← Сира

Сира · id 1524

إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع

المقريزي

Полный текст (6 146 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

[غزوة تبوك] ثم خرج ﷺ إلى غزاة تبوك، في رجب سنة تسع، فأقام بها عشرين ليلة وعاد ولم يلق كيدا، وهي آخر غزوة خرج إليها بنفسه [ (١) ] ﷺ ، [واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة، وقيل: على بن أبى طالب، وقيل: سباع بن عرفطة] [ (٢) ] . وقاتل ﷺ مع هذه في تسع، وهي: بدر المعظمة، وأحد، والخندق، وقريظة، والمصطلق، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف، وقيل أنه ﷺ قاتل في وادي القرى والغابة، ولم يكن في سائرها قتال أصلا. [تبوك: مكان معروف، وهي نصف طريق المدينة إلى دمشق وهي غزوة العسرة، وتعرف بالفاضحة لافتضاح المنافقين فيها] [ (٢) ] . [كانت يوم الخميس في رجب سنة تسع من الهجرة بلا خلاف، وكان حرا شديدا، وجدبا كثيرا، فلذلك لم يور عنها كعادته ﷺ في سائر الغزوات] [ (٢) ] . [وفي (تفسير عبد الرزاق) ، عن معمر عن ابن عقيل قال: خرجوا في قلة من الظهر وفي حرّ شديد، حيث كانوا ينحرون البعير فيشربون ما في كرشه من الماء، فكان ذلك عسرة في الماء، وفي الظهر، وفي النفقة، فسميت غزوة العسرة] [ (٢) ] .

стр. 3222

[وسببها أنه بلغه ﷺ من الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة، أن الروم تجمعت بالشام مع هرقل، فندب ﷺ الناس إلى الخروج، وأعلمهم بالمكان الّذي يريد، ليتأهّبوا لذلك] . [وروى عن قتادة أنه قال: حمل عثمان في جيش العسرة على ألف بعير وسبعين فرسا] . [وعن عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان بن عفان بألف دينار في كمه حين جهز جيش العسرة، فنثرها في حجره ﷺ ، فرأيت رسول اللَّه ﷺ يقلبها في حجره وهو يقول: ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم] . [ولما تأهب رسول اللَّه ﷺ للخروج، قال قوم من المنافقين لا تنفروا في الحر، فنزل قوله تعالى: وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ] [ (١) ] . [وأرسل ﷺ إلى مكة وقبائل العرب يتنفرهم، وجاء البكاءون يستحملونه، فقال ﷺ : لا أجد ما أحملكم عليه، وهم الذين قال اللَّه فيهم تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ] [ (٢) ] . وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم في التخلف، فأذن لهم، وهم اثنان وثمانون رجلا، وقعد آخرون من المنافقين بغير عذر وإظهار علة، جرأة على اللَّه ورسوله، وهو قوله تعالى: وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ] [ (٣) ] . وتخلف نفر من المسلمين من غير شك ولا ارتياب، منهم: كعب بن

стр. 3223

مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، وفيهم نزل: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا] [ (١) ] . [ولما رأى أبا ذر الغفاريّ- وكان ﷺ نزل في بعض الطريق- فقال: يمشى وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده، فكان كذلك] [ (١) ] . [ولما انتهى ﷺ إلى تبوك أتاه صاحب أيلة فصالحه وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جرباء، وأذرح [بلدين بالشام بينهما ثلاثة أميال] فأعطوه الجزية وكتب لهم ﷺ كتابا] [ (١) ] . [وفي هذه الغزوة كتب ﷺ كتابا إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، فقارب الإجابة ولم تجب] [ (١) ] . [وفي (مسند أحمد) أن هرقل كتب من تبوك إلى النبي ﷺ : أنى مسلم، فقال النبي ﷺ : كذب، وهو على نصرانيته] [ (١) ] . [وفي كتاب (الأموال) لأبى عبيد بسند صحيح من مرسل بكر بن عبد اللَّه نحوه، ولفظه: فقال: كذب عدوّ اللَّه، ليس بمسلم] [ (١) ] . [ثم انصرف ﷺ من تبوك، بعد أن أقام بها بضع عشر ليلة وأقبل حتى نزل بدى أوان [بينها وبين المدينة ساعة] جاءه خبر مسجد الضرار من السماء، فدعا مالك بن الدخشم، ومعن بن عدي العجلاني فقال: فخرجا فحرّقاه وهدماه، وذلك بعد أن أنزل اللَّه فيه: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً] [ (٢) ] . [ولما دنا من المدينة خرج الناس لتلقيه، وخرج الناس والصبيان والولائد يقلن:] [ (١) ] .

стр. 3224

طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا للَّه داع [وقد وهم بعض الرواة وقال: إنما كان هذا عند مقدمه المدينة وهو وهم ظاهر، لأن ثنيات الوداع [ (١) ] إنما هي من ناحية الشام، لا يراها القادم من مكة إلى المدينة، ولا يراها إلا إذا توجه إلى الشام] [وفي البخاري [ (٢) ] : «لما رجع ﷺ من غزوة تبوك فدنا من المدينة قال: إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم. قالوا: يا رسول اللَّه، وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة، حبسهم العذر] . [وهذا يؤيد معنى ما ورد: «نية المؤمن خير من عمله» [ (٣) ] ، والمسابقة إلى اللَّه تعالى وإلى الدرجات العلا بالنيات والهمم، لا بمجرد الأعمال] . [وجاء من كان تخلف عنه- فحلفوا له فعذرهم، واستغفر لهم، وأرجأ أمر كعب وصاحبيه، حتى نزلت توبتهم في قوله تعالى: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ* وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ

стр. 3225

وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [ (١) ] . [وعند البيهقي في (الدلائل) : من حديث ابن عباس في قوله تعالى: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [ (٢) ] . قال: كانوا عشرة رهط تخلفوا عن النبي ﷺ في غزوة تبوك، فلما رجع أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد، وكان ممر النبي ﷺ إذا رجع من المسجد عليهم، فلما رآهم قال: من هؤلاء الموثقون أنفسهم بالسوارى؟ قالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له، تخلفوا عنك يا رسول اللَّه، حتى يطلقهم النبي ﷺ ويعذرهم] قال: وأنا أقسم باللَّه لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون اللَّه تعالى هو الّذي يطلقهم: رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين!! فلما أن بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون اللَّه تعالى هو الّذي يطلقنا، فأنزل اللَّه : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ (٣) ] فلما نزلت، أرسل إليهم النبي ﷺ فأطلقهم وعذرهم، فجاءوا بأموالهم، فقالوا: يا رسول اللَّه! هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا، قال: ما أمرت أن آخذ أموالكم، فأنزل اللَّه تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ يقول: استغفر لهم إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [ (٤) ] . وبمعناه رواه عطية بن سعد عن ابن عباس- رضى اللَّه ﵎ عنهما-[ (٥) ] .

стр. 3226

[المجلد التاسع] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ فصل في ذكر عمرات رسول اللَّه ﷺ التي اعتمرها بعد هجرته قال [الزّجّاج] : معنى العمرة في العمل: الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة فقط، والعمرة للإنسان في جميع السنة، والحج وقته وقت واحد من السنة، ومعنى اعتمر في قصد البيت، أنه إنما خصّ بهذا، لأنه قصد بعمل في موضع عامر، وقال كراع: الاعتمار: العمرة، سمّاها بالمصدر. قاله ابن سيده في (المحكم) [ (١) ] .

стр. 3227

وقد اتفقوا على أن رسول اللَّه ﷺ ، اعتمر ثلاث عمر، صدّه المشركون في الأولى عن البيت، فعاد من الحديبيّة ثم اعتمر من قابل، وكانت عمرة القضاء، واعتمر أيضا من الجعرانة، بعد فتح مكة- شرّفها اللَّه-[قال] ابن إسحاق: واعتمر عمرة رابعة مع حجته. خرج الحاكم من حديث داود بن عبد الرحمن قال: سمعت عمرو بن دينار يحدّث عن عكرمة [عن] ابن عباس رضى اللَّه ﵎ عنهما قال: إن رسول اللَّه ﷺ اعتمر أربع عمر: عمرة الحديبيّة، وعمرة القضاء من قابل، والثالثة من الجعرانة، والرابعة مع حجّته. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد. [ولم يخرجاه] [ (١) ] . وأما عمرة الحديبيّة [ (٢) ] فقال ابن إسحاق: ثم أقام رسول اللَّه ﷺ بالمدينة رمضان، وشوّالا- يعنى سنة ست- وخرج من ذي القعدة معتمرا،

стр. 3228

_________ [ () ] فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتال أحد توجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه، قال: امضوا على اسم اللَّه، وكان أبو هريرة يقول: ما رأيت أحدا قط كان أكثر مشاورة لأصحابه من رسول اللَّه ﷺ . وبلغ المشركين خروجه ﷺ فأجمعوا رأيهم على صده عن مكة وعسكروا ببلدح [موضع خارج مكة] . وسار رسول اللَّه ﷺ حتى إذا كان بالثنية فقال: من يخرجنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟ فقال رجل من أسلم: أنا يا رسول اللَّه، فسلك بهم طريقا وعرا، فخرجوا منها بعد أن شق عليهم، وأفضوا إلى أرض سهلة، فقال لهم ﷺ : استغفروا اللَّه ففعلوا. فقال: والّذي نفسي بيده إنها للحطة التي عرضت على بنى إسرائيل فامتنعوا [إشارة إلى قوله تعالى وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ* فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ البقرة: [٥٨- ٥٩] . قال ابن إسحاق عن الزهري في حديثه، فقال: اسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض، في طريق تخرجه على ثنية المرار مهبط الحديبيّة. وثنية المرار- بكسر الميم وتخفيف الراء هي طريق في الجبل تشرف على الحديبيّة- وزعم الداوديّ أنها الثنية التي أسفل مكة، وهو وهم. وسمى ابن سعد الّذي سلك بهم: حمزة بن عمرو الأسلمي. وفي رواية أبى الأسود عن عروة: فقال من رجل يأخذ بنا عن يمين المحجة نحو سيف البحر، لعلنا نطوى مسلحة القوم، وذلك من الليل، فنزل رجل من دابته، فذكر القصة. فلما فرغوا من القضية أمر رسول اللَّه ﷺ بالهدى فساقه المسلمون- يعنى إلى جهة الحرم- حتى قام إليه المشركون من قريش فحبسوه، فأمر رسول اللَّه ﷺ بالنحر. فما قام رجل كأنهم توقفوا لاحتمال أن يكون الأمر بذلك للندب، أو لرجاء نزول الوحي بإبطاء الصلح المذكور، أو تخصيصه بالإذن بدخولهم مكة ذلك العام لإتمام نسكهم، وسوغ ذلك لهم لأنه كان في زمان وقوع النسخ. ويحتمل أن يكونوا قد ألهتهم صورة الحال، فاستغرقوا في الفكر لما لحقهم من الذل عند أنفسهم، من ظهور قوتهم، واقتدارهم في اعتقادهم على بلوغ غرضهم، وقضاء نسكهم بالقهر والغلبة، أو أخروا الامتثال لاعتقادهم أن الأمر المطلق لا يقتضي الفور، ويحتمل مجموع هذه-

стр. 3229

_________ [ () ] الأمور جميعها، كما سيأتي في كلام أم سلمة رضى اللَّه ﵎ عنها، وليس فيه حجة لمن أثبت أن الأمر للفور، ولا لمن نفاه، ولا لمن قال: إن الأمر للوجوب لا للندب، لما يطرق القصة من الاحتمال. فاشتد ذلك عليه ﷺ ، فدخل على أم سلمة فقال: هلك المسلمون! أمرتهم أن يحلقوا فلم يفعلوا، قال: فجلى اللَّه ﵎ عنهم يومئذ بأم سلمة رضى اللَّه ﵎ عنها. قالت أم سلمة رضى اللَّه وتبارك وتعالى عنها: يا نبي اللَّه! أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم، فإنّهم قد دخلوا في أمر عظيم لما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح، ورجوعهم بغير فتح، فأشارت عليه أن يتحلل لينتفى عنهم هذا الاحتمال. وعرف رسول اللَّه ﷺ صواب ما أشارت به ففعله، فلما رأى الصحابة ذلك بادروا إلى فعل ما أمرهم به، إذ لم يبق بعد ذلك غاية تنتظر. وفيه فضل المشورة، وأن الفعل إذا انضم إلى القول كان أبلغ من القول المجرد، وليس فيه أن الفعل مطلقا أبلغ من القول، وفيه جواز مشاورة المرأة الفاضلة، وفضل أم سلمة رضى اللَّه ﵎ عنها ووفور عقلها حتى قال إمام الحرمين: لا نعلم امرأة أشارت برأي فأصابت إلا أم سلمة، كذا قال: وقد استدرك بعضهم عليه بنت شعيب في أمر موسى ﵇. نحر ﷺ هديه، وكان سبعين بدنة، كان فيها جمل لأبى جهل، في رأسه برة من فضة ليغيظ به المشركين، وكان ﷺ غنمه منه في غزوة بدر، ودعا حالقة خراش بن أمية بن الفضل الخزاعي، فحلقه. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد اللَّه بن أبى نجيح عن مجاهد، عن ابن عباس: حلق رجال يومئذ وقصر آخرون، فقال رسول اللَّه ﷺ : يرحم اللَّه المحلقين، قالوا: والمقصرين ... الحديث، وفي آخره قالوا: يا رسول اللَّه! لم ظاهرت للمحلقين دون المقصرين؟ قال: لأنهم لم يشكوا. قال ابن إسحاق: قال الزهري في حديثه: ثم انصرف رسول اللَّه ﷺ قافلا، حتى إذا كان بين مكة والمدينة، ونزلت سورة الفتح- فذكر الحديث في تفسيرها إلى أن قال: - قال الزهري: فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم من فتح الحديبيّة. (فتح الباري) : ٥/ ٤١٢ كتاب الشروط باب (١٥) الشروط في الجهاد، والمصالحة مع أهل الحرب، وكتابه الشروط حديث رقم (٢٧٣١، ٢٧٣٢) مع اختصار الشرح. -

стр. 3230

_________ [ () ] (٣) عمرة القضاء، تسمى بعمرة القضية، لأنه ﷺ قاضى فيها قريشا، لا لأنها قضاء عن العمرة التي صدّ عنها، لأنها لم تكن فسدت حتى يجب قضاؤها، بل كانت عمرة تامة، ولهذا عدوا عمرات رسول اللَّه ﷺ أربعا. وقال آخرون بل كانت قضاء عن العمرة الأولى، وعدوا عمرة الحديبيّة في العمر لثبوت الأجر فيها. لا لأنها كملت، وهذا الخلاف مبنى على الاختلاف في وجوب القضاء على من اعتمر فصد عن البيت، فقال الجمهور: يجب عليه الهدى ولا قضاء عليه. وعند أبى حنيفة عكسه، وعن أحمد رواية: أنه لا يلزمه هدى ولا قضاء، وأخرى: أنه يلزمه القضاء والهدى. فحجة الجمهور: قوله ﵎: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة: ١٩٦] . وحجة أبى حنيفة: أن العمرة تلزم بالشروع، فإذا أحصر جاز له تأخيرها فإذا زال الحصر أتى بها، ولا يلزم من التحلل بين الإحرامين سقوط القضاء. وحجة من أوجبها: ما وقع للصحابة، فإنّهم نحروا الهدى حيث صدوا واعتمروا من قابل وساقوا الهدى. وحجة من لم يوجبها: أن تحللهم بالحصر لم يتوقف على نحر الهدى بل أمر من معه هدى أن ينحر، ومن ليس معه هدى أن يحلق. قال الحاكم في (الإكليل) : تواترت الأخبار أنه ﷺ لما هلّ ذو القعدة- يعنى سنة سبع- أمر أصحابه أن يعتمروا قضاء لعمرتهم التي صدهم المشركون عنها بالحديبية، وأن لا يتخلف أحد ممن شهد الحديبيّة، فلم يتخلف منهم إلا رجال استشهدوا بخيبر، ورجال ماتوا. وخرج معه من المسلمين ألفان، واستخلف على المدينة أبا رهم الغفاريّ، وساق ﷺ ستين بدنة، وحمل السلاح، وقاد مائة فرس، فلما انتهى إلى ذي الخليفة قدم الخيل أمامه، عليها محمد بن مسلمة، وقدم السلاح، واستعمل عليه بشير بن سعد رضى اللَّه ﵎ عنه. وأحرم ﷺ ولبى، والمسلمون يلبون معه، ومضى محمد بن مسلمة في الخيل إلى مر الظهران، فوجد بها نفرا من قريش، فسألوه فقال: هذا رسول اللَّه ﷺ يصبح هذا المنزل غدا إن شاء اللَّه تعالى. فأتوا قريشا فأخبروهم ففزعوا.

стр. 3231

لا يريد حربا، واستنفر العرب من حوله من أهل البوادي والأعراب ليخرجوا

стр. 3232

معه، وهو يخشى من قريش الّذي صنعوا، أن يعرضوا له بحرب، أو يصدوه عن البيت، فأبطأ عليه كثير من الأعراب، وخرج رسول اللَّه ﷺ بمن معه من المهاجرين والأنصار، ومن لحق به من العرب، وساق معه الهدى، وأحرم بالعمرة، ليأمن الناس من حربه، وليعلم الناس أنه إنما خرج زائرا لهذا البيت، ومعظما له. وخرّج البخاري في كتاب الشروط، من حديث عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر قال: أخبرنى الزهري قال: أخبرنى عروة بن الزبير، عن المسور ابن مخرمة، [ومروان] ، يصدّق كل واحد منهما حديث صاحبه، قالا: خرج رسول اللَّه ﷺ زمن الحديبيّة، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال رسول اللَّه ﷺ : إن خالد بن الوليد بالغميم، في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين، فو اللَّه ما شعر بهم خالد، حتى إذا هم بقترة- القترة: غبرة الخيل، ويقال: القتر أيضا- فانطلق يركض نذيرا لقريش. وسار رسول اللَّه ﷺ ، حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حل حل، فألحت، فقالوا: خلأت القصواء، فقال رسول اللَّه ﷺ : ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال: والّذي نفسي بيده، لا يسألوننى خطة يعظمون فيها حرمات اللَّه إلا أعطيتهم إياها، ثم زجرها فوثبت، قال فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبيّة على ثمد قليل الماء يتربضه الناس تربضا، فلم يلبثه الناس حتى نزحوه، وشكى إلى رسول اللَّه ﷺ العطش، فانتزع سهما من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فو اللَّه ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه. فبينما هم كذلك، إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة- وكانوا عيبة نصح رسول اللَّه ﷺ من أهل تهامة- فقال: إني تركت كعب بن لؤيّ وعامر بن لؤيّ نزلوا أعداد مياه الحديبيّة، ومعهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال رسول اللَّه ﷺ : إنا لم نجيء لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت

стр. 3233

بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر، فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جمّوا، وإن هم أبوا فو الّذي نفسي بيده لأقتلنهم على أمرى هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذن اللَّه أمره، فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. قال: فانطلق حتى أتى قريشا قال: إنا جئناكم من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا. فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه بشيء. وقال ذوو الرأى منهم: هات ما سمعته يقول، قال: يقول سمعته يقول: كذا وكذا، فحدثهم بما قال رسول اللَّه ﷺ ، فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم، ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: أولست بالولد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تتهموننى؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أنى استنفرت أهل عكاظ، فلما بلّحوا عليّ [أي تمنعوا من الإجابة] جئتكم بأهلى وولدى ومن أطاعنى؟ قالوا: بلى. قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد اقبلوها ودعوني آتيه. قالوا: ائته. فأتاه، فجعل يكلم رسول اللَّه ﷺ ، فقال رسول اللَّه نحوا من قوله لبديل. قال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى، فإنّي واللَّه لا أرى وجوها، وإني لأرى أشوابا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك، فقال له أبو بكر: امصص ببظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟ فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر، قال: أما والّذي نفسي بيده، لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. قال: وجعل يكلم رسول اللَّه ﷺ ، فكلما تكلم كلمة أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول اللَّه ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية رسول اللَّه ﷺ ضرب يده بنصل السيف وقال له: أخر يدك عن لحية رسول اللَّه ﷺ . فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قال: المغيرة بن شعبة، فقال: أي غدر، ألست أسعى في غدرتك؟ وكان

стр. 3234

المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم، فقال رسول اللَّه ﷺ : أما الإسلام فأقبل وأما المال فلست منه في شيء. ثم إن عروة أخذ يرمق أصحاب رسول اللَّه ﷺ بعينه. قال: فو اللَّه ما تنخم رسول اللَّه ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيما له. فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم! واللَّه لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، واللَّه إن رأيت مليكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا، واللَّه إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيما له وأنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. فقال رجل من بنى كنانة دعوني آتيه، فقالوا: ائته، فلما أشرف على رسول اللَّه ﷺ وأصحابه، قال رسول اللَّه ﷺ : هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها له، فبعثت له، واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان اللَّه ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت. فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت. فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال: دعوني آتيه. فقالوا: ائته. فلما أشرف عليهم قال رسول اللَّه ﷺ : هذا مكرز، وهو رجل فاجر. فجعل يكلم رسول اللَّه ﷺ فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو. قال معمر: فأخبرني أيوب عن عكرمة أنه لما جاء سهيل بن عمرو قال رسول اللَّه ﷺ : قد سهل لكم من أمركم. قال معمر: قال الزهري في حديثه: فجاءه سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابا، فدعا رسول اللَّه ﷺ الكاتب، فقال رسول اللَّه ﷺ : اكتب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فقال سهيل: أما الرحمن فو اللَّه ما أدرى ما هي، ولكن اكتب باسمك اللَّهمّ كما كنت تكتب، فقال المسلمون: واللَّه لا نكتبها إلا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ

стр. 3235

الرَّحِيمِ فقال رسول اللَّه ﷺ : اكتب «باسمك اللَّهمّ» . ثم قال: «هذا ما قاضى عليه محمد رسول اللَّه» ، فقال سهيل: واللَّه لو كنا نعلم أنك رسول اللَّه ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب «محمد بن عبد اللَّه» قال الزهري: وذلك لقوله «لا يسألوننى خطة يعظمون فيها حرمات اللَّه إلا أعطيتهم إياها» ، فقال له رسول اللَّه ﷺ : على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به. فقال سهيل: واللَّه لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن ذلك في العام المقبل، فكتب فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل- وإن كان على دينك- إلا رددته إلينا. قال المسلمون: سبحان اللَّه، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما؟ فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلى. فقال رسول اللَّه ﷺ : إنا لم نمض الكتاب بعد. قال: فو اللَّه إذا لم أصالحك على شيء أبدا. قال رسول اللَّه ﷺ : فأجزه لي، قال: ما أنا بمجيزه لك، قال: بلى فافعل، قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بل قد أجزناه لك. قال أبو جندل: أي معشر المسلمين، أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب عذابا شديدا في اللَّه. قال: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت نبي اللَّه ﷺ فقلت: ألست نبي اللَّه حقا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال: إني رسول اللَّه ولست أعصيه، وهو ناصري. قلت: أوليس كنت تحدثا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى. فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قال: قلت: لا. قال فإنك آتيه ومطوف به. قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي اللَّه حقا؟ قال: بلى. قال: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قال فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال: أيها الرجل إنه لرسول اللَّه ﷺ ، وليس يعصى ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه فو اللَّه إنه على الحق، قلت: أليس كان يحدثنا أنا

стр. 3236

سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالا. قال: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول اللَّه ﷺ لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا. قال: فو اللَّه ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي اللَّه أتحب ذلك؟ اخرج، ثم لا تكلم أحدا منهم حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه ودعا حالقة فحلقه. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما. ثم جاءه نسوة مؤمنات، فأنزل اللَّه تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ حتى بلغ بِعِصَمِ الْكَوافِرِ [ (١) ] فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبى سفيان والأخرى صفوان بن أمية. ثم رجع رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة، فجاءه أبو بصير، رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الّذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير، لأحد الرجلين: واللَّه إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا، فاستله الآخر فقال: أجل واللَّه إنه لجيد، فقد جربت به ثم جربت به ثم جربت. فقال أبو بصير: أرنى انظر إليه فأمكنه منه فضربه حتى برد، وفرّ الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو فقال رسول اللَّه ﷺ حين رآه: لقد رأى هذا ذعرا، فلما انتهى إلى رسول اللَّه ﷺ قال: قتل واللَّه صاحبي وإني لمقتول. فجاء أبو بصير فقال: يا نبي اللَّه، قد واللَّه أوفى اللَّه ذمتك قد رددتني إليهم، ثم أنجانى اللَّه منهم. قال رسول اللَّه ﷺ : «ويل أمه مسعر حرب لو

стр. 3237

كان معه أحد، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر. قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فو اللَّه ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها. فقتلوهم وأخذوا أموالهم فأرسلت قريش إلى رسول اللَّه ﷺ تناشده اللَّه والرحم لما أرسل، فمن أتاه فهو آمن فأرسل رسول اللَّه ﷺ إليهم، فأنزل اللَّه تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ حتى بلغ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ [ (١) ] وكانت حميتهم أنهم لا يقروا أنه نبي اللَّه، ولم يقروا ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت [ (٢) ] .

стр. 3238

[قال أبو عبد اللَّه: معرة، العر: الجرب، تزيلوا: انمازوا، وحميت القوم منعتهم حماية، وأحميت الحمى: جعلته حمى لا يدخل. وأحميت الرجل إذا أغضبته إحماء.] قال عقيل عن الزهري: قال عروة: فأخبرتنى عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها أن رسول اللَّه ﷺ كان يمتحنهن وبلغنا أنه لما أنزل اللَّه أن يردوا إلى المشركين ما أنفقوا على من هاجر من أزواجهن، وحكم على المسلمين أن لا يمسكوا بعصم الكوافر، أن عمر رضى اللَّه ﵎ عنه طلق امرأتين، قريبة بنت أبى أمية، وابنة جرول الخزاعي، فتزوج قريبة معاوية، وتزوج الأخرى أبو جهم. فلما أبى الكفار أن يقروا بأداء ما أنفق المسلمون على أزواجهم، أنزل اللَّه: وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ [ (١) ] ، والعقب ما أدى المسلمون إلى من هاجرت امرأته من الكفار، فأمر أن يعطى من ذهبت له زوج من المسلمين ما أنفق من صداق نساء الكفار اللاتي هاجرن، وما نعلم أحدا من المهاجرات ارتدت بعد إيمانها. وبلغنا أن أبا بصير بن أسيد الثقفي قدم على رسول اللَّه ﷺ مؤمنا مهاجرا في المدة، فكتب الأخنس بن شريق [إلى] رسول اللَّه ﷺ يسأله أبا

стр. 3239

بصير، فذكر الحديث [ (١) ] . ترجم عليه وعلى ما اتصل به: باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب، وكتابة الشروط مع الناس بالقول، فذكر منه طرفا في غزوة الحديبيّة [ (٢) ] ، وفرقه في كتاب الشروط. وخرجه باختصار من حديث البراء بن عازب [ (٣) ] ، وخرجه مسلم من

стр. 3240

حديث أنس [ (١) ] ، وحديث البراء مختصرا [ (٢) ] ، وفرقه البخاري في مواضع. وأما عمرة القضاء فقال ابن إسحاق: فلما رجع رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة من خيبر، أقام بها شهري ربيع، وجمادين ورجبا، وشعبان، و [شهر] [ (٣) ] رمضان، وشوالا ثم خرج في ذي القعدة، في الشهر الّذي صده فيه المشركون معتمرا عمرة القضاء، مكان عمرته التي صدوه عنها [ (٤) ] . قال ابن هشام- ويقال لها: عمرة القصاص [ (٥) ] ، لأنهم صدوا رسول اللَّه ﷺ في ذي القعدة، في الشهر الحرام من سنة ست، فاقتص رسول اللَّه

стр. 3241

صلّى اللَّه عليه وسلّم، فدخل مكة في الشهر الحرام الّذي صدوه فيه من سنة سبع-: بلغنا عن ابن عباس رضى اللَّه ﵎ عنه أنه قال: فأنزل اللَّه في ذلك: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [ (١) ] .

стр. 3242

قال موسى بن عقبة: فلما بلغ رسول اللَّه ﷺ ناجح، وضع الأداة كلها: الجحف، والرماح، والمجان، والنبل، ودخلوا بسلاح الراكب: السيوف في القرب. قال ابن إسحاق: فلما سمع به أهل مكة خرجوا عنه، وتحدثت قريش بينها: أن محمدا وأصحابه في عسرة وجهد وشدة، فحدثني من لا أتهم، عن ابن عباس رضى اللَّه ﵎ عنه قال: صفوا له عند دار الندوة، لينظروا إليه وإلى أصحابه، فلما دخل رسول اللَّه ﷺ المسجد، اضطبع بردائه [ (١) ] ، واخرج عضده اليمنى، ثم قال: رحم اللَّه امرأ أراهم اليوم من نفسه قوة، ثم استلم الركن، وخرج يهرول [ (٢) ] ويهرول أصحابه معه حتى واراه البيت منهم، واستلم [ (٣) ] الركن اليماني، ومشى حتى استلم الركن الأسود ثم يهرول كذلك ثلاثة أشواط، ومشى سائرها، فكان ابن عباس يقول: كان الناس يظنون أنها ليست عليهم، وذلك أن رسول اللَّه ﷺ إنما صنعها لهذا الحي من قريش، للذي بلغه عنهم، حتى حج حجة الوداع، فلزمها فمضت السنة بها. قال موسى بن عقبة: فلما قدم رسول اللَّه ﷺ مكة، أمر أصحابه فقال: اكشفوا عن المناكب، واسعوا في الطواف ليرى المشركون جلدكم وقوتكم، وكان رسول اللَّه ﷺ يكايدهم بكل ما استطاع، فانكفأ أهل مكة، الرجال والنساء ينظرون إلى رسول اللَّه ﷺ وأصحابه، وهم يطوفون بالبيت، وعبد اللَّه بن رواحة يرتجز بين يدي رسول اللَّه ﷺ ، متوشحا بالسيف، وهو يقول: خلوا بنى الكفار عن سبيله ... إني شهدت أنه رسوله حقا وكل الخير في سبيله ... نحن قتلناكم على تأويله كما ضربناكم على تنزيله ... ضربا يزيل الهام عن مقيله

стр. 3243

ويذهل الخليل عن خليله [ (١) ] فقال عمر بن الخطاب: يا ابن رواحة! فقال رسول اللَّه ﷺ : يا عمر، إني أسمع! فأسكت عمر. قال: وتغيب رجال من أشراف المشركين، كراهية ان ينظروا إلى رسول اللَّه ﷺ وأصحابه غيظا، وحنقا، ونفاسة، وحسدا، خرجوا إلى بوادي مكة. قال ابن إسحاق: فأقام رسول اللَّه ﷺ ثلاثة، فأتاه حويطب بن عبد العزى بن أبى قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل، في نفر من قريش، في اليوم الثالث، وكانت قريش قد وكلته بإخراج رسول اللَّه ﷺ من مكة، فقالوا له: إنه قد انقضى أجلك، فاخرج عنا، فقال رسول اللَّه ﷺ وما عليكم لو تركتموني، فأعرست بين أظهركم، وصنعنا لكم طعاما فحضرتموه؟ قالوا: لا حاجة لنا في طعامك، فاخرج عنا، فخرج رسول اللَّه ﷺ ، وخلف أبا رافع مولاه على ميمونة، حتى أتاه بها بسرف [ (٢) ] ، فبنى بها هنالك ثم انصرف إلى المدينة.

стр. 3244

قال ابن هشام [ (١) ] : فأنزل اللَّه فيما حدثني أبو عبيدة: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً [ (٢) ] .

стр. 3245

وأما عمرة الجعرانة [ (١) ] فخرج البخاري [ (٢) ] ومسلم [ (٣) ] من حديث همام، حدثنا قتادة، أن أنسا رضى اللَّه ﵎ عنه أخبره أن رسول اللَّه ﷺ اعتمر أربع عمر، كلهن في ذي القعدة، إلا التي كانت في حجته، عمرة من الحديبيّة أو [زمن] الحديبيّة في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة [حيث قسم] غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته. لم يقل البخاري: أو زمن الحديبيّة. ذكره في عمرة الحديبيّة، وذكره في آخر كتاب الجهاد، في باب من قسم الغنيمة في غزوة وسفره، ولفظه: أن أنس بن مالك رضى اللَّه ﵎ عنه أخبره قال: اعتمر رسول اللَّه ﷺ من الجعرانة، حيث قسم غنائم حنين. لم يذكر في هذا الباب غير هذا، وكرره.

стр. 3246

وخرج النسائي من حديث ابن جريج قال: حدثني مزاحم بن أبى مزاحم، عن عبد العزيز بن عبد اللَّه، عن [محرش] الكعبي، أن رسول اللَّه ﷺ خرج من الجعرانة يعتمر ليلا، فدخل مكة ليلا فقضى عمرته، ثم خرج من تحت ليلته، فأصبح بالجعرانة كبائت، فلما زالت الشمس من الغد، خرج من بطن سرف، حتى جامع الطريق- طريق المدينة بسرف [ (١) ]- فلذلك خفيت عمرته على كثير من الناس. وقال الواقدي: انتهى رسول اللَّه ﷺ إلى الجعرانة ليلة الخميس، لخمس ليال خلون إلى المدينة، خرج من الجعرانة ليلة الأربعاء [لاثنتي] عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة ليلا، فأحرم من المسجد الأقصى، الّذي بحيز [ (٢) ] الوادي بالعدوة القصوى ولم يجز الوادي إلا محرما، فلم يزل يلبى حتى استلم الركن. ويقال لما نظر إلى البيت قطع التلبية، فلما أتى البيت أناخ راحلته على باب بنى شيبة ودخل فطاف ثلاثة أشواط، يرمل من الحجر إلى الحجر، ثم خرج فطاف بين الصفا والمروة على راحلته، حتى إذا انتهى إلى المروة في الطواف السابع حلق رأسه عند المروة، ثم انصرف إلى الجعرانة من ليلته، فكان كبائت بها، فلما رجع الجعرانة، خرج يوم الخميس فسلك في وادي الجعرانة، وسلك معه الناس، حتى خرج على سرف، ثم أخذ الطريق حتى انتهى إلى مر الظهران [ (٣) ] . قال: وقدم المدينة يوم الجمعة لثلاث بقين من ذي القعدة [ (٤) ] .

стр. 3247

وخرج الإمام أحمد من حديث ابن جريج قال: سمعت عطاء يقول: أخبرني عروة بن الزبير قال: كنت أنا وابن عمر، مستندين إلى حجرة عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها، أنا لنسمعها بست [ (١) ] ، قلت: يا أبا عبد الرحمن، اعتمر رسول اللَّه ﷺ في رجب؟ [قال: نعم، قلت: يا أماه! أما تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: ما يقول؟ قلت يقول: اعتمر رسول اللَّه ﷺ في [رجب] [ (٢) ] ، قالت: يغفر اللَّه لأبى عبد الرحمن، [نسي] [ (٣) ] ، ما اعتمر رسول اللَّه ﷺ في رجب، قال: وابن عمر يسمع، فما قال: لا، ولا نعم، سكت [ (٤) ] .

стр. 3248

فصل في ذكر حجة رسول اللَّه ﷺ بعد الهجرة قال سفيان: حج رسول اللَّه ﷺ قبل أن يهاجر حججا، وحج بعد ما هاجر الوداع. ذكره الحاكم [ (١) ] ، [وقيل: حج ثلاث حجج، حجتين قبل الهجرة، وحجة بعد ما هاجر، معها عمرة] . وخرج مسلم [ (٢) ] من حديث أبى بكر بن أبى شيبة، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل المزني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: دخلنا على جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه ﵎ عنهما، فسأل عن القوم حتى انتهى إلى فقلت: أنا محمد بن على بن حسين، فأهوى بيده الى رأسي، فنزع زرى الأعلى، ثم نزع زرى الأسفل، ثم وضع كفه على ثديي، وأنا يومئذ غلام شاب، فقال: مرحبا بك يا ابن أخى، سل عما شئت، فسألته- وهو أعمى وحضر وقت الصلاة- فقام في [شملة ملتحفا بها] ، كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه على المشجب، فصلى بنا، فقلت: أخبرنى عن حجة رسول اللَّه ﷺ ، فقال بيده: فعقد تسعا، فقال: إن رسول اللَّه ﷺ مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة، أن

стр. 3249

رسول اللَّه ﷺ حاج، فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول اللَّه ﷺ ، ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبى بكر، فأرسلت إلى رسول اللَّه ﷺ كيف أصنع؟ فقال: اغتسلي واستشفرى بثوب، وأحرمى. فصلى رسول اللَّه ﷺ في المسجد، ثم ركب القصواء، حتى إذا استوت بها ناقته على البيداء، نظرت إلى مدّ بصرى، بين يديه من راكب، وماش ويمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول اللَّه ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل من شيء عملنا به، وأهل بالتوحيد: لبيك اللَّهمّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد، والنعمة لك والملك، لا شريك لك، وأهل الناس بهذا الّذي يهلون به، فلم يرد رسول اللَّه ﷺ عليهم شيئا منه، ولزم رسول اللَّه ﷺ تلبيته. قال جابر: لسنا ننوى إلا الحج لسنا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن، فرمل ثلاثا، ومشى أربعا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم، فقرأ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ [مُصَلًّى] ، فجعل المقام بينه وبين البيت، فكان أبى يقول- ولا أعلمه ذكرها إلا عن رسول اللَّه ﷺ كان يقرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ، ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا، قرأ: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ، فبدأ بما بدأ اللَّه به، فبدأ بالصفا، فرقى عليها حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد اللَّه ، وكبره، وقال: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا اللَّه وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة، حتى انصبت قدماه في بطن الوادي، حتى إذا صعدنا، مشى حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طواف على المروة، قال: لو أنى استقبلت من أمرى ما استدبرت، لم أسق الهدى، ولجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدى فليحل، وليجعلها عمرة، فقام

стр. 3250

سراقة بن مالك بن جشعم [فقال: يا رسول اللَّه] [ (١) ] ! ألعامنا هذا أم لأبد؟ فشبك رسول اللَّه ﷺ أصابعه، واحدة في الأخرى، وقال: دخلت العمرة في الحج مرتين، لا بل أبدا أبدا. وقدم على بن أبى طالب رضى اللَّه ﵎ عنه [ (٢) ] من اليمن ببدن رسول اللَّه ﷺ ، فوجد فاطمة [ (٣) ] رضى اللَّه ﵎ عنها ممن حل ولبست ثيابا صبيغا، واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: أبى أمرنى بهذا، قال: وكان علي يقول بالعراق فذهبت إلى رسول اللَّه ﷺ محرشا على فاطمة رضى اللَّه ﵎ عنها للذي صنعت، مستفتيا لرسول اللَّه ﷺ [فيما] [ (٤) ] ذكرت عنه، فأخبرته أنى أنكرت ذلك عليها فقال: صدقت، صدقت، ماذا قلت حين فرضت الحج؟ قال: قلت: اللَّهمّ إني أهل بما أهل به رسول اللَّه [ (٥) ] ﷺ ، قال: فإن معى [الهدى فلا تحل] . قال: فكان جماعة الهدى الّذي قدم به عليّ من اليمن، والّذي أتى به رسول اللَّه ﷺ مائه، قال: فحل الناس كلهم وقصروا، إلا رسول اللَّه ﷺ ومن كان معه هدى، فلما كان يوم التروية، توجهوا إلى منى، فركب رسول اللَّه ﷺ فصلى بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، ثم مكث قليلا، حتى طلعت الشمس وأمر بقبة من شعر، فضربت [ (٦) ] له بنمرة، فسار رسول اللَّه ﷺ ولا تشك قريش، إلا أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول اللَّه ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس، أمر ﷺ بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال: ان دماءكم

стр. 3251

وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا، دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بنى سعد، فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربا عباس ابن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا اللَّه في النساء، فإنكم أخذتموهنّ بأمان اللَّه، واستحللتم فروجهن بكلام اللَّه، ولكم عليهنّ ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب اللَّه. وأنتم تسألون عنى فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت، وأديت، ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء، وينكتها إلى الناس، اللَّهمّ اشهد، اللَّهمّ اشهد، [اللَّهمّ اشهد] [ (١) ] ، ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب رسول اللَّه ﷺ حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل [ (٢) ] المشاة بين يديه، واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا، حتى غاب القرص وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول اللَّه ﷺ وقد شنق للقصواء الزمام، حتى أن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: أيها الناس! السكينة، السكينة. كلما [ (٣) ] أتى جبلا من الجبال، أرخى لها قليلا حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء، بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع رسول اللَّه ﷺ حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حتى تبين له الصبح، بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل

стр. 3252

القبلة، فدعاه وكبره، وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس. وأردف الفضل بن عباس- وكان رجلا حسن الشعر أبيض وسيما- فلما دفع رسول اللَّه ﷺ ، مرت ظعن يجزين، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول اللَّه ﷺ يديه على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول اللَّه ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل، يصرف وجهه من الشق الآخر ينظر حتى أتى بطن محسر، فحرك قليلا، ثم سلك الطريق الوسطى، التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها، مثل حصى الخذف، رمى من بطن الوادي. ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بدنه، ثم أعطى عليا فنحر ما غير، وأشركه في هديه، ثم أمر من بين بدنه ببضعه، فجعلت في قدر فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها، ثم ركب رسول اللَّه ﷺ فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر، فأتى بنى عبد المطلب يسقون على زمزم، فقال: انزعوا بنى عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلوا فشرب منه [ (١) ] . وكرره مسلم من طرق [ (٢) ] ، وأخرجه أبو داود من طريق حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه بنحو حديث مسلم [ (٣) ] ، وقد روى هذا الحديث عن جعفر بن محمد، وعبد الملك بن جريج، وعبيد اللَّه وعبد اللَّه العرنيين وسفيان الثوري، وعلى بن صالح، ومالك بن أنس، ومحمد بن

стр. 3253

إسحاق، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وعبد اللَّه بن عمرو بن علقمة المكيّ، وحاتم بن إسماعيل، وسلام القاري، وجماعة يطول ذكرهم. وقال الواقدي: إن رسول اللَّه ﷺ ، سار من المدينة لخمس بقين من ذي القعدة، ودخل مكة يوم الثلاثاء، الرابع من ذي الحجة، وكان يوم التروية يوم الجمعة، فركب حين زاغت الشمس إلى [منى] ، ويقال: بل ركب يوم الخميس، فبات بمنى ليلة الجمعة، التاسع من ذي الحجة، ثم أصبح فركب إلى عرفة. [ (١) ] وقد اختلف العلماء فيما كان رسول اللَّه ﷺ في حجته به محرما، فقال قوم: كان مفردا. روى مالك عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها، وعن محمد بن عبد الرحمن بن عروة، عن عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها أن رسول اللَّه ﷺ أفرد بالحج. وروى ابن عيينة وغيره، عن الزهري عن عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها قالت: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ فقال: من أراد أن يهل بحج فليهل، من أراد أن يهل بحج وعمرة فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل. قالت عائشة: وأهل رسول اللَّه ﷺ بالحج، وأهل به الناس معه. وذكر الحديث. وكذلك رواه جماعة عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها سواء وقالوا فيه: قال رسول اللَّه ﷺ وأما أنا فإنّي أهل بالحج. وروى الدراوَرْديّ، عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر رضى اللَّه ﵎ عنه قال: إن رسول اللَّه ﷺ أفرد بالحج.

стр. 3254

وروى الدراوَرْديّ، عن علقمة بن أبى علقمة، عن أمه، عن عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها قالت: إن رسول اللَّه ﷺ أفرد بالحج [ (١) ] . وروى أبو مصعب عن مالك، عن علقمة بإسناد مثله، ورواه عباد بن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع عن ابن عمر رضى اللَّه ﵎ عنهما قال: أهللنا مع رسول اللَّه ﷺ بالحج مفردا، وروى بكر المزني عن ابن عمر رضى اللَّه ﵎ عنهما مثله. وهذا حجة من قال بإفراد الحج وفضله، وهو قول مالك، وأشهر قول الشافعيّ، واستحسنه أبو ثور، وفضله على التمتع والقران، وهو قول عبد العزيز بن أبى مسلمة، والأوزاعي وغيره، وروى ذلك عن أبى بكر، وعمر، وعثمان، وعن عائشة وجابر رضى اللَّه ﵎ عنهم. وقال قوم: بل كان رسول اللَّه ﷺ متمتعا، فروى معمر عن أيوب قال: قال عروة لابن عباس: ألا تتق اللَّه ترخص لي المتعة، فقال ابن عباس رضى اللَّه ﵎ عنهما: سل أمك يا عروة، فقال عروة: أما أبو بكر وعمر رضى اللَّه ﵎ عنهما فلم [يفعلاه] ، فقال ابن عباس رضى اللَّه عنهما: واللَّه ما أراكم منتهين حتى يعذبكم اللَّه! أحدثكم عن رسول اللَّه ﷺ ، وتحدثونا عن أبى بكر وعمر رضى اللَّه ﵎ عنهما. وروى عن الليث عن عقيل، عن ابن شهاب عن سالم، عن ابن عمر رضى اللَّه ﵎ عنهما قال: تمتع رسول اللَّه ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى، وساق الهدى معه من ذي الحليفة، وبدأ رسول اللَّه ﷺ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، وتمتع الناس مع رسول اللَّه ﷺ بالعمرة

стр. 3255

إلى الحج، قال عقيل: قال ابن شهاب: وأخبرنى عروة، عن عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها بمثل خبر سالم عن أبيه، في تمتع رسول اللَّه ﷺ بالعمرة إلى الحج. وعن سعد بن أبى وقاص رضى اللَّه ﵎ عنه في المتعة: صنعها رسول اللَّه ﷺ ، وصنعناها معه، وعن عمران بن حصين رضى اللَّه ﵎ عنه قال: تمتعنا على عهد رسول اللَّه ﷺ متعة الحج، وروى شعبة عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب، عن على رضى اللَّه ﵎ عنه، أن رسول اللَّه ﷺ تمتع، ورواه حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد، وروى مالك وعبيد اللَّه بن عمر عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة رضى اللَّه ﵎ عنها أنها قالت لرسول اللَّه ﷺ : ما بال الناس حلوا بعمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر [ (١) ] . روى ابن إسحاق عن الزهري، عن سالم قال: إني [لجالس] مع ابن عمر رضى اللَّه ﵎ عنهما في المسجد، [إذ] جاءه رجل من أهل الشام، فسأله عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال ابن عمر رضى اللَّه ﵎ عنهما: حسن جميل، قال: فإن أباك كان ينهى عنها، فقال: ويلك! فإن كان أبى نهى عن ذلك، وقد فعله رسول اللَّه ﷺ وأمر به، أفبقول أبى آخذ، أم بأمر رسول اللَّه ﷺ ، قم عنى. وقال عبد الملك بن شريك: تمتعت، فسألت ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، رضى اللَّه تعالى ﵎ عنهم فقالوا: هديت لسنة نبيك. وقال شعبة عن أبى حمزة: تمتعت، فنهاني عنها أناس، فسألت ابن عباس رضى اللَّه ﵎ عنهما فقال: سنة أبى القاسم ﷺ هي التمتع. وروى الثوري عن ليث بن أبى سليم، عن [طاووس] ، عن ابن عباس رضى اللَّه

стр. 3256

تبارك وتعالى عنهما قال: تمتع رسول اللَّه ﷺ ، وأبو بكر رضى اللَّه ﵎ عنه حتى مات، وأول من نهى عنها معاوية. قال ابن عبد البر: ليث هذا منكر ضعيف، والمشهور عن عمر وعثمان رضى اللَّه ﵎ عنهما أنهما كانا ينهيان عن التمتع. وذكر معمر عن الزهري، عن سالم قال: سئل ابن عمر رضى اللَّه ﵎ عنهما عن متعة الحج، فأمر بها، فقيل له: إنك لتخالف أباك، فقال ابن عمر رضى اللَّه ﵎ عنه: لم يقل الّذي تقولون، إنما قال عمر رضى اللَّه ﵎ عنه: أفردوا الحج من العمرة، فإنه أتم للعمرة، إن العمرة لا تتم في شهور الحج إلا بهدى، وأراد أن يزار البيت في غير شهر الحج، فجعلتموها أنتم حراما، وعاقبتم الناس عليها، وقد أحلها اللَّه تعالى، وعمل بها رسول اللَّه ﷺ ، فإذا أكثروا عليه قال: كتاب اللَّه بيني وبينكم، كتاب اللَّه أحق أن يتبع، أم عمر؟. وهذا نحو حجة من قال: التمتع أفضل، وهو مذهب عبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن عباس، وعبد اللَّه بن الزبير، وعائشة أيضا رضى اللَّه تعالى ﵎ عنهم، وبه قال أحمد بن حنبل، وهو أحد قولي الشافعيّ، كان ﵀ يقول: الإفراد أحب إلى من التمتع، ثم القران، وقال في (البويطي) : التمتع أحب إليّ من القران. [وقال] قوم: كان رسول اللَّه ﷺ قارنا، وجعل القران الأصل، وهم: أبو حنيفة، والثوري، والمزني، وإسحاق بن راهويه، وروى عن على رضى اللَّه ﵎ عنه، وحجتهم حديث عمر رضى اللَّه ﵎ عنه، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول وهو بوادي العقيق: أتانى الليلة آت من ربى، فقال: صلى في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة. رواه الأوزاعي، وعلى بن المبارك، عن يحيى بن أبى كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس رضى اللَّه ﵎ عنهما، [أنه] سمع عمر رضى اللَّه ﵎ عنه يقول: [إنه] سمع رسول اللَّه ﷺ يقول بذلك.

стр. 3257

وحديث الصبى بن معبد، عن عمر بن الخطاب رضى اللَّه ﵎ عنه، قال الصبى: أهللت بالحج والعمرة، فلما قدمت على عمر، رضى اللَّه ﵎ عنه، ذكرت ذلك له فقال، هديت لسنة نبيك ﷺ . قال ابن عبد البر: وهو حديث كوفى جيد الإسناد ورواه الثقات عن أبى وائل عن الصبى [ (١) ] بن معبد، عن عمر، ومنهم من يجعله عن أبى وائل، عن عمر، فيمن رواه هكذا عن أبى وائل، عن عمر: الحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل، وعاصم بن أبى النجود، وسيار [والحكم، ورواه الأعمش، منصور، وعبدة بن أبى لبابة عن أبى وائل، عن الصبى بن معبد، عن عمر، وهو الأجود، وهم أحفظ] . وقد روى عن الصبى بن معبد، وأبو وائل، حديث أنس [بن مالك] رضى اللَّه ﵎ عنه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: لبيك بحج وعمرة معا، رواه حميد الطويل، وحبيب بن الشهيد، وعن بكر المزني قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يلبى بالحج والعمرة جميعا. قال بكر: فحدثت بذلك عن عمر رضى اللَّه ﵎ عنه فقال لي: بالحج وحده، فلقيت أنسا رضى اللَّه ﵎ عنه فحدثته فقال: ما تعدونا إلا صبيانا، سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: لبيك بحج وعمرة معا [ (٢) ] . قال ابن عبد البر: وهذا الحديث يعارض ما روى عن ابن عمر، أن رسول اللَّه ﷺ تمتع، وفيهما نظر، ويخرج على مذهب ابن عمر في التمتع، أنه لبى بالحج وحده، وقد روى معمر وغيره، عن أيوب عن أبى قلابة، عن أنس رضى اللَّه ﵎ عنه، إن رسول اللَّه ﷺ أهل بحجة وعمرة، وروى عن أنس من وجوه، وروى قتادة عن مطرف، عن عمران بن حصين

стр. 3258

أنه قال له: إني أحدثك حديثا، لعل اللَّه أن ينفعك به: اعلم أن رسول اللَّه ﷺ قد جمع بين حج وعمرة، ولم ينزل فيها كتاب، ولم ينه عنها رسول اللَّه ﷺ قال فيها برأيه. قال ابن عبد البر: وهذا قد تأوله جماعة على التمتع وقالوا: إنما الّذي أراد ابن عمر أن يقوله: أن رسول اللَّه ﷺ قد جمع بين حج وعمرة، أي أنه جمع بينهما في سفرة واحدة، وحجة واحدة، وقد روى عن عمر ما يعضد هذا التأويل. روى أبو الحسن، وأبو رجاء، عن عمران بن حصين قال: نزلت آية المتعة في كتاب اللَّه تعالى، وفعلناها مع رسول اللَّه ﷺ ، ولم ينزل قرآن يحرمها، ولم ينه عنه حتى مات، قال رجل بعد برأيه ما شاء. وروى شعبة عن الحكم، عن على بن حسين، عن مروان بن الحكم قال: شهدت عثمان، وعلى بن أبى طالب رضى اللَّه ﵎ عنهما، ما بين مكة والمدينة، وعثمان ينهى أن يجمع بين الحج والعمرة، فلما رأى ذلك على رضى اللَّه ﵎ عنه أتى بهما جميعا، فقال: لبيك بحجة وعمرة معا، فقال له عثمان رضى اللَّه ﵎ عنه: تراني أنهى عنهما وأفعله؟ فقال على رضى اللَّه ﵎ عنه: لم أكن [أخالف] سنة رسول اللَّه ﷺ . قال ابن عبد البر: وهذا يحتمل أن يكون، لأن رسول اللَّه ﷺ أباح ذلك فصار سنة. فقال: والإفراد أفضل، لأن رسول اللَّه ﷺ كان مفردا، فلذلك قلنا: أنه أفضل، لأن آثاره أصح في إفراده ﷺ . وقد اختلف أيضا في وقت خروج رسول اللَّه ﷺ من المدينة، فقيل: كان خروجه [ ﷺ لخمس] بقين من ذي القعدة، [و] قال بعضهم: كان يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة بالمدينة، وصلّى العصر بذي الحليفة. وذكر الواقدي أنه كان يوم السبت لخمس ليال [ (١) ] بقين من ذي القعدة، ولا يصح على ما جاء في الصحيح، أن الوقفة كانت بالجمعة، فيكون هلال

стр. 3259

ذي الحجة بالخميس، فلا يكون المتبقى خمسا، ولا يصح حمله على الأيام، ويحسب يوم الخروج منها لقوله لخمس، ولو أراد الأيام لقال: لخمسة. وذكر الواقدي أيضا: أن يوم التروية وافق يوم الجمعة [ (١) ] ، فعلى هذا تكون الوقفة يوم السبت، ويكون قوله: لخمس بقين، مستقيما، إلا أنه خلاف ما جاء في الصحيح. وقال أبو محمد على بن حزم: أنه خرج يوم الخميس لستة بقين، وهو أيضا [خلاف ما] جاء في الصحيح، أنه لخمس بقين. وخرج الترمذي عن عبد اللَّه بن أبى زيادة عن زيد بن حباب، عن سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه ﵎ عنهما، أن رسول اللَّه ﷺ حج ثلاث حجج قبل أن يهاجر، وحجة بعد ما هاجر، ومعها عمرة، وساق ثلاثة وثلاثين بدنة، وجاء على رضى اللَّه ﵎ عنه، من اليمن ببقيتها، فيها جمل لأبى جهل في أنفه برة من فضة فنحرها، وأمر رسول اللَّه ﷺ من كل بدنة ببضعة، فطبخت، وشرب من مرقها، وقال: [قال أبو عيسى: هذا حديث غريب من حديث سفيان لا نعرفه إلا من حديث زيد بن حباب] . ورأيت عبد اللَّه بن عبد الرحمن يروى هذا الحديث، عن عبد اللَّه بن أبى زياد، وسألت محمدا عن هذا فلم يعرفه من حديث الثوري، عن جعفر، عن أبيه عن جابر رضى اللَّه ﵎ عنهما عن رسول اللَّه ﷺ ، ورأيته لا يعده محفوظا. قال: وإنما روى عن الثوري، عن أبى إسحاق، عن مجاهد مرسلا [ (٢) ] ، حدثنا عبد اللَّه بن أبى زياد، حدثنا زيد بن حباب، فذكره سواء. وخرجه ابن ماجة عن أبى محمد القاسم بن محمد بن عباد بن حبيب بن المهلب بن أبى صفرة، حدثنا عبد اللَّه بن داود، حدثنا سفيان الثوري قال:

стр. 3260

حج رسول اللَّه ﷺ ثلاث حجج: حج حجتين قبل أن يهاجر، وحج حجة بعد ما هاجر إلى المدينة، وقرن في حجته عمرة، واجتمع ما جاء به رسول اللَّه ﷺ وما جاء به على رضى اللَّه ﵎ عنه، مائة بدنة، فيها جمل لأبى جهل، على أنفه برة من فضة، فنحر رسول اللَّه ﷺ ثلاثة وستين، ونحر على رضى اللَّه ﵎ عنه ما غير. قيل له: من ذكره؟ قال: جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر، وابن أبى ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس. [ (١) ]
следующие страницы →