← Сира

Сира · id 1514

الروض الأنف في شرح سيرة ابن هشام - ت السلامي (581)

السهيلي

Полный текст (2 424 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ قَالَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ: اللهُمّ أَقْطَعَنَا لِلرّحِمِ وَآتَانَا بِمَا لَا يُعْرَفُ فَأَحِنْهُ الْغَدَاةَ فَكَانَ هُوَ الْمُسْتَفْتِحَ. رَمْيُ الرّسُولِ لِلْمُشْرِكِينَ بِالْحَصْبَاءِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَخَذَ حَفْنَةً مِنْ الْحَصْبَاءِ فَاسْتَقْبَلَ قُرَيْشًا بِهَا، ثُمّ قَالَ "شَاهَتْ الْوُجُوهُ"، ثُمّ نَفَحَهُمْ بِهَا، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ "شِدّوا"، فَكَانَتْ الْهَزِيمَةُ فَقَتَلَ اللهُ تَعَالَى مَنْ قَتَلَ مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، وَأَسَرَ مَنْ أَسَرَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ. فَلَمّا وَضَعَ الْقَوْمُ أَيْدِيَهُمْ يَأْسِرُونَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْعَرِيشِ وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ قَائِمٌ عَلَى بَابِ الْعَرِيشِ الّذِي فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُتَوَشّحًا السّيْفَ فِي نَفَرٍ مِنْ الْأَنْصَارِ يَحْرُسُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَخَافُونَ عَلَيْهِ كَرّةَ الْعَدُوّ وَرَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا ذُكِرَ لِي - فِي وَجْهِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ الْكَرَاهِيَةَ لِمَا يَصْنَعُ النّاسُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ "وَاَللهِ لَكَأَنّك يَا سَعْدُ تَكْرَهُ مَا يَصْنَعُ الْقَوْمُ"، قَالَ أَجَلْ وَاَللهِ يَا رَسُولَ اللهِ كَانَتْ أَوّلَ وَقْعَةٍ أَوْقَعَهَا اللهُ بِأَهْلِ الشّرْكِ. فَكَانَ الْإِثْخَانُ فِي الْقَتْلِ بِأَهْلِ الشّرْكِ أَحَبّ إلَيّ مِنْ اسْتِبْقَاءِ الرّجَالِ نَهَى النّبِيّ أَصْحَابَهُ عَنْ قَتْلِ نَاسٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي الْعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ النّبِيّ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَئِذٍ "إنّي قَدْ عَرَفْت أَنّ رِجَالًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ قَدْ أُخْرِجُوا كَرْهًا، لَا حَاجَةَ لَهُمْ بِقِتَالِنَا، فَمَنْ لَقِيَ مِنْكُمْ أَحَدًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَلَا يَقْتُلْهُ وَمَنْ لَقِيَ أَبَا الْبَخْتَرِيّ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ فَلَا يَقْتُلْهُ وَمَنْ لَقِيَ الْعَبّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، عَمّ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَا يَقْتُلْهُ فَإِنّهُ إنّمَا أُخْرِجَ مُسْتَكْرَهًا" قَالَ فَقَالَ أَبُو حُذَيْفَةَ أَنَقْتُلُ أَبَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا وَإِخْوَتَنَا وَعَشِيرَتَنَا. وَنَتْرُكُ الْعَبّاسَ وَاَللهِ لَئِنْ لَقِيته لَأَلْجُمَنّهُ السّيْفَ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ لَأَلْجُمَنّهُ "السّيْفَ" - قَالَ فَبَلّغْت رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ لِعُمَرِ بْنِ الْخَطّابِ: " يَا أَبَا حَفْصٍ " - قَالَ عُمَرُ وَاَللهِ إنّهُ لَأَوّلُ يَوْمٍ كَنّانِي فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَبِي حَفْصٍ – "أَيُضْرَبُ وَجْهُ عَمّ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالسّيْفِ"؟ فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللهِ دَعْنِي فَلِأَضْرِبَ عُنُقَهُ بِالسّيْفِ فَوَاَللهِ لَقَدْ ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1262

نَافَقَ. فَكَانَ أَبُو حُذَيْفَةَ يَقُولُ مَا أَنَا بِآمِنِ مِنْ تِلْكَ الْكَلِمَةِ الّتِي قُلْت يَوْمَئِذٍ وَلَا أَزَالُ مِنْهَا خَائِفًا، إلّا أَنْ تُكَفّرَهَا عَنّي الشّهَادَةُ. فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَإِنّمَا نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ أَبِي الْبَخْتَرِيّ لِأَنّهُ كَانَ أَكَفّ الْقَوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ جَمِيعًا وَهُوَ بِمَكّةَ وَكَانَ لَا يُؤْذِيهِ وَلَا يَبْلُغُهُ عَنْهُ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ وَكَانَ مِمّنْ قَامَ فِي نَقْضِ الصّحِيفَةِ الّتِي كَتَبَتْ قُرَيْشٌ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِيّ الْمُطّلِبِ. فَلَقِيَهُ الْمُجَذّرُ بْنُ ذِيَادٍ الْبَلَوِيّ، حَلِيفُ الْأَنْصَارِ، ثُمّ مِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، فَقَالَ الْمُجَذّرُ لِأَبِي الْبَخْتَرِيّ إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ نَهَانَا عَنْ قَتْلِك - وَمَعَ أَبِي الْبَخْتَرِيّ زَمِيلٌ لَهُ قَدْ خَرَجَ مَعَهُ مِنْ مَكّةَ، وَهُوَ جُنَادَةُ بْنُ مُلَيْحَةَ بِنْتِ زُهَيْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ: وَجُنَادَةُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ. وَاسْمُ أَبِي الْبَخْتَرِيّ الْعَاصِ - قَالَ وَزَمِيلِي؟ فَقَالَ لَهُ الْمُجَذّرُ لَا وَاَللهِ مَا نَحْنُ بِتَارِكِي زَمِيلِك، مَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إلّا بِك وَحْدَك؟ فَقَالَ لَا وَاَللهِ إذَنْ لَأَمُوتَن أَنَا وَهُوَ جَمِيعًا، لَا تَتَحَدّثُ عَنّي نِسَاءُ مَكّةَ أَنّي تَرَكْت زَمِيلِي حِرْصًا عَلَى الْحَيَاةِ. فَقَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيّ حِينَ نَازَلَهُ الْمُجَذّرُ وَأَبَى إلّا الْقِتَالَ يَرْتَجِزُ لَنْ يُسْلِمَ ابْنُ حُرّة زَمِيلَهُ ... حَتّى يَمُوتَ أَوْ يَرَى سَبِيلَهُ فَاقْتَتَلَا، فَقَتَلَهُ الْمُجَذّرُ بْنُ ذِيَادٍ. وَقَالَ الْمُجَذّرُ بْنُ ذِيَادٍ فِي قَتْلِهِ أَبَا الْبَخْتَرِيّ إمّا جَهِلْت أَوْ نَسِيت نَسَبِي ... فَأَثْبِتْ النّسْبَةَ أَنّي مِنْ بَلِيَ الطّاعِنِينَ بِرِمَاحِ الْيَزِنِي ... وَالضّارِبِينَ الْكَبْشَ حَتّى يَنْحَنِي ــ شَرْحُ كَلَامِ أَبِي الْبَخْتَرِيّ وَالْمُجَذّرُ فَصْلٌ وَقَوْلُ أَبِي الْبَخْتَرِيّ أَنَا وَزَمِيلٌ. الزّمِيلُ الرّدِيفُ وَمِنْهُ ازْدَمَلَ الرّجُلُ بِحَمْلِهِ إذَا أَلْقَاهُ عَلَى ظَهْرِهِ وَفِي مُسْنَدِ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ كُنّا نَتَعَاقَبُ يَوْمَ بَدْرٍ ثَلَاثَةً عَلَى بَعِيرٍ فَكَانَ عَلِيّ وَأَبُو لُبَابَةَ زَمِيلَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَإِذَا كَانَتْ عُقْبَتُهُ ﵇ قَالَا لَهُ ارْكَبْ وَلْنَمْشِ عَنْك يَا رَسُولَ اللهِ فَيَقُولُ مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى عَلَى الْمَشْيِ مِنّي، وَلَا أَنَا بِأَغْنَى عَنْ الْأَجْرِ مِنْكُمَا

стр. 1263

بَشّرْ بِيُتْمِ مِنْ أَبُوهُ الْبَخْتَرِيّ ... أَوْ بَشّرْنَ بِمِثْلِهَا مِنّي بَنِي أَنَا الّذِي يُقَالُ أَصْلِي مِنْ بَلِيَ ... أَطْعُنُ بِالصّعْدَةِ حَتّى تَنْثَنِي وَأَغْبِطُ الْقِرْنَ بِعَضْبِ مَشْرَفِي ... أُرْزِمَ لِلْمَوْتِ كَإِرْزَامِ الْمَرِيّ فَلَا تَرَى مُجَذّرًا يَفْرِي فَرِيّ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: " الْمَرِيّ " عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ. وَالْمَرِيّ: النّاقَةُ الّتِي يُسْتَنْزَلُ لَبَنُهَا عَلَى عُسْرٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ إنّ الْمُجَذّرَ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ وَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ لَقَدْ جَهَدْت عَلَيْك أَنْ يَسْتَأْسِرَ فَآتِيك بِهِ "فَأَبَى" إلّا أَنْ يُقَاتِلَنِي، فَقَاتَلْته فَقَتَلْته. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَبُو الْبَخْتَرِيّ الْعَاصِ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ مَقْتَلُ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِيهِ أَيْضًا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرُهُمَا، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ كَانَ أُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ لِي صَدِيقًا بِمَكّةَ وَكَانَ اسْمِي عَبْدَ عَمْرٍو، فَتَسَمّيْت، حِينَ أَسْلَمْت، عَبْدَ الرّحْمَنِ وَنَحْنُ بِمَكّةَ فَكَانَ يَلْقَانِي إذْ نَحْنُ بِمَكّةَ فَيَقُولُ يَا عَبْدَ عَمْرٍو، أَرَغِبْت عَنْ اسْمٍ سَمّاكَهُ أَبَوَاك؟ فَأَقُولُ نَعَمْ فَيَقُولُ فَإِنّي لَا أَعْرِفُ الرّحْمَنَ فَاجْعَلْ بَيْنِي وَبَيْنَك شَيْئًا أَدْعُوك بِهِ أَمّا أَنْتَ فَلَا تُجِيبُنِي بِاسْمِك الْأَوّلِ وَأَمّا أَنَا فَلَا أَدْعُوك بِمَا لَا أَعْرِفُ قَالَ فَكَانَ إذَا دَعَانِي: يَا عَبْدَ عَمْرٍو، لَمْ أُجِبْهُ. قَالَ فَقُلْت لَهُ يَا أَبَا عَلِيّ اجْعَلْ مَا شِئْت، قَالَ فَأَنْتَ عَبْدُ الْإِلَهِ قَالَ فَقُلْت: نَعَمْ قَالَ فَكُنْت إذَا مَرَرْت بِهِ قَالَ يَا عَبْدَ الْإِلَهِ فَأُجِيبُهُ فَأَتَحَدّثُ مَعَهُ. حَتّى إذَا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ مَرَرْت بِهِ وَهُوَ وَاقِفٌ ــ وَقَوْلُ الْمُجَذّرِ كَإِرْزَامِ الْمَرِيّ. الْمَرِيّ: النّاقَةُ تُمْرَى لِلْحَلَبِ أَيْ تُمْسَحُ أَخْلَافُهَا. وَإِرْزَامُهَا: صَوْتُهَا وَهَدْرُهَا، وَقَدْ تَقَدّمَ الْفَرْقُ بَيْنَ أَرْزَمَتْ وَرَزَمَتْ.

стр. 1264

مَعَ ابْنِهِ عَلِيّ بْنِ أُمَيّةَ أَخَذَ بِيَدِهِ وَمَعِي أَدْرَاعٌ قَدْ اسْتَلَبْتهَا، فَأَنَا أَحْمِلُهَا. فَلَمّا رَآنِي قَالَ لِي: يَا عَبْدَ عَمْرٍو، فَلَمْ أُجِبْهُ فَقَالَ يَا عَبْدَ الْإِلَهِ؟ فَقُلْت: نَعَمْ قَالَ هَلْ لَك فِي، فَأَنَا خَيْرٌ لَك مِنْ هَذِهِ الْأَدْرَاعِ الّتِي مَعَك؟ قَالَ قُلْت: نَعَمْ هَا اللهِ ذَا، قَالَ فَطَرَحْت الْأَدْرَاعَ مِنْ يَدِي، وَأَخَذْت بِيَدِهِ وَيَدِ ابْنِهِ وَهُوَ يَقُولُ مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ قَطّ، أَمَا لَكُمْ حَاجَةٌ فِي اللّبَنِ؟ "قَالَ": ثُمّ خَرَجْت أَمْشِي بِهِمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُرِيدُ بِاللّبَنِ أَنّ مَنْ أَسَرَنِي افْتَدَيْت مِنْهُ بِإِبِلِ كَثِيرَةِ اللّبَنِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَبِي عَوْنٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ قَالَ لِي أُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَأَنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِهِ آخِذٌ بِأَيْدِيهِمَا: يَا عَبْدَ الْإِلَهِ مَنْ الرّجُلُ مِنْكُمْ الْمُعَلّمُ بِرِيشَةِ نَعَامَةٍ فِي صَدْرِهِ؟ قَالَ قُلْت: ذَاكَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ قَالَ ذَاكَ الّذِي فَعَلَ بِنَا الْأَفَاعِيلَ قَالَ عَبْدُ الرّحْمَنِ فَوَاَللهِ إنّي لَأَقُودُهُمَا إذْ رَآهُ بِلَالٌ مَعِي - وَكَانَ هُوَ الّذِي يُعَذّبُ بِلَالًا بِمَكّةَ عَلَى تَرْكِ الْإِسْلَامِ فَيُخْرِجُهُ إلَى رَمْضَاءِ مَكّةَ إذَا حَمِيَتْ فَيُضْجِعُهُ عَلَى ظَهْرِهِ ثُمّ يَأْمُرُ بِالصّخْرَةِ الْعَظِيمَةِ فَتُوضَعُ عَلَى صَدْرِهِ ثُمّ يَقُولُ لَا تَزَالُ هَكَذَا أَوْ تُفَارِقَ دِينَ مُحَمّدٍ فَيَقُولُ بِلَالٌ أَحَدٌ أَحَدٌ. قَالَ فَلَمّا رَآهُ قَالَ رَأْسُ الْكُفْرِ أُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ، لَا نَجَوْت إنْ نَجَا. قَالَ قُلْت: أَيْ بِلَالٌ أَبِأَسِيرَيّ قَالَ لَا نَجَوْت إنْ نَجَا. قَالَ قُلْت: أَتَسْمَعُ يَا ابْنَ السّوْدَاءِ قَالَ لَا نَجَوْت إنْ نَجَا. قَالَ ثُمّ صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا أَنْصَارَ اللهِ رَأْسُ الْكُفْرِ أُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ، لَا نَجَوْت إنْ نَجَا. قَالَ فَأَحَاطُوا بِنَا حَتّى جَعَلُونَا فِي مِثْلِ الْمُسْكَةِ وَأَنَا أَذُبّ عَنْهُ. قَالَ فَأَخْلَفَ رَجُلٌ السّيْفَ فَضَرَبَ رَجُلٌ ابْنَهُ فَوَقَعَ وَصَاحَ أُمَيّةُ صَيْحَةً مَا سَمِعْت مِثْلَهَا قَطّ قَالَ فَقُلْت: اُنْجُ بِنَفْسِك، وَلَا نَجَاءَ بِك فَوَاَللهِ مَا أُغْنِي عَنْك شَيْئًا. قَالَ فَهَبَرُوهُمَا بِأَسْيَافِهِمْ حَتّى فَرَغُوا مِنْهُمَا. قَالَ فَكَانَ عَبْدُ الرّحْمَنِ يَقُولُ يَرْحَمُ اللهُ بِلَالًا، ذَهَبَتْ أَدْرَاعِي وَفَجَعَنِي بِأَسِيرَيّ. ــ تَفْسِيرُ هَا اللهِ وَهَبّرُوهُ وَقَوْلُ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ لِأُمَيّةِ هَا اللهِ ذَا. هَا: تَنْبِيهٌ وَذَا إشَارَةٌ إلَى نَفْسِهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إلَى الْقَسَمِ أَيْ هَذَا قَسْمِي، وَأُرَاهَا إشَارَةً إلَى الْمُقْسِمِ

стр. 1265

شُهُودُ الْمَلَائِكَةِ وَقْعَةَ بَدْرٍ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنّهُ حَدّثَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ حَدّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ، قَالَ أَقْبَلْت أَنَا وَابْنُ عَمّ لِي حَتّى أَصْعَدْنَا فِي جَبَلٍ يُشْرِفُ بِنَا عَلَى بَدْرٍ وَنَحْنُ مُشْرِكَانِ نَنْتَظِرُ الْوَقْعَةَ عَلَى مَنْ تَكُونُ الدّبْرَةُ. فَنَنْتَهِبُ مَعَ مَنْ يَنْتَهِبُ. قَالَ فَبَيْنَا نَحْنُ فِي الْجَبَلِ إذْ دَنَتْ مِنّا سَحَابَةٌ فَسَمِعْنَا فِيهَا حَمْحَمَةَ الْخَيْلِ فَسَمِعْت قَائِلًا يَقُولُ اُقْدُمْ حَيْزُومُ فَأَمّا ابْنُ عَمّي فَانْكَشَفَ قِنَاعُ قَلْبِهِ فَمَاتَ مَكَانَهُ وَأَمّا أَنَا فَكِدْت أَهْلَكَ ثُمّ تَمَاسَكْت ــ وَخَفْضُ اسْمِ اللهِ بِحَرْفِ الْقَسَمُ أَضْمَرَهُ وَقَامَ التّنْبِيهُ مَقَامَهُ كَمَا يَقُومُ الِاسْتِفْهَامُ مَقَامَهُ فَكَأَنّهُ قَالَ هَا أَنَا ذَا مُقْسِمٌ، وَفَصْلٌ بِالِاسْمِ الْمُقْسَمِ بِهِ بَيْنَ هَا وَذَا، فَعُلِمَ أَنّهُ هُوَ الْمُقْسِمُ فَاسْتُغْنِيَ عَنْ أَنَا، وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ لَاهَا اللهُ ذَا، وَقَوْل زُهَيْرَةَ تَعَلّمْنَ هَا لَعَمْرُ اللهِ ذَا قَسَمًا أَكّدَ بِالْمَصْدَرِ قَسَمَهُ الّذِي دلّ عَلَيْهِ لَفظه الْمُتَقَدّم. وَقَوْلُهُ هَبَرُوهُ بِأَسْيَافِهِمْ مِنْ الْهَبْرَةِ وَهِيَ الْقِطْعَةُ الْعَظِيمَةُ مِنْ اللّحْمِ أَيْ قَطَعُوهُ. وَذَكَرَ قَوْلَ الْغِفَارِيّ حِينَ سَمِعَ حَمْحَمَةَ الْخَيْلِ فِي السّحَابَةِ وَسَمِعَ قَائِلًا يَقُولُ اُقْدُمْ حَيْزُومُ. اُقْدُمْ بِضَمّ الدّالِ أَيْ اُقْدُمْ الْخَيْلَ وَهُوَ اسْمُ فَرَسِ جِبْرِيلَ وَهُوَ فَيْعُولٌ مِنْ الْحَزْمِ وَالْحَيْزُومُ أَيْضًا أَعْلَى الصّدْرِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَيْضًا سُمّيَ بِهِ لِأَنّهُ صَدْرٌ لِخَيْلِ الْمَلَائِكَةِ وَمُتَقَدّمٌ عَلَيْهَا، وَالْحَيَاةُ أَيْضًا فَرَسٌ أُخْرَى لِجِبْرِيلَ لَا تَمَسّ شَيْئًا إلّا حَيِيَ وَهِيَ الّتِي قَبَضَ مِنْ أَثَرِهَا السّامِرِيّ، فَأَلْقَاهَا فِي الْعِجْلِ الّذِي صَاغَهُ مِنْ ذَهَبٍ فَكَانَ لَهُ خُوَارٌ ذَكَرَهُ الزّجّاجُ.

стр. 1266

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ بَعْضِ بَنِي سَاعِدَةَ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا، قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَهَبَ بَصَرُهُ لَوْ كُنْت الْيَوْمَ بِبَدْرِ وَمَعِي بَصَرِي لَأَرَيْتُكُمْ الشّعْبَ الّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ لَا أَشُكّ فِيهِ وَلَا أَتَمَارَى قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي أَبِي إسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النّجّارِ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ الْمَازِنِيّ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا، قَالَ إنّي لَأَتّبِعُ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ لِأَضْرِبَهُ إذْ وَقَعَ رَأْسُهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ سَيْفِي، فَعَرَفْت أَنّهُ قَدْ قَتَلَهُ غَيْرِي قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ مِقْسَمٍ، مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ، قَالَ كَانَتْ سِيمَا الْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ عَمَائِمَ بِيضًا قَدْ أَرْسَلُوهَا عَلَى ظُهُورِهِمْ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ عَمَائِمَ حُمْرًا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ الْعَمَائِمُ تِيجَانُ الْعَرَبِ، وَكَانَتْ سِيمَا الْمَلَائِكَةِ يَوْم بدر عمائم بِيضًا قَدْ أَرْخَوْهَا عَلَى ظُهُورِهِمْ إلّا جِبْرِيلُ فَإِنّهُ كَانَتْ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ صَفْرَاءُ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ مِقْسَمٍ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ وَلَمْ تُقَاتِلْ الْمَلَائِكَةُ فِي يَوْمٍ سِوَى بَدْرٍ مِنْ الْأَيّامِ وَكَانُوا يَكُونُونَ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْأَيّامِ عَدَدًا وَمَدَدًا لَا يَضْرِبُونَ ــ نَسَبُ أَبِي دَاوُدَ الْمَازِنِيّ فَصَل وَذَكَرَ أَبَا دَاوُدَ الْمَازِنِيّ وَقَوْلَهُ لَقَدْ أَتْبَعْت رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَسَقَطَ رَأْسُهُ قَبْلَ أَنْ أَصِلَ إلَيْهِ. اسْمُ أَبِي دَاوُدَ هَذَا عَمْرٌو، وَقِيلَ عُمَيْرُ بْنُ عَامِرٍ وَهَذَا هُوَ الّذِي قَتَلَ أَبَا الْبَخْتَرِيّ بْنَ هِشَامٍ وَأَخَذَ سَيْفَهُ فِي قَوْلِ طَائِفَةٍ عَنْ أَهْلِ السّيَرِ غَيْرَ

стр. 1267

مَقْتَلُ أَبِي جَهْلٍ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَقْبَلَ أَبُو جَهْلٍ يَوْمَئِذٍ يَرْتَجِزُ وَهُوَ يُقَاتِلُ وَيَقُولُ مَا تَنْقِمُ الْحَرْبُ الْعَوَانُ مِنّي ... بَازِلِ عَامَيْنِ حَدِيثٌ سِنّي لِمِثْلِ هَذَا وَلَدَتْنِي أُمّي شِعَارُ الْمُسْلِمِينَ بِبَدْرِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ شِعَارُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ أَحَدٌ أَحَدٌ. ــ ابْنِ إسْحَاقَ وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ قَتَلَهُ الْمُجَذّرُ كَمَا تَقَدّمَ. لُغَوِيّاتٌ وَقَوْلُ مُعَاذِ بْنِ عَمْرٍو فِي مَقْتَلِ أَبِي جَهْلٍ مَا شَبّهْت رِجْلَهُ حِينَ طَاحَتْ إلّا بِالنّوَاةِ تَطِيحُ مِنْ تَحْتِ الْمِرْضَخَةِ. طَاحَتْ ذَهَبَتْ وَلَا يَكُونُ إلّا ذَهَابَ هَلَاكٍ وَالْمِرْضَخَةُ. كَالْإِرْزَبّةِ يُدَقّ بِهَا النّوَى لِلْعَلَفِ وَالرّضْخُ بِالْحَاءِ مُهْمَلَةً كَسْرُ الْيَابِسِ وَالرّضْخُ كَسْرُ الرّطَبِ وَوَقَعَ فِي أَصْلِ الشّيْخِ الْمُرْضَخَةُ بِالْحَاءِ وَالْخَاءِ مَعًا، وَيَدُلّ عَلَى أَنّهُ كُسِرَ لَمّا صُلِبَ وَأَنْشَدَ قَوْلَ الطّائِيّ أَتَرْضَحُنِي رَضْحَ النّوَى وَهِيَ مُصْمَتٌ ... وَيَأْكُلُنِي أَكْلَ الدّبَا وَهُوَ جَائِعٌ وَإِنّمَا نَحْتَجّ بِقَوْلِ الطّائِيّ وَهُوَ حَبِيبُ بْنُ أَوْسٍ لِعِلْمِهِ لَا لِأَنّهُ عَرَبِيّ يُحْتَجّ بِلُغَتِهِ.

стр. 1268

عَوْدٌ إلَى مَقْتَلِ أَبِي جَهْلٍ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عَدُوّهِ أَمَرَ بِأَبِي جَهْلٍ أَنْ يُلْتَمَسَ فِي الْقَتْلَى. وَكَانَ أَوّلَ مَنْ لَقِيَ أَبَا جَهْلٍ كَمَا حَدّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَيْضًا قَدْ حَدّثَنِي ذَلِكَ قَالَا: قَالَ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ: سَمِعْت الْقَوْمَ وَأَبُو جَهْلٍ فِي مِثْلِ الْحَرَجَةِ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْحَرَجَةُ الشّجَرُ الْمُلْتَفّ. وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ: أَنّهُ سَأَلَ أَعْرَابِيّا عَنْ الْحَرَجَةِ فَقَالَ هِيَ شَجَرَةٌ مِنْ الْأَشْجَارِ لَا يُوصَلُ إلَيْهَا - وَهُمْ يَقُولُونَ أَبُو الْحَكَمِ لَا يَخْلُصُ إلَيْهِ. قَالَ فَلَمّا سَمِعْتهَا جَعَلْته مِنْ شَأْنِي، فَصَمَدْت نَحْوَهُ فَلَمّا أَمْكَنَنِي حَمَلْت عَلَيْهِ فَضَرَبْته ضَرْبَةً أَطَنّتْ قَدَمَهُ بِنِصْفِ سَاقِهِ فَوَاَللهِ مَا شَبّهْتهَا حِينَ طَاحَتْ إلّا بِالنّوَاةِ تَطِيحُ مِنْ تَحْتِ مِرْضَخَةِ النّوَى حِينَ يُضْرَبُ بِهَا. قَالَ وَضَرَبَنِي ابْنُهُ عِكْرِمَةُ عَلَى عَاتِقِي، فَطَرَحَ يَدِي فَتَعَلّقَتْ بِجِلْدَةِ مِنْ جَنْبِي، وَأَجْهَضَنِي الْقِتَالُ عَنْهُ فَلَقَدْ قَاتَلْت عَامّةَ يَوْمِي، وَإِنّي لَأَسْحَبُهَا خَلْفِي، فَلَمّا آذَتْنِي وَضَعْت عَلَيْهَا قَدَمِي، ثُمّ تَمَطّيْت بِهَا عَلَيْهَا حَتّى طَرَحْتهَا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ حَتّى كَانَ زَمَانُ عُثْمَانَ. ثُمّ مَرّ بِأَبِي جَهْلٍ وَهُوَ عَقِيرٌ مُعَوّذُ ابْنُ عَفْرَاءَ، فَضَرَبَهُ حَتّى أَثْبَتَهُ فَتَرَكَهُ وَبِهِ ــ الْغُلَامَانِ اللّذَانِ قَتَلَا أَبَا جَهْلٍ وَذَكَرَ الْغُلَامَيْنِ اللّذَيْنِ قَتَلَا أَبَا جَهْلٍ وَأَنّهُمَا مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ وَمُعَوّذُ ابْنُ عَفْرَاءَ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنّهُمَا مُعَاذُ ابْنُ عَفْرَاءَ وَمُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، وَعَفْرَاء هِيَ بِنْتُ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُبَيْد بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنَمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النّجّار عَرَفَ بِهَا بَنُو عَفْرَاءَ وَأَبُوهُمْ الْحَارِثُ بْنُ رِفَاعَةَ بْنِ سَوَادٍ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي

стр. 1269

رَمَقٌ. وَقَاتَلَ مُعَوّذٌ حَتّى قُتِلَ فَمَرّ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ بِأَبِي جَهْلٍ حِينَ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُلْتَمَسَ فِي الْقَتْلَى، وَقَدْ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا بَلَغَنِي " اُنْظُرُوا، إنْ خَفِيَ عَلَيْكُمْ فِي الْقَتْلَى، إلَى أَثَرِ جُرْحٍ فِي رُكْبَتِهِ فَإِنّي ازْدَحَمْت يَوْمًا أَنَا وَهُوَ عَلَى مَأْدُبَةٍ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ جُدْعَانَ وَنَحْنُ غُلَامَانِ وَكُنْت أَشَفّ مِنْهُ بِيَسِيرِ فَدَفَعْته فَوَقَعَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَجُحِشَ فِي إحْدَاهُمَا جَحْشًا لَمْ يَزَلْ أَثَرُهُ بِهِ". قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: فَوَجَدْته بِآخِرِ رَمَقٍ فَعَرَفْته، فَوَضَعْت رِجْلِي عَلَى عُنُقِهِ - قَالَ وَقَدْ كَانَ ضَبَثَ بِي مَرّةً بِمَكّةَ فَآذَانِي وَلَكَزَنِي، ثُمّ قُلْت لَهُ هَلْ أَخْزَاك اللهُ يَا عَدُوّ اللهِ؟ قَالَ وَبِمَاذَا أَخْزَانِي، اعْمَدْ مِنْ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ أَخْبِرْنِي لِمَنْ الدّائِرَةَ الْيَوْمَ؟ قَالَ قُلْت: لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ضَبَثَ قَبَضَ عَلَيْهِ وَلَزِمَهُ. قَالَ ضَابِئُ بْنُ الْحَارِثِ الْبُرْجُمِيّ: فَأَصْبَحْت مِمّا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ... مِنْ الْوُدّ مِثْلَ الضّابِثِ الْمَاءَ بِالْيَدِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ أَعَارٌ عَلَى رَجُلِ قَتَلْتُمُوهُ أَخْبِرْنِي لِمَنْ الدّائِرَةُ الْيَوْمَ؟ ــ ذَلِكَ وَرِوَايَةُ ابْنِ إدْرِيسَ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ، كَمَا فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ، قَالَ أَبُو عُمَرَ وَأَصَحّ مِنْ هَذَا كُلّهِ حَدِيثُ أَنَسٍ حِينَ قَالَ النّبِيّ ﷺ "مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ أَبِي جَهْلٍ" الْحَدِيثُ وَفِيهِ أَنّ ابْنَيْ عَفْرَاءَ قَتَلَاهُ. وَقَوْلُ أَبِي جَهْلٌ اعْمَدْ مِنْ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ وَيُرْوَى قَتَلَهُ قَوْمُهُ أَيْ هَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلَهُ قَوْمُهُ وَهُوَ مَعْنَى تَفْسِيرِ ابْنِ هِشَامٍ، حَيْثُ قَالَ أَيْ لَيْسَ عَلَيْهِ عَارٌ وَالْأَوّلُ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدٍ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ وَقَدْ [أَنْشَدَ] شَاهِدًا عَلَيْهِ [تُقَدّمُ قَيْسٌ كُلّ يَوْمِ كَرِيهَةٍ ... وَيُثْنَى عَلَيْهَا فِي الرّخَاءِ ذُنُوبُهَا] وَأَعْمَدُ مِنْ قَوْمٍ كَفَاهُمْ أَخُوهُمْ ... صِدَامَ الْأَعَادِي حِينَ فُلّتْ نُيُوبُهَا

стр. 1270

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَزَعَمَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، أَنّ ابْنَ مَسْعُود كَانَ يَقُولُ قَالَ لِي: لَقَدْ ارْتَقَيْت مُرْتَقًى صَعْبًا يَا رُوَيْعِي الْغَنَمِ قَالَ ثُمّ احْتَرَزْت رَأْسَهُ ثُمّ جِئْت بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا رَأْسُ عَدُوّ اللهِ أَبِي جَهْلٍ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "اللهُ الّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ" قَالَ وَكَانَتْ يَمِينَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ قُلْت: نَعَمْ وَاَللهِ الّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ ثُمّ أَلْقَيْت رَأْسَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَحَمِدَ اللهَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْمَغَازِي: أَنّ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ قَالَ لِسَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَمَرّ بِهِ إنّي أَرَاك كَأَنّ فِي نَفْسِك شَيْئًا، أَرَاك تَظُنّ أَنّي ــ قَالَ الْمُؤَلّفُ ﵁ وَهُوَ عِنْدِي مِنْ قَوْلِهِمْ عَمِدَ الْبَعِيرُ يَعْمَدُ إذَا انْفَسَخَ سَنَامُهُ فَهَلَكَ أَيْ أَهْلَكُ مِنْ رَجُلٍ قَتَلَهُ قَوْمُهُ وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ مِنْ قَوْلِ أَبِي جَهْلٍ هَذَا، وَمَا ذَكَرُوهُ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِ لِابْنِ مَسْعُودٍ لَقَدْ ارْتَقَيْت مُرْتَقًى صَعْبًا يَا رُوَيْعِي الْغَنَمِ. مُرْتَقًى صَعْبًا يُعَارِضُ مَا وَقَعَ فِي سَيْرِ ابْنِ شِهَابٍ وَفِي مَغَازِي ابْنِ عُقْبَةَ أَنّ ابْنَ مَسْعُودٍ وَجَدَهُ جَالِسًا لَا يَتَحَرّكُ وَلَا يَتَكَلّمُ فَسَلَبَهُ دِرْعَهُ فَإِذَا فِي بَدَنِهِ نُكَتٌ سُودٌ فَحَلّ تَسْبَغَةَ الْبَيْضَةِ وَهُوَ لَا يَتَكَلّمُ وَاخْتَرَطَ سَيْفُهُ يَعْنِي سَيْفَ أَبِي جَهْلٍ فَضَرَبَ بِهِ عُنُقَهُ ثُمّ سَأَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ احْتَمَلَ رَأْسَهُ إلَيْهِ عَنْ تِلْكَ النّكَتِ السّودِ الّتِي رَآهَا فِي بَدَنِهِ فَأَخْبَرَهُ ﵇ "أَنّ الْمَلَائِكَةَ قَتَلَتْهُ وَأَنّ تِلْكَ آثَارُ ضَرْبَاتِ الْمَلَائِكَةِ" وَرَوَى يُونُسُ عَنْ أَبِي الْعُمَيْسِ قَالَ أَرَانِي الْقَاسِم بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ سَيْفَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ هَذَا سَيْفُ أَبِي جَهْلٍ حِينَ قَتَلَهُ فَأَخَذَهُ فَإِذَا سَيْفٌ قَصِيرٌ عَرِيضٌ فِيهِ قَبَائِعُ فِضّةٍ وَحَلَقُ فِضّةٍ قَالَ أَبُو عُمَيْسٍ فَضَرَبَ بِهِ الْقَاسِمُ عُنُقَ ثَوْرٍ فَقَطَعَهُ وَثَلَمَ فِيهِ ثَلْمًا، فَرَأَيْت الْقَاسِمَ جَزَعَ مِنْ ثَلْمِهِ جَزَعًا شَدِيدًا.

стр. 1271

قَتَلْت أَبَاك، إنّي لَوْ قَتَلْته لَمْ أَعْتَذِرْ إلَيْك مِنْ قَتْلِهِ وَلَكِنّي قَتَلْت خَالِي الْعَاصِ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَأَمّا أَبُوك فَإِنّي مَرَرْت وَهُوَ يَبْحَثُ بَحْثَ الثّوْرِ بِرَوْقِهِ فَحِدْت عَنْهُ وَقَصَدَ لَهُ ابْنُ عَمّهِ عَليّ فَقتله. قصَّة سيف عُكّاشَةَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَاتَلَ عُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنِ بْنِ حُرْثَانَ الْأَسَدِيّ، حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، يَوْمَ بَدْرٍ بِسَيْفِهِ حَتّى انْقَطَعَ فِي يَدِهِ فَأَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَعْطَاهُ ــ إضْمَارُ حَرْفِ الْجَرّ وَقَوْلُ النّبِيّ ﵇ اللهُ الّذِي لَا إلَهَ إلّا هُوَ بِالْخَفْضِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَغَيْرِهِ لِأَنّ الِاسْتِفْهَامَ عِوَضٌ مِنْ الْخَافِضِ عِنْدَهُ وَإِذَا كُنْت مُخَيّرًا قُلْت: اللهَ بِالنّصْبِ لَا يُجِيزُ الْمُبَرّدُ غَيْرَهُ وَأَجَازَ سِيبَوَيْهِ الْخَفْضَ أَيْضًا لِأَنّهُ قَسَمٌ وَقَدْ عَرَفَ أَنّ الْمُقْسِمَ بِهِ مَخْفُوضٌ بِالْبَاءِ أَوْ بِالْوَاوِ وَلَا يَجُوزُ إضْمَارُ حُرُوفِ الْجَرّ إلّا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَوْ مَا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ جِدّا كَمَا رُوِيَ أَنّ رُؤْبَةَ كَانَ يَقُولُ إذَا قِيلَ لَهُ كَيْفَ أَصْبَحْت؟ خَيْرٌ عَافَاك اللهُ. وَقَوْلُ النّبِيّ ﷺ فِي أَبِي جَهْلٍ حِينَ ذَكَرَ مُزَاحَمَتِهِ لَهُ فِي مَأْدُبَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جُدْعَانَ، وَقَدْ تَقَدّمَ فِي الْمَوْلِدِ التّعْرِيفُ بِعَبْدِ اللهِ بْنِ جُدْعَانَ وَذَكَرْنَا خَبَر جَفْنَتِهِ وَسَبَبَ غِنَاهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ صُعْلُوكًا بِأَتَمّ بَيَانٍ. خَبَرُ عُكّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ يُقَالُ فِيهِ عُكّاشَةُ بِالتّشْدِيدِ وَالتّخْفِيفِ وَهُوَ مَنْ عَكَشَ عَلَى الْقَوْمِ إذَا حَمَلَ عَلَيْهِمْ قَالَهُ صَاحِبُ الْعَيْنِ وَقَالَ غَيْرُهُ لِعُكّاشَةَ [وَالْعُكّاشُ] الْعَنْكَبُوتُ وَأَمّا

стр. 1272

جِدَلًا مِنْ حَطَبٍ فَقَالَ قَاتِلْ بِهَذَا يَا عُكّاشَةُ، فَلَمّا أَخَذَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ هَزّهُ فَعَادَ سَيْفًا فِي يَدِهِ طَوِيلَ الْقَامَةِ شَدِيدَ الْمَتْنِ أَبْيَضَ الْحَدِيدَةِ فَقَاتَلَ بِهِ حَتّى فَتَحَ اللهُ تَعَالَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ ذَلِكَ السّيْفُ يُسَمّى: الْعَوْنَ. ثُمّ لَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ يَشْهَدُ بِهِ الْمَشَاهِدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتّى قُتِلَ فِي الرّدّةِ وَهُوَ عِنْدَهُ قَتَلَهُ طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الْأَسَدِيّ، فَقَالَ طُلَيْحَةُ فِي ذَلِكَ فَمَا ظَنّكُمْ بِالْقَوْمِ إذْ تَقْتُلُونَهُمْ ... أَلَيْسُوا وَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا بِرِجَالِ فَإِنْ تَكُ أَذَاوُدٌ أُصِبْنَ وَنِسْوَةٌ ... فَلَنْ تَذْهَبُوا قِرْعًا بِقَتْلِ حِبَالِ نَصَبْت لَهُمْ صَدْرَ الْحِمَالَةِ إنّهَا ... مُعَاوِدَةٌ قِيلَ الْكُمَاةُ نَزَالِ فَيَوْمًا تَرَاهَا فِي الْجَلَالِ مَصُونَةً ... وَيَوْمًا تَرَاهَا غَيْرَ ذَاتِ جِلَالِ ــ سَيْفُهُ الّذِي كَانَ جِزْلًا مِنْ حَطَبٍ فَقَدْ قِيلَ إنّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَوَارَثًا عِنْدَ آلِ عُكّاشَةَ وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ عُكّاشَةَ فِي السّيْفِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَحْشٍ، وَسَيَأْتِي، ذِكْرُهَا عِنْدَ غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَأَمّا قَوْلُهُ فَلَنْ يَذْهَبُوا قِرْعًا بِقَتْلِ حِبَالِ فَالْقِرْعُ أَنْ يُطَلّ الدّمُ وَلَا يُطْلَبُ بِثَأْرِهِ وَحِبَالُ هُوَ ابْنُ أَخِي طُلَيْحَةَ لَا ابْنُهُ وَهُوَ حِبَالُ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ، وَمَسْلَمَةُ أَبُوهُ هُوَ الّذِي قَتَلَ عُكّاشَةُ اعْتَنَقَهُ مَسْلَمَةُ وَضَرَبَهُ طُلَيْحَةُ عَلَى فَرَسٍ يُقَالُ لَهَا: اللّزَامُ وَكَانَ ثَابِتُ عَلَى فَرَسٍ يُقَالُ لَهَا: الْمُخَبّرُ وَقِصّتُهُ مَشْهُورَةٌ فِي أَخْبَارِ الرّدّةِ. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيّ فِي الرّدّةِ بَعْدَ قَوْلِهِ فَيَوْمًا تَرَاهَا فِي الْجَلَالِ مَصُونَة ... وَيَوْمًا تَرَاهَا فِي ظِلَالِ عَوَالٍ إلَى آخِرِ الشّعْر. وَذَكَرَ فِي الْخَبَرِ أَنّ عُكّاشَةَ وَثَابِتَ بْنَ أَقْرَمَ الْبَلَوِيّ حَلِيفَيْ الْأَنْصَارِ كَانَا فِي جَيْشِ خَالِدٍ حِينَ نَهَدَ إلَى طُلَيْحَةَ، فَاسْتُقْدِمَا أَمَامَ جَيْشِ خَالِدٍ لِلْمُسْلِمِينَ فَوَقَعَا فِي

стр. 1273

عَشِيّةَ غَادَرْت ابْنَ أَقْرَمَ ثَاوِيًا ... وَعُكّاشَةَ الْغَنَمِيّ عِنْدَ حِجَالِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حِبَالِ ابْنُ طُلَيْحَةَ بْنُ خُوَيْلِدٍ. وَابْنُ أَقْرَمَ ثَابِتُ بْنُ أَقْرَمَ الْأَنْصَارِيّ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ وَعُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الّذِي قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "يَدْخُلُ الْجَنّةَ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ أُمّتِي عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ" قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ اُدْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ "إنّك مِنْهُمْ أَوْ اللهُمّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ "، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ. فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ اُدْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَقَالَ " سَبَقَك بِهَا عُكّاشَةُ وَبَرَدَتْ الدّعْوَةُ. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا بَلَغْنَا عَنْ أَهْلِهِ مِنّا خَيْرُ فَارِسٍ فِي الْعَرَبِ ; قَالُوا: وَمَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ "عُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ" فَقَالَ ضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ الْأَسَدِيّ: ذَاكَ رَجُلٌ مِنّا يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ " لَيْسَ مِنْكُمْ وَلَكِنّهُ مِنّا لِلْحِلْفِ ــ خَيْلٍ لِطُلَيْحَةَ وَهُوَ فِيهِمْ فَاسْتُشْهِدَا مَعًا، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ بُزَاخَةَ كَذَلِكَ قَالَ كُلّ مَنْ أَلّفَ مِنْ السّيَرِ إلّا سُلَيْمَانَ التّيْمِيّ، فَإِنّهُ ذَكَرَ أَنّ عُكّاشَةَ قُتِلَ فِي سَرِيّةٍ بَعَثَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى بَنِي أَسَدٍ، وَالْأَوّلُ هُوَ الْمَعْرُوفُ. سَبَقَك بِهَا عُكّاشَةُ وَذَكَرَ قَوْلَ النّبِيّ ﷺ لِعُكّاشَةَ حِينَ قَالَ اُدْعُ اللهَ يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَدَعَا لَهُ ثُمّ قَامَ رَجُلٌ آخَرَ فَقَالَ اُدْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَقَالَ "سَبَقَك بِهَا عُكّاشَةُ" هَكَذَا الْحَدِيثُ فِي الصّحَاحِ، وَزَادَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبَرَدَتْ الدّعْوَةُ وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ النّمَرِيّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَمْ يُسَمّهِمْ أَنّ الرّجُلَ الّذِي قِيلَ

стр. 1274

حَدِيثٌ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ عَبْدِ الرّحْمَنِ يَوْمَ بَدْرٍ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَنَادَى أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ ابْنَهُ عَبْدَ الرّحْمَنِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مَعَ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ أَيْنَ مَالِي يَا خَبِيثُ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرّحْمَنِ: لَمْ يَبْقَ غَيْرُ شِكّةَ ويَعْبُوبْ ... وَصَارِمٌ يَقْتُلُ ضُلّالَ الشّيبْ فِيمَا ذُكِرَ لِي عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمّدٍ الدّراوَرْديّ. ــ لَهُ سَبَقَك بِهَا عُكّاشَةُ كَانَ مُنَافِقًا، وَلِذَلِكَ لَمْ يَدْعُ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ الْمُؤَلّفُ وَهَذَا لَا يَصِحّ; لِأَنّ فِي مُسْنَدِ الْبَزّارِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ خِيَارِ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ اُدْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مَعَهُمْ قَالَ ابْنُ بَطّالٍ مَعْنَى قَوْلِهِ سَبَقَك بِهَا عُكّاشَةُ أَيْ سَبَقَك بِهَذِهِ الصّفَةِ الّتِي هِيَ صِفَةُ السّبْعِينَ أَلْفًا، تَرْكُ التّطَيّرِ وَنَحْوِهِ وَلَمْ يَقُلْ لَسْت مِنْهُمْ وَلَا عَلَى أَخْلَاقِهِمْ بِحُسْنِ أَدَبِهِ ﵇ وَتَلَطّفِهِ فِي الْكَلَامِ [و] لَا سِيّمَا مَعَ أَصْحَابِهِ الْكِرَامِ. قَالَ الْمُؤَلّفُ ﵁ وَاَلّذِي عِنْدِي فِي هَذَا أَنّهَا كَانَتْ سَاعَةَ إجَابَةٍ عَلِمَهَا ﵇ فَلَمّا انْقَضَتْ قَالَ لِلرّجُلِ مَا قَالَ يُبَيّنُ هَذَا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، فَإِنّهُ قَالَ فِيهِ بَعْدَ ذِكْرِ عُكّاشَةَ، فَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ اُدْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَقَالَ "اللهُمّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ" ثُمّ سَكَتُوا سَاعَةً يَتَحَدّثُونَ ثُمّ قَامَ الثّالِثُ فَقَالَ اُدْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مَعَهُمْ فَقَالَ "سَبَقَك بِهَا عُكّاشَةُ وَصَاحِبَهُ وَلَوْ قُلْت لَقُلْت، وَلَوْ قُلْت لَوَجَبَتْ" وَهِيَ فِي مُسْنَدِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَفِي مُسْنَدِ الْبَزّارِ أَيْضًا. وَيُقَوّي هَذَا الْمَعْنَى رِوَايَةَ ابْنِ إسْحَاقَ، فَإِنّهُ زَادَ فَقَالَ فِيهَا: "سَبَقَك بِهِ عُكّاشَةُ وَبَرَدَتْ الدّعْوَةُ" فَقِفْ عَلَى مَا ذَكَرْته فِي تَفْسِيرِ حَدِيثِ عُكّاشَةَ فَإِنّهُ مِنْ فَوَائِدِ هَذَا الْكِتَابِ. وَمِمّنْ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا لِعُذْرِ وَهُوَ مِنْ النّقَبَاءِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ سَيّدُ الْخَزْرَجِ، لِأَنّهُ نَهَشَتْهُ حَيّةٌ فَلَمْ يَسْتَطِعْ الْخُرُوجَ هَذَا قَوْلُ الْقُتَبِيّ وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ إسْحَاقَ، وَلَا ابْنُ عُقْبَةَ فِي الْبَدْرِيّينَ وَقَدْ ذَكَرَهُ طَائِفَةٌ فِيهِمْ مِنْهُمْ ابْنُ الْكَلْبِيّ وَجَمَاعَةٌ.

стр. 1275

طَرْحُ الْمُشْرِكِينَ فِي الْقَلِيبِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمّا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْقَتْلَى أَنْ يُطْرَحُوا فِي الْقَلِيبِ طَرَحُوا فِيهِ إلّا مَا كَانَ أُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ، فَإِنّهُ انْتَفَخَ فِي دِرْعِهِ فَمَلَأَهَا، فَذَهَبُوا لِيُحَرّكُوهُ فَتَزَايَلَ لَحْمُهُ فَأَقَرّوهُ وَأَلْقَوْا عَلَيْهِ مَا غَيّبَهُ مِنْ التّرَابِ وَالْحِجَارَةِ. فَلَمّا أَلْقَاهُمْ فِي الْقَلِيبِ، وَقَفَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ "يَا أَهْلَ الْقَلِيبِ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبّكُمْ حَقّا؟ فَإِنّي وَجَدْت مَا وَعَدَنِي رَبّي حَقّا"؟ قَالَتْ فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ يَا رَسُولَ اللهِ أَتُكَلّمُ قَوْمًا مَوْتَى؟ فَقَالَ لَهُمْ لَقَدْ عَلِمُوا أَنّ مَا وَعَدَهُمْ رَبّهُمْ حَقّا قَالَتْ عَائِشَةُ وَالنّاسُ يَقُولُونَ لَقَدْ سَمِعُوا مَا قُلْت لَهُمْ وَإِنّمَا قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ "لَقَدْ عَلِمُوا" ــ نِدَاءُ أَصْحَابِ الْقَلِيبِ مَسْأَلَةٌ نَحْوِيّةٌ وَقَوْلُهُ ﵇ يَا عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَيَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ الْحَدِيثُ يَجُوزُ يَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، بِضَمّ التّاءِ وَنَصْبِ النّونِ وَبِنَصْبِهِمَا جَمِيعًا، أَمّا مَنْ يَقُولُ جَاءَنِي زَيْدُ ابْنُ فُلَانٍ بِالتّنْوِينِ فَهُوَ الّذِي يَقُولُ يَا زَيْدُ ابْنُ بِضَمّ الدّالِ وَيُكْتَبُ ابْنٌ بِالْأَلِفِ عَلَى هَذَا، وَمَنْ يَقُولُ جَاءَنِي زَيْدُ ابْنُ بِلَا تَنْوِينٍ فَهُوَ الّذِي يَقُولُ فِي النّدَاءِ يَا زَيْدَ ابْنَ بِنَصْبِ الدّالِ وَيُكْتَبُ ابْنًا بِغَيْرِ أَلِفٍ لِأَنّهُ جَعَلَ الِابْنَ مَعَ مَا قَبْلِهِ اسْمًا وَاحِدًا، فَعَلَى هَذَا تَقُولُ يَا حَارِثَ ابْنَ عَمْرٍو فَتَكْتُبُهُ بِأَلِفِ لِأَنّك أَرَدْت يَا حَارِثُ بِالضّمّ لِأَنّك لَوْ أَرَدْت يَا حَارِثَ ابْنَ بِالنّصْبِ لَمْ تُرَخّمْهُ لِأَنّهُ قَدْ صَارَ وَسَطَ الِاسْمِ وَقَدْ جَعَلَهُ سِيبَوَيْهِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِك: امْرِئِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ وَيَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ إنْ نَوّنْت اللّامَ مِنْ أَبِي جَهْلٍ كَتَبْت الِابْنَ بِأَلِفِ وَإِنْ لَمْ تُنَوّنْهُ كَتَبْته بِغَيْرِ أَلِفٍ.

стр. 1276

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي حُمَيْدٌ الطّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ سَمِعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ جَوْفِ اللّيْلِ وَهُوَ يَقُولُ "يَا أَهْلَ الْقَلِيبِ، يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَيَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا أُمَيّةَ بْنَ خَلَفٍ، وَيَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، فَعَدَدُ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي الْقَلِيبِ: "هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبّكُمْ حَقّا فَإِنّي قَدْ وَجَدْت مَا وَعَدَنِي رَبّي حَقّا"؟ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ يَا رَسُولَ اللهِ أَتُنَادِي قَوْمًا قَدْ جَيّفُوا؟ قَالَ "مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ وَلَكِنّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُجِيبُونِي" قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ ــ وَذَكَرَ إنْكَارَ عَائِشَةَ أَنْ يَكُونَ ﵇ قَالَ لَقَدْ سَمِعُوا مَا قُلْت، قَالَتْ وَإِنّمَا قَالَ "لَقَدْ عَلِمُوا أَنّ الّذِي كُنْت أَقُولُ حَقّ" قَالَ الْمُؤَلّفُ وَعَائِشَةُ لَمْ تَحْضُرْ وَغَيْرُهَا مِمّنْ حَضَرَ أَحْفَظُ لِلَفْظِهِ ﵇ وَقَدْ قَالُوا لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ أَتُخَاطِبُ قَوْمًا قَدْ جَيّفُوا أَوْ أُجِيفُوا، فَقَالَ "مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ" وَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونُوا فِي تِلْكَ الْحَالِ عَالِمَيْنِ جَازَ أَنْ يَكُونُوا سَامِعَيْنِ إمّا بِآذَانِ رُءُوسِهِمْ إذَا قُلْنَا: إنّ الرّوحَ يُعَادُ إلَى الْجَسَدِ أَوْ إلَى بَعْضِ الْجَسَدِ عِنْدَ الْمُسَاءَلَةِ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِينَ مِنْ أَهْلِ السّنّةِ وَإِمّا بِإِذْنِ الْقَلْبِ أَوْ الرّوحِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ بِتَوَجّهِ السّؤَالَ إلَى الرّوحِ مِنْ غَيْرِ رُجُوعٍ مَعَهُ إلَى الْجَسَدِ أَوْ إلَى بَعْضِهِ وَقَدْ رُوِيَ أَنّ عَائِشَةَ احْتَجّتْ بِقَوْلِ اللهِ سُبْحَانَهُ ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢] وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصّمّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ [الزخرف:٤٠] أَيْ إنّ اللهَ هُوَ الّذِي يُهْدِي وَيُوَفّقُ وَيُوصِلُ الْمَوْعِظَةَ إلَى آذَانِ الْقُلُوبِ لَا أَنْتَ وَجَعَلَ الْكُفّارَ أَمْوَاتًا وَصُمّا عَلَى جِهَةِ التّشْبِيهِ بِالْأَمْوَاتِ وَبِالصّمّ فَاَللهُ هُوَ الّذِي يَسْمَعُهُمْ عَلَى الْحَقِيقَةِ إذَا شَاءَ لَا نَبِيّهُ وَلَا أَحَدٌ، فَإِذَا لَا تَعَلّقَ بِالْآيَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنّهَا إنّمَا نَزَلَتْ فِي دُعَاءِ الْكُفّارِ إلَى الْإِيمَانِ.

стр. 1277

هَذِهِ الْمَقَالَةِ يَا أَهْلَ الْقَلِيبِ بِئْسَ عَشِيرَةُ النّبِيّ كُنْتُمْ لِنَبِيّكُمْ، كَذّبْتُمُونِي وَصَدّقَنِي النّاسُ وَأَخْرَجْتُمُونِي وَآوَانِي النّاسُ وَقَاتَلْتُمُونِي نَصَرَنِي النّاسُ ثُمّ قَالَ هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبّكُمْ حَقّا؟ لِلْمَقَالَةِ الّتِي قَالَ. شِعْرُ حَسّانَ فِيمَنْ أُلْقُوا فِي الْقَلِيبِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ: عَرَفْت دِيَارَ زَيْنَبَ بِالْكَثِيبِ ... كَخَطّ الْوَحْيِ فِي الْوَرَقِ الْقَشِيبِ ــ الثّانِي: أَنّهُ إنّمَا نَفَى عَنْ نَبِيّهِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمِسْمَعَ لَهُمْ وَصَدَقَ اللهُ فَإِنّهُ لَا يَسْمَعُهُمْ إذَا شَاءَ إلّا هُوَ وَيَفْعَلُ مَا شَاءَ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. مِنْ مَعَانِي شِعْرِ حَسّانَ فَصْلٌ وَذَكَرَ شِعْرَ حَسّانَ وَقَالَ فِيهِ: كَخَطّ الْوَحْيِ فِي الْوَرَقِ الْقَشِيبِ الْقَشِيبُ فِي اللّغَةِ الْجَدِيدُ وَلَا مَعْنَى لَهُ فِي هَذَا الْبَيْتِ لِأَنّهُمْ إذَا وَصَفُوا الرّسُومَ وَشَبّهُوهَا بِالْكُتُبِ فِي الْوَرَقِ فَإِنّمَا يَصِفُونَ الْخَطّ حِينَئِذٍ بِالدّرُوسِ وَالِامّحَاءِ فَإِنّ ذَلِكَ أَدَلّ عَلَى عَفَاءِ الدّيَارِ وَطُمُوسِ الْآثَارِ وَكَثْرَةُ ذَلِكَ فِي الشّعْرِ تُغْنِي عَنْ الِاسْتِشْهَادِ عَلَيْهِ وَلَكِنْ مِنْهُ قَوْلُ النّابِغَةِ وَقَفْت فِيهَا أُصَيْلَانَا أُسَائِلُهَا ... عَيّتْ جَوَابًا وَمَا بِالرّبْعِ مِنْ أَحَدِ إلّا الْأُوَارَيْ لِأَيّامًا أُبَيّنُهَا ... وَالنّؤْيُ كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ الْجِلْدِ

стр. 1278

تَدَاوَلَهَا الرّيَاحُ وَكُلّ جَوْنٍ ... مِنْ الْوَسْمِيّ مُنْهَمِرٍ سَكُوبِ فَأَمْسَى رَسْمُهَا خَلَقًا وَأَمْسَتْ ... يَبَابًا بَعْدَ سَاكِنِهَا الْحَبِيبِ فَدَعْ عَنْك التّذَكّرَ كُلّ يَوْمٍ ... وَرُدّ حَرَارَةَ الصّدْرِ الْكَئِيبِ وَخَبّرْ بِاَلّذِي لَا عَيْبَ فِيهِ ... بِصَدْقِ غَيْرِ إخْبَارِ الْكَذُوبِ بِمَا صَنَعَ الْمَلِيكُ غَدَاةَ بَدْرٍ ... لَنَا فِي الْمُشْرِكِينَ مِنْ النّصِيبِ غَدَاةَ كَأَنّ جَمْعَهُمْ حِرَاءٌ ... بَدَتْ أَرْكَانُهُ جُنْحَ الْغُرُوبِ فَلَاقَيْنَاهُمْ مِنّا بِجَمْعِ ... كَأُسْدِ الْغَابِ مُرْدَانٍ وَشِيبِ أَمَامَ مُحَمّدٍ قَدْ وَازَرُوهُ ... عَلَى الْأَعْدَاءِ فِي لَفْحِ الْحُرُوبِ ــ وَقَوْلُ زُهَيْرٍ: [وَقَفْت بِهَا مِنْ بَعْدِ عِشْرِينَ حِجّةً] ... فَلَأْيًا عَرَفْت الدّارَ بَعْدَ تَوَهّمِ وَقَالَ آخَرُ وَإِلّا رُسُومُ الدّارِ قَفْرًا كَأَنّهَا ... سُطُورٌ مَحَاهَا الْبَاهِلِيّ بْنُ أَصْمَعَا وَلَكِنْ أَرَادَ حَسّانُ بِالْقَشِيبِ هَاهُنَا الّذِي خَالَطَهُ مَا يُفْسِدُهُ إمّا مِنْ دَنَسٍ وَإِمّا مِنْ قِدَمٍ يُقَالُ طَعَامٌ مُقَشّبٌ إذَا كَانَ فِيهِ السّمّ. وَقَالَ الشّاعِرُ [خُوَيْلِدُ بْنُ مُرّةَ أَبُو خِرَاشٍ الْهُذَلِيّ] : [بِهِ تَدَعُ الْكَمِيّ عَلَى يَدَيْهِ] ... نَحْرٌ تَخَالُهُ نَسْرًا قَشِيبَا مَعْنَاهُ مَسْمُومٌ لِأَنّ الْقَشْبَ هُوَ السّمّ قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي تَفْسِيرِ حَدِيثِ آخِرُ مَنْ يَخْرَجُ مِنْ النّارِ وَفِيهِ قَشَبَنِي رِيحُهَا، وَأَحْرَقَنِي ذَكَاهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي

стр. 1279

بِأَيْدِيهِمْ صَوَارِمُ مُرْهَفَاتٌ ... وَكُلّ مُجَرّبٍ خَاطِي الْكُعُوبِ بَنُو الْأَوْسِ الْغَطَارِفِ وَازَرَتْهَا ... بَنُو النّجّارِ فِي الدّينِ الصّلِيبِ فَغَادَرْنَا أَبَا جَهْلٍ صَرِيعًا ... وَعُتْبَةَ قَدْ تَرَكْنَا بِالْجَبُوبِ ــ الْقِشْبِ هُوَ نَبَاتٌ رَطْبٌ مَسْمُومٌ يُنْصَبُ لِسِبَاعِ الطّيْرِ فِي لَحْمٍ فَإِذَا أَكَلَتْهُ مَاتَتْ قَالَ وَالْعَرَبُ يُجْنِبُونَهُ مَاشِيَتَهُمْ فِي الْمَرْعَى، كَيْ لَا تُحَطّمَهُ فَيَفُوحُ مِنْ رِيحِهِ مَا يَقْتُلُهَا، فَقَوْلُهُ فِي الْبَيْتِ الّذِي اسْتَشْهَدَ بِهِ الْقُتَبِيّ: تَخَالُهُ نَسْرًا قَشِيبًا، أَيْ نَسْرًا أَكَلَ ذَلِكَ الْقِشْبَ فِي اللّحْمِ وَاَللهُ أَعْلَمُ قَالَ وَالْأَلْبُ أَيْضًا، ضَرْبٌ مِنْ الْقِشْبِ إنْ وَجَدَتْ رِيحَهُ سِبَاعُ الطّيْرِ عَمِيَتْ وَصَمّتْ وَإِنْ أَكَلَتْهُ مَاتَتْ قَالَ وَالضّجَاجُ أَيْضًا: كُلّ نَبَاتٍ مَسْمُومٍ. مَعْنَى أَلْقَائِهِمْ فِي الْقَلِيبِ فَصْلٌ: فَإِنْ قِيلَ مَا مَعْنَى إلْقَائِهِمْ فِي الْقَلِيبِ، وَمَا فِيهِ مِنْ الْفِقْهِ قُلْنَا: كَانَ مِنْ سُنّتِهِ ﵇ فِي مَغَازِيهِ إذَا مَرّ بِجِيفَةِ إنْسَانٍ أَمَرَ بِدَفْنِهِ لَا يَسْأَلُ عَنْهُ مُؤْمِنًا، كَانَ أَوْ كَافِرًا هَكَذَا وَقَعَ فِي السّنَنِ لِلدّارَقُطْنِيّ، فَلِقَاؤُهُمْ فِي الْقَلِيبِ مِنْ هَذَا الْبَابِ غَيْرَ أَنّهُ كَرِهَ أَنْ يَشُقّ عَلَى أَصْحَابِهِ لِكَثْرَةِ جِيَفِ الْكُفّارِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِدَفْنِهِمْ فَكَانَ جَرّهُمْ إلَى الْقَلِيبِ أَيْسَرَ عَلَيْهِمْ وَوَافَقَ أَنّ الْقَلِيبَ حَفَرَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي النّار اسْمُهُ بَدْرٌ فَكَانَ. فَأْلًا مُقَدّمًا لَهُمْ وَهَذَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي بَدْرٍ وَاَللهُ أَعْلَمُ. عَوْدٌ إلَى شِعْرِ حَسّانَ وَفِي شِعْرِ حَسّانَ أَيْضًا: بَنُو الْأَوْسِ الْغَطَارِفِ وَازَرَتْهَا وَلَوْ قَالَ آزَرَتْهَا بِالْهَمْزِ لَجَازَ وَكَانَ مِنْ الْأَزْرِ وَفِي التَّنْزِيل ﴿فَآزَرَهُ﴾ [الْفَتْح: من الْآيَة٢٩] أَيْ شَدّ أَزْرَهُ وَقَوّاهُ وَلَكِنْ أَرَادَ حَسّانُ مَعْنَى الْوَزِيرِ فَإِنّهُ سُمّيَ وَزِيرًا مِنْ الْوِزْرِ وَهُوَ الثّقْلُ لِأَنّهُ يَحْمِلُ عَنْ صَاحِبِهِ ثِقْلًا وَيُعِينُهُ وَقِيلَ هُوَ مِنْ

стр. 1280

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْوِزْرِ وَهُوَ الْمَلْجَأُ لِأَنّ الْوَزِيرَ يَلْجَأُ إلَى رَأْيِهِ وَقَدْ أَلْفَيْته فِي نُسْخَةِ الشّيْخِ أَبِي بَحْرٍ آزَرْتهَا مُصْلَحًا بِغَيْرِ وَاوٍ إلّا أَنّ وَازَرَتْهَا وَزْنُهُ فَاعَلْت، وَآزَرْت وَزْنُهُ أَفْعَلْت. وَقَوْلُهُ: وَعُتْبَةَ قَدْ تَرَكْنَا بِالْجَبُوبِ مَعْنَى الْجَبُوبِ: الْجَبُوبُ اسْمٌ لِلْأَرْضِ لِأَنّهَا تُجَبّ أَيْ تُحْفَرُ وَتَجُبّ مَنْ دُفِنَ فِيهَا، أَيْ تَقْطَعُهُ وَهَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى، لِأَنّهُمْ قَالُوا: جَبُوبٌ مِثْلَ صَبُورٍ وَشَكُورٍ فِي الْمُؤَنّثِ وَلَمْ يَقُولُوا: جَبُوبَةٌ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ حَلُوبَةٍ وَرَكُوبَةٍ، وَيُدْخِلُونَ فِيهَا الْأَلِفَ وَاللّامَ تَارَةً فَيَقُولُونَ الْجَبُوبُ كَمَا فِي هَذَا الْبَيْتِ وَتَارَةً يَجْعَلُونَهُ اسْمًا عَلَمًا، فَيَقُولُونَ جَبُوبٌ مِثْلَ شَعُوبٍ قَالَ الشّاعِرُ: بَنَى عَلَى قَلْبِي وَعَيْنِي مَكَانَهُ ... ثَوَى بَيْنَ أَحْجَارٍ رَهِينَ جَبُوبِ وَمِنْهُ قِيلَ جَبّانٌ وَجَبّانَةَ لِلْأَرْضِ الّتِي يُدْفَنُ فِيهَا الْمَوْتَى، فَهُوَ فَعْلَانٌ مِنْ الْجَبّ وَالْجَبُوبِ وَهُوَ قَوْلُ الْخَلِيلِ فِي مَعْنَى الْجَبّانِ وَغَيْرُهُ يَجْعَلُهُ فَعّالًا مِنْ الْجُبْنِ. مَرّةٌ أُخْرَى شِعْرُ حَسّانَ وَقَوْلُهُ: خَاطِي الْكُعُوبِ أَيْ مُكْتَنِزُ الْكُعُوبِ قَوِيّهَا [وَالْكُعُوبُ عُقَدُ الْقَنَاةِ] ، وَقَوْلُ حَسّانَ: الْغَطَارِفُ أَرَادَ الْغَطَارِيفَ كَمَا تَقَدّمَ فِي شِعْرِ الْجُرْهُمِيّ تَطَلّ بِهَا أَمْنًا وَفِيهَا الْعَصَافِرُ

стр. 1281

وَشَيْبَةَ قَدْ تَرَكْنَا فِي رِجَالٍ ... ذَوِي حَسَبٍ إذَا نُسِبُوا حَسِيبِ يُنَادِيهِمْ رَسُولُ اللهِ لَمّا ... قَذَفْنَاهُمْ كَبَاكِبَ فِي الْقَلِيبِ أَلَمْ تَجِدُوا كَلَامِي كَانَ حَقّا ... وَأَمْرُ اللهِ يَأْخُذُ بِالْقُلُوبِ؟ فَمَا نَطَقُوا، وَلَوْ نَطَقُوا لَقَالُوا: ... صَدَقْت وَكُنْت ذَا رَأْيٍ مُصِيبِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمّا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُلْقُوا فِي الْقَلِيبِ، أُخِذَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، فَسُحِبَ إلَى الْقَلِيبِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا بَلَغَنِي فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ، فَإِذَا هُوَ كَئِيبٌ قَدْ تَغَيّرَ لَوْنُهُ فَقَالَ "يَا أَبَا حُذَيْفَةَ لَعَلّك قَدْ دَخَلَك مِنْ شَأْنِ أَبِيك شَيْءٌ"؟ أَوْ كَمَا قَالَ ﷺ فَقَالَ لَا، وَاَللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا شَكَكْت فِي أَبِي وَلَا فِي مَصْرَعِهِ وَلَكِنّنِي كُنْت أَعْرِفُ مِنْ أَبِي رَأْيًا وَحُلْمًا وَفَضْلًا، فَكُنْت أَرْجُو أَنْ يَهْدِيَهُ ذَلِكَ إلَى الْإِسْلَامِ فَلَمّا رَأَيْت مَا أَصَابَهُ وَذَكَرْت مَا مَاتَ عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْرِ بَعْدَ الّذِي كُنْت أَرْجُو لَهُ أَحْزَنَنِي ذَلِكَ فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِخَيْرِ وَقَالَ لَهُ خيرا ذكر الْفتية الَّذين نَزَلَ فِيهِمْ ﴿إِنّ الّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ وَكَانَ الْفِتْيَةُ الّذِينَ قُتِلُوا بِبَدْرِ فَنَزَلَ فِيهِمْ مِنْ الْقُرْآنِ فِيمَا ذُكِرَ لَنَا: ﴿إِنّ الّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا ــ أَرَادَ الْعَصَافِيرَ وَحَذَفَ الْيَاءَ ضَرُورَةً. تَفْسِيرُ قَوْلِ ابْنِ أَبِي بَكْرٍ فَصْلٌ وَذَكَرَ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ ﵁ لِابْنِهِ يَوْمَ بَدْرٍ أَيْنَ مَالِي يَا خَبِيثُ فَقَالَ لَمْ يَبْقَ إلّا شِكّةٌ ويَعْبُوبْ الشّكّةُ السّلَاحُ وَالْيَعْبُوبُ مِنْ الْخَيْلِ الشّدِيدُ الْجَرْي، وَيُقَالُ الطّوِيلُ وَالْأَوّلُ أَصَحّ، لِأَنّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ عُبَابِ الْمَاءِ وَهُوَ شِدّةُ جَرْيِهِ وَيُقَالُ لِلْجَدْوَلِ الْكَثِيرِ

стр. 1282

أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النِّسَاء:٩٧] فِتْيَةً مُسَمّينَ. مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ: الْحَارِثُ بْنُ زَمَعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ أَسَدٍ. وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ: أَبُو قَيْسِ بْنُ الْفَاكِهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَأَبُو قَيْسِ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ. وَمِنْ بَنِي جُمَحَ: عَلِيّ بْنُ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ. وَمِنْ بَنِي سَهْمٍ: الْعَاصِ بْنُ مُنَبّهِ بْنِ الْحَجّاجِ بْنِ عَامِرِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ. وَذَلِكَ أَنّهُمْ كَانُوا أَسْلَمُوا، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَكّةَ، فَلَمّا هَاجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى ــ الْمَاءِ يَعْبُوبُ وَقَدْ كَانَ لِلنّبِيّ ﷺ فَرَسٌ اسْمُهُ السّكْبُ وَهُوَ مِنْ سَكَبْت الْمَاءَ فَهَذَا يُقَوّي مَعْنَى الْيَعْبُوبِ وَذَكَرَ غَيْرُ ابْنِ إسْحَاقَ أَنّ عَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ قَالَ لِأَبِيهِ بَعْدَمَا أَسْلَمَ: يَا أَبَتْ لَقَدْ أَهْدَفْت لِي يَوْمَ بَدْرٍ مِرَارًا فَصَدَفْت عَنْك، فَقَالَ وَاَللهِ لَوْ كُنْت أَهْدَفْت لِي أَنْتَ مَا صَدَفْت عَنْك. الْعَرْشُ وَالْعَرِيشُ فَصْلٌ: وَذَكَرَ تَنَازُعَهُمْ فِي النّفْلِ وَمَا احْتَجّتْ بِهِ الطّائِفَةُ الّذِينَ كَانُوا يَحْمُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي الْعَرِيشِ وَالْعَرِيشُ كُلّ مَا أَظَلّك وَعَلَاك مِنْ فَوْقِك، فَإِنْ عَلَوْته أَنْتَ فَهُوَ عَرْشٌ لَك، لَا عَرِيشٌ وَالْعَرِيشُ أَيْضًا فِيمَا فَكّرَ أَبُو حَنِيفَةَ أَرْبَعُ نَخَلَاتٍ أَوْ خَمْسٌ فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ.

стр. 1283

الْمَدِينَةِ حَبَسَهُمْ آبَاؤُهُمْ وَعَشَائِرُهُمْ بِمَكّةَ وَفَتَنُوهُمْ فَافْتُتِنُوا، ثُمّ سَارُوا مَعَ قَوْمِهِمْ إلَى بَدْرٍ فَأُصِيبُوا بِهِ جَمِيعًا. ذِكْرُ الْفَيْء ببدر وَالْأسَارَى: ثُمّ إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِمَا فِي الْعَسْكَرِ مِمّا جَمَعَ النّاسُ فَجَمَعَ فَاخْتَلَفَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ فَقَالَ مَنْ جَمَعَهُ هُوَ لَنَا، وَقَالَ الّذِينَ كَانُوا يُقَاتِلُونَ الْعَدُوّ وَيَطْلُبُونَهُ وَاَللهِ لَوْلَا نَحْنُ مَا أَصَبْتُمُوهُ لَنَحْنُ شَغَلْنَا عَنْكُمْ الْقَوْمَ حَتّى أَصَبْتُمْ مَا أَصَبْتُمْ وَقَالَ الّذِينَ كَانُوا يَحْرُسُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَخَافَةَ أَنْ يُخَالِفَ إلَيْهِ الْعَدُوّ وَاَللهِ مَا أَنْتُمْ بِأَحَقّ بِهِ مِنّا، وَاَللهِ لَقَدْ رَأَيْنَا أَنْ نَقْتُلَ الْعَدُوّ إذْ مَنَحَنَا اللهُ تَعَالَى أَكْتَافَهُ وَلَقَدْ رَأَيْنَا أَنْ نَأْخُذَ الْمَتَاعَ حِينَ لَمْ يَكُنْ دُونَهُ مَنْ يَمْنَعُهُ وَلَكِنّا خِفْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ كَرّةَ الْعَدُوّ فَقُمْنَا دُونَهُ فَمَا أَنْتُمْ بِأَحَقّ بِهِ مِنّا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيّ - وَاسْمُهُ صِدْقِيّ بْنُ عَجْلَانَ فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ قَالَ سَأَلْت عُبَادَةَ بْنَ الصّامِتِ عَنْ الْأَنْفَالِ فَقَالَ فِينَا أَصْحَابُ ــ بَنُو عَابِدٍ وَبَنُو عَائِذٍ وَذَكَرَ قَوْلَ أَبِي أُسَيْدٍ وَجَدْت يَوْمَ بَدْرٍ سَيْفَ بَنِي عَابِدٍ الّذِي يُقَالُ لَهُ الْمَرْزُبَانُ. بَنُو عَابِدٍ فِي بَنِي مَخْزُومٍ، وَهُمْ بَنُو عَابِدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَأَمّا بَنُو عَائِذٍ بِالْيَاءِ وَالذّالِ الْمُعْجَمَةِ فَهُمْ بَنُو عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ رَهْطُ آلِ الْمُسَيّبِ، وَالْأَوّلُونَ رَهْطُ آلِ بَنِي السّائِبِ. حَوْلَ الْقَسْمِ وَأَمّا قَوْلُهُ فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَوَاءٍ يَقُولُ عَلَى سَوَاءٍ فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْأَمْوَالِ، فَقَالَ فِيهِ فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ فُوَاقٍ وَفَسّرَهُ فَقَالَ جَعَلَ بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ أَيْ فَضّلَ فِي الْقَسْمِ مَنْ رَأَى تَفْضِيلَهُ وَفِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ قَوْلًا آخَرَ وَهُوَ أَنّ مَعْنَى عَنْ فُوَاقٍ السّرْعَةُ فِي الْقَسْمِ كفواق النَّاقة

стр. 1284

بَدْرٍ نَزَلَتْ حِينَ اخْتَلَفْنَا فِي النّفَلِ وَسَاءَتْ فِيهِ أَخْلَاقُنَا، فَنَزَعَهُ اللهُ مِنْ أَيْدِينَا، فَجَعَلَهُ إلَى رَسُولِهِ فَقَسَمَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ بَوَاءٍ يَقُولُ عَلَى السّوَاءِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ حَدّثَنِي بَعْضُ بَنِي سَاعِدَةَ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ السّاعِدِيّ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ أَصَبْت سَيْفَ بَنِي عَائِذٍ الْمَخْزُومِيّينَ الّذِي يُسَمّى الْمَرْزُبَانُ يَوْمَ بَدْرٍ فَلَمّا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النّاسَ أَنْ يَرُدّوا مَا فِي أَيْدِيهمْ مِنْ النّفَلِ أَقْبَلْت حَتّى أَلْقَيْته فِي النّفَلِ. قَالَ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يَمْنَعُ شَيْئًا سُئِلَهُ فَعَرَفَهُ الْأَرْقَمُ بْنُ أَبِي الْأَرْقَمِ، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَعْطَاهُ إيّاهُ. بَعْثُ ابْنِ رَوَاحَةَ وَزَيْدٍ بَشِيرَيْنِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ ثُمّ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ الْفَتْحِ عَبْدَ اللهِ بْنَ رَوَاحَةَ بَشِيرًا إلَى ــ وَرِوَايَة ابْنُ إسْحَاقَ أَشْهَرُ وَأَثْبَتُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ. سَبَبُ نُزُولِ أَوّلِ الْأَنْفَالِ وَفِي الْحَدِيثِ الّذِي ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ أَنّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقّاصٍ، قَالَ قَتَلْت يَوْمَ بَدْرٍ الْعَاصِيَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِي، وَأَخَذْت سَيْفَهُ وَكَانَ يُقَالُ لَهُ ذُو الْكَتِيفَةِ. فَأَتَيْت بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ نَفّلْنِيهِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْعَلَهُ فِي الْقَبْضِ فَأَخَذَنِي مَا لَا يَعْلَمُهُ إلّا اللهُ فَقُلْت: قُتِلَ أَخِي عُمَيْرٌ وَأُخِذَ سَلَبِي فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [لأنفال: من الْآيَة١] الْآيَةَ فَأَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ السّيْفَ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَهْلُ السّيَرِ يَقُولُونَ قَتَلَ الْعَاصِيَ بْنَ سَعِيدٍ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁.

стр. 1285

أَهْلِ الْعَالِيَةِ، بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ وَبَعَثَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ إلَى أَهْلِ السّافِلَةِ. قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: فَأَتَانَا الْخَبَرُ - حِينَ سَوّيْنَا التّرَابَ عَلَى رُقَيّةَ ابْنَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، الّتِي كَانَتْ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفّانَ. كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَلّفَنِي عَلَيْهَا مَعَ عُثْمَانَ - أَنّ زَيْدَ بْنَ حَارِثٍ قَدْ قَدّمَ. قَالَ فَجِئْته وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْمُصَلّى قَدْ غَشِيَهُ النّاسُ وَهُوَ يَقُولُ " قُتِلَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَزَمَعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيّ وَالْعَاصِ بْنُ هِشَامٍ وَأُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَنُبَيْهٌ وَمُنَبّهٌ ابْنَا الْحَجّاجِ. قَالَ قُلْت: يَا أَبَتْ أَحَقّ هَذَا. قَالَ نَعَمْ وَاَللهِ يَا بُنَيّ قُفُولُ رَسُولِ اللهِ مِنْ بَدْرٍ ثُمّ أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَافِلًا إلَى الْمَدِينَةِ، وَمَعَهُ الْأُسَارَى مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَفِيهِمْ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَالنّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ وَاحْتَمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَهُ النّفَلُ الّذِي أُصِيبَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَجَعَلَ عَلَى النّفَلِ عَبْدِ اللهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَبْذُولِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ مَازِنِ بْنِ النّجّارِ، فَقَالَ رَاجِزٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُقَالُ إنّهُ عَدِيّ بْنُ أَبِي الزّغْبَاءِ: أَقِمْ لَهَا صُدُورَهَا يَا بَسْبَسُ ... أَلَيْسَ بِذِي الطّلْحِ لَهَا مُعَرّسُ وَلَا بِصَحْرَاءِ غُمَيْرٍ مَحْبَسُ ... إنّ مَطَايَا الْقَوْمِ لَا تُخَيّسُ فَحَمَلَهَا عَلَى الطّرِيقِ أَكْيَسُ ... قَدْ نَصَرَ اللهُ وَفَرّ الْأَخْنَسُ ثُمّ أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى إذَا خَرَجَ مِنْ مَضِيقِ الصّفْرَاءِ نَزَلَ عَلَى كَثِيبٍ بَيْنَ الْمَضِيقِ وَبَيْنَ النّازِيَةِ - يُقَالُ لَهُ سَيْرٌ - إلَى سَرْحَةٍ بِهِ. فَقَسَمَ هُنَالِكَ النّفَلَ الّذِي أَفَاءَ اللهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ عَلَى السّوَاءِ ثُمّ ارْتَحَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى إذَا كَانَ بِالرّوْحَاءِ لَقِيَهُ الْمُسْلِمُونَ يُهَنّئُونَهُ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ لَهُمْ سَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ - كَمَا حَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ رُومَانَ: مَا الّذِي تُهَنّئُونَنَا بِهِ؟ فَوَاَللهِ إنْ لَقِينَا إلّا عَجَائِزَ صُلْعًا كَالْبُدْنِ الْمُعَقّلَةِ فَنَحَرْنَاهَا، فَتَبَسّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمّ قَالَ أَيْ ابْنَ أَخِي، أُولَئِكَ الْمَلَأُ ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1286

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْمَلَأُ الْأَشْرَافُ وَالرّؤَسَاءُ. مَقْتَلُ النّضْرِ وَعُقْبَةَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَتّى إذَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالصّفْرَاءِ قُتِلَ النّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، كَمَا أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ مَكّةَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ خَرَجَ حَتّى إذَا كَانَ بِعِرْقِ الظّبْيَةِ قُتِلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عِرْقُ الظّبْيَةِ مِنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَاَلّذِي أَسَرَ عُقْبَةَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَمَةَ أَحَدُ بَنِي الْعَجْلَانِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ عُقْبَةُ حِينَ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَتْلِهِ فَمَنْ لِلصّبِيّةِ يَا مُحَمّدُ؟ قَالَ النّارُ فَقَتَلَهُ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ الْأَنْصَارِيّ أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، كَمَا حَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عَمّارِ بْنِ يَاسِرٍ. قَالَ ابْنُ هِشَام: وَيُقَالُ قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِيمَا ذَكَرَ لِي ابْنُ شِهَابٍ الزّهْرِيّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. ــ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ فَصْلٌ وَذَكَرَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَتَلَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ قَالَ وَكَانَ الّذِي أَسَرَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلِمَةَ، وَسَلِمَةُ هَذَا بِكَسْرِ اللّامِ وَهُوَ سَلِمَةُ بْنُ مَالِكٍ أَحَدُ بَنِي الْعَجْلَانِ بَلَوِيّ بِالنّسَبِ أَنْصَارِيّ بِالْحِلْفِ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا وَأَمّا عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، فَاسْمُ أَبِي مُعَيْطٍ أَبَانُ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، وَاسْمُهُ ذَكْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ يُقَالُ كَانَ أُمَيّةُ قَدْ سَاعَى أَمَةً أَوْ بَغَتْ أَمَةً لَهُ فَحَمَلَتْ بِأَبِي عَمْرٍو، فَاسْتَلْحَقَهُ بِحُكْمِ الْجَاهِلِيّةِ وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ﵁ لِعُقْبَةَ حِينَ قَالَ أَأُقْتَلُ

стр. 1287

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَقِيَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَبُو هِنْدٍ، مَوْلَى فَرْوَةَ بْنِ عَمْرٍو الْبَيَاضِيّ بِحَمِيتِ مَمْلُوءٍ حَيْسًا. ــ مِنْ بَيْنِ قُرَيْشٍ صَبْرًا، فَقَالَ عُمَرُ حَنّ قِدْحٌ لَيْسَ مَعَهَا يَعْرِضُ بِنَسَبِهِ وَذَلِكَ أَنّ الْقِدَاحَ فِي الْمَيْسِرِ رُبّمَا جُعِلَ مَعَهَا قِدْحٌ مُسْتَعَارٌ قَدْ جُرّبَ مَعَهُ الْفَلَحُ وَالْيُمْنُ فَيُسْتَعَارُ لِذَلِكَ وَيُسَمّى: الْمَنِيحَ فَإِذَا حُرّكَ فِي الرّبَابَةِ مَعَ الْقِدَاحِ تَمَيّزَ صَوْتُهُ لِمُخَالَفَةِ جَوْهَرِهِ جَوْهَرَ الْقِدَاحِ فَيُقَالُ حِينَئِذٍ حِنّ قِدْحٍ لَيْسَ مِنْهَا، فَتَمَثّلَ عُمَرُ بِهَذَا الْمَثَلِ يُرِيدُ أَنّ عُقْبَةَ لَيْسَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ أَنّ النّبِيّ ﷺ قَالَ حِينَئِذٍ إنّمَا أَنْتَ يَهُودِيّ مِنْ أَهْلِ صَفّورِيَةَ لِأَنّ الْأَمَةَ الّتِي وَلَدَتْ أَبَاهُ كَانَتْ لِيَهُودِيّ مِنْ أَهْلِ صَفّورِيَةَ، وَاسْمُهَا: تَرَنِي، قَالَهُ الْقُتَبِيّ، وَكَذَلِكَ قَالَ دَغْفَلُ بْنُ حَنْظَلَةَ النّسّابَةُ لِمُعَاوِيَةَ حِينَ سَأَلَهُ هَلْ أَدْرَكْت عَبْدَ الْمُطّلِب؟ فَقَالَ نَعَمْ أَدْرَكْته شَيْخًا وَسِيمًا قَسِيمًا جَسِيمًا يَحُفّ بِهِ عَشَرَةٌ مِنْ بَنِيهِ كَأَنّهُمْ النّجُومُ قَالَ فَهَلْ رَأَيْت أُمَيّةَ بْنَ عَبْدِ شَمْسٍ؟ قَالَ نَعَمْ رَأَيْته أُخَيْفِشُ أُزَيْرِقُ دَمِيمًا، يَقُودُهُ عَبْدُهُ ذَكْوَانُ، فَقَالَ وَيْحَك ذَاكَ ابْنُهُ أَبُو عَمْرٍو، فَقَالَ دَغْفَلٌ أَنْتُمْ تَقُولُونَ ذَلِكَ. الطّعْنُ فِي نَسَبِ بَنِي أُمَيّةَ قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَهَذَا الطّعْنُ خَاصّ بِنَسَبِ عُقْبَةَ مِنْ بَنِي أُمَيّةَ، وَفِي نَسَبِ أُمَيّةَ نَفْسِهِ مَقَالَةٌ أُخْرَى تَعُمّ جَمِيعَ الْفَصِيلَةِ وَهِيَ مَا رُوِيَ عَنْ سَفِينَةَ مَوْلَى أُمّ سَلَمَةَ حِينَ قِيلَ لَهُ إنّ بَنِي أُمَيّةَ يَزْعُمُونَ أَنّ الْخِلَافَةَ فِيهِمْ فَقَالَ كَذَبَتْ اسْتَاهُ بَنِي الزّرْقَاءِ، بَلْ هُمْ مُلُوكٌ،

стр. 1288

وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْحَمِيت: الزّقّ، وَكَانَ قَدْ تَخَلّفَ عَنْ بَدْرٍ، ثُمّ شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلّهَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ كَانَ حَجّامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "إنّمَا هُوَ أَبُو هِنْدٍ امْرِئِ مِنْ الْأَنْصَارِ فَأَنْكِحُوهُ وَأَنْكِحُوا إلَيْهِ فَفَعَلُوا" قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ مَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ قَبْلَ الْأُسَارَى بِيَوْمِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنّ يَحْيَى بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أَسَعْدَ بْنِ زُرَارَةَ قَالَ قَدِمَ بِالْأُسَارَى حِينَ قَدِمَ بِهِمْ وَسَوْدَةُ بِنْتُ زَمَعَةَ زَوْجُ النّبِيّ ﷺ عِنْدَ آلِ عَفْرَاءَ، فِي مَنَاحِتِهِمْ عَلَى عَوْفٍ وَمُعَوّذٍ ابْنَيْ عَفْرَاءَ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهِنّ الْحِجَابَ. قَالَ تَقُولُ سَوْدَةُ وَاَللهِ إنّي لَعِنْدَهُمْ إذْ أَتَيْنَا، فَقِيلَ هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى، قَدْ أُتِيَ بِهِمْ قَالَتْ فَرَجَعْت إلَى بَيْتِي، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهِ وَإِذَا أَبُو يَزِيدَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي نَاحِيَةِ الْحُجْرَةِ مَجْمُوعَةً يَدَاهُ إلَى عُنُقِهِ بِحَبْلِ قَالَتْ فَلَا وَاَللهِ مَا مَلَكَتْ نَفْسِي حِينَ رَأَيْت أَبَا يَزِيدَ كَذَلِكَ أَنْ قُلْت: أَيْ أَبَا يَزِيدَ أَعْطَيْتُمْ بِأَيْدِيكُمْ إلّا مُتّمْ كِرَامًا، فَوَاَللهِ مَا ــ وَمِنْ شَرّ الْمُلُوكِ فَيُقَالُ أَنّ الزّرْقَاءَ هَذِهِ هِيَ [أُمّ] أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَاسْمُهَا أَرْنَبُ قَالَ الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابِ الْأَمْثَالِ قَالَ وَكَانَتْ فِي الْجَاهِلِيّةِ مِنْ صَوَاحِبِ الرّايَاتِ. قَالَ الْمُؤَلّفُ ﵁ وَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيّةِ وَنَهَى عَنْ الطّعْنِ فِي الْأَنْسَابِ وَلَوْ لَمْ يَجِبْ الْكَفّ عَنْ نَسَبِ بَنِي أُمَيّةَ إلّا لِمَوْضِعِ عُثْمَانَ بْنِ عَفّانَ ﵁ لَكَانَ حَرًى بذلك. أَبُو هِنْدٍ الْحَجّامُ فَصْلٌ وَذَكَرَ أَبَا هِنْدٍ الْحَجّامَ وَأَنّهُ لَقِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُنْصَرَفَهُ مِنْ بَدْرٍ. أَبُو هِنْدٍ اسْمُهُ عَبْدُ اللهِ وَهُوَ مَوْلَى فَرْوَةَ بْنِ عَمْرٍو الْبِيَاسِيّ وَأَمّا طَيْبَةُ الْحَجّامُ فَهُوَ مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ وَاسْمُهُ نَافِعٌ وَقِيلَ دُنَيْرٍ وَقِيلَ مَيْسَرَةُ وَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا.

стр. 1289

أَنْبَهَنِي إلّا قَوْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ الْبَيْتِ يَا سَوْدَةُ أَعَلَى اللهِ وَرَسُولِهِ تُحَرّضِينَ؟ قَالَتْ قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ وَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ مَا مَلَكْت نَفْسِي حِينَ رَأَيْت أَبَا يَزِيدَ مَجْمُوعَةً يَدَاهُ إلَى عُنُقِهِ أَنْ قُلْت مَا قُلْت: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي نُبَيْهُ بْنُ وَهْبٍ أَخُو بَنِي عَبْدِ الدّارِ. أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ أَقْبَلَ بِالْأُسَارَى فَرّقَهُمْ بَيْنَ أَصْحَابِهِ وَقَالَ اسْتَوْصُوا بِالْأُسَارَى خَيْرًا قَالَ وَكَانَ أَبُو عَزِيزِ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمٍ، أَخُو مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ لِأَبِيهِ وَأُمّهِ فِي الْأُسَارَى. قَالَ فَقَالَ أَبُو عَزِيزٍ مَرّ بِي أَخِي مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يَأْسِرُنِي، فَقَالَ شُدّ يَدَك بِهِ فَإِنّ أُمّهُ ذَاتُ مَتَاعٍ لَعَلّهَا تَفْدِيهِ مِنْك، قَالَ وَكُنْت فِي رَهْطٍ مِنْ الْأَنْصَارِ حِينَ أَقْبَلُوا بِي مِنْ بَدْرٍ، فَكَانُوا إذَا قَدّمُوا غَدَاءَهُمْ وَعَشَاءَهُمْ خَصّونِي بِالْخُبْزِ وَأَكَلُوا التّمْرَ لِوَصِيّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إيّاهُمْ بِنَا، مَا تَقَعُ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنْهُمْ كِسْرَةُ خُبْزٍ إلّا نَفَحَنِي بِهَا. قَالَ فَأَسْتَحْيِي فَأَرُدّهَا عَلَى أَحَدِهِمْ فَيَرُدّهَا عَلَى مَا يَمَسّهَا. بُلُوغُ مُصَابِ قُرَيْشٍ إلَى مَكّةَ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ أَبُو عَزِيزٍ صَاحِبَ لِوَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِبَدْر بَعْدَ النّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ فَلَمّا قَالَ أَخُوهُ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ لِأَبِي الْيَسَرِ وَهُوَ الّذِي أَسَرَهُ مَا قَالَ قَالَ لَهُ أَبُو ــ أُسَارَى بَدْرٍ ذَكَرَ فِيهِمْ أَبَا عَزِيزِ بْنَ عُمَيْرٍ حِينَ مَرّ بِهِ وَهُوَ أَسِيرٌ عَلَى أَخِيهِ مُصْعَبٍ فَقَالَ مُصْعَبٌ لِلّذِي أَسَرَهُ اُشْدُدْ يَدَيْك بِهِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ الْمُؤَلّفُ ﵀ وَقَدْ تَقَدّمَ فِي بَابِ الْهِجْرَةِ خَبَرُ إسْلَامِ مُصْعَبٍ وَمَا كَانَتْ أُمّهُ تَصْنَعُ بِهِ وَأَرْجَأْت التّعْرِيفَ بِهِ وَبِإِخْوَتِهِ إلَى هَذَا الْمَوْضِعِ فَأَمّا أَبُو عَزِيزٍ فَاسْمُهُ زُرَارَةُ وَأُمّهُ الّتِي أَرْسَلَتْ فِي فِدَائِهِ أُمّ الْخِنَاسِ بِنْتُ مَالِكٍ الْعَامِرِيّةُ

стр. 1290

عَزِيزٍ يَا أَخِي، هَذِهِ وَصَاتُك بِي، فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ إنّهُ أَخِي دُونَك. فَسَأَلْت أُمّهُ عَنْ أَغْلَى مَا فُدِيَ بِهِ قُرَشِيّ، فَقِيلَ لَهَا: أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ فَبِعْت بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ فَفَدَتْهُ بِهَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَوّلَ مَنْ قَدِمَ مَكّةَ بِمُصَابِ قُرَيْشٍ الْحَيْسُمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْخُزَاعِيّ، فَقَالُوا: مَا وَرَاءَك؟ قَالَ قُتِلَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو الْحَكَمِ بْنُ هِشَامٍ، وَأُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَزَمَعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَنُبَيْهٌ وَمُنَبّهٌ ابْنَا الْحَجّاجِ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيّ بْنُ هِشَامٍ فَلَمّا جَعَلَ يُعَدّدُ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ. قَالَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ، وَهُوَ قَاعِدٌ فِي الْحِجْرِ: وَاَللهِ إنْ يَعْقِلْ هَذَا فَاسْأَلُوهُ عَنّي ; فَقَالُوا: مَا فَعَلَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ؟ قَالَ هَا هُوَ ذَاكَ جَالِسًا فِي الْحِجْرِ، وَقَدْ وَاَللهِ رَأَيْت أَبَاهُ وَأَخَاهُ حِينَ قُتِلَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ قَالَ أَبُو رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ كُنْت غُلَامًا لِلْعَبّاسِ بْنِ ــ وَهِيَ أُمّ أَخِيهِ مُصْعَبٍ وَأُخْتُهُ هِنْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهِنْدٌ هِيَ أُمّ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ حَاجِبُ الْكَعْبَةِ، جَدّ بَنِي شَيْبَةَ أَسْلَمَ أَبُو عَزِيزٍ وَرَوَى الْحَدِيثَ وَأَسْلَمَ أَخُوهُ أَبُو الرّومِ، وَأَبُو يَزِيدَ وَلَا خَفَاءَ بِإِسْلَامِ مُصْعَبٍ أَخِيهِ وَغَلِطَ الزّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ، فَقَالَ قُتِلَ أَبُو عَزِيزٍ يَوْمَ أُحُدٍ كَافِرًا، وَلَمْ يَصِحّ هَذَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْأَخْبَارِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ نُبَيْهُ بْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ وَلَعَلّ الْمَقْتُولُ بِأُحُدِ كَافِرًا أَخٌ لَهُمْ غَيْرَهُ. خَبَرُ أَبِي رَافِعٍ حِينَ قَدِمَ فَلّ قُرَيْشٍ اسْمُ أَبِي رَافِعٍ أَسْلَمُ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: اسْمُهُ إبْرَاهِيمَ وَقِيلَ اسْمُهُ هُرْمُزَ وَكَانَ عَبْدًا قِبْطِيّا لِلْعَبّاسِ فَوَهَبَهُ لِلنّبِيّ ﷺ فَلَمّا أَسْلَمَ الْعَبّاسُ وَبَشّرَ أَبُو رَافِعٍ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِإِسْلَامِهِ فَأَعْتَقَهُ فَكَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقِيلَ كَانَ

стр. 1291

عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَكَانَ الْإِسْلَامُ قَدْ دَخَلَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، فَأَسْلَمَ الْعَبّاسُ وَأَسْلَمَتْ أُمّ الْفَضْلِ وَأَسْلَمْت وَكَانَ الْعَبّاسُ يَهَابُ قَوْمَهُ وَيَكْرَهُ خِلَافَهُمْ وَكَانَ يَكْتُمُ إسْلَامَهُ وَكَانَ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ مُتَفَرّقٍ فِي قَوْمِهِ وَكَانَ أَبُو لَهَبٍ قَدْ تَخَلّفَ عَنْ بَدْرٍ فَبَعَثَ مَكَانَهُ الْعَاصِيَ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَكَذَلِكَ كَانُوا صَنَعُوا، لَمْ يَتَخَلّفْ رَجُلٌ إلّا بَعَثَ مَكَانَهُ رَجُلًا، فَلَمّا جَاءَهُ الْخَبَرُ عَنْ مُصَابِ أَصْحَابِ بَدْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، كَبَتَهُ اللهُ وَأَخْزَاهُ وَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا قُوّةً وَعِزّا. قَالَ وَكُنْت رَجُلًا ضَعِيفًا، وَكُنْت أَعَمَلُ الْأَقْدَاحَ. أَنْحِتُهَا فِي حُجْرَةِ زَمْزَمَ. فَوَاَللهِ إنّي لَجَالِسٌ فِيهَا أَنْحِتُ أَقْدَاحِي، وَعِنْدِي أُمّ الْفَضْلِ جَالِسَةٌ وَقَدْ سِرْنَا مَا جَاءَنَا مِنْ الْخَبَرِ، إذْ أَقْبَلَ أَبُو لَهَبٍ يَجُرّ رِجْلَيْهِ بِشَرّ حَتّى جَلَسَ عَلَى طُنُبِ الْحُجْرَةِ فَكَانَ ظَهْرُهُ إلَى ظَهْرِي، فَبَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ إذْ قَالَ النّاسُ هَذَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ أَبِي سُفْيَانَ الْمُغِيرَةُ - قَدْ قَدِمَ قَالَ فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ هَلُمّ إلَيّ فَعِنْدَك لَعَمْرِي الْخَبَرُ، قَالَ فَجَلَسَ إلَيْهِ وَالنّاسُ قِيَامٌ عَلَيْهِ فَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي، أَخْبِرْنِي كَيْفَ كَانَ أَمْرُ النّاسِ؟ قَالَ وَاَللهِ مَا هُوَ إلّا أَنْ لَقِينَا الْقَوْمَ فَمَنَحْنَاهُمْ أَكْتَافَنَا يَقُودُونَنَا كَيْفَ شَاءُوا وَيَأْسِرُونَنَا كَيْفَ شَاءُوا، وَاَيْمُ اللهِ مَعَ ذَلِكَ مَا لُمْت النّاسَ لَقِيَنَا رِجَالًا بِيضًا، عَلَى خَيْلٍ بُلْقٍ بَيْنَ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَاَللهِ مَا تَلِيقُ شَيْئًا، وَلَا يَقُومُ لَهَا شَيْءٌ. قَالَ أَبُو رَافِعٍ فَرَفَعْت طُنُبَ الْحُجْرَةِ بِيَدِي، ثُمّ قُلْت: تِلْكَ وَاَللهِ الْمَلَائِكَةُ. قَالَ فَرَفَعَ أَبُو لَهَبٍ يَدَهُ فَضَرَبَ بِهَا وَجْهِي ضَرْبَةً شَدِيدَةً. قَالَ وَثَاوَرْتُهُ ــ عَبْدًا لِبَنِي سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِي، وَهُمْ عَشَرَةٌ فَأَعْتَقُوهُ إلّا خَالِدَ بْنَ سَعِيدٍ، فَإِنّهُ وَهَبَ حِصّتَهُ فِيهِ لِلنّبِيّ ﷺ فَأَعْتَقَهُ النّبِيّ ﷺ وَالْأَوّلُ أَصَحّ تُوُفّيَ فِي قَوْلِ الْوَاقِدِيّ قَبْلَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ بِيَسِيرِ. أُمّ الْفَضْلِ وَضَرْبُهَا لِأَبِي لَهَبٍ وَذَكَرَ أَبَا لَهَبٍ وَضَرْبَهُ لِأَبِي رَافِعٍ حِينَ ذَكَرَ الْمَلَائِكَةَ وَانْتِصَارَ أُمّ الْفَضْلِ لَهُ وَضَرْبَهَا لِأَبِي لَهَبٍ وَأُمّ الْفَضْلِ هِيَ لُبَابَةُ الْكُبْرَى بِنْتُ الْحَارِثِ [بْنِ حَزْنِ بْنِ بُجَيْرِ بْنِ الْهُزَمِ بْنِ رُوَيْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ] الْهِلَالِيّةُ أُخْتُ

стр. 1292

فَاحْتَمَلَنِي فَضَرَبَ بِي الْأَرْضَ ثُمّ بَرَكَ عَلِيّ يَضْرِبُنِي، وَكُنْت رَجُلًا ضَعِيفًا، فَقَامَتْ أُمّ الْفَضْلِ إلَى عَمُودٍ مِنْ عُمُدِ الْحُجْرَةِ فَأَخَذْته فَضَرَبْته بِهِ ضَرْبَةً فَلَعَتْ فِي رَأْسِهِ شَجّةً مُنْكَرَةً وَقَالَتْ اسْتَضْعَفْته أَنْ غَابَ عَنْهُ سَيّدُهُ فَقَامَ مُوَلّيًا ذَلِيلًا، فَوَاَللهِ مَا عَاشَ إلّا سَبْعَ لَيَالٍ حَتّى رَمَاهُ اللهُ بِالْعَدَسَةِ فَقَتَلْته. ــ مَيْمُونَةَ وَأُخْتُهَا لُبَابَةُ الصّغْرَى أُمّ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَلَدَتْ أُمّ الْفَضْلِ مِنْ الْعَبّاسِ سَبْعَةً نُجَبَاءَ قَالَ الشّاعِرُ مَا وَلَدَتْ نَحِيبَةٌ مِنْ فَحْلٍ ... كَسَبْعَةِ مِنْ بَطْنِ أُمّ الْفَضْلِ وَهُمْ عَبْدُ اللهِ وَعُبَيْدُ اللهِ وَعَبْدُ الرّحْمَنِ وَالْفَضْلُ وَمَعْبَدُ وَقُثَمُ، وَيُقَالُ فِي السّابِعِ كَثِيرُ بْنُ الْعَبّاسِ وَالْأَصَحّ فِي كَثِيرٍ أَنّ أُمّهُ رُومِيّةُ وَلَمْ تَلِدْ أُمّ الْفَضْلِ مِنْ الْعَبّاسِ إلّا مَنْ سَمّيْنَا وَأُخْتًا لَهُمْ وَهِيَ أُمّ حَبِيبٍ وَقَدْ ذَكَرَهَا ابْنُ إسْحَاقَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ [بن بكير] ذكر أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَآهَا وَهِيَ طِفْلَةً تَدِبّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ إنْ بَلَغْت هَذِهِ وَأَنَا حَيّ تَزَوّجْتهَا فَقُبِضَ ﵇ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ فَتَزَوّجَهَا سُفْيَانُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ [بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو] الْمَخْزُومِيّ فَوَلَدَتْ لَهُ رِزْقًا وَلُبَابَةَ. وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ أَنّ أَبَا لَهَبٍ حِينَ ضَرَبَتْهُ أُمّ الْفَضْلِ بِالْعَمُودِ عَلَى رَأْسِهِ قَامَ مُنْكَسِرًا، وَلَمْ يَلْبَثْ إلّا يَسِيرًا، حَتّى رَمَاهُ اللهُ بِالْعَدَسَةِ فَقَتَلَهُ. وَذَكَرَ الطّبَرِيّ فِي كِتَابِهِ أَنّ الْعَدَسَةَ قَرْحَةٌ كَانَتْ الْعَرَبُ تَتَشَاءَمُ بِهَا، وَيَرَوْنَ أَنّهَا تُعْدِي أَشَدّ الْعَدْوَى، فَلَمّا رُمِيَ بِهَا أَبُو لَهَبٍ تَبَاعَدَ عَنْهُ بَنُوهُ فَبَقِيَ ثَلَاثًا لَا تُقْرَبُ جِنَازَتُهُ وَلَا يُدْفَنُ فَلَمّا خَافُوا السّبّةَ دَفَعُوهُ بِعُودِ فِي حُفْرَتِهِ ثُمّ قَذَفُوهُ

стр. 1293

نُوَاحُ قُرَيْشٍ عَلَى قَتْلَاهُمْ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبّادٍ قَالَ نَاحَتْ قُرَيْشٌ عَلَى قَتْلَاهُمْ، ثُمّ قَالُوا: لَا تَفْعَلُوا فَيَبْلُغَ مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ فَيَشْمَتُوا بِكُمْ وَلَا تَبْعَثُوا فِي أَسْرَاكُمْ حَتّى تَسْتَأْنُوا بِهِمْ لَا يَأْرَبُ عَلَيْكُمْ مُحَمّدٌ وَأَصْحَابُهُ فِي الْفِدَاءِ قَالَ وَكَانَ الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطّلِبِ قَدْ أُصِيبَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ وَلَدِهِ زَمَعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَعُقَيْلُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَالْحَارِثُ بْنُ زَمَعَةَ وَكَانَ يُحِبّ أَنْ يَبْكِيَ عَلَى بَنِيهِ فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ سَمِعَ نَائِحَةً مِنْ اللّيْلِ فَقَالَ لِغُلَامِ لَهُ وَقَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ اُنْظُرْ هَلْ أُحِلّ النّحْبُ هَلْ بَكَتْ قُرَيْشٌ عَلَى قَتْلَاهَا؟ لَعَلّي أَبْكِي عَلَى أَبِي حَكِيمَةَ يَعْنِي زَمَعَةَ فَإِنّ جَوْفِي قَدْ احْتَرَقَ قَالَ فَلَمّا رَجَعَ إلَيْهِ الْغُلَامُ قَالَ إنّمَا هِيَ امْرَأَةٌ تَبْكِي عَلَى بَعِيرٍ لَهَا أَضَلّتْهُ. قَالَ فَذَاكَ حِينَ يَقُولُ الْأَسْوَدُ أَتَبْكِي أَنْ يَضِلّ لَهَا بَعِيرٌ ... وَيَمْنَعَهَا مِنْ النّوْمِ السّهُودُ ــ بِالْحِجَارَةِ مِنْ بِعِيدِ حَتّى وَارَوْهُ وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ لَمْ يَحْفِرُوا لَهُ وَلَكِنْ أُسْنِدَ إلَى حَائِطٍ وَقُذِفَتْ عَلَيْهِ الْحِجَارَةُ مِنْ خَلْفِ الْحَائِطِ وَوُرِيَ وَذَكَرَ أَنّ عَائِشَةَ كَانَتْ إذَا مَرّتْ بِمَوْضِعِهِ ذَلِكَ غَطّتْ وَجْهَهَا، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيّ أَنّ بَعْضَ أَهْلِهِ رَآهُ فِي الْمَنَامِ فِي شَرّ رَحِيبَةٍ وَهِيَ الْحَالَةُ فَقَالَ مَا لَقِيت بَعْدَكُمْ يَعْنِي: رَاحَةً غَيْرَ أَنّي سُقِيت فِي مِثْلِ هَذِهِ بِعِتْقِي ثُوَيْبَةَ، هَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْأُصَيْلِيّ عَنْ أَبِي زَيْدٍ وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ قَالَ مَا لَقِيت بَعْدَكُمْ رَاحَةً غَيْرَ أَنّي سُقِيت فِي مِثْلِ هَذِهِ وَأَشَارَ إلَى النّقْرَةِ بَيْنَ السّبّابَةِ وَالْإِبْهَامِ بِعِتْقِي ثُوَيْبَةَ، وَفِي غَيْرِ الْبُخَارِيّ أَنّ الّذِي رَآهُ مِنْ أَهْلِهِ هُوَ أَخُوهُ الْعَبّاسُ قَالَ مَكَثْت حَوْلًا بَعْدَ مَوْتِ أَبِي لَهَبٍ لَا أَرَاهُ فِي نَوْمٍ ثُمّ رَأَيْته فِي شَرّ حَالٍ فَقَالَ مَا لَقِيت بَعْدَكُمْ رَاحَةً إلّا أَنّ

стр. 1294

فَلَا تَبْكِي عَلَى بَكْرٍ وَلَكِنْ ... عَلَى بَدْرٍ تَقَاصَرَتْ الْجُدُودُ عَلَى بَدْرٍ سَرَاةِ بَنِي هُصَيْصٍ ... وَمَخْزُومٍ وَرَهْطِ أَبِي الْوَلِيدِ وَبَكّي إنْ بَكَيْت عَلَى عُقَيْلٍ ... وَبَكّي حَارِثًا أَسَدَ الْأُسُودِ وَبَكّيهِمْ وَلَا تَسِمِي جَمِيعًا ... وَمَا لِأَبِي حَكِيمَةَ مِنْ نَدِيدِ أَلَا قَدْ سَادَ بَعْدَهُمْ رِجَالٌ ... وَلَوْلَا يَوْمَ بَدْرٍ لَمْ يَسُودُوا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا إقْوَاءٌ وَهِيَ مَشْهُورٌ مِنْ أَشْعَارِهِمْ وَهِيَ عِنْدَنَا إكْفَاءٌ وَقَدْ أَسَقَطْنَا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ مَا هُوَ أَشْهَرُ مِنْ هَذَا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ فِي الْأُسَارَى أَبُو وَدَاعَةَ بْنُ ضُبَيْرَةَ السّهْمِيّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " إنّ لَهُ بِمَكّةَ كَيّسًا تَاجِرًا ذَا مَالٍ وَكَأَنّكُمْ بِهِ قَدْ جَاءَكُمْ فِي طَلَبِ فِدَاءِ أَبِيهِ" فَلَمّا قَالَتْ قُرَيْشٌ لَا تَعْجَلُوا بِفِدَاءِ أُسَرَائِكُمْ لَا يَأْرَبُ عَلَيْكُمْ مُحَمّدٌ وَأَصْحَابُهُ قَالَ ــ الْعَذَابَ يُخَفّفُ عَنّي كُلّ يَوْمِ اثْنَيْنِ وَذَلِكَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وُلِدَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَكَانَتْ ثُوَيْبَةُ قَدْ بَشّرَتْهُ بِمَوْلِدِهِ فَقَالَتْ لَهُ أَشَعَرْت أَنّ آمِنَةَ وَلَدَتْ غُلَامًا لِأَخِيك عَبْدِ اللهِ؟ فَقُلْ لَهَا: اذْهَبِي، فَأَنْتِ حُرّةٌ فَنَفَعَهُ ذَلِكَ وَفِي النّارِ كَمَا نَفَعَ أَخَاهُ أَبَا طَالِبٍ ذَبّهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَهُوَ أَهْوَنُ أَهْلِ النّارِ عَذَابًا، وَقَدْ تَقَدّمَ فِي بَابِ أَبِي طَالِبٍ أَنّ هَذَا النّفْعَ إنّمَا هُوَ نُقْصَانٌ مِنْ الْعَذَابِ وَإِلّا فَعَمَلُ الْكَافِرِ كُلّهُ مُحْبَطٌ بِلَا خِلَافٍ أَيْ لَا يَجِدُهُ فِي مِيزَانِهِ وَلَا يَدْخُلُ بِهِ جَنّةً وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصِلُ ثُوَيْبَةَ مِنْ الْمَدِينَةِ وَيُتْحِفُهَا ; لِأَنّهَا كَانَتْ أَرْضَعَتْهُ وَأَرْضَعَتْ عَمّهُ حَمْزَةَ وَلَمّا افْتَتَحَ مَكّةَ سَأَلَ عَنْهَا، وَعَنْ ابْنٍ لَهَا اسْمُهُ مَسْرُوحٌ، فَأُخْبِرَ أَنّهُمَا قَدْ مَاتَا. ضُبَيْرَةَ وَذَكَرَ الْمُطّلِبُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ بْنِ ضُبَيْرَةَ وَقَدْ ذَكَرَ الْخَطّابِيّ عَنْ الْعَنْبَرِيّ أَنّهُ يُقَالُ فِيهِ ضَبِيرَةُ بِالضّادِ الْمُعْجَمَةِ وَاسْمُ أَبِي ضُبَيْرَةَ عَوْفٌ.

стр. 1295

الْمُطّلِبُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ - وَهُوَ الّذِي كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِيَ صَدَقْتُمْ لَا تَعْجَلُوا وَانْسَلّ مِنْ اللّيْلِ فَقدم الْمَدِينَة فَأخذ أَبَاهُ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ فَانْطَلَقَ بِهِ. أَمْرُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وَفِدَاؤُهُ (قَالَ) : ثُمّ بَعَثَتْ قُرَيْشٌ فِي فِدَاءِ الْأُسَارَى، فَقَدِمَ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصِ بْنِ الْأَخْيَفِ فِي فِدَاءِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَ الّذِي أَسَرَهُ مَالِكُ بْنُ الدّخْشُمِ، أَخُو بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ فَقَالَ أَسَرْت سُهَيْلًا فَلَا أَبْتَغِي ... أَسِيرًا بِهِ مِنْ جَمِيعِ الْأُمَمِ وَخِنْدِفُ تَعْلَمُ أَنّ الْفَتَى ... فَتَاهَا سُهَيْلٌ إذَا يُظَلّمْ ضَرَبْت بِذِي الشّفْرِ حَتّى انْثَنَى ... وَأَكْرَهْت نَفْسِي عَلَى ذِي الْعَلَمِ وَكَانَ سُهَيْلٌ رَجُلًا أَعْلَمَ مِنْ شَفَتِهِ السّفْلَى. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُ هَذَا الشّعْرَ لِمَالِك بْنِ الدّخْشُمِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ أَخُو بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ: أَنّ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ يَا رَسُولَ اللهِ دَعْنِي أَنْزِعْ ثَنِيّتَيْ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَيَدْلَعْ لِسَانُهُ فَلَا يَقُومُ عَلَيْك خَطِيبًا فِي مَوْطِنٍ أَبَدًا، قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "لَا أُمَثّلُ بِهِ فَيُمَثّلُ اللهُ بِي وَإِنْ كُنْت نَبِيّا" ــ ابْنُ الدّخْشُمِ وَذَكَرَ مَالِكَ بْنَ الدّخْشُمِ [بْنِ مِرْضَخَةَ] وَيُقَالُ فِيهِ الدّخَيْشُ وَيُقَالُ فِيهِ ابْنُ الدّخَيْشِ وَيُقَالُ إنّهُ الّذِي سَارّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَلَمْ يُدْرَ مَا سَارّهُ بِهِ حَتّى جَهَرَ النّبِيّ ﷺ فَإِذَا هُوَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي قَتْلِهِ وَهُوَ فِي حَدِيثِ الْمُوَطّأ، وَاَلّذِي سَارّهُ هُوَ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ، وَقَدْ بَرّأَ النّبِيّ ﷺ مَالِكَ بْنَ الدّخْشُمِ مِنْ النّفَاقِ حَيْثُ قَالَ "أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ"؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ "أَلَيْسَ يُصَلّي"؟ قَالُوا:

стр. 1296

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ بَلَغَنِي أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِعُمَرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ "إنّهُ عَسَى أَنْ يَقُومَ مَقَامًا لَا تَذُمّهُ" قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَسَأَذْكُرُ حَدِيثَ ذَلِكَ الْمَقَامِ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا قَاوَلَهُمْ فِيهِ مِكْرَزٌ وَانْتَهَى إلَى رِضَاهُمْ قَالُوا: هَاتِ الّذِي لَنَا، قَالَ اجْعَلُوا رِجْلِي مَكَانَ رِجْلِهِ وَخَلّوا سَبِيلَهُ حَتّى يَبْعَثَ إلَيْكُمْ بِفِدَائِهِ فَخَلّوْا سَبِيلَ سُهَيْلٍ وَحَبَسُوا مِكْرَزًا مَكَانَهُ عِنْدَهُمْ فَقَالَ مِكْرَزٌ فَدَيْت بِأَذْوَادِ ثِمَانٍ سَبَأٍ فَتًى ... يَنَالُ الصّمِيمَ غُرْمُهَا لَا الْمَوَالِيَا رَهَنْت يَدِي وَالْمَالُ أَيْسَرُ مِنْ يَدِي ... عَلَيّ وَلَكِنّي خَشِيت الْمَخَازِيَا وَقُلْت: سُهَيْلٌ خَيْرُنَا فَاذْهَبُوا بِهِ ... لِأَبْنَائِنَا حَتّى نُدِيرَ الْأَمَانِيَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُ هَذَا لِمِكْرَزٍ. ــ بَلَى فَقَالَ فِي حَدِيثِ الْمُوَطّأِ: "أُولَئِكَ الّذِينَ نَهَانِي اللهُ عَنْهُمْ"، وَقَالَ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ "فَإِنّ اللهَ قَدْ حَرّمَ عَلَى النّارِ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلّا اللهُ يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ" حَوْلَ شِعْرِ مِكْرَزٍ: وَذِكْرُ مِكْرَزٍ وَقَدْ تَقَدّمَ فِي اسْمِ مِكْرَزٍ أَنّهُ يُقَالُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا، وَلَكِنْ لَا يُرْوَى فِي السّيرَةِ إلّا بِالْكَسْرِ. وَقَوْلُ مِكْرَزٍ فَدَيْت بِأَذْوَادِ ثِمَانٍ سِبًا فَتًى بِكَسْرِ الثّاءِ مِنْ ثِمَانٍ لِأَنّهُ جَمْعُ ثَمِينٍ مِثْلَ سَمِينٍ وَسِمَانٍ.

стр. 1297

أَسْرُ عَمْرِو بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَإِطْلَاقُهُ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ كَانَ عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَكَانَ لِبِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أُمّ عَمْرِو بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بِنْتِ أَبِي عَمْرٍو، وَأُخْتُ أَبِي مُعَيْطِ بْنِ أَبِي عَمْرٍو - أَسِيرًا فِي يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَسْرَى بَدْرٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَسَرَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ فَقِيلَ لِأَبِي سُفْيَانَ افْدِ عَمْرًا ابْنَك، قَالَ أَيُجْمَعُ عَلَيّ دَمِي وَمَالِي قَتَلُوا حَنْظَلَةَ وَأَفْدِي عَمْرًا دَعُوهُ فِي أَيْدِيهِمْ يُمْسِكُوهُ مَا بَدَا لَهُمْ. قَالَ فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ مَحْبُوسٌ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إذْ خَرَجَ سَعْدُ بْنُ النّعْمَانِ بْنِ أَكّالٍ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ثُمّ أَحَدُ بَنِي مُعَاوِيَةَ مُعْتَمِرًا وَمَعَهُ مُرَيّةٌ لَهُ وَكَانَ شَيْخًا مُسْلِمًا، فِي غَنَمٍ لَهُ النّقِيعَ: فَخَرَجَ مِنْ هُنَالِكَ مُعْتَمِرًا، وَلَا يَخْشَى الّذِي صُنِعَ بِهِ لَمْ يَظُنّ أَنّهُ يُحْبَسُ بِمَكّةَ إنّمَا جَاءَ مُعْتَمِرًا: وَقَدْ كَانَ عَهِدَ قُرَيْشًا لَا يَعْرِضُونَ لِأَحَدِ جَاءَ حَاجّا، أَوْ مُعْتَمِرًا إلّا بِخَيْرِ فَعَدَا عَلَيْهِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ بِمَكّةَ فَحَبَسَهُ بِابْنِهِ عَمْرٍو، ثُمّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ أَرَهْطَ ابْنِ أَكّالٍ أَجِيبُوا دُعَاءَهُ ... تَعَاقَدْتُمْ لَا تُسْلِمُوا السّيّدَ الْكَهْلَا فَإِنّ بَنِي عَمْرٍو لِئَامٌ أَذِلّةٌ ... لَئِنْ لَمْ يَفُكّوا عَنْ أَسِيرِهِمْ الْكَبْلَا فَأَجَابَهُ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ لَوْ كَانَ سَعْدٌ يَوْمَ مَكّةَ مُطْلَقًا ... لَأَكْثَرَ فِيكُمْ قَبْلَ أَنْ يُؤْسَرَ الْقَتْلَا بِعَضْبِ حُسَامٍ أَوْ بِصَفْرَاءَ نَبْعَةٍ ... تَحِنّ إذَا مَا أُنْبِضَتْ تَحْفِزُ النّبْلَا وَمَشَى بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ خَبَرَهُ؟ وَسَأَلُوهُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1298

عَمْرَو بْنَ أَبِي سُفْيَانَ فَيَفُكّوا بِهِ صَاحِبَهُمْ فَفَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَبَعَثُوا بِهِ إلَى أَبِي سُفْيَانَ فَخَلّى سَبِيلَ سَعْدٍ. أَسْرُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرّبِيعِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ فِي الْأُسَارَى أَبُو الْعَاصِ بْنِ الرّبِيعِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، خَتَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَزَوّجَ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَسَرَهُ خِرَاشُ بْنُ الصّمّةِ، أَحَدُ بَنِي حَرَامٍ. سَبَبُ زَوَاجِ أَبِي الْعَاصِ مِنْ زَيْنَبَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَبُو الْعَاصِ مِنْ رِجَالِ مَكّةَ الْمَعْدُودِينَ مَالًا، وَأَمَانَةً وَتِجَارَةً وَكَانَ لِهَالَةِ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ وَكَانَتْ خَدِيجَةُ خَالَتَهُ. فَسَأَلَتْ خَدِيجَةُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يُزَوّجَهُ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يُخَالِفُهَا، وَذَلِك قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فَزَوّجَهُ وَكَانَتْ تَعُدّهُ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِهَا. فَلَمّا أَكْرَمَ اللهُ رَسُولَهُ ﷺ بِنُبُوّتِهِ آمَنَتْ بِهِ خَدِيجَةُ ــ أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرّبِيعِ وَذَكَرَ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرّبِيعِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى، وَاسْمُ أَبِي الْعَاصِ لَقِيطٌ وَقِيلَ فِيهِ هَاشِمٌ وَقِيلَ مُهَشّمٌ وَقِيلَ هَشِيمٌ، وَهُوَ الّذِي يَقُولُ فِي أَهْلِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَكَانَ بِالشّامِ تَاجِرًا حِين قَالَهَا: ذَكَرَتْ زَيْنَبُ لَمَا يَمّمَتْ إضَمًا ... فَقُلْت: سَقْيًا لِشَخْصِ يَسْكُنُ الْحَرَمَا بِنْتُ الْأَمِينِ جَزَاهَا اللهُ صَالِحَةً ... وَكُلّ بَعْلٍ سَيُثْنِي بِاَلّذِي عَلِمَا وَلَدَتْ لَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أُمَامَةَ وَعَلِيّا، مَاتَ عَلِيّ وَهُوَ صَغِيرٌ وَتَزَوّجَ أُمَامَةَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَتَزَوّجَهَا بَعْدَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ نَوْفَلٍ وَهِيَ الّتِي

стр. 1299

وَبَنَاتُهُ فَصَدّقْنَهُ وَشَهِدْنَ أَنّ مَا جَاءَ بِهِ الْحَقّ، وَدِنّ بِدِينِهِ وَثَبَتَ أَبُو الْعَاصِ عَلَى شِرْكِهِ. سَعْيُ قُرَيْشٍ فِي تَطْلِيقِ بَنَاتِ الرّسُولِ مِنْ أَزْوَاجِهِنّ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ زَوّجَ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي لَهَبٍ رُقَيّةَ أَوْ أُمّ كُلْثُومٍ. فَلَمّا بَادَى قُرَيْشًا بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى وَبِالْعَدَاوَةِ قَالُوا: إنّكُمْ قَدْ فَرَغْتُمْ مُحَمّدًا مِنْ هَمّهِ فَرُدّوا عَلَيْهِ بَنَاتِهِ فَاشْغَلُوهُ بِهِنّ. فَمَشَوْا إلَى أَبِي الْعَاصِ فَقَالُوا لَهُ فَارِقْ صَاحِبَتَك وَنَحْنُ نُزَوّجُك أَيّ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ شِئْت، قَالَ لَا وَاَللهِ إنّي لَا أُفَارِقُ صَاحِبَتِي، وَمَا أُحِبّ أَنّ لِي بِامْرَأَتِي امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُثْنِي عَلَيْهِ فِي صِهْرِهِ خَيْرًا، فِيمَا بَلَغَنِي ثُمّ مَشَوْا إلَى عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ، فَقَالُوا لَهُ طَلّقْ بِنْتَ مُحَمّدٍ وَنَحْنُ نَنْكِحُك أَيّ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ شِئْت، فَقَالَ إنْ زَوّجْتُمُونِي بِنْتَ أَبَانِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، أَوْ بِنْتَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ فَارَقْتهَا. فَزَوّجُوهُ بِنْتَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَفَارَقَهَا، وَلَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا، فَأَخْرَجَهَا اللهُ مِنْ يَدِهِ كَرَامَةً لَهَا، وَهَوَانًا لَهُ وَخَلّفَ عَلَيْهَا عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ بَعْدَهُ. ــ جَاءَ فِيهَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ الزّرَقِيّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلّي، وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ الْحَدِيثَ قَالَ عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ كَانَتْ تِلْكَ الصّلَاةُ صَلَاةَ الصّبْحِ هَكَذَا رَوَاهُ [عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ] بْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ عَتّابٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ وَرَوَاهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي غَيْرِ السّيرَةِ عَنْ الْمَقْبُرِيّ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ فَقَالَ فِيهِ فِي إحْدَى صَلَاتَيْ الظّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ وَكَانَ الّذِي أَسَرَ أَبَا الْعَاصِ مِنْ الْأَنْصَارِ عَبْدَ اللهِ بْنَ جُبَيْرٍ، ذَكَرَهُ غَيْرُ ابْنِ إسْحَاقَ، وَكَانَتْ رُقَيّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَحْتَ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ، وَأُمّ كُلْثُومٍ تَحْتَ عُتَيْبَةَ، فَطَلّقَاهُمَا بِعَزْمِ أَبِيهِمَا عَلَيْهِمَا وَأُمّهِمَا حِينَ نَزَلَتْ تَبّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ فَأَمّا عُتَيْبَةُ، فَدَعَا عَلَيْهِ النّبِيّ ﷺ أَنْ يُسَلّطَ اللهُ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِهِ فَافْتَرَسَهُ الْأَسَدُ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِهِ وَهُمْ نِيَامٌ حَوْلَهُ وَأَمّا عُتْبَةُ وَمُعَتّبٌ ابْنَا أَبِي لَهَبٍ فَأَسْلَمَا وَلَهُمَا عَقِبٌ.

стр. 1300

أَبُو الْعَاصِ عِنْدَ الرّسُولِ وَبَعْثُ زَيْنَبَ فِي فِدَائِهِ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يُحِلّ بِمَكّةَ وَلَا يُحْرِمُ مَغْلُوبًا عَلَى أَمْرِهِ وَكَانَ الْإِسْلَامُ قَدْ فَرّقَ بَيْنَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ أَسْلَمَتْ وَبَيْنَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرّبِيعِ، إلّا أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُفَرّقَ بَيْنَهُمَا، فَأَقَامَتْ مَعَهُ عَلَى إسْلَامِهَا وَهُوَ عَلَى شِرْكِهِ حَتّى هَاجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمّا صَارَتْ قُرَيْشٌ إلَى بَدْرٍ صَارَ فِيهِمْ أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرّبِيعِ فَأُصِيبَ فِي الْأُسَارَى يَوْمَ بَدْرٍ فَكَانَ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبّادٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمّا بَعَثَ أَهْلُ مَكّةَ فِي فِدَاءِ أُسَرَائِهِمْ بَعَثَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي فِدَاءِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرّبِيعِ بِمَالِ وَبَعَثَتْ فِيهِ بِقِلَادَةِ لَهَا كَانَتْ خَدِيجَةُ أَدَخَلَتْهَا بِهَا عَلَى أَبِي الْعَاصِ حِينَ بَنَى عَلَيْهَا، قَالَتْ فَلَمّا رَآهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ رَقّ لَهَا رَقّةً شَدِيدَةً وَقَالَ إنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا، وَتَرُدّوا عَلَيْهَا مَالَهَا، فَافْعَلُوا، فَقَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. فَأَطْلَقُوهُ وَرَدّوا عَلَيْهَا الّذِي لَهَا ــ وَقَوْلُهُ فِي خَبَرِ هِنْدٍ: فَلَا تَضْطَنِي مِنّي. تَضْطَنِي، أَيْ لَا تَنْقَبِضِي عَنّي وَشَاهِدُهُ [قَوْلُ الطّرِمّاحِ بْنِ حَكِيمٍ] : إذَا ذُكِرَتْ مَسْعَاةُ وَالِدِهِ اضْطَنَى وَلَا يَضْطَنِي مِنْ شَتْمِ أَهْلِ الْفَضَائِلِ هَكَذَا وَجَدْته فِي حَاشِيَةِ الشّيْخِ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْبَيْتُ فِي الْحَمَاسَةِ يُضْنِي بِالضّادِ الْمُعْجَمَةِ وَكَأَنّهُ يَفْتَعِلُ مِنْ الضّنَى وَهُوَ الضّعْفُ.
следующие страницы →