Полный текст (3 156 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
للحصر وقوله قذس سرّه في الحمد لله: دل بلام التعريف والاختصاص على أنّ جنس الحمد مختص به تعالى دال على أنّ لام التعريف للجنس ولام الاختصاص للحصر، ولم يرد أنهما دليلان على الحصر بناء على أنّ تعريف الجنس يفيد الحصر لأنّ إفادته على تقدير الحمل على الاستغراق، والحمد محمول على الجنس نفسه، ولو كان لام الجنس مفيداً للحصر كلام الاختصاص أفاد قوله الحمد لله قصر الحمد على المختص بالله غير متجاوز إلى المختص بغير. أو غير المختص به وهو غير مراد، وذكر السعد ﵀ في قوله تعالى: ﴿الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً﴾ [المائدة: ٤٨، أنّ دلالة لام الجرّ على الاختضاص الحصري ممنوع، وذكر الشريف مثله في تقديم المسند من المفتاح، ويعضده أنها لو كانت للحصر كان نحو ما المال إلأ لزيد مفيداً لحصر المال في الاختصاص بزيد لا حصره في زيد لحصوله قبل ورود النفي والاستثناء، وقولك الحمد لله مفيداً لقصر الحمد على الاختصاص بالله وكذا قوله الحمد لله على تقدير الحمل على الاستغراق، أو كانت اللام فيها مجردة عن معنى الاختصاص للتعقق الخاص مجازاً والأوّل إفادة ما ليس بمقصود، والثاني يستلزم اشتمال الكلام على المجاوز وزيادة ما والاً وتقديم ما حقه التأخير لإنادة معنى يحصل بدودن ارتكاب شيء منها، وقال الزمخشريّ في سورة التغابن في قوله تعالى: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ [التغأبن: ا] قدّم الظرفان ليدل بتقديمهما على معنى اختصاص الملك والحمد بالله وهو يدل على أنّ هذا الحصر غير مستفاد من الكلام عند التاخير والآ لم يكن التقديم للدلالة عليه ولم يكن للتقديم وهو خلاف الأصل وجه إلاً أنه لما دل كلامه في مواضح اخر على إفادة اللام الحصر. قال في الكشف: أراد تاكيد الاختصاص المدلول عليه بلامي التعريف والتخصيص، ووجه
إفادته تأكيد ذلك الاختصاص مع أنّ المستفاد من التقديم هو حصر الملك والحمدش الاختصاص بالله المدلول عليه باللامين أي اختصاص الملك والحمد بالله تعالى أنّ حصرهما في الاختصاص بالله يتضمن إثبات الإختصاص به تعالى لهما، وهو حاصل على تقدير التأخير أيضا ونفى مقابله عنهما، وهو يتضمن إثبات الاختصاص، فإن نفى أحد الوصفين المسلم س ثبوت أحدهما على ما هو مقتضى القصر يستلزم ثبوت الآخر سيما إذا كان أحدهما سلبا للآخر، لكن الظاهر أنّ هذا الحصر غير مقصود، ويعضدّه جعل الرضى إضافة العام للخاص مطلقا واضافة المظروف للظرف كضرب اليوم بمعنى اللام المفيدة للاختصاص واللام في نحو لأوّل ليلة باقية على اختصاصها الأصلي، والأوّل اختصاص الفعل بالزمان لوقوعه فيه، والثاني اختصاصه بوقوعه بعده، وبالجملة فالظاهر أنّ زيدا ثبت له القيام، وقائم متساويان في عدم إفادة القصر، وأما عدم عدهم اللام من طرق الحصر كسائر الحروف المشعرة به فلأنه في اصطلاحهم كما في شرح المفتاح جعل أحد طرفي النسبة مخصوصا بالآخر بطرق معهودة واللام ليست مفيدة لجعل أحد إلخ لكونها جزءاً من أحد الطرفين، ولذا لم يعد لفظ الاختصاص، ونحوه من طرق القصر، والحق أنّ معناها التعقق الخاص، وأنها قد تفيد الحصر بحسب المقام وقرائن الحال، وتمثيل النحاة شاهد صدق عليه، فحيث كان المقام مقتضيا للحصر، ولم يكن فيه ما يدل عليه غيرها نسب القصر لها، وحيث لم يقتض ذلك أو كان فيه ما هو أدل عليه منها استراحت من الحصر، فلذا ترى العلامة الزمخشريّ نسبه لها في موضع دون موضع من غير تعارض في كلامه كما يوهمه كلام هذا الفاضل ﵀، وأمّا كون طرقه خارجة عن طرفي النسبة طارئة عليهما فليس بلازم، ألا ترى أنّ ضمير الفصل منها، وقد قيل إنه مبتدأ نعم ما يدل عليه بصريح الوضع كلفظ خص وحصر لا يعد منها لأنه من وظائف اللغة دون المعاني الناشئة عن خواص التراكيب كما لا يخفى، وقد حرّرنا هذا المبحث بما لا مزيد عليه، فليكن على ذكر منك إذا مست الخاجة له. قوله: (لا أحد أحق به منه) أراد بقوله إنه الحقيق الحصر والمفيد له تقديم المسند إليه أو تعريف الخبر على أنّ المراد به الاستغراق، وظاهر عبارة الكشاف تدلّ على أنّ الحمد حقيق به لا بغيره، حيث قال بعد الدلالة على اختصاص الحمد به وأنه به حقيق، ويفهم من كون المحامد حقيقة به كونه حقيقا بها.
فلم تك تصلح إلا له. ولم يك يصلح الآلها فلذا قال: لم يكن أحد أحق منه يعني أنه
أحق من كل أحد ونسب الزمخشريّ الدلالة إلر، الحمد لله
стр. 107
والمصتف نظر إلى أنّ جملة الحمد إنما تدل على ثبوت المحامد له تعالى على قصر الحقيقة، فنسب الدلالة إلى إجراء الأوصاف، واكتفى بثبوت الحقيقة، أوّلاً نظراً إلى جل النظر، ثم ترقى فقال لا أحد إلخ. ثم ترقى في النظر فالأوّل تدافع بين قوله أنه الحقيق النافي استحقاق غيره بتعريف الخبر وقوله لا أحد أحق إلخ المفيد لمشاركة غيره في الاستحقاق لكن الحصر ادّعائي بتنزيل استحقاق الغير منزلة العدم،
وقيل إنه لم يرد به الحصر لئلا ينافي كونه أحق ولئلا يصير قوله بل لا يستحقه إلخ. لغوا وكون تنزيل استحقاق الغير منزلة العدم بالنسبة إلى استحقاقه لا يستلزم عدم استحقاقه في الحقيقة لا يضرنا إذا دققنا النظر فيه، وقيل: إنه لم يكتف بالقصمر المستفاد منه فزاد هذا للتاكيد والمبالغة ولما فهم من ظاهر نفي الأحقية عن الغير أصل استحقاقه نفاه بقوله بل لا يستحقه على الحقيقة سواه، وقال: على الحقيقة، لأن استحقاقه في الجملة ثابت لا ينكر، وقال قدّس سرّه. المناسب لكون الحمد حقيقا به دون غيره أن يقال: لم يكن غيره حقيقاً بالحمد لأن قوله أحق يدل على أنّ غيره حقيق في الجملة، فكأنه لما أشار أوّلأ إلى انحصار الحمد فيه تعالى نبه هنا كلى أنه ادعائي على ما سبق من التأويل إيماء إلى مذهبه انتهى. والمصنف لما تبعه في أوّل كلامه أضرب عن ذلك بما يدل على أنّ الحصر حقيقي لا ادعائي إيماء إلى مخالفته وفيه نظر، ولا أحق منه كقولهم لا أفضل في البلد من زيد ومعناه أنه أضمل من الكل بحسب العرف إذ يستفاد منه نفي المساواة، وفي شرج المقاصد في بحث تفضيل الصحابة السر فيه أنّ الغالب فيما بين كل شخصين الأفضلية، / أو المفضولية لا التساوي، فلهذا نفى الأفضلية دون المساواة، وانما لم يستحقه سواه على الحقيقة لما قيل من أنّ الأفعال الاختيارية للعباد مخلوقة له تعالى ولا تأثير بل لا مدخل لاختيارهم فيها أصلاً، فلا يستحقون الحمد عليهيا ومعنى الاستحقاق المنفي كونه حقا لازما لهم، وأها الاستحقاق بمعنى ترتبه عليها عقلاً وعادة، فلا نزاع فيه كاستحقاق الئواب، ولا يلزم من نفي الاستحقاق بالمعنى المذكور كون حمد غيرهم مجازاً لأنه لغة الثناء على الجميل الاختياري أي المنسوب إلى الاختيار ونسبته إليه بكونه مسبباً عنه، وله مدخل في حقيقته أو مقارنته له، وأمّا كونه لا اختيار لغير الله عند أهل الحق فيختص الحمد به حقيقة لاختصاصه بالجميل الاختياري، فيلزم أن يكون إطلاقه في حق غيره مجازا ففيه أنه إن أريد نفي الاختيار الذي له مدخل في الفعل، فانمكاؤه مسلم لكن لا يتجه القول بمجازية الحمد إذ أطلق على غيره تعالى، فإنهم قائلون بوجود الاختيار للعبادو بانتساب أفعال العباد إلى الاختيار بالمقارنة، وفي شرح المواتف ليس لقدرة البشر تأثير في أفعالهم بل الله أجرى عادته بأن يوجد في العباد قدرة، واختياراً فإن لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارنا لهما وساغ إطلاق الاختياري في كلام أهل الحق على أفعالهم، واد أريد نفي الاختيار مطلقا فممنوع.
(أتول) ما ذكره في معنى الاستحقاق تساعده اللغة.
قال في المصباح: قولهم هو أحق بكذا له معنيان أحدهما اختصاصه بذلك من غير مشاركة نحو زيد أحق بماله أي لا حق لغيره فيه. والثاتي أن يكون أفعل تفضيل، فيقتضي اشتراكه مع غيره وترجيحه عليه قاله الأزهريّ واستحق فلان الأمر استوجبه قاله الفارابي
وجماعة انتهى. وكذا ما حكاه من كون حمد العباد ليس بمجازي الأ أنّ الذي نراه أنّ كلام المصنف أظهر مما يذكر فتدبر فيما بعده. قوله: (فإن ترتب الحكم إلخ الما ذكر أنه الحقيق ولا أحق منه، ثم أضرب عن الأحقية إلى نفي استحقاق الغير رأسا أشار إلى وجه ذلك، والحكم هو ثبوت الحمد لله المعلوم من جملة الحمد لله، والترتب المذكور معنويّ فإنك إذا قلت كرم هذا الرجل العالم فهم منه أنّ سبب إكرامه علمه، ولذا قيل إنّ في قوله تعالى: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦] تلقينا للحجة وهو من ألطف الكرم، والوصف وإنّ تأخر عن موصوفه لفظاً، وكذا عن الحكم عليه فهو مقدم عليه رتبة لتقدم العلة على المعلول والسبب على المسبب بالذات والاضتبار فلا يقال إنه ليس من ترتب الحكم على الوصف بل الأمر بالعكس كما توهم وهذا ما وعده قبل بقوله كرّره للتعليل على ما سنذكره، والظاهر أنّ كل واحد من هذه الأوصاف المذكورة علة لاستقلاله في إيجاب الحمد عقلاً كما ستراه لا المجموع كما قيل، وقد قيل عليه إنّ انحصار العلة في المذكورات إنما يتم إن كان الحكم ثبوت
стр. 108
جنس الحمد على وجه الاسنحقاق الحقيقي، والأ فالعلل كثير وفيه نظر وأيضا الإشعار بالعلية لا يفيد حصر الاستحقاق فيه تعالى، وأنما يفيد حصر العلية في الوصف وقد ردّ هذا بأنّ ثبوت العلية مع عدم ظهور علة أخرى يقيد الظن بحصر العلية، وهو كاف في مثله قيل: ولاحتياح ما اختاره المصتف إلى العناية قال في الكشاف: بعد الدلالة على اختصاص الحمد به، فجعل الاستحقاق مستفاداً من اللامين، وفيما مرّ غني عنه، فإن قلت كيف يصح ذلك وله تعالى صفات ذاتية وفعلية موجبة للاستحقاق غير ما ذكر قلت أجابوا بأنّ الصفات الذاتية لا تصلح لأن تكون محموداً عليها بالحقيقة لكونها غير اختيارية، وأما الصفات الفعلية الموجبة للحمد، فليس شيء منها خارجا عما ذكر فيما قيل وقيل: للحصر جزآن، وهذا دليل جزء منه ويدل على عدم استحقاق الغير بمفهوم المخالفة لانتفاء تلك الأوصاف فيه، وفيه أنّ ما بعده يدل على عدم اعتبار المفهوم أوّلاً.
(أقول) ولا يخفى عليك أنا سواء قلنا كل من هذه الأوصاف أو المجموع علة للحمد
سواء كان جنسه أو جميع إفراده، وكل منها لا يوجد في غيره تعالى لزم أن لا يوجد الحمد في أحد سوى الله المحمود في كل أفعاله وأنه لا يستحقه غيره حقيقة، وفرق بين هذه الحقيقة والحقيقة اللغوية التي يذكرها النحاة، وسائر أهل العربية واللغة، فإنها مبنية على المتعارف في التخاطب، ويسمى السبب العادي فيه فاعلاً حقيقياً كمن يقوم به الفعل والوصف دون من أوجده، والمتكلمون والمشايخ لا يطلقون الحقيقي على غير من أوجده ولعدم الفرق بيت الفاعلى اللغوي والفاعل في نفس الأمر وبين الحقيقتين غلطوا في أمور كثيرة كما نبه عليه الأبهري في شرح العضد، وكل جميل هو فعل الله وهو الفاعل له دون من عداه فكيف يحمد غيره عليه أيحبون اًن يحمدوا بما لم يفعلوا، وهو له في الدنيا والآخرة فالحمد لله حمداً يليق
بجنابه. قوله: (وللإشعار من طريق المفهوم) معطوف على قوله للدلالة، وفي نسخة أو بدل الواو إشارة إلى أنّ كلاً منهما نكتة مستقلة، والإشعار على ما ذكره أهل اللغة قاطبة الإعلام يقال أشعرته الأمر وأشعرته به والمصنفون يستعملونه لما ليس بصريح فهو عندهم كالإيماء والإشارة وهو الذي عناه المصتف ﵀، فكأنه في اصطلاحهم من أشعر الهدي إذا جعل فيه علامة فهو استعارة مشهورة بمنزلة الحقيقة قيل: ولا يخفى أنّ مؤدّى الإشعار المذكور هو مؤدّى الدلالة السابقة فعطفه عليه ليس بظاهر، وزيادة قوله من طريق المفهوم غير مقيدة لزيادة تسوّغ العطف، فإن فيه تعليق الحكم بالأوصاف المذكورة أيضاً وما ذكر من أن ترتب الحكم إلخ وجه لإفادته انتفاء الحكم عند عدمه، ويمكن أن يقال إنه جعل الإشعار مستندا أيضا لعلة مفهوم المخالفة، وهي أن تعليق الحكم بالوصف يفيد انتفاءه عند عدمه والدلالة بوجه آخر من الدلالة وأيضاف لم يجعل متعلق الإشعار مجرّد استحقاق الغير للحمد بل عدم استحقاقه للعبادة بالطريق الأولى انتهى. وهذا الأخير هو الذي عوّل عليه بعض المتأخرين، فقال إنه ذكر للإجراء فائدتين الآولى أنّ الكلام بمنطوقه دليل على اختصاص الحمد به بواسطة إشعاره بعلية تلك الأوصاف للحكم وبالعلم الضروري بانتفائها عما سواه تعالى. والثانية أنه بمفهوم المخالفة دال على اختصاص العبادة به تعالى لأنّ من لم يتصف بها لا يليق به الحمد فعدم كونه أهلاً لأن يعبد أولى، فالأوّل تأييد لما قبله، وهذا تمهيد لما بعده، فيأخذ الكلام بعضه بحجز بعض، وسياق الكلام لا يلائمه، وتصريحه بالدلالة في الأوّل، وبالمفهوم في الثاتي ينادي على أنّ مراده أنّ الأوّل مبنى إفادته لحصر الحمد، أو استحقاقه فيه تعالى بواسطة الألف واللام ولام الاختصاص، ودلالته على انتفائه عما سواه من توابع المنطوق الملحق به والإجراء تأييد له، أو حجة وبرهان عليه وهذا مأخوذ من طريق المفهوم، فلذا جعل الأوّل دلالة وهذا إشعارا، وصرّح بأنه مفهوم لا منطوق، ودلالة فتدبر. قوله: (لا يستأهل لأن يحمد إلخ) بالهمزة والألف المبدلة منها استفعال من الأهل أي لا يستحق وشوجب وقال الحريري: إنه بهذا المعنى مولد لم يسمع من العرب والمسموع استأهل بمعنى أخذ الإهالة وهي الشحم المذاب، وليس كما زعم فقد قال الأزهري: خطأ بعضهم من يقوله، فأمّا أنا فلا أنكره، ولا أخطىء من قاله لأني سمعت أعرابيا فصيحاً من بني أسد يقول لرجل شكر عنده يداً أولاها تستأهل أبا حازم بمحضر
стр. 109
جماعة من الأعرأب فما أنكروها وأنكره المازني، وقال يستأهل لا يدل على معنى يستوجب لأنّ معناه أن يطلب أن يكون من أهل كذا، وقد بسطنا الكلام عليه في شرح الدرّة، وقوله فضلا مصدر يتوسط بين أدنى وأعلى للتنبيه بنفي الأدنى واستبعاده عن الوقوع على نفي الأعلى، واستحالته عادة وفيه كلام طويل في شروح الكشاف والمفتاح، وصثف فيه ابن هشام رسالة مستقلة، وقوله ليكون بالياء التحتية أو التاء الفوقية أي لتكون الأوصاف المذكورة أو كل واحد منها أو أجزاؤها، وأفرد دليلا لأنه على وزن فعيل أو في عداد الأسماء أو جعلها كشيء
واحد، وهذا مما زاده المصئف ﵀ على الكشاف. قوله: (فالوصف الأوّل إيخ) قيل عليه إنّ- كلامه أوّلاً يشعر بأنّ الأوصاف المذكورة علل الحمد ويشعر بعليتها ترتب الحكم جمليها وهذا يدل على أن الموجب للحمد مدلول الوصف الأوّل وذكر الأوصافي الأخر لفوائد أخر فكأنه جعل ما يفهم من الأوصاف الآخر مندرجا في معنى الرب إجمالاً اكن اندراج غقاب الكافر في معنى الرب غير ظاهر.
وأجيب بأنه يوفق بينهما بأنّ علية امملربوبية مشروطة بالاتجتيإرأ المستفاد منها، فإن نظر إلى
ذات العلية خكم بأنها الربوبية وإن نظر إلى أنّ الذات بدون الشرط لا تؤثر قيل: كل واحد منهما علة، لأنّ له مدخلاَ في العلية، فأوّل الكلام إجمال وآخره تفصيل، وما مرّ من الجواب فيه ما فيه وعدم اندراج عقاب الكافر مع تضمن المالك له يجاب عنه بأنّ تربيته للمؤمن لا يجابه زيادة الشكر ومعرفة قدر الإيمان ونحوه، وقيل: خذا البيان الموجب لثبوت. المحمد فلا ينافي ما تقدم من أنّ علة حصره هو المجموع، وقيل هذا شروع في بيان فائدة كل واحدة منها بعد بيان فائدة مجموعها، ولذا فرعه بالفاء التفصيلية لتفرّع التفصيل على الإجمال كما بينه المصتف ﵀.
(أقول) قد جعلوا الفاء- هنا. تفصيلية، ولما فيه من الخفاء قيل ما قيل والظاهر أنها فصيحة جواب لسؤال نشا مما مرّ، فكأنه لما بين أنّ استحقاق جميع المحامد مختص به، وأنّ إجراء تلك الصفات مجموعها أو كل واحدة منها أو الأعمّ منهما دال على علته منطوفاً ومفهومأ قيل هل هذا واجب وما يوجبه فأجيب بما ذكر فهي واقعة في جواب شرط تقديره إذا اختص به، ووجب فالمبين لإيجابه ما ذكر من الصفات أيضاً ففيها مع ما سبق من الفوائد بيان لما يوجبه أو هي تفريعية كأنّ ذلك لما كان ثابتاً للذات بالذات قبل وجود الكائنات تفرع عليه وجوبه عليهم بعد البروز لساحة الوجود فالصفة الأولى لبيان الموجب، وما بعدها تحقيق للإيجاب، فإنه لو كان صدوره عنه بإيجاب، أو وجوب عليه لم يتحقهق الاستحقاق أو كماله لأنه يكون كالملجأ فلا يحمد ويحمد من ألجأه؟ كما قيل:
وكنا كالسهام متى أصابت ~ مراميها فراميها أصابا
ومن وجب عليه دين فأدّاه لا يحمد أو لا يعتدّ بحمده، ولما تمت الفائدة بما ذكر بين أنّ
فائدة ما بعده من تحقيقه تحقيقه للاختصاص الحث على أداء ما وجب بوعده ووعيده، وهذا أمر آخر غير ماتقدم أتمّ فائدة وأحسن عائدة.
واعلم أنّ الإمام ﵀ قال: إنّ من ذهب إلى وجوب الشكر عقلاَ قبل مجيء الشرع استدل بقوله الحمد لله لأنه يدل على أنّ الحمد حقه وملكه على الإطلاق فيدل على ثبوته قبل الشرع ولأنه قال رب العالمين، وقد ثبت أنّ ترتب الحكم على الوصف المناسب يدل على
كون الحكم معللاً بالوصف فلما أثبت الحمد لنفسه ووصفه بكونه رباً للعالمين رحمانا رحيما بهم مالكاً لعاقبة أمرهم في القيامة دذ على ثبوت الحمد له قبل الشرع وبعده، فكأنّ المصثف ﵀ أشار بما ذكر إلى الردّ عليه، فإنه بيان من الله لإيجابه فهو سمعيّ لا عقليّ فما ذكر دليل عليه لا له فتدبر. قوله:) متفضل بذلك) المذكور من الإيجاد والتربية، ودلالتهما عليه لأنّ المراد بالرحمة في حقه تعالى أثرها من التفضل والإحسان الاختياريين وضمير يصدر راجع إلى ذلك، وانتفاء الإيجاب بالذإت يلزم من كونه مختارا إن فسر الاختيار بصحة الفعل والترك، فإن كان المختار من إن شاء فعل وان شاء ترك لم يلزمه إنتفاء الإيجاب، ففيما ذكره المصنف ﵀ نظر، وجوابه يعلم مما مرّ، وهو رذ على الفلاسفة وتحقيقه في الأصول.
وقوله أو وجوب عليه ردّ على المعتزلة فإنهم يزعمون وجوب أمور عليه تعالى كثواب المطيع ورعاية الأصلح، وما قيل في بيانه من أنّ الأعمال
стр. 110
السابقة من العبد توجب على الله الآلاء اللاحقة به كما قال تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] وما أورد عليه من أنّ المعتزلة لا يقولون بالوجوب عليه تعالى في غير الثواب والعقاب، كما بين في الكلام ليس بشيء، وقوله قضية مصدر أو اسم مصدو بمعنى القضاء كالعطية بمعنى العطاء والقضاء بمعنى الأداء، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ﴾ [النساء: ٠٣ ا] أي أديتموها وقيل الحكم.
وفي المصباج إنّ استعمال الفقهاء القضاء لما يفعل خارج الوقت مقابلاَ للأدأء اصطلاح مخالف للوضع اللغويّ، وهو تعليل للوجوب يعني أنّ الوجوب عندهم لقضاء حق الأعمال السابقة من العبد وأدائها، وهو منصوب على أن مفعول لأجله لقوله وجوب، وقيل ليصدر من حيق التعلق بالوجوب واللام متعلقة بقضية، ونصبه مع أنه ليس فعلاً لفاعل الفعل المعلل لأنه في الحقيقة علة لما هو مضاف إليه الوجوب معنى، وهو الإيجاد والتربية على أنّ الرضمى لم يرض اشتراط ذلك، والمراد بقضاء سوابق الأعمال الإتيان بمثلها من الجزاء، وهذا علة لبعض ما يوجبونه عليه، ومعنى الوجوب عليه اللزوم في موجب الحكمة بحيث يحكم العقل بامتناع عدم صدور الفعل منه، وقد يضم له أنه لو لم يفعل يستحق الذم بمخالفته الحكم، وانتفاؤه يلزم منه كونه متفضلاً كذا قيل، وأورد عليه أنه يصير المعنى حينئذ ليس إيجاد. وتربيته لقضاء سوابق الأعمال، وهو وان تصوّر في بعض أفراده القريبة لا يتصوّر في الإيجاد أن يكون لقضائها، وقد علمت سقوطه مما مرّ وان كانت العبارة لا تخلو عن قصور مّا. قوله: (حتى يستحق به الحمد) هو غاية لقوله متفضل بذلك مختار ومستقبل بالنسبة إليه، فيجوز فيه الرفع والنصب كما في قوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤، وقيل
حتى استئنافية ويستحق مرفوع مسبب عما قبله وقصد به حكاية الحال الماضية وفيه نظر أي لو لما يكن متفضلاً مختاراً لم يستحق الحمد كما مرّ، وهو في الحقيقة متعلق بالتفضل دون الاختيار إذ من أدّى ما يجب عليه لا يحمد أو لا يعتد بحمده، ولذا قال الفقهاء إنّ الهبة بعوض بيع معنى، فلا يرد عليه أنّ الوجوب بالمعنى المذكور يجامع القدرة على الترك والتمكن منه نعم الوجوب بمعنى منافي الاختيار ينافي الاستحقاق، وليس كالوجوب على العبد كما قيل لا لما ذكر من أنّ هذا الوجوب بمعنى عدم قدرته على الترك إذ هو واقع كما عرفت بل لأنّ الوجوب الشرعي عدم منافاته للاختيار ظاهر جدا، فلا يناسب التشبيه إلا أن يكون باعتبار إرادة المبالغة في عدم استلزام الوجوب عليه لسلب الاختيار، وقد عرفت ما يرده واذا ظهر المراد سقط الإيراد. قوله: (لتحقيق الاختصاص) أي اختصاص الحمد بالله وعدم قبول مالكية يوم الدين للشركة فيه ظاهر بخلاف الربوبية والرحمة فإنها بحسب الظاهر بتصوّر فيها الشركة، وان كانت بالنظر للمعنى المراد كما مرّ لا تقبلها أيضاً واختصاص الحمد لاختصاص المحمود به أو عليه، وتضمين إلخ بالجرّ معطوف على تحقيق، والوعد والوعيد من الدين بمعنى الجزاء، وما قيل عليه من أنّ اختصاص الأمور به في يوم الدين لا يوجب اختصاص الحمد لجواز أن يحمد على غير ما في هذا اليوم وأنه لا دخل لتضمين الوعد والوعيد فيما هو بصدده من بيان وجه إجراء الصفات عليه، فكان ينبغي أن يقول واجراء هذه الصفات للدلالة إلخ وللحث على الحمد والنهي عن الإعراض ليرتبط الكلام لا يرد لأنّ الحمد على ما في غيره، واختصاصه أيضاً علم من رب العالمين وقرينيه، وأكد بهذا الظهور اختصاصه، ووعد الحامدين يقتضي استحقاق الحمد وينبه على لزومه فمناسبته للمقام ظاهرة، وعبر بالتضمين لما فيه من زيادة الوعيد مع أنه وعد للمؤمنين أيضا كما قيل:
مصائب قوم عند قوم فوائد
وقوله للمعرضين أي عن حمده أو عنه وعن عبادته. قوله: (ثم إنه لما ذكر إلخ) ثم للعطف مع مهلة، وهي هنا للانتقال من كلام إلى آخر، ولما كانت العبادة أهمّ عطفها بها للدلالة على تفاوت الرتبة أو هو إشارة إلى بعد طريق الخطاب عن طريق الغيبة والضمير للشأن وخالف الزمخشريّ في تقديم ما ذكر لأنه المقصود بالذات قيل: ولو قال بدل ذكر حمد كان أولى وهو اشتغال بما لا يعني وتميز صفة لصفات وعظام جمع عظيمة هنا ويكون جمع عظيم، وجمع عظم أيضاً كما صرّح به صدر الأفاضل، فمن قصره على الأخير فقد وهم وتعفق عطف على تميز بحذف العائد، ووقع في بعض النسخ بدون
стр. 111
واو فهو جواب لما وعلى الأوّل خوطب جوابها وفي نسخة فخوطب بالفاء، وباء بذلك سببية أو ا-لية فالإشارة للتميز أو للفظه قيل والذكر
يحتمل أنه ذكر الله ذلك حكاية عن العباد تعليما لهم، فحصول التميز والتعلّق على ظاهره لكن قوله خوطب ليس على ظاهر إذ هو تعالى ليس بمخاطب في تلك المرتبة بل المراد منه حكاية خطابه تعليماً، ويحتمل أن يراد ذكر العباد ذلك في مقام الحمد والقراءة كما علمهم، فحصول التمييز والتعلق بالنسبة إلى من عنده التمييز والعلم باعتبار التفات جديد لازم للقراءة والخطاب على ظاهره، وقيل وجه سببية الذكر والوصف المستلزمين للتميز والعلم التنزيل الغائب بواسطة أوصافه المذكورة التي أوجبت تميزه وانكشافه حتى صار كأنه يبدل خفاء غيبته بجلاء حضوره منزلة المخاطب في التميز والظهور فيصح إطلاق ما هو موضوع للمخاطب عليه، وظاهره أنّ الحق سبحانه لا يخاطب حقيقة ولا يظهر وجه لصحته كيف ولا يثترط في الخطاب إلاً السماع لا المشاهدة والعيان، والآ يلزم أن لا يخاطب الأعمى حقيقة ولا من هو خارج الدار من في داخلها ولم يقل به أحد انتهى.
(أقول) هذا مشكل من أهمّ المهمات بيانه وكلام كتب المعاني كلها أو جلّها ناطق بمثل باردة، فلا بدّ من بيان معنى الخطاب المدلول عليه بضمائره ونحوها فإنه إن قيل إنّ حقيقته توجد إذا اجتمع المتخاطبان بجث يرى كل منهما الآخر، ويسمعه لم يكن خطاب الداعين لله حقيقيا، وكذا خطاب الأعمى ومن هو خارج الدار ونحوه والبدإهة شاهدة بخلافه، فإن لم يشترط ذلك لزم أنّ كل من وجه له الخطاب غائبا كان أو حاضراً مخاطب حقيقة، وفساده ظاهر فلا بدّ من بيان المراد منه حتى تتميز حقيقته من مجازه، والذي لاح لي بعد إمعان النظر فيه أنّ كل شيء له تحقق في الخارج ونفس الأمر وتحقق ذهناً باعتبار دلالة العبارة عليه، ولا تلازم بينهما فتحقق الخطاب في الأوّل بحيث يعدّ حقيقة يكفي فيه سماع المخاطب ووجوده عنده، وإن لم يحوهما مكان واحد ولم يركل منهما الآخر فالعبد يخاطب الله في دعائه حقيقة لسماعه دعاءنا وهو معنا، وأمّا باعتبار استعمال ما وضع للخطاب كضمائره، فإن وقع ذلك ابتداء في حال التكلّم كان مدلولها مخاطباً حقيقة، والاً فلا، وإن وقع في أثناء الكلام ينظر لما قبله فإن كان لفظاً موضوعاً للمخاطب، فكذلك هو حقيقيّ حتى يعد ما خالفه التفاتا، والاً فهو مجازي، لأنّ الحكم وقع عليه أوّلاً من غير دلالة على توجه النفس إليه توجه الخطاب سواء كان كذلك أو لا حسبما يقتضيه الحال ألا ترى الرجل بين يدي الملك لمهانته يخاطب بعض خدامه، ويقول أنا راج أن يحسن إليّ السلطان ويخلصني بعدله من العدوان، ولا يعدّ التعبير بالغيبة فيه مجازاً والتفاتاً مع أنه بمسمع منه ومرأى، وهكذا جرى القياس ومتعارف الناس، ولما كان الغالب المتعارف كون المخاطب حاضراً محسوساً وغيره ليس كذلك جعلوه معيار الحقيقة والمجاز، ولما ذكر الله هنا بطريق الغيبة جعل إجراء الأوصاف المعينة لتميزه في قوّة التعبير عنه بما يدل على الخطاب، ولما لم يكن كذلك حقيقة جعل التفاتا وهو الذي عناه ذلك الفاضل، فبيته وبين ما أورد عليه بعد المشرقين، وقد وضح الصبح لذي عينين، وهذا سرّ حديث:
" الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه " كما قال الشاعر:
واني لأرجو الله حتى كأنما أرى بجميل الظن ما الله صانع
قوله: (أي يا من هذا شأنه إلخ) فيه إشارة إلى المرجح بعد المصحح، وكأنّ الخطاب المعلل بهذه الفوائد مسبب عما تقدّم، ولما كان في إطلاقه عليه ملاحظة لتلك الأوصاف صار الحكم مرتبا على الوصف المناسب، فكأنه قيل يا من اتصف بتلك الأوصاف، وتميز بها نعبدك فيشعر من طريق المفهوم باختصاص العبادة به، فيكون ما خوطب به أدل على الاختصاص من إياه نعبد لاشتراكهما في الدلالة على الاختصاص بالتقديم، واختصاص الأوّل بالدلالة من طريق المفهوم أو المعنى ليكون الخطاب أدل على الاختصاص من الغيبة، لأنه ربما يفهم من الصفات السابقة معه لا به، وقال قذس سرّه: حاصل ما ذكر أنه لو قيل إياه نعبد واياه نستعين كما يقتضيه السياق ظاهراً لم يكن فيه دلالة على أنّ العبادة له والاستعانة به لأجل اتصافه بتلك الصفات المجراة عليه وتميزه بها عن غيره، لأنّ ذلك الضمير
стр. 112
راجع إلى ذاته بمقتضى وصفه، وليس فيه ملاحظة لأوصافه، وان اتصف بها فالحكم متعقق بذاته فلا يفهم منه تسببه عرفا، واذا قيل إياك بدله نزل الغائب بواسطة أوصافه المذكورة الكاشفة له كما مرّ منزلة المخاطب في التميز والحضور، وأطلق عليه ما هو موضوع له، ففهم منه عرفا أن ذلك لتميزه بتلك الصفات ونظير إياك هنا اسم الإشارة الآتي في قوله أولئك على هدى، فإثبته له في الخطاب بطريق برهاني بخلاف الغيبة فلذا قال أدل. قوله: (نخصك بالعبادة إلخ) قال الفاضل الليثي: فيه تصريح بفائدة التقديم والخطاب والباء داخلة على المقصور لأنّ الاختصاص والتخصيص والخصوص يقتضي بحسب مفهومه الأصلي دخول الباء في المقصور عليه كقوله مخصوص بالمعبود يالحق، وهذا عربي كثير إلآ أن الأكثر في الاستعمال دخولها على المقصور ووجهه استعمال ماذة التخصيص في معنى التمييز أو التميز لكون تخصيص شيء بآخر في قوّة تمييز الآخر به أو تميز. به، وقد تبع في الشريف قدّس سرّه كما حققه في حواشيه على المطوّل حيث قال معنى نخصك بالعبادة نميزك، ونفردك من بين المعبودين فتكون العبادة مقصورة عليه تعالى، وكذأ قوله واختص بوا أي ميز المندوب عن المنادي بوا فتكون مختصة بالمندوب وكذا قوله تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء﴾ أسورة آل عمران سا الآية: ٧٤] وبالجملة تخصيص شيء بآخر في قوّة تمييز الآخر، وأمّا أن يجعل التخصيص مجازاً عن التمييز مشهوراً في العرف حتى صار كأنه حقيقة فيه، وأمّا أن يجعل من باب التضمين، فيلاحظ المعنيان معا وتكون الباء
المذكورة صلة المضمن، ويقدر للمضمن فيه أخرى فيقال ونخصك بالعبادة مثلاً نميزك بها مخصصين إياها لك (وههنا بحثان (: الآوّل أنّ المصرّح به في كتب اللغة أنّ الباء تدخل على المقصور قال في الأساس خصه بكذا فاختص به، وفي مفردات الراغب: التخصيص تفرّد بعض الشيء بما لا يشاركه فيه الجملة، وكذا قال الجوهرفي خصه بالشيء فاتفقوا كلهم على تفسيره بالتفرّد والتميز وعلى إدخال الباء على المقصور، وهو الوارد في القرآن المجيد كقوله تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء﴾ [آل عمران: ٧٤] فما الداير إلى ارتكاب التجوّز والتضمين مع ما في الثاني من التكلّف المخالف للمعهود في أمثاله وهو يكون لازما ومتعديا لمفعول بنفسه وللآخر بالباء، وقد يتعدى لمفعولين كقوله:
إن أمر أخصني عمدا مودّته
ويحتمل الحذف والإيصال، فقول الشارح المحقق: المعنى نخصك بالعبادة أي نجعلك منفرداً بها لا نعبد غيرك وهذا هو الاستعمال العربي ولو قال: نخص العبادة، لكان استعمالاً عرفياً انتهى هو الصواب فلله دره والعجب من المدقق بعدما سمع هذا قال ما قال ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ﴾ [يونس: ٣٢] الثاني: القصر هنا حقيقيّ، فلا يتوهم أنه يكون لردّ خطأ المخاطب، ولا مجال له هنا لأنه في القصر الإضافي ومن لم يفرق بينهما فقد سها، وأعجب منه ما قيل إنه اعترض بأنّ المعنى نخص العبادة، وطلب المعونة بك لا نخصك بالعبادة، وكأنه نظر إلى أنهم علموا أنّ ذلك يكون لغير الله أو له ولغيره فقال: نخص العبادة بك قصر قلب على الأوّل، وافراد على الثاني، فوجب حمل كلام المصتف على القلب، وفيه أن ردّ الخطأ في القصر على المخاطب وهو هنا محال، وأجيب بأنه على سبيل التعريض، وهو غير صحيح كما سيأتي، وهو من قصر الفعل على المفعول قلبا لكن النظر في دفع الخطأ لم يندفع انتهى. قوله: (والترقي من البرهان إلى العيان) الترقي في أكثر النسخ بدون لام، ووقع في بعضها وللترقي مصرحا بها كما في بعض الحواشي، فلذا احتمل أن يكون معطوفا على قوله ليكون أو على الاختصاص، أو على أدل وهذا أبعدها، ولما ذكر أوّلأ المصحح للخطاب والالتفات أتبعه بالمرجح له، وهو أنه أدل على الاختصاص به تعالى كما مرّ، وفيه الترقي المذكور مع فوائد ونكات أخر مفصلة في المعاني قيل وكون ما خوطب به أو الخطاب أدل على الترقي، والانتقال محل نظر، فالوجه أن يعطف على مدخول اللام فيكون ين فوائد الخطاب لكن ترتبهما عليه ليس في الوجود الخارجي بل في الوجود العلمي فإن الترقي والانتقال المذكورين متقدمان على الخطاب، وهذا إذا أريد به الحالتان الداعيتان للخطاب، وأمّا إذا أريد بهما الترقي، والانتفال من حيث التعبير بالعبارة الدالة على الحالين فليسا بمتقذمين عليه، والعيان بكسر العين وفتحها خطأ هو مشاهدة العين
стр. 113
والذات. قوله: (والانتقال إلخ) قيل
ب / بم ا / م ١
حضوراً بنى أوّل الكلام على ما هو مبادىء حال العارف من الذكو والفكر والتأمّل في أسمائه، والنظر في آلائه، والاستدلال بصنائعه على عظيم شأنه، وباهر سلطانه ثم قفي بما هو منتهى أمره، وهو أن يخوض لجة الوصول، ويصيره من أهل المشاهدة، فيراه عيانا إنه عطف تفسيريّ وليس المراد بالشهود الرؤية الحقيقية لعدم وقوعها وإن لم يمتنع بل التوجه التامّ لحضرة القدس والإعراض عما سواه:
وثمّ وراء الذوق معنى يدق عن مدارك أرباب العقول السليمة
وقوله بنى أوّل الكلام إلخ جملة مستأنفة استئنافا بيانياً، أو مفسرة ومبينة لما قبلها فلذا لم تعطف، وقيل: الأولى أن يذكر في مبادي حاله تهذيب الظاهر بوظائف العبادات المستفاد من الحمد إن كان بمعناه العرفي ودلالتة إن حمل على المعنى اللغوي لأنّ من عرف أنّ جميع النعم له يلزمه أن ث ممره بجميع الموارد وقيل أواسط حاله الإيمان بالشرع وما لا طريق للعقل إليه إلاً من جهة الوحي رجاء وعده ووعيده وقد تضمنه ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فلم يفت النظم أواسط حاله وفيه نظر إذ كيف يكون الإيمان بالشرع من أواسط حال العارف بل أواسط حاله تزكية البطن عن الأخلاق الرديئة، والملكات الذميمة وتخلقه بأضدادها والجتة والنار صورة تلك الأخلاق، فمالك يوم الدير، فيه إشارة إليها لكن لا كما توهم، ويمكن أن يقال التحلي بالأخلاق الفاضلة والتخلي عن الملكات الرديئة من مقتض الرحمة الرحمانية لأنه من النعم الجليلة الدنيوية، وجزاؤه في الآخرة من مقتضيات الرحمة الرحيمية فالاسمان يشعران بأواسط حاله، وهذا كله تكلف ناشىء من الغفلة عن قوله العارف فإنه في اصطلاحهم من أشهده الله ذاته وصفاته، وأسماءه وأفعاله والعارف تكفيه الإشارة. قوله: (من الذكر إلخ) الذكر من الجلالة أو من جملة الحمد لله لأنه ذكر للأوصاف الجميلة إجمالاً والفكر في الآفاق والأنفس من رب العالمين، والتأمّل التدبز دماعادة النظر مرّة بعد أخرى في الشيء حتى تعرفه من الأمل، وهو الرجاء كأنك كنت ترجوه والآلاء بالفتح والمد جمع إلى بكسرة الهمزة وفتحها مع فتح اللام، وئبسكونها بمعنى النعمة من الرحمن الرحيم، والاستدلال من مالك يوم الدين، والظاهر أنه من الرحمن الرحيم أيضاً والمشاهدة المذكورة من الخطاب والصنائع جمع صنيعة وهي الإحسان، أو صناعة والتعبير بالتأمّل في الأسماء والنظر في الآلاء ظاهر، والباهر من بهر بمعنى فضل وغلب، السلطان الحجة والولاية والسلطنة وكل منها صحيح هنا، وهو إشارة إلى مقامات العارفين في السلوك والسير إلى الله فتدبر. قوله: (ثم قفى إلخ) قفى بالتخفيف بمعنى تبع وبالتشديد بمعنى أتبعه كأنه جعله خلف قفاه.
قيل وفيه بحث أمّا أوّلاً فلأنّ منتهى حال العارف مرتبة حق اليقين والظاهر أنّ ما ذكره
إشارة إلى مرتبة عين اليقين وامّ ثانياً فلما ذكره بعض العلماء من أنّ الخطاب لا يقتضي إلآ كون المتكلم بحيث يراه المخاطب، ويسمع صوته لا كونه رائيا للمخاطب ومشاهداً له، وفيه نظر لأنه لا يفهم من كلام المصتف استدعاء الخطاب مطلقا شهود المتكلم بل يفهم أنّ الخطاب
الواقع بعد إجراء الصفات الموجبة لليقين يوجب كون المخاطب كأنه مشاهد ولا شبهة في صحة هذا الكلام، والجواب عن الأوّل أنّ هذا منتهى السير إلى الله فلذا عدت منتهى حاله، وفب نظر لا يخفى، ومنتهى اسم مفعول أو مصدر ميمي بمعنى النهاية والخوص الدخول في الماء، والمجة الماء المجتمع من البحار ونحوها وهو استعارة تمثيلية أو يخوض استعارة تبعية بمعنى يشرع، واللجة ترشيح له أو لجة الوصول من قبيل لجين الماء، والمراد من العين الذات المعاينة، والأثر فسر هنا بالخبر، وهو المناسب للسمع ولمراده إذ المراد الدعاء بأن يكون ممن كثف له الغطاء فلم يقف على السماع والمعروف في الأثر المقابل للعين أنه بمعنى العلامة، وفي المثل لا أثر بعد عين، والمناجاة المكالمة، والشفاه مصدر بمعنى المشافهة. قوله: (ومن عادة العرب إلخ) قدّم المصنف ﵀ نكتة إلالتفات الخاصة بهذا المقام لشدة ارتباطها بتفسيره، وللاهتمام بها.
٣ أشار إلى فائدته العامّة من جهة المتكلم وهي التصرّف في وجوه الكلام واظهار القدرة عليها، ولذا قال ابن جني ﵀ إنه شجاعة العربية، وأردفها بفائدة أخرى من جهة الكلام، وهي التطرية أي تجديد أسلوبه وابراز عرائس المعاني في حلة بعد حلة، وفائدة أخرى من جهة السامع وهي تنشيطه وله فوائد خاصة بكل مقام كما أشار إليه أوّلاً بقوله ليكون إلخ. والتفنن ط لإفتنان الإتيان بفنون، وأنواع من الكلام
стр. 114
وهو أعمّ من ألالتفات لشموله اختلاف وجوه الإعراب في النعوت المقطوعة، والأسلوب بضم الهمزة الطريق والفن ويصمح إرادة كل وإحد منهما هنا، والتطرئة بهمزة بعد الراء أو ياء فهو مهموز وغير مهموز وقيل بمعنى التجديد، إمّا من الطراوة أو من طرأ بمعنى ورد وحدث، وفي المصباح طرو بالواو بزنة قرب فهو طريّ بين الطراوة وطري وزان تعب لغة، وطرأ فلان علينا يطرأ مهموز بفتحتين طرو أصلع فهو طارىء، وطرأ الشيء يطرأ أيضا طرآنا مهموز حصل بغتة وأطريته بالياء والهمزة مدحته اهـ وتنشيط السامع ترغيبه في الاستماع واذهاب كسله وملله من قولهم رجل نثيط أي طيب النفس للعمل، والمصنف ﵀ جعل التنشيط علة للعدول، والمفهوم من كتب المعاني أنه غرض التطرية والأمر فيه سهل. قوله: (فتعدل من الخطاب إلخ) فأقسامه ستة وهي ظاهرة، وهو عند السكاكي مخالفة الظاهر في التعبير عن الشيء بالعدول عن إحدى الطرق الثلاث إلى غيرها تحقيقاً أو تقديرا، ومنهم من اشترط سبق تعبير بطريق آخر معدول عنه وهو ظاهر كلام الممتف، ويقرب منه التجريد المذكور في البديع، والفرق بينهما بين في محله، ووضع الظاهر موضح المفمر قد يكون التفاتا وقد لا يكون، وهل الالتفات حقيقة أو مجاز والحق أنه قد يكون جمقة وقد يكون مجازاً، ولذا ذكر في المعاني، وقيل إنه حقيقة حيث كان معه تجريد
وهو كلام سطحيّ، وقد اتفقوا على أنّ ما نحن فيه من الالتفات، وأنّ فيه التفاتاً واحداً، وفي شرح التلخيص للسبكي فيه نظر لأنّ الالتفات خلاف الظاهر مطلقاً، فإن كان التقدير قولوا الحمد لله إلخ ففي الكلام المامور به التفاتان أحدهما في الجلالة، وأصله الحمد لك لأنه تعالى حاضر والثاني في إياك لمجيئه على خلاف أسلوب ما قبله، وان لم يقدّر كان في الحمد لله التفات من التكلم للغيبة، لأنه تعالى حمد نفسه، ولا يكون في إياك التفات لتقدير قولوا معها قطعاً، فيلزم الشيخين العلامة والسكاكيّ أحد أمرين، إمّا أن يكون هنا التفاتان أو لا يكون التفات أصلاَ إن قلنا برأي السكاكي، وهو مقتضى كلام الزمخشريّ لجعله في الشعر ثلاث التفاتات، وان قلنا برأي الجمهور ولم نقدّر قولوا فلا التفات لأنا نقدر قولوا إياك نعبد فإن قدر قولوا قبل الحمد لله كان فيه التفات واحد في إياك، وبطل قول الزمخشريّ: إنّ في الشعر ثلاث التفاتات اهـ وهذا كلام مشوّس، ويعلم حاله مما قرّروه، فلا يلتفت له فتدئر. قوله: (وبالعكس كقوله تعالى إلخ) متعلق بجميع ما سبق وسكت عن قسمي العدول من الخطاب إلى التكلم، وبالعكس قيل لقلة وقوعهما في التراكيب، أو لأنهما يعلمان بالمقايسة إلى ما ذكر بل بالأولى إذ القرب بين التكلم والخطاب أشد قيل: وفي الوجهين نظر إذ الأوّل غير ظاهر، والثاني لا يختصى بالوجهين، وكون القرب بين التكلم والخطاب أشد من قرب التكلم من الغيبة غير ظاهر، وقد يفال. المصمراع الأوّل من الأبيات إشارة إلى النقل من التكلم إلى الخطاب على طريقة السكاكي، وانكاره القرب بين التكلم والخطاب سهو أو مكابرة، فإنّ بينهما تلازماً ظاهراً بخلاف ائثكلم والغيبة. قوله: (وقوط امرىء القيس إلخ) قائله امرؤ القيس بن عانس بالنون والسين المهملة ابن المنذر بن امرىء القيس بن السمط الكندي على الأصح المعروف عند الرواة، وهو صحابيّ وفد كلى النبيّ ﷺ وأسلم وكان نزل الكوفة، وفي الصحابة عذة رجال يسمون بامرىء القيس غيره، وقيل: إنّ قائله امرؤ القيس بن حجر الكندي الشاعر الجاهليّ المعروف وهذا هو الثابت في كتاب أشعار الشعراء الستة، وعليه صاحب المفتاح وأكثر أهل المعاني، ونص ابن دريد على أنه وهم.
وقال ابن الكلبي: هو لعمرو بن معد يكرب في قتله بني مازن بأخيه عبد الله واخراجهم
عن بلادهم وأثمد اسم موضع وهو بفتح الهمزة وسكون المثلثة وضم الميم وروي فتحها أيضا، وروي بكسر الهمزة والميم كاسم الكحل والعائر كالعوار القذى الرطب الذي تلفظه العين في الوجع، وبمعنى الرمد أيضأ ويطلق على محله فيحتاج إلى تقدير أي ذي الجفن العائر، والمراد
تشبيه نفسه بذي العائرللأرمد في القلق والاضطراب، وتشبيه ليلته بليلته في الطول، والخليّ الخالي من الحزن وأبو الأسود صاحب له نعاه أو من بلغه خبر أبيه، وأبو الأسود كنيته واسمه ظالم بن عمرو من بني الجون أكل المرار، وهو
стр. 115
ابن عمّ امرىء القيس رثاه بهذه القصيدة، وقيل أبى أب مضاف لياء المتكلم والأسود صفته وهو أفعل من السودر أو السواد، والنبأ الخبر أو خبرس فيه فائدة عظيمة وعما له شالط فهو أخص مته، والشعر هو-هلى ا:
تطاول ليلك بالإثمد ونام الخليّ ولم ترقد
وبات وباتت له ليلة كليلة ذي العائر الأرمد
وذلك من نبا جاءني ونبئته عن أبي الأسود
ولو عن نبأ غيره جاءني وجرح اللسان كجرح اليد
لقلت من القول مايلايزال يؤثرعني يدالمسند
بأقي علاقتنا يزعمون أعن دم عمروعلى مرثد
فإن تدفنوا الهداء لانخفه وأن تبعثوا الداء لا نقعد
وإن تقتلونا نقتلكم وان تقصدوا الدم لم نقصد
متى عهدنا بطعان الكما ة والمجد والحمد والسودد
وملء القباب وملء الجفان والنار والحطب الموقد
وأعددت للحرب وثابة جواد المجيئة والمورد سبوخاجموحاواحصارها كمعمعة السعف الموقد
ومطرد كرشاء الجزو رمن جلب النخلة الأجرد
وذي شطب غامض كله إذاصاب بالعظم لم يتأد
ومسدودة السبك موضونة تضاءل بالطرّ بالمبرد
تفيض على المرء أردانها كفيض الأنيئ على الخدخد
وهي مشروحة في كتب الشواهد، وقال قدس سرّه: اعلم أنّ قوله تطاول ليلك إن حمل
على الالتفات لم يكن تجريداً وان عد تجريداً كقوله:
وهل تطيق وداعا أيها الرجل
لم يكن التفاتا لأنّ مبنى التجريد على مغايرة المنتزع للمنتزع منه حتى ترتب عليه ما قصد
به من المبالغة في الوصف، ومدار الالتفات على اتحاد المعنى ليحصل به ما أريد من إرادة إبراز المعنى في صورة أخرى مغايرة لما يستحقه بحسب الظاهر، فالقول بأنّ أحد أقسام التجريد، وهو مخاطبة الإنسان نفسه التفات مما لا يعتد به، وهذا لم يرتضه بعض الفضلاء وقال فإن قيل مبنى الالتفات على ملاحظة اتحاد المعنى، والافتتنان في التعبير عن معنى واحد
بطرق مختلفة، ومبنى التجريد على اعتبار التغاير ادّعاء قلنا يكفي في الالتفات، والافتتان اتحاد المعنى في نفس الأمر، ولا ينافيه اعتبار التغاير ادّعاء ألا ترى أنّ صاحب المفتاج جوّز أن يكون فائدة الالتفات في مثل تطاول ليلك أنّ المتكلم لشدّة المصيبة وقع شاكاً في اتحاده مع نفسه، فأقامها مقام مكروب يخاطبها فلا ينافي الالتفات أن تعتبر المغايرة أيضا بحيث ينزع منه مصاب آخر نعم لا تلزم المغايرة والانتزاع في الالتفات.
(وأنا أقول) الظاهر أنّ المقصود بالذات في التجريد التغاير لابتنائه على المبالغة الحاصلة
به، وفي الالتفات الاتحاد لابتنائه على تلوين الخطاب المقتضي لاتحاد المعنى، فلا ينافي إيهام خلافه لنكتة ألا ترى أنّ صاحب المفتاح لما نزله منزلة المصاب جعل ذلك لذهوله، فكأنه لو لم يقدر نفسه ذاهلا لا يتأتى التغاير ثم إنه نقل عن المصنف ﵀ هنا أنه قال إنّ ليلك بفتح الكاف وان كان خطابا لنفسه لأنه أقامها مقام مكروب ذي حرقة، أو مقام المستحق للعقاب على ما صرّح به في المفتاج بدليل الخطاب في لم ترقد، فإنه مذكر والاً قيل لم ترقدي بإظهار الضمير وقيل عليه إنّ ضعف هذا الدليل غنيّ عن التفصيل وسيأني تحقيقه وما فيه، وقد اختلفوا في عدد الالتفات في هذه الأبيات فعذها الزمخشرقي ثلاثة في ليلك لأنّ حقه أن يقول ليلي، وفي بات لعدوله إلى الغيبة بعد الخطاب، وفي جاءني لعدوله بعدها إلى التكلم، واكثر على
стр. 116
أنّ فيها التفاتين فقط، وأنّ الأوّل ليس بالتفات بل تجريد، وقيل إنّ الثاني والثالث ذلك وجاءني ورجحه في الإيضاح أو ذلك وخبرته ورجحه في عروس الأفراح، وقيل فيه أربع التفاتات، وقيل هي سبع في ليلك وترقد وبات وله وذلك وجاءني وخبرته. قوله: (وأيا ضمير منصوب إلخ) ذكر صاحب البسيط فيه أقوالاً سبعة وبينها وأدلتها فذهب الزجاج إلى أنّ أيا اسم مظهر مبهم مضاف للضمائر بعده، والخليل إلى أنه ضمير مضاف للضمير بعده، وكون الضمير يضاف ردّه النحاة، وذهب ابن كيسان وغيره إلى أنّ أياً دعامة وما بعدها هو الضمير، وقوم إلى أنّ إياك بجملته ضمير وآخرون إلى أنّ أيا هو الضمير وما بعده حروف مبنية للمراد به وهو الأصح وقد ارتضاه المصتف رحمه الله تعالى. قوله: (كالتاء في أنت إلخ) أمّا الكاف في أرأيتك بمعنى أخبرني فحرف بلا خلاف في المشهور وأما تاء أنت ففيها خلاف، فمنهم من ذهب إلى أنها ضمير وما قبلها دعامة فلا يصح جعلها مقيسا عليها، وان كان ذلك مما سبق المصتف ﵀ إليه ابن الحاجب ووجهه أنّ الخلاف فيها ضعيف لم يعتدوا به، ولذا قال في شرح اللب أنها حرف بالإجماع. قوله: (واحتج إلخ) أي الخليل احتج لما قاله من أنه ضمير مضاف
بسماع إضافته للاسم الظاهر، وجره له وكون الضمائر لا تضاف غير مسلم عنده أو هو يقول لا مانع من إضافة هذا النوع منها لأنّ الأحكام العامّة قد تتخفف في بعض الصور كتخلف لدن عن جر غدوة وتخلف لولا عن وقوع الضمير المرفوع بعدها، فكذا هذا تخلف عن حكم المضمرات في منع الإضافة. قوله: (أيضاً واحتج إلخ) قال سيبويه: وحذثني من لا أتهم عن الخليل أنه سمع أعرابيا يقول فذكره، والشوالت بالتشديد جمع شابة كدواث جمع دابة الفتية من النساء بالغ في التحذير، فأدخل أيا على الثواب كأنه توفم أنّ كلا منهما محذر من الآخر أي عليه أن يقي نفسه عن التعرّض للشواب، ونهين عن التعرّض له فعليهن مثل ذلك وهذا شاذ لا يرد على المخالف واعترض عليه بأنه وان كان شاذاً لا يقاس عليه، لكنه لا ينكر شهادته لإضافة أيا إلى ما بعده ولا يصح دفعه بأنه لم يصدر عمن يعتد به مع نقل سيبويه السابق، ومعناه نهيه إذا بلغ هذا السن عن الشواب لأنهن يرغبنه في الجماع وهو مفن له، وفي حواشي الكشاف لابن الصائغ من رواه السوآت بالمهملة والتاء الفوقية جمع سوأة وهي الفعل القبيح فقد صحف ولا خصوصية لبالغ الستين بذلك، وردّ بأنه رواه كذلك صاحب البسيط وقال: إنه أبلغ في التحذير من الجماع عند الكبر، والمعنى ينبغي للشيخ العفة عن كل قبيح، وقال الزركشيّ رحمه إلله تعالى أنه يبطل دعوى التصحيف فيه وفي إياك لغات فتح الهمزة وكسرها وتشديد الياء وتخفيفها وابدال الهمزة هاء وواواً. قوله: (والعبادة أقصى غاية الخضوع) أقصى بمعنى أبعد والمراد البعد المعنوي ففيه إستعارة ويجوز أن يكون تمثيلا والغاية النهاية ولما كان الخضوع والتذلل نهايات ولفظ الغاية شامل لها لكونه اسم جنس مضافا صح إضافة أقصى إليه، كأنه قيل أقص غاياته كما قال قدس سرّه: فاندفع أنّ الغاية والنهاية لا تنقسم لأقصى وأقرب وأوسط إلأ بتجوّز، وليس هنا قرينة تدل عليه، وأنّ أفعل التفضيل لا يضاف إلاً إلى ما هو بعضه مما يصدق عليه، فهو إمّا مفرد نكرة نحو أفضل رجل، أو معرفة مجموعة، أو في معناها نحو البرني أفضل التمر على ما قرّر. النحاة واسم الجنس المضاف هنا في معنى الجمع لكن قيل عليه إنه لا وجه للفرق بينه، وبين اسم الجنس المعرّف باللام إذا لم يقصد به العهد، وفيه نظر فتامّل. قوله: (ومنه طريق معبد إلخ (المذلل هنا إمّا من الذل بالضم بمعنى الإهانة أو من الذل بالكسر وهو السهولة واللين ومعبد كمكرّم بمعنى مذلل بالفتح في كل منهما لكثرة وطئه، وثوب ذو عبدة بفتحتين أي متانة ومثله يكثر لبسه فيذلل، وقيل لما فيه من اللين أو هو ضد والصفاقة بالصاد المهملة والفاء والقاف ضد السخافة، وفي القاموس ثوب سخيف قليل الغزل. قوله: (ولذلك إلخ) ٣ ي لكون معنى العبادة ما ذكر اختص بالله سواء كان ذلك بالتسخير أو بالاختيار كما فصله الراغب والاستعمال استفعال من العمل، وفي المصباح استعملته جعلته عاملا واستعملته سألته أن يعمل، واستعمدت الثوب ونحوه أعملته فيما يعدّ له اهـ فالعبادة لما كانت
أقصى غايات الخضوع لم تستعمل إلآ في الخضوع لله
стр. 117
المستحق لذلك، لأنه المولى لأعظم النعم، كالوجود والحياة وما يتبعهما، وأورد عليه أنّ دليله لا يفيد انحصار أقصى غاية الخضوع في الخضوع دلّه إلاً أن يقال أنّ ما لا يقع في موقعه غير معتبر، فهو بمنزلة العدم فناسب أن لا يستعمل ذلك لغيره، وهو منتقض بقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: ٩٨] وغيره مما تكرّر في القرآن، ولسان الشرع إلاً أن يقال العبادة عند عدم التقييد بالمفعول، لا تستعمل إلاً في الخضوع له تعالى، ونقل عن المصئف ﵀ هنا حاشية لا يرد عليها هذا، وهي قوله أي لا يجوز شرعا ولا عقلاً فعل العبادة إلآ لله تعالى لأنّ المستحق لأقصى غاية الخضوع من كان موليا لأعظم النعم من الوجود، والحياة وتوابعهما، ولنهلك يحرم السجود لغير الله قعالى لأن وضع أشرف الأعضاء على أهون الأشياء، وهو التراب غاية الخضوع اهـ. قيل وهو مبنيّ على أنّ المراد بقوله لا يستعمل لا يفعل ويأباه قوله إلا في الخضوع دثه إذ الواجب حينئذ إلا لله وليس بشيء لأن مراده أنه لم يستعمل في لسان الشرع ولغة العرب المعتد بها مطلقا لغيره تعالى بخلاف العبودية والخضوع والتواضع ونحوه وما ورد في القرآن ونحوه وارد على زعمهم تعريضا لهم ونداء على غباوتهم ولذا حرم السجود لغير الله وخص التحريم به لغاية ظهوره في قصد العبادة، فلا حاجة لأن يقال إنه لا مانع من أن يراد لا يجوز فعل أقصى غاية الخضوع، إلاة في ضمن خضوعه لله تعالى، وسخافته تغني عن ردّه وبتفسير غاية الخضوع بما ذكرناه سقط ما قيل: إنّ العبادة إذا كانت أقصى غايات الخضوع يلزم أن لا يكون أكثر الناس بل أكثر المؤمنين عابدين لله. قوله: (والاستعانة طلب المعونة إلخ) العون الظهير على الأمر والجمع أعوان، واستعان به فأعانه، وقد يتعدى بنفسه فيقال: استعانه والاسم المعونة والمعانة أيضاً بالفتح، ووزن المعونة مفعلة بضم العين فنقلت ضمته لثقلها على الواو، وقيل الميم أصلية مأخوذة من الماعون، فوزنها فعولة على هذا، والمراد بها المعنى اللغوي،. وهو الإعانة مطلقاً لا ما اصطلح عليه أهل الكلام من أنه بمعنى القدرة، وهي الصفة المؤثرة على وفق الإرادة العدم صدقها على شيء مما ذكره المصتف ﵀ سوى اقتدار الفاعل، ولا القدرة بمعنى ما يتمكن به العبد من أداء ما لزمه بقسميه من الممكنة والميسرة على ما فصله الحنفية في كتب الأصول، وفي بعض الحواشي أنه المراد قيل: وهو مردود من وجوه.
أمّ أؤلاً فلعدم صدقه على شيء مما سيذكره.
وأمّ ثانياً فلأنّ القسم الأوّل من الفدرة يتوقف عليه صحة التكليف كما سيذكره المصئف ﵀ بطريق المفهوم، فتتوقف عليها العبادة فتتقدم عليها بالضرورة، وطلبه في عامة المهمات الداخلة فيها العبادة بخصوصها يقتضي تأخره عنها فيلزم التنافي، والقسم الثاني وان لم يتوقف عليه صحة التكليف لكن العبادة الواجبة على تقدير كونها ميسرة بالمعنى الاصطلاحي
متوقفة عليه فتتقدم عليه وطلبه فيها يقتضي لتاخر عنها فيلزم التنافي أيضاً.
وأمّا ثالمثاً فلأنّ طلب قدرة قجب بها العبادة ممكنة كانت أو ميسرة، مما لا معنى له إذ
حاصله طلب الوجوب عليه والمقصود طلب الإعانة في تبرئة الذمم عما يجب عليها.
وأمّا رابعا فلأنّ قوله اهدنا إلخ لا يصح أن يكون بيانا للمعونة بهذا المعنى، وألمصئف
جعله بيانا ولعمري لقد أطال بما لم يفد غير الملال والداعى له ما وقع لهم من الاضطراب والاختلال، والحق أنّ المصنف ﵀ لم يرد شيئا مما قالوه أمّ القدرة فلأنها عند المصتف لها معنى غير ما ذكروه، وهو شافعيّ أشعريّ فلا يليق تفسير كلامه بما في أصول الحنفية مع أنّ ما ذكره المصتف لا يوافقه كما سنذكره، وأمّا المعنى اللغويّ فكذلك لأنّ المعاونة في اللغة والعرف العام المساعدة والمظاهرة بالأمور المحسوسة كالمال والرجال وتكون بالبدن كرفع الحمل الثقيل معه، وبالمقال كبيان حجة، والمطلوب هنا لا يختص بما ذكر ألا ترى إلى قوله:
﴿اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ﴾ [البقرة: ١٥٣] ونحوه مما يعد استعانة فيهما، فالمراد كما أشار إليه الإمام ومته أخذ المصتف تيسير الله له ما يريده على وفق رضاه وهو معنى لا حول ولا قوّة إلآ. بالله أي لا حول عن معصيته، ولا طاقة لطاعته إلاً بتوفيقه فيشمل الأسباب البعيدة والقريبةاالضرورية وغيرها وتندرىء به الشبهات كما سترأه إن شاء الله تعالى. قوله:
(والضرورية إلخ) سميت ضرورية لتوقف الفعل عليها ضرورة، وهي مناط التكليف بالاتفاق
стр. 118
ولا يصح تفسيرها هنا بالقدرة الممكنة كما في بعض الحواشي لأنها مما يتمكن به المأمور من أدإء ما أمر به بدنيا أو ماليا من غير حرج غالمبا قال صدر الشريعة: إفما قيدفا بهذا لأنهم جعلوا الزاد والراحلة في الحبئ من قبيل القدرة المصكنة على ما بين ثمة، والمصئف ﵀ سيصرّح نجلافه. قوله: (كاقتدار الفاعل الخ) - قيل عليه لا شبهة في أنّ ما ذكر ليس من إفرأد المعونة وكأنه أراد به مباديه من الأقدار والتصبوير والتحصيل بقرينة تمثيل الثاني بالتحصيل ولذا فسر الاقتدار بإعطاء الاقتدار في بعض الحواشي، ففي كلامه تسامح ووقع في بعض النسخ كإقدار ووجهه ظاهر، وقيل المراد بالمعونة ما يعان به وفيه نظر وضرورية التصوّرلأنّ طلب المجهول وتكليفه لا يتأتى، وتوقفه على المادّة والآلة ظاهر لأنّ الفعل الموقوف عليهما لا يتأتى بدونهما وضمير بها للألة، وفيها للمادّة والجملة مستانفة لا صفة. قوله: (وعند استجماعها إلخ) أي حصولها والمصدر مضاف للفاعل. قال في المصباح: اجتمع القوم واستجمعوا بمعنى تجمعوا واستجمعت شرائط الإمامة واجتمعت بمعنى حصلت فالفعلان لازمان اهـ. والاستطاعة عند الأشعرية بمعنى القدرة وهو المعنى اللغوي عند بعض أهل اللغة أيضا وقال الراغب في مفرداته: الاستطاعة استفعالة من الطوع وذلك وجود ما يصير به الفعل متأتياً، وهي عند المحققين اسم للمعاني التي بها يتمكن الإنسان مما يريده من إحداث الفعل، وهي أربعة أشياء بنية مخصوصة للفاعل، وتصوّر للفعل، ومادّة قإبلة لتأثيره وآلة إن كان الفعل آليا كالكتابة اهـ
وهو مأخذ كلام المصتف وبه يقتدى في المعاني اللغوية في كتابه هذا غالباً. قوله: (يوصف الرجل بالاستطاعة) في نسخة ويصلح أن أي لأن يوصف بالاستطاعة والطاقة المعبر بها عن سلامة الأسباب والآلات إلاً أنّ الاستطاعة لكونها من الطاعة تخص الإنسان دون الطاقة فيقال البعير يطيق الحمل ولا يقال يستطيعه، وقوله بالفعل إن أراد به مقابل القوّة، فظاهر لأنّ تكليف ما لا يطاق وان صح عند الأشعري لكنه غير واقع كما ستراه وان أراد الحدث وواحد الأفعال، فالمراد الصحة المقارنة للوجود وهي تستلزم الوقوع ولذا أخرها عن الاستطاعة، والقدرة عندهم مع الفعل لا قبله فلا يقال إنه لا قرينة على أن المصنف ﵀ أراد هذا، ولا يرد عليه أنه يجوز تكليف العاجز، وإن لم يقع لا تتوقف صحة التكليف على ما ذكر لأنّ الصحة فيه غير مقارنة للفعل، إن قلت لا بد من رفع المانع وقصد الفاعل، والعزم والشوق إن كان مغايرا للإرادة والتصديق بالفائدة إن لم نقل الإرادة كافية في الترجيح لأنها مما يصح به أصل التكليف فيما قيل قلت: هذه داخلة في الاقتدار والتصوّر من غير احتياح لما قيل من أنّ المصنف أتى بأداة التشبيه إشارة إلى عدم الانحصار فيما ذكره، وأمّا البلوغ فيفهم من التكليف بطريق الاقتضاء، كما يشير إليه ذكر الرجل في عبارته، وإن قيل: الأولى ذكر الشخمى بدله ليشمل المرأة فتأمّل. قوله: (وغير الضرورية إلخ) قيل المراد بالتحصيل تحصيله للفاعل لا تحصيل الفاعل وهذا الفاعل متصف عنده عرفا بالتوفيق والجد. وقوله: (كالراحلة) مثال لما يتيسر به الفعل والمراد بتحصيلها ملكها ذاتا أو منفعة، وهذا من القدرة الممكنة عند الأصولين فإنّ القدرة على السفر لا تتحقق بدونه عادة اهـ وهذا ليس بشيء لأنه على مصطلح الحنفية والشابعية لم يحدّوا القدرة، ولم يقولوا بتقسيمها لما ذكر كما مرّت الإشارة إليه وعطف يسهل على يتيسر عطف تفسيري والمراد بقربه معرفة فائدته المترتبة عليه والداعية الباعثة على الفعل بناء على ما تقرّر في أصولهم قال الأسنوي في شرح منهاج المصنف ﵀: مجموع القدرة والداعية يسمى بالعلة التامّة، فإذا وجدت يجب وقوع الفعل وقيل: لا يجب بل يصير الفعل أولى، وإذا عدمت الداعية امتنع وقوعه على المختار الذي جزم به الإمام، ونقل الأصفهانيّ في شرح المحصول أنّ أكثر المتكلمين على أنّ الفعل لا يتوقف عليها. اهـ. قوله: (والمراد طلب المعونة إلخ) العموم من الإطلاق مع خفاء قرينة التقييد ولزوم الترجيح بلا مرجح في الحمل على البعض وقدّمه المصنف ﵀ لأنه الراجح عنده لما ذكر، ولأنه المروي عن ابن عباس ﵄ وأمّا تقييده بأداء العبادات (١) بحذف متعلق خاص يقدر هنا بقرينة مقارنة
العبادة، ويظهر تناسب
стр. 119
الجمل وشدة ارتباطها ويظهر كون اهدنا بيانا للمعونة فيتم الاتصال بين الجملتين ووجه التخصيص كمال احتياج والعبادة إلى طلب الإعانة لكونها على خلاف مقتضى النفس، وبكون العموم من حذف المتعلق وتنزيل الفعل بالنسبة إليه منزلة اللازم سقط ما يتوهم من أنّ الفعل لا عموم له كمصدره. قوله: (والضمير المستكن إلخ) المستكن بتشديد النون اسم فاعل من استكن بمعنى استتر هو بمعنى المستتر، وهو ضمير المتكلم مع الغير، ويكون للمعظم نفسه لتنزيله منزلة الجمع الكثير:
فالف س ألف منهموكواحد وواحد كالألف إن أمر عنا
ولكون هذا غير مناسب هنا قال المصئف ﵀: إنه له ولمن معه من الحفظة أي الملائكة جمع حافظ وليس المراد حفظة القرآن كما توهم أو للجماعة في الصلاة أو لسائر الموحدين، وأمّا تعميمه لسائر الخلق أو العقلاء فلا يناسب المقام وان قيل إنه الأقرب، لأنّ المشركين أيضا يعبدونه ويستعينون به، ولذا قيل إنه غفلة عما فيه من الحصر إذ هو غير متحقق في المشرك، وهو نكتة اختيار المصتف ﵀ لفظ الموحدين على المؤمنين لى، فيه من الإشارة إلى توجيه الحصر، فلله دره ما أبعد مرماه وهذه الوجوه بعضها بالنسبة إلى المصلى وقراءتها في الصلاة، وهي المقدّمة اهتماما بها وبعضها بالنسبة لغيره، وقيل هي جميعها للمصلي الآ أنّ بعضها بالنسبة للمصلي مع الجماعة، وبعضها للمنفرد ثم بين وجهه والنكتة فيه. قوله: (أدرج عبادنه في تضاعيف عبادتهم) أي أدخلها في جملتها وأثنائها، وفي الأساس من المجاز هو في أضعاف الكتاب وتضاعيفه في أثنائه وأوساطه قال رؤبة:
والله بين القلب والاضعاف
يريد بواطن الإنسان وأحشاء. اهـ. ولم يفصح عن المراد بالتضاعيف، وأن مرد. ما هو،
وقد ذكره في شرح مقاماته قال التضاعيف جمع تضعيف بمعنى ضعيف وسمى الضعف بالتضعيف كما يسمى النبت بالتنبيت قال رؤبة:
وبلدة ليس بها تنبيت
اهـ وقد أوضحناه في كتابنا شفء الغليل ومن لم يقف على ما فصلناه قال بعدما فسره بما
مرّ لم يذكر في القاموس هذا المعنى للتضاعيف، ثم فسر أضعاف الكتاب بأثناء سطوره وحواشيه، فالظاهر أنه جمع تضعيف فإنه يدل على الكثرة والجمع للمبالغة والمقام يستدعيها، فالمعنى أدرج عبادته في عبادتهم الموصوفة بغاية الكثرة، إذ كلما كان المدرج فيه أكثر كان رجاء القبول ببركة الاندراج أكثر. قوله: (لعلها تقبل ببركتها (قيل ضمير لعلها لمجموع العبادة
والحاجة تنزيلاً لهما منزلة أمر واحد لتمام مناسبتهما فإنّ العبادة ما يتقرّب به العباد إلى ربهم وحاجتهم ما يطلبونه منه من الإعانة، وأيضاً العبادة وسيلة إلى حاجتهم في الجملة، وحاجتهم وسيلة إليها الجملة أيضاً، وهذا على تقدير تعميم الاستعانة، فإن خصت بالعبادة، فحاجتهم وسيلة إلى العبادة دون العكس، وضمير تقبل لعبادته، وضمير بركتها لعبادتهم، وضمير تجاب بصيغة المؤنث وبناء المفعول لحاجته وضمير إليها أي منضمة إليها لحاجتهم على طريق اللف والنثر المرتب، ويجوز أن يكون ضمير إليها لحاجته والظرف قائم مقام الفاعل، فإن إلى قد تكون صلة الإجابة كما في قول صاحب الكشاف ليستوجبوا الإجابة إليها، وقيل عليه: إن تكلفه ظاهر ؤقبول الحاجة مما لا صحة له بظاهره وليس بشيء فإنّ ما ذكره ظاهر لمن تأمّله، والحاجة هنا لما كانت دعاء كان قبولها ظاهرا، وما ذكر من تعدي الجواب بإلى كثير في كلام العرب كقوله:
وداع دعا يا من يجيب إلى الندا فلم يستجبه عند ذاك مجيب
فلا حاجة لإثباته بعبارة الزمخشريّ يعني أنه لما خلط أموره بأمور غيره ممن يقبل منه
ذلك كان ذلك أدعى لقبولها، فإنّ كرمه تعالى يأبى قبول بعض وردّ بعض ونظروا له بما إذا اشترى أحد ثيابا في صفقة واحدة ووجد بعضها معيبا، فليس له ردّ المعيب بل إنما يردّ الجميع، أو يقبل الجميع، فكأنه يقول إلهي رفعت حاجتي مع حاجة خلص عبادك، فاقبلها مني ببركتهم وجملة لعلها مستأنفة أو حال من ضمير إدرج، وخلط أي راجياً ذلك وأيضا في تغليب المخلصين على غيرهم تحاس عن وصمة الكذب بين يدي مالك الملك لأنه قصر الاستعانة عليه تعالى وكثيراً ما يستعان بغيره فيكون فيه مظنة الكذب، وبهذا يسلم منها حتى قال مالك بن دينار
стр. 120
لولا أن الآية مأمور بقراءتها ما قرأتها لعدم صدقي فيها، وروي أنّ العبد إذا قرأها يقول الله تبارك وبعالى كذبت لو كنت إياي تعبد لم تطع غيري، ولو كنت بي تستعين لم ترفع حوائجك إلى ذليك مثلك، ولم تسكن لمالك وكسبك. قوله: (ولهذا شرعت الجماعة) أي مشروعية الجماعة في الصلإة والجمع، ووقوف عرفة والاستسقاء ونحوه رجاء لإجابة دعائهم لا لغير ذلك من الآراء، ولذا شرعت صلاة النوافل في المنازل فسقط ما قيل من أنه لا وجه لتقديم الظرف المشعر بالحصر. قوله: (وقدّم المفعول إلخ) المراد بالتعظيم تعظيمه لشرفه، فهو ذاتيئ والاهتمام ما نشأ من المقام لكونه نصب عينه لا مطلق الاعتناء، فلا يرد عليه ما قيل من أنّ هذا يدلّ على أنّ مجرّد الاهتمام به نكتة مستقلة غير التعظيم والحصر، وليس كذلك بل لا بذ أن يكون بطريق من الطرق المعتبرة كما قال الشيخ عبد ابقاهر لا يكفي أن يقال قدم الشيء للاهتمام به بل لا بد من بيان وجه الأهمية، فحق العبارة أن يقال للاهتمام وهو إمّا للتعظيم أو للحصر اهـ. قوله: (والدلالة على الحصر (أنكر أبو حيان وابن الحاجب وكثير من النحاة دلالة التقديم على الحصر لقوله في الكتاب إذا قلت ضربت زيداً وزيداً ضربت فالتقديم والتأخير
سواء، وردّه في الانتصاف بأنه ليس في كلام سيبويه ما ينفيه بل هو مسكوت عنه، وقد زاده أصحاب المعاني، وكم لهم من دقائق زادوها على النحاة والذي في الكشاف الاختصاص والمصنف ﵀ عبر بالحصر، والمشهور أنهما بمعنى وفرق بينهما السبكيّ ﵀ وأفرد لذلك رسالة سماها الاقتناص في الفرق بين الحصر والاختصاص قيل: فلا خلاف بين الزمخشريّ وأبي حيان والاختصاص عنده افتعال من الخصوص والخصوص في نحو ضربت زيداً كون مطلق الضرب واقعا منك على زيد فقد يكون قصد المتكلم لهذه الثلاثة على السواء، وقد يترجح عت ده بعضها ويعرف ذلك بابتدائه فإنّ الابتداء بالشيء يدل على الاعتناء به، من غير قصد لغيره بإثبات أو نفي، ومعنى الحصر نفي غير المذكور، واثبات المذكور ويدل عليه بما والاً وانما، وهو معنى زائد على الاختصاص، وقد استشهد لمدّعاهم بشواهد كثيرة، كقوله ونوحاً هدينا وأنه لو دل على الحصر لم يكن غيره من الرسل مهديا وليس بصحيح، وردّه في الفلك الدائر بأنهم لم يدعوا اللزوم بل الغلبة.
(أقول) : الحق أنّ ما ذكر من الفرق بين الحصر والاختصاص مسلم، فإنّ اختصاص شيء
بشيء ثبوته له على وجه خاص به، فلا يقتضي القصر، وان كان لا ينافيه، ولذا حمل عليه في كثير من المواضع، وكون التقديم دالاً على الحصر وضعا غير صحيح، فإنه لا يمكن أن يقال إنه مدلول وضعي للفظ المقدّم كإياك هنا، فإنّ مدلوله ذات المخاطب لا غير، ولا للتقديم أيضا، فإنه قد يكون لأمور أخر لا سيما في الشعر والإنشاء، وهو أمر معنوي لا معنى لوضعه أيضا فلا يوصف بالدلالة بمعناها المعروف ولا فرق بينه وبين الاختصاص والعناية والاهتمام، فلم يبق إلاً أن يقال إنّ عدول البليغ عما هو الأصل من غير ضرورة لا بد له من وجه، وقد فهم منه أهل اللسان أنه الاهتمام، واهتمام العاقل بشر، ء لا يكون إلأ لمعنى وهو مختلف باختلاف المقامات فقد يكون ذلك المعنى اختصاص المقدّم بما بعده من حكم ونحوه، فان قلت الاختصاص من حيث هو لا يعقل اقتضاؤه للتقديم ألا تراهم التزموا في غيره من الطرق تاخير المقصور عليه كأنما قلت: هذا لو سلم لم يضرّنا، فكم في لسان العرب من أمور متواترة لا يعقلى معناها كالأمور التعبدية في الوضع الشرعي، أو نقول كون الشيء لم يلزم من سواه يقتضي غالبا شهرة انتسابه له، فلذا لم نجعل إة، دته مقصودة بالذت وأخر، ومما ذكرت عرفت أنّ الاختلاف فيه لفظيّ فاعرفه، وما قيل هنا من أنّ في الحصر أشكالاً إذ قل من يصدق في دعواه إلآ أن ئدعي تغليب المخلصين الصادقين على غيرهم جوابه ظاهر مما أسلفناه. قوله: (ولذلك قا ا، ابن عبّاس ﵄ إلخ) إشارة إلى ما استدل به على إفادة التقديم للحصر كالأثر الذي يرويه عن ابن عباس ﵄ وهو صحيح مأثور عنه كما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق الضحاك، وعن أبي عبيد أنه قال لامرأة شتمته في جمع من تعني فقالت إئاك أعني فقال خصتني بالشتم، وأورد عليه أنّ تفسير ابن عباس ﵄ لا يدل
على أنّ الحصر مستفاد من التقديم بل يكفي كون الجملة دالة على الحصر من طريق
стр. 121
الخطاب فإنه لدلالته على الأوصاف يدل على الحصر كما مرّ، ولا يندفع هذا بأن يقال إنه إسناد له إلى أقوى شيء يمكن استناده إليه وأظهره إذ هذه الدعوى غير ظاهرة، وغير مسلمة عند بعضى النحاة كما بيناه، ولذا قيل: إنه ليس باستدلال بل استثناس له، وتقديم لذلك ليس للحصر بل للاهتمام لكون الدلالة مقصودة، وكون لعلة متقدمة في الوجوه. قوله: (وتقديم ما هو مقدّم في الوجود) وفي نسخة المقدم بالتعريف، والمقدم في الوجود مدلول إياك لأنه القديم الواجب وجوده قبل كل موجود فجعل لفظه موافقا لمعناه وهذا إمّا معطوف على التعظيم أو الدلالة ويجوز أيضا عطفه على الحصر ولكونه خلاف الظاهر لم يذهب إليه أرباب الحواشي مع أنه أورد على ما قبله أنّ التقديم المذكور ليس علة للتقديم حقيقة، وانما العلة كونه ضدّماً في الوجود، أو تقدم ما هو مقدم في الوجود في العبارة وهذا أبعد من نحو ضربته للتأديب، وإن اشتركا في أنّ المعلل والعلة واحد في الحقيقة والعلة في الحقيقة أثر المذكور أي التقدم، والتأدب لنوع اشتراك في المفهوم إلاً أن يقال التقديم هنا بمعنى التقدم على أنه مصدر المبنيّ للمفعول أي لكونه مقذما، أو يؤخر من قدم بمعنى تقدم لوروده في اللغة إذ حصول تقديم ما هو مقذم في الوجود غاية لتقدم المفعول أو يحصل ضمنه كما إذا قدم زيد العالم في مجلس يقال قذم زيد على غيره لتقديم العالم، وقيل أيضاً تقديم ما هو المقدم عليه لتقدم المفعول لا العكس كما يقتضيه التركيب الآ أن يقال: إنه من قبيل ضربته للتأديب لا من قبيل قعدت عن الحرب جبناً، والمعنى قدم المفعول ليتحقق تقا- يم ما هو المقدّم في الوجود فتأمّل. قوله: (بل من حيث " أنها نسبة شريفة إليه) النسبة معناها في اللغة الوصلة بالقرابة فتجوّز بها هنا عن مطلق الوصلة ولذا عطفها المصنف ﵀ عليها عطفا تفسيريا، فالمراد بها التقرّب إلى الله بطاعته وهو وصلة معنوية، وحقيقة العبادة كما في كتاب النثأتين للراغب فعل اختياري مناف للشهوات البدنية يصدر عن نية يراد بها التقرّب إلى الله طاعة للشريعة، وجعلها نفس النسبة، والوصلة مبالغة في تقريبها إلى الله، فما قيل من أنّ في النسبة هنا استعارة فشبه ما بين العابد والمعبود، بما بين الطرفين من الارتباط تكلف مستغنى عت "، وكذا ما قيل من أنّ التنبيه عليه حصل من هيئة تركب الفعل مع المفعول به. قوله: (فإن العارف إنما يحق وصوله إلخ) العارف عند أهل السلوك من أشهده الله ذاته وأسماءه وصفاته وأفعاله، وأمّا في اللغة والعرف فأشهر من أن يذكر، ويحق بفتح ألياء وضم الحاء وكسرها بصيغة المعلوم بمعنى يثبت، ويتحقق ويقع بلا شك، وفعله لازم أو هو من حق بمعنى أوجب، فالوصرل مفعوله واستغرق بمعنى تمحض
معرضاً عن غير ما استغرق أ، وهو إمّا من الاستغراق بمعنى الاستيعاب لاستيعاب أوفاته، أو نظره في ذلك، أو بمعنى اشتغل به، وتفرّغ عن غيره، وفي القاموس فلأنه تغترق نظرهم أي تشغلهم بالنظر إليها عن النظر إلى غيرها لحسنها، والملاحظة من لاحظته ملاحظة، ولحاظا بمعنى رأقبته وأصله النظر باللحظ وهو مؤخر العين يقال لحظته بالعين ولحظت إليه لحظا، والجناب بالفتح الفناء والجانب والقدس بضم القاف والدال وتسكن في اكثر الأفصح بمعنى النزاهة والطهارة، وجناب النزاهة عبارة عنه بمعنى المقدس، وحظيرة القدس الجثة كما قاله الراغب. وقوله: (حتى أنه إلخ) غاية لاستغراقه لأنه إذا استغرق غاب عن ذهنه كل شيء حتى نفسه. قوله: (١ لأ من حيث إلخ الما كان قوله: فإنّ العارف إلخ تعليلاً لقوله: ينبغي لأنّ العابد إمّا عارف أو بصدد أن يكون عارفاً وعلى الأوّل الاستغراق مقتضى حاله وعلى الثاني هو طالب لأن يكون حاله. وقوله: (من حيث أنها إلخ) ملاحظة إن كان بكسر الحاء اسم فاعل فضمير إنها راجع للنفس وضمير له للجناب كما في بعض الحواشي، وإن كان بفتحها فهو مصدر وفسمير أنها للملاحظة المفهومة من يلاحظ كما ذهب إليه بعض المحشن، وما ارتكبه دعاه إليه تصحيح الحمل والمعنى حينئذ لا يلاحظ نفسه وأحوالها إلاً من حيث أنّ ملاحظتها ملاحظة للمعبود واستبعده بعضهم وقال الأولى أنّ المعنى إلاً من حيث أنّ النفس، وأحوالها اكة ملاحظة له تعالى، ومرآة تشاهد فيها، كما هو شأن كل مصنوع غايته أنه جعل آلة الشيء نفسه مبالغة في كونه آلة ومثله شائع وهو تكلف، وقوله ومنتسبة بالواو
стр. 122
العاطفة وفي بعض النسخ بدونها لأنه كالتفسير لما قبله. قوله: (ولذلك إلخ) أي لأنّ العارف إنما يحق وصوله إلخ أو لأنّ العابد ينبغي أن يكون نظره إلخ فضل لما فيه من ملاحظة الحق قبل نفسه بالتقديم عليها قيل، والوجه هو الثاني لأنّ المحكيّ عن الحبيب فيه النظر إلى المعبود أوّلاً بخلاف المحكيّ عن الكليم، وأمّا من حيث الاستغراق في جناب القدس لا يظهر به وجه التفضيل بل صيغة المتكلم مع الغير في الأوّل والمتكلم وحده في الثاني توهم خلافه إلاً أن يقال شأن المستغرق تقديم ما استغرق فيه ولئن سلم، فالوجه الثاني أظهر في المقصود، ولا يخفى أنه إذا غابت نفسه عنه، وأحوالها من جملة ما تضمنه قوله نعبد كان مقتضاه أن لا يذكر ذلك فضلاً عن أن يقدّم وهذا أبلغ ولذا قدمه، وأمّا ذكر المتكلم مع الغير ثمة وهنا، هو المطابق للواقع فلا وجه لما ادّعاه، ثم إنه قيل هنا لكل وجهة فالحبيب قدّم الاسم لأنه في مقام تسكين روع الصديق بالإرشاد إلى ملاحظة الحق والاعتماد عليه والرجوع في كل مهمّ إليه، والكليم ﵇ قدّم الظرف في جواب قول قومه ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] تنبيهاً على اختصاصه ومن تبعه بالمعية، كأنه قال: إنّ معي واتباعي ربي لا معهم فالهداية إلى طريق النجاة لي لا لهم، فإن قيل الكليم أيضا في مقام التسكين لروع قومه قيل: هو وإن
كان كذلك إلأ أنه غير منظور إليه أوّلاً بل إلى ملزومه وهو اختصاصه بالمعية الموجبة للنجاة ردّ للقوم لما جزموا بلحوقهم، ثم إن تعليقه المعية باسم الذات دون الوصف، كما فعله الكليم ﵇ ما لا يخفى من علوّ شرفه في موارد النبوّة، فإنّ ما حكاه الله عن حبيبه ﵊، وان كان أفضل مما حكى عن كليمه ﷺ من الجهة المذكورة لكن الأمر بالعكس من حيث إفادة الثاني للحصر دون الأوّل قيل إنّ الحصر فيه أيضاً مستفاد من نفس النسبة لامتناع كونه مع المعاندين ناصرا لهم، فإنّ معنى قوله تعالى عنه ﴿إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] أنه تعالى معنا بالعصمة والمعونة، ثم إنّ في تعبيره بالحبيب والكليم دون محمد وموسى نكتة لطيفة وهي مناسية ذلك للمعية لأنّ المرء مع من أحب، واقتضاء المكالمة للاجتماع ظاهر أيضاً. قوله: (وكرّر الضمير إلخ الاحتمال تقديره مؤخرا عند الحذف، وعذم نصوصية الخطاب في الحصر وعلى تقدير تقديره مقدما وعدم اعتبار تقديره مؤخراً أنّ التصريح بتقديمه تنصيص بخلاف نصب القرينة على تقديمه، وأيضاً يختمل تعلق الحصر بالمجموع وبالتكرار يرتفع ذلك، وفي قوله المستعان به إيماء إلى أنه يتعدى بنفسه وبالباء وأنهما بمعنى.
وقوله لتوافق رؤوس الآي ظاهره أنّ القرآن فيه سجع وسيأتي ما فيه. قوله: (ويعلم إلخ)
يعلم مرفوع ويجوز نصبه أيضا، ويؤيده أنه وقع في نسخة وليعلم، والوسيلة كل ما يتقرّب به يقال توسل إلى الله بوسيلة أي تقرّب إليه بعمل كذا في المصباح: وأدعى أفعل تفضيل من دعاه إلى كذا إذا حثه على قصده أي تقديم السائل على سؤاله شيئاً يرضاه المسؤول منه كهدية أو تعظيم أو ثناء، ونحوه يقتضي إجابتة، ولذا قدمت العبادة على الدعاء في الواقع.
وسن الدعاء عقب الصلوات، فقدم هنا لفظ العبادة على الإستعانة ليوافق ترتيب الألفاظ ترتيب معانيها، فيرشد الترتيب الذكري للترتيب الخارجيّ، ومن خصوصية المادّة يتفطن أنه لكونه أدعى إلى الإجابة، وهذا مراد المصتف ﵀ تبعا للزمخشريّ في توجيه الترتيب، وهو جواب عن سؤال تقديره إنّ العبادة تقرّبهم لمولاهم، والاستعانة طلب الفعل المولى، فكان ينبغي تقديمه، فلم عكس ذلك، ثم إنهم قالوا قد مرّ أنّ الاستعانة المذكورة طلب المعونة في المهمات كلها، أو في أداء العبادات، وعلى الثاني العبادة مقصودة لذاتها، والإعانة وسيلة لها دون العكسى، فهذا على الوجه الأول فقط، وهو الراجح عند المصنف ﵀، فصنيعه أحسن مما في الكشاف لا يقال جائز أن يكون بعض العبادات وسيلة إلى الإعانة على البعض لأنا نقول لا اختصاص، لقوله نعبد ونستعين ببعضها لإطلاقهما، فحينئذ ينبغي أن يقال وجه تقديم العبادة أنّ الإعانة مطلوبة لتكميل العبادة بالزيادة أو الثبات، ويؤيده كون اهدنا بيانا لها،
وطلب ما يزداد به الشيء، أو يدوم متأخر عنه، وإن جعلت الإعانة مطلوبة لتحصيل العبادة ابتداء، فالتقديم لأنها مقصودة بالنسبة إلى الاستعانة وعلى الأوّل إن أريد بالمهمات ما لا يتناول العبادة، لتبادره مع أنه المعروف المناسب على ما اختاره قذس سرّه فكون العبادة وسيلة إلى الإعانة ظاهر، ووجه التقديم
стр. 123
ما ذكره المصتف ﵀ كما بيناه لك، وان أريد ما يتناولها لعدم قيام القرينة على التقييد يقال: الإعانة المطلقة وان كان بعض أفرادها وسيلة إلى العبادة إلاً أنّ كثيرا من أفرادها يتوسل بالعبادة إليه وهو ما يترتب على العبادة، ويكون نتيجة لها فكونها وسيلة معتبر بالقياس إلى بعض أفراد الإعانة لا إلى جميعها، وتقديمها في الذكر للإشارة لما مّر من أنّ تقديم الوسيلة أدعى للإجابة، وفيه تكلف ظاهر، ولو قيل العبادة وسيلة إلى بعض أفراد الإعانة، ومقصودة من البعض، فتقديمه بالنسبة إلى الأوّل لما ذكر، وبالنسبة إلى الثاني لما سبق كان وجهاً هكذا قرّره الفاضل الليثيّ تبعاً للسيد السند، وهو حاصل ما في شروح الكشاف، ومن لغو القول هنا ما قيل إنّ كلام المصتف ﵀ مناف لما سيأتي منه في سورة هود في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٩٠] ولا يليق الاشتغال به إلاً أنّ فيما قاله هؤلاء هنا بحثاً، وهو أنّ هذا كما لا يتأتى على الثاني أصلاً، أو بغير تكقف لا يتأتى على الأوّل أيضاً على ما يقتضيه كلام المصتف ﵀ لأنه قسم المعونة إلى ضرورية يتوقف عليها صحة التكليف، وغير ضرورية يتيسر بها الفعل مطلقاً، فإن بنى كلامه هنا على أنّ المراد مجموع المعونتين، أو الأولى أو الأعنم لزم توقفها على العبادة لتوقف التكليف عليها، فلا يتأتى ما ذكر على الأوّل أيضاً إلأ إذا أريد بالمعونة غير الضرورية، وبالمهمات المهمات الدنيوية لا الدينية، ولا ما يشملهما، فيندرج فيه العبادة، وانما نشأ هذا من توهم اتحاد كلام المصنف وكلام الزمخشريّ، وقد عرفت معنى الوسيلة، وأنها ليست بمعنى السبب كما يتوهم وحينثذ، فالظاهر أنّ المراد بالمهمات كلها مهمات كل عبد في أمور دنياه، فإنه المتبادر منها والمعونة كل ما له مساعدة على فعل، أو تحصيل غرض مّا من الأمور المحسوسة فهي بالمعنى اللغوي فإن قلنا إنها عامة شاملة للعبادة، وكذا إن قلنا إنها إعانة على أداء العبادة، فالجواب ما قيل من أن العبادة مع العلم بأنها مما يتوّسل به إلى إجابة طلب الحاجة، وذكر الاسنعانة المطلوب منها المعونة في العبادة المستلزم كونها وسيلة للعبادة قرينة على أنّ العبادة باعتبار بعض أفرادها وسيلة، وباعتبار بعض آخر يتوسل إليها بالاستعانة فلا إشكال، وعلى ما ذهب إليه المصنف ﵀ لا بد في الخلاص عما مرّ من التزام ما ذكر إلاً أنه محتاج إلى تكقف فتأمّل. قوله: (وأقول لما نسب إلخ) اعترض عليه بأنّ المتبادر منه أنه من خواصه التي تفرّد بها، وهو بعينه مذكور في التفسير الكبير، والحمل على التوارد، أو أنه دل بذلك عمى اختياره له، كما قيل بعيد كما لا يخفى. وقوله: (تبجحاً) تفعل من البجح بالباء الموحدة
الشهاب / ج ا /
والجيم والحاء المهملة، ومعناه الفرح والسرور كما في الصحاح، وقد فشر بالافتخار الناشىء من العجب والكبر، وهو أنسب بالمقام، ويستتبّ بسين مهملة وتاءين فوقيتين من استتمث الأمر إذا تهيأ واستقام كما في الصحاح، أو هو من التباب بمعنى الهلاك وهو يتبع التمام فكان ما تمّ يطلبه كما في الأساس، وهو منزع حسن وعليه قوله:
إذا تم أمر بدا نقصه ~ تيقن زوالاً إذا قيل تم
وفسر أيضاً بيستمرّ أو يستقل.
وقال الراغب: التبب الخسار وتببته قلت له ذلك، وقضمنه الاستمرار قيل: استتب لفلان
كذا إذا استمرّ اهـ. وما قيل من أنه لم يثبت عند صاحب القاموس، فلذا لم يذكره من قصره باع الاطلاع، وفي كلامه تصريح بأنّ المراد بالمعونة التوفيق، وبه يتمّ التوفيق.
(فإن قلت) : هل هذا جاو على الوجهين أو مخصوص بأنّ الاستعانة في أدأء العبادة على الوجه الراجح المستحسن كما قيل، وعلى كل حال كيف يفهم هذا من قصر الاستعانة على الله وإنما يفيده لو قيل لا يصدر منا أمر الأ باستعانة منك قلت: هذا من قبيل الاحترام، واتباع الكلام يما يزيل إبهامه كقوله:
فسقى ديارك غير مفسدها
وهو من ذكره بعد مطلقاً ومقتض لتأخيره فما ذكر لا وجه له مع أنّ قوله: إنه الراجح من عدم الفرق بين كلام الثيخين بل هو على مقابله أوضح والمعنى المذكور يؤخذ من عدم تقييده بمتعلق ظاهر ولك أن تقول إنه مغاير لما مرّ أيضاً. قوله: (وقيل الواو إلخ) ليس هذا من قبيل قمت واصك وجهه بناء على تجويزه شذوذا، أو تقدير مبتدأ فيه أي، ونحن إياك نستعين كما توهم حتى يورد عليه أنه غير فصيح، أو ينازع في المثال، وان كان الاشتغال
стр. 124
بمثله ليس من دأب المحصلين، فيقال: إنّ الزمخشرفي جعل أصك حكاية حال ماضية، والواو معه عاطفة وتقديره قمت، وصككت وجهه، فابرز في صورة المسمقبل حكاية لتلك الحالة العجيبة الشأن، فإنّ ما ذكره النحاة إذا كان المضارع في صدر جملة أمّا إذا تقدم عليه شيء من متعلقاته، فيجوز اقترانه بالواو لمشابهته للاسمية صورة، وقد أشار إلى ما ذكر ابن مالك في تسهيله، وأمّا تجوبز الزمخشريّ الحالية من غير تقدير فيه، فمعترض عليه كما ستراه، فاحفظه فإنه مما خفي على أرباب الحواشي.
قوله: (وقوئ بكسو النون الخ) هي قراءة الأعمش ونسبت لغيره، وهي لغة قيس وتميم
وأسد وربيعة وهذيل، وهي مطردة عندهم بشرط أن لا يكون ياء مثناة تحتية لثقل الكسرة على الياء على أنّ بعضهم قال: يجل بكسر ياء المضارع من وجل وقركأ أيضا فإنهم يعلمون، وهذا مما يقتض عدم صحة ذلك الاستثاء، وأن يكون ماضيه مكسور العين كعلم أوفى أوّله همزة
وصل كنستعين أو تاء مطاوعة نحو تتكلم، فلا يجوز في نضرب، ونقتل كسر حرف المضارعة ونحوها من الأفعال بشرط أن لا ينضم ما بعدها لاستثقال الخروج من الكسرة إلى الضمة فإن توسط حرف وإن كان ساكنا جاز.
وأعلم أنه قرىء وإياك يعبد بصيغة المجهول بوضع ضمير النصب موضع ضمير الرفع والالتفات وهو غريب نادر لة ول بعض أهل المعاني إنّ وقوع الملتفت والملتفت عنه في جملة واحدة لم يعهد. قوله: (بيان للمعونة إلخ) هو بيان لتناسب الجمل، وارتباطها لا لترك العاطف كما قيل لاختلافها خبراً وانشاء، والقول بأن نستعين لدلالتة على الطلب بمعنى أعنا، فهو إنشاء معنى تبرع لمن لا يقبل وفي الكشاف، والأحسن أن تراد الاستعانة به وبتوفيقه على أداء العبادة، ويكون قوله اهدنا بياناً للمطلوب من المعونة كأنه قيل كيف أعينكم فقالوا: اهدنا الصراط المستقيم، وإنما كان أحسن لتلاؤم الكلام، وأخذ بعضه بحجز بعض، وقال قدس سرّه: أي لتناسب الجمل الواقعة فيه، وانتظام بعضها مع بعض حيث دلّ إياك نستعين على طلب الإعانة على العبادة، وصار اهدنا بياناً للإعانة المطلوبة، فكملت الملاءمة بين الجمل الثلاث لمزيد ارتباط بينها، وربما يقال إتاك نعبد بيان للحمد، واستئناف نشا من إجراء تلك الأوصاف على ما مرّ، فتكون الجمل الأربع التي في الفاتحة متلاصقة متلاحقة وأذا جعلت الاستعانة عامّة، لم يكن اهدنا بياناً للمعونة المطلوبة، ولا المعونة مخصوصة بالعبادة، فلم يكن الاتصال بين الجمل بتلك المثاية اهـ.
فالبيان بمعناه اللغوي لأنه استئناف بياني في جواب سؤال متدّر تقديره ما ذكر فعليه ترك العاطف، لأنه مستأنف لا لكمال الاتصال كما توفم فإنّ تقدير السؤال يأباه، وقيل: إنّ المصثف وحمه الله عنى أنّ ترك الواو إمّا لكمال الاتصال، كما في الوجه الأوّل، أو الانقطاع كما في الثاتي، وفساده ظاهر وسوف يرى إذا انجلى الغبار. قوله: (كانه قال كيف أعينكم) قيل: المناسب لكونه بيانا للمعونة أن يقدر أيّ إعانة تطلبون يعني أنّ البيان حقه أن يكون عين الميين لا فرد منه، وإن كان قد يكون المطلوب منه بيان الكيفية، ولا يخفى أنه مع قيام القرينة على أنّ المراد المعونة في المهمات كلها أو في أداء العبادة يتعين الإعانة، فلا يبقى لهذا السؤال وجه، وإنما يحتاج إلى بيان كيفيته ولذا اتفق الشيخان على تقدير ما ذكر فلا تغفل ثم إنه أورد على ما مرّ من أنّ قوله إياك إلخ بيان للحمد كأنه قيل كيف تحمدونه، فقيل: إتاك نعبد إلخ مع أنه لا حاجة إلي، لا صحة له في نفسه، فإن السؤال المقدر لا بذ أن يكون بحيث يقتضيه انتظام الكلام وتنساق إليه الأذهان والأفهام، ولا ريب في أنّ الحامد بعد ما ساق حمده تعالى على تلك الكيفية اللائقة لا يخطر ببال أحد أن يسأل عن كيفيته على أنّ ما قدر من السؤال غير مطابز، للجواب، فإنه مسوق لتعيين المعبود لا لبيان العبادة حتى يتوهم كونه بياناً لحمدهم، والاعتذار بأنّ المعنى نخصك بالعبادة، وبه يتبين كيفية الحمد تعكيس للأمر، وتمحل لتوفيق المنزل المقرّر بالموهوم المقدّو، وبعد اللتيا والتي إن فرض السؤال من جهته فاتت
نكتة الالتفات التي أجمع عليها السلف والخلف، وان فرض من جهة الغير يختل النظام لابتناء الجواب على خطابه تعالى، وبهذا يتضح فساد ما قيل من أنه استئناف جواب لسؤال يقتضيه إجراء تلك الصفات العظام على الموصوف بها، فكأنه قيل ما شأنكم معه، وكيف توجهتم إليه، فأجيب بحصر العبادة والإستعانة فيه، فإن تناسى جانب السائل
стр. 125
بالكلية، وبناء الجواب على خطابه عز وعلا مما يجب تنزيه ساحة التنزيل عن أمثاله، والحق الذي لا محيد عنه أنه استئناف صدر عن إلحاقه بمحض ملاحظة اتصافه تعالى بما ذكر من النعوت الجليلة الموجبة للإقبال الكلي عليه من غير أن يتوسط هناك شيء آخر كما ستحيط به خبراً.
(أقول) هذا مع أنه على طرف التمام مسروق من حواشي الطيبي، وليس أوّل سار غرّه القمر، فإنّ هذا السؤال ليس محققاً ولا مقدراً في النظم حتى يلزم ما توهموه وانما هو أمر ينساق إليه الكلام السابق حتى نزل منزلة السؤال، وماكه إلى اقتضاء ما قبله للخطاب، وحينئذ يكون أشذ اتصالاً به سواء قدر من جهة الله أو لا، ولو جعل استئنافا حقيقيا لم يرتبط به لكونه في حكم كلامين والإلتفات فيه لا يلتفت إليه، ولكون العبادة أجل تعظيم وأظهره صح أن تجعل كالمبين للحمد لأنه أخو الشكر، فتبين أنه ليس بمجرّد اللسان بل ظاهره مطابق لباطنه فيه، ولا يلزم من الالتفات اتحاد الخطاب كما صرح به ابن الأثير، وأشار إليه السكاكي، فما ذكره من التعكيس وغيره ساقط. قوله: (أو أفراد إلخ) وقع في نسخة بالواو يعني أفرد بالذكر كبدل البعض من الكل في الجملة نحو أمدّكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين، ولا ينافيه اختلافهما خبرا وانشاء ولا حاجة لتأويل نستعين بأعنا، وقيل إنه توجيه لتخصيص الهداية بالطلب في مقام الجواب عن قوله كيف أعينكم وليس بيانا لكونه من ذكر الخاص بعد العامّ كما في قوله تعالى: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] لأنّ الطريقة المسلوكة فيه العطف بالواو، وكون الهداية للصراط مقصودة لا يضره كونه طريقا وفيه ما فيه ط وأمّا ما قيل من أنه ابتداء دعاء وسؤال حينئذ إذ لم يجعل مربوطا فيكون ترك الواو لكمال الانقطاع بين الجملتين لاختلافهما في الخبرية والإنشائية، فغير سديد كما أشرنا إليه، وقيل: إن كان المراد بالاستعانة طلب المعونة في المهمات كلها، فإن كان المراد بالصراط المستقيم طريق الوصول إليها كان اهدنا بيانا للمعونة المطلوبة، وان كان المراد به ما يخص العبادات كان إفراداً لما هو المقصود الأعظم منها والأوّل وان كان خلاف المتبادر لكنه محتمل، وبه يلتثم الكلامان، وينتظمان أشدّ انتظام، وان كان المراد بالاستعانة طلب المعونة في أداء العبادات كان اهدنا بيانا للمعونة المطلوبة لكون الصراط ما يوصل إلى العبادة، كما هو الظاهر فيتلاءم الكلام وتنتظم جمله أشد انتظام وحكم السيد بأنه على عموم الاستعانة لا يكون اهدنا بيانا للمعونة بناء على حمل الزمخشريّ الصراط المستقيم على ملة الإسلام، فإن قلت: كيف يكون اهدنا بياناً للمعونة المطلوبة، وخلق القدرة ممكة كانت أو ميسرة من المعونة المطلوبة ولا تندرح في الهداية قلت بتقييد اللطف في تعريف الهداية تندرج فيها لإنه عندنا خلق
القدرة على الطاعة كما في شرح المقاصد، فإذا اندرج فيها جاز أن تكون المعونة المطلوبة هي الهداية إلى طريق الوصول إلى المهمات على الأوّل، والى العبادات على الثاني، فيحمل عليه الكلام ليتلاءم، ويجوز أن يقال المراد أنّ المعونة المطلوبة إن كانت الهداية، فاهدنا بيان لها، وان كانت ما يتناولها، فافراد لما هو إلخ ثم إنه سيجيء أنّ المطلوب إمّ زيادة الهدى أو الثبات عليه، أو حصول المراتب المترتبة عليه، فكون اهدنا بياناً بناء على أنّ زيادة الهدى أو الثبات عليه إعانة على بعض ما يستعان فيه قطعاً، وانّ الإعانة على البعض إعانة على الكل لتوقفه عليه، أو على أنّ المستعان فيه تكميل العبادات، أو المهمات بأحد الوجهين الازدياد، أو الثبات وأمّا الهداية إلى المراتب المترتبة عليه، وكونها بيانا للمعونة على أداء العبادات، فإنما يصح إذا كانت وسيلة إلى العبادة، وقد قيل عليه إنّ قوله في صدر كلامه إن كان إلخ غير متأت هنا لأنّ الأوّل يأباه ما في الدرّ المنثور عن ابن عباس وضي الله عنهما من تفسير الهداية إلى الصراط المستقيم بالهام الدين الحق، ولذا فنره في الكشاف، وغيره بملة الإسلام، فهو مخالف لما عليه المفسرون، وكذا كون صراط الذين أنعمت عليهم بدلاً منه.
وقوله وا ن كان المراد بالاستعانة طلب المعونة في أداء العبادات كان اهدنا بيانا للمعونة المطلوبة لكون الصراط ما يوصل إلى العبادة مخالف للمتبادر من كلام المصتف، فإنه يفهم منه إنّ البيان على تقدير تخصيص الاستعانة بالعبادات، والافراد على تقدير تعميمها، وعليه أكثر أرباب الحواشي بل كلهم، وقوله
стр. 126
فإن قلت إلخ قد يجاب أيضا بأنه يمكن أن يقدر متعلق الاستعانة ما ينطبق أحد هذه الأمور عليه، فليتأمّل انتهى وفيه ما فيه. قوله: (والهداية دلالة إلخ (هذا برمته مأخوذ من كلام الرإغب ﵀ في مفرداته، إلاً أنه وقع في نسخة بدل قوله بلطف بتلطف، والأولى أولى رواية ودراية، وانما قيده به لدلالة اشتقاقه وماذته عليه ولذا أطلق على المشي برفق تهاد وسميت الهداية لطفا، ومن لم يدر هذا قال لاً نها في اللغة الإرشاد، وهو عين اللطف، ولذا قال ابن عطية إنها لغة الإرشاد، وهل يعتبر في هذه الدلالة الإيصال أم لا فيه خلاف سيأتي تحقيقه، ونعني باللطف كما في الصحاح وغيره من كتب اللغة الرفق المقابل للعنف وهو في صفة الأجسام مقابل للغلظ والكثافة، ويكون اللطف واللطافة أيضاً عبارة عن الحركة الخفية، وتعاطي الأمور الدقيقة وقد يعبر به عما لا تدركه الحاسة كما قاله الراغب وهذا تحقيقه باعتبار الوضع اللغوي مطلقا.
وأمّا هو في صفاته تعالى، فمعناه كما قاله الراغب أيضاً إمّ العالم بدقائق الأمور والخفيات
أو الرفيق بالعباد في هدايتهم وغيرها انتهى. وفي شرج الأسماء الحسنى للشيخ بهاء الدين قدس سرّه، اللطيف الذي يعامل عباده معاملة اللطف لأنّ ألطافه في الدارين لا تتناهى، والله لطيف بعباده يرزق من يشاء فيهيىء مصالح الناس من حيث لا يشعرون وتيل اللطيف العليم بالغوامض والدقائق ولذا قيل لكل حاذق لطيف ويحتمل أن يكون من اللطافة مقابل الكثافة، وهو وأن وصفت به الأجسام ظاهراً إلاً أنّ الجسمية لا تنفك عن الكثافة، ولطافتها إضافية، فاللطافة
المطلقة لا يوصف بها الآ نور الأنوار المتعالي عن إدراك البصائر والأبصار، ووصف غيره بها بالإضافة لما هو دونه، فهو من الأسماء الدالة على الصفات الذاتية، وعلى الأولين يرجع إلى الفعل ويقاربه اسم الكريم انتهى. وسيأتي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٥٣ ا] ما يشير لما ذكر، فما نقل هنا عن السيد السند من أنّ اللطف عندنا خلق قدرة الطاعة في العبد وعند المعتزلة اللطف ما يختار المكلف عنده الطاعة، أو يقرب منها ولا يفضي إلى القسر والإلجاء إن كان تفسيرا لما وصف به العباد، فهو مخالف لما حققه أهل اللغة وإن كان لما وصف به الباري، فهو مخالف أيضاً لما في النظم ولما عليه أئمة التفسير فتدبر. قوله: (ولذلك تستعمل في الخيرا لأنه المناسب للطف كما سمعته. وقوله: (على التهكم) إشارة إلى أنّ ما ذكر ونحوه لا يرد نقضاً، على أنه إنما يستعمل في الخير لأنه معتبر في معناه الحقيقي، وهذا مجاز استعارة تمثيلية أو تبعية، فلا يرد نقضاً، وقيل: ليس هذا من الهداية بمعنى الدلالة بل من الهداية بمعنى التقديم والتخوز أحسن وأبلغ وقوله ومنه الهدية فصله لأنه مغاير له بحسب المعنى واللفظ، لأنّ فعل الأوّل هدى، وفعل الثاني بمعنى الإعطاء أهدى كأهديت الهدية والهدى إلا أنه يشاركه في أصل المعنى والمادّة كما مرّ. قوله: (وهوادي الوحش إلخ) الهوادي جمع هاد وهو العنق، وأوّل القطيع من الظباء ونحوها والوحش بفتح الواو، وسكون الحاء المهملة، والشين المعجمة الوحوس، وهي حيوان البر الواحد وحش ويقال حمار وحش بالإضافة وحمار وحش، فالوحش يكون للواحد والجمع، ولا تختص الهوادي بالوحش كما يوهمه كلام المصنف ﵀، وفي الصحاح والهادي العنق، وأقبلت هوادي الخيل إذا بدت أعناقها ويقال أوّل رعيل منها وقول امرىء القيس:
". كأنّ دماء الهاديات بنحره
يعني به أوائل الوحش انتهى. وظاهر كلام أهل اللغة أنه حقيقة في العنق، وإطلاقه على
الأوّل مجاز وإن اشتهر فيه كما في الأساس فقوله لمقدّماتها بفتح الدال المتقدمة منها في الورود ونحوه، أو أعضاؤها المتقدمة كالرأس والعنق لأنها تسمى هوادي أيضاً كما سمعته. قوله: (والفعل منه) أي من الهداية المقصودة بالذكر هنا لا من مجموع ما مرّ فلا يرد عليه أنّ فعل الهدية أهدى كما مرّ. وقوله: (وأصله أن يعدى إلخ) أي إلى المفعول الثاني وقد يحذف منه الحرف فيتعدّى إليه بنفسه كاختار فإنه يتعدى لأحد المفعولين بنفسه وللآخر بمن وقد يتعدى له بنفسه، كقوله: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] على الحذف، وا لإيصال هذا ما قاله المصنف تبعاً للزمخشري وقيل: هما لغتان كما في الصحاح هديته الطريق لغة أهل الحجاز وإليه لغة غيرهم، والفاء في قوله فعومل فصيحة، وقيل: إنه إذا عدّي باللام مصدره
الهدي، وإذا عدّي بإلى مصدره الهداية كما في الديوان وغيره
стр. 127
ومنهم من فرق بينهما كما قال قدّس سرّه: ونقل عن المصئف ﵀ إن هداه لكذا أو إلى كذا إنما يقال إذا لم يكن في ذلك فيصل بالهداية إليه، وهداه كذا لمن يكون فيه، فيزداد أو يثبت، ومن لا يكون فيه فيصل. قيل: ولا نزاع في الاستعمالات الثلاثة إلاً أنّ منهم من فرق بينهما بأنّ المتعدّي بنفسه هو الإيصال إلى المطلوب، ولا يكون إلاً فعل الله، فلا يسند لغيره كقوله: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] ومعنى المتعدّي بالحرف الدلالة على الموصل، فيسند له وللقرآن والبيّ ﷺ انتهى.
قيل: وعلى الفرق الأوّل يظهر الجواب عن النقض المشهور على تعريف الهداية بالدلالة الموصلة بقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧] إلخ إذ يجوز أن يكون التعريف للهداية المتعدّية بنفسها، والهداية في الآية متعدّية بالحرف، فترك المفعول بواسطة اختصاراً من غير احتياج إلى تجوّز ونحوه، وقيل: الهداية تتضمن معاني يقتضي بعضها تعديتها بنفسها وبعضها التعدية بالحرف، كالإرادة والإشارة والتلويح، وليس بشيء وسيأتي تتمته، واعترض على الفرق الثاني بقوله تعالى حكاية عن الخليل ﵊ ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم، الآية؟ ٤٣] ونحوه، ودفعه بأنه إسناد مجازيّ مخالف للظاهر. قوله: (لا يحصيها عدّ) أي لا يحصى إفرادها الجزئية أحد يعدّ، وأصل الإحصاء العد بالحصى، ثم صار حقيقة في مطلق العدّ كما هنا، فإسناده إلى العدّ مجاز للمبالغة، ولما كان إطلاق نفيه يوهم عدم انحصار أنواعها وأجناسها استدرك ما يدفع ذلك الإيهام وقيل إنّ المصنف رحمه الله تعالى فسر الهداية المطلوبة بقوله اهدنا بالدلالة السالفة ثم قال وهداية الله إلخ ولم يقل، وهي تتنوّع لأنّ ما ذكر من الإفاضة والنصب والإرسال والإنزال، لا تصدق عليه الدلالة إلاً بضرب من التأويل، ولو سلم فالمقسم لهذه الأجناس خصوص هداية الله تعالى، فالوجه أن يقال المقسم ما يطلق عليه هداية الله بوجه، أو فيه مضاف مقدّر أي أسباب هداية الله.
(أ+دول) الظاهر أنّ الدلالة الساباتة أعمّ من هذه، كما ينطق به وينادي عليه فحوى كلامه، فكون ما ذكر لا يطلق عليه الدلالة غير مستقيم، فإنّ إطلاقه الهداية عليه يأباه والإظهار في مقام يقتضي ظاهره الإضمار إشارة إلى أنه ليس عين ما قدّمه، والمر١د بكونها هداية الله أنها بخلقه وإحسانه، فلا ينافي إسنادها لغيره كما يشهد له ما ذكره من قوله: ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣] فافهم. قوله: (١ لأوّل إفاضة القوى إلخ) المراد بالإفاضة الإيجاد بالفيض، وهو الإحسان والجود الإلهي، والقوى جمع قوّة وهي لغة بمعنى القدرة، والتهيؤ كما فاله
الراغب وفي اصطلاح الحكماء كما قالوه مبدأ التغير من أمر إلى آخر من حيث هو آخر، وهذا هو المراد هنا، وهي عند الأطباء ثلاثة أجناس لأنّ فعلها إمّا مع شعور أو لا، والأوّل يسمى فوّة نفسانية، والثاني إن اختص بالحيوان فقوّة حيوانية والاً فهي طبيعية، وعند الفلاسفة أربعة لأنّ كل قوّة إمّا أن يصدر عنها فعل واحد أو أكثر، وعلى التقديرين إمّا مع شعور أو لا، فالتي فعلها متغير مع الشعور قوّة حيوانية والتي فعلها متغير بدونه قوّة نباتية، والتي فعلها غير متغير مع الشعور قوّة فلكية، والتي بلا شعور طبيعية إن كانت في البسائط كالنار وخاصية في المركب كتخدير الأفيون، وهذه هداية إلى طريق التعقل والإحساس وفيها ما لا يختص بالإنسان، وإلى العامّ منها الإشارة بقوله تعالى: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] واثبات الحواس الباطنة وإن كان رأي الفلاسفة، فقد ذهب إليه كثير من أهل السنة، وقال الغزاليّ: الذي أبطلوه استقلالها بالإدراك والتأثير وما أثبتوه لها مما هو مبنيّ على أصولهم الواهية ومجرّدها لا ضير فيه لما فيه من الحكم البديعة والقدرة الباهرة. وفي شرح المقاصد: لا يخفى إنا إذا جعلنا القوى الجسمانية ا-لة للإحساس، وادراك الجزئيات والمدرك هو النفس ارتفع النزاع، فلا وجه لما قيل: من أنّ اللائق بالمصتف أن لا يذكرها لابتنائها على هذيانات الفلاسفة، ونفصيلها في مطوّلات الكلام، وكتب الحكمة، والمشاعر الحواس الظاهرة جمع مشعر جعلت محلاً للشعور، وهو الإحساس، وجعل الأولى حواس والثانية مشاعر تفنناً. قوله: (والثاتي نصب الدلائل إلخ) الظاهر أنّ المراد بهذه القوّة النظرية والفكر في الأنفس، والآفاق حتى يعلم أنّ له صانعا ورباً قديراً، ولأجل هذا أوح الله فيه العقل والقوى
стр. 128
الظاهرة والباطنة، فظهر من هذا كونه مترتباً على ما قبله، وما قيل من أنّ الحق والباطل إشارة إلى الكمال بجسب القوّة النظرية والصلاح والفساد بحسب القوّة العملية لا وجه له، وقيل: من جملة هذه. الدلائل المعجزات المفضية إلى ثبوت الشرع الموقوف عليه الأدلة السمعية، وفيه نظر. قوله: (وإليه أشار إلخ) أي إلى نصب الدلائل العقلية أشير في هذه الآية الكريمة، والنجد المكان الغليظ المرتفع، وهو مثل لطريقي الحق والباطل في الاعتقاد، والصدق والكذب في المقال، والجميل والقبيح ني الفعال فبين أنه عرفهما كقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣] قيل وما ذكره المصتف تبع فيه الزمخشريّ، والهداية فيه متعدّية بنفسها وليست بمعنى الإيصال بل بمعنى الإراءة ألا ترى إلى قوله: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ قال المصنف: فلم يشكر تلك الأيادي باقتحام العقبة فإنّ الإيصال إلى طريق الشرّ ليس من الأيادي بخلاف إراءته من حيث أنه طريق شر يحترز عنه فإنه يكون خيراً في حقه، وعلى ما يفهم من كلامه أوّلاً من اختصاصها بالخير في قوله: ﴿هَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] تغليب انتهى. ولا يخفى ما فيه من الاضطراب، فإنّ المصتف ﵀ لم يقل هنا أنّ المتعدي بنفسه
يفيد الإيصال حنى ينافيه ما وقع في النظم، ثم إنه على ما ذكره لا يحتاج إلى التغليب فكان عليه أن لا يذكره أو يجعله وجهاً آخر فتدئر. قوله: (وقال وأمّا ثمود إلخ) قيل إنّ كلامه في تفسيره يدل على أنّ المراد بالهداية فيه ليس الجنس الثاني فقط حيث قال: فدللناهم على الحق بنصب الحجج، وارسال الرسل، ولعله أولى لأنه أدل على شقاوتهم، والرسل هنا رسل الله من البشر. قوله: (والثالث إلخ) قيل الظاهر أنّ المراد بالرسل ما يعم الملائكة ليتناول هذا الجنس من الهداية الأنبياء، ثم جعل المنحصر في الأجناس هداية الله يقتضي أن يكون المراد هداية الله تعالى بإرسال الرسل، وانزال الكتب والعبارة أيضا تفيد هذا المعنى، وعلى هذا في قوله واياها عنى إلخ نظر، فإن قيل الهداية فيها صفته تعالى أسندت إليهم والى القرآن مجازاً كما يقال قطع السكين قلنا لو سلم ذلك في الثاني فلا نسلمه في الأوّل، وقد قال المصئف في تفسير.: وجعلناهم أئمة يقتدى بهم يهدون الناس إلى الحق بأمرنا لهم بذلك، وإرسالنا إياهم حتى صاروا مكملين نعم جعلهم أئمة يهدون بأمره هداية منه تعالى بإرسال الرسل لكن ظاهر قوله واياها عنى بقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ [الأنبياء: ٧٣] إلخ يشعر بأنه إياها عنى بالهداية المذكورة فيه، وقد يتكلف له فيقال المراد بهداية الله المنحصرة في الأجناس الهداية المنتسبة إليه تعالى بوجه، وهداية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كذلك لكونها بأمره تعالى، وارساله وبالهداية لإرسال الرسل وانزال الكتب الهداية الحاصلة بهما سواء كانت قائمة بالرسل والمنزل، أو بمن هداه وأمره بالهداية، وقس عليها هداية القرآن إن كان متصفا بها حقيقة، وقال الغزالي: الهادي من العباد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والعلماء المرشدون للسعادة الأخروية، والدالون على الصراط المستقيم بل الله الهادي بهم، وعلى اً لسنتهم، وهم مسخرون بقدرته وتدبيره، فالهداية المسندة لهم من هداية الله، ومندرجة- تحت جنس الهداية بإرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام بهذا الاعتبار.
(أقول الك أن تجعله شاملاً للأنبياء عليهم الصلاة والسلام من غير تأويل بما ذكره، فإنهم مأمورون أيضاً بما أوحي إليهم كما لا يخفى، وأمّا أمر الحصر والتوفيق بينه، وبين ما ذكر فغير محتاج إلى تكلف ادّعاء مجازية الإسناد مع أنّ الظاهر الحقيقة، ولا موجب للعدول عنها في الآية الأولى بخلاف الثانية، وان توهموا العكس فإنّ قوله تعالى بأمرنا صريح في أنّ الله هداهم حيث أمرهم بالعمل والتبليغ، وهذا مراد المصتف ﵀ ومحل استشهاده، وأمّا القرآن في نفسه فليس هو الهادي حقيقة فتدبر. وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي﴾ [الإسراء: ٩] أي يدل على خصلة، أو ملة أقوم مما عداها. قوله: (والرابع أن يكشف إلخ) مغايرته
لما قبله ظاهرة لاختصاصه بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأولياء إذ المراد بالوحي كشف الحقائق وإظهارها لهم بغير الطرق المعهودة ولا وجه لتعميمه والإلهام إلقاء الخير في القلب إذ غيره يقال له وسوسة وأمّا قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨] فمؤوّل كما سيأتي في محله، والمنامات الصادقة هي
стр. 129
الميشرات وهي جزء من أجزاء اليحوّة كما ورد في الحديث المشهور (١) ، وانكشاف الحقائق بها يقيناً مخصوص برؤياهم سواء أوّلت، أو وقعت بعينها. وقوله: (كما هي) أي كما هي هي في نفس الأمر، كقولهم من حيث هو هو وإعرابه مشهور. وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ [الأنعام: ٩٠] الآية الشاهد فيها في الهداية الأولى أو فيهما والمراد بهداهم ما توافقوا عليه من التوحيد، وأصول الدين كما سيأتي في سورة الأنعام تحقيقه، فلا وجه لما قيل من أنه يمكن حملها على الثالث حتى توهم بعضهم أنه أظهر وأولى، وعدى المصتف ﵀ الكشف بعلى، لأنه مضمن أو متجوّز به عن معنى جلا وأظهر، وان لم يخل من ركاكة العجمة والنيل الوصول. قوله: (والذين جاهدوا إلخ) قال المصتف ﵀ في تفسيره: والذين جاهدوا في حقنا، واطلاق المجاهدة ليعمّ جهاد الأعادي الظاهرة والباطنة بأنواعه ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [صورة العنكبوت: ٦٩] سبل السير إلينا والوصول إلى جنابنا أو لنزيدنهم هداية إلى سبيل الخير وتوفيقاً لسلوكها إهـ. ولعل هداية سبيل السير إليه تعالى أن يكشف عن قلوبهم السرائر ويريهم الأشياء كما هي، وقال الطيبيّ: طيب الله ثراه الاستشهاد فيه أنه تعالى أثبت لهم الجهاد على لفظ الماضي، وأوقع ضمير التعظيم ظرفاً له على المبالغة أي في سبيلنا ووجهنا مخلصين لنا ولا يكون مثل هذا الجهاد إلاً هداية لا غاية بعدها، ثم قال: لنهدينهم سبلنا على الاستقبال، وصرّح بلفظ سبلنا ولا يستقيم تأويله إلآ بما ذكر من طلب الزيادة بمنح الألطاف اهـ. والسرائر جمع سريرة، وهي ما يسره المرء في قلبه وأواد بها المصتف ﵀ السرّ الإلهيّ، وليس ببعيد وان كان خلاف المعروف من استعماله. قوله: (أمّا زيادة ما منحوه إلخ) منح بمعنى أعطى يتعدى لمفعولين وهو مبنيّ للمجهول هنا والزيادة نزول الآيات وظهور الأحاديث في زمانه ﵊ وظهور طرق الاحتياط والأخذ عن أهل العلم بعده، وقال قدس سرّه: إنه يعني أنّ من خص الحمد به تعالى وأجرى عليه تلك الصفات فهو مهتد فكيف طلب الهداية. فالمطلوب لزيادة أو الثبات أو ثمرة ذلك من سعادة الدارين، ثم إن حمل لفظ الهداية على التثبيت، كان مجازاً وان
حمل على الزيادة فإن كان مفهوم الزيادة داخلاَ في المعنى المستعمل فيه كان مجازا أيضاً وان جعل خارجاً عنه مدلولاً عليه بالقرائن كان حقيقة لأنّ الهداية الزائدة هداية كما أنّ العبادة الزائدة عبادة فلا يلزم الجمع بين الحقيقة، والمجاز وإن جاز كما سيأتي بيانه وتبعه أرباب الحواشي هنا برمّتهم كما قيل إنه جواب عما يقال من أنّ ما قبله منزل على ألسنة العباد الذين حمدوه وخصوا الحمد به تعالى، ووصفوه بغاية الكمال وخصوه بالعبادة، والاستعانة ومثل هؤلاء لا يصح منهم طلب الهداية إلى الصراط المستقيم بمعنييه لحصوله لهم، ففيه تحصيل الحاصل فأجاب عنه بقوله فالمطلوب إلخ. فهو جواب شرط مقدّر أي إذا انقسمت الهداية لما ذكر، وكثره حاصل لهم فالمطلوب الزيادة والثبات أي مجموعهما، وفي نسخة أو الثبات بأو بدل الواو، وهي الموافقة لما في الكشاف والحاصل أنّ الهداية مطلقة، فتصرف للكمال، وهو بما ذكر من الزيادة أو الثبات أو حصول مراتب أخرى من جنسها، وقد قيل عليه أنه إن أريد بالإيصال المفهوم من الدلالة الإيصال القريب، وبالصراط المستقيم ما يشمل العقائد الحقة والأعمال الصالحة، فلا مرية في أنّ من خص الحمد به تعالى وأجرى عليه تلك الصفات لا يلزم أن يكون مهتدياً بهذا المعنى لأنّ الموصل القريب لها الأدلة وإن أريد البعيد صح ولكن لا يتعين الحمل عليه، وأيضاً جزمه بالتجؤز إذا أريد الثبات وتفصيله في الزيادة فيه بأنه إن جعل الثبات داخلاً في المعنى المستعمل فيه كان مجازا وإلاً فهو حقيقة من غير فرق بينهما تحكم ورد بأنّ الموصل القريب لا ينحصر فيما ذكر، إذ يكون بما عرف سماعا من الشرع، وبالعقل السليم والثبات ليس كالزيادة لخروجه عن مفهومه بغير شك (أقول والهداية منه وإليه أليس كلام المصنف ﵀ مطابقاً لما في الكشاف حتى يشرح بما شرح به ويورد عليه ما أورد عليه، فإنه في الكشاف لم يتعرّض لشيء مما ذكره المصتف أصلاً، فالحق أن يقال في بيان ما هنا إنه لما فسر الهداية المطلقة بالدلالة بلطف ونوّع منها هداية الله تعالى، وفسر الصراط بما ذكر، صار المعنى يا ربنا دلنا على طريق الحق بسلامة
стр. 130
القوى ووقفنا على أدلة الآفاق والأنفس ووفقنا لتلقي الأدلة السمعية من الرسل عليهم الصلاة والسلام والكتب حتى نصل لها فالتفريع هنا على ما قبله من تنويع الهداية الربانية إذ المطلوب هدايته لما يوصل إليه منها وكلها أو جلها حاصل لهم، فالمطلوب الزيادة إلخ والفاء فصيحة أي إذا تنوّعت الهداية لما هو معلوم الحصول، فالمطلوب ما ذكر وتفريعه على ما في النظم كما في الحواشي أبعد بعيد فعليك بالنظر السديد إذا صعدت من صعيد التقليد. قوله: (من الهدى) قال بعض الفضلاء: الهدى جاء لازماً بمعنى الاهتداء ومتعدّياً بمعنى الدلالة والأوّل هو المراد بقرينة قوله منحوه. والمراد بزيادة الهدى إمّا زيادة الله إياهم الهدى كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [ئحمد: ١٧] أو ازدياد الهدى على أنّ المراد بالمطلوب المطلوب الأصليّ الذي يطلب ما أريد بمصدر اهد لأجله، وهو زيادة الله إياهم الهدى أو الهداية، أو زيادة الهدى والهداية الزائدة والمراد
بالثبات، أمّ ثباته تعالى على الهدى بمعنى الهداية على سبيل الاستخدام، أو ثباتهم على الهدى على قياس ما عرفت في زيادة الهدى، وعلى الثاني المراد بالهداية تثبتهم على الهدى أو ثباته تعالى على هدايتهم أي دوامه.
(بقي) هنا أنه قد يقال الصراط بمعنييه لا يخلو إثا أن يراد جميعه أو بعض منه معين أو
غير معين لا سبيل إلى الأوّل لأنّ هؤلاء لم يحصلوا جميع طرقه، وجميع الأعمال الصالحة والعقائد الحقة والبعض المعين لا بد له من قرينة تعيينه ولا قرينة هنا فإن أريد بعض غير معين، فلا ريب في صحة طلب البعض لآخر من غير تأويل أو تجوّز فتأمّل. قوله: (فإذا قاله العارف إلخ) الظاهر أنه تفريع على قوله حصول المراتب المترتبة عليه وأنّ هذا من جملتها، ولذا قالوا إنّ العارف لا يزال مسافرا فكلما ألقى عصاه بدا له سفر، فهو من معنى الهداية المترتبة على أحد الأربعة، وقيل: الحصر فيها بالنسبة إلى السالك، وهذا متفرع عليها بعد التكميل، فلا يرد عليه ما قيل لا يخفى إنّ الإرشاد المذكور جنس خاسى من الهداية، فإنّ الرابع هو هداية السير إلى الله كما سبق، فالحصر في الأجناس الأربعة غير مستقيم، وقد رد أيضا بأنه قد قيل إنّ الفناء عبارة عن نهاية السير إلى الله عر وجل، والبقاء عبارة عن بداية المسير في الله سبحانه والسير إنما ينتهي إذا قطع بادية الوجود بالكلية، وبعده يتحقق السير فيه بالإتصاف بالأوصاف الإلهية، والتخلق بالأخلاق الربانية، وقطع بادية الوجود عبارة عن فناء الحظوظ الدنيوية والأخروية، ويلزمه بقاء طلب الحق سبحانه بل يندرج فيه السير إليه أيضا، كما أنّ قوله تعالى: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] يشملهما فالحصر مستقيم، والعارف الواقف على الأسرار الإلهية، والسير في الفتوحات أن يكشف له عجائب الملكوت، فتنتقش في جوهر نفسه فيفرّ إلى الله مسافرا عما سواه إلى أن يراه في كل شيء ويطلق عندهم أيضاً على الانتقال من اسم إلهيّ إلى. آخر:
فيا دارها بالخيف إنّ مزارها قريب ولكن دون ذلك أهوال
قوله: (أوشدنا) عذاه بنفسه على الحذف والإيصال، أو ضمنه معنى أرنا لأنه يتعدى بالحرف وفي المصباح أرشدني إلى الشيء وعليه وله قاله أبو زيد، ونمحو بالنون والتاء الفوقية والياء التحتية، وكذا نميط في الوجوه الثلاثة ونمحو بمعنى نزيل، ونميط بمعنى نبعد وننحى، والغواشي جمع غاشية بمعجمتين ما يغشى أي يعرض ويكون بمعنى الغطاء، ومنه غاشية السرج لغلافه فغواشي الأبدان المراد بها هي بأنفسها، أو ما يطرأ عليها من كدورات البشرية وظلمات الهيولى، ونور قدسه الملكات الفاضلة أو الفيوض الإلهية. وقوله: (فنزاك بنورك) أي نشاهدك بما أودعته في سثمكاة قلوبنا من الأنوار، والله نور السموات والأرض، فإذا فهمت فنور على نور. قوله: (والأمر والدعاء) المراد بهما مفهوما هما، أو ما صدقا عليه، كصم وصل أو
المعنى المصدري، وقيل: هذا تكلف من غير حاجة داعية له، فإنّ صيغة افعل لا تدل على مصدر أمر ودعا، وان تحقق عند تحققها وفيه نظر، والمنقول في أصول الشافعية كما في شروح جمع الجوامع أنه لا يعتبر في مسمى الأمر ولا في حدّه علو ولا استعلاء، واعتبر فيه المعتزلة وهو المشهور عنهم، وأبو إسحاق الشيرازي وابن الصباغ والسمعانيّ العلو، وأبو الحسين من المعتزلة، والإمام الرازي والآمدي، وابن الحاجب الاستعلاء،
стр. 131
وتابعهم المصنف وحمه الله هنا وخالفهم في منهاج الأصول، ورذ مذهب المعتزلة المشهور من اشتراط العلوّ قي الأمر وضد. في الدعاء، وقيل بالرتبة وهو مختار الزمخشريّ والاشتراك اللفظي بينهما كونهما بصيغة واحدة في الأكثر، وهي أفعل والمعنوي إنّ فيهما معنى الطلب الذي هو كالجنس لهما. وقوله: (ويتفاوقان) أي يتغايران ويفترقان بأنّ الطلب إن كان استعلاء فأمر، وان سفلا فدعاء والاً فيسمى التماساً وقال بعض المعتزلة: إن كان عالي الرتبة فأمر وان كان سافلها فدعاء هذا ما أراده المصتف ﵀، فمن توهم أنه لا مغايرة بين القول الأوّل والثاني فقد وهم لأنّ الاستفعال قد يكون لعد الشيء متصفا بشيء، وان لم يكن كذلك كاستحسنه، وان لم يكن حسناً وكذا التفعل كتحلم وان يكن حليماً فالاستعلاء والتسفل يقابل العلو، والسفل وتفصيله في الأصول. قوله: (والسراط إلخ) السراط هو الطريق السهل، أو الواضح المستوي من سرط الطعام، كفرح ونصر ابتلعه وزرده فقيل: إنه يتصوّر أن يبلعه سالكه، أو يبتلع هو سالكه ألا تراهم قالوا قتل أرضا عالمها، وقتلت أرض جاهلها وعلى النظرين قال أبو تمام:
رعته الفيافي بعدما كان حقبة رعاها وماء المزن ينهل ساكبه
فقوله: كأنه يسترط السابلة تتبع فيه الزمخشريّ، وفي الكشف لو قال لأنهم يسترطون السبل، وهي تسترطهم كان أولى، وفي نسخة يسرط من الثلاثي وهذا بيان لوجه أخذه منه، والسابلة الطريق ومن يسلكها والمراد الثاني. وقوله: (ولذلك) باللام وفي نسخة بالكاف، وهي صحيحة أيضا، واللقم بفتحتين معظم الطريق أو طرفه أو وسطه من الالتقام، وهو الابتلاع ففعل بمعنى فاعل أو مفعول كالسراط، والمصنف ﵀ اقتصر على الأوّل لوضوحه، وعن الأزهري أكلته لمفازة إذا نهكته لسيره فيها، وأكل المفازة إذا قطعها بسهولة، وقيل: إنّ السابلة إذا ذهبوا من عندنا، فحالهم بالنسبة إلينا شبيهة بابتلاع الطريق، فإذا جاؤوا إلينا، فكأنهم يبتلعون الطريق ويلتقمونه. قوله: (والصراط من قلب السين إلخ) إنما قلبت السين صادا لمناسبة الطاء في الإطباق، وفي انخة اض السين مع تفخيم الراء استثقال للانتقال من سفل إلى علو بخلاف العكس نحو طست لأنّ الأوّل عمل والثاتي ترك كما قرّره أهل الأداء. وقوله: (ليطابق) أي ليوافق مجانسه مع الأطباق والصاد والضاد والطاء والظاء مطبقة، ويقال منطبقة لانطباق اللسان معها على الحنك. وقوله: (وقد يشئم إلخ اليكون أقرب إلى المبدل منه لأنّ
الزاي والسين من المنخفضة المنفتحة، ولأنّ مخرجهما من بين الثنايا، وقيل: ليكتسب بذلك نوع جهر ويزداد قربها من الطاء، والإشمام هنا خلط الصاد بالزاي وعرفه الفرّاء بخلط حرف بآخر وكل وفي الوقف ضم الشفتين مع انفراج بينهما، ولا يدركه إلاً البصير، وله معان أخر سيأني تفصيلها ني سورة يوسف والزاي اسم هذا الحرف المعجم بياء بعد الألف، للفرق يينها وبين الراء المهملة، وفي النشر يقال زاء معجمة بالمد، وزاي بالف وياء وزيّ بالكسئر والتشديد اهـ وعامّة بلادنا يقولون زين، وهو غلط وشين. قوله: (والباقون بالصاد إلخ الغة قريش إبدال السين صادا هنا، وفي كل موضع بعدها عين أو خاء أو قاف باطراد، وقول الجوهري السراط لغة في الصراط لا يقتضي أصالتها، ولذا رسمت صادا لما روي عن عثمان ﵁ أنه قال: إذا اختلفتم في شيء فاكتبوه بلغة قريش، فإنّ القرآن نزل بها وقرىء بالزاي الخالصة أيضا. قوله: (والثابت في الإمام) أي المثبت كتابة وخطأ في مصحف عثمان رضي الله تعالى عنه المسمى إماماً عند القرّاء والمفسرين وغيرهم، فإنّ الإمام لغة ما يؤتم ويقتدى به، فيتبع وان لم يكن من العقلاء، ولهذا أطلق على اللوح والكتاب كما فال تعالى: ﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ [الأحقاف: ٢ ا] فسمى الكتاب إماماً على وجه، وقد كان في سنة ثلانين لما سار حذيفة ﵁ لبعض الغزوات وعاد قال لعثمان ﵁: إني رأيت أمراً عجيباً رأيت الناس يقول بعضهم لبعض قراءتي خير من قراءتك، فإن تركوا ليختلفوا في القرآن، فيكون لذلك أمر، فجمع عثمان الصحابة ﵃ واستشارهم، فأشاروا عليه بجمعهم على مصحف واحد، فارسل إلى حفصة أمّ المؤمنين ﵂ لترسل الصحف لتنسخ، وكان أبو بكر ﵁ جمعها لما كثر قتل الصحابة رضي
стр. 132
الله عنهم باليمامة، وهو الجمع الأوّل، فأرسلتها إليه، فامر عثمان ﵁ زيد بن ثابت وابن الزبير وسعيد بن العاصن. وعبد الرحمن بن الحارث، فنسخوها في مصاحف اختلف في عددها كما في شرح الرائبة للسخاوي ﵀ وأرسل إلى كل مصر مصحفا، وحرّق ما سواها، فسمي كل من تلك المصاحف إماماً لا المصحف الذي كان عند عثمان وحده كما قيل.
فإن قلت: قد قيل على ما ذكره المصتف ﵀ أنّ جميع القراءات السبعة بل العشرة
ثابتة في الإمام لأنهم قالوا: لا بد فيها من أمور ثلاثة صحة السند وموافقة قواعد العربية، ومطابقة الرسم العثماني الثابت في الإمام.
قلت: المراد بالثبوت فيه الثبوت، ولو تقديراً كما فصله في النشر وقال: انظر كيف كتبوا الصراط، والمصيطرون باله ماد المبدلة من السين وعدلوا عن السين التي هي الأصل لتكون قراءة السين، وان خالفت الرسم من وجه قد أتت على الأصل فيعتدلان، وتكون قراءة الإشمام
محتملة ولو كتب بالسين على الأصل فات وعدت قراءة غير السين مخالفة للرسم، فلا إشكال. قوله: (وجمعه شزط الخ) ظاهره أنّ هذا الجمع يكون له مطلقاً سواء ذكر أم أنث ولذا قدّمه، وقد قيل إنه إن ذكر جمع على أفعلة في القلة وعلى فعل في الكثرة كحمار وحمر وأحمرة وان أنث فقياسه أن يجمع على أفعل كذراع وأذرع، وفسر المستقيم وهو الذي لا اعوجاح فيه بالمستوى، وهو من قولهم سوّى الأرض والمكان فاستوى هو بأن لا يكون في سطحه وحدوده اختلاف، ومته قوله تعالى: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ﴾ [النساء: ٤٢] أي يوضع عليهم ترابها ويسطح. وقيل: وصف الطريق به له معنيان: أحدهما أنه مستو بنفسه. والآخر أنّ سالكه يستقيم فيه. وقوله: (كالطريق إلخ) هو مثله معنى وقيل: بينهما فرق، فإنّ الطريق ما يسلك مطلقاً، والسبيل ما هو معتاد السلوك والسراط ما لا عوجاح فيه يمنة، ويسرة فهو أخصها، فإن قيل فما فائدة وصفه حينئذ بالمستقيم قيل: لأنّ الصراط يطلق على ما فيه صعود أو هبوط، والمستقيم ما لا ميل فيه إلى شيء من الجوانب، وأصل الاستقامة في الشخص القائم. قوله: (والمراد به طريق الحق إلخ) هذان التفسيران رواهما ابن جرير عن ابن عباس ﵄، وذكرهما المصنف والزمخشريّ إلاً أنّ الزمخشريّ قال المراد به طريق الحق وهو ملة الإسلام قجعلهما متحدين والمصتف رحمه الله تعالى أشار إلى الرد عليه وجعلهما متغايرين، وقد ذهب بعض أرباب الحواشي إلى أنّ الحق ما فهمه الزمخشريّ وقال ابن تيمية الخلاف بين السلف في التفسير قليل جدّا، وهو في الأحكام أكثر وغالب ما روي عنهم من الأوّل راجع إلى تنوّع العبارة وإليه أشار الزمخشريّ، وعلى ما فهمه المصئف هما متغايران إمّا لأنّ ملة الإسلام تختص بالأصول والإعتقاد، وطريق الحق أعمّ لشموله الفروع والأصول سواء فسر الحق هنا بما يخالف الباطل أو بأنه اسم الله فإنه ورد إطلاقه عليه، وهو مخالف لقوله قدس سرّه: إن ملة الإسلام تشمل الأحكام الأصلية والفرعية، وإن قيل: إنه مبني على مسلك الزمخشريّ.
وقيل: طريق الحق مطلقاً تتناول ملة الإسلام، وما فيها من العبادة كما هو المناسب لتنوّع
الهد اية.
وقيل: طريق الحق أخصى لشمول ملة الإسلام للفرق الضالة كالقدرية.
وقيل: اصحق أعمية الحق لشموله السير في الله، وما يترتب على الهداية من المراتب كما
مرّ وقيل الطريق المستقيم هنا العبادة، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦١] والقرآن يفسر بعضه بعضاً وفيه نظر، وقول الفاضل الليثي: إنه ليس المراد تعفق الهداية بجميع ملة الإسلام، بل ببعضها سواء أريد به التثبت أو الزيادة ناشىء من عدم النظر للوقوع، وعموم الطلب فتأمّل. قوله: (بدل من الأوّل الخ) بدل خبر مبتدأ مقدر أي هذا بدل
من الصراط الأوّل. وقوله: (بدل الكل من الكل) بدل من البدل، وهو من حسن الإتفاق الذي سماه المتأخرون في البديع تسمية النوع، وقد عاب ابن مالك ﵀ في بعض كتبه هذه العبارة على النحويين لأنّ الكلية لا تصح في مثل ﴿صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. اللهِ﴾ [إبراهيم: ا- ٢] فإنها إنما تقال فيما ينقسم ويتجزئ، والله منزه عن ذلك، فالأولى أن يقال فيه البدل الموافق أو المطابق.
والورع البارد في نحوه يغنيك عنه النظرالحامي
стр. 133
وقوله: (وهو في حكم تكرير العامل) هذه عبارة مهذبة صادقة على مذهبي التقدير وعدمه
فلا وجه لما قيل إنّ هذا مذهب الأخفش والرمّاني والفارسي وأكثر المتأخرين، وبدل عليه كلام صاحب الكشاف في بحث البدل من المفصل، لكن ذهب جماعة إلى أنّ العامل في البدل هو العامل في المبف ل منه، وعد الرضي صاحب الكشف منهم. قوله: (من حيث إنه المقصود إلخ) قيل: إنه إشارة إلى ما استدل به الفريق الأوّل على تقدير عامل من جنس الأوّل لكونه مستقلاً أو مقصودا بالذكر، واذا لم يشترط مطابقتة للمبدل منه تعريفا وتنكيراً.
وأجيب: بأنّ استقلال الثاني، وكونه مقصودا يوذنان بأنّ العامل هو الأوّل لا مقدّر آخر
لأنّ المتبوع أذن كالساقط، فكأنّ العامل لم يعمل في الأوّل، ولم يباشره بل عمل في الثاتي والمعتى أنه مهصود بالنسبة دون متبوعه، وبهذا فارق العطف، وأورد عليه أنّ صرف العامل عن المبدل منه إلى البدل ينافي تكريره.
وأجيب عنه بأنه في حكم تكريره مع كلمة بل، وأورد عليه أنه لا يفهم من التكرير إلأ تقرير الأوّل وكلمة بل إضراب عنه، والحق أنّ الإضراب إنما هو من صرف خصوص نسبة العامل إلى خصوص آخر، ىأصل النسبة باق، فإن قلت النسبة تتغير بتغير أحد طرفيها قلت: إذا لم يكن " البدل أجنبيا عن المبدل مته لم تتغير بالكلية خصوصا في بدل الكل، فإنّ الإضراب فيه إنما هو باعتبار الوصف لا الذات، ثم إنما ذكر إنما يتأتى إذا كان للمبدل منه نسبة، فلا ينتقض بإبدال الجمل التي لا محل لها من الإعراب من مثلها، وقد جوّزه النحاة، وأهل المعاني، وترك المصئف ﵀ ما استدل به في الكشاف لما فيه، كما لا يخفى على من له بصيرة نقادة. قوله: (وفأئدته التثيد إلخ) في الكشاف فائدة البدل التوكيد، لما فيه من التثنية والتكرير والإشعار بأنّ الطريق المستقيم بيانه، وتفسيره صراط المسلمين ليكون ذلك شهادة لصراط المسلمين بالاستقامة على أبلغ وجه، وآكده كما تقول: هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم فلان، فيكون ذلك أبلغ في وصفه بالكرم والفضل من قولك هل أدلك على فلان الأكرم الأفضل، لأنك ئنيت ذكره مجملاً أوّلاً، ومفصلاً ثانيا وأوقعت فلانا تفسيرا، وايضاحا للأكرم الأفضل فجعلته علما في الكرم والفضل، فكأنك قلت: من أراد رجلاً جامعاً للخصلتين فعليه
بفلان، فهو المشخص المعين لاجتماعهما فيه من غير مدافع ولا منازع اهـ.
وهو جواب عن نكتة التكرار والعدول عن الاختصار بأنه لفائدتين إحداهما قصده بالنسبة، وتكرير العامل حكما، والثانية تفسيره وبيانه به، ومذه مشتركة بينه وبين عطف البيان أو هي أظهر في الثاني، ومن دأب المصنف ﵀ أنه إذا غير عبارة الكشاف، أو أسقط منها شيثاً أنه يشير بذلك إلى ردّ ضمني أو أنه غير مرضيّ، فلذا أسقط هنا تمثيله للبدل بالمنعوت المتقدم عليه نعته نحو أدلك على أكرم الناس زيد لأنه غير مسلم عند علماء المعاني، وفي المطوّل كل صفة أجرى عليها الموصوف نحو جاءني الفاضل الكامل زيد، فالأحسن أنّ الموصوف فيه عطف بيان لما فيه من إيضاح الصفة المبهمة، وفيه إشعار بكونه علما في هذه الصفة، وفي الحواشي الثريفية أنه أشار إلى أن جعله عطف بيان أحسن من جعله بدلاً من وجهين: أحدهما أنه يوضح تلك الصفة المبهمة، والإيضاح من شأن عطف البيان دون البدل والثاتي أنّ الإشعانة بكونه علما فيما ذكر إنما تتفرّع من جعل فلان تفسيرا للأكرم الأفضل، وايضاحا له فجعلته علماً في الكرم والفضل، ولا شك أنّ إيضاج المتبوع وتفسيره فائدة عطف البيان دون البدل، ولك أن تقول أنه اختار البدل في الآية وذكر له فائدتين الأولى تأكيد النسبة بناء على أنّ البدل في حكم تكرير العامل والثانية الإشعار بأنّ الطريق المستقيم بيانه وتفسيره صراط المسلمين فيكون ذلك شهادة لصراطهم بالاستقامة على أبلغ وجه وآكده، ولا خفاء في أنّ هاتين الفائدتين مطلوبتان في الآية الكريمة، فوجب أن يختار فيها البدل لأنّ الفائدة الأولى مختصة به، وأمّا الثانية فتحصل منه أيضا إذ قد يقصد ببدل الكل تفسير المتبوع، وايضاحه كما سيأتي إلآ أن ذلك لا يكون مقصودا أصليا منه كما في عطف البيان، وانما شبهه بقولك: هل أدلك إلخ إذا ورد في مقام ية صحمد فيه تكرير النسبة، وايضاح المتبوع معاً لا مطلقاً، وهناك يتعين البدل ولا يجوز عطف
стр. 134
البيان فضلاً عن أن يكون أحسن، ولا بد من اعتبار هذا التقييد في التشبيه به ليوافق المشبه، ويتحصل به غرضه اهـ. والحاصل أنّ المبدل منه إذا كان وصفاً لفظاً أو تقديرا أثر في العناية بالبدل والقصد إليه فجعله في نية الطرح وجعل اسم الذات تابعاً له يومىء إلى أنّ تلك الصفات كمشخصاته التي يدل عليها اسمه، وانّ ثبوتها له أمر ظاهر مسفم وهي نكتة بديعة يشعر بها الكلام.
وبالغ المصتف ﵀ في ذلك فجعله نصا فيها إلاً أنهم اختلفوا فيها، وفي منشئها فمنهم من جعله توضيح الموصوف باسم الذات، وجعله مشتركا بين البدل وعطف البيان، والمرجح للبدلية أمر خارج، وهو الفائدة الأولى المخصوصة به، وجعله قدس سرّه مجموع الفائدتين، فيختص بالبدل لأنّ الثانية متفرّعة على التأكيد بالوجهين، والإشعاو بأنّ الطريق المستقيم بيانه، وتفسيره صراط المسلمين، كما أوضحوه والتفصيل بعد الإجمال أبين وأقوى في الشهادة، وتكرير العامل يوذن بالقصد فيجب أن يكون علماً في الصفة المذكورة ليكون،
أوفى بتأدية ما قصد من اتصافه بالصفة المذكورة، فيستحق أن يستأنف القصد إليه، ولذا رجح المدقق في الكشف كونه بدلاً في الآية، والمثال مطلقاً على كونه عطف بيان، لأنّ استئناف القصد يدل على أنه أوضح من الأوّل في إفادة المقصود، فيلزم أن يكون هو الشخص غير مدافع ولا منازع اهـ.
وما أورد على الشريف من أنه يأباه عدم تعرّض الزمخشريّ في بيانها لتكرير العامل والنسبة كما ترى ليس بشيء، فإنه قدس سرّه إنما جزم بما ذكره لقوله في الكشاف لما فيه من التثنية والتكرير لأن جعلهما بمعنى قليل الجدوى، فحمل التثية على تكرير لفظه لتبادره منه وحمل التكرير على تكرير العامل والنسبة، وقرينة الأوّل ظاهرة، وقرينة الثاني اشتهاره في البدل. وقوله: (المشهود عليه) عداه بعلى لتضمته معنى المحكوم أو المجمع، وفي الكشاف المشهود له قيل: وتعبيره أوّلاً بالمسلمين، وثانياً بالمؤمنين إيماء لترادف الإيمان والإسلام وقيل: لاتحادهما صدقا فلا ينافيه تصريحه في شرح المصابيح بتباينهما وأنّ ﴿الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ المؤمنون، وأن النعمة الإيمان إذ لا نعمة أعظم منه، ولذا أطلق لأنّ المنعم عليه بها كانه منعم عليه بجميع النعم. وقوله: (لأنه جعل إلخ) تعليل للتنصيص. وقيل: إنه تعليل لقوله على آكد وجه. قوله: (من البين الذي لا خفاء فيه إلخ) قيل: عليه جعله بيانا، وتفسيراً للطريق المستقيم يقتضي أن لا يكون كون الطريق المستقيم طريق المؤمنين كالبين الذي لا خفاء فيه بل إنما يقتضي كون طريق المؤمنين علماً في الاستقامة متعينا ليصح تفسير المبهم به، وقيل: إنه إنما يرد إذا كان المقصود من التفسير دفع الإبهام، وأمّا إذا لم يقصد مته ذلك، وقصد كون المذكور في معرض التفسير علماً بيناً متعيناً على ما ذكره بقرينة كمال ظهوره فلا يرد ذلك، فإن فلت: سلمتا أنّ التفسير حينئذ لا يقتضي ذلك لكن كونه من البين الذي لا خفاء فيه من أين يفهم قلت: إذا تقرّر كون طريق المؤمنين كالعلم المتعين في الاستقامة مع ادّعائه أنّ هذه العلمية والتعين مشهود عليه معلوم عند كل أحد يفهم منه ذلك بلا شبهة. قوله: (وقيل الذين أنعمت عليهم الأنبياء إلخ) عطف على ما فهم مما سبق من انه طريق المؤنين مطلقاً وهو المنقول عن السدّي وقتادة، وصراطهم المطلوب هدايتنا إليه ما توافقوا عليه من التوحيد، وأصول الدين دون الفروع المختلف فيها فإنها ليست صراطاً مضافا للكل، أو ما اشتمل على التوحيد والعبادة والعدل واجتناب المعاصي والعمليات التي لم تنسخ، والنبوّة أجل النعم على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأمم، وفي الدر المنثور عن ابن عباس ﵄ أنه فسره بطريق من أنعمت عليهم من الملائكة والنبيين والشهداء والصالحين، ومن أطاعه وعبده، وهو يشمل الأقوال الثلاثة، ويوافق قوله تعالى ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ﴾ [مريم، الآية: ٥٨] الآية. قوله: (وقيل أصحاب موسى الخ) أي المصدقون بهما وبما جاءا به قبل ما صدر من بعضهم من التحريف وقبل نسخ شيء مما جاءا به وهذا منقول عن ابن عباس ﵄ وخصوا لشهرة أمرهم وكثرتهم ووجودهم في عصر نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام والتحريف تغيير ما في الكتابين كذكر نبئنا ﷺ حيث أرادوا إخفاءه ويابى الله إلاً أن يتم نوره، ولو كره الكافرون، والنسخ رفع بعض الأحكام من شريعتهم وانتهاؤها، قيل: وفيه لف ونشر
стр. 135
مرتب، فالأوّل بالنسبة لأصحاب موسى ﵊، والثاني بالنسبة لأصحاب عيسى ﵊، والظاهر أن كلاً منهما بالنسبة إلى كل منهما وقيل: هم مؤمنو الأمم السابقة وقيل: هم المؤمنون مطلقاً، وهو الأولى والأنسب، وليس بزائد على ما مرّ كما توهم.
واعلم أنّ التوراة والإنجيل اللذين عند اليهود والنصارى الآن اختلف فيهما هل هما مبدلان ومحرّفان لفظا أو تأويلاً، فأمّا التوراة فأفرط فيها قوم وقالوا كلها أو جلها مبدل حتى جوّزوا الاستنجاء بها، فليست المنزلة على موسى ﵊، وذهبت طائفة من الفقهاء والمحدّثين إلى أنّ ذلك إنما وقع في التأويل فقط كما صرّح به البخاري، واختاره الفخر الرازي وغيره لقوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [أل عمران: ٩٣] وهو أمر للنبيّ ﵊ بالاحتجاج بها والمبدّل لا يحتج به، ولما اختلفوا في الرجم لم يمكنهم تغيير آيته منها، وتوسطت طائفة وهو الحق فقالوا: بدل بعض منها وحرف لفظه، وأوّل بعض منها بغير المراد منه، وإنه لم يعط منها موسى ﵊ لبني إسرائيل غير سورة واحدة، وجعل ما عداها عند أولاد هارون، فلم تزل عندهم حتى قتلوا عن آخرهم في وقعة بختنصر، وبعد ذلك جمع عزير بعضاً منها ممن حفظها، فهو الذي عندهم اليوم وليس أصلها وفيه زيادة ونقص، واختلاف ترجمة وتأويل، وأمّا الإنجيل ففيه تبديل وتحريف في بعض ألفاظه ومعانيه، وهو مختلف النسخ، والأناجيل أربعة كما فصله بعضهم في كتاب عقده لذلك سماه المفيد في التوحيد. قوله: (صراط من أنعمت) فيه دليل على جواز إطلاق الأسماء المبهمة كمن على الله كما ورد في الأحاديث المشهورة يا من بيده الخير ونحوه، فلا يغرنك ما نقله الحفيد عن صاحب المتوسط من منعه. قوله: (والإنعام للصال النعمة إلخ) قال الراغب: النعمة الحالة الحسنة، لأنّ بناء الفعلة بالكسر للهيئة كالجلسة والركبة والنعمة بالفتح للمرّة كالضربة، وهو بمعنى التنعم، ولذا قيل كم ذي نعمة لا نعمة له أي لا يتنعم بما رزقه الله، والإنعام إيصال الإحسان إلى الغير من العقلاء كما قاله الراغب فلا يقال: أنعم على فرسه، ولذا قيل إنّ النعمة نفع الإنسان من هو دونه لغير عوض، والنعماء إزالة الضراء، والنعمى ضد البؤسى ونعمه بالتشديد جعله في نعيم، ولين عيش وناعم وناعمة من
نعومة المسلمين، وأصل معناه لغة من النعمة بالفتح، وأصله في المستلذات الحسية، ثم أطلقت على المعنوية، كنعمة الإسلام لأنّ اللذة عند المحققين أمر تحمد عاقبته، ولذا خصها بعضهم بالمعارف، وقيل: لا نعمة لله على كافر، ولما فيها من الإيصال والإنهاء كان حقها أن تعدّى بإلى لكنها عديت بعلى إشارة لعلو المنعم، ولذا قيل اليد العليا خير من اليد السفلى فقوله: من النعمة بالفتح، وهي اللين ظاهر، وفي نسخة من نعمة الإسلام؟ وهي الدين وهي صحيحة أيضا، وليست تحريفا لأنّ إضافته بيانية قال تعالى: ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ﴾ [سورة البقرة: ٢١١] وكذا ما في بعضها من النعهمة، وهي الدين مع ما فيه من الركاكة، ولا ينافي تخصيصها بنعمة الإسلام الإطلاق المستفاد من ظاهره لشمول الإسلام لكل نعمة، وششلذ. بمعنى يجده لذيذاً وقد يعدى بالباء، وعدى الإطلاق باللام، وهو معدّى بعلى لكونه بمعنى الاسنعمال أي استعملت فيما يلائم من الأمور الموجبة لتلك الحالة، فهو من إطلاق المسبب على السبب. وقوله: (لا تحصى) أي لا تعد أنواعها فضلاً عن أفرادها قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ٨ ا] أي نعمه تعالى، لأنّ الإضافة تفيد ما تفيده اللام قيل: وقيه نكتة حيث قال: نعمة دون نعم مع أنّ عدّ الواحد هين بل ليس هو بعدد لاشتمال كل فرد منها على نعم لا تحص كنعمة الصحة مثلاً، لو أريد تفصيلها جزءاً جزءا ظاهرا وباطنا أعجزت العادّ، وفسرها بعض الفضلاء بقوله: إن تشرعوا في عد أفراد نعمة من نعمه لا تطيقوه فتدبر. قوله: (روحانئ كنفخ الروح إلخ) تحقيق التسوية ونفخ الروح على ما نقله في كتاب الروح عن حجة الإسلام أنّ التسوية تهيئة المحل القابل للروح، كطينة آدم ﵊ ونطفة بنيه، لأن يقبلها كالفتيلة التي تتقد بشرب الدهن لتعلق النار بها، وأصل النفخ إخراح هواء من جوف النافخ إلى جوف المنفوخ، وهو غير متصوّر في حقه تعالى، إلاً أنّ النفخ لما كان سبباً لاشتعال النار في بعض الأجساد، ويعذ ذلك نتيجة له عبر عن نتيجة النفخ بالنفخ وان لم يكن على صورة النفخ، والسبب الذي اشتعل به نور الروح في فتيلة النطفة
стр. 136
صفة في الفاعل وصفة في المحل القابل، فالأوّل الجود الإلهيّ الذي هو ينبوع الوجود على ما يقبله وصفة القابل هو الاعتدال الحاصل بالتسوية، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] وهو في الأصل استعارة تمثيلية أو تصريحية أو مجاز مرسل، ثم صار حقيقة شرعية في فيض الأرواح على ذويها، وسيأني إن شاء الله تعالى تفصيله في سورة الحجر وما قاله المصئف فيه، ثم إنّ المصتف ﵀ قسم ومثل بالأنعام تسمحاً، أو المراد الحاصل بالمصدر وتقسيمه على سبيل منع الخلو، فلا يرد عليه أنّ معرفة الله تعالى دنيوية وأخروية، ولا حاجة إلى ادّعاء تغايرهما ونحوه، وبدؤه بما ذكر إشارة إلى أنّ الحياة أصل النعم وأنها نعمة في
ذاتها ويتوقف جمليها الانتفاع بغيرها والشيء لا يكمل إلآ إذا أمكن الانتفاع به، وما قيل نقلاً عن التأويلات النهجة أنّ النعم.
إمّا ظاهرة كإرسال الرسل وانزال الكتب والتوفيق لقبوله وإتيانه به والثبات على قدم الصدق ولزوم العبودية.
وإمّا باطنة وهي ما أصاب الأرواح في عالم الذرّ من رشاس نور النور:
وأوّل الغيث قطر ثم ينسكب
فكان على المصنف أن يدخله في تقسيمه ليس بشيء لدخول ما ذكر في الروحاني، إذ
نعمة العقل والفهم إنما تعد نعمة إذا اهتدى بها للتصديق بما ذكر، وقيل: إنه لم يتعرّض لها لأنه لم يلتزم تعداد جزئيات النعم، وانما حصر أجناسها وهذه داخلة في النعم الدنيوية الموهبية، وقد جعل أيضا قسمي الموهبية من الدنيوية نظرا إلى أنها موهبة في الدنيا حالاً، وان كانت من الأخروية مالاً، والروحاني بضم الراء ما فيه الروح، وكذلك النسبة إلى الملك والجن، وهي نسبة على خلاف القياس، وأراد به هنا ما يقابل الجسماني مما يتعفق بالروح، وجسماني بالضم نسبة إلى الجسمان وهو الجسم، والجثمان بالثاء المثلثة بمعناه أيضا، ولك أن تقول إنه الروح لمشاكلته الجسماني. قوله: (وإشراقه بالعقل) ضمير إشراقه للمنفوخ فيه المعلوم من النفخ، وفيل: هو للإنسان أو للبدن كضمير فيه لفهمه من السياق وأرجعه بعضهم للروح لتأويله بمذكر، فإنها مؤنث سماعيّ، والعقل قوّة للنفس تدرك بها الكليات والجزئيات المجردة، ويتبعها ذلك الإدراك ويسمى نطقا وهو المراد بالناطق في تعريف الإنسان، ويكون بمعنى ما يعبر به عما في الضمير، وهذا معناه الحقيقي في اللغة والعرف العامّ، والفكر ترتيب أمور معلومة لتؤدّي إلى مجهول، والكلام عليه مفصل في محله وعلم ما أدى إليه الفكر هو الفهم وهذه أمور كسبية، والقوى جمع قوّة والمراد بها النفسانية التي هي مبدأ النطق وأخويه قيل: وهي عين العقل ومتحدة بقوّة الفهم ويتبعها أيضا سرعة الانتقال إلى المطالب، ويمكن أن يطلق عليه الفهم والذكر، وهو العلم بالشيء بعد ذهابه عن النفس ويطلق عليه الفكر والتعبير عما في النفس نطق، والآخر كسبيّ، والأولان قد يكونان فيما للاختيار دخل فيه، ومباديها قوى موهبية تابعة للعقل، فينبغي أن يحمل عليها إذا عرفت هذا، فالتمثيل بالنطق لا يخفى ما فيه لأنه بمعنى إدراك الكليات كسبيّ، كما برهن عليه في المنطق والقوّة التي هي مبدؤه عين العقل، وهو بمعنى التكقم أو مبدئه جسمانيّ، وجعل للعقل إشراقا على طريق التمثيل لأنه نور إلهيّ، وقد عرّف بذلك وقيل القوى تعم الحواس الظاهرة والباطنة لكن قوله كالفهم إلخ يقتضي تعميمه بحيث يشملهما، وادراكهما وادراك العقل وما يترتب عليه، والفهم المطلق بمعنى الإدراك، والفكر ترتيب المعلومات والنطق إدراك الكليات أو ما يعبر به عنها والقوى البدنية
كالنامية وأخواتها، ويحتمل أن يراد بها ما يعم الحواس، ويراد بالأولى الإدراكات، فإنها يقوى بها العقل فتدبر. قوله: (كتخليق البدن إلخ) البدن والجسد بمعنى، وقد يفرق بينهما وتخليقه إعطاؤه خلقه، وتكميل بنيته والقوى الحالة فيه معطوف على تخليق، والمراد بها القوى الطبيعية التي قسمها الحكماء والأطباء إلى خادمة ومخدومة متصرّفة لأجل التشخص أو لأجل النوع كالنامية والغاذية والجاذبة والدافعة، والهيئات العارضة جمع هيئة، وهي عندهم مرادفة للعرض فقوله العارضة أي للبدن صفة مفسرة. وقوله: (من الصحة إلخ) بيان لها، فإنّ الصحة عندهم هيئة بدنية تكون الأفعال بها سليمة لذاتها ويقابلها المرض، وكمال الأعضاء ظاهر. قوله: (والكسبي إلخ) الظاهر أنّ الكسبي أعمّ من أن يكون ووحانياً كتزكية النفس، أو جسمانياً كتزيين البدن، أو خارجا عنهما وسيلة
стр. 137
إليهما كحصول المال، وقيل: إن الكسبيّ ينقسم أيضاً إلى روحانيّ وجسماني، والمصتف ﵀ أشار إلى الأوّل بتزكية النفس عن الرذائل وتحليتها بالأخلاق والملكات الفاضلة، وإلى الثاني بتزيين البدن إلخ وأورد عليه أن جعل حصول المال والجاه من الجسماني تكلّف، والمراد بالكسبيّ ما للكسب مدخل فيه، وإن لم يستقل به، ولا يرد عليه الصحة لأنها قد تحصل بمعالجات طبية كما توهم لأنّ أصل الصحة لا دخل للكسب فيها والمعالجات إنما هي لدفع ما يضادّها كما صرّحوا به، وتزكية النفس تطهيرها من دنس النقائمى، وفي كلامه إشارة إلى أنّ التخلية بالإعجام مقدّمة على انتحلية بالمهملة، والملكات شاملة للصانع، والمطبوعة بمعنى المقبولة الراجحة في ميزان الطبيعة، وقد وقع هذا اللفظ بهذا المعنى في كلام من يوثق به كالثعالبي، وقال المرزوقي: الشعر منه مصنوع ومطبوع، فلا عبرة بإنكار بعضهم له. وقوله: إنه لم يوجد في اللغة، وفي مفردات السمين، ومن خطه نقلت طبعت البكيال ملأته لكون الملء، كالعلامة المانعة عن تناول ما فيه، والطبع المطبوع أي المملوء اهـ وكذا قال الراغب.
وفي كلام علي ﵁ العقل عقلان مطبوع ومسموع، وهو فيه بمعنى الجبليّ،
وفسر هنا بالعارضة لنفس البدن كتطهيره من الأوساخ وقمى الشارب ونحوه مما يورث البدن زينة والحلي بكسر الحاء مقصور جمع حلية، وهي الزينة المجاورة للبدن كاللباس، وجوّز فيه ضم الحاء وكسر اللام وتشديد الياء. قوله: (أن ينفر إلخ الم يتعرّض لتقسيمه، كما مرّ لعدم تعفق الغرض به، وقد قسم إلى روحاني كعلم ما لهم من الرضوان وجسمانيّ، كنعيم الجنة المحسوس، ووهبي كمغفرة الله وعفوه، وكسبي كجزاء الأعمال، وقيل: ليس فيها كسبي لأنه لا يجب على الله شيء ولكل وجهة، ويبوّئه مضارع بوّأه بباء موحدة، ثم واو مشددة وهمزة من التبوئة، وهي الإسكان، وعليين أعلى الجتة، أو موضع في السماء السابعة تصعد إليه أرواح
المؤمنين، وهو في الأصل جمع علية أو عليّ بمعنى الغرفة أو لا واحد له، وجمعه جمع سلامة على خلاف القياس، وأبد الآبف ين كدهر الداهرين يستعمل للتأبيد والخلود.
وفي القاموس: الأبد محركة الدهر والجمع آباد وأبود، والدائم والقديم الأزليّ، والولد
الذي أتت عليه سنة، ولا آتيه أبد الأبدية، وأبد الآبدين وأبد الأبدين، كأرضين، وأبد الأبد محرّكة، وأبد الأبيد وأبد الآباد وأبد الدهر، وأبيد الأبيد بمعنى اهـ فالآبدين جمع آبد وهو مبالغة الأبد كما أنّ الداهر مبالغة الدهر لزيادة المبالغة بالياء والنون على خلاف القياس أو المراد بالآبد الدائم جمع بهما تغليباً للعقلاء كالعالمين وإضافة الأبد للمبالغة. وقوله: (فرط منه) بالفاء وتخفيف الراء يقال فرط من باب قتلى إذا تقدّم، والمراد ما فعله قبل من الذنوب، وهو إشارة إلى ما فيه من التخلية والتحلية. قوله: (والمراد هو القسم الأخير إلخ) أي المراد بالإنعام المدلول عليه بقوله: أنعمت النعم الأخروية، وما يتوصل بها إليها من الدنيوية، كتزكية النفس وما معها لا ما قبله لأنه لا يخص المؤمن، فلا وجه لإدراجه في الدعاء بنيله ولا يرد عليه أنه داخل في الوصلة، وإن لم يختص، فلا حاجة إلى حمل ألوصلة على ما يشمل القريبة والبعيدة ويتكلف تاويله والتعبير بالماضي لتغليب ما مضى منه لتوقف النعم الأخروية عليه، وإن كانت أجل، وقيل: إنه لتحققه أو لأن المراد أنعمت عليهم في علمك ففيه استعارة تبعية، والأوّل أحسن وأولى، وفي كلامه إشارة إلى ما ارتضاه من تفسير الذين أنعمت عليهم بالمؤمنين لا أنه شامل لجميع المكلفين كما توهم، وقيل: إنه يلزمه جعل ترك الأولى من الأولياء والأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الزلات المغتفرة إلاً أن يجعل الأوّل للمذنب والأخيران للمعصوم مع أنه، وإن خالف صريح كلامه غير محتاج إليه رأساً ولا مخالفة بين المصنف والزمخشريّ، كما توهمه السيوطي، وعبارته في الكشاف: الذين أنعمت عليهم هم المؤمنون، وأطلق الإنعام ليشمل كل إنعام لأنّ من أنعم الله عليه بنعمة الإسلام لم تبق نعمة إلاً أصابته واشتملت عليه، وإنما عدل عنه المصتف ﵀ إلى ما هو أخصر وأظهر لما يوهم من مخالفة ما تقرّر في الأصول، إذ لم يفرق فيه بين المطلق والعامّ مع ظهور الفرق بينهما، وهذا إنما نشأ من عدم الفرق بين المطلق اللغوي والأصولي، والمراد الأوّل كما أشار إليه في الكشف، وأوضحه قدس سرّه فقال: المراد أنه لم يقيده بشيء معين مما يتعدى إليه بالباء ليستغرق بمعونة
стр. 138
المقام كل إنعام بنعمة ولما كان هذا الشمول ادّعائياً قال: لأنّ من أنعم إلخ ومن لم يفهم ما قالوه هنا قال بعدما أورد من كلامهم أقول ينافي هذا التأويل إسناد العموم إلى الإطلاق إذ لو قيد وقيل: أنعمت عليهم بنعمة الإسلام، أو الذين أنعمتة عليهم يستفاد منه العموم، ولا دخل للإطلاق في إفادة العموم فحينئذ يكون الحذف للاختصار، ويمكن أن يجاب عنه بأنه ليس المراد أنّ مفعول أنعمت المحذوف هو نعمة الإسلام حتى يرد عليه ما ذكر بل هو عام، وجعل المطلوب باهدنا
الذي هو سلوك طريق الإسلام عامّا إنما استفيد من تقييد الطلب بصراط من أنعمت، وتعليقه به على ادّعاء إن الإسلام كل نعمة، وقد خبط خبط عشواء، ولم يهتد للصراط المستقيم وهو أظهر من أن يخفى. قوله: (يشترك إلخ (في بدائع ابن القيم اختلف السلف هل لله على كافر نعمة فقيل: لا نعمة له عليه لظاهر قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ﴾ [مريم: ٥٨] الآية وقيل: قد يكون منعماً عليه، والصواب إنّ مطلق النعم يعم البرّ والفاجر والنعم التامّة مختصة بالمؤمنين لاتصالها بسعادة الأبد وهو الحق اهـ وهو ملخص كلام الإمام هنا. قوله: (بدل من الذين أو صفة إلخ) قدم البدلية إشارة لترجيحها لما فيها من وجوه المبالغة والنكت السالفة، وهو بدل كل من كل ولم يجعله بدلاً من ضمير عليهم لا لأنه يلزم خلو الصلة عن الضمير لأنّ المبدل منه ليس في نية الطرح حقيقة، كما يتوهم بل لأنه لا يخلو من الركاكة بحسب المعنى، وهذا مختار أبي عليّ، وقول أبي حيان: إنه ضعيف لأنّ غير في أصل وضعه صفة بمعنى مغاير والبدل بالوصف ضعيف ولذا أعربه سيبوبه صفة غير متجه لأنّ غير أغلبت عليه الإسمية، ولذا كان في الأكثر غير مجرى وقدم الصفة المبينة، وهي الكاشفة المنزلة منزلة التعريف كما صرّحوا به، لأنّ المنعم عليهم بالإسلام المهتدين لطريق الاستقامة لا يكونون من أهل الغضب، واذا أريد بهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فالأمر ظاهر، ولذا لم يبينه صريحاً لأنّ قوله على إلخ يحتمل رجوعه إلى الوجوه الثلاثة أماة الآوّل فلكونه عينه ولأنّ الصفة والموصوف كشيء واحد لما مز، ومنهم من أرجعه إلى الأوّل فقط وجعل قوله هم الذين سلموا نظير ما مرّ من قوله فهو المشخص المعين، وهذا بناء على ما وقع في بعض النسخ، وهو بدل من الذين على معنى أنّ المنعم عليهم هم الذين سلموا من الغضب والضلال، أو صفة له مبينة أو مقيدة على معنى أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة، وهي نعمة الإيمان وبين السلامة من الغضب والضلال اهـ وهذه عبارة الكشاف بعينها وفي بعض الحواشي هنا تصخيح هذا الوجه أيضا فيتجه حينئذ وقال قدس سرّه: إذا جعل غير المغضوب بدلاً من الذين أريد بالثاني الذات مع قصد تكرير العامل وتفسير المبهم، فيؤخذ منه تلك المبالغات، فقوله: هم الذين سلموا نظير لقوله: فهو المشخص المعين، وبذلك يظهر أن الإبدال أوقع، وإن جعل صفة كان المعنى أنهم جمعوا بين النعم المطلقة التي أثبتت لهم بطريق الصلة وبين السلامة التي أثبتت لهم بطريق الصفة، وفي قوله: ههنا نعمة الإيمان إشاوة إلى أنّ الإيمان متحد بالإسلام ومشتمل على الأعمال كما هو مذهبه، وحينئذ يكون الوصف بالسلامة من الغضب والضلال بعد إثبات ألإيمان تأكيداً لا تقييداً وتخصيصا، وهو المراد بالصفة المقيدة إلآ إذا حمل الإيمان على التصمديق وحده أو مع الإقرار كما ذهب إليه غيره اهـ. ومما مرّ علم معنى المبينة والمقيدة وأنّ الإيمان إن شمل الأعمال فالصفة مبينة والآ فهي مقيدة، وقد أورد على ما في الحواشي الشريفية أنّ قوله، فهو المشخص المعين حكم على البدل بالتشخص
والتعين بما يشتمل عليه المبدل منه من الصفة الذي هو كالعلم فيها، وقوله: هم الذين سلموا حكم على المبدل منه بالبدل وانحصار الأوّل في الثاني، أو عكسه بل هو حكم بالاتحاد، وهو المناسب لكون الثاني تفسيرا للأوّل فكيف يكون نظيراً له، ويمكن أن يقال إذا أريد به قصر المسند إليه على المسند أفاد ما يفيده. قوله: فهو المشخص المعين إلخ من الحصر. وهذه العبارة في كلام المصتف ﵀ نظير قوله الطريق المستقيم ما يكون طريق المؤمنين لا نظير قوله: طريق المسلمين هو المشهود عليه بالاستقامة، ثم جعله بدلاً على تقدير كون الموصول عبارة عن كمل المؤمنين المشتمل إيمانهم على الأعمال والمراد بالمغضوب عليهم والضالين مطلقهما كما يشعر به
стр. 139
قوله سلموا من الغضب والضلال، ليكون ذات البدل عين ذات المبدل منه، وان اكتفى في اتحادهما ذاتا بمجرد صدق أحدهما على ما صدق عليه الآخر، فلا يخفى أن ما ذكر من الفائدة يتوقف على ما ذكرنا وتعقب هذا بأنه صح عن النبيّ ﷺ ، كما في الدرّ المنثور وغيره أن المغضوب عليهم اليهود والضالين النصارى، فلو كان الموصول عبارة عن مطلق المؤمنين وأبدل منه غير الفريقين كان حسناً بلا محذور وحينئذ يفسر قول المصنف ﵀ سلموا إلخ بالسلامة عن مثل الغضب والضلال الكائن فيهما، ومنهم من قال في تفسيره: إنه قد سبق أنّ المراد بالموصول المؤمنون، وقيل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقيل أصحاب موسى وعيسى إلخ فإن كان الأوّل، فالمراد بالمغضوب عليهم والضالين إن كان الذين أريد الانتقام منهم والعادلين عن الطريق السويّ، أو العصاة والجاهلين بالله فالصفة مقيدة إلاً أن يراد المؤمنون إيمانا كاملاَ كما يدل عليه قوله فيما سيأتي لأنّ المنعم عليه من وفق للجمع بين معرفة الحق لذاته والخير للعمل به، وإن كان اليهود والنصارى فمبينة بل مؤكدة وان كان الثاني فمبينة على أي تفسير فسر المغضوب عليهم والضالين، وإن كان الثالث فكالأوّل، ثم إنّ قوله فيما سبق والمراد هو القسم الأخير إلخ يشير إلى وجه آخر، وهو أنّ المراد بالموصول المنعم عليهم بالنعم الأخروية، وما يتوصل به إليها من الدنيوية فإن حمل على المنعم عليه بجميع ذلك فالصفة مبينة، وان حمل على المنعم عليه في الجملة فمقيدة على المعنى الأوّل والثاني للمغضوب عليهم والضالين، ومبينة على المعنى الثالث. قوله: (على معنى أنّ المنعم إلخ) قيل فيما مرّ دلالة على أنّ الإيمان ينافي العصيان. وقوله: (على معنى إلخ) إنما يلائم الابدال والوصف الكاشف لا الوصف المقيد المخصص لأنّ المنعم عليه على هذا التقدير يكون أعمّ، فلا يصح الحمل هو هو إذ لا يقال الحيوان هو الإنسان، فكان عليه أن يؤخر قوله أو مقيدة عن هذا التفسير لثلا يقع الفصل بالأجنبي بين المفسر والمفسر، وهذا مع أنه غير مسلم إنما يرد على غير ما في النسخة الأولى، وقيل إنه إشارة إلى حمل الموصول على المؤمنين والنعمة على الإيمان والمغضوب عليهم والضالين على الأوّل أو الثاني، ويجوز أن
يراد أيضاً أنها مبينة بحسب الظاهر، ومقيدة بحسب العاقبة والنظر إلى الموافاة، ثم إنّ لفظ الذين يقع صفة وموصوفاً بخلاف من وما من الموصولات فإنهما لا يوصف بهما كما في الرضى وغيره من كتب العريية، وفي نسخة بين النعم المطلقة التي أثبتت لهم بطريق الصلة، وبين السلامة من الغضب والضلالة التي أثبتت لهم بطريق الصفة وسمي الإيمان نعمة مطلقة لاشتماله على سعادة النشأتين، فكأنه مشتمل على جميع النعم فينصرف المطلق إليه. قوله: (وذلك إنما يصح الخ) إشارة إلى الوصفية أو اصا سبق، وهو جواب عن سؤال مقدّر وهو أن غير أو مثلاَ ونحوهما من الأسماء المتوغلة في الإبهام قال النحاة: إنها لا تتعرّف بالإضافة، فلا يوصف بها المعرفة ولا يبدل على المشهور من مغ إبدال النكرة من المعرفة كما سيأتي، فما وجه ما مرّ من تجويز ما ينافيه فأجاب بوجهين إمّا من جانب الموصوف أو من جانب الصفة، فالأوّل أنّ الموصوف هنا معنى كالنكرة، فيصح أن يوصف بها لأنه لم يرد بالذين أنعمت عليهم قوم بأعيانهم ولا جميعهم، فهو عهد ذهني وحكمه حكم النكرة وإن جاز مراعاة لفظه، وظاهره بمعاملته معاملة المعرفة والموصول حكمه حكم المعرف باللام، فتجري فيه أقسامه وأحكامه هذا محصل ما قرّروه هنا، ولما وود عليه أنّ الموصول حمل أوّلاً على المؤمنين أو أصحاب موسى وعيسى أو الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهو معهود خارجيّ ولو سلم عدم العهدية في الأوّل، فلا ينبغي سلبها على الإطلاق لعدم جربه على جميع الوجوه أشار الشارح المحقق إلى دفعه بأنه جواب جدليّ أي لا نسلم أنّ غير المغضوب على تقدير الوصفية صفة للمعرفة، ولو سلم فلا نسلم أنه نكرة ومعوّل الزمخشريّ على تعريف غير، ولذا أخره وقال قدّس سرّه: يجوز أن يريد بما ذكره أو لا طائفة من المؤمنين لا بأعيانهم وإذا حمل على الاستغراق المتبادر من العبارة تعين أن يكون ما ذكر في الجواب وجهاً رابعاً لتلك الثلاثة، وهو العهد الذهني كما يشهد له. تشبيهه بقول الشاعر، وذكر بعضهم أنّ المستغرق لا يحيط العلم بحصره لكثرته فاشبه النكرة، وعومل معاملتها، وهذا مع كدم اشتهاره في الاسنعمال يدفعه
стр. 140
ذلك التثبيه دفعاً ظاهراً، واعترض عليه بأنه تعسف يأباه النظر الصحيح، وحمل الموصول على ما ذكر مع بعده غير مناسب لجعل طريقهم مشهودا عليه بالإشقامة علماً فيها مع أنه يؤل بالآخرة لذلك، ولا فرق بين كونه جدلياً، وكونه وجها آخر غير ما قدّمه (بقي ههنا بحبث ينبني التنببه له) : فإنّ أهل الأصول جعلوا الموصول من صيغ العموم. والنحويون وأهل المعاني، جعلوه معرفة، وقالوا تعريفه بالعهد الذي في الصلة على ما حقق في شرح الرسالة الوضعية وكلامهم هنا على أنّ المقصود من الموصول أما المعهود الذي هو حصة معينة من الجنس أو الجنس من حيث تحققه في ضمن فرد مّا، وهذه مسالك متباعدة أو متنافية متنافرة، وقول المحقق هنا بعدما قرّر الجواب نعم يتجه أن يقال: جواز الوصف بالنكرة إنما يكون إذا أريد البعض المبهم كاللثيم ولا
كذلك الموصول ههنا فكأنه مال إلى تعريف غير وعول عليه، ولذا أخره ليس بشاف فليحرّر وقوله كالمحلي باللام هذه عبارة مشهورة لأهل العربية، فيقولون للمعرف باللام محلي جعلوا التعريف حلة للنكرة، فهو استعارة صار حقيقة اصطلاحية فيما ذكر، وقيل إن التعبير إشارة إلى أن اللام لمجرّد تزيين اللفظ من غير زيادة معنى فيه. وفيه نظر. قوله: (ولقد أمرّ على اللئيم إلخ) هذا الشعر لرجل من بني سلول وهو هكذا:
ولقدأمرّعلى اللئيم يسبني فمضيت ثمت قلت لايعنيني
غضبان ممتلئاعليّ إهابه إني وربك سخطه يرضيني
وروى فأعف ثم أقول وكون جملة يسبني صفة أظهر دلالة على المعنى المقصود منه،
وهو التمدّح بالوقار لأنّ المعنى على لئيم عادته المستمرّة سبه لي، وهو اقعد وأدل على ما أراد ولا شك أنه لم يرد كل لئيم ولا لئيماً معينا وأمرّ بمعنى مررت، وعبر بالمضارع حكاية للحال الماضية كما في خصائص ابن جني أو للاستمرار التجددي وهذا أولى من جعل قوله: فمضيت قرينة على أنّ المراد بأمر مررت فمضيت بمعنى أمضي، وعبر به للدلالة على تحقق إعراضه عنه، ولم يرتضوا الحالية في جملة يسبني لأنّ المعنى ليس على تقييد المرور بحال السب بل على أنّ مروراً مستمرّا في أوقات متعاقبة على لئيم مّا من اللئام اتخذ سبه دأبا له، وهو يضرب عنه صفحا لاغضائه عن السفهاء وقد قالوا ما تساث اثنان الآ غلب ألامهما فالسكوت أجمل، وقال بعض الأعراب:
لايغضب الحرّعلى سفلة ~ والحرّ لا يغضبه النذل
إذا لئيم سبني جهده ~ أقول زدني فلي الفضل
ولذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] ولا يعنيني بمعنى لا يريدني أو لا يهمني الاشتغال به، والانتقام منه وقيل: كأنه يسب نفسه في تصوّرها بصورة أخرى وثمت، ثم العاطفة، وتختص زيادة التاء فيها بعطف الجمل عند المازني وخالفه بعض النحاة فيه، وهي هنا للتراخي في الرتبة. قوله: (إني لامرّ إلخ) مثال آخر لما لا يتعرّف بالإضافة، وقد وصف به المعرفة لأنها في معنى النكرة، وهو أظهر في الوصفية من البيت لاحتمال الحال فيه، وذهب الأخفش إلى أنّ اللام في هذا المثال زائدة، وارتضاه أبو علي وابن جني ورده غيرهم من النحاة، وفي الدرّ المصون: إنّ الموصول لإبهامه يشبه النكرة فيصح أن يوصف بالنكرة وإن لم يؤوّل وفيه نظر. قوله: (أو جعل غير معرفة بالإضافة إلخ) قال صدر الأفاضل: غير لها ثلاثة مواضع أحدها أن تقع موقعاً لا تكون فيه معرفة وذلك إذا أريد
بها النفي الساذج نحو مررت برجل غير زيد الثاني أن تقع موقعا لا تكون فيه إلأ معرفة، وذلك إذا أريد بها شيء قد عرف بمضادّة المضاف إليه في معنى لا يضاده فيه إلاً هو، كما إذا قلت مررت بغيرك أي بالمعروف بمضادّتك إلاً أنه في هذا لا يجري صفة، فتذكر غير جارية على موصوف الثالث أن تقع موقعاً تكون فيه نكرة تارة ومعرفة أخرى كقولك مررت برجل كريم غير لئيم اهـ قيل ومن هنا تبين أنّ من قال: إنها لا تتعرّف أصلاً لم يصب، وكذا ما قاله المصتف هنا لأنّ ما ذكر لم يعرف بمضادة المضاف إليه، وهو الشرط فلا تعرف وان سلم فهي لا يوصف بها فلا يفيده ما ادعاه شيئاً، وليس بشيء فإن المغضوب عليه ضد للمنعم عليه، وانكاره مكابرة، وأمّا كونه لا يقع صفة، فلا بدّ له من دليل وكلام صدر
стр. 141
الأفاضل لا يعارض ما قاله مثل الزمخشريّ، وابن السراج، وقد نقله أبو علي في التذكرة عن الفراء، وناهيك به إلآ أنّ أبا عليّ ردّه في التذكرة بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧] وأجاب عنه ابن الصائغ في حواشيه على الكشاف بأنّ صالحا حال قدّمت على صاحبها، وهو غير الذي أو غير الذي بدل من صالحا، ولو قيل: ضد الصالح الطالح، والذي كانوا يعملون فرد من أفراده، فليس بضد لم يبعد، ثم إنّ ما ذهبوا إليه من عدم تعرّف مثل وغير وحسب وسوى اختلفوا في وجهه فقال ابن السراج والسيرافيّ: هو شدّة الإبهام لأنّ غير صالح لكل مغاير.
وقال سيبويه والمبرد: هو كونه بمعنى اسم الفاعل، وهو مغاير ومماثل وكاف وما ذكره المصثف ﵀ كما في الدرّ المصون إنما يتمشى على مذهب ابن السراج، وهو مرجوح أمّا على مذهب سيبويه فلا لأنّ ما إضافته غير محضة إذا قصد به الثبوت يتعرف بالإضافة كما مرّ، وأحد الضدين هنا المنعم عليه لأنّ المراد به المؤمنون الكاملون علماً وعملاً، والآخر المغضوب عليهم إن اتحدوا مع الف لين أو مجموعهما إن لم يتحدوا فلا يرد أنه ليس له ضد وإحد بل ضمدان، وضمير هو للضد والضمير في يتعين لغير وقوله تعين الحركة غير السكون في نسخة من غير السكون بمعنى تبينها بها وغيرها.
وبضدها تتبين الأشياء والبحث هنا بأنه كما لا يجوز وصف المعرفة بالنكرة لا يجوز إبدالها منها.
والجواب عنه بأنّ ذلك إنما هو إذا لم يفد البدل معنى زائدا على المبدل منه، فإن أفاده
جاز كمررت بابنك خير منك غير متجه لما عرفته من أنه توجيه للبدلية والوصفية معا صراحة وضمنا لاتحادهما على ما ذكر تعريفا وتنكيراً، وفي جوابه أيضا شيء، فإنهم صرحوا بجوازه مطلقاً، واشترط الكوفيون في إبدال النكرة من المعرفة شرطين اتحاد اللفظ، وأن تكون النثرة موصوفة نحو لنسفعاً بالناصية ناصية كاذبة، ووافقهم ابن أبي الربيع على الثاني وما ذكر لا يوافق
شيئاً من المذاهب فتأمّل. قوله: (وعن ابن كثير نصبه على الحال) قال قدس سرّه فلا بدّ أن يكون نكرة على الوجه الذي أشرنا إليه، وقد يجعل بمعنى مغاير لتكون إضافته لفظية، كما يشهد له إدخال اللام عليه في عبارة كثير من العلماء لكنه مما لا يرتضيه الأدباء، وقالوا لم نجد له شاهدا في كلام يستشهد به اهـ وما أشار إليه هو كون التضاد ليس بمحقق، فيكون نكرة على أصله من مذهب ابن السراح وكونه بمعنى مغاير مذهب سيبويه كما مرّ، وفي قوله لتكون إضافته لفظية قصور ظاهر مما أسلفناه، وأيضا إذا لم يكن دخول اللام عليه مرضيا للأدباء وهم علماء العربية ومنهم أهل اللغة كيف يتأتى استشهاده به. وفي المصباح لم يسمع دخول اللام عليه واجترأ بعضهم، فأدخلها عليه لأنه لما شابه المعرفة بإضافته إلى المعرفة جاز أن يدخل عليه ما يعاقب الإضافة وهو الألف واللام، ولك أن تمنع الاستدلال وتقول الإضافة هنا ليست للتعريف بل للتخصيص والألف واللام لا تفيد تخصيصاً، فلا تعاقب إضافة التخصيص مثل سوى وحسب فإنه يضاف للتخصيص ولا تدخله الألف واللام اهـ وفي الدرّ المصون تعريفه باللام خطأ وجعله حالاً من الذين ضعيف لأنه ليس من مواضع الحال من المضاف إليه، وصرح بأنّ العامل أنعمت مع ظهوره إشارة إلى اتحاد عامل الحال وذيها، فإنّ المشهور لزومه ومنهم من جوز اختلاف العامل في الحال وصاحبها كما نقله الرضى عن المالكيّ، أمّا الأوّل فظاهر، وأمّ الثاني فلأنّ الذي في محل نصب أو رفع عند التحقيق هو المجرور، وقولهم الجارّ والمجرور في محل كذا تسامح، قيل: وهو في غير الخبر وتقدير أعني مذهب الخليل، قيل: وعليه فالمراد بالذين أنعمت عليهم المؤمنون الكاملون كما إذا كان بدلاً أو صفة كاشفة، وهو بناء على ما يتبادر من أنه للتفسير، والمفسر عين المفسر، وقيل عليه: إنه غير لازم لأنه قد يراد أعني منهم، فلا ينافي العموم، وقد قال شيخنا في الآيات البينات إنّ الغالب في كلام المصنفين استعمال أي فيما هو ظاهر وأعني فيما فيه نوع خفاء وقد يستعملان بمعنى قيل وهذه الرواية عن ابن كثير شاذة خارجة عن السبعة. قوله: (أو بالاستثناء إلخ) قد تقرّر في النحو أنّ غيرا يستثنى بها، فتكون منصوبة عن تمام الكلام عند المغاربة، كانتصاب الاسم بعد إلاً عندهم واختاره ابن عصفور، وعلى الحال عند الفارسيّ، واختاره ابن مالك، وعلى التشبيه بظرف المكان عند جماعة، واختار. ابن الباذس وقوله
стр. 142
بالاستثناء يجري على الأقوال والظاهر أنه على الأول منها، والمراد بالقبيلين في كلامه المؤمن والكافر لأنّ مطلق النعم على ما مرّ يشملهما، وقيل: المغضوب عليهم والضالين، والأوّل هو الصحيح وإنما قيده بذلك ليكون الاستثناء متصلاً على الأصل وليس بلازم، وقد ذهب جماعة هنا إلى أنه منقطع فلا حاجة له غير بيان الراجح عنده، وقد اعترض الفراء على الاستثناء بأنّ لا لا تزاد إلاً إذا تقدمها نفي كقوله:
ما كان ب رضى رسول الله فعلتها والطيبان أبو بكر ولا عمر
ومنع مستندا إلى أنها وردت زائدة من غير تقدّم نفي كقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف، الآية: ١٢] وقوله:
وتلحفني في اللهو أن لا أحبه وللهو داع دائب غير غافل
وغيره مما لا يحصى من الشواهد، وكأنه أراد أنها لا تزاد بعد الواو العاطفة، وحينئذ لا
يتم السند فتأمّل. قوله: (والنضب إلخ) الثوران بفتحات كهيجان لفظاً، ومعنى من ثار يثور إذا تحرّك بسرعة، والنفس تطلق على معان منها الذات والروح، والدم والقوى الحيوانية المقابلة للقوى العقلية، كما قاله الغزالي ﵀ في كتاب معارج القدس. والمراد هنا إمّا النفس الناطقة لأن الغضب من كيفياتها أو الدم كما قال الراغب الغضب ثوران دم القلب لأنه يكون من تحرّك الحرارة الغريزية لحركة النفس ولذا ورد في الحديث: " اتقوا النضب فإنه جمرة تتوقد في قلب ابن آدم " ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه، والدم مركب الروح الحيواني، فلذا احمرّ الوجه وانتفخت العروق حينئذ، ويجوز أن يراد بها القوى الحيوانية، والانتقام افتعال من النقمة وهي العقوية قال تعالى: ﴿فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٦] أي عاقبناهم أشد عقوبة، وقوله إرادة منصوب على أنه مفعول له، والغضب فسر تارة بحركة للنفس مبدؤها إرادة الانتقام كما في شرح المفتاح للسعد وتارة بإرادة الانتقام كما في شرح الكشاف له، وتارة بكيفية تعرض للنفس، فيتبعها حركة الروح إلى خارج طلباً للانتقام كما في شرح المقاصد، ويقرب منه ما قيل إنه تغير يحدث عند غليان دم القلب وقال قدّس سرّه: إنه سبب قريب لإرادة الانتقام، وسبب بعيد لنفس الانتقام، وأمّا شهوة القلب للانتقام وميله إليه فمتقدّمة على الغضب، ولذا وفق بعض المحققين بين جعل إرإدة الانتقام متقدمة تارة ومتأخرة أخرى بأن قال: إرادة الانتقام سبب الغضب إرادة بالإرادة الشهوة، وغايته إرادة الضرر، فقول المصتف ﵀ أرادة الانتقام إمّا علة متقدّمة أو غاية متأخرة، وعلى الأوّل فمراده بالمنتهى الانتقام، وعلى الثاني إرادته أو نفسه إطلاقا لاسم السبب على مسببه القريب أو البعيد. قوله: (على ما مرّ) أي في أسمائه تعالى قال العلامة القرافي في كتاب القواعد: كل ما يستحيل حقيقة عليه تعالى، فهو محمول على المجاز كالرحمة والغضب، واختلف السلف فيه فقال الأشعريّ: المراد به إرادة الإحسان، وارادة العقاب. وقال أبو بكر الباقلاتي: المراد أنه يعاملهم معاملة الراحم والغضبان، فيراد بالأوّل الإحسان نفسه، وبالثاني العقاب نفسه وقس عليه، وفي القرآن مواضع منها ما يشهد للأوّل كقوله تعالى: ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر:
) ١ (أخرجه الترمذي ٩٢ ١ ٢ وأحمد ٣ لم ٣١٩ وأبو يعلى ١ ٠ ١ ١ من حديث أبي سعيد الخدري مطولاً، قال الترمذي: حسن صحيح اهـ. وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف.
وأخرجه الديلمي ٤٣١٣ من حديث أنس.
٧] فإن الاقتران بالعلم والوصف بالسعة لعموم تعلق الإرادة، ومنها ما يشهد للثاتي كقوله: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي﴾ [٠٠٠:. . .] فإنّ الإشارة للسدّ وهو إحسان منه، ومنها ما يحتملهما كما في الفاتحة اهـ.
وما ذكره المصنف رحمه الله تعالى أخذه بحروفه من التفسير الكبير، وقولهم إنما يؤخذ باعتبار الغايات دون المبادي الحصر فيه إضافيّ، والمراد بالمبادي مبادبه المخصوصة المستحيلة على الله كرقة القلب وثورإن النفس، فلا يرد عليه أنه قد يؤخذ باعتبار الأسباب كما اختاره التفتازاني، وقد يجعل اسنعارة من غير نظر للمباديء والغايات كما سيأني وما في الكشاف من أن معنى غضب الله إرادة الانتقام من العصاة وإنزال العقوبة بهم وأن يفعل بهم ما يفعله الملك إذا غضب على من تحت يده حمله الشارح المحقق على أنّ الغضب مجاز عن سببه، وهو إرادة الانتقام وضبط إنزال العقوبة بكسر اللام عطفاً على الانتقام، وكذا وأن يفعل، وقال قدّس سرّه: الغضب والرحمة من الأعراض النفسانية المستحيل إطلاقها عليه تعالى، فيصرف الكلام عن ظاهره، وذلك من وجوه الأوّل أن تجعل الرحمة إرادة الإنعام والغضب إرادة الانتقام إطلاقا لاسم السبب. على المسبب القريب
стр. 143
الثاتي أن يجعلا مجازاً عن الإنعام والانتقام إطلاقا لاسم السبب على المسبب البعيد الثالث أن يحمل الكلام على الاستعارة التمثيلية، والمصنف اختار في الرحمة الثاني وفي الغضب التمثيلية بأن تشبه حاله تعالى مع العصاة في عصيانهم له، وإرادته الانتقام منهم وإنزاله العقوية بهم بحال الملك إذا غضب على من عصاه فأراد أن ينتقم منه ويعاقبه ألا ترى إلى قوله: وأن يفعل بهم إلخ فإنه نبه به على علاقة المشابهة، وإلى اعتبار التركيب حيث قال: هو إرادة الانتقام، وإنزال العقوية برفع اللام كما في النسخ المعوّل عليها فقوله، وان يفعل مرفوع المحل أيضاً، وتوهم الجر لجعل الغضب مجازاً عن الإرادة لا الانتقام والرحمة الإنعام دون إرادته إشارة إلى سبق رحمته غضبه مخالف للنسخ ولا يكون لقوله: وإنزال العقوبة فائدة وعليه، فالتعرّض للتشبيه مستدوك فالواجب أن يقال لأنّ الملك إذا غضب على من عصاه أراد أن ينتقم منه ونكتة السبق مجرّد تخيل، فإنّ إرادته تعالى إذا تعلقت بأفعاله أفضت إليها إجماعا، والوصف بالإنعام والانتقام أقوى في الترغيب والترهيب من الوصف بإرادتهما، وقال ابن جني: إنه صرح بإسناد النعمة إليه تقرباً وروى عنه إسناد الغضب تأدّباً كأنه قيل: الإنعام فائض من جنابك، وأمّ أولئك فيستحقون أن يغضب عليهم.
(أقول) لنا فيه كلام من وجوه:
(الأوّل) إنّ تأييد الرفع الذي بنى عليه بعض مدّعاه بصحتة رواية لأنه الموجود في النسخ المعتمدة مع أنه ضبط قلم معارض بأن قوام الدين الاتقاني ضبطه بكسر اللام، وقال فيما كتبه عليه: هكذا هو بخط المصنف، كما في بعض الحواشي.
(الثاني، اًنّ قوله: ولا يكون لقوله: وانزال العقوبة فائدة ليس كما قال بل له فائدة أحسن
مما ذكره، وهو تفسير الانتقام إذا وصف به العزيز المنتقم لأنه قد يكون بمعنى الإنكار كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البروج: ٨، وتشفي النفس كعطفه عليه عطفاً تفسيريا للاحتراز وأقي فائدة أتتم من هذه.
(الثالث) أنّ ما عوّل عليه من استدراك التشبيه غير وارد لأنّ هذه عبارة السلف كما أسلفناه وفيها معنى دقيق، وهو الإشارة إلى أنّ هذه السببية معروفة مشهورة، وأنها باعتبار غضب العظماء، فإنّ غضب غيرهم لا يلزمه ما ذكر وأن أفعاله تعالى لا ترتبط بالأسباب وانما هو جار على نهج كلامهم فتدبر.
(الرابع (أنه يلزمه أن تكون هذه الاستعارة التمثيلية مما اقتصر فيه على ذكر بعض ألفاظ الهيئة المشبه بها كما سيأتي في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى﴾ [ممورة البقرة: ٥] وأنه إنما يكون إذا كان مدلوله هو العمدة في تلك الهيئة كما حققه ثمة ولا شك أنّ معنى الغضب ليس كذلك بل قيل: إنه ليس من أجزاء الهيئة المشبه بها إذ لا نظير له في الهيئة المشبهة وأمّا قوله وأن يفعل إلخ فظاهر مما مرّ وقيل إنه إشارة إلى أنّ علاقة السحبية في نوع المعنى المجازي كما ذكر أنّ الرحمة مجاز عن إنعامه لأنّ الملك إذا عطف على رعيته ورق لهم أصابهم بمعروفه وانعامه. وقوله هو أي غضب الله إرادة الانتقام لا يلائم الاستعارة التمثيلية فإنها جميع الألفاظ الدالة على الهيئة المشبه بها ولا شيء منها بمستعمل في غير ما وضع له وانما يراد بالمجموع الهيئة المشبهة، فلا يكون معنى غضب الله ما ذكره والآ لكان مستعملاَ فيه، وليس كذلك كما عرفته فاعرفه ترشد.
(الخاس) أنّ قوله: ونكتة السبق مجرّد تخيل إلى السبق المذكور ورد في الحديث الصحيح،، فلا يصح أن يقال فيه أنه تخيل وانما أراد أنّ ابتناء تفسير الرحمة بالإنعام، والغضب بإرادة الانتقام عليه مجرّد تخيل لا يدل عليه كلام الزمخشريّ، ولا يقتضيه النظم القرآني، ومثله الغاز لا يليق ببلاغة القرآن، فإن أردت توضيحه فاصح لما يتلى عليك فنقول السبق فسر في الحديث بمعنا. الظاهر، وهو التقدّم، وبالغلبة أي الزيادة الكثيرة، فلما جعلت الرحمة، والغضب تارة من صفات الأفعال وأخرى من صفات الذات جاز حملهما معا على أحدهما، وحمل أحدهما على وجه دون لآخر، فالاحتمالات أربعة والظاهر كونهما على نهج واحد، ولا يعدل عنه إلاً لنكتة يخصصها المقام فيجعل اقتضاؤه قرينة على تغايرهما، والزمخشريّ لما فسر الأول بالإنعام الذي هو صفة فعل، والثاني بالإرادة التي هي صفة ذاتية، ومثله لا يقرع له العصا علم أنه أنسب بالنظم، وهو كذلك لأنه قدم لفظاً وكرر معنى، وص هح بوقوعه في قوله أنعمت، فناسب ذلك تفسيره بالإنعام، لأنه وصف جميل وهو في مقام المدح والامتنان يقتضي الوقوع
عاجلاً وخير البرّ عاجله، فينبغي تفسيره بما يدل على ذلك
стр. 144
وهو الإنعام والانتقام العقاب، فهو وعيد تمدّح بخلفه ولذا قال الطيبي ﵀ غضبه تعالى على عباده وعيد، وهو كريم يتجاوز عنه بفضله كما قال:
واني وان أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
فلا يرد عليه أنّ الإرادة صفة ذاتية قديمة، فتفسير الرحمة بالإرادة أوفق للحديث، وأمّا
كونه أنسب بمقام الترغيب والترهيب فقد يقال: المقام مقام ترغيب لا غير فنفي إرادة الانتقام أبلغ من نفيه، وأنسب لحال المؤمنين المقصودين بالذات هنا، ثم إق الغضب وان كان منفيا صريحا فهو مثبت ضمناً، وقد أسند إليه في غير هذه الآية فلا يرد أن ادخمضب منفيّ فلا حاجة للتجوّز فيه، وسيأتي تحقيقه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي﴾ [البقرة: ٢٦] الآية وأمّا ما قيل: من أنّ الغضب مشترك بين ما ذكرو.، وبين ما يصح إطلاقه عليه تعالى كالإرادة المذكورة فإطلاقه على الله حقيقة كغيره من الصفات التي تطلق على العباد كالسميع البصير إن أراد أنه كذلك في الوضع اللغوي، فمخالف للمعقول والمنقول، وان أراد في عرف الشرع ولسانه جاز لكنه لا يرد على من حقق مجازيته، ونحن أطلنا هنا فإنه لا يسأم من الخير. قوله: (وعليهاً في محل رفع إلخ (لا يخفى أنّ معنى الإعراب المحليّ أن يكون فيما لا يقبل الإعراب لفظاً، كالمبني والجمل بحيث لو حل محله اسم مفرد خال من موانع الإعراب كلها مستوف لشرائطه أعرب بذلك الإعراب، ولا يشترط أن يكون قابلاً للإتصاف به بالفعل، إذ لا يتصوّر فيما مرّ مع اتفاقهم على إعرابه محلاً، فلا معنى لما قالوه هنا من أنّ في هذا تسمحا إذ ليس في محل الرفع إلاً المجرور، إلاً أنّ الخبر إذا كان ظرفا أو جاراً ومجرورا فهو كله في محل رفع لأنه القائم مقام الخبر عندهم، وفي الحجة أنّ حروف الجر تنزل منزلة بعض حروف الفعل فباء ذهب به بمنزلة همزة أذهبه، وقد تنزل منزلة بعض حروف الاسم المجرور بها في حكم الإعراب، وما قيل من أنّ نائب الفاعل فاعل عند نحاة البصرة ومن تبعهم، وليس بفاعل عند ابن الحاجب وغيره من النحاة، وكلام المصتف بناء على المذهب الثاني إلأ أنه خالفه في سورة الجن في إعراب قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ا] فأعربه فاعلاً الأمر فيه سهل لمن تدبز. وقوله: (بخلاف الأوّل) هو عليهم في أنعمت عليهم، فإنه في محل نصب على المفعولية. قوله: (ولا مزيدة إلخ) قيل كلمة لا في ولا الضالين مزيدة عند أهل البصرة بل وانما تزاد بعد الواو العاطفة في سياق النفي للتأكيد وا أضصريح، لشمول النفي لكل واحد من المعطوف والمعطوف عليه لئلا يتوهم أنّ النفي هو المجموع من حيث هو مجموع، فليست زيادتها مؤدّية إلى لغويتها وانما ذلك بحسب أصل المعنى المراد والكوفيون يجعلونها هنا بمعنى غير، وقد مرّ أ+نه لم يقل غير الذين غضبت تأذبا فتذكره. قوله: (فكأنه قيل لا المغضوب عليهم ولا الضالين) . قيل على هذا أنّ كلمة لا في قول المصتف ﵀ لا
لث! اب / ج / م هـ ا
المغضوب عليهم ليست عاطفة، إذ لم يرد اهدنا صراط المنعم عليهم لا صراط المغضوب عليهم، فيتعين كونها بمعنى غير، وهو مقرّر عند النحاة حتى قال السخاوي: إنّ لا فد تكون اسماً مراد، فا أنحير لكنه يظهر إعرابه فيما بعده، لكونه على صورة الحرف، ولذا جاز تقديم معمول ما بعدها عليها كما سيأتي، فلا فائدة في تبديل غير بلا هنا في تصوير المعنى.
وأجيب عنه بأنه لما كانت موضوعة للنفي مشتهرة فيه فهي أمّ بابه والعلم في الدلالة عليه صارت أظهر في إفادة معناه، وهذا هو فائدة التبديل هنا، ثم إنهم قالوا إنّ معنى النفي إمّا لازم معناها كما يفيده كلام السيد السند وإمّا جزء معناها، كما يدل عليه كلام المحقق التفتازاني وعليهما، فإثبات المغايرة متضمن للنفي، فيجوز تكبده بلا، وقد ترد لصريح النفي، ولك أن تقول إنّ الأوّل بحسب معناها الوضعيّ، والثاني بحسب ما يفهم من موارد استعمالها فلا مخالفة بين الوجهين. قوله: (ولذلك جاز أنا زيدا غير ضارب إلخ) أي لأنّ غير لتضمنه معنى النفي صار بمنزلة لا في جواز تقديم ما في حيزه عليه، وإن كان السول إنما يجوز تقدمه إذا جاز تقدّم عامله، والمضاف إليه لا يجوز تقدمه على المضاف، فكذا سوله إلاً أنه لما ذكر صارت إضافته كلا إضافة وانما يمنع النفي تقدم ما بعده عليه إذا كان بما لان، فإنهما لدخولهما على الفعل والاسم أشبها الاستفهام، فطلبا صدر الكلام بخلاف لم، ولن فإنهما اختصا
стр. 145
بالفعل وعملا فيه وصارا كالجزء منه فجاز أن يقال زيدا لم أضرب وعمراً لن أضرب، وأمّ لا فإنها مع دخولها على القبيلين جاز التقديم معها لأنها حرف متصرّف فيه حيث أعمل ما قبلها فيما بعدها، كما في أريد أن لا تخرج وجئت بلا طائل، فجاز أيضاً أن يتقدم عليها سول ما بعدها بخلاف ما إذ لا يتخطاها العامل أصلاً، وإن جوّز الكوفيون تقديم ما في حيزها عليها قياساً على أخواتها.
(أقول) هذا ما قاله قدس سرّه وارتصاه هنا ولا يخفى ما فيه، فإنه لما حقق أنّ صدارة أدوات الئفي إنما هي إذا لم تختص بقبيل، وكانت لا كذلك استشعر منافاته لما هو المقصود فدفعه بأنه جاز فيها ذلك لتخطي العامل رقبتها، وهو مصادرة منافية لما أراد فإنّ تخطيه لها إنما هو لعدم صدارتها وهذا غريب منه، وقد قال أبو حيان ﵀ بعدما ذكر ما في الكشاف: أورد الزمخشريّ هذه المسئلة على أنها مسئلة مقرّرة مفروغ عنها ليقوّي بها التناسب بين غير، ولا إذ لم يذكر فيها خلافاً، وما ذهب إليه مذهب ضعيف جدّا، وقد بناه على جواز أنا زيدأ لا ضارب، وفي تقديم معمول ما بعد لا عليها ثلاثة مذاهب، وكون اللفظ يقارب اللفظ في المعنى لا يقضي له أن تجري أحكامه عليه، ولا يثبت تركيب إلاً بسماع من العرب، ولم يسمع أنا زيدا غير ضارب، وقد ذكر النحاة قول من جوّزه وردّوه اهـ. قوله: (وإن امتنع أنا زيدا مثل ضارب) تبع المصتف ﵀ فيه الزمخشريّ وهو أخذه برمته من تفسير الزجاح كما نقله الطيبي، وقد مرّ اعتراض أبي حيان عليه.
(فإن قلت) إذا كان تاويل المضاف بحرف مختلف في صدارته مجوّزاً لتقديم ما في حيزه عليه، فلم امتغ أنا زيداً مثل ضارب مع أنّ مثل بمعنى الكاف، وان كانت العلل النحوية لا يلزم إطرادها (قلت) هذا وارد بغير شبهة، وفي حواشي ابن الصائغ أنّ أبا الفتح بن جني أجازه أيضا لأنّ معنى مثل ضارب أشبه ضارباً أو كضارب، ومنعه ابن السراح على تقدير عمل المضاف إليه، وأجازه على تقدير عمل ما يدل عليه، وبه أخذ أكثر المتأخرين وابن مالك، وذكر الجرجاني في نظم القرآن أنّ فائدة دخول لا في، ولا الضالين نفي توهم عطف الضالين على الذين، وقراءة غير الضالين نسبها السجاوندي إلى عمر وعليّ وأبي بكر ﵃، وهي تؤيد كون لا وغير بمعنى لتعاقبهما ولذا أوردها المصنف وحمه الله هنا، وفي القاموس وأمّا قراءة غير الضالين فمحمولة ععى أنّ ذلدث على وجه التفسير، وفيه نظر ظاهر. قوله: (والضلال العدول إلخ) هذا كلام الراغب بعينه، والسوفي والمستوي بمعنى المستقيم، والمراد المسلوك الموصل وفسره بعنصهم بفقدان الطريق السويّ سواء وجده أو لا وهو قريب مما ذكره المصتف. وقوله:) وله عرض عريض) ذكر الأدباء كالمرزوقي وصاحب الموازنة أنّ العرض على ضربين في المجسمات وفي غيرها، وفي الثاني يراد اتساع الشيء وامتداد وقته، وأكثر ما يستعمل فيه العرض دون الطول كنعمة عريضة، وجنة عرضها السموأت والأرض فذو دعاء عريض، وربما جمعوا بينهما فقالوا عشنا زمانا طويلاً عريضا، والدهر العريض الطويل فيراد الكمال والاتساع قال كثير:
بطاحيّ له نسب مصفى وأخلاف لها عرض وطول
فهذا على التشبيه بالمجسمات والقصد إلى السعة، وقد عيب على أبي تمام قوله:
بيوم كطول الدهر في عرض مثله ووجدي ٣ ص هذا وهذاك أطول
وقيل جعل للزمان عرضا مع أنه لا حاجة إليه إذ كان بذكر الطول قد استوفى المعنى،
وهذا من قائله ظلم لأنه سلك مثل طريقه كثير من التشبيه بالمجسمة، وهذا كما قال في الأخلاق: لي عرض وطول وكذا في الزمان له كذا في عرض مثله ولا فصل.
(واعلم) أق في هذه العبارة منزعاً بديعا لم ينبهوا عليه، وهو كما أشار إليه في الأساس
أنّ حقيقة الضلال في الطريق المحسوس المسلوك لفقده، حتى لا يصل لقص ره ثم استعير لفقد العلم والعمل الموصل للسعادة، وشاع ذلك حتى صار حقيقة في عرف اللغة والشرع فقوله العدول إلخ إن أريد به ظاهره فهو بيان لمعناه الأصلي، وان أريد ما يطلق عليه الطريق القويم، والصراط المستقيم فهو بيان لمعناه الثاني المراد في النظم وعرض عريض صالح لهما كما مرّ، وان كان ما بعده ظاهراً في الثاني
следующие страницы →