أغنني من الفقر، واقضِ عني الدين، فإذا آمن الإنسان بأن الحكم كله لله إن كان حكماً قدرياً استسلم، وقال: هذا أمر الله، وأنا عبد الله ولا يمكن أن يكون سوى ما كان، وإذا كان شرعيًّا. قال الله أعلم وأحكم بما يصلح العباد.
﴿له ملك السماوات والأَرض﴾ أي: لله تعالى وحده ملك السماوات والأرض خلقاً وتدبيراً، فلا يملك السماوات والأرض أحد إلا الله عزوجل ﴿يحي ويميت﴾ أي: يجعل الجماد حياً، ويميت ما كان حياً، فبينما نرى الإنسان ليس شيئاً مذكوراً إذا به يكون شيئاً مذكوراً كما قال تعالى: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً﴾ ثم يبقى في الأرض ثم يعدم ويفنى، فإذا هو خبر من الأخبار ﴿وهو على كل شيء قدير﴾ هذه جملة خبرية عامة في كل شيء من موجود ومعدوم، والقدرة صفة تقوم بالقادر حيث يفعل الفعل بلا عجز.
﴿هو الأَول والأَخر والظاهر والباطن﴾ أربعة أشياء ﴿الأَول﴾ أي الذي ليس قبله شيء، لأنه لو كان قبله شيء لكان الله مخلوقاً، وهو الخلق، ولهذا فسر النبي ﷺ ﴿الأَول﴾ الذي ليس قبله شيء (١) ، فكل الموجودات بعد الله فليس معه أحد ولا قبله ﴿والأَخر﴾ الذي ليس بعده شيء، لأنه لو كان بعده شيء لكان ما يأتي بعده غير مخلوق لله، والمخلوقات كلها مخلوقة لله ، فهو الأول لا ابتداء له، والآخر لا انتهاء له، ليس بعده شيء ﴿والظاهر﴾ ، قال النبي ﷺ : تفسيرها: «الذي ليس فوقه شيء» فكل المخلوقات تحته جل وعلا، فليس فوقه شيء
стр. 352
﴿والباطن﴾ قال النبي ﷺ «الذي ليس دونه شيء» (١) أي: لا يحول دونه شيء، خبير عليم بكل شي، لا يحول دونه جبال، ولا أشجار، ولا جدران ولا غير ذلك، ليس دونه شيء، ﴿الأَول والأَخر﴾ اشتملا على عموم الزمان، ﴿والظاهر والباطن﴾ على عموم المكان.
﴿وهو بكل شيء عليم﴾ ، كل شيء فالله عليم به، ﴿إن الله لا يخفى عليه شيء في الأَرض ولا في السماء﴾ فلو عمل الإنسان في جوف بيته في حجرة مظلمة فإن الله تعالى يعلم عمله، بل زد على ذلك أنه يعلم ما توسوس به نفسك كما قال الله : ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه﴾ . وأنت إذا فكرت في شيء فالله يعلم به قبل أن يكون، ويعلم الماضي البعيد، ويعلم المستقبل البعيد ويعلم بكل شيء، ولهذا قال موسى ﵊ لما سأله فرعون: ﴿فما بال القرون الأُولى﴾ يعني شأنها قصها علينا ﴿قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى﴾ لا يضل معناه لا يجهل، لأن الضلال معناه الجهل، كما قال الله في نبيه: ﴿ووجدك ضآلا فهدى﴾ ضال ليس معناها فاسق، بل معناه أنه جاهل لا يدري كما قال تعالى: ﴿وكذلك أوحينآ إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان﴾ وقال تعالى: ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون﴾ إذن الله بكل شيء عليم، وإذا علمت أن الله بكل شيء عليم هل يمكنك أن تقدم على معصية الله وأنت في خفاء عن الناس؟ لا، لأنك تعلم أن الله يعلمك، قال الله - عز
стр. 353
وجل -: ﴿أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم﴾ الجواب: بلى، ﴿ورسلنا لديهم يكتبون﴾ ، فإذن إذا آمنت بأن الله - جل وعلا - عليم بكل شيء فإنه يستلزم أن لا تقوم بمعصيته ولو في الخفاء، وأن لا تترك طاعته ولو في الخفاء، ولقد قال الله عن نوح ﵊ أنه قال: ﴿وإنى كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في ءاذانهم﴾ لأجل أن لا يسمعوا، ﴿واستغشوا ثيابهم﴾ لئلا يبصروا بها - والعياذ بالله - لأنهم يكرهون الحق وقوله: ﴿وهو بكل شيء عليم﴾ يشمل أفعال العباد وأقوال العباد، بل إنه يعلم ما في قلب
الإنسان وإن لم يظهره، كما قال تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد﴾ فإياك أن تضمر في قلبك شيئاً يحاسبك الله عليه، لكن الوساوس التي تطرأ على القلب ولا يميل الإنسان إليها بل يحاربها، ويحاول البعد عنها بقدر إمكانه لا تضره شيئاً، بل هي دليل على إيمانه لأن الشيطان إنما يأتي إلى القلب فيلقي عليه الوساوس إذا كان قلباً سليماً، أما إذا كان قلباً غير سليم فإن الشيطان لا يوسوس له، لأنه قد انتهى. ﴿هو الذي خلق السماوات والأَرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأَرض﴾ خلق السماوات والأرض أي: أوجدها بكل نظام وتقدير، والسماوات سبع والأرضون سبع، والأرض سابقة على السماء، لأن الله تعالى قال في سورة فصلت لما ذكر خلق الأرض قال: ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأَرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتآ أتينا طآئعين﴾ ، لكن الله يبدأ بالسماوات لأنها
стр. 354
أشرف من الأرض وأعلى من الأرض، والسماوات بينها مسافة بعيدة جداً جداً، وهذا يلزم أن يكون أصغر السماوات سماء الدنيا ويليها الثانية والثالثة، كل واحدة أوسع من الأخرى سعة عظيمة، وهي طباق متطابقة بعضها فوق بعض، وفي حديث المعراج أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كلما صعد إلى سماء استفتح ففتح له (١) ،
والأرض جعلها تعالى في القرآن بصيغة الإفراد، لكن الله تعالى أشار إلى أنها متعددة في قوله: ﴿الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأَرض مثلهن﴾ أي: مثلهن في العدد لا في الصفة، لأن التماثل في الصفة بين الأرض والسماء بعيد جداً، لكن مثلهن في العدد، وصرحت بذلك السنة في قول النبي ﷺ «من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوقه الله يوم القيامة به من سبع أراضين» (٢) وخلقها الله عزوجل في ستة أيام، والأيام أطلقها الله ولم يبين أن اليوم خمسين ألف سنة، أو أقل، أو أكثر، وإذا أطلق يحمل على المعروف المعهود وهي أيامنا هذه، وقد جاء في الحديث أنها الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة، (٣) فالجمعة منتهى خلق السماوات
стр. 355
والأرض ومبتدئه الأحد، والسبت ليس فيه خلق لا ابتداء ولا انتهاء.
فإذا قال قائل: أليس الله قادراً على أن يخلقها في لحظة؟
فالجواب: بلى، لأن أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن. فيكون، وإنما خلقها في ستة أيام - والله أعلم - لحكمتين: الحكمة الأولى: أن هذه المخلوقات يترتب بعضها على بعض، فرتب الله تعالى بعضها على بعض حتى أحكمها، وانتهى منها في ستة أيام. الحكمة الثانية: أن الله علّم عباده التؤدة والتأني، وأن الأهم إحكام الشيء لا الفراغ منه، حتى يتأنى الإنسان فيما يصنعه، فعلم الله سبحانه عباده التأني في الأمور التي هم قادرون عليها، وكلا الأمرين وجيه، وقد تكون هناك حكم أخرى لا نعلمها، ومع هذا لا نجزم به ونقول: الله أعلم ﴿ثم استوى على العرش﴾ ، استوى عليه يعني على وجه يليق بجلاله، ولا يمكن أن نمثله بخلقه لأن الله ليس كمثله شيء، والعرش مخلوق عظيم لا يعلم قدره إلا الذي خلقه ، وقد جاء في الحديث: أن السماوات السبع، والأرضين السبع في الكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، الحلقة حلقة الدرع المكون من حلق من الحديد، فالحلقة من الحديد من الدرع تكون بالنسبة للفلاة لا شيء، فلاة من الأرض واسعة ضاع فيها حلقة من حلق الدرع ماذا تكون نسبتها وماذا
стр. 356
تشغل من الأرض؟! لا شيء، قال ﷺ : «ما السماوات السبع والأرضين السبع في الكرسي إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة» (١) إذن لا يعلم قدره إلا الله وليس لنا أن نسأل: من أين مادة الكرسي؟ من ذهب، من فضة، من لؤلؤ؟ ليس لنا الحق في أن نتكلم في هذا.
هو عرش عظيم كما وصفه الله ﴿رب العرش العظيم﴾ ﴿ذو العرش المجيد﴾ ، عرش عظيم جداً جداً، لا يعلم قدره إلا الله، استوى الله عليه لكمال سلطانه - جل وعلا - و (ثم) في قوله: ﴿ثم استوى على العرش﴾ تدل على الترتيب، أي أن خلق السماوات والأرض سابق على الاستواء على العرش، ومعنى ﴿استوى﴾ أي: على؛ لأن الاستواء في اللغة العربية إذا تعد بـ (على) كان معناها العلو، مثاله قول الله ﵎: ﴿وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين﴾ ، ومن ذلك قوله تعالى عن نوح: ﴿فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظلمين﴾ .
فقوله: ﴿استويت أنت ومن معك على الفلك﴾ يعني علوت عليه،
стр. 357
إذن ﴿استوى على العرش﴾ يعني على العرش، وإذا رأيت من يقول استوى على العرش أي استولى على العرش، فقد كذب على الله لأن الله تعالى نزل هذا القرآن العظيم باللغة العربية، واللغة العربية تدل على أن استوى إذا تعدت بعلى فهي بمعنى العلو لا غيره، فيكون الذي يفسرها باستولى كاذب على الله جانياً على نصوص الكتاب، محرفاً لها، وجنايته عليها من وجهين:
الوجه الأول: صرفها عن ظاهرها.
والوجه الثاني: إحداث معنى لا يدل عليه الظاهر، وهذا قد يوجد كثيراً في كتب الأشاعرة، سواء كانوا مفسرين أو غير مفسرين لكنهم بهذا والله والله والله قد ضلوا ضلالاً مبيناً، نسأل الله العافية، فمن الذي استولى على العرش حين خلق السماوات والأرض؟! إذا كان الله لم يستولِ عليه إلا بعد خلق السماوات والأرض فهو لمن من قبل؟! نعم يلزمهم أن يقولوا لغير الله، وإلا فقد أخطأوا يعني تبين خطأهم وهم مخطئون والحمد لله، ﴿يعلم ما يلج في الأَرض﴾ أي: ما يدخل فيها من جثث الموتى، ومن الحبوب التي تنبت بإذن الله، ومن المياه التي يسلكها الله ينابيع في الأرض ثم يخرجها، وغير ذلك من الحشرات وغيرها، فكل ما يلج في الأرض يعلمه الله.
﴿وما يخرج منها﴾ أي: من النبات والمياه والمعادن وغيرها، ﴿وما ينزل من السماء﴾ أي: من الملائكة والأمطار والشرائع وغير ذلك، ﴿وما يعرج فيها﴾ أي: إليها، لكن جاءت بلفظ
стр. 358
﴿فيها﴾ بدل إليها لنستفيد فائدتين:
الفائدة الأولى: العروج يعني الصعود.
الفائدة الثانية: الدخول، لأن ﴿في﴾ يناسبها من الأفعال الدخول، تقول: دخل في المكان، أما عرج ويعرج فالذي يناسبها إلى، لكن الله عدل عن قوله (يعرج إليها) إلى قوله ﴿يعرج فيها﴾ ليفيد الصعود، والدخول.
وضمن يعرج معنى يدخل. والتضمين موجود في القرآن الكريم، وفي اللغة العربية قال الله تعالى: ﴿عيناً يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيراً﴾ المناسب ليشرب (من) كما قال تعالى: ﴿يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون﴾ يعني منه، ﴿فشربوا منه إلا قليلاً منهم﴾ وهنا قال: ﴿يشرب بها﴾ قال العلماء: الحكمة أن يشرب هنا ضمنت معنى يروى، أي: يروى بها. ومعلوم أنك إذا قلت: يروى بها. فقد تضمن معنى يشرب، وزيادة. والتضمين فن مهم في باب البلاغة، ينبغي لطالب العلم أن يدرسه ويحققه، حتى يستفيد إذا اختلفت الحروف مع عواملها، ﴿يعرج فيها﴾ من الأشياء ما يصل إلى السماء الدنيا ويقف، ومنها ما يعرج في السماء الدنيا حتى يصل إلى الله - عزوجل - ﴿وهو معكم﴾ هو الضمير يعود إلى الله ﴿معكم﴾ أي: مصاحب لكم، كما قال النبي ﷺ : «اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل» (١) لكن هذه الصحبة ليست صحبة مكان. بمعنى أننا إذا كنا
стр. 359
في مكان كان الله معنا. حاشا وكلا، لا يمكن هذا، وكيف يتصور عاقل أن الله معنا في مكاننا، وكرسيه وسع السماوات والأرض؟! هذا مستحيل، والكرسي موضع القدمين، كما جاء عن ابن عباس ﵁ (١) ،
فإذا كان كذلك هل يعقل أن رب السماوات والأرض الذي يوم القيامة تكون السماوات مطويات بيمينه، والأرض جميعاً قبضته هل يمكن أن يكون معنا في أماكننا الضيقة والواسعة؟ لا يمكن، إذا ﴿معكم﴾ أي: مصاحب لكم، والمصاحب قد يكون بعيد عنك، يقول العرب في أسلوبهم: ما زلنا نسير والقمر معنا، مازلنا نسير والقطب معنا. ما زلنا نسير والجبل الفلاني معنا، وليس معهم في مكانهم. ومعلوم أن القمر في السماء، والنجم في السماء، والجبل قد يكون بينك وبينه مسافة أيام، ومع ذلك فالعرب تطلق عليه المعية مع البعد في المكان، وكوننا نؤمن بأن الله معنا إذن هوعالم بنا، سميع لأقوالنا، بصير بأفعالنا، له القدرة علينا والسلطان، ومدبر لنا بكل معنى تقتضيه المعية، واعلم أن من الضلال من يقول: إن الله معنا في أمكنتنا، نسأل الله العافية، وينكرون أن الله في السماء عالياً فأتوا داهيتين عظيمتين، الأولى: إنكار علو الله. والثانية: اعتقاد أنه في الأرض.
سبحان الله! هل يعقل أن يعتقد عاقل فضلاً عن مؤمن أنه إذا كان في المرحاض كان الله معه؟ أعوذ بالله، الذي
стр. 360
يعتقد هذا أشهد بالله أنه كافر، لأن أعظم استهزاء بالله وأعظم حط من قدر الله هو هذا، ثم نقول: إذا كان الله - كما يقولون - في كل مكان يعني أنه في الحجرة، وفي السوق، وفي المسجد، ثم من الذي يكون مع أناس في الحجرة، وأناس في الشارع؟ أهما إلهان؟ لا يمكن أن يقولوا إنه متعدد، هل هو متجزء؟ إذن بطل أن يكون معنا بذاته في أمكنتنا لأنه إما أن يكون متعدداً، وإما أن يكون متجزءاً، وكلاهما باطل، قررت هذا لأنه يوجد من يعتقد أن الله في كل مكان فنقول: المعية هي المصاحبة، ولا يلزم من المصاحبة المقارة في المكان، وكيف يمكن أن يكون الله معك في مكانك وهو وسع كرسيه السماوات والأرض، ولكن هؤلاء الذين يعتقدون أنه في كل مكان ما قدروا الله حق قدره، ولا عظموه حق تعظيمه، ولا عرفوا عظمته وجلاله قال الله تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأَرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويت بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ فكيف يعتقد أن الله معنا في مكاننا، فيجب على الإنسان أن يعرف نعمة الله عليه بكونه يؤمن بالقرآن الكريم ظاهره معظماً لله حق تعظيمه ﴿أين ما كنتم﴾ أي: في أي مكان، لأن أين ظرف مكان ﴿والله بما تعملون بصير﴾ أي: بما تعملون من الأعمال كلها بصير، والبصر هنا يشمل بصر الرؤية قال النبي ﷺ عن ربه: «حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (١) ويشمل بصر العلم، فمن المعلوم أن
стр. 361
أعمالنا قد تكون مرئية الحركة، وقد تكون مسموعة كالأقوال، فرؤية المسموع العلم.
﴿له ملك السماوات والأَرض﴾ أي: لله تعالى وحده ملك السماوات والأرض خلقاً وتدبيراً، فلا يملك السماوات والأرض أحد إلا الله لا استقلالاً ولا مشاركة، قال تعالى: ﴿لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأَرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير﴾ فنفى الاستقلال ونفى المشاركة ﴿وما له﴾ أي: ما لله ﴿من ظهير﴾ أي: من مساعد ساعده على خلق السماوات والأرض، فله ملك السماوات والأرض وعددها سبع، قال الله تعالى: ﴿قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم﴾ والأرضون أيضاً عددهم سبع كما جاء ذلك ظاهراً في القرآن وصريحاً في السنة، قال الله تعالى: ﴿الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأَرض مثلهن﴾ يعني في العدد، وثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوقه يوم القيامة من سبع أراضين» (١)
﴿وإلى الله ترجع الأُمور﴾ ، كل الأمور أي الشؤون العامة والخاصة، الدينية، والدنيوية، والأخروية كلها ترجع إلى الله يتصرف كما شاء يحكم بما شاء ولا معقب لحكمه فكل أمور الإنسان الخاصة ترجع إلى الله، ولذلك يجب عليك إذا ألمَّت بك ملمة أن ترجع
стр. 362
إلى الله لأن المشركين وهم مشركون - إذا ألمت بهم الملمات التي يعجزون عنها يرجعون إلى الله فإذا عصفت بهم الرياح في أعماق البحار على السفن يلجئون إلى الله ، ويرجعون إلى الله، ويسألونه أن ينجيهم وهم مشركون، فكيف بك أنت أيها المسلم، فالجأ إلى الله في كل صغير أو كبير، ديني أو دنيوي خاص بك أو بأهلك، لا تلجأ لغير الله، فمن أنزل حاجته بالله قُضيت، ومن أنزل حاجته بغير الله وُكل إليه، فنقول: إلى الله ترجع الأمور عامة: الأمور الدينية والدنيوية والأخروية، والخاصة والعامة، وإذا آمنت بهذا ويجب أن تؤمن به صرت لا تلجأ إلا إلى الله ﴿يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل﴾ ، يولج أي يُدخل الليل في النهار، ويولج النهار أي يُدخله في الليل، وهذا يعني اختلاف الليل والنهار في الطول والقصر، أحياناً يبدأ الليل في الزيادة فيدخل على النهار، فهذا ﴿يولج الليل في النهار﴾ .
وأحياناً يبدأ الليل ينقص ويزيد النهار، فيدخل النهار على الليل، ولا أحد يقدر على ذلك إلا الله ، لو اجتمع الخلق كلهم إنسهم وجنهم، والملائكة ما استطاعوا أن يولجوا دقيقة واحدة من الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، والله يولج الليل في النهار أو من النهار في الليل، ثم هذا الإيلاج لا يأتي دفعة واحدة، ولكنه يأتي تدريجياً شيئاً فشيئاً، أول ما يبدأ بالزيادة تجده يأخذ قليلاً في اليومين أو الثلاثة دقيقة واحدة، ثم يبدأ يزداد حتى يكون عند تساوي الليل والنهار يأخذ حوالي دقيقتين في اليوم تدريجيًّا،
стр. 363
أرأيتم لو جاء دفعة واحدة، كنا مثلاً في أطول يوم في السنة وإذا بنا في اليوم الثاني إلى أقصر يوم في السنة، فيترتب على ذلك مفاسد عظيمة؛ لأن الناس سينقلبون من حر مزعج إلى برد مؤلم في خلال أربع وعشرين ساعة، وهذا لا شك أنه مضر بالأبدان والنبات والجو، ولكنه يولجه على تنظيم موافق للحكمة تماماً، ولا أحد يستطيع أن يفعل هذا أبداً مهما بلغ من القوة، ﴿وهو عليم بذات الصدور﴾ ، أي: صاحبة الصدور يعني القلوب، والدليل أنها القلوب قول الله تعالى: ﴿فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى في الصدور﴾ إذن هو عليم بما في القلب، وإذا كنت تصدق بذلك فهل يمكن أن تضمر في قلبك ما لا يرضاه الله، إن كنت مؤمناً؟ لا يمكن، فطهِّر قلبك من الرياء والنفاق، والغل على المسلمين والحقد والبغضاء، لأن قلبك معلوم عند الله ، اللهم طهر قلوبنا، اللهم طهر قلوبنا، اللهم طهر قلوبنا.
فطهر القلب من هذا، واملأه محبة لله تعالى وتعظيماً، كما يليق به ومحبة للرسول ﷺ وتعظيماً، كما يليق به، ومحبة للمؤمنين، ومحبة لشريعة الله تعالى، فلا تضمر في هذا القلب شيئاً يكرهه الله، فإن فعلت فالله عليم به لا يخفى عليه، فطهر قلبك حتى يكون نقياً سليماً، لأنه لا ينفع يوم القيامة إلا من أتى الله بقلب سليم كما قال : ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾ وتغيرات القلب تغيرات سريعة وعجيبة، ربما ينتقل من كفر إلى إيمان، أو من إيمان إلى كفر في لحظة، نسأل الله الثبات، وتغير القلب يكون على حسب
стр. 364
ما يحيط بالإنسان، وأكثر ما يوجب تغير القلب إلى الفساد حب الدنيا، فحب الدنيا آفة، والعجب أننا متعلقون بها، ونحن نعلم أنها متاع الغرور، وأن الإنسان إذا سرّ يوماً أسيء يوماً آخر، كما قال الشاعر:
ويوم علينا ويوم لنا ويوم نساء ويوم نسر
كل لذة في الدنيا فهي محوطة بمنغص، لذلك احرص على تطهير القلب من التعلق بالدنيا إلا فيما ينفعك في الآخرة، كأن تتعلق بالدنيا لتصبح غنياً تنفق مالك في سبيل الله وفيما يرضي الله، فهذا شيء آخر، وطلب المال للأعمال الصالحة خير، لكن طلب المال لمزاحمة أهل الدنيا في دنياهم شر.
﴿آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه﴾ ﴿آمنوا﴾ ، الخطاب للعباد كلهم، ﴿بالله﴾ رب العالمين ﴿ورسوله﴾ محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والأمر هنا للوجوب الذي هو أشد أنواع الوجوب تحتماً، والإيمان بالله أن تؤمن بأنه رب العالمين، وأن تؤمن بأنه الإله المعبود حقًّا الذي لا يستحق العبادة إلا هو، وأن تؤمن بأن له الأسماء الحسنى والصفات العليا، وأن تؤمن بأنه الفعال لما يريد، وأن تؤمن أنه لا معقب لحكمه وهو السميع العليم، وأن تؤمن أن مرجع الخلائق إليه في الأحكام الشرعية والأحكام الكونية، فمن يدبر الخلق إلا الله والذي يحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون هو الله ﴿ورسوله﴾ محمد ﵊، أرسله الله تعالى إلى جميع الخلق والإنس والجن. وختم به النبوات، فلا
стр. 365
نبي بعده، والدليل ﴿ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليماً﴾ .
يعني كان رسول الله خاتم النبيين فلا نبي بعده، فمن ادعى النبوة بعده فهو كافر، يجب أن يقص عنقه إلا أن يتوب ويرجع، ﴿وأنفقوا﴾ ، الإنفاق البذل، ﴿مما جعلكم مستخلفين فيه﴾ يعني المال؛ لأن الله جعلنا مستخلفين في المال فهو الذي ملكنا إياه، فلا منة لنا على الله بما ننفق، بل المنة لله علينا بما أعطى، والمنة له علينا بما شرع لنا من الإنفاق، ولولا أن الله شرع لنا أن ننفق لكان الإنفاق ضياعاً وبدعة، ولكن شرع لنا أن ننفق، فلله تعالى المنة أولاً فيما ملكنا من المال، وله المنة ثانياً بما شرع لنا من إنفاقه، وله المنة ثالثاً بالإثابة عليه ﴿فالذين آمنوا منكم﴾ أي: آمنوا بالله ورسوله؛ لأنه قال: ﴿آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا﴾ أي مما جعلهم مستخلفين فيه، ﴿لهم أجر كبير﴾ ، والآيات في هذا كثيرة ﴿لهم أجر كبير﴾ ، ﴿ولهم أجر عظيم﴾ ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ ، فوصف الله الأجور على العمل بأنه كبير عظيم كثير، الكثير نأخذه من قوله: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ وبهذا نعرف منة الله علينا: يأمرنا بالعمل ونعمل به ويأجرنا عليه أجراً كثيراً، أجراً عظيماً، أجراً كبيراً، منة عظيمة كبيرة، فعلينا أن نشكر الله، وأن ننفق مما جعلنا مستخلفين فيه، فهل ننفق كل ما نملك أو بعض ما نملك؟ قال الله تعالى: ﴿وأنفقوا مما﴾ ومن هذه هل هي للتبعيض أو هي لبيان ما ينفق منه إذا كانت للتبعيض فالمعنى أنفقوا بعض ما رزقكم وليس
стр. 366
كله.
إذا جعلناها للبيان، فالمعنى أنفقوا مما جعلكم حسب ما تقتضيه المصلحة: إما الكل وإما البعض، والأحسن أن تجعل ﴿مما﴾ للبيان، وإذا جعلناها للبيان صار الإنسان مخيراً ينفق كل ماله، أو بعض ماله، أكثره أو أقله، حسب ما تقتضيه المصلحة، ومعلوم أنه كلما كان المعنى أوسع كان الأخذ به كان أولى، والقرآن الكريم العظيم معانيه واسعة عظيمة، ولذلك حث النبي ﷺ مرة على الصدقة، وكان الصحابة ﵃ يتسابقون إلى الخير، كل واحد يحب أن يكون هو السابق، فقال عمر ﵁: اليوم أسبق أبا بكر؛ لأن هذين الرجلين هما أخص الصحابة بالرسول ﵊، وأحب الصحابة إلى الرسول ﷺ ، والنبي ﷺ يحب أبا بكر أشد من حب علي بن أبي طالب ﵁، مع أن علي بن أبي طالب ﵁ ابن عمه وزوج ابنته، لكن أبا بكر ﵁ يحبه أشد وأكثر، فقد سئل: من أحب الناس إليك؟ قال: «أبو بكر (١) » وقال: «لو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر (٢) »
والمهم أن عمر كان هو وأبو بكر ﵄ كفرسي رهان، يحب أن يسبقه لا حسداً لأبي بكر ﵁ ولكن حبًّا
стр. 367
للفضل لنفسه، قال: اليوم أسبق أبا بكر، فجاء بنصف ماله لينفقه، فقال النبي ﵊: يا عمر، «ماذا تركت لأهلك» ؟ قال: تركت لهم الشطر، يعني النصف، وجاء أبو بكر فقال: «ما تركت لأهلك» ؟ قال: تركت لهم الله ورسوله، أي أتى بكل ماله، فقال عمر: ﵁ والله لا أسابقك على شيء بعد هذا (١) ، عرف أنه يعجز أن يسبق أبا بكر، والشاهد من هذا الحديث أن أبا بكر ﵁ تصدق بجميع ماله، فإذا رأى الإنسان المصلحة في أن يتصدق بجميع ماله، وأن عنده من قوة التوكل والاعتماد على الله واكتساب الرزق ما يمكنه أن يسترد شيئاً من المال لأهله ونفسه، فحينئذ نقول: تصدق بجميع مالك، وإذا كان الأمر بالعكس فكان رجلاً أخرق لا يعرف أن يكتسب، وليس هناك داع أن ينفق كثيراً، فهنا نقول: الأولى أن تنفق بعض المال، وفي هذه الآية دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يحقق إيمانه ويثبته، وكلما رأى فيه تزعزعاً استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ومضى إلى سبيله، وأن ينفق من المال، والمال محبوب قال الله تعالى: ﴿وتحبون المال حباً جماً﴾ وقال : ﴿وإنه لحب الخير لشديد﴾ ولا يمكن أن يبذل الإنسان شيئاً محبوباً إليه إلا لما هو أحب، فإذا بذل الإنسان المحبوب إليه ابتغاءً لرضوان الله، علمنا أن الرجل يحب رضوان الله أكثر من المال، وبذلك يتحقق الإيمان، أسأل الله تعالى أن يجعلنا من ذوي العلم الراسخ
стр. 368
والإيمان الثابت، إنه على كل شيء قدير.
﴿وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين﴾ هذا معطوف على الآية التي قبلها وهي ﴿آمنوا بالله ورسوله﴾ ﴿وما لكم لا تؤمنون بالله﴾ يعني أي شيء يمنعكم من الإيمان بالله، وقد تمت أسباب وجوب الإيمان به، وذلك بدعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال : ﴿والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم﴾ يعني أخذ الله تعالى العهد أن تؤمنوا به وبرسوله، فصار هناك سببان للإيمان، الأول: دعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إليه، والثاني: الميثاق الذي أخذه الله علينا، وذلك بما أعطانا من الفطرة والعقل والفهم الذي ندرك به ما ينفعنا ويضرنا، هذا هو الصحيح في معنى الميثاق، وقيل: إنه الميثاق الذي أخذه الله تعالى على بني آدم حين أخرجهم من ظهره، إن صح الحديث الوارد في ذلك (١)
المهم أن الله تعالى ينكر على من لم يؤمن فيقول: ما الذي حملك على أن لا تؤمن، وقد تمت أسباب وجوب الإيمان بدعوة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبأخذ الميثاق ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ يعني إن كنتم مؤمنين فالزموا الإيمان بالله ورسوله، ﴿هو الذي ينزل على عبده ءايات بينات﴾ لما ذكر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدعو إلى الإيمان بين
стр. 369
أنه نزل عليه ﷺ ﴿ءايات﴾ أي: علامات دالة على صدقه، وأن ما جاء به هو الحق، ﴿بينات﴾ ظاهرات بما اشتملت عليه من القصص النافعة، والأخبار الصادقة، والأحكام العادلة، والفصاحة التامة، والبيان العجيب، حتى إن العرب وهم أئمة البلاغة وأمراؤها تحداهم الله عدة مرات أن يأتوا بمثل هذا القرآن ولم يستطيعوا، ﴿ليخرجكم من الظلمات إلى النور﴾ قوله: ﴿ليخرجكم﴾ يحتمل أن يكون المراد بذلك الرسول ﷺ أي يكون سبباً في إخراجكم من الظلمات إلى النور، ويحتمل أن يعود إلى الله أي ليخرجكم الله تعالى بهذه الآيات من الظلمات إلى النور، وكلا المعنيين حق، قال الله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾ وقال الله تعالى: ﴿الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور﴾ فالنبي ﷺ سبب في إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وأما المخرج حقيقة فهو الله ، والمراد بالظلمات: ظلمات الجهل، وظلمات الشرك، وظلمات العدوان، وظلمات العصيان، وكل ما خالف الحق فهو ظلمة، وكل ما وافقه فهو نور، ﴿وإن الله بكم لرءوف رحيم﴾ ، هذه الجملة خبرية مؤكدة بإن، واللام ﴿لرءوف رحيم﴾ الرأفة أرق الرحمة، والرحمة أعم، فهو رؤوف رحيم، أي ذو رحمة بالمؤمنين كما قال تعالى: ﴿وكان بالمؤمنين رحيماً﴾ ورحمة الله إما
عامة وإما خاصة، فالعامة الشاملة لجميع الناس، والخاصة بالمؤمنين، كما قال : ﴿وكان بالمؤمنين رحيماً﴾ فإذا قال قائل:
стр. 370
أي رحمة من الله للكافر؟ فالجواب: أمده بأنعام وبنين، وعقل، وأمن، ورزق، بل الكفار قد عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا قال الله : ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دآبة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى﴾ فإذا سألك سائل: هل لله رحمة على الكافر؟ لا تقل: نعم ولا لا، أما بالمعنى العام فنعم رحمة، ولولا رحمة الله به لهلك، وأما بالمعنى الخاص فلا، الرحمة الخاصة للمؤمنين فقط قال : ﴿وكان بالمؤمنين رحيماً﴾ ﴿وإن الله بكم لرءوف رحيم﴾ ولما أمرنا أن ننفق مما جعلنا مستخلفين قال: ﴿وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله﴾ يعني أي شيء يمنعهم، والإنفاق في سبيل الله يشمل كل شيء أمر الله بالإنفاق فيه، ففي سبيل الله هنا عامة، وعليه يدخل في ذلك الإنفاق على النفس، والإنفاق على الزوجة، والإنفاق على الأهل، والإنفاق على الفقراء واليتامى، والإنفاق في الجهاد في سبيل الله، فكل ما أمر الله تعالى بالإنفاق فيه فهو داخل في هذه الآية حتى إنفاقك على نفسك صدقة، وإنفاقك على زوجك صدقة، ولكن لاحظ النية، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لسعد بن أبي وقاص ﵁ «واعلم أنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها» (١) ،
فلزم هذا القيد، لابد أن تبتغي بها وجه الله إلا أجرت، أي: أثبت عليها، ﴿ولله ميراث السماوات والأَرض﴾ يعني كيف لا تنفق والذي سيرث السماوات
стр. 371
والأرض هو الله، ومن جملة ذلك مالك الذي بخلت به سيرثه الله وترجع الأمور كلها لله . قال أهل العلم: إن الشح في إنفاق المال سفه في العقل، لأن هذا المال إما أن يفنى في حياتك فتعدمه، وإما أن يبقى بعد موتك فإذا ورث مالك من بعدك فإما أن يرثه صالح فيكون أسعد به منك، وإما أن يرثه مفسد فتكون خلفت له ما يستعين به على إفساده، فإذا خلفت المال فإما أن تخلفه إلى من ينفقه في سبيل الله فيكون هو أسعد بمالك منك، وإما أن تخلفه لمفسد يستعين به على معصية الله فتكون أعنته على معصية الله، بما خلفت له من المال، إذن اللائق بك أن تنفقه في سبيل الله حتى يكون لك غنم وتسلم من غائلته لو ورثه من يفسد به، فتذكر يا أخي عندما تفكر في الإنفاق فيأتيك الشيطان فيأمرك بالبخل ويعدك الفقر، فكر أنك إذا خلفت هذا المال فلابد أن يورث، لن يدفن معك، لابد أن يورث ويكون الإرث دائراً بين الأمرين السابقين.
﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل﴾ دين الإسلام دين العدل في العمل والجزاء، وانتبه دين العدل في العمل والجزاء وليس كما يقول المحدَثون: «إنه دين المساواة» ، هذا غلط عظيم، لكن يتوصل به أهل الآراء والأفكار الفاسدة إلى مقاصد ذميمة، حتى يقول: المرأة والرجل، والمؤمن والكافر سواء، ولا فرق، وسبحان الله إنك لن تجد في القرآن كلمة المساواة بين الناس، بل لابد من فرق، بل أكثر ما في القرآن نفي المساواة ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ وآيات كثيرة، فاحذر أن تتابع فتكون كالذي ينعق بما لا يسمع إلا
стр. 372
دعاء ونداء، بدل من أن تقول: (الدين الإسلامي دين مساواة) قل: (دين العدل الذي أمر الله به، يعطي كل ذي حق حقه) ، أرأيت المرأة مع الرجل في الإرث، وفي الدية، وفي العقيقة، وفك الرهان يختلفون. وفي الدين: المرأة ناقصة إذا حاضت لم تصل ولم تصم، وفي العقل المرأة ناقصة: شهادة الرجل بشهادة امرأتين، وهلم جرا، والذين ينطقون بكلمة مساواة إذا قررنا هذا وأنه من القواعد الشرعية الإسلامية ألزمونا بالمساواة في هذه الأمور، وإلا لصرنا متناقضين، فنقول: دين الإسلام هو دين العدل يعطي كل إنسان ما يستحق، حتى جاء في الحديث: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود (١) »
يعني إذا أخطا الإنسان الشريف الوجيه في غير الحدود فاحفظ عليه كرامته وأقله، هذا الذي تقيله إذا كان من الشرفاء، إقالتك إياه أعظم تربية من أن تجلده ألف جلدة، لأنه كما قيل: الكريم إذا أكرمته ملكته، لكن لو وجد إنسان فاسق ماجن فهذا اشدد عليه العقوبة وأعزره، ولهذا لما كثر شرب الخمر في عهد عمر بن الخطاب ﵁ ضاعف العقوبة بدل أربعين جعلها ثمانين (٢) ، كذلك الحديث الصحيح الذي رواه أهل السنن: «من شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاقتلوه» (٣) ، لأن لا
стр. 373
فائدة في جلده، ثلاث مرات نعاقبه ولا فائدة إذن خير له ولغيره أن يقتل، وإذا قتلناه استراح من الإثم، كما قال الله : ﴿ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأَنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين﴾ والخلاصة أن التعبير بأن دين الإسلام دين ااساواة غلط وليس بصحيح، بل هو دين العدل ولا شك، والعجب أن هؤلاء الذين يقولون هذا الكلام، يقولون إن النبي ﷺ قال: «لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى (١) »
فيتناقضون، والحديث لم ينف مطلقاً، وإنما قال: «إلا بالتقوى» فهم يختلفون بالتقوى، ثم إن هذا الحديث لا يصح عن النبي ﵊، لأنه قال: «إن الله اصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم (٢) » ففضل، ولا شك أن جنس العرب أفضل من جنس غير العرب لا شك عندنا في هذا، والدليل على هذا أن الله جعل في العرب أكمل نبوة ورسالة، محمد ﷺ ، وقد قال الله تعالى: ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ فالأجناس تختلف، وقال ﵊: «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا (٣) » فاحذر أن تتابع في العبارات التي ترد من
стр. 374
المحدِثين المحدَثين حتى تتأملها وما فيها من الإيحاءات التي تدل على مفاسد ولو على المدى البعيد، أسأل الله أن يهدينا صراطه المستقيم وأن يتولانا في الدنيا والآخرة، إنه على كل شيء قدير.
﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجةً من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا﴾ أي: لا يكونوا سواء، والمراد بالفتح هنا صلح الحديبية الذي جرى بين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبين قريش، وذلك في ذي القعدة من عام ستة من الهجرة، وسمي فتحاً، لأنه صار فيه توسيع للمسلمين وتوسيع أيضاً للمشركين. واختلط الناس بعضهم ببعض، وأمن الناس بعضهم بعض حتى يسر الله أن نقضت قريش العهد، فكان من بعد ذلك الفتح الأعظم، فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة في رمضان قال الله : ﴿أولئك أعظم درجةً من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا﴾ وذلك لأن الأولين أنفقوا وقاتلوا وسبقوا إلى الإسلام وكان الإسلام في حاجة لهم ولإنفاقهم، فكانوا أفضل ممن أنفق من بعد وقاتل، والله يجزي بالعدل بين عباده، ولكن لما كان تفضيل السابقين قد يفهم منه أن لا فضل للاحقين قال: ﴿وكلا وعد الله الحسنى﴾ أي: كل من الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، والذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وعدهم الله الحسنى، يعني الجنة، ﴿والله بما تعملون خبير﴾ أي: عليمببواطن أموركم كظواهركم لا يخفى عليه شيء، وإذا كان عالماً بها فسوف يجازي - جل وعلا - كل عامل بما عمل، قال الله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل
стр. 375
مثقال ذرة شراً يره﴾ .
ثم قال : حاثًّا ومرغباً في الإنفاق في سبيله، فقال: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له﴾ أي: أين الذين يقرضون الله قرضاً حسناً، أي: ينفقون فيما أمرهم بالإنفاق فيه، وأشار الله في هذا إلى شيئين: إلى الإخلاص في قوله، ﴿من ذا الذي يقرض الله﴾ يعني لا يرى سوى الله والمتابعة في قوله: ﴿حسناً﴾ ؛ لأن العمل الحسن ما كان موافقاً للشريعة الإسلامية، والإخلاص والمتابعة هما شرطان في كل عمل: أن يكون مخلصاً لله، وأن يكون متابعاً فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ووصف الله تعالى الإنفاق في سبيله بالقرض تشبيهاً بالقرض الذي يقرضه الإنسان غيره، لأنك إذا أقرضت غيرك فإنك واثق من أنه سيرده عليك، هكذا أيضاً العمل الصالح سيرد على الإنسان بلا شك، بل ﴿فيضاعفه له﴾ والمضاعفة هنا الزيادة، وقد بين الله ﵎ قدرها في سورة البقرة، فقال: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء﴾ فأنت إذا أنفقت درهماً فجزاؤه سبعمائة درهم، ثواباً من عند الله والله فضله أكثر من عدله وأوسع، ورحمته سبقت غضبه، فيضاعفه له إلى سبعمائة بل إلى أكثر كما جاء في الحديث إلى أضعاف كثيرة، ﴿وله أجر كريم﴾ ، أي: حسن واسع، وذلك فيما يجده في الجنة، ففيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثم قال : ﴿يوم ترى المؤمنين والمؤمنات﴾ أي: أذكر للأمة يوم ترى أيها الإنسان ﴿المؤمنين
стр. 376
والمؤمنات﴾ يوم القيامة ﴿يسعى نورهم بين أيديهم﴾ أي: أمامهم ﴿وبأيمانهم﴾ يكون من الأمام ومن اليمين، أما من الأمام فلأجل أن يقتدي الإنسان به، وأما عن اليمين فتكريماً لليمين يكون بين أيديهم وبأيمانهم، وقوله: ﴿يسعى نورهم﴾ يفيد أن هذا النور على
حسب الإيمان، لأن الحكم إذا علق بوصف كان قويًّا بقوة ذلك الوصف، وضعيفاً بضعفه، إذن نورهم على حسب إيمانهم الذكر والأنثى.
﴿بشراكم اليوم جنات﴾ تقول الملائكة لهم ﴿بشراكم﴾ أي: ما تبشرون به ﴿اليوم﴾ يعني يوم القيامة ﴿جنات تجرى من تحتها الأنهار﴾ هذه الجنات فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، فيها ما يشاءون، كما قال الله : ﴿لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد﴾ وجمعها لأنها جنات متعددة متنوعة، ودرجات مختلفة حسب قوة الإيمان والعمل وقوله ﴿تجرى من تحتها الأنهار﴾ أي: تسير، وقد بين الله ﵎ في سورة القتال أنها أربعة ﴿أنهار من ماء غير ءاسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى﴾ وهذه الأنهار لا تحتاج إلى حفر ساقية ولا إلى جدول، بل تسير على سطح الأرض، حيث شاء أهلها، قال ابن القيم ﵀:
أنهارها من غير أخدود جرت ... سبحان ممسكها عن الفيضان
فلا تذهب يميناً ولا شمالاً إلا حيث أراد أهلها، وقوله ﴿من تحتها﴾ إشارة إلى علو قصورها وأشجارها، يعني تكون هذه الأنهار من تحت هذه القصور العالية والأشجار الرفيعة ﴿خالدين فيها﴾ أي:
стр. 377
ماكثين فيها، وقد جاءت آيات متعددة بأن هذا المكث دائم ليس فيه زوال ولا انقطاع ولا تغير، ﴿ذلك هو الفوز العظيم﴾ المشار إليه ما وعدهم الله به الجنات التي تجري من تحتها الأنهار هو الفوز العظيم، و ﴿هو﴾ يسميها العلماء ضمير فصل، وهو مفيد للتوكيد والاختصاص، أي هذا الذي ذكر هو الفوز العظيم، لأنه لا فوز مثله، كما أنه لا فوز أعظم منه، نسأل الله أن يجعلنا من أهله إنه على كل شيء قدير.
﴿يوم يقول المنافقون والمنافقت للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب﴾ ﴿يوم يقول﴾ أي: اذكر يوم يقول، فكلمة ﴿يوم يقول﴾ ظرف زمان، ولابد للظرف الزماني والمكاني، والجار والمجرور من شيء تتعلق به، والعلماء يقدرون المحذوف في كل مكان بما يناسب، وهنا المناسب أن يكون التقدير: اذكر أيها الإنسان يوم يقول المنافقون، هذا اليوم هو يوم القيامة، والمنافقون هم الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر ﴿يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم﴾ ولم يظهر النفاق إلا بعد أن قويت شوكة المسلمين بعد غزوة بدر، وكانت غزوة بدر في رمضان في السنة الثانية من الهجرة، انتصر فيها المسلمون انتصاراً ساحقاً على الكفار، فلما بزغ فجر الإسلام وقويت شوكته ظهر النفاق. والنفاق هو أن الإنسان يظهر الإسلام ويبطن الكفر، فظهر ذلك في المسلمين، فكانوا يأتون إلى الناس ويحضرون الجماعة لكنها ثقيلة عليهم، «وأثقل الصلوات على المنافقين صلاة العشاء
стр. 378
وصلاة الفجر (١) » ،
لأنه ليس هناك أضواء يشاهدون فيها، وهم إنما يصلون يراءون الناس، وفي يوم القيامة يظهر نور للمؤمنين والمنافقين، ثم ينطفىء نور المنافقين، وأنت تعلم أيها الإنسان أن انطفاء النور بعد ظهوره يكون أشد ظلمة مما لو لم يكن هناك نور، ولهذا لو أطفأت النور القوي ثم فتحت عينيك لم تر شيئاً إلا بعد برهة من الزمن، فيكون انطفاء النور بعد وجوده أشد عليهم مما لو لم يكن هناك نور، ثم تكون الحسرة أشد، فيقول المنافقون للذين آمنوا: ﴿انظرونا نقتبس من نوركم﴾ ، أي: نأخذ شيئاً قليلاً بقدر الحاجة، ﴿قيل ارجعوا وراءكم﴾ ، والقيل هذا إما من المؤمنين، أو من الملائكة، فالله أعلم لا ندري.
﴿ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً﴾ وهل هو حقيقة يريدون أن يذهبوا إلى مكان النور، الذي انطفأ فيه النور لعله يتجدد النور، أو أن هذا من الاستهزاء بهم والسخرية؟ الآية محتملة هذا وهذا ﴿فضرب بينهم﴾ أي بين المنافقين والمؤمنين ﴿بسور له باب﴾ هذا سور عظيم، له باب يمنع من القفز، له باب يدخل منه المؤمنون ويمنع منه المنافقون، ﴿باطنه فيه الرحمة﴾ أي: باطن هذا السور فيه الرحمة للمؤمنين، ﴿وظاهره من قبله العذاب﴾ للمنافقين، وأنت لا تستطيع أن تتصور هذه الحال، لأن الحال أعظم من أن نتصورها، حال عظيمة ﴿ينادونهم﴾ ، المنادى المنافقون، والمنادى المؤمنون، ﴿ألم نكن معكم﴾ يعني
стр. 379
في الدنيا كنا نصلي معكم ونتصدق ونذكر الله، ﴿قالوا بلى﴾ يعني أنتم معنا، ولكن في الظاهر دون الباطن، ولهذا قالوا: ﴿ولكنكم فتنتم أنفسكم﴾ يعني أضللتموها ﴿وتربصتم﴾ ، انتظرتم بنا الدوائر ﴿وارتبتم﴾ شككتم في الأمر، فليس عندكم إيمان ﴿وغرتكم الأماني﴾ أي: ظننتم أنكم محسنون لأنكم تقولون إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً، نوفق بين المؤمنين والكافرين، وبين الإيمان والكفر، إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا فهم مع المؤمنين، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم، فهم مع الكفار، ظنوا أنهم بهذه المداهنة كسبوا المعركة، فغرتهم الأماني ﴿حتى جاء أمر الله﴾ ، وذلك بموتهم ﴿وغركم بالله الغرور﴾ .
الغرور هو الشيطان ودليل هذا قول الله ﵎ عنه حين وسوس إلى أبوينا قال الله عنه ﴿فدلاهما بغرور﴾ ، فالغرور هو الشيطان، ﴿فاليوم لا يؤخذ منكم فدية﴾ الأسير في الدنيا يمكن أن يفدي نفسه ويبذل المال فيسلم، لكن في الآخرة ليس فيه فدية، ﴿فاليوم لا يؤخذ منكم فدية﴾ أيها المنافقون، ﴿ولا من الذين كفروا﴾ الذين أعلنوا الكفر وصاروا أشجع من هؤلاء المنافقين فلا فدية لا لهؤلاء ولا لهؤلاء، ﴿مأواكم النار﴾ أي: مثواكم ومآلكم النار ﴿هي مولاكم﴾ الذي تتولونه، والتي تتولاكم، فهم يتولون النار بعمل أهلها، والنار تتولاهم لأنهم مستحقون لها ﴿وبئس المصير﴾ أي: المرجع وهذا تقبيح لها، أعاذنا الله منها، نسأل الله أن يجعلنا ممن زحزح عن النار وأدخل الجنة، ومن الفائزين المتقين المفلحين.
﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله﴾ أي: ألم
стр. 380
يحق لهؤلاء المؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله، أي: أن تذل وتنقاد غاية الانقياد لذكر الله تعالى في القلوب واللسان والجوارح ﴿وما نزل من الحق﴾ ، يعني القرآن الكريم، وهو من ذكر الله، وذكره بخصوصه لأهميته، ﴿ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأَمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون﴾ ، الذين أوتوا الكتاب من قبل هم اليهود والنصارى ﴿فطال عليهم الأَمد﴾ يعني طال بهم الزمن ونسوا حظهم مما ذكروا به فقست قلوبهم - والعياذ بالله - وكثير منهم فاسقون وبعضهم مستقيم، ففي هذه الآية الكريمة يبين الله ﵎ انه قد حق للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله ولكتاب الله، وأن لا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم لبعدهم عن زمن الرسالات، وفي هذا إشارة إلى أن أول الأمة خير من آخرها، وأخشع قلوباً؛ وذلك لقربهم من عهد الرسالة، وقد صح بذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (١)
وفي هذا التنديد التام باليهود والنصارى لأنها قست قلوبهم لما طال عليهم الأمد، وفيه العدالة التامة في حكم الله حيث قال: ﴿وكثير منهم فاسقون﴾ ولم يعمم، وهذا هو الواجب على من تحدث عن قوم أن يبين الواقع؛ لأن بعض الناس إذا رأى من قوم زيغاً في
стр. 381
بعضهم عمم الحكم على الجميع، والواجب العدل إن كان الأكثر هم الفاسقون، فقل: أكثرهم، وإن كان كثير منهم فاسقين فعبر بالكثير على حسب ما تقتضيه الحال، لأن الواجب أن يقوم الإنسان بالعدل ولو على نفسه أو والديه والأقربين.
﴿اعلموا أن الله يحي الأَرض بعد موتها قد بينا لكم الأيات لعلكم تعقلون﴾ اعلموا: فعل أمر، فأمر بالعلم بهذه القضية الهامة، وهي أن الله يحيي الأرض بعد موتها، يعني أن الأرض تجدها يابسة ليس بها نبات فينزل الله عليها المطر فتنبت وتحيا وتنمو، إذا علمنا هذا ونحن عالمون به ونشاهده، فإننا نستدل به على قدرة الله ﵎ على إحياء الموتى، فإن الناس أحياء الآن، ثم يموتون، ثم يبعثون يوم القيامة، فالقادر على إحياء الأرض بعد موتها قادر على إحياء الأجسام بعد موتها من أجل الحساب والجزاء؛ لأنه ليس من الحكمة أن يخلق الله ﵎ خلقاً يأمرهم وينهاهم ويبيح دماء من لم يستجب وأموالهم ثم تكون النتيجة أن يموت الإنسان فقط، بل لابد من حياة، هي الحياة الحقيقية، كما قال : ﴿وإن الدار الأَخرة لهي الحيوان﴾ ومعنى الحيوان، أي: الحياة الحقيقية التامة الكاملة التي ليس بعدها موت، وليس المراد بالحيوان الحيوانات الدواب، فالقادر على أن يجعل العيدان اليابسة خضراء نامية، قادر على أن يحيي الموتى وبكلمة واحدة، قال الله تعالى: ﴿فإنما هي زجرة واحدة ... فإذا هم بالساهرة﴾ وقال : ﴿إن كانت إلا صيحةً واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون﴾ وقال
стр. 382
- :.
﴿إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾ ﴿قد بينا لكم الأيات لعلكم تعقلون﴾ أي: أظهرناها لكم، والآيات هي العلامات الدالة على كمال قدرة الله - جل وعلا - وعلى كمال رحمته وسلطانه، وأضرب لذلك مثلاً: إذا أنزل الله المطر ونبتت الأرض، وشبعت البهائم، وطابت الأجواء فهذا من آثار رحمته، فنستدل بهذا على رحمة الله، ونستدل بما خلق الله في الكون من الشمس والقمر والنجوم، وما خلق الله تعالى في الأرض من الجبال والأنهار وغيرها على كمال حكمة الله لأنك إذا تدبرتها وجدت فيها من الحكمة ما يبهر العقل، ﴿لعلكم تعقلون﴾ لعل هنا للتعليل وليست للرجاء، مع أنها في اللغة العربية تأتي للرجاء كثيراً، لكنها هنا للتعليل؛ لأن الرجاء لا يمكن في حق الله، إذ إن الرجاء طلب شيء فيه نوع من العسر، لكن الله لا يتصور في حقه الرجاء، لكن تأتي لعل للتعليل، أي لأجل أن تعقلوا، والمراد بالعقل هنا: عقل الرشد، أي: تعقلوا عقلاً ترشدون به، ويكون دليلاً لكم على ما فيه الخير ﴿إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعف لهم ولهم أجر كريم﴾ ، ﴿إن المصدقين﴾ أصلها: إن المتصدقين، لكن قلبت التاء صاداً لعلة تصريفية معروفة عند أهل النحو، ﴿وأقرضوا الله قرضاً حسناً﴾ أي: أنفقوا في سبيل الله إنفاقاً حسناً، والإنفاق الحسن ما جمع شرطين، الأول: الإخلاص لله .
والثاني: المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالمرائي الذي ينفق رياء لم يقرض الله قرضاً حسناً، ومثال ذلك:
стр. 383
إنسان تصدق على فقير من أجل أن يراه الناس، فيقولون: إن فلاناً كثير الصدقة، فهذا مرائي وصدقته لا تنفعه، ولا تقبل منه؛ لأن كل عمل يراد به غير الله فهو غير مقبول، قال الله ﵎ في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» (١) وإنسان آخر يتعبد لله تعالى بعبادات غير مشروعة، صاحب بدعة لكنه مخلص، لو سألته لِمَ فعلت هذا؟ قال: أريد ثواب الله، وأريد التقرب إلى الله، فلا تنفعه هذه العبادة، لعدم المتابعة، فقوله : ﴿وأقرضوا الله قرضاً حسناً﴾ أي: مخلصين فيه لله، متبعين لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فإن قال قائل: لماذا عبر الله تعالى بالقرض وهو الغني ؟
فالجواب: يقول هذا - جل وعلا - ليبين أن أجرهم مضمون، كما أن القرض مضمون، وسيرد عليه الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، لكن كيف تكون الواحدة بعشرة وهي ربا في القرض، كيف يكون هذا؟ الجواب: أولاً: لا ربا بين العبد وبين ربه. ثانياً: القرض إذا أعطاك المقترض شيئاً بدون شرط فهو حلال؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم استقرض بكراً، والبكر يعني بعيراً صغيراً، وردَّ
стр. 384
خيراً منه وقال: «خيركم، أحسنكم قضاء» (١) ، ولهذا عبارة الفقهاء: (كل شرط جر نفعاً للمقرض فهو ربا) ، ولم يقولوا كل زيادة، ﴿يضاعف لهم﴾ هذا خبر (إن) يعني إن المتصدقين والمتصدقات وأقرضوا قرضاً حسناً يضاعف لهم، أي: يعطون أجرهم مضاعفاً، عشرة إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ﴿ولهم أجر كريم﴾ أي: ثواب كريم، والكريم هو الحسن الطيب، وذلك أن الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأصل الكرم الحسن، ودليل ذلك قول النبي ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁ لما بعثه لليمن: «إياك وكرائم أموالهم» يعني إذا أخذت الزكاة اجتنب كرائم الأموال، يعني أحاسنه، «واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب» (٢) ثم قال : ﴿والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم﴾ الإيمان بالله يتضمن أربعة أشياء:
الأول: الإيمان بوجوده.
الثاني: الإيمان بربوبيته.
الثالث: الإيمان بألوهيته.
والرابع: الإيمان بأسمائه وصفاته.
стр. 385
والإيمان بوجود الله لا ينكره إلا مكابر في الواقع، لأن كل إنسان يعرف أن هذا الكون المستقر المنظم لابد له من موجد ومنظم، والموجد والمنظِّم هو الله لأن كل إنسان يعلم أنه لا يستطيع أحد من البشر أن يتصرف بهذا الكون، مَن الذي يأتي بالليل مع وجود النهار؟ ومن الذي يأتي بالنهار مع وجود الليل؟ لا أحد يقدر، إذن كل إنسان عاقل فهو مؤمن بقلبه وإن أنكر بلسانه، مؤمن بوجود الله ، وجه ذلك أن هذه الخليقة العظيمة لابد لها من مدبر، لو قال قائل: إنها جاءت هكذا صدفة، فنقول: إن الشيء إذا جاء صدفة لا يكون منظماً، ولو قال قائل: هي أوجدت نفسها، نقول: هذا أيضاً محال عقلاً، كيف توجد نفسها وهي عدم، هذا لا يمكن، إذن لابد لها من موجد، ولهذا قال الله تعالى في سورة الطور: ﴿أفرءيتم ما تمنون أءنتم تخلقونه أم نحن الخالقون﴾ والجواب: بل أنت يا ربنا، نحن لا نقدر أن نخلق جنيناً في بطن أمه أبداً، قال الله : ﴿يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له﴾ استمعوا يا أيها الناس، خطاب للناس كلهم: الكافر والمؤمن، ولهذا إذا قرأت الآية يجب أن تستمع ﴿إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً﴾ هذا الذباب المهين لا يمكن أن يخلقوه ﴿ولو اجتمعوا له﴾ ، كل المعبودات لا يمكن أن تخلق ذباباً وهو من أصغر الحيوان وأذلها، زد على هذا، ﴿وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه﴾ يعني لو أن الذباب أخذ من هذه الأصنام شيئاً ما استطاعت أن تستنقذه منه، قال أهل العلم: المعنى لو وقع الذباب على أحد هذه الأصنام
стр. 386
وامتص من الطيب الذي فيها، لأنهم يطيبون أصنامهم، ما استطاعت الأصنام أن تستنقذه، ﴿ضعف الطالب والمطلوب﴾ ، فلا يمكن لأحد أن ينكر من صميم قلبه وجود الله أبداً، لأنه باتفاق العقلاء أن كل حادث لابد له من مُحدث، ولا أحد
يحدث هذا الكون إلا الله .
الثاني: الإيمان بربوبيته، أي أنه وحده الخالق المالك المدبر لجميع الأمور، فلا خالق إلا الله، ولا مدبر للكون إلا الله، ولا مالك للكون إلا الله حتى ملك الإنسان ما في يده ليس ملكاً حقيقيًّا، والدليل أنه لا يمكن أن يتصرف فيما في يده كما يشاء، لو أردت أن أحرقه منعت شرعاً، وحرام عليَّ؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن إضاعة المال (١) ، إذن ملك الإنسان ما بيده ليس ملكاً حقيقياً، بل إنه يختص به عن غيره فقط.
الثالث: الألوهية: هي أن تؤمن بأنه لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق إلا الله وعبادة الأصنام غير حق، كما قال : ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل﴾ إذن الألوهية أن تؤمن بأنه لا إله إلا الله، أي لا معبود حق إلا الله وما عبد من دونه فهو باطل، وعليه فلا تصرف العبادة إلا لله.
الرابع: الإيمان بالأسماء والصفات: قال الله :
стр. 387
﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ وصفاته كذلك عليا ليس فيها صفة نقص، قال الله ﵎: ﴿للذين لا يؤمنون بالأَخرة مثل السوء ولله المثل الأَعلى﴾ أي الوصف الأعلى، وأسماء الله تعالى كثيرة لا يمكن حصرها مهما أردت، والدليل على ذلك حديث عبد الله بن مسعود ﵁ «ما من إنسان يصيبه هم أو غم أو حزن ثم يقول: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك» (١) . فجعل الله الأسماء ثلاثة أقسام، ما أنزله في كتابه، مثال الاسم الذي جاء في القرآن (الرحمن) أو علمته أحداً من خلقك مثل (الرب، الشافي) ، جاء في السنة، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب» (٢) . وقال ﵊: «أما الركوع فعظِّموا فيه الرب» (٣) فهذا مما علمه أحداً من خلقه.
«أو استأثرت به في علم الغيب عندك» هذا القسم الثالث ما استأثر الله به في علم الغيب، واستأثر بمعنى انفرد، وما انفرد الله بعلمه فلم ينزله في الكتاب ولم يعلمه أحداً من الخلق لا يمكن الإحاطة به
стр. 388
إذن أسماء الله لا يمكن الإحاطة بها ولا هي محصورة بعدد، لأننا لا نعلمها، وأما قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة» (١) فالمعنى أن من الأسماء تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة هذا المعنى، ومعنى (أحصاها) أي: عرفها لفظاً، وعرفها معنى، وتعبد لله بمقتضاها، وليس المراد أن تحفظها فقط، بل لابد من حفظ اللفظ وفهم المعنى، والتعبد لله بها بمقتضاها، فمثلاً: إذا علمت أن الله غفور فتعرض للمغفرة، لا تقل: الله غفور، وتفعل الذنب متى شئت، بل تعرض للمغفرة واستغفر الله تجد الله غفوراً رحيماً، وإذا علمت أن الله عزيز فتتعبد الله بمقتضى هذا وتخاف منه وتحذر، وهلم جرا.
أما الإيمان بالرسل فإنه يتضمن تصديقهم كلهم من أولهم إلى آخرهم بما أخبروا به، إذا صح عنهم، وأما العمل بشرائعهم فإننا لا يلزمنا العمل إلا بشريعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذلك لأن الشرائع السابقة كلها نسخت بهذه الشريعة، لقول الله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ وقوله: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه﴾ وقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة - يعني أمة الدعوة - يهودي ولا
стр. 389
نصراني ثم يموت ولم يؤمن بما جئت به إلا كان من أصحاب النار» (١) ﴿أولئك﴾ ، أي: الذين آمنوا بالله ورسله ﴿هم الصديقون﴾ أي: البالغون في الصدق مبلغاً كبيراً، لأن الصديق صيغة مبالغة، والصدق يكون بالقصد وبالقول وبالفعل، فأما الصدق بالقصد فأن يقصد الإنسان بعبادته وجه الله ﵎ لا يقصد غيره، وإذا قصد بعبادته شيئاً غير الله فقد أشرك ولا يقبل عمله، لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الحديث القدسي عن الله ﵎: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» (٢) .
الثاني: الصدق في القول بأن يكون الإنسان صادقاً فيما يخبر به، وقد أثنى الله تعالى على الصادقين، وأمرنا أن نكون معهم، فقال - جل وعلا -: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ وأثنى على المهاجرين الذين هاجروا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون، وأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالصدق وحث عليه، ورغَّب فيه، فقال: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولايزال الرجل يصدق ويتحرَّى الصدق حتى يُكتب عند الله صدِّيقاً، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى
стр. 390
الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولايزال الرجل يكذب ويتحرَّى الكذب حتى يُكتب عند الله كذاباً» (١) .
أما الصدق بالفعل فمتابعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن من كان صادقاً فيما يدعي من محبة الله تعالى ورسوله ﷺ فليتبع الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لقوله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم﴾ وقد سمى بعض السلف هذه الآية آية المحنة، يعني الامتحان، فمن ادعى حب الله ورسوله قلنا له: عليك باتباع الرسول ﷺ ، فإن اتبعه فهو صادق، وإن خالفه فليس بصادق، ﴿والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم﴾ الشهداء جمع شهيد، والمراد بهم من قُتلوا في سبيل الله، والقتال في سبيل الله: أن يقاتل الإنسان عدو الله لتكون كلمة الله هي العليا، قال ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين سئل عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليُرى مكانه: أي ذلك في سبيل الله؟ قال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (٢) .
فالشجاع يحب القتال، كالصياد يحب أن يصيد، ويخرج ويتجشم المصائب ليصيد الصيد، وإذا صادها صارت عنده