← Сира

Сира · id 1524

إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع

المقريزي

Полный текст (6 146 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

فصل في رعاية رسول اللَّه ﷺ الغنم قبل النبوة اعلم أن في رعي البهائم العجم التي لا تعقل ولا تعرب عن نفسها، رياضة لحمل أعباء النبوة، فإن راعيها يسوسها ويحوطها من المتالف المخوفة، كالجوع والعطش والسباع، ويكف عادية قويها عن ضعيفها في منعها الرعي في مراتعها، وشرب الماء من مواردها، وإن القيام بذلك لسياسة يصعب معاناتها، ويشق على النفوس ملازمتها. فإذا مرّن الإنسان عليها وتهذبت بها أخلاقه، وصارت سيرة العدل والإحسان ملكة له، تأهل لسياسة العقلاء من البشر بحسن التدبير لهم، وإرشادهم إلى مصالحهم والأخذ بحجزاتهم عما يؤذيهم، والصبر على أذاهم، واحتمال الأفعال عنهم. ولهذا- واللَّه أعلم- كانت الأنبياء صلوات اللَّه عليهم رعاة البهائم أولا، حكمة من اللَّه سبحانه لتتهذب أخلاقهم برعايتها، وتتهذب نفوسهم بسياستها، رياضة لقيامهم بأعباء النبوة، وصبرهم على ما يلقون فيها من مصاعب تكذيب المكذبين، ومشقات أذى المخالفين، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم. خرج البخاري من حديث عمرو بن يحيى عن جده عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ما بعث اللَّه نبيا إلا رعى الغنم، فقال أصحابه: وأنت؟ قال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة، ترجم عليه باب رعي الغنم على قراريط [ (١) ] . وخرج النسائي من حديث خالد عن شعبة عن أبي إسحاق عن ابن حزن

стр. 1332

وخرج النسائي من حديث خالد عن شعبة عن أبي إسحاق عن ابن حزن قال: افتخر أهل الإبل والشاء، فقال رسول اللَّه ﷺ : بعث موسى وهو راعي غنم، وبعث داود وهو راعي غنم، وبعثت وأنا أرعى غنما لأهلي بأجياد [ (١) ] . ذكره في [تفسير] سورة طه [ (٢) ] . وخرجه البخاري في الأدب المفرد من طريق شعبة به مثله. وخرج أبو نعيم من حديث زمعة بن صالح عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر ابن عبد اللَّه أن النبي ﷺ قال: ما من نبي إلا وقد رعاها [ (٣) ] . ومن حديث موسى بن يزيد عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ نجتني الكباث [ (٤) ] فقال: عليكم بما اسود منه فإنه أطيبه، فقلنا: وكنت ترعى الغنم؟ قال: نعم، وهل من نبي إلا وقد رعاها [ (٥) ] . قال ابن عبد البر: وهذا الحديث لا أعلمه يروى إلا من حديث أبي سلمة ابن عبد الرحمن، وبعضهم يجعله عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وبعضهم يجعله عن أبي سلمة مرسلا، وبعضهم يجعله عن أبي سلمة عن أبيه، وبعضهم يجعله عن جابر. وخرج من حديث ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن قيس بن مخرمة عن الحسن

стр. 1333

ابن محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده علي ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: ما هممت بقبيح مما كان أهل الجاهلية يهمون به إلا مرتين من الدهر، كلتيهما يعصمني اللَّه منها، قلت ليلة لفتى كان معي من قريش بأعلى مكة في أغنام لأهلها نرعاها: أبصر لي غنمي حتى أسمر هذه الليلة كما يسمر الفتيان [ (١) ] . ومن حديث مسعر قال: حدثنا سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبيه قال: مرّ بنا رسول اللَّه ﷺ ونحن نجتني ثمر الأراك فقال: عليكم بما اسود منه، فإنّي كنت أجتنيه وأنا أرعى الغنم، قالوا: يا رسول اللَّه! أو كنت ترعاها؟ قال: ما من نبي إلا وقد رعاها [ (٢) ] . وروى مرسلا.

стр. 1334

فصل في ذكر اشتهار رسول اللَّه ﷺ بالأخلاق الفاضلة والخصال الحميدة قبل بعثته بالرسالة من اللَّه تعالى إلى العباد خرج البخاري ومسلم في حديث بدء الوحي أنه ﷺ لما أتاه الوحي قال لخديجة: لقد خشيت على نفسي، وأخبرها الخبر فقالت له: كلا، أبشر! فو اللَّه لا يخزيك اللَّه أبدا، فو اللَّه إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. وفي رواية لغيرهما: إنك لتصدق الحديث، وتصل الرحم، وتؤدي الأمانة [ (١) ] . وخرج أبو نعيم من حديث ابن إسحاق عن وهب مولى الزبير، سمعت عبد اللَّه بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي: حدثنا يا عبيد كيف كان بدء ما ابتدأ اللَّه به رسوله من النبوة حين جاءه جبريل، فذكره وفيه: فرجع إلى خديجة فقالت: أين كنت؟ قال: قلت: إن الأبعد لشاعر أو مجنون، فقالت: أعيذك باللَّه من ذاك، ما كان اللَّه ليصنع ذلك بك مع صدق حديثك، وعظم أمانتك، وحسن خلقك، وصلتك رحمك [ (١) ] . وله من حديث إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق [ (٢) ] عن محمد بن مسلم ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام المخزومي، عن أم سلمة

стр. 1335

رضي اللَّه تعالى عنها قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا [بها] [ (١) ] خير جار: النجاشيّ، آمننا على [ (٢) ] ديننا، وعبدنا اللَّه لا نؤذي ولا نسمع شيئا نكرهه. فأرسل إلى أصحاب رسول اللَّه ﷺ فدعاهم، وكان الّذي كلمه جعفر بن أبي طالب ﵁ فقال له: أيها الملك! كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار ويأكل القويّ منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث اللَّه إلينا رسولا نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى اللَّه لنعبده ونوحده، ونخلع ما كان يعبده نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان. وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفحش وقول الزور، وأكل ما اليتيم، وقذف المحصنة. وأمرنا أن نعبد اللَّه ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. قالت: فعدد عليه أمور الإسلام فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من اللَّه، فعبدنا اللَّه وحده فلم نشرك به شيئا، فقال النجاشي: إن هذا والّذي جاء به موسى يخرج من مشكاة واحدة [ (٣) ] . ولعظم مقدار رسول اللَّه ﷺ في نفوس قومه كان هو الّذي وضع الحجر الأسود موضعه بيده لما اختلفت قريش في وضعه، فخرج غير واحد من الأئمة

стр. 1336

حديث حماد بن سلمة وقيس وسلام كلهم عن سماك بن حرب، عن خالد عن عرعرة عن علي ﵁ قال: لما بنت قريش البيت فبلغوا موضع الحجر اختلفوا في وضعه. فقالوا: إن أول من يطلع من الباب، قال: فطلع النبي ﷺ فقالوا: قد طلع الأمين، فبسط ثوبا ووضع الحجر وسطه، وأمر بطون قريش فأخذ كل بطن منهم طرفا من الثوب، ووضعه بيده ﷺ [ (١) ] . وقد روى من طرق كثيرة عن ابن جريج ومجاهد و [معمر] [ (٢) ] بن سليمان، ومحمد بن جبير بن مطعم، وقال: هبيرة بن أبي وهب المخزومي حين جعلت قريش رسول اللَّه ﷺ حكما: لما تشاجرت قريش الأحياء في فصل خطة ... جرت طيرهم بالنحس من سعد أسعد فلاقوا لها بالبغض بعد مودة ... وأوقدوا نارا بينهم شرّ موقد فلما رأينا الأمر قد جد جده ... ولم يبق شيء غير سل المهند رضينا وقلنا العدل أول طالع ... يجيء من البطحاء على غير موعد فلم يفجئنا إلا الأمين محمد ... فقلنا رضينا بالأمين محمد بخير قريش كلها أمسى شيمة ... وفي اليوم مع ما يحدث اللَّه في غد فجاء بأمر لم ير الناس مثله ... أعم وأرضى في العواقب والبدي أخذنا بأكناف الرداء وكلنا ... له حصة من رفعه قبضة اليد فقال ارفعوا حتى إذا ما علت به ... أكف إليه قرّ في خير مسند فكان رضانا ذاك عنه بعينه ... وأعظم به من رأى هاد ومهتد فتلك يد منه علينا عظيمة ... يروح بها ركب العراق ويغتدي

стр. 1337

وخرج الأئمة أيضا من طريق عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁ قال: لما نزلت وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [ (١) ] ، نادى رسول اللَّه ﷺ في قريش بطنا بطنا، فقال: أرأيتم لو قلت لكم إن خيلا تغير عليكم أكنتم مصدقيّ؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك من كذب قط، قال: فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟ تبا لك سائر اليوم، فأنزل اللَّه: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [ (٢) ] . ولأبي نعيم وغيره من حديث إسرائيل [ (٣) ] عن أبي إسحاق عن عمير وابن ميمون، عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: انطلق سعد بن معاذ معتمرا، فنزل على [أبي صوان] [ (٤) ] أمية بن خلف- وكان أمية إذا انطلق إلى الشام فمر بالمدينة نزل على سعد- فقال أمية لسعد: انتظر حتى [إذا] [ (٤) ] انتصف النهار وغفل الناس انطلقت فطفت. فبينا سعد يطوف بالكعبة آمنا، أتاه أبو جهل- خزاه اللَّه تعالى- فقال: من هذا الّذي يطوف بالبيت أمنا؟ فقال سعد: أنا سعد، فقال أبو جهل: تطوف بالبيت آمنا وقد آويتم محمدا وأصحابه؟ فكان بينهما، حتى قال أمية لسعد: لا ترفع صوتك على أبي الحكم فإنه سيد أهل الوادي. فقال له سعد: واللَّه لئن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعن عليك متجرك إلى الشام، فجعل أميه يقول لسعد: لا ترفع صوتك على أبي الحكم، يسكنه، فغضب سعد وقال: دعني عنك، فإنّي سمعت محمدا ﷺ يزعم أنه قاتلك، قال: إياي؟ قال: نعم، قال: واللَّه ما يكذب محمد.

стр. 1338

فلما خرجوا رجع إلى امرأته فقال: ما علمت ما قال لي أخي اليثربي؟ فأخبرها الخبر فقالت امرأة أمية: ما يدعنا محمد. فلما جاء الصريخ وخرجوا إلى بدر، قالت له امرأته: أما تذكر ما قال لك أخوك اليثربي؟ فأراد أن لا يخرج، فقال له أبو جهل: إنك من أشراف أهل الوادي فسر معنا يوما أو يومين، فسار معهم فقتله اللَّه [ببدر] [ (١) ] . ومن حديث الأعمش عن مجاهد قال: حدثني مولاي عبد اللَّه بن السائب قال: كنت شريك النبي ﷺ في الجاهلية، فلما قدمت المدينة قال: تعرفني؟ قلت: نعم، كنت شريكي، فنعم الشريك لا تداري ولا تماري [ (٢) ] .

стр. 1339

فصل في ذكر عصمة اللَّه تعالى للرسول ﷺ من الجن والإنس والهوام [ (١) ] خرج مسلم من حديث جرير عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن أبيه عن عبد اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ما منكم [ (٢) ] من أحد إلا وقد وكّل به قرينه من الجن، قالوا: وإياك يا رسول اللَّه؟ قال: وإياي إلا أن اللَّه أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير [ (٣) ] . ومن حديث سفيان عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن أبيه عن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة [ (٤) ] الحديث. ومن حديث ابن وهب قال: أخبرني أبو صخر عن ابن قسيط، حدثه أن عروة حدثه أن عائشة ﵂ حدثته أن رسول اللَّه ﷺ خرج من عندها ليلا، [قالت] [ (٥) ] : فغرت عليه، فجاء فرأى ما أصنع فقال: مالك يا عائشة؟ أغرت؟ فقلت: وما لي لا يغار مثلي على مثلك؟.

стр. 1340

فقال رسول اللَّه ﷺ : أقد جاءك شيطانك؟ قلت: يا رسول اللَّه! أو معي شيطان؟ قال: نعم، قلت: ومع كل إنسان؟ قال: نعم، قلت: ومعك يا رسول اللَّه؟ قال: نعم ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم [ (١) ] . وقال الترمذي: وسمعت علي بن خشرم يقول: قال سفيان بن عيينة في تفسير قول النبي ﷺ : ولكن اللَّه أعانني عليه فأسلم، يعني أسلم أنا منه [ (٢) ] . قال سفيان: الشيطان لا يسلم. وقال أبو نعيم: وقوله فأسلم، يعني استسلم وانقاد، فليس بأمر بشر، وقيل: أسلم: أي آمن، فيكون ﵇ مختصا بإسلام قرينه وإيمانه [ (٣) ] . وذكر [من] حديث إبراهيم بن صدقة قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : فضلت على آدم بخصلتين: كان شيطاني كافرا فأعانني اللَّه عليه حتى أسلم، وكن أزواجي عونا لي، وكان شيطان آدم كافرا وزوجته عونا له على خطيئته [ (٤) ] . وله من حديث الصلت بن مسعود قال: حدثنا عثمان بن مطر عن ثابت عن أنس ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ كان ساجدا بمكة، فجاء إبليس فأراد أن يطأ [على] [ (٥) ] عنقه، فنفخه جبريل ﵇ نفخة بجناحيه، فما استقرت

стр. 1341

قدماه على الأرض حتى بلغ الأردن [ (١) ] . قال: ورواه حجاج الصواف عن ثابت. وله من حديث الحسن بن سفيان قال: حدثنا عبيد اللَّه بن عمر بن ميسرة، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا أبو التّيّاح [ (٢) ] ، قال: سأل رجل عبد الرحمن بن خنبش [ (٢) ] : كيف صنع رسول اللَّه ﷺ حين كادته الشياطين؟ قال: تحدّرت عليه الشياطين من الجبال والأودية يريدونه [ (٣) ] ، [قال:] [ (٤) ] وفيهم شيطان بيده مشعلة من نار، يريد أن يحرق بها رسول اللَّه ﷺ ، فلما رآهم رسول اللَّه ﷺ فزع منهم. فجاءه [ (٥) ] جبريل فقال له: يا محمد، قل: أعوذ بكلمات اللَّه التامات التي لا يجاوزهن برّ ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شرّ فتنة الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقا [ (٦) ] يطرق بخير يا رحمان، فقالهن فطفئت نار الشيطان وهزمهم. قال: حدث به أحمد بن حنبل عن سيار بن حاتم عن جعفر مثله، وقال: ابن حبيش [ (٧) ] . ولأبي نعيم من حديث الأوزاعي قال: حدثني إبراهيم بن طريف قال: حدثني يحيى بن سعيد قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثني عبد اللَّه بن مسعود قال: كنت مع رسول اللَّه ﷺ ليلة صرف إليه نفر من الجن، فأتى رجل من الجن بشعلة من نار إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال جبريل: يا محمد، ألا أعلمك

стр. 1342

كلمات إذا قلتهن طفئت [ (١) ] شعلته وانكب إلى منخره [ (٢) ] ؟. قل: أعوذ بوجه اللَّه الكريم وكلماته التامة التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض وما يخرج منها، ومن شر فتن الليل ومن شر طوارق الليل والنهار إلا طارق يطرق بخير يا رحمان [ (٣) ] . وله من حديث عبد الأعلى بن حماد قال: حدثنا يحيى بن سليم عن ابن خثم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁ إن الملأ من قريش اجتمعوا في الحجر فتعاقدوا باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ونائلة وإساف، لو قد رأينا محمدا لقمنا [ (٤) ] إليه قيام رجل واحد فلم نفارقه حتى نقتله. فأقبلت ابنته فاطمة ﵍ حتى دخلت على النبي ﷺ فقالت: هؤلاء الملأ من قومك قد تعاقدوا عليك لو قد رأوك لقاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل إلا قد عرف نصيبه من ديتك [ (٥) ] . قال: يا بنية، ائتني بوضوئي [ (٦) ] ، فتوضأ ثم دخل المسجد، فلما رأوه قالوا: ها هو ذا، وخفضوا أبصارهم وسقطت أذقانهم في صدورهم وعقروا [ (٧) ] في مجالسهم، فلم [ (٨) ] يرفعوا إليه أبصارهم [ (٩) ] ، ولم يقم منهم إليه رجل، وأقبل رسول اللَّه ﷺ حتى قام على رءوسهم فأخذ كفا [ (١٠) ] من تراب فقال: شاهت الوجوه، ثم حصبهم [بها] [ (١١) ] ، فما أصاب رجل منهم من ذلك الحصى حصاة إلا قتل يوم بدر [كافرا] [ (١١) ] .

стр. 1343

وخرج ابن حبان في صحيحه من حديث عبد الأعلى، وله من حديث يحيى ابن عبد الحميد قال: حدثنا ابن فضيل عن عطاء عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [ (١) ] جاءت امرأة أبي لهب [ (٢) ] إلى النبي ﷺ ومعه أبو بكر ﵁ فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه: لو تنحيت عنها لا تسمعك شيئا يؤذيك، فإنّها امرأة بذيئة، فقال [ ﷺ ] : سيحال بيني وبينها، فلم تره. فقالت لأبي بكر: هجانا صاحبك، فقال [أبو بكر] [ (٣) ] : واللَّه ما ينطق بالشعر ولا يقوله، قالت، إنك لمصدق، فاندفعت راجعة فقال أبو بكر: ما رأتك يا رسول اللَّه؟ قال: كان بيني وبينها ملك يسترني حتى ذهبت [ (٤) ] . قال أبو نعيم: كذا رواه ابن فضيل مرسلا، ورواه عبد السلام بن حرب وغيره متصلا عن ابن عباس. وله من حديث سفيان بن عيينة قال: حدثنا الوليد بن كثير عن ابن تدرس عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: لما نزلت: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ولولة، وبيدها فهر وهي تقول: مذمما أبينا ... ودينه قلينا وأمره عصينا ورسول اللَّه ﷺ جالس في المسجد ومعه أبو بكر ﵁، فلما رآها

стр. 1344

أبو بكر قال يا رسول اللَّه قد أقبلت وأنا أخاف أن تراك، فقال رسول اللَّه ﷺ : إنها لن تراني وقرأ قرآنا فاعتصم به، كما قال [تعالى] [ (١) ] : وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً [ (٢) ] . فأقبلت وقفت على أبي بكر ولم تر رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: يا أبا بكر، إني خبّرت أن صاحبك هجاني، فقال: لا ورب هذا البيت ما هجاك، فولّت وهي تقول: قد علمت قريش أني بنت سيدها [ (٣) ] . قال: وعثرت أم جميل وهي تطوف بالبيت في مرطها [فقالت] : تعس مذمم، فقالت أم حكيم بنت عبد المطلب: إني حصان فما أكلّم، وثقاف فما أعلم، وكلتانا من بني العم، ثم قريش بعد أعلم [ (٤) ] . وله من حديث إبراهيم بن سعد وبريد بن أبي حبيب، وشعيب ومعاوية ويحيى وإبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، وعبيد اللَّه بن زياد، كلهم عن محمد بن شهاب الزهري عن سنان بن أبي سنان الدّؤليّ عن جابر بن عبد اللَّه ﵁ قال: غزونا مع رسول اللَّه ﷺ غزوة نجد، فأدركنا القائلة في واد كثير العضاة، فنزل رسول اللَّه ﷺ تحت شجرة فعلق سيفه بغصن من أغصانها. قال: وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر، قال: فقال رسول اللَّه ﷺ : إن رجلا أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي، فلم أشعر إلا والسيف صلتا في يده، فقال: من يمنعك مني؟ فقلت: اللَّه، قال: فشام السيف، ها هو ذا [جالس] [ (٥) ] لم يعرض [له] [ (٥) ] رسول اللَّه ﷺ .

стр. 1345

ورواه أبو اليمان قال: حدثنا شعيب عن الزهري، حدثني سنان [ (١) ] بن أبي سنان [الدؤلي] [ (٢) ] وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري أخبرهما أنه غزا مع رسول اللَّه ﷺ غزوة قبل نجد، فلما قفل رسول اللَّه ﷺ قفل معه، فأدركتهم القائلة يوما في واد كثير العضاة، فنزل رسول اللَّه ﷺ تحت ظل [شجرة] فعلق بها سيفه فنمنا تحته كذا، فإذا رسول اللَّه ﷺ يدعونا فأجبناه، فإذا عنده أعرابي جالس فقال رسول اللَّه ﷺ : إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتا فقال: من يمنعك مني؟ فقلت: اللَّه، فشام السيف فجلس فسلم بعافية رسول اللَّه ﷺ وقد فعل ذلك [ (٣) ] . قال أبو نعيم: ورواه الحسن عن جابر، ورواه معمر والنعمان بن راشد عن الزهري عن أبي سلمة دون سنان. ومن حديث شعبة عن أبي إسرائيل عن جعدة قال: شهدت النبي ﷺ وأتى برجل فقيل: يا رسول اللَّه! هذا أراد أن يقتلك، فقال له رسول اللَّه ﷺ : لم ترع لم ترع، لو أردت ذلك لم يسلطك اللَّه على قتلي [ (٤) ] . وخرجه الإمام أحمد به نحوه. ولأبي نعيم من حديث عبد اللَّه بن المبارك عن أبي بكر الهذلي، عن عكرمة

стр. 1346

قال: قال شيبة بن عثمان: لمّا غزا النبي ﷺ حنينا تذكرت أبي وعمي قتلهما عليّ وحمزة ﵄، فقلت: اليوم أدرك ثأري في محمد، فجئته من خلفه فدنوت منه ودنوت، حتى لم يبق إلا أن أسوره بالسيف، رفع لي شواظ من نار [كأنه] البرق، فخفت أن يحبسني، فنكصت القهقرى فالتفت النبي ﷺ فقال: تعالى يا شيبة، قال: فوضع رسول اللَّه ﷺ يده على صدري فاستخرج اللَّه الشيطان من قلبي، فرفعت إليه بصري وهو أحب إليّ من سمعي وبصري ومن كذا [ (١) ] فذكر الحديث. ومن حديث ابن إسحاق عن عمرو بن عبيد عن الحسن عن جابر أن رجلا من محارب يقال له غورث بن الحرث قال لقومه: أقتل لكم محمدا، قالوا: كيف تقتله؟ فقال: أفتك به، فأقبل إلى رسول اللَّه ﷺ وهو جالس وسيفه في حجره- فقال: يا محمد! انظر إلى سيفك هذا؟ قال: نعم، [وكان محلى بالفضّة] [ (٢) ] ، فأخذه فاستله وجعل يهزه ويهم فيكبته اللَّه، فقال: يا محمد! ألا تخافني؟ [ (٣) ] قال: لا، وما أخاف منك، قال: أما تخافني وفي يدي السيف؟ قال: لا، يمنعني اللَّه منك، ثم غمد السيف ورده إلى رسول اللَّه [ (٤) ] ﷺ فأنزل اللَّه تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [ (٥) ]

стр. 1347

ومن حديث سعيد بن سلمة بن أبي الحسام قال: حدثنا محمد بن المنكدر عن جابر ﵁ قال: خرج النبي ﷺ إلى سفر فجاء إلى شجرة فقال تحتها وعلق سيفه بها، فجاء أعرابي فسلّ السيف فقام به على رأسه فقال: يا محمد! من يمنعك مني؟ فاستيقظ فقال: اللَّه، فأخذه راجف فوضع السيف وانطلق [ (١) ] . وخرج الإمام أحمد من حديث عفان قال: حدثنا أبان بن يزيد، حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر قال: أقبلنا مع رسول اللَّه ﷺ حتى إذا كنا بذات الرقاع، وكنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول اللَّه، فجاء رجل من المشركين وسيف رسول اللَّه ﷺ معلق بالشجرة، فأخذ سيف رسول اللَّه ﷺ فاخترطه، فقال لرسول اللَّه ﷺ : أتخافني؟ قال: لا، قال: فمن يمنعك مني؟ قال: اللَّه يمنعني منك، قال: فتهدده أصحاب النبي ﷺ فأغمد السيف وعلقه [ (٢) ] . ولأبي نعيم من حديث آدم بن أبي إياس قال: حدثنا حبان بن علي، حدثنا سعد بن طريف الإسكاف عن عكرمة عن ابن عباس ﵁ قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أراد الحاجة أبعد المشي، فانطلق ذات يوم لحاجته ثم توضأ ولبس أحد خفيه، فجاء طائر أخضر، فأخذ الخف الآخر فارتفع بها ثم ألقاه، فخرج منه أسود [ (٣) ] سالخ، فقال رسول اللَّه ﷺ : هذه كرامة أكرمني اللَّه بها، ثم قال: اللَّهمّ إني أعوذ بك من شر من يمشي على بطنه، وشر من يمشي على رجلين، وشر من يمشي على أربع [ (٤) ] .

стр. 1348

ومن حديث إسماعيل بن عباس عن شرحبيل بن مسلم عن أبي أمامة ﵁ قال: دعا رسول اللَّه ﷺ بخفيه يلبسهما، فلبس أحدهما ثم جاء غراب فاحتمل الآخر فرمى به، فخرجت منه حية، فقال رسول اللَّه ﷺ من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فلا يلبس خفيه حتى ينفضهما [ (١) ] . ومن حديث المعتمر بن سليمان عن أبيه، أن رجلا من بني مخزوم قام إلى النبي ﷺ وفي يده فهر ليرمي به رسول اللَّه، فلما أتاه وهو ساجد رفع يده وفيها الفهر ليدفع رسول اللَّه ﷺ فيبست يده على الحجر فلم يستطع إرسال الفهر من يده. فرجع إلى أصحابه فقالوا: أجبنت عن الرجل؟ قال: لم أفعل، ولكن هذا في يدي لا أستطيع إرساله، فعجبوا من ذلك، فوجدوا أصابعه قد يبست على الفهر، فعالجوا أصابعه حتى خلصوها، وقالوا: هذا شيء يراد [ (٢) ] . ومن حديث علي بن عبيد عن النضر [بن عبد الرحمن أبي] [ (٣) ] أبي عمرو الخزاز، عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان رسول اللَّه ﷺ يقرأ في المسجد فيجهر بالقراءة حتى تأذّى به ناس من قريش حتى قاموا ليأخذوه، فإذا أيديهم مجموعة إلى أعناقهم، وإذا هم عمي لا يبصرون. فجاءوا إلى النبي ﷺ فقالوا: ننشدك اللَّه والرّحم يا محمد، قال: ولم يكن بطن من بطون قريش إلا وللنّبيّ ﷺ فيهم قرابة- فدعا النبي ﷺ حتى ذهب ذلك عنهم فنزلت يس* وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ* إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [ (٤) ] إلى قوله: وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [ (٥) ] ، قال: فلم يؤمن من أولئك النفر أحد [ (٦) ] . ومن حديث أبي شيبة الواسطي عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس ﵁ أن رجلا من آل المغيرة قال: لأقتلن محمدا فأوثب فرسه في الخندق، فوقع فاندقت رقبته وقالوا: يا محمد، ادفعه إلينا نواريه وندفع إليك ديته، فقال: ذروة، فإنه خبيث، خبيث الدية.

стр. 1349

ومن حديث ابن إسحاق قال: وحدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس والحسن بن عمارة، عن الحكم بن عيينة عن مجاهد عن ابن عباس قال: لما عرفت قريش أن رسول اللَّه ﷺ قد كانت له شيعة وأصحاب من غير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، عرفوا أنهم قد نزلوا دارا أصابوا منهم منعة، فحذروا خروج رسول اللَّه ﷺ إليهم وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم، فاجتمعوا له في دار الندوة- وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمرا [إلا] فيها، يتشاورون ما يصنعون في أمر رسول اللَّه ﷺ حين خافوه. فلما اجتمعوا لذلك في ذلك اليوم [ (١) ] الّذي اتعدوا له، وكان ذلك اليوم يسمى الزحمة، اعترض لهم إبليس في هيئة [رجل] [ (٢) ] شيخ جليل عليه بت له، فوقف على باب الدار فلما رأوه واقفا على بابهم قالوا: من الشيخ؟ قال: شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم [له] [ (٢) ] فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى أن لا يعدمكم منه رأي ونصح، قالوا: أجل، فادخل فدخل معهم. فذكر الحديث إلى [أن] قال: اجتمعوا له وفيهم أبو جهل، فخرج رسول اللَّه ﷺ وأخذ حفنة من تراب في يده، قال: وأخذ اللَّه على أبصارهم فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رءوسهم وهو يتلو هذه الآيات: يس* وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [ (٣) ] إلى قوله: فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [ (٤) ] ، حتى فرغ من هؤلاء فلم يبق رجل إلا وضع على رأسه ترابا ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب. فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال: ما ينتظر هؤلاء؟ قالوا: محمدا، قال: خيبكم اللَّه!! قد واللَّه خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلا إلا وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته، أفلا ترون ما بكم؟ فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب [ (٥) ] ، الحديث، وسيأتي مبسوطا في ذكر خروج رسول اللَّه ﷺ من مكة وهجرته إلى المدينة ونزوله على الأنصار. وقال الواقدي: حدثني قدامة بن موسى عن عبد العزيز بن رمانة عن عروة

стр. 1350

ابن الزبير قال: كان النضر بن الحرث يؤذي رسول اللَّه ﷺ ويتعرض له، فخرج رسول اللَّه ﷺ يوما يريد حاجته نصف النهار وفي حر شديد، فبلغ أسفل ثنية الحجون [ (١) ] ، فرآه النضر بن الحرث فقال: لا أجده أبدا أخلا منه الساعة فأغتاله. قال: فدنا إلى رسول اللَّه ﷺ ثم انصرف راجعا مرعوبا إلى منزله، فلقى أبا جهل [ (٢) ] فقال: من أين الآن؟ قال النضر: اتبعت محمدا رجاء أن أغتاله وهو وحده ليس معه أحد، فإذا أساود [ (٣) ] تضرب بأنيابها على رأسه، فاتحة أفواهها فهالتني، فذعرت منها ووليت راجعا، فقال أبو جهل: هذا بعض سحره [ (٤) ] . وقال محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس ﵁، أن عتبة وشيبة وأبا سفيان بن [حرب] ، والنضر بن الحرث، وأبا البختري والأسود بن عبد المطلب، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد اللَّه بن أمية، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، اجتمعوا ومن اجتمع منهم بعد غروب الشمس على ظهر الكعبة فقال بعضهم [إلى بعض] [ (٥) ] : ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه. فبعثوا إليه: إن أشراف قومك قد اجتمعوا إليك ليكلموك، قال: فجاءهم رسول اللَّه ﷺ سريعا وهو يظن أن قد بدا لقومه في أمره بداء، وكان عليهم حريصا يحب رشدهم، ويعز عليه عنتهم، وذكر القصة. فلما قام عنهم رسول اللَّه ﷺ قال أبو جهل يا معشر قريش! إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا، وشتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وسب آلهتنا، وإني أعاهد اللَّه لأجلسنّ له غدا بحجر ما أطيق حمله- أو كما قال- فإذا سجد [في صلاته] [ (٥) ] رضخت به رأسه، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم.

стр. 1351

قالوا: واللَّه لا نسلمك لشيء أبدا، فامض لما تريد، فلما أصبح أبو جهل أخذ حجرا كما وصف، وجلس لرسول اللَّه ﷺ ينتظره، وغدا رسول اللَّه ﷺ كما كان يغدو، وكان رسول اللَّه ﷺ بمكة وقبلته إلى الشام، فكان إذا صلّى صلّى بين الركنين اليماني والأسود، وجعل الكعبة بينه وبين الشام، فقام رسول اللَّه ﷺ وقد قعدت قريش في أنديتها ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلما سجد رسول اللَّه ﷺ احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منهزما منتقعا لونه، مرعوبا، قد يبست يداه على الحجر، فقذف الحجر من يده. وقامت إليه رجال قريش فقالوا: مالك يا أبا الحكم؟! قال: قمت إليه لأفعل ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض دونه فحل من الإبل! لا واللَّه ما رأيت مثل هامته ولا قصرته [ (١) ] ولا أنيابه لفحل قط، فهم بأن يأكلني، فذكر لي أن رسول اللَّه ﷺ قال: ذاك جبريل، لو دنا منه لأخذه. فلما قال لهم أبو جهل ذلك، قام النضر بن الحرث فقال: يا معشر قريش! إنه واللَّه لقد نزل بكم أمر ما ابتليتم بمثله قط [ (٢) ] . ولأبي نعيم من حديث إبراهيم بن المنذر الحزامي قال: حدثنا بن عمران قال: حدثني عبد اللَّه وعبد الرحمن ابنا زيد بن أسلم عن أبيهما، عن عطاء بن يسار عن ابن عباس، أن أربد بن قيس بن جزع بن جعفر بن خالد بن كلاب، وعامر بن الطفيل بن مالك قدما المدينة على رسول اللَّه ﷺ ، فانتهيا إلى النبي ﷺ وهو جالس فجلسا بين يديه، فقال عامر بن الطفيل: يا محمد! ما تجعل لي إن أسلمت؟ قال رسول اللَّه ﷺ : لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم، قال عامر: أتجعل لي الأمر إن أسلمت من بعدك؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : ليس ذلك لك ولا لقومك ولكن لك أعنة الخيل، قال: أنا الآن في أعنة خيل نجد، اجعل لي الوبر ولك المدر [ (٣) ] ، قال [رسول اللَّه ﷺ ] [ (٤) ] : لا، فلما قفا من عند رسول اللَّه ﷺ قال [عامر] [ (٤) ] : أما واللَّه لأملأنها عليك خيلا ورجالا، فقال

стр. 1352

النبي ﷺ يمنعك اللَّه، فلما خرج أربد وعامر، قال عامر: إني أشغل عنك محمدا بالحديث فاضربه بالسيف، فإن الناس إذا قتلت محمدا لم يزيدوا على أن يرضوا بالدية ويكرهوا الحرب، فسنعطيهم الدية، قال أربد: أفعل. فأقبلا راجعين إلى النبي ﷺ ، فقال عامر: يا محمد! قم معي أكلمك، فقام معه رسول اللَّه ﷺ يكلمه، وسلّ أربد السيف فلما وضع يده على سيفه يبست على قائم السيف فلم يستطع سلّه، وأبطأ أربد على عامر بالضرب، فالتفت رسول اللَّه ﷺ فرأى أربد وما يصنع فانصرف عنهما. فلما خرج عامر وأربد من عند رسول اللَّه ﷺ حتى إذا كانا بالحرة- حرة وأقم [ (١) ]- نزلا فخرج إليهما سعد بن معاذ وأسيد بن حضير فقالا: اشخصا يا عدوي اللَّه، لعنكما اللَّه، فقال عامر: من هذا يا سعد؟ قال: هذا أسيد بن حضير الكتائب، [قال] [ (٢) ] فخرجا حتى إذا كانا بالرقم [ (٣) ] أرسل اللَّه على أربد صاعقة فقتلته. وخرج عامر حتى إذا كان بالخريب أرسل اللَّه عليه قرحة فأخذته، فأدركه الليل في بيت امرأة من بني سلول يرغب أن يموت في بيتها ثم ركب فرسه فأحضره حتى مات عليه راجعا، فأنزل اللَّه فيهما: اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ [ (٤) ] إلى قوله: وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ [ (٥) ] ، قال: المعقبات من أمر اللَّه: يحفطون محمدا ﷺ ثم ذكر أربد وما هم به فقال: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ [ (٦) ] الآية إلى قوله: وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ [ (٧) ] . قال الواقدي: حدثني عبد الحميد بن جعفر عن يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قال: قدم عامر بن الطفيل وأربد بن قيس على رسول اللَّه ﷺ وقد توافقا على ما توافقا عليه من الغدر برسول اللَّه ﷺ ، فلما قدما قال عامر: خالني، فقال رسول اللَّه ﷺ : يأبى اللَّه ذلك، وأينا قتله، فلما ولى عامر قال رسول اللَّه ﷺ : اللَّهمّ اكفني عامر بن الطفيل.

стр. 1353

فلما خرجا قال عامر لأربد: أين ما كنت أوصيتك ووعدتني؟ قال: واللَّه ما كان على الأرض أحد أخوف عندي [على نفسي] [ (١) ] منك، وأيم اللَّه لا أخافك بعد اليوم، قال أربد: لا أبا لك، لا تعجل فو اللَّه ما هممت بالذي أمرتني به من أمره إلا دخلت [ (٢) ] بيني وبينه، حتى لو ضربته بالسيف ما ضربت غيرك، فترى أني كنت ضاربك، لا أبا لك!. قال: فخرجا راجعين إلى بلادهما، حتى إذا كانا ببعض الطريق أصاب عامر الطاعون في عنقه فقتله في بيت امرأة من سلول، ثم خرج أربد ومن معه من أصحابه حين رأوا عامرا قد مات، فقدموا أرض بني عامر فقالت بنو عامر: يا أربد! ما وراءك؟ قال: لا شيء، واللَّه لقد دعاني إلى عبادة شيء ليته الآن عندي فأرميه بمثل هذه- وأشار إلى مكان قريب- حتى أقبله، فخرج أربد بعد ذلك بيوم أو يومين معه جمل له يتبعه، فأرسل اللَّه صاعقة فاحترق هو وجمله، فبكاه لبيد فقال: أخشى على أربد الحتوف ولا.. القصيدة، وذكر القصة أيضا باختصار، وذكرها ابن إسحاق مطولة [ (٣) ] . ومن حديث الليث بن سعد عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي فروة، عن أبان ابن صالح عن علي بن عبد اللَّه بن عباس عن أبيه عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: كنت يوما في المسجد فأقبل أبو جهل فقال: للَّه عليّ إن رأيت محمدا ساجدا أن أطأ على رقبته، فخرجت على رسول اللَّه ﷺ فأخبرته بقول أبي جهل، فخرج غضبان حتى جاء المسجد، وعجل أن يدخل من الباب، فاقتحم الحائط فقلت: هذا شر! فائتزرت ثم اتبعته.

стр. 1354

فدخل يقرأ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ [ (١) ] ، فلما بلغ شأن أبي جهل: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [ (٢) ] ، قال إنسان لأبي جهل: هذا محمد، فقال [أبو جهل] : ما ترون ما أرى! واللَّه لقد سدّ أفق السماء عليّ، فلما بلغ النبي ﷺ آخر السورة سجد [ (٣) ] . ومن حديث محمد بن عثمان عن أبي شيبة قال: حدثنا ضرار بن صرد، حدثنا معتمر بن سليمان قال: سمعت أبي يذكر عن نعيم بن أبي هند عن أبي حازم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو جهل: أيعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم، قال: واللَّه لئن رأيته يفعل لأطأن رقبته، ولأعفرن وجهه في التراب. فأتاه وهو يصلي ليطأ على رقبته، فما علم به إلا وهو ينكص على عقبيه ويرجع إلى خلفه ويتقي بيده، فقيل له: مالك؟ قال: رأيت بيني وبينه خندقا من نار وهولا، ورأيت ملائكة ذوي أجنحة، فقال رسول اللَّه ﷺ : أما لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا، وأنزل اللَّه تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [ (٤) ] ، إلى قوله: إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى [ (٥) ] يعني أبا جهل فَلْيَدْعُ نادِيَهُ [ (٦) ] : قومه سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [ (٧) ] : الملائكة [ (٨) ] . وقد رويت من طرق عن ابن عباس [ (٨) ] . وقال الزبير بن بكار: حدثنا أبو يحيى هارون وخرج الترمذي من حديث عبد الرزاق عن معمر عن عبد الكريم الجزري عن عكرمة عن ابن عباس: سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [ (٧) ] ، قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا يصلي لأطأن على عنقه، فقال النبي ﷺ : لو فعل لأخذته الملائكة عيانا [ (٩) ] . قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح.

стр. 1355

وقال الزبير بن بكار: حدثنا أبو يحيى هارون بن عبد اللَّه الزبيري عن عبد اللَّه بن سلمة عن عبد اللَّه بن عروة بن الزبير عن أبيه عروة بن الزبير قال: حدثني عمرو بن عثمان بن عفان عن أبيه عثمان بن عفان ﵁ قال: أكثر ما نالت قريش من رسول اللَّه ﷺ أني رأيته يوما- قال عمرو: ورأيت عيني عثمان ذرفتا حين ذكر ذلك. قال عثمان: كان رسول اللَّه ﷺ يطوف بالبيت ويده في يد أبي بكر ﵁، وفي الحجر ثلاثة جلوس: عتبة بن أبي معيط، وأبو جهل، وأمية بن خلف، فمر رسول اللَّه ﷺ فلما حاذاهم أسمعوه بعض ما يكره، فعرف ذلك في وجه رسول اللَّه ﷺ ، فدنوت منه حتى وسطته، فكان بيني وبين أبي بكر وأدخل أصابعه في أصابعي حتى طفنا جميعا، فلما حاذاهم قالوا: واللَّه ما نصالحك ما بلّ بحر صوفة وأنت تنهانا أن نعبد ما كان يعبد آباؤنا. فقال لهم رسول اللَّه ﷺ إنا على ذلك، ثم مضى، فصنعوا به في الشوط الثالث مثل ذلك، حتى إذا كان في الشوط الرابع ناهضوه ووثب أبو جهل يريد أن يأخذ بمجمع ثوبه فدفعته في صدره فوقع على استه، ودفع أبو بكر أمية بن خلف، ودفع رسول اللَّه ﷺ عقبة بن أبي معيط ثم انفرجوا عن رسول اللَّه وهو واقف، ثم قال لهم: أما واللَّه لا تنتهون حتى يحلكم اللَّه عقابه عاجلا. قال عثمان ﵁: فو اللَّه ما منهم رجل إلا وقد أخذه أفكل وهو يرتعد، فجعل رسول اللَّه ﷺ يقول: بئس أنتم لنبيكم، ثم انصرف إلى بيته وتبعناه فقال: أبشروا فإن اللَّه مظهر دينه ومتم كلمته وناصر نبيه، إن هؤلاء الذين ترون ممن يذبح اللَّه بأيديكم عاجلا، ثم انصرفنا إلى بيوتنا، قال: فو اللَّه لقد رأيتهم ذبحهم اللَّه بأيدينا [ (١) ] . ومن حديث علي بن مسهر وعبد الأعلى بن عبد الأعلى قالا: حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن عمرو بن العاص ﵁ قال: ما رأيت قريشا أرادوا قتل النبي ﷺ [إلا] [ (٢) ] يوم [ (٣) ] ائتمروا به وهم جلوس في ظل الكعبة،

стр. 1356

ورسول اللَّه ﷺ يصلي عند المقام، فقام إليه عقبة بن أبي معيط فجعل رداءه في عنقه ثم جذبه حتى وجب لركبتيه ساقطا، وتصايح الناس فظنوا أنه مقتول، فأقبل أبو بكر ﵁ يشتد حتى أخذ بضبعي [ (١) ] رسول اللَّه من ورائه وهو يقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربي اللَّه؟ ثم انصرفوا عن النبي ﷺ ، فقام فصلّى. فلما قضى صلاته مر بهم وهم جلوس في ظل الكعبة فقال: يا معشر قريش! أما والّذي نفسي بيده ما أرسلت إليكم إلا بالذبح- وأشار بيده إلى حلقه- فقال أبو جهل: يا محمد، ما كنت جهولا، فقال له رسول اللَّه ﷺ : أنت منهم. قال أبو نعيم: ورواه سليمان بن بلال عن هشام بن عروة عن أبيه عن عمرو ابن العاص نحوه، ورواه محمد بن إسحاق عن يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص نحوه وقال: يا معشر قريش! أما والّذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح. قال: فأخذت القوم كلهم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طير واقع، حتى إنّ أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفأه [ (٢) ] بأحسن ما يجد من القول حتى إنه ليقول: انصرف [يا] [ (٣) ] أبا القاسم راشدا، فو اللَّه ما كنت جهولا [ (٤) ] . ومن حديث داود بن أبي هند عن قيس بن حبتر قال: قالت ابنة الحكم: قلت لجدي الحكم: ما رأيت قوما أعجز منكم ولا أسوأ رأيا يا بني أمية في رسول اللَّه ﷺ ، قال: لا تلومينا يا بنية، إني لا أحدثك إلا ما رأيت بعيني هاتين، قلنا: واللَّه لا نزال نسمع قريشا تعلى أصواتها على رسول اللَّه ﷺ في هذا المسجد، تواعدوا له حتى يأخذوه.

стр. 1357

قال: فتواعدنا فجئنا إليه لنأخذه فسمعنا صوتا ما ظننا أنه بقي جبل بتهامة إلا تفتت. قال: فغشى علينا فما عقلنا حتى قضى صلاته ورجع إلى أهله، ثم تواعدنا له ليلة أخرى، فلما جاء نهضنا إليه فجاء الصفا والمروة حتى التقتا [إحداهما] بالأخرى فحالتا بيننا وبينه، فو اللَّه ما نفعنا ذلك حتى رزقنا اللَّه الإسلام وأذن لنا فيه. ومن حديث محمد بن إسحاق عن عبد اللَّه بن عبد الملك بن أبي سفيان الثقفي- وكان راعية- قال: قدم رجل من إراش [ (١) ] بإبل له مكة، فابتاعها أبو جهل بن هشام فمطله بأثمانها، وأقبل الإراشي حتى وقف على ناد من قريش- ورسول اللَّه ﷺ جالس في ناحية المسجد- فقال: يا معشر قريش! من رجل يعينني على أبي الحكم بن هشام، فإنّي رجل غريب ابن سبيل، وقد غلبني على حقي، قال: فقال أهل المجلس: ترى ذلك الرجل؟ - لرسول اللَّه وهم يهزءون به لما يعلمون بينه وبين أبي جهل من العداوة- اذهب إليه فهو يعينك عليه. فأقبل الإراشيّ [ (٢) ] حتى وقف على رسول اللَّه ﷺ فقال: يا عبد اللَّه، إن أبا الحكم بن هشام قد غلبني على حق لي قبله، وأنا غريب ابن سبيل، وقد سألت هؤلاء القوم عن رجل يعينني عليه يأخذ لي حقي منه، فأشاروا لي إليك، فخذ لي حقي منه رحمك اللَّه. قال: انطلق إليه، وقام رسول اللَّه ﷺ معه، فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن كان معهم: اتبعه وانظر ماذا يصنع. قال: وخرج رسول اللَّه حتى جاءه فضرب عليه بابه فقال: من هذا؟ قال: محمد، فاخرج إليّ، فخرج إليه وما في وجهه رائحة كذا قد انتقع لونه، فقال

стр. 1358

له: أعط هذا الرجل حقه، قال: نعم، لا تبرح حتى أعطيه الّذي له، فدخل فخرج إليه بحقه فدفعه إليه، ثم انصرف رسول اللَّه ﷺ وقال للإراشيّ: ألحق بشأنك. فأقبل الإراشيّ حتى وقف على ذلك المجلس فقال: جزاه اللَّه خيرا، فقد واللَّه أخذ لي الّذي لي. قال: وجاء الرجل الّذي بعثوا معه فقالوا: ويحك! ماذا رأيت. قال: رأيت عجبا من العجب، واللَّه إن هو إلا أن ضرب عليه بابه فخرج إليه وما معه روحه فقال: أعط هذا حقه، قال نعم، لا تبرح حتى أخرج إليه حقه، فدخل، فخرج إليه بحقه فأعطاه إياه. قال: ثم لم يلبثوا أن جاءهم أبو جهل فقالوا له: ويلك! مالك؟ واللَّه ما رأينا مثل ما صنعت، فقال: ويحكم! إن هو إلا أن ضرب عليّ بابي وسمعت صوته فملئت منه رعبا ثم خرجت إليه وإن فوق رأسه لفحلا من الإبل، ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط، واللَّه لو أبيت لأكلني [ (١) ] . ورواه أبو يزيد المدني وأبو قزعة الباهلي، أن رجلا كان له على أبي جهل دين فلم يعطه [له] ، فقيل له: ألا ندلك على من يستخرج لك حقك؟ قال: بلى، قالوا: عليك بمحمد بن عبد اللَّه، فأتاه فجاء معه إلى أبي جهل فقال: أعط حقه، قال: نعم، فدخل البيت فأخرج دراهمه فأعطاه إياه، فقالوا لأبي جهل: فرقت من محمد كل هذا؟ قال: والّذي نفسي بيده لقد رأيت معه رجالا معهم حراب تلألأ. وقال أبو قزعة في حديثه: حرابا تلمع، لو لم أعطه لخفت أن تنفخ بها بطني. ورواه ابن حبان عن الحسن بن محمد قال: قال أبو زرعة الرازيّ عن شيبان بن فروخ وقال: حدثنا سلام بن مسكين، حدثنا أبو يزيد المدني وأبو قزعة مثله وقد تقدم قوله ﷺ : ألا تعجبون كيف يصرف اللَّه عني شتم قريش ولعنهم؟ يشتمون

стр. 1359

مذمما ويلعنون مذمما، وأنا محمدا [ (١) ] !

стр. 1360

فصل في ذكر حراسة السماء من استراق الشياطين السمع [ (١) ] عند بعثة رسول اللَّه ﷺ برسالات اللَّه تعالى لعباده خرج الائمة من حديث أبي عوانة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵁ قال: ما قرأ رسول اللَّه ﷺ على الجن وما رآهم، انطلق رسول اللَّه في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خير السماء، وأرسل عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما ذاك إلا من أمر حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا واللَّه الّذي خال بينكم وبين خبر السماء. الحديث خرجه البخاري. وسيأتي في إسلام الجن [ (٢) ] . وخرج أبو نعيم من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان الجن يصعدون إلى السماء يستمعون الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا تسعا، فأما الكلمة فتكون حقا، وأما ما زادوا فتكون باطلا، فلما بعث النبي ﷺ منعوا مقاعدهم، فذكر ذلك لإبليس- ولم يكن النجوم يرمى بها قبل ذلك- فقال لهم إبليس: هذا لأمر قد حدث في الأرض، فبعث جنوده، فوجدوا رسول اللَّه ﷺ قائما يصلي بين جبلين، فأتوه فأخبروه فقال: هذا الأمر الّذي قد حدث في الأرض [ (٣) ] .

стр. 1361

ومن حديث محمد بن فضيل عن عطاء ابن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: لم تكن قبيلة من الجن إلا ولهم مقعد [للسمع] [ (١) ] ، فإذا نزل الوحي سمعت الملائكة صوتا كصوت الحديدة ألقيتها على الصفا [ (٢) ] ، قال: فإذا سمعت الملائكة خروا سجدا، فلم يرفعوا رءوسهم حتى ينزل، فإذا نزل قال بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم؟ فإن كان مما يكون في السماء قالوا: الحق وهو العلي الكبير، وإن كان مما يكون في الأرض من أمر الغيب أو موت أو شيء مما يكون في الأرض تكلموا به، قالوا: يكون كذا كذا، فتسمعه الشياطين فينزلونه على أوليائهم، فلما بعث محمد ﷺ دحروا بالنجوم، فكان أول من علم بها ثقيف، فكان ذو الغنم منهم ينطلق إلى غنمه فيذبح كل يوم شاة، وذو الإبل ينحر كل يوم بعيرا، فأسرع الناس في أموالهم فقال بعضهم لبعض: لا تفعلوا، فإن كان النجوم التي تهتدون بها [وإلا] [ (٣) ] فإنه أمر حدث، فنظروا فإذا النجوم التي يهتدى بها كما هي لم يزل من منها شيء، فكفوا، وصرف اللَّه الجن فسمعوا القرآن، فلما حضروه [ (٤) ] قالوا: أنصتوا، وانطلقت الشياطين إلى إبليس فأخبروه فقال: هذا حدث حدث في الأرض، فأتوني من كل أرض بتربة، فأتوه بتربة تهامة فقال: ها هنا الحدث [ (٥) ] . ومن حديث الواقدي قال: فحدثني محمد بن صالح عن ابن أبي حكيم- يعني إسماعيل- عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة ﵁ قال: لما بعث رسول اللَّه ﷺ

стр. 1362

أصبح كل صنم منكسا، فأتت الشياطين إبليس فقالت له: ما على الأرض من صنم إلا وقد أصبح منكسا، قال: هذا نبي قد بعث، فالتمسوه في قرى الأرياف، فالتمسوه فقالوا: لم نجده، قال: أنا صاحبه، فخرج يلتمس فنودي: عليك بحبة القلب- يعني مكة- فالتمسه بها، فوجده عند قرن الثعالب [ (١) ] ، فخرج إلى الشياطين فقال: قد وجدته معه جبريل، فما عندكم؟ قالوا: نزين الشهوات في أعين أصحابه، ونحببها إليهم، قال: فلا [شيء] [ (٢) ] إذا [ (٣) ] . وحدثني طلحة بن عمرو عن ابن أبي مليكة عن عبد اللَّه بن عمرو ﵁ قال: لما كان اليوم الّذي [تنبأ] [ (٤) ] فيه رسول اللَّه ﷺ منعت الشياطين من السماء، ورموا بالشهب، فجاءوا إلى إبليس فذكروا له ذلك فقال: أمر قد حدث، هذا نبي قد خرج عليكم بالأرض المقدسة مخرج بني إسرائيل قال: فذهبوا إلى الشام ثم رجعوا إليه فقالوا: ليس بها أحد، فقال إبليس، أنا صاحبه، فخرج في طلبه بمكة فإذا رسول اللَّه ﷺ بحراء منحدرا ومعه جبريل ﵇، فرجع إلى أصحابه فقال: قد بعث أحمد ومعه جبريل، فما عندكم؟ قالوا: الدنيا نحببها إلى الناس [ (٥) ] ، قال: فذاك إذا [ (٦) ] . وحدثني أسامة بن زيد بن أسلم عن عمر بن عبد اللَّه العنسيّ عن ابن كعب قال: لم يرم بنجم منذ رفع عيسى ابن مريم ﵇ حتى [تنبأ] رسول اللَّه ﷺ ، فلما [تنبأ] رمي بها، فرأت قريش أمرا لم تكن تراه، جعلوا يسيبون أنعامهم ويعتقون أرقّاءهم، يظنون أنه الفناء، فبلغ ذلك من فعلهم أهل الطائف،

стр. 1363

ففعلت ثقيف مثل ذلك، فبلغ عبد ياليل بن عمرو ما صنعت ثقيف فقال: ولم فعلتم ما أرى؟ قالوا: رمي بالنجوم فرأيناها تتهافت من السماء، قال: إن إفادة المال بعد ذهابه شديد، فلا تعجلوا، وانظروا: فإن تكن نجوما تعرف فهو عند فناء الناس، وإن كانت نجوما لا تعرف فهو عند أمر حدث، فنظروا، فإذا هن لا تعرف، فأخبروه فقال: الأمر فيه مهلة بعد، هذا عند ظهور نبي، فما مكثوا إلا يسيرا حتى قدم الطائف أبو سفيان بن حرب إلى أمواله، فجاء عبد ياليل فذاكره أمر النجوم، فقال أبو سفيان: ظهر محمد بن عبد اللَّه يدعى أنه نبي مرسل، قال عبد ياليل: فعند ذلك رمي بها. وحدثني طلحة بن عمرو عن عطاء عن ابن عباس ﵁ قال: كانت الشياطين يستمعون الوحي، فلما بعث اللَّه محمدا ﷺ منعوا، فشكوا ذلك إلى إبليس فقال: لقد حدث أمر فرمى فوق أبي قبيس- وهو أول جبل وضع على الأرض- فرأى رسول اللَّه ﷺ يصلّى خلف المقام، فقال: أذهب فأكسر عنقه، فجاء يخطر وجبريل عنده فركضه جبريل ركضة طرحه في كذا وكذا، فولى الشيطان هاربا [ (١) ] . ولأبي نعيم من حديث يعقوب الدورقي قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي عن حجاج بن أبي عثمان الصواف، عن ثابت [البناني] [ (٢) ] عن أنس ﵁ قال: إن إبليس ما بين قدميه [ (٣) ] إلى كعبيه [ (٣) ] مسيرة كذا وكذا، وإن عرشه لعلى البحر، ولو ظهر للناس لعبد، قال: فلما بعث اللَّه محمد ﷺ أتاه وهو يجمع بكيده فانقض عليه جبريل فدفعه بمنكبه فألقاه بوادي الأردن [ (٤) ] . [وقال الواقدي: فحدثني عمر بن إسحاق أخو محمد بن إسحاق قال: سمعت نافع بن جبير يقول: كانت الشياطين في الفترة تسمع ولا ترى، فلما بعث رسول اللَّه ﷺ رميت بالشهب] [ (٥) ] .

стр. 1364

فصل في ذكر بعثة رسول اللَّه ﷺ اعلم أن الناس قد اختلفوا في بعثة رسول اللَّه ﷺ ، فأنكرها قوم وأقرّ بها قوم، ثم اختلف المعترفون بها فجوزها البراهمة وجعلوا العقل كافيا، وأنكر قوم كون الشرائع من عند اللَّه، وأنكر اليهود والنصارى والمجوس رسالة محمد ﷺ واعترف بعضهم برسالته إلى العرب فقط، ولكل فريق منهم شبهة زينها الشيطان لأوليائه من قدمائهم، وتبعهم مقلدوهم.

стр. 1365

فأمّا شبهة منكري التكليف فقالوا: التكليف باطل، فالبعثة باطلة، أما الأولى: فلأن أفعال العباد مخلوقة للَّه تعالى، فلا تكون مقدورة لهم، فلا يكلفون بها. وأما الثانية: فلأنه لا فائدة في البعثة إلا توجيه التكاليف على الخلق، فإذا كان المقصود باطلا كان المتبع أولى بالبطلان. وأجيب: أولا: بأن أفعالهم لا تخلو عن قدرتهم واختيارهم كما يعدد في مسألة خلق الأفعال، ولذلك يقولون: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وإنما يلزم من عدم القدرة من جعل الخلق نفس المخلوق، وهم المعتزلة. وأجيب: ثانيا: بمنع انحصار فائدة البعثة في توحيد التكليف كما سيأتي عند ذكر جواز بعثة الرسل. وأما شبهة البراهمة فقالوا: كل ما كان حسنا فعلناه، وكل ما كان قبيحا تركناه، وما لا ندرك حسنه ولا قبحه فإن كنا مضطرين أو محتاجين إليه اكتفينا بالقدر الرافع للضرورة والحاجة، وإن لم يكن بنا حاجة إليه امتنعنا منه احترازا من الخطر. وأجيب: بعد تسليم أن العقل كاف في التعريف، لكن لم لا يجوز أن يكون فائدة البعثة تأكيد ذلك التعريف، ولهذا السبب أكثر اللَّه تعالى من الدلائل على التوحيد، مع أن الواحد منها كاف.

стр. 1366

وأما شبهة منكري كون الشرائع من عند اللَّه قالوا: نرى الشرائع من عند اللَّه مشتملة على أشياء لا فائدة فيها، فإن الصلاة والصوم والحج أفعال لا منفعة فيها للمعبود، وهي مصادر متاعب في حق العابد، فكان ذلك عبثا بل سفها، وذلك لا يليق بالحكيم، فوجب أن لا تكون هذه الشرائع من عند اللَّه تعالى، وإنما هي مكر من القدماء. وأجيب: بمنع أنها خالية عن الحكمة والمنفعة، ولا يلزم من عدم اطلاعكم على الحكمة عدمها. وأما شبهة اليهود فهي أن موسى ﵇ لما بلّغ شرعه إلى أمته لا يخلو في تبليغه من أحد ثلاثة أمور: إما أن يكون قد بين أنه دائم، أو بين أنه مؤقت، أو لا هذا ولا هذا. والثاني باطل، لأنه لو بيّن أنه منقطع وشرح ذلك لأمته لكان معلوما عندهم على سبيل التواتر، ولو كان نقل متواترا كأصل دينه ولم يمكنهم إخفاؤه، لأن ما علم تواترا لا يمكن إنكاره، ومعلوم أن اليهود متفقون في مشارق الأرض ومغاربها على إنكاره. والثالث: باطل أيضا، لأنه لو كان كذلك لوجب أن لا يجب بمقتضى شرعة موسى من الأعمال إلا مرة واحدة، لأن مقتضى الأمر المطلق الفعل مرة واحدة لا التكرار. وبالإجماع هذا باطل، وإذا بين لأمته أن شرعه دائم وجب أن يكون دائما، وإلا لزم نسبته إلى الكذب وزوال البينة عن جميع الشرائع. وأجيب: بجواز أنه بيّن أنه منقطع محدود، وكان ذلك معلوما بالتواتر من دينه، إلا أن قومه هلكوا بالكلية في بخت نصّر، وصار الباقي أقل من عدد التواتر، ولا جرم انقطع هذا النقل، وسنقيم الأدلة بالحجج الواضحة على صحة دين الإسلام وصدق محمد رسول اللَّه ﷺ .

стр. 1367

وأما بعثة الرسل هل هي جائزة أو واجبة ؟ فاعلم أن المؤمنين بالرسل اختلفوا: هل البعثة جائزة أو واجبة؟ فقال عامة المتكلمين بعثة الرسل جائزة، وعند المحققين أنها واجبة، ولا يعنون أنها تجب على اللَّه تعالى بإيجاب أحد ولا بإيجابه على نفسه، بل يعنون أنها متأكدة الوجود لأنها من مقتضيات الحكمة، فيكون عدمها من باب السفه، وهو محال على الحكيم، وهذا كما أن علم اللَّه وجوده يجب لكون عدمه يوجب الجهل، وهو محال على العليم. ودليل الجواز أن ورود التكليف بالإيجاب والحظر والإطلاق والمنع ممن له الملك في مماليكه ليس مما يأباه العقل أو ندفعه الدلائل، فله أن يتصرف في كل شخص من أشخاص بني آدم بأي شيء شاء من وجوه التصرف، منعا كان أو إطلاقا، حظرا كان أو إيجابا، ثم يعلمهم ذلك إما بتخليق العلم فيهم أو بتخصيص بعض عباده بالعلم من جنسهم أو من خلاف جنسهم، بإفهام صحيح أو بوحي صريح. ودليل الواجب أن في بعثة الأنبياء من الفوائد والحكم ما لا يفى: فمنها: تأكيد دليل العقل بدليل النقل، ومنها قطع عذر المكلف على ما قال اللَّه تعالى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [ (١) ] ، وقال: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا [ (٢) ] . ومنها: أن اللَّه خلق الخلق محتاجين إلى الغذاء للبقاء، وإلى الدواء للسقام ولحفظ الصحة وإزالة العلل العارضة، وخلق السموم القاتلة، والعقل لا يقف عليها، والتجربة لا تفي بمعرفتها إلا بعد الأدواء، ومع ذلك فيها خطر، وفي بعثة الأنبياء معرفة طبائعها من غير خطر. ومنها: لو فوض كيفية العبادة إلى الخلق لجاز أن تأتي كل طائفة بوضع خاص، ثم أخذوا يتعصبون لها، فيقضي إلى الفتن. ومنها: أن ما يفعله الإنسان بمقتضى عقله يكون كالفعل المعتاد، والمعتاد لا يكون عبادة بخلاف ما يفعله امتثالا فإنه يكون محض العبادة، ولذلك ورد الأمر بالأفعال الغريبة كالحج، والمقادير التي لا تفعل في غير ذلك.

стр. 1368

وأما الأدلة على صحة دين الإسلام وصدق نبينا محمد رسول اللَّه ﷺ فأحدهما: أن محمدا ﷺ ادعى النبوة وظهرت المعجزة على وفق دعواه، وكل من كان كذلك كان رسول اللَّه حقا، فمحمد رسول اللَّه حقا، أما دعواه النبوة فمتواترة أيضا لو لم يدّع النبوة لما كان لنزاع الخصم فائدة، وأما ظهور المعجزة فلأنه أتى بالقرآن وهذا متواتر أيضا. وأما أن القرآن معجزة فلأنه تحدى البلغاء، بل الجن والإنس بمعارضته على أبلغ الوجوه فقال: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [ (١) ] ، ثم زاد في التحدي فقال: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ [ (٢) ] ، ثم بالغ فقال: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [ (٣) ] ، وعجزوا عن معارضته وإلا لم يقابلوه، لأنه المعارضة أسهل. وأما أن كل من أتى بالمعجزة كان صادقا فلا نعلم يقينا أن اللَّه تعالى سامع لدعواه، وأن ما ظهر على يده خارج عن مقدور البشر، فإذا ادّعى الرسالة ثم قال: إلهي، إن كنت صادقا في دعواي الرسالة فأفلق البحر وشق القمر أو غير ذلك مما لا يقدر عليه إلا اللَّه ففعل ذلك عقيب سؤاله فعلمنا بالضرورة أنّه صدّقه في دعواه. كما أنّا نقطع بأن رجلا لو قال لقوم: أنا رسول فلان الملك إليكم، ودليل صدقي أنه يخرق على عادته الفلانية لأجلي، مثل أن يقوم عن سريره أو ينزل عن مركبه فيمشي لأجلي، أو ينزع تاجه فيجعله على رأسي، فوجد ذلك من الملك دلّ على صدق مدعي الرسالة. واعترض عليه بوجوه: أحدهما: لم لا يجوز إظهار المعجزة على يد المتنبئ؟ وأجيب: بأنه لا فائدة فيه إلا تكليف اللَّه الخلق بما يخبرهم الكاذب به، ولا شك أنه تعالى قادر على أن يكلفهم بذلك على يد صادق، فعدوله عن تكليف الخلق على يد رسول من عنده إلى تكليفهم على يد الكذاب خال عن الحكمة بالضرورة.

стр. 1369

وأجاب بعضهم بأن في إظهار المعجزة على يد الكاذب إضلال [الخلق] وترك [مصلحتهم] ، ورد هذا بوجهين: أحدهما: أنه لو فرض جواز إظهار المعجزة على يد المتنبئ لم يكن فيه إضلال الخلق بل هدايتهم، لأن إظهار المعجزة والحالة هذه تكون أمرا لهم بما جاءهم به المتنبئ، وأمر اللَّه هداية لا إضلال. والثاني: أن إضلال الخلق وترك [مصلحتهم] إنما لا يجوز إذا لم يكن فيه حكمة، وعدم الحكمة غير معلوم. الاعتراض الثاني: أن المعجزة تشتبه بالسحر، فلا تدل على الصدق، ورد بالفرق بأن التعليم يدخل السحر دون المعجزة. وبأن المعجز هو الّذي لا يأتي أحد من المبارزين والمنازعين بمثله، [إما] لأنه ليس في قوته وإما بمنع اللَّه له ، والسحر ليس كذلك. وبأن السحر لا يكون إلا باقتراح المقترحين، بل بحسب ما يعرفه الساحر بخلاف معجزات الأنبياء. وبأن آثار المعجزات حقيقية، كشبع الجماعة من الطعام اليسير، وريهم بالماء القليل، والتزود منها للمستقبل من الزمان، بخلاف السحر فإنه تخييلات لا تروج إلا في أوقات مخصوصة وأمكنة مخصوصة، على أن أحدا من العقلاء لم يجوز انتهاء السحر إلى الموتى، وقلب العصا ثعبانا، وفلق البحر، وشق القمر، وإبراء الأكمه والأبرص ونحوها، ولهم اعتراضات كلها [افتراضات] [ (١) ] بنوها على نفي الفاعل المختار، فلذلك أعرضت عنها.

стр. 1370

الحجة الثانية محمد ﷺ إما ملك ما حق أو نبي صادق، ولكنه ليس ملكا ماحقا، فهو نبي صادق، وإنما قلنا: إما ملك أو نبي لأنه لا قائل بقول ثالث، إذ الخصم وهو اليهود والنصارى- خزاهم اللَّه- يزعمون أن رب العالمين- تعالى عن قولهم- أرسل ملكا ظالما فادعى النبوة وكذب على اللَّه، ومكث زمنا طويلا يقول: أمرني بكذا ونهاني عن كذا، ويستبيح دماء أولياء اللَّه وأبنائه وأحبائه، والرب تعالى يظهره ويؤيده، ويقيم الأدلة والمعجزات على صدقه، ويقبل بقلوب الخلق وأجسادهم إليه، ويقيم دولته على الظهور والزيادة، ويذل أعداؤه أكثر من ثماني مائة سنة، وهذا منهم غاية القدح في الرب- تعالى عن قولهم-. ونحن نقول: إن محمدا ﷺ كان نبيا صادقا مؤيدا من اللَّه تعالى، فقام ناموسه بالتأييد الإلهي. وإنما قلنا: أنه ليس ملكا بل نبي صادق لأنا علمنا بالاستقراء التام والتواتر القاطع أن ملكا من ملوك الدنيا لم يبق ناموسه بعده بل سيفنى بموته، وإنما تبقى نواميس الأنبياء بعدهم، ثم رأينا ناموس محمد ﷺ باقيا بعده زيادة عن ثماني مائة سنة، فعلمنا أنه من الأنبياء لا من الملوك.
следующие страницы →