← Сира

Сира · id 1524

إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع

المقريزي

Полный текст (6 146 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

أهل المصرين: البصرة والكوفة لحفظ لسان العرب وكتب لغتها، لم يأخذوا إلا عن هذه القبائل الوسيطة المذكورة ومن كان معها، وتجنبوا اليمن والعراق والشام، فلم يكتب عنهم حرف واحد، ولذلك تجنبوا حواضر الحجاز: مكة والمدينة والطائف، لأن السبي والتجار من الأمم كثروا فيها وأفسدوا اللغة، وكانت هذه الحواضر في مدة النبي ﷺ سليمة لقلة المخالطة. فمعنى قول النبي ﷺ : أنزل القرآن على سبعة أحرف، أي فيه عبارات سبع قبائل بلغة جملتها، فنزل القرآن فيعبّر عن المعنى فيه بعبارة قريش [مرة] ، ومرة بعبارة هذيل، ومرة بغير ذلك بحسب الأفصح والأوجز في اللفظة، ألا ترى أن «فطر» معناها عند غير قريش ابتدأ خلق الشيء وعمله، فجاءت في القرآن فلم تتجه لابن عباس ﵁ حتى اختصم إليه أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، قال ابن عباس: ففهمت حينئذ موقع قوله تعالى: فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ (١) ] ، وقال أيضا: ما كنت أدري معنى قوله: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا [ (٢) ] حتى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها: تعال أفاتحك، أي أحاكمك [ (٣) ] . وكذلك قال عمر بن الخطاب ﵁ وكان لا يفهم معنى قوله تعالى: أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ [ (٤) ] فوقف به فتى فقال: إن أبي يتخوفني حقي، فقال عمر: اللَّه أكبر، أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ، أي على تنقص [ (٥) ] لهم. وكذلك اتفق لقطبة بن مالك، إذ سمع النبي ﷺ يقرأ في الصلاة:

стр. 1507

وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ [ (١) ] ، ذكره مسلم [ (٢) ] في باب: القراءة في صلاة الفجر. إلى غير ذلك من الأمثلة. خرج مسلم [ (٢) ] من حديث أبي عوانة، عن زياد بن علاقة، عن قطبة بن مالك قال: صليت وصلّى بنا رسول اللَّه ﷺ ، فقرأ ق* وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ (٣) ] ، حتى قرأ: وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ [ (١) ] ، قال: فجعلت أرددها ولا أدري ما قال. فأباح اللَّه تعالى لنبيه هذه الحروف السبعة، وعارضه بها جبريل في عرضاته على الوجه الّذي فيه الإعجاز وجودة الوصف، ولم تقع الإباحة في قوله ﵇: فاقرءوا بما تيسر منه بأن يكون كل أحد من الصحابة إذا أراد أن يبدل اللفظة من بعض هذه اللغات، جعلها من تلقاء نفسه، ولو كان هذا لذهب إعجاز القرآن، وكان معرضا أن يبدّل هذا وهذا، حتى يكون غير الّذي نزل من عند اللَّه، وإنما وقعت الإباحة في الحروف السبعة للنّبيّ ﷺ ليوسّع بها على أمّته، فقرأ مرة لأبيّ بما عارضة به جبريل، ومرة لابن مسعود بما عارضة به أيضا. وفي صحيح البخاري عن النبي ﷺ : قال: أقرأني جبريل على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى بي إلى سبعة أحرف. وعلى هذا تجيء قراءة عمر بن الخطاب ﵁ لسورة الفرقان، وقراءة هشام بن حكيم لها، وإلا فكيف يستقيم أن يقول النبي ﷺ في كل قراءة منها وقد اختلفتا: هكذا أقرأني جبريل، هل ذلك إلا أنه أقرأه بهذه مرة وبهذه مرة. وعلى هذا يحمل قول أنس بن مالك حين قرأ: إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأصوب قيلا [ (٤) ] ، فقيل له: إنما تقرأ: وَأَقْوَمُ قِيلًا [ (٤) ] ، فقال: أصوب وأقوم واحد، فإنما معنى هذا أنها مروية عن النبي ﷺ ، وإلا فلو كان

стр. 1508

هذا لأحد من الناس أن يضعه، لبطل معنى قول اللَّه تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [ (١) ] ، ثم إن هذه الرواية الكثيرة لما انتشرت عن رسول اللَّه ﷺ ، وافترق الصحابة في البلدان، وجاء الخلف، وقراء القرآن كثير من غير العرب، ووقع بين أهل الشام والعراق ما ذكره حذيفة بن اليمان ﵁. وذلك أنهم اجتمعوا في غزوة أرمينية، فقرأت كل طائفة بما روى لها، فاختلفوا وتنازعوا حتى قال بعضهم لبعض: أنا كافر بما تقرأ به، فأشفق حذيفة بما رأى منهم. فلما قدم حذيفة المدينة- فيما ذكر البخاري وغيره- دخل إلى عثمان بن عفان ﵁ قبل أن يدخل بيته فقال: أدرك هذه الأمة قبل أن تهلك، قال: [في ماذا] ؟ قال: في كتاب اللَّه، إني حضرت هذه الغزوة وجمعت ناسا من العراق ومن الحجاز، ومن الشام، فوصف له ما تقدم، وقال: إني أخشى عليهم أن يختلفوا في كتابهم كما اختلفت اليهود والنصارى، قال عثمان: أفعل، فتجرد الأمر واستناب الكفاءة من العلماء الفصحاء في أن يكتبوا القرآن، ويجعلوا ما اختلفت القراءة فيه على أشهر الروايات عن رسول اللَّه ﷺ وأفصح اللغات، وقال لهم: إذا اختلفتم في شيء فاكتبوه بلغة قريش. فمعنى هذا: إذا اختلفتم فيما روي وإلّا فمحال أن يحملهم على اختلافهم من قبلهم، فكتبوا في القرآن من كل اللغات السبع، مرة من هذه، ومرة من هذه، وذلك مقيد بأن الجميع مما روى عن النبي ﷺ وقرئ عليه، واستمر الصحابة ﵃ على هذا المصحف المتخيّر، وترك ما سواه ممّا كان كتب تفسيرا ونحوه، سدا للذريعة، وتغليبا لمصلحة الألفة، وهي المصاحف التي أمر عثمان ﵁ أن تحرق أن تمزق. ألا ترى أن ابن مسعود ﵁ أبى أن يزال مصحفه؟ فترك، ولكن أبى العلماء قراءته سدا للذريعة، ولأنه روي أنه كتب فيه [سورة] [ (٢) ] النساء على

стр. 1509

جهة التفسير، فظنها قوم من التلاوة، فاختلط الأمر فيه، ولم يسقط مما ترك معنى من معاني القرآن، لأن المعنى جزء من الشريعة، وإنما تركت ألفاظ معانيها موجودة في الّذي أثبت. ثم إن القراء في الأمصار تتبّعوا ما روي لهم من اختلاف لا يخالف خط المصحف المتميز، فقرءوا بذلك حسب اجتهاداتهم، فلذلك ترتب أمر القراء السبعة وغيرهم، ومضت الأعصار والأمصار على قراءة السبعة، وبها يصلي لأنها ثبتت بالإجماع. وأما شاذ القراءات فلا يصلي به، وذلك لأنه لم يجمع الناس عليه، فأما المروي منه عن الصحابة وعن علماء التابعين، فلا نعتقد منهم إلا أنهم رووه، وأما ما يؤثر عن [غيرهم] [ (١) ] فلا يوثق به. وقال أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد القرطبي في تفسيره: قال كثير من علمائنا: هذه القراءات السبع التي تنسب لهؤلاء القراء السبعة ليست إلا هي حرف السبعة التي اتسعت القراءة بها، وإنما هي راجعة إلى حرف واحد من تلك السبعة، وهو الّذي جمع عليه عثمان ﵁ المصحف. وهذه القراءات المشهورة هي اختيارات أولئك الأئمة القراء، وذلك أن كل واحد منهم اختار مما روي وعلم وجهه من القراءات ما هو الأحسن عنده والأولى، فالتزمه طريقة ورواه، وأقرأ به فاشتهر عنه وعرف به ونسب إليه، فقيل: حرف نافع، وحرف ابن كثير ... ، ولم يمنع واحدا منهم اختيار الآخر ولا أنكره، بل سوّغه، وجوّزه، وكل واحد من هؤلاء السبعة روي عنه اختياران وأكثر، وكل صحيح. وقد أجمع المسلمون في هذه الأعصار على الاعتماد على ما صح عن هؤلاء الأئمة فيما رووه ورواه من القرآن، وكتبوا ذلك في مصنفات، فاستمر الإجماع على الصواب، وحصل ما وعد اللَّه تعالى به من حفظ الكتاب، وعلى هذه الأئمة المتقدمون والقضاة، والمحققون، كالقاضي أبي بكر بن الطيب، والطبري وغيرهما.

стр. 1510

[الناسخ والمنسوخ] وأما النسخ فإنه إذا أطلق يراد به شيئان: أحدهما: بمعنى التحويل والنقل، ومنه نسخ الكتاب، وهو أن يحول من كتاب إلى كتاب، فعلى هذا الوجه جميع القرآن منسوخ، لأنه نسخ من اللوح المحفوظ، وأنزل إلى بيت العزة في سماء الدنيا، وهذا لا مدخل له في قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ [نُنْسِها] [ (١) ] الآية، ومنه قوله تعالى: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ (٢) ] ، أي نأمر بنسخة وإثباته. والثاني: يكون بمعنى الرفع والإزالة، وهو على ضربين: أحدهما: رفع الشيء وزواله، ومنه قولهم: نسخت الشمس الظل، وانتسخته: أي أزالته وذهبت به وأبطلته، [و] [ (٣) ] [نسخت الريح آثار الدار، ومن هذا المعنى قوله تعالى:] [ (٣) ] فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ [ (٤) ] ، أي يزيله بلا شيء، ولا يثبت في المصحف بدله، وزعم أبو عبيد أن هذا النسخ الثاني كان ينزل على النبي ﷺ السورة فترفع ولا تتلى ولا تكتب، فعلى القسم الأول يكون بعض القرآن ناسخا، وبعضه منسوخا، وهو المراد من قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ [نُنْسِها] [ (٣) ] نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها [ (١) ] . وقد اختلف في القرآن، هل نسخ منه ما ليس في مصحفنا اليوم أو لا؟ فمن قال نسخ منه شيء جعل النسخ على ثلاثة أوجه: أحدها: ما نسخ خطه وحكمه وحفظه، فنسي: يعنى رفع خطه من المصحف وليس حفظه على وجه التلاوة، ولا يقطع بصحته على اللَّه تعالى، ولا يحكم به اليوم أحد، وذلك نحو ما روي أنه كان يقرأ: لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم. ومنها قوله: لو أن لابن آدم واديا من ذهب [لا بتغى] [ (٥) ] إليه ثانيا ولو أن له ثانيا [لا بتغى] [ (٥) ] إليه ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم

стр. 1511

إلا التراب ويتوب اللَّه على من تاب [ (١) ] ، ويقال: إن هذا كان في سورة ص [ (٢) ] . ومنها قوله: بلّغوا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضى عنا ورضينا. وهذا من حديث مالك عن إسحاق عن أنس أنه قال: أنزل اللَّه في الذين قتلوا ببئر معونة قرآنا ثم نسخ بعد: بلغوا قومنا ... ، وذكره. ومنها قول عائشة ﵂: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول اللَّه ﷺ وهن مما يقرأ، إلى أشياء في مصحف أبي بن كعب، وعبد اللَّه بن مسعود، وحفصة أم المؤمنين، وغيرهم مما يطول- ذكره. ومن هذا الباب قول من قال: أن سورة الأحزاب كانت نحو سورة البقرة أو الأعراف. روى سفيان وحماد عن عاصم، عن زر بن حبيش قال: قال لي أبي بن كعب كانت تقرأ سورة الأحزاب أو كانت نعدها قلت: ثلاثة وسبعين آية، قال: قط؟ لقد رأيتها وإنها لتعدل البقرة. ولقد كان فيما قرأنا: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من اللَّه واللَّه عزيز حكيم. وقال مسلم بن خالد، عن عمرو بن دينار قال: كانت سورة الأحزاب تقارب سورة البقرة. وروي أبو نعيم من حديث الفضل بن دكين قال: حدثنا سيف (هو ابن أبي سليمان، أو ابن سليمان) عن مجاهد قال: كانت الأحزاب مثل سورة البقرة وأطول، ولقد ذهب يوم مسيلمة قرآنا. حدثنا عبد اللَّه بن الأجلح عن أبيه عن عدي بن عدي بن عميرة بن بردة عن أبيه عن جده عميرة بن بردة، أن عمر ابن الخطاب ﵁ قال لأبيّ بن كعب- وهو إلى جنبه-: أو ليس كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب اللَّه: الولد للفراش وللعاهر الحجر فيما فقدنا من كتاب اللَّه؟ فقال أبي: بلى [ (٣) ] .

стр. 1512

الوجه الثاني: أن ينسخ خطه [ويبقى] [ (١) ] حكمه، وذلك نحو قول عمر بن الخطاب ﵁: لولا أن يقول قوم: زاد عمر في كتاب اللَّه لكتبتها بيدي، الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما بما قضيا من اللذة نكالا من اللَّه واللَّه عزيز حكيم [ (٢) ] ، لقد قرأناها على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فهذا مما نسخ ورفع خطه من المصحف، وحكمه باق في الثيب من الزنا إلى يوم القيامة إن شاء اللَّه تعالى عند أهل السنة. ومن هذا ما رواه مالك في الموطأ، عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي يونس مولى عائشة، زوج النبي ﷺ أنه قال: أمرتني عائشة ﵂ أن أكتب لها مصحفا، وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذنّي: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى [وصلاة العصر] وقوموا للَّه قانتين [ (٣) ] ثم قالت: سمعتها من رسول اللَّه ﷺ . وقد تأول قوم في قول عمر ﵁: قرأنا على عهد رسول اللَّه ﷺ ، أي تلوناها، والحكمة تتلى، بدليل قول اللَّه تعالى: وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [ (٤) ] ، وبين أهل العلم في هذا تنازع يطول ذكره.

стр. 1513

والوجه الثالث: أن ينسخ حكمه ويبقى خطه يتلى في المصحف، وهذا كثير نحو قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ [ (١) ] الآية، نسختها: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً [ (٢) ] الآية، وهذا من الناسخ والمنسوخ [المجمع] عليه، ومن هذا الباب: آية الوصية للأقارب، وآية التخفيف في القتال، وهو نسخ الثبات لعشرة بالثبات لاثنين، وهو نسخ الأثقل إلى الأخف، وعكسه: نسخ الأخف إلى الأثقل، كنسخ صوم يوم عاشوراء بصوم رمضان، وقد ينسخ الشيء لا إلى بدل، كصدقة النجوى [ (٣) ] ، والصلاة إلى بيت المقدس لم تكن في القرآن، وإنما كانت في السنة. ومنه أيضا: آية الممتحنة، وهي قوله تعالى: فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ [ (٤) ] ، فإن رجوعهن إنما كان بصلح النبي ﷺ لقريش، وقد أبت طائفة أن يكون شيء من القرآن إلا ما بين الوحي مصحف عثمان ﵁، واحتجوا بقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [ (٥) ] ، وأجمع العلماء أن ما في مصحف عثمان بن عفان، وهو الّذي بأيدي المسلمين اليوم في أقطار الأرض حيث كانوا، هو القرآن المحفوظ الّذي لا يجوز لأحد أن يتجاوزه، ولا تحل الصلاة لمسلم إلا بما فيه. قالوا: قوله في حديث عائشة: والصلاة الوسطى وصلاة العصر، ليس في شيء من معنى الناسخ والمنسوخ [ (٦) ] ، وإنما هو من معنى السبعة الأحرف التي أنزل اللَّه القرآن عليها، نحو قراءة عمر، وابن مسعود: فامضوا إلى ذكر اللَّه، وقراءة ابن مسعود: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، وقراءة أبي وابن عباس: وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين [ (٧) ] ، وقراءة ابن مسعود وابن عباس:

стр. 1514

فلما خرّ تبينت الإنس أن لو كانت الجن يعلمون الغيب [ (١) ] ، ونحو ذلك من القراءات المضافة إلى الأحرف السبعة. قالوا: فكل ما روي من القراءات في الآثار عن النبي ﷺ ، أو عن أحد من الصحابة مما يخالف مصحف عثمان لا يقطع بشيء من ذلك على اللَّه، ولكن ذلك في الأحكام يجري في العمل مجرى خبر الواحد، وإنما حلّ مصحف عثمان هذا المحل لإجماع الصحابة وسائر الأمة عليه، ولم يجمعوا على ما سواه، وبيان ذلك أن من أنكر شيئا مما في مصحف عثمان كفر، ومن أنكر أن يكون التسليم من الصلاة، أو قراءة أم القرآن، أو تكبيرة الإحرام فرضا لم يكفر [] [ (٢) ] ، فإن بان له في الحجة وإلا عذر إذا قام له دليله، وإن لم يقم له على ما [ادعى] [ (٣) ] ، دليل محتمل هجر ويدع، وكذلك ما جاء من الآيات المضافات إلى القرآن في الآثار. فقف على هذا الأصل فإنه أصل عظيم في معناه، واللَّه الموفق لا رب سواه. وصلى اللَّه على سيدنا محمد وسلم.

стр. 1515

[القراءات التي يقرأ بها القرآن] وأما القراءات التي يقرأ بها القرآن، فإن الّذي استقر عليه العمل، أنها ثلاثة أقسام: متواترة، ومشهورة، وشاذة، فالقراءات المتواترة: هي القراءات السبع وما يفرع منها، وهي التي نقلت عن الأئمة القراء السبعة. والقراءات المشهورة: هي قراءة يعقوب ويزيد القاري وابن محيصن. والقراءات الشاذة: ما نقلت بطريق الآحاد، وفيها للناس مقالات سنورد منها ما تيسر إن شاء اللَّه تعالى، وقد عني جماعة من الصحابة ﵃ بجمع القرآن وحفظه كله، حتى عرفوا به، فجمع القرآن منهم مع كثرتهم اثنا عشر رجلا، وهم: أمير المؤمنين أبو عمرو، وأبو عبد اللَّه عثمان بن عفان ﵁، ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، جمع القرآن على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وقرأ عليه المغيرة بن أبي شهاب المخزومي، ويقال: قرأ عليه ابن عامر، وليس بشيء، إنما قرأ علي المغيرة عنه. وأمير المؤمنين أبو الحسن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ﵁، جمع القرآن بعد وفاة رسول اللَّه ﷺ ، قال الشعبي: لم يجمع القرآن أحد من الخلفاء الأربعة إلا عثمان. وقال أبو بكر بن عياش عن عاصم قال: ما أقرأني أحد حرفا إلا أبو عبد الرحمن السلمي، وكان قد قرأ على عليّ ﵁، فكنت أرجع من عنده، فأعرض على زرّ وكان زرّ قد قرأ على عبد اللَّه بن مسعود ﵁، وهذا يرد على الشعبي قوله، إلا أن يريد: لم يجمع القرآن أحد من الخلفاء الأربعة إلا عثمان، أي في حياة رسول اللَّه ﷺ فإنه صحيح. وقال علي بن رباح: جمع القرآن في حياة رسول اللَّه ﷺ أربعة: علي، وعثمان، وأبي بن كعب، وعبد اللَّه بن مسعود. وقال حماد بن زيد: أخبرنا أيوب عن [ابن] سيرين قال: مات أبو بكر ﵁ ولم يختم القرآن. وقال ابن علية، عن منصور بن عبد الرحمن عن الشعبي: قبض أبو بكر وعمر وعلي، ﵃ ولم يجمعوا القرآن.

стр. 1516

وقال يحيى بن آدم: قلت لأبي بكر بن عياش: إن عليا لم يقرأ القرآن؟ قال: أبطل من قال هذا. وروي عن عاصم بن أبي عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: ما رأيت أحدا كان أقرأ من علي ﵁، وقال ابن سرين: يزعمون أن عليا كتب القرآن على تنزيله، فلو أصيب ذلك الكتاب لكان فيه علم كثير. وأبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن أبي النجار أبو المنذر الأنصاري ﵁ أقرأ الأمة، عرض على رسول اللَّه ﷺ القرآن، وأخذ عنه القراءة عبد اللَّه بن عباس، وأبو هريرة، وعبد اللَّه بن السائب، وعبد اللَّه بن عياش بن أبي ربيعة، وأبو عبد الرحمن السلميّ. وعبد اللَّه بن مسعود ﵁ جمع القرآن على عهد رسول اللَّه ﷺ وأقرأه، وكان يقول: حفظت من في رسول اللَّه ﷺ سبعين سورة، قرأ عليه علقمة، ومسروق، والأسود، وزرّ بن حبيش، وأبو عبد الرحمن السّلمي. وقال رسول اللَّه ﷺ : من أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل، فليقرأ قراءة ابن أم عبد، قال: استقرءوا القرآن من أربعة: عبد اللَّه بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب. وقال عبد اللَّه بن مسعود: ولقد [كان] أصحاب رسول اللَّه ﷺ أقرأهم لكتاب اللَّه، وقال ابن الأنباري: الشائع الذائع المتعالم عند أهل الرواية والنقل: أن عبد اللَّه بن مسعود تعلم بقية القرآن بعد وفاة رسول اللَّه ﷺ ، وقال بعض الأئمة: مات قبل أن يختم القرآن كله. قال يحيى بن آدم عن أبي بكر، عن أبي إسحاق قال: قال عبد اللَّه بن مسعود: قرأت من في رسول اللَّه ﷺ ثنتين وسبعين سورة، أو ثلاثا وسبعين سورة، وقرأت عليه من البقرة إلى: يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [ (١) ] . قال أبو إسحاق: وتعلم عبد اللَّه بقية القرآن من مجمع بن جارية الأنصاري، وقال زكريا عن أبي إسحاق عن معديكرب قال: أتيت عبد اللَّه ليعلمني: طسم [ (٢) ] المبين، فقال: لست أقرأها، وأمرني أن آتي [] [ (٣) ] .

стр. 1517

وقال زهير عن أبي إسحاق قال: سألت الأسود ما كان عبد اللَّه يصنع في سورة الأعراف فقال: ما كان يعلمها حتى قدم الكوفة. وقال أبو عثمان سعيد بن عيسى صاحب الجيش: سمعت يزيد بن هارون يقول: المعوذتان بمنزلة البقرة وآل عمران، من زعم أنهما ليستا من القرآن فهو كافر باللَّه العظيم، فقيل له: يقول عبد اللَّه بن مسعود فيهما، فقال: لا خلاف بين المسلمين في أن عبد اللَّه بن مسعود مات وهو لا يحفظ القرآن كله. وزيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري، جمع القرآن على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وجمعه في مصحف لأبي بكر ﵁، ثم تولى كتابة مصحف عثمان ﵁، الّذي بعث به عثمان نسخا إلى الأمصار، وقرأ عليه أبو هريرة، وعبد اللَّه بن عباس في قول. وقال سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك ﵁ قال: افتخر الحيان- الأوس والخزرج- فقالت الأوس: منا عسيل الملائكة حنظلة بن الراهب، ومنا من حمت له الدبر، ومنا من اهتز لموته عرش الرحمن- سعد بن معاذ-، ومنّا من أجيزت شهادته بشهادة رجلين- خزيمة بن ثابت، فقال الخزرج: منا الأربعة الذين جمعوا القرآن- لم يجمعه غيرهم- زيد، وأبو زيد، ومعاذ، وأبي، ﵃. وقال محمد بن سعد: حدثنا محمد بن عمر- يعني الواقدي- حدثني الضحاك ابن عثمان عن الزهري قال: قال ثعلبة بن أبي مالك: سمعت عثمان ﵁ يقول: من يعذرني من ابن مسعود؟ أغضب إذ لم أوّله نسخ القرآن، فهلا غضب علي أبي بكر وعمر ﵄ وهما عزلاه عن ذلك ووليا زيدا فاتبعت أمرهما؟ وقال الشعبي: غلب زيد الناس على القرآن والفرائض. وقال داود بن أبي هند عن الشعبي: لم يجمع القرآن في حياة رسول اللَّه ﷺ غير ستة، كلهم من الأنصار: زيد بن ثابت، وأبو زيد الأنصاري، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وأبو الدرداء، ونسي السادس، فرواه إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي، فسمى السادس، سعد بن عبيد، وزاد آخر، وهو مجمع بن جارية، فقال: قرأ أيضا القرآن إلا سورة أو سورتين أو ثلاثا.

стр. 1518

وقال أبو عمر البزار حفص بن سليمان بن المغيرة، عن عاصم بن أبي النجود، وعطاء بن السائب، ومحمد بن أيوب الثقفي، وابن أبي ليلى، عن عبد الرحمن السلمي أنه قال: كانت قراءة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، والمهاجرين، والأنصار ﵃ جميعا واحدة. وأبو موسى الأشعري ﵁ حفظ القرآن والعلم، قرأ عليه أبو رجاء العطاردي، وحطان الرقاش. قال مسلم بن إبراهيم: حدثنا قرة عن أبي رجاء قال: كان أبو موسى يطوف علينا في هذا المسجد- مسجد البصرة- فيقعدنا خلفا فيقرئنا القرآن، فكأني انظر إليه بين ثوبين له أبيضين، وعنه أخذت هذه السورة: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [ (١) ] ، وكانت أول سورة أنزلها اللَّه على محمد ﷺ . وأبو الدرداء ﵁ قرأ القرآن على عهد رسول اللَّه ﷺ ، يقال أن عبد اللَّه بن عامر قرأ عليه. قال سويد بن عبد العزيز: كان أبو الدرداء إذا صلّى الغداة في جامع دمشق، اجتمع الناس للقراءة عليه، فكان يجعلهم عشرة عشرة، وعلى كل عشرة عريفا، ويقف هو في المحراب يرمقهم ببصره، فإذا غلط أحدهم رجع إلى عريفهم، فإذا غلط عريفهم رجع إلى أبي الدرداء فيسأله عن ذلك، وكان ابن عامر عريفا على عشرة، فلما مات أبو الدرداء خلفه ابن عامر. وعن مسلم بن مشكم قال: قال لي أبو الدرداء: أعدد من يقرأ عندي القرآن، فعددتهم ألفا وستمائة ونيفا، وكان لكل عشرة منهم مقرئ، وكان أبو الدرداء يطوف عليهم قائما، وإذا أحكم الرجل منهم تحول إلى أبي الدرداء، فهؤلاء الذين روى الحفاظ أنهم حفظوا القرآن في حياة رسول اللَّه ﷺ وأخذ عنهم القرآن عرضا، وعليهم دارت أسانيد قراءة الأئمة العشرة. وقد جمع القرآن من أصحاب رسول اللَّه ﷺ غير من سمينا، وهم: معاذ بن جبل، وأبو زيد، وسالم مولى أبي حذيفة، وعبد اللَّه بن عمر، وعقبة بن عامر، ولكن لم يتصل بنا قراءتهم. وقال ابن الكلبي: وقيس بن سكن بن قيس بن زيد بن حزام، [يكنى] أبا زيد، وقتل يوم [جسر أبي عبيد] [ (٢) ] ، وهو أحد القراء الذين جمعوا القرآن على عهد رسول اللَّه ﷺ .

стр. 1519

وبعد هؤلاء طبقة ثانية عرضوا القرآن على بعض المذكورين، وهم: أبو هريرة، وعبد اللَّه بن عباس، وقرأ على أبي بن كعب، وقرأ عليه مجاهد، وسعيد ابن جبير، والأعرج، وعكرمة بن خالد، وسليمان بن منية شيخ عاصم الجحدري، وأبو جعفر وغيرهم. قال ابن عباس: جمعت المفصل على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وعبد اللَّه بن السائب بن أبي السائب، صيفي بن عائذ بن عمر بن مخزوم المخزومي، قارئ أهل مكة، له صحبة، قرأ على أبي بن كعب، وعرض عليه القرآن مجاهد، وعبد اللَّه بن كثير فيما قيل، والمغيرة بن شهاب المخزومي قرأ على أمير المؤمنين عثمان ﵁، وقرأ عليه عبد اللَّه بن عامر، وكان يقرئ أهل الشام في أيام معاوية، ولا يكاد يعرف إلا من قراءة ابن عامر عليه. وحطان بن عبد العزيز بن المغيرة بن ربيعة بن عمر بن مخزوم الرقاشيّ- ويقال السدوس البصري- قرأ على أبي موسى الأشعري، وقرأ عليه الحسن البصري وعلقمة ابن قيس بن عبد اللَّه النّخعيّ، أبو شبل، قرأ على ابن مسعود، قرأ عليه يحيى ابن وثاب، وعبيد بن نضلة، وأبو إسحاق، وطائفة. وأبو عبد الرحمن السلمي واسمه: عبد اللَّه بن حبيب، عرض على عثمان، وعليّ وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب. وأخد القراءة عنه عرضا: عاصم بن أبي النجود، ويحيى بن وثاب، وعطاء ابن السائب، وعبد اللَّه بن عيس بن أبي ليلى، ومحمد بن أيوب أبو عون الثقفي، وعامر الشعبي، وإسماعيل بن أبي خالد، وعرض عليه الحسن والحسين ابنا علي بن أبي طالب ﵃، وأقرأ الناس بالمسجد الأعظم بالكوفة أربعين سنة. وعبد اللَّه بن عياش بن ربيعة المخزومي أبو الحرث، قرأ على أبي بن كعب، وقرأ عليه مولاه أبو جعفر يزيد بن القعقاع، ويزيد بن رومان، وشيبة بن نصاح، ومسلم بن جندب وغيرهم، وكان أقرأ أهل المدينة في زمانه. وأبو رجاء العطاردي، واسمه: عمران بن تيم البصري، أخذ القراءة عرضا عن عبد اللَّه بن عباس، وتلقن القرآن من أبي موسى الأشعري، وقرأ عليه أبو الأشهب العطاردي.

стр. 1520

وأبو الأسود الدؤلي، واسمه: ظالم بن عمر، وقرأ على عليّ بن أبي طالب، وأبو العالية رفيع بن مهران الرباحيّ، قرأ على أبيّ بن كعب، أخذ القراءة عليه عرضا، وعرض على زيد بن ثابت، وعبد اللَّه بن عباس، ويقال قرأه على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵃ أجمعين. قرأ عليه شعيب بن الحبحاب، والربيع بن أنس، وسليمان بن مهران الأعمش، ويقال: قرأ عليه أبو عمر، فهؤلاء الذين دارت عليهم أسانيد القراءات العشرة، ممن أدرك حياة رسول اللَّه ﷺ . ثم بعد هؤلاء طبقة ثالثة من التابعين، ثم بعدهم [تابعو] التابعين، ثم من بعدهم قرنا بعد قرن، وكانت المدن التي سكنها هؤلاء القراء الذين أخذ عنهم القراءات: المدينة النبويّة، ومكة، والبصرة، ودمشق، والشام، والكوفة.

стр. 1521

[التابعون بالمدينة المنوّرة من القراء] فأما التابعون بالمدينة الذين كثرت عنايتهم بقراءة القرآن والعلم بقراءاته: فسعيد ابن المسيب [ (١) ] ، وأبان بن عثمان [ (٢) ] ، وعروة بن الزبير [ (٣) ] ، وسالم بن عبد اللَّه بن عمر [ (٤) ] ، وسليمان بن يسار [ (٥) ] ، ومحمد بن كعب القرظي [ (٦) ] .

стр. 1522

ودونهم في الرتبة: أبو جعفر يزيد بن القعقاع [ (١) ] ، وشيبة بن نصاح [ (٢) ] ، وعمر بن عبد العزيز [ (٣) ] ، ومعاذ بن الحرث القاري [ (٤) ] ، وعبد اللَّه بن عياش [ (٥) ] ،

стр. 1523

ومسلم بن جندب [ (١) ] ، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج [ (٢) ] ، ومحمد بن شهاب الزهري [ (٣) ] ، وزيد بن أسلم [ (٤) ] ، وأبو الزناد [ (٥) ] .

стр. 1524

وأخذ هؤلاء عن نافع أبو عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي مولاهم، مولى جعونة ابن شعوب الليثي، أبو رويم، على الأشهر، إمام أهل المدينة في القراءات، وأحد الأئمة قراء السبعة، قرأ على سبعين من تابعي أهل المدينة، فيهم من سمينا، وأقرأ الناس [سنة عشرين ومائة] [ (١) ] فقرأ عليه الإمام مالك بن أنس وقال: قراءة نافع سنّة، وقرأ عليه إسماعيل بن جعفر، وعيسى بن وردان الحذاء، وقالون، وورش [وإسحاق بن محمد المسيبي] وقال: تركت من قراءة أبي جعفر سبعين حرفا، وفي رواية: قرأت على هؤلاء فنظرت إلى ما اجتمع عليه اثنان منهم فأخذته، وما شذ فيه واحد تركته، حتى ألفت هذه القراءة. وتوفي سنة تسع وستين ومائة على الأشهر [قبل مالك بعشر سنين] [ (١) ] ، وعلى قراءته تعول أهل المدينة [ (٢) ] .

стр. 1525

[التابعون بمكة المشرّفة من القراء] أما التابعون بمكة الذين اعتنوا بعلم القراءات حتى فاقوا أقرانهم، فعطاء بن أبي رباح [ (١) ] ، ومجاهد بن جبير [ (٢) ] ، وسعيد بن جبير [ (٣) ] ، وعكرمة [ (٤) ] ، ...

стр. 1526

وعبيد بن عمير [ (١) ] ، وعبد الرحمن بن [أبزي] [ (٢) ] ، وعبد اللَّه بن أبي مليكة [ (٣) ] . وأخذ عن هؤلاء القراءات بمكة: عبد اللَّه بن كثير [ (٤) ] ، وحميد بن قيس [ (٥) ]

стр. 1527

ومحمد بن عبد الرحمن بن محيصن [ (١) ] ، وشبل بن عباد [ (٢) ] ، وأخذ عن هؤلاء إسماعيل ابن عبد اللَّه بن قسطنطين، وعليه قرأ الإمام الشافعيّ-[رحمة] اللَّه عليه- القرآن، فصار مرجع [قراءة] أهل مكة إلى عبد اللَّه بن كثير بن المطلب، إلى معبد مولى عمرو بن علقمة الكناني، الداريّ المكيّ، إمام أهل مكة في القراءات، وأحد الأئمة السبعة، قرأ عليه عبد اللَّه بن السائب المخزومي، وعلي مجاهد ودرباس، مولى عبد اللَّه بن عباس، وتصدر للإفتاء، وصار إمام أهل مكة في ضبط القرآن، قرأ عليه أبو عمرو بن العلاء، وشبل بن عباد، ومعروف بن مشكان، وإسماعيل ابن قسطنطين، وطائفة. وتوفي سنة عشرين ومائة، وقيل: سنة اثنتين وعشرين.

стр. 1528

[التابعون بالبصرة من القراء] وأما التابعون بالبصرة الذين اعتنوا بالقراءات، واجتهدوا في تعلم الأحرف، فهم: أبو رجاء العطاردي [ (١) ] ، والحسن بن أبي الحسن [ (٢) ] ، وأبو العالية [ (٣) ] ، وغيرهم.

стр. 1529

وأخذ عنهم جماعة مثل: قتادة [ (١) ] ، وجابر بن زيد [ (٢) ] ، [وهو] أبو الشعثاء [ (٣) ] في آخرين. وأخذ عن هذه الطبقة: أبو عمرو بن العلاء [ (٤) ] ، وأيوب السّختياني [ (٥) ] ،

стр. 1530

وعمرو بن عبيد [ (١) ] ، ورجع أهل البصرة إلى حاتم سهل بن محمد السجستاني [ (٢) ] ، غير أن الاعتماد في القراءة على أبي عمرو بن العلاء المازني المقرئ النحويّ البصري، واسمه على الأصح: زبان بن العلاء بن عمار، وأخذ القراءة عن أهل الحجاز وأهل البصرة، فعرض بمكة على مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة بن خالد وابن كثير، وقيل: أنه قرأ على أبي العالية ولم يصح، وقيل: أنه عرض بالمدينة على أبي جعفر يزيد بن القعقاع، وعلى يزيد بن رومان، وشيبة بن نصاح، وعرض بالبصرة على يحيى بن يعمر، ونصر ابن عاصم، والحسن البصري وغيرهم. قرأ عليه خلق كثير منهم: يحيى بن المبارك اليزيدي، وعبد الوارث بن سعيد السوري، وعبد اللَّه بن المبارك، وجماعات. وإليه انتهت الإمامة في القراءة بالبصرة، وكان قد عرف القراءات، فقرأ من كل قراءة مما استحسنه وتختار العرب، وما بلغة من لغة رسول اللَّه ﷺ وجاء تصديقه في كتاب اللَّه تعالى. قال يونس: لو كان ينبغي لأحد أن يؤخذ قوله كله، لكان ينبغي أن يؤخذ قول أبي عمرو، ولكن ليس من أحد إلا وأنت تأخذ من قوله وتترك. وأخافه الحجاج، فاستتر لأن عمه كان عاملا له فهرب، فطلب الحجاج أبا عمرو فاختفى وقال: ما رأيت أعلم مني. مات سنة أربع وخمسين ومائة.

стр. 1531

[التابعون بالشام من القراء] وأما التابعون بالشام الذين عنوا بالقراءات ومعرفة اللغات، فمنهم: المغيرة بن أبي شهاب [ (١) ] ، ويعلي بن شداد بن أوس [ (٢) ] ، وميمون بن مهران [ (٣) ] ، وشهر بن حوشب [ (٤) ] ، وأخذ عنهم القراءات عبد اللَّه بن عامر بن يزيد بن تميم بن ربيعة، أبي عمران على الأصح، أدرك [صحبة] رسول اللَّه ﷺ وقرأ على معاذ بن جبل، وأبي الدرداء، ومعاوية بن أبي سفيان، ووائلة بن الأصبغ، وقرأ على المغيرة بن أبي شهاب

стр. 1532

صاحب أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، وقيل: عرض على عثمان، وقرأ على فضالة بن عبيد، وروى عنه القراءة عرضا يحيى بن الحرث الذّماريّ. مات سنة ثمان وعشر ومائة [ (١) ] .

стр. 1533

[التابعون بالكوفة من القراء] وأما التابعون بالكوفة، الذين اجتهدوا في علم القراءات، فجماعة منهم: علقمة بن قيس [ (١) ] ، والربيع بن خثيم [ (٢) ] ، ومسروق بن الأجدع [ (٣) ] ، والأسود بن يزيد [ (٤) ] ، ...

стр. 1534

وأبو وائل شقيق بن سلمة [ (١) ] ، وعامر بن شراحبيل الشعبي [ (٢) ] ، وأبو عبد الرحمن السّلمي [ (٣) ] ،

стр. 1535

وزر بن حبيش [ (١) ] ، وأخذ عنهم طبقة دونهم: كإبراهيم النخعي [ (٢) ] ، وسماك بن حرب [ (٣) ] ،

стр. 1536

وطلحة بن مصرف [ (١) ] ، وأبي إسحاق السبيعي [ (٢) ] في آخرين. وعنهم أخذ عاصم بن أبي النجود [ (٣) ] ، ويحيى بن وثاب [ (٤) ] ، وأبان بن تغلب [ (٥) ]

стр. 1537

ومنصور بن المعتمر [ (١) ] ، وسليمان بن مهران الأعمش [ (٢) ] ، وعنهم أخذ القراءات بالكوفة: حمزة، والكسائي، فصار مرجع علم القراءات بالكوفة إلى ثلاثة منهم هم: عاصم، وحمزة، والكسائي. فأما عاصم بن أبي النجود [ (٣) ]- واسمه بهدلة على الصحيح- فإنه أسديّ بالولاء، مولى بني جذيمة بن مالك بن نضر بن معين بن أسد، [يكنى] أبا بكر، قرأ على أبي عبد الرحمن السلمي، وزر بن حبيش، وتصدر للإقراء، فقرأ عليه خلق كثير، منهم الأعمش، والمفضل بن محمد الضبي، وحماد بن شعيب، وأبو بكر بن عياش، وحفص بن سليمان، ونعيم بن ميسرة، وانتهت إليه الإمامة في القراءة بالكوفة، بعد شيخه أبي عبد الرحمن السلمي، وذلك لما مات أبو عبد

стр. 1538

الرحمن، جلس عاصم يقرئ الناس، قال أبو عمرو حفص بن سليمان الدوري: قال لي عاصم: ما كان من القراءة التي أقرأتك بها، فهي القراءة التي [أقرئت] [ (١) ] بها على أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب ﵁، وما كان من القراءة التي أقرأت بها أبا بكر بن عياش، فهي القراءة التي كنت أعرضها على زر بن حبيش، عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁. وقال أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق قال: قال شهر بن عطية: في مسجدنا رجلان، أحدهما أقرأ الناس بقراءة عبد اللَّه بن مسعود، والآخر أقرأ الناس بقراءة زيد بن ثابت، فالذي أقرأ الناس بقراءة ابن مسعود: الأعمش، والّذي هو أقرأ الناس بقراءة زيد: هو عاصم بن أبي النجود. وقال أبو عمر البزار حفص بن سليمان، عن عاصم بن أبي النجود، وعطاء ابن السائب، وشهر بن أيوب الثقفي، وابن أبي ليلى، عن أبي عبد الرحمن السلميّ: أنه قرأ عامة القرآن على عثمان بن عفان، وكان عثمان والي أمر الأمة، فقال: إنك تشغلني عن النظر في أمور الناس، فامض إلى زيد بن ثابت فإنه فارغ لهذا الأمر، يجلس فيه للناس فاقرأ عليه، فإن قراءتي وقراءته واحدة، ليس بيني وبينه فيها خلاف، فمضيت إلى زيد فقرأت عليه. وكنت ألقى عليّ بن أبي طالب فأسأله فيخبرني ويقول لي: عليك بزيد بن ثابت، فأقمت على زيد ثلاث عشرة سنة أقرأ عليه فيها القرآن. قال أبو عمر البزار: وكان عطاء بن السائب، ومحمد بن أيوب الثقفي، وابن أبي ليلى يذكرون لعاصم في القراءة، ويعترفون بتقدمه عليهم، وإذا غيّر شيئا قبلوه وأخذوه عنه. توفي عاصم آخر سنة سبع، وقيل أول سنة ثمان وعشرين ومائة. وأما حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل، أبو عمارة الكوفي الزيات [ (٢) ] ، مولى آل عكرمة بن زنجي التميمي، كوفي، فإنه قرأ القرآن عرضا على الأعمش، وحمران ابن أعين، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ومنصور، وأبي إسحاق وغيرهم.

стр. 1539

وقرأ أيضا على طلحة بن مطرف، وجعفر بن محمد الصادق، وتصدّر للإقراء مدة، وقرأ عليه عدد كثير منهم: الكسائي، وسليم بن عيسى، وهما أجل الصحابة، وقرأ عليه عبد الرحمن بن أبي حماد، وعائذ بن أبي عائذ، والحسن بن عطية في آخرين. وكان إماما حجة قيما بكتاب اللَّه، له عدة فضائل، وصار [أعظم] [ (١) ] أهل الكوفة إلى قراءته. وقال: ما قرأت حرفا إلا بأثر، وقال عبد اللَّه بن موسى: قرأ حمزة على الأعمش، وقرأ الأعمش على يحيى بن وثاب، وقرأ يحيى بن وثاب على علقمة بن قيس، وقرأ علقمة على عبد اللَّه بن مسعود، وقرأ عبد اللَّه بن مسعود على رسول اللَّه ﷺ . وقال خلف بن هشام عن سليم: قرأ حمزة على الأعمش وابن أبي ليلى، فما كان من قراءة الأعمش فهي عن ابن مسعود، وما كان عن ابن أبي ليلى فهي عن علي بن أبي طالب. وقال هارون بن حاتم: حدثنا الكسائي قال: قلت لحمزة: على من قرأت؟ قال: على ابن أبي ليلى وحمران بن أعين، قلت: فحمران على من قرأ؟ قال: [قرأ على] [ (١) ] عبيد بن نضلة، وقرأ عبيد على علقمة عن ابن مسعود، وقرأ ابن أبي ليلى على المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب. وقال عبد اللَّه بن موسى والحسن بن عطية وغيرهما: قرأنا على حمزة، وقرأ حمزة على حمران بن أعين، وعلي بن أبي ليلى، والأعمش، وأبي إسحاق، فأما حمران فقرأ على يحيى بن وثاب، وأما الأعمش فقرأ على زر وزيد بن وهب، والمنهال ابن عمرو، وقرأ زر على عبد اللَّه بن مسعود. وقال الأعمش: قرأ يحيى بن وثاب على علقمة، والأسود وعبيد بن فضيلة، ومسروق وعبيدة، وكان الأعمش يقول: يحيى أقرأ الناس، قالوا: قرأ الأعمش على إبراهيم النخعي، فأما أبو إسحاق، فقرأ على أصحاب علي وابن مسعود، وأما ابن أبي ليلى فقرأ على الشعبي، وجاءت أخبار تؤذن بقراءته على الأعمش أيضا، ثم جاءت أخبار بخلاف ذلك، قال محمد بن يحيى الأزدي: قلت لداود: قرأ حمزة على الأعمش؟ قال: من أين قرأ عليه؟ إنما سأله عن حروف.

стр. 1540

وقال أحمد بن جبير: حدثنا حجاج بن محمد، قلت لحمزة، قرأت على الأعمش؟ قال: لا، ولكني سألته عن هذه الحروف حرفا حرفا. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثني عدة من أهل العلم، عن حمزة أنه قرأ على حمران، وكانت هذه الحروف التي يرويها حمزة عن الأعمش، إنما أخذها [من] [ (١) ] الأعمش أخذا، ولم يبلغنا أنه قرأ عليه القرآن من أول النهار إلى آخره. وقال يوسف بن موسى: قلت لجرير بن عبد الحميد: كيف أخذتم هذه الحروف عن الأعمش؟ قال: كان إذا جاء شهر رمضان، جاء أبو حيان التميمي، وحمزة الزيات، مع كل واحد منهما مصحف، فيمسكان على الأعمش، ويقرأ فيسمعون قراءته، فأخذنا الحروف من قراءته. توفي حمزة آخر سنة ست وخمسين ومائة على الصحيح، فرأى أعرابي كثرة الناس على جنازته فقال: ما رأيت أرفع لخسيس من عمل صالح. وأما علي بن حمزة بن عبد اللَّه بن مهران بن فيروز الكسائي [ (٢) ] ، أبو الحسن الأسدي مولاهم، أحد الأعلام، فإنه قرأ القرآن وجوّده على حمزة الزيات، وعيسى ابن عمر الهمذاني، وقرأ على محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، واختار لنفسه قراءة، ورحل إلى البصرة، وأخذ العربية عن الخليل بن أحمد، وأخذ الحروف أيضا عن أبي بكر بن عياش وغيره، وقرأ عليه أبو عمرو الدوري، وأبو الحرث الليثي، ونصير ابن يوسف الرازيّ، وقتيبة بن مهران الأصبهاني، وأبو عبيدة القاسم بن سلام، وخلائق، وانتهت إليه الإمامة في القراءة والعربية، وكان يتخير القراءات، وأخذ من قراءة حمزة وترك. ومات في سنة تسع وثمانين ومائة. فهؤلاء الأئمة القراء السبعة [ (٣) ] ، هم الذين اشتهرت بالآفاق قراءتهم، واعتمد

стр. 1541

عليها الناس في صلاتهم وتلاوتهم، وردّوا ما عداها من القرآن، وكفّروا من زاد فيها حرفا أو أسقط منها حرفا متعمدا لذلك، لأنها تواترت عن رسول اللَّه ﷺ ، وعلم كل أحد أنها صحت عن رسول اللَّه ﷺ .

стр. 1542

قال حسين بن علي الجعفي: حدثنا ابن عيينة عن علي بن زيد، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: قراءتنا التي جمع عثمان ﵁ الناس عليها، هي على العرضة الآخرة. وقال إسماعيل بن عياش، عن شعيب بن دينار، وعن محمد ابن المنكدر قال: القراءة سنة يأخذها الآخر عن الأول. وقال أبو الزناد عن خارجة ابن زيد بن ثابت، عن زيد بن ثابت قال: القراءة سنّة من السنن فاقرءوا القرآن كما أقرأتموه: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ [ (١) ] فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ [ (٢) ] . وقال ابن وهب عن ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن عروة بن الزبير، قال: القراءة سنة يأخذها آخر عن أول. وقال سفيان عن حصين، قال: سمعت أبا عبد اللَّه السلمي يقول: كنت أقرئ الحسن والحسين فمر بي أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب ﵁ وأنا أقرئهما: وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ [ (٣) ] ، فقال لي: يا عبد اللَّه بن حبيب، قلت: لبيك، قال: أقرئهما: وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ [ (٣) ] بفتح التاء، واللَّه الموفق للصواب.

стр. 1543

[القراءات المشهورة] وأما القراءات المشهورة، فإنّها أربع قراءات غير هذه القراءات السبعة، منسوبة لثلاثة من الأئمة وهم: أبو جعفر، وابن محيصن، ويعقوب، وخلف. وقد اختلف في قراءة أبي جعفر وابن محيصن ويعقوب وخلف وشبههم، هل هي من الشواذ أم من المتواتر أم قسم ثالث؟ فذهب أبو عمر بن أبي بكر بن يونس بن الحاجب، والشيخ محيي الدين أبو زكريا يحيي بن شرف بن مري النووي، وأبو عمرو عثمان ابن عبد الرحمن بن عثمان بن الصلاح، وغيرهم إلى تحريم القراءة بالشواذ، وهي عندهم ما عدا القراءات السبع. وهذه مسألة تكلم فيها أهل الكلام والفقهاء، فتكلم أهل الكلام فيها من جهة كونها قرآنا، وأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وتكلم فيها الفقهاء من جهة أنه إن كان قرآنا صحت به الصلاة وتعليق الإيمان وغير ذلك، وإلا فلا. ولقائل أن يقول: لا ريب أن أبا جعفر يزيد بن القعقاع أحد العشرة، وشيخ نافع، كان من سادات التابعين، وأخذ قراءته عن ابن عباس وأبي هريرة، وصلّى بعبد اللَّه بن عمر ﵁، ولم يكن من هو بهذه المثابة ليقرأ كتاب اللَّه تعالى بشيء محرم قراءته، وكيف وقد تلقن القرآن بمدينة الرسول ﷺ غضا رطبا، قبل أن تطول الأسانيد، ويدخل فيها النقلة غير الضابطين، هذا، وهم عرب آمنون من اللحن. ولم تزل قراءة الأئمة متداولة في أمصار الإسلام، حتى اختار أبو بكر بن مجاهد هؤلاء السبعة وسمّاهم، فغلب الكسل، وقصرت الهمم على بعض الناس، وأراد اللَّه تعالى نقص العلم، فاقتصروا على السبعة، ثم اقتصروا من السبعة في هذه البلاد على السبعة المعينة، ثم اقتصروا من السبعة المعينة على الطريقة المشهورة اليوم التي ذكرناها. وقد كان شيخ شيوخنا العلامة [جمال] [ (١) ] الدين أبو حيان ﵀ يقول: دخلت هذا البلد- يعني مصر- وغالب من فيها يظن أن السبعة ما في الشاطبية [ (٢) ] فقط، حتى أخبرته بما صنف الناس في السبعة، وأن في كتبهم أشياء تخالف ما في الشاطبية فرجع عن ذلك.

стр. 1544

وأما ابن محيصن فلم تشتهر الرواة عنه اشتهارهم عن يعقوب، لأن يعقوب اشتهر عنه تسعة رجال، رويس، وروح، والوليد بن حسان، وأبو الوليد بن حسان، وأبو أيوب الذهبي، ومحمد بن عبد الخالق، وأبو حاتم السجستاني، وفضل بن أحمد، وأبو المهلب عامر بن عبد [الأعلى] [ (١) ] الدلالة. وأبو علي يزيد بن أحمد ابن إسحاق الحضرميّ هو ابن أخي يعقوب. وهكذا اشتهر عن كل واحد من هؤلاء الرواة عن يعقوب جماعة، فقراءته أقرب للسبعة. وأما قتيبة بن مهران الأذاذاني الأصبهاني- صاحب الإمالة- فإن له إمالات عجيبة، من أجلها عرف بالممال، فإنه انتهت إليه رئاسة الإقراء بأصبهان، وكان رفيق الدوري، وأبي الحرث، وقرأ على الكسائي، ونقل عنه، وربما قال: حدثنا فلان عنه، فحكمه حكم محيصن وأضرابه، وإنما جرى في هؤلاء السبعة نوع مما جرى في الفقهاء الأربعة أرباب المذاهب، فقد غلب على أكثر الناس اعتقاد أن لا مذهب إلا لهؤلاء الأربعة فقط، وقياس قول هؤلاء أن يكون ما قرأه على بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن مسعود، ومن بعدهم مثل الحسن البصري، والأعمش، وغيرهم، ممن يطول تعداده، ليس بقرآن، والشأن إنما هو فيما صح الاستناد به، وتواتر سليما من معرة اللحن والخطأ والتصحيف ونحو ذلك. وليس لنا فتح باب نطعن به على سادات السلف من الصحابة والتابعين، وإن كنا نقول: أنه يحرم القراءة بالشواذ التي هي ليست من متن القرآن، ولا تواترت تواتره، وإنما يوجد في كتب القراءات والتفاسير أن فلانا قرأ بها بتلك الأسانيد المفصلة، التي لا نظم لها ولا أزمّة [ (٢) ] ، وهذه بواطيل وتحرم القراءة بها، وليست من قبيل ما كنا فيه، أولا، كما سيأتي ذكره إن شاء اللَّه تعالى. والبلية كلها غلبة الجهل، وتقليد الآباء والمشيخة، والاكتفاء بما حضر وعرف عند أهل البلد فقط، ولذلك ظن غالب الناس أن لا سبعة إلا هذه التي في الشاطبية ونحوها، كما هو ظن الغالب أن الفقهاء الأربعة ما عدا مذهبهم باطل، ويلزم القول بذلك: إبطال ديانة سفيان [الثوري] ، والأوزاعي، وعبد اللَّه بن المبارك،

стр. 1545

وإسحاق بن راهويه، ومن كان بالشام والأندلس على مذهب الأوزاعي، حتى اشتهر مذهب مالك وغيره، وإبطال ديانة من كان ببلاد المشرق على مذهب سفيان وغيره من الأئمة، ومن كان على مذهب أهل الحديث الذين لا يتعدونه، كأتباع داود ابن علي، ومن خالف أتباع داود في بعض المسائل، وبناء مذهبهم على وجوب الاجتهاد على من تأهّل لوجه استخراج الحكم الشرعي من كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ ، وأوتي أهلية النظر في الأسانيد، بمراجعته لكتب النقل وتواريخ الرواة، والنظر في التعديل والتجريح، وإن كلا عليه الاجتهاد بحسب ما بلغ من ذلك. وأما الذين حرموا القراءة بما بالسبعة التي في المختصرات، فإنّهم كانوا في قرن السبع مائة، وما زال المسلمون يقرءون بما عدا ذلك شرقا وغربا، ينقلها خلف الأمة عن سلفها، إلى أن ضاعت من المتأخرين، وصنفت في ذلك كتب، وعللت في كتب، علم ذلك من له اطلاع على هذا الفن علم اليقين، وقد كان المسلمون يصلون خلف أصحاب هذه القراءات كالحسن البصري، ويعقوب، وطلحة بن مصرف، وابن محيصن، والأعمش، وأضرابهم، فلم ينكر ذلك أحد من فقهاء الأمصار وأئمة الإسلام من أهل الفتوى، حتى كان زمن أحمد بن محمد بن شنبوذ، فإنه في منقولاته أشياء تخالف رسم مصحف أمير المؤمنين عثمان ﵁ مخالفة كثيرة، وكان بينه وبين أبي بكر أحمد بن موسى بن مجاهد شيخنا [عداوة] [ (١) ] يعرفها جهابذة أهل النقل، وكانت لابن مجاهد رئاسة وتمكن في الدولة العباسية ببغداد، وله مع ذلك شهرة عند الكافة، [فألّب] [ (٢) ] على ابن شنبوذ فيمن ألب عليه، حتى جرى من ضربه وهو حاضر مجلس الوزير أبي علي بن مقلة ما جرى، وذلك بضع وعشرين وثلاثمائة، كما ذكرت في كتاب التاريخ الكبير: (المقفى) [ (٣) ] وابن مجاهد، هذا الّذي قصر الناس على السبعة وصنف فيها، وإليه كانت رحلة الناس في القراءات فاشتهرت السبعة بالتمييز عن غيرها من عهده، إلى أن صارت عند الناس هي القرآن.
следующие страницы →