وأعز عليه، فطلقها وأوجب لها المهر، وحرمت على الأزواج [ (١) ] .
[أسماء بنت عمرو]
وأسماء بنت عمرو بن النعمان بن الحارث بن شراحبيل، كذا قال هشام ابن محمد الكلبي في كتاب (الجامع) ، وعند ابن عبد البر أنها أسماء بنت النعمان بن الأسود بن الحارث بن شراحبيل بن النعمان [بن كندة] ، ولم يصححه، بل ذكره بصيغة التمريض، وهي من كندة، ثم من معاوية وهو الجون بن آكل المرار، تزوج بها رسول اللَّه ﷺ ، وكانت من أجمل النساء، ومهرها اثنتي عشرة أوقية ونشا،
فقال لها بعض نسائه: أنت بنت ملك، وإن استعذت باللَّه منه حظيت عنده.
فلما دخلت عليه دنا منها فقالت: أعوذ باللَّه منك، فقال: عذت بمعاذ عذت، وقال: ارجعي إلى أهلك،
فقيل: يا رسول اللَّه، إنها خدعت وهي حدثه، فلم يراجعها، فتزوجها المهاجر بن أمية المخزومي، ثم قيس بن هبيرة المرادي، فأراد عمر رضى اللَّه عنه معاقبتهما فقيل له: إن رسول اللَّه ﷺ لم يدخل بها، ولم يضرب عليها الحجاب، ولم تسمّ في أمهات المؤمنين، فأمسك [ (٢) ] .
[قتيلة بنت قيس]
قال الكلبي: وقال الشوقى بن القطامي: دعاها رسول اللَّه ﷺ فقالت:
بل ائتني أنت، فطلقها، وذكره الحاكم عن قتادة،
وقال الكلبي: لما فعل رسول اللَّه ﷺ بهذه الكندية ما فعل، كان الأشعث بن قيس الكندي حاضرا، فقال: يا رسول اللَّه، ألا أزوجك قتيلة بنت قيس أختى؟ قال:
стр. 2137
نعم، فتوفى رسول اللَّه ﷺ قبل أن يخرج من اليمن،
فتزوجها عكرمة بن أبى جهل [ (١) ] وذكر الحاكم عن أبى عبيدة معمر بن المثنى أنه ﵇ تزوجها حين قدم عليه وفد كندة، وتوفى ولم يقدم عليه. وزعم بعضهم أنه تزوجها قبل وفاته بشهر، وزعم آخرون أنه تزوجها في مرضه، وزعم آخرون أنه أوصى أن تخير فاختارت النكاح، فتزوجها عكرمة بن أبى جهل، وزعم بعضهم أنها ارتدت [ (٢) ] .
[الجونيّة]
وقال الواقدي: قدم النعمان الكندي وكان منزله، بنجد فأسلم، وقال:
يا رسول اللَّه! ألا أزوجك أجمل أيم في العرب؟ فتزوجها على اثنتي عشرة أوقية ونشّ- وذلك خمسمائة درهم- ووجه أبا أسيد الساعدي فقدم بها، وأنزلها في أطعم بنى ساعدة، وكانت جميلة فائقة الجمال.
فاندسّت إليها امرأة من نساء النبي ﷺ فقالت: أنت كنت تريدين الحظوة عنده فاستعيذى منه، فإن ذلك يعجبه، فلما جاءها أقعى، ثم أهوى إليها ليقبلها- وكذلك كان يصنع- فقالت: أعوذ باللَّه منك،
стр. 2138
فانحرف عنها وقال: عذت بمعاذ، وخرج فأمر بردها.
فردها أبو أسيد إلى قومها فقالوا: إنك لغير مباركة، جعلتينا في العرب شهرة، فأقامت في بيتها لا يطمع في بيتها طامع، ولا يراها إلا ذو محرم حتى توفيت في خلافة عثمان عند أهلها بنجد، قال: وكان تزويجه هذه الجونية في ربيع الأول سنة تسع، ويقال: إن عائشة وحفصة رضى اللَّه عنهما توليا مشطها وإصلاح أمرها، فأمراها أن تستعيذ منه إذا دنا منها [ (١) ] .
وعن الزهري: لم يتزوج رسول اللَّه ﷺ كندية إلا أخت الجون، ثم فارقها، وعن عروة بن الزبير: أنه ما تزوج أخت الأشعث قط، ولا تزوج كندية إلا أخت بنى الجون. وقال محمد بن حبيب: الجونية امرأة من كندة، وليست بأسماء ابنة النعمان، كان أبو أسيد قدم بها عليه، [فتولت] عائشة وحفصة مشطها وإصلاح أمرها، فقالت إحداهما لها:
إن رسول اللَّه يعجبه من المرأة إذا دخلت عليه أن تقول: أعوذ باللَّه منك، فلما دخل عليها وأرخى الستر، ثم مد يده، قالت: أعوذ باللَّه منك، فوضع كمه على وجهه وقال: عذت بمعاذ ثلاث مرات، ثم خرج فأمر أبا أسيد أن يلحقها بأهلها، ويمتعها برازقتين ثياب كتان، فذكروا أنها ماتت كمدا [ (٢) ] .
[مليكة بنت كعب]
ومليكة بنت كعب الليثي من كنانة، تزوجها في رمضان سنة ثمان، فقالت لها عائشة رضى اللَّه عنها: أما تستحين أن تنكحى قاتل
стр. 2139
أبيك [ (١) ] ؟ فقالت: كيف أصنع؟ قالت: استعيذى باللَّه منه، فاستعاذت فطلقها، وقتل أبوها [ (١) ] يوم فتح مكة، وقيل: هذه الكندية هي عمرة، وقيل: دخل بمليكة الكنانية فماتت عنده، وأنكر الزهري وغيره أن يكون رسول اللَّه ﷺ تزوج كنانية قط [ (٢) ] .
[أم هانئ]
وذكر ابن الكلبي: وخطب رسول اللَّه ﷺ أم هانئ بنت أبى طالب فقالت: ولقد كنت أحبك في الجاهلية، فكيف في الإسلام؟ ولكنى امرأة ذات أولاد صغار وأنا أخاف أن يؤذوك، فأمسك عنها وقال: خير نساء ركبن المطايا نساء قريش: أحناهن على ولد في صغر، وأرعاهن على زوج في ذات يد [ (٣) ] .
стр. 2140
_________
[ () ]
وفي رواية: أن النبي ﷺ خطب أم هاني بنت أبى طالب، فقالت: يا رسول اللَّه! إني قد كبرت ولى عيال، فقال رسول اللَّه ﷺ : خير نساء ركبن الإبل، وفي رواية: خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش.. (جامع الأصول) : ٩/ ٢١٠- ٢١١.
قول أبى هريرة: ولم تركب مريم بنت عمران بعيرا قط، فكأنه أراد إخراج مريم من هذا التفضيل، لأنها لم تركب بعيرا قط، فلا يكون فيه تفضيل نساء قريش عليها، ولا يشك لمريم فضلا، وأنها أفضل من جميع نساء قريش، إن ثبت أنها نبية، أو من أكثرهن إن لم تكن نبية.
ويحتمل أن لا يحتاج في إخراج مريم من هذا التفضيل إلى الاستنباط من قوله: ركبن الإبل، لأن تفضيل الجملة لا يستلزم ثبوت كل فرد منها، لأن قوله: ركبن الإبل، إشارة إلى العرب لأنهم الذين يكثر منهم ركوب الإبل، وقد عرف أن العرب خير من غيرهم مطلقا في الجملة فيستفاد منه تفضيلهن مطلقا على نساء غيرهن مطلقا.
ويمكن أن يقال أيضا: إن الظاهر أن الحديث سيق في معرض الترغيب في نكاح القرشيات، فليس فيه التعرض لمريم ولا لغيرها ممن انقضى زمنهن.
قوله: صالح نساء قريش، كذا للأكثر بالإفراد، وفي رواية، غير الكشمهيني: صلح، بضم أوله وتشديد اللام بصيغة الجمع، فالمحكوم له بالخيرية الصالحات من نساء قريش، لا على العموم، والمراد بالصلاح هنا صلاح الدين، وحسن المخالطة مع الزوج ونحو ذلك.
قوله: أحناه، بسكون المهملة بعدها نون: أكثره شفقة، والحانية على ولدها هي التي تقوم عليهم في حال يتمهم، فلا تتزوج، فإن تزوجت فليست بحانية. قاله الهروي. وجاء الضمير مذكرا، وكان القياس أحناهن، وكأنه ذكر باعتبار اللفظ والجنس أو الشخص أو الإنسان. وجاء نحو ذلك في حديث أنس: كان النبي ﷺ أحسن الناس وجها وأحسنه خلقا، بالإفراد في الثاني.
وحديث ابن عباس في قول أبى سفيان: عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة، بالإفراد في الثاني أيضا. قال أبو حاتم السجستاني: لا يكادون يتكلمون به إلا مفردا.
قوله: على ولده، في رواية الكشمهيني: على ولد، بلا ضمير وهو أوجه، ووقع في رواية لمسلم: على يتيم، وفي أخرى: على طفل، والتقييد باليتيم والصغر يحتمل أن يكون معتبرا من ذكر بعض أفراد العموم، لأن صفة الحنو على الولد ثابتة لها لكن ذكرت الحالتان لكونهما أظهر في ذلك.
قوله: وأرعاه على زوج، أي أحفظ وأصون لما لها بالأمانة فيه والصيانة له، وترك التبذير في الإنفاق.
قوله: في ذات يده، أي في ماله المضاف إليه، ومنه قولهم: فلان قليل ذات اليد أي قليل المال، وفي الحديث الحث على نكاح الأشراف خصوصا القرشيات، ومقتضاه أنه كلما كان نسبها أعلى تأكد الاستحباب.
стр. 2141
وخرج الحاكم من حديث عبيد اللَّه بن موسى، حدثنا إسرائيل عن السدي، عن أبى صالح عن أم هاني قالت: خطبنى النبي ﵇ فاعتذرت إليه فعذرني، وأنزل اللَّه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ [ (١) ] إلى قوله: اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ [ (١) ] قالت: فلم أكن [زوجا له] [ (٢) ] ولم أهاجر معه، وكنت من الطلقاء. [قال: [ (٢) ]] هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه [ (٣) ] .
[صفية بنت بشامة]
وصفية بنت بشامة الغيري، أخت الأعور بن بشامة، أخذت سبيّة فعرض عليها أن يتزوجها أو ترد إلى أهلها فاختارت أن ترد فردت [ (٤) ] .
стр. 2142
[ليلى بنت الخطيم]
وليلى بنت الخطيم بن عدي بن عمرو بن سواد بن ظفر بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس بن حارثة، أتته وهو غافل عنها [فضربت] [ (١) ] على منكبه فقال من هذا أكلة [الأسد] [ (٢) ] ، فقالت: ابنة الخطيم، وبنت مطعم الطير، ومسارى الريح، وقد جئتك أعرض عليك نفسي، فقال: قد قبلتك.
فأتت نساءها فقلن: بئس ما صنعت، أنت امرأة غيور، ورسول اللَّه كثير الضرائر، ونخاف أن تغارى، فيدعو عليك فتهلكى فاستقيليه، فأتت فاستقالته فأقالها، فدخلت بعض حيطان المدينة [تغتسل، إذ وثب عليها ذئب فأكل بعضها، فأدركت فماتت] [ (٣) ] .
стр. 2143
[خولة بنت الهذيل]
[و] [ (١) ] خولة بنت الهذيل بن هبيرة، خطبها فهلكت قبل دخولها عليه [ (٢) ] .
[شراف بنت قطام]
وشراف بنت قطام أخت دحية الكلبي، هلكت قبل دخولها عليه [ (٣) ] .
стр. 2144
[ضباعة بنت عامر]
وضباعة بنت عامر بن قرط بن سلمة بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، مات عنها هشام بن المغيرة، وكانت جميلة، فخطبها رسول اللَّه ﷺ ، ثم بلغه عنها كبرة وتغيّرا فأمسك عنها، وضباعة هذه هي التي طافت حول الكعبة عريانة، ولم تجد ثوب حرمىّ تستعيره ولا تكتريه، فقالت:
اليوم يبدو بعضه أو كلّه ... فما بدا منه فلا أحلّه [ (١) ] .
стр. 2145
[الكلبية]
وذكر الواقدي أن رسول اللَّه ﷺ خطب امرأة من كلب، فبعث عائشة رضى اللَّه عنها لتنظر إليها، فذهبت ثم رجعت، فقال لها: ما رأيت؟
стр. 2146
قالت: لم أر طائلا، فقال: لقد رأيت خالا بخدّها اقشعرت له كل شعرة منك؟ فقالت: يا رسول اللَّه! ما دونك ستر. وعن مجاهد: كان رسول اللَّه ﷺ إذا خطب فردّ لم يعد، فخطب امرأة فقالت: أستأمر أبى، فاستأمرته فأذن لها، ثم أتت رسول اللَّه ﷺ فقال لها: قد التحفنا لحافا غيرك [ (١) ] .
[أمامة بنت الحارث]
وخطب أمامة بنت الحارث بن عوف بن أبى حارثة بن مرة بن نشبة بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان، وكان أبوها أعرابيا جافيا سيد قومه فقال: إن بها بياضا- وكانت العرب تكنى بذلك عن البرص- فقال ﷺ : ليكن كذلك، فبرصت من وقتها،
فتزوجها يزيد بن حمزة بن عوف بن أبى حارثة، فولدت له الشاعر شبيب بن يزيد المعروف بابن البرصاء [ (٢) ] .
[جمرة بنت الحارث]
وخطب جمرة بنت الحارث بن عوف، فقال أبوها: إن بها برصا، وهو كاذب- فبرصت، وهي أم شبيب بن البرصاء الشاعر، قال أبو عبيدة معمر ابن المثنى: وذكر المدائني أن أم شبيب بن البرصاء اسمها القرصافة بنت الحارث بن عوف بن أبى حارثة [ (٣) ] .
стр. 2147
وقال الكلبي: كانت أم شبيب أدماء فسميت برصاء على القلب ولم يكن بها برص.
[درة بنت أبى سلمة]
وعرضت عليه ﷺ درة بنت أبى سلمة فقال: لو لم تكن أمها عندي لما حلت لي، قد أرضعتنى وأباها ثويبة [ (١) ] ... الحديث.
[أمامة بنت حمزة]
وعرضت عليه أمامة بنت حمزة رضى اللَّه عنه فقال: أما علمتم أن أخى حمزة من الرضاعة، وأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب [ (٢) ] ؟
стр. 2148
[أم حبيب]
وعرضت عليه بنت العباس رضى اللَّه عنه، فقال: العباس أخى من الرضاع،
ويروى أنه قال إن كبرت أم حبيب وأنا حىّ تزوجتها،
وفي رواية: أنه رأى أم حبيب وهي فوق الفطيم فقال: لئن بلغت بنية العباس هذه وأنا حىّ لأتزوجنها [ (١) ] .
قال ابن عباس: في هذا تأكيد لقول عائشة رضى اللَّه عنها أنه أحل للنّبيّ ﷺ كثيرا من النساء، وأنه لم يحبس على تسع.
[سناء بنت أسماء بنت الصلت]
وعرضت عليه أسماء- وقيل: سناء- بنت الصلت بن حبيب بن حارثة بن هلال بن حزام بن سماك بن عوف السلمية، وحملت إليه فماتت قبل وصولها إليه [ (٢) ] .
стр. 2149
وقيل له: يا رسول اللَّه، ألا تتزوج من نساء الأنصار؟ فقال: إن فيهن غيرة شديدة وأنا صاحب ضرائر، وأكره أن أسوأ قومهن فيهن.
стр. 2150
وذكر الحاكم عن قتادة: أنه- ﵇ تزوج أم شريك الأنصارية من بنى النجار، وقال: إني أحب أن أتزوج في الأنصار، ثم قال: إني أكره غيرتهن، فلم يدخل بها [ (١) ] .
وقال الزهري: كان صداق رسول اللَّه ﷺ الّذي زوج به بناته وتزوج به:
عشر أواقي ونشا، قال عبد الرزاق: وذلك خمس مائة درهم [ (٢) ] .
وذكر الواقدي أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا خطب المرأة قال للذي يخطبها عليه: اذكر لها جفنة سعد بن عبادة الّذي كان يبعث بها، يعنى أنها مرة
стр. 2151
بلحم ومرة بسمن ومرة بلبن [ (١) ] .
وقال الواقدي: بلغنا أن رسول اللَّه ﷺ طاف على نسائه في غسل واحد [ (٢) ] ، [ويروى] أنه طاف عليهنّ يغتسل من كل امرأة ...
стр. 2152
غسلا [ (١) ] ، وأنه قال: أعطيت في الجماع قوة أربعين رجلا [ (٢) ] .
стр. 2153
_________
[ () ] الغسل، باب (١٢) إذا جامع ثم عاد. ومن دار على نسائه في غسل واحد، حديث رقم (٢٦٨) ، باب (٢٤) الجنب يخرج ويمشى في السوق وغيره، حديث رقم (٢٨٤) ، ٩/ ١٤٠، كتاب النكاح، باب (٤) كثرة النساء، حديث رقم (٥٠٦٨) ، ٩/ ٣٩٤، كتاب النكاح، باب (١٠٣) من طاف على نسائه في غسل واحد، حديث رقم (٥٢١٥) .
وذكر القاضي عياض أن الحكمة في طوافه عليهنّ في الليلة الواحدة كان لتحصينهن، وكأنه أراد به عدم تشوفهن للأزواج، إذ الإحصان له معان، منها: الإسلام، والحرية، والعفة، والّذي يظهر أن ذلك إنما كان لإرادة العدل بينهن في ذلك، وإن لم يكن واجبا، وفي التعليل الّذي ذكره نظر، لأنهن حرم عليهنّ التزويج بعده، وعاش بعضهن بعده خمسين سنة فما دونها، وزادت آخرهن موتا على ذلك. (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) : ١/ ٥١ وما بعدها، فصل: والضرب الثاني ما يتفق التمدح بكثرته، والفخر بوفوره كالنكاح والجاه، (فتح الباري) : شرح الحديث رقم (٥٢١٥) مختصرا.
قال الحافظ في (الفتح) : وفي هذا الحديث من الفوائد: ما أعطى النبي ﷺ من القوة على الجماع، وهو دليل على كمال البنية، وصحة الذكورية، والحكمة في كثرة أزواجه ﷺ أن الأحكام التي ليست ظاهرة يطلعن عليها، فينقلنها، وقد جاء عن عائشة من ذلك الكثير الطيب، ومن ثم فضلها بعضهم على الباقيات.
نقل الحافظ في (الفتح) كلام ابن حبان هذا في الجمع بين الروايتين بأن حمل ذلك على حالتين، ثم تعقبه بقوله: لكنه وهم في قوله: إن الأولى كانت في أول قدومه المدينة، حيث كان تحته ﷺ تسع نسوة، والحالة الثانية في آخر الأمر، حيث اجتمع عنده إحدى عشر امرأة.
وموضع الوهم منه أنه ﷺ لما قدم المدينة لم يكن تحته امرأة سوى سودة، ثم دخل على عائشة بالمدينة، ثم تزوج أم سلمة، وحفصة، وزينب بنت خزيمة في السنة الثالثة والرابعة، ثم تزوج زينب بنت جحش في الخامسة، ثم جويرية في السادسة، ثم صفية، وأم حبيبة، وميمونة في السابعة، وهؤلاء جميع من دخل بهن من الزوجات بعد الهجرة على المشهور.
واختلف في ريحانة- وكانت من سبى بنى قريظة- فجزم ابن إسحاق بأنه عرض عليها أن يتزوجها، ويضرب عليها الحجاب، فاختارت البقاء في ملكه، والأكثر على أنها ماتت قبله في سنة عشر، وكذا ماتت زينب بنت خزيمة بعد دخولها عليه بقليل. قال ابن عبد البر: مكثت عنده شهرين أو ثلاثة.
فعلى هذا لم يجتمع عنده من الزوجات أكثر من تسع، مع أن سودة كانت وهبت يومها لعائشة، فرجحت رواية سعيد، لكن تحمل رواية هشام على أنه ضم مارية وريحانة إليهن، وأطق عليهنّ لفظ «نسائه» تغليبا.
стр. 2154
وقد اختلف في الحجاب، فذكر أبو الحسن المدائني في كتاب (النساء اللاتي لم يكن مستترات) : حدثنا ابن مجاهد عن ابن إسحاق قال: كنّ نساء الجاهلية لا يستترن، فقالت هند بنت عتبة لرسول اللَّه ﷺ : بأبي أنت وأمى، ما أكرم هذا الدين لولا خصال فيه، قال: ما هي؟ قالت:
منهن هذا القناع، فلا نعرف ذعرا من [فزع] ، قال: لا بدّ من التستر.
وكان في الإسلام يقصد الرجل امرأته فيدخل عليها الداخل فلا تقف المرأة ويقعد الرجل امرأته للرجل (انتهى) .
وعن مجاهد عن ابن عباس رضى اللَّه عنه قال: أكل عمر رضى اللَّه عنه مع النبي ﷺ ، فأصابت يده بعض نسائه فأمر بالحجاب.
قال الواقدي: ونزل الحجاب في ذي القعدة سنة خمس، وقوم يقولون نزل بمكة في حجة الوداع [ (١) ] .
стр. 2155
وللإمام أحمد من حديث سفيان عن عمر عن عطاء عن عائشة قالت:
ما مات رسول اللَّه ﷺ حتى أحل له النساء [ (١) ] ، وفي رواية عن عطاء عن عائشة رضى اللَّه عنها، ما قبض رسول اللَّه ﷺ حتى أحل اللَّه له أن يتزوج من النساء من شاء إلا ذات زوج، لقوله تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ [ (٢) ] .
وخرج الإمام أحمد من حديث عاصم عن معاذة عن عائشة، أن النبي ﷺ كان يستأذن إذا كان يوم المرأة منا، بعد أن نزلت هذه الآية تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ قالت: فقلت لها: ما كنت تقولين له؟ قالت: كنت أقول له: إن كان ذلك إليّ فإنّي لا أريد يا رسول اللَّه أن أؤثر عليك أحدا [ (٣) ] .
وعن أبى أمامة بن سهل بن حنيف في قوله تعالى: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ، قال: حبس رسول اللَّه ﷺ عن نسائه فلم يتزوج بعدهن [ (٤) ] .
وعن أبى زرين قال: همّ رسول اللَّه ﷺ أن يطلّق نساءه، فلما رأين ذلك
стр. 2156
جعلته في حل من أنفسهن يؤثر من يشاء، فأنزل اللَّه وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ، يقول: تعزل من تشاء فكان ممن عزل: سودة، وأم حبيبة، وصفية، وجويرية، وميمونة، وجعل يأتى عائشة وحفصة، وزينب، وأم سلمة.
وقوله تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ، يقول: من تشاء في غير طلاق، ثم قال تعالى: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ، يقول:
من المسلمات [ (١) ] .
وكان يستتر في الجماع، فجاء من طرق عن عائشة، ما نظرت إلى فرج رسول اللَّه ﷺ قط، وفي رواية: ما رأيت عورة رسول اللَّه ﷺ قط، وعنها أنها قالت: ما أتى رسول اللَّه ﷺ أحدا من نسائه إلا مقنعا يرخى الثوب على رأسه، وما رأيته من رسول اللَّه ولا رآه منّى» [ (٢) ] .
وخرج الخطيب أبو بكر الحافظ، من طريق منصور بن عمار قال: حدثني معروف أبو الخطاب قال: سمعت واثلة بن الأسقع يقول: سمعت أم سلمة تقول: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أتى امرأة من نسائه غمض عينيه وقنع رأسه [زاد الخلال] ، وقال للتي تكون تحته: عليك بالسكينة والوقار [ (٣) ] .
وأدّب أزواجه بالهجر،
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا
стр. 2157
جعفر بن سليمان، عن ثابت قال: حدّثتنى شميسة- أو سمية-[قال عبد الرزاق: هو في كتابي سمينة] [ (١) ] عن صفية بنت حىّ، أن النبي ﷺ حج بنسائه، حتى إذا كان في بعض الطريق، نزل رجل فساق بهن فأسرع، فقال النبي ﷺ : كذاك سوقك بالقوارير- يعنى النساء-.
فبينما هم يسيرون، برك بصفية بنت حيي جملها- وكانت من أحسنهن ظهرا- فبكت، وجاء رسول اللَّه ﷺ حين أخبر بذلك فجعل يمسح دموعها بيده، وجعلت تزداد بكاء وهو ينهاها، فلما أكثرت زبرها وانتهرها، وأمر الناس بالنزول، ولم يكن يريد أن ينزل، قالت: فنزلوا، وكان يومى، فلما نزلوا ضرب خباء رسول اللَّه ودخل فيه، قالت: فلم أدر علام أهجم من رسول اللَّه، وخشيت أن يكون في نفسه شيء [منى] [ (١) ] .
فانطلقت إلى عائشة فقلت لها: تعلمين أنى لم أكن لأبيع يومى من رسول اللَّه بشيء أبدا، وإني قد وهبت يومى لك على أن ترضى رسول اللَّه [عنى؟] [ (١) ] قالت: نعم،
فأخذت عائشة خمارا لها قد ثردته بزعفران فرشته بالماء ليذكى ريحه، ثم لبست ثيابها، ثم انطلقت إلى رسول اللَّه ﷺ فرفعت طرف الخباء فقال لها: ما لك يا عائشة! إن هذا ليس بيومك، قالت: ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء.
فقال [ (٢) ] مع أهله، فلما كان عند الرواح قال لزينب بنت جحش: [يا زينب] [ (١) ] أفقرى صفية جملا- وكانت من أكثرهن ظهرا- فقالت: أنا أفقر يهوديتك؟ فغضب النبي ﷺ حين سمع ذلك منها، فهجرها فلم يكلمها حتى قدم مكة وأيام منى في سفره حتى رجع إلى المدينة والمحرم وصفر، فلم يأتها ولم يقسم لها ويئست منه.
стр. 2158
فلما كان شهر ربيع الأول دخل عليها فرأت ظله فقالت: إن هذا لظل رجل، وما يدخل عليّ النبي! فمن هذا؟ فدخل النبي ﷺ فلما رأته قالت:
يا رسول اللَّه! ما أدرى ما أصنع حين دخلت عليّ.
قالت: وكانت لها جارية، وكانت تخبؤها من النبي ﷺ ، فقالت: فلانة لك، فمشى النبي ﷺ إلى سرير زينب- وكان قد رفع- فوضعه بيده ثم أصاب أهله ورضى عنهم [ (١) ] .
وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما، أن النبي ﷺ الى من نسائه شهرا [ (٢) ] واعتزلهن لشيء صدر منهن، فقيل: لأنهن سألنه من النفقة ما
стр. 2159
_________
[ () ] لأسوءنك، لأغيظنك، لتطولن غيبتي عنك، فلا يكون مؤليا، حتى ينوى بها ترك الجماع مدة تزيد على أربعة أشهر، ومنه ما يكون مؤليا بنية فقط، وهو سائر ألفاظ الكناية.
وإن قال: واللَّه ليطولن تركي لجماعك، أو لوطئك، أو لإصابتك، فهذا صريح في ترك الجماع، وتعتبر نية المدة دون نية الوطء.
وإن قال لإحدى زوجتيه: واللَّه لا وطئتك، ثم قال للأخرى: أشركتك معها، لم يصر مؤليا من الثانية على قول، وعلى آخر يكون مؤليا. وكذلك لو الى رجل من زوجته، فقال آخر لامرأته: أنت مثل فلانة لم يكن مؤليا، وإن قال: إن وطئتك فأنت طالق، ثم قال لزوجته الأخرى: أشركتك معها، ونوى، فقد صار طلاق الثانية معلقا على وطئها- أي وطء الثانية- أيضا.
ويصح الإيلاء بكل لغة من العجمية وغيرها ممن يحسن العربية وممن لا يحسنها، فإن آلى بالعجمية من لا يحسنها وهو لا يدرى معناها لم يكن مؤليا، وإن نوى موجبها عند أهلها، وكذلك الحكم إذا آلى بالعربية من لا يحسنها، فإن اختلف الزوجان في معرفته بذلك، فالقول قول الزوج، إذا كان متكلما بغير لسانه.
فأما إن آلى العربيّ بالعربية، ثم قال: جرى على لساني من غير قصد، أو قال ذلك العجمي في إيلائه بالعجمية لم يقبل في الحكم.
ويصح الإيلاء بأن يحلف باللَّه تعالى، أو بصفة عن صفاته. ولا خلاف بين أهل العلم في أن الحلف بذلك إيلاء، فأما إن حلف على ترك الوطء بغير ذلك مثل: أن يحلف بطلاق، أو عتاق، أو صدقة المال، أو الحج، أو الظهار، فلا يكون مؤليا، في الرواية المشورة، وفي الأخرى: هو مؤل، وعلى الرواية الأخيرة لا يكون مؤليا، إلا أن يحلف بما يلزمه بالحنث فيه حق، كقوله: إن وطئتك فعبدي حر، أو فلله عليّ صوم سنة، أو فأنت طالق، أو فأنت عليّ حرام، ونحوه، فهذا يكون إيلاء.
ويكون مؤليا بنذر فعل المباحات والمعاصي أيضا، فإن نذر المعصية موجب للكفارة في ظاهر المذهب، وإذا استثنى في يمينه- قال: إن شاء اللَّه- لم يكن مؤليا بلا خلاف إذا كانت اليمين باللَّه تعالى، أو كانت يمينا مكفرة- منعقدة- فأما تعليق الطلاق والعتاق، فمن جعل الاستثناء فيهما غير مؤثر، فوجوده كعدمه، ويكون مؤليا بهما، سواء استثنى أم لم يستئن.
ولا يشترط في الإيلاء الغضب. ولا قصد الإضرار، ويصح الإيلاء من كل زوج مكلف قادر على الوطء. أما العاجز عن الوطء، فإن كان لعارض مرجوّ زواله، كالمرض، والحبس، صح إيلاؤه. وإن كان غير موجوّ الزوال كالجبّ- قطع الذكر- والشلل لم يصح إيلاؤه، وهو الأولى.
وأما الخصىّ الّذي سلت بيضتاه، أو رضتا، فيمكن منه الوطء، وينزل ماء رقيقا، فيصح إيلاؤه، وكذلك المجبوب الّذي بقي من ذكره ما يمكن الجماع به، ويصح إيلاء الذمي ويلزمه ما يلزم المسلم إذا تقاضى إلينا.
ويصح الإيلاء من كل زوجة، مسلمة كانت أو ذمية، حرة كانت أو أمة، ويصح الإيلاء من المجنونة، والصغيرة، إلّا أنه لا يطالب بالفيئة في الصغر والجنون، فأما الرتقاء، والقرناء، فلا يصح
стр. 2160
_________
[ () ] الإيلاء منهما، ويحتمل أن يصح وتضرب له المدة، ويفيء فيء المعذور.
وإن الى من زوجته المطلقة رجعيا صح إيلاؤه، وروى أنه لا يصح، وإذا آلى منها احتسب بالمدة من حين آلى، وإن كانت في العدة. وقيل: لا يحتسب عليه المدة إلا حين يراجعها.
وأما توجيه الإيلاء لأكثر من زوجة، فإن قال لأربع نسوة. واللَّه لا أقربكن فهو مؤل منهن كلهن في الحال. فإن وطئ واحدة منهن حنث، وانحلت يمينه، وزال الإيلاء من البواقي. وإن طلق بعضهن أو ماتت لم ينحل الإيلاء في الباقيات.
وقيل لا يكون مؤليا منهن في الحال، فإن وطئ ثلاثا صار مؤليا من الرابعة فقط، وإن مات بعضهن أو طلقها انحلت يمينه وزال الإيلاء، فإن راجع المطلقة أو تزوجها بعد بينونتها عاد حكم يمينه، وقيل:
إن وطئ واحدة حنث، ولم ينحل الإيلاء في الباقيات.
ومدة الإيلاء أربعة أشهر في حق الأحرار، والعبيد المسلمين، وأهل الذمة سواء، ولا فرق بين الحرة والأمة، والمسلمة والذمية، والصغيرة والكبيرة، وروى أن مدة إيلاء العبيد شهران. (المغنى) : ١١/ ١٠٧- ١١٦ مختصرا من المعجم.
قال تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:
٢٢٦] . ذكر الفقهاء وغيرهم في مناسبة تأجيل المؤلي بأربعة أشهر، الأثر الّذي رواه الإمام مالك بن أنس ﵀ في الموطأ، عن عبد اللَّه بن دينار قال: خرج عمر بن الخطاب من الليل فسمع امرأة تقول:
تطاول هذا الليل واسودّ جانبه ... وأرّقنى أن لا ضجيع ألاعبه
فو اللَّه لولا اللَّه أنى أراقبه ... لحرك من هذا السرير جوانبه
فسأل عمر ابنته حفصة رضى اللَّه عنها: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: ستة أشهر، أو أربعة أشهر، فقال عمر: لا أحبس أحدا من الجيوش أكثر من ذلك.
وقال محمد بن إسحاق عن السائب بن جبير مولى ابن عباس، وكان قد أدرك أصحاب النبي ﷺ قال: ما زلت أسمع حديث عمر أنه خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة، وكان يفعل ذلك كثيرا، إذ مرّ بامرأة من نساء العرب مغلقة بابها تقول:
تطاول هذا الليل وازورّ جانبه ... وأرقنى أن لا ضجيع ألاعبه
ألاعبه طورا وطورا كأنما ... بدا قمرا في ظلمة الليل حاجبه
يسرّ به من كان يلهو بقربة ... لطيف الحشا لا يحتويه أقاربه
فو اللَّه لولا اللَّه لا شيء غيره ... لنقضّ من هذا السرير جوانبه
ولكنني أخشى رقيبا موكلا ... بأنفاسنا لا يفتر الدهر كاتبه
стр. 2161
ليس عنده، وقيل: بسبب مارية أم إبراهيم ﵇ [ (١) ] ، وقيل: لرد زينب نصيبها من الهدية.
وكان ينفق على نسائه كل سنة [ثمانين] وسقا من شعير، وثمانين وسقا من تمر، وقيل: لم يصح أن هذا العدد لكل واحدة منهن في العام [ (٢) ] ، فاللَّه
стр. 2162
أعلم. فقد كان لكل واحدة منهن الإماء والعبيد [الموالي] ، في حياته ﷺ .
стр. 2163
[فصل في] ذكر قوة رسول اللَّه ﷺ على الجماع
قال ابن قتيبة في (غريبه) في حديث النبي ﷺ أنه قال له رجل: يا رسول اللَّه هل أنزل عليك طعام من السماء؟ قال: نعم، أنزل عليّ طعام بمسخنة. يرويه أرطاة ابن المنذر، عن ضمرة بن حبيب، عن سلمة بن نفيل السكونيّ، قال: المسخنة: قدر كأنها ثور.
وفي حديث آخر: أتانى جبريل بقدر يقال له الكفيت، فأكلت منها أكلة، فأعطيت قوة أربعين رجلا في الجماع.
قال: وأحسب الكفيت والكفت شيئا واحدا، وهي قدر لطيفة [ (١) ] .
وقال ابن سعد في (طبقاته) : أخبرنا عبيد اللَّه بن موسى، عن أسامة بن زيد، عن صفوان بن سليم قال: قال رسول اللَّه ﷺ : أتانى جبريل ﵇ بقدر فأكلت منها، فأعطيت قوة أربعين رجلا في الجماع [ (٢) ] .
أخبرنا مالك بن إسماعيل أبو غسان، حدثنا إسرائيل عن ليث عن مجاهد قال: أعطى رسول اللَّه ﷺ بضع أربعين رجلا، وأعطى كل رجل من أهل الجنة بضع ثمانين [ (٣) ] .
أخبرنا محمد بن عبد اللَّه الأسدي وقبيصة بن عقبة قالا: حدثنا سفيان عن معمر عن ابن طاووس قال: أعطى النبي ﷺ قوة أربعين رجلا في الجماع.
стр. 2164
وخرج البخاري من حديث معاذ بن هشام، حدثني أبى عن قتادة قال:
حدثنا أنس بن مالك رضى اللَّه عنه قال: كان النبي ﷺ يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن أحد عشرة، قلت لأنس، أو كان يطيقه؟ قال: كنا نتحدث أنه أعطى قوة ثلاثين. قال أبو عبيد اللَّه: وقال سعيد عن قتادة: أن أنسأ حدثهم: تسع نسوة. ذكره في باب: إذا جامع ثم عاود، ومن دار على نسائه في غسل واحد [ (١) ] .
وقال الحافظ أبو نعيم: أخبرنا أبو القاسم سليمان بن أحمد- يعنى الطبراني- حدثنا محمد بن هارون ومحمد بن بكار، حدثنا العباس بن الوليد الخلال، حدثنا مروان بن محمد الظاهري، حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ فضّلت على الناس بأربع:
بالسماحة والشجاعة، وكثرة الجماع، وشدة البطش [ (٢) ] ،
وقال مقاتل بن
فصل [في ذكر سراري رسول اللَّه ﷺ ]
وكان لرسول اللَّه ﷺ سريتان [ (١) ] : مارية، وريحانة.
[مارية] [ (٢) ] [ (٣) ]
فأما مارية بنت شمعون القبطية، فبعث بها المقوقس صاحب
стр. 2167
الإسكندرية مدينة بأرض مصر- في سنة سبع مع حاطب بن أبى بلتعه لما أتاه بكتاب رسول اللَّه ﷺ يدعوه إلى الإسلام، وبعث معها بأختها سيرين.
وفي رواية: أنه بعث ثلاث جوار: أم إبراهيم، وواحدة وهبها رسول اللَّه ﷺ لأبى جهم بن حذيفة العدوي، وواحدة وهبها لحسان بن ثابت، وألف مثقال من الذهب، وعشرين ثوبا، وبغلة، وحمارا، وخصيا، كل ذلك هدية، فلما خرج [حاطب] بمارية عرض عليها الإسلام فأسلمت وأختها، وأقام الخصىّ على دينه حتى أسلم بالمدينة، فأعجب رسول اللَّه ﷺ بمارية- وكانت بيضاء جميلة جعدة الشعر، وكانت أمها رومية- فأنزلها في المال الّذي يعرف بمشربة أم إبراهيم [ (١) ] ، وصار يختلف إليها هناك، وضرب عليها الحجاب، واتخذها لفراشه فحملت بإبراهيم، وولد في ذي الحجة سنة ثمان، فقبلتها سلمى مولاة رسول اللَّه ﷺ ، وحضنته أم بردة كبشة بنت المنذر بن زيد بن لبيد،
وقال ﷺ لما ولد إبراهيم-: أعتق أمّ إبراهيم ولدها [ (٢) ] .
ومات إبراهيم وهو يرضع، فلما توفى رسول اللَّه ﷺ كان أبو بكر رضى اللَّه عنه ينفق على مارية حتى توفاه اللَّه، ثم كان عمر رضى اللَّه عنه ينفق عليها حتى ماتت في رمضان لسنتين من خلافته، وقيل: ماتت في المحرم سنة ست عشرة.
стр. 2168
[ريحانة]
[ (١) ] وريحانة بنت شمعون بن زيد- ويقال: زيد بن خنافة- من بنى
стр. 2169
قريظة، ويقال: من بنى النضير، والأكثر أنها من بنى قريظة، ويقال: اسمها ربيحة، كانت متزوجة في بنى قريظة بابن عم لها يقال له: الحكم أو عبد الحكم، فلما غزا رسول اللَّه ﷺ قريظة وغنم أموالهم، أخذ ريحانة صفيا- وكانت جميلة- فعرض عليها أن تسلم، فأبت إلا اليهودية، فعزلها ووجد في نفسه.
فأرسل إلى ابن سعية، فذكر له ذلك فقال: فداك أبى وأمى، هي تسلم، وخرج حتى جاءها، فجعل يقول لها: لا تتبعى قومك، فقد رأيت ما حل [على آل] حيي بن أخطب، وأسلمى يصطفيك رسول اللَّه لنفسه.
فبينا رسول اللَّه ﷺ في أصحابه، إذ سمع وقع نعل فقال: إن هاتين لنعلا ابن سعية يبشرني بإسلام ريحانة، فجاءه فقال: يا رسول اللَّه، قد أسلمت ريحانة، فسرّ بذلك، وأرسل بها إلى بيت سلمى بنت قيس أم المنذر فكانت عندها حتى حاضت حيضة، ثم طهرت من حيضتها.
فجاءها في منزل أم المنذر،
فقال لها: إن أحببت أن أعتقك وأتزوجك فعلت، وإن أحببت أن تكوني في ملكي وأطؤك بالملك فعلت،
فقال:
стр. 2170
يا رسول اللَّه، إني أخفّ عليك، وعليّ أن أكون في ملكك، فكانت في ملكه يطؤها حتى ماتت، وكان قد جعلها في محل له يدعى الصدقة، وكان ربما قال عندها وعندها وعك، فأتى منزل ميمونة، ثم تحول إلى بيت عائشة رضى اللَّه عنها.
وعن الزهري: كانت ريحانة بنت شمعون قريظية، وكانت من ملك رسول اللَّه ﷺ ، فأعتقها وتزوجها، وجعل [صداقها عتقها] ، ثم إنه طلقها، فكانت في أهلها تقول: لا يراني أحد بعد رسول اللَّه ﷺ .
وعن محمد بن كعب القرظي: كانت ريحانة من قريظة صفى النبي ﷺ يومئذ، فأعتقها وتزوجها، فغارت عليه غيرة شديدة، فطلقها تطليقة ثم راجعها، فكانت عنده حتى ماتت قبل أن يتوفاه اللَّه.
وكانت ريحانة تقول: تزوجني رسول اللَّه ﷺ ومهرنى مثل مهر نسائه، وكان يقسم لي، وضرب عليّ الحجاب، وكان تزويجه إياي في المحرم سنة ست من الهجرة.
وقال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري: كان للنّبيّ ﷺ سريتان:
[مارية] [ (١) ] القبطية، وريحانة بنت شمعون، وصحح الواقدي أن رسول اللَّه ﷺ أعتقها وتزوج بها، والّذي ذهب إليه أبو عمر بن عبد البر: أن ريحانة ماتت قبل وفاة النبي ﷺ في سنة عشر، مرجعه من حجة الوداع.
وعن ابن سيرين: أن رجلا لقي ريحانة بالموسم فقال: إن اللَّه لم يرضك للمؤمنين أمّا، قالت وأنت فلم يرضك اللَّه لي ابنا.
стр. 2171
فصل في ذكر أسلاف رسول اللَّه ﷺ
السّلفان والسّلفان: متزوجان الأختين، والجمع أسلاف، وقال ابن الأعرابي: ليس في النساء سلفة، إنما السلفان في الرجال. وقال كراع:
السلفان: المرأتان تحت الأخوين [ (١) ] وكان لرسول اللَّه ﷺ من الأسلاف سبعة وأربعون رجلا، ستة من قبل خديجة، وثلاثة من قبل عائشة، وأربعة من قبل حفصة، وسبعة من قبل أم سلمة، وأحد عشر من قبل أم حبيبة، واثنان من سودة، وعشرة من قبل ميمونة، وثلاثة من قبل زينب بنت جحش، وواحد من قبل مارية.
[أسلافه ﷺ من قبل خديجة]
فأما أسلافه ﷺ من قبل خديجة فإنّهم: الربيع بن عبد العزّى بن عبد شمس ابن عبد مناف [ (٢) ] أمة وأم أخيه ربيعة [ (٣) ] : أم المطاع ابنة أسد ابن
стр. 2172
عبد العزى بن قصي، وهما اللذان غضبا لأم حبيبة بنت عبد شمس لما خرجت إلى الطائف، وقد أكثرت من رحل من بنى عقيل، فلقيها بعض بنى بكر وقتلوا العقيلي، فرجعت إلى مكة، وجاءت حرب بن أمية بن عبد شمس وطلبت منه أن يأخذ لها بثأر العقيلي فقال: لا سبيل إلى ما قبل بنى بكر، فأتت الربيع والربيعة ابني عبد العزى بن عبد شمس، فشكت إليهما ما لقيته وما قال لها حرب، وتحفرت بالعقيلى فقاما معها وغضبا لها حتى أخذا لها الدية، فبعث بها إلى أهل العقيلي، فمدحهما الخليع شاعر بنى عقيل، وتزوج الربيع هذا بهالة بنت خويلد أخت خديجة لأبيها وأمها، فاطمة ابنة زائدة بنت جندب بن هدم بن رواحة بن حجر بن عبد معيص بن عامر بن لؤيّ، فولدت له أبا العاصي بن الربيع زوج زينب بنت رسول اللَّه ﷺ وابن خالتها، ومات الربيع عن هالة، فخلف عليها أخوه ربيعة بن عبد العزى، وقد انقرض ولد الربيع بن عبد العزى بن هاله، ولربيعة عقب، ومات وبيعة عن هاله فخلف عليها قطن بن وهب بن عمرو بن حبيب بن سعد بن عائذ بن مالك المصطلقيّ من خزاعة، فولدت له عبد العزى بن قطن الّذي شبهه رسول اللَّه ﷺ بقمر بنى لحي [ (١) ] وعلاج بن أبى سلمة بن عبد العزى بن غيرة بن عوف بن ثقيف بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان، كانت تحته خالدة بنت خويلد أخت خديجة. [ (٢) ]
وعبد بن بجاد [بن عبد اللَّه] [ (٣) ] بن عمير بن الحارث بن حارثة بن سعد
стр. 2173
ابن تيم بن مرة بن كعب، كانت تحته رقيقة [ (١) ] بنت خويلد أخت خديجة لأبيها، فولدت له أميمة بنت بجاد، وهي التي يقال لها بنت رقيقة [ (٢) ] وهي من المبايعات، حدث عنها محمد بن المنكدر [ (٣) ] .
[سلفاه ﷺ من قبل سودة]
وأما سلفاه ﷺ من قبل سودة رضى اللَّه عنهما، فهما: حويطب ابن عبد العزّى بن أبى قيس بن عبد ودّ بن نصر بن مالك بن خسل بن عامر بن لؤيّ بن غالب القرشيّ العامري، أبو محمد، وقيل: أبو الأصبغ، أمه وأم أخيه رهم بن عبد العزّى: زينب بنت علقمة بن غزوان بن يربوع بن الحرث بن منقذ بن عمرو بن معيص، أسلم يوم الفتح، وهو من المؤلفة [قلوبهم] [ (٤) ] ، وأعطى يوم حنين مائة بعير، [وهو] [ (٤) ] أحد النفر الذين أمرهم عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه بتجديد [أنصاب] [ (٤) ] الحرم، ومات
стр. 2174
بالمدينة سنة أربع وخمسين، وهو ابن مائة وعشرين سنة أدرك منها في الجاهلية ستين سنة، وكانت تحته أم كلثوم ابنة زمعة أخت سودة لأبيها وأمها، فولدت له عبد الرحمن بن حويطب.
وعبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤيّ، القرشي الزهري [أبو محمد] ، كان اسمه في الجاهلية: عبد عمرو، وقيل: عبد الكعبة، فسماه رسول اللَّه ﷺ عبد الرحمن [أمه] : الشفاء بنت عوف بن عبد الحارث بن زهرة، ولد بعد الفيل بعشر سنين، وأسلم قبل دخول النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع، وشهد بدرا وما بعدها، وهو أحد العشرة الذين شهد لهم رسول اللَّه ﷺ بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وكان له حظ في التجارة، وكسب مالا كثيرا، خلف بعير، وثلاثة آلاف شاة، ومائة فرس، وصولحت امرأته عن ربع الثمن بثلاثة وثمانين ألفا، ومات بالمدينة سنة إحدى وثلاثين، وقيل:
ثنتين وثلاثين، عن خمس وأربعين سنة، وقيل عن اثنتين وسبعين سنة،
стр. 2175
وتزوج أم حبيبة بنت جحش أخت زينب [ (١) ] بنت جحش [ (٢) ] .
وذكر مالك في الموطأ: عن هشام بن عروة، عن أبيه عن زينب بنت أبى سلمة أنها رأت زينب ابنة جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وكانت تستحاض، فكانت تغتسل وتصلى [ (٣) ] .