قال ابن شهاب: فأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي- وهو ابن أخى سراقة بن مالك بن جعشم- أن أباه أخبره أنه سمع سراقة بن جعشم يقول: جاءتنا رسل كفار قريش، يجعلون في رسول اللَّه ﷺ وأبى بكر دية، كل واحد منهما لمن قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بنى مدلج، إذ أقبل رجل منهم، حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال:
يا سراقة: إني رأيت قد آنفا أسودة بالساحل، أراها محمدا وأصحابه، قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا هم، ولكنك رأيت فلانا وفلانا، انطلقا بأعيننا، ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت فدخلت، فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي، وهي من وراء أكمة فتحبسها عليّ، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت، فخططت بزجّه الأرض، وخفضت عاليه، حتى أتيت فرسي فركبتها، فرفعتها تقرب بى حتى دنوت منهم، فعثرت بى فرسي، فخررت عنها، فقمت، فأهويت يدي إلى
стр. 3152
كنانتي، فاستخرجت منها الأزلام، فاستقسمت بها: أضرهم أم لا؟ فخرج الّذي أكره، فركبت فرسي، وعصيت الأزلام، تقرّب بى حتى إذا سمعت قراءة رسول اللَّه ﷺ ، وهو لا يلتفت، وأبو بكر [رضى اللَّه عنه] يكثر الالتفات، ساخت [يدا] فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة، إذا لأثر يديها عثان ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام، فخرج الّذي أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي ما لقيت من الحبس عنهم، أن سيظهر أمر رسول اللَّه ﷺ ، فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآنى، ولم يسألانى إلا أن قال:
أخف عنا، فسألته أن يكتب لي كتاب أمن، فأمر عامر بن فهيرة [رضى اللَّه عنه] ، فكتب في رقعة من أدم، ثم مضى رسول اللَّه ﷺ .
قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول اللَّه ﷺ لقي الزبير في ركب من المسلمين، كانوا تجارا قافلين من الشام، [فكسا] الزبير رسول اللَّه ﷺ وأبا بكر رضى اللَّه عنه ثياب بياض.
وسمع المسلمون بالمدينة فخرج رسول اللَّه ﷺ ، من مكة [فكانوا] يغدون كل غداة إلى الحرة، فينتظرونه، حتى يردّهم حرّ الظهيرة، فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم، أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم- قال ابن زبالة: وهي عز أهل المدينة ومنعتهم التي يتحصنون فيها من عدوهم- قال ابن شهاب: لأمر ينظر إليه، فبصر برسول اللَّه ﷺ وأصحابه مبيضين، يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال [بأعلى] صوته: يا معاشر العرب، هذا جدكم الّذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول اللَّه ﷺ بظهر الحرّة، فعدل بهم ذات
стр. 3153
اليمين، حتى نزل بهم في بنى [عمرو] بن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، [وقيل: لثمان خلون منه] [ (١) ] .
وفي الإكليل عن الحاكم، تواترت الأخبار بذلك، وقيل: قدم المدينة يوم الجمعة عشاء لثنتى عشرة مضت منه، وقيل: لليلتين مضتا منه، وقيل:
لثمان عشرة ليلة، وقيل: بضع عشرة ليلة، وعند البيهقي اثنتين، وعندي ليلة، وعند ابن حزم: خرجنا من مكة وقد بقي من صفر ثلاث ليال، وقال البرقي: قدمها ليلا، وقيل قدم لثلاث عشر ليلة مضت منه، وجزم ابن النجار بقدومه حين [الضحى] يوم الاثنين لثنتى عشرة ليلة من ربيع الأول، ووافقه جازما بذلك النووي في زوائده من كتاب السير من (الروضة) [ (٢) ] .
قال [ابن] شهاب: فقام أبو بكر [رضى اللَّه عنه] للناس، وجلس رسول اللَّه ﷺ صامتا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول اللَّه ﷺ يحىّ أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول اللَّه ﷺ ، فأقبل أبو بكر حتى ظلّل عليه بردائه، فعرف الناس رسول اللَّه ﷺ عند ذلك، فلبث رسول اللَّه ﷺ في بنى [عمر] بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسّس المسجد الّذي أسّس على التقوى، وصلّى فيه رسول اللَّه ﷺ ثم ركب راحلته، فسار يمشى معه الناس، حتى بركت عند مسجد رسول اللَّه ﷺ بالمدينة، وهو يصلى فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مربدا للتمر، لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر سعد بن زرارة،
فقال رسول اللَّه ﷺ حين بركت به راحلته: هذا إن شاء اللَّه المنزل.
ثم دعاء رسول اللَّه ﷺ الغلامين، فساومهما بالمربد، ليتخذه مسجدا،
стр. 3154
فقالا: بل نهبه لك يا رسول اللَّه، فأبى أن يقبل [منهما] هبته، حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدا، وطفق رسول اللَّه ﷺ ينقل معهم اللبن في بنيانه، ويقول وهو ينقل اللبن:
هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبرّ ربنا وأطهر
ويقول:
اللَّهمّ إن الأجر أجر الآخرة ... فارحم الأنصار [والمهاجرة]
فتمثل بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي، قال ابن شهاب: ولم يبلغنا في الأحاديث أن رسول اللَّه ﷺ تمثل ببيت شعر تام غير هذه الأبيات.
وخرّجه أيضا في كتاب اللباس، في باب التقنع، من حديث معمر عن الزهري، عن عائشة [رضى اللَّه عنها] باختصار [ (١) ] ، وفرّقه في كتاب الجهاد في باب حمل الزاد في الغزو [ (٢) ] ، وهجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة [ (٣) ] ، وفي كتاب الأطعمة في باب الخبز المرقق، والأكل على الخوان والسفرة [ (٤) ] .
وخرّج البخاري أيضا في الهجرة من حديث شعبة قال: سمعت أبا إسحاق الهمدانيّ يقول: سمعت البراء [رضى اللَّه عنه] يقول: أقبل رسول اللَّه ﷺ من مكة إلى المدينة، فذكر قطعة مما تقدم [ (٥) ] . وخرّجه
стр. 3155
مسلم كذلك [ (١) ] .
وخرّج البخاري ومسلم من حديث أبى إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب [رضى اللَّه [عنه]] يقول: جاء أبو بكر رضى اللَّه [عنه] إلى أبى في منزله، فاشترى منه رحلا، فقال لعازب: ابعث معى ابنك يحمله معى إلى منزلي، فقال أبى: احمله، فحملته، وخرج أبى معه ينتقد ثمنه، فقال له أبى: يا أبا بكر، حدثني كيف صنعت ليلة سريت مع رسول اللَّه ﷺ ، قال:
نعم، أسرينا ليلتنا كلها، حتى قام قائم الظهيرة، وخلا الطريق، فلا يمر فيه أحد، حتى رفعت لنا صخرة طويلة لها ظل، لم تأت الشمس بعد، فأتيت الصخرة، فنزلنا عندها، وسويت بيدي مكانا ينام فيه النبي ﷺ في ظلها، ثم بسطت عليه فروة، ثم قلت: نم يا رسول اللَّه، وأنا أنفض لك ما حولك.
فنام، وخرجت أنفض ما حوله، فإذا أنا براعي غنم مقبل بغنمه إلى الصخرة، يريد منها الّذي أردنا، فلقيته فقلت: لمن أنت يا غلام؟ قال:
لرجل من أهل المدينة، قلت له: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم، قلت:
أفتحلب لي؟ قال: نعم، فأخذ شاة، فقلت له: انفض الضرع من الشعر، والتراب، والقذى، قال: فرأيت البراء يضرب بيده على الأرض ينفض، فحلب لي في قعب معه كثبة من لبن، قال: ومعى إداوة أرتوى فيها للنّبيّ ﷺ ليشرب منها ويتوضأ، قال: فأتيت النبي ﷺ [فشرب منها وتوضأ] ، وكرهت أن أوقظه من نومه، فوافقته قد استيقظ، فصببت على اللبن من الماء، حتى برد أسفله،
فقلت يا رسول اللَّه، اشرب من هذا اللبن، قال:
فشرب حتى رضيت، ثم قال: ألم يأن للرحيل؟ قلت: بلى.
قال: فارتحلنا بعد ما زالت الشمس، وأتبعنا سراقة بن مالك، ونحن في
стр. 3156
جلد من الأرض فقلت: يا رسول اللَّه! أتينا، فقال: لا تحزن إن اللَّه معنا،
[فدعا] عليه رسول اللَّه ﷺ ، فارتطمت فرسه إلى بطنها- أرى- فقال:
إني قد علمت أنكما قد دعوتما عليّ، فادعوا لي، [فاللَّه] لكما أن أردّ عنكما الطلب، فدعا [رسول اللَّه ﷺ ] اللَّه، فنجا، فرجع لا يلقى أحدا إلا قال: قد كفيتم هاهنا، فلا يلقى أحدا إلا ردّه ووفّى لنا. اللفظ لمسلم، وقال فيه البخاري: فقال لرجل من أهل المدينة أو مكة، وقال فيه: فقال: إني أراكما قد دعوتما عليّ. ذكره البخاري في باب علامات النبوة [ (١) ] .
ولمسلم من حديث عثمان بن عمر، والنضر بن شميل، كلاهما عن أبى إسحاق، عن البراء، قال: اشترى أبو بكر من أبى [ (٢) ] رحلا بثلاثة عشر درهما.. وساق الحديث بمعنى ما تقدم [ (٣) ] .
وقال في حديثه من رواية عثمان بن عمر، [عن إسرائيل] : فلما دنا [دعا] عليه رسول اللَّه ﷺ فساخ
стр. 3157
فرسه في الأرض إلى بطنه، ووثب عنه وقال: يا محمد! قد علمت أن هذا عملك، فادع اللَّه أن يخلصني مما أنا فيه، ولك عليّ لأعمينّ على من ورائي، وهذه كنانتي فخذ سهما منها، فإنك ستمر على إبلي وغلماني [بمكان] كذا وكذا، فخذ منها حاجتك، قال: لا حاجة لي في إبلك.
فقدمنا المدينة ليلا، فتنازعوا أيهم ينزل عليه رسول اللَّه ﷺ ، فقال ﷺ :
انزل على بنى النجار أخوال عبد المطلب، أكرمهم بذلك، فصعد الرجال والنساء فوق البيوت، وتفرق الغلمان والخدم في الطريق ينادون: يا محمد، يا رسول اللَّه [ (١) ] ... يا محمد يا رسول اللَّه! وخرّج البخاري في المناقب، من حديث إسرائيل بمعناه، وذكر نحوا أو
стр. 3158
قريبا منه في باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه [ (١) ] .
وقال الواقدي: حدثني قدامة بن موسى، عن عائشة بنت قدامه قالت:
لما أمر رسول اللَّه ﷺ أن يتحول عن فراشه، ولا ينام عليه في الليلة التي ائتمرت قريش في دار الندوة، على أن يثبتوه فيقتلوه، خرج على القوم حتى انتهى إلى بيت بكر رضى اللَّه عنه، وكان فيه حتى خرجا منه إلى الغار- غار ثور- خرجا من خوخة في ظهر بيت أبى بكر رضى اللَّه عنه ليلا.
وكان رسول اللَّه ﷺ يحدث: لقد خرجت من الخوخة متنكرا، وكان أول من لقيني، الخبيث أبو جهل، فعمى اللَّه تعالى بصره عنى وعن أبى بكر [رضى اللَّه عنه] حتى مضيت،
ومضى رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر [رضى اللَّه عنه] ، فقال أبو بكر لعائشة [رضى اللَّه عنهما] : لو رأيتني ورسول اللَّه ﷺ إذ صعدنا الغار، فأما قدما رسول اللَّه ﷺ ، فتقطرتا دما، وأما قدماي، فعادتا كأنها صفوان، فقالت عائشة رضى اللَّه عنها: إن رسول اللَّه ﷺ لم يتعود الحفية، ولا الرعية، ولا الشقوة، [قال:] ولو رأيتنا ونحن نصعد في الغار، مرة هو أمامى، ومرة أنا أمامه، حتى سبقته إلى الغار فدخلته، وكان فيه جحر، فألقمته عقبى، ودخل رسول اللَّه ﷺ عليّ، قال أبو بكر رضى اللَّه عنه: إن كانت لدغة لدغتني، أحب إلى من أن تلدغ رسول اللَّه ﷺ .
قال الحافظ أبو عبد اللَّه محمد بن الحسن بن أبى الحسن بن زبالة، في (تاريخ المدينة) : حدثني محمد بن عبد اللَّه الأنصاري، عن إسحاق بن إبراهيم بن عبد اللَّه بن حارثة، عن أبيه قال: نزل رسول اللَّه ﷺ على كلثوم ابن الهدم، بغلام [يقال] له: يا نجيح، فقال رسول اللَّه ﷺ : أنجحت يا أبا بكر.
стр. 3159
وذكر عن محمد بن كعب القرظيّ وغيره، قالوا: لما بركت ناقة النبي ﷺ بباب أبى أيوب [رضى اللَّه عنه] ، جعل رسول اللَّه ﷺ يريد أن ينزل فتخلخل، فيطيف بها أبو أيوب [رضى اللَّه عنه] ، فيجد جبار بن صخر- أخا بنى سلمة- ينخسها، فقال أبو أيوب: يا جبار! أعن منزلي تنخسها؟
واللَّه بعثه بالحق، لولا الإسلام لضربتك بالسيف. قال: فنزل رسول اللَّه ﷺ في منزل أبى أيوب، وقرّ قراره، وطابت داره، ونزل معه زيد بن حارثة.
стр. 3160
فصل في ذكر غزوات رسول اللَّه ﷺ
[اعلم أن رسول اللَّه ﷺ غزا بنفسه سبعا وعشرين غزوة [ (١) ] ، وكانت سراياه التي بعث فيها، سبعا وأربعين سرية، وكان ما قاتل فيه من المغازي تسع غزوات] [ (٢) ] .
قال البخاري: وقال محمد بن إسحاق: أول ما غزا رسول اللَّه ﷺ ، الأبواء، ثم بواط، ثم العشيرة [ (٣) ] .
وخرّج من طريق شعبة، عن أبى إسحاق [قال:] كنت إلى جنب زيد بن أرقم، فقيل له: كم غزا النبي ﷺ من غزوة؟ قال: تسع عشرة، [قيل:] كم [غزوت] أنت معه؟ قال: سبع عشرة، قلت: فأيهم كانت أول؟ قال:
[العشيراء] أو العشير، فذكرت ذلك لقتادة فقال: العشيرة [ (٣) ] . وخرجه مسلم بمعناه [ (٤) ] .
وقال محمد إسحاق: قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة يوم الاثنين حين اشتد [الضحى] وكادت الشمس تعتدل لثنتى عشرة مضت من شهر ربيع الأول، ورسول اللَّه ﷺ ابن ثلاث وخمسين سنة، وذلك بعد أن بعثه اللَّه
стр. 3161
بثلاث عشرة سنة، فأقام بقية ربيع الأول، وشهر ربيع الآخر، وجمادين، ورجبا، وشعبان، وشهر رمضان، وشوال، وذا القعدة، وذا الحجة [وولى تلك الحجة المشركون] [ (١) ] .
ثم خرج غازيا في صفر، على رأس اثنى عشر شهرا من مقدمه المدينة [ (٢) ] ، حتى بلغ ودّان، وهي: [غزوة الأبواء] .
стр. 3162
غزوة الأبواء
[ (١) ] يريد قريشا وبنى ضمرة، بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فوادعته فيها بنو ضمرة، وكان الّذي وادعه منهم مخشىّ بن عمرو الضمريّ، وكان سيدهم في زمانه ذلك.
стр. 3163
ثم رجع رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة، ولم يلق كيدا، [فأقام بها بقية صفر، وصدرا من شهر ربيع الأول، وهي أول غزو غزاها] [ (١) ] .
وقال الواقدي: وفي هذه الغزاة، وادع بنى ضمرة من كنانة، على أن لا يكثروا عليه، ولا يعينوا عليه أحدا، ثم كتب بينهم كتابا [ (٢) ] ، ثم رجع، وكانت غيبته خمس عشرة ليلة [ (٣) ] .
стр. 3164
[غزوة بواط]
[ (١) ] قال ابن إسحاق: ثم غزا رسول اللَّه ﷺ في شهر ربيع الأول يريد قريشا حتى بواط من ناحية رضوى، ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق كيدا [ (٢) ] .
وقال الواقدي: ثم غزا بواط- وبواط حيال ضبّه من ناحية ذي خشب، بين بواط والمدينة ثلاثة برد- يعترض لعير قريش، فيها أمية بن خلف، ومائة رجل من قريش وألفان و [خمسمائة] بعير، [في ربيع الأول، على رأس ثلاث عشر شهرا] ، [ثم رجع ولم يلق كيدا] [ (٣) ] .
وقال ابن إسحاق: فلبث بها- يعنى المدينة-[بقية] [ (٤) ] شهر ربيع الآخر، وبعض [جمادى الأولى] ، ثم غزا قريشا، فسلك نقب بنى دينار، ثم على فيفاء الخبار، فنزل تحت شجرة ببطحاء ابن أزهر، يقال لها: ذات الساق، فصلى عندها، فثم مسجده ﷺ وصنع له عندها طعام، فأكل منه، وأكل الناس منه، فموضع أثافى البرمة معلوم [هنالك] [ (٤) ] ، واستقى له من ماء به يقال له: المشترب، ثم ارتحل رسول اللَّه ﷺ ، فترك الخلائق بيسار، [وسلك
стр. 3165
شعبة يقال لها: شعبة عبيد اللَّه، ثم صبّ لليسار حتى هبط بليل، فنزل بمجتمعه ومجتمع الضبوعة] [ (١) ] واستقى من بئر بالضبوعة، ثم سلك الفرش، فرش [ملل] [ (١) ] ، حتى لقي الطريق بصحيرات اليمام، ثم اعتدل [به] [ (١) ] الطريق حتى نزل العشيرة [واستعمل على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد] .
стр. 3166
غزوة بدر الأولى
ثم غزا في ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا، في طلب كرز بن جابر الفهري، أغار على سرح المدينة، وكان يرعى بالجماء ونواحيها، حتى بلغ بدرا ولم يدركه] [ (١) ] .
وذكر الواقدي أن غارة كرز في ربيع الأول بعد بواط، أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة، فخرج رسول اللَّه ﷺ في طلبه، حتى بلغ واديا يقال له: سفوان من ناحية بدر، وفاته كرز بن جابر، فلم يدركه، وهي غزوة بدر الأولى، ثم رجع إلى المدينة [ (٢) ] ، [وكان قد استخلف عليها زيد بن حارثة رضى اللَّه عنه] .
стр. 3167
غزوة ذي العشيرة
[ثم غزا] العشيرة في جمادى الآخرة، على رأس ستة عشر شهرا، يعترض لعيرات قريش حين أبدأت إلى الشام، وكان قد جاءه الخبر بفصول العير من مكة تريد الشام، قد جمعت قريش أموالها، فهي في تلك العير، فسلك على نقب من بنى دينار، يريد بيوت السّقيا وهي غزوة ذي العشيرة، [واستخلف على المدينة في هذه الغزوة، أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي رضى اللَّه عنه] [ (١) ] .
[قال ابن إسحاق: ولم يقم رسول اللَّه ﷺ بالمدينة حين قدم من غزوة العشيرة إلا ليالي قلائل لا تبلغ العشر، حتى أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة، فخرج رسول اللَّه ﷺ في طلبه، حتى بلغ واديا يقل له:
سفوان [ (٢) ] ، من ناحية بدر، وفاته كرز بن جابر فلم يدركه، وهي غزوة بدر الأولى، ثم رجع رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة، فأقام بها بقية جمادى الآخرة، ورجبا، وشعبان] .
[قال ابن إسحاق: فسلك على نقب بنى دينار، ثم على فيفاء الخبار، فنزل تحت شجرة ببطحاء ابن أزهر، يقال لها: ذات الساق، فصلى عندها، فثم مسجده ﷺ ، وصنع له عندها طعام، فأكل منه، وأكل الناس معه،
стр. 3168
فموضع أثافىّ البرمة معلوم هنالك، واستقى له ﷺ من ماء به، يقال له:
المشترب [ (١) ]] .
стр. 3169
غزوة بدر الكبرى
ثم خرج إلى غزاة بدر، [وهي البطشة التي أعزّ اللَّه تعالى بها الإسلام، وأهلك رءوس الكفر] [ (١) ] .
قال ابن إسحاق: وبلغ [رسول اللَّه ﷺ ] [بدارا- ماء كان ليخلد بن النضر، ويقال لرجل من جهينة- وبين بدر والمدينة ثمانية برد] [ (٢) ] ، وبلغ رسول اللَّه ﷺ أن أبا سفيان بن حرب، مقبل من الشام، في عير لقريش عظيمة، فيها أموال لقريش، وتجارة من تجارتهم، وفيها ثلاثون رجلا من قريش، أو أربعون، منهم: مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، و [عمرو] بن العاص بن وائل،
فلما سمع رسول اللَّه ﷺ بأبي سفيان مقبلا من الشام، ندب إليهم المسلمين، وقال: هذه عير قريش، فيها أموالهم، فاخرجوا إليها، لعل اللَّه ينفلكموها،
فانتدب الناس، فخف بعضهم، وثقل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول اللَّه ﷺ يلقى حربا.
وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز، يتحسس [ (٣) ] الأخبار، ويسأل من لقي من الركبان، تخوفا على أمر الناس، حتى أصاب خبرا من بعض الركبان، أن محمدا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك، فحذر عند ذلك، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاريّ، فبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتى قريشا
стр. 3170
فيستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه.
فخرج ضمضم سريعا إلى مكة، فصرخ ببطن الوادي يقول: يا معشر قريش!! اللطيمة اللطيمة، أموالكم مع أبى سفيان، قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث.
فتجهز الناس سراعا، فكانوا بين رجلين، إما خارج وإما باعث مكانه رجلا، فلم يتخلف من أشرافها أحد، إلا أن أبا لهب بن عبد المطلب قد تخلف، وبعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة، وكان قد لاط [ (١) ] له بأربعة آلاف درهم، كانت له عليه، أفلس بها، فاستأجره بها، على أن يجزئ [عنه] بعثه، فخرج عنه، وتخلف أبو لهب.
وخرج رسول اللَّه ﷺ من المدينة [يوم الاثنين] [ (٢) ] لثمان ليالي خلون من رمضان، فساروا حتى التقوا مع المشركين ببدر.
وقال الواقدي: ولما [تحين] [ (٣) ] رسول اللَّه ﷺ انصراف العير من الشام، ندب أصحابه للعير، وبعث طلحة بن عبيد اللَّه، وسعيد بن زيد، قبل خروجه من المدينة بعشر ليال، يتحسسان خبر العير، قال: وخرج رسول اللَّه ﷺ بمن معه، حتى انتهى إلى نقب بنى دينار، ثم نزل بالبقيع- وهي بيوت السّقيا- يوم الأحد لثنتى عشرة [ليلة] خلت من رمضان، فضرب عسكره هناك، وعرض المقاتلة.
[قال:] وقدم عدي بن أبى الزغباء، وبسبس بن عمرو، وراح عشية الأحد من بيوت السقيا، وخرج المسلمون معه، وهم ثلاثمائة وخمسة،
стр. 3171
وثمانية تخلفوا ضرب لهم بسهامهم وأجورهم، وكانت الإبل سبعين بعيرا، وكانوا يتعاقبون الإبل، الاثنين، والثلاثة، والأربعة، وكان رسول اللَّه ﷺ وعلى بن أبى طالب رضى اللَّه عنه، [ومرثد] ، ويقال: زيد بن حارثة، يتعاقبون بعيرا واحدا، واستعمل على الماء قيس [بن] أبي صعصعة عمرو ابن زيد بن عوف بن مبذول، وأمره حين فصل من بيوت السقيا أن يعد المسلمين، فوقف لهم، فعدّهم، وأخبر النبي ﷺ .
ومضى رسول اللَّه ﷺ حتى إذا كان [دوين] [ (١) ] ماء بدر، أتاه الخبر بمسير قريش،
فأخبرهم [رسول اللَّه ﷺ [ (٢) ]] بمسيرهم، واستشار [رسول اللَّه ﷺ [ (٢) ]] الناس، قال: فلما فرغ سعد من المشورة، قال رسول اللَّه ﷺ :
سيروا على بركة اللَّه، فإن اللَّه وعدني إحدى الطائفتين، واللَّه لكأنّي انظر إلى مصارع القوم،
قال: ونزل بأدنى بدر، عشاء ليلة الجمعة، ولسبع عشرة ليلة من رمضان، واستشار في المنزل، فأشار الحباب بن المنذر بنزوله على قليب بدر، فتحول إليه، وبنى له عريش من جريد، فدخله رسول اللَّه ﷺ ، وأبو بكر رضى اللَّه عنه [ (٣) ] .
وخرّج البخاري من حديث عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول اللَّه ﷺ قال وهو في قبته يوم بدر: اللَّهمّ أنشدك عهدك ووعدك، اللَّهمّ إن تشأ لا تعبد بعد اليوم، فأخذ أبو بكر رضى اللَّه عنه بيده فقال: حسبك يا رسول اللَّه، ألححت على ربك، فخرج وهو ثبت في الدرع، فخرج وهو يقول:
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ذكره في كتاب التفسير [ (٤) ] ، وفي غزوة
وخرج مسلم [ (١) ] والترمذي، من حديث ابن المبارك، عن عكرمة بن عمار قال: حدثني سماك الحنفي قال: قال يونس: سمعت ابن عباس رضى اللَّه عنهما يقول: لما كان يوم بدر. وذكر مسلم من طريق عمر بن يونس الحنفي [قال:] حدثنا عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه قال: لما كان يوم بدر، نظر رسول اللَّه ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبي اللَّه ﷺ القبلة، ثم مدّ يديه، فجعل يهتف بربه: اللَّهمّ أنجز لي ما وعدتني، اللَّهمّ آتني ما وعدتني، اللَّهمّ إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض.
فما زال يهتف بربه، مادا يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه،
فأتاه أبو بكر رضى اللَّه عنه، فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي اللَّه! كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل اللَّه [تعالى:] إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ، فأمده اللَّه [تعالى] بالملائكة [ (١) ] .
زاد مسلم: قال أبو زميل: فحدثني ابن عباس قال: [بينما] رجل من المسلمين يومئذ يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه، فخرّ مغشيا، فنظر إليه، فإذا هو قد خطم أنفه، وشق وجهه بضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث رسول اللَّه ﷺ ، فقال:
صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة، فقتلوا يومئذ سبعين، وأسروا سبعين [ (١) ] .
قال أبو زميل: قال ابن عباس: فلما أسروا الأسارى، قال رسول اللَّه ﷺ
стр. 3174
لأبى بكر وعمر رضى اللَّه عنهما: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر رضى اللَّه عنه: يا نبي اللَّه! هم بنو العم والعشيرة، أرى أن نأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى اللَّه أن يهديهم للإسلام، فقال رسول اللَّه ﷺ ، ما ترى يا ابن الخطاب: قلت: لا واللَّه يا رسول اللَّه، ما أرى الّذي رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم، فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكني من فلان- نسيب لعمر- فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوى رسول اللَّه ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، فلما كان من الغد، جئت فإذا رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول اللَّه! أخبرنى من أي شيء تبكى أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، قال رسول اللَّه ﷺ : أبكى الّذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة
- شجرة قريبة من رسول اللَّه ﷺ فأنزل اللَّه : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ [ (١) ] إلى قوله: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً [ (١) ] فأحل اللَّه تعالى الغنيمة لهم [ (٢) ] .
قال الواقدي: كان انهزام القوم وتوليهم حين زالت الشمس، فأقام رسول اللَّه ﷺ ببدر، وأمر عبد اللَّه بن كعب بقيض الغنائم وحملها، [وأمر رسول اللَّه ﷺ نفرا من أصحابه أن يعينوه [ (٣) ]] فصلى العصر ببدر، ثم راح فمر
стр. 3175
بالأثيل [ (١) ] قبل غروب الشمس، فنزل به، وبات به، وأقبل بالأسرى، حتى إذا كان بعرق الظبية [ (٢) ] ، أمر عاصم بن ثابت أن يضرب عنق عقبة بن أبى معيط، فقدمه فضرب عنقه، ولما نزلوا يسيرا بشعب بالصفراء، قسم الغنائم بها بين أصحابه، [وقدم] زيد بن حارثة، وعبد اللَّه بن رواحة، وتلقاه الناس يهنئونه بالروحاء حتى قدم المدينة [ (٣) ] [واستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر] [ (٤) ] .
стр. 3176
غزوة بنى قينقاع
ثم خرج رسول اللَّه ﷺ إلى غزاة بنى قينقاع من اليهود، في يوم السبت، النصف من شوال بعد البدر، فحصرهم إلى هلال ذي القعدة وجلالهم.
وقيل: كانت في صفر سنة ثلاث من الهجرة، وجعلها ابن إسحاق بعد غزاة قرارة الكدر، ولم يتجاوز أرض المدينة.
[قال ابن الأثير: لما عاد رسول اللَّه ﷺ من بدر، أظهرت يهود له الحسد بما فتح عليه، وبغوا ونقضوا العهد، وكان قد وادعهم حين قدم المدينة مهاجرا] .
[فلما بلغه حسدهم جمعهم بسوق بنى قينقاع، فقال لهم: احذروا ما نزل بقريش وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أنى نبي مرسل. فقالوا: يا محمد! لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة] .
[فكانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبينه، فبينما هم على مجاهرتهم، إذ جاءت امرأة مسلمة إلى سوق بنى قينقاع، فجلست عند صائغ لأجل حلىّ لها، فجاء رجل منهم فحل درعها إلى ظهرها، وهي لا تشعر، فلما قامت بدت عورتها، فضحكوا منها، فقام إليه رجل من المسلمين فقتله، ونبذوا العهد إلى رسول اللَّه ﷺ وتحصنوا في حصونهم، فغزاهم رسول اللَّه ﷺ ، وحاصرهم خمس عشرة ليلة، فنزلوا على حكمه، فكتفوا وهو يريد قتلهم، وكانوا حلفاء الخزرج،
فقام إليه عبد اللَّه بن أبىّ بن سلول، فكلمه فيهم، فلم يجبه، فأدخل يده إلى جيب رسول اللَّه ﷺ ، فغضب رسول اللَّه ﷺ وقال: ويحك! أرسلنى، فقال: لا أرسلك حتى تحسن إلى موالىّ،
стр. 3177
أربعمائة حاسر، وثلاثمائة دارع، قد منعونى من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة، وإني واللَّه لأخشى الدوائر، فقال النبي ﷺ : هم لك، خلوهم، لعنهم اللَّه ولعنه معهم] [ (١) ] .
[وغنم رسول اللَّه ﷺ والمسلمون ما كان لهم، ولم يكن لهم أرضون، إنما كانوا صاغة، وكان الّذي أخرجهم عبادة بن الصامت الأنصاري، فبلغ بهم ذباب [اسم موضع] ، ثم ساروا إلى أذرعات من أرض الشام، فلم يلبثوا إلا قليلا حتى هلكوا] [ (١) ] .
[وكان ﷺ قد استخلف على المدينة أبا لبابة، وكان لواء رسول اللَّه ﷺ مع حمزة، وقسم الغنيمة بين أصحابه وخمسها، وكان أول خمس أخذه رسول اللَّه ﷺ في قول] [ (١) ] .
[ثم انصرف رسول اللَّه ﷺ ، وحضر الأضحى، وخرج إلى المصلّى، فصلى بالمسلمين، وهي أول صلاة عيد صلاها، وضحى فيه رسول اللَّه ﷺ بشاتين، وقيل بشاة، وكان أول أضحى رآه المسلمون، وضحى معه ذو اليسار، وكانت الغزاة في شوال بعد بدر، وقيل: كانت في صفر سنة ثلاث، وجعلها بعضهم بعد غزوة الكدر] [ (١) ] .
стр. 3178
غزوة السويق
ثم خرج إلى غزوة السويق [ (١) ] ، يوم الأحد الخامس من ذي الحجة، على رأس اثنتين وعشرين شهرا من مهاجره ﷺ ، فغاب خمسة أيام في طلب أبى سفيان بن حرب ومن معه [ (٢) ] ، و [استخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر العمرى] [ (٣) ] .
[قال ابن هشام: [لما] فل [المنهزمون] من قريش من بدر نذر أبو سفيان أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا ﷺ ، فخرج في مائتي راكب من قريش ليبر يمينه، فسلك النجدية حتى نزل بصدر قناة إلى جبل يقال له: ثيب، من المدينة على بريد أو نحوه، ثم خرج من الليل حتى أتى بنى النضير تحت الليل، فأتى حيىّ بن أخطب فضرب على بابه، فأبى أن يفتح له بابه وخافه، فانصرف عنه إلى سلام بن مكشم- وكان سيد بنى النضير في زمانه ذلك وصاحب كنزهم- فاستأذن عليه فأذن له. فقراه وسقاه، وبطنه من خبر الناس [أعلمه بسرهم] ، ثم خرج في عقب ليلته حتى أتى أصحابه، فبعث رجالا من قريش إلى المدينة، فأتوا ناحية منها يقال لها: العريض، فحرقوا أصوار نحل بها [أي نخل مجتمع] . ووجدوا بها رجلا من الأنصار وحليفا له في حرث لهما فقتلوهما، ثم انصرفوا راجعين، ونذر بهم الناس] [ (٢) ] .
стр. 3179
[فخرج رسول اللَّه ﷺ في طلبهم، واستعمل على المدينة بشير بن عبد المنذر، وهو أبو لبابة فيما قال ابن هشام، حتى بلغ قرارة الكدر [أرض ملساء]- ثم انصرف راجعا وقد فاته أبو سفيان وأصحابه، وقد رأوا أزوادا من أزواد القوم قد طرحوها في الحرث يتخففون منها للنجاة،
فقال المسلمون حين رجع بهم رسول اللَّه ﷺ : يا رسول اللَّه أتطمع لنا أن تكون غزوة؟ قال: نعم] [ (١) ] .
[قال ابن هشام: وإنما سميت غزوة السويق، فيما حدثني أبو عبيده، أن أكثر ما طرح القوم من أزوادهم السويق، فهجم المسلمون على سويق كثير، فسميت غزوة السويق] [ (١) ] .
[وفي هذا الحديث أن الغسل من الجنابة كان معمولا به في الجاهلية، بقية من دين إبراهيم وإسماعيل، كما بقي فيهم الحج، والزواج، ولذلك سموها جنابة، وقالوا: رجل جنب، وقوم جنب، لمجانبتهم في تلك الحال البيت الحرام، ومواضع قرباتهم، ولذلك عرف معنى هذه الكلمة في القرآن الكريم، في قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا [ (٢) ] ، وقوله تعالى:
وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا [ (٣) ] .
стр. 3180
غزوة قرارة الكدر
ثم خرج ﷺ إلى غزاة قرارة الكدر، للنصف من المحرم، على رأس ثلاثة وعشرين شهرا من هجرته في قول الواقدي. وعند ابن إسحاق: أنه خرج في شوال سنة اثنتين بعد بدر، في طلب غطفان وسليم، وعاد بعد خمس عشرة ليلة بغنائم [ (١) ] ، [واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم المعيصى] [ (٢) ] .
[قال الواقدي: خرج رسول اللَّه ﷺ إلى قرارة الكدر إلى بنى سليم وغطفان للنصف من المحرم، على رأس ثلاثة وعشرين شهرا، وغاب خمس عشرة ليلة، وكان الّذي هاجه على ذلك أنه بلغه أن بها جمعا من غطفان وسليم، فسار رسول اللَّه ﷺ إليهم، وأخذ عليهم الطريق حتى جاء فرأى أثار النعم ومواردها، ولم يجد في المجال أحدا، فأرسل في أعلى الوادي نفرا من أصحابه، واستقبلهم رسول اللَّه ﷺ في بطن الوادي، فوجد رعاء فيهم غلام يقال له يسار، فسألهم عن الناس، فقال يسار: لا علم لي بهم، إنما أورد لخمس وهذا يوم ربعي، والناس قد ارتيعوا إلى المياه] [ (١) ] .
[فانصرف رسول اللَّه ﷺ وقد ظفر بنعم، فانحدر إلى المدينة حتى إذا صلى الصبح، فإذا هو بيسار، فرآه يصلى، فأمر القوم أن يقسموا غنائمهم، فقال القوم: يا رسول اللَّه! إن أقوى لنا أن نسوق النعم جميعا، فإن فينا من يضعف عن حظه الّذي يصير إليه] [ (٣) ] .
стр. 3181
[فقال رسول اللَّه ﷺ : اقتسموا، فقالوا: يا رسول اللَّه: إن كان أنمّ بك العبد الّذي رأيته يصلى، فنحن نعطيكه في سهمك، فقال رسول اللَّه ﷺ :
قد طبتم نفسا؟ قالوا: نعم، فقبله رسول اللَّه ﷺ وأعتقه، وارتحل الناس،
فقدم رسول اللَّه ﷺ المدينة، واقتسموا غنائمهم، فأصاب كل رجل منهم سبعة أبعرة، وكان القوم مائتين] [ (١) ] .
[وعن أبى أروى الدوسيّ قال: كنت في السرية، وكنت ممن يسوق النعم، فلما كنا بصرار- على ثلاثة أميال من المدينة- خمس النعم، وكان النعم خمسمائة بعير، فأخرج خمسة، وقسم أربعة أخماس على المسلمين- فأصابهم بعيران] [ (١) ] .
стр. 3182
غزوة ذي أمر [وهي غزوة غطفان]
ثم خرج رسول اللَّه ﷺ إلى غزاة ذي أمر- وهي غزوة غطفان- وكانت يوم الخميس الثامن عشر من ربيع الأول، على رأس خمسة وعشرين شهرا في قول الواقدي [ (١) ] ، وعند ابن إسحاق [ (٢) ] : أنها كانت في المحرم سنة ثلاث من الهجرة، يريد ثعلبة ومحارب، وعاد من غير أن يلقى كيدا، بعد إحدى عشرة ليلة، [واستخلف على المدينة عثمان بن عفان- رضى اللَّه تعالى عنه] [ (٣) ] .
[سببها أن جمعا من بنى ثعلبة ومحارب تجمعوا يريدون الإغارة، جمعهم دعثور بن الحارث المحاربي، وكان شجاعا] [ (٣) ] .
[فندب ﷺ المسلمين، وخرج في أربعمائة وخمسين فارسا، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان، فلما سمعوا بمهبطه ﷺ عليهم هربوا في رءوس الجبال، فأصابوا رجلا منهم يقال له: حبان من بنى ثعلبة، فأدخل على رسول اللَّه ﷺ فدعاه إلى الإسلام فأسلم، وضمه إلى بلال رضى اللَّه تعالى عنه- ليعلمه الشرائع-] [ (٣) ] .
[وأصاب النبي ﷺ مطر، فنزع ثوبيه ونشرهما على شجرة ليجفّا، واضطجع تحتها، وهم ينظرون إليه، فقالوا لدعثور: قد انفرد محمد فعليك
стр. 3183
به، فأقبل ومعه سيف حتى قام على رأسه ﷺ فقال: من يمنعك منى؟ فقال ﷺ : اللَّه، فدفع جبريل في صدره، فوقع السيف من يده، فأخذه النبي ﷺ فقال: من يمنعك منى؟ فقال: لا أحد، وأنا أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأنك رسول اللَّه، ثم أتى قومه فدعاهم إلى الإسلام.
وأنزل اللَّه تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [ (١) ] ، ويقال:
كان ذلك في ذات الرقاع] [ (٢) ] .
[وقال ابن إسحاق: فأقام بنجد صفرا كله أو قريبا من ذلك، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا، فلبث بها شهر ربيع الأول كله إلا قليلا منه] [ (٣) ] .
стр. 3184
غزوة بحران
ثم خرج ﷺ إلى بحران من ناحية الفرع، في سادس [جمادى] الأولى على رأس سبعة وعشرين شهرا، ثم عاد بعد عشر ليالي، ولم يلق ﷺ كيدا، [واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم] [ (١) ] .
[وسببها: أنه بلغه ﷺ أن بها جمعا كبيرا من بنى سليم، فخرج في ثلاثمائة رجل من أصحابه، فوجدهم قد تفرقوا في مياههم، فرجع ولم يلق كيدا] [ (٢) ] .
[قال ابن إسحاق: حتى بلغ بحران من ناحية الفرع بضمتين، يقال: هي أول قرية مارت إسماعيل وأمه التمر بمكة، وهي من ناحية المدينة، وفيها عينان يقال لهما: الربض والنجف، يسقيان عشرين ألف نخلة، كانت لحمزة بن عبد اللَّه بن الزبير، والفرع بفتحتين موضع بين الكوفة والبصرة، فأقام بها شهر ربيع الآخر وجمادى الأولى، ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق كيدا] [ (٣) ] .
стр. 3185
غزوة أحد
ثم كانت غزاة أحد، يوم السبت لسبع خلون من شوال، على رأس اثنتين وثلاثين شهرا ظاهر المدينة، [واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم] [ (١) ] .
[قال الواقدي: وقد روى كثير من الصحابة ممن شهد أحدا قال كل واحد منهم: واللَّه إني لأنظر إلى هند وصواحبها منهزمات، وكلما أتى خالد من قبل مسيرة النبي ﷺ ليجوز حتى يأتى من قبل السفح فيرده الرماة، حتى فعلوا ذلك مرارا، ولكن المسلمين أتوا من قبل الرماة. إن رسول اللَّه ﷺ أو عز إليهم فقال: قوموا على مصافكم هكذا فاحموا ظهرنا، فإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا، وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا] [ (٢) ] .
[فلما انهزم المشركون وتبعهم المسلمون، يضعون السلاح فيهم، حيث شاءوا حتى أجهضوهم عن العسكر، ووقعوا ينتهبون العسكر] [ (٢) ] .
[قال بعض الرماة لبعض: لم تقيمون هنا في غير شيء؟ قد هزم اللَّه العدو، وهؤلاء إخوانكم ينتهبون عسكرهم، فادخلوا عسكر المشركين فاغنموا مع إخوانكم، فقال بعض الرماة لبعض: ألم تعلموا أن رسول اللَّه ﷺ قال لكم: احموا ظهورنا فلا تبرحوا مكانكم، وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا نغنم فلا تشركونا، احموا ظهورنا؟] [ (٢) ] .
стр. 3186
[فقال الآخرون: لم يرد رسول اللَّه هذا، وقد أذل اللَّه المشركين وهزمهم، فادخلوا العسكر فانتهبوا مع إخوانكم يقول رافع بن خديج: فكنا أتينا من قبل أنفسنا ومعصية نبينا، واختلط المسلمون وصاروا يقتلون ويضرب بعضهم بعضا، ما يشعرون به من الدهشة والعجل. ولقد جرح يومئذ أسيد بن حضير جرحين، ضربه أحدهما أبو بردة وما يدرى، يقول: خذها وأنا الغلام الأنصاري!
وكر أبو زغنة في حومة القتال فضرب أبا بردة ضربتين وما يشعر، إنه يقول: خذها وأنا أبو زغنة! حتى عرفه بعد ذلك، فكان إذا لقيه قال: انظر إلى ما صنعت بى، فيقول له أبو زغنة: أنت ضربت أسيد ابن حضير ولا تشعر، ولكن هذا الجرح في سبيل اللَّه] [ (١) ] .
[فذكر ذلك لرسول اللَّه ﷺ فقال ﷺ : هو في سبيل اللَّه، يا أبا بردة لك أجره، حتى كأنه ضربك أحد من المشركين، ومن قتل فهو شهيد] [ (١) ] .
[وكانت عائشة زوج النبي ﷺ خرجت في نسوة تستروح الخبر- ولم يضرب الحجاب يومئذ- حتى إذا كانت بمنقطع الحرة وهي هابطة من بنى حارثة إلى الوادي، لقيت هند بنت عمرو بن حرام، أخت عبد اللَّه بن عمرو ابن حرام تسوق بعيرا لها، عليه زوجها عمرو بن الجموح، وابنها خلاد بن عمرو، وأخوها عبد اللَّه بن عمرو بن حرام أبو جابر، فقالت عائشة- رضى اللَّه عنها- عندك الخبر، فما وراءك؟ فقالت: هند: خيرا، أما رسول اللَّه فصالح، وكل مصيبة بعده جلل] [ (١) ] .
[واتخذ اللَّه من المؤمنين شهداء، وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً [ (٢) ]] .
стр. 3187
غزوة حمراء الأسد
وخرج يوم الأحد، صبيحة أحد إلى حمراء الأسد، في طلب قريش، ثم عاد بعد ثلاث، ولم يلق كيدا، [واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم] [ (١) ] .
[قال الواقدي: وكانت يوم الأحد لثمان خلون من شوال، على رأس اثنين وثلاثين شهرا، ودخل المدينة يوم الجمعة وغاب خمسا] [ (٢) ] .
[وقال جابر بن عبد اللَّه: يا رسول اللَّه، إن مناديا نادى ألا يخرج معنا إلا من حضر القتال بالأمس، وقد كنت حريصا على الحضور، ولكن أبى خلفنى على أخوات لي وقال: يا بنى، لا ينبغي لي ولك أن ندعهن ولا رجل عندهن، وأخاف عليهنّ وهن نسيات ضعاف، فأذن لي يا رسول اللَّه أن أسير معك، فأذن له رسول اللَّه ﷺ ] [ (٢) ] .
[قال جابر: فلم يخرج معه أحد لم يشهد القتال بالأمس غيري، واستأذنه رجال لم يحضروا القتال فأبى ذلك عليهم] [ (٢) ] .
[وخرج رسول اللَّه ﷺ وهو مجروح، في وجهه أثر الحلقتين، ومشجوج في جبهته في أصول الشعر، ورباعيته قد شطيت، وشفته قد كلمت من باطنها، وهو متوهن منكبه الأيمن بضربة ابن قميئة، وركبتاه محجوشتان] [ (٢) ] .
стр. 3188
[فدخل رسول اللَّه ﷺ المسجد فركع ركعتين، والناس قد حشدوا، ونزل أهل العوالي حيث جاءهم الصريخ، وبعث رسول اللَّه ﷺ ثلاثة نفر من أسلم طليعة في آثار القوم، فلحقوهم بحمراء الأسد، ولهم زجل، وهم يأتمرون بالرجوع] [ (١) ] .
[ومضى رسول اللَّه ﷺ في أصحابه حتى عسكروا بحمراء الأسد، قال جابر: وكان عامة زادنا التمر، وحمل سعد بن عبادة ثلاثين جملا حتى وافت الحمراء، وساق جزرا فنحروا في يوم اثنين وفي يوم ثلاثا] [ (١) ] .
[وكان رسول اللَّه ﷺ يأمرهم في النهار بجمع الحطب، فإذا أمسوا أمرنا أن نوقد النيران، فيوقد كل رجل نارا، فلقد كنا تلك الليالي نوقد خمسمائة نار حتى ترى من المكان البعيد، وذهب ذكر معسكرنا ونيراننا في كل وجه حتى كان مما كبت اللَّه تعالى عدونا] [ (١) ] .
[ومر بأبي سفيان نفر من عبد القيس يريدون المدينة، فقال: هل أنتم مبلغون محمدا وأصحابه ما أرسلكم به، على أن أوقر لكم أباعركم زبيبا غدا بعكاظ، إن أنتم جئتمونى؟ قالوا: نعم، قال: حيثما لقيتم محمدا وأصحابه فأخبروهم أنا قد أجمعنا الرجعة إليهم، وأنا في آثارهم، فانطلق أبو سفيان] [ (١) ] .
[وقد الركب على النبي ﷺ وأصحابه بالحمراء، فأخبروهم الّذي أمرهم أبو سفيان، فقالوا: حسبنا اللَّه ونعم الوكيل، وفي ذلك أنزل اللَّه :
الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ [ (٢) ] ، وقوله تعالى: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [ (٣) ]] .
стр. 3189
غزوة بنى النضير
ثم خرج ﷺ إلى غزوة بنى النضير من اليهود، في ربيع الأول، على رأس سبعة وعشرين شهرا من الهجرة، في قول الواقدي. وقال الزهري: [هي] غزوة كانت على رأس ستة أشهر من وقعة [بدر] قبل أحد. وجعلها ابن إسحاق بعد بئر معونة وأحد، فحصرهم ست ليالي، حتى أنزلهم وجلاهم عن المدينة، ثم عاد بعد خمسة عشر يوما [ (١) ] ، [واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم] [ (٢) ] .
[قال ابن إسحاق: ثم خرج رسول اللَّه ﷺ إلى بنى النضير يستعينهم في دية القتيلين من بنى عامر، فلما أتاهم رسول اللَّه ﷺ قالوا: نعم يا أبا القاسم، نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه] [ (٣) ] .
[ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه- ورسول اللَّه ﷺ إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد- فمن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقى عليه صخرة فيريحنا منه؟] [ (٣) ] .
[فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، أحدهم، فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقى عليه صخرة كما قال، ورسول اللَّه ﷺ في نفر من أصحابه، فيهم: أبو بكر، وعمر وعلى- رضوان اللَّه تعالى عليهم] [ (٣) ] .
стр. 3190
[فأتى رسول اللَّه ﷺ الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام وخرج راجعا إلى المدينة، فلما استلبث النبي ﷺ أصحابه، قاموا في طلبه، فلقوا رجلا مقبلا من المدينة، فسألوه عنه، فقال: رأيته داخلا المدينة، فأقبل أصحاب رسول اللَّه ﷺ حتى انتهوا إليه ﷺ ، فأخبرهم الخبر بما كانت اليهود أرادت من الغدر به، وأمر رسول اللَّه ﷺ بالتهيؤ لحربهم والسير إليهم] [ (١) ] .
[قال ابن إسحاق: فتحصنوا منه في الحصون، فأمر رسول اللَّه ﷺ بقطع النخيل والتحريق فيها، فنادوه: أن يا محمد! قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخيل وتحريقها؟] [ (١) ] .
[قال أهل التأويل: وقع في نفوس المسلمين من هذا الكلام شيء، حتى أنزل اللَّه تعالى: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها، واللينة: ألوان التمر ما عدا العجوة والبرني، ففي هذه الآية: أن النبي ﷺ لم يحرق من نخلهم إلا ما ليس بقوت للناس، وكانوا يقتاتون العجوة، وقال تعالى: لِينَةٍ، ولم يقل: نخلة على العموم، تنبيها على كراهة قطع ما يقتات ويغذو من شجر العدو، إذا رجى أن يصير إلى المسلمين] [ (١) ] .
[وخلوا الأموال لرسول اللَّه ﷺ ، فكانت لرسول اللَّه ﷺ خاصة، يضعها حيث يشاء، فقسمها رسول اللَّه ﷺ على المهاجرين الأولين دون الأنصار، إلا أن سهل بن حنيف وأبا دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقرا، فأعطاهما رسول اللَّه ﷺ ] [ (١) ] .
[ولم يسلم من بنى النضير إلا رجلان: يامين بن عمير، أبو كعب بن عمرو بن جحاش، وأبو سعد بن وهب أسلما على أموالهما فأحرزاها] [ (١) ] .