البيت، أو أن تكون فاء التفريع، وأيًّا كان فهي مبنية على ما سبق، أي فبهذه النعم العظيمة يجب عليهم أن يعبدوا الله، والعبادة هي التذلل لله محبة وتعظيماً. أن يتعبد الإنسان لله يتذلل له بالسمع والطاعة، فإذا بلغه عن الله ورسوله أمر قال: سمعنا وأطعنا، وإذا بلغه خبر قال: سمعنا وآمنا، على وجه المحبة والتعظيم، فبالمحبة يقوم الإنسان بفعل الأوامر، وبالتعظيم يترك النواهي خوفاً من هذا العظيم ، هذا معنى من معاني العبادة، وتطلق العبادة على نفس المتعبد به، وقد حدّها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بهذا المعنى فقال: إن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال، والأعمال الظاهرة، والباطنة.
وقوله: ﴿رب هذا البيت﴾ يعني به الكعبة المعظمة، وقد أضافها الله تعالى إلى نفسه في قوله تعالى: ﴿وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود﴾ [الحج: ٢٦] . وهنا أضاف ربوبيته إليه قال: ﴿رب هذا البيت﴾ وإضافة الربوبية إليه على سبيل التشريف والتعظيم ﴿طهر بيتي للطائفين﴾ أضاف الله البيت إليه تشريفاً وتعظيماً، إذاً خصص البيت بالربوبية مرة، وأضافه إلى نفسة مرة أخرى تشريفاً وتعظيماً، وفي آية ثانية قال: ﴿إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها﴾ وبعدها قال: ﴿وله كل شيء﴾ احتراز من أن يتوهم واهم بأنه رب البلدة وحدها فقال: ﴿وله كل شيء﴾ ، ولكل مقام صيغة مناسبة، ففي قوله: ﴿إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء﴾ [النمل: ٩١] . مناسبة بيان عموم ملكه، لئلا يدعي المشركون أنه رب للبلدة فقط، أما هنا فالمقام مقام تعظيم للبيت فناسب ذكره وحده قوله: ﴿الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف﴾ ﴿الذي﴾ هذه صفة للرب، إذاً فمحلها النصب، ولهذا يحسن
стр. 317
أن تقف فتقول ﴿فليعبدوا رب هذا البيت﴾ ثم تقول: ﴿الذي أطعمهم﴾ لأنك لو وصلت فقلت: «رب هذا البيت الذي أطعمهم» لظن السامع أن «الذي» صفة للبيت، وهذا بعيد من المعنى ولا يستقيم به المعنى.
﴿الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف﴾ بين الله نعمته عليهم، النعمة الظاهرة والباطنة، فإطعامهم من الجوع وقاية من الهلاك في أمر باطن، وهو الطعام الذي يأكلونه، ﴿وآمنهم من خوف﴾ وقاية من الخوف في الأمر الظاهر؛ لأن الخوف ظاهر، إذا كانت البلاد محوطة بالعدو، وخاف أهلها وامتنعوا عن الخروج، وبقوا في ملاجئهم، فذكرهم الله بهذه النعمة، ﴿وآمنهم من خوف﴾ آمن مكان في الأرض هو مكة، ولذلك لا يُقطع شجرها، ولا يُحش حشيشها، ولا تُلتقط ساقطتها، ولا يصاد صيدها، ولا يسفك فيها دم، وهذه الخصائص لا توجد في البلاد الأخرى حتى المدينة، محرمة ولها حرم، لكن حرمها دون حرم مكة بكثير، حرم مكة لا يمكن أن يأتيه أحد من المسلمين لم يأتها ولا مرة إلا محرماً، والمدينة ليست كذلك، حرم مكة يحرم حشيشه وشجره مطلقاً، وأما حرم المدينة فرخص في بعض شجره للحرث ونحوه. صيد مكة حرام وفيه الجزاء، وصيد المدينة ليس فيه الجزاء، فأعظم مكان آمن هو مكة، حتى الأشجار آمنة فيه، وحتى الصيود آمنة فيه، ولولا أن الله تعالى يسر على عباده لكان حتى البهائم التي ليست صيوداً تحرم، لكن الله تعالى رحم العباد وأذن لهم أن يذبحوا وينحروا في هذا المكان. وهذه النعمة ذكرهم الله بها في قوله: ﴿أو لم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم﴾ [العنكبوت: ٦٧] . يعني أفلا يشكرون الله على هذا؟! فهذه السورة كلها تذكير لقريش بما أنعم الله عليهم في هذا البيت العظيم، وفي الأمن من
стр. 318
الخوف، وفي الإطعام من الجوع.
فإذا قال قائل: ما واجب قريش نحو هذه النعمة؟ وكذلك ما واجب من حلّ في مكة الان من قريش أو غيرهم؟
قلنا: الواجب الشكر لله تعالى بالقيام بطاعته، بامتثال أمره واجتناب نهيه. ولهذا إذا كثرت المعاصي في الحرم فالخطر على أهله أكثر من الخطر على غيرهم، لأن المعصية في مكان فاضل أعظم من المعصية في مكان مفضول، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾ [الحج: ٢٥] . فتوعد الله تعالى من أراد فيه أي من هم فيه بإلحاد فضلاً عمن ألحد. والواجب على المرء أن يذكر نعمة الله عليه في كل مكان، لا في مكة فحسب، فبلادنا ـ ولله الحمد ـ اليوم من آمن بلاد العالم، وهي من أشد بلاد العالم رغداً وعيشاً. أطعمنا الله تعالى من الجوع، وآمننا من الخوف، فعلينا أن نشكر هذه النعمة، وأن نتعاون على البر والتقوى، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى الدعوة إلى الله على بصيرة وتأنٍ وتثبت، وأن نكون إخوة متآلفين، والواجب علينا ولاسيما على طلبة العلم إذا اختلفوا فيما بينهم أن يجلسوا للتشاور، وللمناقشة الهادئة التي يقصد منها الوصول إلى الحق، ومتى تبين الحق للإنسان وجب عليه اتباعه، ولا يجوز أن ينتصر لرأيه؛ لأنه ليس مشرعاً معصوماً حتى يقول إن رأيه هو الصواب، وأن ما عداه هو الخطأ. الواجب على الإنسان المؤمن أن يكون كما أراد الله منه، ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً﴾ [الأحزاب: ٣٦] . أما كون الإنسان ينتصر لرأيه ويصر على ما هو عليه، ولو تبين له أنه باطل فهذا خطأ، وهذا من دأب المشركين الذين أبوا أن
стр. 319
يتبعوا الرسول وقالوا: ﴿إنا وجدنا أباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون﴾ [الزخرف: ٢٢] .
نسأل الله أن يديم علينا نعمة الإسلام، والأمن في الأوطان، وأن يجعلنا إخوة متآلفين على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إنه على كل شيء قدير.
стр. 320
تفسير سورة الماعون
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿أَرَءَيْتَ الَّذِى يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِى يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ .
البسملة تقدم الكلام عليها.
يقول الله ﵎: ﴿أرأيت الذي يكذب بالدين﴾ ﴿أرأيت﴾ الخطاب هل هو للرسول ﷺ لأنه الذي أنزل عليه القرآن؟ أو هو عام لكل من يتوجه إليه الخطاب؟ العموم أولى فنقول: ﴿أرأيت الذي﴾ عام لكل من يتوجه إليه الخطاب، ﴿أرأيت الذي يكذب بالدين﴾ أي بالجزاء، وهؤلاء هم الذين ينكرون البعث ويقولون: ﴿أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أإنا لمبعوثون. أوءاباؤنا الأولون﴾ [الصافات: ١٦، ١٧] . ويقول القائل منهم: ﴿من يحيي العظام وهي رميم﴾ [يس: ٧٨] . هؤلاء يكذبون بيوم الدين أي: بالجزاء. ﴿فذلك الذي يدع اليتيم. ولا يحض على طعام المسكين﴾ فجمع بين أمرين:
الأمر الأول: عدم الرحمة بالأيتام الذين هم محل الرحمة؛ لأن الأيتام هم الذين مات آباؤهم قبل أن يبلغوا، وهم محل الشفقة والرحمة؛ لأنهم فاقدون لابائهم فقلوبهم منكسرة يحتاجون إلى جابر. ولهذا وردت النصوص بفضل الإحسان إلى الأيتام. لكن هذا ـ والعياذ
стр. 321
بالله ـ ﴿يدع اليتيم﴾ أي: يدفعه بعنف، لأن الدع هو الدفع بعنف كما قال الله تعالى: ﴿يوم يدعون إلى نار جهنم دعًّا﴾ [الطور: ١٣] . أي: دفعاً شديداً، فتجد اليتيم إذا جاء إليه يستجديه شيئاً، أو يكلمه في شيء يحتقره ويدفعه بشدة فلا يرحمه.
الأمر الثاني: لا يحثون على رحمة الغير ﴿ولا يحض على طعام المسكين﴾ فالمسكين الفقير المحتاج إلى الطعام لا يحض هذا الرجل على إطعامه؛ لأن قلبه حجر قاسٍ، فقلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة. إذاً ليس فيه رحمة لا للأيتام ولا للمساكين، فهو قاسي القلب.
ثم قال : ﴿فويل للمصلين﴾ ويل: هذه كلمة وعيد وهي تتكرر في القرآن كثيراً، والمعنى الوعيد الشديد على هؤلاء، ﴿الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ هؤلاء مصلون يصلون مع الناس أو أفراداً لكنهم ﴿عن صلاتهم ساهون﴾ أي: غافلون عنها، لا يقيمونها على ما ينبغي، يؤخرونها عن الوقت الفاضل، لا يقيمون ركوعها، ولا سجودها، ولا قيامها، ولا قعودها، لا يقرأون ما يجب فيها من قراءة سواء كانت قرآناً أو ذكراً، إذا دخل في صلاته هو غافل، قلبه يتجول يميناً وشمالاً، فهو ساهٍ عن صلاته، وهذا مذموم، الذي يسهو عن الصلاة ويغفل عنها ويتهاون بها لا شك أنه مذموم. أما الساهي في صلاته فهذا لا يُلام، والفرق بينهما أن الساهي في الصلاة معناه أنه نسي شيئاً، نسي عدد الركعات، نسي شيئًا من الواجبات وما أشبه ذلك. ولهذا وقع السهو من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو أشد الناس إقبالاً على صلاته بل إنه قال ﵊: «جعلت قرة عيني في الصلاة» (١) ، ومع ذلك سهى في صلاته لأن السهو في الشيء
стр. 322
معناه أنه نسي شيئًا على وجه لا يلام عليه. أما الساهي عن صلاته فهو متعمد للتهاون في صلاته، ومن السهو عن الصلاة أولئك القوم الذين يدعون للصلاة مع الجماعة، فإنهم لا شك عن صلاتهم ساهون فيدخلون في هذا الوعيد. ﴿فويل للمصلين. الذين هم عن صلاتهم ساهون. الذين هم يرآءون﴾ أيضاً إذا فعلوا الطاعة فإنما يقصدون بها التزلف إلى الناس، وأن يكون لهم قيمة في المجتمع، ليس قصدهم التقرب إلى الله ، فهذا المرائي يتصدق من أجل أن يقول الناس ما أكرمه، هذا المصلي يحسن صلاته من أجل أن يقول الناس ما أحسن صلاته وما أشبه ذلك.
هؤلاء يراءون، فأصل العبادة لله، لكن يريدون مع ذلك أن يحمدهم الناس عليها، ويتقربون إلى الناس بتقربهم إلى الله، هؤلاء هم المراءون. أما من يصلي لأجل الناس بمعنى أنه يصلي بين يدي الملك مثلاً أو غيره يخضع له ركوعاً، أو سجوداً فهذا مشرك كافر قد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار. لكن هذا يصلي لله مع مراعاة أن يحمده الناس على عبادته، على أنه عابد لله . وهذا يقع كثيراً في المنافقين. كما قال الله تعالى: ﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً﴾ [النساء: ١٤٢] . انظر إلى هذا الوصف إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، إذاً هم عن صلاتهم ساهون. يراءون الناس. وهنا يقول الله : ﴿الذين هم يراؤن﴾ فهل الذين يسمّعون مثلهم؟ يعني إنسان يقرأ قرآنًا ويجهر بالقراءة ويحسن القراءة، ويحسن الأداء والصوت من أجل أن يقال ما أقرأه. هل يكون مثل الذي يرائي؟ الجواب: نعم كما جاء في الحديث، «من سمَّع سمَّع الله به، ومن راءى راءى الله به» (١) ، المعنى من سمّع فضحه الله
стр. 323
وبين للناس أن الرجل ليس مخلصاً، ولكنه يريد أن يسمعه الناس: فيمدحوه على عبادته، ومن راءى كذلك راءى الله به، فالإنسان الذي يرائي الناس، أو يسمّع الناس سوف يفضحه الله، وسوف يتبين أمره إن عاجلاً أم آجلاً. ﴿ويمنعون الماعون﴾ أي: يمنعون ما يجب بذله من المواعين وهي الأواني، يعني يأتي الإنسان إليهم يستعير آنية. يقول: أنا محتاج إلى دلو، أو محتاج إلى إناء أشرب به، أو محتاج إلى مصباح كهرباء وما أشبه ذلك، فيمنع. فهذا أيضاً مذموم. ومنع الماعون ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: قسم يأثم به الإنسان.
القسم الثاني: قسم لا يأثم به، لكن يفوته الخير.
فما وجب بذله فإن الإنسان يأثم بمنعه، وما لم يجب بذله فإن الإنسان لا يأثم بمنعه لكن يفوته الخير. مثال ذلك: إنسان جاءه رجل مضطر يقول: أعطني ماءً أشربه، فإن لم أشرب مت، فبذل الإناء له واجب يأثم بتركه الإنسان، حتى إن بعض العلماء يقول: لو مات هذا الإنسان فإنه يضمنه بالدية، لأنه هو سبب موته ويجب عليه بذل ما طلبه.
فيجب على المرء أن ينظر في نفسه هل هو ممن اتصف بهذه الصفات أو لا؟ إن كان ممن اتصف بهذه الصفات قد أضاع الصلاة وسها عنها، ومنع الخير عن الغير فليتب وليرجع إلى الله، وإلا فليبشر بالويل ـ والعياذ بالله ـ وإن كان قد تنزه عن ذلك فليبشر بالخير، والقرآن الكريم ليس المقصود منه أن يتلوه الإنسان، ليتعبد لله تعالى
стр. 324
بتلاوته فقط، المقصود أن يتأدب به ولهذا قالت عائشة ﵂: «إن النبي ﷺ كان خلقه القرآن» . (١) خُلقه يعني أخلاقه التي يتخلق بها يأخذها من القرآن. وفقنا الله لما فيه الخير والصلاح في الدنيا والآخرة. إنه على كل شيء قدير.
стр. 325
تفسير سورة الكوثر
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الَاْبْتَرُ﴾ .
البسملة تقدم الكلام عليها.
هذه السورة قيل إنها مكية، وقيل: إنها مدنية. والمكي هو الذي نزل قبل هجرة النبي ﷺ إلى المدينة سواء نزل في مكة، أو في المدينة، أو في الطريق في السفر، فكل ما نزل بعد الهجرة فهو مدني، وما نزل قبلها فهو مكي، هذا هو القول الراجح من أقوال العلماء، يقول الله مخاطباً النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ الكوثر: في اللغة العربية هو الخير الكثير. وهكذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أعطاه الله تعالى خيراً كثيراً في الدنيا والآخرة. فمن ذلك النهر العظيم الذي في الجنة والذي يصبّ منه ميزابان على حوضه المورود ﷺ ، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى مذاقاً من العسل، (وأطيب رائحة من المسك) (١) ، وهذا الحوض في القيامة في عرصات القيامة يرده المؤمنون من أمة النبي ﷺ . وآنيته كنجوم السماء كثرة وحسناً (٢) ، فمن كان وارداً على شريعته في الدنيا
стр. 326
كان وارداً على حوضه في الآخرة، ومن لم يكن وارداً على شريعته فإنه محروم منه في الآخرة.
ومن الخيرات الكثيرة التي أعطيها النبي ﷺ في الدنيا ما ثبت في الصحيحين من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أعطيت خمساً لم يُعطهن أحداً من الأنبياء قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجلاً من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأعطيت الشفاعة، وأحلت لي المغانم، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبُعثت إلى الناس عامة» (١) . هذا من الخير الكثير، لأن بعثه إلى الناس عامة يستلزم أن يكون أكثر الأنبياء اتباعاً وهو كذلك فهو أكثرهم أتباعاً ﵊، ومن المعلوم أن الدال على الخير كفاعل الخير، والذي دل هذه الأمة العظيمة التي فاقت الأمم كثرة هو محمد ﷺ ، وعلى هذا فيكون للرسول ﵊ من أجر كل واحد من أمته نصيب. ومن يحصي الأمة إلا الله ، ومن الخير الذي أعطيه في الآخرة المقام المحمود، ومنه الشفاعة العظمى، فإن الناس في يوم القيامة يلحقهم من الكرب والغم ما لا يطيقون، فيطلبون الشفاعة، فيأتون إلى آدم، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى عليهم الصلاة والسلام حتى تصل إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيقوم ويشفع، ويقضي الله تعالى بين العباد بشفاعته (٢) ، وهذا مقام يحمده عليه الأولون والآخرون وداخل في قوله تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً﴾ [الإسراء: ٧٩] .
إذاً الكوثر يعني الخير الكثير، ومنه النهر الذي في الجنة، فالنهر الذي في الجنة هو الكوثر لا شك، ويسمى كوثراً لكنه ليس هو فقط الذي أعطاه
стр. 327
الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الخير، ولما ذكر منته عليه بهذا الخير الكثير قال: ﴿فصل لربك وانحر﴾ شكراً لله على هذه النعمة العظيمة، أن تصلي وتنحر لله، والمراد بالصلاة هنا جميع الصلوات، وأول ما يدخل فيها الصلاة المقرونة بالنحر وهي صلاة عيد الأضحى لكن الآية شاملة عامة ﴿فصل لربك﴾ الصلوات المفروضة والنوافل. صلوات العيد والجمعة ﴿وانحر﴾ أي: تقرب إليه بالنحر، والنحر يختص بالإبل، والذبح للبقر والغنم، لكنه ذكر النحر، لأن الإبل أنفع من غيرها بالنسبة للمساكين، ولهذا أهدى النبي ﷺ في حجة الوداع مائة بعير، ونحر منها ثلاثة وستين بيده، وأعطى علي بن أبي طالب ﵁ الباقي فنحرها. وتصدق بجميع أجزائها إلا بضعة واحدة من كل ناقة، فأخذها وجعلت في قدر، فطبخها فأكل من لحمها، وشرب من مرقها، وأمر بالصدقة حتى بجلالها وجلودها (١) ﵊، والأمر في الآية أمر له وللأمة، فعلينا أن نخلص الصلاة لله، وأن نخلص النحر لله كما أُمر بذلك نبينا ﷺ ثم قال ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾ هذا في مقابل إعطاء الكوثر قال: ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾ ﴿شانئك﴾ أي مبغضك، والشنئان هو البغض، ومنه قوله تعالى: ﴿ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا﴾ [المائدة: ٢] . أي: لا يحملنكم بغضهم أن تعتدوا. ﴿ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا﴾ [المائدة: ٨] .
أي: لا يحملنكم بغضهم على ترك العدل ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ فشانئك في قوله: ﴿إن شانئك﴾ يعني مبغضك ﴿هو الأبتر﴾ الأبتر: اسم تفضيل من بتر
стр. 328
بمعنى قطع، يعني هو الأقطع. المنقطع من كل خير، وذلك أن كفار قريش يقولون: محمد أبتر، لا خير فيه ولا بركة فيه ولا في اتباعه، أبتر لما مات ابنه القاسم ﵁ قالوا: محمد أبتر، لا يولد له، ولو ولد له فهو مقطوع النسل، فبين الله أن الأبتر هو مبغض الرسول ﵊ فهو الأبتر المقطوع عن كل خير. الذي ليس فيه بركة، وحياته ندامة عليه، وإذا كان هذا في مبغضه فهو أيضاً في مبغض شرعه. فمن أبغض شريعة الرسول ﵊، أو أبغض شعيرة من شعائر الإسلام، أو أبغض أي طاعة مما يتعبد به الناس في دين الإسلام فإنه كافر، خارج عن الدين لقول الله تعالى: ﴿ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم﴾ [محمد: ٩] . ولا حبوط للعمل إلا بالكفر، فمن كره فرض الصلوات فهو كافر ولو صلى، ومن كره فرض الزكاة فهو كافر ولو زكى، لكن من استثقلها مع عدم الكراهة فهذا فيه خصلة من خصال النفاق لكنه لا يكفر. وفرق بين من استثقل الشيء ومن كره الشيء.
إذاً هذه السورة تضمنت بيان نعمة الله على رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بإعطائه الخير الكثير، ثم الأمر بالإخلاص لله في الصلوات والنحر، وكذلك في سائر العبادات، ثم بيان أن من أبغض الرسول ﵊، أو أبغض شيئاً من شريعته فإنه هو الأقطع الذي لا خير فيه ولا بركة فيه، نسأل الله العافية والسلامة.
стр. 329
تفسير سورة الكافرون
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿قُلْ يأَيُّهَا الْكَفِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلَا أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلَا أَنتُمْ عَبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ .
البسملة تقدم الكلام عليها.
هذه السورة هي إحدى سورتي الإخلاص، لأن سورتي الإخلاص ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾ وكان النبي ﷺ يقرأ بهما في سُنة الفجر (١) وفي سنة المغرب (٢) ، وفي ركعتي الطواف (٣) لما تضمنتاه من الإخلاص لله ، والثناء عليه بالصفات الكاملة في سورة ﴿قل هو الله أحد﴾ . ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ يناديهم يعلن لهم بالنداء ﴿يا أيها الكافرون﴾ وهذا يشمل كل كافر سواء كان من المشركين، أو من اليهود، أو من النصارى، أو من الشيوعيين أو من غيرهم. كل كافر يجب أن تناديه بقلبك أو بلسانك إن كان حاضراً لتتبرأ منه ومن عبادته ﴿قل يا أيها الكافرون. لا أعبد ما تعبدون. ولا أنتم
стр. 330
عابدون ما أعبد. ولا أنا عابد ما عبدتم. ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ كُررت الجمل على مرتين مرتين ﴿لا أعبد ما تعبدون﴾ أي: لا أعبد الذين تعبدونهم، وهم الأصنام ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ وهو الله، و «ما» هنا في قوله: ﴿ما أعبد﴾ بمعنى «من» لأن اسم الموصول إذا عاد إلى الله فإنه يأتي بلفظ «من» ﴿لا أعبد ما تعبدون.
ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ يعني: أنا لا أعبد أصنامكم وأنتم لا تعبدون الله. ﴿ولا أنا عابد ما عبدتم. ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ قد يظن الظان أن هذه مكررة للتوكيد، وليس كذلك لأن الصيغة مختلفة ﴿لا أعبد ما تعبدون﴾ فعل. ﴿ولا أنا عابد ما عبدتم﴾ «عابد» و «عابدون» اسم، والتوكيد لابد أن تكون الجملة الثانية كالأولى. إذاً القول بأنه كرر للتوكيد ضعيف، إذاً لماذا هذا التكرار؟
قال بعض العلماء: ﴿لا أعبد ما تعبدون﴾ أي: الآن ﴿ولا أنا عابد ما عبدتم﴾ في المستقبل، فصار ﴿لا أعبد ما تعبدون﴾ أي: في الحال، ﴿ولا أنا عابد ما عبدتم﴾ يعني في المستقبل؛ لأن الفعل المضارع يدل على الحال، واسم الفاعل يدل على الاستقبال. بدليل أنه عمل، واسم الفاعل لا يعمل إلا إذا كان للاستقبال، ﴿لا أعبد ما تعبدون﴾ الان ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ يعني الان. ﴿ولا أنا عابد ما عبدتم﴾ يعني في المستقبل ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ يعني في المستقبل.
لكن أورد على هذا القول إيراد كيف قال: ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ مع أنهم قد يؤمنون فيعبدون الله؟! وعلى هذا فيكون في هذا القول نوع من الضعف.
وأجابوا عن ذلك بأن قوله: ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ يخاطب المشركين الذين عَلِم الله تعالى أنهم لن يؤمنوا. فيكون الخطاب ليس
стр. 331
عامًّا، وهذا مما يضعف القول بعض الشيء.
فعندنا الآن قولان:
الأول: إنها توكيد.
والثاني: إنها في المستقبل.
القول الثالث: ﴿لا أعبد ما تعبدون﴾ أي: لا أعبد الأصنام التي تعبدونها. ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ أي: لا تعبدون الله. ﴿ولا أنا عابد ما عبدتم. ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ أي: في العبادة يعني ليست عبادتي كعبادتكم، ولا عبادتكم كعبادتي، فيكون هذا نفي للفعل لا للمفعول به، يعني ليس نفيًا للمعبود. لكنه نفي للعبادة أي لا أعبد كعبادتكم، ولا تعبدون أنتم كعبادتي، لأن عبادتي خالصة لله، وعبادتكم عبادة شرك.
القول الرابع: واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١) أن قوله ﴿لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ هذا الفعل. فوافق القول الأول في هذه الجملة. ﴿ولا أنا عابد ما عبدتم. ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ أي: في القبول، بمعنى ولن أقبل غير عبادتي، ولن أقبل عبادتكم، وأنتم كذلك لن تقبلوا. فتكون الجملة الأولى عائدة على الفعل. والجملة الثانية عائدة على القبول والرضا، يعني لا أعبده ولا أرضاه، وأنتم كذلك. لا تعبدون الله ولا ترضون بعبادته.
وهذا القول إذا تأملته لا يرد عليه شيء من الهفوات السابقة، فيكون قولاً حسناً جيداً، ومن هنا نأخذ أن القرآن الكريم ليس فيه شيء مكرر لغير فائدة إطلاقاً، ليس فيه شيء مكرر إلا وله فائدة. لأننا لو
стр. 332
قلنا: إن في القرآن شيئاً مكرراً بدون فائدة لكان في القرآن ما هو لغو، وهو منزه عن ذلك، وعلى هذا فالتكرار في سورة الرحمن ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ وفي سورة المرسلات ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ تكرار لفائدة عظيمة، وهي أن كل آية مما بين هذه الآية المكررة، فإنها تشمل على نعم عظيمة، وآلاء جسيمة، ثم إن فيها من الفائدة اللفظية التنبيه للمخاطب حيث يكرر عليه ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ويكرر عليه ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ .
ثم قال : ﴿لكم دينكم ولي دين﴾ ﴿لكم دينكم﴾ الذي أنتم عليه وتدينون به. ولي ديني، فأنا برىء من دينكم، وأنتم بريئون من ديني.
قال بعض أهل العلم: وهذه السورة نزلت قبل فرض الجهاد؛ لأنه بعد الجهاد لا يقر الكافر على دينه إلا بالجزية إن كانوا من أهل الكتاب. وعلى القول الراجح أو من غيرهم.
ولكن الصحيح أنها لا تنافي الأمر بالجهاد حتى نقول إنها منسوخة، بل هي باقية ويجب أن نتبرأ من دين اليهود والنصارى والمشركين، في كل وقت وحين، ولهذا نقر اليهود والنصارى على دينهم بالجزية، ونحن نعبد الله، وهم يعبدون ما يعبدون، فهذه السورة فيها البراءة والتخلي من عبادة غير الله ، سواء في المعبود أو في نوع الفعل، وفيها الإخلاص لله ، وأن لا نعبد إلا الله وحده لا شريك له. وإلى هنا ينتهي ما تيسر من الكلام على هذه السورة.
стр. 333
تفسير سورة النصر
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ اللَّهِ أَفْوَجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوِبَا﴾ .
البسملة تقدم الكلام عليها.
﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ﴿نصر الله﴾ النصر هو تسليط الله الإنسان على عدوه بحيث يتمكن منه ويخذله ويكبته، والنصر أعظم سرور يحصل للعبد في أعماله، لأن المنتصر يجد نشوة عظيمة، وفرحاً وطرباً، لكنه إذا كان بحق فهو خير، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «نصرت بالرعب مسيرة شهر» (١) أي أن عدوه مرعوب منه إذا كان بينه وبينه مسافة شهر، والرعب أشد شيء يفتك بالعدو، لأن من حصل في قلبه الرعب لا يمكن أن يثبت أبداً، بل سيطير طيران الريح فقوله: ﴿إذا جاء نصر الله﴾ أي نصر الله إياك على عدوك ﴿والفتح﴾ معطوف على النصر، وعطفه على النصر مع أن الفتح من النصر تنويه بشأنه، وهو من باب عطف الخاص على العام، كقوله تعالى: ﴿تنزل الملائكة والروح فيها﴾ [القدر: ٤] . أي في ليلة القدر فجبريل من الملائكة وخصه لشرفه، و (ال) في الفتح للعهد الذهني، أي: الفتح المعهود المعروف في أذهانكم، وهو فتح مكة، وكان فتح مكة في رمضان من السنة الثامنة للهجرة، وسببه
стр. 334
أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما صالح قريشاً في الحديبية في السنة السادسة ـ الصلح المشهور ـ نقضت قريش العهد فغزاهم النبي ﷺ وخرج إليهم من المدينة بنحو عشرة آلاف مقاتل خرج مختفياً وقال: «اللهم عمي أخبارنا عنهم» (١)
فلم يفاجأهم إلا وهو محيط بهم ودخل مكة في العشرين من رمضان، من السنة الثامنة للهجرة، مظفراً منصوراً مؤيداً، حتى إنه في النهاية اجتمع إليه كفار قريش حول الكعبة فوقف على الباب وقريش تحته ينتظرون ما يفعل، فأخذ بعضادتي الباب وقال: يا معشر قريش، ما تظنون أني فاعل بكم؟ وهو الذي كان قبل ثمان سنوات هارباً منهم وصاروا الآن في قبضته وتحت تصرفه، قال: ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: فإني أقول لكم كما قال يوسف لأخوته ﴿لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم﴾ [يوسف: ٩٢] . اذهبوا فأنتم الطلقاء (٢) ، فعفى عنهم ﵊، هذا الفتح سماه الله فتحاً مبيناً، فقال تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾ [الفتح: ١] أي بيناً عظيماً واضحاً، ولما حصل عرف الناس جميعاً أن العاقبة لمحمد ﷺ وأن دور قريش واتباعها قد انقضى فصار الناس ﴿يدخلون في دين الله أفواجاً﴾ أي جماعات بعد أن كانوا يدخلون فيه أفراداً، ولا يدخل فيه الإنسان في بعض الأحوال إلا مختفياً، وصاروا يدخلون في دين الله أفواجاً، وصارت الوفود ترد على النبي ﵊ في المدينة من كل جانب حتى سمي العام التاسع (عام الوفود) يقول الله إذا رأيت هذه العلامة ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره﴾ كان المتوقع أن يكون الجواب فاشكر الله على
стр. 335
هذه النعمة واحمد الله عليها ولكن ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره﴾ وهذا نظير قوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلاً. فاصبر لحكم ربك﴾ [الإنسان: ٢٣، ٢٤] .
كان المتوقع فاشكر ربك على هذا التنزيل وقم بحقه، ولكن قال: ﴿فاصبر لحكم ربك﴾ إيذاناً بأنه سوف ينال أذىً بواسطة إبلاغ هذا القرآن ونشره بين الأمة ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره﴾ عند التأمل تتبين الحكمة فالمعنى أنه إذا جاء نصر الله والفتح فقد قرب أجلك وما بقي عليك إلا التسبيح بحمد ربك والاستغفار ﴿فسبح بحمد ربك﴾ أي سبحه تسبيحاً مقروناً بالحمد. والتسبيح: تنزيه الله تعالى عما لا يليق بجلاله. والحمد: هو الثناء عليه بالكمال مع المحبة والتعظيم. اجمع بين التنزيه وبين الحمد ﴿واستغفره﴾ يعني اسأله المغفرة. فأمره الله تعالى بأمرين:
الأمر الأول: التسبيح المقرون بالحمد.
والثاني: الاستغفار. والاستغفار هو طلب المغفرة. والمغفرة ستر الله تعالى على عبده ذنوبه مع محوها والتجاوز عنها. وهذا غاية ما يريد العبد، لأن العبد كثير الذنب يحتاج إلى مغفرة إن لم يتغمده الله برحمته هلك، ولهذا قال النبي ﵊: «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته» (١) . لأن عملك هذا لو أردت أن تجعله في مقابلة نعمة من النعم، نعمة واحدة لأحاطت به النعم، فكيف يكون عوضاً تدخل به الجنة؟ ولهذا قال بعض العارفين في نظم له:
стр. 336
إذا كان بشكري نعمة الله نعمة
علي له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله
وإن طالت الأيام واتصل العمر
﴿إنه كان تواباً﴾ أي: لم يزل تواباً على عباده، فإذا استغفرته تاب عليك، هذا هو معنى السورة.
لكن السورة لها مغزى عظيم لا يتفطن له إلا الأذكياء، ولهذا لما سمع عمر بن الخطاب ﵁ أن الناس انتقدوه في كونه يُدني عبد الله بن عباس ﵄ مع صغر سنه ولا يدني أمثاله من شباب المسلمين، وعمر ﵁ من أعدل الخلفاء أراد أن يبين للناس أنه لم يحابِ ابن عباس في شيء، فجمع كبار المهاجرين والأنصار في يوم من الأيام ومعهم عبد الله بن عباس وقال لهم: ما تقولون في هذه السورة ﴿إذاجاء نصر الله والفتح﴾ حتى ختم السورة ففسروها بحسب ما يظهر فقط، فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وقال بعضهم: لا ندري، ولم يقل بعضهم شيئاً. فقال: ما تقول ياابن عباس قال: يا أمير المؤمنين هو أجل رسول الله ﷺ ، أعلمه الله له: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ فتح مكة فذاك علامة أجلك، ﴿ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً. فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً﴾ فقال عمر: «والله ما أعلم منها إلا ما تعلم» (١) . فتبين بذلك فضل ابن عباس وتميزه، وأن عنده من الذكاء والمعرفة بمراد الله .
لما نزلت هذه السورة جعل رسول الله ﷺ الذي هو أشد الناس عبادة لله وأتقاهم لله جعل يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده:
стр. 337
«سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» (١) . فنقول: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
стр. 338
تفسير سورة المسد
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِى جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ .
البسملة تقدم الكلام عليها.
هذا القرآن فيه من الدلالات الكثيرة ما يدل دلالة واضحة على أن رسول الله ﷺ حق، ليس يدعو لملك ولا لجاه، ولا لرئاسة قومه، وأعمام الرسول ﵊ انقسموا في معاملته ومعاملة ربه إلى ثلاثة أقسام:
قسم آمن به وجاهد معه، وأسلم لله رب العالمين.
وقسم ساند وساعد، لكنه باق على الكفر.
وقسم عاند وعارض، وهو كافر.
فأما الأول: فالعباس بن عبد المطلب، وحمزة بن عبد المطلب. والثاني: أفضل من الأول؛ لأن الثاني من أفضل الشهداء عند الله ، ووصفه النبي ﵊ بأنه أسد الله، وأسد رسوله (١) ، واستشهد ﵁ في أحد في السنة الثانية من الهجرة (٢) .
стр. 339
أما الذي ساند وساعد مع بقائه على الكفر فهو أبو طالب، فأبو طالب قام مع النبي ﷺ خير قيام في الدفاع عنه ومساندته ولكنه ـ والعياذ بالله ـ قد سبقت له كلمة العذاب، لم يُسلم حتى في آخر حياته في آخر لحظة من الدنيا عرض عليه النبي ﷺ أن يسلم لكنه أبى بل ومات على قوله: إنه على ملة عبد المطلب، (١) فشفع له النبي ﵊ حتى كان في ضحضاح من نار، وعليه نعلان يغلي منهما دماغه (٢) .
أما الثالث: الذي عاند وعارض فهو أبو لهب. أنزل الله فيه سورة كاملة تُتلى في الصلوات فرضها ونفلها، في السر والعلن، يُثاب المرء على تلاوتها، على كل حرف عشر حسنات. يقول الله : ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾ وهذا رد على أبي لهب حين جمعهم النبي ﷺ ليدعوهم إلى الله فبشر وأنذر، قال أبو لهب: تبًّا لك ألهذا جمعتنا (٣) ، قوله: «ألهذا جمعتنا» إشارة للتحقير، يعني هذا أمر حقير لا يحتاج أن يُجمع له زعماء قريش وهذا كقوله: ﴿أهذا الذي يذكر آلهتكم﴾ [الآنبياء: ٣٦] . والمعنى تحقيره، فليس بشيء ولا يهتم به كما قالوا: ﴿وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾ [الزخرف: ٣١] . فالحاصل أن أبا لهب قال: تبًّا لك ألهذا جمعتنا، فرد الله عليه بهذه السورة: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾ والتباب الخسار. كما قال تعالى: ﴿وما كيد فرعون إلا في تباب﴾ [غافر: ٣٧] . أي: خسار. وبدأ بيديه قبل
стр. 340
ذاته؛ لأن اليدين هما آلتا العمل والحركة، والأخذ والعطاء وما أشبه ذلك. وهذا اللقب أبو لهب، لقب مناسب تماماً لحاله ومآله، وجه المناسبة أن هذا الرجل سوف يكون في نار تلظى، تتلظى لهباً عظيماً مطابقة لحاله ومآله. يقول الشاعر:
قل إن أبصرت عيناك ذا لقب
إلا ومعناه إن فكرت في لقبه
ولما أقبل سهيل بن عمرو في قصة غزوة الحديبية قال الرسول ﷺ : «هذا سهيل بن عمرو، وما أراه إلا سهل لكم من أمركم» (١) ، لأن الاسم مطابق للفعل. يقول الله : ﴿ما أغنى عنه ماله﴾ «ما» هذه يحتمل أن تكون استفهامية والمعنى: أي شيء أغنى عنه ماله وما كسب؟ والجواب: لا شيء، ويحتمل أن تكون (ما) نافية. أي ما أغنى عنه، أي لم يغنِ عنه ماله وما كسب شيئاً، وكلا المعنيين متلازمان، ومعناهما: أن ماله وما كسب لم يغنِ عنه شيئاً، مع أن العادة أن المال ينفع، فالمال يفدي به الآنسان نفسه لو تسلط عليه عدو وقال: أنا أعطيك كذا وكذا من المال وأطلقني، يطلقه، لكن قد يطلب مالاً كثيراً أو قليلاً، ولو مرض انتفع بماله، ولو جاع انتفع بماله، فالمال ينفع، لكن النفع الذي لا ينجي صاحبه من النار، ليس بنفع. ولهذا قال: ﴿ما أغنى عنه ماله﴾ . يعني من الله شيئاً قوله: ﴿وما كسب﴾ قيل المعنى: وما كسب من الولد. كأنه قال: ما أغنى عنه ماله وولده. كقول نوح: ﴿واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خساراً﴾ [نوح: ٢١] . فجعلوا قوله: ﴿وما كسب﴾ يعني بذلك الولد. وأيدوا هذا القول بقول النبي ﷺ : «إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم» (٢) .
стр. 341
والصواب أن الآية أعم من هذا، وأن الآية تشمل الأولاد، وتشمل المال المكتسب الذي ليس في يده الآن، وتشمل ما كسبه من شرف وجاه. كل ما كسبه مما يزيده شرفاً وعزًّا فإنه لا يُغني عنه شيئاً ﴿ما أغنى عنه ماله وما كسب﴾ . ﴿سيصلى ناراً ذات لهب﴾ السين في قوله: ﴿سيصلى﴾ للتنفيس المفيد للحقيقة والقرب. يعني أن الله تعالى توعده بأنه سيصلى ناراً ذات لهب عن قريب؛ لأن متاع الدنيا والبقاء في الدنيا مهما طال فإن الآخرة قريبة، حتى الناس في البرزخ وإن مرت عليهم السنون الطوال فكأنها ساعة ﴿كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون﴾ [الأحقاف: ٣٥] . وشيء مقدر بساعة من نهار فإنه قريب. ﴿وامرأته حمالة الحطب﴾ يعني كذلك امرأته معه، وهي امرأة من أشراف قريش لكن لم يغنِ عنها شرفها شيئاً لكونها شاركت زوجها في العداء والإثم، والبقاء على الكفر. وقوله: ﴿حمالة الحطب﴾ قُرأت بالنصب والرفع، أما النصب فإنها تكون حالاً لامرأة، يعني وامرأته حال كونها حمالة الحطب. أو تكون منصوبة على الذم لأن النعت المقطوع يجوز نصبه على الذم. أي أذم حمالة الحطب. وأما على قراءة الرفع فهي صفة لامرأة ﴿حمالة الحطب﴾ ﴿حمالة﴾ صيغة مبالغة أي تحمله بكثرة، وذكروا أنها تحمل الحطب الذي فيه الشوك وتضعه في طريق النبي ﷺ من أجل أذى الرسول ﷺ . ﴿في جيدها حبل من مسد﴾ الجيد: العنق، والحبل معروف، والمسد: الليف.
يعني أنها متقلدة حبلاً من الليف تخرج به إلى الصحراء لتربط به الحطب الذي تأتي به لتضعه في طريق النبي ﷺ ، نعوذ بالله من ذلك، وهو إشارة إلى دنو نظرتها، وأنها أهانت نفسها، امرأة من قريش من أكابر قبائل قريش
стр. 342
تخرج إلى الصحراء وتضع هذا الحبل في عنقها، وهو من الليف مع ما فيه من المهانة، لكن من أجل أذية الرسول ﵊. نسأل الله العافية. وبهذا ينتهي الكلام بما يسر الله على هذه السورة.
стр. 343
تفسير سورة الإخلاص
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ .
البسملة سبق الكلام عليها.
ذكر في سبب نزول هذه السورة: أن المشركين أو اليهود قالوا للنبي ﷺ : صف لنا ربك؟ فأنزل الله هذه السورة (١) .
﴿قل﴾ الخطاب للرسول ﵊، وللأمة أيضاً و ﴿هو الله أحد﴾ ﴿هو﴾ ضمير الشأن عند المعربين. ولفظ الجلالة ﴿الله﴾ هو خبر المبتدأ و ﴿أحد﴾ خبر ثان. ﴿الله الصمد﴾ جملة مستقلة. ﴿الله أحد﴾ أي هو الله الذي تتحدثون عنه وتسألون عنه ﴿أحد﴾ أي: متوحد بجلاله وعظمته، ليس له مثيل، وليس له شريك، بل هو متفرد بالجلال والعظمة . ﴿الله الصمد﴾ جملة مستقلة، بين الله تعالى أنه ﴿الصمد﴾ أجمع ما قيل في معناه: أنه الكامل في صفاته، الذي افتقرت إليه جميع مخلوقاته. فقد روي عن ابن عباس أن الصمد هو الكامل في علمه، الكامل في حلمه، الكامل في عزته، الكامل في قدرته، إلى آخر ما ذكر في الأثر (٢) . وهذا يعني أنه مستغنٍ عن جميع
стр. 344
المخلوقات لأنه كامل، وورد أيضاً في تفسيرها أن الصمد هو الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجها، وهذا يعني أن جميع المخلوقات مفتقرة إليه، وعلى هذا فيكون المعنى الجامع للصمد هو: الكامل في صفاته الذي افتقرت إليه جميع مخلوقاته. ﴿لم يلد﴾ لأنه جل وعلا لا مثيل له، والولد مشتق من والده وجزء منه كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في فاطمة: «إنها بَضْعَةٌ مني» (١) ، والله جل وعلا لا مثيل له، ثم إن الولد إنما يكون للحاجة إليه إما في المعونة على مكابدة الدنيا، وإما في الحاجة إلى بقاء النسل. والله مستغنٍ عن ذلك. فلهذا لم يلد لأنه لا مثيل له؛ ولأنه مستغنٍ عن كل أحد .
وقد أشار الله إلى امتناع ولادته أيضاً في قوله تعالى: ﴿أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم﴾ [الأنعام: ١٠١] . فالولد يحتاج إلى صاحبة تلده، وكذلك هو خالق كل شيء، فإذا كان خالق كل شيء فكل شيء منفصل عنه بائن منه. وفي قوله: ﴿لم يلد﴾ رد على ثلاث طوائف منحرفة من بني آدم، وهم: المشركون، واليهود، والنصارى، لأن المشركين جعلوا الملائكة الذين هم عبادالرحمن إناثاً، وقالوا: إن الملائكة بنات الله. واليهود قالوا: عزير ابن الله. والنصارى قالوا: المسيح ابن الله. فكذبهم الله بقوله: ﴿لم يلد ولم يولد﴾ لأنه هو الأول الذي ليس قبله شيء، فكيف يكون مولوداً؟! ﴿ولم يكن له كفواً أحد﴾ أي لم يكن له أحد مساوياً في جميع صفاته، فنفى الله عن نفسه أن يكون والداً، أو مولوداً، أو له مثيل، وهذه
стр. 345
السورة لها فضل عظيم. قال النبي ﷺ : «إنها تعدل ثلث القرآن» (١) ، لكنها تعدله ولا تقوم مقامه، فهي تعدل ثلث القرآن لكن لا تقوم مقام ثلث القرآن. بدليل أن الإنسان لو كررها في الصلاة الفريضة ثلاث مرات لم تكفه عن الفاتحة، مع أنه إذا قرأها ثلاث مرات فكأنما قرأ القرآن كله، لكنها لا تجزىء عنه، ولا تستغرب أن يكون الشيء معادلاً للشيء ولا يجزىء عنه. فها هو النبي ﵊ أخبر أن من قال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، فكأنما أعتق أربعة أنفس من بني إسماعيل، أو من ولد إسماعيل» (٢) ،
ومع ذلك لو كان عليه رقبة كفارة، وقال هذا الذكر، لم يكفه عن الكفارة فلا يلزم من معادلة الشيء للشيء أن يكون قائماً مقامه في الإجزاء.
هذه السورة كان الرسول ﵊ يقرأ بها في الركعة الثانية في سنة الفجر (٣) ، وفي سنة المغرب (٤) ، وفي ركعتي الطواف (٥) ، وكذلك يقرأ بها في الوتر (٦) ، لأنها مبنية على الإخلاص التام لله، ولهذا تسمى سورة الإخلاص.
стр. 346
تفسير سورة الفلق
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ النَّفَّثَتِ فِى الْعُقَدِ * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ .
البسملة تقدم الكلام عليها.
﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ رب الفلق هو الله، والفلق: الإصباح. ويجوز أن يكون أعم من ذلك أن الفلق كل ما يفلقه الله تعالى من الإصباح، والنوى، والحب. كما قال الله تعالى: ﴿إن الله فالق الحب والنوى﴾ وقال: ﴿فالق الإصباح﴾ . ﴿من شر ما خلق﴾ أي من شر جميع المخلوقات ومنه النفس، لأن النفس أمارة بالسوء، فإذا قلت من شر ما خلق فأول ما يدخل فيه نفسك، كما جاء في خطبة الحاجة «نعوذ بالله من شرور أنفسنا» (١) ، وقوله: ﴿من شر ما خلق﴾ يشمل شياطين الإنس والجن والهوام وغير ذلك. ﴿ومن شر غاسق إذا وقب﴾ الغاسق قيل: إنه الليل. وقيل: إنه القمر، والصحيح إنه عام لهذا وهذا، أما كونه الليل، فلأن الله تعالى قال: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل﴾ [الإسراء: ٧٨] . والليل تكثر فيه الهوام والوحوش، فلذلك استعاذ من شر الغاسق أي: الليل.
وأما القمر فقد جاء في الحديث عن النبي ﵊ أن النبي ﷺ أرى عائشة القمر. وقال: «هذا هو الغاسق» (٢) ، وإنما
стр. 347
كان غاسقاً لأن سلطانه يكون في الليل. وقوله: ﴿من شر غاسق إذا وقب﴾ هو معطوف على ﴿من شر ما خلق﴾ من باب عطف الخاص على العام، لأن الغاسق من مخلوقات الله وقوله: ﴿إذا وقب﴾ أي: إذا دخل. فالليل إذا دخل بظلامه غاسق، وكذلك القمر إذا أضاء بنوره فإنه غاسق، ولا يكون ذلك إلا بالليل. ﴿ومن شر النفاثات في العقد﴾ ﴿النفاثات في العقد﴾ هن الساحرات. يعقدن الحبال وغيرها، وتنفث بقراءة مطلسمة فيها أسماء الشياطين على كل عقدة تعقد ثم تنفث، تعقد ثم تنفث، تعقد ثم تنفث، وهي بنفسها الخبيثة تريد شخصاً معيناً، فيؤثر هذا السحر بالنسبة للمسحور. وذكر الله النفاثات دون النفاثين؛ لأن الغالب أن الذي يستعمل هذا النوع من السحر هن النساء، فلهذا قال: ﴿النفاثات في العقد﴾ ويحتمل أن يقال: إن النفاثات يعني الأنفس النفاثات فيشمل الرجال والنساء. ﴿ومن شر حاسد إذا حسد﴾ الحاسد هو الذي يكره نعمة الله على غيره، فتجده يضيق ذرعاً إذا أنعم الله على هذا الإنسان بمال، أو جاه، أو علم أو غير ذلك. فيحسده ولكن الحسّاد نوعان: نوع يحسد ويكره في قلبه نعمة الله على غيره، لكن لا يتعرض للمحسود بشيء، تجده مهموماً مغموماً من نعم الله على غيره، لكنه لا يعتدي على صاحبه. والشر والبلاء إنما هو بالحاسد إذا حسد. ولهذا قال: ﴿إذا حسد﴾ .
ومن حسد الحاسد العين التي تصيب الُمعان يكون هذا الرجل عنده كراهة لنعم الله على الغير فإذا أحس بنفسه أن الله أنعم على فلان بنعمة خرج من نفسه الخبيثة (معنى) لا نستطيع أن نصفه لأنه مجهول، فيصيب بالعين، ومن تسلط عليه أحياناً يموت، وأحياناً يمرض، وأحياناً يُجن، حتى الحاسد يتسلط على الحديد فيوقف اشتغاله، وربما يصيب السيارة بالعين وتنكسر أو
стр. 348
تتعطل، وربما يصيب رفَّاعة الماء، أو حراثة الأرض، فالعين حق تصيب بإذن الله ، وذكر الله الغاسق إذا وقب، والنفاثات في العقد، والحاسد إذا حسد؛ لأن البلاء كله في هذه الأحوال الثلاثة يكون خفيًّا. الليل ستر وغشاء. ﴿والليل إذا يغشى﴾ [الليل: ١] . يكمن به الشر ولا يعلم به. ﴿النفاثات في العقد﴾ أيضاً السحر خفي لا يعلم. ﴿الحاسد إذا حسد﴾ العائن أيضاً خفي تأتي العين من شخص تظن أنه من أحب الناس إليك وأنت من أحب الناس إليه ومع ذلك يصيبك بالعين. لهذا السبب خص الله هذه الأمور الثلاثة. الغاسق إذا وقب، والنفاثات في العقد، والحاسد إذا حسد، وإلا فهي داخلة في قوله: ﴿من شر ما خلق﴾ .
فإذا قال قائل: ما هو الطريق للتخلص من هذه الشرور الثلاثة؟
قلنا: الطريق للتخلص أن يعلق الإنسان قلبه بربه، ويفوض أمره إليه، ويحقق التوكل على الله، ويستعمل الأوراد الشرعية التي بها يحصن نفسه ويحفظها من شر هؤلاء، وما كثر الأمر في الناس في الآونة الأخير من السحرة والحساد وما أشبه ذلك إلا من أجل غفلتهم عن الله، وضعف توكلهم على الله ، وقلة استعمالهم للأوراد الشرعية التي بها يتحصنون، وإلا فنحن نعلم أن الأوراد الشرعية حصن منيع، أشد من سد يأجوج ومأجوج. لكن مع الأسف أن كثيًرا من الناس لا يعرف عن هذه الأوراد شيئاً، ومن عرف فقد يغفل كثيراً، ومن قرأها فقلبه غير حاضر، وكل هذا نقص، ولو أن الناس استعملوا الأوراد على ما جاءت به الشريعة لسلموا من شرور كثيرة، نسأل الله العافية والسلامة.
стр. 349
تفسير سورة الناس
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِى يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ .
البسملة تقدم الكلام عليها.
﴿قل أعوذ برب الناس﴾ وهو الله ، وهو رب الناس وغيرهم، رب الناس، ورب الملائكة، ورب الجن، ورب السموات، ورب الأرض، ورب الشمس، ورب القمر، ورب كل شيء، لكن للمناسبة خص الناس. ﴿ملك الناس﴾ أي الملك الذي له السلطة العليا في الناس، والتصرف الكامل هو الله . ﴿إله الناس﴾ أي مألوههم ومعبودهم، فالمعبود حقًّا الذي تألهه القلوب وتحبه وتعظمه هو الله . ﴿من شر الوسواس الخناس. الذي يوسوس في صدور الناس. من الجنة والناس﴾ ﴿الوسواس﴾ قال العلماء: إنها مصدر يراد به اسم الفاعل أي: الموسوس. والوسوسة هي: ما يلقى في القلب من الأفكار والأوهام والتخيلات التي لا حقيقة لها. ﴿الخناس﴾ الذي يخنس وينهزم ويولي ويدبر عند ذكر الله وهو الشيطان. ولهذا إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي النداء أقبل حتى إذا ثوب للصلاة أدبر، حتى إذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا،
стр. 350
اذكر كذا، لما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى (١) . ولهذا جاء في الأثر: «إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان» (٢) ، والغيلان هي الشياطين التي تتخيل للمسافر في سفره وكأنها أشياء مهولة، أو عدو أو ما أشبه ذلك فإذا كبر الإنسان انصرفت. وقوله: ﴿من الجنة والناس﴾ أي أن الوساوس تكون من الجن، وتكون من بني آدم، أما وسوسة الجن فظاهر لأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، وأما وسوسة بني آدم فما أكثر الذين يأتون إلى الإنسان يوحون إليه بالشر، ويزينونه في قلبه حتى يأخذ هذا الكلام بلبه وينصرف إليه.
هذه السور الثلاث: الإخلاص، والفلق، والناس كان النبي ﷺ إذا أوى إلى فراشه نفث في كفه ومسح بذلك وجهه، وما استطاع من بدنه (٣) ، وربما قرأها خلف الصلوات الخمس (٤) . فينبغي للإنسان أن يتحرى السنة في تلاوتها في مواضعها كما ورد عن النبي ﵌، وبهذا نختم آخر جزء من القرآن وهو جزء النبأ. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.