← Сира

Сира · id 1524

إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع

المقريزي

Полный текст (6 146 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

أنكروا، فقلت لهم: لا بأس عليكم، فدخلت، فقال خباب: يا عمر! ويحك أسلم، فدعوت بالماء فأسبغت الوضوء، وسألتهم عن محمد ﷺ فقالوا: في دار أرقم بن الأرقم، فأتيتهم فضربت عليهم الباب، فخرج حمزة بن عبد المطلب، فلما رآني والسيف صاح بي- وكان رجلا عبوبا [ (١) ]- فصحت به، فخرج إليّ رسول اللَّه ﷺ ، فلما رآني ورأى ما في وجهي عرف فقال: استجيب لي فيك يا عمر! أسلم، [فقلت] : أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأنك رسول اللَّه، فسر رسول اللَّه ﷺ والمسلمون، وكنت رابع أربعين رجلا ممن أسلم، ونزلت على رسول اللَّه ﷺ ، يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [ (٢) ] ، فقلت: يا نبي اللَّه! اخرج، فو اللَّه لا يغلبنا المشركون أبدا، فخرجنا وكبّرنا حتى طاف النبي ﷺ ورجعت معه، فلم أزل أقاتل واحدا واحدا حتى أظهر اللَّه الدين. وله من حديث الواقدي عن ابن ذؤيب عن مسلم عن جندب عن النضر بن سفيان الهذلي عن أبيه قال: خرجنا في عير لنا إلى الشام، فلما كنا بين الزرقاء ومعان عرّسنا من الليل، فإذا بفارس يقول وهو بين السماء والأرض: أيها [النيام] [ (٣) ] هبّوا فليس هذا بحين رقاد، قد خرج أحمد وطردت الجنّ كل مطرد، ففزعنا ونحن رفقة حزاورة [ (٤) ] كلهم قد سمع بهذا، فرجعنا إلى أهلنا فإذا هم يذكرون اختلافا بمكة بين قريش لنبي خرج فيهم من بني عبد المطلب اسمه أحمد [ (٥) ] . وله من حديث خرّبوذ عن موسى بن عبد الملك بن عمير عن أبيه عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنه قال: هتف هاتف من الجن على أبي قبيس [ (٦) ] بمكة فقال:

стр. 1227

قبّح اللَّه رأي كعب بن فهر ... ما أرق العقول والأحلام دينها أنها يعنّف فيها ... دين آبائها الحماة الكرام حالف الجن حين يقضى [ (١) ] عليكم ... ورجال النخيل والآطام يوشك الخيل أن تراها [ (٢) ] تهادى ... تقتل القوم في بلاد التهام [ (٣) ] هل كريم منكم له نفس حرّ ... ما جد الوالدين والأعمام؟ ضارب ضربة تكون نكالا ... ورواحا من كربة واغتمام قال [ابن عباس] [ (٤) ] : فأصبح هذا الحديث قد شاع بمكة وأصبح [ (٥) ] المشركون يتناشدونه بينهم، وهمّوا بالمؤمنين، فقال رسول اللَّه ﷺ : هذا شيطان يكلم الناس في الأوثان يقال له: مسعر واللَّه يخزيه، قال: فمكثوا ثلاثة أيام فإذا هاتف على الجبل يقول: نحن قتلنا مسعرا ... لما طغى واستكبرا وسفه الحق وسنّ المنكرا ... قنّعته سيفا جروفا مبتّرا بشتمه نبيّنا المطهّرا فقال رسول اللَّه ﷺ : ذلكم عفريت من الجن يقال له سمحج سميته عبد اللَّه، آمن بي فأخبرني أنه في طلبه منذ أيام، فقال علي بن أبي طالب: جزاك اللَّه خيرا يا رسول اللَّه [ (٦) ] . وروى من حديث ابن شهاب وعبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف سمعا كلاهما حميد بن عبد الرحمن عن أبيه عبد الرحمن بن عوف قال: لما ظهر

стр. 1228

- أي رسول اللَّه- ﷺ قام رجل من الجن على أبي قبيس يقال له مسعر فقال: قبّح اللَّه رأي كعب بن فهر ... ما أرقّ العقول والأحلاما حالف الجن حين [يقضي] عليكم ... ورجال النخيل والآطاما هل غلام منكم له نفس حرّ ... ما جد الوالدين والأعماما فأصبحت قريش يتناشدونه بينهم، [فإذا رجل من الجن يقال له سمحج يقول:] [ (١) ] نحن قتلنا مسعرا لما طغى واستكبرا ... بشتمه نبينا المطهرا أوردته سيفا جروفا مبترا ... إنا نذود من أراد البطرا فسماه رسول اللَّه ﷺ عبد اللَّه. ومن حديث ابن إسحاق عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال خزيم بن [ (٢) ] فاتك لعمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه ألا أخبرك ببدء [ (٣) ] إسلامي؟ بينا أنا في طلب نعم لي إذ جنّ الليل بأبرق العزاف [ (٤) ] ، فناديت بأعلى صوتي: أعوذ بعزيز هذا الوادي من سفهائه، وإذا هاتف يهتف بي: عذ يا فتى باللَّه ذي الجلال ... والمجد والنّعماء والإفضال [واقرأ بآيات] [ (٥) ] من الأنفال ... ووحد اللَّه ولا [تبال] [ (٦) ] [قال:] [ (٧) ] فرعت من ذلك روعا شديدا، فلما رجعت إلى نفسي قلت: يا أيها الهاتف ما تقول ... أرشد عندك أم تضليل بين لنا هديت ما السبيل [ (٨) ]

стр. 1229

قال: فقال: هذا رسول اللَّه ذو الخيرات ... يدعو إلى الخيرات والنجاة يأمر بالصوم والصلاة ... ويزع الناس عن الهنات قال فأتبعت راحلتي وقلت: أرشدني رشدا بها هديت ... لا جعت يا هذا ولا عريت ولا صبحت صاحبا مقيت ... لا يثوينّ الخير إن ثويت [ (١) ] قال: فأتبعني وهو يقول: صاحبك اللَّه وسلم نفسكا ... وبلغ الأهل [وسلّم] [ (٢) ] رحلكا آمن به أفلح ربي حقكا ... وانصر نبيا عزّ ربي نصركا قال: فدخلت المدينة فاطلعت في المسجد، فخرج إليّ أبو بكر رضي اللَّه تعالى عنه فقال: ادخل رحمك اللَّه، قد بلغنا إسلامك، فقلت: لا أحسن الطهور فعلّمت ودخلت المسجد، ورسول اللَّه ﷺ على المنبر كأنه البدر وهو يقول: ما من مسلم توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلى صلاة يعقلها ويحفظها إلا دخل الجنة. فقال عمر رضي اللَّه تعالى عنه لتأتيني على هذا ببينة أو لأنكلنّ بك، قال: فشهد له شيوخ [ (٣) ] قريش عثمان بن عفان رضي اللَّه تعالى عنه فأجاز شهادته [ (٤) ] . ***

стр. 1230

_________ [ () ] ويحك عذ باللَّه ذي الجلال ... منزل الحرام والحلال ووحّد اللَّه ولا تبال ... ما هو ذو الحزم من الأهوال إذ يذكروا اللَّه على الأميال ... وفي سهول الأرض والجبال وما وكيل الحق في سفال ... إلا التقى وصالح الأعمال قال: فقلت: يا أيها الداعي بما يحيل ... رشد يرى عندك أم تضليل؟ فقال: هذا رسول اللَّه ذو الخيرات ... جاء بياسين وحاميمات في سور بعد مفصلات ... محرمات محلات يأمر بالصوم والصلاة ... ويزجر الناس عن الهنات قد كنّ في الأيام منكرات قال: فقلت من أنت يرحمك اللَّه؟ قال: أنا مالك بن مالك، بعثني رسول اللَّه ﷺ من أرض أهل نجده، قال: فقلت: لو كان لي من يكفيني إبلي هذه لأتيته حتى أؤمن به، فقال: أنا أكفيكها حتى أؤديها إلى أهلك سالمة إن شاء اللَّه تعالى، فاعتقلت بعيرا منها ثم أتيت المدينة فوافقت الناس يوم الجمعة وهم في الصلاة، فقلت: يقضون صلاتهم ثم أدخل فإنّي لذاهب أنيخ راحلتي إذ خرج أبو ذر رضي اللَّه تعالى عنه فقال: يقول لك رسول اللَّه ﷺ : أدخل، فدخلت، فلما رآني قال: ما فعل الشيخ الّذي ضمن لك أن يؤدي إبلك إلى أهلك سالمة؟ أما أنه قد أدّاها إلى أهلك سالمة، قلت: ﵀، فقال النبي ﷺ : أجل ﵀، قال خريم: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وحسن إسلامه. قال الذهبي في التخليص: «لا يصح» .

стр. 1231

[المجلد الرابع] [تتمة الفصل في ذكر المفاضلة بين المصطفى وبين إبراهيم] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ومن حديث محمد بن كعب القرظيّ قال: بينا عمر بن الخطاب ﵁ في المسجد إذ مرّ رجل في مؤخر المسجد فقال رجل: يا أمير المؤمنين، تعرف هذا المار؟ قال: لا، فمن هو؟ قال: هذا سواد بن قارب، وهو رجل من أهل اليمن له فيهم شرف وموضع، وهو الّذي أتاه رئيّه [ (١) ] بظهور رسول اللَّه ﷺ فقال [عمر] [ (٢) ] : عليّ به، فدعي، فقال [ (٣) ] : أنت سواد بن قارب، قال: نعم، قال: فأنت [ (٤) ] الّذي أتاك رئيّك بظهور رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: نعم، قال: فأنت على ما كنت عليه من كهانتك؟ فغضب غضبا شديدا وقال: يا أمير المؤمنين! ما استقبلني أحد [ (٥) ] بهذا منذ أسلمت، فقال عمر ﵁: يا سبحان اللَّه! واللَّه ما كنا عليه من الشرك أعظم مما كنت عليه من كهانتك، أخبرني بإتيانك [ (٦) ] رئيك بظهور رسول اللَّه ﷺ قال: نعم. يا أمير المؤمنين، بينا أنا ذات ليلة بين النائم واليقظان، إذ أتانى رئيّي فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب، فافهم [ (٧) ] واعقل إن كنت تعقل إنه قد بعث رسول من لؤيّ بن غالب يدعو إلى اللَّه وإلى عبادته، ثم أنشأ يقول: عجبت للجن وتجساسها [ (٨) ] ... وشدها العيس [ (٩) ] بأحلاسها [ (١٠) ] تهوى إلى مكة تبغي الهدى ... ما خير الجن كأنجاسها [ (١١) ]

стр. 1232

فارحل [ (١) ] إلى الصفوة من هاشم ... واسم بعينيك إلى رأسها قال: فلم أرفع بقوله رأسا وقلت: دعني أنام [ (٢) ] ، فإنّي أمسيت ناعسا، فلما أن كانت الليلة الثانية أتاني فضربني برجله وقال: ألم أقل لك يا سواد بن قارب: قم فافهم واعقل إن كنت تعقل إنه قد بعث رسول من لؤيّ بن غالب يدعو إلى اللَّه وإلى عبادته، ثم أنشأ الجنّي وهو يقول: عجبت للجن وتطلابها ... وشدّها العيس بأقتابها تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما صادق الجن ككذّابها فارحل إلى الصفوة من هاشم ... ليس قداماها [ (٣) ] كأذنابها قال: فلم أرفع بقوله رأسا، فلما كانت الليلة الثالثة أتاني وضربني برجله وقال: ألم أقل لك يا سواد بن قارب: افهم واعقل إن كنت تعقل أنه قد بعث رسول من لؤيّ بن غالب يدعو إلى اللَّه وإلى عبادته، ثم أنشد [ (٤) ] الجني يقول: عجبت للجن وأخبارها ... وشدها العيس بأكوارها [ (٥) ] تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما مؤمنو [ (٦) ] الجن ككفارها فادخل إلى الصفوة من هاشم ... بين روابيها [ (٧) ] وأحجارها فوقع في نفسي حب الإسلام، ورغبت فيه، فلما أصبحت شددت على راحلتي فانطلقت متوجها إلى مكة، فلما كنت ببعض الطريق أخبرت أن النبي ﷺ قد هاجر إلى المدينة، فأتيت المدينة فسألت عن النبي ﷺ فقيل لي: في المسجد، فانتهيت إلى المسجد فعقلت ناقتي وإذا رسول اللَّه ﷺ والناس حوله، فقلت: اسمع مقالتي يا رسول اللَّه، فقال أبو بكر ﵁: ادنه ادنه، فلم يزل بي حتى صرت بين يديه فقال: هات، فأخبرني بإتيانك رئيّك، فقلت:

стр. 1233

أتاني نجيي بعد هدء ورقدة ... فلم أك [ (١) ] قد تلوت بكاذب ثلاث ليال قوله كلّ ليلة ... أتاك رسول [ (٢) ] من لؤيّ بن غالب فشمّرت من ذيل الازار ووسّطت ... بي الذعلب الوجناء بين السباسب [ (٣) ] فأشهد أن اللَّه لا ربّ غيره ... وأنك مأمون على كل غائب وأنك أدنى المرسلين وسيلة ... إلى اللَّه يا ابن الأكرمين الأطايب فمرنا بما يأتيك يا خير من مشى ... وإن كان فيما جاء شيب الذوائب [ (٤) ] وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة ... سواك بمغن عن سواد بن قارب [ (٥) ] قال: ففرح رسول اللَّه ﷺ وأصحابه بإسلامي فرحا شديدا حتى رئي في وجوههم. قال: فوثب إليه عمر ﵁ فالتزمه وقال: قد كنت أحبّ أن أسمع هذا منك [ (٦) ] . وقد رواه عبيد اللَّه بن الوليد الوصافي عن أبي جعفر عن سواد بن قارب، ورواه الحسن ابن عمارة عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن عن سواد، ورواه أبو معمر عياد بن عبد الصمد

стр. 1234

عن سعيد بن جبير عن سواد. وله من حديث علي بن حرب قال حدّثتا أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب عن أبيه عن عبد اللَّه العماني [ (١) ] قال: كان منا رجل [ (٢) ] يقال له: مازن بن الغضوبة [ (٣) ] ، يسدن [ (٤) ] صنما بقرية يقال لها: (سمايا) من عمان، وكانت تعظمه بنو الصامت وبنو خطامة ومهرة، وهم أخوان [ (٥) ] مازن [لأمه زينب بنت عبد اللَّه ابن ربيعة بن حويص أحد بني نمران، قال مازن] [ (٦) ] : فعترنا ذات يوم عند الصّنم عتيرة- وهي الذبيحة- فسمعت صوتا من الصنم يقول: يا مازن! اسمع تسرّ، فظهر خير وبطن شر، بعث نبي من بني مضر [ (٧) ] ، بدين اللَّه الكبر [ (٨) ] ، فدع نحيتا [ (٩) ] من حجر، تسلم من حرّ سقر [ (١٠) ] . قال: ففزعت لذلك، ثم عترنا بعد أيام عتيرة أخرى فسمعت صوتا من الصنم يقول: أقبل إليّ أقبل، تسمع ما لا تجهل، هذا نبي مرسل، جاء بحق منزل، فآمن به كي تعدل، عن حرّ نار تشعل، وقودها الجندل [ (١١) ] . قال مازن: فقلت: إن هذا لعجب، وإنه لخير يراد بي. وقدم علينا رجل من أهل الحجاز فقلنا: ما الخبر وراءك؟ قال: ظهر رجل يقال له: أحمد، يقول لمن أتاه: أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ فقلت: هذا نبأ ما سمعت،

стр. 1235

فَسِرْتُ [ (١) ] إلى الصنم فكسرته جذاذا [ (٢) ] ، وركبت راحلتي حتى قدمت على رسول اللَّه ﷺ ، فشرح لي الإسلام فأسلمت وقلت: كسّرت باجر [ (٣) ] أجذاذا وكان لنا ... ربا نطيف [ (٤) ] به ضلا بتضلال بالهاشميّ هدانا من ضلالتنا ... ولم يكن دينه منّى على بال يا راكبا بلغنا عمرا، وإخوته [ (٥) ] ... أني لمن قال: ربي باجر [ (٦) ] ، قالي [ (٧) ] يعني بعمرو: بني الصامت، وإخوته [ (٥) ] : بني خطامة. فقلت: يا رسول اللَّه! إني امرؤ مولع بالطرب وبالهلوك [ (٨) ] من النساء وبشرب الخمر، فأتت [ (٩) ] علينا السنون فاذهبن بالأموال وأهزلن الذراري [والعيال] [ (١٠) ] . وليس لي ولد، فادع اللَّه أن يذهب عني ما أجد، ويأتينا بالحياء، ويهب لي ولدا. فقال النبي ﷺ : اللَّهمّ أبدله بالطرب قراءة القرآن، وبالحرام الحلال، وبالإثم وبالعهر عفّة، وآته بالحياء، وهب له ولدا، قال: فأذهب اللَّه عني ما أجد، وأخصبت عمان، وتزوجت أربع حرائر، [وحفظت شطر القرآن] [ (١١) ] ، ووهب اللَّه لي حيّان بن مازن، وأنشأت أقول: إليك رسول اللَّه خبّت مطيتي ... تجوب الفيافي من عمان إلى العرج

стр. 1236

لتشفع لي يا خير من وطئ الحصا ... فيغفر لي ربي وأرجع بالفلج إلى معشر خالفت في اللَّه دينهم ... فلا رأيهم رأيي ولا شرجهم شرجي وكنت امرأ بالعهر [ (١) ] والخمر مولعا ... شبابي حتى آذن الجسم بالنهج [فبدلني بالخمر خوفا وخشية ... وبالعهر إحصانا فحصّن لي فرجي] [ (٢) ] فأصبحت همّي في الجهاد ونيتي [ (٣) ] ... فلله ما صومي وللَّه ما حجّي [ (٤) ] [قال مازن] [ (٥) ] فلما أتيت [ (٦) ] قومي أنّبوني وشتموني، وأمروا شاعرا [ (٧) ] لهم فهجاني، فقلت: إن رددت [ (٨) ] عليه فإنما أهجو نفسي [ (٩) ] ، فرحلت عنهم فأتتني منهم أرفلة عظيمة، وكنت القيّم بأمورهم، فقالوا: يا ابن عم! عتبنا عليك أمرا وكرهنا ذلك، فإن أبيت فارجع فقم بأمورنا، وشأنك وما تدين به، فرجعت معهم وقلت [ (١٠) ] :

стр. 1237

لبغضكم عندنا مرّ مذاقته ... وبغضنا عندكم يا قومنا لئن لا يفطن الدهر أن يثبت معايبكم ... وكلكم حين بتنا عيبنا فطن شاعرنا مفحم عنكم وشاعركم ... في حربنا مبلغ في شتمنا لسن ما في القلوب عليكم فاعلموا وغر ... وفي قلوبكم البغضاء والإحن قال مازن: فهداهم اللَّه بعد إلى الإسلام فأسلموا جميعا. وله من حديث أبي محمد عبد اللَّه بن داود [وعن دلهاب] [ (١) ] بن إسماعيل بن عبد اللَّه بن مسرع بن ياسر بن سويد قال: حدثنا أبي عن أبيه [دلهاب] [ (١) ] عن أبيه إسماعيل، أن أباه عبد اللَّه حدثه عن أبيه مسرع، أن أباه ياسر بن سويد حدثه عن عمرو بن مرة الجهنيّ أنه كان يحدث قال: خرجت حاجا في جماعة من قومي في الجاهلية، فرأيت في المنام وأنا بمكة نورا ساطعا من الكعبة حتى أضاء إلى جبل يثرب وأشعر جهينة، فسمعت صوتا في النور وهو يقول:

стр. 1238

انقشعت الظلماء ... وسطع الضياء وبعث خاتم الأنبياء ثم أضاء إضاءة أخرى حتى نظرت إلى قصور الحيرة وأبيض المدائن، فسمعت صوتا في النور وهو يقول: ظهر الإسلام ... وكسرت الأصنام ووصلت الأرحام فانتبهت فزعا فقلت لقومي: واللَّه ليحدثن في هذا الحي من قريش حدث، وأخبرتهم بما رأيت، فلما انتهينا إلى بلادنا جاءنا رجل فقال: إن رجلا يقال له: أحمد قد بعث فأتيته فأخبرته بما رأيت، فقال: يا عمرو بن مرة! إني المرسل إلى العباد كافة أدعوهم إلى الإسلام، وآمرهم بحقن الدماء وصلة الأرحام، وعبادة اللَّه ورفض الأصنام، وحج البيت وصيام شهر رمضان، شهر من اثني عشر شهرا، فمن أجاب فله الجنة، ومن عصى فله النار، فآمن باللَّه يا عمرو بن مرة يؤمنك اللَّه من هول جهنم. فقلت: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأنك رسول اللَّه آمنت بكل ما جئت به من حلال وحرام، وأن أرغم ذلك كثيرا من الأقوام، ثم أنشدته أبياتا قلتها حين سمعت به، وكان لنا صنم وكان أبي سادنا له، فقمت إليه فكسرته، ثم لحقت بالنبيّ ﷺ وأنا أقول: شهدت بأنّ اللَّه حقّ وإنني ... لآلهة الأحجار أول تارك وشمّرت [ (١) ] عن ساقي الإزار [ (٢) ] مهاجرا ... إليك أجوب الوعث [ (٣) ] بعد الدكادك [ (٤) ] لأصحب خير الناس نفسا ووالدا ... رسول مليك الناس فوق الحبائك [ (٥) ]

стр. 1239

فقال النبي ﷺ : من حبابك يا عمرو بن مرة! فقلت: يا رسول اللَّه، بأبي أنت وأمي ابعثني على قومي لعل اللَّه أن يمن بي عليهم كما من بك عليّ. فبعثني إليهم وقال: عليك بالرفق في القول السديد، ولا تكن فظا ولا متكبرا ولا حسودا، فأتيت قومي فقلت فقلت لهم: يا بني رفاعة ثم يا بني جهينة، إني رسول رسول اللَّه إليكم أدعوكم إلى الجنة وأحذركم النار، وآمركم بحق الدماء وصلة الأرحام، وعبادة اللَّه ورفض الأصنام، وحج البيت وصيام شهر رمضان، شهر من اثني عشر شهرا، فمن أجاب فله الجنة، ومن عصى فله النار، يا معشر جهينة! إن اللَّه- وله الحمد- جعلكم خيار من أنتم منه، وبغّض إليكم في جاهليتكم ما حبب إلى غيركم من الرفث، إنهم كانوا يجمعون بين الأختين، ويخلف الرجل منهم على امرأة أبيه التراث في الشهر الحرام، فأجيبوا هذا النبي المرسل من بني لؤيّ ابن غالب تنالوا شرف الدنيا وكبير الأجر في الآخرة، فسارعوا في ذلك تكن [ (١) ] لكم فضيلة عند اللَّه. فأجابوا إلا رجلا منهم قام فقال: يا عمرو بن مرة، أمرّ اللَّه عليك عيشك! أتأمرنا أن نرفض آلهتنا ونفارق جماعتنا، ونخالف ديننا إلى ما يدعو إليه هذا القرشيّ من أهل تهامة؟ لا، ولا حبا ولا كرامة، ثم أنشأ الخبيث يقول: إن ابن مرة قد أتى بمقالة ... ليست مقالة من يريد صلاحا إني لأحسب قوله وفعاله ... يوما وإن طال الزمان رياحا أتسفّه الأشياخ ممن قد مضى؟ ... من رام ذلك لا أصاب ولاحا فقال عمرو بن مرة: الكاذب مني ومنك أمرّ اللَّه عيشته، وأبكم لسانه وأكمه بصره، قال عمرو بن مرة: واللَّه ما مات حتى سقط فوه، وكان لا يجد طعم الطعام، وعمي وخرس، فخرج عمرو بن مرة ومن أسلم من قومه حتى أتوا النبي ﷺ فرحب بهم وحياهم، وكتب لهم كتابا نسخته: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا كتاب من اللَّه على لسان رسول اللَّه، بكتاب

стр. 1240

صادق، وحق ناطق، مع عمرو بن مرة الجهنيّ لجهينة بن زيد: أن لكم بطون الأرض وسهولها، وتلاع الأودية وظهورها، تزرعون نباته، وتشربون صافيه، على أن تقروا بالخمس، وتصلوا الصلوات الخمس، وفي السعة والضرعة شاتان إن اجتمعتا، وإن تفرقتا فشاة، ليس على أهل [المثير] [ (١) ] صدقة، [ولا على الواردة لبقه] [ (٢) ] ، وشهد من حضر من المسلمين [ (٣) ] بكتاب قيس بن شمّاس. فذلك حيث يقول عمرو بن مرة: ألم تر أن اللَّه أظهر دينه ... وبيّن برهان القرآن لعامر كتاب من الرحمن نور لجمعنا ... وأحلافنا في كل باد وحاضر إلى خير من يمشي على الأرض كلها ... وأفضلها عند اعتكار الضرائر [ (٤) ] أطعنا رسول اللَّه لما تقطعت ... بطون الأعادي بالظبا والخواطر فنحن قبيل قد بني المجد حولنا ... إذا اختليت في الحرب هام الأكابر بنو نغزيها بأيد طويلة ... وبيض زلالا في أكف المغاور ترى جولة الأنصار يحمي أميرهم ... بسمر العوالي والصفاح البواتر إذا الحرب دارت عند كل عظيمة ... ودارت رحاها بالليوث الهواجر يبلج منه اللون وازدان وجهه ... كمثل ضياء البدر بين الزواهر وله من حديث ابن خرّبوذ عن رجل من خثعم قال: كانت العرب لا تحرم حراما ولا تحل حلالا، وكانوا يعبدون الأوثان ويتحاكمون إليها، فبينا نحن ذات ليلة عند وثن لنا جلوس، وقد تقاضينا إليه في شيء وقع بيننا [كاد] يفرق بيننا، إذ هتف هاتف يقول: يا أيها الناس ذوو الأجسام ... ما أنتم وطائش الأحلام ومسندو الحكم إلى الأصنام ... هذا نبي سيد الأنام

стр. 1241

أعدل ذي حكم من الحكام ... يصدع بالنور وبالإسلام ويمنع الناس عن الآثام ... مستعلن في البلد الحرام قال: ففزعنا وتفرقنا من عنده، وصار ذلك الشعر حديثا حتى بلغنا أن النبي ﷺ قد خرج بمكة ثم قدم المدينة ثم جئت وأسلمت [ (١) ] . ومن حديث الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: كنا جلوسا عند صنم ببوانة قبل أن يبعث رسول اللَّه ﷺ بشهر وقد نحرنا جزرا، فإذا صائح يصيح من جوف واحدة منها يقول: * اسمعوا إلى العجب* ذهب استراق السمع وترمى الشّهب* لنبي بمكة اسمه أحمد ومهاجره إلى يثرب* قال: فأمسكنا وعجبنا، وخرج رسول اللَّه ﷺ . وله من حديث شهر بن حوشب، عن عبد اللَّه بن عباس، عن سعد بن عبادة ﵁، قال: بعثني رسول اللَّه ﷺ إلى حضر موت في حاجة قبل الهجرة، حتى إذا كنت في بعض الطريق عرست ساعة من الليل، فسمعت هاتفا يقول: أبا عمرو ناوبني [ (٢) ] السهود ... وراح النوم وامتنع الهجود [ (٣) ] لذكر عصابة سلفوا وبادوا ... وكل الخلق قصرهم يبيد تولوا واردين إلى المنايا ... حياضا ليس سهلها الورود مضت لسبيلهم وبقيت خلفا ... وحيدا ليس يستغني وحيد سدى لا أستطيع علاج أمر ... إذا ما عولج الطفل الوليد فلا يا ما بقيت إليّ أنا ... وقد ماتت بمهلكها ثمود وعاد والقرون بذي شعوب ... سواء كلهم إرم حصيد قال: ثم صاح به آخر: يا خرعب ذهب بك اللعب، إن أعجب العجب،

стр. 1242

بين زهرة ويثرب، قال: وما ذاك يا شاحب؟ قال: نبي السلام، بعث بخير الكلام، إلى جميع الأنام، فاخرج [ (١) ] من البلد الحرام إلى نخيل وآطام. قال: ما هذا النبي المرسل، والكلام المنزل، والآي المفصّل؟ قال: هذا رجل من لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، قال: هيهات، فات عن هذا سني، وذهب عنه زمني، لقد رأيتني والنضر بن كنانة نرمي غرضا واحدا، ونشرب حلبا باردا، ولقد خرجت معه من دومة في غداة شيمة، وطلع مع الشمس وغرب معها، نروي ما نسمع ونثبت ما ينضر، فلئن كان هذا من ولده فلقد سلّ السيف وذهب الحيف، ودحض الزنا وهلك الربا. قال: فأخبرني ما تكون، قال: ذهبت الضراء والمجاعة، والشدة والشجاعة، إلا بقية من خزاعة، وذهبت الضراء والبؤس، والحلق المنفوس، إلا بقية في الخزرج والأوس، وذهبت الخيلاء والفقر والنميمة والغدر، إلا بقية في بني بكر، وذهب الفعال المندم، والعمل المؤثم، إلا بقية في خثعم. قال أخبرني ما يكون، قال: إذا غلت البرة، وكظمت الجرة، فاخرج من بلاد الهجرة، وإذا كف السلام وقطعت الأرحام، فاخرج من بلاد التهام. قال أخبرني ما يكون، قال: لولا أذن تسمع وعين تلمع، لأخبرتك بما تفزع، ثم صرصر وأضاء الفجر، فذهبت لأنظر، فإذا عصا وثعبان ميتان، قال: فما علمت أن رسول اللَّه ﷺ هاجر إلى المدينة إلا بهذا الحديث. وفي رواية عن سعد بن عبادة قال: لما بايعنا رسول اللَّه ﷺ [بيعة] [ (٢) ] العقبة، خرجت إلى حضر موت لبعض الحاجة، فقضيت حاجتي ثم أقبلت حتى إذا كنت ببعض الطريق نمت، ففزعت من الليل بصائح يقول: أبا عمرو ناوبني السهود، فذكر مثله بطوله. وله من حديث العطاف بن خالد الوابصي عن خالد بن سعيد عن أبيه

стр. 1243

قال: سمعت تميم الداريّ يقول: كنت بالشام حين بعث رسول اللَّه ﷺ ، فخرجت إلى بعض حاجتي فأدركني الليل فقلت: أنا في جوار عظيم هذا الوادي الليلة، فلما أخذت مضجعي إذا أنا بمناد ينادي لا أراه: عذ باللَّه فإن الجن لا تجير أحدا على اللَّه. فقلت: أيم اللَّه يقول، فقال: قد خرج رسول الأميين رسول اللَّه وصلينا خلفه بالحجون، فأسلمنا واتبعناه وذهب كيد الجن، ورميت بالشهاب، فانطلق إلى محمد رسول رب العالمين فأسلم. قال: فلما أصبحت ذهبت إلى دير أيوب فسألت راهبا وأخبرته الخبر فقال: قد صدقوك، يخرج من الحرم [ (١) ] ومهاجره الحرم [ (٢) ] ، وهو خير الأنبياء، ولا تسبق إليه، قال: فتكلفت الشخوص حتى جئت رسول اللَّه ﷺ فأسلمت. ومن حديث سعد [ (٣) ] بن عثمان بن سعيد الضمريّ عن أبيه قال: حدثني [أبي عن] [ (٤) ] خويلد الضمريّ قال: كنا عند صنم جلوسا إذ سمعنا من جوفه صائحا يصيح: ذهب استراق [السمع] [ (٥) ] بالشهب، لنبي بمكة اسمه أحمد، مهاجره إلى يثرب، يأمر بالصّلاة والصيام، والبر والصّلات للأرحام [ (٦) ] ، فقمنا من عند الصنم فسألنا، فقالوا: خرج نبي بمكة اسمه أحمد [ (٧) ] . ومن حديث الأصمعي قال: حدثني الوصافي عن منصور بن المعتمر عن قبيصة ابن عمرو بن إسحاق الخزاعي عن العباس بن مرداس السلمي قال: كان أول إسلامي أن مرداسا [أبي] [ (٨) ] لما حضرته الوفاة أوصاني بصنم له يقال له: [ضمار] [ (٨) ] ، فجعلته في بيت وجعلت آتيه كل يوم مرة، فلما ظهر النبي ﷺ [إذ] [ (٨) ] سمعت

стр. 1244

صوتا في جوف الليل راعني، فوثبت إلى [ضمار] [ (١) ] مستغيثا، فإذا بالصوت من جوفه وهو يقول: قل للقبيلة من سليم كلّها ... هلك الأنيس وعاش أهل المسجد أودي [ضمار] [ (١) ] وكان يعبد مدة ... قبل الكتاب إلى النبي محمد إن الّذي ورث النبوة والهدى ... بعد ابن مريم من قريش مهتدى فكتمته الناس، فلما رجع الناس من الأحزاب بينا أنا في إبلي بطرف العقيق من ذات عرق راقد، سمعت صوتا فإذا برجل على جناحي نعامة وهو يقول: النور الّذي وقع [ليلة الإثنين و] [ (٢) ] ليلة الثلاثاء، مع صاحب الناقة العضباء، في ديار إخوان بني العنقاء. فأجابه هاتف عن شماله وهو يقول: بشر الجن وإبلاسها، إن وضعت المطيّ أحلاسها، وكلأت السماء أحراسها، [قال:] [ (٢) ] فوثبت مذعورا وعلمت أن محمدا مرسل. فركبت فرسي وسرت حتى انتهيت إليه فبايعته، ثم انصرفت إلى [ضمار] [ (١) ] فأحرقته بالنار، ثم رجعت إلى رسول اللَّه ﷺ [فأنشدته شعرا أقول فيه] [ (٣) ] :

стр. 1245

ومن حديث الزهري عن عبد الرحمن بن أنيس السلمي، عن العباس بن مرداس قال: كان إسلام العباس بن مرداس أنه كان بغمرة في لقاح له نصف النهار، إذ طلعت عليه نعامة بيضاء مثل القطن، عليها راكب عليه ثياب بيض مثل القطن فقال: يا عباس بن مرداس! ألم تر أن السماء حفّت أحراسها، وأن الحرب جوعت أنفاسها، وأن الخيل وضعت أحلاسها، وأن الّذي جاء بالبر ولد يوم الاثنين في ليلة الثلاثاء، صاحب الناقة القصواء. فخرجت مرعوبا قد راعني ما رأيت وسمعت، حتى جئت وثنا لي يدعى الضماد، كنا نعبده ونكلّم من جوفه، فدخلت عليه وكنست ما حوله، ثم قمت فتمسّحت به وقبلته، فإذا صائح يصيح من جوفه: يا عباس بن مرداس! قل للقبائل [ (١) ] من سليم كلها ... هلك الضمار [ (٢) ] وفاز أهل المسجد هلك الضمار [ (٢) ] وكان يعبد مدة ... قبل الصلاة [ (٣) ] على النبي محمد إن الّذي ورث النبوة والهدى ... بعد ابن مريم من قريش مهتدى قال: فخرجت مرعوبا حتى جئت قومي، فقصصت عليهم القصة وأخبرتهم الخبر، فخرجت في ثلاثمائة راكب من قومي إلى رسول اللَّه ﷺ ، فدخلنا المسجد، فلما رآني رسول اللَّه ﷺ تبسم وقال: يا عباس بن مرداس! كيف كان إسلامك؟

стр. 1246

فقصصت عليه القصة فقال: صدقت، وسرّ بذلك، فأسلمت أنا وقومي. ومن حديث سعيد بن عمرو بن سعيد الهذالي عن أبيه عمرو بن سعيد، وكان شيخا كبيرا قد أدرك الجاهلية الأولى والإسلام، قال: حضرت مع رجال من قومي صنما بسواع وقد سقنا إليه الذبائح، فكنت أول من قرّب إليه هدية سمينة، فذبحتها على الصنم، فسمعنا صوتا من جوفها: العجب كل العجب، خروج نبي من بني عبد المطلب، يحرم الزنا ويحرم الذبح للأصنام، وحرست السماء ورمينا بالشهب. فتفرقنا فقدمنا مكة، فلم نجد أحدا يخبرنا بخروج محمد ﷺ حتى لقينا أبا بكر الصديق [و] [ (١) ] عبد اللَّه بن عثمان ﵄ فقلنا: يا أبا بكر! خرج أحد بمكة يدعو إلى اللَّه يقال له أحمد؟ فقال: وما ذاك؟ فأخبرت أبا بكر الخبر فقال: نعم، خرج محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب، وهو رسول اللَّه، فدعانا أبو بكر إلى الإسلام، فقلنا: حتى ننظر ما يصنع قومنا، وياليت كنا أسلمنا يومئذ. وعن عبد اللَّه بن يزيد الهذلي، عن عبد اللَّه بن ساعدة الهذلي، عن أبيه قال: كنا عند صنمنا بسواع، وقد جلبنا إليه غنما لنا مائتي شاة قد كان أصابها الجرب، فأدنيتها منه أطلب بركته، فسمعت مناديا من جوف الصنم ينادي: قد ذهب كيد الجن ورمينا بالشهب لنبي اسمه أحمد، فصرفت وجه غنمي منحدرا إلى أهلي، فلقيت رجلا فخبرني بظهور رسول اللَّه ﷺ . وعن يحيى بن سليمان عن حكيم بن عطاء السلمي [ (٢) ] من بني سليم من ولد راشد بن عبد ربه عن أبيه عن جده [ (٣) ] راشد بن عبد ربه قال: كان الصنم الّذي يقال سواع بالمعلاة [ (٤) ] من رهاط [ (٥) ] تدين له هذيل وبنو ظفر من سليم، فأرسلت بنو ظفر راشد بن عبد ربه بهدية من سليم إلى سواع، قال راشد: فألفيت مع الفجر إلى صنم قبل صنم سواع، وإذا صارخ يصرخ من جوفه: العجب كل العجب [من خروج نبي من بني عبد المطلب، يحرم الزنا والربا، والذبح للأصنام، وحرست

стр. 1247

السماء ورمينا بالشهب، العجب كل العجب] [ (١) ] ثم هتف صنم آخر من جوفه: [ترك الضمار وكان يعبد] [ (١) ] خرج أحمد، نبي يصلي الصلاة ويأمر بالزكاة والصيام، والبر والصّلات للأرحام [ (٢) ] ثم هتف من [ (٣) ] جوف صنم آخر هاتف: إن الّذي ورث النبوة والهدى ... بعد ابن مريم من قريش مهتدى نبيّ يخبر الناس بما سبق ... وبما يكون في غد قال راشد: فألفيت سواعا مع الفجر، وثعلبان يلحسان ما حوله، ويأكلان ما يهدى إليه [ثم] [ (٤) ] يعرجان عليه ببولهما، فعند ذلك يقول راشد بن عبد ربه: أربّ يبول الثعلبان [ (٥) ] برأسه ... لقد ذلّ من بالت عليه الثعالب وذلك عند مخرج رسول اللَّه ﷺ [ومهاجره] [ (٦) ] إلى المدينة وتسامع الناس به، فخرج راشد حتى أتى رسول اللَّه ﷺ بالمدينة [ (٧) ] ومعه كلب له- واسم راشد يومئذ (ظالم) ، واسم كله (راشد) - فقال [له] [ (٨) ] رسول اللَّه ﷺ ما اسمك؟ قال: (ظالم) قال: فما اسم كلبك؟ قال: (راشد) ، فقال رسول اللَّه ﷺ : اسمك راشد، واسم كلبك ظالم؟ وضحك النبيّ ﷺ ، وبايع النبيّ ﷺ وأقام معه، ثم طلب من رسول اللَّه ﷺ قطيعة برهاط، فأقطعه رسول اللَّه ﷺ بالمعلاة من رهاط شأو الفرس [ (٩) ] ورمية ثلاث مرات بحجر، وأعطاه أداوة [ (١٠) ] مملوءة من ماء، وتفل فيها [رسول اللَّه ﷺ ] [ (١١) ] وقال له: فرغها أعلى القطيعة ولا تمنع الناس فضولها، ففعل، فجعل الماء معينا مجمّة [إلى اليوم] [ (١١) ]

стр. 1248

فغرس عليها النخل وصارت رهاطا كلها تشرب منه وسماها الناس ماء الرسول، وأهل رهاط يغتسلون منها ويستشفون بها، وغدا راشد على [ (١) ] سواع وكسّرة [ (٢) ] . وله من حديث إسماعيل بن عيّاش، عن يحيى بن أبي عمرو الشيبانيّ [ (٣) ] عن عبد اللَّه بن الديلميّ قال: أتى رجل عبد اللَّه بن عبّاس [ (٤) ] رضي اللَّه تعالى عنه فقال: بلغت أنك تذكر سطيحا [و] [ (٥) ] تزعم أن اللَّه خلقه [و] [ (٥) ] لم يخلق من ولد آدم شيئا يشبهه! قال: نعم، إن اللَّه خلق سطيحا الغسانيّ لحما على وضم- والوضم: شرائح النخل [ (٦) ]- وكان يحمل على وضمه فيؤتي به حيث يشاء، ولم يكن فيه عظم ولا عصب إلا الجمجمة والكفان، وكان يطوى من رجليه إلى ترقوته كما يطوى الثوب، فلم يكن فيه شيء يتحرك إلا لسانه. فلما أراد الخروج إلى مكة حمل على وضمه، فأتى به مكة، فخرج إليه أربعة من قريش: عبد شمس وهاشم ابنا عبد مناف بن قصيّ، والأحوص بن فهر، وعقيل ابن أبي وقاص، انتموا إلى غير نسبهم [فقالوا] [ (٧) ] : نحن أناس من جمح، أتيناك [وقد] [ (٨) ] بلغنا قدومك، فرأينا أن [إتياننا] [ (٩) ] إياك حق لك، واجب علينا

стр. 1249

وأهدى له عقيل صفيحة هندية [ (١) ] ، وصعدة [ (٢) ] ، ردينية [ (٣) ] فوضعت على باب البيت الحرام لينظروا هل يراها سطيح أم لا. فقال: يا عقيل، ناولني يدك، فناوله يده، فقال: يا عقيل! والعالم الخفيّة، والغافر الخطيّه، والذمّة الوفية، والكعبة المبنيّة، إنك للجائي [ (٤) ] بالهديّة، الصفيحة الهنديّة، والصعدة الردينيّة. قالوا: صدقت يا سطيح، فقال: والآتي بالفرح، وقوس قزح، وسائر القرّح [ (٥) ] ، واللطيم [ (٦) ] المنبطح [ (٧) ] ، والنخل والرطب والبلح، إن الغراب حيث مرّ سنح [ (٨) ] ، فأخبر أن القوم ليسوا من جمح، وأن نسبهم في قريش ذي البطح، قالوا: صدقت يا سطيح، نحن أهل البيت الحرام، أتيناك لنزورك لما بلغنا من علمك، فأخبرنا عما يكون في زماننا هذا وما يكون بعده، لعلّ [ (٩) ] أن يكون عندك في ذلك علم. قال: الآن صدقتم، خذوا مني إلهام اللَّه إياي: أنتم يا معشر العرب في زمان الهرم، سواء [ (١٠) ] بصائركم وبصيرة العجم، لا علم عندكم ولا فهم، وينشأ من عقبكم ذوو فهم، يطلبون أنواع العلم، فيكسرون الصنم، ويبلعون الردم [ (١١) ] ، ويقتلون العجم، يطلبون الغنم.

стр. 1250

قالوا: يا سطيح! ممن يكون أولئك؟ قال [ (١) ] : والبيت ذي الأركان، والأمن والسكان، لينشؤن من عقبكم ولدان، يكسرون الأوثان، وينكرون عبادة الشيطان، ويوحدون الرحمن، وينشرون دين الدّيان، يشرفون البنيان، ويقتنون القيان. قالوا: يا سطيح! من نسل من يكون أولئك؟ قال: وأشرف الأشراف، والمفضي للإسراف، والمزعزع الأحقاف، والمضعف للأضعاف، لينشؤن الآلاف من بني عبد شمس وعبد مناف، نشوا يكون فيهم اختلاف. قالوا: يا سوأتاه يا سطيح مما تخبر من العلم بأمرهم؟ ومن أي بلد يكون أولئك؟ قال: والباقي الأبد، والبالغ الأمد، ليخرجن من ذا البلد، فتى يهدي إلى الرّشد، يرفض يغوث [ (٢) ] والفند [ (٣) ] ، يبرأ من عبادة الضدد [ (٤) ] ، يعبد ربا انفرد، ثم يتوفاه [اللَّه] [ (٥) ] محمودا، من الأرض مفقودا، في السماء مشهودا [ (٦) ] ، وذكر باقية في القوم الذين يلون أمر الأمة المحمدية. ومن حديث ابن إسحاق قال: حدثني من أثق به من علمائنا، عن من حدثه من أهل اليمن [ (٧) ] .

стр. 1251

أن ملكا من لخم [ (١) ] من أهل الملك الأول القديم قبل حسّان ذي نواس، يقال له: ربيعة بن نصر، رأى رؤيا فظع بها حين رآها، وهالته وأنكرها، وبعث إلى الحزاق [ (٢) ] من أهل الأرض، من كان في مملكته من الكهان والمنجمين والعرافين [ (٣) ] ، فقال [ (٤) ] لهم: قد رأيت رؤيا فظعت بها وهالتني، فأخبروني عنها. قالوا: أيها الملك اقصصها علينا نخبرك بتأويلها، قال: إني إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم [ (٥) ] ، فقال رجل منهم إن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى سطيح وشقّ، فإنّهما يخبران عما أراد [الملك] [ (٦) ] من ذلك، فهما أعلم من ترى [ (٧) ] ، وكان سطيح رجلا من غسّان-[وهو ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذؤيب بن عدي بن مازن] [ (٨) ]- وكان شق [رجلا] [ (٨) ] ، من بجيلة، وقال سلمة بن الفضل في حديثه عن [ابن إسحاق] [ (٨) ] : يقال له: سطيح الذئبيّ لنسبته إلى الذئب بن عدي، وشقّ بن صعب بن يشكر بن رهم بن أفرك بن نذير ابن قيس بن عبقر بن أنمار [ (٩) ] . فلما قالوا له ذلك بعث إليهما، فقدم عليه سطيح قبل شق- ولم يك في زمانهما مثلهما من الكهان- فلما قدم سطيح عليه [ (١٠) ] قال له الملك: يا سطيح: إني قد

стр. 1252

رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها حين رأيتها، وإنك إن تصفها [لي] [ (١) ] قبل أن أخبرك تصب تأويلها [ (٢) ] . قال: أفعل، رأيت حممة خرجت من ظلمة، فوقعت بأرض تعمة فأكلت منها كلّ ذات جمجمة [ (٣) ] . فقال الملك: واللَّه ما أخطأت من رؤياي [ (٤) ] [وسمة] [ (٥) ] ، فما عندك [من] [ (٦) ] تأويلها يا سطيح؟. قال: أحلف بما بين الحرّبين من حنش، لينزلن أرضكم الحبش، وليملكن ما بين أبين إلى جرشّ [ (٧) ] . قال له الملك: وأبيك يا سطيح، إن هذا لنا لغائظ موجع، فمتى [ (٨) ] هو كائن يا سطيح؟ أفي زماننا هذا؟ أم بعده؟ قال [ (٩) ] : بعده بحين، خمسين إلى ستين أو سبعين تمضين من السنين [ (١٠) ] . قال له الملك: أقيقيم ويدوم سلطانهم أم ينقطع [ (١١) ] ؟. قال: ينقطع بسبع وسبعين من السنين [ (١٢) ] ، ثم يقتلون أجمعين، ويخرجون هاربين.

стр. 1253

قال له الملك: ومن الّذي يقتلهم ويلي إخراجهم؟. قال: يليه إرم ذي يزن [ (١) ] ، يخرج عليهم من عدن، ولا يبقى منهم أحد باليمن [ (٢) ] ، قال له الملك: أفيدوم ذلك من سلطانه أمن ينقطع؟ قال: بل ينقطع. قال: ومن يقطعه؟. قال: نبي زكيّ، يأتيه الوحي من قبل [ (٣) ] اللَّه العلي. قال: وممن هذا النبي يا سطيح؟ قال: من [ (٤) ] ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر. قال: وهل للدهر من آخر؟. قال: نعم يوم يجمع اللَّه فيه الأولين والآخرين، يشقى فيه المسيئون، ويسعد فيه المحسنون، قال: أحقّ ما تقول؟ قال: نعم، والشفق والغسق، والفلق [إذا اتّسق] [ (٥) ] ، إن ما أنبأتك لحق. فلما فرغ خرج من عنده. وقدم شق [ (٦) ] فقال له الملك مثل ما قال لسطيح

стр. 1254

لينظر: أيتفقان أم يختلفان؟ فقال شقّ: نعم أيها الملك، رأيت حممة [ (١) ] خرجت من ظلمة فوقعت بين روضة وأكمة، بأرض بهمة، فأكلت منها كل ذات نسمة صحيحة مسلمة. ثم قال: أحلف بما بين الحرتين من إنسان، لينزلن أرضكم السودان، وليغلبن على كل طفلة البنان، وليملكن ما بين أبين إلى نجران، فقال الملك: يا شق! وأبيك إن هذا لنا لغائظ موجع، فمتى هو كائن؟ أفي زماني، [ (٢) ] أم بعده؟. قال: بعده بزمان، يبيدهم عظيم ذو شان [ (٣) ] ، فيذيقهم أشد الهوان. قال له الملك: ومن هذا [ (٤) ] العظيم الشان؟. قال: غلام ليس بدنيّ ولا مدنّ، يخرج من بيت ذي يزن، قال: فهل يدوم سلطانهم أم ينقطع؟. قال: لا بل ينقطع برسول يأتي بحقّ وعدل، ومن أهل الدين والفضل، يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل، قال: وما يوم الفصل يا شقّ؟. قال: يوم تجزى فيه الولاة ويدعى فيه من السماء دعوات، فيسمع الأحياء والأموات، ويجتمع فيه الناس للميقات، يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات. قال له الملك: ما تقول يا شق؟ [قال:] [ (٥) ] ورب السماء والأرض، وما بينهما من رفع وخفض، إن ما أنبأتك لحق ما فيه أمض [ (٦) ] ، فلما فرغ من مساءلتهما جهّز بنيه وأهل بيته إلى العراق، وكتب [لهما] [ (٧) ] إلى ملك فارس [ (٨) ] ، وهو

стр. 1255

شابور [ (١) ] فأسكنهم الحيرة [ (٢) ] . فمن بقية ولد ربيعة بن نضر: النعمان بن المنذر، فهو في نسب اليمن وعلمهم: النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر، [ذلك الملك] [ (٣) ] . وحدّث أبو علي قال: كان جنافر بن التوائم الحميري كاهنا، وكان قد أوتي بسطه في الجسم وسعة في المال، وكان عاتيا، فلما وفدت وفود اليمن على النبي ﷺ وظهر الإسلام، أغار على إبل لمسواد فاكتسحها، وخرج بأهله ولحق بالشجر فخالف جودان بن يحي الفرصمي، وكان سيدا منيعا، وترك بواد من أودية الشجر مخصبا كثير الشجر من الأيك والعرين. قال جنافر: وكان رئيّ في الجاهلية لا يكاد يتغيب عليّ، فلما شاع الإسلام فقدته مدة طويلة وساءني ذلك، فبينا أنا ليلة بذلك الوادي إذ هوى هويّ العقاب، قال جنافر: فقلت: شصار! فقال: اسمع أقل، قلت: اسمع، فقال: عه تغنم، لكل مدة نهاية، وكل ذي أمد إلى غاية، فقلت: أجل، فقال: كل دولة إلى أجل، ثم يتاح لها حول، انتشحت النّحل ورجعت إلى حقائقها الملل، إنك بيحبر

стр. 1256

موصول، والنصح لك مبذول، إني آنست بأرض الشام، نفرا من آل العذام، حكاما على الحكام، يتدبرون ذا رونق من الكلام، ليس بالشعر المؤلف، ولا السجع المتكلف، فأصغيت فزجرت، وعاودت فلطفت، فقلت: بم يهيمنون، وإلام يعتزون؟ قالوا: خطاب كبار، جاء من عند الملك الجبار، فاسمع يا شصار، عن أصدق الأخبار، واسلك أوضح الآثار، تنج من أوار النار، فقلت: وما هذا الكلام؟ قالوا: فرقان بين الكفر والإيمان، رسول من مضر من أهل المدار، ابتعث فظهر. فجاء بقول قد بهر، وأوضح نهجا قد دثر، فيه مواعظ لمن اعتبر، ومعاذ لمن ازدجر، ألّف بالآي الكبر، قلت: ومن هذا المبعوث من مضر، قالوا: أحمد خير البشر، وإن خالفت أصليت سقر، فآمنت يا جنافر، وأقبلت إليك أبادر، فجانب كل نجس كافر، وشايع كل مؤمن ظاهر، وإلا فهو الفراق على تلاق، قلت: من أين أبغي هذا الدين؟ قال: من ذات الآخرين، والنفر الميامين، أهل الماء والطين، قلت: أوضح، قال: الحق بيثرب ذات النخل، والحرة ذات النعل، فهناك أهل الفضل، والطول والبذل، ثم أملس عني فبت مذعورا أراعي الصباح، فلما برق لي النور، امتطيت راحلتي وأذنت أعبدي، واحتملت بأهلي حتى وردت الجوف، فرددت الإبل على أربابها، بحولها وسقائها، وأقبلت أريد صنعاء، فأصبت بها معاذ بن جبل رضي اللَّه تعالى عنه أميرا لرسول اللَّه ﷺ ، فبايعته على الإسلام، وعلمني سورا من القرآن، فمن اللَّه عليّ بالهدى بعد الضلالة، والعلم بعد الجهالة [ (١) ] ، وقلت في ذلك: ألم تر أن اللَّه عاد بفضله ... فأنقذ من لفح الرحيج جنافرا وكشفه لي جحمتي عما هما ... وأوضح لي نهجي وقد كان داثرا دعاني شصار للتي لو رفضتها ... لأصليت جمرا من لظى الهوف واهرا فأصبحت والإسلام حشو جوانحي ... وجانبت من أمسى عن الحق بائرا وكان مضلي من هديت برشده ... فلله مغو عاد بالرشد آمرا نجوت بحمد اللَّه من كل قحمة ... تورث هلكا يوم شايعت شاصرا

стр. 1257

وقد أمنتني بعد ذاك بحائر ... بما كنت أغشى المندبات بحائرا فمن مبلغ فتيان قومي ألوكة ... بأني من أقاتل من كان كافرا عليكم سواء القصد لافلّ حدّكم ... فقد أصبح الإسلام للكفر قاهرا ويروى أن تيم اللات بن ثعلبة عمّر ستمائة سنة وأدرك عيسى ﵇، وآمن به وكان على دينه، وأنه صوّر محمدا ﷺ وكتب تحتها: منعت وجّ الحجاز وتهائم مكة وديار ربيعة إلا من دولة اليتيم، فطوبى لمن أدركه واتبعه، وتيم اللات هذا كان [محاربا] [ (١) ] في حرب البسوس، وكان قائدهم، وكان أجمل الناس. وقال الخرائطي في كتاب (الهواتف) : أخبرنا عبيد بن محمد البلوي، حدثنا عمادة بن زيد، حدثني عبيد اللَّه بن العلاء، عن هشام بن عروة عن أبيه عن جدته أسماء بنت أبي بكر رضي اللَّه تعالى عنها قالت: كان زيد بن عمرو بن نفيل وورقة ابن نوفل يذكران [أنهما أتيا] [ (٢) ] النجاشي بعد رجوع أبرهة عن مكة. قالا: فلما دخلنا عليه قال لنا: أصدقاني أيها القرشيان، هل ولد فيكم مولود أراد أبوه ذبحه؟ قلنا: نعم. قال: فهل لكما علم بما فعل؟ قلنا: تزوج امرأة اسمها آمنة وتركها حاملا وخرج. قال: فهل تعلمان ولد له أم لا؟ قال ورقة: أخبرك أيها الملك أنه لما ولد له كنت عند صنم لنا نطيف به ونعبده، إذ سمعت من جوفه هاتفا يقول: ولد النبي فذلّت الأملاك ... ونأى الضلال وأدبر الإشراك ثم انتكس على رأسه، فقال زيد: عندي كخبره أيها الملك، قال: هات، قال: إني في هذه الليلة التي ذكر فيها حديثه، خرجت من عند أهلي وهم يذكرون حمل آمنة، حتى أتيت جبل أبي قبيس أريد الخلوة فيه لأمر رابني، إذ رأيت رجلا نزل من السماء له جناحان أخضران، فوقف عليه [ (٣) ] ثم أشرف على مكة وقال:

стр. 1258

ذل الشيطان، وبطلت الأوثان، وولد الأمين. قال النجاشي: إني أخبركما عما أصابني: إني لنائم في الليلة التي ذكرتما في قبتي وقت خلوتي، إذ خرج عليّ من الأرض عنق ورأس وهو يقول: حل الويل بأصحاب الفيل، رمتهم طير أبابيل، بحجارة من سجيل، هلك الأشرم، المعتدي المجرم، وولد النبي الأمي، الحرمي المكيّ، من أجابه سعد، ومن أتاه عند. وقال عبد اللَّه البلوي: حدثنا عمارة، حدثنا عبيد اللَّه بن العلاء، حدثنا محمد ابن عكير [ (١) ] عن سعيد بن جبير، أن رجلا من بني تميم يقال له: رافع بن عمير، كان أهدى [ (٢) ] الناس بطريق، وأسراهم بليل، وأهجمهم على هول، فكانت العرب تسميه: دعموص [ (٣) ] الرمل لهدايته وجرأته، فذكر عن بدء إسلامه قال: إني لأسير برمل عالج [ (٤) ] ذات ليلة، إذ غلبني النوم، فنزلت عن راحلتي وأنختها وتوسدت ذراعها وقلت: أعوذ بعظيم هذا الوادي من الجن، من أن أوذي أو أهاج. فرأيت في النوم رجلا شابا يرصد ناقتي بحربة، يريد أن يضعها في نحرها، فانتبهت فزعا، فرأيت ناقتي تضطرب، وإذا برجل كالذي رأيت في منامي بيده حربة، وشيخ ممسك بيده بردة وهو يقول: يا مالك بن مهلهل بن أثار ... مهلا فدا لك مئزري وإزاري عن ناقة الإنس لا تعرض لها ... واختر بها ما شئت من أثواري

стр. 1259

ولقد بدا لي منك ما لم أجب ... إلا دعيت قرابتي وذماري تسمو إليه بحربة مسمومة ... تبا لفعلك يا أبا العفاري لولا الحياء وأن أهلك جيرة ... لعلمت ما كشفت من أخباري قال رافع: فأجابه الشاب: أأردت أن تعلو وتخفض ذكرنا ... في غير مرزية أبا العيزار ما كان فيكم سيد فيما مضى ... إن الخيار همو بنو الأخيار فاقصد لقصدك ما معيكم إنما ... كان المجير مهلهل بن أثار قال: فبينما هما يتنازعان إذ طلعت ثلاثة أثوار من الوحش، فقال الشيخ للفتى: قم يا ابن أخت فخذ أيها شئت فداء لناقة جاري الإنسي، فأخذ منها ثورا ثم انصرف، فالتفت إلى الشيخ فقال: يا هذا! إذا نزلت واديا من الأودية فخفت هوله فقل: أعوذ برب محمد من هول هذا الوادي، ولا تعذ بأحد من الجن فقد بطل أمرها. قال: فقلت: ومن محمد؟ قال: نبي عربي لا شرقي ولا غربي، قلت: فأين مسكنه؟ قال: يثرب. قال: فركبت راحلتي حتى دخلت المدينة، فنزلت على النبي ﷺ فحدثني بحديثي قبل أن أذكر له منه شيئا، ودعاني إلى الإسلام فأسلمت. قال سعيد بن جبير فكنا نرى أنه هو الّذي أنزل اللَّه فيه: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً [ (١) ] .

стр. 1260

وذكر ابن سعد في طبقاته عن الواقدي: حدثنا علي بن عيسى الحكمي عن أبيه عن عامر بن ربيعة قال: سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يقول: إنا ننتظر [ (١) ] نبيا من ولد إسماعيل، ثم من بني عبد المطلب، ولا أراني أدركه وأنا أؤمن به وأصدقه وأشهد أنه نبي، فإن طالت بك مدة فرأيته فأقرئه مني السلام، وسأخبرك ما نعته حتى لا يخفى عليك، فقلت: هلم، قال: هو رجل ليس بالطويل ولا بالقصير، ولا بكثير الشعر ولا بقليله، وليست تفارق عينه حمرة، وخاتم النبوة بين كتفيه، واسمه أحمد، وهذه البلدة [ (٢) ] مولده ومبعثه، ثم يخرجه قومه منها [ (٣) ] ، ويكرهون ما جاء به حتى يهاجر إلى يثرب، فيظهر أمره، فإياك أن تخدع عنه، فإنّي طفت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم، فكل من أسلم [ (٤) ] من اليهود والنصارى والمجوس يقولون: هذا الدين وراءك، وينعتونه بمثل نعتي [ (٥) ] لك ويقولون: لم يبق نبي غيره. قال عامر بن ربيعة: فلما أسلمت أخبرت النبي ﷺ بقول [ (٦) ] زيد وأقرأته منه السلام، فردّ ﵇ ورحّم عليه وقال: قد رأيته في الجنة يسحب ذيولا [ (٧) ] . وقال أبو عمر بن عبد البر: روينا من حديث واثلة بن الأسقع قال: كان إسلام الحجاج بن علاط [السلمي ثم] [ (٨) ] البهزي أنه خرج في ركب من قومه إلى مكة، فلما جنّ عليه الليل وهو في واد مخوف [ (٩) ] قعد فقال له أصحابه: يا أبا كلاب! قم فخذ لنفسك ولأصحابك أمانا، فقام الحجاج بن علاط يطوف حولهم يكلؤهم ويقول:

стр. 1261

أعيذ نفسي وأعيذ صحبي ... من كل جني بهذا النقب حتى أؤوب سالما وركبي فسمع قائلا يقول: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ [ (١) ] ، فلما قدموا مكة خبّر [ (٢) ] بذلك في نادي قريش فقالوا له: صبأت [ (٣) ] يا أبا كلاب، إن هذا [ (٤) ] مما يزعم محمد أنه أنزل عليه، قال: واللَّه لقد سمعته وسمعه هؤلاء معي، ثم أسلم الحجاج فحسن إسلامه [ (٥) ] .. الحديث [ (٦) ] .

стр. 1262

فصل في ذكر ما كان من أعلام نبوة رسول اللَّه ﷺ منذ حملت به أمه آمنة بنت وهب [ (١) ] إلى أن بعثه اللَّه برسالته اعلم أنه كان لرسول اللَّه ﷺ من أمارات النبوة آيات وأعلام يهتدى بها إلى ثبوت نبوته وصدق رسالته، قدمها اللَّه تعالى قبل بعثته برسالته ليكون دليلا واضحا وبرهانا صحيحا لائحا على نبوته وتحقيق رسالته. فمن ذلك: إخبار الحبر لعبد المطلب بأن في إحدى يديه ملكا وفي الأخرى نبوة، وأن ذلك في بني زهرة، وأن عبد اللَّه بن عبد المطلب كان يرى بين عينيه نور النبوة، وأن أمة آمنة بنت وهب لما حملت به بشّرت بأنه خير البرية، ولما ضربها المخاض دنت منه نجوم السماء، وخرج منها لما وضعته نور أضاء له البيت، وانتشر حتى أضاءت له قصور الشام وغيرها، وطرحوا عليه بعد ولادته برمة فانفلقت، وولد مختونا مسرورا، وفتحت لولادته أبواب السماء، واستبشرت الملائكة، وتطاولت الجبال وارتفعت البحار، وقلّ الشيطان ومردته، وألبست الشمس نورا عظيما، ونكست الأصنام وحجبت الكهان، وارتجس إيوان كسرى، وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار فارس، وغاضت بحيرة ساوي، ورأى المؤبذان

стр. 1263

أن إبلا تقود خيلا وانتشرت في بلاد فارس. وردّ اللَّه ببركته أصحاب الفيل عن مكة، ومنعهم من تخريب البيت الحرام الّذي جعل اللَّه حجّه أحد أركان الإسلام، تحقيقا لشريعته، وتأييدا لدعوته، وما ظهر لظئره حليمة من البركة حين أرضعته من إقبال لبنها، وكثرته بعد قلته، وحلبها اللبن من شاتها التي لم يكن بها قطرة لبن، وسبق أتانها حمر رفاقها بعد تخلفها عنهم لضعفها، وسمن أغنامها دون أغنام قومها، وشق صدره المقدس عندها، ومعرفة اليهود له وهو طفل مع أمه بالمدينة، وتوسم جده عبد المطلب فيه السيادة، وقول بني مدلج: إن قدمه أشبه بقدم إبراهيم الخليل، ومعرفة أسقف نجران وهو غلام، وإخبار اليهودي أنه يخرج من صلب عبد المطلب نبي يقتل يهود، وما كان عمه أبو طالب يرى من البركة منذ كفله، وتظليل الغمام له، واعتراف بحيرا الراهب بنبوته، وإخبار نسطور بذلك.

стр. 1264

وأما إخبار الحبر لعبد المطلب بأن في إحدى يديه ملكا وفي الأخرى نبوة، وأن ذلك في بني زهرة فخرج الحافظ أبو نعيم من حديث أبي عون [ (١) ] مولى المسور بن مخرمة، عن المسور عن عبد اللَّه بن عباس عن أبيه العباس بن عبد المطلب رضي اللَّه تعالى عنهما قال: قال عبد المطلب: قدمت اليمن في رحلة الشتاء فنزلت على حبر من أحبار اليهود، فقال لي رجل من أهل الزبور- يعني من أهل الكتاب-: ممن الرجل؟ قلت: من قريش، قال: من أيهم؟ قلت: [من بني هاشم] [ (٢) ] ، قال: يا عبد المطلب! تأذن [ (٣) ] لي أن انظر إلى بعضك؟ قلت: نعم، ما لم يكن عورة، قال: ففتح أحد منخريّ ثم فتح الآخر فقال: أشهد أن في إحدى يديك ملكا وفي الأخرى نبوّة، وإنا نجد ذلك في بني زهرة، فكيف ذلك؟ فقلت [ (٤) ] لا أدري، قال: هل لك من شاعة؟ قلت: وما الشاعة؟ قال: الزوجة، قلت: أما اليوم فلا، قال: فإذا رجعت فتزوج منهم [ (٥) ] ، فرجع عبد المطلب إلى مكة فتزوج بهالة [ (٦) ] بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة، فولدت له حمزة وصفية، وتزوج

стр. 1265

عبد اللَّه بن عبد المطلب آمنة بنت وهب فولدت له رسول اللَّه ﷺ ، ووهب ووهيب أخوان، فقالت قريش حين تزوج عبد اللَّه: فلج عبد اللَّه على أبيه [ (١) ] . ورواه الزهري وعبد الرحمن بن حميد عن حميد بن عبد الرحمن عن أبيه، أن عبد المطلب ... فذكر نحوه.
следующие страницы →