← Сира

Сира · id 1524

إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع

المقريزي

Полный текст (6 146 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

قال: قد نظرت إليها، قال: على كم تزوجتها؟ قال على أربع أواق، فقال له النبي ﷺ : على أربع أواق كأنما تنحتون الفضة من هذا الجبل، ما عندنا ما نعطيك ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب منه، قال: فبعث بعثا إلى بني عبس وبعث ذلك الرجل فيهم، هكذا سياقة مسلم، ولم يذكر فيه قصة الناقة. وقد خرّج الحاكم [ (١) ] هذا الحديث من طريق زهير بن معاوية [ (٢) ] ، قال: حدثنا أبو إسماعيل الأسلمي أن أبا حازم حدثه عن أبي هريرة- رضي اللَّه ﵎ عنه- أن رجلا أتى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: إني تزوجت امرأة من الأنصار على ثماني أواق، فتفزع لها رسول اللَّه ﷺ ، فقال: كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل؟ هل رأيتها فإن في عيون الأنصار شيئا. قال: قد رأيتها؟ قال: ما عندنا شيء ولكنا سنبعثك في بعث وأنا أرجو أن تصيب خيرا، فبعثه في ناس إلى ناس من بني عبس، فأمر لهم بناقة، فحملوا عليها متاعهم، فلم ترم إلا قليلا حتى بركت، فأعيتهم أن تنبعث، فلم يكن في القوم أصغر من الّذي تزوج، فجاء إلى نبي اللَّه ﷺ وهو مستلق في المسجد، فقام عند رأسه كراهية أن يوقظه، فانتبه نبي اللَّه ﷺ ، فقال: يا نبي اللَّه إن الّذي أعطيتنا أعيينا أن نبعثه، فناوله نبي اللَّه ﷺ يمينه وأخذ رداءه بشماله، فوضعه على عاتقه، وانطلق يمشى حتى أتاها، فضربها بباطن قدمه، والّذي نفس أبي هريرة بيده لقد كانت بعد ذلك تسبق القائد، وإنهم نزلوا بحضرة العدو، وقد أوقدوا النيران، فأحاطوا بهم، وتفرقوا عليهم، وكبروا تكبيرة رجل واحد، وأن اللَّه- تعالى- هزمهم وأسر منهم. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، بهذه السياقة.

стр. 4272

إنما خرّج مسلم من حديث شعبة عن أبي إسماعيل، عن أبي حازم، عن أبي هريرة: أن رجلا تزوج، فقال رسول اللَّه ﷺ : هلا نظرت إليها فقط، وقال أبو إسماعيل هذا هو بشير بن سليمان [ (١) ] ، وقد احتجا جميعا به. قال كاتبه: بشير بن سليمان أبو إسماعيل هذا يروي عن أبي حازم الأشجعي وخيثمة بن يوسف الفرياني، وطائفة، وثقة ابن معين وأحمد بن حنبل، خرج له مسلم والأربعة، وخرج له البخاري خارج الصحيح أظنه في كتاب (الأدب المفرد) [ (٢) ] .

стр. 4273

وأما دعاؤه ﷺ لبعير الرجل أن يحمله اللَّه عليه فمكث عنده عشرين سنة فخرّج البيهقي [ (١) ] من حديث جعفر بن عوف، قال: أخبرنا الأعمش عن مجاهد أن رجلا اشترى بعيرا، فأتى النبي ﷺ فقال: اشتريت بعيرا، فادع اللَّه أن يبارك لي فيه، فقال: اللَّهمّ بارك له فيه، فلم يلبث إلا يسيرا أن نفق، ثم اشترى بعيرا آخر، فأتي به رسول اللَّه ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه إني اشتريت بعيرا، فادع اللَّه أن يبارك لي فيه، فقال: اللَّهمّ بارك له فيه، فلم يلبث إلا يسيرا أن نفق، ثم اشترى بعيرا، فأتي به رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه إني اشتريت بعيرا، فادع اللَّه أن يحملني عليه، قال: فقال اللَّهمّ احمله عليه، قال: فمكث عنده عشرين سنة. قال البيهقي: هذا مرسل، ودعاؤه ﷺ صار إلى أمر الآخرة في المرتين الأوليين، ثم سأله صاحب البعير الدعاء أن يحمله عليه، فوقعت الإجابة [إليه ﷺ أفضل زكاة وأطيبها وأنماها] [ (٢) ] .

стр. 4274

وأما ذهاب الجوع عن فاطمة الزهراء- رضى اللَّه ﵎ عنها- بدعائه ﷺ فخرّج أبو نعيم [ (١) ] ، والبيهقي [ (٢) ] من حديث مسهر بن عبد الملك بن مسلع الهمدانيّ، عن عتبة أبي معاذ البصري عن عكرمة [مولى ابن عباس] ، عن عمران بن الحصين- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: كنت مع رسول اللَّه ﷺ إذا أقبلت فاطمة- رضي اللَّه ﵎ عنها، فوقعت بين يديه ﷺ ، فنظر إليها رسول اللَّه ﷺ ، وقد ذهب الدم من وجهها، وغلبت الصفرة على وجهها من شدة الجوع، فنظر إليها رسول اللَّه ﷺ فقال: ادني يا فاطمة، فدنت حتى قامت بين يديه ﷺ ، فرفع يده الشريفة ﷺ ، فوضعها على صدرها في موضع القلادة، وفرج بين أصابعه، ثم قال: اللَّهمّ مشبع الجاعة، ورافع الوضيعة ارفع فاطمة بنت محمد [ (٣) ] ، وفي رواية لا تجع فاطمة بنت محمد [ (٤) ] . قال عمران: فنظرت إليها، وقد ذهبت الصفرة من وجهها، وغلب الدم كما كانت الصفرة غلبت على الدم، قال عمران: فلقيتها بعد، فسألتها، فقالت: ما جعت بعد يا عمران.

стр. 4275

قال البيهقي- ﵀: والأشبه أنه رآها ﷺ قبل نزول آية الحجاب [ (١) ] . وأما كفاية علي بن أبي طالب رضي اللَّه ﵎ عنه الحر والبرد بدعائه له ﷺ فخرّج أبو نعيم من حديث أبى بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا علي بن شهاب، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم والمنهال وعيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان علي- رضي اللَّه ﵎ عنه- يخرج في الشتاء في إزار ورداء، ثوبين خفيفين، وفي الصيف في القباء المحشو والثوب الثقيل، فقال الناس لعبد الرحمن: لو قلت لأبيك فإنه يسمر معه. قال: فسألت أبي أن الناس قد رأوا من أمير المؤمنين شيئا استنكروه، قال: وما ذاك، قلت: يخرج في الحر الشديد في القباء المحشو والثوب الثقيل، لا يبالي، ويخرج في البرد الشديد في الثوبين الخفيفين والملاءتين والخفيفتين لا يبالي ذلك، ولا يتقى بردا، فهل سمعت في ذلك؟ فقد أمروني أن أسألك أن تسأله إذا أسمرت عنده، فسمر عنده. فقال: يا أمير المؤمنين إن الناس قد تفقدوا منك شيئا، قال: وما هو؟ قلت: تخرج في البرد الشديد في الثوبين الخفيفين والملاءتين ولا تبالي، وتخرج في الحر الشديد في القباء المحشو والثوب الثقيل، ولا تبالي بردا ولا حرا. قال: وما كنت معنا يا أبا ليلى بخيبر؟ قلت: بلى، واللَّه كنت معكم، قال: فإن رسول اللَّه ﷺ قال لأعطين الراية غدا رجلا يحب اللَّه ورسوله ويحبه

стр. 4276

اللَّه ورسوله يفتح اللَّه عليه ليس بفرار، قال: فدعاني، فأتيته وأنا أرمد لا أبصر شيئا. قال: فتفل في عيني، ثم قال: اللَّهمّ اكفه الحر والبرد، قال: فما أذاني بعد حر ولا برد [ (١) ] . وخرّجه من حديث محمد بن عمران بن أبي ليلى، عن أخيه عيسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: اجتمع إليّ نفر من أهل المسجد، فقالوا: إنا قد رأينا من أمير المؤمنين شيئا أنكرناه، قلت: وما هو؟، قالوا: يخرج علينا في الشتاء في إزار، ورداء، وفي الصيف في قباء محشو، فدخلت فذكرت ذلك لأبي، فلما راح إلى على- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: إن الناس قد رأوا منك شيئا أنكروه، قال: وما هو؟ قلت: لباسك، قال: أوما كنت معنا حين دعاني رسول اللَّه ﷺ وأنا أرمد فتفل في راحتيه وألصق بهما على عيني، وقال: اللَّهمّ أذهب عنه الحر والبرد، والّذي بعثه بالحق ما وجدت لواحدة منهما أذى حتى الساعة [ (٢) ] . قال كاتبة حديث لأعطين الراية رجلا يحب اللَّه ورسوله، حديث. خرّجه البخاري [ (٣) ] ومسلم [ (٤) ] ، وسيأتي في طرقه عن قريب إن شاء اللَّه، وليست فيه قصة الحر والبرد، ولكن وقعت في النسائي.

стр. 4277

خرّجه من حديث عبد اللَّه قال: حدثنا ابن أبي ليلى عن الحكم والمنهال، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه أنه قال لعلي- رضي اللَّه ﵎ عنه- وكان يسير معه: إن الناس قد أنكروا منك أنك تخرج في البرد في الملاءتين، وتخرج في الحر في الحشو والثوب الغليظ. قال: أولم تكن معنا بخيبر؟ قال: بلى، قال: فإن رسول اللَّه ﷺ . بعث أبا بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- وعقد له لواء، فرجع الناس، فقال رسول اللَّه ﷺ : لأعطينّ الراية رجلا يحب اللَّه ورسوله، ويحبه اللَّه ورسوله ليس بفرار. قال: فأرسل إلي وأنا أرمد، فتفل في عيني، وقال: اللَّهمّ [أذهب عنه] الحر والبرد، قال: فما وجدت حرا بعد ذلك ولا بردا. ومن حديث فردوس الأشعري قال: حدثنا مسعود بن سليمان: حدثنا حبيب ابن أبي ثابت، عن الجعد مولى سويد بن غفلة، أنه قال: لقيت عليا- رضى اللَّه ﵎ عنه- وهو في ثوبين في شدة الشتاء، فقلت: لا تغني بأرضنا هذه، فإنّها أرض مقرة [ (١) ] ، وليست مثل أرضك فقال: أما إني كنت مقرورا [ (٢) ] ، فلما بعثني رسول اللَّه ﷺ إلى خيبر قلت: ما لي لا أدفأ به، وإني لأرمد، فتفل في عيني، ودعا لي فما وجدت بردا بعد، ولا رمدت عيناي. وخرّج أبو نعيم من حديث محمد بن فضيل، عن أبي حيان التيمي، عن شبرمة بن الطفيل قال: رأيت عليا- رضي اللَّه ﵎ عنه- بذي قار عليه إزار ورداء، وهو يهنأ بعيرا له في يوم شديد البرد، وإن جبينه ليرشح عرقا.

стр. 4278

وأما شفاؤه مما يشكو من الوجع بدعائه ﷺ فخرّج البيهقي [ (١) ] من حديث أبي داود الطيالسي، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني عمرو بن مرة قال: سمعت عبد اللَّه بن سلمة يقول: سمعت عليا- رضي اللَّه ﵎ عنه- يقول: أتى على رسول اللَّه ﷺ وأنا شاك أقول: اللَّهمّ إن كان أجلي قد حضر فأرحني، وإن كان متأخرا فأرفق بي [ (٢) ] . وإن كان بلاء فصبرني، فضربني برجله، وقال: كيف قلت؟ فأعدت عليه، فقال: اللَّهمّ اشفه، أو قال: اللَّهمّ عافه، قال علي- رضي اللَّه ﵎ عنه- فما اشتكيت وجعي ذاك بعد. وخرّجه النسائي من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت عبد اللَّه بن سلمة يحدث عن علي- رضى اللَّه ﵎ عنه- قال: مر على رسول اللَّه ﷺ وأنا أقول: اللَّهمّ إن كان أجلى حضر فأرحني، وإن كان متأخرا فأرفق بي، وإن كان بلاء فصبرني، فضربني برجله، وقال: اللَّهمّ اشفه، اللَّهمّ عافه، فما اشتكيت بعد ذلك، وخرّجه عبد بن حميد من حديث شعبة.

стр. 4279

وأما شفاؤه رضي اللَّه ﵎ عنه من رمد ببصاق الرسول ﷺ ودعائه له فخرّج البخاري [ (١) ] ومسلم [ (٢) ] والنسائي من حديث يعقوب بن عبد الرحمن بن أبي حازم قال: أخبرني سهل بن سعد أن رسول اللَّه ﷺ قال يوم خيبر:

стр. 4280

_________ [ () ] وقد ظهر من حديث سلمة بن الأكوع انه هو الّذي أحضره، ولعل عليا حضر إليهم بخيبر ولم يقدر على مباشرة القتال لرمده، فأرسل إليه النبي ﷺ فحضر من المكان الّذي نزل به، أو بعث إليه إلى المدينة فصادف حضوره. قوله: (فبرأ) بفتح الراء والهمزة بوزن ضرب، ويجوز كسر الراء بوزن علم، وعند الحاكم من حديث على نفسة قال: فوضع رأسي في حجره، ثم بزق في ألية راحته، فدلك بها عيني» وعند بريدة في «الدلائل البيهقي «فما وجعها على حتى مضى لسبيله» أي مات، عند الطبراني من حديث علي: «فما رمدت ولا صدعت منذ دفع النبي ﷺ إلى الراية يوم خيبر» ، وله من وجه آخر «فما اشتكيتها حتى الساعة، قال: ودعا لي فقال: اللَّهمّ أذهب، عنه الحر والقر، قال فما اشتكيتهما حتى يومي هذا» . قوله: (فأعطاه ففتح عليه) في حديث سهل «فأعطاه الراية» ، وفي حديث أبي سعيد، عند أحمد «فانطلق حتى يفتح اللَّه عليه خيبر وفدك، وجاء بعجوتهما» وقد اختلف في فتح خيبر هل كان، عنوة أو صلحا، وفي حديث عبد العزيز بن صهيب، عن أنس التصريح بأنه كان، عنوة وبه جزم ابن عبد البر، ورد على من قال فتحت صلحا قال: وإنما دخلت الشبهة على من قال فتحت صلحا بالحصنين اللذين أسلمهما أهلهما لحقن دمائهم، وهو ضرب من الصلح لكن لم يقع ذلك إلا بحصار وقتال. انتهى. والّذي يظهر أن الشبهة في ذلك قول ابن عمر «: إن النبي ﷺ قاتل أهل خيبر، فغلب على النخل والجأهم إلى القصر، فصالحوه على أن يجلوا منها، وله الصفراء والبيضاء والحلقة، ولهم ما حملت ركابهم على أن لا يكتموا ولا يغيبوا» الحديث وفي آخره «فسبى نساءهم وذريتهم، وقسم أموالهم للنكث الّذي نكثوا، وأراد أن يجليهم فقالوا: دعنا في هذه الأرض نصلحها «الحديث أخرجه أبو دواد والبيهقي وغيرهما، وكذلك أخرجه أبو الأسود في المغازي، عن عروة، فعلى هذا كان قد وقع الصلح، ثم حدث النقض منهم فزال أثر الصلح، ثم منّ عليهم بترك القتل وإبقائهم عمالا بالأرض ليس لهم فيها ملك، ولذلك أجلاهم عمر- كما تقدم في فتح فرض الخمس احتجاج الطحاوي على أن بعضها صلحا بما أخرجه هو وأبو داود من طريق بشير بن يسار» : أن النبي ﷺ لما قسم خيبر عزل نصفها لنوائبه، وقسم نصفها بين المسلمين» وهو حديث اختلف في وصله وإرساله، وهو ظاهر في أن بعضها فتح صلحا، واللَّه اعلم.

стр. 4281

لأعطينّ هذه الراية رجلا يفتح اللَّه عليه يحب اللَّه ورسوله، ويحبه اللَّه ورسوله، فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول اللَّه ﷺ كلهم يرجون أن يعطاها. فقال أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: هو يا رسول اللَّه يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه فأتى به، فبصق رسول اللَّه ﷺ في عينيه، ودعا له، فبرأ حتى كان لم يكن به وجع فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول اللَّه أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: أنفد على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام،

стр. 4282

وأخبرهم بما يجب عليهم من حق اللَّه فيه، فو اللَّه لأن يهدي اللَّه بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم. هكذا سياقة مسلم، وقال فيه البخاري: والنسائي: لأعطين هذه الراية غدا، ولم يذكر النسائي فيه قوله: فبات الناس يذكرون ليلتهم أيهم يعطاها. ذكره البخاري في غزوة خيبر، وذكره مسلم في المناقب، وذكره النسائي في فضائل على، وذكره البخاري أيضا في الجهاد في باب فضل من أسلم على يديه رجل [ (١) ] ، وذكره في المناقب [ (٢) ] من حديث عبد العزيز بن أبي حازم، عن سهل بن سعد، أن رسول اللَّه ﷺ قال: لأعطين الراية غدا رجلا يفتح اللَّه على يديه، فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول اللَّه ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها. فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: يشتكي عينيه يا رسول اللَّه، قال: فأرسلوا إليه، فأتى [ (٣) ] به، فلما جاء بصق في عينيه، فدعا له حتى كأن لم يكن به وجع، الحديث إلى آخره مثله. وخرّجه في كتاب الجهاد، في باب دعاء النبي ﷺ إلى الإسلام والنبوة [ (٤) ] ، من حديث عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه، عن سهل بن سعد، سمع النبي ﷺ يقول يوم خيبر: لأعطين الراية رجلا يفتح اللَّه على يديه، فناموا يرجون ذلك

стр. 4283

أيهم يعطي؟ إذ كلهم يرجون أن يعطي [ (١) ] ، فقال: أين علي؟، فقيل: يشتكي عينيه، فأمر فدعا به فبصق في عينيه. فبرأ مكانه حتى كأن لم يكن به شيء، فقال: نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال علي رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فو اللَّه لأن يهدي بك رجل واحد خير لك من حمر النعم. وخرّج البخاري في الجهاد في باب ما قيل في لواء النبي [ (٢) ] ﷺ وفي مناقب علي، وخرّج مسلم في المناقب: كلاهما من حديث حاتم بن إسماعيل، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سلمة بن الأكوع، قال: كان علي- رضي اللَّه ﵎ عنه- قد تخلف عن النبي ﷺ في خيبر كان رمدا، وقال البخاري: وكان به رمد، فقال: أنا أتخلف عن رسول اللَّه ﷺ ؟ فلما كان في مساء الليلة التي فتحها اللَّه في صباحها، قال رسول اللَّه ﷺ : لأعطين الراية أو ليأخذن الراية غدا رجل يحبه اللَّه ورسوله، أو قال: يحب اللَّه ورسوله، يفتح اللَّه عليه، فإذا نحن بعلي، وما نرجوه. فقالوا: هذا على فأعطاه رسول اللَّه ﷺ ففتح اللَّه عليه، لفظهما فيه متقارب. وخرّج النسائي [ (٣) ] من حديث الحسين بن واقد، عن عبد اللَّه بن بريدة، قال: سمعت أبي بريدة يقول: حاصرنا خيبر، فأخذ اللواء أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- ولم يفتح له وأخذه من الغد عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه، فانصرف ولم يفتح له، وأصاب الناس يومئذ شدة وجهد، فقال رسول اللَّه ﷺ : إني رافع لوائي غدا إلى رجل يحب اللَّه ورسوله ويحبه اللَّه ورسوله، لا يرجع حتى يفتح له ربنا طيبة أنفسنا أن الفتح غدا فلما أصبح رسول اللَّه ﷺ الغداة، ثم قام قائما، ودعا باللواء والناس على مصافهم، فما منا إنسان له منزلة عند رسول اللَّه ﷺ إلا هو يرجو أن يكون صاحب اللواء فدعا علي بن

стр. 4284

أبي طالب، وهو أرمد فتفل في عينيه ودفع إليه اللواء، وفتح اللَّه له، وقال: أنا فيمن تطاول لها. وخرّجه من حديث ميمون أبي عبد اللَّه أن عبد اللَّه بن بريدة حدثه عن بريد الأسلمي- رضي اللَّه ﵎ عنهما- قال: لما كان حيث نزل رسول اللَّه ﷺ خيبر أعطى رسول اللَّه ﷺ اللواء عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه- فنهض معه من نهض من الناس فلقوا أهل خيبر، فانكشف هو وأصحابه، فرجعوا إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال رسول اللَّه ﷺ : لأعطين اللواء رجلا يجب اللَّه ورسوله ويحبه اللَّه ورسوله، فلما كان من الغد تصادر أبو بكر وعمر- رضي اللَّه ﵎ عنهما- فدعا عليا- رضي اللَّه ﵎ عنه- وهو أرمد، فتفل في عينيه، ونهض معه من الناس من نهض، فلقى أهل خيبر، فإذا مرحب يرتجز وهو يقول: قد علمت خيبر أنى مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب أطعن أحيانا وحينا أضرب ... إذا الليوث أقبلت تلهب وخرّج أبو نعيم من حديث محمد بن فضيل، عن سالم بن أبي حفصة، عن منذر الثوري قال: سمعت الربيع بن خيثم يقول: أتيت عبد اللَّه بن عمر- رضي اللَّه ﵎ عنهما- فسألته عن علي- رضي اللَّه ﵎ عنه- فقال: إن رسول اللَّه ﷺ قال: لأعطين الراية رجلا يحب اللَّه ورسوله ويحبه اللَّه ورسوله لا يرجع حتى يفتح اللَّه عليه، فجعل أصحاب رسول اللَّه ﷺ يتصدونه، فقال: أين على بن أبي طالب؟ فقالوا: يا رسول اللَّه إنه أرمد لا يبصر، فأخذ الراية، فدعاه رسول اللَّه ﷺ فأتى به فتفل في عينيه فأبصر، ثم نهر له رسول اللَّه ﷺ ، قال عبد اللَّه بن عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه: فو الّذي نفسي بيده ما صعد آخرنا حتى فتح اللَّه على أولنا. ومن حديث عباد بن يعقوب، والنضر بن سعد بن صهيب قالا: حدثنا عبد اللَّه بن بكير، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنه- أن النبي ﷺ قال يوم خيبر: لأدفعن الراية إلى رجل يحب اللَّه ورسوله، ويحبه اللَّه ورسوله، لا يرجع حتى يفتح اللَّه

стр. 4285

عليه، فأصبح الناس طيبة وجوههم رجاء أن يدفها إليهم، فدعا عليا، وهو أرمد، فتفل في عينيه، ثم دفع الراية إليه، ففتح اللَّه عليه. وخرّج من حديث أبي عوانة، عن أبي فليح، عن عمرو بن ميمون قال: كنت عند ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنه- فجاءه نفر تسعة، فقالوا: يا ابن عباس قم معنا، فقام معهم، فما ندري ما قالوا غير أنه رجع ينفض ثوبه، ويقول: أف وأف وقعوا في رجل قال فيه رسول اللَّه ﷺ : لأدفعن رايتي هذه إلى رجل يحب اللَّه ورسوله، ويحبه اللَّه ورسوله، يفتح اللَّه على يديه، فأرسل إلى علي وهو في الرحل يطحن، وما كان أحدهم ليطحن، فجاءوا به رمدا. فقال: يا رسول اللَّه: ما أكاد أبصر، فنفث رسول اللَّه ﷺ في عينيه وأخذ الراية بيده، فهزها ثلاثا ثم دفعها إليه، ففتح له، فجاء بصفية بنت حيي. ومن حديث بكير بن مسمار قال: سمعت عاصم بن سعد يقول: أن أباه سعدا، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : لأعطين هذه الراية رجلا يحب اللَّه ورسوله فتطاولنا لرسول اللَّه ﷺ فقال: أين علي، فقالوا: هو أرمد، قال: فدعوناه، فبصق في عينيه، ثم أعطاه الراية، ففتح اللَّه عليه. ومن حديث يحيى بن سلمة بن كهيل، عن مسلم الملامى، عن خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي وقاص- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: قال رسول اللَّه ﷺ : لأعطين الراية رجلا يحبه اللَّه ورسوله، ويحب اللَّه ورسوله، لا يرجع حتى يفتح عليه، فلما أصبح صلّى الفجر، ثم نظر ﷺ في وجوه الناس، فرأى عليا منكسا في ناحية القوم يشتكي عينيه، فدعاه فقال: يا رسول اللَّه، إني أرمد فأخذ يفتح عينيه، ودعا له، قال علي- رضي اللَّه ﵎ عنه: فو الّذي بعثه بالحق ما اشتكيتها بعد. وخرّج من حديث معتمر بن سليمان عن أبيه، ومن حديث أبي عوانة، وأبي بكر بن أبي شيبة عن جرير، ومن حديث هشيم كلهم عن مغيرة، عن أم موسى سرية علي، عن علي- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: ما

стр. 4286

رمدت، ولا صدعت، منذ تفل رسول اللَّه ﷺ في عيني حين بعثني في خيبر، قال: ورواه الحكم [ (١) ] وعيسى عن ابن أبي ليلى، عن علي. وخرّج من حديث عباد بن يعقوب، قال: حدثنا عمر بن ثابت، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن حبشي قال: سمعت عليا- رضي اللَّه ﵎ عنه- يقول: كنت أرمد من دخان الحصن، فدعاني النبي ﷺ ، فتفل في عيني، فما رمدت بعده. وخرّج من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي، عن أبيه، عن سلمة بن الأكوع قال: بعث رسول اللَّه ﷺ أبا بكر بن أبي قحافة- رضي اللَّه ﵎ عنه- برايته إلى حصن من خيبر، فقاتل، ولم يك فتح، وقد جهد، ثم بعث عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه- بالغد، فقاتل ولم يك فتح، وقد جهد. فقال رسول اللَّه ﷺ : لأعطين الراية غدا رجلا يحب اللَّه ورسوله يفتح اللَّه على يديه ليس بفرار، فدعا بعلي- رضي اللَّه ﵎ عنه- وهو أرمد، فتفل في عينيه، فقال: خذ هذه الراية وامض بها، حتى يفتح اللَّه عليك. قال سلمة: فخرج بها واللَّه يهرول هرولة، وأنا لخلفه متتبع أثره، حتى ركز رايته في رضم من حجارة تحت الحصن، فاطلع عليه يهودي من رأس الحصن، فقال: من أنت؟ قال: علي بن أبي طالب، قال: يقول اليهودي: غلبتم [ (٢) ] وما أنزل على موسى، أو كما قال، فما رجع حتى فتح اللَّه على يديه [ (٣) ] . قال أبو نعيم، ورواه عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، قال: فما رواه سلمة يدل على تقدم علم اليهودي من رواياتهم وكتبهم

стр. 4287

بتوجيه من وجه إليهم ويكون الفتح على يديه، ويكون فيه فضيلة شريفة لعلي- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: ورواه يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة. وخرّج من حديث عبد الرزاق قال: حدثنا معمر، عن الزهري، عن سعيد ابن المسيب أظنه، عن أبي هريرة، ومن حديث معمر، عن عثمان الجريريّ، عن مقسم، عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ يوم خيبر: لأعطين الراية رجلا يحب اللَّه ورسوله، ليس بفرار يفتح اللَّه خيبر على يديه، فتشرف لها المهاجرون والأنصار، فسأل، عن عليّ فقالوا: هو أرمد، فدعاه النبي ﷺ فنفث في عينيه، ثم دعا له وأعطاه الراية، ففتح اللَّه على يديه. ومن حديث مسدد قال: حدثنا أبو عوانة، حدثنا سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: قال رسول اللَّه ﷺ : لأعطين الراية غدا رجلا يحب اللَّه ورسوله يفتح اللَّه على يديه، فدعا عليا فنفثه، ثم قال: اذهب فقاتل حتى يفتح اللَّه عليك. وخرّجه من طريق إسرائيل، عن عبد اللَّه بن عصمة، عن أبي سعيد الخدريّ، ومن حديث منصور بن المعتمر، عن ربعي بن خراش، عن عمران ابن حصين، ومن حديث الخليل بن مرة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد اللَّه. ومن حديث أبي فروة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه - وبعضهم يزيد على بعض وينقص في حديثه- فالمعنى واحد. وقال أبو عمر محمد بن عبد الواحد المعروف بالزاهد غلام ثعلب في كتاب (اليواقيت) قال ابن الأعرابي: كانت فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب وأبو طالب غائب، فوضعته فسمته أسدا يحيي اسم أبيها، فقدم أبو طالب، فسماه عليا، فكانت أم مرحب كاهنة، فقالت: يا مرحب لا تبرز في الحرب إلى رجل يكتنى ويرتجز بحيدرة، فإنه قاتلك، قال: فلما كانت ليلة خيبر قال النبي ﷺ : لأعطين الراية غدا الرجل يحبه اللَّه ورسوله، ويحب اللَّه ورسوله. قال بعض الأنصار فما زالوا يدوكون تلك الليلة من هو فلما كان الغد، قال النبي ﷺ : أين علي؟ فإذا هو عليل، قالوا: هو عليل، قال: أين علي؟ فإذا هو أرمد العين، قال: فجاء وعينه رمدة، فقال: ادن مني، فدنا منه،

стр. 4288

فوضع رأسه في حجره، فتفل فيها ﷺ ومسحها بألية يده، قال: فانفتحت عين علي فرأيتها، وكأنها جزعة من حسنها، قال: فمشى والراية معه، فسمعت صياحه بالنداء، ووجهه إلى العدو وظهره إلى النبي ﷺ وهو يقول: يا رسول اللَّه، علام أقاتل الناس؟ فقال ﷺ : على أن يقولوا لا إله إلا اللَّه وأنى محمد رسول اللَّه. قال: فجاء إلى اليهود أجمع ما كانوا فشدوا عليه شدة رجل واحد، فيثبت، ثم حملوا عليه، فثبت، فحمل عليهم فانهزموا إلى الحصون، فلما رأوا إمرة علي داروه، وكان مرحب أشجع اليهود فصاحوا: يا مرحب اليوم. قال: فخرّج مبادرا مدلا، فلما توافقا قال مرحب: ما اسمك يا فتى؟ قال: عليّ، فاطمأن قلبه، وأقبل نحو عليّ وهو يرتجز. أنا الّذي سمتني أمي مرحب ... شاك سلاحي بطل مجرب [إذا الليوث أقبلت نلهب ... وأحجمت، عن صولة المغلب] [ (١) ] قال: فقال علي- رضي اللَّه ﵎ عنه-: أنا الّذي سمتني أمي حيدرة ... كليث غابات غليظ القسورة ويروى: أنا الّذي سمتني أمي حيدرة ... أضرب بالسيف رءوس الكفرة أكيلهم بالصاع كيل السندرة قال: فضربه على ضربه قده [ (٢) ] باثنتين قال ابن عباس: كانت لعلي ضربتان إذا تطاول قد، وإذا تقاصر قط. قال ثعلب: اختلف الناس في قوله: السندرة، فقال ابن الأعرابي: هو مكيال كبير مثل القنقل [ (٣) ] ، وقال غيره:

стр. 4289

السندرة امرأة كانت تبيع القمح، وكانت توفى الكيل، قال ثعلب: فعلى هذا إني أكيلكم كيلا وافيا. قال: وقال غيرهما: السندرة العجلة، فعلى هذا إني أبادركم، قبل الفرار. وقال ابن قتيبة: ويحتمل أن يكون مكيالا اتخذ من السندرة، وهي شجرة يعمل منها النبل والقسي. قال الأنصاري: فرأيت أم مرحب وهي تندبه وهو بين يديها، فقلت من قتل مرحبا؟ قالت: من كان يقتله إلا أحد رجلين، قلت: من الرجلين؟ قالت: محمد أو علي، قلت: فمن قتله منهما؟ قالت: علي، قال: وأنشدني: للَّه در أبي طالب ودر ... رمنجبه لقد انحبى قال: وكنت في الجيش، فو اللَّه ما استتم به آخرنا حتى فتح على أولنا بركة علي- رضي اللَّه ﵎ عنه- هكذا ساق غلام ثعلب. وخرّج البيهقي من حديث يونس بن بكير بن مسلم الأزدي قال: حدثنا عبد اللَّه بن بريدة، عن أبيه، قال: كان رسول اللَّه ﷺ ربما أخذته الشقيقة، فيلبث اليوم، واليومين لا يخرج، ولما نزل خيبر أخذته الشقيقة [ (١) ] فلم يخرج إلى الناس، وإن أبا بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- أخذ راية رسول اللَّه ﷺ ، ثم نهض فقاتل قتالا شديدا، ثم رجع. فأخذها عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه- فقاتل قتالا هو أشد من القتال الأول، ثم رجع فأخبر بذلك رسول

стр. 4290

اللَّه ﷺ ، فقال: لأعطينها غدا رجلا يحب اللَّه ورسوله، ويحبه اللَّه ورسوله، يأخذها عنوة وليس ثم علي، فتطاولت لها قريش ورجا كل رجل منهم أن يكون صاحب ذلك، فأصبح وجاء على بعيره حتى أناخ قريبا، وهو أرمد قد عصب عينه بشقة برد قطري. فقال رسول اللَّه ﷺ : مالك؟ قال: رمدت بعدك!! قال: ادن منى، فدنا منه، فتفل في عينه فما وجعها حتى مضى بسبيله، ثم أعطاه الراية، فنهض بالراية وعليه جبة أرجوان حمراء قد أخرج خملها فأتى مدينة خيبر، وعليه مغفر يماني، وحجر قد نقبه مثل البيضة على رأسه، وهو يرتجز: قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي سلاحي بطل مجرب إذا الليوث أقبلت تلهب ... وأحجمت عن صولة المغلّب فقال علي- رضي اللَّه ﵎ عنه: أنا الّذي سمتني أمي حيدرة ... كليث غابات شديد القسورة أكيلهم بالصاع كيل السندرة فاختلفا ضربتين، فبدره على فضربه فقد الحجر والمغفرة، ورأسه ووقع في الأضراس، وأخذ المدينة [ (١) ] . وأما دعاؤه ﷺ لعلي بالهداية والسداد، وقد ضرب بيده المقدسة في صدره فأجيب فيه دعواته صلوات اللَّه وسلامه عليه فخرّج أبو بكر بن أبي شيبة من حديث أبي معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن علي- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: بعثني رسول اللَّه ﷺ إلى أهل اليمن لأقضي بينهم، فقلت: يا رسول اللَّه

стр. 4291

لا علم لي بالقضاء [ (١) ] ، فضرب بيده على صدري [ (٢) ] ، قال: اللَّهمّ اهد قلبه، وسدد [ (٣) ] لسانه، قال: فو الّذي فلق الحبة [ (٤) ] فما شككت في قضاء بين اثنين [ (٥) ] حتى جلست مجلسى هذا. وخرّجه عبد بن حميد من حديث الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن علي قال: بعثني رسول اللَّه ﷺ ، فقلت: يا رسول اللَّه تبعثني وأنا شاب أقضى بينهم ولا أدري ما القضاء، فضرب بيده في صدري، وقال: اللَّهمّ أهد قلبه، وثبت لسانه، قال: والّذي فلق الحبة ما شككت بعد في قضاء بين اثنين [ (٦) ] . وخرّجه النسائي من حديث أبي معاوية بمثله قال النسائي: روى هذا الحديث شعبة- رضي اللَّه ﵎ عنه، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، فقال: أخبرني من سمع عليا- رضي اللَّه ﵎ عنه وأرضاه.

стр. 4292

قال النسائي والبختري: لم يسمع من على شيئا، ولم يره أيضا، وقال يحيى بن معين: أبو البختري الطائي اسمه سعد، وهو ثبت ولم يسمع من علي- رضي اللَّه ﵎ عنه- شيئا. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة سمع أبا البختري يقول: حدثني من سمع عليا- رضي اللَّه ﵎ عنه- يقول: لما بعثني رسول اللَّه ﷺ إلى اليمن، فقلت: يا رسول اللَّه تبعثني وأنا رجل حديث السن لا علم لي بكثير من القضاء، قال: فضرب رسول اللَّه ﷺ يده في صدري، وقال: إن اللَّه- سيثبت لسانك، ويهدي قلبك، قال: فما أعياني قضاء بين اثنين. وخرّجه ابن عساكر من حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي- رضي اللَّه ﵎ عنه. ومن حديث جعفر بن محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب- رضي اللَّه ﵎ عنه، ومن حديث شريك، عن سماك، عن حنش، عن علي- رضي اللَّه ﵎ عنه، ومن حديث سلمة الأعور، عن مجاهد، عن ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنهما. وأما صرف الوباء عن المدينة النبويّة وانتقال الحمى عنها إلى الجحفة ببركة المصطفى ﷺ فخرّج البخاري من حديث مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- أنها قالت: لما قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة وعك أبو بكر وبلال- رضي اللَّه ﵎ عنهما، قالت: فدخلت عليهما يا أبه كيف تجدك؟ ويا بلال [فقلت:] كيف تجدك؟ قالت: وكان أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- إذا أخذته الحمى يقول كل امرئ مصح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته، ويقول: ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل

стр. 4293

وهل أردن يوما مياه مجنة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل قالت عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها: فجئت رسول اللَّه ﷺ فأخبرته، فقال: اللَّهمّ حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أشد وصححها، وبارك لنا في صاعها ومدها وانقل حماها، فاجعلها بالجحفة. ذكره في باب من دعا برفع الوباء والحمى [ (١) ] ، وفي كتاب الهجرة [ (٢) ] ، وفي كتاب المرضي في باب عيادة النساء [ (٣) ] الرجال.

стр. 4294

وخرّجه في آخر كتاب الحج [ (١) ] ، من حديث أبي أسامة، عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: لما قدم

стр. 4295

رسول اللَّه ﷺ المدينة وعك أبو بكر، وبلال، وكان أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- إذا أخذته الحمى يقول: كل امرئ مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله وكان بلال- رضي اللَّه ﵎ عنه- إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته ويقول: ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوما مياه مجنة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل اللَّهمّ العن شيبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا إلى أرض الوباء، قم قال رسول اللَّه ﷺ : اللَّهمّ حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللَّهمّ بارك لنا في صاعنا، وفي مدنا وصححها لنا، وانقل حماها إلى الجحفة. قالت: وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض اللَّه ﷺ ، قالت: فكان بطحان يجرى ثجلا يعني ماء أجنا.

стр. 4296

وخرّجه في كتاب الدعاء من حديث سفيان، عن هشام بن عروة، عن عائشة قالت: قال النبي ﷺ : اللَّهمّ حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة أو أشد، وانقل حماها إلى الجحفة، اللَّهمّ بارك لنا في مدنا وصاعنا، ذكره في باب الدعاء برفع الوباء [ (١) ] . وخرّجه مسلم [ (٢) ] من حديث عبدة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: قدمنا المدينة وهي وبئة، فاشتكى أبو بكر واشتكى بلال- رضى اللَّه ﵎ عنه، فلما رأى رسول اللَّه ﷺ شكوى أصحابه قال: اللَّهمّ حبب

стр. 4297

إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة أو أشد، وصححها وبارك لنا في صاعها، ومدها وحول حماها إلى الجحفة. وخرّجه أيضا من حديث أبي أسامة، وابن نمير، عن هشام بن عروة [ (١) ] قال ابن عبد البر: وقد ذكر حديث خالد، عن هشام، ولم يختلف رواة الموطأ فيها علمت، عن مالك في إسناد هذا الحديث ولا في متنه، ولم يذكر مالك- ﵀ فيه قول عامر بن فهيرة، وسائر رواة هشام يذكرون عنه فيه بهذا الإسناد. وذكره مالك في الموطأ، عن يحيى بن سعيد قال: قالت عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها: وكان عامر بن فهيرة يقول: قد رأيت الموت قبل ذوقه ... إن الجبان حتفه من فوقه قال: ورواه ابن عيينة، ومحمد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فجعلا الداخل على أبي بكر وبلال وعامر رسول اللَّه ﷺ ، لا عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها. وقد تابع مالكا على روايته في ذلك سعيد بن عبد الرحمن، فذكر من طريق ابن وهب قال: أخبرني سعيد بن عبد الرحمن، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- أنها قالت: لما قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة وعك أبو بكر وبلال وعامر بن فهيرة، قالت: فدخلت عليهم، وهم في بيت، فقلت: يا أبه كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول: كل امرئ مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله ويقول عامر بن فهيرة: قد ذقت طعم الموت قبل ذوقه ... إن الجبان حتفه من فوقه وكان بلال إذا أقلع عنه يقول: ألا ليت شعرى، فذكر البيتين والحديث إلى آخره كرواية مالك سواء إلا أنه ذكر فيه قول عامر بن فهيرة كما ترى، وجعل الداخلة عليهم عائشة.

стр. 4298

وأما حديث سفيان بن عيينة، فذكره من طريق الحميدي قال: حدثنا سفيان حدثنا هشام بن عروة، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت دخل رسول اللَّه المدينة مع أصحابه، فدخل النبي ﷺ على أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- يعوده، فقال: كيف تجدك يا أبا بكر؟ فقال: كل امرئ مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله قالت: ودخل على عامر بن فهيرة، فقال: كيف تجدك؟ فقال: وجدت وجدت طعم الموت قبل ذوقه ... إن الجبان حتفه من فوقه كالثور يحمى جلده بروقه قالت: ودخل على بلال، فقال: كيف تجدك؟ فقال: ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة ... بفج وحولي إذخر وجليل وربما قال سفيان براد: وهل أردن يوما مياة مجنة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل فقال رسول اللَّه ﷺ : اللَّهمّ إبراهيم عبدك وخليلك دعاك لأهل مكة، وأنا عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة بمثل ما دعاك إبراهيم لأهل مكة، اللَّه بارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا، وبارك لنا في مدينتنا. قال سفيان: ورواه، قال في فرقنا اللَّه: اللَّهمّ حببنا فيها ضعفي ما حببت إلينا مكة أو أشد، وصححها، وانقل وباءها إلى خم أو الجحفة، هكذا قال ابن عيينة في هذا الحديث أن رسول اللَّه ﷺ هو كان الداخل على أبي بكر وعلي بلال وعامر بن فهيرة يعودهم، وهو كان المخاطب لهم، وشك في قوله بلال في البيت الّذي أنشده بفج أو بواد. وقال في حديثه: وانقل وباءها إلى مهيعة وهي الجحفة، قال ابن عبد البر: وقد روي ابن أبي الزناد، عن موسى ابن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: سمعت النبي ﷺ يقول: رأيت في المنام امرأة سوداء ثائرة ثقيلة، أخرجت من المدينة فأسكنت مهيعة، فأولتها وباء المدينة ينقله اللَّه إلى مهيعة. قال كاتبه وقد خرج البخاري في هذا الحديث من طريق سليمان بن بلال، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد اللَّه، عن أبيه أن النبي ﷺ قال: رأيت

стр. 4299

كأن امرأة سوداء ثائرة الرأس [ (١) ] ، خرجت من المدينة حتى قامت بمهيعة وهي الجحفة، فأولت أن وباء المدينة ينقل إليها. ترجم عليه باب إذا رأى أنه أخرج الشيء من كورة، فأسكنه موضعا آخر [ (٢) ] . وخرّجه في باب المرأة السوداء، من حديث فضيل بن سليمان، حدثنا موسى بن عقبة، حدثني سالم بن عبد اللَّه، عن عبد اللَّه بن عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه- في رؤيا النبي ﷺ في المدينة: رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس، خرجت من المدينة حتى نزلت بمهيعة، فتأولتها أن وباء المدينة نقل إلى مهيعة، وهي الجحفة [ (٣) ] . وخرّجه في باب المرأة الثائرة الرأس [ (٤) ] من حديث سليمان ابن موسى بن عقبة، عن سالم، عن أبيه أن النبي ﷺ قال: رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت.... وقد خرّج البيهقي [ (٥) ] وغيره من حديث مسدد حدثنا حماد بن زيد، عن هشام، عن عروة، عن عائشة قالت: قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة وهي وبئة،

стр. 4300

فذكر الحديث، قال: وقال: هشام: فكان المولود يولد بالجحفة، ولا يبلغ الحلم حتى تصرعه الحمى. وقال الواقدي في غزوة بدر: لما نزل رسول اللَّه ﷺ بيوت السقيا، فحدثني ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن عبد اللَّه بن قتادة، عن أبيه أن رسول اللَّه عند بيوت السقيا، ودعا يومئذ لأهل المدينة، فقال: اللَّهمّ إن إبراهيم عبدك، وخليلك، ونبيك دعاك لأهل مكة، وإني محمد عبدك ونبيك أدعوك لأهل المدينة أن تبارك لهم في صاعهم، ومدهم، وثمارهم، اللَّهمّ حبب إلينا المدينة واجعل ما بها من الوباء بخم [ (١) ] ، اللَّهمّ إني قد حرمت ما بين لابتيها كما حرم إبراهيم خليلك مكة [ (٢) ] .

стр. 4301

وأما شفاء سعد بن أبي وقاص رضي اللَّه ﵎ عنه وإتمام اللَّه تعالى هجرته بدعاء الرسول ﷺ ووقوع ما أشار به ﷺ فخرّج البخاري من حديث الجعيد، عن عائشة بنت سعد أن أباها قال: تشكيت بمكة شكوى شديدة، فجاءني النبي ﷺ يعودني، فقلت: يا نبي اللَّه إني أترك مالا، وإني لا أترك إلا ابنة واحدة، وأوصى بثلثي مالي، وأترك الثلث؟ قال: لا، فقلت: فأوصى بالثلث وأترك لها الثلثين؟ قال: الثلث، والثلث كثير، ثم وضع يده على جبهتي، ثم مسح وجهي وبطني، ثم قال: اللَّه اشف سعدا وأتمم له هجرته، فما زلت أجد برد يده على كبدي فيما يخيل إلى حتى الساعة. ذكره في كتاب المرضي، وترجم عليه باب وضع اليد [ (١) ] على المريض. وخرّجه النسائي [ (٢) ] بهذا الإسناد بمعناه، قال: وصح وجهي وصدري وبطني، وقال: فما زلت أجد أحد برد يده على كبدي حتى الساعة. وخرّجه مسلم من حديث الثقفي، عن أيوب السختياني، عن عمرو بن سعيد، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن ثلاثة من ولد سعد كلهم يحدث، عن أبيه، أن النبي ﷺ دخل على سعد يعوده بمكة، فبكى، فقال: ما يبكيك؟ فقال: خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها كما مات سعد بن خولة، فقال النبي ﷺ : اشف سعدا- ثلاث مرات، فقال: يا رسول اللَّه إن لي مالا كثيرا، وإنما ترثني أفأوصى بمالي كله؟ قال: لا، قال: فبالثلثين؟ قال: لا،

стр. 4302

قال فبالنصف؟ قال: لا قال: فبالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير، إن صدقتك من مالك صدقة، وإن نفقتك على عيالك صدقة، وإنك تدعهم يتكففون الناس وقال بيده [ (١) ] . وخرّجه أيضا من حديث حماد بن زيد قال: حدثنا أيوب، عن عمرو بن سعيد، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن ثلاثة من ولد سعد، قالوا: مرض سعد بمكة، فأتاه رسول اللَّه ﷺ يعوده، فذكره بنحو حديث الثقفي [ (٢) ] . وخرّجه من حديث عبد الأعلى، حدثنا هشام، عن محمد بن حميد بن عبد الرحمن، قال: حدثني ثلاثة من ولد سعد بن مالك كلهم يحدثنه بمثل حديث صاحبه، فقال: مرض سعد بمكة، فأتاه النبي ﷺ يعوده بنحو حديث عمرو بن سعيد، عن الحميري [ (٣) ] . وخرّج البخاري من حديث زكريا بن عدي: حدثنا مروان، عن هاشم بن هاشم، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: مرضت عادني النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول اللَّه، ادع اللَّه ألا يردني على عقبي، قال: لعل اللَّه يرفعك وينفع بك ناسا، فقلت: أريد أن أوصى وإنما لي ابنة، فقلت: أوصى بالنصف؟

стр. 4303

قال: النصف كثير، قلت: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كبير وكثير، قال: فأوصى الناس بالثلث، فجاز ذلك لهم ذكره في باب الوصية بالثلث [ (١) ] .

стр. 4304

وقد خرّج البخاري ومسلم هذا الحديث من طريق إبراهيم بن سعد، قال: حدثنا ابن شهاب، حدثنا عامر بن سعد عن أبيه، ومن حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه، ومن حديث سفيان الثوري، عن سعد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد، عن أبيه. وخرّجه مسلم من حديث زهير: حدثنا سماك بن حرب قال: حدثني مصعب بن سعد، عن أبيه، ولم يذكر دعاء النبي ﷺ لسعد بالشفاء.

стр. 4305

ذكره البخاري في حجة الوداع، وفي كتاب الهجرة [ (١) ] ، وفي كتاب الدعاء في باب الدعاء برفع الوباء والوجع [ (٢) ] ، وذكره في الفرائض في باب ميراث البنات [ (٣) ] ، وذكره في كتاب الوصايا [ (٤) ] ، وفي كتاب النفقات في باب فضل النفقة على الأهل [ (٥) ] . وأورده مالك (في الموطأ) [ (٦) ] ، عن ابن شهاب، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: جاءني رسول اللَّه ﷺ يعودني في عام حجة الوداع وبي وجع قد اشتد بي، فقلت: يا رسول اللَّه قد اشتد بي الوجع، ما ترى وأنا ذو مال ولا ترثني ألا كلالة لي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت: فالشطر؟ قال: لا، قلت: فالثلث؟ قال: الثلث والثلث كثير وكبير، ما إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه اللَّه إلا أجرت بها حتى ما تجعل في امرأتك، قال: قلت: يا رسول اللَّه أخلف بعد أصحابي؟ قال: إنك لن تخلف فتعمل عملا صالحا إلا ازددت به رفعة ودرجة، ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام، ويضر بك آخرون، اللَّهمّ أمض لأصحابي هجرتهم، لا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة، يرثى له رسول اللَّه ﷺ إن مات بمكة.

стр. 4306

قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: هذا حديث قد اتفق أهل العلم على صحة إسناده إلا أن في بعض ألفاظه اختلافا عند نقلته، فمن ذلك أن ابن عيينة قال فيه: عن ابن شهاب، عن عامر بن سعد، عن أبيه: مرضت عام الفتح، انفرد بذلك، عن ابن شهاب، وقد روينا هذا الحديث من طريق معمر ويونس ابن يزيد، وعبد العزيزي بن أبي سلمة، ويحيى بن سعيد الأنصاري وابن أبي عتيق وإبراهيم بن سعد، وكلهم قال فيه:، عن ابن شهاب عام حجة الوداع، كما قال مالك، قال يعقوب ابن شبة، سمعت علي بن المدني، وذكر الحديث فقال: وقال معمر ويونس، وذلك حجة الوداع وقال ابن عيينة عام الفتح، قال: والذين قالوا حجة الوداع أصوب. قال أبو عمر بن عبد البر، لم أجد ذكر عام الفتح إلا في رواية ابن عيينة، لهذا الحديث، وفي حديث عمر والقاري رجل من الصحابة في هذا الحديث. رواه عفان بن مسلم، عن وهيب بن جابر، عن عبيد اللَّه بن عثمان بن خثيم، عن عمرو بن القاري، عن أبيه، عن جده عمرو القاري، أن رسول اللَّه ﷺ قدم مكة عام الفتح، فخلف سعدا مريضا، حتى يخرج إلى حنين، فلما قدم من الجعرانة معتمرا، دخل عليه وهو وجع مغلوب، فقال سعد: يا رسول اللَّه إن لي مالا وإني أورث كلالة أفأوصى بمالي كله؟ أو تصدق بمالي كله؟ قال: لا، وذكر الحديث هذا في حديث عمرو القاري أفأوصى على الثلث أيضا. وأما حديث ابن شهاب، فلم يختلف عنه أصحابه لا ابن عيينة ولا غيره أنه قال فيه: أفأتصدق بمالي كله؟ أو بثلثي مالي؟ ولم يقل: أفأوصى. قال أبو عمرو: وأما قول سعد أأخلف بعد أصحابي؟ فمعناه عندي: أتخلف بمكة بعد أصحابي المهاجرين والمنصرفين معك إلى المدينة، ويحتمل أن يكون لما سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه اللَّه، وتنفق فعل مستقبل أنفق أنه لا يموت من مرضه ذلك، فأستفهمه هل يبقى بعد أصحابه؟ فأجابه رسول اللَّه ﷺ بضرب من قوله: لن تنفق نفقه تبتغي بها وجه اللَّه، وهو قوله: إنك لن تخلف فتعمل عملا صالحا إلا ازددت به رفعة ودرجة، ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام، ويضر بك آخرون، وهذا كله ليس

стр. 4307

بصريح، ولكنه قد قال كل ما قاله ﷺ ، وصدق في ذلك ظنه، وعاش سعد حتى انتفع به قوم، واستضر به آخرون. روى أن وهبا قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشبح، قال: سألت عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن قول رسول اللَّه ﷺ لأبيه عام حجة الوداع: لعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام، ويضر بك آخرون. فقال: أمر سعد على العراق، فقتل أقواما على ردة، فأضربهم، واستتاب قوما سجعوا سجع مسيلمة، فتابوا، فانتفعوا به. قال أبو عمر: مما يشبه قوله رسول اللَّه ﷺ لسعد هذا الكلام قوله للرجل الشعث: ما له ضرب اللَّه عنقه؟ فقال الرجل: في سبيل اللَّه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : في سبيل اللَّه، فقتل الرجل في تلك الغزوة ومثله قوله ﷺ في غزوة مؤتة أميركم زيد بن حارثة، فإن قتل فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل فعبد اللَّه بن رواحة. فقال بعض أصحابه: نعى إليهم أنفسهم، فقتلوا بالاسهم في تلك الغزاة، وتلك ومثل ذلك أيضا قصة عامر بن سنان حين ارتجز رسول اللَّه ﷺ في مسيره إلى خيبر، فقال له رسول اللَّه ﷺ : غفر لك ربك يا عامر؟ فقال له عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه: يا رسول اللَّه لو أسعدتنا به؟ قال: وذلك أنه ما استغفر لإنسان قط إلا استشهد، فاستشهد عامر يوم خيبر، وهذا كله ليس بتصريح من رسول اللَّه ﷺ في القول، ولا يبقين في المراد والمعنى، ولكنه كان يخرج كله كما ترى. وقد خلف سعد بن أبي وقاص- رضي اللَّه ﵎ عنه- بعد حجة الوداع نحو خمسين وأربعين سنة، وتوفى في سنة خمس وخمسين.

стр. 4308

وأما شفاء أسماء بنت أبي بكر رضي اللَّه ﵎ عنهما بدعائه ﷺ فخرّج البيهقي [ (١) ] من حديث بشر بن المفضل قال: حدثنا شاكر أبو الفضل قال: حدثني رجل من آل الزبير أن أسماء بنت أبي بكر أصابها ورم في رأسها، ووجهها، وأنها بعثت إلى عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها: اذكري وجعي لرسول اللَّه ﷺ لعل اللَّه يشفيني، فذكرت عائشة لرسول اللَّه ﷺ وجع أسماء، فانطلق حتى دخل على أسماء، فوضع يده على وجهها ورأسها من فوق الثياب، فقال: بسم اللَّه أذهب سوءه، وفحشه بدعوة نبيك الطيب المبارك المكين عندك، بسم اللَّه- ضع ذلك ثلاث مرات- فأمرها أن تقول ذلك، فقالت: ثلاثة أيام فذهب الورم، قال أبو الفضل: يصنع ذلك عند حضور الصلوات المكتوبة يقولها ثلاثا. وأما استجابة دعاء المصطفى ﷺ لابن المرأة فخرّج البيهقي [ (٢) ] من طريق ابن عون، عن محمد بن سيرين: أن امرأة جاءت بابن لها إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: هذا ابني، وقد أتى عليه كذا وكذا، على اللَّه أن يميته، فقال: أدعو اللَّه- أن يشفيه ويثبت به، ويكون رجلا صالحا، فيقاتل في سبيل اللَّه- تعالى- فيقتل فيدخل الجنة، فدعا له، فشفاه اللَّه وثبت، وكان رجلا صالحا، فقاتل في سبيل اللَّه، فقتل فدخل الجنة، قال البيهقي: هذا من تمثيل جيد.

стр. 4309

وأما ظهور بركة دعائه في طول قامة رجل ولد صغير الخلقة فقال الزبير بن بكار: حدثني إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز الزهري، عن أبيه، قال: ولد عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وهو ألطف من ولد، فأخذه جده أبو أمه أبو لبابة بن عبد المنذر الأنصاري في ليفة فجاء النبي ﷺ ، فقال له رسول اللَّه ﷺ : ما هذا منك يا أبا لبابة؟، قال: ابن ابنتي يا رسول اللَّه: أرأيت مولودا أصغر خلقة منه؟! فحنكه رسول اللَّه ﷺ ، ومسح على رأسه، ودعا فيه بالبركة. قال: فما رئي عبد الرحمن بن زيد مع قوم في صف إلا فرعهم طولا [قال مصعب: كان عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب فيما زعموا أطول الرجال وأتمهم [ (١) ]] . وأما شفاء الصبى من الجنون بمسح الرسول ﷺ رأسه ودعائه له فخرّج البيهقي [ (٢) ] من حديث عفان، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن مرقد السنجى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنه- أن امرأة جاءت بابن لها، فقالت: يا رسول اللَّه إن بابني جنون وإنه يأخذه عند غدائنا، وعشائنا، فيفسد علينا، قال: فمسح رسول اللَّه ﷺ رأسه ودعائه فثع ثعة، فخرج من جوفه مثل الجر والأسود يسعى، وخرّجه أبو نعيم [ (٣) ] من حديث حجاج بن المنهال، عن حماد بمثله.

стр. 4310

وأما استجابة اللَّه دعاءه ﷺ للمرأة التي كانت تنكشف إذا صرعت فخرّج البخاري من حديث مسدد قال: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عمران أبو كر قال: حدثني عطاء ابن أبي رباح، قال: قال لي ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنه: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي ﷺ ، قالت: إني أصرع وإني أتكشف، فادع اللَّه لي، قال: إن شئت صبرت، ولك الجنة، وإن شئت دعوت اللَّه أن يعافيك، قالت: أصبر، فقالت: أنى أتكشف فادع اللَّه لي ألا أتكشف، فدعا لها [ (١) ] .
следующие страницы →