← Сира

Сира · id 1524

إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع

المقريزي

Полный текст (6 146 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ردائه، وأعطاها- بعد ما أسلمت- ثلاثة أعبد وجارية، فاستوهبته بجادا فوهبه لها. هزيمة هوازن وقتل دريد بن الصمة ومرّت هوازن في هزيمتها إلى الطائف، وإلى أوطاس، وإلى نخلة. فسارت الخيل تريد من أتى نخلة. أدرك الربيع بن ربيعة بن رفيع بن أهبان [ (١) ] بن ثعلبة بن ضبيعة بن يربوع بن سمّال بن عوف بن مريء القيس بن بهثة بن سليم السّلمي-[وكان يقال له «ابن الدّغنّة» ، وهي أمه فغلبت على اسمه] [ (٢) ]- دريد بن الصّمة فقتله. أبو عامر الأشعري وتوجّه أبو عامر الأشعريّ- أخو أبي موسى [الأشعريّ] [ (٢) ]- إلى أوطاس، ومعه لواء في عدّة من المسلمين، وقد عسكر المشركون، فقاتلهم وقتل منهم تسعة ثم أصيب، فاستخلف أخاه أبا موسى ففتح اللَّه عليه. ولحق مالك بن عوف بالطائف. الغنائم والسبي وأمر رسول اللَّه ﷺ بالغنائم فجمعت. ونادى مناديه: من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فلا يغلّ! وأصاب المسلمون سبايا، فكانوا يكرهون أن يقعوا عليهنّ ولهنّ أزواج، فسألوا رسول اللَّه ﷺ عن ذلك فأنزل اللَّه وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً [ (٣) ] وقال ﷺ يومئذ: لا توطأ حامل من السبي حتى تضع حملها، ولا غير ذات حمل حتى تحيض. وسألوه عن العزل [ (٤) ] ، فقال: ليس من كل الماء

стр. 457

يكون الولد، وإذا أراد اللَّه أن يخلق شيئا لم يمنعه شيء. دية عامر بن الأضبط وقام عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري يطلب بدم عامر بن الأضبط الأشجعيّ- وقد قتله محلّم بن جثّامة بن قيس الليثي في سرية رسول اللَّه ﷺ إلى إضم- بعد ما حيّا بتحية الإسلام- فدافع عنه الأقرع بن حابس، فأشار النبي ﷺ بالدية فقبلوها. شارب الخمر أتي يومئذ بشارب، فأمر ﵇ من عنده [ (١) ] فضربوه بما كان في أيديهم، وحثا عليه التراب. الشهداء والسبي وجميع من استشهد [ (٢) ] بحنين أربعة [ (٣) ] . وفي هذه الغزاة قال رسول اللَّه ﷺ : من قتل قتيلا فله سلبه. وكان أبو طلحة قد قتل عشرين رجلا فأعطاه سلبهم. وذكر الزبير بن بكّار:

стр. 458

أن رسول اللَّه ﷺ سبى يوم حنين ستة آلاف- بين غلام وامرأة- فجعل عليهم أبا سفيان بن حرب. ومات رجل من أشجع أيام حنين، فقال رسول اللَّه ﷺ : صلّوا على صاحبكم فإنه قد غلّ. فنظروا. فإذا في برديه خرز لا يساوي درهمين. غزوة الطائف ثم كانت غزوة الطائف. وذلك أن رسول اللَّه ﷺ لما فتح حنينا، بعث الطفيل ابن عمرو بن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سالم بن فهم الدّوسيّ إلى ذي الكفّين- صنم عمرو بن حمه- يهدمه، وأمره أن يستمدّ قومه ويوافيه بالطائف، وقال له: أفش السلام، وأبذل الطعام- واستحي من اللَّه كما يستحي الرجل ذو الهيئة من أهله [ (١) ] ، إذا أسأت فأحسن، إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ [ (٢) ] . فخرج إلى قومه فهدم ذا الكفين، وجعل يحشو النّار في وجهه ويحرقه ويقول: يا ذا الكفين لست من عبّاكا ... ميلادنا أقدم من ميلادكا أنا حششت [ (٣) ] النار في فؤادكا ووافى معه بأربعمائة، بعد ما قدم ﵇ الطائف بأربعة أيام، ومعه دبّابة، ومنجنيق. ويقال: بل اتخذ المنجنيق سلمان الفارسيّ، وقدم بالدبّابة خالد بن سعيد ابن العاص من جرش [ (٤) ] . وكان مع رسول اللَّه ﷺ حسك من خشب [ (٥) ] يطيف بعسكره.

стр. 459

بعثة خالد بن الوليد على المقدمة وقدّم ﷺ خالد على مقدّمته، وبعث بالسبي والغنائم إلى الجعرّانة مع بديل ابن ورقاء الخزاعيّ، وسار إلى الطائف وقد رمّوا حصنهم، ودخل فيه من انهزم من أوطاس، واستعدوا للحرب وأتي ﷺ في طريقه بليّة [ (١) ]- برجل من بني ليث قتل رجلا من هذيل، فضرب أولياؤه عنقه، وكان أوّل دم أقيد [ (٢) ] به في الإسلام، وحرّق بليّة [ (٣) ] قصر مالك بن عوف. منزل المسلمين بالطائف ثم نزل قريبا من حصن الطائف وعسكر به، فرموا بنبل كثير أصيب به جماعة من المسلمين بجراحة، فحوّل ﵇ أصحابه، وعسكر حيث لا يصيبهم رمي أهل الطائف، وثار المسلمون إلى الحصن، فقتل يزيد بن زمعة بن الأسود بن المطلب ابن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ القرشيّ الأسدي، فظفر أخوه يعقوب بن زمعة بهذيل بن أبي الصّلت، [أخي أميّة بن الصلت] . وقال: هذا قاتل أخي! فضرب عنقه، وأقام ﷺ على حصار الطائف ثمانية عشر يوما، وقيل تسعة عشر يوما، وصحح ابن حزم إقامته ﵇ بضع عشرة ليلة وفي الصحاح عن أنس بن مالك قال: فحاصرناهم أربعين يوما. يعني ثقيفا. مصلى رسول اللَّه ﷺ فكان في إقامته يصلّي ركعتين بين قبّتين قد ضربتا لزوجتيه أمّ سلمة وزينب ﵄. فلما أسلمت ثقيف، بني أمية بن عمرو بن وهب بن معتّب ابن مالك [ (٤) ] على مصلى النبي ﷺ مسجدا، وكان فيه سارية-[فيما

стр. 460

يزعمون] [ (١) ]- لا تطلع الشمس عليها [يوما] [ (١) ] من الدهر إلا يسمع لها نقيض أكثر من عشر مرار، وكانوا يرون أن ذلك تسبيح [ (٢) ] . محاصرة حصن الطائف ونصب ﷺ المنجنيق على حصن الطائف، وقد أشار به سلمان الفارسيّ ﵁، وقد عمله بيده، وقيل: قدم به يزيد بن زمعة ومعه دبابتان [ (٣) ] ، وقيل: قدم به الطّفيل بن عمرو: وقيل: قدم به وبدبابتين خالد بن سعيد من جرش [ (٤) ] ونثر ﷺ الحسك حول الحصن، ودخل المسلمون تحت الدبابتين، ثم زحفوا [ (٥) ] بها إلى جدار الحصن ليحفروه، فأرسلت عليهم ثقيف سكك [ (٦) ] الحديد محماة بالنار فحرقت الدبابتين- وكانت من جلود البقر- فأصيب من المسلمين جماعة، وخرج من بقي من تحتها فقتلوا بالنبل. فأمر ﵇ بقطع أعنابهم وتحريقها، فقطعها المسلمون قطعا ذريعا. فنادى سفيان بن عبد اللَّه الثّقفي: يا محمد! لم تقطع أموالنا؟ إما أن تأخذها إن ظهرت علينا، وإما أن تدعها [للَّه] [ (٧) ] وللرحم كما زعمت! فقال ﵇: للَّه وللرّحم! وكفّ عنها. النازلون من حصن الطائف ونادى منادى رسول اللَّه ﷺ : أيّما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر [ (٨) ] ! فخرج بضعة عشر رجلا: أبو بكرة، والمنبعث، والأزرق [أبو عقبة الأزرق] ، ووردان، ويحنّس النّبّال، وإبراهيم بن جابر، ويسار، ونافع، وأبو السائب [ (٩) ] ، ومرزوق، فأعتقهم ﷺ ، ودفع كلّ رجل منهم إلى رجل من

стр. 461

المسلمين يمونه ويحمله، وأمرهم أن يقرؤهم القرآن ويعلموهم السنن، فشق ذلك على أهل الطائف. خير هيت وماتع وكان مع رسول اللَّه ﷺ مولى لخالته فاختة بنت عمرو بن عائذ بن عمران ابن مخزوم، يقال له «ماتع» وآخر يقال «هيت» . وكان «ماتع» [ (١) ] ، يدخل بيوته ويرى أنه لا يفطن لشيء من أمر النساء ولا إربة له، فسمعه وهو يقول لخالد ابن الوليد، [ويقال لعبد اللَّه بن أبي أمية [ (٢) ] بن المغيرة] : إن افتتح رسول اللَّه الطائف غدا فلا تفلتنّ منك بادية بنت غيلان! فإنّها تقبل بأربع وتدبر بثمان، وإذا جلست تثنت، وإذا تكلّمت تغنّت وإذا اضطجعت تمنّت، وبين رجليها مثل الإناء المكفأ، مع ثغر كأنه الأقحوان [ (٣) ] ، فقال ﵇: ألا أرى هذا الخبيث يفطن لما أسمع!! لا يدخلنّ على أحد من نسائكم! وغرّبهما إلى الحمى، فتشكيا الحاجة [ (٤) ] ، فأذن لهما أن ينزلا كل جمعة يسألان ثم يرجعان إلى مكانهما. فلما توفّي ﵇ ودخلا مع الناس، أخرجهما أبو بكر ﵁، فلما توفّي [دخلا مع الناس، أخرجهما عمر بن الخطاب ﵁. فلما توفّي] [ (٥) ] دخلا مع الناس.

стр. 462

خبر خولة بنت حكيم وقالت خولة بنت حكيم بن أمية بن الأوقص السّلميّة امرأة عثمان بن مظعون: يا رسول اللَّه، أعطني- إن فتح اللَّه عليك [الطائف] [ (١) ]- حلّى الفارعة بنت الخزاعي [ (٢) ] أو بادية بنت غيلان. فقال لها: وإن كان لم يؤذن لنا في ثقيف يا خوله! فذكرت ذلك لعمر ﵁ فقال: يا رسول اللَّه! ما حديث حدثتني خولة بنت أنك قلته [ (٣) ] ! قال: ولم يؤذن لك فيهم؟ قال: لا! قال أفلا أؤذّن في الناس [ (٤) ] بالرحيل؟ قال: بلى. أذان عمر بالرحيل عن الطائف فأذّن عمر بالرحيل، فشقّ على المسلمين رحيلهم بغير فتح. ورحلوا، فأمرهم ﵇ أن يقولوا: لا إله إلا اللَّه وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده فلما استقلوا المسير قال: قولوا آئبون إن شاء اللَّه تائبون عابدون لربنا حامدون [ (٥) ] . وقيل له لما ظعن: يا رسول اللَّه: أدع اللَّه على ثقيف! فقال: اللَّهمّ أهد ثقيفا وأت بهم! وكان من استشهد بالطائف أحد عشر رجلا [ (٦) ] . خبر أبي رهم وسار ﷺ إلى الجعرانة. فبينا هو يسير- وأبو رهم الغفاريّ إلى جنبه على ناقة له، وفي رجليه نعلان غليظتان- إذ زحمت ناقته ناقة رسول اللَّه ﷺ ، فوقع حرف نعله على ساق رسول اللَّه ﷺ فأوجعه فقال: أوجعتني! [أخّر رجلك! وقرع رجله بالسّوط، وقال أبو رهم: فأخذني ما تقدم من أمري وما تأخر،

стр. 463

وخشيت أن ينزل فيّ قرآن لعظيم ما صنعت، فلما أصبحنا بالجعرّانة، خرجت أرعي الظّهر- وما هو يومي- فرقا أن يأتي للنّبيّ ﵇ رسول يطلبني! فلما روّحت الركاب سألت. فقالوا طلبك النبي ﷺ ، فقلت: إحداهنّ واللَّه [ (١) ] ! فجئته وأنا أترقّب. فقال: إنك [أوجعتني] [ (٢) ] برجلك فقرعتك بالسّوط، فخذ هذه الغنم عوضا من [ (٣) ] ضربتي [قال أبو رهم: فرضاه عنّي كان أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها] [ (٤) ] . وحادثة عبد اللَّه بن أبي حدرد [ (٥) ] الأسلميّ في مسيره، فلصقت ناقته بناقة النبي ﷺ فأصاب رجله، فقال: أخِّ [ (٦) ] !! أوجعتني! ودفع رجل عبد اللَّه بمحجن في يده، فلما نزل دعاه وقال له: أوجعتك بمحجني البارحة! خذ هذه القطعة من الغنم. فأخذها فوجدها ثمانين شاة ضائنة [ (٧) ] . ولما أراد أن يركب من قرن [ (٨) ] راحلته، وطئ له على يدها أبو روعة الجهنيّ، ثم ناوله الزمام بعد ما ركب، فخلّف ﵇ الناقة بالسوط، فأصاب أبا روعة فالتفت إليه وقال: أصابك السوط؟ قال: نعم، بأبي وأمي: فلمّا نزل الجعرانة صاح: أين أبو روعة! قال: ها أنا ذا! قال خذ هذه الغنم بالذي أصابك من السّوط أمس. فوجدها عشرين ومائة. خبر سراقة بن مالك بن جعشم ولقيه سراقة بن مالك بن جعشم وهو منحدر إلى الجعرانة، فجعل الكتاب الّذي كتبه أبو بكر ﵁ بين إصبعيه ونادى: أنا سراقة، وهذا كتابي! فقال ﵇: هذا يوم وفاء وبرّ، فأدنوه منه، فأسلم وساق إليه الصّدقة.

стр. 464

وسأله عن الضالة من الإبل تغشى حياضه، وقد ملأها لإبله، فهل له من أجر إن سقاها؟ فقال ﵇: نعم! في كل ذات كبد حرّى [ (١) ] أجرا. هدية رجل من أسلم واعترض له رجل من أسلم معه غنم فقال يا رسول اللَّه! هذه هدية قد أهديتها لك! - وكان قد أسلم وساق صدقته إلى بريدة بن الحصيب لما خرج مصدّقا- فقال ﷺ : نحن على ظهر كما ترى، فالحقنا بالجعرانة، فخرج يعدو عراض ناقة [ (٢) ] رسول اللَّه ﷺ وهو يقول. يا رسول اللَّه! تدركني الصلاة وأنا في عطن الإبل [ (٣) ] ، أفأصلّى فيه؟ قال: لا! قال: فتدركني وأن في مراح الغنم [ (٤) ] ، أفأصلي فيه؟ قال: نعم! قال: يا رسول اللَّه! ربما تباعد بنا الماء ومع الرجل زوجته، فيدنو منها؟ قال: نعم! ويتيمم. قال: يا رسول اللَّه! وتكون فينا الحائض؟ قال: تتيمم! فلحقه ﵇ بالجعرانة فأعطاه مائة شاة. سؤال الأعراب وجعل الأعراب في طريقه يسألونه [أن يقسم عليهم فيئهم من الإبل والغنم] [ (٤) ] ، وكثّروا عليه حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه فنزعته [ (٥) ] ، فوقف وهو يقول: أعطوني ردائي! لو كان عدد هذا العضاة نعما لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلا ولا جبانا ولا كذّابا. منزله بالجعرانة وانتهى إلى الجعرانة ليلة الخميس لخمس خلون من ذي القعدة، والسّبي والغنائم بها محبوسة، وقد اتخذ السّبي حظائر يستظلون بها من الشمس، وكانوا ستة آلاف،

стр. 465

والإبل أربعة وعشرين ألف بعير- فيها اثنا عشر ألف ناقة- والغنم أربعين ألفا، وقيل أكثر. فأمر بسر [ (١) ] بن سفيان الخزاعي يقدم مكة فيشتري للسبي ثيابا يكسوهن، وكساهم كلهم. واستأذنّا ﷺ بالسّبي، وأقام يتربّص أن يقدم وفدهم وكان قد فرّق منه وهو بحنين، فأعطى عبد الرحمن بن عوف امرأة. وأعطى صفوان ابن أميّة، وعليا، وعثمان، وعمر، وجبير بن مطعم، وطلحة بن عبيد اللَّه، وسعد ابن أبي وقاص، وأبا عبيدة بن الجرّاح، والزبير بن العوام ﵃. عطاء المؤلفة قلوبهم فلما رجع إلى الجعرّانة بدأ بالأموال فقسمها، فأعطى المؤلفة قلوبهم أوّل الناس، وكان مما غنم أربعة آلاف أوقية فضة. عطاء أبي سفيان فجاء أبو سفيان بن حرب والفضّة بين يديه، فقال: يا رسول اللَّه! أصبحت أكثر قريش مالا! فتبسّم ﵇، فقال أبو سفيان: أعطني من هذا يا رسول اللَّه، قال: يا بلال، زن لأبي سفيان أربعين أوقية، وأعطوه مائة من الإبل. قال: ابني يزيد! قال: زنوا ليزيد أربعين أوقية، وأعطوه مائة من الإبل. قال: ابني معاوية يا رسول اللَّه! قال: زن له يا بلال أربعين أوقية وأعطه مائة من الإبل. قال أبو سفيان: إنك لكريم فداك أبي وأمّي! واللَّه لقد حاربتك فنعم المحارب كنت! ثم سالمتك فنعم المسالم أنت. عطاء حكيم بن حزام وسأل حكيم بن حزام يومئذ من الإبل فأعطاه، ثم سأل مائة فأعطاه، ثم قال [ ﷺ ] [ (٢) ] : يا حكيم بن حزام إن هذا المال خضرة حلوة. فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس [ (٣) ] لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا [ (٤) ] خير من اليد السّفلى [ (٥) ] ، وابدأ بمن تعول [ (٦) ] . فأخذ

стр. 466

حكيم المائة الأولى ثم ترك ما عداها. عطاء النضير بن الحارث وأعطى النضير بن الحارث بن [علقمة] [ (١) ] بن كلدة- أخا النضر ابن الحارث- مائة، وأعطى أسيد بن جارية [ (٢) ]- حليف بني زهرة- مائة من الإبل، وأعطى العلاء بن جارية خمسين بعيرا، وأعطى الحارث بن هشام مائة من الإبل، وسعيد بن يربوع خمسين بعيرا، وصفوان بن أميّة مائة بعير. عطاء صفوان بن أمية وفي صحيح مسلم عن الزّهريّ أن رسول اللَّه ﷺ أعطى يومئذ صفوان بن أمية ثلاثمائة من الإبل. ويقال إنه طاف مع النبي ﷺ وهو يتصفّح الغنائم إذ مرّ بشعب مما أفاء اللَّه عليه، فيه غنم وإبل ورعاؤها مملوء، فأعجب صفوان وجعل ينظر إليه، فقال: أعجبك يا أبا وهب هذا الشّعب؟ قال: نعم! قال: هو لك وما هو فيه! فقال: أشهد ما طابت بهذا نفس أحد قطّ إلا نبي، وأشهد أنك رسول اللَّه. عطاء جماعة من المؤلفة قلوبهم وأعطى قيس بن عديّ مائة من الإبل، وأعطى عثمان بن وهب خمسين بعيرا، وأعطى سهيل بن عمرو مائة من الإبل، وأعطى حويطب بن عبد العزى مائة من الإبل، وأعطى هشام بن عمرو خمسين بعيرا، وأعطى الأقرع بن حابس التميميّ مائة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن الفزاري مائة من الإبل، وأعطى أبا عامر العبّاس بن مرداس بن أبي عامر بن حارثة [ (٣) ] بن عبد بن عبس بن رفاعة بن الحارث [ابن يحيى بن الحارث] [ (٤) ] بن بهثة بن سليم [بن منصور السّلميّ] [ (٤) ] دون المائة، فعاتب النبي ﷺ في شعر قاله، فقال رسول اللَّه ﷺ اقطعوا عني لسانه! فأعطوه مائة، ويقال خمسين بعيرا، وأثبت القولين أن هذا العطاء كان من الخمس.

стр. 467

منع جعيل بن سراقة من العطاء وقال يومئذ سعد بن أبي وقاص ﵁: يا رسول اللَّه، أعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة مائة، وتركت جعيل بن سراقة الضمريّ؟! فقال: أما والّذي نفسي بيده، لجعيل بن سراقة خير من طلاع [ (١) ] الأرض كلها مثل عيينة والأقرع، ولكني أتألفهما ليسلما، ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه. خبر ذي الخويصرة التميمي وجلس ﷺ يومئذ، وفي ثوب بلال ﵁ فضة يقبّضها للناس على ما أراه اللَّه، فأتي ذو الخويصرة التميمي- (واسمه حرصوص) : فقال: اعدل يا رسول اللَّه! فقال: ويلك! فمن يعدل إذا لم أعدل، قال عمر ﵁: ائذن لي أن أضرب عنقه! قال: دعه، فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم [ (٢) ] ، وصيامه مع صيامهم [ (٢) ] ويقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرّمية [ (٣) ] : [ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافة [ (٤) ] فما يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه [ (٥) ]- وهو قدحه- فلا يوجد فيه شيء، ثم] ينظر إلى قذذه [ (٦) ] فلا يوجد فيه شيء [ (٧) ] قد سبق الفرث [ (٨) ] والدّم. آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر [ (٩) ] ويخرجون على حين فرقة من الناس [ (١٠) ] .

стр. 468

مقالة رجل من المنافقين وقال معتب بن قشير العمريّ يومئذ، ورسول اللَّه ﷺ يعطي تلك العطايا: إنها لعطايا ما يراد بها وجه اللَّه!! فأخبر عبد اللَّه بن مسعود ﵁ رسول اللَّه ﷺ بذلك فتغير لونه، ثم قال: يرحم اللَّه أخي موسى! قد أوذي بأكثر من هذا فصبر [ (١) ] . إحصاء الناس والغنائم وقسمتها ثم أمر رسول اللَّه ﷺ زيد بن ثابت ﵁ بإحصاء الناس والغنائم ثم فضّها [ (٢) ] على الناس. وكانت سهمانهم: لكل رجل أربع من الإبل وأربعون شاة. وإن كان فارسا أخذ اثنتي عشرة من الإبل أو عشرين ومائة شاة، وإن كان معه أكثر من فرس واحد لم يسهم له. وفد هوازن وإسلامهم وقدم وفد هوازن: وهم أربعة عشر رجلا- رأسهم [ (٣) ] أبو صرد زهير ابن صرد الجشمي السعديّ- قد أسلموا وأخبروا بإسلام من وراءهم من قومه فقال أبو صرد: يا رسول اللَّه، إنّا أصل وعشيرة [ (٤) ] وقد أصابنا من البلاء ما لا يخفي عليك، إنما في هذه الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك، ولو أنّا ملحنا [ (٥) ] للحارث بن أبي شمر أو للنعمان بن المنذر. ثم نزل منا أحدهما بمثل الّذي نزلت به، رجونا عطفه وعائدته [ (٦) ] ، وأنت خير المكفولين. [وفي رواية [ (٧) ] أنه قال: إنما في هذه الحظائر أخواتك وعماتك وبنات عماتك وبنات خالاتك، وأبعدهن قريب منك يا رسول اللَّه! بأبي أنت وأمّي! حضنّك في حجورهنّ، وأرضعتك بثديهنّ وتوركنك على أوراكهن! وأنت خير المكفولين] .

стр. 469

امنن علينا رسول اللَّه في كرم ... فإنك المرء نرجوه وندّخر امنن على نسوة قد كنت ترضعها ... إذ فوك يملأه من محضها الدّرر امنن على نسوة إعتاقها [ (١) ] قدر ... ممزق شملها في دهرها غير أبقت لما الدّهر هتّافا على حزن ... على قلوبهم الغمّاء والغمر اللات [ (٢) ] إذ كنت طفلا كنت ترضعها ... وإذ يزينك [ (٣) ] ما تأتي وما تذر إلا تداركها نعماء تنشرها ... يا أرجح الناس حلما حين يختبر فألبس العفو من قد كنت ترضعه ... من أمهاتك إن العفو مشتهر يا خير من مرحت كمت الجياد به ... عند الهياج إذا ما استوقد الشّرر إنا نؤمّل عفوا منك تلبسه ... هذي البريّة إذ تعفو وتنتصر [ (٤) ] فاعف عفا اللَّه عمّا أنت واهبه ... يوم القيامة إذ يهدي لك الظفر تجعلنا كمن شالت نعامته ... واستبق منا فإنا معشر زهر إنا لنشكر آلاء وإن قدمت ... وعندنا بعد هذا اليوم مدّخر جواب رسول اللَّه ﷺ فقال رسول اللَّه ﷺ : إن أحسن الحديث أصدقه، وعندي ما ترون من المسلمين، فأبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ قالوا: يا رسول اللَّه! خيّرتنا بين أحسابنا وأموالنا [ (٥) ] !! وما كنا نعدل بالأحساب شيئا، فردّ علينا أبناءنا ونسائنا. فقال: أمّا ما [كان] [ (٦) ] لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وأسأل لكم الناس. فإذا [أنا] [ (٧) ] صليت الظّهر بالناس [فقوموا] [ (٧) ] فقولوا [ (٨) ] : إنا نستشفع برسول اللَّه إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول اللَّه! فإنّي سأقول لكم. ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وسأطلب لكم إلى الناس.

стр. 470

رضي المهاجرين والأنصار ورد غيرهم فلما صلى رسول اللَّه ﷺ الظهر بالناس، قاموا فتكلموا بما أمرهم به، فأجابهم بما تقدّم فقال المهاجرون: فما كان لنا فهو لرسول اللَّه! وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول اللَّه؟ وقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا! وقال عيينة ابن حصن: أما أنا وفزارة فلا! وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا: فقالت بنو سليم: ما كان لنا فهو لرسول اللَّه! فقال عباس: وهّنتموني [ (١) ] . خطبة رسول اللَّه ﷺ في أمر هوازن ثم قام رسول اللَّه ﷺ في الناس خطيبا فقال: إن هؤلاء القوم جاءوا مسلمين، وقد كنت استأنيت بهم فخيرتهم بين النّساء [ (٢) ] والأبناء والأموال، فلم يعدلوا بالنساء والأبناء، فمن كان عنده منهن شيء فطابت [ (٣) ] نفسه أن يردّه فسبيل [ (٤) ] ذلك، ومن أبي منكم ويمسّك بحقه فليرد عليهم، وليكن فرضا علينا ستّ فرائض من أول ما يفيء اللَّه علينا به! فقالوا: يا رسول اللَّه! رضينا وسلمنا! قال. فمروا عرفاءكم أن يرفعوا ذلك إلينا حتى نعلم فكان زيد بن ثابت على الأنصار يسألهم: هل سلموا ورضوا؟ فخبروه أنهم سلموا ورضوا، ولم يتخلف منهم رجل واحد وبعث عمر بن الخطاب ﵁ إلى المهاجرين يسألهم. فلم يتخلف منهم أحد، وكان أبو رهم الغفاريّ يطوف على قبائل العرب. ثم جمعوا العرفاء واجتمع الأمناء الذين أرسلهم رسول اللَّه ﷺ ، فاتفقوا على قول واحد: أنهم سلموا ورضوا. ودفع عند ذلك السّبي إليهم. وتمسكت بنو تميم مع الأقرع بن حابس بالسبي، فجعل رسول اللَّه ﷺ الفداء ست فرائض: ثلاث حقاق وثلاث جذاع [ (٥) ] وقال يومئذ: لو كان ثابتا [ (٦) ] على أحد من العرب ولاء أورق لثبت

стр. 471

اليوم، ولكن إنما هو إسار أو فدية: وجعل أبا حذيفة العدوي على مقاسم المغنم. سؤاله عن مالك بن عوف وقال للوفد [ (١) ] : ما فعل مالك بن عوف؟ قالوا: هرب فلحق بحصن الطائف مع ثقيف فقال: إنه إن يأت [ (٢) ] مسلما رددت إليه أهله وماله وأعطيته مائة من الإبل. وكان قد حبس أهل مالك بمكة عند [عمتهم أم عبد اللَّه بهمة [ (٣) ] ابنة أبي أمية] [ (٤) ] ، ووقف ماله فلم تجر فيه السهام. فلما بلغ ذلك مالكا [ (٥) ] مر من ثقيف ليلا، وقدم الجعرانة وأسلم، وأخذ أهله وماله ومائة من الإبل. ويقال: بل قدم على رسول اللَّه ﷺ وهو بمكة واستعمله على قومه، وعقد له لواء فقاتل أهل الشرك، وأغار على ثقيف وقاتلهم وقتل وغنم كثيرا. وبعث إلى رسول اللَّه ﷺ بالخمس مما يغير عليه: فبعث مرة مائة بعير ومرة ألف شاة. مقالة الأنصار إذ منعوا العطاء ولما أعطى رسول اللَّه عطاياه وجد [ (٦) ] الأنصار في أنفسهم- إذ لم يكن فيهم منها شيء- وكثرت القالة، فقال واحد: لقي رسول اللَّه قومه! أما حين القتال فنحن أصحابه! وأما حين القسم فقومه وعشيرته! ووددنا أنا نعلم ممن كان هذا؟ إن كان هذا من اللَّه صبرنا، وإن كان هذا من رأي رسول اللَّه استعتبناه، فبلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ فغضب غضبا شديدا. ودخل عليه سعد بن عبادة ﵁ فقال له: ما يقول قومك؟ قال: وما يقولون يا رسول اللَّه؟! فذكر له ما بلغه وقال: فأين أنت من ذلك يا سعد؟ فقال يا رسول اللَّه؟! فذكر له ما بلغه وقال: فأين أنت من ذلك يا سعد؟ فقال يا رسول اللَّه، ما أن إلا كأحدهم وإنا لنحب أن نعلم من أين هذا؟ قال: فاجمع لي من كان ها هنا من الأنصار. فلما اجتمعوا، حمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال:

стр. 472

خطبة رسول اللَّه ﷺ يا معشر الأنصار! مقالة بلغتني عنكم؟ وجدة [ (١) ] وجدتموها في أنفسكم، ألم آتكم ضلّالا فهداكم اللَّه؟ وعالة فأغناكم اللَّه، وأعداء فألف اللَّه بين قلوبكم؟ قالوا: بلى! اللَّه ورسوله أمنّ وأفضل! قال: ألا تجيبوني؟ قالوا: وماذا نجيبك يا رسول اللَّه؟ قال: أما واللَّه لو شئتم قلتم فصدقتم: آتيتنا مكذّبا فصدّقناك! ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك! [وخائفا فأمّناك] [ (٢) ] وجدتم في أنفسكم يا مشعر الأنصار في شيء من الدّنيا تألّفت به قوما أسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن تذهب الناس [إلى رحالهم] [ (٢) ] بالشاء والبعير، وترجعون برسول اللَّه إلى رحالكم؟ والّذي نفسي بيده، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك [ (٣) ] الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا، لسلكت شعب الأنصار. أكتب لكم بالبحرين كتابا من بعدي تكون لكم خاصة دون الناس؟ قالوا: وما حاجتنا بعدك يا رسول اللَّه؟ قال: إمّا لا فسترون بعدي أثره، فاصبروا حتى تلقوا اللَّه ورسوله، فإن موعدكم الحوض، وهو كما بين صنعاء وعمان، وآنيته أكثر من عدد النجوم. اللَّهمّ ارحم الأنصار وأبناء الأنصار [ (٤) ] !! فبكوا حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول اللَّه حظا وقسما. وانصرفوا [ (٥) ] . مقامة بالجعرانة وأقام ﵇ بالجعرّانة ثلاث عشرة ليلة. وخرج ليلة الأربعاء لثنتي عشرة بقيت من ذي القعدة، وأحرم ولبّى حتى استلم الركن. وقيل: لما نظر إلى البيت قطع التلبية، وأناخ راحلته على باب بني شيبة، وطاف فرمل [ (٦) ] في الأشواط الثلاثة. ولما أكمل طوافه سعى بين الصفا والمروة على راحلته، ثم حلق رأسه عند المروة حلقه أبو هند عند بني بياضة، وقيل حلقه خراش بن أمية. ولم يسق هديا. ثم عاد إلى الجعرّانة من ليلته، فكان كبائت بها.

стр. 473

مسيره إلى المدينة وخرج يوم الخميس على سرف إلى مر الظهران، واستعمل على مكة عتّاب ابن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس، وخلّف معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري يعلمان الناس القرآن والتفقه في الدين. وقال لعتاب: أتدري على من استعملتك؟ قال: اللَّه ورسوله أعلم! قال: استعملتك على أهل اللَّه، بلّغ عني أربعا: لا يصلح شرطان في بيع، ولا بيع وسلف، ولا بيع ما لم يضمن، ولا تأكل ربح ما ليس عندك [ (١) ] . خبر الفتح بالمدينة وكان أول من قدم المدينة بفتح حنين رجلان من بني عبد الأشهل، هما: الحارث بن أوس، ومعاذ بن أوس بن عبيد بن عامر [ (٢) ] . وقدم ﷺ المدينة يوم الجمعة لثلاث بقين من ذي القعدة. بعثة عمرو بن العاص إلى ابني الجلندي وفي هذه السنة- وهي سنة ثمان- بعث رسول اللَّه ﷺ عمرو بن العاص إلى جيفر وعمرو ابني الجلندي بعمان مصدّقا، فأخذ الصدقة من أغنيائهم وردها على فقرائهم، وأخذ الجزية من المجوس، وهم كانوا أهل البلد. وقيل: كان ذلك في سنة سبع. وفيها تزوّج ﷺ فاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلابية ثم فارقها. مولد إبراهيم ﵇ فيها ولدت مارية إبراهيم ابن رسول اللَّه ﷺ في ذي الحجة، وفيها أقام عتاب ابن أسيد بالناس الحجّ، وحج الناس على ما كانت عادة العرب تحجّ، وحج ناس

стр. 474

من المشركين على مدّتهم. فريضة الصدقات وبعثه المصدقين ثم كانت فريضة الصدقات وبعثه المصدّقين لهلال المحرم سنة تسع، فبعث رسول اللَّه ﷺ بريدة بن الحصيب بن عبد اللَّه بن الحارث بن الأعرج بن سعد بن رزاح ابن عديّ بن سهم بن مازن بن الحارث بن سلامان بن أسلم بن أفصى بن حارثة ابن عمرو بن عامر الأسلمي- إلى أسلم وغفار يصدّقهم. [ويقال: بل بعث كعب بن مالك الأنصاري ... وبعث عبّاد بن بشر الأشهلي إلى سليم ومزينة. وبعث عمرو بن العاص إلى فزارة. وبعث الضحاك بن سفيان بن عوف بن كعب بن أبي بكر بن كلاب الكلابي إلى بني كلاب، وبعث بسر [ (١) ] بن سفيان الكعبي إلى بني كعب. وبعث ابن اللّتبيّة الأزديّ إلى بني ذبيان. وبعث رجلا من بني سعد إلى هذيم على صدقاتهم. خبر بسر على صدقات بني كعب فحرج بسر [ (١) ] بن سفيان على صدقات بني كعب، [ويقال: إنما خرج ساعيا عليهم نعيم بن عبد اللَّه النّحّام العدويّ] ، فجاء وقد حلّ بنواحيهم من بني تميم: بنو عمرو بن جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم، وهم يشربون علي غدير لهم بذات الأشظاظ، [ويقال: على عسفان] ، ثم أمر بجمع مواشي خزاعة ليأخذ منها الصدقة، فحشرت عليه خزاعة الصدقة من كل ناحية، فاستكثرت ذلك بنو تميم، ومنعوا المصدّق وشهروا سيوفهم، ففرّ إلى المدينة، وأخبر رسول اللَّه ﷺ بذلك. خبر خزاعة وأما خزاعة فإنّها أخرجت التميميين من محالها إلى بلادهم وندب النبيّ ﷺ الناس لحربهم، فانتدب [ (٢) ] عيينة بن حصن الفزاري، فبعثه في خمسين فارسا ليس فهم مهاجر ولا أنصاريّ. فسار إلى العرج وخرج في آثارهم، حتى وجدهم قد عدلوا من السّقيا يؤمون أرض بني سليم، فلما رأوا الجمع ولوا، وأخذ منهم أحد عشر

стр. 475

رجلا وإحدى عشر امرأة وثلاثين صبيا، فجلبهم إلى المدينة فأمر ﷺ بهم فحبسوا في دار رملة بنت الحارث. وفد بني تميم وقدم وفد بني تميم، وهو عشرة من رؤسائهم: عطارد بن حاجب بن زرارة في سبعين، والزّبرقان بن بدر بن امرئ القيس بن خلف [ (١) ] بن بهدلة بن عوف ابن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم البهدلي التيمي السعدي أبو عياش [ (٢) ] . [وقيل أبو شذرة] ، وقيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منفر المنقريّ، وقيس ابن الحارث، ونعيم بن سعد، وعمرو بن الأهتم بن سنان بن خالد بن منفر، والأقرع بن حابس بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم، [والحتات ابن يزيد المجاشعيّ] [ (٣) ] ، ورباح بن الحارث بن مجاشع، -[وكان رئيس الوفد: الأعور بن شامة العنبريّ] [ (٤) ]- ودخلوا المسجد قبل الظّهر، ورسول اللَّه ﷺ في بيت عائشة ﵂، وقد أذّن بلال والناس ينتظرون الصلاة فنادوا: يا محمد! اخرج إلينا! وشهروا أصواتهم فخرج ﵇ وقيل: إنما ناداه رجل واحد: يا محمد إنّ قدحي رين، وإن شتمي شين! وأقام بلال الصلاة، فتعلقوا به يكلّمونه، فوقف معهم مليا؟، ثم مضى فصلى بالناس الظهر: فلما انصرف إلى بيته ركع [ (٥) ] ركعتين، ثم خرج فجلس. خطبة عطارد بن حاجب وقدّموا عطارد بن حاجب خطيبهم فقال: الحمد للَّه الّذي له الفضل علينا، والّذي جعلنا ملوكا، وأعطانا الأموال نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعزّ أهل المشرق وأكثرهم مالا وأكثرهم عددا. فمن مثلنا من الناس؟ ألسنا برءوس الناس وذوي [ (٦) ] فضلهم؟ فمن يفاخر. فليعدد مثل ما عددنا. ولو شئنا لأكثرنا من الكلام، ولكنا نستحي من الإكثار فيما أعطانا اللَّه. أقول قولي هذا لأن نؤتي بقول

стр. 476

هو أفضل من قولنا. جواب ثابت بن قيس فقال رسول اللَّه ﷺ لثابت بن قيس: قم فأجب خطيبهم. فقام- وكان من أجهر الناس صوتا- وما درى من ذلك بشيء، ولا هيّأ قبل ذلك ما يقول، فقال: الحمد للَّه الّذي السموات والأرض خلقه، قضي فيهنّ [ (١) ] أمره ووسع كلّ شيء علمه، فلم يكن شيء إلا من فضله، ثم كان ما قدّر أن جعلنا ملوكا، اصطفى لنا من خلقه رسولا، أكرمهم نسبا وأحسنهم زيا، وأصدقهم حديثا. أنزل عليه كتابه، وائتمنه على خلقه، وكان خيرته من عباده، فدعا إلى الإيمان فآمن المهاجرون من قومه وذوي رحمه [ (٢) ] : أصبح الناس وجها، وأفضل الناس فعالا. ثم كنا أول الناس إجابة حين [ (٣) ] دعا رسول اللَّه، فنحن أنصار اللَّه ورسوله، نقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه. فمن آمن باللَّه ورسوله منع منا ماله ودمه، ومن كفر باللَّه ورسوله جاهدناه في ذلك، وكان قبله علينا يسيرا، أقول قولي هذا واستغفر اللَّه [لي ولكم و] [ (٤) ] للمؤمنين والمؤمنات. ثم جلس. شعر الزبرقان بن بدر وقالوا: يا رسول اللَّه ائذن لشاعرنا، فأذن له، فأقاموا الزّبرقان بن بدر فقال: نحن الكرام فلا حيّ يعادلنا [ (٥) ] ... فينا الملوك وفينا تنصب البيع وكم قسرنا [ (٦) ] من الأحياء كلّهم ... عند النّهاب وفضل الخير يتبع ونحن نطعمهم في القحط ما أكلوا ... من السّديف إذا لم يؤنس الفزع [ثم ترى النّاس تأتينا سراتهم ... من كلّ أرض هوبا ثم تصطنع] [ (٧) ] وننحر الكوم عبطا في أرومتنا ... للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا [فلا ترانا إلى حيّ نفاخرهم ... إلا استقادوا، فكاد الرأس يقتطع

стр. 477

فمن يقادرنا في ذاك نعرفه ... فيرجع القوم والأخبار تستمع] [ (١) ] إنا أبينا ولا يأبى لنا أحد [ (٢) ] ... إنا كذلك عند الفخر [ (٣) ] نرتفع تلك المكارم حزناها [ (٤) ] مقارعة ... إذا الكرام على أمثالها اقترعوا شعر حسان وقال رسول اللَّه ﷺ : يا حسان! أجبهم. فقال: إنّ الذّوائب من فهر وإخوتهم ... قد بينوا [ (٥) ] سنة للناس تتبّع يرضى بها كلّ من كانت سريرته ... تقوى الإله وبالأمر الّذي شرعوا قوم إذا حاربوا ضروا عدوّهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا سجيّة تلك منهم غير محدثة ... إن الخلائق فاعلم شرها البدع لا يرقع الناس ما أوهت أكفّهم ... عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا ولا يضنون عن جار بفضلهم ... ولا ينالهم من مطمع طبع [ (٦) ] إن كان في الناس سباقون بعدهم ... فكل سبق الأدنى سبقهم تبع أكرم بقوم رسول اللَّه شيعتهم ... إذا تفرقت الأهواء والشيع أعفّه ذكرت في الوحي عفتهم ... لا يطمعون ولا يرديهم طمع كأنهم في الوغى والموت مكتنع ... أسد ببيشة في أرساغها فدع [ (٧) ] لا فخر إن هم أصابوا من عدوّهم ... وإن أصيبوا فلا خور ولا جزع [ (٨) ] إذا نصبنا لحيّ [ (٩) ] لم ندبّ لهم ... كما يدبّ إلى الوحشيّة الدّرع

стр. 478

نسمو إلى الحرب نالتنا مخالبها ... إذا الزعانف من أظفارها خشعوا [ (١) ] خذ منهم ما أتوا عفوا إذا غضبوا ... ولا يكن همّك الأمر الّذي منعوا [ (٢) ] فإن في حربهم فاترك عداوتهم ... سمّا غريضا عليه الصاب والسّلع أهدى لهم مدحه قلب يؤازره ... فيما أحبّ لسان حائك صنع فإنّهم أفضل [ (٣) ] الأحياء كلهم ... إن جدّ بالناس جدّ لقول أو شمعوا [ (٤) ] فسرّ رسول اللَّه ﷺ والمسلمون بمقام ثابت وحسّان، وخلا الوفد فقالوا: إن هذا الرّجل مؤيد مصنوع له-[وفي رواية: إن هذا الرجل لمؤتّى له]- واللَّه لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولهو أحلم منا! فأسلموا، وكان الأقرع [بن حابس] [ (٥) ] أسلم قبل ذلك. ما نزل من القرآن في وفد بني تميم وفيهم نزل قول اللَّه تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ* إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ* إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ* وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ (٦) ] . رد أسرى بني تميم فرد عليهم ﷺ الأسرى والسبي. ويقال: سألوه أن يحسن إليهم في سبيهم، فقال لسمرة بن عمرو: هذا يحكم بيننا وبينكم! فقالوا: عمه فينا وهو أفضل منه!

стр. 479

فأبي النبي ﷺ . فحكم سمرة أن يمنّ على الشطر ويفدوا الشطر، ففعل. رئيس وفد بني تميم كان رئيسهم الأعور بن بشامة العنبري، وكانت أخته صفية سبيت، فعرض النبيّ عليها نفسه فاختارت زوجها، فردها. وقام عمرو بن الأهتم يومئذ يهجو قيس ابن عاصم، وقد أجازهم النبيّ ﷺ كما كان يجيز الوفود إذا قدموا عليه، وقال: هل بقي منكم من لم نجزه؟ فقالوا: غلام في الرّحل. فقال: أرسلوه نجزه! فقال قيس بن عاصم: إنه غلام لا شرف له! فقال: وإن كان، فإنه وافد وله حق!! فقال عمرو [ (١) ] شعرا يريد به قيسا. وكانت جوائزهم على يد بلال ﵁: لكل واحد ثنتي عشر أوقية ونصف، ولغلام هو أصغرهم خمس أواقي. بعثة الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق ثم كانت بعثة الوليد بن عقبة [بن أبي معيط] [ (٢) ] إلى بني المصطلق ليأخذ صدقاتهم، فخرجوا يلقونه بالجزر والغنم فرحا به، فولّي راجعا إلى المدينة، وأخبر أنهم يلقونه بالسلاح ليحولوا بينه وبين الصدقة. فبلغهم ذلك عنه، فقدم وفدهم وقالوا: يا رسول! سل هل ناطقنا أو كلمنا؟ فنزلت فيه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ [ (٣) ] ، فقرأها عليهم رسول اللَّه ﷺ ، وقال: من تحبون أن أبعث إليكم؟ قالوا: عبّاد بن بشر، فخرج معهم يقرئهم القرآن ويعلمهم شرائع الإسلام، وقد قال له: خذ صدقات أموالهم، توقّ كرائم أموالهم. فأقام عندهم عشرا ثم انصرف راضيا. سرية قطبة بن عامر إلى خثعم وكانت سرية قطبة بن عامر إلى خثعم في صفر سن تسع، فخرج في عشرين رجلا معهم عشرة أبعرة يتعقبوها، [فأخذوا رجلا فسألوه فاستعجم عليهم، فجعل يصيح بالحاضر ويحذرهم. فضربوا عنقه، ثم أمهلوا حتى نام الحاضر فشنّوا عليهم الغارة، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثر الجرحى في الفريقين جميعا: وقتل قطبة

стр. 480

ابن عامر من قتل، وساقوا النعم والشاء والنساء إلى المدينة: وجاء سيل أتيّ [ (١) ] فحال بينهم وبينه، فما يجدون إليه سبيلا. وكانت سهمانهم أربعة أبعرة أربعة أبعرة، والبعير يعدل بعشر من الغنم بعد أن أخرج الخمس] [ (٢) ] . سرية الضحاك بن سفيان إلى بني كلاب وكانت سرية الضحاك بن سفيان [ (٣) ] بن عوف بن أبي بكر بن كلاب الكلابيّ إلى بني كلاب، فدعاهم إلى الإسلام فأبوا، فقاتلهم بمن معه وهزمهم [ (٤) ] وذلك في ربيع الأوّل. كتاب رسول اللَّه ﷺ إلى بني حارثة بن عمرو وكتب ﷺ إلى بني حارثة بن عمرو بن قريظ يدعوهم إلى الإسلام مع عبد اللَّه ابن عوسجة من غرينة [ (٥) ] ، مستهلّ ربيع الأول، فأخذوا [ (٦) ] الصحيفة فغسلوها ورقعوا بها دلوهم، وأبوا أن يجيبوا، فقال ﷺ لما بلغه ما لهم ذلك-: ما لم؟ أذهب اللَّه عقولهم! فصاروا أهل رعدة وعجلة وكلام مختلط، وأهل سفه. وقدم وفد بليّ في ربيع الأول هذا، فنزلوا على رويفع [بن ثابت] [ (٧) ] البلويّ. خبر رعية السحيمي قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبيد اللَّه بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الشّعبي: أن رسول اللَّه ﷺ كتب إلى رعية السّحيمي بكتاب، فأخذ الكتاب فرقع به دلوه. فبعث رسول اللَّه ﷺ سرية فأخذوا أهله وماله، وأفلت رعية- على فرس له- عريانا ليس عليه شيء فأتى ابنته- وكانت

стр. 481

متزوّجة في بني هلال، وكانوا أسلموا فأسلمت معهم، وكانوا دعوه إلى الإسلام [فأبى] [ (١) ]- وكان مجلس القوم بفناء بيتها، فأتى البيت من وراء ظهره. فلما رأته ابنته عريانا ألقت عليه ثوبا وقالت: مالك؟ قال كلّ الشرّ! ما ترك لي أهل ولا مال! أين بعلك؟ قالت: في الإبل! فأتاه فأخبره، فقال: خذ راحلتي برحلها، ونزودك من اللبن: قال: لا حاجة لي فيه، ولكن أعطني قعود [ (٢) ] الرّاعي وإدواة من ماء [ (٣) ] ، فإنّي أبادر محمدا لا يقسم أهلي ومالي! فانطلق وعليه ثوب: إذا غطى به رأسه خرجت استه، وإذا غطى استه خرج رأسه. فانطلق حتى دخل المدينة ليلا، فكان بحذاء [ (٤) ] رسول اللَّه ﷺ . فلما صلى رسول اللَّه ﷺ الفجر، قال له: يا رسول اللَّه! أبسط يدك لأبايعك! فبسط رسول اللَّه ﷺ ، فلما ذهب رعية ليمسح عليها، قبضها رسول اللَّه ﷺ ، ثم قال له رعية: يا رسول اللَّه! أبسط يدك، قال: ومن أنت؟ قال رعية السحيميّ! قال: فأخذ رسول اللَّه ﷺ بعضده فرفعه [ (٥) ] ثم قال: أيها الناس! هذا رعية السحيمي الّذي كتبت إليه فأخذ كتابي فرقع بها دلوه!! أسلم، ثم قال: يا رسول اللَّه! أهلي ومالي! فقال: أما مالك فقد قسم بين المسلمين، وأما أهلك فانظر من قدرت عليه منهم! قال [رعية] [ (٦) ] ، فخرجت فإذا ابن لي قد عرف الراحلة، وإذا هو قائم عندها، فأتيت رسول اللَّه ﷺ فقلت: هذا ابني! فأرسل معى بلالا فقال: انطلق معه فسله: أبوك هو؟ فإن قال نعم، فادفعه إليه، قال [رعية] [ (٧) ] : فأتاه بلال فقال: أبوك هو؟ قال: نعم، فدفعه إليه. قال: فأتي بلال ﵁ النبي ﷺ فقال: واللَّه ما رأيت واحدا منه مستعبرا إلى صاحبه! فقال رسول اللَّه ﷺ : ذلك جفاء الأعراب! وقال أبو عمر بن عبد البر رعية السّحيميّ، [ويقال: الرّبعي، ويقال العرنيّ وهو الصواب. يروي أنه من سحيمة عرينة] كتب إليه رسول اللَّه ﷺ قطعة أدم،

стр. 482

فرقع دلوه بكتاب رسول اللَّه ﷺ ، فقالت له [ابنته] [ (١) ] ما أراك إلا ستصيبك قارعة! عمدت إلى كتاب سيد العرب فرقعت به [ (٢) ] دلوك؟ [وكانت ابنته قد تزوجت في بني هلال وأسلمت] [ (٣) ] ، وبعث إليه رسول اللَّه ﷺ خيلا. فأخذوا أهله وماله وولده [ونجا هو عريانا] [ (٣) ] ، فأسلم. وقدم علي النبي ﷺ فقال: أغير على أهلي ومالي وولدي! فقال رسول اللَّه ﷺ : أما المال فقد اقتسم، ولو أدركته قبل أن يقسم كنت أحق به! وأما الولد، فاذهب معه يا بلال، فإن عرفه [ (٤) ] ولده فادفعه إليه، فذهب معه فأراه إياه، فقال لابنه، تعرفه؟ قال: نعم! فدفعه إليه. سرية علقمة بن مجزر إلى الشعيبة ثم كانت سرية علقمة بن مجزر المدلجي في ربيع الآخر- في ثلاثمائة رجل- إلى ساحل البحر بناحية مكة وقد تراءى أهل [ (٥) ] الشعيبة ناسا من الحبشة في مراكب. [فانتهى علقمة وأصحابه إلى جزيرة في البحر، وقد خاض إليهم البحر] [ (٦) ] ، ففروا منه، فرجع. واستأذنه بعض جيشه في الانصراف فأذن لهم. وأمّر عليهم عبد اللَّه ابن حذافة السّهميّ- وكانت فيه دعابة- فأمر أصحابه أن يتواثبوا في نار [ (٧) ] لهم، فلما أرادوا ذلك قال: إنما كنت أضحك معكم! فلما ذكر ذلك لرسول اللَّه ﷺ فقال: من أمركم بمعصية فلا تطيعوه. سرية علي بن أبي طالب إلى الفلس صنم طيِّئ ثم كانت سرية علي بن أبي طالب ﵁ إلى الفلس- صنم طيِّئ- ليهدمه، في ربيع الآخر، في خمسين ومائة رجل من وجوه الأنصار، على مائة بعير وخمسين فرسا، حتى أغاروا على أحياء من العرب، وشنوا الغارة مع الفجر على

стр. 483

محلة آل حاتم، فسبوا حتى ملئوا أيديهم من السّبي والنعم والشاء. وهدم عليّ ﵁ الفلس صنم طيِّئ وخرّب، ثم عاد. وكانت رايته سوداء، ولواؤه أبيض، ويحمل الراية سهل بن حنيف، واللواء جبّار بن صخر السّلمي، ودليله حريث من بني أسد. وكان فيمن سبي سفّانة بنت حاتم الجواد بن عبد اللَّه بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن أخزم بن أبي أخزم بن ربيعة بن نثل بن جرول بن عمرو بن الغوث بن طيِّئ، ومن [ (١) ] أسر أسلم، ووجد في بيت الفلس ثلاثة أسياف: رسوب والمخذم [ (٢) ] واليماني وثلاثة أدراع. واستعمل على السبي أبا قتادة، وعلى الماشية والرّثّة [ (٣) ] عبد اللَّه بن عتيك. وقسم السبي والغنائم إلا آل حاتم فإنه قدم بهم المدينة، وبالخمس مما غنموا، وبالأسياف الثلاثة صفيّا لرسول اللَّه ﷺ . خبر سفانة بنت حاتم الطائي فنزلت [سفّانة بنت حاتم] [ (٤) ] أخت عدي بدار رملة بنت الحارث. وكان عديّ بن حاتم قد فرّ- لما سمع بحركة عليّ ﵁ إلى الشام، فكانت أخت عدي إذا مرّ النبيّ ﷺ تقول: يا رسول اللَّه! صلى اللَّه عليك وسلّم! هلك الوالد وغاب الوافد فامنن علينا منّ اللَّه عليك! فيسألها: من وافدك؟ فتقول: عدي ابن حاتم! فيقول: الفارّ من اللَّه ورسوله؟! حتى يئست. فلما كان اليوم الرابع مرّ [ (٥) ] ، فأشار إليها عليّ ﵁: قومي فكلميه؟ فكلمته فخلى عنها ووصلها أخاها عدي بن حاتم- وقد لحق بالشأم- فحسنت له أن يأتي رسول اللَّه ﷺ ، فقدم المدينة وأسلم، وله في إسلامه قصة. موت النجاشي وفي رجب سنة تسع نعي رسول اللَّه ﷺ النجاشيّ للمسلمين، وصلى عليه بمن معه في اليوم الّذي مات فيه، على بعد ما بين الحجاز وأرض الحبشة، فكان ذلك علما [ (٦) ] من أعلام النبوة كبيرا [ (٦) ] .

стр. 484

غزوة تبوك ثم كانت غزوة تبوك- وتسمي غزوة العسرة [ (١) ]- في غرة رجب، وسببها أن أخبار الشأم كانت بالمدينة عند المسلمين، لكثرة من يقدم من الأنباط بالدّرمك [ (٢) ] والزيت، فذكروا أن الرّوم قد جمعت جموعا كثيرة [ (٣) ] بالشأم، وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة، وأقبلت مع لخم وجذام [ (٤) ] وغسّان وعاملة، وزحفوا، وقدموا مقدّماتهم إلى البلقاء وعسكروا بها، وتخلف هرقل بحمص. ولم يكن ذلك، إنما ذلك شيء قيل لهم فقالوه. الخبر عن الغزو والبعثة إلى القبائل وكان رسول اللَّه ﷺ لا يغزو غزوة إلا ورّى بغيرها- لئلا تذهب الأخبار بأنه يريد كذا وكذا- حتى كانت غزوة تبوك فغزاها في حرّ شديد. واستقبل سفرا بعيدا، وعددا كثيرا، فجلى [ (٥) ] للناس أمرهم ليتأهّبوا لذلك أهبته، وأخبرهم بالوجه الّذي يريد. وبعث إلى القبائل وإلى مكة يستنفرهم إلى عدوهم. فبعث بريدة ابن الحصيب وأمره أن يبلغ الفرع، وبعث أبا رهم الغفاريّ إلى قومه، وأبا واقد اللّيثيّ إلى قومه، وأبا جعدة الضّمريّ إلى قومه بالساحل، ورافع بن مكيث ابن جندب بن جنادة إلى جهينة، ونعيم بن مسعود إلى أشجع، وبديل بن ورقاء وعمرو بن سالم وبسر بن سفيان إلى بني كعب بن عمرو، والعباس بن مرداس إلى بني سليم. وحضّ على الجهاد ورغّب فيه. صدقات المسلمين للغزو وأمر بالصدقة فحملت صدقات كثيرة. وأول من حمل صدقته أبو بكر الصديق ﵁، جاء بماله كله أربعة آلاف درهم، فقال له رسول اللَّه ﷺ . هل أبقيت شيئا؟ قال: اللَّه ورسوله! وجاء عمر ﵁ بنصف ماله، فقال

стр. 485

له رسول اللَّه ﷺ هل أبقيت شيئا؟ قال: نعم، نصف مالي ما جئت به. وبلغ عمر ما جاء به أبو بكر ﵁ فقال: ما استبقنا إلى خير إلا سبقني إليه. وحمل العباس بن عبد المطلب ﵁ مالا يقال إنه تسعون ألفا. وحمل طلحة ابن عبيد اللَّه مالا. وحمل عبد الرحمن بن عوف مائتي أوقية. وحمل سعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة [ (١) ] مالا. وتصدق عاصم بن عديّ بتسعين وسقا [ (٢) ] تمرا، وجهز عثمان بن عفان ﵁ ثلث ذلك الجيش، فكان من أكثرهم نفقة، حتى كفي ثلث ذلك الجيش مؤنتهم، حتى إن كان ليقال: ما بقيت له حاجة!! فجاء بألف دينار ففرغها في حجر النبي ﷺ ، فجعل يقلبها ويقول ﷺ : ما ضرّ عثمان ما فعل بعد هذا اليوم! قالها مرارا. ورغب ﵇ أهل الغني في الخير والمعروف، فتبادر المسلمون في ذلك، حتى إن الرجل ليأتي بالبعير إلى الرجل والرجلين ويقول: هذا البعير بينكما تعتقبانه، ويأتي الرجل بالنفقة فيعطيها بعض من يخرج. صدقات النساء وأتت النساء بكل ما قدرن عليه، فكن يلقين- في ثوب مبسوط بين يدي النبي ﷺ المسك، والمعاضد والخلاخل، والأقرطة، والخواتيم، والخدمات [ (٣) ] . وكان الناس في حر [ (٤) ] شديد، وحين طابت الثمار، وأحبّت الظلال، والناس يحبون المقام ويكرهون الشخوص عنها. وأخذ ﷺ الناس بالجد وعسكر بثنية الوداع، والناس كثير لا يجمعهم كتاب. خبر المخلفين وقال ﷺ للجدّ بن قيس بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عديّ ابن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري: أبا وهب! هل لك العام تخرج معنا لعلك تحتقب من بنات الأصفر [ (٥) ] ! قال أو تأذن لي ولا تفتنّي؟ فو اللَّه لقد عرف قومي ما أحد أشدّ عجبا بالنساء منّي، وإني لأخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا

стр. 486

أصبر عنهنّ. فقال: قد أذنت لك! فجعل يثبط قومه ويقول: لا تنفروا في الحرّ. فنزل فيه قوله تعالى: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ* فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [ (١) ] . وقوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ [ (٢) ] . البكاءون وجاء البكاءون- وهم سبعة: أبو ليلى المازنيّ، وسلمة بن صخر الزّرقيّ، وثعلبة بن غنمة السّلمي، وعلبة بن زيد الحارثي، والعرباض بن سارية السّلمي، وهرمي بن عمر المزني وسالم بن عمير. [وقيل: وإن فيهم عبد اللَّه بن المغفّل ومعقل ابن يسار. وقيل: البكاءون بنو مقرّن السّيمة، وهم من مزينة]- يستحملون رسول اللَّه ﷺ ، وكانوا أهل حاجة فقال: لا أجد ما أحملكم عليه فولّوا يبكون [ (٣) ] فلقي اثنان منهم يامين بن عمير بن كعب [بن عمر بن عمرو بن جحاش النضري] [ (٤) ] فقال: ما يبكيكما؟ قالا: جئنا إلى رسول اللَّه ﷺ ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه، وليس عندنا ما تتقوى [ (٥) ] به على الخروج، ونحن نكره أن تفوتنا غزوة مع رسول اللَّه ﷺ . فأعطاهما ناضحا له [ (٦) ] فارتحلاه، وزوّد كلّ واحد صاعين من تمر. وحمل العباس بن عبد المطلب منهم رجلين، وحمل عثمان ابن عفان منهم ثلاثة. النهي عن خروج أصحاب الضعف وقال ﷺ : لا يخرجنّ معنا إلا مقو [ (٧) ] . فخرج رجل على بكر صعب [ (٨) ]

стр. 487

فصرعه بالسويداء، فقال الناس: الشهيد!! فبعث رسول اللَّه ﷺ مناديا ينادي: لا يدخل الجنة إلا مؤمن-[وإلا نفس مؤمنة]-، ولا يدخل الجنة عاص. المنافقون وجاء ناس من المنافقين يستأذنون رسول اللَّه ﷺ من غير علة فأذن لهم، وهم بضعة وثمانون رجلا. وجاء المعذرون [ (١) ] من الأعراب فاعتذروا وهم نفر من بني غفار فيهم خفاف بن إيماء بن رحضة، اثنان وثمانون رجلا فلم يعذرهم اللَّه، وجاء عبد اللَّه بن أبيّ بن سلول بعسكره- معه حلفاؤه من اليهود والمنافقين- فضربه على ثنية الوداع. فكان يقال: ليس عسكر ابن أبيّ بأقل العسكرين. وكان رسول اللَّه ﷺ يستخلف على العسكر أبا بكر ﵁، فلما أجمع المسير استخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاريّ، [وقيل محمد ابن مسلمة] . تخليف علي بن أبي طالب وخلف علي بن أبي طالب ﵁ علي أهله، فقال المنافقون: ما خلفه إلا استقلالا له! فأخذ سلاحه ولحق رسول اللَّه ﷺ بالجرف وأخبره ما قالوا، فقال: كذبوا! إنما خلّفتك لما ورائي! فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبيّ بعدي، فرجع. الأمر بحمل النعال وسار ﵇ وقال: استكثروا من النعال، فإن الرجل لا يزال راكبا ما دام منعلا. تخلف المنافقين فلما سار تخلف ابن أبيّ فيمن تخلف من المنافقين وقال: يغزو محمد بني

стр. 488

الأصفر- مع جهد الحال والحر والبلد البعيد- إلى مالا قبل له به؟! يحسب محمد أن قتال بني الأصفر اللعب؟! ونافق بمن معه ممن هو على مثل رأيه، ثم قال: واللَّه لكأنّي انظر إلى أصحابه غدا مقرنين في الحبال. الألوية فلما رحل رسول اللَّه ﷺ من ثنيّة الوداع عقد الألوية والرايات. فدفع لواءه الأعظم إلى أبي بكر ﵁، ورايته العظمي إلى الزبير، وراية الأوس إلى أسيد بن الحضير، ولواء الخزرج إلى أبي دجانة، [ويقال: إلى الحباب بن المنذر ابن الجموح] ، وأمر كل بطن من الأنصار والقبائل من العرب أن يتخذوا لواء أو راية. خبر العبد المملوك فلقيه عبد لامرأة من بني ضمرة وهو متسلح، فقال: أقاتل معك يا رسول اللَّه؟ فقال: وما أنت؟ قال، مملوك لامرأة من بني ضمرة سيئة الملكة [ (١) ] فقال: ارجع إلى سيّدتك! لا تقتل معي فتدخل النار!! عدة المسلمين وسار معه ثلاثون ألفا، وعشرة آلاف فرس، واثنا عشر ألف بعير. وقال أبو زرعة: كانوا سبعين ألفا. وفي رواية: أربعين ألفا. تخلف نفر من المسلمين وتخلف نفر من المسلمين أبطأت بهم النية من غير شك ولا ارتياب، منهم: كعب بن مالك بن أبي كعب عمرو بن القين [ (٢) ] بن كعب بن سواد بن غنم ابن كعب بن سلمة الأنصاريّ، وهلال بن أمية الواقفيّ، وأبو خيثمة عبد اللَّه ابن خيثمة السالميّ، ومرارة بن الربيع العمري، ثم إن أبا خيثمة أدرك رسول اللَّه ﷺ بتبوك.

стр. 489

وكان دليله ﵇ علقمة بن الغفواء [ (١) ] الخزاعي. وجمع- من يوم نزل ذا خشب- بين الظهر والعصر في منزله: يؤخر الظهر حتى يبرد ويعجّل العصر، ثم يجمع بينهما. فكان ذلك فعله حتى رجع من تبوك. المتخلفون ولما مضى من ثنية الوداع، جعل يتخلف عنه قوم، فيقولون: يا رسول اللَّه! تخلف فلان! فيقول: دعوه! فإن يك فيه خير فيلحقه اللَّه بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم اللَّه منه. وخرج معه ناس من المنافقين كثير، لم يخرجوا إلا رجاء الغنيمة. خبر أبي ذر وأبطأ أبو ذر ﵁ من أجل بعيره: كان نضوا أعجف [ (٢) ] ، ثم عجز فتركه وحمل متاعه على ظهره: وسار ماشيا في حر شديد وحده، حتى لحق رسول اللَّه ﷺ نصف النهار وقد بلغ منه العطش، فقال له: مرحبا بأبي ذر! يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده! ما خلفك؟ فأخبره خبر بعيره، فقال: إن كنت لمن أعزّ أهلي عليّ تخلّفا! لقد غفر اللَّه لك بكلّ خطوة ذنبا إلى أن بلغتني. خبر أبي رهم وسايره أبو رهم- كلثوم بن الحصين الغفاريّ- ليلة فألقى عليه النّعاس، فزاحمت عليه راحلته راحلة رسول اللَّه ﷺ ورجله في الغرز- فما استيقظ إلا بقوله: حسّ [ (٣) ] ! فقال: يا رسول اللَّه، استغفر لي، فقال: سر! وجعل يسأله عمّن تخلّف من بني غفار ويخبره، فقال: ما منع أحد أولئك حين تخلف أن يحمل علي بعيره رجلا نشيطا في سبيل للَّه ممّن يخرج معنا، فيكون له مثل أجر الخارج! إن كان لمن أعزّ أهلي عليّ أن يتخلف عنّي: المهاجرون من قريش والأنصار وغفار وأسلم.

стр. 490

جهد المسلمين ومرّ على بعير قد تركه صاحبه من الضعف، فمرّ به مارّ فعلفه أياما ثم حمله وقد صلح، فخاصمه فيه صاحبه، فقال رسول اللَّه ﷺ : من أحيا خفا أو كراعا بمهلكة من الأرض فهو له. وشكوا إليه ﷺ ما بظهرهم من الجهد، فتحين رسول اللَّه ﷺ مضيقا سار الناس فيه وهو يقول: مرّوا باسم اللَّه، فجعل ينفح [ (١) ] بظهورهم وهو يقول: اللَّهمّ احمل عليها في سبيلك، فإنك تحمل على القوى والضعيف، والرطب واليابس، والبر والبحر! فلما بلغوا المدينة جعلت تنازعهم أزقتها بدعوته ﷺ . وصلى يوما بأصحابه وعليه جبة صوف وقد أخذ بعنان فرسه، فبال الفرس فأصاب الجبة فلم يغسله. وقال: لا بأس بأبوالها ولعابها وعرقها. لكنّ يعارضه قوله: استنزهوا من البول، وهو أصحّ. مقالة المنافقين وكان رهط من المنافقين يسيرون، منهم: وديعة بن ثابت أخو بني عمرو ابن عوف، والجلاس بن سويد بن الصامت، ومخشّي بن حميّر من أشجع حليف بني سلمة وثعلبة بن حاطب، وقال ثعلبة: تحسبون قتال بني الأصفر كقتال غيرهم؟ واللَّه لكأنّي بكم غدا مقرنين في الحبال! وقال وديعة بن ثابت: ما لي أرى قراءنا [ (٢) ] هؤلاء أرغبنا [بطونا] [ (٣) ] ، وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللقاء؟ قال الجلاس بن سويد- زوج أم عمير [ (٤) ]-: هؤلاء سادتنا وأشرافنا وأهل الفضل منا، واللَّه لئن كان محمد صادقا لنحن شرّ من الحمير! ورسول اللَّه ﷺ الصادق وأنت الكاذب! وقال مخشي بن حمير: واللَّه لو وددت أنّي أقاضى على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة، وأننا ننفلت من أن ينزل فينا قرآن بمقالتكم! وقال رسول اللَّه ﷺ لعمار بن ياسر ﵁: أدرك القوم فإنّهم قد

стр. 491

اخترقوا [ (١) ] . فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى! قد قلتم كذا وكذا!! فذهب إليهم فقال لهم، فأتوا رسول اللَّه ﷺ يعتذرون إليه فقال وديعة بن ثابت- ورسول اللَّه ﷺ على ناقته، وقد أخذ بحقبها [ (٢) ]-: يا رسول اللَّه! إنما كنا نخوض ونلعب! فأنزل اللَّه فيه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ* لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ [ (٣) ] . وقال مخشي بن حميّر: يا رسول اللَّه! قعد بي اسمي واسمي أبي! فكان الّذي عفي عنه في هذه الآية مخشي، فتسمى عبد الرحمن، وسأل اللَّه أن يقتله شهيدا لا يعلم بمكانه، فقتل يوم اليمامة فلم يوجد له أثر. وجاء الجلاس فحلف ما قال من ذلك شيئا. فأنزل اللَّه فيه: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ [ (٤) ] . وكان للجلاس دية في الجاهلية على بعض قومه- وكان محتاجا- فلما قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة أخذها له فاستغنى بها. وادي القرى ومرّ رسول اللَّه ﷺ في وادي القرى على حديقة امرأة فقال: اخرصوها فجاء خرصها عشرة أوسق [ (٥) ] فقال لها: احفظي ما خرج منها حتى نرجع إليك.

стр. 492

نزول الحجر وهبوب الريح فلما أمسى بالحجر قال: إنها ستهبّ الليلة ريح شديدة، فلا يقومنّ منكم أحد إلا مع صاحبه، ومن كان له بعير فليوثق عقاله، فهاجت ريح شديدة ولم يقم أحد إلا مع صاحبه، إلا رجلين من بني ساعدة: خرج أحدهما لحاجته، وخرج الآخر في طلب بعيره. فأما الّذي خرج لحاجته، فإنه خنق على مذهبه، وأما الّذي ذهب في طلب بعيره فاحتملته الريح فطرحته بجبل طيِّئ فأخبر ﵇ خبرهما فقال: ألم أنهكم أن يخرج رجل إلا معه صاحب له؟ ثم دعا للذي أصيب على مذهبه فشفى، وأما الآخر فإن طيِّئا قدمت به إلى المدينة. هدية بني عريض وأهدى له ﵇ بنو عريض اليهودي هريسا فأكلها، وأطعمهم أربعين وسقا، فلم تزل جارية عليهم [ (١) ] . خبر بئر الحجر واستقى الناس من بئر الحجر [ (٢) ] وعجنوا، فنادى منادى النبي ﷺ : لا تشربوا من مائها ولا توضئوا منه للصلاة، وما كان من عجين فاعلفوه الإبل، فجعل الناس يهريقون ما في أسقيتهم، وتحوّلوا إلى بئر صالح ﵇ فارتووا منها. وقال يومئذ: لا تسألوا نبيكم الآيات! هؤلاء قوم صالح سألوا نبيهم آية، فكانت الناقة ترد عليهم من هذا الفجّ، تسقيهم من لبنها يوم وردها ما شربت من مائهم. فعقروها، فأوعدوا ثلاثا، وكان وعد اللَّه غير مكذوب، فأخذتهم الصيحة، وقال يومئذ: لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم فيصيبكم ما أصابهم. وجاء رجل بخاتم وجده في الحجر في بيوت المعذبين، فأعرض عنه واستتر بيده أن ينظر إليه، وقال: ألقه! فألقاه. وقال لأصحابه حين حاذاهم: إن هذا وادي القرى! فجعلوا يوضعون فيه

стр. 493

ركابهم حتى خرجوا منه. وأوضع ﷺ راحلته. قلة الماء ودعاء رسول اللَّه بالمطر وارتحل من وادي القرى فأصبح ولا ماء معهم، فشكوا ذلك إليه، فاستقبل القبلة ودعا- ولا يرى في السماء سحاب- فما برح يدعو حتى تألف السحاب من كل ناحية، فما رام مقامه حتى سحب عليهم السماء بالرواء. ثم كشف اللَّه السماء من ساعتها والأرض غدر [ (١) ] ، فسقى الناس وارتووا من آخرهم، فكبر رسول اللَّه ﷺ وقال: أشهد أنّي رسول اللَّه! فقال عبد اللَّه بن أبي حدرد لأوس ابن قيظي-، [ويقال لزيد بن اللصيت القينقاعيّ]- وكان من المنافقين: ويحك!! بعد هذا شيء؟ فقال: سحابة مارة. خبر ناقة رسول اللَّه التي ضلّت ومقالة المنافق وارتحل ﵇ فأصبح في منزل، فضلّت ناقته القصواء، فخرج المسلمون في طلبها، وكان زيد بن اللصيت أحد بني قينقاع، وكان يهوديا فأسلم فنافق، وكان فيه خبث اليهود وغشهم، وكان مظاهرا لأهل النفاق، وقد نزل في رحل عمارة بن حزم، وعمارة عند رسول اللَّه- فقال زيد: أليس محمد يزعم أنه نبيّ وهو يخبركم بأمر السماء، ولا يدري أين ناقته؟ وأنّي واللَّه لا أعلم إلا ما علمني اللَّه، وقد دلني عليها، وهي في الوادي في شعب كذا وكذا- لشعب به [ (٢) ]- حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتوا بها [ (٣) ] . فذهبوا، فجاءوا وقد وجدها الحارث بن خزمة [ (٤) ] الأشهلي، كما قال ﵇. فرجع عمارة بن حزم إلى رحلة فقال: العجب من شيء حدّثناه رسول اللَّه آنفا عن مقالة قائل أخبره اللَّه عنه كذا وكذا!! - للذي قال زيد- فقال أخوه عمرو بن حزم ولم يحضر رسول اللَّه ﷺ : إن زيدا هو قائل هذه المقالة قبل أن تطلع علينا! فأقبل عمارة بن حزم على زيد بن اللّصيت يجأه [ (٥) ] في عنقه ويقول: إن في رحلي لداهية [ (٦) ] وما أدري!! أخرج يا عدو اللَّه من رحلي! فقال زيد: لكأنّي لم أسلم إلا اليوم! قد كنت شاكّا

стр. 494

في محمد، وقد أصبحت وأنا فيه ذو بصيرة، أشهد أنه رسول اللَّه! فقيل: إنه تاب، وقيل: لم يزل فسلا [ (١) ] حتى مات. نبوءة الفتوح وقال ليلة وهم يسيرون: إن اللَّه أعطاني الكنزين: فارس والروم، وأمدني بالملوك ملوك حمير: يجاهدون في سبيل اللَّه، ويأكلون فيء اللَّه [ (٢) ] . تأخره ﷺ عن صلاة الصبح ولما كان بين الحجر وتبوك ذهب لحاجته- وكان إذا ذهب أبعد-، فتبعه المغيرة بن شعبة بماء في إدواة بعد الفجر، فأسفر الناس بصلاتهم حتى خافوا الشمس، فقدّموا عبد الرحمن بن عوف ﵁ فصلى بهم. فلما فرغ ﷺ من حاجته، صبّ عليه المغيرة من الإداوة فغسل وجهه. ثم أراد أن يغسل ذراعيه فضاق كم الجبة- وكان عليه جبة رومية- فأخرج يديه من تحت الجبة فغسلهما ومسح خفيه. صلاة رسول اللَّه ﷺ بصلاة عبد الرحمن بن عوف ﵁ وانتهى إلى عبد الرحمن ﵁ وقد ركع بالناس ركعة، فسبح الناس حين رأوا رسول اللَّه ﷺ حتى كادوا أن يفتنوا، فجعل عبد الرحمن يريد أن ينكص وراءه، فأشار إليه ﵇: أن أثبت! فصلى رسول اللَّه ﷺ خلف عبد الرحمن ركعة، فلما جلس عبد الرحمن تواثب الناس، وقام ﷺ للركعة الباقية ثم سلم بعد فراغه منها، وقال أحسنتم، إنه لم يتوفّ [ (٣) ] نبي حتى يؤمه رجل صالح من أمته.

стр. 495

خبر الأجير ورجل من العسكر وأتاه [ (١) ] يومئذ يعلى بن منية بأجير له قد نازع رجلا من العسكر فعضه الرجل، فانتزع الأجير يده من في [ (٢) ] العاضّ فانتزع ثنيته، فلزمه المجروح وبلغ به النبي ﷺ فقال: يعمد أحدكم فيعضّ أخاه كما يعض الفحل! فأبطل ﷺ ما أصاب من ثنيته. نهيه ﷺ عن الشرب من عين تبوك حتى يقدم وقال: إنكم ستأتون غدا إن شاء اللَّه تعال عين تبوك: وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها فلا يمسّ من مائها حتى آتي، فسبق رجلان من المنافقين إليها- والعين تبضّ بشيء [ (٣) ] من ماء- فسألهما ﵇: هل مسستما من مائها شيئا؟ قالا: نعم! فسبّهما وقال لهما ما شاء اللَّه أن يقول. ثم غرفوا من العين بأيديهم قليلا حتى اجتمع في شيء ثم غسل فيه وجهه ويديه ثم أعاده فيها، فجاءت العين بماء كثير فاستسقى الناس. ثم قال [لمعاذ بن جبل] [ (٤) ] : يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا قد مليء جنانا! وقال يوما في مسيره: من شهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له حرمه اللَّه على النار. خبر الحية التي سلمت عليه ﷺ وعارض الناس في سيرهم حية ذكر من عظمها وخلقها شيء كثير، فأقبلت حتى واقفت رسول اللَّه ﷺ وهو على راحلته طويلا، والناس ينظرون إليها، ثم التوت حتى اعتزلت الطريق فقامت قائمة، فأقبل الناس حتى لحقوا رسول اللَّه ﷺ ، فقال لهم: هل تدرون من هذا [ (٥) ] ؟ قالوا: اللَّه ورسوله أعلم! قال هذا أحد الرهط الثمانية من الجن الذين وفدوا إلى يستمعون القرآن، فرأى عليه من [ (٦) ] الحق- حين ألمّ رسول اللَّه ببلده- أن يسلم عليه، وها هو ذا يقرئكم السلام
следующие страницы →