← Сира

Сира · id 1524

إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع

المقريزي

Полный текст (6 146 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

أكل رسول اللَّه ﷺ النّقي؟ قال [سهل] [ (١) ] ما رأى رسول اللَّه النّقىّ من حين ابتعثه اللَّه حتى قبضه اللَّه، قال: قلت: فهل كانت لكم في عهد رسول اللَّه مناخل؟ قال: ما رأى رسول اللَّه منخلا من حين بعثه اللَّه حتى قبضه اللَّه، قال: فكيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول؟ قال: كنا نطعنه وننفخه فيطير [ما طار وما بقي ثرّيناه فأكلناه] [ (١) ] . وأمّا تبسّمه [ (٢) ] ﷺ فقد قالت عائشة ﵂: ما رأيت النبي ﷺ مستجمعا قط ضاحكا حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم [ (٣) ] . وخرج الإمام أحمد من حديث ابن لهيعة، عن عبد اللَّه بن المغيرة قال: سمعت عبد اللَّه بن الحارث بن جزء يقول: ما رأيت أحدا كان أكثر تبسما من رسول اللَّه ﷺ [ (٤) ] . وخرّج ابن حبان من حديث عبد الحميد بن زياد بن صهيب، عن أبيه عن صهيب قال: ضحك رسول اللَّه ﷺ حتى بدت نواجذه [ (٥) ] .

стр. 737

وخرج من حديث بقية، عن حبيب بن عمر الأنصاري، عن شيخ يكنى أبا عبد اللَّه الصمد، قال: سمعت أم الدرداء [ (١) ] تقول:

стр. 738

كان أبو الدرداء [ (١) ] إذا حدّث حديثا تبسّم، فقلت: لا يقول الناس إنك أي أحمق، فقال: ما رأيت أو ما سمعت رسول اللَّه ﷺ يحدث حديثا إلا تبسم.

стр. 739

وفي رواية: كان أبو الدرداء لا يحدث بحديث إلا تبسم، فقالت له: إني أخشى أن يحمّقك الناس، فقال: كان رسول اللَّه ﷺ لا يحدث بحديث إلا تبسّم [ (١) ] . ومن حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: ضحك رسول اللَّه ﷺ حتى بدت أنيابه. وكذا من حديث وهب بن جرير، أخبرنا أبي قال: سمعت ابن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه قال: أقبل أعرابي على ناقة له حتى أناخ بباب المسجد، فدخل على نبي اللَّه وحمزة بن عبد المطلب جالس في نفر من المهاجرين والأنصار، فيهم النعيمان، فقالوا للنعيمان: ويحك! إن ناقته نادية أي سمينة، فلو نحرتها فإنا قد قدمنا إلى اللحم، ولو فعلت عزمها رسول اللَّه وأكلنا لحمها، فقال: إني إن فعلت ذلك وأخبرتموه وجد عليّ، قالوا: إلا تفعل!! فقام،

стр. 740

فضرب لبتها ثم انطلق، فمر بالمقداد قد حفر حفرة استخرج منها طينا، فقال: يا مقداد! غيبني في هذه الحفرة وأطبق عليّ شيئا، ولا تدل عليّ أحدا، فإنّي قد أحدثت حدثا، ففعل. فما خرج الأعرابي ورأى ناقته صرخ، فخرج نبي اللَّه ﷺ وقال: من فعل هذا؟ قالوا: نعيمان! قال: فأين توجه؟ قالوا: ها هنا، فتبعه رسول اللَّه ﷺ ومعه حمزة وأصحابه، حتى أتى على المقداد فقال له: هل رأيت نعيمان؟ فكشف رسول اللَّه ﷺ عن الحفرة، فلما رآه قال: أي عدوّ نفسه! ما حملك على ما صنعت؟ قال: والّذي بعثك بالحق لأمرني حمزة وأصحابه، فأرضى ﵇ الأعرابي وقال: شأنكم بها فأكلوها، فكان رسول اللَّه ﷺ إذا ذكر صنعه ضحك حتى تبدو نواجذه. وقال زائدة عن أبان، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد اللَّه قال: ما حجبني رسول اللَّه ﷺ منذ أسلمت ولا رآني إلا ضحك [ (١) ]

стр. 741

وفي الصحيح أن رسول اللَّه ﷺ حكى عن رجل أخرج من النار، فقيل له، تمنّ فتمنّى، فيقال: لك ما تمنيت وعشرة أضعاف الدنيا، فيقول أتسخر بي وأنت الملك؟ فضحك رسول اللَّه ﷺ حتى بدت نواجذه [ (١) ] . ولابن حبان من حديث الليث، عن جرير بن حازم عن الحسن بن عمارة، عن سلمة بن كهيل، عن عبد الرحمن قال: سمعت علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما بعثني رسول اللَّه ﷺ إلى اليمن، أتاني ثلاثة نفر يختصمون في غلام ابن امرأة وقعوا عليها جميعا في طهر واحد، كلهم يدعى أنه ابنه، فأقرعت بينهم فألحقته بالذي أصابته القرعة، ولصاحبيه ثلثي دية الحد، فلما قدمت على رسول اللَّه ﷺ ذكرت له ذلك، فضحك حتى ضرب برجليه الأرض ثم قال: حكمت فيهم بحكم اللَّه، أو قال لقد رضي اللَّه حكمك فيهم [ (٢) ] .

стр. 742

قال ابن الجوزي: وهذا الحديث لا يثبت، فيه جماعة مجروحون، ولا يصح عن رسول اللَّه ﷺ أنه كان يزيد على التبسم. وخرّج الإمام أحمد [ (١) ] وأبو يعلي، والبزار والطبراني في الكبير، من حديث هشام عن أبي الزبير، عن عبد اللَّه بن سلمة، عن علي أو عن الزبير قال: كان رسول اللَّه ﷺ يخطبنا فيذكرنا بأيام اللَّه، حتى نعرف ذلك في وجهه، وكأنه نذير قوم يصبحهم الأمر غدوة، وكان إذا كان حديث عهد بجبريل لم يتبسم ضاحكا حتى يرتفع (عنه) [ (٢) ] . وأما محبته الفأل [ (٣) ] وتركه الطيرة [ (٤) ] وتغيير الاسم القبيح فخرج مسلم من حديث يحيى بن عتيق قال: أخبرنا محمد بن سيرين عن أبي

стр. 743

هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : لا عدوى ولا طيرة وأحب الفأل الصالح [ (١) ] . ومن حديث هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ لا عدوى ولا هامة ولا طيرة، وأحب الفأل الصالح [ (٢) ] . وخرّجا من حديث معمر وشعيب عن الزهري عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، أن أبا هريرة [ (٣) ] قال: سمعت النبي ﷺ يقول: لا طيرة، وخيرها الفأل، قيل: يا رسول اللَّه، وما الفأل؟ قال: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم [ (٤) ] . وخرج البخاري وأبو داود من حديث هشام، أخبرنا قتادة عن أنس، عن النبي ﷺ قال: لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل، الكلمة الحسنة [ (٥) ] . وخرج أبو داود [ (٦) ] من حديث هشام عن قتادة، عن عبيد اللَّه بن بريدة، عن

стр. 744

أبيه أن النبي ﷺ كان لا يتطير من شيء، وكان إذا بعث عاملا سأل عن اسمه، فإذا أعجبه اسمه فرح به، ورئي أثر [ (١) ] ذلك في وجهه، وإن كره اسمه رئي كراهة [ (٢) ] ذلك في وجهه، وإذا دخل قرية سأل عن اسمها، فإذا [ (٣) ] أعجبه اسمها [فرح بها] ، ورئي بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمها رئي كراهية [ (٤) ] ذلك في وجهه. وقال مالك عن يحيى بن سعيد أن رسول اللَّه ﷺ قال للقحة تحلب: من يحلب هذه؟ فقام رجل، فقال رسول اللَّه ﷺ : ما اسمك؟ فقال له الرجل: مرّة، فقال له رسول اللَّه ﷺ : اجلس، ثم قال: من يحلب هذه؟ فقام رجل فقال له رسول اللَّه ﷺ : ما اسمك؟ فقال: حرب، فقال رسول اللَّه ﷺ : اجلس، ثم قال: من يحلب هذه؟ فقام رجل فقال له رسول اللَّه ﷺ : ما اسمك؟ فقال يعيش، فقال له رسول اللَّه ﷺ : احلب. هكذا رواه مالك مرفوعا عن يحيى [ (٥) ] . وخرج قاسم بن أصبغ من حديث الحسين بن واقد، عن عبد اللَّه بن بريدة [ (٦) ] عن أبيه قال: كان رسول اللَّه ﷺ لا يتطير ولكن يتفاءل، فركب بريدة في سبعين راكبا من أهل بيته من بني سهم، فلقي رسول اللَّه ﷺ بماء، فقال له رسول اللَّه ﷺ : من أنت؟ قال: بريدة، فالتفت إلى أبي بكر ﵁ فقال: برد أمرنا وصلح، ثم قال: ممن؟ قال: من أسلم، قال: لأبي بكر: سلمنا، ثم قال: ممن؟ قال: من سهم، قال: خرج سهمك [ (٧) ] ، قال بريدة للنّبيّ ﷺ فمن أنت؟ قال:

стр. 745

محمد بن عبد اللَّه، رسول اللَّه، قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأنك عبده ورسوله. فأسلم بريدة، وأسلم الذين معه جميعا، فقال [ (١) ] بريدة للنّبيّ ﷺ لا تدخل المدينة إلا معك لواء، فحل عامته، ثم شدها في رمح، ثم مشى بين يديه حتى دخل المدينة، قال بريدة: الحمد للَّه الّذي أسلمت [له] بنو سهم طائعين. وخرج الترمذي من حديث حماد بن سلمة عن حميد عن أنس، أن نبي اللَّه ﷺ كان إذا خرج لحاجته، يعجبه أن يسمع: يا راشد.. يا نجيح. قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب صحيح [ (٢) ] . وخرج البزار من حديث معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن عبد اللَّه بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : إذا أبردتم إليّ بريدا فأبردوه حسن الوجه، حسن الاسم [ (٣) ] . وقال: لا نعلم رواه بهذا الإسناد إلا قتادة. وقال هشام الدستواني، عن يحيي بن كثير قال: كتب رسول اللَّه ﷺ إلى أمراء الأجناد: ألا توفدوا إلينا إلا برجل حسن الوجه، حسن الاسم. وخرّج ابن حبان من حديث مبارك بن فضالة [ (٤) ] ، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن

стр. 746

نافع عن ابن عمر ﵁، أن رسول اللَّه ﷺ سمع كلمة فأعجبته، فقال: أخذنا فألك من فيك [ (١) ] . وخرج الترمذي من حديث عمر بن عليّ المقدّميّ، عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يغير الاسم القبيح. وربما قال عمر ابن على عن هشام بن عروة عن أبيه عن النبي ﷺ مرسل، ولم يذكر فيه [عن] عائشة [ (٢) ] . وخرّج مسلم والترمذي من حديث يحيى عن سعيد عن عبيد اللَّه قال: أخبرني نافع عن ابن عمر أن رسول اللَّه ﷺ غيّر اسم عاصية، وقال: أنت جميلة [ (٣) ] . ولمسلم من حديث حماد بن سلمة عن عبيد اللَّه عن نافع، عن ابن عمر، أن ابنة لعمر ﵁ يقال لها عاصية، فسماها رسول اللَّه ﷺ جميلة [ (٤) ] ، وله من حديث سفيان بن عبد الرحمن- مولى أبي طلحة- عن كريب عن ابن عباس ﵁ قال: كانت جويرة اسمها برة، فحول رسول اللَّه ﷺ اسمها جويرة، وكان

стр. 747

يكره أن يقال: خرج من عند برة [ (١) ] . وللبخاريّ ومسلم من حديث شعبة عن عطاء بن ميمونة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن زينب كان اسمها برة، فقيل: تزكي نفسها، فسماها رسول اللَّه ﷺ زينب [ (٢) ] . ولمسلم من حديث الوليد بن كثير قال: حدثني محمد بن عمرو، عن عطاء قال: حدثتني زينب ابنة أم سلمة، قالت: كان اسمي برة، فسماني رسول اللَّه زينب. قالت: دخلت عليه بنت جحش واسمها برة، فسماها زينب [ (٣) ] . ومن حديث الليث عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، قال سميت ابنتي برة، فقالت لي زينب بنت أبي سلمة: إن رسول اللَّه ﷺ نهى عن هذا الاسم، وسمّيت برّة، فقال رسول اللَّه ﷺ : لا تزكوا أنفسكم، اللَّه أعلم بأهل البر منكم، فقالوا: بم نسميها؟ قال: سموها زينب [ (٤) ] . وخرّج الإمام أحمد من حديث عبيد اللَّه بن عمر، عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، عن محمد بن علي، عن علي ﵁ قال: لما ولد الحسن سماه حمزة، فلما ولد الحسين سماه بعمه جعفر فدعاني رسول اللَّه ﷺ ، فقال: إني أمرت أن أغير اسم هذين، قلت: اللَّه ورسوله أعلم، فسماها، حسنا وحسينا [ (٥) ] . وخرّج قاسم بن أصبغ وأحمد بن حنبل من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن هانئ عن علي ﵁ قال: لما ولد الحسن جاء النبي فقال: أرونى ابني، ما سميتموه؟ قلت: سميته حربا، قال: بل هو حسن، فلما ولد الحسين

стр. 748

قال: أرونى ابني، ما سميتموه؟ قلت: سميته حربا، قال بل هو حسين، فلما ولد الثالث جاء النبي ﷺ فقال: أروني ابني، ما سميتموه؟ قلت: حربا، قال هو محسن [ (١) ] . وخرج الإمام أحمد من حديث سفيان عن أبي إسحاق عن رجل من جهينة قال سمع النبي ﷺ رجلا يقول: يا حرام، فقال: يا حلال. ومن حديث يحيى بن أبي بكير، حدثنا عبيد اللَّه بن إياد [ (٢) ] بن لقيطة [السدوسي] [ (٣) ] عن أبيه عن ليلى امرأة بشير بن الخضامية عن بشير قال: وكان قد أي النبي ﷺ واسمه زحم- فسماه النبي بشيرا [ (٤) ] . ومن حديث إسماعيل بن عياش عن بكر بن زرعة الخولانيّ عن مسلم بن عبد اللَّه الأزدي قال: جاء عبد اللَّه بن قرظ الأزدي إلى النبي ﷺ فقال له: ما اسمك؟ قال: شيطان بن قرظ، فقال له النبي ﷺ : أنت عبد اللَّه بن قرظ. ومن حديث شعبة عن عبد اللَّه بن أبي السفر [ (٥) ] عن عامر الشعبي عن عبد بن مطيع بن الأسود، حدثني عدي بن كعب عن أبيه مطيع- وكان اسمه العاصي- فسماه رسول اللَّه ﷺ مطيعا. قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ أمر بقتل هؤلاء الرهط بمكة يقول: لا تغزى مكة بعد هذا اليوم أبدا. ولأبي داود [ (٦) ] من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبيه عن جده أن

стр. 749

النبي ﷺ قال له: ما اسمك؟ قال: حزن، قال: بل أنت سهل، قال: لا، السهل يوطأ ويمتهن، قال سعيد: فظننت أن ستصيبنا بعده حزونة. قال أبو داود: وغير النبي ﷺ اسمه العاص وعزيز وعتلة [ (١) ] ووشيطان والحكم وغراب وحباب وشهاب فسماه هشاما، وسمى حربا سلما [ (٢) ] ، وسمي المضطجع المنبعث، وأرض تسمى عفرة [ (٣) ] سماها خضرة، وشعب الضلالة سماها شعب الهدى، وبنى الزّنية سماهم بني الرّشدة، وسمى بني مغوية بني رشدة [ (٤) ] . قال أبو داود: وتركنا أسانيدهما للاختصار.

стр. 750

وخرّج بقي [بن] مخلد من حديث عبدة بن هشام عن أبيه عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ مرّ بأرض تسمى مجدبة فسماها خضرة. وخرّج البخاري من حديث الزهري عن ابن المسيب عن أبيه أن أباه جاء النبي فقال: ما اسمك؟ قال: حزن، قال: أنت سهل، قال لا أغير اسما سمانيه أبي، قال ابن المسيب: فما زالت الحزونة فينا بعده. ترجم عليه باب اسم الحزن، وذكره أيضا في باب تحويل الاسم إلي اسم أحسن منه. [و] [ (١) ] من حديث ابن جريج، أخبرني عبد الحميد بن جبير بن شيبة قال: جلست إلى سعيد بن المسيب فحدثني أن جده قدم على النبي فقال: ما اسمك؟ الحديث بنحو منه. وللبخاريّ ومسلم من حديث أبي غسان حدثني أبو حازم عن سهل بن سعد قال: أتي بالمنذر بن أبى أسيد إلى النبي ﷺ حين ولد فوضعه على فخذه وأبو أسيد جالس، فلهى النبي ﷺ بشيء بين يديه، فأتي أبو أسيد بابنه فاحتمل من فخذ النبي فأقلبوه [ (٢) ] ، فاستفاق النبي [ (٣) ] ﷺ فقال: أين الصبي؟ فقال أبو أسيد: أقلبناه يا رسول اللَّه، قال ما اسمه؟ قال: فلان، قال: لا، ولكن اسمه المنذر، فسماه يومئذ المنذر. وذكره البخاري [ (٤) ] في باب تحويل الاسم إلى اسم أحسن منه ولم يقل: فأقبلوه، وقال: ولكن اسمه المنذر، لم يذكر لا. وخرّج أبو داود [ (٥) ] من حديث بشير ابن ميمون عن عمه عن أسامة بن أخدريّ أن رجلا يقال له أصرم كان في النفر

стр. 751

الذين أتوا رسول اللَّه ﷺ فقال له رسول اللَّه ﷺ ما اسمك؟ قال [أنا] [ (١) ] أصرم، قال: بل أنت زرعة. وقال أبو بكر بن أبي شيبة، أخبرنا يزيد بن المقدام بن شريح عن المقدام بن شريح عن أبيه عن جده هاني بن شريح أنه ذكر أنه أول ما وفد إلى النبي ﷺ في قومه سمعهم وهو يكنون هاني أبا الحكم، فدعاه النبي ﷺ فقال: إنه اللَّه هو الحكم وإليه الحكم، فلم تكن أبا الحكم؟ فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء فحكمت بينهم رضي كلا الفريقين، قال: ما أحسن هذا، قال: فما لك من الولد؟ قال: شريح بن هاني وعبد اللَّه ومسلم قال أين أكبرهم؟ قال: شريح، قال: أنت أبو شريح، فدعاه له ولولده، وسمع القوم وهم يسمون رجلا منهم عبد الحجر فقال: ما اسمك؟ فقال: عبد الحجر، فقال: بل أنت عبد اللَّه- وأنه لما حضر خروج القوم إلى بلادهم أعطى كل رجل منهم [] [ (٢) ] في بلاده حيث أحب، إلا أن هانئ قال له: يا رسول اللَّه، أخبرني بشيء يوجب لي الجنة، قال: عليك بحسن الكلام وبذل الطعام. وذكره أبو داود في باب تغيير الاسم القبيح إلى قوله: فأنت أبو شريح، وبعده قال أبو داود: هذا هو الّذي كسر السلسلة وهو ممن دخل تستر. وخرّجه النسائي [ (٣) ] أيضا والبخاري في (الأدب المفرد) [ (٤) ] .

стр. 752

فصل في ذكر اجتهاد رسول اللَّه ﷺ في طاعة ربه ومداومته على عبادته خرّج البخاري من حديث حيوة عن أبي الأسود، سمع عروة عن عائشة ﵂ أن نبي اللَّه ﷺ كان يقوم الليل حتى تتفطر [ (١) ] قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول اللَّه وقد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا؟ فلما كثر لحمه صلّى جالسا فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثم ركع [ (٢) ] .

стр. 753

وخرّجه مسلم من حديث أبي صخر عن ابن قسيط عن عروة عن عائشة قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا صلّى قام حتى تفطر رجلاه، قالت عائشة: يا رسول اللَّه! أتصنع هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا؟ [ (١) ] . ولهما من حديث أبي عوانة عن زياد بن علاقة عن المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ صلّى حتى انتفخت قدماه، فقيل له: أتكلف هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا؟ [ (٢) ] . وللبخاريّ من حديث مسعر [ (٣) ] عن زياد قال: سمعت المغيرة يقول: إن كان النبي ﷺ ليقوم أو يصلي حتى ترم قدماه أو ساقاه، فيقال له، فيقول: أفلا أكون عبدا شكورا؟ [ (٤) ] .

стр. 754

وله من حديث أبي عيينة، أخبرنا زياد أنه سمع المغيرة يقول: قام النبي ﷺ حتى تورمت قدماه، فقيل له: قد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبدا شكورا؟ [ (١) ] . وخرّج قاسم بن أصبغ من حديث سفيان عن زياد بن علاقة عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : جعلت قرة عيني الصلاة [ (٢) ] ، وكان يصلي حتى ترم قدماه، قال: فقيل له يا رسول اللَّه! أليس قد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا؟ وله من حديث شعبة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول اللَّه ﷺ يصلي حتى ترم قدماه، فقيل له: تفعل هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا؟ وخرّج ابن حبان في صحيحه من حديث أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب أن عليا قال: إن رسول اللَّه ﷺ لما أصبح ببدر من الغد أحيا تلك الليلة كلها وهو مسافر [ (٣) ] .

стр. 755

ومن حديث شعبة عن حارثة بن مضرب عن علي ﵁ قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا قائم إلا رسول اللَّه ﷺ تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح [ (١) ] وخرّج الإمام أحمد من حديث مالك عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن معمر عن أبي يوسف مولى عائشة عن عائشة أن [رجلا سأل رسول اللَّه ﷺ ] فقال: يا رسول اللَّه، تدركني الصلاة وأنا جنب، وأنا أريد الصيام فقال رسول اللَّه ﷺ وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب وأنا أريد الصيام فأغتسل وأصوم، فقال الرجل: إنا لسنا مثلك، قد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول اللَّه وقال: واللَّه إني لأرجو أن أكون أخشاكم للَّه وأعلمكم بما أتقى [ (٢) ] وخرّج ابن عساكر من حديث آدم، أخبرنا أبو شيبة عن عطاء الخراساني عن أبي عمران الجوني عن عائشة قالت: كان أحب الأعمال إلى رسول اللَّه أربعة، فعملان يجهدان ماله وعملان يجهدان جسده، فأما اللذان يجهدان ماله فالجهاد والصدقة، وأما اللذان يجهدان جسده فالصوم والصلاة [ (٣) ] . وخرّج من حديث عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريح قال: قال عبد اللَّه بن أبي مليكة: سمعت أهل عائشة يذكرون عنها أنها كانت تقول: كان رسول اللَّه شديد الإنصاب لجسده في العبادة، غير أنه حين دخل في السن وثقل من اللحم كان أكثر ما يصلي وهو قاعد [ (٣) ] .

стр. 756

وخرّج البخاري [ (١) ] ومسلم [ (٢) ] وأبو داود [ (٣) ] من حديث منصور عن إبراهيم عن علقمة قال: سألت أم المؤمنين عائشة ﵂ قلت: يا أم المؤمنين، كيف كان عمل رسول اللَّه ﷺ ؟ هل كان يخص شيئا من الأيام؟ قالت: لا، كان عمله ديمة، وأيّكم تستطيعون ما كان رسول اللَّه ﷺ يستطيع. ذكره البخاري في كتاب الرقاق، وفي كتاب الصيام [ (٤) ] وخرّج البخاري من حديث عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثني أبو هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : إياكم والوصال، قال: قلت: فإنك تواصل يا رسول اللَّه، قال: إني لست في ذاكم مثلكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، فاكلفوا من العمل ما لكم به طاقة [ (٥) ] . وخرّجه مسلم من

стр. 757

أوجه [ (١) ] . وخرّجا معناه من حديث ابن عمر وأنس وعائشة والنسائي في كتاب عمل اليوم والليلة من [حديث] سعيد بن عبد العزيز عن إسماعيل بن عبيد اللَّه عن خالد بن عبد اللَّه بن الحسين قال: سمعت أبا هريرة يقول: ما رأيت أحدا أكثر أن يقول: أستغفر اللَّه وأتوب إليه من رسول اللَّه ﷺ ، قال: إني لأستغفر اللَّه وأتوب إليه في اليوم مائة مرة [ (٢) ] .

стр. 758

وله من حديث مغيرة بن أبي الخواء الكندي عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده قال: جاء رسول اللَّه ﷺ ونحن جلوس فقال: ما أصبحت غداة قط إلا استغفرت اللَّه فيها مائة مرة [ (١) ] . وله من حديث عفان عن حماد بن سلمة قال: أخبرنا ثابت عن أبي بردة عن [الأغر المزني] [ (٢) ] قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: إنه ليغان على قلبي حتى استغفر اللَّه في كل يوم مائة مرة [ (٣) ] .

стр. 759

ومن حديث جعفر بن سليمان عن ثابت عن أبي بردة عن رجل من أصحابه قال: قال رسول اللَّه ﷺ إنه ليغان على قلبي فأستغفر اللَّه كل يوم مائة مرة. ومن حديث سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال قال: حدثني أبو بردة قال: جلست إلى رجل من المهاجرين يعجبني تواضعه، فسمعته يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: يا أيها الناس توبوا إلى اللَّه واستغفروه فإنّي أتوب إلى اللَّه وأستغفره كل يوم [مائة] مرة، أو قال: أكثر من مائة مرة [ (١) ] .

стр. 760

ورواه النضر بن شميل من حديث محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : إني لأستغفر اللَّه وأتوب إليه في كل يوم مائة مرة [ (١) ] . وخرج الإمام أحمد من حديث داود عن الشعبي عن مسروق قال: قالت عائشة: كان رسول اللَّه ﷺ يكثر في آخر أمره من قول: سبحان اللَّه وبحمده أستغفر اللَّه وأتوب إليه، قالت: فقلت: يا رسول اللَّه! ما لي أراك تكثر من قول سبحان اللَّه وبحمده أستغفر اللَّه وأتوب إليه؟ قال: إني ربي كان أخبرني أني

стр. 761

سأرى علامة في أمتي وأمرني إذا رأيتها أن أسبح بحمده وأستغفره إنه كان توابا، فقد رأيتها، إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً [ (١) ] . وخرّج البخاري ومسلم من حديث الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة السليماني عن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : اقرأ عليّ القرآن، فقلت: يا رسول اللَّه! أقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟ قال: إني أشتهي أن أسمعه من غيري، قال: [فقرأت عليه] حتى إذا بلغت فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [ (٢) ] ، فرفعت بصري أو غمزني رجل إلى جنبي فرفعت رأسي فرأيت دموعه تسيل. وقال البخاري: إني أحب أن أسمعه من غيري- وهنا انتهى حديثه- لم يذكر ما بعده. ترجم عليه باب من أحب أن يسمع القرآن من غيره، وذكره في باب البكاء عند قراءة القرآن [ (٣) ] .

стр. 762

وفي رواية لمسلم: قال لي رسول اللَّه ﷺ وهو على المنبر اقرأ عليّ، فذكره [ (١) ] . وذكر البخاري في كتاب التفسير من حديث سفيان عن سليمان عن إبراهيم عن عبيده عن عبد اللَّه قال يحيى بعض الحديث «عن عمرو بن مرة قال: قال لي النبي ﷺ اقرأ عليّ، قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل، قال: إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً قال: أمسك، فإذا عيناه تذرفان» [ (٢) ] . وذكره في فضائل القرآن وكرره [ (٣) ] . وذكر له مسلم عدة طرق. وخرج الترمذي من حديث عبد اللَّه بن المبارك، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن مطرف بن عبد اللَّه بن الشخير عن أبيه قال: أتيت النبي ﷺ وهو يصلي،

стр. 763

ولجوفه أزيز [ (١) ] كأزيز المرجل (من البكاء) [ (٢) ] . وخرجه ابن حبان من حديث هدبة عن حماد بمثله سواء [ (٣) ] . ورواه يزيد بن هارون عن حماد عن ثابت عن مطرف عن أبيه أنه قال: رأيت

стр. 764

رسول اللَّه ﷺ يصلي وفي صدره أزيز أزيز الرحى من البكاء [ (١) ] . وخرج الترمذي من حديث أبي كريب، أخبرنا معاوية بن هشام عن شيبان عن أبي إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس ﵁ قال: قال أبو بكر ﵁: يا رسول اللَّه! أراك شبت! قال: شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن لا نعرفه من حديث ابن عباس إلا من هذا الوجه [ (٢) ] .

стр. 765

وروى علي بن صالح هذا الحديث عن أبي إسحاق عن أبي جحيفه نحو هذا [ (١) ] ، وقد روى عن أبي الحق عن أبي ميسرة شيء من هذا مرسلا، ورواه معاوية ابن هشام أيضا عن شيبان عن فراس عن عطية عن أبي سعيد قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول اللَّه! أسرع عليك الشيب! فقال: شيبتني هود، وأخواتها: الواقعة، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت [ (٢) ] . وقال سيف بن عمر عن محمد بن عون عن عكرمة عن ابن عباس قال: ألظّ [ (٣) ] رسول اللَّه ﷺ بالواقعة والحاقة، وعم يتساءلون، والنازعات، وإذا

стр. 766

الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت، فاستطار [ (١) ] فيه القتير [ (٢) ] فقال له أبو بكر ﵁: أسرع فيك القتير [ (٢) ] ! بأبي أنت وأمي، فقال: شيبتني هود وصواحباتها [ (٣) ] هذه، وفيها، والمرسلات. وخرّج البخاري من حديث أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ لن ينجى أحدا منكم عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني اللَّه برحمة، سدّدوا، وقاربوا، وأغدوا، وروحوا، وشيء من الدّلجة، والقصد القصد (تبلغوا) [ (٤) ] ذكره في الرقاق [ (٥) ]

стр. 767

_________ [ () ] الأخير، وأن من رحمة اللَّه توفيقه للعمل، وهدايته للطاعة، وكل ذلك لم يستحقه العامل بعمله، وإنما هو بفضل اللَّه ورحمته. وقال ابن الجوزي: يتحصل عن ذلك أربعة أجوبة: الأول أن التوفيق للعمل من رحمة اللَّه، ولولا رحمة اللَّه السابقة ما حصل الإيمان، ولا الطاعة التي يحصل بها النجاة. الثاني، أن منافع العبد لسيده، فعمله مستحق لمولاه، فمهما أنعم عليه من الجزاء فهو من فضله. الثالث، جاء في بعض الأحاديث أن نفس دخول الجنة برحمة اللَّه، واقتسام الدرجات بالأعمال. الرابع، أن أعمال الطاعات كانت في زمن يسير، والثواب لا ينفد، والإنعام الّذي لا ينفد في جزاء ما ينفذ بالفضل لا بمقابلة الأعمال. وقال ابن القيم في كتاب (مفتاح دار السعادة) : الباء المقتضية للدخول، غير الباء الماضية، فالأولى السببية الدالة على أن الأعمال سبب الدخول المقتضية له، كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها، والثانية بالمعاوضة، نحو اشتريت منه بكذا، فأخبر أن دخول الجنة ليس في مقابلة عمل أحد، وأنه لولا رحمة اللَّه لعبده لما أدخله الجنة، لأن العمل بمجرده ولو تناهى لا يوجب بمجرده دخول الجنة، ولا أن يكون عوضا لها، لأنه لو وقع على الوجه الّذي يحبه اللَّه لا يقاوم نعمة اللَّه، بل جميع العمل لا يوازي نعمة واحدة، فتبقى سائر نعمه مقتضية لشكرها، وهو لم يوفها حق شكرها، فلو عذّبه في هذه الحالة لعذبه وهو غير ظالم، وإذا رحمه في هذه الحالة، كانت رحمته خيرا من عمله، كما في حديث أبيّ بن كعب، الّذي أخرجه أبو داود وابن ماجة في ذكر القدر، ففيه: «لو أن اللَّه عذّب أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم» . قال: وهذا فصل الخطاب مع الجبرية الذين أنكروا أن تكون الأعمال سببا في دخول الجنة من كل وجه. والقدرية الذين زعموا أن الجنة عوض العمل وأنها ثمنه، وأن دخولها بمحض الأعمال. والحديث يبطل دعوى الطائفتين. قوله: «قالوا ولا أنت يا رسول اللَّه» ؟ قال الكرماني: إذا كان كل الناس لا يدخلون الجنة إلا برحمة اللَّه، فوجه تخصيص رسول اللَّه ﷺ بالذكر أنه إذا كان مقطوعا له بأنه يدخل الجنة ثم لا يدخلها إلا برحمة اللَّه، فغيره يكون في ذلك بطريق الأولى. قوله: «برحمة» ، في رواية أبي عبيد: «بفضل ورحمة» ، وفي رواية الكشميني من طريقه: «بفضل رحمته» ، وفي رواية الأعمش: «برحمة وفضل» ، وفي رواية بشر بن سعيد: «منه برحمة» ، وفي رواية ابن عون: «بمغفرة ورحمة» قال أبو عبيد: المراد بالتغمد، الستر، وما أظنه إلا مأخوذا من غمد السيف، لأنك إذا أغمدت السيف فقد ألبسته الغمد وسترته به. قال الرافعي: في الحديث أن العامل لا ينبغي أن يتكل على عمله في طلب النجاة ونيل الدرجات، لأنه إنما عمل بتوفيق اللَّه، وإنما ترك المعصية بعصمة اللَّه، فكل ذلك بفضله ورحمته. قوله: «سدّدوا» ، في رواية بشر بن سعيد، عن أبي هريرة عند مسلم: «ولكن سدّدوا» ، ومعناه: اقصدوا السداد، أي الصواب، ومعنى هذا الاستدراك أنه قد يفهم من النفي المذكور نفي فائدة العمل، فكأنه قيل: بل له فائدة، وهو أن العمل علامة على وجود الرحمة التي تدخل العامل الجنة، فاعملوا واقصدوا بعملكم الصواب، أي اتباع السنة من الإخلاص وغيره ليقبل عملكم، فينزل عليكم

стр. 768

وخرّجه مسلم من حديث ليث عن بكير عن بسر بن سعيد عن أبي هريرة عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: لن ينجي أحدا منكم عمله، قال رجل: ولا إياك يا رسول اللَّه؟ قال: ولا إياي إلا أن يتغمدني اللَّه منه برحمة، ولكن سددوا [ (١) ] . وفي رواية له: قاربوا وسددوا، واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله، قالوا: يا رسول اللَّه، ولا أنت؟ قال: وقال: ولا أنا إلا أن يتغمدني اللَّه برحمة منه وفضل [ (٢) ] .

стр. 769

وله من حديث معقل عن أبي الزبير عن جابر قال: سمعت النبي ﷺ قال: ما من أحد يدخله عمله الجنة، فقيل له: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني اللَّه برحمة. [ (١) ] وذكره من طرق عديدة. وللبخاريّ [ (٢) ] ومسلم [ (٣) ] من حديث موسى بن عقبة قال سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف يحدث عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول: قال رسول اللَّه ﷺ : سددوا وقاربوا وأبشروا، فإنه لن يدخل الجنة أحدا عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني اللَّه منه برحمته، واعلموا أن أحب العمل إلى اللَّه أدومه وإن قل. ولابن حبان من حديث جعفر بن عوف قال: حدثنا أبو جناب الكلبي، حدثنا عطاء قال: دخلت أنا وعبد اللَّه بن عمر وعبيد بن عمير على عائشة ﵂، فقال ابن عمر: حدثيني بأعجب ما رأيت من رسول اللَّه، فسكتت ثم قالت: كل أمره كان عجبا، أتاني في ليلتي حتى إذا دخل معني في لحافي، وألصق جلده بجلدي، قال: يا عائشة، ائذني لي في ليلتي لربي، فقلت، إني أحب قربك وهواك، فقام إلى قربة في البيت، فما أكثر صب الماء، ثم قام فقرأ القرآن ثم بكى حتى رأيت دموعه قد بلغت حجره، ثم اتكأ على جنبه الأيمن، ووضع يده اليمنى تحت خده، ثم بكى حتى رأيت دموعه قد بلغت الأرض، قالت: فجاءه بلال فآذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول اللَّه! أتبكي وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا؟ وقال: أفلا أبكي وقد أنزل علي الليلة: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ [ (٤) ] ،

стр. 770

وويل لمن قرأ هذه الآية ولم يتفكر فيها [ (١) ] . وله من حديث شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت حارثة بن مضرب يحدث عن علي ﵁ قال: لقد رأيتنا وما فينا قائم إلا رسول اللَّه ﷺ تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح، يعني ليلة القدر [ (٢) ] . وخرّج البخاري من حديث معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها [ (٣) ] . وخرّجاه من طرق متعددة.

стр. 771

وخرّج الحاكم من حديث عبد اللَّه بن المبارك، أخبرنا أسامة بن زيد عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول اللَّه ﷺ تصور ذات ليلة فقيل له: ما أسهرك؟ قال: إني وجدت تمرة ساقطة فأكلتها ثم ذكرت تمرا كان عندنا من تمر الصدقة، فما أدري أمن ذلك كانت التمرة أو من تمر أهلي؟ فذلك أسهرني. قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه [ (١) ] . وله من حديث المعافي بن عمران عن أبي بكر بن عبد اللَّه بن أبي مريم عن ضمرة ابن حبيب عن أم عبد اللَّه أخت شداد بن أوس أنها بعثت إلى النبي ﷺ بقدح لبن عند فطره، وذلك في طول النهار وشدة الحر، فرد إليها الرسول: أنى لك هذا اللبن؟ قالت: من شاة لي، قال: أنى لك هذه الشاة؟ قالت: اشتريتها من مالي، فشرب فلما أن كان من الغد أتت أمّ عبد اللَّه رسول اللَّه ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه! بعثت إليك بذلك اللبن مرثيّة لك من شدة الحر وطول النهار، فرددتها إلي مع الرسول! فقال النبي ﷺ : «بذلك أمرت الرسل، أن لا تأكل إلا طيبا، ولا تعمل إلا صالحا» قال: هذا حديث صحيح الإسناد [ (٢) ] . وخرّج أبو داود في كتاب الجهاد عن مخلد بن خالد [ (٣) ] ، وخرّج الترمذي في السير عن محمد بن المثنى [ (٤) ] ، وخرّج ابن ماجة عن عبدة بن عبد اللَّه، وخرّج محمد

стр. 772

ابن يوسف أربعتهم عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد النبيل عن أبي بكرة بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا أتاه أمر يسرّه ويسرّ به خرّ ساجدا [ (١) ] . وقال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عبد اللَّه الأسدي، أخبرنا كثير بن زيد عن زياد بن أبي زياد مولى عياش بن أبي ربيعة عن رسول اللَّه ﷺ قال: كانتا خصلتان لا يكلهما، إلى أحد: الوضوء من الليل حين يقوم والسائل يقوم حتى يعطيه [ (٢) ] . وله من طريق الليث بن سعد أن معاوية بن صالح حدثه أن أبا حمزة حدثه أنّ عائشة قالت: ما خيّر رسول اللَّه ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما، [قالت] : [ (٣) ] وما انتقم رسول اللَّه لنفسه من أحد قط إلا أن يؤذى في اللَّه فينتقم، ولا رأيت رسول اللَّه وكل صدقته إلى غير نفسه حتى يكون هو الّذي يضعها في يد السائل، ولا رأيت رسول اللَّه ﷺ وكل [في وضوئه] [ (٤) ] إلى غير نفسه حتى يكون هو

стр. 773

الّذي يهيئ وضوءه لنفسه حتى يقوم من الليل [ (١) ] . وقال محمد بن حمير حدثنا أبو بكر بن أبي مريم عن عطاء بن أبي رباح عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: اشترى أسامة بن زيد بمائة دينار إلى شهر، فسمعت النبي ﷺ يقول: «لا تعجبوا من أسامة المشتري إلى شهر، إن أسامة لطويل الإبل، والّذي نفسي بيده ما طرفت عيناي إلا ظننت أن شفراى لا يلتقيان حتى أقبض، ولا لقمت لقمة إلا ظننت أن لا أسيغها حتى أغصّ بها من الموت» ، ثم قال: «يا بني آدم إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى، والّذي نفسي بيده إنما توعدون لآت، وما أنتم بمعجزين» [ (٢) ] . وقال ابن لهيعة عن أبي هريرة عن حيثر عن ابن عباس ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ كان يهريق الماء فيمسح التراب، فأقول: يا رسول اللَّه! الماء منك قريب، فيقول: «وما يدريني لعلي لا أبلغه» . وخرج الإمام أحمد من حديث مسلم بن محمد بن زائدة، قال عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة أنها قالت: ما رفع رسول اللَّه ﷺ رأسه إلى السماء إلا قال: «يا مصرف القلوب ثبت قلبي على طاعتك» [ (٣) ] . وقال ابن المبارك: حدثنا الحسن بن صالح، عن منصور عن إبراهيم قال: حدثنا أن النبي ﷺ لم ير خارجا من الغائط قط إلا توضأ [ (٤) ] . وذكر ابن عساكر من حديث محمد بن الحجاج عن محمد بن عبد الرحمن بن

стр. 774

سفينة عن أبيه عن سفينة قال: تعبّد النبي ﷺ واعتزل النساء حتى صار كالشن [ (١) ] البالي قبل موته بشهرين [ (٢) ] .

стр. 775

[تنبيه] : حديث وجود التمر في بعض طرقه: لقي تمرة على فراشه، وفي بعضها لقي تمرة في منزلة، وفي أخرى لقي تمرة في الطريق، فكان في ذلك ثلاث رتب في الورع، متفاوتة في التأكيد، أيسرها تمرة الفراش، فإنه ﷺ لم يكن يقبل الصدقة، ولا تدخل منزله غالبا، فكيف بأخص منزله وهو الفراش، فيندر كونها من تمر الصدقة، وفوق ذلك في التأكيد تمرة المنزل، وآكدها تمرة الطريق لكثرة مرور الصدقات فيها، هذا كله مع أن تمر الصدقة قليل بالنسبة إلى جنس التمر، فآكد هذه الصور الثلاث لا يجاوز الورع في المباح، ولا تنتهي التمرة به إلى حد النهي، لكن مقام النبوة كريم، والورع به جدير.
следующие страницы →