا رابع لها ﴿فأصحاب الميمنة مآ أصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة مآ أصحاب المشئمة والسابقون السابقون﴾ ذكرهم الله تعالى غير مرتبين في الفضل، فبدأ الله بأصحاب الميمنة ثم ثنَّى بأصحاب الشمال، ثم ثلَّث بالسابقين، لكن عند التفصيل بدأ بهم مرتبين على حسب الفضل
فبدأ بالسابقين، ثم بأصحاب اليمين، ثم بأصحاب الشمال، وهذا التفصيل المرتب خلاف الترتيب المجمل، وهو من أساليب البلاغة، ﴿فأصحاب الميمنة مآ أصحاب الميمنة﴾ . يعني أنه أخبر بأن أحد الأصناف أصحاب الميمنة، ثم قال ﴿مآ أصحاب الميمنة﴾ من هم، وسيأتي إن شاءالله ذكرهم مفصلاً، ﴿وأصحاب المشئمة﴾ أي: ذوو الشؤم، وسيأتي أيضاً ذكرهم مفصلاً، ﴿والسابقون السابقون﴾ هؤلاء أفضل الأصناف، وقوله ﴿والسابقون السابقون﴾ .
أصح الأعاريب فيها أن قوله ﴿والسابقون﴾ مبتدأ، وخبره ﴿السابقون﴾ ، يعني أن السابقين إلى الأعمال الصالحة هم السابقون إلى الثواب في الآخرة، فكأنه قال: السابقون في الدنيا بالأعمال الصالحة هم السابقون في الآخرة بالثواب ﴿أولئك المقربون﴾ ، أي: إلى الله
стр. 320
- فهم في أعلى الجنان، وأعلى الجنان أقرب إلى الرحمن ، لأن الفردوس وهو أعلى درجات الجنة فوقه عرش الله ، ﴿أولئك المقربون﴾ ذكر منزلتهم قبل ذكر منزلهم، وكما يقال: الجار قبل الدار، وكما قالت امرأة فرعون: ﴿رب ابن لى عندك﴾ بدأت بالجوار ﴿بيتاً في الجنة﴾ وهنا قال: ﴿أولئك المقربون﴾ قبل أن يبدأ بذكر الثواب؛ لأن قربهم من الله فوق كل شيء، جعلنا الله منهم ﴿أولئك المقربون في جنات النعيم﴾ أي في هذا المقر العظيم الذي فيه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأضاف الجنات إلى النعيم، لأن ساكنها منعم في بدنه، ومنعم في قلبه، كما قال في سورة الإنسان: ﴿إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرةً وسروراً﴾ نضرة في الوجوه، وسروراً في القلوب، فهم في نعمتين: هما نعيم البدن، ونعيم القلب، ﴿يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً ولباسهم فيها حرير﴾ هذا من نعيم البدن أيضاً ﴿ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون﴾ هذا من نعيم البدن إلى غير ذلك مما ذكره الله من النعيم في الجنة، ولو لم يكن فيها إلا أن الإنسان يخلد فيها لا يموت، ويصح فلا يسقم، ويشب يكون شابًّا دائماً فلا يهرم، وفوق ذلك كله النظر إلى وجه الله ، كما قال الله تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ يعني فوق الحسنى وفسر النبي صلى الله عليه وعلى آله