الثالثة: أنه ﷺ كان لا يأكل متكئا
خرّج البخاريّ [ (١) ] من طريق مسعر عن عليّ بن الأقمر، سمعت أبا جحيفه قال: كنت عند النبي ﷺ ، فقال لرجل: لا آكل متكئا.
وخرّجه ابن أبي خيثمة بهذا الإسناد مثله، وخرّجه أبو داود [ (٢) ] من طريق سفيان، عن عليّ بن الأقمر بهذا الإسناد مثله سواء.
وخرّج البخاريّ [ (٣) ] من طريق جرير بن منصور، عن عليّ بن الأقمر، عن أبي جحيفة، قال: كنت عند النبي ﷺ ، فقال لرجل عنده: لا آكل وأنا متكئ.
وخرّجه النسائي من طريق شريك عن عليّ بن الأقمر، عن أبي جحيفة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : أما أنا فلا آكل متكئا.
وخرّج عبد الرزاق عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، أن النبي ﷺ قال: آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد، فإنما أنا عبد، وخرّجه البيهقي في (شعب الإيمان) [ (٤) ] وفي (دلائل النبوة) .
وخرّج ابن سعد [ (٥) ] ، عن أبي النضر، عن أبي معشر، عن سعيد [المقبري] ، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها-، أن النبي ﷺ قال لها: يا عائشة إن شئت لسارت معي جبال الذهب، أتاني ملك وإن حجزته لتساوي الكعبة، فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إن شئت
стр. 4867
[كنت] [ (١) ] نبيا [مليكا] [ (٢) ] ، وإن شئت [نبيا] عبدا، فأشار إليّ جبريل [أن] ضع نفسك، فقلت: نبيا عبدا، فكان بعد ذلك لا يأكل متكئا، ويقول: آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد.
وخرّج النسائي من طريق بقية الزبيدي قال: حدثني الزهريّ، عن محمد بن عبد اللَّه بن عباس قال: كان ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنه- يحدث أن اللَّه- تعالى- أرسل إلى بيته ﷺ ملكا من الملائكة، ومعه جبريل- ﵇، فقال له الملك: إن اللَّه يخيّرك بين أن تكون عبدا نبيا وبين أن تكون ملكا فالتفت رسول اللَّه ﷺ إلى جبريل كالمستشير، فأشار جبريل بيده أن تواضع، فقال رسول اللَّه ﷺ : لا بل أكون عبدا نبيا، فما أكل بعد هذه الكلمة طعاما متكئا.
ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، قال: جاء النبي ﷺ ملك لم يأته قبلها ولا بعدها، فقال: إن اللَّه يخيرك بين أن تكون نبيا ملكا، أو نبيا عبدا ... الحديث بنحوه.
وعن ابن عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: قال رسول اللَّه ﷺ : إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد. خرّجه البزار
وقال: لا نعلمه يروي بإسناد متصل إلا من هذا الوجه، ولا نعلم رواه عن ابن عمر إلا نافعا، ولا عنه إلا عبيد اللَّه، ولا عنه إلا مبارك، تفرد به حفص وقال: ومبارك كان مدلسا، وقد اختلف في ذلك، هل كان حراما عليه ﷺ أو مكروها؟ فيه وجهان:
أشبههما كما قال الرافعي وغيره: أنه كان مكروها فإنه لم يثبت فيه ما يقتضي
стр. 4868
التحريم واجتناب رسول اللَّه ﷺ الشيء واختياره غيره، لا يدل على كونه محرما عنده.
وقال النووي [ (١) ] : والصحيح أنه كان مكروها في حقه ﷺ ، لا حراما، وقال ابن شاهين: لم يكن محرما عليه وإنما هو أدب من الآداب.
والثاني: أنه كان حراما عليه وجزم به صاحب (التلخيص) لما فيه من الكبر والعجب، فعلى أنه ليس بحرام لا يبقى من باب الخصائص، فإنه يكره لغيره أيضا الأكل متكئا على كل من تفسيريه، وإذا تقرر ذلك فما المراد بالمتكئ؟ فيه خلاف، قال ابن سيده: توكأ على الشيء واتكأ تحمل واعتمد، والتكأة العصا يتكأ عليها في المشي، واتكأ الرجل جعل له متكأ، وضربه فاتكأه، ألقاه على جانبه الأيسر [ (٢) ] ، وفسر الخطّابيّ المتكئ هنا بالمتمكن في جلوسه من التربع، وشبهه المعتمد على الوطاء تحته، قال: وكل من استوى
стр. 4869
قاعدا على وطئ فهو متكئ، ومعناه لا آكل أكل من يريد الاستكثار من الطعام ويقعد له متكئا بل أقعد مستوفزا [ (١) ] ، وآكل قليلا، فيكون الاتكاء على هذا التفسير التربع، ورجحه جماعة لما فيه من التجبّر والتعاظم، وأنكر ابن الجوزي هذا التفسير، وقال: المراد به المائل على جنب، فيكون الاتكاء على هذا التفسير الاضطجاع، وهو المتبادر إلى أفهام كثيرين، لما قد يحصل به من الأذى كما نهى عن الشرب قائما.
وقال القاضي عياض [ (٢) ] : وليس هو الميل على شق عند المحققين، واختيار ما فسره الخطابي وإليه ذهب ابن دحية أيضا فقال: الاتكاء في اللغة هو التمكن في الأكل.
الرابعة: تعليم الشّعر
قال اللَّه تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ [ (٣) ] يقول- تعالى-: وما علمنا محمدا الشعر وما ينبغي له أن يكون شاعرا، فجعل اللَّه- تعالى- ذلك علما من أعلام نبوة محمد ﷺ لئلا تدخل الشبهة على من أرسل إليهم، فيظن به أنه قوي على القرآن بما في طبعه من القوة على الشعر.
قال سعيد: عن قتادة، قيل لعائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- هل كان رسول اللَّه ﷺ يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت: كان أبغض الحديث إليه غير أنه كان يتمثل بيت أخي بني قيس فيجعل آخره أوله، وأوله آخره،
فقال أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- إنه ليس هكذا، فقال نبي اللَّه ﷺ إني واللَّه ما أنا بشاعر ولا ينبغي لي.
стр. 4870
وقال الزجّاج: معنى وَما يَنْبَغِي لَهُ [ (١) ] أي ما يتسهل له.
وخرّج أبو داود [ (٢) ] من حديث ابن عمرو- رضي اللَّه ﵎ عنهما- قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: ما أبالي ما أتيت إن أنا شربت ترياقا، أو تعلقت تميمة، أو قلت الشعر من قبل نفسي.
فلهذا قال أصحابنا: إنه كان يحرم عليه ﷺ تعلم الشعر. قال الرافعي:
وإنما يتجه القول بتحريمهما- يعنى الشعر والخط- ممن يقول: إنه كان ﷺ يحسنها، وقد اختلف فيه، فقيل: يحسنهما ويمتنع منهما، والأصحّ أنه ﷺ كان لا يحسنهما. قال النووي في (الروضة) [ (٣) ] : ولا يمتنع تحريمهما وإن لم
стр. 4871
يحسنهما، ويكون المراد تحريم التوصل إليهما، ودليل التحريم أن اللَّه- تعالى- أخبر عن حال نبيه ﷺ وردّ قول من قال من الكفار: إنه شاعر، وأن القرآن شعر بقوله- تعالى-: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ [ (١) ] .
ولذلك كان النبي ﷺ لا يقول الشعر، ولا يزنه، وكان إذا حاول إنشاء بيت قديم متمثلا به كسر وزنه، وإنما كان يحرر المعاني فقط، من ذلك أنه انشد بيت طرفة [ (٢) ] :
стр. 4872
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك من لم تزوره بالأخبار
وأنشد يوما، وقد قيل له: من أشعر الناس؟ فقال: الّذي يقول:
ألم ترياني كلما جئت طارقا* وجدت بها وإن لم تطبني طبيبا وأنشد يوما:
أتجعل نهبي ونهب العب ... يد بين الأقرع وعيينة [ (١) ]
وربما أنشد ﷺ البيت المستقيم في النادر.
стр. 4873
وروى البيهقيّ من طريق عليّ بن عمرو الأنصاري، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهريّ عن عروة، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: ما سمعت من النبي ﷺ بيت شعر قط إلا بيتا واحدا:
تفاءل بما تهوى يكن ... فلقل ما يقال بشيء كان ألّا يحقق
وثبت في الصحيح أنه ﷺ يوم الخندق تمثل شعر عبد الله بن رواحة:
اللَّهمّ لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا
الشعر بتمامه لكن قال أبو الحجاج المزني في حديث عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها-: هذا حديث منكر.
وأما بشعر ابن رواحة فإنه تارة يروى برحاف، وتارة بغير رحاف، فاللَّه أعلم كيف قاله ﷺ .
وذكر الأمويّ في (مغازيه) أنه ﷺ جعل يوم بدر يدور بين القتلى يقول:
فعلق هاما من رجال أعزّة ... علينا وهم كانوا أعق وأظلما
وقال الحربي: ولم يبلغني أنه ﷺ أنشد بيتا تاما على وزنه، بل الصدر، كقول لبيد:
ألا كل شيء ما خلا اللَّه باطل
أو العجز كقوله طرفة:
ويأتيك بالأخبار من لم تزود
فإن أنشد بيتا كاملا غيّره، قال يوما:
أتجعل نهبي ونهب العبيد ... بين الأقرع وعيينة [ (١) ]
فقال أبو بكر: أشهد أنك رسول اللَّه، ثم قرأ: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ [ (٢) ] :
الآية، وقال عمر بن شبّة [ (٣) ] في كتاب (أخبار مكة) : حدثنا أبو داود، حدثنا
стр. 4874
شعبة، عن سماك بن حرب، قال: سمعت رجلا اسمه سعد قال مرة، عن سعد ولم يذكر مرة سعدا، قال: ذكرت بنو ناجية عند رسول اللَّه ﷺ فإما أن يكون النبي ﷺ قال: عين، فأبكى أسامة بن لؤيّ فقال رجل: علقت بأسامة العلاقة، وإما أن يكون الرجل قال، فأتم رسول اللَّه ﷺ البيت.
وذكر السهيليّ أنه ﷺ قال للعباس بن مرادس: أنت القائل:
أتجعل نهبي العب ... يد بين الأقرع وعيينة
وتكلم السهيليّ على ما تقدم الأقرع على عيينة بمناسبات غريبة، وتكلموا على قوله ﷺ يوم حنين وهو في وجوه العدو:
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب
بما حاصله أنه لم يخرج مخرج الشعر، وإنما وقع سجعا من غير قصد.
وقال الحسن بن أبي الحسن: أنشد النبي ﷺ :
كفي بالإسلام والشيب للمرء ناهيا
فقال أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه-: يا رسول اللَّه إنما قال الشاعر:
هريرة ودع إن تجهزت غاديا ... كفي بالشيب والإسلام للمرء ناهيا
فقال أبو بكر وعمر- رضي اللَّه ﵎ عنهما-: أشهد أنك رسول اللَّه، يقول اللَّه : وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ [ (١) ] ، وقال الخليل بن أحمد: كان الشعر أحب إلى رسول اللَّه ﷺ من كثير الكلام، ولكن لا يأتي له.
واعلم أن إصابة رسول اللَّه ﷺ وزن الشعر أحيانا لا يوجب أنه لا يعلم الشعر وكذلك ما يأتي له أحيانا من نثر كلامه مما يدخل في وزن الشعر كقوله:
هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل اللَّه ما لقيت؟
وقوله:
стр. 4875
أنا النبي لا كذب ... أن ابن عبد المطلب
فقد تأتى مثل ذلك في آيات القرآن الكريم، بل في كل كلام، وليس كل ذلك بشعر، ولا في معناه، كقوله- تعالى-: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [ (١) ] ، وقوله- تعالى-: نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [ (٢) ] وقوله- تعالى-: وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ [ (٣) ] ، إلى غير ذلك من الآيات، لأن ما وافق وزنه وزن الشعر، ولم يقصد به الشعر، ليس بشعر، إذ لو كان شعرا لكان كل من نطق بكلام موزون من عامة الناس الذين لا يعرفون الوزن، يصدق عليه أنه شاعر، ولم يقل بهذا أحد من العقلاء.
وقال أبو حسن الأخفش في قوله- ﵇:
أنا النبي لا كذب
ليس بشعر، وقال في كتاب (العين) : ما جاء من السجع على جزأين لا يكون شعرا، وروى عن الأصمعي أنه من منهوك الرجز، وقد قيل: لا يكون من منهوك الرجز إلا بالوقوف على الباء من قوله: «لا كذب» ، ومن قوله: «عبد المطلب» ، ولم يعلم كيف قاله ﷺ .
وقال ثابت: قال الخليل: المشطور ليس من الشعر، وكذلك المنهوك، قيل: فما هما؟ قال أنصاف مسجعة، فرد ذلك عليه، فقال: لأحتجن عليهم بحجة، إن لم يقرءوا بها كفروا، لو كان شعرا ما جرى على لسان رسول اللَّه ﷺ ، لأن اللَّه- تعالى- يقول: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ [ (٤) ] .
стр. 4876
وقال القاضي أبو بكر بن العربيّ: الأظهر من حاله ﷺ أنه قال: «لا كذب» ، الباء مرفوعة، ويخفض الباء من عبد المطلب على الإضافة.
وقال النحاس عن بعضهم: إنما الرواية بالإعراب، وإذا كانت بالإعراب لم يكن شعرا، لأنه إذا فتح الباء من البيت الأول، أو ضمها، أو نونها، وكسر الباء من البيت الثاني، خرج على وزن الشعر.
وقال بعضهم: ليس هذا الوزن من الشعر، ورد بأن أشعار العرب على هذا الوزن، قد رواها الخليل وغيره، وأما
قوله- ﵇:
هل أنت إلا إصبع دميت ... [وفي سبيل اللَّه ما لقيت] ؟ [ (١) ]
فإنه من بحر السريع، إذا كسرت التاء من دميت، فإن سكنت لم يكن شعرا، لأن ما بين الكلمتين على هذه الصفة لا يكون فعولن، ويصير فعلن، ولا مدخل لفعلن في بحر السريع.
فلعل النبي ﷺ قالها ساكنة، أو متحركة التاء، من غير إشباع، وعلى تسليم أنه شعر لا يلزم منه أن يكون ﷺ عالما بالشعر، ولا شاعرا، لأن التمثل بالبيت النادر وإضافة القافيتين من الرجز وغيره لا يوجب أن يكون قائل ذلك عالما بالشعر، ولا يسمى شاعرا باتفاق العقلاء، كما أن من خاط مرة لا يكون خياطا.
وقال أبو إسحاق الزجاج: معنى وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ [ (٢) ] وما علمناه أن يشعر، أي ما جعلناه شاعرا، وهذا لا يمنع أن ينشد شيئا من الشعر.
وقد قيل: إنما أخبر اللَّه- تعالى- أنه ما علمه الشعر ولم يخبر أنه لا ينشد شعرا، وقالوا مع ذلك: كل من قال قولا موزونا لا يقصد به الشعر فإنه ليس بشعر، وإنما وافق الشعر، فالذي نفاه اللَّه- تعالى- عن نبيه ﷺ ، إنما هو العلم بالشعر، وأصنافه، وأعاريضه، وقوافيه، والاتصاف بقوله، ولم يكن ﷺ موصوفا بذلك من أحد بالاتفاق، ألا ترى أن قريشا لما تراوضت فيما تقول العرب فيه إذا قدموا عليهم في الموسم، فلما قال بعضهم: نقول: إنه
стр. 4877
شاعر، قال أهل الفطنة منهم: واللَّه لتكيدنكم العرب، فإنّهم يعرفون أصناف الشعر، فو اللَّه ما يشبهه شيئا منها، وما قوله بشعر.
وقال أنيس أخو أبي ذر: لقد وضعت قوله على أقراء الشعر، فلم يلتئم أنه شعرا. وقال: عتبة بن ربيعة لما كلمه: واللَّه ما هو بشعر، ولا كهانة، ولا سحر. وقد سقت هذه كلها بأسانيدها في موضعها من هذا الكتاب.
الخامسة: أنه ﷺ لم يكن يحسن الكتابة
قالوا: وكان يحرم عليه ذلك، قال اللَّه- تعالى-: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ [ (١) ] قال ابن كيسان: واحد الآيتين أميّ، كان منسوبا إلى أمة، والأمة لا تكتب بالجملة، إنما يكتب بعضها، وقيل نسب إلى أمه، لأن الكتاب كان في الرجال، ولم يكن في النساء [ (٢) ] .
стр. 4878
_________
[ () ] أصحابه ﷺ منهم الخلفاء الأربعة [وغيرهم] ، ذكرهم عمر بن شبة في كتاب (الكتّاب) له، فجميعهم ثلاثة وعشرون، وقد تتبعت ما أغفله ابن شبّة- ﵀ فبلغت بهم نحوا من أربعة وأربعين كاتبا مع الذين ذكرهم، خرجتهم من مصنفات علماء هذا الشأن. (المصباح المضيء) : ١/ ٢٧- ٢٨، باب في ذكر من كتب له من الصحابة، والكلام على كتابه ﷺ في صلح الحديبيّة، مختصرا.
وقال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: ولأن محمدا ﷺ اشتهر بوصف النبي الأميّ، فصار هذا المركب كاللقب له، فلذلك لا يغيره عن شهرته، وكذلك هو حيثما ورد ذكره في القرآن الكريم.
والأميّ: الّذي لا يعرف الكتابة والقراءة، قيل: هو منسوب إلى الإمام، أي هو أشبه بأمه منه لأبيه، لأن النساء في العرب ما كنّ يعرفن القراءة والكتابة، وما تعلمنها إلا في الإسلام، فصار تعلم القراءة والكتابة من شعار الحرائر دون الإماء، كما قال عبيد الراعي- وهو إسلاميّ-:
هنّ الحرائر لا ربات أخمرة ... سود المحاجر لا يقرأن بالسّور.
أما الرجال ففيهم من يقرأ ويكتب.
وقيل: منسوب للأمة، أي الّذي جاء حاله معظم الأمة، أي الأمة المعهودة عندهم وهي العربية، وكانوا في الجاهلية لا يعرف منهم القراءة والكتابة إلا النادر منهم، ولذلك يصفهم أهل الكتاب بالأميين، لما حكى اللَّه- تعالى- عنهم في قوله: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ [آل عمران: ٧٥] .
والأمية وصف خص اللَّه- تعالى- به من رسله محمدا ﷺ إتماما للإعجاز العلميّ والعقلي الّذي أيده اللَّه به، فجعل الأمية وصفا ذاتيا له، ليتم بها وصفه الذاتي، وهو الرسالة، لكي يظهر أن كماله النفسانيّ كمال لدنيّ إلهي، لا وساطة فيه للأسباب المتعارفة للكمالات، وبذلك كانت الأمية وصف كمال فيه، مع أنها في غيره وصف نقصان، لأنه لما حصل له من المعرفة وسداد العقل ما لا يحتمل الخطأ في كل نواحي معرفة الكمالات الحق، وكان على يقين من علمه، وبينه من أمره، ما هو أعظم مما حصل للمتعلمين، صارت أميته آية على كون ما حصل له إنما هو من فيوضات إلهية. (تفسير التحرير والتنوير) : ٩/ ١٣٣.
стр. 4879
وقال ابن النحاس: منسوب إلى أمه كما ولد، وقيل: نسب إلى أم القرى، وقال- تعالى-: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ [ (١) ] يقول اللَّه- جل ذكره-: وما كنت يا محمد تتلو يعنى تقرأ قبله يعني من قبل هذا القرآن الّذي أنزلته إليك من كتاب ولا تخطه بيمينك يقول: ولم تكن تكتب بيمينك، ولكنك كنت أميا، إذا لارتاب المبطلون، يقول:
ولو كنت من قبل أن يوحى إليك تقرأ الكتب أو تخطها بيمينك، إذا لارتاب، يقول: إذا لشكّ بسبب ذلك في أمرك وما جئتهم به من عند ربك من هذا الكتاب الّذي تتلوه عليهم المبطلون القائلون: أنه سجع وكهانة، وأنه أساطير الأولين.
قال ابن عباس: كان النبي ﷺ أميا لا يقرأ شيئا ولا يكتب. وقال سعيد عن قتادة: كان النبي ﷺ لا يقرأ كتابا قبله، ولا يخطه بيمينه، ظقال: كان أميا، والأمي الّذي لا يكتب، وقال أبو إدريس الأوردي، عن الحكم، عن مجاهد:
كان أميا، والأميّ الّذي لا يكتب، قال: وكان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن النبي ﷺ لا يخط، ولا يقرأ كتابا، فنزلت هذه الآية: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ [ (٢) ] قال سعيد: إذا لقالوا: إنما هذا شيء تعلمه محمد وكتبه.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: المبطلون قريش، وقد زعم بعضهم أنه ﷺ لم يمت حتى تعلم الكتابة، وهذا قول لا دليل عليه، فهو مردود.
وتمسك القائل بأنه ﷺ كان يحسن الكتابة بما خرّجه البيهقيّ من طريق أبي عقيل يحيى بن المتوكل، عن مجاهد، عن عون بن عبد اللَّه، عن أبيه، قال: لم يمت رسول اللَّه ﷺ حتى كتب وقرأ.
وقال مجاهد: فذكرت ذلك للشعبي، فقال: قد صدق، قد سمعت من بعض أصحابنا يذكرون ذلك.
стр. 4880
قال البيهقيّ: إنه حديث منقطع، وفي روايته جماعة من الضعفاء والمجهولين [ (١) ] .
قال مؤلفه: يحيي بن المتوكل أبو عقيل المدني الحذاء الضرير [ (٢) ] مولى آل عمر وصاحب بهيمة، روى عنهما، وعن محمد بن المنكدر، والقاسم بن عبد اللَّه العمري، وجماعة، وروى عنه ابن المبارك، ووكيع، وجماعة.
قال ابن معين: ليس بشيء، ومرة قال: ليس به بأس، ومرة قال:
ضعيف، وقال الدارميّ: هو ضعيف، وقال أحمد بن حنبل: أحاديثه عن بهيمة، عن عائشة منكرة، لم يرو عن بهيمة شيء وما روى عنها إلا هو واهي الحديث، ومرة قال: يروي عن قوم لا أعرف منهم واحدا، ولم يحل عنهم.
وقال الفلاس: هو ضعيف، ومرة قال: فيه ضعيف، وقال السعديّ:
أحاديثه منكرة، وقال النسائي: ضعيف وقال ابن عدي: وعامة أحاديثه غير محفوظة، ومجالد بن سعيد بن عمير بن ذي يزن، أبو عمير الهمدانيّ، الكوفي، ضعفه يحيى القطان، وابن معين، والسعديّ، والنسائي، وقال ابن عدي: وعامة ما يروونه غير محفوظ.
وذكر النقاش في (تفسيره) عن الشعبي أنه قال: ما مات النبي ﷺ حتى كتب، وأسند من حديث أبي كبشة السلوليّ أنه ﷺ قرأ صحيفة لعيينة بن حصن.
قال ابن عطية: وهذا كله ضعيف، وتمسك أيضا بما
خرّجه البخاري [ (٣) ] في كتاب الصلح في عمرة القضاء من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق، عن
стр. 4881
_________
[ () ] (٣) (فتح الباري) : ٥/ ٣٨٠، كتاب الصلح، باب (٦) كيف يكتب «هذا ما صالح فلان بن فلان فلان ابن فلان» وإن لم ينسبه إلى قبيلته أو نسبه، حديث رقم (٢٦٩٩) .
قال الحافظ: وقد تمسك بظاهر هذه الرواية أبو الوليد الباجي، فادعى أن النبي ﷺ كتب بيده بعد أن لم يكن يحسن يكتب، فشنع عليه علماء الأندلس في زمانه، ورموه بالزندقة، وأن الّذي قاله يخالف القرآن، حتى قال قائلهم:
برئت ممن شرى دنيا بآخرة ... وقال إن رسول اللَّه قد كتبا
فجمعهم الأمير فاستظهر الباجي عليهم بما لديه من المعرفة وقال للأمير: هذا لا ينافي القرآن، بل يؤخذ من مفهوم القرآن، لأنه قيد النفي بما قبل ورود القرآن، فقال: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ وبعد أن تحققت أمنيته، وتقررت بذلك معجزته، وأمن الارتياب في ذلك، لا مانع من أن يعرف الكتابة بعد ذلك من غير تعليم فتكون معجزة أخرى.
وذكر ابن دحية أن جماعة من العلماء وافقوا الباجي في ذلك، منهم شيخه أبو ذر الهرويّ، وأبو الفتوح النيسابوريّ، وآخرون من علماء إفريقية وغيرها، واحتج بعضهم لذلك بما أخرجه ابن أبي شيبة، وعمر بن شبة، من طريق مجاهد عن عون بن عبد اللَّه قال: «ما مات رسول اللَّه حتى كتب وقرأ» قال مجاهد: فذكرته للشعبيّ فقال: صدق، قد سمعت من يذكر ذلك.
ومن طريق يونس بن ميسرة على أبي كبشة السلوليّ، عن سهل بن الحنظلية» أن النبي ﷺ أمر معاوية أن يكتب للأقرع وعيينة، فقال عيينة: أتراني أذهب بصحيفة المتلمس؟ فأخذ رسول اللَّه ﷺ الصحيفة فنظر فيها فقال: قد كتب لك بما أمر لك» . قال يونس: فنرى أن رسول اللَّه ﷺ كتب بعد ما أنزل إليه.
قال عياض: وردت آثار تدل على معرفة حروف الخط وحسن تصويرها،
كقوله لكاتبه:
«ضع القلم على أذنك فإنه أذكر لك» ،
وقوله لمعاوية: «ألق الدواة وحرف القلم، وأقم الباء، وفرق السين ولا تعور الميم» ،
وقوله: «لا تمد بسم اللَّه» .
قال: وهذا وإن لم يثبت أنه ﷺ كتب، فلا يبعد أن يرزق علم وضع الكتابة، فإنه أوتى من كل شيء.
وأجاب الجمهور بضعف هذه الأحاديث. وعن قصة الحديبيّة بأن القصة واحدة، والكاتب فيها عليّ، وقد صرح في حديث المسور بأن عليا هو الّذي كتب، فيحمل على أن النكتة في
стр. 4882
البراء، قال: اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة، فأبي أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام، فلما كتبوا الكتاب كتبوا: هذا ما قاضى عليه محمد رسول اللَّه، فقالوا: لا نقرّبها، فلو نعلم أنك رسول اللَّه ما منعناك، لكن أنت محمد بن عبد اللَّه، فقال: أنا رسول اللَّه، وأنا محمد بن عبد اللَّه، ثم قال لعليّ بن أبي طالب: امح رسول اللَّه، قال: لا واللَّه لا أمحوك أبدا، فأخذ رسول اللَّه ﷺ الكتاب
- وليس بحسن يكتب- فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد اللَّه. وذكر الحديث.
ووقع في (أطراف أبي مسعود الدمشقيّ) أنه ﷺ أخذ الكتاب وليس يحسن أن يكتب،
فكتب: مكان «رسول اللَّه» : «محمدا» وكتب: «هذا ما قاضى عليه محمد» .
وأخرجه الإسماعيلي، وقال ابن دحية في كتاب (التنوير) بعد أن عزاها إلى أبي مسعود: هي زيادة متلوّة ليست في (الصحيحين) ، وغفل- ﵀ عن وقوعها في (صحيح البخاريّ) ، كما بيّنا، وليس في هذه الزيادة
стр. 4883
دليل، فقد تقرر في موضعه أن المقيد يقضي على المطلق،
ففي الرواية الأخرى: فأمر عليا فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد اللَّه، وله طرق عديدة في (الصحيحين) وغيرهما.
قال ابن دحية: وذكر عمر بن شبة في كتاب (الكتاب) له، أنه ﷺ كتب يوم الحديبيّة بيده، ونحى في قوله إلى أنه قصر الكتاب عالما به في ذلك الوقت، ولم يعلمه قبله، وإن ذلك من معجزاته ﷺ ، أن تعلم الكتاب في وقته، لأن ذلك خرق للعادة.
وقال بهذا القول بعض المحدثين، منهم أبو ذرّ الهروي، وأبو الفتح النيسابورىّ، والقاضي أبو الوليد الباجي، وصنف في ذلك كتابا، وقيل: إنه ﷺ كتب ذلك اليوم غير عالم بالكتابة، ولا مميز لحروفها، لكنه أخذ العلم بيده، فخط به ما لم يميزه هو فإذا هو كتاب ظاهر بين على حسب المراد.
قال: وذهب إلى ذلك القاضي أبو جعفر السمنانيّ الأصوليّ، قال الباجي:
كان من أوكد معجزاته ﷺ أن يكتب من غير تعلم، قال ابن دحية: وهذا كله ليس بشيء، وقد ردّ على الباجي فيما ذهب إليه من ذلك ابن معوذ، وسمّع عليه بسبب المقالة، وتبعه كثير من فقهاء الأندلس وغيرهم بموافقته، منهم.
محمد بن إبراهيم الكناني، وأجاد فيما كتب، وبين أن ذلك لا يبطل المعجزة، واستأنس بمفهوم وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ وحكى في أثناء ذلك عن بعض أهل الأدب أنه زعم أن النبي ﷺ كان يحسن الشعر ولكنه كان لا يتعاطاه، قال: وإن ذلك أتم وأكمل مما لو قلنا إنه كان لا يحسنه.
وحكى البغوي في (التهذيب) الخلاف، فقال: وقيل: كان يحسن الخط ولا يكتب، ويحسن الشعر ولا يقوله، والأصح أنه كان لا يحسنهما، ولكن كان يميز بين جيد الشعر ورديئة.
وقال القضاعي في (عيون المعارف) : أن من خصائصه ﷺ أنه لم يكن له أن يقول شعرا، ولا أن ينقله، وألحق الماوردي بقول الشعر روايته وبالكتابة والقراءة أي في كتاب لقوله- تعالى-: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ قال موسعة والصواب أن اللَّه- تعالى- إنما سأل نبيه ﷺ ما فضّل به ملائكته
стр. 4884
مع إعلاء ذكره وما خصّه به من بين أنبيائه إلا لما هو أفضل منه وأقوم بحجته على الكافرين به، وهو أنه ﷺ بعث في زمن الفصاحة والبلاغة، فلو كان ممن يقرأ ويكتب لتوجه للطاعن الطعن مع أنه مع شدة فصاحة أهل بيته وتميزهم فيها على فصاحة قريش كلها وإتقان المعرفة بالكتابة والخط أن يأتي بما أتى به من القرآن فيتبع لقريش الحجة بذلك، وحاش له معرفة الكتابة ليكون له ذلك معجزا يبطل به دعواهم، ويحصن، حجتهم ويكذب أقوالهم، إذ كان قد أتى العرب من رجل أي ما أنجزه، ومنعهم عن الإتيان بمثله.
стр. 4885
السادسة: كان يحرم عليه ﷺ إذا لبس لأمته أن ينزعها حتى يلقى العدو
ويقاتله لحديث يوم أحد
لما أشار عليه ﷺ جماعة من المؤمنين بالخروج إلى عدوه إلى أحد فدخل فلبس لأمته فلما خرج عليهم قالوا: يا رسول اللَّه إن أبيت أن ترجع فقال: ما ينبغي لنبيّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل
هكذا في رواية يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن شهاب وغيره، وفي رواية موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ما ينبغي لنبي إذا أخذ لأمة الحرب وأذن بالخروج إلى العدو أن يرجع حتى يقاتل.
وقال الواقدي [ (١) ] في روايته: عن الزهريّ عن عروة، عن المستورد بن مخرمة: فقال رسول اللَّه ﷺ : قد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم، ولا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم اللَّه بينه وبين أعدائه، [وكانت الأنبياء قبله إذا لبس النبي لأمته لم يضعها حتى يحكم اللَّه بينه وبين أعدائه] [ (٢) ] .
وفي سنن البيهقيّ مرسلا [ (٣) ] : لا ينبغي لنبي إذا أخذ لأمة الحرب وأذن في الناس بالخروج إلى العدوّ أن يرجع حتى يقاتل، ثم قال: وقد كتبناه موصولا
стр. 4886
بإسناد حسن، فذكره من رواية ابن عباس وأخرجه الإمام أحمد [ (١) ] من حديث أبي الزبير عن جابر.
وذكره البخاريّ في (صحيحه) [ (٢) ] في باب المشاورة بغير إسناد. وقوله في الحديث: لأمته هو بالمحركة قيده صاحب (المشارق) ، وقال أبو الخطاب ابن دحية في كتاب (نهاية السؤول في خصائص الرسول ﷺ كذا سمعته.
قال ابن فارس في (المحل) اللأمة مهمون الزرع قال: كذا قيدتها بالتمييز في كتاب (فقه اللغة) إلا أنه جعلها الزرع التام وكذا قيده في (كفاية المتحفظ) وقال ابن سيدة في مادة لأم: أو اللأمة الزرع وجمعها لأم وهذا على غير قياس وإسلام لأمته وتلاءم منها لبسها وجاء ملاء ما عليه لأمة والأمة سلاح كلها، عن بن الأعرابيّ وقد استلأم بها، وقد اختلف في هذه المسألة فاشتهر الجمهور بأنه كان يحرم عليه ﷺ التسرع حتى يقاتل ويمكن تقرير دليله بأن نزع اللأمة بعد لبسها يشعر بالجبن وهو من ضعف النفس وذلك ممتنع على الأنبياء غير جائز عليهم، وعن رواية الشيخ أبي على: إن ذلك كان مكروها لا محرما، وقال الإمام: وهذا بعيد غير موثوق به قال: وقد قيل بناء عليه:
إنه كان لا يبتدي تطوعا إلا لزمه إتمامه، فإذا كان ذلك في القتال الّذي هو
стр. 4887
فرض وهذا التفريع ضعيف لما قام من أكله ﷺ الحيس بعد ما أصبح صائما وقد ضعف هذا التفريع النووي- ﵀.
السابعة: كان يحرم عليه ﷺ خائنة الأعين أي لم يكن له أن يومئ بطرفه خلاف ما يظهره بكلامه
وقد اختلف في المراد بخائنة الأعين فقيل: نفى الإيماء بالعين وقيل:
مقاربة النظر. وقال الرافعي: هي الإيماء إلى مباح من ضرب أو قتل وغيره على خلاف ما يظهره وما يشعر به الحال [ (١) ] دائما، قيل لها: خائنة الأعين، تشبهها بالخيانة من حيث أنه يخفى خلاف ما يظهر، ولا يحرم ذلك على غير الرسول ﷺ .
خرّج النسائي [ (٢) ] من حديث أسباط بن نصر قال: زعم السدي، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: لما كان يوم فتح مكة أمن رسول اللَّه ﷺ الناس، إلا أربعة نفر وامرأتين وقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة، عكرمة بن أبي جهل، وعبد اللَّه بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد اللَّه بن سعد بن أبي السرح،
فأما عبد اللَّه بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة، فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر، فسبق سعيد عمارا وكان أشبه الرجلين فقتله، وأما مقيس بن صبابة فأدركه الناس في السوق فقتلوه، وأما عكرمة فركب البحر فأصابتهم ريح عاصف، فقال أصحاب السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئا هاهنا، فقال عكرمة: واللَّه لئن لم ينجني من البحر إلا الإخلاص لا ينجيني في البر غيره، اللَّهمّ إن لك علي عهدا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتى محمدا حتى أضع يدي في يده فلأجدنه
стр. 4888
عفوّا كريما، فجاء فأسلم،
وأما عبد اللَّه بن سعد بن أبي السرح فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان- رضي اللَّه ﵎ عنه- فلما دعا رسول اللَّه ﷺ الناس إلى البيعة جاء حتى أوقفه على النبي ﷺ قال: يا رسول اللَّه بايع عبد اللَّه، قال: فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه فقال: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله، فقالوا: وما يدرينا يا رسول اللَّه ما في نفسك؟ هل أومأت إلينا بعينك، قال: إنه لا ينبغي لنبيّ أن تكون له خائنة أعين.
وخرّجه أبو داود [ (١) ] بهذا الإسناد يوم كان فتح مكة: اختبأ عبد اللَّه بن سعد ابن أبي السرح عند عثمان بن عفان- رضي اللَّه ﵎ عنه- فجاء به حتى أوقفه على النبي ﷺ فقال يا رسول اللَّه بايع عبد اللَّه، الحديث ... إلى آخره ولم يذكر أوله، ذكره في الحدود.
أخرجه الحاكم [ (٢) ] وقال حديث صحيح على شرط مسلم، وروى بن سعد [ (٣) ] من طريق سعيد بن المسيب، قال: أمر النبي ﷺ بقتل ابن أبي السرح ومقيس بن صبابة والحويرث بن نقيذ وعبد اللَّه [بن هلال] بن خطل، فأما ابن خطل [الأدرمي] وهو متعلق بأستار الكعبة فبقر بطنه وكان رجل من الأنصار نذر إن رأى ابن أبي السرح أن يقتله، فجاء عثمان- وكان أخا لابن أبي السرح من الرضاعة- فشفع له النبي ﷺ وقد أخذ الأنصاريّ يقلم السيف ينتظر النبي ﷺ متى ينوي إليه أن يقتله فشفع له عثمان- رضي اللَّه ﵎ عنه- حتى تركه، ثم قال رسول اللَّه ﷺ للأنصاريّ قد انتظرتك أن توفي بنذرك، قال: يا رسول اللَّه هبتك، أفلا أومأت إليّ؟ قال: إنه ليس لنبي أن يومئ. رواه
стр. 4889
البيهقيّ في دلائل النبوة [ (١) ] من طريق قتادة، عن أنس نحوه في قصة ابن أبي السرح، قد حكى سبط بن الجوزي في (مرآة الزمان) أن هذا الأنصاريّ عباد بن بشر، واستدل صاحب (التلخيص) بهذا على أنه ﷺ لم يكن له أن يجزع في الحرب.
قال الرافعي: احتج بما خرّجه البخاريّ من حديث الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب أخبرني عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب، عن ابن مالك أن عبد اللَّه بن كعب قال: سمعت كعب بن مالك حين تخلف عن رسول اللَّه ﷺ ولم يكن يريد رسول اللَّه غزوة إلا ورّى بغيرها، ومن طريق عبد اللَّه بن المبارك، عن الزهريّ قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك قال: سمعت كعب بن مالك يقول كان رسول اللَّه ﷺ قل ما يريد غزوة إلا ورّى بغيرها حتى كانت غزوة تبوك فغزاها رسول اللَّه ﷺ في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا واستقبل غزو عدو كبير فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهّبوا أهبة عدوهم، وأخبرهم بوجهه الّذي يريد.
وعن يونس، عن الزهريّ، أخبرني عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن كعب بن مالك كان يقول: لقل ما كان رسول اللَّه ﷺ يخرج إذا خرج في سفر إلا يوم الخميس. هكذا وقع هذا الحديث في صحيح البخاريّ [ (٢) ] ، عن يونس،
стр. 4890
عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك قال سمعت كعب بن مالك يقول، وإن كعب بن مالك كان يقول، والحديث منقطع لأنه لم يسمع عبد الرحمن بن عبد اللَّه من عمه عبيد اللَّه عن ابنهما كعب بن المبارك وعدد ذلك من أوهام عبد اللَّه بن المبارك، لأن ابن سعد وعبد اللَّه بن وهب.
روياه عن يونس، عن الزهريّ، عن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جده كعب بن مالك، ورواه الليث عن عقيل عن الزهريّ بهذا الإسناد أيضا متصلا، وروى مسلم قوله: وكان رسول اللَّه ﷺ قل ما يريد غزوة إلا ورّى [بغيرها] [ (١) ] ، من حديث الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، ومن حديث محمد ابن عبد اللَّه ابن أخى بن شهاب، عن عمه، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك وهو حديث طويل وله طرق عديدة.
واحتجوا أيضا بما
خرّجه البخاريّ ومسلم وغيرهما من حديث معمر، عن همام عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : الحرب خدعة [ (٢) ] .
стр. 4891
وبما
خرّجاه من حديث سفيان بن عيينة عن عمرو سمع جابر بن عبد اللَّه قال: قال النبي ﷺ : الحرب خدعة،
وبما
خرّجه أبو بكر بن أبي شيبة [ (١) ] من حديث زكريا عن أبي إسحاق، عن سعد بن ذي حدان، عن عليّ قال: إن اللَّه سمّي على لسان نبيه إن الحرب خدعة.
واحتجوا بما فعله ﷺ يوم الأحزاب من أمره نعيم بن مسعود أن يوقع بين قريش وقريظة وفعل ما فعل، حتى فرق اللَّه شملهم على يديه، وألقى بينهم العداوة، وقلل اللَّه جمعهم بذلك وبغيره، وسيرد خبر نعيم في ذكر رسله ﵈، والفرق بين الرّنو بالعين والخداع بالحرب: أن الرّنو يزرى بالرامز بخلاف الإبهام في الأمور العظام فإنه يدل على الحزم واللَّه أعلم.
стр. 4892
الثامنة: اختلف أصحابنا هل كان يحرم عليه ﷺ أن يصلي على من عليه دين؟ على وجهين، وفي جوازه مع وجود الضامن على طريقتين
حكاهما أبو العباس في (الجرجانيات) ، يثاب على ما حكاه الرافعي عنه، قال النووي في (الروضة) [ (١) ] بعد أن حكى الخلاف في الثانية وجهين على خلاف الرافعي، من كونه طريقتين: والصواب الجزم بجوازه مع الضامن نسخ التحريم، فكان ﷺ بعد ذلك يصلي على من عليه دين ولا ضامن له ويوفيه من عنده والأحاديث الصحيحة [مصرحة بما ذكرته] ، ففي الباب حديث أبي سلمى، عن أبي هريرة في (الصحيحين) ، وعن سلمة بن الأكوع، في البخاريّ، وعن أبي قتادة في الترمذيّ، وعن جابر عند أبي داود، وعن أبي سعيد، عند البيهقيّ، وعن ابن عمر، عند الطبراني، قال في (الأوسط) : عن أبي أمامة وأسماء بنت يزيد وعنده في (الكبير) ، وعن ابن عياش في (الناسخ) للبخاريّ.
وفي حديث سلمة يعني الضامن أنه قتادة- رضي اللَّه ﵎ عنه- وفي حديث أبي سعيد أن الضامن عليّ فتكون القصة تكررت وكل ذلك لا يدل على التحريم فقيل في امتناعة ﷺ : أنه تأديب للأحياء لئلا يأكلوا أموال
стр. 4893
الناس وقيل: هي عقوبة في أمور الدين أصلها المال، وحديث سلمة عند البخاريّ مصرح بمسألة الصلاة إذا وجد الضامن.
التاسعة: كان يحرم عليه ﷺ أن يستكثر ومعناها: أن يعطي شيئا ليأخذ أكثر منه
وقد اختلف في تأويل ذلك، فعن ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: لا يعطي عطية يلتمس بها أفضل منها. وقال أرطاة عن ضمرة بن حبيب وأبي الأحوص: لا يعطي شيئا له معطي أكثر منه. وقال أبو دجانة عن عكرمة: لا يعطي شيئا لأن يعطى أكثر منه، وعنه أيضا قال: لا تعطي العطية لتريد أن تأخذ أكثر منها، وقال منصور عن إبراهيم: لا تعطي فيما يزداد، وقال مغيرة عن إبراهيم: لا تعطي شيئا تأخذ أكثر منه، وفي رواية عنه: لا تعطي شيئا ليزداد، وفي رواية: لا تعط أكثر منه، وقال سلمة عن الضحاك: لا تعطى وتعطي أكثر منه، وقال وكيع عن أبي داود عن الضحاك قال: هو الربا الحلال، قال: للنّبيّ ﷺ خاصة.
وفي رواية: هما ربا، إن حلال أو حرام، وقلنا: الحلال فالهدايا، وأما الحرام فالربا، وقال سعيد عن قتادة: قال: لا تعط شيئا لشيء أكثر منه، وقاله أيضا طاووس، قال: ونقل عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: لا تعط مالا مصانعة رجاء أفضل من الثواب في الدنيا. وقال سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال: لا تعط لتزداد، قال سفيان عن رجل عن الضحاك بن مزاحم:
وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [ (١) ] قال: للنّبيّ ﷺ خاصة، وللناس عامة موسع عليهم.
стр. 4894
قال سفيان بن حسين، عن الحسن قال: لا تمنن عملك تستكثره على ربك
وفي رواية لا تمنن تستكثر عملك الصالح،
وعن الربيع بن أنس قال لا تكثرن عملك في عينك فإنه فيما أنعم اللَّه عليك وأعطاك قليل، وقال حصبة عن مجاهد: لا تضعف أن تستكثر من الخير، قال: لا تمنن في كلام العرب تضعف من قولهم حبل متين إذا كان ضعيفا، وقال ابن وهب عن أبي زيد قال:
لا تمنن بالنّبوّة والقرآن الّذي أرسلناك به تستكثرهم به لتأخذ عليه عرضا من الدنيا. واختار أبو جعفر محمد بن جرير الطبري من هذه الأقوال: ولا تمنن على ربك من أن تستكثر عملك الصالح لأنه في سياق آيات فيه أمره- تعالى- ﵇ للجد في الدعاء إليه والصبر على ما يلقاه من الأذى في فكانت أشبه بذلك من غيرها، واختار القرطبي: لا تعط لتأخذ أكثر مما أعطيت من المال.
وقال: يقال: مننت فلانا كذا أي أعطيته، ويقال: العطية المن، فكأنه أمر بأن يكون عطاياه ﷺ للَّه- لا لارتقاب ثواب من الخلق عليها
لأن النبي ﷺ ما كان يجمع الدنيا، ولهذا قال: ما لي مما أفاء اللَّه عليكم إلا هذا الخمس، والخمس مردود فيكم كان ما يفضل من نفقة عياله مصروفا إلى مصالح المسلمين،
ولهذا لم يورث لأنه كان لا يدخر، ولا يقتني، وقد عصمه اللَّه- تعالى- عن الرغبة في شيء من الدنيا، ولهذا حرمت عليه الصدقة، وأبيحت له الهدية، فكان يتقبلها ويثيب عليها،
وقال: لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو دعيت إلى كراع لقبلت،
قال ابن العربيّ: وكان ﷺ يقبلها سنّة، ولا يستكثرها شريعة، وإذا كان لا يعطي عطية يستكثر بها فالأغنياء أولى بالاجتناب، لأنها باب من أبواب المذلة، وذكر قول من قال: معناه لا تعط عطية تنتظر ثوابها فإن الانتظار يعلق الأطماع، وذلك في حيرة بحكم الامتناع وقد قال اللَّه- تعالى-: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ
стр. 4895
زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى [ (١) ] وذلك جائز لسائر الخلق، لأنه متاع الدنيا، وطلب الكسب، والتكاثر بها [ (٢) ] .
قال القرطبي: وأما من قال: أنه أراد به العمل، أي لا تمنن على اللَّه بعملك فتستكثر فهو صحيح، فإن ابن آدم لو أطاع اللَّه عمره من غير معصية لم يبلغ نعم اللَّه بعد شكرها.
خرّج البيهقي [ (٣) ] من طريق زكريا بن عدي حدثنا ابن المبارك، عن الأوزاعيّ، عن عطاء، وقال زكريا: أراه عن ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنه- في قوله تعالى: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ [ (٤) ] قال: هو الربا الحلال أن يهدي يريد أكثر منه فلا أجر فيه ولا وزر، ونهي عنه النبي ﷺ خاصة، وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ.
стр. 4896
العاشرة: أمره اللَّه- تعالى- أن يختار الآخرة عن الأولى
فكان يحرم عليه ﷺ أن يمد عينيه إلى ما متع به المترفون من إقبال الدنيا قال تعالى: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى [ (١) ] .
стр. 4897
القسم الثاني: المحرمات المتعلقة بالنكاح
وفيه مسائل:
الأولى: إمساك من كرهت نكاحه ورغبت عنه محرم عليه على الصحيح
بخلاف غيره من يخير امرأته فإنّها لو اختارت فراقه لما وجب عليه فراقا، وقال بعضهم: بل كان يفارقها تكرما. [وهو] [ (١) ] حديث غريب كما قاله الرافعي [ (٢) ] .
واستند من قال بالتحريم بما
خرّجه البخاريّ من طريق الأوزاعي [ (٣) ] ، سألت الزهريّ: أي أزواج النبي ﷺ استعاذت منه؟ قال: أخبرني عروة عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- أن ابنة الجون لما أدخلت على النبي ﷺ ودنا منها، قالت: أعوذ باللَّه منك، فقال لها: لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك.
وخرّج أيضا من طريق حمزة بن أبي أسيد [ (٤) ] ، عن أبي أسيد [- رضي اللَّه ﵎ عنه-] [ (٥) ] قال: خرجنا مع النبي ﷺ حتى انطلقنا إلى حائط يقال له الشوط حتى انتهينا إلى حائطين جلسنا بينهما، فقال النبي ﷺ : اجلسوا ها هنا ودخل، وقد أتى بالجونية فأنزلت في بيت في نخل في بيت أميمة بنت
стр. 4898
النعمان بن شراحبيل ومعها دايتها حاضنة لها فلما دخل عليها النبي ﷺ قال:
هبي نفسك لي قالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة؟ قال: فأهوى بيده يضع يده عليها لتسكن فقالت: أعوذ باللَّه منك قال: قد عذت بمعاذ ثم خرج علينا فقال: يا أبا أسيد، اكسها رازقين وألحقها بأهلها.
وقال الحسين بن الوليد النيسابورىّ: عن عبد الرحمن، عن عباس، عن سهل عن أبيه وأبي أسيد قالا: تزوج النبي ﷺ أميمة بنت شراحيل فلما أدخلت عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقين.
ترجم عليه البخاريّ باب [باب من طلق] [ (١) ] ، هل يواجه الرجل امرأته بالطلاق؟.
стр. 4899
_________
[ () ] وقد ذكر ابن سعد بسند فيه العزرميّ الضعيف، عن ابن عمر، قال: «كان في نساء النبي ﷺ سنا بنت سفيان بن عوف بن كعب بن أبي بكر بن كلاب، قال: وكان النبي ﷺ بعث أبا سعيد الساعديّ يخطب عليه امرأة من بني عامر يقال لها: عمرة بنت يزيد بن عبيد بن رؤاس بن كلاب بن ربيعة بن عامر، قال ابن سعد: اختلف علينا اسم الكلابية فقيل: فاطمة بنت الضحاك بن سفيان، وقيل: عمرة بنت يزيد بن عبيد، وقيل: سنا بنت سفيان بن عوف، وقيل: العالية بنت ظبيان بن عمرو بن عوف» .
«فقال بعضهم: هي واحدة اختلف في اسمها، وقال بعضهم: بل كن جميعا، ولكن لكل واحدة منهن قصة غير قصة صاحبتها» ، ثم ترجم الجونية فقال: أسماء بنت النعمان.
ثم
أخرج من طريق عبد الواحد بن أبي عون قال: «قدم النعمان بن أبي الجون الكندي على رسول اللَّه ﷺ مسلما، فقال: يا رسول اللَّه، ألا أزوجك أجمل أيم في العرب، كانت تحت ابن عم لها فتوفى، وقد رغبت فيك؟ قال: نعم، قال: فابعث من يحملها إليك، فبعث معه أبا أسيد الساعديّ،
قال أبو أسيد: فأقمت ثلاثة أيام ثم تحملت معي في محفة، فأقبلت بها حتى قدمت المدينة، فأنزلتها في بني ساعدة، ووجهت إلى رسول اللَّه ﷺ وهو في بني عمرو بن عوف فأخبرته «الحديث. قال ابن عون: وكان ذلك في ربيع الأول سنة تسع، ثم أخرج من طريق أخرى عن عمر بن الحكم، عن أبي أسيد، قال: «بعثني رسول اللَّه ﷺ إلى الجونية فحملتها حتى نزلت بها في أطم بني ساعدة، ثم جئت رسول اللَّه ﷺ فأخبرته، فخرج يمشي على رجليه حتى جاءها «الحديث» .
ومن طريق سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، قال: اسم الجونية أسماء بنت النعمان بن أبي الجون، قيل لها: استعيذي منه فإنه أحظى لك عنده، وخدعت لما رئي من جمالها، وذكر لرسول اللَّه ﷺ من حملها على ما قالت،
فقال ﷺ : «إنهن صواحب يوسف وكيدهن» .
فهذه تتنزل قصتها على حديث أبي حازم عن سهل بن سعد.
وأما القصة التي في حديث الباب من رواية عائشة، فيمكن أن تنزل على هذه أيضا، فإنه ليس فيها إلا الاستعاذة، والقصة التي في حديث أبي أسيد فيها أشياء مغايرة لهذه القصة، فيقوى التعدد، ويقوى أن التي في حديث أبي أسيد اسمها أميمة، والتي في حديث سهل اسمها أسماء، بل جاء ليخطبها فقط.
стр. 4900
_________
[ () ] قوله: «فأهوى بيده» أي أمالها إليها. ووقع في رواية ابن سعد: «فأهوى إليها ليقبلها، وكان إذا اختلى النساء أقعى وقبّل» وفي رواية لابن سعد: «فدخل عليها داخل من النساء وكانت من أجمل النساء فقالت: إنك من الملوك، فإن كنت تريدين أن تحظي عند رسول اللَّه ﷺ فإذا جاءك فاستعيذي منه» ، ووقع عنده عن هشام بن محمد عن عبد الرحمن بن الغسيل بإسناد حديث الباب: «أن عائشة وحفصة دخلتا عليها أول ما قدمت فمشطتاها وخضبتاها، وقالت لها إحداهما: إن النبي ﷺ يعجبه من المرأة إذا دخل عليها أن تقول: أعوذ باللَّه منك» .
قوله ﷺ : «قد عذت بمعاذ»
هو بفتح الميم ما يستعاذ به، أو اسم مكان العوذ، والتنوين فيه للتعظيم. وفي رواية ابن سعد: «فقال بمكة على وجهه
وقال: عذت معاذا ثلاث مرات
»
وفي أخرى له: «فقال: أمن عائذ اللَّه» .
قوله ﷺ : «يا أبا أسيد اكسها رازقين»
براء ثم زاي ثم قاف بالتثنية صفة موصوف محذوف للعلم به. والرازقية ثياب من كتان بيض طوال. قاله أبو عبيدة وقال غيره: يكون في داخل بياضها زرقه، والرازقي الصفيق. قال ابن التين: متعها بذلك إما وجوبا وإما تفضلا.
قوله ﷺ : «وألحقها بأهلها»
قال ابن بطال: ليس في هذا أنه ﷺ واجهها بالطلاق، وتعقبه ابن المنير بأن ذلك ثبت في حديث عائشة [أول أحاديث الباب] ، فيحمل على أنه ﷺ قال لها:
الحقي بأهلك،
ثم
لما خرج إلى أبي أسيد قال له: ألحقها بأهلها،
فلا منافاة، فالأول قصد بالطلاق، والثاني أراد به حقيقة اللفظ، وهو أن يعيدها إلى أهلها، لأن أبا أسيد هو الّذي كان أحضرها كما ذكرناه.
ووقع في رواية لابن سعد، عن أبي أسيد قال: «فأمرني فرددتها إلى قومها» وفي أخرى له: «فلما وصلت بها تصايحوا وقالوا: إنك لغير مباركة، فما دهاك؟ قالت: خدعت. قال:
فتوفيت في خلافة عثمان» . قال: «وحدثني هشام بن محمد عن أبي خيثمة زهير بن معاوية أنها ماتت كمدا «ثم روى بسند فيه الكلبيّ» أن المهاجر بن أبي أمية تزوجها، فأراد عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه- معاقبتها، فقالت: ما ضرب عليّ الحجاب، ولا سميت أم المؤمنين. فكفّ عنها» .
وعن الواقديّ: سمعت من يقول: إن عكرمة بن أبي جهل خلف عليها، قال: وليس ذلك بثبت. ولعل ابن بطال أراد أنه لم يواجهها بلفظ الطلاق. وقد أخرج ابن سعد من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن الوليد بن عبد الملك إليه يسأله، فكتب إليه: ما تزوج النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم
стр. 4901
وخرّج البخاريّ في كتاب الأشربة في باب الشرب من قدح النبي ﷺ وآنيته، من حديث أبي حازم عن سهل بن سعد قال: ذكر لرسول اللَّه ﷺ امرأة من العرب فأمر أبا أسيد أن يرسل إليها، فأرسل إليها فقدمت، فأنزلت في أجم بني ساعدة فخرج رسول اللَّه ﷺ حتى جاءها فدخل عليها فإذا امرأة منكسة رأسها فلما كلمها رسول اللَّه ﷺ قالت: أعوذ باللَّه منك، فقال: قد أعذتك مني،
فقالوا لها: أتدرين من هذا؟ فقالت: لا فقالوا: هذا رسول اللَّه ﷺ جاءك ليخطبك فقالت: كنت أنا أشقى من ذلك. قال سهيل: فأقبل رسول اللَّه ﷺ يومئذ حتى جلس في سقيفة بني ساعدة هو وأصحابه، ثم قال: اسقنا يا سهل، فأخرجت لهم هذا القدح فأسقيتهم فيه، قال أبو حازم: فأخرج لنا سهل ذلك القدح فشربنا فيه [ (١) ] ، قال: ثم استوهبه بعد ذلك عمر بن عبد العزيز فوهبه له [ (٢) ] .
وخرّجه مسلم وهذه سياقته [ (٣) ] .
стр. 4902
وقال البخاريّ: اسقنا يا سهل، وقد قيل: إنّ بين القصتين تغاير فلعلهما قضيتان لامرأتين إحداهما مخطوبة، والأخرى نزولها معقود عليها، وفيه بعد، وفي رواية لابن سعد: علمها نساؤه ذلك وإسناده ضعيف.
وذكره الحاكم في المستدرك [ (١) ] وسيأتي في ذكر أزواج النبي ﷺ مزيد بيان لذلك، وفيها مما ذكرنا أنه حرم عليه ﷺ نكاح كل امرأة كرهت صحبته، وجدير أن يكون الأمر كذلك لما فيه من الإيذاء، ويشهد لذلك إيجاب التخيير كما تقدم، وينبغي أن يفرق بالكراهة فإن كانت كراهة المرأة لذاته ﷺ فإنّها تكفر بذلك، وإن كانت كراهتها لأجل الغيرة فلا.
وقد قال بعضهم: ينبغي أن ينظر في التاريخ، وعلى تقدير أن تكون قصة المستعيذة بعد آية التخيير. ففي سبب نزول آية التخيير أقوال منها: تغاير نسائه عليه. يقول: لم يكرهن صحبته وإنما رغبتهن فيه أوجبت تغايرهن عليه،
стр. 4903
وحصل بذلك ضيق، فأنزل اللَّه- تعالى- الآية، فعلى هذا ونحوه لا تحريم، وهذا قويّ ودليل التحريم غير منهض قائله.
الثانية: نكاح الحرة الكتابية حرام عليه
قال إمام الحرمين: وقد اختلف في تحريم الحرة الكافرة عليه، قال ابن العربيّ [ (١) ] : والصحيح عندي تحريمها عليه، وبهذا يتميز علينا فإنه ما كان من جانب الفضائل والكرامة فحظه فيه أكثر، وما كان من جانب النقائص فجانبه عنها أظهر فجوز لنا نكاح الحرائر الكتابيات وقصر هو ﷺ لجلالته على المؤمنات، وإذا كان لا يحل له من لم تهاجر لنقصان فضل الهجرة، فأحرى ألا تحل له الكتابية الكافرة لنقصان الكفر. انتهى [ (٢) ] .
وخرّج الحاكم [ (٣) ] من حديث عبد اللَّه بن أبي أوفى- رضي اللَّه ﵎ عنه- أن النبي ﷺ قال: سألت ربي- أن لا أزوج أحدا من أمتي ولا أتزوج إلا كان معي في الجنة فأعطاني،
قال الحاكم صحيح الإسناد [ولم يخرجاه] .
стр. 4904
خرّج البيهقيّ [ (١) ] من حديث حذيفة- رضي اللَّه ﵎ عنه- أنه قال لامرأته: أن سرّك أن تكوني زوجتي في الجنة فلا تزوجي بعدي فإن المرأة في الجنة لآخر أزواجها في الدنيا، فلذلك حرم على أزواج النبي ﷺ أن ينكحن بعده لأنهن أزواجه في الجنة.
وإذا تقرر ذلك، فالجنة محرمة على الكافرين ولأن الكافرة تكره صحبة النبي ﷺ ، ولأنه أشرف من أن يضع ماءه في رحم كافرة، قال القاضي حسين:
لا يجوز له أن ينزع ماؤه في رحمها، خالفه أبو إسحاق من أصحابنا فقال: لا يحرم عليه نكاحها كما في موالاته وحكمه ﷺ في النكاح إن سعى من حكم أمته وهي حلال لهم وله أولى وهذا القائل يقول: لو نكح كتابية لهديت إلى الإسلام كرامة له، وفي (الحاوي) للماورديّ أنه ﷺ استمتع بأمته ريحانة بنت عمر بملك اليمين وكانت يهودية من بني قريظة بعد أن عرض عليها الإسلام فأبت ثم أسلمت بعد ذلك، وهذا دليل القائل على الأمة الكتابية كما سيأتي إن شاء اللَّه- تعالى-.
قال مؤلفه فيما نقله الماورديّ نظر،
فقد نقل الواقدي [ (٢) ] أنّ رسول اللَّه ﷺ لما أخذها من سبي بني قريظة لنفسه صفية عرض عليها الإسلام فأبت فعزلها
стр. 4905
حتى أسلمت، فسر بذلك ثم قال: فحدثني عبد الملك بن سليمان، عن أيوب بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أيوب بن بشير المعاوي، قال: أرسل بها رسول اللَّه ﷺ إلى بيت سلمى بنت قيس أم المنذر، وكانت عندها حتى حاضت حيضة ثم طهرت من حيضتها فجاءت أم المنذر فأخبرت رسول اللَّه ﷺ فجاءها في منزل أم المنذر فقال لها رسول اللَّه ﷺ : إن أحببت إن أعتقك وأتزوجك فعلت، وإن أحببت أن تكوني في ملكي أطؤك بالملك فعلت، فقالت: يا رسول اللَّه إني أخفّ عليك وعليّ أن أكون في ملكك، فكانت في ملك رسول اللَّه ﷺ يطؤها حتى ماتت عنده.
وحدثني بن أبي ذئب قال: سألت الزهريّ عن ريحانة فقال: كانت أمة لرسول اللَّه ﷺ فأعتقها وتزوجها فكانت تحتجب في أهلها وتقول: لا يراني أحد بعد رسول اللَّه ﷺ ، قال الواقدي [ (١) ] : فهذا أثبت الحديثين عندنا.
فتبين أنه ﷺ لم يطأ ريحانة إلا بعد أن أسلمت ويظل الاستدلال على جواز التسري بالأمة الكتابية وقد خرجوا على القول بجواز ذلك هل عليه تخييرها بين أن تسلم فيمسكها أم تقيم على دينها فيفارقها؟ فيه وجهان حكاهما الماورديّ أحدهما: عليه تخييرها لتصبح من أزواجه في الآخرة، والثاني ليس ذلك عليه لأنه لما خير ريحانة وقد عرض عليها الإسلام فأقام على الاستمتاع بها.