وللدارقطنيّ من حديث موسى بن هلال [العبديّ] عن عبيد اللَّه بن عمر ابن نافع عن ابن عمر- رضي اللَّه ﵎ عنهما-، قال: قال رسول اللَّه ﷺ من زار قبري وجبت له شفاعتي
[ (١) ] .
وخرج الدارقطنيّ أيضا من حديث يحيي بن محمد بن صاعد، حدثنا أبو محمد العبادي حدثنا مسلمة بن سالم الجهنيّ حدثنا عبد اللَّه بن عمر عن نافع عن سالم، عن أبيه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : من جاءني زائرا لم يدعه حاجة إلا زيارتي كان حقا عليّ أن أكون شفيعا له يوم القيامة.
وقال محمد بن إسماعيل بن أبي فديك: أخبرني سليمان بن يزيد الكعبي عن أنس بن مالك- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: إن رسول اللَّه ﷺ قال: من زار قبري بالمدينة محتسبا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة.
ولابن أبي الدنيا من حديث سعيد بن عثمان الحرجاني قال: أخبرنا محمد بن أبي فديك قال: أخبرنا عمر بن حفص، قال: إن ابن أبي ملكية قال:
سمعت بعض من أدركت يقول: بلغنا أنه يقول: إنه من وقف عند قبر النبي ﷺ فتلا هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [ (٢) ] الآية ثم قال:
فتلا صلى اللَّه عليك يا محمد، حتى يقولها سبعين مرة ناداه ملك: صلى اللَّه عليك يا فلان، لم تسقط لك حاجة! [ (٣) ] .
وخرج أبو محمد الروائي من طريق ابن زيد بن سعد حدثنا عمرو بن مالك
стр. 5781
البكري حدثنا أبو الحور بن عبد اللَّه قال: قحط أهل المدينة قحطا شديدا فشكوا إلى عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها-، فقالت: انظروا قبر النبي ﷺ فاجعلوا منه كوة إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف قال:
ففعلوا فمطرنا مطرا حتى نبت العشب، وسمنت الإبل، حتى تفتقت من الشحم، فسمي عام الفتق.
وقد روي من طريق، محمد بن حرب الهلالي قال: دخلت المدينة فأتيت قبر رسول اللَّه ﷺ [فزرته، وجلست بحذائه] [ (١) ] فجاء أعرابي فزاره ثم قال:
يا خير المرسلين إن اللَّه أنزل عليك كتابا صادقا، قال فيه: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً [ (٢) ] .
وإني جئتك مستغفرا إلى ربي من ذنوبي مستشفعا بك، ثم بكى وأنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه [ (٣) ] * فطاب من طيبهنّ القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه* فيه العفاف وفيه الجود والكرم ثم استغفر وانصرف. قال: فرقدت فرأيت النبي ﷺ وهو يقول: إن اللَّه قد غفر له لشفاعتي.
وخرج أبو نعيم من طريق محمد بن سليمان حدثنا عبد الحميد بن سليمان عن سعيد بن المسيب قال: لقد رزيتني ليالي الحرة وما في مسجد رسول اللَّه ﷺ غيري، وقال: لا يأتي وقت صلاة إلا سمعت الأذان من القبر، ثم أتقدم فأقيم وأصلى، وإن أهل الشام ليدخلون المسجد فيقولون: انظروا إلى هذا الشيخ المجنون.
قال أبو محمد الدرامي: وأخبرنا مروان بن محمد عن سعيد بن عبد العزيز، قال: لما كان أيام الحرة لم يؤذن في مسجد النبي ﷺ بالمدينة، ولم يقم، ولم يبرح سعيد بن المسيب من المسجد وكان لا يعرف وقت الصلاة إلا بهمهمة
стр. 5782
يسمعها من قبر النبي ﷺ .
وقال أبو عبد اللَّه محمد بن الحسن بن زبالة: وحدثني محمد بن الحسن عن غير واحد، منهم عبد العزيز بن محمد بن عمران بن محمد أنه لما كان أيام الحرة ترك مسجد رسول اللَّه ﷺ ثلاثة أيام، وخرج الناس إلى الحرة، وجلس سعيد بن المسيب في مسجد رسول اللَّه ﷺ قال: فاستوجب فدنوت قبر رسول اللَّه ﷺ فلما حضرت الظهر سمعت الأذان في قبر رسول اللَّه ﷺ فصليت ركعتين ثم سمعت الإقامة فصليت الظهر، ثم جلست حتى حضرت العصر، فسمعت الأذان في قبر رسول اللَّه ﷺ فصليت ركعتين ثم سمعت الإقامة فصليت العصر، ثم لم أزل أسمع الأذان في قبره حتى مضت الثلاث، وفعل القوم ودخلوا مسجد رسول اللَّه ﷺ وعاد المؤذنون فأذنوا فسمعت الأذان في قبره ﷺ فلم أسمعه، فرجعت إلى مجلسي الّذي أجلس فيه [ (١) ] .
وخرج الحافظ أبو عبد اللَّه محمد بن النجار من حديث أبي السكن الهمدانيّ، قال: حدثني محمد بن حامان قال: سمعت إبراهيم بن شيبان يقول: حجحت فجئت المدينة فتقدمت إلى قبر رسول اللَّه ﷺ فسلمت عليه، فسمعت من داخل الحجرة: وعليك السلام.
وقد روى يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل عن ابن حمد قال: ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكا في مسجد رسول اللَّه ﷺ فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن اللَّه أدّب قوما فقال:
لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [ (٢) ] .
ومدح قوما فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [ (٣) ] .
وذم قوما فقال: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [ (٤) ] .
стр. 5783
وإن حرمته ﷺ ميتا كحرمته حيا، فاستكان له أبو جعفر وقال: يا أبا عبد اللَّه! أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵇ إلى اللَّه تعالى يوم القيامة؟ بل استقبله، واستشفع به، فيشفع لك عند اللَّه تعالى.
قال اللَّه ﵎: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً [ (١) ] .
وقال القاضي عياض: [ (٢) ] وزيادة قبره ﷺ سنة من سنن المسلمين مجمع عليها، وفضيلة مرغب فيها، حدثنا القاضي أبو علي، حدثنا أبو الفضل بن خيرون قال: حدثنا الحسن ابن جعفر قال: حدثنا أبو الحسن علي بن عمر الدارقطنيّ قال حدثنا القاضي المحاملي قال: حدثنا محمد بن عبد الرزاق قال: حدثنا موسي بن هلال عن عبيد اللَّه بن عمر عن نافع عن ابن عمر- رضي اللَّه ﵎ عنهما- قال:
قال النبي ﷺ : من زار قبري وجبت له شفاعتي.
وعن أنس بن مالك قال، قال رسول اللَّه ﷺ : من زارني في المدينة محتسبا كان في جواري، وكنت له شفيعا يوم القيامة.
وفي حديث آخر: من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي.
وكره مالك أن يقال زرنا قبر النبي ﷺ ، وقد اختلف في معني ذلك فقيل كراهية الاسم لما ورد من قوله ﷺ : لعن اللَّه زوارات القبور، وهذا يرده قوله:
نهيتم عن زيارة القبور فزوروها. وقوله من زار قبري فقد أطلق اسم الزيارة، وقيل: لأن ذلك لما قيل: إن الزائر أفضل من المزور، وهذا أيضا ليس بشيء إذ ليس كل زائر بهذه الصفة، وليس هذا عموما، وقد ورد في حديث أهل الجنة زيارتهم لربهم، ولم يمنع هذا اللفظ في حقه تعالى.
وقال أبو عمران ﵀: انما كره مالك أن يقال: طواف الزيارة، وزرنا قبر النبي ﷺ لاستعمال الناس ذلك بينهم بعضهم لبعض، وكره تسوية النبي ﷺ مع الناس بهذا اللفظ. وأيضا فإن الزيارة مباحة بين الناس، وواجب شد المطيّ إلي قبره ﷺ يريد بالوجوب هنا وجوب ندب وترغيب وتأكيد لا
стр. 5784
وجوب فرض، والأولى عندي أن منعه وكراهة مالك له لإضافته إلي قبر النبي ﷺ ، وأنه لو قال: زرنا النبي ﷺ لم يكرهه لقوله ﷺ : اللَّهمّ لا تجعل قبري وثنا يعبد بعدي، اشتد غضب اللَّه على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد فنفي إضافة هذا اللفظ إلي القبر والتشبه بفعل أولئك قطعا للذريعة وحسما للباب واللَّه أعلم.
قال إسحاق بن إبراهيم الفقيه ومما لم يزل من شأن من حج المرور بالمدينة والقصد الى الصلاة في مسجد رسول اللَّه ﷺ ، والتبرك برؤية روضته، ومنبره، وقبره، ومجلسه، وملامس يديه، ومواطئ قدميه، والعمود الّذي كان يستند، إليه وينزل جبريل بالوحي فيه عليه وبمن عمره، وقصده، من الصحابة وأئمة المسلمين، الاعتبار بذلك كله.
وقال ابن أبي فديك: سمعت بعض من أدركت يقول بلغني أنه من وقف عند قبر النبي ﷺ فتلا هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ثم قال: صلى اللَّه عليك يا محمد، من يقولها سبعين مرة ناداه ملك: صلى اللَّه عليك يا فلان، ولم تسقط له حاجة.
وعن يزيد بن أبي سعيد المقبري قدمت على عمر بن عبد العزيز فلما ودعته قال: لي إليك حاجة: إذا أتيت المدينة سترى قبر النبي ﷺ فأقرئه مني السلام. قال غيره: وكان يبرد إليه البريد من الشام، قال بعضهم: رأيت أنس بن مالك أتى قبر النبي ﷺ فوقف فرفع يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة فسلم علي النبي ﷺ ثم انصرف، وقال مالك في رواية ابن وهب: إذا سلم على النبي ﷺ ودعا يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة، ويدنو، ويسلم، ولا يمس القبر بيده.
وقال في (المبسوط) : لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو ولكن يسلم ويمضي، قال ابن أبي مليكة من أحب أن يقوم وجاه النبي ﷺ فليجعل القنديل الّذي في القبلة عند القبر على رأسه، وقال نافع كان ابن عمر يسلم على القبر، رأيته مائة مرة وأكثر يجئ إلي القبر فيقول السلام على النبي ﷺ ، السلام على أبي بكر، السلام على أبي ثم ينصرف، ورئي ابن عمر واضعا يده علي مقعد النبي ﷺ من المنبر ثم وضعها على وجهه.
وعن ابن قسيط والعتبيّ: كان أصحاب النبي ﷺ إذا خلا المسجد حسوا رمانة المنبر التي تلي القبر بميامنهم، ثم استقبلوا القبلة يدعون. وفي (الموطأ) من رواية يحيى بن يحيى الليثي: أنه كان يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي
стр. 5785
على النبي ﷺ وعلى أبي بكر، وعمر- رضي اللَّه ﵎ عنهما-.
وعند ابن القاسم والقعنبي: ويدعو لأبي بكر وعمر قال مالك في رواية ابن وهب: يقول المسلم السلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه وبركاته.
قال في (المبسوط) : ويسلم علي أبي بكر وعمر. قال القاضي أبو الوليد الباجي: وعندي أنه يدعو للنّبيّ ﷺ بلفظ الصلاة، ولأبي بكر وعمر كما في حديث ابن عمر من الخلاف. وقال ابن حبيب: ويقول إذا دخل مسجد الرسول بسم اللَّه، وسلام على رسول اللَّه، السلام علينا من ربنا، وصلى اللَّه وملائكته علي محمد. اللَّهمّ اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، وجنتك، واحفظني من الشيطان الرجيم، ثم اقصد إلي الروضة، وهي ما بين القبر والمنبر فاركع فيها ركعتين قبل وقوفك بالقبر تحمد اللَّه فيها وتسأله تمام ما خرجت إليه، والعون عليه، وإن كانت ركعتاك في غير الروضة أجزأتاك، وفي الروضة أفضل، وقد قال ﷺ : ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على ترعة من ترع الجنة.
ثم تقف بالقبر متواضعا متوقرا، فتصلي عليه وتثني بما يحضرك، وتسلم علي أبي بكر وعمر، وتدعو لهما، وأكثر من الصلاة في مسجد النبي ﷺ بالليل والنهار، ولا تدع أن تأتي مسجد قباء وقبور الشهداء.
قال مالك في كتاب محمد: ويسلم على النبي ﷺ إذا دخل وخرج يعني في المدينة وفيما بين ذلك. قال محمد: وإذا خرج جعل آخر عهده الوقوف بالقبر وكذلك من خرج مسافرا. وروي ابن وهب عن فاطمة بنت النبي ﷺ :
وقل: اللَّهمّ اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرجت صل على النبي ﷺ وقل: اللَّهمّ اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك، وفي رواية أخرى: فليسلم مكان فليصل فيه، ويقول إذا خرج: اللَّهمّ إني أسالك من فضلك، وفي آخر اللَّهمّ احفظني من الشيطان الرجيم، وعن محمد بن سيرين كان الناس يقولون إذا دخلوا المسجد: صلى اللَّه وملائكته على محمد السلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه وبركاته باسم اللَّه دخلنا وباسم اللَّه خرجنا، وعلى اللَّه توكلنا، وكانوا يقولون إذا خرجوا مثل ذلك.
وعن فاطمة أيضا كان النبي ﷺ إذا دخل المسجد قال: صلى اللَّه على محمد، ثم ذكر مثل حديث فاطمة قبل هذا، وفي رواية: حمد اللَّه وسمى وصلى على النبي ﷺ وذكر مثله. وفي رواية باسم اللَّه والسلام على رسول اللَّه، وعن غيرها كان رسول اللَّه ﷺ إذا دخل المسجد قال: اللَّهمّ افتح لي
стр. 5786
أبواب رحمتك ويسر لي أبواب رزقك.
وعن أبي هريرة: إذا دخل أحدكم المسجد فليصل على النبي ﷺ وليقل:
اللَّهمّ افتح لي ...
وقال مالك في (المبسوط) : وليس يلزم من دخل المسجد وخرج منه من أهل المدينة الوقوف بالقبر وإنما ذلك للغرباء، وقال فيه أيضا: لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلي سفر أن يقف على قبر النبي ﷺ ، فيصلي عليه ويدعو له، ولأبي بكر وعمر، فقيل له: إن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر وربما وقفوا في الجمعة أو في الأيام المرة أو المرتين أو أكثر عند القبر فيسلمون ويدعون ساعة، فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا وتركه واسع، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده.
قال ابن القاسم: ورأيت أهل المدينة إذا خرجوا منها أو دخلوها أتوا القبر فسلموا. قال: وذلك رأى. قال الباجي: ففرق بين أهل المدينة والغرباء، لأن الغرباء قصدوا لذلك وأهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم. وقال ﷺ : اللَّهمّ لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب اللَّه على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وقال: لا تجعلوا قبري عيدا.
ومن كتاب أحمد بن سعيد الهندي فيمن وقف بالقبر لا يلصق به، ولا يمسه، ولا يقف عنده طويلا، وفي (العتبية) : يبدأ بالركوع قبل السلام في مسجد النبي ﷺ ، وأحب مواضع التنفل فيه: مصلي النبي حيث العمود المخلق، وأما في الفريضة فالتقدم إلي الصفوف والتنفل فيه للغرباء أحب إليّ من التنفل في البيوت.
стр. 5787
فصل فيما يلزم من دخل مسجد النبي ﷺ من الأدب سوى ما قدمناه وفضله وفضل الصلاة فيه وفي مسجد مكة، وذكر قبره ومنبره، وفضل سكنى المدينة ومكة
قال اللَّه تعالى: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ
روي أن النبي ﷺ سئل: أي مسجد هو؟ قال: مسجدي هذا،
وهو قول ابن المسيب وزيد بن ثابت وابن عمر ومالك بن أنس وغيرهم، وعن ابن عباس أنه مسجد قباء.
حدثنا هشام بن أحمد الفقيه بقراءتي عليه قال: حدثنا الحسين بن محمد الحافظ حدثنا أبو عمر النمري حدثنا أبو محمد بن عبد المؤمن حدثنا أبو بكر بن داسة حدثنا أبو داود، حدثنا مسدد، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد ابن المسيب، عن أبي هريرة- رضي اللَّه ﵎ عنه- عن النبي ﷺ قال: لا تشد الرحال إلا إلي ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى.
وقد تقدمت الآثار في الصلاة والسلام علي النبي ﷺ عند دخول المسجد.
وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ كان إذا دخل المسجد قال: أعوذ باللَّه العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم.
وقال مالك ﵀: سمع عمر بن الخطاب رضي اللَّه ﵎ عنه- صوتا في المسجد، فدعا بصاحبه فقال: ممن أنت؟ قال: رجل من ثقيف، قال لو كنت من هاتين القريتين لأدبتك، إن مسجدنا لا يرفع فيه الصوت.
قال محمد بن مسلمة: لا ينبغي لأحد أن يتعمد المسجد برفع الصوت، ولا بشيء من الأذى، وأن ينزه عما يكره، قال القاضي: حكي ذلك كله القاضي إسماعيل في (مبسوطه) في باب فضل مسجد النبي ﷺ . والعلماء كلهم متفقون أن حكم سائر المساجد هذا الحكم.
قال القاضي إسماعيل: وقال محمد بن مسلمة: ويكره في مسجد الرسول ﷺ الجهر علي المصلين فيما يخلط عليهم صلاتهم، وليس مما يخص به المساجد رفع الصوت، قد كره رفع الصوت بالتلبية في مساجد الجماعات إلا المسجد الحرام ومسجدنا.
وقال أبو هريرة- ﵁ قال رسول اللَّه ﷺ : صلاة في
стр. 5788
مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام،
قال القاضي:
اختلف الناس في معنى هذا الاستثناء على اختلافهم في المفاضلة بين مكة والمدينة، فذهب مالك في رواية أشهب عنه وقاله ابن قانع صاحبه وجماعة من أصحابه إلى أن معني الحديث أن الصلاة في مسجد الرسول أفضل من الصلاة في سائر المساجد بألف صلاة إلا المسجد الحرام، فإن الصلاة في مسجد النبي ﷺ أفضل من الصلاة فيه بدون الألف، واحتجوا بما روي عن عمر بن الخطاب- رضي اللَّه ﵎ عنه- صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيما سواه، فتأتي فضيلة مسجد الرسول ﷺ بتسعمائة، وعلي غيره بألف، وهذا مبنيّ على تفضيل المدينة علي مكة على ما قدمناه، وهو قول عمر بن الخطاب، ومالك، وأكثر المدنيين، وذهب أهل مكة والكوفة إلي تفضيل مكة وهو قول عطاء، وابن وهب وابن حبيب من أصحاب مالك، وحكاه الساجي عن الشافعيّ، وحملوا الاستثناء في الحديث المتقدم على ظاهره، وأن الصلاة في المسجد الحرام أفضل، واحتجوا بحديث عبد اللَّه بن الزبير عن النبي ﷺ بمثل حديث أبي هريرة، وفيه: وصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة، وروى قتادة مثله، فيأتي فضل الصلاة في المسجد الحرام علي هذا، على الصلاة في سائر المساجد بمائة ألف، ولا خلاف أن موضع قبره ﷺ أفضل بقاع الأرض.
قال القاضي أبو الوليد الباجي: الّذي يقتضيه الحديث مخالفة حكم مسجد مكة لسائر المساجد، ولا يعلم منه حكمها مع المدينة.
وذهب الطحاوي إلى أن هذا التفضيل إنما هو في صلاة الفرض، وذهب مطرف من أصحابنا إلى أن ذلك في النافلة أيضا، قال: وجمعة خير من جمعة، ورمضان خير من رمضان،
وقد ذكر عبد الرزاق في تفضيل رمضان بالمدينة وغيرها حديثا نحوه، وقال ﷺ : ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة،
ومثله عن أبي هريرة وأبي سعيد، وزاد: ومنبري على حوضي، وفي حديث آخر: منبري على ترعة من ترع الجنة.
قال الطبري: فيه معنيان:
أحدهما: أن المراد بالبيت بيت سكناه على الظاهر مع أنه روي ما بين حجرتي ومنبري.
والثاني: أن البيت هنا القبر، وهو قول زيد بن أسلم في هذا الحديث، كما روي: بين قبري ومنبري. قال الطبري: وإذا كان قبره في بيته اتفقت
стр. 5789
معاني الروايات، ولم يكن بينها خلاف، لأن قبره في حجرته، وهو بيته.
وقوله: ومنبري على حوضي، قيل: يحتمل أنه منبره بعينه الّذي كان في الدنيا، وهو أظهر. والثاني: إلا أن يكون له هناك منبر، والثالث إن قصد منبره والحضور عنده لملازمة الأعمال الصالحة يورد الحوض ويوجب الشرب منه، قاله الباجي.
وقوله: روضة من رياض الجنة يحتمل معنيين:
أحدهما: أنه موجب لذلك وأن الدعاء والصلاة فيه يستحق ذلك من الثواب، كما قيل: الجنة تحت ظلال السيوف، والثاني: أن تلك البقعة قد ينقلها اللَّه فتكون في الجنة بعينها قاله الداوديّ.
وروى ابن عمر وجماعة من الصحابة أن النبي ﷺ قال في المدينة: لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة، وقال فيمن تحمل عن المدينة: والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون.
وقال: إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها.
وقال: لا يخرج أحد من المدينة رغبة عنها إلا أبدلها اللَّه خيرا منه.
وروى عنه ﷺ : من مات في أحد الحرمين حاجا أو معتمرا بعثه اللَّه يوم القيامة لا حساب عليه ولا عذاب. وفي طريق آخر: بعث من الآمنين يوم القيامة،
وعن ابن عمر: من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإنّي أشفع لمن يموت بها، وقال تعالي: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً إلى قوله: آمِناً قال بعض المفسرين: آمنا من النار، وقيل: كان يأمن من الطلب من أحدث حدثا خارجا عن الحرم ولجأ إليه في الجاهلية، وهذا مثل قوله: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً على قول بعضهم.
وحكي أن قوما أتوا سعدون الخولانيّ بالمنستير فأعلموه أن كتامة قتلوا رجلا وأضرموا عليه النار طول الليل فلم تعمل فيه شيئا، وبقي أبيض البدن! فقال: لعله حج ثلاث حجج، قالوا: نعم، قال: حدثت أن من حج حجة أدى فرضه، ومن حج ثانية داين ربه، ومن حج ثلاث حجج حرم اللَّه شعره وبشره على النار.
ولما نظر رسول اللَّه ﷺ إلى الكعبة قال: مرحبا بك من بيت ما أعظمك وأعظم حرمتك.
وفي الحديث عنه ﷺ : ما من أحد يدعو اللَّه تعالي عند الركن الأسود إلا استجاب اللَّه له، وكذلك عند الميزاب.
وعنه ﷺ : من صلى خلف
стр. 5790
المقام ركعتين غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وحشر يوم القيامة من الآمنين.
قال الفقيه القاضي أبو الفضل: قرأت على القاضي الحافظ أبي علي، حدثنا أبو العباس العذري قال: حدثنا أبو أسامة محمد بن أحمد بن محمد الهروي، حدثنا الحسن بن رشيق، سمعت أبا الحسن محمد بن الحسن بن راشد، سمعت أبا بكر محمد بن إدريس، سمعت الحميدي قال: سمعت سفيان ابن عيينة قال: سمعت عمرو بن دينار قال: سمعت ابن عباس يقول: سمعت رسول اللَّه ﵌ يقول: ما دعا أحد بشيء في هذا الملتزم إلا استجيب له.
قال ابن عباس: وأنا فما دعوت اللَّه بشيء في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من رسول اللَّه ﵌ إلا استجيب لي.
وقال عمرو بن دينار: وأنا، فما دعوت اللَّه تعالى بشيء في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من ابن عباس إلا استجيب لي، وقال سفيان: وأنا فما دعوت اللَّه بشيء في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من عمرو إلا استجيب لي، قال الحميدي: وأنا فما دعوت اللَّه بشيء في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من سفيان إلا استجيب لي، وقال محمد بن إدريس: وأنا، فما دعوت اللَّه بشيء في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من الحميدي إلا استجيب لي، وقال أبو الحسن محمد بن الحسن: وأنا، فما دعوت اللَّه بشيء في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من محمد ابن إدريس إلا استجيب لي. قال أبو أسامة: وما أذكر الحسن بن رشيق قال فيه شيئا، وأنا، فما دعوت اللَّه بشيء في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من الحسن بن رشيق إلا استجيب لي من أمر الدنيا، وأنا أرجو أن يستجاب لي من أمر الآخرة. قال العذري: وأنا، فما دعوت اللَّه بشيء في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من أبي أسامة إلا استجيب لي، قال أبو علي: وأنا، فقد دعوت اللَّه فيه بأشياء كثيرة استجيب لي بعضها، وأنا أرجو من سعة فضله أن يستجيب لي بقيتها.
قال القاضي أبو الفضل: ذكرنا نبذا من هذه النكت في هذا الفصل وإن لم تكن من الباب، لتعلقها بالفصل الّذي قبله حرصا على تمام الفائدة واللَّه الموفق للصواب برحمته. انتهى كلام القاضي عياض.
وقال: ابن زبالة: وحدثني غير واحد، عن: عبد العزيز بن أبي حازم، ونوفل بن عمار، قالوا: إن كانت عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- لتسمع صوت الوتد يؤتد، والبناء يضرب في بعض الدور المطمئنة بمسجد النبي ﷺ ، فترسل إليهم: لا تؤذوا رسول اللَّه ﷺ .
стр. 5791
قال: وقد ذكرنا عمر بن عبد العزيز بالمسجد النبوي، فبينا أولئك العمال يعملون في المسجد وما إن خلا لهم المسجد فقال بعض أولئك العمال من الروم: ألا أبول على قبر نبيهم؟ فنهاهم عن ذلك بعض أصحابهم، فلما همّ أن يفعل، اقتلع فألقي على رأسه فانتتر دماغه وأسلم بعض أولئك النصارى، وقد ذكر أن أبا الفتوح بن جعفر بن محمد الحسيني أمير مكة أمره خليفة مصر في سنة تسعين وثلاثمائة أن يتوجه إلي المدينة وينقل الجند المعظم إلى مصر، وبعث إليه عسكرا، فقده المدينة وأزال من حوله من بني مهنا الحيثيون عنها، ودخل الحجرة الشريفة ليمضي ما عزم عليه، فقام رجل فقرأ قوله تعالى: أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [ (١) ] حتى تجيء سحابه خرج منها ريح عاصف ظلمت منه المدينة وما حولها وقويت حتى كادت تقتلع المنارات وهلك معظم العسكر ودواوينهم فكف أبو الفتوح عما قصده وعاد الى مكة.
وقد ذكر الحافظ محب الدين أبو عبد اللَّه محمد بن محمود بن الحسن المعروف باسم ابن النجار ﵀ هذا الخبر في (تاريخه) فقال أيضا: أخبرنا أبو محمد عبد اللَّه بن المبارك المقدسي عن أبي المعالي صالح بن شافع الحنبلي، قال: أنبأنا القاسم بن عبد اللَّه بن محمد المقدسيّ المعلم، حدثنا أبو القاسم عبد الحكيم بن محمد المغربي، قال: إن بعض الزنادقة أشار على الحاكم العبيدي صاحب مصر بنقل النبي ﷺ وصاحبيه إلى مصر، وزين له ذلك وقال:
متى تم ذلك شد الناس رحالهم من أقطار الأرض إلى مصر، وكانت منفعة لسكانهم، فأجابه الحاكم في ذلك، وبني بمصر [مسجدا] أنفق عليه مالا جزيلا قال: وبعث إلى أبي الفتوح [ ... ] الموضع الشريف، وحمله، فلما وصل إلى المدينة وجلس بها حضر جماعة من المدينتين وقد علموا ما جاء فيه، وحضر معهم قارئ يعرف [بالألباني] فقرأ في المجلس: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ إلى قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ (٢) ] فهاج الناس وكادوا يقتلون أبا الفتوح ومن معه من الجند، ومنعهم من سارع إلى ذلك، إلا أن البلاد كانت لهم، لما رأى أبو الفتوح ذلك قال لهم: اللَّه أحق أن يخشى، واللَّه لو كان علي من الحاكم فوات الروح ما تعرضت للموضع، وحصل له من ضيق الصدر ما
стр. 5792
أزعجه، كيف نهض في مثل هذه المحربه؟ فما انتصف النهار في ذلك اليوم حتى أرسل اللَّه تعالى ريحا كادت الأرض تزلزل من فوقها، حتى خرجت الإبل بأثقالها، والخيل بسروجها، كما تدحرج الكرة على وجه الأرض، وهلك أكثرها، وحلق بالناس، فانشرح صدر أبى الفتوح، وذهب روعه من الحاكم لقيام عدد من امتناع ما جاء فيه.
وقال المحب الطبري في كتاب (الرياض النضرة في فضائل العشرة) - رضي اللَّه ﵎ عنهم-: أخبرني هارون بن الشيخ عمر بن الراغب قال: كنت مجاورا بالمدينة وشيخ الخام إذ ذاك شمس الدين صواب الملطي، وكان رجلا صالحا كثير البر بالفقراء، فقال لي يوما: ما أخبرك بعجبه: كان لي صاحب يجلس عند الأمير ويأتيني من خبره بما يمس حاجتي إليه، فبينا أنا ذات يوم إذ جاءني فقال: أمر عظيم حدث اليوم، قال: قلت: وما هو؟ قال:
جاء قوم من أهل حلب وبذلوا للأمير مالا كثيرا وسألوه أن يمكنهم من فتح الحجرة [النبويّة] وإخراج أبي بكر وعمر- رضي اللَّه ﵎ عنهما- منها، فأجابهم إلى ذلك، قال: فاهتممت لذلك هما، ولم ألبث أن جاء رسول الأمير يدعوني إليه فأجبته، فقال لي: يدق عليك الليلة أقوام المسجد، فافتح لهم، ومكنهم مما أرادوا ولا تعارضهم، ولا تعترض عليهم، فقلت سمعا وطاعة، وخرجت ولم [أر النوم] اجتمع [وجلست] خلف الحجرة أبكي لا ترقأ لي دمعة، ولا يشعر أحد بما بي، حتى إذا صليت العشاء الآخرة، وخرج الناس من المسجد وغلقنا الأبواب، فلم أنشب أن دق الباب الّذي حدا باب الأمير، ففتحت الباب، فدخل أربعون رجلا أعدهم واحدا بعد واحد، ومعهم المساحي، والمكاتل، والشموع، [وأرادوا] الهدم، وقصدوا الحجرة.
قال: فو اللَّه ما وصلوا المنبر حتى ابتلعتهم الأرض جميعهم، ما كان بينهم من آلات وغير ذلك، ولم يبق لهم أثر، قال: فاستبطأ الأمير خبرهم، فدعاني وقال: ألم يأتك القوم؟ قلت: بلى، ولكن اتفق لهم ما هو كيت وكيت، فقال: انظر ما تقول، قلت: لا هو ذلك، قلت: وانظر هل ترى فيهم باقية أو لهم أثر، فقال لي: هذا موضع الحديث، إن ظهر عنك كان يقطع رأسك. ثم خرجت عنه. انتهى.
وقال الحافظ جمال الدين أبو عبد اللَّه محمد بن أبي جعفر أحمد بن خلف ابن عيسى المرقى الخزرجي الدميني في (تاريخ المدينة) : وصل السلطان الملك
стр. 5793
العادل نور الدين محمود بن زنكي في صفر في سنة سبع وخمسين وخمسمائة إلى المدينة بسبب رؤيا رآها، ذكرها بعض الناس ومعه الفقيه علم الدين يعقوب ابن أبى بكر المحترق أبوه ليلة حريق المسجد عن من حدثه عن أكابر من أدرك، أن السلطان محمود المذكور أتى النبي ﷺ ثلاث مرات في ليلة واحدة وهو يقول له في كل واحدة منها: يا محمود أنقذنى من هذين، شخصين أشقرين تجاهه فاستحضر وزيره قبل الصبح فذكر له ذلك، فقال له: هذا أمر حدث في مدينة النبي ﷺ ليس له غيرك، فتجهز، وخرج علي عجل بمقدار ألف راحلة وما يتبعها من رجل وغير ذلك حتى دخل المدينة على غفلة من أهلها، والوزير معه، وزار وجلس في المسجد لا يرى ما يصنع فقال له الوزير: أتعرف الشخصين إذا رأيتهما؟ قال: نعم.
فطلب الناس عامة للصدقة، وفرق عليهم ذهبا كثيرا وفضة، وقال: لا يبقين أحد بالمدينة إلا جاء، فلم يبق إلا رجلان مجاوران من أهل الأندلس في الناحية التي تلى قبلة حجرة النبي ﷺ من خارج المسجد، عند دار عمر بن الخطاب- رضي اللَّه ﵎ عنه- التي تعرف اليوم بدار العشرة- رضي اللَّه ﵎ عنهم- فطلبهما للصدقة، فامتنعا وقالا: نحن على كفاية، ما نقبل شيئا.
فجد في طلبهما، فجيء بهما فلما رآهما قال الوزير: هم هذان، فسألهما عن حالهما، وما جاء بهما،
فقالا: جئنا لمجاورة النبي ﷺ فقال:
أصدقاني،
وتكرر السؤال حتى أفضى إلى معاقبتهما، أقرا أنهما من النصارى، وأنهما وصلا لكي ينقلا من في هذه الحجرة المقدسة باتفاق من ملوكهم، ووجدهما قد حفرا نفقا من تحت حائط المسجد القبلي، وهما قاصدان إلى جهة الحجرة الشريفة، ويجعلان التراب في بئر عندهما في البيت الّذي هم فيه، هكذا حدثني عن من حدثه.
فضرب أعناقهما عند الشباك الّذي في شرقيّ حجرة النبي ﷺ خارج المسجد، ثم أحرقا بالنار آخر النهار، وركب متوجها إلى الشام، فصاح به من كان نازلا خارج السور واستعانوا، فطلبوا أن يبني عليهم سورا يحفظ أبناءهم وماشيتهم، فأمر ببناء هذا السور الموجود اليوم، فبني في سنة ثمان وخمسين، وكتب اسمه على باب البقيع، فهو باق إلى اليوم، انتهى.
وفي سنة سبع عشرة وسبعمائة جهز الملك ابن صاحب عراقي والعجم عسكرا مع الشريف خميصة بن أبي نمر الحسني، أمير مكة، وقد عزل ولحق به،
стр. 5794
فأركبه وجهزه ليأخذ له مكة مع ملوك مصر مع الحجاز، وأوعز إليه أن يخرج أبا بكر وعمر- رضي اللَّه ﵎ عنهما- من قبريهما، فصار معه القيطة والمعمارية والآلات، حتى توسط أرض نجد، بلغ الأمير محمد بن معنى خبره، فركب إليه جمع موفور وطرقه ليلا، فاستباح عسكر حرابنده عن آخرهم وفي خميصة وفي طائفة من أصحابه إلى الحجاز، فغنم الأمير محمد جميع ما كان معه، ومضى إلى الشام وكتب إلى نائب الشام يخبره، ثم قدم عليه فحمله إلى السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون بقلعة الجبل من ديار مصر، فخلع عليه، وولاه إمارة العريف بالشام، بعد أن كان ساخطا عليه.
وتم هذا الكتاب البديع المنال، البعيد المثال، بتمام هذا الجزء [الرابع عشر] وهو المسمى:
إمتاع الأسماع بما للرسول ﷺ من الأنباء والأحوال والحفدة والمتاع
стр. 5795
نسأل اللَّه تعالى
حسن الخاتمة
قال محققه: وكان الفراغ من تحقيق هذا السفر العظيم في السيرة النبويّة، في ليلة النصف من شهر شعبان لسنه تسعة عشر ومائة وألف من هجرة خاتم المرسلين ﷺ ، الموافق الثالث من ديسمبر سنة ثمان وتسعين وتسعمائة وألف من ميلاد المسيح ﵇.
ولا يفوتني أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى كل من ساهم في إنجاز هذا العمل الجليل ولو بكلمة طيبة، وأخص بالذكر كلا من:
* مكتب المحمدية لنظم المعلومات والميكروفيلم، الأستاذين: حسن النميسى وحسين النميسى حيث قاما بالإشراف على إخراج الكتاب في مراحله المختلفة.
* الأستاذة/ [أم الشيماء] هانم محمد على سعد، التي قامت بنسخ المخطوطة من الميكروفيلم، ثم معالجة تجارب الطبع، فجزاها اللَّه تعالى عن السيرة النبويّة خير الجزاء.
* الأستاذة/ نجوى محمد فراج، التي قامت بعمليات الجمع والتنسيق والطبع.
* دار الكتب العلمية بيروت لبنان، وعلى رأسها الأخ الكريم الأستاذ الفاضل/ محمد على بيضون، الّذي لم يدخر جهدا ولا مالا في إبراز هذا الكتاب القيم، من غياهب المخطوطات إلى عالم المطبوعات، خدمة للسيرة النبويّة، وإثراء للمكتبة العربية الإسلامية، تيسيرا على الباحثين من عباد اللَّه في أرض اللَّه. والحمد للَّه الّذي بنعمته تتم الصالحات.
وبذلك أرجو أن أكون قد رددت الفضل إلى أهل الفضل، فإن ذلك من بركة العلم.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ* وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ