← Сира

Сира · id 1524

إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع

المقريزي

Полный текст (6 146 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

خروج أسامة وجيشه فخرج أسامة فدفع لواءه إلى بريدة بن الحصيب، فخرج به إلى بيت أسامة، وعسكر بالجرف، وخرج الناس ولم يبق أحد من المهاجرين الأولين [والأنصار] [ (١) ] إلا انتدب [ (٢) ] في تلك الغزوة، كعمر بن الخطاب [ (٣) ] ، وأبي عبيدة، وسعد بن أبي وقاص، وأبي الأعور سعيد بن زيد بن عمر بن نفيل ﵃، في رجال آخرين، ومن الأنصار عدة مثل، قتادة بن النعمان، وسلمة بن أسلم ابن جريش. طعن رجال من المهاجرين في تأمير أسامة فقال رجال من المهاجرين- وكان أشدّهم في ذلك قولا عياش بن أبي ربيعة-: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأوّلين؟! فكثرت القالة، وسمع عمر ﵁ بعض ذلك فردّه على من تكلم، وأخبر رسول اللَّه ﷺ به فغضب غضبا شديدا! وخرج وقد عصب على رأسه عصابة وعليه قطيفة، ثم صعد المنبر، فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: خطبة رسول اللَّه ﷺ في أمر أسامة ﵁ أما بعد أيها الناس، ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة؟! واللَّه لئن طعنتم في إمارتي أسامة لقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله! وأيم اللَّه. إن كان للإمارة لخليقا وإن ابنه من بعده لخليق للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليّ، وإنهما لمخيلان [ (٤) ] لكل خير، فاستوصوا به خيرا فإنه من خياركم. توديع الغزاة ثم نزل فدخل بيته، وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول. وجاء

стр. 562

المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودّعون رسول اللَّه ﷺ فيهم عمر ﵁. الأمر بإنفاذ بعث أسامة فقال: أنفذوا بعث أسامة. ودخلت أم أيمن ﵂ فقالت يا رسول اللَّه لو تركت أسامة يقيم في معسكره حتى تتماثل، فإن أسامة إن خرج على حاله هذه لم ينتفع بنفسه، فقال أنفذوا بعث أسامة. دخول أسامة على رسول اللَّه ﷺ ودعاؤه له فمضى الناس إلى المعسكر فباتوا ليلة الأحد، ونزل أسامة يوم الأحد- ورسول اللَّه ﷺ ثقيل مغمور [ (١) ] ، وهو اليوم الّذي لدّوه فيه [ (٢) ] ، - فدخل عليه وعيناه تهملان [ (٣) ]- وعنده العباس، والنساء حوله- فطأطأ عليه أسامة فقبله، وهو [ ﷺ ] [ (٤) ] لا يتكلم، إلا أنه يرفع يده إلى السماء ثم يصبّها على أسامة، كأنه يدعو له. فرجع أسامة إلى معسكره. وغدا منه يوم الاثنين، فأصبح رسول اللَّه ﷺ مفيقا، وجاءه أسامة، فقال: أغد على بركة اللَّه، فودعه أسامة ورسول اللَّه ﷺ مفيق. خروج أبي بكر إلى السنح ودخل أبو بكر ﵁ فقال: يا رسول اللَّه، أصبحت مفيقا بحمد اللَّه واليوم يوم ابنة خارجة [ (٥) ] فأذن [لي] [ (٦) ] فأذن له، فذهب إلى السّنح [ (٧) ] . خروج الجيش وركب أسامة إلى معسكره، وصاح في أصحابه: اللحوق بالعسكر، فانتهى إلى

стр. 563

معسكره فنزل، وأمر الناس بالرحيل وقد متع النهار. إبلاغ خبر وفاة رسول اللَّه ﷺ لجيش أسامة فبينا هو يريد أن يركب من الجرف، أتاه رسول أمّه- أم أيمن- يخبره أن رسول اللَّه ﷺ يموت فأقبل إلى المدينة معه عمر وأبو عبيدة بن الجراح ﵄، فانتهوا إلى رسول اللَّه ﷺ وهو يموت: فتوفي ﷺ حين زاغت الشمس يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول. يوم وفاته ﷺ وقال السهيليّ: لا يصلح أن تكون وفاته يوم الاثنين إلا في ثاني الشهر، أو ثالث عشرة، أو رابع عشره، (أو خامس عشره) [ (١) ] . وذكر الكلبي وأبو مخنف أنه توفي في الثاني من ربيع [ (٢) ] . وقد صححه ابن حزم وغيره. وقال الخوارزمي: توفي أول ربيع. رجوع الغزاة إلى المدينة ودخل المسلمون الذين عسكروا بالجرف إلى المدينة، ودخل بريدة ابن الحصيب باللواء فغرزه معقودا عند باب رسول اللَّه ﷺ ، فلما بويع أبو بكر ﵁ أمر بريدة أن يذهب باللواء إلى بيت أسامة، وألا يحمله أبدا حتى يغزوهم أسامة. أمر أبي بكر بتوجيه الغزو وقال [أبو بكر] لأسامة: أنفذ في وجهك الّذي وجهك فيه رسول اللَّه ﷺ وأخذ الناس بالخروج فعسكروا في موضعهم الأول، وخرج بريدة باللواء، ومشى أبو بكر ﵁ إلى أسامة في بيته فكلمه في أن يترك عمر ﵁، ففعل وخرج فنادى مناديه: عزمة منى ألّا يتخلف عن أسامة من بعثه أحد ممن انتدب معه في حياة رسول اللَّه ﷺ ، فإنّي لن أوتي بأحد بطّأ عن الخروج إلا

стр. 564

ألحقته به ماشيا. فلم يتخلّف عن البعث أحد. تشييع أبي بكر أسامة ثم خرج أبو بكر ﵁ يشيّع أسامة فركب من الجرف لهلال ربيع الآخر في ثلاثة آلاف فيهم ألف فرس وسار أبو بكر ﵁ إلى جنبه ساعة وقال: أستودع اللَّه دينك وخواتيم عملك، إني سمعت رسول اللَّه [ ﷺ ] [ (١) ] يوصيك، فأنفذ لأمر رسول اللَّه، فأني لست آمرك ولا أنهاك عنه، إنما أنا منفذ لأمر أمر به رسول اللَّه [ ﷺ ] [ (١) ] . غزو أسامة فحرج سريعا فوطئ بلادا هادئة لم يرجعوا عن الإسلام- جهينة وغيرها من قضاعة- حتى نزل وادي القرى، فقدّم عينا له من بني عذرة يدعى حريثا، فانتهى إلى أبنى [ (٢) ] ، ثم عاد فلقى أسامة على ليلتين من أبني فأخبره أن الناس غارون ولا جموع لهم، وحثّه على سرعة السّير قبل اجتماعهم، فسار إلى أبني وعبأ أصحابه، ثم دفع عليهم الغارة فقتل وسبى، وحرّق بالنار منازلهم وحرثهم ونخلهم، ورحل مساء حتى قدم المدينة، وقد غاب خمسة وثلاثين يوما وقيل: قدم لشهرين وأيام. خبر وفاة رسول اللَّه ﷺ ونعيه إلى نفسه وكان من خبر وفاة رسول اللَّه ﷺ أن اللَّه تعالى أنذره بموته حين أنزل عليه: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [ (٣) ] ، فقال نعيت إلى نفسي! فحج حجّة الوداع. عرض القرآن في رمضان وكان جبريل ينزل عليه في كل سنة مرّة، وفي شهر رمضان، فيعرض عليه القرآن مرة واحدة، وكان يعتكف العشر الأواخر [من رمضان] [ (٤) ] . فلما كان في سنة موته، عرض عليه جبريل القرآن مرتين، فقال [ ﷺ ] [ (٥) ] : ما أظنّ أجلي

стр. 565

إلا قد حضر! فاعتكف العشر الأواسط [ (١) ] والعشر الأواخر، وكان هذا نذيرا [ (٢) ] بموته. الخروج إلى البقيع والاستغفار لأهله ثم أمر بالخروج إلى البقيع ليستغفر لأهله والشهداء ويصلى عليهم، وليكون توديعا للأموات قبل الأحياء فوثب من مضجعه في جوف الليل، فقالت عائشة ﵂: أين؟ بأبي وأمي! أي رسول اللَّه! قال: أمرت أن استغفر لأهل البقيع. فخرج ومعه مولاه أبو موهبة- ويقال: أبو مويهبة، ويقال: أبو رافع- حتى جاء البقيع، فاستغفر لهم طويلا، ثم قال: ليهنئكم [ (٣) ] ما أصبحتم فيه بما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع بعضها بعضها، يتبع آخرها أوّلها، الآخرة شر من الأولى!! التخيير ثم قال: يا أبا مويهبة [ (٤) ] ! إني قد أعطيت خزائن الدنيا والخلد ثم الجنة، فخيّرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة! فقال بأبي وأمي! فخذ خزائن الدنيا والخلد ثم الجنة! فقال: يا أبا مويهبة! لقد اخترت لقاء ربّي والجنة. خبر شكوى رسول اللَّه ﷺ ثم انصرف، وذلك ليلة الأربعاء، فأصبح يوم الأربعاء محموما- لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشر- وهو في بيت زينب بنت جحش ﵂ واشتكى شكوى جديدة حتى قيل: هو مجنوب، يعني ذات الجنب [ (٥) ] .

стр. 566

مدة الشكوى واجتمع إليه نساؤه كلهن، فاشتكى ثلاثة عشر ليلة، وقيل أربعة عشر يوما، وقيل: اثنى عشر [ (١) ] ، بدئ ﷺ في بيت ميمونة ﵂. صفة الشكوى وأخذته بحّة شديدة مع حمىّ موصّمة [ (٢) ] مع صداع، وكان ينفث في علته شيئا يشبه نفث آكل الزبيب. ودخلت عليه أمّ بشر بن البراء بن معرور فقالت: يا رسول اللَّه! ما وجدت مثل هذه الحمّى التي عليك على أحد! فقال: إنا يضاعف لنا البلاء كما يضاعف لنا الأجر، ما يقول الناس! قالت: يقولون يا رسول اللَّه: ذات الجنب! فقال: ما كان اللَّه ليسلّطها على رسوله، إنها همزة الشيطان. أكلة خيبر من الشاة المسمومة ولكنها من الأكلة التي أكلت أنا وابنك بخيبر من الشاة، وكان يصيبني منها عداد مرة بعد مرّة فكان هذا أوان انقطع أبهري؟ فمات ﷺ شهيدا. الخروج إلى الصلاة وكان إذا خفّ عنه ما يجد خرج فصلّى بالناس، وإذا وجد ثقلة قال: مروا الناس فليصلوا. خبر اللدود واشتد شكوه حتى غمر من شدّة الوجع، فاجتمع عنده أزواجه، وعمّه العبّاس، وأمّ الفضل بنت الحارث، وأسماء بنت عميس ﵃، فتشاوروا في لدّه [ (٣) ] حين غمر- وهو مغمور- فلدوه، فوجدوا في جوفه حفلا [ (٤) ] ، فلما

стр. 567

أفاق قال من فعل هذا؟ هذا عمل نساء جئن من ها هنا! وأشار بيده إلى أرض الحبشة، وكانت أمّ سلمى وأسماء [بنت عميس] [ (١) ] ﵄ لدّتاه، فقالوا: يا رسول اللَّه، خشينا أن يكون بك ذات الجنب، قال: فبم [ (٢) ] لددتموني؟ قالوا: بالعود الهنديّ، وشيء من ورس، وقطرات من زيت فقال: واللَّه ما كان ليعذّبني بذلك الداء [ (٣) ] . أمره ألا يبقى في البيت أحد إلا لدّ ثم قال: عزمت عليكم لا يبقى في البيت أحد إلا لدّ، إلا عم النبي ﷺ [ (٤) ]- فجعل بعضهن يلدّ بعضا، والتدت ميمونة وهي صائمة، لقسم رسول اللَّه ﷺ . إقامته ﷺ في بيت ميمونة ﵂ وأقام ﷺ في بيت ميمونة سبعة أيام، يبعث إلى نسائه أسماء بنت عميس يقول لهن: إن رسول اللَّه يشقّ عليه أن يدور عليكنّ، فحلّلنه. فكن يحللنه. ويروي أن فاطمة ﵍ بنت رسول اللَّه ﷺ هي التي كانت تدور على نسائه وتقول ذلك. طوافه علي نسائه في شكواه ويروي أنه كان يحمل في ثوب يطاف به على نسائه، وذلك أن زينب بنت جحش كلمته في ذلك قال: فأنا أدور عليكنّ. فكن يحمل في ثوب يحمل بجوانبه الأربع، يحمله أبو رافع مولاه، وأبو مويهبة، وشقران وثوبان حتى يقسم لهن كما كان يقسم. فجعل يقول: أين أنا غدا؟ فيقولون: عند فلانة، فيقول: أين أنا بعد غد؟ فيقولون، عند فلانة! فعرف أزواجه أنه يريد عائشة ﵂.

стр. 568

هبة أمهات المؤمنين أيامهن لعائشة فقلن يا رسول اللَّه، قد وهبنا أيامنا لأختنا عائشة وروي أنه لما ثقل واشتد وجعه، استأذن أزواجه أن يمرّض في بيت عائشة، فأذن له، فخرج بين الفضل ابن العباس وعلي بن أبي طالب ﵄. تخط رجلاه في الأرض [ (١) ]- وذلك يوم الأربعاء الآخر [ (٢) ]- حتى دخل بيت عائشة ﵂، فأقام في بيتها حتى توفي. اشتداد الحمى وإراقة الماء عليه ولما اشتد وجعه بعد أن دخل بيتها. قال، أهريقوا عليّ من سبع قرب لم تحلل أو كيتهن [ (٣) ] ، لعلّي أعهد إلى الناس، فأجلسوه في مخضب [ (٤) ] لحفصة ﵂ من صفر، ثم صبّوا عليه تلك القرب، ثم خرج إلى الناس فصلّى بهم وخطبهم: وكانت تلك القرب من بئر أبي أيوب الأنصاري ﵁. خطبته قبل وفاته وخرج يوم السبت عاشر ربيع الأول- مشتملا قد طرح طرفي ثوبه على عاتقيه، عاصبا رسه بخرقة- فأحدق الناس به وهو على المنبر. فقال: والّذي نفسي بيده، إني لقائم على الحوض الساعة- ثم تشهّد واستغفر للشهداء الذين قتلوا بأحد- ثم قال: ذكر التخيير إن عبدا من عباد اللَّه خيّر بين الدنيا وبين ما عند اللَّه فاختار ما عند اللَّه العبد! فبكى أبو بكر ﵁ فقال: بأبي وأمي! نفديك بآبائنا وأمهاتنا، وبأنفسنا وأموالنا، فقال: على رسلك [يا أبا بكر] [ (٥) ] سدّوا هذه الأبواب الشّوارع [ (٦) ] إلى

стр. 569

المسجد إلا باب أبي بكر، فإنّ أمنّ [ (١) ] الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، فلو كنت متخذا في الناس خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا. ولكن أخوة الإسلام ومودته. فقال عمر ﵁: دعني يا رسول اللَّه افتح كوة: إليك حين تخرج إلى الصلاة، فقال: لا. أيها الناس، [وكان باب أبي بكر ﵁ في غربيّ المسجد] [ (٢) ] . ثم ذكر أسامة بن زيد فقال، أنفذوا بعث أسامة- وكرر ذلك ثلاثا- فلعمري لئن قلتم في إمارة أبيه من قبله. وإنه واللَّه لخليق للأمارة، وأبوه من قبله، وإن كان لمن أحب الناس الناس إليّ. ويروي أنه قال أيضا- بعد [ذكر] [ (٣) ] يا معشر المهاجرين! إنكم أصبحتم تزيدون وأصبحت الأنصار لا تزيد، هي على هيئتها التي هي عليها اليوم، وإن الأنصار عيبتي التي أويت إليها، ونعلي التي أطأ بها، وكرشي التي آكل فيها، فاحفظوني فيهم، فأكرموا كريمهم، وأقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن من مسيئهم، فقال رجل: يا رسول اللَّه! ما بال أبواب أمرت بها أن تفتح: وأبواب أمرت بها أن تغلق؟ قال: ما فتحتها ولا سددتها عن أمري!! خبر كتاب رسول اللَّه ﷺ عند موته واشتدّ به ﷺ وجعه يوم الخميس، فقال: ائتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا! فتنازعوا فقال بعضهم: ما له؟ أهجر [ (٤) ] ؟! استعيدوه! وقالت زينب بنت جحش وصواحبها: ائتوا رسول اللَّه ﷺ بحاجته. فقال عمر ﵁: قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب اللَّه، من لفلانة وفلانة؟ يعني مدائن الروم- فإن النبي ﷺ ليس بميت حتى يفتحها، ولو مات لا ننظره كما انتظرت بنو إسرائيل موسى!! فلما لغطوا عنده قال: دعوني! فما أنا فيه خير مما تسألوني، ثم أوصاهم بثلاث [ (٥) ] : أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو بما كنتم تروني أجيزهم. وأنفذوا جيش أسامة،

стр. 570

قوموا. خبر الكنيسة التي بالحبشة وتذكر [ (١) ] بعض نسائه كنيسة رأينها [ (٢) ] في أرض الحبشة. فذكرت أمّ حبيبة بنت أبي سفيان وزينب بنت جحش [ (٣) ] كنيسة رأينها بأرض الحبشة يقال لها مارية، وما فيها من التصاوير، فرفع رسول اللَّه ﷺ رأسه فقال. أولئك [قوم] [ (٤) ] إذا مات الرجل الصالح منهم بنوا على قبره مسجدا ثم صوروا تلك الصور. أولئك شرار الخلق عند اللَّه! وطفق يلقي خميصة [ (٥) ] على وجهه. فإذا اغتمّ بها ألقاها عن وجهه، ويقول: لعنة اللَّه علي اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد! [يحذّرهم مثل ما صنعوا] لا يبقين دينان بأرض العرب. مقالته في شكواه ولم يشك شكوى إلا سأل اللَّه العافية، حتى كان مرضه الّذي مات فيه، فإنه لم يكن يدعو بالشفاء، وطفق يقول: يا نفس مالك تلوذين كلّ ملاذ [ (٦) ] ؟ التخيير بين الشفاء والغفران وأتاه جبريل ﵇ فقال: إن ربك يقرئك السلام ويقول: إذا شئت شفيتك، وكفيتك، وإن شئت توفيتك وغفرت لك!! فقال: ذلك إلى ربي يصنع بي ما يشاء. مقالته في كرب الموت وكان لما نزل به، دعا بقدح من ماء، فجعل يمسح على وجهه ويقول: اللَّهمّ أعنّي على كرب الموت، وأخذته بحّة شديدة فجعل يقول: مع الرفيق الأعلى!

стр. 571

وقد شخص بصره [ (١) ] . وفاته في حجر عائشة وخبر الذهب وتوفي في حجر عائشة ﵂ وقد قال لها لما حضر [ (٢) ]- وهو مستند إلى صدرها-: ما فعلت بالذّهب؟ فأتته بها وهي تسعة دنانير، فقال: أنفقيها!! ما ظنّ محمّد بربه لو لقي اللَّه وهي عنده؟! مسارة فاطمة ودعا ﷺ ابنته فاطمة ﵇، فسارّها فبكت، ثم دعاها فسارّها فضحكت، فسئلت عن ذلك بعد فقالت: دعاني أول مرّة فقال: إن القرآن كان يعرض علي في كل عام مرة، وعرض عليّ العام مرتين ولا أراني إلا ميتا في مرضي هذا! فبكيت. ثم دعاني فقال: أنت أسرع أهلي لحوقا بي! فضحكت. فماتت بعد وفاته بستّة أشهر. وقيل: أقل من ذلك. إمامة أبي بكر رسول اللَّه ﷺ قبل موته وقال [ ﷺ ] [ (٣) ] : ما هلك نبيّ حتى يؤمّه رجل من أمته. فلما كان يوم الاثنين، صلّى أبو بكر ﵁ بالناس الصبح، فأقبل رسول اللَّه ﷺ يتوكأ على الفضل بن العباس وثوبان، ولم يبق امرأة ولا رجل إلا أصبح في المسجد! لوجعه ﵇، فخرج حتى جلس إلى جنب أبي بكر، فصلّى بصلاة أبي بكر، فلما قضي صلاته جلس- وعليه خميصة له- فقال: إنكم واللَّه لا تمسكون عليّ بشيء، إني لا أحلّ إلا ما أحل اللَّه في كتابه، ولا أحرّم إلا ما حرم اللَّه في كتابه! يا فاطمة بنت محمد! ويا صفيّة بنت عبد المطلب!! اعملا لما عند اللَّه، لا أملك لكما من اللَّه شيئا! وصلّى أبو بكر ﵁ بالناس- إلى أن توفّي رسول اللَّه ﷺ سبع عشرة صلاة.

стр. 572

وفاته وتوفي رسول اللَّه ﷺ ضحى يوم الإثنين لاثنتي عشرة مضت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من مهاجره- وقيل مستهله، وقيل ثانيه-، فبعث العبّاس ﵁ في طلب أبي عبيدة بن الجراح، وكان يشقّ: [يضرح] [ (١) ] وبعث في طلب أبي طلحة، وكان يلحد [ (٢) ] ، وقال اللَّهمّ اختر لنبيك! فوجد أبو طلحة. حيث دفن وقال أبو بكر ﵁ وقد اختلفوا أين يدفن-: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: ما مات نبي قط إلا دفن حيث يقبض. فخط له ﷺ حول الفراش، ثم حوّل بالفراش في ناحية البيت، وحفر أبو طلحة القبر، فانتهى به إلى أصل الجدار إلى القبلة، وجعل رأسه ﷺ بما يلي بابه الّذي كان يخرج منه إلى الصلاة. ثم غسلوه من بئر عرس، وكان يشرب منها. جهاز رسول اللَّه ﷺ ولما أخذوا في جهازه أمر العباس ﵁ فأغلق الباب، فنادت الأنصار نحن أخواله، ومكاننا من الإسلام مكاننا، وهو ابن أختنا!! ونادت قريش: نحن عصبته [ (٣) ] ، فأدخل من الأنصار أوس بن خولي، وأحضروا الماء من بئر عرس، واحضروا سدرا وكافورا، فأرسل اللَّه عليهم النوم فما منهم رجل إلا واضعا لحيته على صدره وقائل يقول ما ندري من هو!: اغسلوا نبيكم وعليه قميصه! فغسّل في القميص. وغسّل الأولى بالماء القراح، والثانية بالماء والسدر والثالثة بالماء والكافور. الغسل وغسّله عليّ والفضل بن عباس- وكان الفضل رجلا أيّدا [ (٤) ]-، وكان يقلّبه

стр. 573

شقران، ووقف العباس بالباب وقال: لم يمنعني أحضر غسله إلا أني كنت أراه يستحي أني أراه حاسرا [ (١) ] . وذهب علي ﵁ يلتمس من بطن النبي ﷺ ما يلتمس من بطن الميت، فلم يجد شيئا، فقال: بأبي وأمي!! ما أطيبك حيا وميتا!! وقيل غسله علي، والعباس وابنه الفضل يعينانه، وقثم وأسامة وشقران يصبون الماء. الكفن واشترى له ﵇ حلة حبرة بتسعة دنانير ونصف ليكفّن بها. ثم بدا لهم فتركوها. فابتاعها عبد اللَّه بن أبي بكر. وكفّن ﷺ في ثلاثة أثواب سحوليّة بيض [ (٢) ] ، أحدها برد حبرة. وقيل: أحدها حلة حبرة وليس فيها قميص ولا عمامة وأدرج في أكفانه. وقيل: كفّن في حلة حبرة وقميص. وفي رواية: في حلة حمراء نجرانية وقميص. وقيل: إن الحلة اشتريت له فلم يكفّن فيها. وقيل كفّن في سبعة أثواب، وهو شاذ. وقيل: كفن في ثلاثة أثواب: قميصه الّذي مات فيه، وحلة نجرانية، وهو ضعيف، وحنّط بكافور، وقيل: بمسك [ (٣) ] . الصلاة على رسول اللَّه ﷺ ثم وضع على سريره، وكان ألواحا ثم أحدثت له بعد ذلك قوائم، ووضع السرير على شفير القبر، ثم كان الناس يدخلون زمرا زمرا. يصلون عليه. أول من صلّى على رسول اللَّه ﷺ وأوّل من صلّى عليه العباس وبنو هاشم. ثم خرجوا ودخل المهاجرون، ثم الأنصار: زمرة زمرة، ثم دخل الصبيان، ثم النساء. وقيل صلّي عليه اثنتان وسبعون صلاة [ (٤) ] .

стр. 574

خبر أمهات المؤمنين وقد قامت أمهات المؤمنين يلتدمن على صدورهن [ (١) ] : وقد وضعن الجلابيب عن رءوسهن، ونساء الأنصار يضربن الوجوه، وقد بحّت حلوقهنّ من الصياح [ (٢) ] . الصلاة عليه ولم يزل ﷺ موضوعا على سريره، من حين زاغت الشمس في يوم الاثنين إلى حين زاغت الشمس يوم الثلاثاء، فصلي عليه وسريره على شفير قبره. يوم دفنه ودفنوه ليلة الأربعاء سحرا. وقيل: دفن يوم الثلاثاء، وقيل: ليلة الثلاثاء. وقيل: يوم الاثنين عند الزوال. قاله الحاكم وصحّحه. وقال ابن عبد البرّ: أكثر الآثار على أنه دفن يوم الثلاثاء، وهو قول، أكثر أهل الأخبار. فلما أرادوا أن يقبروه [ (٣) ] نحّوا السرير قبل رجليه [ (٤) ] ، فأدخل من هناك. لحده ومن دخل فيه ودخل حفرته العبّاس، والفضل بن عباس، وقثم بن عباس، وعلي، وشقران ﵃، ويروي أنه نزل أيضا أسامة بن زيد وأوس بن خولي: وبني عليه في لحده بتسع لبنات، وضرح في لحده سمل قطيفة نجرانية كان يلبسها [ (٥) ] . ثم خرجوا وهالوا التراب، وجعلوا ارتفاع القبر شبرا وسطحوه، وجعلوا عليه

стр. 575

حصباء ورش بلال ﵁ على القبر الماء بقربة: فبدأ من قبل رأسه من شقه الأيمن حتى انتهى إلى رجليه، ثم ضرب الماء إلى الجدار، ولم يقدر أن يدور من الجدار. عمره عند وفاته ﷺ وكان عمره ﷺ يوم توفاه اللَّه ثلاثا وستين سنة على الصحيح. وقيل كان ستين. وقيل خمسا وستين. وهذه الأقوال الثلاثة في صحيح البخاريّ عن ابن عباس ﵁ [ (١) ] . فصل في ذكر أسمائه ﷺ اعلم أن لرسول اللَّه ﷺ عدة أسماء: منها ما سماه اللَّه- عزل وجل- به في القرآن الكريم، ومنها ما سمي به رسول اللَّه ﷺ نفسه، وقد سمّي بعدة أسماء كثيرة. فذكر الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن وهبة بن عساكر- ﵀ عشرين اسما. وذكر الحافظ أبو الفرح عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي- ﵀ ثلاثة وعشرين اسما [ (٢) ] وقال الحافظ أبو الخطاب عمر بن حسن بن دحية- ﵀ ثلاثمائة اسم في كتابه (المستوفي في أسماء المصطفى) [وقال] [ (٣) ] : أنه إذا فحص عن جملتها من الكتب المتقدمة والقرآن العظيم والحديث النبوي بلغت ثلاثمائة اسم. وذكر أبو الحسن علي بن أحمد بن الحسن الحرالّي تسعة وتسعين اسما. وذكر القاضي أبو بكر محمد بن عبد اللَّه بن العربيّ المعافري في شرح جامع الترمذي عن بعض الصوفية: أن للَّه تعالى ألف اسم، وللنّبيّ ﷺ ألف اسم، عرف منها أربعة وستون اسما فذكرها.

стр. 576

وأشهر أسمائه ﷺ (محمد) و (أحمد) ، وهما اسمان من أسماء الأعلام التي يراد بها التمييز بين الأشخاص، وكل منهما ومن بقية أسمائه يشتمل على معنى من معاني الفضل. ومن تأمل علم أنه ليس من أسماء الناس اسم يجمع من [معاني صفات الحمد] [ (١) ] ما يجمعه هذان الاسمان، فأحمد اسم منقول من صفة لأفعل، وتلك الصفة- أفعل- التي يراد بها التفضيل، فمعنى أحمد: أي أحمد الحامدين لربه. والأنبياء ﵈ كلهم حامدون للَّه تعالى، إلا أن نبينا ﷺ أكثرهم حمدا، فيكون هو الأحق بالحمد، ومحمد هو البليغ في الحمد، فمن سمّي بهذين الاسمين فقد سمّي بأجمع الأسماء لمعاني الفضل. يقال رجل محمد ومحمود، إذا كثرت خصاله المحمودة، ومعنى الاسمين واحد، فإنّ وصف الشخص بأنه أحق بالحمد مبالغة في حمده، والمبالغة في حمده تقدير له في الحمد على من لا يبالغ في حمده، فأحمد على هذا هو محمد، ومحمد أحمد. وقد ذكر اللَّه ﷻ هذين في كتابه فقال تعالى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [ (٢) ] ، وقال: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [ (٣) ] ، وقال: وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [ (٤) ] . وخرّج الإمام أبو عبد اللَّه محمد بن إسماعيل البخاري- ﵀ في صحيحه من حديث سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁: قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ألا تعجبون كيف يصرف اللَّه عني شتم قريش ولعنهم؟ - يشتمون مذمما، ويلعنون مذمما، وأنا محمد [ (٥) ] . وخرّج النسائي أيضا، وذكر أبو الربيع بن سالم أنه روي عن عبد المطلب إنما سماه ﷺ محمدا لرؤيا رآها، زعموا أنه رأى في منامه سلسلة من فضة خرجت من ظهره لها طرف في السماء وطرف في الأرض، وطرف المشرق وطرف في

стр. 577

المغرب، ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها في نور وإذا أهل المشرق والمغرب يتعلقون بها فقصها. فعبّرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق والمغرب، ويحمده أهل السماء والأرض، فلذلك سماه محمدا، مع ما حدثته آمنة به [ (١) ] . وقال أبو القاسم السهيليّ [ (٢) ] : لا يعرف في العرب من تسمى بهذا الاسم قبله ﷺ إلا ثلاثة طمع آباؤهم حيث سمعوا بذكر محمد وبقرب زمانه وأنه يبعث بالحجاز، أن يكون ولدا لهم، ذكرهم ابن فورك في كتاب الفصول، وهم: محمد ابن سفيان بن مجاشع جد [ (٣) ] الفرزدق الشاعر، والآخر: محمد بن أحيحة بن الجلاح ابن الحريش بن جمحي بن كلفة بن عوف بن عمرو بن مالك بن الأوس، والآخر: محمد بن حمران بن ربيعة. وكان آباؤهم الثلاثة قد وفدوا على بعض الملوك، وكان عنده علم من الكتاب الأول، فأخبرهم بمبعث النبي ﷺ وباسمه، وكان كل واحد منهم قد خلّف امرأته حاملا، فنذر كل واحد منهم: إن ولد له ذكر أن يسميه محمدا، ففعلوا ذلك. وذكر القاضي عياض: من تسمي بمحمد في الجاهلية فبلغوا ستة، ثم قال في هذين الاسمين من عجائب خصائصه وبدائع آياته شيء آخر، هو أن اللَّه جلّ اسمه حمى أن يسمّى بهما أحد قبل زمانه، أما أحمد الّذي أتى في الكتاب وبشرت به الأنبياء. فمنع اللَّه تعالى بحكمته أن يسمّى به أحد غيره، ولا يدعى به مدعو قبله، حتى لا يدخل لبس على ضعيف القلب، أو شك [ (٤) ] . وكذلك محمد أيضا لم يسمّ به أحد من العرب ولا غيرهم إلى أن شاع قبيل وجوده ﷺ وميلاده، أن نبيا يبعث اسمه محمد، فسمّى قوم قليل من العرب أبناءهم بذلك، رجاء أن يكون أحدهم هو، واللَّه أعلم حيث يجعل رسالته، وهم: محمد بن أحيحة بن الجلاح الأوسي، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، ومحمد بن برّاء البكري، ومحمد بن سفيان بن مجاشع، ومحمد بن حمران الجعفي، ومحمد

стр. 578

ابن خزاعيّ السلمي، لا سابع لهم. ويقال: أول من سمى محمدا، محمد بن سفيان، واليمن تقول: بل محمد ابن اليحمد من الأزد، ثم حمى اللَّه كل من تسمى به أن يدّعي النبوة، أو يدعيها أحد له، أو يظهر عليه سبب يشك أحدا في أمره حتى تحققت السمتان له ﷺ ولم ينازع فيهما. قال كاتبه. وذكر محمد بن مسلمة الأنصاري فيهم، فيه نظر من حيث أنه ولد بعد ولادة النبي ﷺ بنحو عشر سنين، ولكنه صحيح من حيث أنه لم تكن النبوة ظهرت- واللَّه أعلم. وذكر ابن سعد فيهم: محمد الجشمي في بني سراة، ومحمد الأسيدي، ومحمد الفقيمي. وقال أبو العباس المبرد: فتش المفتشون فما وجدوا بعد نبينا ﷺ من اسمه أحمد قبل أبي الخليل بن أحمد. وللبخاريّ من حديث الزهري، أخبرني محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول [ (١) ] : إن لي أسماء، أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الّذي يمحو اللَّه بي الكفر، وأنا الحاشر الّذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الّذي ليس بعدي أحد، وقد سماه اللَّه رءوفا رحيما، ذكره البخاري في التفسير، وانتهى حديثه عند قوله: وأنا العاقب. وذكره مسلم أيضا من حديث عقيل، قال: قلت: لابن شهاب وما العاقب؟ قال: الّذي ليس بعده نبي [ (٢) ] . ومن حديث معمر وعقيل: وأنا الماحي الّذي يمحو اللَّه بي الكفر [ (٣) ] ، وللبخاريّ من حديث مالك عن ابن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : لي خمسة أسماء: أنا محمد وأحمد، وأنا الماحي الّذي

стр. 579

يمحو اللَّه بي الكفر، وأنا الحاشر الّذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب. وذكره البخاري في المناقب في باب ما جاء في أسماء رسول اللَّه ﷺ قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: تفرد برفعه عن مالك جويرية بن أسماء، ورواه عبد اللَّه ابن وهب، وبشر بن عمرو الزهراني، ويحيى بن عبد اللَّه بن بكير المصري عن مالك مرسلا لم يذكر فيه جبيرا، ورفعه صحيح عن الزهري، فقد وصله عنه يونس ابن زيد، وشعيب بن أبي حمزة الحمصي، وسفيان بن عيينة (انتهى) . وقد رفعه عن مالك غير جويرية بن أسماء قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: وقد ذكر حديث مالك عن ابن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم أن النبي هكذا روي هذا الحديث [رواه] [ (١) ] يحيى مرسلا لم يقل عن أبيه، وتابعه على ذلك أكثر رواة الموطأ، وممن تابعه على ذلك القيعي وابن بكير، وابن وهب وابن القاسم، وعبد اللَّه بن يوسف، وابن أبي أويس، وعبد اللَّه بن مسلم الدمشقيّ، وأسنده عن مالك معن بن عيسى، ومحمد بن المبارك الصوري، ومحمد بن عبد الرحيم، وابن شروس الصنعاني، وإبراهيم بن طهمان، وحبيب ومحمد بن وهب، وأبو حذافة، وعبد اللَّه بن نافع، وأبو المعتب الزهري، كل هؤلاء رواه عن مالك مسندا عن ابن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه. وخرجه مسلم من حديث سفيان عن الزهري، سمع محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه: أن النبي ﷺ قال: أنا أحمد، وأنا محمد، وأن الماحي الّذي يمحي بي الكفر، وأنا الحاشر الّذي يحشر الناس على عقبي، وأنا العاقب، والعاقب الّذي ليس بعده نبي [ (٢) ] . وخرجه عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: إن لي أسماء: أنا أحمد وأنا محمد، وأنا الماحي الّذي يمحو اللَّه بي الكفر، وأنا الحاشر يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب، قال: قلت للزهري: وما العاقب؟ قال: الّذي ليس بعده نبي. وخرجه مسلم أيضا عن عبد بن حميد عن عبد الرزاق، وأخرجه أيضا من

стр. 580

حديث يونس بن يزيد عن الزهري، وقال في الحديث: وأنا العاقب الّذي ليس بعده أحد، وقد سمّاه اللَّه رءوفا رحيما [ (١) ] ، ويحتمل أن تكون تفسير العاقب من قول محمد بن شهاب الزهري، كما بينه معمر، وقوله: وقد سماه اللَّه رءوفا رحيما، من قول الزهري، واللَّه أعلم. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: سألت سفيان- يعني ابن عيينة- عن العاقب فقال لي: آخر الأنبياء. قال أبو عبيد: وكذلك كل شيء خلف بعد شيء فهو عاقب، وقد عقب يعقب عقبا، ولهذا قيل: ولد الرجل بعده عقبة، وكذلك آخر كل شيء عقبه. وقوله يحشر الناس على قدمي: أي قدّامي وأمامي. أي أنهم مجتمعون إليه، وينضمون حوله، ويكونون أمامه يوم القيامة ووراءه. وقال الخليل بن أحمد حشرتهم السنة: إذا ضمتهم من البوادي، وهذا الحديث مطابق لقوله تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ [ (٢) ] . وقد روي: يحشر الناس على قدمي بالإفراد مخفف الياء، وروي بتشديد الياء على التثنية [ (٣) ] . وقيل معناه أنه أول من يبعث من القبر، وكل من عداه إنما يبعثون بعده، وهو أول من يذهب به من المحشر ثم الناس في إثره. وقيل معنى قوله وأنا الماحي، يعني تمحى به سيئات من اتبعه. وخرج أبو داود الطيالسي من حديث جابر [عن] نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: أنا محمد وأنا أحمد والحاشر ونبي التوبة ونبي الملحمة. ولمسلم من حديث الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كان رسول اللَّه ﷺ يسمي لنا نفسه أسماء فقال:

стр. 581

أنا محمد وأحمد [ (١) ] والمقفي والحاشر ونبي التوبة ونبي الملحمة [ (٢) ] . وقد روي من عدة طرق عن الليث بن سعد ﵀ قال: حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن عتبة عن مسلم عن نافع بن جبير بن مطعم أنه دخل على عبد الملك بن مروان فقال له عبد الملك: أتحصي أسماء رسول اللَّه التي كان جبير بن مطعم يعدها؟ قال نعم، قال هي ستة: محمد وأحمد وخاتم وحاشر وعاقب وماحي، فأما حاشر: فبعث مع الساعة نذير لكم بين يدي عذاب شديد، وأما عاقب، فإنه عقب الأنبياء، وأما ماحي، فإن اللَّه محا به سيئات من اتبعه. وذكره الحاكم في المستدرك وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين، وقد قيل إنه إنّما سمي نبي التوبة لأنه أخبر أن اللَّه يقبل التوبة من عباده إذا تابوا، وسمي نبي الملحمة لأن اللَّه فرض عليه قتل الكفار، وجعله شرعا باقيا إلى قيام الساعة، فما فتح مصرا من الأمصار إلا بالسيف أو خوفا من السيف، إلا المدينة النبويّة فإنّها فتحت بالقرآن. وقيل معنى المقفى: المتبع للأنبياء ﵈، يقال قفوته أقفوه، وقفيته أقفيه إذا اتبعته، وقافية كل شيء آخره، وقيل لأنه قفي إبراهيم ﵇. وقيل المقفي لموسى وعيسى ﵉، لنقل قومهما من اليهودية والنصرانية إلى الحنفية. وقيل إنما اقتصر ﷺ على هذه الأسماء مع أن له أسماء غيرها، لأنها موجودة في الكتب المتقدمة، وعند الأمم السالفة. وروى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : إنما أنا رحمة مهداة، ورواه وكيع عن الأعمش عن أبي صالح منقطعا. وروي الكلبي عن أبي صالح عن عبد اللَّه بن عباس ﵄ في قول اللَّه سبحانه: طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى [ (٣) ] ، يا رجل ما أنزلنا عليك

стр. 582

القرآن لتشقى، وكان يقوم الليل على رجليه، فهي لعلك [ (١) ] ، إن قلت لعكيّ يا رجل، لم يلتفت، فإذا قلت له طه، التفت إليك [ (٢) ] . وقال الخليل بن أحمد: خمسة من الأنبياء ذوو اسمين: محمد وأحمد نبينا ﷺ ، وعيسى والمسيح، وإسرائيل ويعقوب، ويونس وذو النون، وإلياس وذو الكفل، ﵈ [ (٣) ] . وقال أبو زكريا بن محمد العنبري: ولنبينا محمد ﷺ خمسة أسماء في القرآن: محمد، وأحمد، وعبد اللَّه، وطه ويس، قال اللَّه تعالى في ذكر محمد ﷺ : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وقال: وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [ (٤) ] وقال: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ [ (٥) ] : يعني النبي ﷺ ليلة الجن كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً [ (٥) ] . وإنما كانوا يقعون بعضهم على بعض كما أن اللبد تتخذ من الصوف فيوضع بعضه على بعض فيصير لبدا. قال تعالى: طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى، والقرآن إنما نزل على رسول اللَّه ﷺ دون غيره. وقال تعالى: يس يعني يا إنسان، والإنسان ها هنا: هو محمد ﷺ ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، وقد سماه اللَّه تعالى في القرآن الكريم رسولا ونبيا أميا، وسماه شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى اللَّه بإذنه وسراجا منيرا، وسماه رءوفا رحيما، وسماه نذيرا مبينا، وسماه مذكّرا، وجعله رحمة [للعالمين ﷺ ] [ (٦) ] . وعن كعب الأحبار قال: قال اللَّه تعالى لمحمد ﷺ : عبدي المختار. وعن سفيان بن عيينة قال: سمعت على بن زيد يقول: اجتمعوا فتذاكروا أي بيت أحسن فيما قالت العرب؟ قالوا: الّذي قال أبو طالب، للنّبيّ ﷺ :

стр. 583

وشق له من اسمه يجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد ومن أسمائه: الضحوك القتال، والأمين، والقثم، وأحيد، لأنه يحيد أمته عن نار جهنم، فهو محمد وأحمد والأمين، والأمي والحاشر والخاتم، والرسول، ورسول اللَّه والشاهد والضحوك، والعاقب والفاتح، والقتال والقثم، والماحي والمصطفى، والمتوكل والمقفي، والنبي والنذير، ونبي الرحمة، ونبي الملاحم. فصل في ذكر كنية رسول اللَّه ﷺ اعلم أن الكنية إنما وضعت لاحترام المكنى بها وإكرامه وتعظيمه، كي لا يصرح في الخطاب باسمه، ومنه قول [الشاعر] [ (١) ] : أكنيه حين أناديه لأكرمه ... ولا ألقبه والسّوأة اللقبا ويقال كنيت الرجل بأبي فلان، وأبا فلان على تعدية الفعل، بعد إسقاط الحرف كلية بكسر الكاف وضمها. وكذلك يقال: كنيته، وكنية فلان أبو فلان، وكذلك كنيته بالكسر، أي الّذي يكنى به. وقال اللحياني: يقال كنية، وكنية، وكنية، وكنوة، وكنوة، وكنوة. وقال المبرد: الكنية من الكناية، والكناية ضرب من التعظيم والتفخيم، فيعظم الرجل أن يدعى باسمه فيكنى. ووقعت الكنية في الصبي على جهة التفاؤل بأن يكون له ولد فيدعى به، وفي الكبير بأن يصان اسمه باسم ابنه، وقال غيره: يقال كنوته وكنيته. وقال المطرزي: يقال أيضا: أكنيته من الكنية، ويقال-: إن الأصل في سبب الكنى في العرب أن ملكا من ملوكهم الأول ولد له ولد، توسم فيه النجابة، فشغف به حتى إذا نشأ وترعرع لأن يؤدب أدب الملوك، أحب أن يفرد له موضعا بعيدا من العمارة، يكون فيه مقيما يتخلق بأخلاق الملوك من مؤدبيه، ولا يعاشر من يضيع عليه بعض زمانه، فبنى له في البرية منزلا ونقله إليه، ورتب إليه من يؤدبه بأنواع الآداب العلمية والملكية، فأقام له ما يحتاج إليه من أمر دنياه، ثم أضاف

стр. 584

إليه من أقرانه وأضرابه من أولاد بني عمه، وأمرائه ليؤنسوه ويتأدبوا بآدابه، ويحببوا إليه الأدب بموافقتهم له عليه. وكان الملك في رأس كل سنة [يذهب] [ (١) ] إلى ولده، ويستصحب معه من أصحابه من له عند ولده ولد، ليبصروا أولادهم، وكانوا إذا وصلوا إليهم سأل ابن الملك عن أولئك الذين جاءوا مع أبيه ليعرفهم بأعيانهم، فيقال له: هذا أبو فلان: وهذا أبو فلان، يعنون آباء الصبيان الذين هم عنده، فكان يعرفهم بإضافتهم إلى أبنائهم، فمن هنالك ظهرت الكنى في العرب. وكان رسول اللَّه ﷺ يكنى بأبي القاسم، وبأبي إبراهيم، خرّج البخاري ومسلم من حديث حميد عن أنس ﵁ قال: نادى رجل رجلا بالبقيع: يا أبا القاسم، فالتفت إليه رسول اللَّه ﷺ فقال [الرجل] [ (٢) ] يا رسول اللَّه إني لم أعنك!! إنما دعوت فلانا، فقال رسول اللَّه ﷺ : تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي واللفظ لمسلم [ (٣) ] . وقال البخاري: دعا رجل رجلا. وقال: سموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي، ذكره في البيوع في باب ما ذكر في الأسواق. وفي لفظ له: كان النبي ﷺ في السوق، فقال رجل: يا أبا القاسم، فالتفت إليه النبي ﷺ ، فقال [الرجل] [ (٤) ] : إنما دعوت هذا، فقال النبي ﷺ : سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي [ (٥) ] . وذكره أيضا في المناقب. وخرج البخاري ومسلم من حديث شعبة عن سليمان ومنصور وقتادة، سمعوا

стр. 585

سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد اللَّه رضي اللَّه تعالى عنه قال: ولد لرجل من الأنصار غلام، فأراد أن يسميه محمدا، قال شعبة في حديث منصور أن الأنصاري قال: حملته على عنقي، فأتيت به النبي ﷺ ، وفي حديث سليمان: ولد له غلام فأراد أن يسميه محمدا، قال: سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي فإنّي جعلت قاسما أقسم بينكم، ذكره البخاري في كتاب الخمس وفي كتاب الأدب. وذكر له مسلم عدة طرق، في بعضها: تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي فإنما أنا قاسم أقسم بينكم. وفي بعضها: فإنما بعثت قاسما أقسم بينكم، وفي بعضها: فإنّي أنا أبو القاسم أقسم بينكم. وللترمذي من حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي، أنا أبو القاسم، اللَّه يرزق وأنا أقسم. وخرج الدارميّ من حديث عقيل عن ابن شهاب عن أنس أنه لما ولد إبراهيم ابن النبي ﷺ من مارية جاريته، كان يقع في نفس النبي ﷺ منه حتى أتاه جبريل ﵇ فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم [ (١) ] . قال جامعه: وللناس في التكني بأبي القاسم ثلاثة مذاهب: المنع مطلقا، وإليه ذهب الشافعيّ، والجواز مطلقا، وأن النهي خاص بحياة الرسول ﷺ [ (٢) ] . والثالث: لا يجوز لمن اسمه محمد، ويجوز لغيره. قال الرافعي: ويشبه أن يكون هذا هو الأصح: لأن الناس ما زالوا يفعلونه في جميع الأعصار من غير إنكار. وقال النووي: هذا مخالف لظاهر الحديث، وأما إطباق الناس عليه ففيه تقوية للمذهب الثاني. وحكي الطبري مذهبا رابعا له هو المنع من التسمية بمحمد مطلقا ومن التكنية بأبي القاسم مطلقا [ (٣) ] .

стр. 586

فصل في ذكر صفة رسول اللَّه ﷺ اعلم أن رسول اللَّه ﷺ كان ربعه، بعيد ما بين المنكبين، أبيض اللون مشربا حمرة، يبلغ شعره شحمة أذنيه، وكان شعره فوق الجمة، ودون الوفرة، ودخل مكة وله أربع غدائر، وكان سبط الشعر، في لحيته كثافة ومات ﷺ ولم يبلغ الشيب في رأسه ولحيته عشرين شعرة، وكان ظاهر الوضاءة، يتلألأ وجهه كالقمر ليلة البدر، وكان كما وصفته عائشة ﵂ بما قاله شاعره حسان بن ثابت ﵁ [ (١) ] : متى يبد في الداجي البهيم جبينه ... يلح مثل مصباح الدجى المتوقد فمن كان أو قد يكون كأحمد ... نظام لحق أو نكال لملحد وكما كان أبو بكر الصديق ﵁ يقول إذا رآه ﷺ : أمسى مصطفى بالخير يدعو ... كعضو البدر زايله الظلام وكما كان عمر بن الخطاب ﵁ ينشد إذا رآه: لو كنت من شيء سوى بشر ... كنت المعني لليلة البدر وكان أبيض اللون، ليس بالأبيض الأمهق [ (٢) ] ولا بالآدم [ (٣) ] ، أقنى العرنين [ (٤) ] ،

стр. 587

سهل الخدين، أزج الحاجبين [ (١) ] أقرن [ (٢) ] ، أدعج العينين [ (٣) ] ، في بياض عينيه عروق حمر دقاق، حسن الخلق معتدلة، أطول من المربوع وأقصر من المشذب، دقيق السرة، كأن عنقه إبريق فضة، من لبته إلى سرته شعر يجري كالقضيب، ليس في بطنه ولا صدره شعر غيره، شثن الكف والقدم، ضليع [ (٤) ] الفم أشنب، مفلج الأسنان [ (٥) ] ، بادنا متماسكا [ (٦) ] سواء البطن والصدر، ضخم الكراديس [ (٧) ] ، أنور المتجرد، أشعر الذراعين والمنكبين، عريض الصدر طويل الزندين، رحب الراحة، شائل الأطراف [ (٨) ] خمصان [ (٩) ] ، بين كتفيه خاتم النبوة مثل بيضة الحمام يشبه حسده، إذا مشى كأنما يتحدّر من صبب [ (١٠) ] وإذا مشى كأنما يتقلع من صخر [ (١١) ] ، وإذا التفت التفت جميعا، كأن عرقه اللؤلؤ، ولريح عرقه أطيب من ريح المسك [ (١٢) ] .

стр. 588

وقال عند أم سليم [ (١) ] فعرق، فجاءت بقارورة فجعلت تسكب العرق فيها، فاستيقظ ﷺ فقال: يا أم سليم، ما هذا الّذي تصنعين؟ قالت: هذا عرقك نجعله في طيبنا وهو أطيب من الطيب. وكان في صوته صوته صهل وفي عنقه سطع، إن سكت فعليه الوقار، وإن تكلم سماه وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحلاه وأجمله من قريب، حلو المنطق خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء يسوق أصحابه، ويبدأ من لقيه بالسلام، أجود الناس كفّا، وأرحب الناس صدرا، وأصدق الناس لهجة، وأوفى [ (٢) ] الناس بعهده، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه [معرفة أحبّه] . يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ . فأما صفة رأسه المقدس فقد خرج أبو عيسى الترمذي من حديث جميع بن عمر العجليّ قال: حدثني رجل

стр. 589

عن ابن لأبي هالة عن الحسن بن على عن خاله هند بن أبي هالة قال: كان رسول اللَّه ﷺ عظيم الهامة [ (١) ] . وقال شريك عن عبد الملك بن عمير بن نافع بن جبير قال: وصف لنا عليّ ﵁ النبي ﷺ فقال: كان عظيم الهامة [ (١) ] . وأما وجهه الكريم فخرج البخاري من حديث عن إسحاق بن منصور قال: أخبرنا إبراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء يقول: كان رسول اللَّه ﷺ أحسن الناس وجها وأحسنهم خلقا، ليس بالطويل الذاهب، وليس بالقصير [ (٢) ] . وقال البخاري: ليس بالطويل البائن، ذكره في باب صفة النبي ﷺ [ (٣) ] . وخرجه ابن أبي خيثمة، من حديث إبراهيم بن يوسف كما رواه مسلم والبخاري والترمذي من حديث أبي نعيم، حدثنا زهير عن أبي إسحاق قال: سئل البراء أكان وجه النبي ﷺ مثل السيف؟ قال لا، مثل القمر [ (٤) ] . قال: هذا حديث حسن [ (٥) ] . ولمسلم من حديث أبي بكر بن أبي شيبة عن عبيد اللَّه بن موسى عن إسرائيل عن سماك، أنه سمع جابر بن سمرة قال له رجل: أكان رسول اللَّه ﷺ وجهه كالسيف؟ قال جابر: لا، مثل الشمس والقمر مستديرا. وقال المحاربي عن أشعث عن أبي إسحاق عن جابر بن سمرة قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ في ليلة أضحيان وعليه حلّة حمراء، فجعلت انظر إليه وإلى القمر، فلهو أحسن كان في عيني من القمر، وفي لفظ قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ في ليلة

стр. 590

أضحيان [ (١) ] ، وعليه حلة حمراء، فجعلت أماثل بينه وبين القمر [ (٢) ] . وخرج البخاري من حديث يحيى بن بكير، أخبرنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، أن عبد اللَّه بن كعب- وكان قائد كعب من بنيه حين عمى- قال: سمعت كعب بن مالك يقول: لما سلمت على رسول اللَّه ﷺ وهو يبرق وجهه، وكان رسول اللَّه ﷺ إذا سرّ استنار وجهه كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه [ (٣) ] . وخرج أيضا من حديث يحيى عن عبد الرّزاق قال: أخبرنا ابن جريج عن ابن شهاب عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: دخل النبي ﷺ يوما مسرورا وأسارير وجهه تبرق فقال: ألم تسمعي ما قال مجزر المدلجي، ورأى زيدا وأسامة قد غطيا رءوسهما، وبدت أقدامها، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بضع [ (٤) ] . وخرّجه مسلم عن عبد بن حميد عن عبد الرّزاق، وقال أبو إسحاق الهمدانيّ عن امرأة من همدان سمّاها قالت حججت مع النبي ﷺ مرات فرأيته على بعير له يطوف بالكعبة، بيده محجن، عليه بردان أحمران يكاد يمس منكبه، إذا مر بالحجر استلمه بالمحجن، ثم يرفعه إلى فمه فيقبله، قال أبو إسحاق: فقلت لها شبّهيه، قالت: [كان] كالقمر ليلة البدر، ولم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ [ (٥) ] . وخرّج عبد اللَّه بن محمد بن إسحاق الفاكهي من حديث أسامة بن زيد عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: قلنا للربيع بنت معوذ: صفي لي رسول اللَّه ﷺ قالت: لو رأيته لقلت: الشمس طالعة [ (٥) ] . وفي حديث هند بن أبي هالة: كان رسول اللَّه ﷺ فخما مفخما [ (٦) ] يتلألأ

стр. 591

وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، خرجه الترمذي [ (١) ] . وفي حديث علي ﵁: كان في وجه رسول اللَّه تدوير. ولأحمد من حديث عبد الرازق قال: أخبرنا إسرائيل عن سماك أنه سمع جابر ابن سمرة يقول: كان وجه رسول اللَّه ﷺ مستديرا. وفي حديث أم معبد قالت [ (٢) ] : رأيت رجلا ظاهر الوضاءة متبلج الوجه (تعنى مشرق الوجه مضيئة) ، ومنه: تبلج الصبح إذا أسفر. وفي حديث هند بن أبي هالة: كان سهل الخدين، وقال قتادة: ما بعث اللَّه نبيا إلا بعثه حسن الوجه وحسن الصوت، حتى بعث نبيكم ﷺ فبعثه حسن الوجه حسن الصوت، ولم يكن يرجّع، ولكن كان يمد بعض المد. وأما صفة لونه فخرج البخاري في باب صفة النبي ﷺ من حديث يحيى بن بكير قال: حدثني الليث عن خالد عن سعيد ابن أبي هلال عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: سمعت أنس بن مالك يصف النبي ﷺ قال: كان ربعة من القوم ليس بالطويل ولا بالقصير، أزهر اللون، ليس بأبيض أمهق، ولا بأدم، ليس بجعد قطط، ولا سبط رجل، أنزل عليه وهو ابن أربعين، فلبث بمكة عشر سنين ينزل عليه: وبالمدينة عشر سنين، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء. قال ربيعة. فرأيت شعرا من شعره فإذا هو أحمر، فسألت. فقيل: أحمر من الطيب [ (٣) ] . ولمسلم من حديث إسماعيل بن جعفر وسليمان بن بلال. كلاهما عن ربيعة عن أنس أنه سمعه يقول: كان رسول اللَّه ﷺ ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، وليس بالأبيض الأمهق ولا بالآدم، ولا بالجعد القطط، ولا بالسبط، كان أزهر، بعثه اللَّه على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشر سنين، وتوفاه اللَّه على دابر ستين سنة، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء [ (٤) ] .

стр. 592

لم يقل في حديث إسماعيل على رأس ستين سنة. قال الحافظ أبو نعيم: هذا حديث صحيح ثابت متفق عليه، رواه عن ربيعة يحيى بن سعيد الأنصاري، وعمرو ابن يحيى المازني، وعبادة بن غزية، وسعيد بن هلال وأسامة بن زيد، ونافع بن أبي نعيم، ومحمد بن إسحاق، وعبد اللَّه بن عمر، وفليح. وأبو أويس، وعبد العزيز الماجشون، والدراوَرْديّ: والثوري، ومالك والأوزاعي، وسعد، وأبو بكر ابن عياش، وقرة بن جبريل، وأبو زكين، وأنس بن عياض، ومنصور بن أبي الأسود، وإبراهيم بن طهمان في آخرين. وخرّج الترمذي من حديث عبد الوهاب الثقفي عن حميد عن أنس، قال: كان النبي ﷺ ربعة، ليس بالطويل، ولا بالقصير، حسن الجسم، أسمر اللون، كان شعره ليس بجعد ولا سبط، إذا مشى يتوكأ، قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح غريب [ (١) ] . ولمسلم من حديث الجرير عن أبي الطفيل قال: قلت له: رأيت رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: نعم، كان أبيض مليح الوجه [ (٢) ] . وله أيضا من حديث الجرير عن أبي الطفيل قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ وما على وجه الأرض رجل رآه غيري، قال: قلت: فكيف رأيته: قال: كان أبيض مليج الوجه مقصدا [ (٢) ] . وخرجه ابن أبي خيثمة والبخاري ومسلم من حديث محمد بن فضيل عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي جحيفة قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ قد شاب، وكان الحسن بن على يشبهه [ (٣) ] . ولأبي داود الطيالسي من حديث عثمان بن عبد اللَّه بن عزيز عن نافع بن جبير عن علي بن أبي طالب رضي اللَّه تعالى عنه قال: كان رسول اللَّه ﷺ مشربا وجهه حمرة. قال البيهقي، ويقال إن المشرب بالحمرة ما أضحى للشمس والرياح، وما تحت

стр. 593

الثياب فهو الأبيض الأزهر. وقال ابن إسحاق عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم، عن أبيه أن سراقة بن جعشم قال: أتيت رسول اللَّه ﷺ [وكان راكبا] على ناقته، انظر إلى ساقه كأنها جمّارة [ (١) ] . وخرج الحافظ يعقوب بن سفيان الفسوي من حديث مزاحم بن أبي مزاحم عن عبد العزيز بن عبد اللَّه بن خالد بن أسيد عن محرش الكعبي قال: اعتمر رسول اللَّه ﷺ من الجعرانة ليلا فنظرت إلى ظهره كأنه سبيكة فضة. وخرج من حديث ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة رضي اللَّه تعالى عنه يصف رسول اللَّه ﷺ فقال: كان شديد البياض. وللترمذي في الشمائل من حديث صالح بن أبي الأخضر عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: كان رسول اللَّه ﷺ أبيض كأنما صيغ من فضة، رجل الشعر [ (٢) ] قلت: صالح بن أبي الأخضر ضعيف في الزهري، قال ابن معين: ليس بشيء في الزهري، وفي رواية صالح بن أبي الأخضر بغير ضعيف [ (٣) ] . وقال ابن المبارك: أخبرني رشدي بن سعد قال: أخبرني عمرو بن الحارث عن أبي يونس مولى أبي هريرة أنه سمع أبا هريرة قال: ما رأيت شيئا أحسن من النبي ﷺ كأن الشمس تجري في وجهه، وما رأيت أحدا أسرع في مشيته منه، كأن الأرض تطوى له، إنا لنجتهد وإنه [ (٤) ] غير مكترث. وخرجه أبو عيسى الترمذي من حديث قتيبة قال: أخبرنا ابن لهيعة عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: ما رأيت [شيئا أحسن من النبي ﷺ ] [ (٥) ] . وخرجه تقي بن مخلد من حديث حرملة قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني

стр. 594

عمرو بن الحارث أن أبا يونس مولى أبي هريرة حدثه عن أبي هريرة أنه سمعه يقول: ما رأيت شيئا أحسن من رسول اللَّه ﷺ ، كأنما الشمس تجري في وجهه، وما رأيت أحدا أسرع من رسول اللَّه ﷺ في مشيته كأنما الأرض تطوى له، إنا لنجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث. قال الترمذي: هذا حديث غريب: قال مؤلفه: إسناد تقي هذا الحديث أجود من إسناد الترمذي، وإسناد تقي على شرط مسلم. وقد روي مسلم عن حرملة بن يحيى هذا غير ما حدثت، ولم يخرج هو ولا البخاري من حديث ابن لهيعة شيئا. وخرّج مسلم من حديث محمد بن جعفر قال: أخبرنا شعبة عن سماك بن حرب قال: سمعت جابر بن سمرة قال: كان رسول اللَّه ﷺ ضليع الفم، أشكل العينين، منهوس العقبين [ (١) ] . قال: قلت لسماك: ما ضليع الفم؟ قال: عظيم الفم، قلت، ما أشكل العينين؟ قال. طويل شق العينين، قلت: ما منهوس العقب؟ قال: قليل لحم العقب. قال قاسم بن ثابت في كتاب الدلائل: وتفسير سماك على ما ذكره إلا في الشكلة، فإن ابن الهيثم أخبرنا عن داود بن محمد عن ثابت بن عبد العزيز قال: الشكلة في العين حمرة تخالط البياض، وقال أبو عبيد: الشكلة كهيئة الحمرة تكون في بياض العين، والشهلة عين الشكلة، وهي حمرة في سواد العين. وخرجه الترمذي من حديث أبي قطن قال: أخبرنا شعبة عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال: كان رسول اللَّه ﷺ أشكل العينين منهوس العقب، قال: هذا حديث حسن صحيح. وخرج من حديث محمد بن جعفر عن شعبة مثل حديث مسلم، وقال في تفسيره: قال شعبة: قلت لسماك: ما ضليع الفم؟ قال: واسع الفم.. الحديث.

стр. 595

وخرجه أبو داود من حديث شعبة بسنده ولفظه: كان رسول اللَّه ﷺ أشهل العينين منهوس العقب ضليع الفم. وللترمذي من حديث عباد بن العوام، أخبرنا الحجاج عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال: كان في ساقي رسول اللَّه ﷺ حموشة، وكان لا يضحك إلا تبسما، وكنت إذا نظرت إليه قلت: أكحل وليس بأكحل. قال أبو عيسى. هذا حديث حسن غريب صحيح [ (١) ] . وله من حديث عمر بن عبد اللَّه مولى غفرة قال: حدثني إبراهيم بن محمد من ولد علي ﵁ قال: كان رسول اللَّه ﷺ أدعج العينين أهدب الأشفار [ (٢) ] ، والدعج: سواد العينين، والأهدب: الطويل الأشفار، وهو الشعر المتعلق به الأجفان. وقال حجاج: حدثنا حماد عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل عن محمد بن علي عن أبيه قال: كان رسول اللَّه ﷺ عظيم العينين أهدب الأشفار متشرب العين بحمرة. وخرّج سعيد بن منصور من حديث خالد بن عبد اللَّه عن عبيد اللَّه بن محمد ابن عمر بن علي بن أبي طلب عن أبيه عن جده قال: قيل لعلي ﵁: انعت لنا رسول اللَّه ﷺ فقال: كان أبيض مشربا بياضه حمرة، وقال: كان أسود الحدقة أهدب الأشفار. وله من حديث عيسى بن يونس قال، حدثنا عمر بن عبد اللَّه مولى غفرة عن إبراهيم بن محمد من ولد علي قال: كان علي ﵁ إذا نعت رسول اللَّه ﷺ قال: كان في الوجه تدوير أبيض مشرب، أدعج العينين، أهدب الأشفار. ومن حديث ابن أبي ذؤيب: حدثنا صالح مولى التّزمّة عن أبي هريرة ﵁ أنه كان ينعت النبي ﷺ قال. كان أهدب أشفار العين.

стр. 596

أما صفة جبينه وأنفه وحاجبيه وفمه وأسنانه ونكهته فخرّج يعقوب بن سفيان من حديث الزهري عن سعيد بن المسيّب أنه سمع أبا هريرة يصف رسول اللَّه ﷺ فقال: كان خاضّ الجبين أهدب الأشفار. وفي حديث أبي هالة: كان رسول اللَّه ﷺ واسع الجبين أزج الحواجب سوابغ في غير قرن، بينهم عرق يدره الغضب، أقنى العرنين، له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشمّ، سهل الخدين ضليع الفم أشنب، مفلج الأسنان. وقال موسي بن عقبة عن كريب عن ابن عباس ﵁ قال: كان رسول اللَّه ﷺ أفلج الثنيتين، كان إذا تكلم رئي كالنور بين ثناياه، وقال أبو عبيدة معمر ابن المثنى: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كنت قاعدة أغزل والنبي ﷺ يخصف نعله، فجعل جبينه يعرق، وجعل عرقه يتولد نورا، فبهت، فنظر إليّ فقال: مالك؟ قلت: جعل جبينك يعرق، وجعل عرقك يتولد نورا، فلو رآك أبو كثير الهزلي لعلم أنك أحق بشعره، قال: وما يقول أبو كثير؟ قلت: يقول: وإذا نظرت إلى أسرّة وجهه ... برقت كبرق العارض المتهلل فقام فقبّل بين عيني، وقال: جزاك اللَّه يا عائشة عني خيرا، ما سررت مني كسروري منك. أخرجه ابن عساكر في تاريخه. ولابن حبان من حديث أبي جعفر الداريّ، عن أبي رهم عن يونس بن عبيد (مولى لأنس) عن أنس قال: صحبت رسول اللَّه ﷺ عشر سنين، وشممت العطر كله، فلم أشم نكهة أطيب من نكهته [ (١) ] . وأما بلوغ صوته حيث لا يبلغ صوت غيره فخرج أبو نعيم من حديث حمزة الزيات عن أبي إسحاق عن البراء قال: خطبنا رسول اللَّه ﷺ حتى أسمع العواتق في خدورهن، ينادي بأعلى صوته: يا معشر من آمن بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم،

стр. 597

فإنه من يتبع عورة أخيه أتبع اللَّه عورته، ومن اتبع اللَّه عروته فضحه في جوف بيته [ (١) ] . وخرجه من حديث عمران بن وهب عن سعيد بن عبد اللَّه بن جريج عن أبي بردة قال: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ بالهاجرة العليا بصورت يسمع العواتق في خدورهن فقال: يا معشر من آمن بلسانه ... فذكره. ومن حديث أبي ثميلة قال: حدثنا جريج بن هلال الطائي، حدثنا عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه قال: صلينا خلف النبي ﷺ يوما، فلما انفلت من صلاته أقبل علينا غضبان فنادى بصوت أسمع العواتق في أجواف الخدور فقال: يا معشر من أسلم بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تسبوا المسلمين ولا تطلبوا عوراتهم، فإنه من طلب عورة أخيه المسلم هتك اللَّه ستره، وأبدى عروته ولو كان في جوف بيته، أو في ستر بيته [ (٢) ] . عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ جلس يوم الجمعة على المنبر فقال للناس: اجلسوا، فسمع عبد اللَّه بن رواحة فجلسوا في بني غنم، فقيل يا رسول اللَّه، ذاك ابن رواحة جالس في بني غنم، سمعك وأنت تقول للناس اجلسوا فجلسوا في مكانه [ (٣) ] . وله من حديث مسدد قال: أخبرنا عبد الوارث عن حميد الأعرج عن محمد ابن إبراهيم التيمي بن عبد الرحمن بن معاذ- وكان من أصحاب النبي ﷺ قال: خطبنا رسول اللَّه ﷺ بمنى، ففتحنا أسماعنا حتى إن كنا لنسمع ما يقول ونحن في منازلنا، فطفق يعلمهم مناسكهم ثم قال: عليكم بحصى الخذف [ (٤) ] . وقال سفيان عن سعد عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة عن أم هانئ قالت: كنت أسمع قراءة النبي ﷺ وأنا على عريش أهلي. وقال هلال بن حباب: نزلت أنا ومجاهد على يحيى بن جعدة بن أم هانئ فحدثنا عن أم هانئ قالت: كنا نسمع قراءة رسول اللَّه ﷺ في جوف الليل عند

стр. 598

الكعبة وأنا على عريشي. وأما صفة لحيته ففي حديث علي ﵁: كان رسول اللَّه ﷺ ضخم الرأس واللحية، وفي رواية: كان ضخم الهامة عظيم اللحية [ (١) ] . وللترمذي من حديث أبي هالة: كان رسول اللَّه ﷺ كثّ اللحية. ورواه حماد عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل عن محمد بن علي عن أبيه قال: كان رسول اللَّه ﷺ كث اللحية، وليعقوب بن سفيان من حديث الزهري عن ابن المسيب أنه سمع أبا هريرة يصف رسول اللَّه ﷺ فقال: كان أسود اللحية حسن الشعر. وقال محمد بن المثنى: حدثنا يحيى بن كثير عن أبي ضمضم قال: نزلت بالرجيع فقيل لي: هاهنا رجل رأى النبي ﷺ فأتيته فقلت: رأيت رسول اللَّه؟ قال نعم، رأيته رجلا مربوعا حسن السّبلة، قال: وكانت اللحية تدعى في أول الإسلام سبلة. وقال عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول اللَّه ﷺ كان يأخذ من لحيته من طولها وعرضها بالسّوية. وروي ابن عبد البر من طريق جنادة بن مروان الأزدي عن جرير بن عثمان عن عبد اللَّه بن بسر قال: كان شارب رسول اللَّه ﷺ بحيال شفته. وقال محمد بن عائذ: قال ابن شهاب الزهري: أخبرني عروة عن عائشة ﵂، انصرف رسول اللَّه ﷺ من جنازة سعد بن معاذ ويده في لحيته. وقال ابن شهاب: أخبرني سعيد بن المسيب عن عائشة قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا وجد [ (٢) ] فإنما يده في لحيته يفتلها أو يحركها. قال محمد بن عمرو عن علقمة الليثي عن عائشة قالت. بكى أصحاب رسول اللَّه ﷺ على سعد- يعني ابن معاذ- حتى إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء

стр. 599

عمر ﵄، قالت: وكانوا كما قال اللَّه : رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [ (١) ] . فقال: يا أمتاه! فما صنع رسول اللَّه ﷺ ؟ فقالت: ما كانت عيناه تكاد تدمعان على أحد، ولكنه كان إذا وجد [ (٢) ] فإنما يده في لحيته. وقال حماد بن سلمة: أخبرنا عبيد اللَّه بن عمر عن سعيد المقبري عن ابن جريج أنه قال لابن عمر: رأيتك تحفي شاربك، قال: رأيت النبي ﷺ يحفي شاربه. وقال الفضل بن دكين: أخبرنا مندل عن عبد الرحمن بن زياد عن أشياخ لهم قالوا: كان رسول اللَّه ﷺ يأخذ الشارب من أطرافه. وأما صفة شعره فخرج مسلم من حديث أنس كان رسول اللَّه ﷺ رجل الشعر ليس بالسبط ولا بالجعد القطط. وأخرج من حديث مالك وغيره عن ربيعة، وللبخاريّ من حديث مسلم ابن إبراهيم: أخبرنا جرير عن قتادة عن أنس: كان النبي ﷺ ضخم اليدين لم أر بعده مثله، وكان شعر النبي ﷺ رجل لا جعدا ولا سبطا. ومن حديث وهب بن جرير قال: حدثني أبي عن قتادة قال: سألت أنس ابن مالك عن شعر النبي ﷺ فقال: كان شعر رسول اللَّه رجلا ليس بالسبط ولا الجعد، بين أذنيه وعاتقه، ذكرهما في اللباس، وخرّج مسلم من هذه الطريق نحو هذا [ (٣) ] . ولأبي داود من حديث عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ثابت عن أنس قال: كان شعر رسول اللَّه ﷺ إلى شحمة أذنيه [ (٤) ] . وقال حميد عن أنس كان شعر رسول اللَّه ﷺ إلى أنصاف أذنيه.

стр. 600

وللبخاريّ من حديث أبي إسحاق سمعت البراء بن عازب قال: كان رسول اللَّه ﷺ مربوعا بعيد ما بين المنكبين، يبلغ شعره شحمة أذنيه. الحديث. وأخرجه مسلم ولفظه: ما رأيت أحدا من خلق في حلة حمراء يعني أحسن من رسول اللَّه، إن [ (١) ] لمّته تضرب قريبا من منكبيه. وفي حديث علي ﵁ كان كثير شعر الرأس رجله. ولأبي داود من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: كان شعر رسول اللَّه ﷺ فوق الوفرة ودون الجمة. وقال سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: قالت أم هانئ: قدم النبي ﷺ مكة وله أربع غدائر يعني ضفائر. وفي الصحيحين من حديث ابن شهاب عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه عن ابن عباس قال: كان رسول اللَّه ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه، وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون دونهم، فسدل رسول اللَّه ناصيته ثم فرق بعد [ (٢) ] . وقال ابن إسحاق حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة قالت. أنا فرقت لرسول اللَّه ﷺ رأسه [صدعت] [ (٣) ] فرقه عن يافوخه، وأرسلت ناصيته بين عينيه. قال ابن إسحاق واللَّه أعلم: ذلك لقول رسول اللَّه ﷺ : لا تكف ثوبا ولا شعرا، وهي سيما كان يتوسم بها. قال: وقد قال محمد بن جعفر وكان فقيها: ما هي إلا سيما من سيم الأنبياء تمسكت بها النصارى من بين الناس.
следующие страницы →