فالمسألة خطيرة، أما عيبه بالخُلُق بأن يكون هذا الرجل سريع الغضب، شديد الانتقام، بذيء اللسان، فلا تعبه؛ لأنه ربما إذا عبته ابتلاك الله بنفس العيب، ولهذا جاء في الأثر: «لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك» (١)
لكن إذا وجدت فيه سوء خُلُق فالواجب النصيحة، أن تتصل به إن كان يمكن الاتصال به، وتبين له ما كان به من عيب، أو أن تكتب له كتاباً: رسالة باسمك أو باسم ناصح مثلاً، ﴿ولا تنابزوا بالأَلقاب﴾ يعني لا ينبز بعضكم بعضاً باللقب، فتقول له مثلاً: يا فاسق، يا فاجر، يا كافر، يا شارب الخمر، يا سارق، يا زاني، لا تفعل هذا؛ لأنك إذا نبزته باللقب فإما أن يكون اللقب فيه، وإما أن لا يكون فيه، فإن كان فيه فقد ارتكبت هذا النهي، وإن لم يكن فيه فقد بهتَّه وارتكبت النهي أيضاً، ثم قال : ﴿بئس الاسم الفسوق بعد الإِيمان﴾ يعني بئس لكم أن تنقلوا من وصف الإيمان إلى وصف الفسوق، فإذا ارتكبتم ما نهى الله عنه صرتم فسقة، فالإنسان إذا ارتكب كبيرة واحدة من الكبائر صار فاسقاً، وإذا ارتكب صغيرة وكررها وأصرّ عليها صار فاسقاً، فلا تجعل نفسك بعد الإيمان وكمال الإيمان فاسقاً، هذا معنى قوله: ﴿بئس الاسم الفسوق بعد الإِيمان﴾ لأن هذه الجملة جملة إنشائية تفيد الذم، وما أفاد الذم فإنه منهي عنه بلا شك، فاستفدنا من هذه الآية الكريمة تحريم السخرية، وتحريم لمز الغير، وتحريم التنابز بالألقاب، وأن من صنع ذلك فهو فاسق بعد أن كان مؤمناً، والفسق ليس وصفاً على اللسان فقط، بل
стр. 37
يترتب عليه أحكام، فمثلاً قال العلماء: الفاسق لا يصح أن يكون وليًّا على ابنته، فيزوجها من يصح أن يكون وليًّا من أقاربها، فإن لم يكن لها أقارب أو خافوا من أبيها إن زوَّجها فيزوِّجها القاضي، والفاسق لا تقبل شهادته؛ لأن الله تعالى قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا﴾ فيشهد عند القاضي بحق، فيقول القاضي: لا نقبلك؛ لأنك فاسق، والفاسق لا يصلح أن يكون إماماً بالناس في الصلاة، والفاسق الذي يظهر فسقه لا يصح أذانه، كل هذا قال به العلماء ﵏، وإن
كان في بعض هذه المسائل خلاف، لكني أقول: إن كلمة فاسق ليست بالأمر الهين حتى يقولها الإنسان ﴿بئس الاسم﴾ ولهذا ذمه الله، فقال: ﴿بئس الاسم الفسوق بعد الإِيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون﴾ يعني من كان يفعل هذه الأشياء الثلاثة، ولم يتب فأولئك هم الظالمون، فالذي لا يتوب يكون ظالماً، والظلم كما قال النبي ﵊ «ظلمات يوم القيامة» (١) ، وإذا كان المؤمنون يوم القيامة يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، فهؤلاء الظلمة ليس لهم نور، فيجب الحذر مما نهى الله لأنك أيها العبد، عبد لله تأتمر بأمره، وتنتهي عن نهيه.
فإن قال قائل: ما معنى التوبة؟
فنقول: التوبة من العبد أن ينتقل من معصية الله إلى طاعته، والتوبة من الله أن يقبل الله من العبد فيبدل سيئاته حسنات.
стр. 38
قال الله ﵎: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها ءاخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله﴾ إلى أن قال: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾ ، وقد تطلق التوبة من الله على توفيقه العبد إلى التوبة، فلله تعالى على العبد توبتان: توبة بمعنى التوفيق للتوبة، وتوبة بمعنى قبول التوبة. والدليل على هذا قول الله ﵎: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأَرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم﴾ . ﴿ثم تاب عليهم ليتوبوا﴾ أي وفقهم للتوبة فتابوا، أما التوبة الأخرى وهي قبول توبة العبد، فمثل قوله تعالى: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات﴾ وتوبة العبد تحتاج إلى شروط، إذ ليس كل توبة مقبولة، وليس كل من قال: أنا تائب إلى الله يكون تائباً، بل لابد من شروط:
الشرط الأول: أن يخلص لله تعالى في التوبة، أي لا يحمله على التوبة أنه خائف من أبيه، أو خائف من أخيه الأكبر، أو خائف من السلطات، أو تاب لأجل أن يقال: فلان مستقيم، والإخلاص لله في التوبة أن يكون الحامل له على التوبة طلب رضى الله والوصول إلى كرامته، والإخلاص شرط في كل عبادة.
الشرط الثاني: الندم على ما فعل، ومعنى يندم أي: يتحسر، ويتكدر أنه وقع منه هذا الشيء. ويخجل من الله .
الشرط الثالث: أن يقلع عن الذنب في الحال. وذلك بأن
стр. 39
يأتي بالواجب إن أمكن تداركه، أو بدله إذا لم يكن تداركه، وأن يقلع عن المحرم إذا كان الذنب فعلاً محرماً، فإذا كان الذنب في حق الإنسان بأن يكون شخص سرق من إنسان مالاً، والسرقة حرام، وتاب الرجل وندم وعزم على ألا يعود، فلابد أن يوصل هذا المال إلى صاحبه، ولا يمكن أن تتم التوبة إلا بهذا، فإذا قال: أخشى إن ذهبت إلى هذا الرجل وأعطيته المال أن يترتب على ذلك ضرر عليَّ، وعلى سمعتي، وربما أُحبس، وربما يدعي أن المبلغ المسروق أكثر، وأنا قد تبت إلى الله قبل أن يقدر عليَّ فكيف تكون الحال؟ فهل يجوز أن يتصدق به عن صاحبه؟
والجواب: لا يجوز، لأن صاحبه معلوم، أما لو كان مجهولاً كما لو سرق من أناس نسيهم أو جهلهم ولا يدري أين هم، فهنا يتصدق بما سرق عنهم، لكن إذا كان معلوماً لابد أن يوصله، ويمكن أن يعطي شخصاً يثق به، ويقول: يا فلان، إني سرقت هذا المال من فلان، وقد ندمت وتبت إلى الله، ومن فضلك أعطه إياه، وقل له: هذه دراهم من إنسان تستحقها عليه، وهو الآن يبذلها، ولكن لابد أن يكون هذا الرجل الذي وكله أن يوصل الدراهم موثوقاً عند صاحب المال وأميناً لأنه لو لم يكن موثوقاً لاتهمه صاحب المال، وقال: أنت السارق والمسروق أكثر، فلابد أن يكون ثقة، وإذا لم يمكن فيمكن أن ترسل بالبريد، ويقال: هذه دراهم من شخص تستحقها عليه، وفي هذه الحال من المعلوم أنك لن تكتب اسمك، وأيضاً يحسن أن لا تكتبها بقلمك، لأنه ربما يمر عليه ويعرف خطك يوماً من الدهر، هذا إذا
стр. 40
كان الحق مالياً، أما إذا كان الحق غير مالي، مثل أن يكون شخص اغتبته، في مجلس أو مجالس، فكيف تكون التوبة من هذا؟ قال كثير من العلماء: لابد أن تذهب إليه، وتستحله، وإلا فسيأخذ من حسناتك يوم القيامة، فاذهب إليه وقل له: يا فلان سامحني.
وقال بعض العلماء: لا يجب أن تستحله، وإنما تستغفر له وتثني عليه في المجالس التي كنت تغتابه فيها، والحسنات يذهبن السيئات، وقد جاء في الحديث: «كفارة من اغتبته أن تستغفر له» (١) .
القول الثالث: وهو قول وسط، ولعله الصواب: إن كان صاحبك الذي اغتبته قد علم بذلك فلابد من أن تذهب إليه وتستحله، لأنه لن يزول ما في قلبه حتى تستحله، أما إذا لم يعلم فيكفي أن تستغفر له، وأن تثني عليه في المجالس التي كنت تغتابه فيها، والله غفور رحيم، وينبغي لمن جاء إليه أخوه يعتذر منه أن يسامحه، ولا ينبغي أن يناقش ويرى ما الذي حصل، لأنه ربما يذكر شيئاً كبيراً فتعجز نفس صاحبه عن أن يحلله، لأن النفس أمارة بالسوء، فالأولى أن لا يسأل، وأن يحتسب الأجر من الله، ويقول: هذا جاء معتذراً، ومن عفا فأجره على الله، ويرجى في المستقبل أن تعود هذه الغيبة ثناء حسناً، وهذا التفصيل هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو الحق، وهو أنه إن كان
стр. 41
عالماً فلابد أن تستحله حتى يزول ما في قلبه، وإن كان غير عالم فلا حاجة إلى استحلاله، هذا بالنسبة للذي اغتاب غيره، أما الذي اغتيب وطُلب منه السماح فالذي نرى أن الأفضل والأكمل أن يحلله، لأنه أخوه جاءه معتذراً نادماً فليحلله. وثقوا أنه إذا حلله ستكون كبيرة وعظيمة على الشخص الذي استحله، سيرى أنه أهدى إليه أكبر هدية، فتنقلب الكراهية التي كانت من قبل إلى محبة وألفة، وهذا هو المطلوب من المسلمين أن يكون بعضهم لبعض إلفاً محبًّا وادًّا.
الشرط الرابع: أن يعزم على أن لا يعود في المستقبل، أي يكون في نفسه نية عازمة جازمة أن لا يعود لهذا الذنب في المستقبل، فإن تاب وهو يقول: ربما أنه يطرأ علي أن أفعل الذنب، فهذا التائب لا تصح توبته، لأنه لابد أن يعزم على أن لا يعود في المستقبل.
الشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقت قبولها، لأنه يأتي وقت يسد باب التوبة، ولا تقبل من الإنسان، والباب الذي يغلق عن التائبين عام وخاص، أما العام: فهو طلوع الشمس من مغربها، فسيأتي زمن تخرج الشمس من المغرب، والذي يردها الله لو اجتمعت الخلائق كلها على أن تردها ما ردتها، لكن يردها الله الذي أمره ﴿إذآ أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾ ترجع هذه الشمس العظيمة إذا غربت من مغربها، وإذا طلعت الشمس من مغربها آمن كل من على الأرض، اليهودي، والنصراني، والبوذي، والشيوعي، وغيرهم كلهم
стр. 42
يؤمنون؛ لأنهم يرون شيئاً واضحاً في الدلالة على الرب لكن لا ينفعهم الإيمان، لقوله تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا﴾ ، وفسَّر النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك﴾ أنه خروج الشمس من مغربها (١) وحينئذ لا تنفع التوبة، مع أن الناس كلهم يؤمنون، لكن لا تنفع، لأنه انسد الباب، وإذا سُدَّ كيف يدخل الناس؟
أما الخاص فهو أن يحضر الإنسان أجله، فإذا حضر الإنسان الأجل فلا تنفع التوبة، لقول الله ﵎: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الأَن﴾ ، وإني أسأل هل أحد منا يعلم متى يموت؟! أبداً، ربما يموت الإنسان وهو على مكتبه، أو وهو على فراشه، أو وهو في صلاته، في أي لحظة، وإذا كنا نعلم هذا ونوقن به، فالواجب أن نبادر بالتوبة لئلا يفجأنا الموت، فينسد الباب، ولهذا كانت التوبة مما يجب على الفور، فلنبادر بالتوبة إلى الله ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الأَن﴾ ، هذا الخبر من الله له أمر واقع يدل عليه لما أغرق الله تعالى فرعون وقومه، قال فرعون حين أدركه الغرق: ﴿آمنت أنه لآ إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرءيل﴾ يعني
стр. 43
الله ﴿وأنا من المسلمين﴾ فقيل له: ﴿ءالئن﴾ أي: الآن تتوب؟ لماذا لم تتب قبل؟ ﴿ءالئن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين﴾ فلم تقبل توبته - والعياذ بالله - وإذا تاب العبد فإن الله يفرح بهذا فرحاً عظيماً لا يتصوره إنسان، قال النبي ﷺ : «لله أشد فرحاً بتوبة أحدكم» أو قال «بتوبة عبده من أحدكم براحلته» الراحلة هي البعير «كان عليها طعامه وشرابه فأضلها» يعني ضاعت عنه «فطلبها فلم يجدها، فنام تحت شجرة ينتظر الموت» ضعفت قواه وخارت واضطجع ينتظر الموت «فبينما هو كذلك إذا بناقته متعلقاً زمامها بالشجرة فأخذ الزمام فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك» يريد أن يقول: اللهم أنت ربي وأنا عبدك لكنه «أخطأ من شدة الفرح» (١)
وهل تجدون فرحاً أعظم من هذا؟ لا، لأنه لا فرح أشد من حياة بعد الإشراف على الموت، فالرب يفرح بتوبة أحدنا أشد من فرحة هذا الرجل بناقته.
﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً﴾ . تصدير الخطاب بـ ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ يدل على العناية به، ولهذا روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: إذا سمعت الله يقول ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فارعها سمعك: فإما خير تؤمر به، وإما شر تُنهى عنه. ويعني: وإما خير تحصل به العبرة والاتعاظ، كما قال تعالى: ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأُولى الأَلباب﴾ وهنا يقول : ﴿يا أيها الذين آمنوا
стр. 44
اجتنبوا كثيراً من الظن﴾ ، الظن: هو أن يكون لدى الإنسان احتمالان يترجح أحدهما على الآخر، وهنا عبر الله تعالى بقوله: ﴿كثيراً من الظن﴾ ولم يقل: اجتنبوا الظن كله، لأن الظن ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ظن خير بالإنسان، وهذا مطلوب أن تظن بإخوانك خيراً ماداموا أهلاً لذلك، وهو المسلم الذي ظاهره العدالة، فإن هذا يُظن به خيراً، ويُثنى عليه بما ظهر لنا من إسلامه وأعماله.
القسم الثاني: ظن السوء، وهذا يحرم بالنسبة لمسلم ظاهره العدالة، فإنه لا يحل أن يظن به ظن السوء، كما صرح بذلك العلماء، فقالوا ﵏: يحرم ظن السوء بمسلم ظاهره العدالة. أما ظن السوء بمن قامت القرينة على أنه أهل لذلك، فهذا لا حرج على الإنسان أن يظن السوء به، ولهذا من الأمثال المضروبة السائرة: (احترسوا من الناس بسوء الظن) ، ولكن هذا ليس على إطلاقه، كما هو معلوم، وإنما المراد: احترسوا من الناس الذين هم أهل لظن السوء فلا تثقوا بهم، والإنسان لابد أن يقع في قلبه شيء من الظن بأحد من الناس لقرائن تحتف بذلك، إما لظهور علامة في وجهه، بحيث يظهر من وجهه العبوس والكراهية في مقابلتك وما أشبه ذلك، أو من أحواله التي يعرفها الإنسان منه أو من أقواله التي تصدر منه فيظن به ظن السوء، فهذه إذا قامت القرينة على وجوده فلا حرج على الإنسان أن يظن به ظن السوء.
فإذا قال قائل: أيهما أكثر الظن المنهي عنه أم الظن المباح؟
стр. 45
قلنا: الظن المباح أكثر؛ لأنه يشمل نوعاً كاملاً من أنواع الظن، وهو ظن الخير، ويشمل كثيراً من ظن السوء الذي قامت القرينة على وجوده؛ لأنه إذا لم يكن هناك قرينة تدل على هذا الظن السيء، فإنه لا يجوز للإنسان أن يتصف بهذا الظن، ولهذا قال: ﴿كثيراً من الظن﴾ ولم يقل: أكثر الظن، ولا كل الظن، بل قال: ﴿كثيراً من الظن﴾ ثم قال: ﴿إن بعض الظن إثم﴾ وقد توحي هذه الجملة أن أكثر الظن ليس بإثم، وهو منطبق تماماً على ما بيناه وقسمناه، أن الظن نوعان: ظن خير، وظن سوء، ثم ظن السوء لا يجوز إلا إذا قامت القرينة على وجوده، ولهذا قال: ﴿إن بعض الظن إثم﴾ فما هو الظن الذي ليس بإثم؟ نقول: هو ظن الخير، وظن السوء الذي قامت عليه القرينة هذا ليس بإثم، لأن ظن الخير هو الأصل، وظن السوء الذي قامت عليه القرينة هذا أيضاً أيدته القرينة. ﴿ولا تجسسوا﴾ التجسس طلب المعايب من الغير، أي أن الإنسان ينظر ويتصنت ويتسمع لعله يسمع شرًّا من أخيه، أو لعله ينظر سوءاً من أخيه، والذي ينبغي للإنسان أن يعرض عن معايب الناس، وأن لا يحرص على الاطلاع عليها، ولهذا روي عن النبي ﷺ من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال ﵊: «لا يخبرني أحد عن أحد شيئاً» ، يعني شيئاً مما يوجب ظن السوء به «فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» (١)
فلا ينبغي للإنسان أن يتجسس، بل يأخذ الناس على
стр. 46
ظاهرهم، ما لم يكن هناك قرينة تدل على خلاف ذلك الظاهر، وفي هذه الجملة من الآية قراءة أخرى (ولا تحسسوا) فقيل: معناهما واحد، وقيل: بل لكل واحدة منهما معنى، والفرق هو أن التجسس أن يحاول الإنسان الاطلاع على العيب بنفسه، والتحسس أن يلتمسه من غيره، فيقول للناس مثلاً: ما تقولون في فلان، ما تقولون في فلان؟ وعلى هذا فتكون القراءتان مبينتين لمعنيين كلاهما مما نهى الله عنه، لما في هذا من إشغال النفس بمعايب الآخرين، وكون الإنسان ليس له هم إلا أن يطلع على المعايب، ولهذا من ابتلي بالتجسس أو بالتحسس تجده في الحقيقة قلقاً دائماً في حياته، وينشغل بعيوب الناس عن عيوبه، ولا يهتم بنفسه، وهذا يوجد كثيراً من بعض الناس الذين يأتون إلى فلان وإلى فلان، ما تقول في كذا؟ ما تقول في كذا؟ فتجد أوقاتهم ضائعة بلا فائدة، بل ضائعة بمضرة؛ لأن ما وقعوا فيه فهو معصية لله هل أنت وكيل عن الله تبحث عن معايب عباده، والعاقل هو الذي يتحسس معايب نفسه، وينظر معايب نفسه ليصلحها، لا أن ينظر في معايب الغير ليشيعها - والعياذ بالله - ولهذا قال الله : ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم﴾ فعلى كل حال هذه آداب وتوجيه من الله إلى أخلاق فاضلة، مأمور بها، وأخلاق منهي عنها.
﴿ولا يغتب بعضكم بعضاً﴾ الغيبة فسرها النبي ﷺ بقوله:
стр. 47
«ذكرك أخاك بما يكره» وهذا تفسير من الرسول ﵊ وهو أعلم الناس بمراد الله ﵎ في كلامه: «ذكرك أخاك بما يكره» ، سواء كان ذلك في خلقته، أو خلقه، أو في أحواله، أو في عقله، أو في ذكائه، أو في غير ذلك، مثل أن تقول: فلان قبيح المنظر، دميم، فيه كذا، فيه كذا، تريد معايب جسمه، أو في خُلقه بأن تقول: فلان أحمق، سريع الغضب، سيء التصرف، وما أشبه ذلك، أو في خلقته الباطنة كأن تقول: فلان بليد، فلان لا يفهم، فلان سيء الحفظ، وما أشبه هذا، ورسول الله ﷺ حدها بحد واضح بيّن «ذكرك أخاك بما يكره» ، قالوا: يا رسول الله، أرأيت إن كان فيه ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته» (١)
أي جمعت بين البهتان والغيبة، وعلى هذا فيجب الكف عن ذكر الناس بما يكرهون، سواء كان ذلك فيهم، أو ليس فيهم، واعلم أنك إذا نشرت عيوب أخيك فإن الله سيسلط عليك من ينشر عيوبك، جزاءً وفاقاً، لا تظن أن الله غافل عما يعمل الظالمون، بل سيسلط عليه من يعامله بمثل ما يعامل الناس، لكن إذا كانت الغيبة للمصلحة فإنه لا بأس بها، ولا حرج فيها، ولهذا لما جاءت فاطمة بنت قيس إلى رسول الله ﷺ تستشيره في رجال خطبوها، بيَّن معايب من يرى أن فيه عيباً، فقد خطبها ثلاثة: معاوية بن أبي سفيان ﵁ وأبو جهم بن حارث، وأسامة بن زيد ﵃، فقال لها النبي ﷺ : «أما معاوية فصعلوك لا مال
стр. 48
له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، انكحي أسامة بن زيد» (١) ،
فذكر النبي ﷺ عيباً في هذين الرجلين، للنصيحة وبيان الحق، ولا يعد هذا غيبة بلا شك، ولهذا لو جاء إنسان يستشيرك في معاملة رجل، قال: فلان يريد أن يعاملني ببيع، أو شراء، أو إجارة، أو في تزويج أو ما أشبه ذلك، وأنت تعرف أن فيه عيباً فإن الواجب أن تبين له ذلك، ولا يعد هذا كما يقول العامة من قطع الرزق، بل هو من بيان الحق، فإذا عرفت أن في هذا الرجل الذي يريد أن يعامله هذا الشخص ببيع أنه مماطل كذاب محتال، فقل له: يا أخي لا تبع لهذا إنه كذاب مماطل، إنه محتال، ربما يدعي أن في السلعة عيباً وليس فيها عيب، وربما يدعي الغبن وليس مغبوناً، وما أشبه ذلك فتقع معه في صراع ومخاصمة، أو جاء إنسان يستشيرك في شخص خطب منه ابنته، والشخص ظاهره العدالة والاستقامة، وظاهره حسن خلق، ولكنك تعرف فيه خصلة معيبة فيجب عليك أن تبين هذا، فمثلاً: تعرف أن في هذا الرجل كذباً، أو تعرف أنه يشرب الدخان لكنه يجحده ولا يبينه للناس، يجب أن تبين تقول: هذا الرجل ظاهره أنه مستقيم، وأنه خلوق، وأنه طيب، ولكن فيه العيب الفلاني، حتى لو كان هذا متجهاً إلى أن يزوجه، ثم هو بعد ذلك بالخيار؛ لأنه سيدخل على بصيرة، وعلى كل حال يستثنى من الغيبة وهي ذكر الرجل بما يكره، إذا كان على سبيل النصيحة، ومنه ما يذكر في كتب الرجال مثلاً، فلان بن فلان سيء الحفظ، فلان بن فلان كذوب، فلان بن
стр. 49
فلان فيه كذا وكذا، يذكرون ما يكره من أوصافه، نصيحة لله تعالى ورسوله ﷺ فإذا كان الغرض من ذكرك أخاك ما يكره النصيحة فلا بأس.
كذلك لو كان الغرض من ذلك الظلم والتشكي، فإن ذلك لا بأس به، مثل أن يظلمك رجل وتأتي إلى رجل يستطيع أن يزيل هذه المظلمة، فتقول: فلان أخذ مالي، فلان جحد حقي، وما أشبه ذلك، فلا بأس، فإن هند بنت عتبة جاءت إلى النبي ﷺ تشتكي زوجها أبا سفيان، تقول: إنه رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي، فقال لها الرسول ﵊: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» (١) فذكرت وصفاً يكرهه أبو سفيان بلا شك ولكنه من باب التظلم والتشكي، وقد قال الله تعالى في كتابه ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم﴾ يعني فله أن يجهر بالسوء من القول لإزالة مظلمته.
ولكن هل يجوز مثل هذا إذا كان قصد الإنسان أن يخفف عليه وطأة الحزن والألم الذي في قلبه بحيث يحكي الحال التي حصلت على صديق له، وصديقه لا يمكن أن يزيل هذه المظلمة لكنه يفرج عنه أو لا؟
الظاهر أنه يجوز؛ لعموم قوله تعالى: ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم﴾ وهذا يقع كثيراً، كثيراً ما يؤذى الإنسان، ويجنى عليه بجحد مال أو أخذ مال، أو ما أشبه ذلك
стр. 50
فيأتي الرجل إلى صديقه ويقول: فلان قال في كذا، يريد أن يخفف ما في قلبه من الألم والحسرة، أو يتكلم في ذلك مع أولاده، أو مع أهله، أو مع زوجته أو ما أشبه ذلك، هذا لا بأس به؛ لأن الظالم ليس له حرمة بالنسبة للمظلوم.
﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله﴾ التقوى يكثر الأمر بها في القرآن الكريم، وكذلك في السنة، فما هي التقوى التي يكثر ورودها في كتاب الله وعلى لسان رسول الله ﵌؟ إنها كلمة عظيمة، إنها تعني الوقاية من عذاب الله، وتكون الوقاية من عذاب الله بأمرين:
الأمر الأول: امتثال أوامر الله بأن يقول القائل إذا سمع أمر الله ﴿سمعنا وأطعنا﴾ فإن هذا هو قول المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا﴾ ولا تقل: ما الفرق بين كذا وكذا؟ يعني: لماذا يأمر الله بكذا ولا يأمر بكذا، فمثلاً في لحوم الإبل أمر النبي ﷺ أن نتوضأ من لحومها (١) ، ولهذا كان أكل لحوم الإبل ناقض للوضوء على القول الراجح من أقوال العلماء، فلا تقل: لماذا يأمرنا بالوضوء من أكل لحم الإبل، ولا يأمرنا بالوضوء من أكل لحم البقر؟ مع أن كل منهما يسمى بدنة، ولا تقل: لماذا تؤمر الحائض بقضاء شهر الصوم ولا تؤمر بقضاء الصلاة، على سبيل التشكيك، ولكن قل: سمعنا وأطعنا.
الأمر الثاني: اجتناب ما نهى الله عنه، فإذا نهى الله عن شيء
стр. 51
فقل: سمعنا وأطعنا، واجتنبنا. وتأمل قول الله في الخمر والميسر والأنصاب والأزلام حيث قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأَنصاب والأَزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما الخمر والميسر والأَنصاب والأَزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾ . أي فبعد هذا التبصير والتبيين هل تنتهون أو لا؟ وهذا الاستفهام بمعنى الأمر، أي فانتهوا، ولهذا قال الصحابة ﵃: (انتهينا انتهينا) (١) ، فصارت التقوى تتحقق بأمرين:
الأول: امتثال أمر الله دون تردد.
والثاني: اجتناب نهي الله دون تردد.
يقول الله : ﴿إن الله تواب رحيم﴾ هو الله رحيم وهو رحمن، وقد اجتمع الاسمان في أعظم سورة في كتاب الله، في الفاتحة، قال العلماء: إذا ذكر الرحمن وحده كما في قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن﴾ أو ذكر الرحيم وحده كما في هذه الآية ﴿تواب رحيم﴾ فمعناهما واحد، يعني أن الرحيم والرحمن ذو الرحمة الواسعة الشاملة، والرحمن إذا ذكر وحده كذلك هو ذو الرحمة الواسعة الشاملة، أما إذا اجتمعا جميعاً فالرحمن باعتبار الوصف، والرحيم باعتبار الفعل، يعني أنه ذو رحمة واسعة، وهو أيضاً راحم وموصل الرحمة إلى من يشاء من عباده، كما قال
стр. 52
الله تعالى: ﴿يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون﴾ أسأل الله أن يعمني وجميع إخواننا المسلمين برحمته، وأن يجعلنا من دعاة الخير والإصلاح، إنه على كل شيء قدير.
﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبآئل لتعارفوا﴾ الخطاب هنا مصدر بنداء الناس عموماً، مع أن أول السورة وجه الخطاب فيه للذين آمنوا، وسبب ذلك أن هذا الخطاب في هذه الآية موجه لكل إنسان؛ لأنه يقع التفاخر بالأنساب من كل إنسان، فيقول : ﴿يا أيها الناس﴾ ، والخطاب للمؤمن والكافر، والبر والفاجر، ﴿إنا خلقناكم من ذكر وأنثى﴾ من ذكر هو آدم، وأنثى هي حواء، هذا هو المشهور عند علماء التفسير، وذهب بعضهم إلى أن المقصود بالذكر والأنثى هنا الجنس، يعني أن بني آدم خُلقوا من هذا الجنس من ذكر وأنثى، وفي الآية دليل على أن الإنسان يتكون من أمه وأبيه أي يخلق من الأم والأب، ولا يعارض هذا قول الله تعالى: ﴿فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترآئب﴾ فإذا قلنا: إن المراد بالصلب صلب الرجل، والترائب ترائب المرأة فلا إشكال، وإن قلنا بالقول الراجح: إن الصلب والترائب وصفان للرجل، يعني الماء الدافق هو ماء الرجل، أما المرأة فلا يكون ماؤها دافقاً (١) ،
وعلى هذا فيكون الإنسان مخلوقاً من ماء الرجل، لكن ماء الرجل وحده لا يكفي، بل لابد أن يتصل بالبويضة التي يفرزها رحم المرأة فيزدوج هذا بهذا، فيكون الإنسان مخلوقاً من
стр. 53
الأمرين جميعاً، أي من أبيه وأمه، ﴿وجعلنكم شعوباً﴾ أي صيرناكم شعوباً ﴿وقبآئل﴾ فالله تعالى جعل بني آدم شعوباً وهم أصول القبائل، وقبائل وهم ما دون الشعوب، فمثلاً بنو تميم يعتبرون شعباً، وأفخاذ بني تميم المتفرعون من الأصل يسمون قبائل، ﴿وجعلنكم شعوباً وقبآئل﴾ هل الحكمة من هذا الجعل أن يتفاخر الناس بعضهم على بعض، فيقول هذا الرجل: أنا من قريش، وهذا يقول أنا من كذا، أنا من كذا؟ ليس هذا المراد، المراد التعارف، أن يعرف الناس بعضهم بعضاً، إذ لولا هذا الذي صيره الله ما عرف الإنسان من أي قبيلة، ولهذا كان من كبائر الذنوب أن ينتسب الإنسان إلى غير أبيه (١) ،
لأنه إذا انتسب إلى غير أبيه غير هذه الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وهي أنهم شعوب وقبائل من أجل التعارف، فيقال: هذا فلان ابن فلان ابن فلان إلى آخر الجد الذي كان أباً للقبيلة، ﴿لتعرفوا﴾ أي: لا لتفاخروا بالأحساب والأنساب، ﴿إن أكرمكم عند الله أتقكم﴾ ليس الكرم أن يكون الإنسان من القبيلة الفلانية، أو من الشعب الفلاني، الكرم الحقيقي النافع هو الكرم عند الله، ويكون بالتقوى، فكلما كان الإنسان أتقى لله كان عند الله أكرم، فإذا أحببت أن تكون عند الله كريماً، فعليك بتقوى الله والتقوى كلها الخير، وكلها البركة، وكلها سعادة في الدنيا
стр. 54
والآخرة، ﴿ألآ إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ .
وما أكثر ما ترد على أسماعنا كلمة التقوى، وليس لفظاً يجري على الألسن ويمر بالآذان بل يجب أن يكون لفظاً عظيماً موقراً معظماً محترماً، ويفوت الإنسان من التقوى بقدر ما خالف فيه أمر الله تعالى ورسوله ﷺ ، فإذا رأينا مثلاً إنساناً يتقدم إلى المسجد ويصلي مع الجماعة ويخشع في صلاته، ويؤديها بكل طمأنينة، وآخر بالعكس يصلي في بيته ويقتصر فيها على الواجب، فالأول أتقى، إذن فهو أكرم عند الله حتى لو كان مولى من الموالي، والآخر من أرفع الناس نسباً، فإن الأتقى لله هو الأكرم عند الله وكل إنسان يحب أن يحظى عند السلطان في الدنيا، ويكون أقرب الناس إليه، فكيف لا نحب أن نكون أقرب الناس إلى الله، وأكرمهم عنده؟! المسألة هوى وشيطان، وإلا لكان الأمر واضحاً، فعليك بتقوى الله لتنال الكرم عند الله، ﴿إن الله عليم خبير﴾ بكل شيء، لأنه هنا مطلق، ولم يقيد بحال من الأحوال، ﴿خبير﴾ الخبرة هي العلم ببواطن الأمور، والعلم بالظواهر لا شك أنه صفة مدح وكمال، لكن العلم بالبواطن أبلغ، فيكون عليم بالظواهر، وخبير بالبواطن، فإذا اجتمع العلم والخبرة صار هذا أبلغ في الإحاطة، وقد يقال إن الخبرة لها معنى زائد عن العلم، لأن الخبير عند الناس هو العليم بالشيء الحاذق فيه، بخلاف الإنسان الذي عنده علم فقط، ولكن ليس عنده حذق، فإنه لا يسمى خبيراً، فعلى هذا يكون الخبير متضمناً لمعنى زائد على العلم، ثم قال الله تعالى:
стр. 55
﴿قالت الأَعراب آمنا﴾ الأعراب اسم جمع لأعرابي، والأعرابي هو ساكن البادية كالبدوي تماماً، فالأعراب افتخروا، فقالوا: آمنا آمنا، افتخروا بإيمانهم، فقال الله : ﴿قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾ قيل: إن هؤلاء من المنافقين، لقول الله تعالى: ﴿وممن حولكم من
الأَعراب منافقون﴾ والمنافق مسلم، ولكنه ليس بمؤمن، لأنه مستثنى في الظاهر، إذ إن حال المنافق أنه كالمسلمين، ولهذا لم يقتلهم النبي ﵊، مع علمه بنفاقهم مع أنهم مسلمون ظاهراً لا يخالفون، وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا.
وقيل: إنهم أعراب غير منافقين، لكنهم ضعفاء الإيمان، يمشون مع الناس في ظاهر الشرع، لكن قلوبهم ضعيفة، وإيمانهم ضعيف.
وعلى القول الأول: يكون قوله: ﴿ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾ أنه لم يدخل أصلاً، وعلى الثاني: أي لما يدخل الإيمان الدخول الكامل المطلق، ففيهم إيمان لكن لم يصل الإيمان في قلوبهم على وجه الكمال، والقاعدة عندنا في التفسير أن الآية إذا احتملت معنيين، فإنها تحمل عليهما جميعاً إذا لم يتنافيا، فإن تنافيا طلب المرجح.
فالأعراب الغالب عليهم أنهم لا يعرفون حدود ما أنزل الله على رسوله، فيقولون آمنا، فقال الله تعالى يخاطب النبي ﷺ : ﴿قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾ ووجه ذلك أن الإسلام في القلب، وهو صعب، والإسلام علامة في
стр. 56
الجوارح، وكل إنسان يمكن أن يعمل بجوارحه عملاً متقناً كأحسن ما يكون، فقد أخبر النبي ﵊ عن الخوارج أنهم يقرءون القرآن، وأنهم يصلون، وأن الواحد من الصحابة يحقر صلاته عند صلاتهم، وقراءته عند قراءتهم، ومع ذلك يقول النبي ﵊: «إنهم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم» (١)
نسأل الله العافية، وأنهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، وهذا يدل على أن الإسلام يستطيعه كل إنسان يمكن أن يصلي ويسجد ويقرأ ويصوم ويتصدق وقلبه خالٍ من الإيمان، ولهذا قال: ﴿قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾ وهنا التعبير يقول: ﴿لما يدخل﴾ ولم يقل: (ولم يدخل) ، قال العلماء: إذا أتت (لما) بدل (لم) كان ذلك دليلاً على قرب وقوع ما دخلت عليه، فمثلاً إذا قلت: (فلان لمّا يدخلها) أي أنه قريب منها، ومنه قوله تعالى: ﴿بل هم في شك من ذكرى بل لما يذوقوا عذاب﴾ أي لم يذوقوه، ولكن قريب منه، وهنا قال: (لما يدخل) أي لم يدخل الإيمان في قلوبهم، ولكنه قريب من الدخول، ﴿وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعملكم شيئاً﴾ إن أطعتم الله ورسوله بالقيام بأمره واجتناب نهيه فإنه لن ينقصكم من أعمالكم شيئاً بل سيوفرها لكم كاملة، كما قال الله ﵎: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون﴾ . فكل إنسان يجزى على عمله إن خيراً فخير، وإن
стр. 57
شرًّا فشر، لكن رحمة الله تعالى سبقت غضبه (١) ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾ وقد يعاقب، وقد يعفو الله عنه، فالسيئات يمكن أن تمحى، والحسنات لا يمكن أن تنقص، ولهذا قال: ﴿لا يلتكم من أعملكم شيئاً﴾ أي لا ينقصكم. ﴿إن الله غفور رحيم﴾ ختم الآية بالمغفرة والرحمة، إشارة إلى أن هؤلاء الذين قالوا إنهم آمنوا، قريبون من المغفرة والرحمة، لم يدخل الإيمان في قلوبهم، ولكنه قريب من دخوله.
في هذه الآية الكريمة فرق بين الإسلام والإيمان، وكذلك في حديث جبريل ﵇ فرق بين الإسلام والإيمان، ففي حديث جبريل ﵇ لما سأل النبي ﷺ عن الإسلام قال: «أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت» . وفي الإيمان قال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره» (٢) . ففرق بين الإسلام والإيمان، وفي أدلة أخرى يجعل الله الإيمان هو الإسلام، والإسلام هو الإيمان، فهل في هذا تناقض؟
стр. 58
والجواب: لا، فإذا قرن الإسلام بالإيمان صارا شيئين، وإذا ذكر الإسلام وحده، أو الإيمان وحده صارا بمعنى واحد، ولهذا نظائر في اللغة العربية كثيرة، ولهذا قال أهل السنة والجماعة: إن الإسلام والإيمان إذا اجتمعا، يعني إذا ذُكرا في سياق واحد فهما شيئان، وإذا ذُكر أحدهما دون الآخر فهما شيء واحد، ويدل على هذا أن النبي ﷺ عدد أعمالاً هي من الإسلام، وجعلها من الإيمان فقال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله» مع أنها من الإسلام، قال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله» . «وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» . وإماطة الأذى عن الطريق من الإسلام؛ لأنها عمل، والأعمال جوارح «والحياء شعبة من الإيمان» (١) وهذا في القلب، فالمهم الإيمان والإسلام إذا افترقا فهما شيء واحد، وإن اجتمعا فهما شيئان.
﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا﴾ إنما أداة حصر تفيد إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، أي ما المؤمنون إلا هؤلاء، والمراد: المؤمنون حقًّا الذين تم إيمانهم إلا هؤلاء الذين آمنوا بالله ورسوله، آمنوا أقروا إقراراً مستلزماً للقبول والإذعان، وليس مجرد الإقرار كافياً، بل لابد من قبول وإذعان، والدليل على أن مجرد الإقرار ليس بكاف أن النبي ﷺ أخبر عن عمه أبي طالب أنه في النار، وذلك مع أنه مؤمن بالرسول ﵊، مصدق به، يقول في لاميته المشهورة:
стр. 59
لقد علموا أن ابننا لا مكذب لدينا ولا يعنى بقول الأباطل
ويقول عن دين الرسول:
ولقد علمت أن دين محمد خير أديان البرية دينا
لكنه والعياذ بالله لم يقبل هذا الدين، ولم يذعن له، وكان آخر ما قال: إنه على الشرك على ملة عبد المطلب (١) ، فالذين آمنوا بالله ورسوله، هم الذين أقروا إقراراً تامًّا بما يستحق الله ، وبما يستحق الرسول ﵊، وقبلوا بذلك وأذعنوا، ﴿ثم لم يرتابوا﴾ كلمة، ﴿ثم﴾ هنا في موقع من أحسن المواقع؛ لأن (ثم) تدل على الترتيب والمهلة، ثم استقروا وثبتوا على الإيمان مع طول المدة، ﴿لم يرتابوا﴾ : أي لم يلحقهم شك في الإيمان بالله ورسوله.
وهنا ننبه إلى مسألة يكثر السؤال عنها في هذا الوقت - وإن كان أصلها موجوداً في عهد الرسول ﵊: وهي الوساوس التي يلقيها الشيطان في قلب الإنسان، فيلقي الشيطان في قلب الإنسان أحياناً وساوس وشكوكاً في الإيمان أو في القرآن، أو في الرسول، يحب الإنسان أن يمزق لحمه، ويكسر عظمه ولا يتكلم بذلك، فما موقف الإنسان من هذا؟ موقف الإنسان من هذا أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وينتهي، ويعرض عن هذا، ولا يفكر فيه إطلاقاً، وقد أخبر النبي - عليه
стр. 60
الصلاة والسلام - أن مثل هذه الوساوس صريح الإيمان، أي خالص الإيمان، وهذا إنما كان خالص الإيمان، لأن الشيطان لا يأتي للإنسان الشاك يشككه في دينه، وإنما يأتي لإنسان ثابت مستقر، ليشككه في دينه، فيفسده عليه (١) ، فالمؤمن الذي استقر الإيمان في قلبه واطمأن قلبه بالإيمان هو الذي يأتيه الشيطان ليفسد عليه، أما من ليس بمؤمن فإن الشيطان لا يأتيه بمثل هذه الوساوس، لأنه منته منه، والمهم أن قوله: ﴿ثم لم يرتابوا﴾ يدل على أنهم ثبتوا على الإيمان، ولو طالت المدة.
فإذا قال قائل: ما الطريقة التي توجب للإنسان ثبوت الإيمان واستقراره؟
قلنا: أولاً: أن يتفكر في مخلوقات الله ، وأن هذه المخلوقات العظيمة لم تكن وليدة الصدفة، ولم تكن وليدة بنفسها.
ثانياً: أن يتفكر في شريعة الله وكمالها.
ثالثاً: أن يتفكر في سيرة النبي ﷺ وآياته وما إلى ذلك.
رابعاً: أن يكثر من ذكر الله فإنه بذكر الله تطمئن القلوب، ويكثر من الطاعات والأعمال الصالحة، لأن الطاعات والأعمال الصالحة تزيد في الإيمان، كماهو مذهب أهل السنة والجماعة ﵏.
﴿وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله﴾ هذا أيضاً
стр. 61
معطوف على قوله: ﴿آمنوا﴾ أي هم مع إيمانهم بالله ويقينهم وعدم ارتيابهم يريدون أن يصلحوا عباد الله بالجهاد في سبيل الله، يجاهدون أعداء الله ليرجعوا إلى دين الله ويستقيموا عليه، لا للانتقام منهم، ولا للانتصار لأنفسهم، ولكن ليدخلوا في دين الله والجهاد في سبيل الله هو القتال لتكون كلمة الله هي العليا، لا للانتقام، فالقتال للانتقام ليس إلا مدافعة عن النفس، أو أخذاً بالثأر فقط، لكن الجهاد حقيقة هو أن يقاتل الإنسان لتكون كلمة الله هي العليا، أما الجهاد انتصاراً للنفس، أو دفاعاً عن النفس فقط، فليس في سبيل الله، لكن لاشك أن من قاتل دفاعاً عن نفسه فإنه إن قتل فهو شهيد (١) ، وإن قتله صاحبه فصاحبه في النار كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ ، فيمن أراد أن يأخذ مالك قال: «لا تعطه» ، قال: يا رسول الله، أرأيت إن قاتلني، قال: «قاتله» ، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «أنت شهيد» ، قال: إن قتلته؟ قال: «فهو في النار» (٢) ،
فالجهاد في سبيل الله هو القتال لتكون كلمة الله هي العليا، هذا هو الذي حده النبي ﵊ وفصَّله فصلاً قاطعاً، ﴿أولئك هم الصادقون﴾ في إيمانهم وعدم ارتيابهم، أما الذين قالوا من الأعراب
стр. 62
آمنا ولكنهم لم يؤمنوا حقيقة ولكن أسلموا فإنهم ليسوا صادقين، ولهذا قال الله تعالى: ﴿قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾ .
﴿قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في الأَرض﴾ هذا إنكار لقول الذين قالوا آمنا، يعني أتعلمون الله تعالى بأنكم آمنتم وهو عليم بكل شيء، وتعلمون الله بمعنى: تخبرون الله، وليس المراد أن ترفعوا جهله عن حالكم، فهو يعلم حالهم ويعلم أنهم مؤمنون أو غير مؤمنين، لكن تعلمون هنا بمعنى تخبرون، وليس معناه أن ترفعوا الجهل عن الله لأن الله ليس جاهلاً بحالهم، بل هو عالم، ﴿أتعلمون الله بدينكم﴾ حينما قلتم آمنا، ﴿والله يعلم ما في السماوات وما في الأَرض﴾ ومنها أي ما في السموات وما في الأرض حالكم إن كنتم مؤمنين أو غير مؤمنين، وفي هذه الآية إشارة إلى أن النطق بالنية في العبادات منكر؛ لأن الإنسان الذي يقول: أريد أن أصلي، يعلّم الله بما يريد من العمل، والله يعلم، والذي يقول: أريد أن أصوم كذلك، والذي يقول: نويت أن أتصدق كذلك، والذي يقول: نويت أن أحج كذلك أيضاً، ولهذا لا يسن النطق بالنية في العبادات كلها لا في الحج ولا في الصدقة، ولا في الصوم، ولا في الوضوء، ولا الصلاة، ولا في غير ذلك، لأن النية محلها القلب، والله عالم بذلك، ولا حاجة إلى أن تخبر الله بها، ﴿والله بكل شيء عليم﴾ ، فما في السموات عام، وما في الأرض عام، فكل شيء يعلمه الله، وقد تقدم لنا الكلام مراراً على هذه الصفة من صفات الله، والتي هي
стр. 63
من أوسع صفاته - جل وعلا - ﴿والله بكل شيء عليم﴾ خفي أو بين، عام أو خاص، فهو عالم به - جل وعلا -.
﴿يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا على إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين﴾ في هذه الآية تكررت ﴿أن﴾ ثلاث مرات: أي يمنون عليك يا محمد بإسلامهم، وحذف الجملة مع (أن) ، مطرد كما قال ابن مالك ﵀ في الألفية. ﴿يمنون عليك أن أسلموا﴾ أي: بأن أسلموا أي بإسلامهم، ويعني بذلك قوماً أسلموا بدون قتال فجعلوا يمنون على الرسول ﵊ يذكرون له الفضائل ويقولون: نحن آمنا بك من دون قتال، مع أن المصلحة لهم، ولهذا قال الله تعالى: ﴿بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان﴾ ، وقوله: ﴿بل الله يمن عليكم﴾ هذا إضراب لإبطال ما سبق، أي ليس لكم منة على الرسول ﵊ بإسلامكم، بل المنة لله عليكم أن هداكم للإيمان، ولا شك أن هذا أعظم منة أن يمن الله على العبد بالهداية إلى الإيمان، مع أن الله أضل كثيراً من الأمة عنه، وقد أخبر النبي ﷺ أن من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين كلهم في النار وواحداً من الجنة (١) ، فمن وفق بأن واحداً في الجنة فإن هذه منة عظيمة، ولهذا كان الأنصار ﵃ حين جمعهم النبي ﷺ يوم قسم غنائم حنين كلما ذكر إليهم شيئاً قالوا: الله ورسوله
стр. 64
أمن، قال: «ألم أجدكم في ضلال فهداكم الله بي» ، قالوا: الله ورسوله أمن، قال: «ألم أجدكم متفرقين فجمعكم الله بي؟» قالوا: الله ورسوله أمن (١) ،
كلما ذكر شيئاً قالوا: الله ورسوله أمن، فالمنة لله على كل من هداه الله بنعمه، فالمنة لله عليه وقوله: ﴿إن كنتم صادقين﴾ أي إن كنتم من ذوي الصدق القائلين بالصدق، فإن المنة لله عليكم ﴿بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان﴾ .
﴿إن الله يعلم غيب السماوات والأَرض والله بصير بما تعملون﴾ . أخبر الله في هذه الآية أنه يعلم كل ما غاب في السموات والأرض، وما ظهر فهو من باب أولى، وأخبر أن من جملة ما يعلمه عمل بني آدم، ولهذا قال: ﴿والله بصير بما تعملون﴾ ، وهذه الآية تفيد مسألة عظيمة في سلوك الإنسان وعمله، وهي أن يعلم بأن الله تعالى بصير بعمله محيط به، فيخشى الله ويتقيه، وفيها الترغيب في الأعمال الصالحة فإنها لن تضيع، وفيها الترهيب من العمل السيىء؛ لأن العبد سيجازى عليه؛ لأن الكل معلوم عند الله ، نسأل الله تعالى أن يمن علينا بالهداية والتوفيق.
стр. 65
تفسير سورة (ق)
﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ، البسملة سبق الكلام عليها، وأنها آية مستقلة يؤتى بها في ابتداء كل سورة إلا سورة براءة، فإن الصحابة ﵃ لم يكتبوا أمامها بسملة، ولكن جعلوا فاصلاً بينها وبين آخر سورة الأنفال، وليس هناك ذكر يذكر بدلاً عن البسملة، كما يوجد في هامش بعض المصاحف، حيث كتب: (أعوذ بالله من النار، ومن كيد الفجار، ومن غضب الجبار، العزة لله ولرسوله وللمؤمنين) ، ولا شك أن هذا كلام بدعي لا أصل له.
﴿ق والقرءان المجيد﴾ (ق) حرف من الحروف الهجائية التي يتركب منها الكلام العربي، وهي كسائر الحروف، ليس لها معنى في حد ذاتها، ومن المعلوم أن القرآن نزل بلسان عربي، وإذا كانت هذه الحروف ليس لها معنى باللسان العربي، فهي كذلك ليس لها معنى في كتاب الله من حيث المعنى الذاتي لها، وأما بالنسبة للمغزى العظيم الكبير، فلها مغزى عظيم كبير، ألا وهو أن هذا القرآن الذي أعجز العرب مع بلاغتهم وفصاحتهم لم يأت بشيء جديد من حروف لم يعرفونها، بل هو بالحروف التي يعرفونها، ومع ذلك عجزوا أن يأتوا بمثله، فدل ذلك على أنه من كلام العزيز الحميد - جل وعلا - ولهذا لا تكاد تجد سورة ابتدأت بالحروف الهجائية إلا وبعدها ذكر القرآن (١) .
стр. 66
﴿والقرءان المجيد﴾ الواو هنا حرف قسم. أقسم الله تعالى بالقرآن، لأن لله تعالى أن يقسم بما شاء، وإقسامه هنا بالقرآن إقسام بكلامه، وكلام الله تعالى من صفاته، وقد ذكر أهل العلم ﵏ أنه يجوز الإقسام بالله تعالى، أو بصفة من صفاته، وأما آياته فلا يُقسم بها إلا إذا قصد الإنسان بالآيات كلماته، كالقرآن الكريم، والتوراة، والإنجيل، وما أشبه ذلك، وأما الآيات الكونية كالشمس والقمر فلا يجوز لنا أن نقسم بها، أما الله فله أن يقسم بما شاء، والقرآن مأخوذ من قرأ إذا تلي، أو من قرأ إذا جمع، ومنه قرية؛ لأن الناس يجتمعون فيها، والقرآن يتضمن المعنيين، فهو متلو وهو مجموع أيضاً، ﴿المجيد﴾ أي ذي المجد، وهو العظمة والسلطان المطلق، فالقرآن له عظمة عظيمة، مهيمن مسيطر على جميع الكتب السابقة، حاكم عليها، ليس محكوماً عليه، وهو أيضاً مجيد، به يمجد ويعلو ويظهر من تمسك به، وهذا كقوله تعالى: ﴿بل هو قرءان مجيد في لوح محفوظ﴾ (١) .
﴿بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب﴾ هنا لا يتراءى للإنسان التالي جواب القسم، فاختلف العلماء ﵏ في مثل ذلك: هل له جواب، أو جوابه يعرف من السياق، أو يعرف من المقسم به؟ وأظهر ما يكون أن نقول: إن
стр. 67
مثل هذا التركيب لا يحتاج إلى جواب القسم، لأنه معروف من عظمة المقسم عليه، فكأنه أقسم بالقرآن على صحة القرآن، فالقرآن المجيد لكونه مجيداً كان دليلاً على الحق، وأنه منزل من عند الله وحينئذ لا يحتاج القسم إلى جواب؛ لأن الجواب في ضمن القسم: ﴿بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب﴾ عجبوا: الواو تعود على المكذبين للرسول ﵊ الذين كذبوا رسالته، وكذبوا بالقرآن، وكذبوا بالبعث، وكذبوا باليوم الآخر، ولهذا ﴿عجبوا أن جاءهم منذر منهم﴾ عجبوا عجب استغراب واستنكار، وإنما قلنا ذلك لأن العجب تارة يُراد به الاستنكار والتكذيب، وتارة يراد به الاستحسان، فقول عائشة ﵂: «كان الرسول ﷺ يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله» (١) .
والمراد بالعجب هنا الاستحسان، وقوله هنا: ﴿بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم﴾ المراد به الاستنكار والتكذيب، ﴿أن جاءهم منذر منهم﴾ أي: ليس بعيداً عنهم بل هو منهم نسباً وحسباً ومسكناً، يعرفونه، ومع ذلك قالوا هذا شيء عجيب ﴿أءذا متنا وكنا تراباً ذلك رجع بعيد﴾ لما جاءهم محمد رسول الله ﷺ أخبرهم بأن الله سوف يبعثهم، وسوف يجازيهم، ويحاسبهم تعجبوا كيف هذا؟ أيحيى الإنسان بعد أن كان رفاتاً، قال الكافرون: ﴿هذا شيء عجيب أءذا متنا وكنا تراباً﴾ إذا من المعروف أنها ظرفية، وكل ظرف
стр. 68
يحتاج إلى عامل، والعامل محذوف دل عليه ما بعده، والتقدير [ ﴿أءذا متنا وكنا تراباً﴾ نرجع ونبعث] ثم قال: ﴿ذلك رجع بعيد﴾ ولهذا يحسن عند التلاوة أن تقف على قوله: ﴿أءذا متنا وكنا تراباً﴾ لأن قوله: ﴿ذلك رجع بعيد﴾ جملة استئنافية لا علاقة لها من حيث الإعراب بما قبلها، والاستفهام هنا بمعنى الإنكار والتكذيب، كأنهم يقولون: لا يمكن أن نرجع ونبعث بعد أن كنا تراباً وعظاماً، ولكن بين الله أنه قادر على ذلك، فلما قالوا: ﴿ذلك رجع بعيد﴾ ومرادهم بالبعد هنا الاستحالة، فهم يرون أن ذلك مستحيل، وربما تلطف بعضهم وقال: ﴿ذلك رجع بعيد﴾ فهم تارة ينكرون إنكاراً مطلقاً، ويقولون هذا محال، وتارة يقولون: هذا بعيد، قال الله تعالى مبيناً قدرته على ذلك: ﴿قد علمنا ما تنقص الأَرض منهم﴾ الأرض تأكل الإنسان إذا مات، فالله تعالى يعلم ما تنقص الأرض من أجزاء بدنه ذرة بعد ذرة، ولو أكلته الأرض، وقوله: ﴿ما تنقص الأَرض منهم﴾ قد يفيد أنها لا تأكل كل الجسم وفي ذلك تفصيل، أما الأنبياء فإن الأرض لا تأكلهم مهما داموا في قبورهم، لقول النبي ﷺ : «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» (١)
وأما غيرهم فقد يبقى الجسم مدة طويلة لا تأكله الأرض إلى ما شاء الله، وقد تأكله الأرض، لكن إذا أكلته الأرض فإنه يبقى عجب الذنب، وعجب الذنب هو عبارة عن الجزء اليسير من العظم بأسفل الظهر، هذا
стр. 69
يبقى بإذن الله لا تأكله الأرض كأنه يكون نواة للجسم عند بعثه يوم القيامة، فإنه منه يخلق الآدمي في قبره، فإذا تم النفخ في الصور قاموا من قبورهم لله وإذا كان الله تعالى عالم بما نقصت الأرض منهم فهو قادر على أن يرد هذا الذي نقصته الأرض عند البعث، ﴿وعندنا﴾ أي عند الله تعالى ﴿كتاب حفيظ﴾ ، أي: حافظ لكل شيء، قال الله تعالى: ﴿كلا بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحفظين كراماً كتبين يعلمون ما تفعلون﴾ .
قال تعالى: ﴿بل كذبوا بالحق لما جاءهم﴾ بل هنا للإضراب الانتقالي، وليست للإضراب الإبطالي؛ لأن الأول ثابت والثاني زائد عليه، وهذا هو الفرق بين (بل) التي للإضراب الإبطالي، وبين (بل) التي للإضراب الانتقالي، فصارت بل للإضراب دائمة لكن إن كانت تبطل الأول سموها إضراب إبطال، وإن كانت لا تبطله فهو إضراب انتقالي، كأنه انتقل من موضوع إلى آخر ﴿بل كذبوا بالحق لما جاءهم﴾ ولكن قلوبهم موقنة إلا أن ألسنتهم تكذب، كما قال الله تعالى عن آل فرعون: ﴿وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلماً وعلواً﴾ ﴿لما جاءهم﴾ لما هنا بمعنى حين، فهي ظرف وليست حرفاً، ﴿فهم في أمر مريج﴾ الفاء هنا للتعقيب والسببية، والمعنى فهم لما كذبوا بالحق في أمر مريج، أي: مختلط اختلط عليهم الأمر - والعياذ بالله - وهو كقوله تعالى: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصرهم كما لم يؤمنوا به أول مرة﴾ يعني لأنهم لم يؤمنوا به أول مرة وظلوا في طغيانهم يعمهون، هؤلاء لما كذبوا صاروا في أمر مريج، التبس عليهم الأمر، وترددوا في أمرهم، وهكذا كل إنسان يرد الحق أول مرة، فليعلم أنه سيبتلى بالشك والريب في قبول الحق في
стр. 70
المستقبل، ولهذا يجب علينا من حين أن نسمع أن هذا الشيء حق أن نقول: سمعنا وأطعنا، خلافاً لبعض الناس الآن، تقول: أمر الرسول ﷺ بهذا؟ فيقول: الأمر للوجوب أم للاستحباب؟ سبحان الله، افعل ما أمرك به سواء على الوجوب أو على الاستحباب، لأن معنى قوله: هل هو للوجوب أو للاستحباب؟ معناه إذا كان للاستحباب فأنا في حل منه، وإذا كان للوجوب فعلته، وهذا خطأ، ولكن قل: سمعنا وأطعنا، ثم إذا وقعت المخالفة فحينئذ ربما يكون السؤال عنه: هل هو واجب أو مستحب؟ ربما يكون وجيهاً، أما قبل فلا.
قد يقول قائل: أنا أسأل هل هو واجب أو مستحب؟ لأن هناك فرقاً بين الواجب والمستحب، والواجب أحب إلى الله، فأنا أفعله من أجل إذا اعتقدت أنه واجب أُثاب عليه ثواب واجب، وإذا اعتقدت أنه سنة أُثاب عليه ثواب سنة.
قلنا: نعم، هذا طيب، لكن ثواب انقيادك للحق لأول مرة وبكل سهولة وبدون سؤال أفضل من كونك تعتقده واجباً أو مستحبًّا، وإذا كان الله قد أوجبه عليك أثابك ثواب الواجب، وإن كنت لا تدري، فالانقياد وتمام الانقياد أفضل بكثير من كون أعتقد هذا واجباً أو مستحبّاً.
ثم قال: ﴿أفلم ينظروا إلى السماء﴾ استدل بالآيات الكونية على صحة الآيات الشرعية.
والاستفهام هنا للتوبيخ، يوبخهم لماذا لم ينظروا إلى هذا؟ لماذا لم ينظروا إلى السماء وما فيها من عجائب
стр. 71
القدرة الدالة على أن الله تعالى قادر على إحياء الموتى الذي أنكره هؤلاء المكذبون، وقوله: ﴿أفلم ينظروا إلى السماء﴾ يشمل نظر البصر، ونظر البصيرة، نظر البصر يكون بالعين، ونظر البصيرة يكون بالقلب، أي: التفكر، وقوله: ﴿إلى السماء فوقهم كيف بنينها﴾ قد يقول قائل: إن كلمة: ﴿فوقهم﴾ لا فائدة منها، لأن السماء معروفة أنها فوق، ولكن نقول: إن النص على كونها فوقهم إشارة إلى عظمة هذه السماء، وأنها مع علوها وارتفاعها وسعتها وعظمتها تدل على كمال خلقه وقدرته - جل وعلا - ﴿كيف بنينها﴾ بناها الله بقوة وجعلها قوية، فقال - جل وعلا -: ﴿وبنينا فوقكم سبعاً شداداً﴾ أي قوية، وقال تعالى: ﴿والسماء بنينها بأيد﴾ أي بقوة، وهذا البناء لا نعلم كيف بناها الله لكننا نعلم أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام، خلق الأرض في أربعة، والسماء في يومين، كما قال الله تعالى: ﴿فقضاهن سبع سماوات في يومين﴾ وقوله: ﴿وزينها﴾ أي حسنَّا منظرها، بما خلق الله تعالى فيها من النجوم العظيمة المنيرة المنتظمة في سيرها، وهذه النجوم قال قتادة ﵀ وهو من أئمة التابعين: «خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، وعلامات يُهتدى بها، ورجوماً للشياطين، فمن ابتغى فيها شيئاً سوى ذلك فقد أضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به» (١)
يشير إلى ما ينتحله المنجمون من الاستدلال بحركات هذه النجوم على الحوادث الأرضية، حتى إنهم يبنون سعادة الشخص وشقاءه على
стр. 72
هذه النجوم، مثلاً يقولون: إذا ولد في النجم الفلاني فهو سعيد، وإذا ولد في النجم الفلاني فهو شقي، وهذا لا أثر لها، أعني تحركات النجوم في السماء، ليس لها أثر فيما يحدث في الأرض، ثم قال تعالى: ﴿وما لها من فروج﴾ يعني ليس للسماء من فروج، أي من فطور وتشقق، بل مبنية محكمة قوية.
﴿والأَرض مددناها وألقينا فيها رواسى وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج﴾ هذه ثلاثة أمور، أولاً: الأرض مدها الله مع أنها بالنسبة للسماء صغيرة جداً، لكنها ممدودة للخلق، مسطحة لهم كما قال تعالى: ﴿وإلى الأَرض كيف سطحت﴾
ثانياً: ﴿وألقينا فيها روسى﴾ أي جبال ثابتات لا تزعزعها الرياح فهي قاسية، وكذلك أيضاً ترسي الأرض.
ثالثاً: ﴿وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج﴾ أي من كل زوج سار لناظره، والمراد بالزوج هنا الصنف، يعني أن ما ينبت في الأرض أصناف متعددة متنوعة حتى إنك ترى البقعة من الأرض وهي صغيرة تشتمل على أنواع من هذه الأصناف، تختلف في ألوانها، وتختلف في أحجامها، وتختلف في ملمسها ما بين شديدة ولينة إلى غير ذلك من الاختلافات العظيمة، بل إنها تختلف في مذاقها إذا كانت من ذوات الثمر، كما قال تعالى: ﴿ونفضل بعضها على بعض في الأُكل﴾ فمن القادر على أن يخلق هذه الأشياء؟ هو الله ، وهذه التي ﴿فيها من كل زوج بهيج﴾ مع أنها في مكان واحد وتسقى بماء واحد، والأرض أيضاً واحدة، من يقدر على هذا؟ الجواب: هو الله - عزوجل - إنك تأتي الأرض المعشبة
стр. 73
التي أنبت الله تعالى فيها من أصناف النبات، فتتعجب ترى هذه مثلاً زهرتها صفراء، وهذه بيضاء، وهذه بنفسجية، وهذه منفتحة، وهذه منضمة إلى غير ذلك من الآيات العظيمة، فهذا أكبر دليل على أن الله قادر على إحياء الموتى الذي أنكره هؤلاء المكذبون لرسول الله ﷺ ، وقالوا: ﴿أءذا متنا وكنا تراباً ذلك رجع بعيد﴾ فالقادر على خلق هذه المخلوقات العظيمة قادر على إحياء الموتى، ثم يقال: من الذي خلق الإنسان؟ هو الله، وإعادة الخلق أهون من ابتدائه كما قال تعالى: ﴿وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه﴾ فإذا كنتم أيها المشركون تقرون بأن الله هو الخالق، وأنه هو الذي خلقكم وأوجدكم، فلماذا تنكرون أن يعيدكم مع أن أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون.
﴿تبصرةً وذكرى لكل عبد منيب﴾ يعني أن الله تعالى حثنا على أن ننظر إلى السماء وإلى الأرض، وما يحدث فيهما تبصرة، أي لأجل التبصرة والذكرى، قال العلماء: والفرق بين التبصرة والذكرى أن التبصرة مستمرة، والذكرى عند النسيان، فهذه الآيات تذكرك إذا نسيت، وتبصرك إذا جهلت، وقد يقال: إن الفرق بينهما أن التبصرة في مقابل الجهل، والذكرى في مقابل النسيان، وكلا القولان حق، المهم أنك إذا نظرت إلى السماء وإلى الأرض وما فيهما مما أودعه الله من النبات فإنك سوف تبصر بقلبك، وتذكر أيضاً إذا نسيت، ولكن لمن هذه التبصرة والذكرى ﴿لكل عبد منيب﴾ ، ليست لكل إنسان، ما أكثر ما ينظر الكفار في الآيات، ولكن ما تغني الآيات والنذر عن قوم لا
стр. 74
يؤمنون، إنما الذي ينتفع بها هم كل عبد منيب، أي: رجاع إلى الله .
﴿ونزلنا من السماء ماءً مبركاً فأنبتنا به جنات وحب الحصيد﴾ . يقول - جل وعلا -: ﴿ونزلنا﴾ ، لأن المطر ينزل شيئاً فشيئاً، وربما يعبر عنه بأنزل لأنه تجيء به الأودية والشعاب، وقوله: ﴿من السماء﴾ أي من العلو، لأن هذا المطر ينزل من السحاب وليس من السماء التي هي السقف المحفوظ، بدليل قوله تعالى: ﴿والسحاب المسخر بين السماء والأَرض﴾ ، إذن هو ينزل من العلو، والحكمة في إنزاله من العلو ليشمل قمم الجبال ومراتع الإبل، والسهل والأودية، لأنه لو جاء يمشي سيحاً من الأرض ما وصل إلى قمم الجبال، ولكن الله جعله من فوق، وقوله: ﴿ماءً مبركاً﴾ من بركته أنه يُنبت به ﴿جنات وحب الحصيد﴾ ، الجنات هي البساتين الكثيرة الأشجار، وسميت البساتين الكثيرة الأشجار جنات، لأنها تُجن أي تستر ما تحتها، وكل بستان ذو شجر ملتف بعضه إلى بعض يسمى جنة، وأما قوله: ﴿وحب الحصيد﴾ يعني به الزروع التي تحصد، فذكر الله هنا الأشجار والزروع، فمن الأشجار تجد الثمار، ومن الزروع تحصد الحبوب، ﴿والنخل باسقات لها طلع نضيد﴾ خص الله النخل لأنها أشرف الأشجار، ولهذا شبه بها المؤمن حيث قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن من الشجر شجراً مثلها مثل المؤمن» قال ابن عمر ﵄ فذهب الناس يخوضون في شجر البوادي، كل يقول: هي الشجرة الفلانية،
стр. 75
يقول ابن عمر: فوقع في قلبي أنها النخلة، لكني كنت أصغر القوم - يعني فاستحيا أن يتكلم وهو أصغرهم - فقال النبي ﷺ : «هي النخلة» (١)
وهي الشجرة المذكورة في قول الله تعالى: ﴿ضرب الله مثلاً كلمةً طيبةً كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء﴾ فلهذا خصها هنا بالذكر فقال: ﴿والنخل باسقات﴾ أي عاليات ﴿لها طلع نضيد﴾ أي منضود، فالطلع في شماريخه تجده منضوداً من أحسن ما يكون النضد، ومع ذلك تجد هذه الثمرات تسقى بالشمراخ الدقيق اللين مع أنه قد يكون فيه أحياناً أكثر من ثلاثين حبة. ﴿رزقاً للعباد﴾ أي فعلنا ذلك، أنزلنا من السماء ماءً فأنبتنا به جنات وحب الحصيد، والنخل باسقات. فعلنا ذلك رزقاً للعباد أي عطاءً وفضلاً للعباد، والعباد هنا يشمل العباد المؤمنين والعباد الكافرين؛ لأن الكافر عبد لله كما قال الله تعالى: ﴿إن كل من في السماوات والأَرض إلا آتى الرحمن عبداً﴾ .
والمراد هنا العبودية الكونية القدرية، أما العبودية الشرعية فلا يكون عبداً لله إلا من كان ممتثلاً لأمره، مجتنباً لنهيه، مصدقاً بخبره، ﴿وأحيينا به بلدةً ميتاً﴾ أحيينا بالماء الذي ننزله من السماء بلدة ميتة، ﴿بلدةً﴾ لما كانت مؤنثة اللفظ، مذكرة المعنى، صح أن توصف بوصف مذكر، ﴿بلدةً ميتاً﴾ أي بلد ميت، أحياه بهذا الماء الذي نزل من السماء، تجد الأرض هامدة خاشعة ليس فيها نبات، فإذا أنزل الله المطر عجت بالنبات واخضرت وازدهرت، فهذه حياة بعد الموت