قسطا من الثمن في موعده المحدد، فإن بقية الأقساط تصير حالة ويجوز للبائع أن يطالب بها في الحال مجموعة. فهل يجوز هذا الشرط؟ وقد ذكرت هذه المسألة في بعض كتب الحنفية، فجاء في خلاصة الفتاوى: (ولو قال: كلما دخل نجم ولم تؤد، فالمال حال، صح، ويصير المال حالا) (١) . وقد ذكرت هذه المسألة في الفتاوى البزازية محرفة لا يستقيم بها المعنى، ونبه على ذلك الرملي في حاشيته على جامع الفصولين، فقال: (في البزازية: وإبطال الأجل يبطل بالشرط الفاسد بأن قال: كلما حل نجم ولم تؤد، فالمال حال، صح، وصار حالا. اهـ. وعبارة الخلاصة: وإبطال الأجل يبطل بالشرط الفاسد. ولو قال: كلما دخل نجم ولم تؤد، فالمال حال، صح، والمال يصير حالا. اهـ. فجعلها مسألتين، وهو الصواب. والله أعلم. ذكره الغزي) (٢) . وإن هذه النصوص الفقهية تدل على جواز مثل هذا الشرط. وحينئذ إذا قصر المشتري في أداء بعض الأقساط عند حلول موعدها جاز للبائع أن يطالبه ببقية الأقساط حالة. ولكن مقتضى ما ذكرناه عن بعض المتأخرين من الحنفية في مسألة المرابحة السابقة أن لا يطالبه من ربح المرابحة إلا بقدر ما مضى من الأيام. فمن أخذ بتلك الفتوى، فليأخذ بها في هذه المسألة أيضا، ومن لم يأخذ بها، كما هو المناسب في رأينا، فإنما يفتي بحلول الثمن بكامله عند التقصير في أداء بعض الأقساط، والله سبحانه أعلم.
ــ
(١) خلاصة الفتاوى: ٣/٥٤، طبع لاهور، كتاب البيوع.
(٢) الفوائد الخيرية على جامع الفصولين: ٢/٤، طبع الأزهرية، مصر ١٣٠٠هـ.
стр. 37
مسألة التعويض عن ضرر المطل:
وهناك مسألة أخرى تتعلق بالبيع المؤجل، وهي أن المشتري المدين ربما يقصر في أداء دينه عند حلول الأجل، أو في أداء بعض الأقساط في موعدها. فإن كان هذا التقصير من أجل إعساره، فقد بين القرآن الكريم حكمه واضحا، وهو قوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة: ٢٨٠] .
يعني: يجب على الدائن في هذه الحال أن يمهله إلى أن يزول إعساره، ويتمكن من أداء دينه، ولا يجوز للدائن أن يضيف إلى دينه شيئا، فإنه ربا صراح، لا شبهة فيه.
ولكن التقصير في أداء الدين ربما يكون على وجه المماطلة بدون عذر الإعسار، ولقد نشاهد اليوم أن الناس قد انتقص فيهم الوازع الديني والخلقي، وقد انخفض فيهم مستوى الديانة والأمانة، فلا يحتفل كثير منهم بمسؤوليتهم عن أداء الدين في موعده، فيتضرر الدائن بمماطلته ضررا بينا. وإن مشكلة المماطلة يواجهها اليوم كل دائن، ولكن ما تعانيه المصارف الإسلامية من الأضرار بسبب المماطلة أكثر وأبشع. وذلك لأن النظام الربوي يلعب فيه سعر الفائدة دورا فعالا في الضغط على المدين بأداء دينه في موعده، لأنه إذا قصر فيه لسبب أو آخر تضاعفت الفائدة عليه بصورة تلقائية. وبما أن الدين لا يمكن الزيادة فيه شرعا بسبب التقصير أو المماطلة، فإن الدائن ربما يستغل هذا الوضع، ويستمر في مماطلته إلى ما يشاء. ومعلوم أن لعنصر الوقت أهمية بالغة في النظام التجاري اليوم، وخاصة في النظام المصرفي المعاصر، فهل هناك من سبيل لدفع ضرر المماطلة من الدائنين، وخاصة عن المصارف الإسلامية؟ والذي أعتقد أن هذه المسألة لا تحدث مشكلة كبيرة إن كانت جميع المصارف في البلاد تتبع طريقة شرعية موحدة، وذلك لأن مثل هذا المماطل يجوز أن يعاقب بحرمانه عن الانتفاع بالتسهيلات المصرفية في
стр. 38
المستقبل، فيحمل اسمه في قائمة سوداء، ولا يتعامل معه أي مصرف في الدولة. وإن مثل هذا التهديد يؤثر في الضغط عليه بالوفاء أكثر مما يؤثر سعر الفائدة. وكذلك يجوز شرعا أن يعزر هذا المماطل بعقوبات شرعية أخرى، لقوله ﷺ : (مطل الغني ظلم) (١) . وقوله ﷺ : (لي الواجد يحل عقوبته عرضه) (٢) .
واللّيّ معناها: المطل، والواجد بمعنى الغني.
ولكن الطريقة الأولى (وهي إدراج اسم المماطل في قائمة سوداء) إنما تؤثر إذا كانت المصارف كلها تتبع طريقة واحدة، والطريقة الثانية (وهي التعزير والعقوبة) تحتاج إلى محاكم سريعة تحكم بصفة عاجلة.
وحيث إن كلا الأمرين مفقود في كافة البلاد الإسلامية، فإن هذا الحل الأساسي لمشكلة المماطلة ليس بيد المصارف الإسلامية اليوم.
ومن أجل هذا، قد اقترح بعض العلماء المعاصرين أن يلزم مثل هذا المماطل بأدائه إلى الدائن عوضا ماليا عن الضرر الفعلي الذي لحقه بسبب مماطلته. وقدرت بعض المصارف الإسلامية هذا الضرر الفعلي على أساس نسبة الربح التي أدتها تلك المصارف فعلا خلال مدة المماطلة إلى مودعيها في حساب الاستثمار. فإن لم يكن في حساب الاستثمار في تلك المدة ربح، لم يطالب المدين بأي تعويض، فإن كان هناك ربح فإنه يطالب بنسبة ذلك الربح الفعلي الذي حصل في تلك المدة.
وقد فرق هؤلاء العلماء بين التعويض وبين الفائدة الربوية بالفوارق التالية:
ــ
(١) . صحيح البخاري، كتاب الاستقراض، رقم ٢٤٠٠.
(٢) ذكره البخاري في الاستقراض تعليقا، وأخرجه أبو داود والنسائي وأحمد وإسحاق في مسنديهما عن عمرو بن شريد ﵁، وإسناده حسن كما صرح به الحافظ ابن حجر في فتح الباري:٥/٦٢.
стр. 39
١- إن الفائدة الربوية تلزم المدين في كل حال، سواء كان معسرا أو موسرا. أما التعويض فلا يلزمه إلا إذا ثبت كونه موسرا مماطلا. ولئن ثبت كونه معسرا، فلا يلزم بأداء أي تعويض.
٢- إن الفائدة الربوية تلزم المدين فور تأخيره في الأداء، حتى لو كان التأخير لمدة يوم واحد. أما التعويض: فلا يلزمه إلا إذا ثبت كونه مماطلا، والمعمول به في بعض المصارف الإسلامية أن المصرف يرسل إلى المدين أربع إخطارات أسبوعية، بعد حلول الأجل قبل أن يكلفه بأداء التعويض، فلا يلزمه التعويض إلا بعد انتظار شهر من حلول الأجل.
٣- إن الفائدة الربوية تلزم المدين في كل حال، وإن التعويض المقترح لا يجب على المدين إلا إذا تحققت في مدة مماطلته أرباح في حساب الاستثمار عند المصرف، فإن لم تتحقق هناك أرباح، فإن المدين لا يطالب بأي تعويض.
٤- إن الفائدة الربوية نسبتها معلومة للجانبين منذ أول يوم من الدخول في اتفاقية الدين. أما التعويض، فلا يمكن معرفة نسبته عند الدخول في اتفاقية المرابحة أو الإجارة، وإنما تتعين هذه النسبة على أساس نسبة الأرباح الفعلية التي سوف تتحقق خلال مدة المماطلة.
وعلى أساس هذه الفوارق الأربعة يقول هؤلاء العلماء المعاصرون: إن هذا التعويض لا علاقة له بالفوائد الربوية، ويستدلون على جواز مثل هذا التعويض بقوله ﷺ : ((لا ضرر ولا ضرار)) (١) وبقوله ﷺ : (لي الواجد يحل عقوبته وعرضه) قائلين بأن هذا التعويض
стр. 40
عقوبة مالية يعاقب بها المماطل. وإن هذا الرأي المعاصر في جواز التعويض فيه نظر من وجوه مختلفة، بعضها نظرية وبعضها عملية.
أما من الجهة النظرية، فإن مشكلة المماطلة ليست مشكلة جديدة قد حدثت اليوم، وإنما هي مشكلة لم يزل التجار يواجهونها في كل عصر ومصر، وكانت المشكلة موجودة في عهد النبي الكريم ﷺ ، وفي عهد الصحابة ﵃ وفي العصور اللاحقة، ولكنه لا يوجد في شيء من الأحاديث أو الآثار ما يدل على أن هذه المشكلة قد التمس حلها بفرض التعويض على المماطل، ولم أجد في الفقهاء والمحدثين طوال أربعة عشر قرنا من حكم أو أفتى بفرض مثل هذا التعويض، بل وجدت ما يخالفه كما سأذكره إن شاء الله تعالى.
أما الاستدلال بحديث: ((لا ضرر ولا ضرار)) فلا شك أن إضرار الغير حرام بهذا النص، وكذلك يدل هذا النص على إزالة الضرر بطريق مشروع، ولكن لا يجب أن يزال كل ضرر بالتعويض المالي، ولا يدل النص صراحة أو إشارة، على أن إزالة ضرر المطل يكون بالتعويض. ولو كان هذا النص يدل على أن ضرر المماطل يزال بفرض
المال عليه، لكان ذلك واجبا، ولوجب على كل قاض أن يقضي بذلك، وعلى مفت أن يفتي به، ولكنه لا يوجد في التاريخ قاض أو مفت حكم أو أفتى بذلك، مع كثرة قضايا المطل في كل عصر ومصر.
ثم إن ضرر الدائن المعترف به شرعا، هو أنه لم يدفع إليه مبلغ الدين في وقته الموعود، وإزالة هذا الضرر أن يسلم إليه ذلك المبلغ الذي هو حقه، وليس من حقه المشروع ما يزيد على مبلغ الدين، فإنه ربا. ولما ثبت أن الزائد من الدين ليس من حقه، ففوات هذه الزيادة ليس ضررا معتبرا عند الشرع، فلا يزال ضرره إلا بقدر حقه.
стр. 41
أما القول بأن الدائن لو حصل على مبلغ دينه في وقته الموعود، لربح فيه الأرباح، ففوات هذه الأرباح ينبغي أن يزال من قبل من تسبب بهذا الضرر. فإن هذا القول مبني على اعتبار الربح المتوقع من النقود ربحا حقيقيا، وعلى أن النقود مدرة للربح في نفسها بحساب كل يوم. وإن هذا المبدأ إنما أقرته النظريات الربوية، ولا عهد به في الفقه الإسلامي. ولو كان هذا المبدأ معتبرا في الإسلام، لكان الغاصب أو السارق أولى بتطبيقه عليه، ولكن لا يوجد في تاريخ الفقه الإسلامي أحد ذهب إلى فرض التعويض المالي على غاصب النقود أو سارقها، لكونه فوت ربحها على المغصوب منه في مدة الغصب، وقد فرضت الشريعة الإسلامية عقوبة قطع اليد على السارق، ولم تفوض عليه أي تعويض مالي بالإضافة إلى النقود المسروقة. وهذا دليل على أن المبدأ المذكور لا تقره الشريعة الإسلامية.
وإن المدين المماطل لا يتجاوز من أن يكون غاصبا أو سارقا، فغاية ما يتصور في حقه أن تجرى عليه أحكام السرقة والغصب، ولم تفرض الشريعة الإسلامية أي تعويض على السارق أو الغاصب، من أجل النقود المغصوبة، ولا شك أن كلا من السارق والغاصب، من أجل النقود المغصوبة، ولا شك أن كلا من السارق والغاصب قد أحدث ضررا على المالك، لا في حرمانه من أصل ماله فقط، بل في فوات الربح المتوقع منه أيضا. ولكن الشريعة الإسلامية قد أمرت بإزالة هذا الضرر برد المال المسروق إلى المالك فقط، وبعقوبة الجاني في جسمه أو عرضه، فتبين أن فوات الربح المتوقع ليس ضررا معوضا عليه في الشرع.
وقد استدل بعض المعاصرين على جواز هذا التعويض بأن المنافع المغصوبة مضمونة على الغاصب عند كثير من الفقهاء، وفيما يعد للاستغلال عند الحنفية أيضا، ولكن هذا الاستدلال لا يصح في النقود المغصوبة، فإن منافع المغصوب إنما تضمن (عند من يقول بالضمان) . في
стр. 42
الأعيان المغصوبة، لا في النقود، حتى لو اتجر بالنقود المغصوبة وربح فيها، فالربح لا يقضى به للمغصوب منه في أصح القولين عند الشافعية.
وهذا في الربح الذي تحقق فعلا، فما بالك في الربح المتوقع فقط؟
ومن أجل هذا قال النبي ﷺ في المدين المماطل: لي الواجد يحل عقوبته وعرضه " ولم يقل (يحل ماله) ولا يوجد في الفقهاء المحدثين من فسر العقوبة هنا بعقوبة مالية، على اختلاف بينهم في جواز التعزير بالمال، ولو فسرها أحد بذلك، فإن العقوبة إنما يحكم بها الحاكم لا الدائن نفسه، فكيف تنطبق هذه العقوبة على التعويض الذي يطالب به الدائن نفسه بدون حكم أي حاكم؟ ولو فوض تنفيذ العقوبات الشرعية إلى آحاد الناس بدون حكم الحاكم، لأدى ذلك في فوضوية لا يقبلها شرع ولا عقل.
هذا ما أراه بالنسبة لأصل فكرة التعويض من الناحية النظرية. أما من الناحية العملية، فإن الفوارق الأربعة التي ذكرناها بين الفوائد الربوية وبين التعويض، فإنها - بالنظر إلى تطبيقها العملي - فوارق نظرية محضة، لا تخرج إلى حيز التطبيق العملي إلا في أحوال نادرة لا تصلح أن يدار عليها الأحكام.
أما الفرق الأول، وهو أن التعويض لا يطالب به من قصر في الأداء من أجل الإعسار، فإن إعسار المدين ويساره من الأمور التي يتعذر على المصرف التثبت فيها في كل قضية منفردة، فإن كل مدين يدعي أنه معسر، ولا سبيل للمصرف إلى أن يقنعه بكونه موسرا على خلاف ما يدعيه، إلا برفع القضية إلى المحكمة. ولذا، فالواقع العلمي الذي تسير عليه المصارف الإسلامية التي تقر بمبدأ التعويض، أنها تصرح في اتفاقياتها بأن المدين يعتبر موسرا إلا في الحالة التي قضي عليه فيها بالإفلاس قانونا.
ــ
(١) المهذب للشيرازي١/٣٧٠.
стр. 43
ومن المعلوم أن الإفلاس القانوني حالة نهائية لا توجد إلا نادرا. ومن المتيقن أن هناك كثيرا من الذين لم يحكم عليهم بالإفلاس، ولكنهم معسرون بكل معنى الكلمة.
وحينئذ، كيف يمكن أن يقال: إن المصارف الإسلامية لا تطالب بالتعويض في حالة إعسار المدين؟ ومن المعلوم أيضا أن من أقرض إنسانا بفائدة ربوية، فإنه لا يصح له في حالة إفلاس المقترض إلا أن يأخذ بقدر ما وجد عنده، فلم يبق في هذا المجال فرق يعتد به بين تقاضي الفائدة ومطالبة التعويض. أما الفارق الثاني: وهو محاسبة التعويض بعد شهر من حلول الأجل، فإنه على تقدير كونه معمولا به في المصارف، فرق صحيح، ولكنه لا يعدو من أن يكون فرقا لمدة شهر فحسب. وأما الفارق الثالث والرابع، وهو كون وجوب التعويض متوقفا على حصول الأرباح في مدة المماطلة، وكون نسبة التعويض غير معلومة من جهة كونها مبنية على نسبة الأرباح، فإن هذا الفرق صحيح نظريا، ولكن إذا نظرنا من الناحية العملية، رأينا أن معظم عمليات المصارف الإسلامية تدور حول المرابحة المؤجلة، وإن تحقق الربح ونسبته في هذه العمليات معروفة لدى المصرف ولدى عملائه، فأصبحت نسبة التعويض معروفة لدى الفريقين عملا.
ثم إن معظم المصارف الإسلامية تحاسب أرباحها بعد كل ستة أشهر. فلا تكون الأرباح معلومة بالضبط إلا عند نهاية كل فترة، فلو كانت مدة المماطلة في أثناء هذه الفترة، كيف تعرف الأرباح الحاصلة في هذه الفترة بالضبط؟ وإن أصحاب الودائع الذين يخرجون من المصرف قبل نهاية الفترة، إنما يعطون كدفعة تحت الحساب، وتصير هذه الدفعة تابعة للتصفية الأخيرة عند نهاية الفترة. فهل يكون التعويض المطالب به في أثناء الفترة تابعا للتصفية النهائية
стр. 44
أيضا؟ الظاهر: لا. فكيف يقال: إن التعويض موافق للأرباح الفعلية الحاصلة في خلال مدة المماطلة؟ وهناك جهة أخرى جديرة بالتأمل في هذا الموضوع وهي أن نسبة الأرباح الحاصلة في حساب الاستثمار تكون أقل دائما من نسبة الربح في عقود المرابحة والإجارة، فلو أراد المدين الخيانة، لأمكن له أن يستمر في صرف المبالغ إلى مشروعات تدر ربحا أكثر مما يحصل في المصرف على حساب الاستثمار، فيدفع قليلا من التعويض، ويحصل على ربح أكثر منه فيستمر في مماطلته إلى ما شاء من مدة. فيرجع نفس المحذور الذي لجأت المصارف إلى التعويض من أجله.
فاقتراح فرض التعويض على المماطلين اقتراح لا أعتقد أنه يحل مشكلة المماطلة، لا من جهة الشرع، ولا من الناحية العملية. فما هو الحل إذن؟ والحل الحقيقي لهذه المشكلة ما قدمناه في أول كلامنا في هذا الموضوع، ولكن ذلك إنما يفيد إذا أصبحت المصارف كلها تعمل على أسس شرعية. أما في الظروف الحاضرة التي لا توجد فيها المصارف الإسلامية إلا بعدد قليل، بالنسبة إلى المصارف الربوية التقليدية التي هي مبثوثة في أنحاء العالم كله، فيمكن أن تلجأ المصارف الإسلامية إلى حل مؤقت آخر، وهو أن يلتزم المدين عند توقيعه على اتفاقية المرابحة أو الإجارة بأنه إذا قصر في أداء واجبه المالي، فإنه سوف يتبرع بمبلغ معلوم النسبة من الدين إلى بعض الجهات الخيرية.
стр. 45
ويسلم ذلك المبلغ إلى المصرف، ليصرفه بالنيابة عنه إلى تلك الجهات. فإن قصر المدين في الأداء لزمه أداء هذه المبالغ إلى المصرف، ولكن هذه المبالغ لا تكون مملوكة للمصرف، ولا تكون جزءا من دخله أو ربحه، وإنما تكون أمانة عنده للصرف إلى الجهات الخيرية. وإن هذا الاقتراح إنما يفيد للضغط على المدين في أداء الدين في وقته، ومن المرجو أن هذا الضغط يؤثر في سد باب المماطلة أكثر مما يؤثر فيه اقتراح التعويض، لأن مقدار هذا التبرع الملتزم به لا يجب أن يكون بمقدار الأرباح الحاصلة في حساب الاستثمار في مدة المماطلة، بل يمكن أن يكون أكثر من ذلك، ولا بأس بتعيين مقداره على أساس نسبة معينة من مبلغ الدين، بما يجعل المدين يحتفظ بمواعيد الأداء. وفي الوقت نفسه لا يعتبر هذا التبرع ربا، لأنه لا يدخل في ملك المصرف شيئا، بل يصرف إلى الجهات الخيرية، ويمكن أن ينشأ لذلك صندوق خاص لا يكون مملوكا للمصرف، بل يكون وقفا على بعض المقاصد الخيرية يتولاه أصحاب المصرف، ويكون من مقاصده أن يقدم منه قروض حسنة لأصحاب الحاجة.
وأما المستند الشرعي لهذا الالتزام، فإن الالتزام بالتبرع جائز، عند جميع الفقهاء، وإن مثل هذا التبرع يلزم في القضاء أيضا عند بعض المالكية. والأصل عند المالكية أن الالتزام إن كان على وجه القربة، فإنه يلزم الملتزم في القضاء باتفاق علمائهم. أما إذا كان الالتزام على وجه اليمين، بمعنى أن يكون معلقا على أمر يريد الملتزم الامتناع عنه، ففي لزومه في القضاء خلاف. فذهب بعضهم إلى أنه لا يقضي به في الحكم، وخالفهم آخرون، فجعلوه لازما في القضاء، وقد تكلم الحطاب ﵀ على هذه المسألة ببسط في كتابه (تحرير الكلام في مسائل الالتزام) وقال فيه: (أما إذا التزم المدعى عليه للمدعي أنه إن لم يوفه حقه في وقت كذا فله عليه كذا وكذا، فهذا لا يختلف في بطلانه، لأنه صريح الربا، وسواء كان الشيء الملتزم به من جنس الدين أو غيره، وسواء كان الشيء معينا أو منفعة ...
стр. 46
وأما إذا التزم أنه إن لم يوفه حقه في وقت كذا، فعليه كذا وكذا لفلان، أو صدقة للمساكين، فهذا هو محل الخلاف المعقود له هذا الباب، فالمشهور أنه لا يقضي به كما تقدم، وقال ابن دينار: يقضي به) (١) . وقال قبل ذلك: (وحكاية الباجي الاتفاق على عدم اللزوم فيما إذا كان على وجه اليمين غير مسلمة لوجود الخلاف في ذلك كما تقدم، وكما سيأتي) (٢) . وإن الحطاب ﵀ وإن رجح عدم اللزوم، ولكنه قال في آخر الباب: (إذا قلنا إن الالتزام المعلق على فعل الملتزم الذي على وجه اليمين لا يقضي به على المشهور، فاعلم أن هذا ما لم يحكم بصحة الالتزام المذكور حاكم. وأما إذا حكم حاكم بصحته أو بلزومه، فقد تعين الحكم به، لأن الحاكم إذا حكم بقول لزم العمل به وارتفع الخلاف) (٣) . هذا على قول بعض المالكية. أما على أصل الحنفية، فإن الوعد غير لازم في القضاء، لكن صرح فقهاء الحنفية بأن (بعض المواعيد قد تجعل لازمة لحاجة الناس) . (٤) فعلى هذا الأساس أرجو أن يكون هناك مجال للقول بلزوم هذا التبرع المقترح، سدا لباب المماطلة،
وصيانة لحقوق الناس عن اعتداء المعتدين، والله أعلم.
ــ
(١) تحرير الكلام في مسائل الالتزام، للحطاب ﵀: ص١٧٦.
(٢) المرجع السابق , ص١٦٩.
(٣) المرجع السابق , ص١٨٥من طبع دار الغرب الإسلامي، بيروت ١٤٠٤ هـ.
(٤) رد المحتار مبحث البيع بالوفاء: ٥/٢٧٧.
стр. 47
أثر موت المديون في حلول الدين:
والمسألة الأخيرة التي نريد أن نثبتها في هذه العجالة، هي مسألة خراب ذمة المدين بموته، وهل يبقى الدين بعد موته مؤجلا كما كان، أو يصير حالا، فيطالب الدائن الورثة بأدائه من تركة الميت فورا؟ وقد اختلفت في هذه المسألة أقوال الفقهاء. فذهب جمهور العلماء من الحنفية والشافعية والمالكية إلى أن الدين المؤجل يحل بموت المدين، وهو رواية عن الإمام أحمد ابن حنبل أيضا ولكن المختار عند الحنابلة أن الورثة إن وثقوا الدين، فإنه لا يحل بموت المدين، وإنما يبقى مؤجلا كما كان. قال ابن قدامة ﵀: (فأما إن مات وعليه ديون مؤجلة، فهل تحل بالموت؟ فيه روايتان: إحداهما، لا تحل إذا وثق الورثة، وهو قول ابن سيرين وعبيد الله بن الحسن وإسحاق وأبي عبيد. وقال طاوس وأبو بكر بن محمد والزهري وسعيد بن إبراهيم: الدين إلى أجله، وحكي ذلك عن الحسن. والرواية الأخرى: أنه يحل بالموت، وبه قال الشعبي والنخعي وسوار ومالك والثوري والشافعي، وأصحاب الرأي، لأنه لا يخلو: إما أن يبقى في ذمة الميت أو الورثة، أو يتعلق بالمال. ولا يجوز بقاؤه في ذمة الميت لخرابها وتعذر مطالبته بها، ولا ذمة الورثة، لأنهم لم يلتزموها، ولا رضي صاحب الدين بذممهم، وهي مختلفة متباينة. ولا يجوز تعليقه على الأعيان وتأجيله، لأنه ضرر بالميت وصاحب الدين، ولا نفع للورثة فيه. أما الميت، فلأن النبي ﷺ قال: ((الميت مرتهن بدينه حتى يقضى عنه))
стр. 48
وأما صاحبه فيتأخر حقه، وقد تتلف العين، فيسقط حقه. وأما الورثة، فإنهم لا ينتفعون بالأعيان ولا يتصرفون فيها.
وإن حصلت لهم منفعة فلا يسقط حظ الميت وصاحب الدين لمنفعة لهم) (١) . ثم ذكر ابن قدامة ﵀ ترجيحه لمذهب من يقول ببقاء الدين مؤجلا، إذا وثقه الورثة بكفيل أو رهن، وذكر دلائله. وأما الحنفية، فإنهم وإن ذهبوا إلى حلول الدين بموت المدين على قول جمهور الفقهاء المتبوعين، ولكن المتأخرين منهم لم يفتهم النظر إلى أن في المرابحة المؤجلة تكون حصة من الثمن مقابلة لأجل، كما أسلفنا، فلو ألزمنا على تركة المشتري أن يؤخذ منها الثمن كاملا في الحال قبل حلول الأجل، لصارت الحصة المقابلة للمدة الباقية بدون عوض، وفيه ضرر للمشتري الذي لم يرض بهذا القدر من الثمن إلا إذا كان مؤجلا بأجل متفق عليه. ولذلك أفتوا بأن المشتري لا يؤدي من ثمن المرابحة في هذه الصورة إلا بقدر ما مضى من الأيام. ونعيد هنا ما قدمناه عن الدر المختار، فقال: (قضى المديون الدين المؤجل قبل الحلول أو مات فحل بموته، فأخذ من تركته لا يأخذ من المرابحة التي جرت بينهما إلا بقدر ما مضى من الأيام، وهو جواب المتأخرين قنية، وبه أفتى المرحوم أبو السعود أفندي مفتي الروم، وعلله بالرفق للجانبين) . وقال ابن عابدين تحته:
стр. 49
(صورته: اشترى شيئا بعشرة نقدا، وباعه لآخر بعشرين إلى أجل هو عشرة أشهر، فإذا قضاه بعد تمام خمسة أو مات بعدها يأخذ خمسة، ويترك خمسة) (١) . والحاصل عندي في هذه المسألة أن جمهور الفقهاء المتبوعين، وإن ذهبوا إلى حلول الدين بموت المدين، ولكن في عمليات البيع بالتقسيط والمرابحة المؤجلة التي يكون حصة من الثمن فيها مقابلة للأجل، لو أخذنا بمبدأ حلول الدين بكامله، لتضرر به ورثة المدين. فينبغي فيها الأخذ بأحد القولين: إما بقول المتأخرين من الحنفية بسقوط تلك الحصة من الدين التي تقابل المدة الباقية من الأجل المتفق عليه، فلا يؤخذ من التركة إلا بقدر ما مضى من الأيام. أو يؤخذ بقول الحنابلة من بقاء الدين مؤجلا كما كان، بشرط أن يوثقه ورثة المدين بوثيقة معتمدة. ولعل الصورة الأخيرة أولى للبعد عن تذبذب الثمن بآجال مختلفة، الذي فيه مشابهة صورية للمعاملات الربوية.
والله أعلم. وله الحمد في الأولى والآخرة.
وصلى الله تعالى على نبيه وعلى آله وصحبه وتابعيهم ومن والاهم.
* * *
ــ
(١) رد المحتار على الدر المختار: ٦/٧٥٧.
стр. 50
..
стр. 51
(٢)
أحكام البيع بالتعاطي والإستجرار
بحث عرض على ندوة أقيمت بالكويت
من قبل بيت التمويل الكويتي
стр. 52
.
стр. 53
(١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أحكام البيع بالتعاطي والإستجرار
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.
وبعد:
فالموضوع المفوض إلي في هذه الندوة هو بيع التعاطي والإستجرار ومدى جواز استخدامهما في معالات المصارف الإسلامية, والبيوع الحديثة. فلنشرح أولا معنى كل من النوعين وما قال فيهم الفقهاء ﵏ ثم لنتكلم عن تطبيقاتهما على بعض المعاملات الحديثة, والله سبحانه هو الموفق والهادي إلى سواء السبيل
البيع بالتعاطي:
البيع بالتعاطي عند الفقهاء هو البيع الذي لا يتلفظ فيه المتبايعان بالإيجاب أو القبول وإنما يدفع هذا الثمن ويدفع ذلك المبيع دون أن ينطق أحدهما بقوله: اشتريت أو الآخر: بعت.
والتعاطي على قسمين: (١)
الأول: أن يلتفظ أحدهما بالإيجاب ويقبله الثاني بالفعل لا بالقول. مثل أن يقول: (أعطني بهذه الربية خبزا) فيعطيه الآخر الخبز, ولا يتكلم بشيء فوقع الإيجاب هنا باللفظ, والقبول بالفعل.
стр. 54
والثاني: أن لا يلتفظ أحدهما بشيء مثل أن يدخل الرجل الدكان وفيه أشياء كثيرة مكتوب عليها ثمنها فيأخذ شيئا ويدفع إلى البائع ثمنه المكتوب عليه دون أن يجري بينهما مكالمة أصلا.
وكل واحد من النوعين يعتبر تعاطيا أو معاطاة في اصطلاح الفقهاء.
وذهب جمهور الفقهاء إلى جواز هذين النوعين من التعاطي في جميع أنواع المبيعات. والمشهور من مذهب الشافعي ﵀ أنه لا يقول بجواز التعاطي لأن البيع يتوقف على الإيجاب والقبول وهما أو إحداهما مفقود في التعاطي. ولكن يظهر من مراجعة كتب الشافعية أنهم اختلفوا في حكم التعاطي على أقوال:
١- التعاطي باطل مطلقا ولا ينعقد به البيع وهو المذهب المشهور عندهم.
٢- التعاطي في الأشياء المحقرة ولا يجوز في الأشياء النفسية وهذا القول مروي عن ابن سريج والرؤياني (١) وهو قول الكرخي من الحنفية. (٢) .
٣- يجوز التعاطي فيما جرى فيه العرق بذلك ولا يجوز فيما سواه.
كل من وسم بالبيع اكتفى بالمعاطاة كالعامي والتاجر وكل من لم يعرف بذلك لا يصح منه إلا باللفظ. (٣)
والراجح مذهب الجمهور من أن التعاطي ينعقد به البيع مطلقا بشرط أن يكون على سبيل التراضي. ونكتفي هنا بحكاية ما ذكره ابن
стр. 55
قدامة للتدليل على مذهب الجمهور فإنه يكفي ويشفي. قال رحمه الله تعالى (ولنا أن الله أحل البيع ولم يبين كيفيته فوجب الرجوع فيه إلى العرف كما رجع إليه في القبض والإحراز والتفرق والمسلمون في أسواقهم وبياعاتهم على ذلك ولأن البيع كان موجودا بينهم معلوما عندهم وإنما علق الشرع عليه أحكاما وبقاه على ما كان فلا يجوز تغييره بالرأي والتحكم ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه مع كثرة وقوع البيع بينهم استعمال الإيجاب والقبول ولو استعملوا ذلك في بياعاتهم لنقل نقلا شائعا ولو كان ذلك شرطا لوجب نقله ولم يتصور منهم إهماله والغفلة عن نقله ولأن البيع مما تعم به البلوى فلو اشترط له الإيجاب والقبول لبينه ﷺ بيانا عاما ولم يخف حكمه لأنه يفضي إلى وقوع العقود الفاسدة كثيرا وأكلهم المال الباطل ولم ينقل ذلك عن النبي ﷺ ولا أحد من أصحابه فيما علمناه ولأن الناس يتبايعون في أسواقهم بالمعاطاة في كل عصر ولم ينقل إنكاره قبل مخالفينا فكان ذلك إجماعا وكذلك الحكم في الإيجاب والقبول في الهبة والهدية والصدقة ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه استعمال ذلك فيه وقد أهدي إلى رسول الله ﷺ من الحبشة وغيرها وكان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة متفق عليه وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: [كان رسول الله ﷺ إذا أتي بطعام سأل عنه: أهدية أم صدقة؟ فإن قيل: صدقة قال لأصحابه: كلوا ولم يأكل وإن قيل: هدية ضرب بيده وأكل معهم] وفي حديث [سلمان حين جاء إلى النبي ﷺ بتمر
стр. 56
فقال: هذا شيء من الصدقة رأيتك أنت وأصحابك أحق الناس به فقال النبي ﷺ لأصحابه: كلوا ولم يأكل ثم أتاه ثانية بتمر فقال: رأيتك لا تأكل الصدقة وهذا شيء أهديته لك فقال النبي ﷺ بسم الله وأكل] ولم ينقل قبول ولا أمر بإيجاب وإنما سأل ليعلم هل هو صدقة أو هدية وفي أكثر الأخبار لم ينقل إيجاب ولا قبول وليس إلا المعاطاة والتفرق عن تراض يدل على صحته ولو كان الإيجاب والقبول شرطا في هذه العقود لشق ذلك ولكانت عقود المسلمين فاسدة وأكثر أموالهم محرمة ولأن الإيجاب والقبول إنما يرادان للدلالة على التراضي فإذا وجد ما يدل عليه من المساومة والتعاطي قام مقامهما وأجزأ عنهما لعدم التعبد فيه) (١)
مدى جواز التعاطي عقود المرابحة الجارية في المصارف الإسلامية:
هذا هو حكم التعاطي في البيوع والراجح عند الجمهور جوازه لأدلة ذكرناها عن ابن قدامة - رحمه الله تعالى ولكن التعاطي
إنما يعمل به في عقود البيع العامة التي لا يلزم في العمل بها محظور شرعي أو شبهته أما إذا أورث العمل به في بعض العقود محظورا شرعيا أو اشتبه به المعاملة الجائزة بالمعاملة المحظورة فينبغي الإحتراز عنه ومن هنا يظهر أن العمل بالتعاطي في عقود المرابحة التي تجري في المصارف الإسلامية مما لا ينبغي.
وتفصيل ذلك أن العميل حينما يتقدم إلى البنك لطلب التمويل لشراء بعض البضائع أو الآلات أو المعدات فإن المصرف الإسلامي بدلا
стр. 57
من أن يقرضه على فائدة يشتري تلك البضائع المطلوبة لنفسه ثم يبيعها إلى العميل بمرابحة شرعية مؤجلة ولكن المعمول به في مثير من المصارف أنها لا تقوم بشراء البضائع بنفسها وإنما توكل العميل نفسه ليشتري البضائع للمصرف بصفته وكيلا له ثم يعد بعد ما يقبض على البضائع كوكيل للمصرف بعقد عقدا جديدا مع المصرف لشرائها منه على طريق المرابحة الشرعية.
ولا بد في هذا الطريق أن يقوم العميل بعد شراء البضائع للمصرف بإخطاره بإتمام مهمته كوكيل ثم يتقدم إليه بإيجاب للشراء منه ويقوم المصرف بقبول ذلك الشراء.
وقد يقترح بعض الناس حبا للإختصار في العمليات أن تقع المرابحة بين المصرف وبين العميل على أساس التعاطي دون أن يجري بينهما إيجاب وقبول من جديد فبعد ما يقبض العميل على البضائع كوكيل للمصرف يعتبر كأنه اشترى البضائع من المصرف على أساس التعاطي بصفة تلقائية.
وإن هذا الإقتراح فيما أرى غير مقبول شرها على الرغم من جواز التعاطي في الأصل.
وذلك لأن عقد المرابحة للآمر بالشراء إنما يلجأ إليه المصارف الإسلامية كبديل للإقراض بفائدة فلا بد لجواز هذا النوع من العقود أن يكون هناك بعض الفروق الجوهرية بينه وبين المعاملات الربوية وإن الفرق الجوهري بين المعاملتين ليس إلا أن المتعامل به في المعاملات الربوية هي السيولة انقدية ويتقاضى البنك عليها بفائدة دون أن يتحمل أي خطر وأما في المرابحة فإن المتعامل به فيها بضاعة مملوكة للمصرف وإنما يبيع المصرف تلك البضاعة بعد ما دخلت في ملكه وضمانه فلا بد لتحقيق هذا الفارق عملا أن يمر على البضاعة زمن ولو كان يسيرا تكون فيه البضاعة مملوكة للمصرف وفي ضمانه بحيث إن هلكت البضاعة
стр. 58
في ذلك الزمن هلكت من مال المصرف وبفضل هذا الضمان يطيب للمصرف أن يتقاضى الربح من العميل وإلا لصار ربح ما لم يضمن وهو المحرم بنص الحديث النبوي الشريف.
فلو أجزنا التعاطي في المرابحة وقلنا بإبرام البيع فور إستلام العميل للبضائع بصفة تلقائية على أساس التعاطي لفات هذا الفارق الوحيد الذي يفرق المرابحة المصرفية من المعاملات الربوية ولم تكن العملية فعلا إلى دفع مبلغ إلى العميل ومطالبته بمبلغ أكثر منه دون أن يتحمل المصرف مسؤولية الملكية وأخطارها في آن من الأوان.
وهناك وجه آخر فقهي لعدم جواز التعاطي هنا , وذلك لأن التعاطي وإن كان يعوزه التلفظ بالإيجاب والقبول , ولكن لابد له من حضور فريقين , أحدهما يعطي والآخر يأخذ. وأما في الإقتراح المذكور , فإن البيع ينعقد بصفة تلقائية دون أن يعطي واحد ويأخذ آخر. ومعروف أن الواحد لا يتولى طرف البيع.
إذن , فلا يجوز عقد المرابحة بين المصرف وبين العميل على أساس التعاطي.
بيع الإستجرار:
أما بيع الإستجرار فهو مأخوذ من قولهم استجر المال: إذا أخذه شيئا فشيئا دون أن يجري بينهما مساومة أو إيجاب وقبول في كل مرة.
والإستجرار على نوعين:
الأول: الإستجرار بثمن مؤخر من مؤخر.
والثاني: الإستجرار بمبلغ مقدم.
стр. 59
أما الإستجرار بثمن مؤخر فهو ما ذكره الحصكفي في الدر المختار بقوله: (ما يستجره الإنسان من البياع إذا حاسبه على أثمانها بعد استهلاكها) وحاصله أن الرجل يتفاهم مع صاحب الدكان ولا تقع بينهما مساومة بل يعطيه البياع الشيء المطلوب بدون ذكر الثمن ولا تلفظ الإيجاب والقبول فيستعمله المشتري وفي نهاية الشهر مثلا يحاسبه بكل ما أخذ ويعطيه الثمن دفعة واحدة.
والقواعد المعروفة تأبى جواز هذا البيع لأننا إن قلنا بانعقاد هذا البيع عندما استلم المشتري شيئا من هذه الأشياء فإنه بيع ثمن مجهول لأنه لم تقع بينهما مساومة ولا بيان ثمن وإن قلنا: إن البيع ينعقد عند تصفية الحساب فإن المبيعات عندئذ معدومة مستهلكة وهذا يتضمن محظورين الأول: أن يقع الإستهلاك من المشتري قبل أن يقع الشراء من المالك والثاني: أن يقع بيع ما هو معدوم. ومن هنا صرح بعض الفقهاء بعدم جواز هذا البيع وهو مذهب عامة الشافعية. وقال النووي رحمه الله تعالى:
(فأما إذا أخذ منه شيئا ولم يعطه شيئا ولم يتلفظا ببيع بل نويا أخذه بثمنه المعتاد كما يفعله كثير من فهذا باطل بلا خلاف لأنه ليس ببيع لفظي ولا معاطاة ولا يعد بيعا فهو باطل ولنعلم هذا ولنحترز منه ولا نغتر بكثرة من يفعله فان كثيرا من الناس يأخذ الحوائج من البياع مرة بعد مرة من غير مبايعة ولا معاطاة ثم بعد مدة يحاسبه ويعطيه العوض وهذا باطل بلا خلاف لما ذكرناه) (١)
ويبدو أن مذهب الشافعية أقل المذاهب مرونة في بيوع التعاطي
стр. 60
والإستجرار ولكن جماعة منهم ذهبوا إلى جوازهما ومنهم الإمام الغزالي رحمه الله تعالى قال العلامة الرملي ﵀:
(أما الاستجرار من بياع فباطل اتفاقا: أي حيث لم يقدر الثمن كل مرة على أن الغزالي سامح فيه أيضا بناء على جواز المعاطاة) وقال الخطيب الشربيني ﵀:
وأخذ الحاجات من البياع يقع على ضربين: أحدهما أن يقول: أعطني بكذا لحما أو خبزا مثلا وهذا هو الغالب، فيدفع إليه مطلوبه فيقبضه ويرضى به، ثم بعد مدة يحاسبه ويؤدي ما اجتمع عليه، فهذا مجزوم بصحته عند من يجوز المعاطاة فيما أراه.
والثاني: أن يلتمس مطلوبه من غير تعرض لثمن كأعطني رطل خبز أو لحم مثلا فهذا محتمل، وهذا ما رأى الغزالي إباحته ومنعها المصنف - أي النووي ﵀) (٢)
وأما المالكية فقد ذكروا مسألة الإستجرار بمبلغ مقدم قال مالك ﵀ في الموطأ:
(ولا بأس أن يضع الرجل عند الرجل درهما ثم يأخذ منه بربع أو بثلث أو بكسر معلوم سلعة معلومة فإذا لم يكن في ذلك سعر معلوم وقال الرجل آخذ منك بسعر كل يوم فهذا لا يحل لأنه غرر يقل مرة ويكثر مرة ولم يفترقا على بيع معلوم) (٣)
стр. 61
ومن هنا بعلم أن وجه المنع عندهم هو كون الثمن مجهولا ولا فرق في هذا بين أن يكون الإستجرار بمبلغ مقدم أو بثمن مؤخر وفي هذا يتفق المالكية مع أكثر الشافعية.
وأما الحنابلة فقد اختلفت في هذا وجاء في النكت والفوائد السنية لابن مفلح:
(وقال أبو داود في مسائله باب في الشراء ولا يسمى الثمن سمعت أحمد سئل عن الرجل يبعث إلى البقال فيأخذ منه الشيء بعد الشيء ثم يحاسبه بعد ذلك قال أرجو أن لا يكون بذلك بأس قال أبو داود قيل لأحمد يكون البيع ساعتئذ قال لا
قال الشيخ تقي الدين وظاهر هذا أنهما اتفقا على الثمن بعد قبض المبيع والتصرف فيه وأن البيع لم يكن وقت القبض وإنما كان وقت التحاسب وأن معناه صحة البيع بالسعر) (١)
وبه تبين أن رواية الجواز عند الحنابلة مبنية على جوز البيع بسعر السوق وفيه عند الحنابلة روايتان وأما الحنفية فقد أفتى المتأخرون منهم بجواز الإستجرار ولو لم يذكر الثمن عند أخذ الحاجات من البياع وجاء في الدر المختار:
(ما يستجره الانسان من البياع إذا حاسبه على أثمانها بعد استهلاكها جاز استحسانا) . (١)
стр. 62
وقال ابن نجيم ﵀:
(ومما تسامحوا فيه وأخرجوه عن هذه القاعدة ما في القنية الأشياء التي تؤخذ من البياع على وجه الخرج كما هو العادة من غير بيع كالعدس والملح والزيت ونحوها ثم اشتراها بعد ما انعدمت صح اهـ فيجوز بيع المعدوم هنا) . (١)
وبه تبين أن الإستجرار جائز عند الحنفية استحسانا ولكن اختلفت عباراتهم في تكييف وجه الإستحسان والذي تلخص لي بعد دراسة كلام الفقهاء في الكتب المختلفة هو ما يلي:
إن الإستجرار بثمن مؤخر لا يخلو من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن ذكر البائع الثمن كلما يأخذ منه المشتري شيئا أو يكون ثمن ذلك الشيء معلوم للجانبين بأي طريق. وهذا لا خلاف في جوازه عند الجمهور القائلين بجواز التعاطي فيقع بيع كل شيء عند أخذه على سبيل التعاطي ويقع المحاسبة عند نهاية مجموعة من البيوع. فلا يلزم منه البيع بثمن مجهول ولا بيع ما هو معدوم ويجوز ذلك عند الحنفية والحنابلة وعند الغزالي وابن سريج وغيرهما من الشافعية وأما على المشهور من مذهب الشافعية فيقع جوازه عند التلفظ بالإيجاب والقبول وقد ذكرنا أن الراجح في التعاطي قول الجمهور
الحالة الثانية: أن لا يذكر الثمن في كل مرة ولكن يتفق الفريقان عند الفاهم الإبتدائي أن المشتري سوف يستجر هذه الأشياء بسعر السوق وفي هذه احالة يتوقف جواز البيع عند الأخذ على
стр. 63
جواز البيع بسعر السوق والمعروف عند الأئمة الأربعة أن بيع الشيء بسعره أو بثمن مثله أو بالرقم لا يجوز إلا إذا كان معلوما لدى المتبايعين في المجلس (١) ولكن هناك رواية في مذهب الشافعية وأخرى في مذهب الحنابلة تجيز البيع بسعر السوق أما في مذهب الشافعية فهو وجه حكاه الرافعي وذكره النووي بقوله:
(وحكى الرافعى وجها ثالثا أنه يصح مطلقا للتمكن من معرفته كما لو قال بعت هذه الصبرة كل صاع بدرهم يصح البيع وإن كانت جملة الثمن في الحال مجهولة وهذا ضعيف شاذ) (٢)
وأما في مذهب الحنابلة فهو رواية عن الإمام أحمد واختارها الشيخ تقي الدين (٣) وقد ذكرنا عبارته من قبل وكذلك ذهب إلى الجواز العلامة ابن القيم وذكر أنه منصوص من الإمام أحمد وهو الذي اختاره شيخه ابن تيمية رحمهم الله تعالى (٤) .
والذي يظهر لي بعد مراجعة كلام الفقهاء وأدلتهم في هذا الموضوع أن الأشياء على قسمين: قسم تتفاوت أسعاره بتفاوت الآحاد ولا يمكن تحديد سعرها بمعيار منضبط معلوم فمن التجار من يبيعه بعشرة مثلا ومنهم من يبيعه بأكثر وأقل. فالذين ذهبوا إلى حرمة البيع بسعر السوق إنما أرادوا المنع في مثل هذا القسم من المبيعات لأن سعر السوق إذا لم يكن معلوما للمتبايعين في مثل هذه الأشياء اصطلاح غير
стр. 64
مستقر فيبقى الثمن مجهولا بجهالة تقضي إلى النزاع.
ولكن هناك قسماً آخر من المبيعات، وهو الذي لا تتفاوت آحاده، ولا تتفاوت أسعاره، وإنها تنضبط بمعيار معلوم يعرفه كل أحد معلوم يعرفه كل أحد، ولا يحتمل أن يقع الخطأ أو النزاع في تطبيقه، والذين ذهبوا إلى الجواز إنما أرادوا هذا القسم، لأن ذكر مثل هذا المعيار المضبوط يقوم مقام ذكر الثمن، فليس فيه جهالة تفضي إلى النزاع. وإلى هذا المعنى يشير الإمام المحقق ابن الهمام ﵀ حيث يقول:
(ومما لا يجوز البيع به: البيع بقيمته، أو بما حل به، أو بما تريد أو تحب، أو برأس ماله، أو بما اشتراه، أو بمثل ما اشترى فلان، لا يجوز ... وكذا لا يجوز بمثل ما يبيع الناس، إلا أن يكون شيئاً لا يتفاوت كالخبز واللحم) (١) .
وذكر ابن عابدين مثله عن صاحب النهر الفائق، فقال:
(وخرج أيضاً ما لو كان الثمن مجهولاً، كالبيع بقيمته أو برأس ماله أو بما اشتراه فلان ... ومنه أيضاً ما لو باعه بمثل ما يبيع الناس، إلا أن يكون شيئاً لا يتفاوت) (٢) .
وهذا فيما أرى أعدل الأقوال وأوفق بالأصول المجمع عليها، فإنه لا مانع من جواز البيع بالسعر إلا جهالة الثمن التي تفضي إلى المنازعة، وإذا ارتفع احتمال المنازعة بتعين معيار منضبط ارتفع المانع، وجاز البيع. وقد ظهر اليوم أشياء كثيرة ينضبط ثمن مثلها بمعيار معلوم لا يحتمل وقوع النزاع في تطبيقه، وفي مثل هذه الأشياء يجوز العقد، ويجوز الاستجرار على أساس سعر السوق.
стр. 65
وهذا مثل ما يتعامل الناس مع باعة الصحف اليومية، وإن البائع يلقي الصحيفة اليومية كل صباح في بيت المشتري على أنه يحاسبه في نهاية الشهر على أساس سعره القطاعيّ. وربما لا يعرفه المشتري، ولكن السعر القطاعي منضبط معروف ولا يتفاوت لآحاد الناس. نعم، ربما يتغير السّعر في أثناء الشّهر، فيتغير لكل واحد من المشترين، فليس هناك مجال للنزاع في تعيين السّعر. فكلّما يلقي البائع صحيفة في بيت المشتري بأمره أو بإذنه، ينعقد البيع على أساس سعر السّوق. وتقع تصفية الحساب في نهاية الشهر. وهذا هو القسم الثاني من الاستجرار بثمن مؤخر.
وظهر بهذا التفصيل أن في الحالة الثانية من بيع الاستجرار ينعقد البيع عند أخذ المشتري المبيع كل مرّة إذا كان سعره معروفاً منضبطاً بمعيار معلوم يؤمن معه في تعيين الثمن. أما إذا لم يكن السعر معروفاً بهذه الصفة، فإنه لا ينعقد البيع عند الأخذ، ويصير حكمه مثل ما سيأتي في الحالة الثالثة:
أما الحالة الثالثة: فهي أن لا يكون الثمن معلوماً عند الأخذ، ولا يتفاوت المتبايعان في بداية تعاملهما على أساس منضبط لتحديد الثمن يؤمن معه النزاع، بل يتعاملان هملا، ولا يتعارضان للثمن أصلاً. وحينئذ، لاشك في أن الثمن مجهول عند أخذ الأشياء جهالة فاحشة ربما تؤدي إلى النزاع، فلا ينعقد البيع عند الأخذ، فتبقى هذه المعاملة فاسدة إلى أن يقع بينهما تصفية الحساب. ولكن ذكر المتأخرون من الحنفية أن هذه المعاملة تنقلب جائزة عند التّصفية إذا اتفقا على ثمن.
ثم ذكر بعضهم أن هذه المعاملة تصح عند التصفية بيعاً. فكأن بيع تلك الأشياء قد انعقد الآن بمعرفة ثمن كل واحد منها. ويستشكل هذا بأن كثيراً من الأشياء المأخوذة قد استهلكها المشتري بعد أخذها حتى انعدمت عند التصفية، فكيف يصح بيعها وهي معدومة؟ فأجابوا عنه بأنه وإن كان
стр. 66
بيعاً للمعدوم، ولكن مثل هذا البيع جاز استحساناً للعرف، أو التعامل، أو عموم البلوى، وهو موقف ابن نجيم في البحر الرائق والأشياء والنظائر كما ذكرناه من قبل. وأما ما يورد عليه من أنه يستلزم تصرف المشتري في الأشياء المأخوذة من غير ملك ولا بيع، فينبغي أن لا يجوز، فأجابوا عنه بأنه تصرف بإذن من المالك، فلا مانع من جوازه.
وخرّج الآخرون صحة هذه المعاملة على أساس ضمان المتلفات لا على أساس البيع، فإن الثمن عند الأخذ مجهول، والمبيع عند التصفية معدوم، فلا يجوز البيع بحال، فكأن الآخذ أخذ الشيء قرضاً، واستهلكه، ثم ضمن قيمته على أساس ما اتفقا عليه عند التّصفية. ويستشكل هذا بأن القرض إنما يصح في المثليّات فقط، ولا يجوز اقتراض القيميّات عند الحنفية، مع أن الاستجرار ربما يجري في ذوات القيم. فأجابوا عنه بأن الاستجرار مستثنى من عدم جواز اقتراض القيميّات استحساناً، كما أجيز الاقتراض في الخبز والخميرة، مع أنها من ذوات القيم.
وهذه التخريجات كلّها ذكرها ابن عابدين رحمه الله تعالى في رد المحتار. والذي يظهر لهذا العبد الضعيف عفا الله عنه أن التخريج الأول هو الراجح، وهو أن هذه المعاملة تصح بيعاً عند تصفية الحساب إذا اتفقا الفريقان على الثمن الإجماليّ للمأخوذات. وأما الاستشكال بكونه بيع المعدوم، فالأحسن في جوابه أن يقال: إنه ليس بيعاً للمعدوم، بل هو بيع لما استهلكه المشتري، وانتفع به انتفاعاً تامّاً. وبيع المعدوم إنما يحرم من جهة أنه يتضمن الغرر، فربّما لا يقدر البائع على تسليمه إلى المشتري. ولا غرر ههنا، لأن البائع سلّم المبيع إلى المشتري فعلاً، فالمبيع كان موجوداً عند المشتري، وانتفع به المشتري حتى استهلكه، فيعتبر عند التصفية كالموجود تقديراً، فيصح بيعه.
стр. 67
وأما استشكاله بأن تصرف المشتري في تلك الأشياء وقع قبل البيع في غير ملكه، فالأحسن في جوابه أن يقال: إن البيع حينما انعقد عند التصفية صحيحاً، فإنه يسند إلى وقت الأخذ تقديراً، ويعتبر كأنّه تصرف فيما ملكه بالبيع، وهذا كما يقع في ضمان المغصوبات، فإن تصرف الغاصب فيما غصب غير صحيح، ولكنه إذا أدى ضمان المغصوب ملكه، ويسند هذا الملك إلى وقت الغصب، فتنقلب جميع تصرفاته فيه صحيحة بعد الضمان على ما هو الراجح، وأمّا إذا أحل له المغصوب منه تصرفه فلا خلاف في أن جميع تصرفاته تنقلب صحيحة جائزة بعد أداء الضمان. (١) فإن الغاصب بعد أداء الضمان يملك المغصوب من حين غصبه، فالآخذ في الاستجرار أولى، لأنه أخذ بإذن صاحبه، فلا يأثم بالأخذ أيضاً، كما يأثم الغاصب.
فالاستجرار ليس ضماناً للمتلفات كما زعمه أصحاب التخريج الثاني، ولكنه نظير لضمان المتلفات من حيث إن البيع المتأخر فيه يستند إلى وقت الأخذ كما أن الملك الحاصل بالضمان يستند إلى وقت الغصب.
الخلاصة:
فخلاصة ما تحقق من حكم الاستجرار بثمن مؤخر ما يلي:
стр. 68
١- إن كان البائع يبين ثمن البضاعة المأخوذة كلّ ما يأخذ منه المشتري، فالبيع ينعقد صحيحاً عند كل أخذ، وهذا بإجماع من يقول بجواز التعاطي. وتقع تصفية الحساب بعد أخذ مجموعة من المبيعات.
٢- إن كان البائع لا يبين ثمن البضاعة عند كل أخذ، ولكن المتبايعين تفاهما بأن الأخذ يكون على سعر السّوق، وسعر السّوق منضبط بمعيار معلوم لا يقع الاختلاف في تحديده، فالصّحيح أن البيع ينعقد أيضاً عند كلّ أخذ.
٣- إن كان الثمن مجهولاً وقت الأخذ، أو اتفق الفريقان على أنه يقع على أساس سعر السوق ولكن سعر السوق متفاوت تفاوتاً فاحشاً، بحيث يقع الاختلاف في تحديده، فإن البيع لا يصحّ عند الأخذ، وإنما يقع عند تصفية الحساب، ولكنه يسند حينئذ إلى وقت الأخذ، فيثبت الملك للآخذ من وقت الأخذ، وتحل تصرفاته من ذلك الحين بعد أداء الثمن.
الاستجرار بمبلغ مقدم:
وأما النوع الثاني من الاستجرار، فهو أن المشتري يدفع إلى البائع مبلغاً مقدّما، ثم يستجرّ منه الأشياء، وتقع المحاسبة بعد أخذ مجموعة من الأشياء في نهاية الشهر أو في نهاية السنة مثلاً.
وإن هذا النوع من الاستجرار فيه كلام من ناحيتين:
الأولى: ناحية كون الثمن معلوماً أو مجهولاً. والكلام فيها مثل ما ذكرناه في النوع الأول سواء بسواء. فالحكم فيها في الحالات الثلاثة مثل الحكم في الحالات الثلاثة المذكورة في النوع الأول.
والناحية الثانية: هي حيثية المبلغ المدفوع مقدّماً، هل يعتبر هذا المبلغ ثمناً مقدماً؟ أو أمانة في يد البائع؟ أو قرضاً عليه؟.
стр. 69
أما كونه ثمناً مقدماً، فلا يصح إلا بشرطين:
الشرط الأول: أن يكون المبيع وقدره ووصفه معلوماً عند تقديم المبلغ إلى البائع. فإن الثمن إنما يعتمد البيع، ومن شرائط البيع أن يكون المبيع معلوماً بذاته ووصفه وقدره.
والشرط الثاني: أن يكون المبيع مما يجري فيه السّلم أو الاستصناع، وتتوفر في العقد شروط جوازه، على اختلاف في ذلك بين الفقهاء. وذلك لأن الشراء بثمن مقدم لا يكون إلا عن طريق السّلم أو الاستصناع، فيجب أن يفي العقد بشروطه.
والذي يُشاهد في الاستجرار أنه لا يوجد فيه هذان الشرطان، فإنّ الذي يدفع إلى البائع المبلغ ربما لا يعرف وقت الدفع ما سيشتري به حينا بعد حين. ولئن علمه فإنّه لا يمكن بيان قدر كل واحد من المأخوذ ووصفه وأجله في الوقت نفسه، فى تتوفر فيه شروط السّّلم، وربما لا تكون الأشياء مما تحتاج إلى صنعة حتى يتحقق الاستصناع.
وإن قلنا: إن المبلغ المدفوع أمانة في يد البائع، وكلّما أخذ المشتري منه شيئاً، صار جزء من المبلغ ثمناً للمأخوذ. فينبغي أن يكون المبلغ مودعاً عند البائع كما هو، ولا يجوز له أن يصرفه في حاجة نفسه، لأن الأمانة لايجوز التصرف فيها وهذا، على كونه مشكلاً، بل متعذراً من الناحية العملية، خلاف ما هو متعارف في الاستجرار، فإن الباعة في الاستجرار لا يحتفظون بالمبلغ المدفوع إليهم مقدماً، وإنما يسجّلون قدره في حساب المعطي، ثم يتصرفون فيه كيفما شاؤوا.
وإن قلنا: إن المبلغ المدفوع قرض أقرضه المشتري إلى البائع، فحلّ له استعماله، فالإشكال في أنه قرض مشروط فيه البيع اللاحق، فإن المشتري لم يقرض البائع على وجه الصلة، وإنما أقرضه ليقع به البيع في وقت لاحق، فصار البيع مشروطاً في عقد القرض، وهذا شرط يخالف
стр. 70
مقتضى عقد القرض، فينبغي أن يكون فاسداً.
ولم أرَ أحداً من الذين تكلموا عن الاستجرار من تعرض لهذا الإشكال. والذي يظهر لي أنّ هذا المبلغ دفعة تحت الحساب، وهي، وإن كانت قرضاً في الاصطلاح الفقهيّ، من حيث إنّه يجوز للمدفوع له أن يصرفها في حوائج نفسه، ومن حيث كونها مضمونة عليه، ولكنها قرض يجوز فيه شرط البيع اللاحق، لكونه شرطاً متعارفاً، فإن الدفعات تحت الحساب لا يقصد بها الإقراض، وإنما يقصد بها تفريغ ذمة المشتري عن أداء الثمن عند البيع اللاحق وأن يتيسر له شراء الحاجات دون أن يتكلف نقد الثمن في كلّ مرّة. فهذا قرض تعورف فيه شرط البيع. والشرط كلما كان متعارفاً فإنه يجوز عند الحنفية، وإن كان مخالفاً لمقتضى العقد، كما في شراء النعل بشرط أن يحذوه البائع.
ومن هنا نرى الفقهاء الذين أجازوا الاستجرار لم يفرقوا بين دفع الثمن مقدماً، وبين دفعه مؤخراً. قال ابن عابدين رحمه الله تعالى:
(قال في الولوالجية: دفع دراهم إلى خبّاز، فقال: اشتريت منك مئة منّ من خبز، وجعل يأخذ كل يوم خمسة أمناء، فالبيع فاسد وما أكل فهو مكروه، لأنه اشترى خبزاً غير مشار إليه، فكان المبيع مجهولاً. ولو أعطاه الدراهم وجعل يأخذ منه كل يوم خمسة أمناء، ولم يقل في الابتداء: اشتريت منك، يجوز. وهذا حلال وإن كان نيته وقت الدفع الشراء، لأنه بمجرد النية لا ينعقد البيع، وإنما ينعقد البيع الآن بالتعاطي، والآن المبيع معلوم، فينعقد البيع صحيحاً. اهـ. قلت: ووجهه أن ثمن الخبز معلوم، فإذا انعقد بيعاً بالتعاطي وقت الأخذ مع دفع الثمن قبله، فكذا إذا تأخر دفع الثمن بالأولى) (١) .
стр. 71
وقال ابن نجيم في الأشباه والنظائر:
(ومنها لو أخذ من الأرز والعدس وما أشبهه، وقد كان دفع إليه ديناراً مثلاً لينفق عليه، ثم اختصما بعد ذلك في قيمته هل تعتبر قيمته يوم الأخذ أو يوم الخصومة؟ قال في التتمة: تعتبر يوم الأخذ) (١) .
وقد أسلفنا قول الإمام مالك ﵀ في الموطأ:
(ولا بأس بأن يضع الرجل عند الرجل درههماً، ثم يأخذ منه بثلث أو بربع أو بكسر منه معلوم سلعة معلومة) (٢) .
وتبين بهذا أن الاستجرار بمبلغ مقدم جائز مثل الاستجرار بثمن مؤخر، ويكون المبلغ قرضاً عند البائع إلى أن يقع البيع عند الأخذ، فتجري مقاصّة القرض بثمن المبيع. والمبلغ مضمون على البائع، إن هلك, هلك من ماله، إلا إذا وضع المبلغ عنده كما هو كأمانة، ولم يتصرف فيه بشيء، فحينئذ يكون قبضه أمانة، فلا يضمنه عند الهلاك. ويخرّج على هذا اشتراك المجلات الدوريّة. فإن العادة في عصرنا أن الناس يدفعون بدل الاشتراك السنويّ في بدانة كل سنة إلى أصحاب هذه الدوريّات، وأنهم يبعثون إليهم نشرة من المجلة في كل شهر. فبدل الاشتراك قرض مضمون عندهم، ويقع بيع كل عدد من المجلة عندما تصل المجلّة إلى المشتري. فلو انقطعت المجلّة في أثناء السنة لزم على أصحابها ردّ ما بقي من بدل الاشتراك.
стр. 72
استخدام الاستجرار في المعاملات المصرفيّة:
أما استخدام الاستجرار في المعاملات المصرفيّة، فإن المعاملات الجارية اليوم في البنوك الإسلامية تشتمل على مرابحة، وإجارة، ومضاربة، وشركة، وفي الثلاثة الأخيرة من هذه المعاملات لا يمكن استخدام هذا الطريق مع عملاء البنك الذين يطلبون منه التمويل. ولكن يمكن في عمليات المرابحة أن يتعامل المصرف مع الموردين على أساس الاستجرار. فيقع من البنك تفاهم مع عدّة مؤسسا تجاريّة أنه سوف يشتري البضائع، أو الآلات، أو المعدّات على أساس سعر السّوق، أو بخصم معلوم على سعر السّوق. ثم كلما يتقدم عميل من العملاء يطلب منه المرابحة الشرعيّة، اشترى البنك من تلك المؤسسات ما يطلبه العميل ويقع هذا الشراء على أساس الاستجرار، ثم يبيعها إلى العميل عن طريق المرابحة.
وأما عملاء البنك في المرابحة، فلا يجري معهم الاستجرار المشتمل على التعاطي، ولكن يمكن أن يدخل البنك معهم في معاملة شبيهة بالاستجرار. وذلك بأن يتفق البنك معهم على أعلى حدّ للتسهيلات التي يقدمها إليهم عن طريق المرابحة في سنة واحدة. ثم إن العميل لا يستفيد بجميع هذه التسهيلات مرة واحدة، وإنّما يستفيد منها في مرّات متعددة. فالبنك اتفق معه مثلاً أنه سوف يبيع إليه بضاعات قيمتها عشرة ملايين. ولكن العميل لا يشتري من البنك جميع هذه البضائع مائة واحدة، بل يشتري منه بضاعات مليون في البداية مثلاً، ثم كلما يحتاج إلى مزيد من البضاعات، يأتي إليه، فيشتريها منه مرابحة إلى أن ينتهي الحد الأعلى المتفق عليه في الاتفاقية، وهو عشرة ملايين في مثالنا السابق وعند ذلك تنتهي الاتفاقية.
وإن هذه المعاملة موافقة للحالة الأولى من الاستجرار بثمن مؤخر،
стр. 73
لأنّ العميل يستجرّ من البنك البضاعات مرّة بعد أخرى، ولكن الثمن معلوم عند كلّ أخذ. ولا خلاف في هذه الصورة بين القائلين بجواز التعاطي. وقدّمنا في مبحث التعاطي أن استخدام التعاطي في عمليات المرابحة يجعل هذه العمليات مشابهة بالربا، فينبغي الاحتراز عنها. فيجب في عمليات المرابحة أن يعقد عقد البيع بالإيجاب والقبول بين البنك وعميله بعد ما يتملك البنك البضاعات المطلوبة، ليكون هناك وقت تكون البضاعة في ملك البنك وضمانه، ويجوز له الاسترباح عليها.
فبمراعاة هذا الشرط يجوز أن يستخدم الطريق المذكور الذي يشابه الاستجرار في عمليات المرابحة.
* * *
стр. 74
..
стр. 75
(٣)
بيع الحقوق المجردة
بحث عرض على مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره الخامس بالكويت
من: (١) إلى (٦) جمادى الأولى
(١٤٠٩ هـ) الموافق من: (١٠) إلى (١٥) كانون الأول (١٩٩٨) م.