Полный текст (78 стр.). Показаны 71–78 · переход к 76.
стр. 71
الحَدِيث كالتغيير وَسَمَاع المكاء والتصدية فيسمعون من الْأَقْوَال والأشعار مَا فِيهِ تَحْرِيك جنس الْحبّ الَّذِي يُحَرك من كل قلب مَا فِيهِ من الْحبّ بِحَيْثُ يصلح لمحب الأوتار والصلبان والاخوان والأوطان والمردان والنسوان كَمَا يصلح لمحب الرَّحْمَن وَلَكِن كَانَ الَّذين يحضرونه من الشُّيُوخ يشترطون لَهُ الْمَكَان والإمكان والخلان وَرُبمَا اشترطوا لَهُ الشَّيْخ الَّذِي يحرس من الشَّيْطَان ثمَّ توسع فِي ذَلِك غَيرهم حَتَّى خَرجُوا فِي ذَلِك إِلَى أَنْوَاع من الْمعاصِي بل إِلَى نوعم الفسوق بل خرج فِيهِ طوائف إِلَى الْكفْر الصَّرِيح بِحَيْثُ يتواجدون على أَنْوَاع من الْأَشْعَار الَّتِي فِيهَا الْكفْر والإلحاد مِمَّا هُوَ من أعظم أَنْوَاع الْفساد وينتج ذَلِك لَهُم من الْأَحْوَال بِحَسبِهِ كَمَا تنْتج لعباد الْمُشْركين وَأهل الْكتاب عباداتهم بحسبها وَالَّذِي عَلَيْهِ محققوا الْمَشَايِخ أَنه كَمَا قَالَ الْجُنَيْد ﵀ من تكلّف السماع فتن بِهِ وَمن صادفه استراح بِهِ وَمعنى ذَلِك أَنه لَا يشرع الِاجْتِمَاع لهَذَا السماع الْمُحدث وَلَا يُؤمر بِهِ وَلَا يتَّخذ دينا وقربة وَأَن الْقرب والعبادات إِنَّمَا تُؤْخَذ عَن الرُّسُل صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم فَكَمَا أَنه لَا حرَام إِلَّا مَا حرمه الله فَإِنَّهُ لَا دين إِلَّا مَا شَرعه الله قَالَ الله تعلى الشورى أم لَهُم شُرَكَاء شرعوا لَهُم من الدّين مالم يَأْذَن بِهِ الله وَلِهَذَا قَالَ آل عمرَان قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله وَيغْفر لكم ذنوبكم فَجعل محبتهم لله مُوجبَة لمتابعة رَسُوله وَجعل مُتَابعَة رَسُوله مُوجبَة لمحبة الله لَهُم قَالَ أبي بن كَعْب ﵁ عَلَيْكُم بالسبيل وَالسّنة فَإِنَّهُ مَا من عبد على السَّبِيل وَالسّنة ذكر الله فاقشعر جلده من مَخَافَة الله إِلَّا تحاتت عَنهُ خطاياه كَمَا يتحات الْوَرق الْيَابِس عَن الشَّجَرَة وَمَا من عبد على السَّبِيل وَالسّنة ذكر الله خَالِيا فَفَاضَتْ عَيناهُ من مَخَافَة الله إِلَّا لم تمسه النَّار أبدا وَإِن اقتصادا فِي سَبِيل وَسنة خير من اجْتِهَاد فِي خلاف سَبِيل وَسنة فاحرصوا أَن تكون أَعمالكُم اقتصادا واجتهادا على منهاج الْأَنْبِيَاء وسنتهم وَهَذَا مَبْسُوط فِي غير هَذَا الْموضع فَلَو كَانَ هَذَا مِمَّا يُؤمر بِهِ وَيسْتَحب وَتصْلح بِهِ الْقُلُوب للمعبود المحبوب لَكَانَ ذَلِك مِمَّا دلّت الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة عَلَيْهِ وَمن الْمَعْلُوم أَنه لم يكن فِي الْقُرُون الثَّلَاثَة المفضلة الَّتِي قَالَ فِيهَا النَّبِي ﷺ خير الْقُرُون قَرْني الَّذِي بعثت فِيهِ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ لَا فِي الْحجاز وَلَا فِي الشَّام وَلَا فِي الْيمن وَلَا فِي الْعرَاق وَلَا فِي مصر وَلَا فِي خُرَاسَان أحد من أهل الْخَيْر وَالدّين يجْتَمع على السماع المبتدع لصلاح الْقُلُوب وَلِهَذَا كرهه الْأَئِمَّة كَالْإِمَامِ أَحْمد وَغَيره وعده الشَّافِعِي من إِحْدَاث الزَّنَادِقَة
стр. 72
حِين قَالَ خلفت بِبَغْدَاد شَيْئا أحدثه الزَّنَادِقَة يسموه التَّغْيِير يصدون بِهِ النَّاس عَن الْقُرْآن وَأما مَالا يَقْصِدهُ الْإِنْسَان من الِاسْتِمَاع فَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ نهى وَلَا ذمّ بِاتِّفَاق الآئمة وَلِهَذَا إِنَّمَا يَتَرَتَّب الذَّم والمدح على الِاسْتِمَاع لَا على السماع فالمستمع لِلْقُرْآنِ يُثَاب عَلَيْهِ وَالسَّامِع لَهُ من غير قصد لَا يُثَاب على ذَلِك إِذْ الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَكَذَلِكَ مَا ينْهَى عَن استماعه من الملاهي لَو سَمعه السَّامع بِدُونِ قصد لم يضرّهُ ذَلِك فَلَو اسْتمع السَّامع بَيْتا يُنَاسب بعض حَاله تحرّك ساكنه الْمَحْمُود وأزعج قاطنه المحبوب أَو تمثل بذلك وَنَحْو ذَلِك لم يكن ذَلِك مِمَّا ينْهَى عَنهُ وَإِن كَانَ الْمَحْمُود الْحسن حَرَكَة قلبه الَّتِي يُحِبهَا الله وَرَسُوله أَو الَّتِي تَتَضَمَّن فعل مَا يُحِبهُ الله وَترك مَا يكرههُ كَالَّذي اجتاز بِبَيْت فَسمع قَائِلا يَقُول كل يَوْم تتلون غير هَذَا بك أجمل فَأخذ مِنْهُ إِشَارَة تناسب حَاله فَإِن الاشارة من بَاب الْقيَاس وَالِاعْتِبَار وَضرب الْأَمْثَال وَمَسْأَلَة السماع كَبِيرَة منتشرة قد تكلمنا عَلَيْهَا فِي غير هَذَا الْموضع وَالْمَقْصُود هَهُنَا أَن الْمَقَاصِد الْمَطْلُوبَة للمريدين تحصل بِالسَّمَاعِ الايماني القرآني النَّبَوِيّ الديني الشَّرْعِيّ الَّذِي هُوَ سَماع النَّبِيين وَسَمَاع الْعَالمين وَسَمَاع العارفين وَسَمَاع الْمُؤمنِينَ قَالَ الله تَعَالَى مَرْيَم أُولَئِكَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين من ذُرِّيَّة آدم إِلَى قَوْله إِذا تتلى عَلَيْهِم آيَات الرَّحْمَن خروا سجدا وبكيا وَقَالَ تَعَالَى الْإِسْرَاء إِن الَّذين أُوتُوا الْعلم من قبله إِذا يُتْلَى عَلَيْهِم يخرون للأذقان سجدا إِلَى قَوْله ويزيدهم خشوعا وَقَالَ تَعَالَى الْمَائِدَة وَإِذا سمعُوا مَا أنزل إِلَى الرَّسُول ترى أَعينهم تفيض من الدمع مِمَّا عرفُوا من الْحق وَقَالَ تَعَالَى الْأَنْفَال إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين إِذا ذكر الله وجلت قُلُوبهم وَإِذا تليت عَلَيْهِم آيَاته زادتهم إِيمَانًا الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى الزمر الله نزل أحسن الحَدِيث كتابا متشابها مثاني تقشعر مِنْهُ جُلُود الَّذين يَخْشونَ رَبهم الْآيَة وكما مدح المقبلين على هَذَا السماع فقد ذمّ المعرضين عَنهُ فِي مثل قَوْله لُقْمَان وَمن النَّاس من يَشْتَرِي لَهو الحَدِيث ليضل عَن سَبِيل الله بِغَيْر علم ويتخذها هزوا إِلَى قَوْله وَإِذا تتلى عَلَيْهِ آيَاتنَا ولى مستكبرا كَأَن لم يسْمعهَا الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى الْفرْقَان وَالَّذين إِذا ذكرُوا بآيَات رَبهم لم يخروا عَلَيْهَا صمًّا وعميانا وَقَالَ تَعَالَى الْأَنْفَال وَلَو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم الْآيَة
стр. 73
وَقَالَ تَعَالَى فصلت وَقَالَ الَّذين كفرُوا لَا تسمعوا لهَذَا الْقُرْآن والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تغلبون وَقَالَ تَعَالَى المدثر فَمَا لَهُم عَن التَّذْكِرَة معرضين كَأَنَّهُمْ حمر مستنفرة فرت من قسورة وَمثل هَذَا كثير فِي الْقُرْآن وَهَذَا كَانَ سَماع سلف الْأمة وأكابر مشايخها وأئمتها كالصحابة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ من الْمَشَايِخ كإبراهيم بن أدهم والفضيل بن عِيَاض وَأبي سُلَيْمَان الدراراني ومعروف الْكَرْخِي ويوسف بن أَسْبَاط وَحُذَيْفَة المرعشي وامثال هَؤُلَاءِ وَكَانَ عمر بن الْخطاب يَقُول لأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ يَا أَبَا مُوسَى ذكرنَا رَبنَا فَيقْرَأ وهم يسمعُونَ ويبكون وَكَانَ أَصْحَاب مُحَمَّد إِذا اجْتَمعُوا أمروا وَاحِدًا مِنْهُم أَن يقْرَأ الْقُرْآن وَالْبَاقِي يَسْتَمِعُون وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح أَن النَّبِي ﷺ مر بِأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَهُوَ يقْرَأ فَجعل يستمع لقرَاءَته وَقَالَ لقد أُوتِيَ مِزْمَارًا من مَزَامِير آل دَاوُد وَقَالَ مَرَرْت بك البارحة وَأَنت تقْرَأ فَجعلت أستمع لقراءتك فَقَالَ لَو علمت أَنَّك تسمع لحبرته لَك تحبيرا أَي لحسنته لَك تحسينا وَقَالَ زَينُوا الْقُرْآن بِأَصْوَاتِكُمْ وَقَالَ الله أَشد أذنا إِلَى الرجل الْحسن الصَّوْت بِالْقُرْآنِ من صَاحب الْقَيْنَة إِلَى قَيْنَته أذنا أَي استماعا كَقَوْلِه الانشقاق وأذنت لِرَبِّهَا وحقت أَي استمعت وَقَالَ ﷺ مَا أذن الله لشَيْء مَا أذن لنَبِيّ حسن الصَّوْت يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يجْهر بِهِ وَقَالَ لَيْسَ منا من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ وَلِهَذَا السماع من المواجيد الْعَظِيمَة والأذواق الْكَرِيمَة ومزيد المعارف وَالْأَحْوَال الجسيمة مَالا يَسعهُ خطاب وَلَا يحويه كتاب كَمَا أَن فِي تدبر الْقُرْآن وتفهمه من مزِيد الْعلم وَالْإِيمَان مَالا يُحِيط بِهِ بَيَان وَمِمَّا يَنْبَغِي التفطن لَهُ أَن الله سُبْحَانَهُ قَالَ فِي كِتَابه آل عمرَان قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله قَالَ طَائِفَة من السّلف أدعى قوم على عهد النَّبِي ﷺ أَنهم يحبونَ الله فَأنْزل الله هَذِه الاية قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله الْآيَة فَبين سُبْحَانَهُ أَن محبته توجب اتِّبَاع الرَّسُول وَأَن ابْتَاعَ الرَّسُول يُوجب محبَّة الله للْعَبد وَهَذِه محبَّة امتحن الله بهَا أهل دَعْوَى محبَّة الله فَإِن هَذَا الْبَاب يكثر فِيهِ الدَّعَاوَى والاشتباه وَلِهَذَا يرْوى عَن ذِي النُّون الْمصْرِيّ أَنهم تكلمُوا فِي مَسْأَلَة الْمحبَّة عِنْده فَقَالَ اسْكُتُوا عَن هَذِه الْمحبَّة لَا تسمعها النُّفُوس فتدعيها وَقَالَ بَعضهم من عبد الله بالحب وَحده فَهُوَ زنديق وَمن عبد الله بالخوف وَحده فَهُوَ حروري وَمن عَبده بالرجاء وَحده فَهُوَ مرجيء وَمن عَبده بالحب وَالْخَوْف والرجاء فَهُوَ مُؤمن موحد وَذَلِكَ لِأَن الْحبّ الْمُجَرّد تتبسط النُّفُوس فِيهِ حَتَّى تتسع فِي أهوائها إِذا لم يزعها وازع الخشية لله حَتَّى قَالَت الْيَهُود وَالنَّصَارَى
стр. 74
الْمَائِدَة نَحن أَبنَاء الله وأحباؤه وَيُوجد فِي مدعى الْمحبَّة من مُخَالفَة الشَّرِيعَة مَالا يُوجد فِي أهل الخشية وَلِهَذَا قرن والخشية بهَا فِي قَوْله ق هَذَا مَا توعدون لكل أواب حفيظ من خشِي الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بقلب منيب ادخلوها بِسَلام ذَلِك يَوْم الخلود وَكَانَ الْمَشَايِخ المصنفون فِي السّنة يذكرُونَ فِي عقائدهم مجانبة من يكثر دَعْوَى الْمحبَّة والخوض فِيهَا من غير خشيَة لما فِي ذَلِك من الْفساد الَّذِي وَقع فِيهِ طوائف من المتصوفة وَمَا وَقع فِي هَؤُلَاءِ من فَسَاد الإعتقاد والأعمال أوجب إِنْكَار طوائف لأصل طَريقَة المتوصفة بِالْكُلِّيَّةِ حَتَّى صَار المنحرفون صنفين صنف يقر بِحَقِّهَا وباطلها وصنف يُنكر حَقّهَا وباطلها كَمَا عَلَيْهِ طوائف من أهل الْكَلَام وَالْفِقْه وَالصَّوَاب إِنَّمَا هُوَ الْإِقْرَار بِمَا فِيهِ وَفِي غَيرهَا من مُوَافقَة الْكتاب وَالسّنة وَالْإِنْكَار لما فِيهَا وَفِي غَيرهَا من مُخَالفَة الْكتاب وَالسّنة وَقَالَ تَعَالَى آل عمرَان قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله وَيغْفر لكم ذنوبكم فاتباع سنة رَسُوله ﷺ وَاتِّبَاع شَرِيعَته بَاطِنا وظاهرا هِيَ مُوجب محبَّة الله كَمَا أَن الْجِهَاد فِي سَبيله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه هُوَ حَقِيقَتهَا كَمَا فِي الحَدِيث أوثق عرى الْإِيمَان الْحبّ فِي الله والبغض فِي الله وَفِي الحَدِيث من أحب لله وابغض لله وَأعْطى لله وَمنع لله فقد اسْتكْمل الْمحبَّة وَكثير مِمَّن يدعى الْمحبَّة هُوَ أبعد من غَيره عَن ابْتَاعَ السّنة وَعَن الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَعَن النَّهْي عَن الْمُنكر وَالْجهَاد فِي سَبِيل الله ويدعى مَعَ هَذَا أَن ذَلِك أكمل لطريق الْمحبَّة من غَيره لزعمه أَن طَرِيق الْمحبَّة لله لَيْسَ فِيهِ غيرَة وَلَا غضب لله وَهَذَا خلاف مَا دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة وَلِهَذَا فِي الحَدِيث الْمَأْثُور يَقُول الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة ايْنَ المتحابون بجلالي الْيَوْم أظلهم فِي ظِلِّي يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظِلِّي فَقَوله أَيْن المتحابون بِجلَال الله تَنْبِيه على مَا فِي قُلُوبهم من إجلال الله وتعظيمه والتحاب فِيهِ وَبِذَلِك يكونُونَ حافظين لحدوده دون الَّذين لَا يحفظون حُدُوده لضعف الْإِيمَان فِي قُلُوبهم وَهَؤُلَاء الَّذين جَاءَ فيهم الحَدِيث حقت محبتي للمتحابين فِي وحقت محبتي للمتجالسين فِي وحقت محبتي للمتزاورين فِي وحقت محبتي للمتابذلين فِي وَالْأَحَادِيث فِي المتحابين لله كَثِيرَة وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة سَبْعَة يظلهم الله فِي ظله يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله إِمَام عَادل وشاب نَشأ فِي عبَادَة الله وَرجل
стр. 75
قلبه مُعَلّق بِالْمَسْجِدِ إِذا خرج مِنْهُ حَتَّى يرجع إِلَيْهِ ورجلان تحابا فِي الله واجتمعا وتفرقا عَلَيْهِ وَرجل تصدق بِصَدقَة فاخفاها حَتَّى لاتعلم شِمَاله مَا أنفقت يَمِينه وَرجل ذكر الله خَالِيا فَفَاضَتْ عَيناهُ وَرجل دَعَتْهُ امْرَأَة ذَات نسب وجمال فَقَالَ إِنِّي أَخَاف الله رب الْعَالمين وأصل الْمحبَّة هُوَ معرفَة الله وَلها أصلان أَحدهمَا وَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ محبَّة الْعَامَّة لأجل إحسانه إِلَى عباده وَهَذِه الْمحبَّة على هَذَا الأَصْل لَا ينكرها أحد فَإِن الْقُلُوب مجبولة على حب من أحسن إِلَيْهَا وبغض من اساء إِلَيْهَا وَالله سُبْحَانَهُ هُوَ الْمُنعم المحسن إِلَى عَبده بِالْحَقِيقَةِ فَإِنَّهُ المتفضل بِجَمِيعِ النعم وَإِن جرت بِوَاسِطَة إِذْ هُوَ ميسر الوسائط وَسبب الْأَسْبَاب لَكِن هَذِه الْمحبَّة إِذا لم تجذب الْقلب إِلَى محبَّة الله نَفسه فَمَا أحب العَبْد فِي الْحَقِيقَة إِلَّا نَفسه وَهَذَا لَيْسَ بمذموم بل مَحْمُود وَهَذِه الْمحبَّة هِيَ الْمشَار إِلَيْهَا بقوله أَحبُّوا الله لما يغذوكم بِهِ من نعمه وأحبوني لحب الله وأحبوا أَهلِي بحبي والمتقصر على هَذِه هُوَ لم يعرف من جِهَة الله مَا يسْتَوْجب أَنه يُحِبهُ إِلَّا للإحسان إِلَيْهِ وَهَذَا كَمَا قَالُوا إِن الْحَمد لله على نَوْعَيْنِ حمد هُوَ شكر وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا على نعْمَته وَحمد هُوَ ثَنَاء عَلَيْهِ ومحبة لَهُ وَهُوَ بِمَا يسْتَحقّهُ لنَفسِهِ سُبْحَانَهُ فَكَذَلِك الْحبّ فَإِن الأَصْل الثَّانِي هُوَ محبته لما هُوَ أهل وَهَذَا حب من عرف من الله مَا يسْتَحق أَن يحب لأَجله وَمَا من وَجه من الْوُجُوه الَّتِي يعرف الله بهَا مِمَّا دلّت عَلَيْهِ أسماؤه وَصِفَاته إِلَّا وَهُوَ يسْتَحق الْمحبَّة الْكَامِلَة من ذَلِك الْوَجْه حَتَّى جَمِيع مفعولاته إِذْ كل نعْمَة مِنْهُ فضل وكل نقمة مِنْهُ عدل وَلِهَذَا اسْتحق ان يكون مَحْمُودًا على كل حَال وَيسْتَحق أَن يحمد على السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَهَذَا أَعلَى وأكمل وَهَذَا حب الْخَاصَّة وَهَؤُلَاء هم الَّذين يطْلبُونَ لَذَّة النّظر إِلَى وَجهه الْكَرِيم ويتلذذون بِذكرِهِ ومناجاته وَيكون ذَلِك لَهُم أعظم من المَاء للسمك لَو أنقطعوا عَن ذَلِك لوجدوا من الْأَلَم مَالا يُطِيقُونَ وهم السَّابِقُونَ كَمَا فِي صَحِيح مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ مر النَّبِي ﷺ بجبل يُقَال لَهُ جمدان فَقَالَ سِيرُوا هَذَا جمدان سبق المفردون قَالُوا يَا رَسُول الله من المفردون قَالَ الذاكرون الله كثيرا وَالذَّاكِرَات وَفِي رِوَايَة أُخْرَى قَالَ المستهترون بِذكر الله يضع الذّكر عَنْهُم اثقالهم فَيَأْتُونَ يَوْم الْقِيَامَة خفافا وَفِي حَدِيث هَارُون بن عنترة عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ مُوسَى يَا رب أَي عِبَادك أحب إِلَيْك قَالَ الَّذِي يذكرنِي وَلَا ينساني
стр. 76
قَالَ أَي عِبَادك أعلم قَالَ الَّذِي يطْلب علم النَّاس إِلَى علمه ليجد كلمة تدله على هدى أَو ترده عَن ردي قَالَ أَي عِبَادك أحكم قَالَ الَّذِي يحكم على نَفسه كَمَا يحكم على غَيره وَيحكم لغيره كَمَا يحكم لنَفسِهِ فَذكر فِي هَذَا الحَدِيث الْحبّ وَالْعلم وَالْعدْل وَذَلِكَ جماع الْخَيْر وَمِمَّا يَنْبَغِي التفطن لَهُ أَنه لَا يجوز أَن يظنّ فِي بَاب محبَّة الله تَعَالَى مَا يظنّ فِي محبَّة غَيره مِمَّا هُوَ من جنس التجني والهجر والقطيعة لغير سَبَب وَنَحْو ذَلِك مِمَّا قد يغلط فِيهِ طوائف من النَّاس حَتَّى يتمثلون فِي حبه بِجِنْس مَا يتمثلون بِهِ فِي حب من يصد وَيقطع بِغَيْر ذَنْب أَو يبعد من يتَقرَّب إِلَيْهِ وَإِن غلط فِي ذَلِك من غلط من المصنفين فِي رسائلهم حَتَّى يكون مَضْمُون كَلَامهم إِقَامَة الْحجَّة على الله بل لله الْحجَّة الْبَالِغَة وَقد ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ يَقُول الله تَعَالَى من ذَكرنِي فِي نَفسه ذكرته فِي نَفسِي وَمن ذَكرنِي فِي مَلأ ذكرته فِي مَلأ خير مِنْهُ وَمن تقرب إِلَيّ شبْرًا تقربت إِلَيْهِ ذِرَاعا وَمن تقرب إِلَيّ ذِرَاعا تقربت إِلَيْهِ باعا وَمن أَتَانِي يمشي أَتَيْته هرولة وَفِي بعض الْآثَار يَقُول الله تَعَالَى أهل ذكري أهل مجالستي وَأهل شكري أهل زيارتي وَأهل طَاعَتي أهل كَرَامَتِي وَأهل معصيتي أؤيسهم من رَحْمَتي إِن تَابُوا فَأَنا حبيبهم لِأَن الله يحب التوابين وَإِن لم يتوبوا فَأَنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب حَتَّى أطهرهم من المعايب وَقَالَ تَعَالَى وَمن يعْمل من الصَّالِحَات وَهُوَ مُؤمن فَلَا يخَاف ظلما وَلَا هضما قيل الظُّلم أَن يحمل عَلَيْهِ سيئات غَيره والهضم أَن ينقص من حَسَنَات نَفسه وَقَالَ تَعَالَى وَمَا ظلمناهم وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظْلمُونَ وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح عَن أبي ذَر ﵁ قَالَ يَقُول الله تَعَالَى يَا عبَادي إِنِّي حرمت الظُّلم على نَفسِي وَجَعَلته بَيْنكُم محرما فَلَا تظالموا يَا عبَادي كلكُمْ ضال إِلَّا من هديته فاستهدوني أهدكم يَا عبَادي كلكُمْ جَائِع إِلَّا من أطعمته فاستطعموني أطْعمكُم يَا عبَادي كلكُمْ عَار إِلَّا من كسوته فاستكسوني أكسكم يَا عبَادي إِنَّكُم تذنبون بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار وَأَنا أَغفر الذُّنُوب وَلَا أُبَالِي فاستغفروني أَغفر لكم يَا عبَادي إِنَّكُم لم تبلغوا ضري فتضروني وَلنْ تبلغوا نفعي فتنفعوني يَا عبَادي لَو أَن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كَانُوا على أتقى قلب رجل مِنْكُم مَا زَاد ذَلِك فِي ملكي شَيْئا يَا عبَادي لَو أَن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كَانُوا على أفجر قلب رجل مِنْكُم مَا نقص ذَلِك من ملكي شَيْئا يَا عبَادي لَو أَن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجْتَمعُوا فِي صَعِيد وَاحِد
стр. 77
فسألوني فَأعْطيت كل وَاحِد مِنْهُم مَسْأَلته مَا نقص ذَلِك من ملكي إِلَّا كَمَا ينقص الْمخيط إِذا غمس فِي الْبَحْر يَا عبَادي إِنَّمَا هِيَ أَعمالكُم أحصيها لكم ثمَّ أوفيكم إِيَّاهَا فَمن وجد خيرا فليحمد الله وَمن وجد غير ذَلِك فَلَا يَلُومن إِلَّا نَفسه وَمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن شَدَّاد بن أَوْس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ سيد الاسْتِغْفَار أَن يَقُول العَبْد اللَّهُمَّ أَنْت رَبِّي لَا إِلَه إِلَّا أَنْت خلقتني وَأَنا عَبدك وَأَنا على عَهْدك وَوَعدك مَا اسْتَطَعْت أعوذ بك من شَرّ مَا صنعت أَبُوء لَك بنعمتك عَليّ وابوء بذنبي فَاغْفِر لي فَإِنَّهُ لَا يغْفر الذُّنُوب إِلَّا أَنْت من قَالَهَا إِذا أصبح موقنا بهَا فَمَاتَ فِي يَوْمه دخل الْجنَّة وَمن قَالَهَا إِذا أَمْسَى موقنا بهَا فَمَاتَ من ليلته دخل الْجنَّة فَالْعَبْد دَائِما بَين نعْمَة من الله يحْتَاج فِيهَا إِلَى شكر وذنب مِنْهُ يحْتَاج فِيهِ إِلَى أستغفار وكل من هذَيْن من الْأُمُور اللَّازِمَة للْعَبد دَائِما فَإِنَّهُ لَا يزَال يتقلب فِي نعم الله وآلائه وَلَا يزَال مُحْتَاجا إِلَى التَّوْبَة والاستغافر وَلِهَذَا كَانَ سيد ولد آدم وَإِمَام الْمُتَّقِينَ يسْتَغْفر فِي جَمِيع الْأَحْوَال وَقَالَ ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيّ أَيهَا النَّاس تُوبُوا إِلَى ربكُم فَإِنِّي أَتُوب إِلَى الله فِي الْيَوْم مائَة مرّة وَقَالَ عبد الله بن عمر كُنَّا نعد لرَسُول الله ﷺ فِي الْمجْلس الْوَاحِد يَقُول رب أَغفر لي وَتب عَليّ إِنَّك أَنْت التواب الرَّحِيم مائَة مرّة وَقَالَ إِنِّي لأستغفر الله وَأَتُوب إِلَيْهِ فِي الْيَوْم اثْنَتَيْنِ وَسبعين مرّة وَفِي صَحِيح مُسلم أَنه قَالَ إِنَّه ليغان على قلبِي وَإِنِّي لأستغفر الله فِي الْيَوْم مائَة مرّة وَلِهَذَا شرع الاسْتِغْفَار فِي خَوَاتِيم الْأَعْمَال قَالَ تَعَالَى آل عمرَان والمستغفرين بالأسحار قَالَ بَعضهم أحيوا اللَّيْل بِالصَّلَاةِ فَلَمَّا كَانَ وَقت السحر أمروا بالاستغفار وَفِي الصَّحِيح أَن النَّبِي ﷺ كَانَ إِذا انْصَرف من صلَاته اسْتغْفر ثَلَاثًا وَقَالَ اللَّهُمَّ أَنْت السَّلَام ومنك السَّلَام تَبَارَكت يَاذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام وَقَالَ تَعَالَى الْبَقَرَة فَإِذا أَفَضْتُم من عَرَفَات فاذكروا الله عِنْد الْمشعر الْحَرَام إِلَى قَوْله وَاسْتَغْفرُوا الله إِن الله غَفُور رَحِيم وَقد أَمر الله نبيه بعد أَن بلغ الرسَالَة وجاهد فِي الله حق جهادة وأتى بِمَا أَمر الله بِهِ مِمَّا لم يصل إِلَيْهِ غَيره فَقَالَ إِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح رَأَيْت النَّاس يدْخلُونَ فِي دين الله أَفْوَاجًا فسبح بِحَمْد رَبك وَاسْتَغْفرهُ إِنَّه كَانَ تَوَّابًا وَلِهَذَا كَانَ قوام الدّين بِالتَّوْحِيدِ وَالِاسْتِغْفَار كَمَا قَالَ الله تَعَالَى أول هود الر كتاب أحكمت آيَاته ثمَّ فصلت من لدن حَكِيم خَبِير أَلا تعبدوا إِلَّا الله إِنَّنِي لكم مِنْهُ نَذِير وَبشير وَأَن اسْتَغْفرُوا ربكُم ثمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يمتعكم مَتَاعا حسنا الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى فصلت فاستقيموا إِلَيْهِ واستغفروه
стр. 78
وَقَالَ تَعَالَى مُحَمَّد فَاعْلَم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله واستغفر لذنبك وَلِلْمُؤْمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات وَلِهَذَا جَاءَ فِي الحَدِيث يَقُول الشَّيْطَان أهلكت النَّاس بِالذنُوبِ وأهلكوني بِلَا إِلَه إِلَّا الله وَالِاسْتِغْفَار وَقَالَ يُونُس الْأَنْبِيَاء لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ إِنِّي كنت من الظَّالِمين وَكَانَ النَّبِي ﷺ إِذا ركب دَابَّته يحمد الله ثمَّ يكبر ثَلَاثًا وَيَقُول لَا إِلَه إِلَّا أَنْت ظلمت نَفسِي فَاغْفِر لي وَكَفَّارَة الْمجْلس الَّتِي كَانَ يخْتم بهَا الْمجْلس وَالْوُضُوء سُبْحَانَكَ الله وَبِحَمْدِك أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا أَنْت أستغفرك وَأَتُوب إِلَيْك وَالله أعلم وَصلى الله على مُحَمَّد وَسلم