← Сира

Сира · id 1524

إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع

المقريزي

Полный текст (6 146 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

وذلك أن الأوس كره بعضهم أن يؤمه بعض، وحدثني عبد اللَّه بن أبى بكر بن حزم، وعبد اللَّه بن المغيرة بن معيقب قال: بعث رسول اللَّه ﷺ مصعب بن عمير. مع النفر الاثني عشر، الذين بايعوه في العقبة الأول إلى المدينة، [يفقه] أهلها، ويقرئهم القرآن. وذكر الخبر، ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة. وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، أن مصعب بن عمير، كان أول من جمع الجمعة بالمدينة للمسلمين، قبل أن يقدمها رسول اللَّه ﷺ وذكر غير الواقدي: أن الأنصار صلت قبل الهجرة سنتين إلى بيت المقدس وابن أم مكتوم كان ممن قدم المدينة معه مصعب بن عمير، قال الواقدي: قدمها بعد بدر بيسير [ (١) ] . ومعاذ بن جبل، بعثه رسول اللَّه ﷺ قاضيا الى الجند باليمن يعلم الناس القرآن. وشرائع الإسلام ويقضى بينهم، وقد تقدم التعريف به. وعمرو [بن] [حزم بن] زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد عوف بن غنم ابن مالك بن النجار، الأنصاريّ، الخزرجىّ، النجارىّ، ومنهم من ينسبه في مالك بن جشم بن الخزرج، ومنهم من ينسبه في ثعلبة بن زيد بن مناة بن حبيب بن عبد حارثة بن مالك [يكنى] أبا الضحاك، أول مشاهده الخندق، واستعمله رسول اللَّه ﷺ على نجران، وهو ابن سبع عشرة سنة، ليفقههم في الدين، ويعلمهم القرآن ويأخذ صدقاتهم، وذلك في سنة عشر، وكتب له كتابا، فيه الفرائض، والسنن والديات، ومات [بالمدينة] سنة إحدى وخمسين وقيل: غير ذلك [ (٢) ] .

стр. 3432

عقوبة من سب أصحاب رسول اللَّه ﷺ [حدثنا] [ (١) ] محمد بن الحسن بن زبالة، عن أبيه، أنبانا عبد اللَّه بن موسى بن جعفر، عن على بن موسى، عن أبيه، عن جده، عن محمد بن على بن الحسين، عن أبيه، عن الحسين بن على، عن أبيه رضى اللَّه ﵎ عنه، أن رسول اللَّه ﷺ قال: من سب نبيا فاقتلوه، ومن سب أصحابى فاضربوه [ (٢) ] . ومن حديث أبى برزة: كنت يوما عند أبى بكر، رضى اللَّه ﵎ عنه، فغضب على رجل، حكى القاضي إسماعيل وغيره في هذا الحديث، أنه سب أبا بكر رضى اللَّه ﵎ عنه، وفي رواية النسائي

стр. 3433

قال: [أغلظ رجل لأبى بكر الصديق فقلت: أقتله] ؟ فانتهزنى، وقال: ليس هذا لأحد بعد رسول اللَّه ﷺ [ (١) ] .

стр. 3434

_________ [ () ] وقال الإمام إسحاق بن راهويه- أحد الأئمة الأعلام- أجمع المسلمون على أن من سبّ اللَّه، أو سب رسوله ﷺ ، أو دفع شيئا مما أنزل اللَّه ، أو قتل نبيا من أنبياء اللَّه : أنه كافر بذلك، وإن كان مقرا بكل ما أنزل اللَّه. قال الخطّابى: لا أعلم أحدا من المسلمين اختلف في وجوب قتله. وقال محمد بن سحنون: أجمع العلماء على أن شاتم رسول اللَّه ﷺ والمتنقص له كافر، والوعيد جاء عليه بعذاب اللَّه له، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر. وتحرير القول فيه: أن السابّ إن كان مسلما فإنه يكفّر ويقتل بغير خلاف، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، وقد تقدم من حكى الإجماع على ذلك إسحاق بن راهويه وغيره، وإن كان ذميا فإنه يقتل أيضا في مذهب مالك وأهل المدينة، وسيأتي حكاية ألفاظهم، وهو مذهب أحمد وفقهاء الحديث. وقد نصّ أحمد على ذلك في مواضع متعددة. قال حنبل: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: كل من شتم رسول اللَّه ﷺ أو تنقصه مسلما كان أو كافرا فعليه القتل، وأرى أن يقتل ولا يستتاب. قال: وسمعت أبا عبد اللَّه يقول: كل من نقض العهد وأحدث في الإسلام حدثا مثل هذا رأيت عليه القتل، وليس على هذا أعطوا العهد والذمة. وكذلك قال أبو الصفراء: سالت أبا عبد اللَّه عن رجل من أهل الذمة شتم رسول اللَّه ﷺ ، ماذا عليه؟ قال: إذا قامت البينة عليه يقتل من شتم رسول اللَّه ﷺ ، مسلما كان أو كافرا، رواهما الخلّال. وفي رواية عبد اللَّه وأبى طالب وقد سئل عن شتم رسول اللَّه ﷺ ، قال: يقتل، قيل له: فيه أحاديث؟ قال: نعم، أحاديث منها: حديث الأعمى الّذي قتل المراة، قال: سمعتها تشتم رسول اللَّه ﷺ ، وحديث حصين أن ابن عمر قال: من شتم رسول اللَّه ﷺ قتل. وكان عمر بن العزيز يقول: يقتل، وذلك أنه من شتم رسول اللَّه ﷺ فهو مرتد عن الإسلام، ولا يشتم مسلم رسول اللَّه ﷺ . زاد عبد اللَّه: سألت أبى عمن شتم رسول اللَّه ﷺ ، يستتاب؟ قال: قد وجب عليه القتل، ولا يستتاب، لأن خالد بن الوليد قتل رجلا شتم رسول اللَّه ﷺ ولم يستتبه، رواهما أبو بكر في (الشافي) . وفي رواية أبى طالب: سئل أحمد عمن شتم رسول اللَّه ﷺ ، قال: يقتل، قد نقض العهد وقال جرير: سالت أحمد عن رجل من أهل الذمة شتم رسول اللَّه ﷺ ، قال: يقتل إذا شتم رسول اللَّه ﷺ ، رواهما الخلال، وقد نصّ على هذا في غير هذه الجوابات، فأقواله كلها نصّ في وجوب

стр. 3435

وفي صحيح مسلم، من طريق عبد اللَّه بن نمير، عن نافع، عن ابن عمر رضى اللَّه ﵎ عنهما، أن رسول اللَّه ﷺ قال: إذا كفّر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما [ (١) ] . وأخرجه البخاري [ (٢) ] من حديث على بن المبارك، عن يحيى بن أبى كثير، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة رضى اللَّه ﵎ عنه، أن رسول اللَّه ﷺ قال: إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما. وقال عكرمة بن عمار، عن يحيى، بن عبد اللَّه بن يزيد: سمع أبا سلمة، سمع أبا هريرة رضى اللَّه ﵎ عنه يحدث عن رسول اللَّه ﷺ ، ذكره البخاري في كتاب الأدب. وخرج مسلم [ (٣) ] من حديث إسماعيل بن جعفر، عن عبد اللَّه بن دينار، أنه سمع ابن عمر رضى اللَّه ﵎ عنهما، يقول: قال رسول اللَّه ﷺ أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه. وخرجه البخاري [ (٤) ] من حديث عبد الوارث، حدثنا حسين [المعلم] ، عن [عبد اللَّه بن بريدة] ، عن يحيى بن يعمر، أن أبا الأسود [الدؤلي] حدثه، عن أبى ذر رضى اللَّه ﵎ عنه، أنه سمع رسول اللَّه ﷺ

стр. 3436

يقول: ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، [ومن ادعى ما ليس له فيهم نسب فليتبوَّأ مقعده من النار] . وخرجه البخاري [ (١) ] أيضا من حديث عبد الوارث، عن الحسين، عن عبد اللَّه بن بريدة، قال: حدثني يحيى بن يعمر، أن أبا الأسود [الدؤلي] ، حدثه عن أبى ذر، أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: لا يرمى رجل رجلا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك. قال الشيخ أبو زكريا النووي: هذا الحديث مما عده بعض العلماء من المشكلات، من حيث أن ظاهره غير مراد، وذلك أن مذهب أهل الحق أنه لا يكفر المسلم بالمعاصي كالقتل، والزنا، وكذا قوله لأخيه: كافر من غير اعتقاد بطلان [دين] الإسلام، فإذا عرف ما ذكرناه [فقيل] في تأويل الحديث أوجه: أحدهما: أنه محمول على المستحل لذلك، وهذا يكفر، فعلى هذا معنى [باء] بها، أي بكلمة الكفر، وكذا، حار عليه، وهو بمعنى رجعت عليه، أي رجع عليه الكفر، فباء، وحار، ورجع بمعنى واحد. والوجه الثاني: معناه، رجعت عليه نقيصته لأخيه، ومعصية تكفيره. والوجه الثالث: أنه محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين، وهذا الوجه نقله القاضي عياض، عن الإمام مالك بن أنس، وهو ضعيف، لأن المذهب الصحيح المختار، الّذي قاله الأكثرون، والمحققون، أن الخوارج لا يكفرون كسائر أهل البدع. والوجه الرابع: معناه أن ذلك يؤول به إلى الكفر، وذلك أن [المعاصي]- كما قالوا- بريد الكفر، ويخاف على المكثر منها أن يكون عاقبة شؤمها، المصير إلى [الكفر] ، ويؤيد هذا الوجه، ما جاء في رواية أبى عوانة الأسفراييني، في كتابه (المخرج على صحيح مسلم) : فإن كان

стр. 3437

كما قال، وإلا فقد باء بالكفر، وفي رواية: إذا قال لأخيه: يا كافر، وجب الكفر على أحدهما. والوجه الخامس: معناه، فقد رجع عليه تكفيره، فليس الراجع عليه حقيقة الكفر، بل التكفير، لكونه جعل أخاه المؤمن كافرا، فكأنه كفر نفسه، إما لأنه كفر من هو مثله، وإما لأنه كفر من لا يكفره إلا كافر، يعتقد بطلان دين الإسلام واللَّه أعلم [ (١) ] . قال الشيخ الإمام أبو الفتح السبكى: كون الخوارج لا يكفرون، لست موافقا عليه، لأن رسول اللَّه ﷺ ، صح عنه في صحيح مسلم [ (٢) ] ، من حديث على رضى اللَّه ﵎ عنه، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: سيخرج في آخر الزمان قوم، أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يقرءون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا عند اللَّه لمن قتلهم يوم القيامة. وقد رويت آثارا تدل على أنهم هم الذين قاتلهم عليّ رضى اللَّه ﵎ عنه، وهم الخوارج، وهم ومن كان مثلهم بهذه المنزلة، يجوز قتلهم بهذا الحديث، وإن ادعى الإسلام، ولا نترك ما عندنا إلا اعتقاده، ولا يلتفت إليه بنص هذا الحديث، فإن هذا نص في القتل، وأما مجرد سب أبى بكر وعمر رضى اللَّه ﵎ عنهما، وغيرهما من الصحابة، فلم يجئ قط ما يقتضي قتل قاتله ولا كفره، والحديث الّذي يروى: من سب صحابيا فاجلدوه، إن صح فمعناه صحيح، لان واجبه التعزير، وهو يقتضي أنه لا يقتضي كفرا ولا قتلا، وحديث أبى برزة يدل على أن إغضاب رسول اللَّه ﷺ

стр. 3438

يوجب القتل دون غيره من الناس. قال: وفي الصحيحين [ (١) ] عن رسول اللَّه ﷺ : ولعن المؤمن كقتله. قال الشيخ تقى الدين ابن دقيق العيد [سؤال] . لا يمكن أن يزاد في أحكام الدنيا، لأن اللعن لا يوجب القصاص [في الدنيا] ولا في الآخرة، لأن الإثم يتفاوت. قال المازرنى: يشبهه في الإثم، لأن اللعن قطع الرحمة، والموت قطع التصرف. وقيل: لعنة، تقتضي قصد إخراجه من المسلمين، وقطع منافعه الأخروية عنه، وقيل: استواؤهما في التحريم، فاقتضى كلام ابن دقيق العيد، أن اللعنة تعريض بالدعاء، الّذي قد يقع في ساعة إجابة، إلى البعد من رحمة اللَّه تعالى، وهو أعظم من القتل الّذي هو تفويت الحياة. قال السبكى الشيخ محيي الدين: أخذ بظاهر المنقول من عدم التكفير، وذلك محمول على ما إذا لم يصدر منهم سبب يكفر، كما إذا لم يحصل إلا مجرد الخروج [والقتال] ، ونحوه، أما مع التكفير لمن تحقق إيمانه، فمن أين ذلك؟. فإن قلت: قد قال الأصوليون في أصول الدين- ومنهم سيف الدين المزي- جوابا عن قول المكفرين: كيف لا نكفر الشيعة والخوارج بتكفيرهم أعلام الصحابة، رضى اللَّه ﵎ عنهم؟ وبتكذيب رسول اللَّه ﷺ في قطعه لهم بالجنة؟ وأجاب: أن ذلك إنما هو إذا كان المكفر يعلم بتزكية من كفره، قطعا على الإطلاق إلى مماته، وليس كذلك، وهذا الجواب يمنع ما قلتم، قلت: هذا الجواب، إنما ننظر فيه إلى أن المكفر لا يلزمه بذلك تكذيب رسول اللَّه ﷺ ولم ينظر إلى ما قلناه من الحكم عليه بالكفر [بالحديث] الّذي ذكرناه، إن لم يكن في باطنه تكذيب، كما قاله إمام الحرمين وغيره في الحكم بالكفر على السجود للصنم والملقى للمصحف في القاذورات، وإن لم يكن في باطنه تكذيب.

стр. 3439

فإن قلت: يلزم على هذا أن كل من قال لمسلم أنه كافر يحكم بكفره، قلت: إن كان ذلك المسلم مقطوعا بإيمانه، كالعشرة المشهود لهم بالجنة، فنعم، وكذا عبد اللَّه بن سلام [ونحوه] ، ممن ثبت عن رسول اللَّه ﷺ الشهادة لهم بالجنة، وكذا كل من بايع تحت الشجرة إلا صاحب الجمل الأحمر، وكذا أهل بدر، وأما إذا لم يكن ذلك المسلم مقطوعا بإيمانه، بل هو من عرض المسلمين، فلا قول فيه، ذلك، وإن كان إيمانه ثابتا من حيث الحكم الظاهر، لأن رسول اللَّه ﷺ ، أشار إلى اعتبار الباطن بقوله: إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه، وبقوله: فقد باء بها أحدهما. بقي قسم آخر، وهو أن لا يكون من الصحابة رضى اللَّه ﵎ عنهم، المشهود لهم بالجنة، ولكن ممن [أجمعت] الأمة على جلالته وإمامته، كسعيد بن المسيب، والحسن، وابن سيرين، وأقرانهم من التابعين، ومن بعدهم من علماء المسلمين، المجمع عليهم، فهذا عندي أيضا ملتحق بمن ورد النص فيه، فيكفّر من كفّره. وحاصله أنّا نكفّر من يكفّر من نحن نقطع بإيمانه، إما بنص أو إجماع، فإن قلت: هذا طريق لم يذكره أحد من المتكلمين، ولا من الفقهاء، قلت الشريعة كالبحر، كل وقت يعطى جواهر، وإذا صح دليل، لم يضره خفاؤه على كثير من الناس في مدة طويله، على أننا قد ذكرنا من كلام مالك- ﵀ ما يشهد له، فإن قلت: الكفر هو جحد الربوبية [أو الوحدانية] ، أو الرسالة، وهذا رجل موحد- يعنى الرافضيّ- مؤمن برسول اللَّه ﷺ ، وكثير من صحابته، فكيف يكفّر. قلت: التكفير، حكم شرعي، سببه جحد الربوبية، أو الوحدانية، أو الرسالة، أو قول، أو فعل حكم الشارع بأنه كفر وإن لم يكن جحدا، وهذا منه، فهذا دليل لم يرد في هذه المسألة [أحسن] منه، لسلامته عن اعتراض صحيح قادح فيه، وينضاف إليه قوله ﷺ [فيما يرويه عن ربه ﵎] : من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب، ولكن لا يقال بظاهره، بل هو

стр. 3440

كقوله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [ (١) ] ، على أنه يمكن التزامه، وأن المراد إذا لم يترك [الربا] ، ولا أقر به، كفر. ولا شك أن أبا بكر رضى اللَّه ﵎ عنه، ولى اللَّه، [فإن] مبارزته مبارزة للَّه تعالى ومحاربته محاربة للَّه تعالى، وقوله ﷺ في الحديث الصحيح: «ولعن المؤمن كقتله» وأبو بكر رضى اللَّه ﵎ عنه مؤمن، وفي الحديث الأول كفاية، وهو في (صحيح مسلم) [ (٢) ] . الدليل الثاني: استحلاله لذلك، ومن استحل ما حرمه اللَّه تعالى، فقد كفر، ولا شك أن لعنه الصديق، رضى اللَّه ﵎ عنه، وسبه محرم. قال ابن حزم: واللعن، أشد من السب، وقد صح عن رسول اللَّه ﷺ : سباب المسلم فسوق، فسب أبى بكر رضى اللَّه ﵎ عنه فسق، واستحلال الفسق كفر، فإن قلت: إنما يكون استحلال الحرام كفر، إذا كان تحريمه معلوما من الدين بالضرورة، بالنقل المتواتر، من حسن إسلامه، وأفعاله أدلة على إيمانه، وأنه دام على ذلك، إلى أن قبضه اللَّه تعالى، هذا مما لا يشك فيه معلوم من الدين بالضرورة، فيكون مستحله كافرا. ولا يرد على هذا إلا شيء واحد، وهو أن يكفر مستحل ما علم تحريمه بالضرورة، فذلك كفرت الجهميّ والرافضيّ، لم يكن ذلك العلم الضروريّ بالتحريم، حاصلا عنده، فلم يلزم منه تكذيبه رسول اللَّه ﷺ ولا ينفصل من هذا إلا بأن يقال: إن تواتر ذلك عند عموم الخلق يكفى فلا يعذر الرافضيّ بالشبهة الفاسدة، التي غطت على قلبه، حتى لم يعلم ذلك، وهذا محل نظر وجدل، وان كان القلب يميل إلى بطلان هذا العذر [وهذا هو الدليل الثالث] [ (٣) ] .

стр. 3441

[الدليل] الرابع: مذهب أبى حنيفة- ﵀ أن من أنكر خلافة الصديق، رضى اللَّه ﵎ عنه، فهو كافر، وكذلك من أنكر خلافة عمر رضى اللَّه ﵎ عنه، ومنهم من لم يحك في ذلك خلافا، ومنهم من ذكر في ذلك خلافا، وقال: الصحيح أنه كافر، [والمسألة] مذكورة في (الغاية) للسروجى، وفي (الفتاوى الطهيرية) ، وفي (الأصل) لمحمد بن الحسن، ﵀، والظاهر أنهم أخذوا ذلك عن إمامهم أبى حنيفة، وهو أعلم بالروافض، لأنه كوفى، والكوفة منبع الروافض، والروافض طوائف منهم من يجب تكفيره ومنهم من لا يجب تكفيره فإذا قال أبو حنيفة [﵀] بتكفير من ينكر إمامة الصديق فتكفير لا عنه أولى. والظاهر أن المستند، أن منكر امامة الصديق رضى اللَّه ﵎ عنه مخالف للإجماع، بناه على أن جاحد [الحكم] المجمع عليه كافر، وهو المشهور عند الأصوليين، وإمامة الصديق مجمع عليها، من حين بايعه عمر ابن الخطاب، رضى اللَّه ﵎ عنهما، ولا يمنع من ذلك تأخر بيعة بعض الصحابة، فإن الذين تأخرت بيعتهم، لم يكونوا مخالفين في صحة إمامته، ولهذا كانوا يأخذون [عطاءه] ويتحاكمون إليه، فالبيعة شيء، والإجماع شيء، لا يلزم من أحدهما الآخر، ولا من عدم أحدهما عدم الآخر، فافهم ذلك، فإنه قد يغلط فيه. وهذا قد يعترض عليه شيء من شيئين: أحدهما: قول: بعض الأصوليين: أن جاحد الحكم المجمع عليه، إنما يكفر إذا كان معلوما من الدين بالضرورة، وأما المجمع عليه الّذي ليس معلوما من الدين بالضرورة، فلا يكفر بإنكاره، مثل كون بنت الابن لها السدس مثل البنت، مجمع عليه، وليس معلوما بالضرورة، فلا يكفر منكره، ويجاب على هذا [بأن] خلافة الصديق، وبيعة الصحابة رضى اللَّه ﵎ عنهم له، ثبتت بالتواتر المنتهى إلى حد الضرورة، فصارت كالمجمع عليه: المعلوم بالضرورة، وهذا لا شك فيه، ولم يكن أحد من الروافض في أيام الصديق، ولا في أيام عمر، ولا في أيام عثمان، رضى اللَّه ﵎ عنهم، وإنما حدثوا بعده، وحدثت مقالتهم بعد حدوثهم.

стр. 3442

الشيء الثاني: أن خلافة الصديق، رضى اللَّه ﵎ عنه، وإن علمت بالضرورة، فالخلافة من الوقائع الحادثة، ليست حكما شرعيا، والّذي يكفر جاحده إذا كان معلوما بالضرورة، إنما هو الحكم الشرعي، لأنه من الدين، كالصلاة، والزكاة، والحج، لأنه لا يلزم من جحده، تكذيب رسول اللَّه ﷺ وهذا محل يجب التمهل [فيه] والنظر، نعم، وجوب الطاعة وما أشبهه حكم شرعي يتعلق بالخلافة. قال: فإن قلت: قد جزم- يعنى القاضي حسين- في كتاب (الشهادات) بفسق سابّ الصحابة رضى اللَّه ﵎ عنهم، ولم يحك فيه خلافا، وكذلك ابن الصباغ في (الشامل) ، وغيره. وحكوه عن الشافعيّ، ﵀، فيكون ذلك ترجيحا لعدم الكفر، قلت: لا، وهما مسألتان المسألة المذكورة في (الشهادات) في السب المجرد دون التكفير وهو موجب لفسق، ولا فرق في الحكم بالفسق بين ساب أبى بكر، [وغيره من] أعلام الصحابة، رضى اللَّه ﵎ عنهم. والمسألة المذكورة في كلام القاضي حسين، في كتاب (الصلاة) - في الابتداء في ساب الشيخين [ (١) ] ، أو الحسنين [ (٢) ] ، رضى اللَّه ﵎ عنهم، وهي محل الوجهين في الكفر، أو الفسق، ولا مانع من أن يكون سب مطلق [الصحابة] رضى اللَّه ﵎ عنهم موجبا للفسق، وسب بهذا الصحابي مختلف في كونه موجبا للفسق أو الكفر. وأما المسألة الثالثة. وهي تكفير أبى بكر رضى اللَّه ﵎ عنه، ونظرائه من الصحابة، رضى اللَّه ﵎ عنهم، فهذه لم يتكلم فيها أصحابنا في كتاب (الشهادات) ولا في كتاب (الصلاة) ، وهي مسألتنا، والّذي أراه، أنه موجب للكفر قطعا، عملا بمقتضى الحديث المذكور.

стр. 3443

قال: فتلخص أن سب أبى بكر رضى اللَّه ﵎ عنه، على مذهب أبى حنيفة، وأحمد [رحمهما اللَّه] ، وأحد الوجهين عند الشافعيّ، كفر، أما مالك، فالمشهور أنه أوجب به الجلد فيقتضى أنه ليس كفر ولم أر عنه خلاف ذلك إلا ما قدمته في الخوارج فيخرج عنه أنه كفر فتكون [المسألة] عنده على حالين: إن اقتصر على سبّ من غير تكفير، يكفروا، إن كفر فالرافضي قد زاد إلى تكفير فهو كافر عند مالك وأبى حنيفة، وأحد وجهي الشافعيّ، وزنديق عند أحمد، بتعرضه إلى عثمان رضى اللَّه ﵎ عنه المتضمن تخطئة المهاجرين والأنصار، وكفره كفر ردة، لأن حكمه قبل ذلك حكم المسلمين والمرتد يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل وهذا استتيب، فلم يتب، يعنى في رافضي قتل في زمانه. قال: فكان قتله على مذهب جمهور العلماء، أو جمعيهم، لأن القائل بأن الساب لا يكفر، لم يتحقق منه أنه يطرده فيمن يكفر أعلام الصحابة رضى اللَّه ﵎ عنهم، فأحد الوجهين عندنا، إنما اقتصر على الفسق، في مجرد السب دون التكفير، وكذلك الإمام أحمد، إنما عن قتل من لم يصدر منه إلى السب والّذي صدر من هذا أعظم من السب. ومن جملة المنقول: قول الطحاوي- أحد أئمة الحنفية- في (عقيدته) [ (١) ] في الصحابة: وبعضهم كفّر، وهذا يحتمل أن يحمل على مجموع الصحابة رضى اللَّه ﵎ عنهم، ويحتمل أن يحمل على كل واحد منهم إذا أبغضه [لا] لأمر خاص به، لا بل مجرد صحبته رسول اللَّه ﷺ ولا شك أن ذلك كفر، لأنه لا يبغضه لصحبته رسول اللَّه ﷺ إلا وهو يبغض رسول اللَّه ﷺ وبغض رسول اللَّه ﷺ كفر. ويحتمل أن يحمل على ما إذا أبغض صحابيا، لا لأمر من الأمور، والقول بأن هذا وحده كفر يحتاج إلى دليل، وأما إذا أبغضه لشحناء بينهما دنيوية، ونحوها، فلا يظهر كفره، والرافضيّ ومن أشبهه، بغضهم لأبى بكر، وعمر، وعثمان رضى اللَّه ﵎ عنهم، لا شك أنه ليس لأجل

стр. 3444

الصحبة، لأنهم يحبون عليا، والحسن، والحسين، رضى اللَّه ﵎ تعالى عنهم، ويحبون [غيرهم] ولكنه لهوى في أنفسهم، واعتقادهم بجهلهم، ظلمهم لأهل بيت رسول اللَّه ﷺ ، فالظاهر أنهم إذا اقتصروا على السب من غير تكفير، ولا جحد لمجمع عليه، لا يكفرون. واعلم أن من كان كفره للطعن في الدين، فإن توبته مقبولة، لقوله تعالى: وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ [ (١) ] دليل لقبول توبتهم، وهذا الرافضيّ، لم ينته، ولم يتب، واللَّه ﵎ أعلم. فصل في التنبيه على شرف مقام أصحاب رسول اللَّه ﷺ اعلم أن الصحابة رضى اللَّه ﵎ عنهم هم الحواريون، الذين وعوا سنة رسول اللَّه ﷺ ، وأدوها ناصحين محتسبين، حتى كمل بما نقلوه الدين، وثبتت لهم حجة اللَّه على المسلمين، وهم خير القرون، وخير أمة أخرجت للناس، ثبتت عدالة جميعهم بثناء اللَّه وثناء رسوله، ولا أعدل ممن ارتضاه اللَّه لصحبة نبيه ونصرته، ولا تزكية أفضل من ذلك، ولا تعديل أكمل منه، ونحن وإن بلغنا من الفضل ما عسانا نبلغه، فإن فهم مقامهم على مقدارهم، مستحيل أن يصل منا أحد إليه، لبلوغنا الغاية في الانحطاط عن مرتبتهم. لكنا إنما نفهم مقامهم على قدرنا، وذلك أن أكثر ما نبحث عنه من العلوم، وندأب فيه، فإنه حاصل عند الصحابة بأصل الخلقة، لا يحتاجون فيه إلى تكلف طلب، ولا مشقة درس، كاللغة، والنحو، والصرف، وعلم المعاني والبيان، وأصول الفقه، وأصول الدين، وكذلك ما فطروا عليه من العقول الرصينة، ما من اللَّه تعالى به عليهم، من إفاضة نور النبوة العاصم

стр. 3445

من الخطأ في الفكر، يغنيهم عن علم المنطق، والجدل وسائر العلوم العقلية، وبما [ألف] سبحانه بين قلوبهم، حين صاروا بنعمته إخوانا، على سرر متقابلين، أغناهم عن الاستعداد للمناظرة، والمجادلة. فلم يكونوا يحتاجون في علومهم إلى ما يسمعونه من رسول اللَّه ﷺ بما أوحى إليه ربه من كتابه العزيز، وسنته التي هي الحكمة، فإذا سمعوا ذلك فهموه أحسن فهم، وحملوه على أجمل حمل، ونزلوه منزلته. وأما وصاياه ﷺ فخرج مسلم [ (١) ] من حديث سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان ابن بريدة، عن أبيه، رضى اللَّه ﵎ عنه قال، كان رسول اللَّه ﷺ ، إذا أمر أميرا، على جيش، أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى اللَّه، ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: اغزوا بسم اللَّه، قاتلوا من كفر باللَّه، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال، أو خلال- فأيتهن ما أجابوا فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك، فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجرى عليهم حكم اللَّه الّذي يجرى على المؤمنين، ولا يكون لهم في القسمة والغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبو فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم [وإن هم] أبوا فاستعن باللَّه [وقاتلهم] ، وإذا حاصرت

стр. 3446

أهل حصن، فأرادوك أن تجعل لهم ذمة اللَّه وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة اللَّه ولا ذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم، أهون من أن [تخفروا] ذمة اللَّه وذمة رسوله، وإذا حاصرت أهل حصن، [فأرادوك] أن تنزلهم على حكم اللَّه، فلا تنزلهم على حكم اللَّه، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم اللَّه [أم لا] . فصل في ذكر [أمراء] سرايا رسول اللَّه ﷺ [السرية [ (١) ] ، ما بين خمسة [أنفس] ، إلى ثمانية، وقيل: هي من الخيل نحو أربعمائة] ، وعدة سرايا رسول اللَّه ﷺ . التي بعثها لجهاد أعداء اللَّه، ثمان وخمسون سرية، استعمل عليها سبعة وثلاثين رجلا وكان يعتذر عن تخلفه عنها، ويوصى [أمراءه] بتقوى اللَّه، ويعلمهم [ما] يحتاجون إلى فعله في غزوهم، وينكر ما لا يصلح من فعل [الأمراء] . فأما اعتذاره ﷺ عن التخلف فخرج البخاري [ (٢) ] من حديث الزهري، قال: أخبرنى سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة رضى اللَّه ﵎ عنه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: والّذي نفسي بيده، لولا أن رجالا من المؤمنين، لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عنى، ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سرية تغدو في سبيل اللَّه، والّذي نفسي بيده، لوددت أنى أقتل في سبيل اللَّه، ثم أحيا، [ثم أقتل] ثم أحيا، ثم أقتل، ترجم عليه باب: تمنى الشهادة.

стр. 3447

وخرجه مسلم [ (١) ] من حديث جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن أبى زرعه عن أبى هريرة رضى اللَّه ﵎ عنه، وكرراه من طرق، وخرجه النسائي أيضا. [ (٢) ] وذلك كله من غير مجاهدة نفس، ولا تكلف الهواجر، [ومقاساة] شدة الظمأ، ولا قيام ليل طويل، ولا استغراق الأوقات في الذكر، بل بإفاضة نور النبوة عليه، قد استحال في أقل من طرفة عين هذه الاستحالة الشريفة وارتقى إلى أعلى مقام تتقاصر أعمال العاملين من بعده بأسرهم عن بلوغه. وأنت إن كنت ممن سلك طريق اللَّه، فإنك تعلم إن إجابة من إجابات الحق [توازى] عمل الثقلين، هذا في حق الأتباع الذين سلكوا منهاج الصحابة وأما الصحبة، فأين الثريا من يد المتناول هيهات أن يحصى الرمل، أو يحصر القطر، فالزم الأدب مع الحق، وقف مع حذاك من العبوديّة، [وأد إلى كل] إلى كل ذي حق حقه، ولا تكونن من المعقدين فتردى أسفل سافلين، وتعجز عن الوصول إلى منازل العارفين واللَّه يهدى من يشاء بمنه. وهم مع هذه الفضائل الجمة، قد برأهم اللَّه تعالى ونزههم عن أن يمارى أحد فيما يسمع من الكتاب والسنة أو يجادل فيه، ولم يكن بينهم على ذلك بدعة ولا ضلالة، وإذا صلى أحد منهم مع رسول اللَّه ﷺ الصلوات المفروضة، أو حج واعتمر، أو جاهد في سبيل اللَّه من صد عن سبيله وكفر، أو أدى زكاة ماله، أو [حض] من يؤديها، أو شاهد قضاء رسول اللَّه ﷺ في شيء، أغناه ذلك عن التكلف والدءوب في طلب علم الفقه، ومعاناة المشفقة في حفظه ودراسته. ولم يكونوا رضى اللَّه ﵎ عنهم مع هذا محتاجين إلى تجربة، ولا سلوك، ولا رياضة، ولا دخول خلوة، ولا سياحة، بل كانوا لمجرد رؤية رسول اللَّه ﷺ أحدهم، أو دعايته إياه إلى الإسلام، يحصل له

стр. 3448

أجل مقامات العارفين، وأعلى منازل المقربين، و [أعلى] درجات الصديقين، من غير صيام نهار، ولا قيام ليل، ولا مجاهدة نفس، ولا تهذيب أخلاق، بل يستحيل في تلك اللحظة [صديقا] مقربا، ووليا للَّه عارفا، وحبرا من أحبار الأمة عالما قد غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه وواقفه فيما بقي من عمره وحفظه. واعتبر بحال أمير المؤمنين، أبى حفص، عمر بن الخطاب رضى اللَّه ﵎ عنه، كيف كان أشد الناس في عداوة اللَّه [ ] ورسوله ﷺ ، حتى لقد هم بقتل رسول اللَّه ﷺ ، فما هو إلا أن وقف على دار الأرقم، وطرق الباب، فقام إليه رسول اللَّه ﷺ يتلقاه، وعانقه، وضرب صدره ثلاث مرات، وهو يقول: اللَّهمّ أخرج ما في صدره من غل، وأبدله إيمانا، فللحال انصبغ عمر رضى اللَّه ﵎ عنه، واستحال بعد الشرك باللَّه، وعبادة الأصنام، والأوثان، والطواغيت، وبذل الجهد في إطفاء نور اللَّه، ما سلك فجا، إلا سلك الشيطان فجا غيره، ولو كان بعد رسول اللَّه ﷺ نبي لكان عمر.

стр. 3449

فصل في ذكر من استخلفه رسول اللَّه ﷺ على المدينة في غيبته عنها في غزو، أو حج، أو عمرة اعلم أن رسول اللَّه ﷺ غزا خمسا وعشرين غزاة، وخرج للعمرة مرتين، وحج مرة واحدة بعد الهجرة، واستخلف على المدينة في ذلك اثنى عشر رجلا. وكان عند قدومه المدينة، قد وادع يهودها، وكتب بينه وبينهم كتابا، واشترط عليهم ألا يمالئوا عليه عدوه، وأن ينصروه على من دهمه، وأن لا يقاتل عنهم كما يقاتل عن أهل الذمة. فلم يحارب رسول اللَّه ﷺ أحدا ولم يهجه، ولم يبعث سرية، حتى أنزل اللَّه تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ* الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ* وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ* الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ. فكان أول لقاء عقده لواء حمزة بن عبد المطلب رضى اللَّه ﵎ عنه. قال سفيان عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضى اللَّه ﵎ عنهما قال: أول آية أنزلت في القتال أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ وقال عبد اللَّه بن المبارك، عن يونس، عن يزيد الأيلي، عن الزهري، عن عروة أن أول آيه أنزلت في الجهاد: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ* الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ.

стр. 3450

وأول غزوة غزاها رسول اللَّه ﷺ غزاة الأبواء، وهي غزاة ودان، في صفر على أثنى عشر شهرا من هجرته، يريد عير قريش، فلم يلق كيدا. فأما الذين استخلفهم على المدينة في غيبته عنها فهم: سعد بن عبادة الخزرجي، خلفه في غزوة ودان، خمس عشرة ليلة، وسعد بن معاذ، خلفه في غزوة بواط. وزيد بن حارثة، [خلفه] في غزوة سفوان، وفي غزوة المريسيع. وأبو سلمة بن عبد الأسد. خلفه في غزاة بنى قينقاع، وفي غزاة السويق، وعاصم بن عدي [خلفه] على قباء، وأهل العالية، في غزوة بدر، وقد رده رسول اللَّه ﷺ من الروحاء، لشيء بلغه عن أهل مسجد الضرار، وكان قد استخلفه على قباء والعالية، فرده لينظر في ذلك، وضرب له بسهمه مع أهل بدر. وابن أم مكتوم، خلفه في غزاة قرقرة الكدر، ثم في غزاة بنى سليم، ثم في غزاة أحد، ثم في غزاة حمراء الأسد، ثم في غزاة بنى لحيان، ثم في غزاة بنى النضير، ثم في غزاة الخندق ثم في غزاة بنى قريظة، ثم في غزاة بنى لحيان، ثم في غزاة ذي قرد، ثم في عمرة الحديبيّة. وقيل: بل كان على المدينة في عمرة الحديبيّة أبو رهم، وكان ابن مكتوم على المدينة في غزاة تبوك، وقيل بل كان على المدينة في غزاة تبوك محمد بن مسلمة، وقيل: أبو رهم، وقيل: سباع بن عرفطة، وكان ابن أم مكتوم على المدينة في حجة الوداع. وعثمان بن عفان ﷺ وابن رواحة [خلفه] في غزاة بدر الموعد. وسباع بن عرفطة الكناني، [خلفه] في غزاة دومة الجندل، وفي غزاة خيبر، وقيل: بل كان على المدينة في غزاة خيبر نميلة بن عبد اللَّه الكناني، وكان سباع على المدينة في غزاة وادي القرى. وأبو ذر الغفاريّ [خلفه] في عمرة القضية، وقيل: بل خلف فيها أبو رهم الغفاريّ. وعلى بن أبى طالب رضى اللَّه ﵎ عنه [خلفه] على أهل رسول اللَّه ﷺ في غزاة تبوك واللَّه ﵎ أعلم.

стр. 3451

فصل في ذكر من استعمله رسول اللَّه ﷺ في جيوشه عند عودته ﷺ اعلم أن رسول اللَّه ﷺ أقام في جهات جيوشه، وعلى عسكره، لما كان يخرج إلى الغزو جماعة من أصحابه، فاستعمل على المشاة لما خرج إلى بدر، قيس بن أبى صعصعة عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمر بن غنم بن مازن بن النجار الأنصاريّ، أحد من شهد بيعة العقبة على المشاة، وأمره حين فصل من بيوت السقيا، أن يعد المسلمين، فوقف لهم [مع] أبى عتبة، فعدهم، ثم أخبر رسول اللَّه ﷺ فجعله على الساقة يومئذ وقدم يوم أحد طليعتين، هما مالك والنعمان، ابنا خلف بن عوف [بن] دارم بن عمر بن وائلة بن سهم بن مازن بن الحارث بن سلامان بن أسلم بن أفصى بن حارثة ابن عمرو مزيقياء، ودفنا في قبر واحد. قال الكلبي: وجعل في غزاة أحد على الرماة- وهم خمسون رجلا- عبد اللَّه بن جبير بن النعمان بن أمية بن امرئ القيس، واسمه البرك بن ثعلبة ابن عمرو بن عوف الأنصاري، أحد من شهد العقبة، وهو أخو خوات بن جبير، وتقدم رسول اللَّه ﷺ إلى الرماة فقال: احموا لنا ظهورنا، فإنا نخاف أن نؤتى من ورائنا، والزموا مكانكم، لا تبرحوا منه، وإن رأيتمونا نهزمهم، حتى تدخل عسكرهم، فلا تفارقوا مكانكم وإن رأيتمونا نقتل فلا تعينونا [ولا تدفعوا عنا] ، اللَّهمّ إني أشهدك عليهم، وأرشقوا خيلهم بالنبل، فإن الخيل لا تقوم على النبل. فلما التحمت الحرب، وكانت الدولة لرسول اللَّه ﷺ على المشركين، قال بعض الرماة لبعض [لما تقيمون] هاهنا في غير شيء، قد هزم اللَّه العدو، وهؤلاء إخوانكم ينتهبون عسكرهم، فادخلوا عسكر المشركين، فاغنموا مع [إخوانكم] فقال بعض الرماة لبعض ألم تعلموا أن رسول اللَّه ﷺ قال لكم: احموا ظهورنا، ولا تبرحوا مكانكم، وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن غنمنا فلا تشركونا، احموا ظهورنا؟

стр. 3452

فقال الآخرون: لم يرد رسول اللَّه ﷺ هذا، وقد أذل اللَّه المشركين وهزمهم فادخلوا العسكر، وانتهبوا مع إخوانكم، فخطبهم عبد اللَّه بن [حمير] ، فحمد اللَّه، وأثنى عليه، وأمر بطاعته، وطاعة رسوله، فعصوا، وانطلقوا حتى لم يبق معه إلا دون العشرة، ومضوا إلى عسكر المشركين ينتهبون، فبين المسلمون قد شغلوا بالنهب، وضع الرماة [ ... ] دخل المشركون عليهم وهم غارون [آمنون] ، فوضعوا فيهم السيوف، فقتلوا فيهم قتلا ذريعا، وتفرق المسلمون في كل وجه. وكر خالد بن الوليد، وعكرمة بن أبى جهل إلى موضع الرماة، فحملوا على من بقي منهم، فرموهم حتى أصيبوا، ورمى عبد اللَّه بن جبير، حتى فنيت نبله، ثم طاعن بالرمح حتى انكسر، ثم كسر جفن سيفه، فقاتلهم حتى قتل شهيدا رضى اللَّه ﵎ عنه. ولما سار رسول اللَّه ﷺ إلى بنى النضير، ورجع بعد أن صلّى العشاء إلى بيته في عشرة من أصحابه، استعمل عليّ بن أبى طالب، رضى اللَّه ﵎ عنه، ثم لما رجع من الغداة أمر بنخل بنى النضير، فقطعت، وحرقت، واستعمل على قطعها أبا ليلى، عبد الرحمن بن كعب بن عمرو الأنصاري المازني، أخا عبد اللَّه بن كعب المازني، وعبد اللَّه بن سلام بن الحارث، أبا يوسف الإسرائيلي، حليف الأنصار، فكان أبو ليلى يقطع العجوة، وكان عبد اللَّه بن سلام يقطع اللون، فقيل لهما في ذلك، فقال أبو ليلى: كانت العجوة أحرق لهم، وقال عبد اللَّه بن سلام: قد عرفت أن اللَّه سيغنمه أموالهم، وكانت العجوة خير أموالهم، [فنزل] في ذلك رضاء بما [صنعنا جميعا] قول اللَّه : ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ، ألوان النخل الّذي فعل بن سلام، أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها، يعنى العجوة، [فبإذن اللَّه] ، وقطع أبو ليلى العجوة، وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ يعنى بنى النضير، [رضا] من اللَّه تعالى، بما صنع الفريقان جميعا ولما نزل بنو قريظة على حكم رسول اللَّه ﷺ أمر بأسراهم، فكتفوا رباطا، وجعل على كتافهم محمد بن مسلمة الأنصاري رضى اللَّه ﵎ عنه، [ونحوا

стр. 3453

ناحية] وأخرجوا النساء والذرية من الحصون، فكانوا ناحية، واستعمل رسول اللَّه ﷺ سعد بن زيد الأنصاري الأشهلي، على سبايا بنى قريظة، وبعثه بهم إلى نجد، فاتباع له بها خيلا وسلاحا. قال ابن إسحاق، واستعمل سعدا هذا في غزوة الغابة أميرا على الخيل، وكانوا ثمانية، وقدم عباد بن بشير أمامه طليعة في خيل قوتها عشرون فرسا، لما خرج يريد العمرة، فصده المشركون عن البيت بالحديبية، ثم قدمه في فوارس طليعة، لما خرج إلى غزاة خيبر، فأخذ عينا لليهود من أشجع، فقال: من أنت؟ قال: باغ أبغى أبعرة ضلت لي، أنا على إثرها، قال له ألك علم بخيبر؟ قال: عهدي بها حديث، فأنتم تسألون عنه، قال: عن يهود؟ قال: نعم كان كنانة بن أبى الحقيق، وهودة بن قيس ساروا في حلفائهم من غطفان، فاستنفروهم، وجعلوا لهم تمر خيبر سنة، فجاءوا معدين بالكراع، والسلاح، يقودهم عينية بن بدر، ودخلوا معهم في حصونهم، وفيها عشرة آلاف مقاتل، وهم أهل حصون لا ترام، وسلاح وطعام كثير، لو أحصروا سنين لكفاهم، فرفع عباد [بن] بشر السوط، فضربه ضربات وقال: ما أنت إلا عين لهم، أصدقني وإلا ضربت عنقك، فقال الأعرابي: فتؤمنى على أن أصدقك، فقال عباد: نعم، قال الأعرابي: القوم مرعوبون منك، خائفون وجلون، لما قد صنعتم بمن كان [قبلكهم] بيثرب من يهود، [إن يهود] بعثوا ابن عم لي وجدوه بالمدينة، قد قدم بسلعه له يبيعها، فبعثوه إلى كنانة بن أبى الحقيق، يخبرونه بقتالهم وقال، خيلكم وسلاحكم فأصدقوهم الضرب، ينصرفوا عنكم، فإنه لم يلق [قوما] يحسنون القتال، وقريش والعرب قد سروا بمسيره إليكم، لما يعلمون من كثرة عددكم وسلاحكم، وجودة حصونكم، وقد بايعت قريش وغيرهم، ممن يهوى هوى محمد، تقول قريش: إن جاءهم يظهر، ويقول الآخرون: يظهر محمد فإن ظفر محمد فهو ذل الدهر. قال الأعرابي: وأنا أسمع كل هذا، فقالت لي كنانة: اذهب معترضا للطريق فإنّهم لا يستنكرون مكانك، فاحذرهم لنا، وادن منهم كالسائل لهم

стр. 3454

ما يقوى به، ثم ألق [إليهم] كثرة عددنا، وموادنا، فهم [لن يدعوا سؤالك] ، وعجل الرجعة إلينا بخبرهم، فأتى به عباد بن بشر، إلى رسول اللَّه ﷺ فأخبره الخبر، فقال عمر بن الخطاب رضى اللَّه ﵎ عنه: أضرب عنقه، فقال عباد: جعلت له الأمان، فقال رسول اللَّه ﷺ أمسكه معك يا عباد فأوثقه رباطا، فلما دخل رسول اللَّه ﷺ خيبر، عرض عليه الإسلام وقال: إني داعيك ثلاثا، فإن لم تسلم وإلا ضرب عنقك، فأسلم، وندب رسول اللَّه ﷺ محمد بن مسلمة ليرتاد له منزلا، وذلك أنه ﷺ ، لما نزل على خيبر، بات وأصبح بمنزله، فجاء الحباب بن المنذر بن الجموح، فقال: يا رسول اللَّه: - إنك نزلت منزلك هذا، فإن كان عن أمر أمرت به، فلا نتكلم فيه، وإن كان الرأى تكلمنا، فقال رسول اللَّه ﷺ : بل هو الرأى: فقال: يا رسول اللَّه، دنوت من الحصون، ونزلت بين ظهري النخل، إن أهل النطاق لي ولهم معرفة، ليس قوم أبعد مدى، ولا أعدل، وهم مرسون علينا، وهو أسرع لانحطاط نبلهم، مع أنى لا آمن بياتهم، يدخلون في خمر النخل، فتحول يا رسول اللَّه إلى موضع يرى من البر، ومن الوباء، نجعل الحرة بيننا وبينهم، حتى لا ينالنا نبلهم، ونأمن من نبالهم، ومرتفع من البر. فقال رسول اللَّه ﷺ : أشرت بالرأي، ثم قال رسول اللَّه ﷺ : نقاتلهم هذا اليوم، ودعي محمد بن مسلمة فقال: انظر لنا منزلا بعيدا من حصونهم يرى من البر لا ننال من نبالهم، فطاف محمد [بن مسلمة] حتى انتهى إلى الرجيع، ثم رجع إلى رسول اللَّه ﷺ ليلا فقال وجدت لك منزلا، فقال رسول اللَّه ﷺ : على بركة اللَّه، وقاتل رسول اللَّه ﷺ يومه ذلك إلى الليل، فقال الحباب: لو تحولت يا رسول اللَّه، فقال: إذا أمسينا إن شاء اللَّه تحولنا فلما أمسى تحول، وأمر الناس فتحولوا إلى الرجيع. واستخلف عثمان بن عفان رضى اللَّه ﵎ عنه، على العسكر بخيبر، وذلك أنه ﷺ لما تحول إلى الرجيع، خاف على أصحابه البيات، فضرب عسكره هناك، وبات فيه، فأقام سبعة أيام، يغدو كل يوم بالمسلمين، ويترك العسكر بالرجيع، ويستخلف عليه عثمان، ويقاتل أهل

стр. 3455

النطاة يومه إلى الليل، فإن أمسى رجع إلى الرجيع، وكل من خرج من المسلمين يحمل على العسكر. واستعمل عمر بن الخطاب رضى اللَّه ﵎ عنه على الحرس، وذلك أنه كان يناوب بين أصحابه في حراسة الليل، مدة مقامه بالرجيع، فلما كانت الليلة السادسة من السبع استعمل عمر رضى اللَّه ﵎ عنه، فطاف عمر بأصحابه حول العسكر، وفرقهم، فأتى برجل من اليهود في جوف الليل، فأمر به عمر رضى اللَّه ﵎ عنه أن يضرب عنقه، فقال: اذهب بى إلى نبيكم حتى أكلمه، فأمسك عنه، وأتى به إلى باب رسول اللَّه ﷺ [فوجده] يصلى، فسمع رسول اللَّه ﷺ كلام عمر، فسلم، وأدخله عليه، فدخل اليهودي، فقال رسول اللَّه ﷺ لليهودي: ما وراءك؟ ومن أين أنت؟ فقال تؤمني يا أبا القاسم وأنا أصدقك، قال: نعم، فقال: خرجت من حصن النطاة، من عند قوم ليس لهم نظام [تركتهم] يتسللون من الحصن في هذه الليلة، قال: فأين يذهبون؟ قال: أذل مما كانوا فيه إلى الشق، وقد رغبوا منك، حتى إن أفئدتهم لتخفق، وهنا حصن فيه السلاح، والطعام، والودك، وفيه آلة حصونهم التي كانوا يقاتل بها بعضهم بعضا، قد غيبوا ذلك في بيت من حصنهم تحت الأرض. قال رسول اللَّه ﷺ وما هو؟ قال: منجنيق مفككة، وسلاح ودروع، وبيض، وسيوف، فإذا دخلت الحصن غدا، وأنت تدخله، قال رسول اللَّه ﷺ : إن شاء اللَّه، قال اليهودي: إن شاء اللَّه، أوقعك عليه، فإنه لا يعرفه أحد من اليهود غيري، وأخرى، قال: ما هي؟ قال: تستخرجه ثم انصب المنجنيق على حصن الشق، ويدخل الرجال تحت [الدبابتين] فيحفروا الحصن، فتفتحه من يومك، وكذلك تفعل بحصون الكتيبة. فقال [رسول اللَّه ﷺ ] : إني أحسبه قد صدق، قال اليهودي: يا أبا القاسم: احقن دمي، قال: أنت آمن، قال: ولي زوجة في حصن النزار فهبها لي، قال: هي لك، فقال رسول اللَّه ﷺ : ما لليهود حولوا ذراريهم من النطاة؟ قال: جردوها للمقاتلة، وتحول الذراري إلى الشق والكتيبة، ثم

стр. 3456

دعاه رسول اللَّه ﷺ إلى الإسلام، فقال: أنظرني أياما، فلما أصبح رسول اللَّه ﷺ غزا بالمسلمين إلى النطاة ففتح اللَّه الحصن، فاستخرج ما كان قال اليهودي فيه، فأمر ﷺ بالمنجنيق أن يصلح وينصب على الشق وعلى حصن النزار، فما رموا عليها بحجر، حتى فتح اللَّه عليهم حصن النزار. واستعمل [رسول اللَّه ﷺ ] على غنائم خيبر، فروة بن عمرو بن ودقة ابن عبيد بن غانم بن بياضه، البياضي، الأنصاري، أحد من شهد العقبة، وحصن الشق، وحصن الكتيبة، فلم يترك على أحد من أهل الكتيبة إلا ثوبا على ظهره، من الرجال، والنساء، والصبيان، وجمعوا أثاثا كبيرا، وبزا، [وقطائف] ، وسلاحا وغنما، وبقرا، وطعاما، وأدما كثيرا، فلم يخمس الطعام، والأدم، والعلف، بل أخذ الناس منه [حاجاتهم، وكل] من احتاج [إلى سلاح] يقاتل به، أخذوه من فروة بن عمرو، صاحب المغنم، حتى فتح اللَّه عليهم فردوا ذلك في المغنم، فلما اجتمع ذلك كله، أمر به رسول اللَّه ﷺ فجزئ [خمسة] أجزاء، منهم سهم اللَّه، وأمر ببيع أربعة أخماس فيمن يزيد، فجعل فروة بن عمرو يبيعها فيمن يزيد، فدعا فيها رسول اللَّه ﷺ فقال: اللَّهمّ ألق عليه النفاق، قال فروة بن عمرو: فلقد رأيت الناس يتداركون على، ويتواثبون، حتى نفق في يومين، ولقد كنت أرى أنا لا نتخلص منه حينا لكثرته. واستعمل [رسول اللَّه ﷺ ] على إحصاء الناس بخيبر، زيد بن ثابت رضى اللَّه ﵎ عنه، فقسم رسول اللَّه ﷺ بينهم الّذي غنموه من المتاع الّذي بيع، ثم أحصاهم ألفا و [أربعمائة] ، والخيل مائتي فرس، فكانت السهمان على ثمانية عشر سهما، للرجال [أربعمائة] ، وللخيل [أربعمائة] . واستعمل رسول اللَّه ﷺ في غزاة الفتح، الزبير بن العوام رضى اللَّه ﵎ عنه، على مائتين من المسلمين، وقدمه أمامه، وجعل ﷺ من العرج، أتته الطليعة بعين من هوازن، فقالوا: يا رسول اللَّه رأيناه حين طلعنا عليه، وهو على راحله قد تغيب عنها في هذه، ثم جاء فأوفى على [سهل] فقعد عليه، فركضنا إليه، فأراد أن يهرب منا، وإذا بعيره قد عقله،

стр. 3457

فأدركناه، فقلنا: ممن أنت؟ قال: رجل من غفار، فقلنا: هم أهل [هذا] البلد، فأى بنى غفار أنت؟ فلم يذكر لنا نسبا، فازددنا به ريبة، وأسأنا به الظن هنالك؟ فلم يقل شيئا، فلما رأينا ما خلط، فقلنا: لتصدقنا، أو لنضربن عنقك قال: فإن صدقتكم ينفعني ذلك [عندكم] قلنا: نعم فإنّي رجل من هوازن، من بنى النضير، بعثتني هوازن عينا، وقالوا: ائت المدينة حتى تلقى محمدا، فتستخبر لنا ما يريد في أمر حلفائه، أيبعث إلى قريش بعثا، أو يغزوهم بنفسه، ولا نراه إلا سيغزوهم، فإن خرج سائرا، أو بعث بعثا، فسر معه، حتى ينتهى إلى بطن سرف، فإن كان يريدنا أولا، فاسلك في بطن سرف حتى يخرج إلينا، وإن كان يريد شيئا، [فسيلزم] الطريق. فقال رسول اللَّه ﷺ : وأين هوازن؟ قال: تركتهم [شيعا] ، وقد جمعوا الجموع، وأجلبوا في العرب، وبعثوا إلى ثقيف، فأجابتهم، فتركت ثقيفا على ساق، قد جمعوا الجموع، وبعثوا إلى جرش في عمل الرايات والمنجنيق، وهم سائرون إلى جمع هوازن، فيكونون جميعا. فقال رسول اللَّه ﷺ : وإلى من جعلوا أمرهم؟ قال: إلى مالك بن عوف، قال رسول اللَّه ﷺ : وكل هوازن قد أجاب إلى ما دعي إليه مالك؟ قال: وقد أبطأ من بنى عامر أهل الجد والجلد، قال: من؟ قال: كعب وكلاب، قال ما فعلت هلال؟ قال: ما أقل من ضوى إليه منهم، ومررت بقومك أمس بمكة، وقد قدم عليهم أبو سفيان بن حرب فرأيتهم ساخطين لما جاء به، وهم خائفون وجلون. فقال رسول اللَّه ﷺ حسبنا اللَّه ونعم الوكيل، ما أراه إلا صدقنى، قال الرجل: فلينفعنى ذلك، فأمر رسول اللَّه ﷺ خالد بن الوليد رضى اللَّه ﵎ عنه أن يحبسه، وخافوا أن يتقدم ويحذر الناس، فلما نزل العسكر مر الظهران، أفلت الرجل، فطلبه خالد بن الوليد، فأخذه عند الأراك، وقال لولا عهد لك لضربت عنقك، وأخبر رسول اللَّه ﷺ فأمر به يحبس حتى يدخل مكة، فلما دخل رسول اللَّه ﷺ مكة وفتحها، أتى به إليه، فدعاه إلى الإسلام، فأسلم، ثم خرج معه، فقتل [بأوطاس] فلما نزل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم

стр. 3458

في غزاة الفتح قديدا، لقيته سليم في تسعمائة أو في ألف فارس، فجعل معهم خالد بن الوليد في المقدمة، حتى نزلوا مر الظهران معه، فكان أول من قدم رسول اللَّه ﷺ خالدا في بنى سليم، وهم ألف، فيهم لواء يحمله عباس بن مرداس، ولواء يحمله خفاف بن ندبة، وراية يحملها آخر، [فلم يزل] خالد بهم في المقدمة، حتى ورد الجعرانة بعد فتح مكة. وروى أن رسول اللَّه ﷺ جعل يوم الفتح على المجنة اليمنى، خالد بن الوليد، وعلى المجنة اليسرى الزبير بن العوام، رضى اللَّه ﵎ [عنهما] ، وعلى الساقة، أبو عبيدة بن الجراح، رضى اللَّه ﵎ عنه ذكره مسلم. واستعمل رسول اللَّه ﷺ أبا عامر، بن قيس، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: عبيد، وقيل عباد بن قيس، وهو أخو أبى موسى الأشعري رضى اللَّه ﵎ عنه، وذلك أن المشركين لما انهزموا بحنين، عسكر منهم طائفة بأوطاس، فبعث رسول اللَّه ﷺ في آثارهم أبا عامر الأشعري، وعقد له لواء، وكان معه في ذلك البعث سلمة بن الأكوع، وكان يحدث ويقول: لما انهزمت هوازن عسكروا بأوطاس عسكرا، فإذاهم ممتنعون، فبرز رجل منهم فقال: من يبارز، فبرز له رجل معلم، فبرز له أبو عامر فقتله، فلما كان العاشر، برز له رجل معتم بعمامة صفراء، فقال أبو عامر: اللَّهمّ اشهد، فقال الرجل: اللَّهمّ لا تشهد فضرب أبا عامر فأثبته، فاحتملناه وبه رمق. واستخلف أبو موسى الأشعري، فأخبر أبو عامر [أبا موسى، أن قاتله صاحب العمامة الصفراء. وأوصى أبو عامر إلى أبى موسى، ودفع إليه الراية وقال: ادفع فرسي وسلاحي إلى رسول اللَّه ﷺ فقاتلهم أبو موسى حتى فتح اللَّه عليه، وقتل قاتل أبى عامر، وجاء بسلاحه وبذلته إلى رسول اللَّه ﷺ ، وقال: إن أبا عامر أمرنى بذلك، وقال: قل لرسول اللَّه يستغفر لي، فقام رسول اللَّه ﷺ فصلى ركعتين ثم قال: اللَّهمّ اغفر لأبى عامر، واجعله من أعلى أمتى إلى الجنة، وأمر بتركته [فبعثت] إلى أبيه، فقال أبو موسى: يا رسول اللَّه إني أعلم أن اللَّه قد غفر لأبى عامر وقتل شهيدا فادع اللَّه لي، فقال:

стр. 3459

اللَّهمّ اغفر لأبى موسى، واجعله في أعلى أمتى قال الواقدي: فيرون أن ذلك وقع يوم الخميس. واستعمل رسول اللَّه ﷺ على سبايا حنين، يزيد بن ورقاء بن عبد العزيز ربيعة الخزاعي، وأمر بالسبي أن يوجه إلى الجعرانة، وبالغنائم [فحبست] [ (١) ] أيضا فسيقت إلى الجعرانة، ومضى ﷺ إلى الطائف وندب رسول اللَّه ﷺ الحباب بن المنذر بن الجموح بن زيد بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة، أبا عمرو، الأنصاري، السلمي، الّذي يقال له ذو الرأى لما نزلوا على الطائف أن يرتاد له مكانا، وذلك أنه ﷺ نزل من الطائف قريبا من الحصن، فضرب عسكره هناك، فساعة حل وأصحابه، جاء الحباب بن المنذر فقال: يا رسول اللَّه إنا قد دنونا من الحصن، فإن كان عن أمر سلمنا، وإن كان الرأى، فالتأخر عن حصنهم، فسكت رسول اللَّه ﷺ وكان عمرو بن أمية الضمريّ يحدث ويقول: لقد طلع علينا من نبلهم ساعة، تركنا بنى سليم كأنه رجل جراء، وترسنا حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة، فدعى رسول اللَّه ﷺ الحباب فقال: انظر مكانا مرتفعا نتأخر عن القوم. فخرج الحباب حتى انتهى إلى موضع مسجد الطائف، وجاء رجل من القرية فجاء إلى رسول اللَّه ﷺ فأخبره [فأمر] رسول اللَّه ﷺ أصحابه أن يتحولوا، قال عمرو بن أمية: إني لأنظر إلى أبى محجن، يرمى به من فوق الحصن كأنها الرماح، فما يسقط لهم سهم. واستعمل رسول اللَّه ﷺ زيد بن ثابت الأنصاري، على غنائم أوطاس وأمره بإحصاء الناس والغنائم ثم قسمها على الناس فكانت سهامهم لكل رجل أربع من الإبل، وأربعون شاة، فإن كان فارسا أخذ اثنى عشر من الإبل، أو عشرين ومائة شاة، وإن كان معه أكثر من فرس واحد، لم يسهم له، وكان أبى حذيفة العدوي على مقاسم الغنم.

стр. 3460

واستخلف رسول اللَّه ﷺ أبا بكر الصديق رضى اللَّه ﵎ عنه على العسكر لما خرج لغزوة تبوك وذلك أن رسول اللَّه ﷺ عسكر بثنية الوداع والناس كثير، لا يجمعهم كتاب. واستخلف أبا بكر الصديق رضى اللَّه ﵎ عنه على العسكر يصلى بالناس، [حين] اشتغل ﷺ بالمسير، وكان صفوان بن المعطل بن رحضة بن خزاعيّ بن محارب بن مرة بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن نهبة ابن سليم السلمي الذكوانيّ أبو عمر، على ساقة العسكر، يلتقط من متاع المسلمين حتى يأتيهم به. فصل في نصرة رسول اللَّه ﷺ بالرعب [خرج البخاري من حديث الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضى اللَّه ﵎ عنه قال: إن رسول اللَّه ﷺ قال: بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وبينا أنا نائم رأيتني أتيت بمفاتيح خزائن الأرض، فوضعت في يدي] . قال أبو هريرة: فقد ذهب رسول اللَّه ﷺ وأنتم تنتثلونها. قال البخاري: بلغني أن جوامع الكلم: أن اللَّه يجمع له الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد أو الاثنين، [أخرجه البخاري ومسلم] . ذكره في الجهاد وذكره في كتاب التعبير ولفظ منه: «وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض، ووضعت في يدي» . وذكره في كتاب الاعتصام من حديث إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب بسنده وذكره أيضا من حديث أيوب عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضى اللَّه ﵎ عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «أعطيت مفاتيح الكلم ونصرت بالرعب وبينا أنا نائم البارحة إذا أوتيت بمفاتيح خزائن الأرض حتى وضعت في يدي» وقال أبو هريرة رضى اللَّه ﵎ عنه فذهب ﷺ وأنتم تنتثلونها. وذكره في كتاب الصلاة من حديث هشام، عن سيرين، عن

стр. 3461

الحكم، عن يزيد الفقير، عن جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه ﵎ عنه عنهم، وفيه «ونصرت بالرعب مسيرة شهر» وهو فيما اتفقا على إخراجه. وخرجه مسلم في كتاب الصلاة من حديث ابن وهب قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضى اللَّه ﵎ عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «بعثت بجوامع الكلم ونصرت بالرعب، وبينا أنا نائم أوتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي، «قال أبو هريرة رضى اللَّه ﵎ عنه فذهب رسول اللَّه ﷺ وأنتم تنتثلونها» [ (١) ] . ومن حديث الزبيدي، عن الزهري قال: أنبأنا سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة رضى اللَّه ﵎ عنه قال:

стр. 3462

سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: فذكر من حديث يونس ومن حديث معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة رضى اللَّه ﵎ عنه قال عن النبي ﷺ بمثله. ومن حديث ابن وهب عن عمرو بن الحارث، عن أبي يونس مولى أبي هريرة، عن أبي هريرة، عنه عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: «نصرت بالرعب على العدو، وأعطيت جوامع الكلم، وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي» . ومن حديث عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة رضى اللَّه ﵎ عنه، عن رسول اللَّه ﷺ أحاديث منها «قال رسول اللَّه ﷺ نصرت بالرعب وأتيت جوامع الكلم» . ذكره مسلم والّذي قبله في كتاب الصلاة. وخرجه النسائي أيضا من حديث معمر ويونس، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضى اللَّه ﵎ عنه كما قال مسلم في حديث يونس. وأخرجه أيضا من حديث الزهري، عن سعيد وأبى سلمة، عن أبي هريرة رضى اللَّه ﵎ عنه بمثل ذلك.

стр. 3463

فصل في ذكر مشورة رسول اللَّه ﷺ في الحرب وذكر من رجع إلى رأيه قال الترمذي: ويروى عن أبي هريرة رضى اللَّه ﵎ عنه قال: ما رأيت أحدا أكثر مشورة لأصحابه من رسول اللَّه ﷺ [ (١) ] . وذكر مسلم من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس رضى اللَّه ﵎ عنه قال: إن رسول اللَّه ﷺ شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان قال: فتكلم أبو بكر رضى اللَّه ﵎ عنه فأعرض عنه، ثم تكلم عمر رضى اللَّه ﵎ عنه، فقام سعد بن عبادة رضى اللَّه ﵎ عنه: فقال إيانا تريد يا رسول اللَّه، والّذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها في البحر لخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى [برك الغماد] لفعلنا، قال: فندب رسول اللَّه ﷺ الناس فانطلقوا وذكر الحديث [ (٢) ] .

стр. 3464

وذكره أبو داود من طريق حماد عن ثابت، عن أنس رضى اللَّه ﵎ عنه بهذا المعنى، وذكر الثاني في النسائي من حديث محمد بن [المثنى] قال: أنبأنا خالد وقال أنبأنا حميد، عن أنس رضى اللَّه ﵎ عنه أن رسول اللَّه ﷺ سار إلى بدر فاستشار المسلمون فأشار عليه أبو بكر رضى اللَّه ﵎ عنه، ثم استشارهم فأشار عليه عمر رضى اللَّه ﵎ عنه، ثم استشارهم فقال الأنصاري: يا معشر الأنصار إياكم يريد رسول اللَّه ﷺ قالوا: إذا لا تقولوا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، والّذي بعثك بالحق لو ضربت أكبادنا إلى برك الغماد لاتبعناك [ (١) ] . وقد ذكر محمد بن إسحاق عن محمد بن عمر الواقدي وساقه الواقدي أنه قال: ومضى رسول اللَّه ﷺ حتى إذا كان [دوين] [ (٢) ] بدر أتاه الخبر بمسير قريش فأخبرهم رسول اللَّه ﷺ بمسيرهم واستشار الناس فقام أبو بكر رضى اللَّه ﵎ عنه فقال فأحسن، ثم قام عمر رضى اللَّه ﵎ عنه فقال فأحسن، ثم قال يا رسول اللَّه، إنها واللَّه قريش وعزها، واللَّه ما ذلّت منذ عزت، واللَّه ما آمنت منذ كفرت، واللَّه لا تسلم عزها أبدا، ولتقاتلنك، فاتهب لذلك أهبته وأعد لذلك عدته. ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول اللَّه، امض لأمر اللَّه فنحن معك، واللَّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لنبيها: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ [ (٣) ] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، والّذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك- وبرك الغماد من وراء مكة بخمس ليال من وراء الساحل مما يلي البحر، وهو على ثمان ليال من مكة إلى اليمن. فقال له رسول اللَّه

стр. 3465

صلّى اللَّه عليه وسلّم خيرا، ودعا له بخير ثم قال رسول اللَّه ﷺ : أشيروا عليّ أيها الناس! وإنما يريد رسول اللَّه ﷺ الأنصار، وكان يظن أن الأنصار لا تنصره إلا في الدار، وذلك أنهم شرطوا له أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأولادهم. فقال رسول اللَّه ﷺ : أشيروا عليّ! فقام سعد بن معاذ فقال: أنا أجيب عن الأنصار، كأنك يا رسول اللَّه تريدنا! قال: أجل. قال: إنك عسى أن تكون خرجت عن أمر قد أوى إليك في غيره، وإنا قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن كل ما جئت به حق، وأعطيناك مواثيقنا وعهودنا على السمع والطاعة، فامض يا نبي اللَّه، فو الّذي بعثك بالحق لو استعرضت هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما بقي منا رجل، وصل من شئت، واقطع من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وما أخذت من أموالنا أحب إلينا مما تركت. والّذي نفسي بيده، ما سلكت هذا الطريق قط، وما لي بها من علم، وما نكره أن يلقانا عدونا غدا، إنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، لعل اللَّه يريك منا ما تقر به عينك [ (١) ] . حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال: فحدثني محمد بن صالح، عن عاصم ابن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد قال: قال سعد: يا رسول اللَّه، إنا قد خلفنا من قومنا ما نحن بأشد حبّا لك منهم، ولا أطوع لك منهم لهم رغبة في الجهاد ونية، ولو ظنوا يا رسول اللَّه أنك ملاق عدوا ما تخلفوا، ولكن إنما ظنوا أنها العير، نبني لك عريشا فتكون فيه ونعد لك رواحلك، ثم نلقى عدوّنا فإن أعزّنا اللَّه وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن تكن الأخرى جلست على رواحلك فلحقت من وراءنا. فقال له النبي ﷺ : خيرا. وقال: أو يقضي اللَّه خيرا من ذلك يا سعد! [ (٢) ] قالوا: فلما فرغ سعد من المشورة، قال رسول اللَّه ﷺ : سيروا على بركة اللَّه، فإن اللَّه قد وعدني إحدى الطائفتين واللَّه، لكأنّي انظر إلى مصارع القوم [ (٣) ] قال: وأرانا رسول اللَّه ﷺ مصارعهم يومئذ، هذا مصرع فلان، وهذا

стр. 3466

مصرع فلان، فما عدا كل رجل مصرعه. قال: فعلم القوم أنهم يلاقون القتال، وأن العير تفلت، ورجوا النصر لقول النبي ﷺ . قال الواقدي: ولما نزل رسول اللَّه ﷺ أدنى بدر عشاء ليلة الجمعة لسبعة عشر ليلة مضت من رمضان، قال رسول اللَّه ﷺ لأصحابه: أشيروا علي في المنزل. فقال الحباب بن المنذر: يا رسول اللَّه، أرأيت هذا المنزل، أمنزل أنزلكه اللَّه فليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. قال: فإن هذا ليس بمنزل! انطلق بنا إلى أدنى ماء القوم، فإنّي عالم بها وبقلبها، بها قليب قد عرفت عذوبة مائه، وماء كثير لا ينزح، ثم نبني عليها حوضا ونقذف فيه الآنية، فنشرب ونقاتل، ونغور ما سواها من القلب [ (١) ] . حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال: فحدثني ابن أبي حبيبة، عن داود ابن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: نزل جبريل على رسول اللَّه ﷺ فقال: الرأي ما أشار به الحباب فقال رسول اللَّه ﷺ : [يا حباب أشرت بالرأي! فنهض رسول اللَّه ﷺ ففعل كل ذلك] [ (٢) ] ، وأبو بكر وعمر رضى اللَّه ﵎ عنهما استشارهما ﷺ في أسرى بدر. [قال الواقدي: ولما حبس الأسرى ببدر- استعمل عليهم شقران وكان المسلمون قد اقترعوا عليهم- طمعوا في الحيا فقالوا: لو بعثنا إلى أبي بكر فإنه أوصل قريش لأرحامنا، ولا نعلم أحدا آثر عند محمد منه! فبعثوا إلى أبي بكر، فأتاهم فقالوا: يا أبا بكر، إن فينا الآباء والأبناء والإخوان والعمومة وبني العم، وأبعدنا قريب، كلّم صاحبك فيمن علينا أن يفادنا. فقال: نعم إن شاء اللَّه، لا آلوكم خيرا.

стр. 3467

ثم انصرف إلى رسول اللَّه ﷺ قالوا: وابعثوا إلى عمر رضى اللَّه ﵎ عنه. فإنه من علمتم، فلا نأمن أن يفسد عليكم لعله يكف عنكم فأرسلوا إليه. فجاءهم فقالوا له مثل ما قالوا لأبى بكر رضى اللَّه ﵎ عنه قال: لن آلوكم خيرا، ثم انصرف إلى النبي ﷺ . فوجد أبا بكر رضى اللَّه ﵎ عنه يلينه. يقول: يا رسول اللَّه بأبي أنت وأمى قومك فيهم الآباء والأبناء والعمومة والإخوان، وبنو العم وأبعدهم منك قريب فامنن عليهم من اللَّه عليك، أو فادهم يستنفدهم اللَّه بك من النار. فتأخذ منهم ما أخذت قوة المسلمين. فلعل يقبل بقلوبهم عليك. ثم قام فتنحى ناحية، وسكت رسول اللَّه ﷺ فلم يجبه. ثم جاء عمر، فجلس مجلس أبى بكر رضى اللَّه ﵎ عنه. فقال: يا رسول اللَّه، هم أعداء اللَّه كذبوك، وقاتلوك، وأخرجوك. اضرب رقابهم. هم رءوس الكفر، وأئمة الضلالة. يوطئ اللَّه بهم الإسلام، ويذل بهم اللَّه أهل الشرك. فسكت رسول اللَّه ﷺ فلم يجبه، وعاد أبو بكر إلى مجلسه الأول، وقال: يا رسول اللَّه بأبي أنت وأمى، قومك فيهم الآباء، والأبناء، والعمومة، والإخوان، وبنو العم وأبعدهم منك قريب. فامنن عليهم، أو فادهم فهم عترتك وقومك لا تكن أول من يستأصلهم، يهديهم اللَّه خيرا من أن تهلكهم فسكت عنه ساعة، ولم يرد عليه شيئا، فقام عمر رضى اللَّه ﵎ عنه فجلس مجلسه، فقال: يا رسول اللَّه: ما تنتظر بهم؟ اضرب رقابهم يوطئ اللَّه بهم الإسلام، ويذل أهل الشرك، هم أعداء اللَّه كذبوك، وقاتلوك، وأخرجوك، يا رسول اللَّه اشف صدور المؤمنين لو قدروا على مثل هذا منا ما أقالونا أبدا، فجلس فعاد أبو بكر رضى اللَّه ﵎ عنه، وكلمه مثل كلامه الّذي كلمه، فلم يجبه، ثم قام رسول اللَّه ﷺ فدخل، فمكث فيها ساعة، وخرج والناس يخوضون في شأنهم. يقول بعضهم: القول ما قال أبو بكر، وآخرون يقولون: القول ما قال عمر.

стр. 3468

فلما خرج رسول اللَّه ﷺ قال: ما تقولون في صاحبيكم هذين دعوهما. فإن لهما مثلا، مثل أبى بكر كمثل ميكائيل ينزل برضاء اللَّه، وعفوه عن عباده، ومثله في الأنبياء كمثل إبراهيم كان ألين على قومه من العسل. أوقد له قومه النار فطرحوه فيها. فما زاد على أن قال: أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [ (١) ] ، وقال: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ (٢) ] ، ومثله مثل عيسى، إذ يقول: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ (٣) ] ومثل عمر في الملائكة كمثل جبريل ينزل بالسخط من اللَّه والنقمة على [عباد] اللَّه، ومثله في الأنبياء كمثل نوح، كان أشد على قومه من الحجارة. إذ يقول رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [ (٤) ] . فدعى عليهم دعوة أغرق اللَّه الأرض جميعها، ومثل موسى إذ يقول: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ [ (٥) ] ، وإن بكم عيلة، فلا يفوتكم رجلا من هؤلاء إلا بفداء أو ضربة عنق، فقال عبد اللَّه بن مسعود رضى اللَّه ﵎ عنه يا رسول اللَّه: إلا سهيل بن بيضاء [قال ابن واقد: هذا وهم، سهيل بن بيضاء من مهاجرة الحبشة فما شهد بدرا، إنما هو أخ له يقال له [سهل] [ (٦) ] فإنّي رأيته يظهر الإسلام بمكة. فسكت رسول اللَّه ﷺ فقال عبد

стр. 3469

اللَّه: فما مرت على ساعة قط كانت أشد على من تلك الساعة، فجعلت انظر إلى السماء أتخوف أن تسقط على الحجارة لتقدمى بين يدي رسول اللَّه ﷺ بالكلام. فرفع رسول اللَّه ﷺ رأسه. فقال إلا سهيل بن بيضاء فما مرت على ساعة أقر لعيني منها. إذ قالها رسول اللَّه ﷺ . ثم قال رسول اللَّه ﷺ : إن اللَّه ليشدد على القلب فيه حتى يكون أشد من الحجارة، وإنه ليلين القلب فيه حتى يكون ألين من الزبد، وقبل رسول اللَّه ﷺ منهم الفداء، وقال ﷺ لو نزل من السماء نار يوم بدر ما نجا منه إلا عمر كان يقول: اقتل ولا تأخذ الفداء، وكان سعد بن معاذ يقول: اقتل ولا تأخذ الفداء [ (١) ] . قال الواقدي: وخرج مسلم [ (٢) ] في الجهاد والترمذي [ (٣) ] في التفسير من حديث عكرمة بن عمار، حدثني سماك الحنفي، قال: سمعت ابن عباس يقول: حدثني عمر بن الخطاب، قال: لما كان يوم بدر، نظر رسول اللَّه ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل رسول اللَّه ﷺ القبلة، ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: اللَّهمّ أنجز لي ما وعدتني، اللَّهمّ آت ما وعدتني، اللَّهمّ إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض، فما زال يهتف بربه، ومادا يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر رضى اللَّه ﵎ عنه، فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي اللَّه! كفاك مناشدتك ربك

стр. 3470

فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل اللَّه : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ [ (١) ] قال أبو زميل: فحدثني ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه، فخر مستلقيا، فنظر إليه، فإذا هو قد حطم أنفه، وشق، كضربة السوط، فاخضرّ ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول اللَّه ﷺ فقال: صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة، فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين. قال أبو زميل: قال ابن عباس: فلما أسروا الأسارى، قال رسول اللَّه ﷺ لأبى بكر وعمر: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا نبي اللَّه، هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى اللَّه أن يهديهم، للإسلام فقال رسول اللَّه ﷺ : ما ترى يا ابن الخطاب؟ قلت: لا واللَّه يا رسول اللَّه، ما أرى الّذي رأى أبو بكر، ولكنى أرى أن تمكنا فتضرب أعناقهم، فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان «نسيبا لعمر» فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوى رسول اللَّه ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قال عمر، فلما كان من الغد، جئت فإذا رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول اللَّه، أخبرنى من أي شيء تبكى أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول اللَّه ﷺ : أبكى للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض على عذابهم أدنى هذه
следующие страницы →