← Тафсир

Тафсир · id 1535

حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي = عناية القاضي وكفاية الراضي

الشهاب الخفاجي

Полный текст (3 156 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

ويدفع بأنه تعليل لعموم رسالته المفهوم من السياق وهو مخصوص به كما تقرّر فتدبر. قوله: (فقابل ذلك بالثبات والاجتهاد الخ) أي قصر الرسالة عليه نعمة جليلة ينبغي شكرها وهو بمقابلتها بذلك لأنّ إعلاء كلمة الله لازم وليس في الوجود غيره حتى يقوم له بذلك فيلزم ما ذكر وهذا بيان لمحصل المعنى وتوطئة لقوله: ﴿فَلَا تُطِعِ﴾ الخ وبيان لترتبه عليه واقترانه بالفاء وليس في الكلام حذف وتقدير كما قيل حتى يرد أنّ فيه حذف العاطف والمعطوف ويتكلف لتوجيهه ما تكلفوه. وقوله: فيما يريدونك عليه في الأساس أراده على كذا إذا حمله عليه. وقوله: وهو تهييج أي تحريك لغيرته والا فإطاعته لهم غير متصوّرة حتى ينهى عنها وإذا خوطب بشيء تضمن خطاب أمّته فلذا قال وللمؤمنين. قوله: (بالقرآن أو بترك طاعتهم الخ) يعني أنّ ضمير به إمّا للقرآن أو للترك المفهوم من النهي والباء للاستعانة أو للملابسة. وقوله: والمعنى أي على الثاني يعني إنا عظمناك بجعلك مستقلاً بمسك الختام ليدخر لك حسن الجزاء فعليك بالمجاهدة والمصابرة ولا تعبا بما قابلوا به من الإباء والمشاجرة ومدار السورة على عموم بعثته لكافة الناس ولذا جعل براعة استهلالها تبارك الذي الخ وجوّز في الكشاف رجوعه إلى كونه نذيراً أي جاهدهم بسبب كونك نذيراً للكافة. قوله: (لأن مجاهدة الخ) بيان لكون ما ذكر جهادا كبر لأنه أشق والا لم فيه أشد لكونه روحانيا. وقوله: (فيما بين أظهرهم) خبر أن وهو بيان لكونه أكبر أيضا ولم يحمله على الجهاد بالسيف لأنّ السورة مكية. وقوله: إلى كافة القرى فهم من قوله: ولو شئنا الخ واستعمل كافة معرفة غير منصوبة على الحال وقد منعه بعضهم والجواب عنه مذكور في شرحنا للدرة. قوله: (خلاهما بالشديد) أي تركهما والمرج وإن كان مطلق الاختلاط ومنه الهرج والمرج لكن ما ذكره يفهم مما بعده إذ لو اختلطا لم تبق الحلاوة فيه والإشارة إلى كل منهما على حدة دالة على ذلك أيضا ومرح الدابة إرسالها لترعى. وقوله: هذا عذب فرات الخ إمّا استئناف أو حال بتقدير مقولاً فيه والفرات الشديد العذوبة من فرته وهو مقلوب من رفته إذا كسره لأنه يكسر سورة العطش ويقمعها كما أشار إليه المصنف والأجاح ضده وهو الشديد الملوحة، وقوله: قرئ سلح بوزن حذر هي قراءة شاذة لطلحة ابن مصرف والحامل على القول بأنّ أصله مالح فخفف إنه لم يسمع ملح بمعنى مالح ولذا أنكر هذه القراءة أبو حاتم. وقوله: كبرد في بارد يشير إلى ما سمع عن العرب في قوله: أصبح قلبي صرداً وصلياناً بردا الخ إلا أنه قيل عليه إنّ الأحسن جعله لغة أصلية أو مخفف مليح لأنه ورد بمعنى مالح لأنّ مالحاً أنكره بعض أهل اللغة وقال إنه عامي وان كان الصحيح أنه مسموع من العرب كما أثبته أهل اللغة وأنشدوا لإثباته شواهد كثيرة. قوله: (حاجزا من قدرثه) فهو كقوله: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ يريد لا عمد لها. وإنما هي مرفوعة بقدرته كما مرّ. قوله. (وتنافرا بليغاً) بيان للمعنى المراد منه وهو التمييز التام وعدم الاختلاط وقد مر أنّ حجرا محجوراً كلام يقوله المستعيذ لما يخافه كما فصلناه ثمة فأشار المصنف إلى أنه مراد هنا لكن مجازا كما في قوله تعالى: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴾ [سورة الرحمن، الآية: ٢٠] فجعل كلا منهما في صورة الباغي على صاحبه المستعيذ منه وهي استعارة تمثيلية كما في تلك الآية وتقريرها كما في شروح الكشاف أنه شبه البحران بطائفتين متعاديتين يريد كل منهما البغي على الآخر لكنهما امتنعا من ذلك لمانع ق! ي مجبر فهي مصرّحة تمثيلية بولغ فيها هنا حيث جعل المعنى المستعار كاللفظ المقول لأنّ كلاً منهما يتعوّذ من صاحبه فانقلبت المصرحة مكنية ولذا كانت من أحسن الاستعارات فلما منعه لما فيه من الاختلاط شبه ذلك المنع بجعلهما قائلين هذا القول فعبر بأنه جعل بينهما هذه الكلمة عن ذلك وظاهر تقريرهم أنه لا تقدير فيه وقد جعل بعضهم على هذا حجراً محجورا منصوبا بقول مقدر ولا بعد فيه وجوّز فيه بعضهم أن يكون مجازاً مرسلاً فاطلق حجرا محجورا على ما يلزمه من التنافر البليغ وقال إنّ كلام المصنف يحتملهما. وقوله: كان الخ بيان للزوم أو للمشابهة وما قبله بيان لحاصل المعنى والمتعوّذ بصيغة الفاعل ولما فيه من معنى التباعد علق به قوله عنه أي عن الآخر فتدبر. قوله: (وقيل حدّا محدودا) فحجرا بمعنى منعا صار بمعنى مانع فهو مجاز أيضاً والمعنى أنه منعهما عن الامتزاج حتى بعد دخول أحدهما في الآخر فقوله: وذلك إشارة إلى مزجهما

стр. 2277

مع الحدّ بينهما وفيه نوع تساهل لا يخفى. قوله: (وقيل المراد الخ) إنما مرضه لأن البرزخ إذا كان بمعنى الأرض لا يدل على كمال القدرة كما في الوجه الأول لا لإطلاق البحر على النهر العظيم لشيوعه حتى جعل حقيقة وإن لم يجعل حقيقة ففيه تغليب لكنه أورد على الأوّل إنّ عدم التغير أصلاً مع بعده مخالف للمحسوس وحيلولة الأرضى إنما هي في مجاريه والا فهو ينتهي للبحر. وقوله: فتكون القدرة في الفصل بالأرض بينهما واختلاف الصفة هي العذوبة والملوحة والعنصر هنا الماء بجملته لأنه عنصر واحد. وقوله: إن تضامت خبر أن وأن فيه مصدرية. قوله: (يعني الذي خمر به طينة آئم) فالمراد بالما " الماء المعروف وتعريفه للجنس والمراد من البشر آدم أو هو وذريته ومن ابتدائية ويسلس بمعنى يلين وقوله: أو النطفة معطوف على قوله: الذي قيل ولم يقل إنسانا لأنه مجموع البدن والروح وهي غير مخلوقة من الماء وخدس بقوله: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ﴾ [سورة النحل، الآية: ٤] وقوله: قسمه قسمين إشارة إلى أنّ الواو للتقسيم، فإنها ترد له كما ذكروه وأنّ قوله نسباً وصهراً بتقدير مضاف حذف ليدل على المبالغة ظاهرا والمراد بذي النسب المذكور لأنّ النسب إلى الآباء والمصاهرة التزوّج بالإناث. وقوله: طباع متباعدة تقدم إن الطباع تكون جمع طبع ولذا قال متباعدة والقسمان المتقايلان الذكر والأنثى وقوله ة نطفة واحدة المراد الوحدة النوعية. قوله: (ما لا ينفعهم) أي إن عبدوه ولا يضرّهم إن لم يعبدوه. وقوله: إذ ما من مخلوق ما نافية ومن فيه زائدة واستقلاله بالنفع والضرّ أي من غير إرادة الله وتقديره. وقوله: يظاهر الشيطان إشارة إلى أنّ فعيلا بمعنى فاعل كنديم وجليس بمعنى منادم ومجالس والمظهارة المعاونة والمتابعة وإذا أريد بالكافر الجنس فهو إظهار في مقام الإضمار لنعي كفرهم عليهم. قوله: (وقيل هيناً مهيناً) ففعيل بمعنى مفعول أي مرمياً به من قوله جعلته بظهر مني إذا نبذته وتركته ومرضه لأنّ المعروف ظهير بمعنى معين لا بمعنى مظهور به. وقوله: فيكون كقوله الخ أي بمعناه ويقرب منه أيضا لأنّ من وراء الظهر لا ينظر إليه ولا يكلم ومثله يواجه والظهير يطلق على الواحد والجماعة وهو على هذا مجاز عن عدم الالتفات وأمّا الآية المذكورة فمجاز أو كناية. قوله: (للمؤمنين والكافرين) أي ما أرسلناك في حال من الأحوال إلا حال كونك مبشراً ومنذراً فلا تحزن على عدم إيمانهم. وقوله: للمؤمنين والكافرين لف ونشر ويجوز تعميم الإنذار للعصاة أيضاً كما جوّزه المصنف في غير هذه الآية واقتصر على صيغة المبالغة في الإنذار لتخصيصه بالكافرين إذ الكلام فيهم والإنذار الكامل لهم وهذا هو الناسب لظاهر كلام المصنف ولو قيل إنّ المبالغة باعتباراً لكم لشموله للعصاة جاز. قوله: (على تبليغ الرسالة الخ) أو على المذكور من التبشير والإنذار. وقوله: إلا فعل من شاء يعني إنّ فيه مضافاً مقدّراً والاستثناء متصل على هذا كما صرّحوا به ولذا صرّح المصنف بالانقطاع في الوجه الثاني واسنثناؤه من الأجر كالاستثناء في قوله: ولا عيب فيهم غيرأنّ نزيلهم يعاب بنسيان الأحبة والوطن ... وهو من تأكيد المدح بما يشبه الذم كما أشار إليه المصنف بقوله فصوّر الخ وكونه متصلا بناء على الادعاء وفيه تفصيل في شرح التلخيص لا حاجة لذكره هنا. وقوله: يتقرب الخ يعني أنّ اتخاذ السبيل إلى الله أي إلى رحمته أو جنابه والمراد به لازم معناه لأنّ من سلك طريق شيء قرب إليه بل وصل. وقوله: صوره بصورة الأجر لإدخاله فيه حتى استثنى وكونه مقصوداً بالفعل وذلك إشارة إلى فعل من شاء. وقوله: قلعا إمّا مفعول له أو مصدر أو حال بتأويل قالعا وكذا قوله: إظهاراً واشعاراً أي لما يعرض للعقول القاصرة من توهم أنّ اجتهاده في دعوته حبا للرياسة أو طمعا في المال وقوله: إظهار الخ أي لإظهار شفقة النبيّ ﷺ على أمّته أو الله وضمير اعتد له أيضاً وضمير انفاعك لغير معين والمراد كل مؤمن مبلغ وقد مرّ إنّ الإنفاع لم يوجد في اللغة وبالتعرض متعلق به فهو كقول ذي شفقة عليك قد سعى لك في تحصيل مال ما أطلب منك ثوباً على ما سعيت إلا أن تحفظ هذا المال ولا تضيعه. وقوله: أجراً منصوب باعتد لتضمنه معنى الجعل وكونه وافيا أي تامّا مرضياً لحصره فيه لعدم الاعتداد بغيره. وقوله به متعلق بمرضيا

стр. 2278

لتضمنه معنى قانعاً أو الباء زائدة وضمير عليه للأجر. أو للرسول ﷺ وكون طاعتهم تعود عليه من جعلها أجرا له. ولذا ورد عنه ﷺ لي أجري وأجر من يتبعني لأنّ الدال على الخير كفاعله ولا منافاة بينه وبين الوجه الأوّل لأنّ الإشعار بناء على أن الأجر حقيقي والتصوير بناء على خلافه لأنّ الأول بالنظر إلى نفس فعلهم وهذا بالنظر إلى ما يلزمه ويترتب عليه فجاز اعتبار الأجر وعدمه. قوله: (متقطع الخ) قالا بمعنى لكن والاستدراك باعتبار أنّ المراد من شاء أن يتخذ سبيلا بالإنفاق القائم مقام الأجر كالصدقة والنفق! ة! في سبيل الله لا مطلقا ليناسب الاستدراك. قوله: (فإنه الحقيق بأن يتوكل عليه دون الأحياء) فيه إشارة إلى أنه يفيد الحصر لأنّ أصله توكل على الله فلما عدل عنه إلى ما ذكر أفاد بفحواه أن من ليس كذلك لا يصح التوكل عليه أمّا غير الإحياء يهالأصنام فظاهر وأما من يموت فلأنهم إذا ماتوا ضاع من توكل عليهم ولذا قيل إنه لا يصح لذي عقل أن يثق بمخلوق بعد نزول هذه الآية أو لأنه لترتب الحكم على وصف مناسب وهو أن المتوكل عليه دائم باق معتمد عليه فصح الحصر. قوله: (ونزهه عن صفات النقصان) قدم التنزيه لأنه تخلية وقوله: مثنيا إشارة إلى أن قوله بحمد وحال والباء للملابسة والثناء بأوصاف الكمال معنى الحمد وهو إذا وقع في مقابلة الأنعام اتحد مع الشكر الموجب للمزيد لقوله: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [سورة إبراهيم، الآية: ٧] وهو المراد كما أشار إليه المصنف. وسوابغه بالغين المعجمة بمعنى نعمه كما قال أسبغ عليكم نعمه. وفي نسخة سوابقه بالقاف بمعنى ما قدمه من النعم السابقة. قوله: (ما ظهر منها وما بطن) هو معنى خبير لأنّ الخبرة معرفة بواطن الأمور كما ذكره الراغب ومن علم البواطن علم الظواهر بالطريق الأولى فيدل عل! هما مطابقة والتزاما وقيل إنه من الجمع المضاف لأنه من صيغ العموم وهو المنايسب لتقديمه وخبيرا مفعول أو حال أو تمييز والمفعول محذوف وبذنوب صلة كفى أو خبيراً وباؤه زائدة وقوله فلا عليك إشارة إلى أن المقصود تسليته ﷺ بهذه الجملة وقوله: وقد سبق أي في سورة الأعراف وانه بكسر الهمزة أو فتحها. قوله: (ولعل ذكره زيادة تقرير (هذا على وجوه الإعراب وقد قيل إنه على الثاني أظهر وهو على الأوّل مستأنف يحتمل أن يكون جواب سؤال تقديره لم أمهلهم مع علمه بذنوبهم. والتحريض على الثاني من القرينة وهي العلم بقدرته على إيجادها في أقل من لمح البصر. وهو مروي عن سعيد بن جبير ﵁ فلا وجه لما قيل إنه بعيد لعدم القرينة الدالة عليه والتؤدة التمهل والتدرج إيجاده شيئاً فشيئاً. قوله: (إن جعلته صفة للحي) ويؤيده قراءة الجرّ في الرحمن ويحتمل نصب الذي على الاختصاص وكون الرحمن مبتدأ خبره فاسأل الخ كقوله: وقائلة خولان فانكح فتاتهم كما سيشير إليه. قوله: (فاسأل عما ذكر الخ) إشارة إلى أنّ الضمير واجع للخلق والاستواء وأفرد لتأويله بما ذكر ومثله كثير لا سيما في اسم الإشارة وما قيل إنه للرحمن والسؤال عن تفصيل رحمتة بعيد وذكر عن بيان لحاصل المعنى وانه صلة اسأل لا إشارة إلى أنّ الباء بمعنى عن لما سياتي ولو قيل إنّ فيه إيماء إليه لم يبعد. وقوله: عالما تفسير خبيراً ويخيرك جواب الأمر لا تفسير للخبير كما توهم وقيل إنه صفة لعالم وفائدة الأمر بالسؤال على الأخير تصديقه وتأييده وعلى ما قبله مع تقدم إخبار الله به أن ما تقدم يفيد علماً إجماليا والسؤال عن حقيقته وتفصيله وأما جعل السؤال مجازا عن الاعتناء وهو المراد بالتضمين وان كان المصنف يستعمله بهذا المعنى فمع بعده ينافيه أوّل كلامه فإنّ قوله بحقيقته يقتضي أن السؤال على حقيقته. وقوله ليصدقك في نسخة يصدقك بجزمه في جواب الأمر وهذا على الأخير لا على الوجوه كما قيل. قوله: (وقيل الضمير للرحمن) إنما قالط ما يرادفه لأنّ كتبهم ليست عربية ولم يرتضه لعدم مناسبته لما قبله ولأنّ فيه عود الضمير للفظ الرحمن دون معناه وهو خلاف الظاهر ولأنه كان الظاهر حينئذ أن يؤخر عن قوله ما الرحمن وكونه مبتدأ خبره ما بعده والفاء زائدة جار في الوجوه فلا وجه لتخصيصه. قوله: (كما يعدي بعن الخ) يعني أنه في الأصل متعدّ لاثنين بنفسه وقد يعدى بما ذكر لكون ما ذكر في ضمن معناه ويصح أن يراد التضمين الاصطلاحي وقد مر أنّ المصنف يستعمل التضمين بمعنى المجاز. وقوله: وقيل إنه

стр. 2279

وفي نسخة به وخبيراً مفعول اسأل ويصح تنازعهما فيه وفيه حينئذ نوع من البديع غريب يسمى المتجاذب وهو كون لفظ واحد بين جملتين يصح جعله من الأولى والثانية وقد ذكره السعد في أواخر شرح المفتاح وهو كثير في الفارسية وهذا مما غفل عنه أصحاب البديعيات وقد نظمنا فيه أبياتا ليس هذا محلها وبقي في الكشاف وجه آخر وهو أنه تجريد كقولك: رأيت به أسداً أي برؤيته أي اسأل بسؤاله خبيراً والمعنى إن سألته وجدته خبيرا وباء التجريد سببية عنده قال في الكشف وهو أوجه ليكون كالتتميم لقوله: الذي خلق الخ فإنه لإثبات القدرة مدمجاً فيه العلم. قوله تعالى: ( ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ الا يخفى موقع هذا الاسم الشريف هنا وفيه معنى أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فافهمه ووقع السؤال بما دون من لأنه عن معناه أو لأنه مجهول كما يقال للشيخ المرئي ما هو فإذا عرف قيل من هو. وقوله: ما كانوا يطلقونه على الله ولذا قيل إنه عبرانيّ وأصله رخماني بالخاء المعجمة ولذا أنكروه كما سيأتي وظنوا أنه غير الله وقوله ولذلك أي لأحد هذين الأمرين أو للثاني قيل وهو الأقرب لأنّ ما بعده ناظر له. قوله: (للذي تامرناه) إشارة إلى أنّ ما موصولة عائدها محذوف وقوله يعني تأمرنا بسجوده على الحذف والإيصال والأصل تأمرنا بالسجود له ثم بسجوده ثم تأمرنا سجوده كأمرتك الخير ثم تأمرناه بحذف المضاف ثم تأمرنا كما ذكره أبو البقاء وهل هذا الحذف تدريجي أولاً قولان. وقوله: أو لأمرك على أنّ ما مصدرية واللام تعليلية والمسجود له محذوف أو متروك ومرّض كونه معرّباً لبعده ولشهرة اشتقاقه وهو قول ثعلب وقولهم: رحمن اليمامة يأباه واستدل بهذه الآية وبتقديمه على الرحيم وجوابه ظاهر مما مر وعلى هذا فالمقصود من قولهم ما الرحمن التعريف اللفظي. وقوله: الأمر بالسجود للرحمن لعلمه مما مر والإسناد مجازي وجملة وزادهم معطوفة على قالوا لا على مقوله وفي اللباب أنّ الضمير للسجود لما روي أنه-لمجهيه وأصحابه ﵃ سجدوا فتباعدوا عنهم مستهزئين وعليه فليس معطوفاً على جواب إذا بل على مجموعه فلا يرد عليه أنه غير سديد معنى فتأمّل. قوله: (البروج الاثني عشر هي معروفة) وقوله: سميت به أي أطلق لفظ البروج عليها وهي في الأصل بمعنى القصور على طريق التشبيه. ثم شاع فصمار حقيقة فيها، وعن الزجاج أنّ البرج كل مرتفع فلا حاجة إلى التشبيه أو النقل. قوله: (واشتقاقه) أي البرح المفهوم من البروح. وقوله: لظهوره إشارة إلى أنّ التبرج بمعنى الظهور لا الإظهار وقد مر ما فيه وهذا كاشتقاق الوجه من المواجهة وهو اشتقاق كبير فلا يرد عليه أنّ الظاهر العكس لأنّ المزيد يؤخذ من المجرد إذ عادة الأدباء جعل الأشهر مشتقا منه وضمير فيها للبروج أو للسماء وهو أظهر. قوله: (وهي الشمس والكواكب الكبار) وقد جوّز فيه أن يكون من قبل إنّ إبراهيم كان أمّة قالتا لأنها لعظمها وكمال إضاءتها كأنها سرج كثيرة أو جمع باعتبار الأيام والممطالع ومنهم من فسر السرج بالكواكب الكبار واعترض على المصنف بأنه يلزم تخصيص القمر بالذكر بعد دخوله في السرج والمناسب تخصيص الشمس لكمال مزيتها على ما سواها ورد بأنه بعد تسليم دخوله في السرج خص بالذكر لأن سنيهم قمرية ولذا قدم الليل على النهار أي اعتبر مقدماً عليه فالليلة لليوم الذي بعدها فهم أكثر عناية به مع أنه على ما ذكره يلزمه ترك ذكر الشمس وهي أحق بالذكر من غيرها والاعتذار عنه بأنها لشهرتها كأنها مذكورة. ولذا لم تنتظم مع غيرها في قرن لا يجدي ولبعض الناس هنا كلام تركه أولى من ذكره. قوله: (مضيئا) تقدم الكلام على الضوء والنور والفرق بينهما. وقوله: أي ذا قمر قدّر فيه ذا بمعنى صاحب لأنه جمع قمراء بمعنى منيرة وهي الليلة ذات القمر وصاحبها هو القمر نفسه فيتضح وصفه بقوله منيراً وكونه فيها ويوافق القراءة المشهورة في المعنى ومنيرا وصف للمضاف المقدر لأنّ المحذوف قد يعتبر بعد حذفه كما في فوله: بردي يصفق بالرحيق السلسل قوله: (أي ذوي خلفة) بفتح الواو وتثنية ذي والخلفة الاختلاف أو كونه خلفا عنه وهو مفعول ثان لجعل أو حال إن كان بمعنى خلف وان كان بمعنى مختلف كما في القاموس فلا حذف ولا تأويل والإفراد لكونه مصدراً في الأصل. وقوله: يقوم مقامه أي ما فات فيه يعمل في الآخر. قوله: (أن يتذكر الخ) يعني أنّ هذا أصله

стр. 2280

فأبدل وأدغم والظاهر أن اللام صلة جعل ولما كان ظهور فائدة ذلك لمن يتذكر أو يشكر كانا كأنهما لم يجعلا خلفة لغيرهما ويجوز أن يكون للتعليل. وقوله: رحيم على العبادة بقرينة ما سبق من ذكر الرحمن وقوله: أو أراد أو فيه للتنويع أو للتخيير على معنى استقلاله بكل منهما ولم يؤت بالواو لئلا يتوهم إنّ جمعهما لازم وقد قيل إنّ قوله والشاكرين إشارة إلى أنّ أو بمعنى الواو. وقوله: أو ليكونا وقتين الخ ظاهره إنه مقدر وهو على كل من معنيي خلفة. والوود بكسر الواو الوظيفة من قراءة ونحو ذلك وجمعه أو راد كحمل وإحمال وهذا ناظر للتفسير الأوّل لخلفة. وقوله: من ذكر أي الثلاثي. قوله: (خبره الخ) أو خبره قوله: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾ [سورة الفرقان، الآية: ٦٣] وهو أقرب. وقوله: واضافتهم إلى الرحمن أي دون غيره من أسمائه وضمائره لتخصيصهم برحمته أو لتفضيلهم على من عداهم لكونه! م مرحومين منعما عليهم كما يفهم من فجوى الإضافة إلى مشتق. فما قيل إنهم أضيفوا إليه مع أنّ الكل عبيده وأورب هـ عليه إنه لا تخصيص حينئذ إذ ا! بادة تشمل الكل وغايتة أن يكون ما بعده ط! تصا فالظاهر أنّ مراده إنّ إضافته إلى الرصمن لا إلى اغيره من أسمائه تعالى للتخصيص عن عبدة الأصنام وفيه أنّ التخصيص والتفضيل يوجد في إضافته إلى لفظ الله مثلاَ فلا بد من ضم قصد التعريض لمن قالوا وما الرحمن كما قيل تكلف لك غني عته بما قدمناه فتدبر. وقوله في عبادته أي أو عبوديته فل! يس اهذا مبنياً على كونه جمع عابد ثم التعريض في كلا الوجهين! لكته " في هذا أظهر. قوله: (على أن عباد جمع عابد) الظاهر! أئه بضم العين وتشديد الباء وهي قراءة كما في الدر المصون كتاجر وتجار وهي جمع عابد لا عبد والأول من العبادة وهي أن يظعل ما يرضاه الرب والثاني من العبودية وهي أن يرصى ما يفعله الرب فمن قال إفه عني بقوله على أنّ الخ أنّ الوجه الثاني! للإضافة مبنيّ على أنّ عباد بكسر العين وتخفيف الباء جمع عابد وغلط من زعم أنه بالضم والتشديد وتجار بكتسر المتا اء وتخفيف الجيم كرجلى. كما في وقل: ولقدأروح على التجارمرجلا فقد خبط خبط عشواء قوله: (هينين) يعني إنّ الهون مصدر بمعنى اللين والرفق ومنه حديث المؤمنيق هينون لينون والمثل إذا عز أخوك فهق وهو إمّا مصدر مع تأويله بالوصف أي هيناً أو حال بمعنى هينين وقوله: مصدر وصف به بتأويله بالصفة هو على الوجه الثاني ويجوز أن يكون عليهما لأنّ الحال وصف لصاحبها معنى فالوصف بالمعنى اللغوي. وقوله: والمعنى الخ يعني أنه كناية عما ذكر. قوله: (تسليماً منكم ومتاركة) فهو منصوب عبى المصحدرية لأنه فصدر مؤكد لفعله الم! ضمر الذي قام- مقامه والتقدير نسلم منكم تسليماً والج! ملة قق! ول القول والسطلام للمتاركة وهذا المعنى كثير في- كلام اهلعرب كقوله: طرقتك صائدة القلوب وليس ذا وقت الزيارة فارجعي ب! سلام ... وفي كتاب سيبويه قالوا سلاما أي براءة منكئم لأن! ها مكية والسلام في النساء وهى مدنية ولم يؤمر المسلمون بمكة أن يسلموا على المشزكين وإنما هذا على براءة+ منكم وتسليما لا خير بيننا وبينكم ولا شر ا!. وإلى هذا أشار الزمخشريّ وتبعه المصنف ﵀. قوله: (أو سدادا من القول) بفتح السين أي صواباً وهو معطوف على قوله تسليماً- وفي الك! ش! ف في بعض الحواشي هذا تفسير ليس يسديد لأنّ المراد هنا يقولون: هذه اللفظة لا أنهم يقولون قولاً ذا سداد بدليل قوله سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين (أقول) وتلك الآية لا تخالف هذا التفسير فإنّ قولهم سلام عليكم من سداد القول أيضاً كيف والظاهر أنّ خصوص اللفظ غير مقصود بل هو أو ما يؤدّي مؤداه مصا يدل على المتاركة وعدم الإثم واللغو اهـ. وهذا مما لا غبار عليه لما مر عن الكتاب فمن قال إنّ مراد القائل إنّ القرآن يفسر بعضه بعضاً فإذا صرح في تلك الآية بهذه اللفظة لا ينبغي التأويل بغيرها إذ الظاهر القصد إلى خصوصها والله أعلم بحكمة تخصيصه وذلك كتخصيص هذه اللفظة بمن مر على آخر مثلاَ ولا يخفى أنه غفلة عن مراد. وأمّا حكمة تخصيصها فما مرّ وهو أنهم لم يؤمروا بالسلام على الكفرة إذ ذاك كما صرحوا به وأمّا تخصيص هذه اللفظة بعد مشروعية السلام فظاهر وفي بعض الحوأشي هنا خبط عجيب تركناه لطوله بلا طائل. قوله: (يسلمون فيه من الإيذاء) استعمل الإيذاء كغيره وهو صحيح قياساً واستعمالاً كما ذكره الراغب في مفرداته وإنما تركه الجوهري وغيره على عادتهم في ترك المصادر القياسية

стр. 2281

فقوله في القاموس ولا تقل إيذاء خطأ كما مر ولا حاجة إلى اعتذار بعضهم عنه بأنهم استعملوه قياساً وهم لا يتحاشون عن مثله بل عن استعمال الخطا المشهور. قوله: (لنسخه) أي لنسخ ما في هذه الآية لأنها مكية وآية القتال مدنية وهو منفي لأنّ النفي متوجه للقيد ولأنّ قوله فإنّ الخ يدل على أنّ حكمها باق غير منسوخ وجعله جوابا آخر ياباه سياقه. وقوله: لربهم متعلق بما بعده وقدم للفاصلة والتخصيص واحمز بالحاء المهملة والزاي المعجمة بمعنى أشق لكونه زمان النوم والراحة. وقوله: وتأخير القيام الخ يحتمل أن التقديم لشرفه وإباء المستكبرين عنه في قوله وإذا قيل الخ وقوله أجرى مجراه أي لشموله للكثير بحسب أصله وإن كان مؤوّلاً بالوصف على هذا. قوله: (لازماً) وقيل معناه مهلكاً ولزومه إما للكفار أو المراد به الامتداد كما في لزوم الغريم وقوله: بأنهم أي المؤمنين ومخالطتهم وقع في نسخة بدله مخالقتهم بالقاف مفاعلة من الخلق كقوله ﷺ : " خالف الناس بخلق حسن ". وما وقع في بعض النسخ من مخالفتهم بالفاء تحريف من الناسخ ووثوقهم معطوف على اعتدادهم. قوله: (مستقرا ومقاماً) الظاهر أنه كقوله: وألفي قولها كذا ومينا وحسنه كونه فاصلة وقيل المستقر للعصاة والمقام للكفرة وقوله: يئست مستقرا ذكر في ساءت وجهين أحدهما أنها بمعنى بئس فتعطى حكمها والمخصوص محذوف تقديره هي وهو الرابط لهذه الجملة بما هي خبر عنه إن لم يكن ضمير القصة ومستقرّاً تمييز والضمير المبهم عائد عليه مفسر به وأنث لتأويل المستقر بجهنم أو مطابقة للمخصوص ومقاما قرئ بفتح الميم وضمها وجملة أنها الخ من مقول القول أو من كلامه تعالى كما سيأتي. قوله: (أو أحزنت) هذا هو الوجه الثاني فيها وهو معطوف على قوله بئست فهي فعل متصرف متعد ومفعوله محذوف أي أحزنت أهلها وأصحابها ومستقرا تمييز أو حال وهو مصحدر بمعنى الفاعل أو اسم مكان. قوله: (والجملة تعليل الخ) قال ابن هشام في التذكرة هذا ضعيف إذ لا مناسبة بين كون الشيء لزاما وكونه ساء مستقرا، ويجاب عنه بأنه بملاحظة اللزوم والمقام فإنّ المقام من شانه اللزوم وعلى الثاني ترك العاطف للإشارة إلى أنّ كلا منهما مستقل بالعلية وقوله: وكلاهما يحتملان ثني خبر كلا رعاية لمعناها ويجوز إفراده رعاية للفظها ومثله كلتا وتفصيله في كتب النحو. وقوله: والابتداء فيكون تعليلاً ليقولون ويحتمل المخالفة بجعل أحدهما مقولاً والآخر تعليلا ثم إنه يجري في كل منهما الوجهان. قوله: (وقرأ الكوفيون بفتح الياء وضم التاء الخ) كذا في النسخ المصححة ووقع في نسخة بضم التاء وهي سهو من الناسخ. وقد جرى على عادته في جعل قراءة الأكثر أصلاً وقوله وسطا بفتح السين والفرق بينه وبين المسكن مشهوو وعدلاً بمعنى معتدلاً. قوله: (سمي) أي الوسط به أي بالقوام واستقامة الطرفين تعادلهما كان كلا منهما يقاوم الآخر. وقوله: وهو أي قواما خبر ثان لكان مؤكد للأوّل وهو بين ذلك واسم كان ضمير مستتر يعود للإنفاق. ويجوز كون قواماً خبراً. وبين ذلك ظرف لغو متعلق بقواما أو بكان إن قلنا بجواز تعلق الظرف بها. قوله: (لإضافته إلى غير متمكن) أي مبني وهو اسم الإشارة لأنّ المضاف قد يكتسب البناء مما أضيف إليه إذا كان ظرفا أو في حكمه كما ذكره النحاة. وقوله فيكون كالأخبار بالشيء عن نفسه لأنّ، ما بينهما هو القوام فيبهون كشد- الجارية مالكها وهو لا يصح ولا يخفى إنّ هذا غير وارد على قراءة الكسر وأمّا على الفتح فمتجه وما قيل من أنه من باب شعري شعري والمعنى كان قواماً معتبراً مقبولاً فهو مع بعده إنما ورد فيما اتحد لفظه وما نحن فيه ليس كذلك وكذا ما قيل إنّ بين ذلك أعم من القوام فإنّ ما بين الإقتار والإسراف لا يلزم أن يكون قواماً ووسطاً فقد يكون فوق الإقتار بقليل ودون الإسراف بقليل فتكلف أيضاً إذ معا بينهما شامل للوسط إلحاق وما عداه كالوسط من غير فرق ومثله لا يستعمل في المخاطبات لإلغازه وأما رده بأنه يلزمه الإخبار عن الأعم بالأخص وان في مراعاة حاق الوسط حرجاً لا يمدح به فليس لأنّ الأخبار عن الأعمّ بالأخص جائز كالذي جاءني زيد والقائل لم يرد إلحاق الحقيقيّ بل التقريبيّ كما يدل عليه. قوله: بقليل ومثله لا حرج فيه. وقوله: لا يدعون الخ أي لا يشركون به غيره. قوله: (بمعنى حرّم قتلها) لأنّ الحل والحرمة إنما يتعلقان بالأفعال

стр. 2282

لا بالذوات. وقوله متعلق بالقتل المحذوف أي في توله: حرّم الله قتلها أي حرّم قتلها يسبب من الأسباب إلا بسبب حق فهو مفرغ في الإثبات لاستقامة المعنى لإرادة العموم أو لكون حرم نفي معنى وما قيل إنه لا وجه له لاقتضائه عدم جواز قتل النفس مطلقاً ولذا لم يتعلق بحرم مع ظهوره لا وجه له وكذا إذا تعلق بلا يقتلون لكنه نفي صريح وقد جوّز فيه أن يكون صفة مصدر محذوف أي قتلاً ملتبساً بالحق أو حالاً أي ملتبسين بالحق. قوله: (ننى عنهم أمّهات المعاصي) وهي الشرك والقتل والزنا وأصول الطاعة البدنية والمالية الإنفاق والأجر الموعود في قوله أولئك يجزون الخ. وقوله: ولذلك أي لقصد التعريض وقوله: أضداده أي النفي والثبوت. قوله: (جزاء آه٣) على أنّ الآثام بمعنى الجزاء والعقاب كما ذكره بعض أهل اللغة. وقوله: أو إثماً على أنه بمعنى الإثم نفسه فيكون فيه مضاف مقدر أو هو مجاز بذكر السبب وارادة المسبب والأيام بمعنى الشدائد شائع ومنه أيام العرب لوقائعهم ومقاتلتهم وفي نسخة شديداً والجمع أصح. قوله: (لأنه في معناه) يشير إلى أنه بدل كل من كل ويحتمل أن يكون بدل اشتمال والبيت المذكور استشهد به النحاة على الإبدال من الشرط فتلمم بمعنى تنزل وبنا متعلق به بدل من تاتنا والاستشهاد به لمجرّد الإبدال من المجزوم بالشرط وليس تلمم جواب الشرط لعدم الفائدة فيه. والحطب الجزل اليابس الكثير وتاججاً يحتمل أن يكون بضمير التثنية لتغليب الحطب أو الألف للإطلاق وفيه ضمير النار لتأويله بمذكر أو أصله تتأججن مضارع مؤكد بإلنون على خلاف القياس وإذا كان حالاً فهو من ناعل يلق والمعنى مضاعفاً له العذاب. وقوله: وابن كثير أي وقرأ ابن كثير. وقوله: مع التشديد متعلق بالقراءتين وفي يضعف متعلق بالتشديد. فوله: (مضاعفتة لانضمام المعصية) جواب عن أنّ هذه الآية مخالفة لقوله تعالى ة ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [سورة الشورى، الآية: ٤٠] فإن العقاب لا يضاعف بخلاف الثواب. وقد أجيب أيضاً بأن المضاعفة بالنسبة إلى ما دونه من المعاصي ولا بعد فيه لعدم ذكر ما دونه كما قيل وأمّا ما أورد على الأوّل من أن تكرّر لا النافية يفيد نفي كل من تلك الخصال بمعنى لا يوقعون شيئاً منها فمن يفعل ذلك بمعنى من يفعل شيئا من ذلك ليتحد مورد الإثبات والنفي فلا دلالة له على الانضمام فليس بشيء لأنه كما عرفت تعريض للكفرة ومن يفعل شيئا من ذلك منهم فقد ضمّ معصيتة إلى كفره ولو لم يلاحظ ذلك على ما اختاره لزم أنّ من ارتكب كبيرة يكون مخلدا ولا يخفى فساد. وتوارد النفي والاثبات على شيء ليس بلازم فما ذكر. تعسف وخيال لا حقيقة له. قوله: (ويدل عليه) أي على الانضمام المذكور لما مر وهو إشارة إلى ما ذكرناه لأنّ استثناء المؤمن يدل على اعتبار الكفر في المستثنى منه. وما قيل إنّ المستثنى من جمع بين ما ذكر فيكون المستثنى منه غير جامع لها فلا يدل على الانضمام ردّ بأنه وان كان كذلك لكن هنا قرينة على أنّ المستثنى منع جمع بين أضدادها كما مرّ ولذا جمع بين الإيمان والعمل مع أنّ العمل مشروط بالإيمان فذكره للإشارة إلى انتفائه عن المستثنى منه ولذا قدم التوبة عليه ويحتمل أنّ تقديمها لأنها تخلية. وقوله: فأولئك الخ احتراس لأنّ الاستثناء من مضاعفة العذاب ربما يوهم ثبوت أصله ومن لم يتنبه له اعترض به فتنبه. قوله: (بأن يمحو الخ) فالتبديل بإقامة شيء مقامها كبدلت الرديء بالجيد وقوله: أو يبدّل ملكة الخ فالمراد بهما ملكتهما لأنفسهما وأدخل الباء على الحاصل لأنه يجوز في التبديل دخولها على الذاهب منهما كما ذكره الأزهريّ وقد مرّ تفصيله في البقرة فمن قال إنّ الأولى إدخال الباء على ملكة المعصية فان المنصوب يكون الحاصل والمجرور بالباء الذاهب كما في قوله: ﴿وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سورة سبأ، الآية: ٤ ا] لم يأت بشيء وان كان في قوله الأول إشارة إلى ما ذكر لكنه لم يتنبه إلى أنّ عدول المصنف عنه لموافقته للنظم هنا فتدبر. قوله: (وقيل بأن يوفقه الخ) قيل إنه مرضه لأنّ مآله إلى أحد الوجهين السابقين وما قيل من أنه لأجل إنه يؤدّي إلى اشتراط الشيء بنفسه لا يرد على عبارته إلا إذا أريد بما سلف الكفر وليس بمتعين. وقوله: أو بأن يثبت الخ لإنابته واستغفاره وقد ورد في الحديث ليأتين ناس يوم القيامة ودّوا أنهم استكثروا من السيئات قيل من هم يا رسول الله قال: " الذين بدل الله سيئا-لهم حسنات ". ولذا قال أبو نواس:

стр. 2283

تعض ندامة كفيك مما تركت مخافة الذنب السرورا ... قوله: (فلذلك الف ونثر مرتب وقوله: عن المعاصي أي التي فعلها ويتلافى بالفاء بمعنى يتدارك وقوله: أو خرج عن المعاصي أي جنسها وان لم يفعله وهو الفرق بينهما. وقوله: يرجع إلى الله بذلك أي بالتوبة والعمل الصالح فهو رجوع مخصوص وبهذا تبين مغايرة الجزاء للشرط ووجه التخصيص مع أق الرجوع إلى الله عام كما قال وانكم إلينا لا ترجعون. قوله: (مرضياً الخ) هو مستفاد من تعظيم التنكير وبه يندفع ما مرّ أيضا. وقوله متابا إلى الله الذي الخ لاشتهار الله بذلك. ويصطنع بهم بمعنى يحسن إليهم وعدا. بالباء لتضمينه معنى الرفق. وقوله: تعميم الخ لأنه توبة عن جميع الذنوب وما قبله عن الأمهات ويشهدون على الأوّل من الشهادة والزور منصوب على المصدر أو بنزع الخافض أي شهادة الزور أو بالزور. وعلى الثاني من الشهود والحضور والزور مفعول به بتقدير مضاف أي محال الزور والشركة لإشعاره بالرضا. وقوله: يلقى بالقاف أو بالغين المعجمة. قوله: (مكرمين الخ) إشارة إلى أنّ كراماً جمع كريم بمعنى مكرم لنفسه وغيره بالصمفح ونحوه ودخول الكناية إن كان في منطوقه لزم فيه الجمع بين الحقيقة والمجاز إذ لا مروو فيه وهو جائز عنده وان كان بطريق القياس ونحوه فلا وقوله: بالوعظ على أنّ المراد بالآيات معناها اللغوي. وقوله: لم يقيموا عليها أي على سماعها. وقوله: كمن الخ إشارة إلى أنه تشبيه بليغ وراعية بمعنى مديمة للنظر. وقوله والمراد الخ أي خرّوا غير صم عمي لرجوع النفي إلى القيد. والهاء في قوله: عليها إذا كانت للمعاصي فالنفي لأصل الفعل ولبعد ما ذكر عن السياق لم يرتضه. قوله: (بتوفيقهم للطاعة الخ) حيازة الفضائل الدينية جمعها وتحصيلها والفضيلة مزية لا يلزم تعديها فتعم ولذا ذكرت بعد الطاعة. وقوله: فإنّ الخ تعليل لإرادة ما ذكر ولم يقل فإنّ سرور قلب المؤمن في أزواجه وذرّياته أن يشاركوه في طاعتة تعالى لعدم مطابقته للواقع فإنه كم من سرور له بغير ذلك مع أن الفرق يسير وقوله: سرّ بهم قلبه وقرّت بهم عينه لو قدمه ليكون عطفاً تفسيريا صح لكنه لا يحتاج إلى التفسير وقرّة العين أمّا من القرّ وهو البرد لأن دمعة السرور باردة ولذا قيل في ضدّ. أسخن الله عينه أو من القرار لعدم النظر لغيره. قوله: (ومن ابتدائية) متعلقة بهب أو بيانية متعلقة بمقدر وهذا بناء على جواز تقدم المبين على المبين. وقوله: رأيت منك أسداً تجريد ومن التجريدية تحتملهما كما مرّ تحقيقه. قوله: (وتنكير الأعين الخ) يعني أعين القائلين معينة ونكرت لقصد تنكير المضاف للتعظيم وهو لا يكون بدون تنكير المضاف إليه وقوله: وهي قليلة الخ قيل عليه إن الأحسن أن يقال إنه لأن المراد إن كل واحد يقول ذلك لا لما ذكر لأن المعتبر في جمع القلة قلة عدده في نفسه لا بالإضافة لغيره ورد بأنّ المراد أنه استعمل في معنى القلة مجرّداً عن العدد بقرينة كثرة القائلين وعيونهم وفيه نظر. قوله: (بإضافة الخ) متعلق باجعلنا إشارة إلى أنّ التقدم إنما هو بالعلم والعمل واعتذر عن عدم مطابقته للمفعول الأوّل وهي لازمة إما لأنه اسم جنس فيجوز إطلاقه على معنى الجمع مجازا بتجريده من قيد الوحدة أو هو في الأصل مصدر وهو لكونه موضوعا للماهية شامل للقليل والكثير وضعا فإذا نقل لغيره قد يراعي أصله. فما قيل إن الفرق بينهما قليل الجدوى قليل الجدوى وما ذكره مصحح وقوله: أو لأنّ المراد أي مع رمحاية الفاصلة هو المرجح ولذا لم يجعنه وجهاً مستقلاً. وكونه جمع آمّ بعيد وأقرب منه أنه يستعمل للواحد والجمع كهجان، وما قيل من أن مدار التوجيه على أن هذا الدعاء صدر عن الكل على طريق المعية وهو غير واقع أو عن كل واحد بطريق تشريك غيره وليس بثابت فالظاهر اأنه صدر عن كل واحد قوله اجعلني إماما فعبر عنهم للإيجاز بضمير الجمع وأبقى إماما على حاله لا يخفى تكلفه وتعسفه مع مخالفته للعربية وأنه ليس مداره على ذلك بل أنهم شركوا في الحكاية في لفظ واحد لاقحاد ما صدر عنهم مع أنه يجوز اختيار الثاني لأنّ التشريك في الدعاء أدعى للإجابة فأعزفه. قوله: (ومعناه قاصدين) أي على الوجه الأخير وفيه إشارة إلى أنّ الإمام من الأم بمعنى القصد ومقتدين على صيغة الفاعل أو المفعول والأوّل أقرب وبهم! وفي نسخة لهم صلته. وقوله: وهي اسم مفرد أريد به الجمع بدليل

стр. 2284

ما في الآية الأخرى وقد قرئ في تلك الآية في الغرفة والأصل توافق الآيات وإذا كانت بمعنى الجنة لا كحتاج إلى التأويل. وقوله: بصبرهم إشارة إلى أنّ ما مصدرية وأن مفعول الصبر محذوف. وقوله: من مضض بيان للمشاق وأصله الوجع والمراد به هنا ثقلها. قوله: (دعاء بالتعمير) أي! طول العمر والبقاء لأنّ التحية أصل معناها قول: حياك الله وأبقاك وهي مشتقة من الحياة كما أشار إليه، والسلامة تفسير للسلام وقوله: تحييهم بيان للداعي وفي نسخة أو تحييهم على أنّ الأول غير معين والمراد من الدعاء به التكريم والقاء السرور، والا فهو متحقق لهم. وقوله: أو تبقية تفسير له على أنه لم يرد الدعاء بل وصفهم بما ذكر وقوله وقرأ حمزة الخ وقراءة غيره بتشديد القاف. وقوله: مقابل سات " فهو إمّا بمعنى نعمت أو سرت وجميع ما مرّ جار هنا والتأفيث لتأويل المقام بالجنة مطابقة لئأنيث المختص فتذكر. قوله: (ما يصنع بكم) فما استفهامية ؤتجوله: من عبأت الخ فأريدا به لازم معناه وهو الصنع لأن الشيء إنما يهيأ ليصنع به صنع. وقوله: أو لا يعتد بكم فما نافية وهو من العبء بمعنى الحمل ولما كان ما لا يعتد به يرمى ولا يحمل أطلق على عدم الاعتداد بالشيء وعدى تعديته. وقد كان متعذيا بنفسه والخطاب لكفار قريش أو لجميع العباد كما ارتضاه في الكشاف على كلام فيه. قوله: (لولا عبادتكم) قد مرّ أن الدعاء يطلق على العبادة وتوجيهه فالمس در مضاف للفاعل وقد جوّز فيه أن يكون مضافا إلى المفعول والمعنى لولا دعاؤه إياكم إلى التوحيد وأن يكون الدعاء بمعنى التضرّع وجواب لولا محذوف لدلالة ما قبله عليه. قوله:) وقيل معناه ما يصنع بعذابكم (ففيه مضاف مقدر والدعاء بمعنى العبادة أيضاً والخطاب للكفار. وقوله: عبا بفتح الباء مصدر وقوله يعبؤكم إشارة إلى أنه متعد بنفسه في الأصل كما مر واضافة رب إلى ضحميره للإشارة إلى أن تبليغه بأمره وتربيته. قوله: (حيث خالفتموه) فالتكذيب استعير للمخالفة وما أخبرهم به إفا في قوله ما يعبأ الخ أو في غيره وقوله: كذب القتال الخ كما يقال في ضده حمل حملة صادقة. وقوله: بما وجد في جنسهم فلا يتوهم دخول الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيهم. وقوله: يكون جزاء التكذيب يعني أنّ الضمير لمصدر الفعل المتقدم بتقدير مضاف أو على التجوّز وإن اللزام مصدر مؤوّل باسم الفاعل وأتى به للمبالغة. وقوله: أو أثره وهو الأفعال الشنيعة المتفزعة عليه فصيغة المضارع للاستمرار وعلى الأوّل للاستقبال. وقوله: حتى يكبكم بالرفع أو النصب والياء مفتوحة من كب لا بالضم من أكب للزومه كذا قيل لكن صاحب القاموس والراموز قالا إنه يقال كبه وأكه فيجوز فيه الفتح والضم ومن خالف في تعديه فهو قاصر وليس هذا محله- وقوله: وإنما أضمر أي في يكون- وقوله: من غير ذكر أي صريحاً وإلا فهو في ضمن الفعل فلا إضمار قبل الذكر- وقوله: يكتنهه أي يحيط بكنهه وحقيقته. قال الأزهريّ رحمه الله تعالى: اكتنهت الأمر اكتناهاً إذا بلغت كنهه فلا وجه لقوله في شرح المفتاح في الفصل والوصل أنه مولد. وقوله: وقيل المراد أي باللزام هنا ما لزمهم من العذاب في الدنيا وقد كان ملزوماً لهم في الآخرة ولزاما بالفتح مصدر لزم. والحديث المذكور موضوع والنصب التعب ومناسبته ظاهرة تمت السورة الشريعة بحمد الله وعونه وحسن توفيقه.

стр. 2285

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الشعراء هي مكية إلا الآيات المذكورة كما روي عن ابن عباس ﵄، وقوله: أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل كما في الإتقان فإنها نزلت بالمدينة في شعراء رسول الله ﷺ حسان وكعب بن مالك وابن رواحة ﵃، وقال الداني: روي بسند صحيح أنها نزلت في شاعرين تهاجيا في الجاهلية مع كل واحد جماعة فالسورة على هذا كلها مكية. قوله: (قرأ حمزة الخ) وكون نافع قرأ بين بين رواه أبو عليّ الفارسيّ في الحجة، وعليه اعتماد الزمخشريّ والمصنف في فقل القراآت، فما في النشر مما يخالفه وأنه مرويّ عن قالون لا يرد على المصنف كما توهم، وقوله: بكراهة للعود تعليل لعدم الإمالة الصرفة، ويعني به أن الألف منقلبة عن ياء فلو أميلت إليها أنتقض غرض القلب، وهو التخفيف ومن لم يمل أصلاً نظر إلى أن الطاء حرف استعلاء يمنع من الإمالة، وإنما كان منفصلاً لأنها أسماء حروف مقطعة، ومن أدغمها رآها متصلة في حكم كلمة واحدة خصوصاً على القول بالعلمية، وأمّا معنى طسم وإعرابه فقد مرّ في أوّل البقرة كما أشار إليه المصنف. قوله: (الظاهر إعجازه وصحته) إشارة إلى أنه من أبان اللازم لا من المتعذي ومفعوله محذوف ومو الشرائع والأحكام أو الحق ونحوه لأن هذا أنسب بالمقام، ولذا اقتصروا عليه هنا، وجوّز غيره في غير هذه الآية وذكر الإعجاز إمّا إشارة إلى تقدير مضاف، أو إلى أنّ الإسناد مجازيّ، والإعجاز والصحة متلازمان وقيل المراد صحة كونه من عند الله وهو عطف تفسير للإعجاز وفيه نظر لأنّ كونه من عند الله لا يلزمه الإعجاز ألا ترى أنّ التوراة والأحاديث القدسية من عند ألله ولا إعجاز فيها. قوله: (والإشارة إلى السورة أو القرآن) المفهوم من قوله طسم بأن تجعل اسماً لهما، أو تعدادا للحروف مرأدا به قرع العصا، وقوله: آيات الكتاب بمعنى آيات هذا المؤلف منها، وطسم مبتدأ خبر. تلك والكتاب المبين صفته أو خبره وهو وخبره خبر الأوّل، وهو أرجح وإذا أريد القرآن فالتأنيث لرعاية الخبر. قوله: (قاتل نفسك) أي غماً وتهالكاً

стр. 2286

والبخاع بكسر الباء بالمعنى المذكور مما تفرّد الزمخشريّ بإثباته وتبعه المطرزيّ لكن ابن الأثير في النهاية قال: إنه لم يوجد في شيء من كتب اللغة، واستعمال العرب، وقد مرّ تفصيله وأنّ المثبت مقدّم على النافي خصوصا مثل هذا المثبت، وقوله: مستبطن القفا غير غبارة الكشاف، وهي قوله: مستبطن الفقار جمع فقارة وهي عظام الظهر لما قيل إنه تحريف لأنّ أقصى حدّ الذابح في القفا، وفيه نظر. قوله: (أي أشفق على نفسك الخ الما كان الترجي غير صحيح ولا مرادا جعلها للإشفاق، والإشفاق بمعنى الخوف أيضاً غير متصوّر منه تعالى فجعله من المخاطب، ولما كان غير واقع أوّله بالأمر به لدلالة الإنكار المستفاد من سوق الكلام عليه أو المعنى أنك تفعل ذلك أي التحسر والتهالك فلا تفعل، قيل: ولو فسر البخع بشدّة الحرص كما يقال هو يقتل نفسه على كذا جاز الخبر، وعدم الحمل على الإشفاق، وفيه ما فيه. قوله: (لئلا يؤمنوا الخ) في الكشاف لثلا يؤمنوا ولامتناع إيمانهم أو خيفة أن لا يؤمنوا فزأد قوله ولامتناع الخ إشارة إلى أنّ السكون بمعنى الصحة فهو عطف تفسيريّ، وعلى الثاني هو بمعناه لكن لما لم يصح كون عدم الكون في المستقبل علة للبخع لكونه غير معلوم قدر خيفة لا لأنه ليس فعلألفاعل الفعل المعلل فإنه وهم فإنّ فيه مصححاً آخر لحذفها، وهو أن المصدرية لاطراد الحذف مطلقاً معها كما حققه بعض شرّاج الكشاف ففي كلام المصنف ﵀ قصور، وتوجيهه بأنّ المراد لاستمرارهم على عدم قبول ا! يمان لأنّ كلمة كان للاستمرار فأريد به استمرار النفي لا المنفيّ فليس فيه غفلة عن فائدة ذكر الثون كما توهم ليس بشيء لأنه ليس في كلامه ما يدلّ على إرادة الاستمرار صراحة، ودلالة فلا بتمّ بعناية القاضي، وكأنه أراد انّ كان هنا أتى بها لأجل الفاصلة، والأولى ما مرّ فتأمّل. قوله: (١ ن نثأ الآية) قيل إنه استئناف لتعليل ما يفهم من الكلام من النهي عن التحسر المذكور ببيان أن إيمانهم ليس مما تعلقت به مشيئته تعالى حتماً فلا وجه للطمع فيه، والتألم من فواته، ويرد عليه أنه يقتضي أن عدم تعلق مشيئته بإيمانهم يكون عذراً لهم في ترك الإيمان كما سيورده هو فيما سيأتي، وليس كذلك فالأولى أن يقال إيه تسلية له ﷺ ، والمراد منه تعليل الأمر بإشفاقه على نفسه ومفعول المشيئة ما يدل عليه الجزاء أو إيمانهم بقرينة ما قبله، ويؤيده أنّ السورة في تعظيم شأنه ﷺ فهو براعة استهلال. قوله: (دالة ملجئة إلى الإيمان الخ) وفي نسخة دلالة ملجئة بماسناد الإلجاء للدلالة مجازاً، وقيد الأية بالملجئة لأنّ غيرها مما تحقق نزوله قبله ومعه، والإلجاء لأنه سنة الله عند ظهور أمثالها، وقولنا سنة أحسن من قول بعضهم عادة لأنّ العادة لا تطلق عليه تعالى كما في الانتصاف لكن الزمخشريّ، وغيره يستعملها والوارد في الآثار ما ذكرناه سابقاً. قوله: (أو بلية قاسرة عليه) أي على الإيمان بالجبر عليه، وليس ذلك في الوجه الأوّل، والتخصيص لما مرّ لا لأنّ عليهم يدل عليه لأن الاستعمال تعديته بعلى فلا دلالة على ما ذكر كما قيل. قوله: (منقادين) يعني أنّ الخضوع هنا مجاز أو كناية عن الانقياد والإذعان، ولما كان خاضعين لجمع من يعقل والإعناق ليست كذلك جعلها مقحمة والأولى أن يقال إنها أكتسبت التذكير، وصفات العقلاء من المضاف إليه، ولما كان الخضوع وضدّه يظهر في الرأس والعنق جعله محله لأنه يتراءى قبل التأمّل أنه هو الخاضع دون صاحبه، وقوله على أصله أي قبل الإقحام. قوله: (وقيل لما الخ) معطوف على قوله: وأصله الخ لا على قوله وترك الخبر لفساده معنى كما لا يخفى، وقوله بصفات العقلاء جمعها وهي صفة واحدة أعني الخضوع لتعددها باعتبار تعدّد من قامت به هنا أو لأنه أريد الجنس كما في قولهم فلان يلبس الثياب، ولها صلة ظلت أو خاضعين، ولم يلتفت لتقدير أصحاب أعناقهم لأنه ركيك مع الإضافة لضميرهم، ولا لجعل خاضعين حالاً من المضاف إليه لذلك. قوله: (وقيل المراد بها الرؤساء) أي مجازاً كما يقال لهم صدور ورؤس فيثبت الحكم لغيرهم بالطريق الأولى أو الجماعات وفي نسخة الجماعة أي مطلقاً رؤساء أم لا فالمعنى ظلت جماعاتهم أي جملتهم لأنهم جماعة من الناس فلا إشكال فيه، وعلى قراءة خاضعين الإسناد مجازيّ. قوله: (فظلت الخ) هو تفريع على جميع ما تقدم لا على الأخير وهذا من العطف على المعنى كما عطف فأصدق المنصوب على أكن المجزوم

стр. 2287

لصحة الجزم فيه، وقوله: لأنه لو قيل الخ بيان له، والماضي وإن كان يصح عطفه على المضارع إلا أنه هنا غير مناسب فإنه لا يترتب الماضي على المستقبل بالفاء التعقيبية أو السببية فإنه غير معقول، والمعقول عكسه وتأويل أحد الفعلين يدفع ذلك فهو لازم لكنه إن نظر إلى زمان الحكم كان الجواب مستقبلا فيؤوّل ظلت بتظل كما قرئ به، وان نظر إلى زمان الحكاية يؤوّل تنزل بأنزلنا كما قرئ به، وهو الذي اختاره الشيخان لأنه وإن كان مستقبلا حقيقة لأنّ المعتبر زمان الحكم لا التكلم على المشهور، ولو خط فيه أيضا صورة نزول تلك الآيات العظيمة الملجئة إلى الإيمان، وحصول خضوع رقابهم عند ذلك في ذهن السامع ليتعجب منه وعبر عنه بالماضي إشارة إلى أنّ نزول تلك الآيات لقوة سلطانه، وسرعة ترتب ما ذكر عليه كأنه كان واقعاً قبله، وإلا لم يصح الترتب والتسبب لما مرّ فلذا جرى فيه على خلاف مقتضى الظاهر كما في شرح الكشاف فما قيل في دفع كون كلمة الشرط تخلص للاستقبال، وانّ النظم لو كان أنزلنا أوّل يتنزل من أنّ إن الشرطية قد تخرج عن الاستقبال كما في نحو إن كنت قلته فقد علمته، وهو كذلك هنا بدليل وقوع لو في نظائره كقوله: ﴿وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٣٥] فالمعنى هنا لو شئنا لأنزلنا فلذا عطف على المعنى تكلف ما لا حاجة إليه من كون أن بمعنى لو ومضيّ ما في حيزها، وأنت في غنية عنه بما قدمناه ومن قال إنّ الفاء لا يجزم ما بعدها لم يفرق بين العاطفة والجوابية فتأمّل. قوله: (موعظة أو طائفة من القرآن) يعني المراد إما التذكير والموعظة، ومن زائدة أو القرآن ومن تبعيضية والجاز والمجرور صفة لمقدر، وقوله: بوحيه متعلق بيأتيهم، وعنوان الرحمن إشارة إلى أنه رحمة، وقوله وتنويع التقرير أي التثبيت في الأذهان أو الحمل على الإقرار، والأوّل أولى. قوله: (إلا جدّدوا إعراضاً) قيل كان ينافي ما ذكر، فالظاهر أتا لمعنى ما يجدّد الله تعالى بوحيه على نبيه ﷺ موهـ هـ ودريرا إلا استمرّوا لحى ما اعتادوه من الإعراض! وردّ بأنه لوقوعه في مقابلة ما يأتيهم فالمراد به بالاستمرار التجدّدي، وقوله: محدث لتوكيد.، والاستثناء يدلّ على أنّ الإعراض وقته إتيان الذكر، ولا يخفى أنّ هذه الجملة حالية ماضوية وأن كان تدلّ على الاستمرار التجددي ووقوعها في مقابلة المضارع لا يقتضي إلا الثبوت عليه مع تجدد التذكير وتكرّره، وهو أبلغ في الذمّ فالظاهر أن المصنف ﵀ أراد ما ذكره المعترض، ولولاه لم يقل واصراراً الخ، وإنما قال جددوا لأنّ الإعراض عما يحدث لا بد أن يكون حادثا إذ لا يتصوّر الإعراض عن شيء قبل وجوده، فإن أراده هذا القائل! ن فاسداً وان أراد الاستمرار بعده فهر معنى الإصرار، وقال بعض الفضلاء في فقد كذبوا تمادوا على التكذيب، وكان تكذيبهم مع ورود ما يوجب الإقلاع من تكرار إتيان الذكر كتكذيبهم أوّل مرّة، وللتنبيه على ذلك عبر عنه بما يعبر عن الحادث وله نظائر كقوله: ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [سورة الشعراء، الآية: ١١٧] فكذبوه وفي قوله وأمعنوا إشارة إليه فتاً مّل. قوله: (بعد إعراضهم) هذا مقتضى الفاء، واعراضهم تكذيب فعلى هذا لا حاجة إلى أن يقال وعنده أيضا، وأمعنوا بمعنى بالغوا فيه، وقوله المخبر به عنهم الظاهر أن يقول عنه، وكذا هو في نسخة مصححة، وإنما جعله متضمناً له لأنّ قوله ما كانوا به يستهزؤون يقتضي تقدم الاستهزاء، ولو جعل الإعراض والتكذيب دالاً عليه كان أظهر، وقوله: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ﴾ [سورة الاً عراف، الآية: ٢٠١] الخ هو غير مغاير لقوله في الأنعام عند ظهور الإسلام وارتفاعه كما توهم، واتيان الخبر كناية عن وقوع محذور منتظر، واليه أشار ببيان الأنبار بقوله من أنه الخ. قوله: (أولم ينظروا إلى عجائبها (بيان لمحصل المعنى أو لتقدير مضاف وقد جعل هذا معطوفا على مقدر هو أكذبوا بالبعث لدلالة الذكر عليه، وقوله صنف إشارة إلى أنه ليس المراد بالزوح معناه المعروف، وهو أحد القرينين من ذكر وأنثى، بل ما في قوله: ﴿أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى﴾ [سورة طه، الآية: ٥٣، أي أنواعا متشابهة وقال الراغب: إنه يطلق عليه لتركبه، وقوله وهو أي كريم صفة بمعنى محمود مرضيّ لا بمعنى معطي. قوله: (وهاهنا يحتمل أن تكون) أي صفة الكريم مقيدة هو بالقاف كما في بعض الحواشي، وهو الظاهر فالمعنى أنّ الصفة يحتمل أن تكون مقيدة للصنف مخصصة بما ذكر لأنه ليس كل صنف كذلك، وقوله لما يتضمن الدلالة إمّا صلة مقيدة فما يتضمن المنبت مطلقا أو تعليلية ففاعل يتضمن ضمير كريم أي لتضمن كرمه الدلالة على القدرة أي

стр. 2288

دلالة ظاهرة وإلا فكل ما نبت دال عليها، ويجوز أن يكون بالفاء ومآله ما ذكر، وقوله: وأن تكون مبينة أي موضحة لا مخصصة لما ذكره. قوله: (وكل لإحاطة الآزواج) يعني أنه لا تكرار فيه إذ فرق بين الكثرة والشمول فالمعنى أنبتنا شيئاً كثيرا هو كل زوج فمن بيانية أو شيئا كثيرا من كل صنف فمن تبعيضية. قوله: (أي في إنبات تلك الآصناف) قيل إنه توجيه لإفراد اسم الإشارة أو آية بأنه إشارة إلى إنباتها أو إلى كل واحد منها، ويجوز أن يكون إشارة إلى الجميع بجعلها كشيء واحد لاتحاد الغرض فيها، وكونها آية كما مر في قوله إماماً، والظاهر أنه بيان للمراد من الإشارة واً نه إمّا للإنبات أو للمنبت لأنه لا يحتاج لتاويل عليهما إذ كل مضافة لنكرة فهي للإحاطة على البدلية لا على الاجتماع، واسم الإشارة بعدها كالضمير يكون مفردا كما مر وتنكير آية للتعظيم. قوله: (في علم الله وقضائه الخ) قد مرّ مثله، والاعتراض عليه بأنّ علمه تعالى ليس علة لعدم إيمانهم لأنّ العلم تابع للمعلوم لا بالعكس فكان هنا زائدة، وهو إخبار عن حالهيم في الواقع في علم الله، وكون علمه وقضائه ما نعين عن الإيمان رأي المجبرة، وقد مر ردّه بان معنى كون علمه تعالى تابعاً للمعلوم إنّ علمه تعالى في الأزل بمعلوم معين حادث تابع لماهيته بمعنى أنّ خصوصية العلم، وامتيازه عن سائر العلوم إنما هو باعتبار أنه علم بهذه الماهية، وأمّا وجود الماهية فيما لا يزال فتابع لعلمه الأزليّ التابع لماهيته بمعنى أنه تعالى لما علمها في الأزل على هذه الخصوصية لزم أن تتحقق، وتوجد فيما لا يزال كذلك فنفس موتهم على الكفر، وعدم إيمانهم متبوع لعلمه الأزليّ، ووقوعه تابع له، وأمّ كون كان زائدة فلا وجه له، وكونه إخباراً عن حالهم إن أراد في الماضي فلا فائدة فيه، وان ادّعى أنه لتوبيخهم وتقبيح حالهم، وان كان في المستقبل فلا دلالة للفظ عليه، والمصنف لم يلأع أنّ علمه وقضاءه تابعان كما توهم، وأمّا جعله من الاستدلال بأحد لازمي الشيء على الآخر فقيل إنه يأباه سياقه إذ المفهوم منه العلية بحسب الوجود على أنّ عدم النفع معلوم مشاهد فلا فائدة في بيانه، وفيه بحث. قوله: (القادر على الانتقام) وعدم تعجيله لحكمة اقتضت سبق رحمته، ولذا عقبه بقوله الرحيم كما أشار إليه، ولأنه يخاف الفوت، وإنما قدّم العزيز لأنّ ما قبله في بيان القدرة، وقوله الغالب تفسير للعزيز لا وصف له قدم حتى يقال إنه لم يسمع إطلاقه على الله، وان قيل في باب الإيمان إنه سمع الطالب الغالب كما ذكره شيخنا المقدسيّ. قوله: (مقدر باذكر) على أنه مفعوله واذ متصرفة وهو معطوف على ما قبله عطف القصة على القصة، وقيل إنه معطوف على مقدر آخر أي خذ الآيات، أو ترقب إتيان الأنباء، وقوله أو ظرف لما بعده وهو قال: الخ، وقوله أي ائت الخ يعني أنّ أن تفسيرية أو مصدرية قبلها حرف جر مقدّر، وقوله بالكفر هو ظلمهم لأنفسهم وما بعده ظلمهم لغيرهم، وقوله بدل الخ قد رجح الثاني ليكون وصفهم بالظلم في حكم النتيجة فالأبلغ فصده ولاشتراكه عينه بما بعده، وهو مخالف لتقديم المصنف ﵀ له فقد يقال إنه أولى لأنّ فيه إشعاراً بأنّ قوم فرعون علم في الأظلمية، ولعل الاقتصار أي في الإتيان أو في الوصف بالظلم، وقيل إنه مفعول يتقون وقيل منادى وقيل هو اكتفاء، وقد يقال قوم فرعون شامل له شمول بني آدم له. قوله: (أولى بذلك) أي بالإتيان أو الوصف بالظلم، وقد خص في بعض المواضع للدلالة على ذلك، وقوله: استئناف أي بيانيّ بتقدير ما أقول إذا جئتهم لا نحوقي كما قيل: وقوله أتبعه إرساله الخ قيل إنه إشارة إلى أنه من جملة ما نودى به موسى ﵊، وقد قيل عليه ليت شعري ما الطريق إلى جعله منه وقد عرفت طريقه وفي الكشاف إنه يحتمل أن يكون حالاً من الضمير في الظالمين، ولو كان حالاً بتقدير القول أي قائلاَ لهم ألا يتقون لم يرد عليه شيء لكن قوله أي يظلمون غير متقين الله، وعقابه فأدخلت همزة الإنكار على الحال يأباه، ولذا أورد عليه أنّ فيه مع الفصل بالأجنبي لزوم إعمال ما قبل الهمزة فيما بعدها إلا أنه أشار إلى دفعه في الكشف، وغيره بأنه غير أجنبيّ، وأنّ مثله غير بعيد لتوسعهم في الهمزة، وقوله تعجيبا إشارة إلى أنّ الاستفهام مستعار للتعجب وقد جعله الزمخشريّ للإنكار إشعاراً بأنّ عدم التقوى هو الذي جرّ أهم على الظلم فلا يتوهم أنه لا يلائم ما قبله، وإن كان الظاهر أن يقال أيظلمون، واليه أشار المصنف رحمه الله تعالى بقوله: (من إفراطهم في الظلم)

стр. 2289

وقيل ألا للعرض ولا استفهام فيه. قوله: (وقرئ بالتاء الخ) وجه الزجر والغضب أنه ضرب وجوههم وجيههم بما ذكر، كما تشكو جناية جان حاضر عندك لآخر فإذا حمى غضبك أقبلت على الجاني تقول له أما تخالف الله أما تستحيي من الناس، وقوله: وان كانوا غيباً جملة حالية من ضمير أجروا إن لم يجعل جوابا وغيبا بضم الغين وتشديد الياء، ويجوز فتحهما مخففاً جمع غائب، وكلام المرسل وهو موسى ﵊ مصدر مضاف للمفعول أي تكليم الله من أرسله، ومبلغه بصيغة المفعول والضمير للكلام يعني أنه إذا بلغهم به خاطبهم أو هو بصيغة الفاعل، وقوله: واسماعه الخ يعني نزل منزلتهم فخوطبوا. قوله: (مع ما فيه من مزيد الحث الخ) الضمائر للالتفات ومورده هنا الغضب والزجر كما مر، وقوله: مزيد إشارة إلى أنّ أصله مراد مع الغيبة أيضا وليس هذا من أنّ ألا للعرض! كما قيل، نعم كلامه محتمل له فتدبر، وقوله ويحتمل الخ إشارة إلى أنّ ألا كلمة واحدة للعرض، ويا ندائية سقطت ألفها لالتقاء الساكنين، وحذف المنادى كما في الآية المذكورة، ورسمه حينئذ بإسقاط الألفين مخالف للقياس، وما بعده فعل أمر وقوله وقرى الخ فأصله يتقونني حذفت إحدى نونيه لاجتماع مثلين وياؤه اكتفاء بالكسرة. قوله:) رتب استدعاء الخ) الترتيب من فاء فأرسل والضم والإشراك من السياق، وقوله معي في محل آخر، ومفعول أرسل مقدر أي ملكاً، أو جبريل ﵊، وقوله خوف التكذيب هو وما بعد. مجرور بدل من لأمور الثلاثة، ويجوز رفعه ونصبه، وقوله: وضيق القلب إشارة إلى أنه عبر عنه بضيق الصدر مبالغة، وقوله انفعالاً أي للانفعال وتتأثر منه، وعنه إن رجع ضميره للخوف فظاهر وان رجع للتكذيب فباعتبار أنه مخوف متوقع كما تدل عليه صيغة المضارع فلا يرد عليه أنه غير متيقن فلا وجه للجزم بضيق القلب المترتب مع أنّ ذلك كما يوجد به يوجد بخوفه، ولو عمم ضيق القلب بأن جرد عنه كما ذكر في قوله: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [سورة طه، الآية: ٢٥] جاز. قوله: (وازدياد الحبسة قي اللسان) بعدم انطلاقه من سجن اللكنة وقيد الغي وانحلال عقدته وزاد ازدياد لأنه المتوقع الحاصل بانقباض! الروح عند الضيق دون الحبسة نفسها فإنها كانت موجودة والخوف غمّ مما يتوقع وهذا ميل إلى القول بعدم زوال العقدة بالكلية، والمراد بالروح الشعاع الخارج من القلب المنتشر المسمى بالروح الحيواني الذي تتحرّك به العضلات، وحبسة اللسان للقصة المشهورة. قوله: (ضيقه) أي غمه المقتضى لرجوع الروح وانقباضها نحوه، وإنما جعل ضيق الصدر وحبسة اللسان متفرّعين على التكذيب داخلين تحت الخوف مع إمكان غيره حتى لا يحتاج إلى التأويل وزيادة الازدياد لتتوافق قراءة الرفع، والنصب في المعنى إذ الأصل توافقهما، وان كان بينهما فرق في الأداء وقد جوّز البقاعي كون أخاف بمعنى أعلم أو أظن فتكون أن مخففة من الثقيلة لأنها واقعة بعدما يفيد علما، أو ظنا كما اشترطه النحاة ولا يأباه قرإءة النصب كما توهم لأنّ أخاف فيها محمول على ظاهره، ولا تخالف بينهما معنى، وقوله: لأنها الخ متعلق برتب لتعليله وتنويره، وقوله متى تعتريه حبسة تنوينه للتقليل ليلتئم مع ما مر أو فيه مضاف مقدر وهو ازدياد فتأنله. قوله: (ولا تنبتر حجته (أي لا تنقطع بعد الشروع فيها من البتر بالموحدة والمثناة الفوقية، وهو قطع الآخر، وقوله وليس ذلك تعللا الخ جواب عن أنه كيف ساغ لموسى ﵊ أن يأمره الله بأمر لا يتلقاه بالسمع والطاعة من غير توقف، وتشبث بأذيال العلل والاستعفاء بعيد من مثله من أولي العزم، وقوله: وتمهيد عذر فيه أي في طلب المعونة وليس أمره بالإتيان مستلزماً له. قوله: (فيكونان من جملة ما خاف مته (أي إبتداء وصراحة بخلافه على الوجه السابق فإنهما مترتبان على خوف التكذيب والمترتب على المخوف مخوف فلا ينافي هذا ما موّ، وقوله تبعة كفرحة أي ما يتبعه من جزائه، وعلى التسمية باسمه هو مجاز بعلاقة السببية، وقوله على زعمهم أو هو بتقدير دعوى ذنب. قوله: (يقتلون به) أي قودا قبل أداء الرسالة المأمور بتبليغها، وهذا هو البلية التي طلب من الله دفعها بعصمته من الناس وليس هذا في شيء مما قبله حتى يغايره بكونه قبل الأداء، وذاك بعده أو في أثنائه كما توهم قيل وهو وان كان نبياً غير عالم ببقائه إلى أداء الرسالة أو إن أمره بشرط التمكين مع أن له نسخ ذلك قبله فإنه

стр. 2290

فعال لما يريد لا يسأل عما يفعل وأمّا كون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يعلمون أنه إذا حملهم الله تعالى رسالة أنه يمكنهم من أدائها ويبقيهم إلى وقت إلقائها، وإن كان بناء على اكثر لقتل بعض الأنبياء فغير مسلم لما مر، وقوله: ذاك إشارة إلى قوله إني أخاف أن يكذبون الخ، فإن قلت استدفاع البلية يكون قبل الأداء وبعده فلا وجه لتقييد هذا به، ومقابلته للاستظهار بل هو مناسب للاستظهار، وتدارك مصلحة النفس، والتوقي غير مناف لمقام النبوّة كما كان يفعله نبينا ﷺ حتى نزل عليه والله يعصمك من الناس، قلت: بعد أمر الله له بالتبليغ اللائق ملاحظة ذلك والخوف من فوات ما أمر به لا التوقي والاستظهار في أمر الدعوة يكون بعد الأداء لأنه طلب ظهورها وشيوعها فلا يرد ما ذكر، وهو اللائق بمقام أولي العزم الباذلين مهجهم في سبيل الله، وتوقي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا ينافيه فإنه لخوف فوات مصلحة الرسالة أيضا، وان كان حفظ النفس في ضمنه أيضاً فتأمّل. قوله: (إجابة له إلى الطلبتين) تثنية طلبه بوزن كلمة، وهي ما يطلب، وهو لف ونثر مشوّس فإنّ الإجابة إلى الثانية بكلا، والى الأولى باذهبا، وقدّمت الثانية لاختصاصها بموسى ﵊، ولذا فسروه بارتدع دون ارتدعا وبوعده متعلق بالإجابة ولدفع مفعول وعده أي موسى ﵊ واللام للتقوية، وردعه مفعول اللازم، ويجوز أن يكون فاعله أي اللازم له ردعه فالجواب معلوم بطريق الكناية، وقيل إنه مجاز، وضم أخيه عطف على وعده. قوله: (والخطاب الخ) لأنّ السياق يقتضي عدم حضور هرون ولا ينافي هذا ما ذكره في تفسير قوله: ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ﴾ [سورة طه، الآية: ٤٢] وقوله لأنه معطوف الخ تعليل للتغليب لأنّ كلا بمعنى ارتاع يا موسى فالخطاب له فقط وخطاب غيره بالتبعية له، والفاء ققتضي فهمه مما قبله وهو قوله فأرسل، وقيل إنها فصيحة، وقد قيل إنّ هرون كان إذ ذاك بمصر. قوله: (يعني موسى وهرون وفرعون) قيل والظاهر أنه لموسى وهرون ومن تبعهما من بني إسرائيل فيتضمن الكلام علوهما واعزازهما لقوله في القصص ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ [سورة القصص، الآية: ٣٥] أو لهما تعظيما ويأبى هذا ما بعده وما قبله من التثنية كما أنه يرد على لأوّل أنّ المعية لا تختص بأحد لقوله: ﴿وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ﴾ [سورة المجادلة، الآية: ٧] ولا أكثر إلا وهو معهم والخاصة وهي معية الشفقة، والنصرة لا تليق بالكافر ولو بطريق التغليب، وقد يقال خصوص المعية لا يلزم أن يكون بما ذكر بل بوجه آخر، وهو تخليص أحد المتخاصمين من الآخر بنصرة المحق والانتقام من المبطل كما أشار إليه في تفسير قوله مستمعون فلا غبار عليه مما ذكره أرباب الحواشي. قوله: (سامعون لما يجري بينكما وبينه) أعلم أنه في الكشاف جعل مستمعون قرينة معكم في كونه من باب المجاز، والله تعالى يوصف بأنه سميع وسامع ولا يوصف بأنه مستمع، اهـ محصله وأشار شراحه إلى أنّ السمع انكشاف ما فهو في حقه تعالى بمعنى الانكشاف التامّ المناسب له، ولا يعلم حقيقته إلا هو، وقد وصف الله بهما فإن كان ذلك في الأزل قيل سميع وإن كان فيما لا يزال قيل سامع، وهو بحسب الأصل مجاز إن كان مقيداً بالحاسة، ثم صار كالحقيقة وأمّا مستمع فلا يطلق عليه تعالى لأنه مقدمة جسمانية له كالنظر للرّؤية، ولأن فيه تلمسا للإدراك ينزه الله عنه سواء أكان بحاسة أم لا فسقط ما قيل من أنّ السمع في الحقيقة إدراك بحاسة فإن أريد به مطلق الإدراك فالاستماع مثله فلا حاجة إلى التجوّز فيه، ثم إنّ لهم في فهم كلامه طريقين احدهما أنّ قوله أنا معكم مستمعون جملته استعارة تمثيلية كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى بقوله مثل الخ لكنه مشكل لأنه حينئذ لا تجوّز في شيء من مفرداته، ولا يكون مستمعون مطلقاً على الله فلا حاجة إلى جعله بمعنى سامعين إلا بتكلف سيأتي، والثاني أنّ قوله مستمعون مجاز عن سامعين إمّ استعارة أو مجازاً مرسلاً أو كناية لتلازمهما غالبا، وقوله إنا معكم استعارة تمثيلية، وقوله: قرينة بمعنى مقترنة في المجازية معها واختاره الفاضل اليمني، واً وّل كلاميه يناسبه لكن قوله: يريد أنا لكما ولعدوّكما كالناصر الظهير لكما عليه إذا حضر واستمع يدل على أنه جعل مستمعون من جملة التمثيل لقول المصنف ﵀ استماعا كما قاله بعض الشراح وأمّا ما قيل من أنّ اللازم في التمثيل بقاؤه على ما كان عليه قبل النقل حقيقة كان أو مجازا، والاستماع

стр. 2291

في المستعار منه كناية عن السمع لأنه المقصود، وكل منهما يوجد بدون الآخر فكذا في المستعار له فمع كون كلام الكشاف والمصنف ﵀ صريحاً في خلافه بعيد جدّا، ولا فائدة تحته وجعل قوله: مثل بمعنى شبه وأنه استعارة بالكناية في الضمير المستتر في معكم لا يدفعه فإنّ تشبيهه تعالى بالحاضر لما ذكر يقتضي كون مستمعين بمعناه، والتخييلية يراد حقيقتها فالظاهر أنه أراد الثاني، وأنّ قوله إنا معكم تمثيل له في نصره وامداده بمن يحضر خصمين ليعين أحدهما، ويكون الاستماع بحسب ظاهره لكونه لم يطلق عليه كالسمع كالقرينة له وان كان مجازا عن السمع، والقرينة في الحقيقة عقلية، وهي استحالة حضوره تعالى في مكان والاستماع المذكور في تقرير التمثيل ليس هو الواقع في النظم بل هو من لوازم حضور الحكم للخصومة، ولما كانت المعية الخاصة تستعار لما يؤثر كالحفظ في قوله: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ [سورة التربة، الآية: ٤٠] كما ذكر السمع قرينة هنا لما ذكر، ووزانها وزان أني معكما أسمع وأرى فلا غبار في كلام الشيخين فتدبر. قوله: (مبالغة) علة لقوله مثل، وقوله: ولذلك أي لقصد المبالغة، وتوله: تجوّز لما عرفت أنه لا يطلق عليه، وجعل التجوّز هنا بمعنى الكناية تعسف بارد، وأصل معنى الإصغاء الميل للسماع، ثم تجوّز به عنه مطلقا، وقوله: الذي هو مطلق إدراك الحروف إشارة إلى أنه لا يتقيد بالحاسة، وإنما هو انكشاف مخصوص كما هو مذهب أهل السنة بل أهل اللغة فلذا أطلق عليه تعالى بخلاف الاستماع كما مر، وقوله معكم لغو أي متعلق بمستمعون، وقيل إنه حال من ضميره وتقديمه للاهتمام أو الفاصلة أو الاختصاص إن أريد معية مخصوصة. قوله: (لأنه مصدر) بحسب الأصل وصف به الآن هنا كما يوصف بغيره من المصادر للمبالغة كرجل عدل فيجري فيه ما يجري فيه من الوجوه، وقد قيل إنه لما كان له جهتان تبعيته لموسى عليهما الصلاة والسلام، وكونه وزيراً، وكونه نبيا مرسلاً من الله روعي كل من الجهتين فأفرد مرة وثني أخرى ولا ينافيه جمعهما في المسند إليه، وان لزم منه اشتراكهما في المسند لأنّ الإشعار في لفظ لا ينافي النظر إلى الواقع في آخر نعم في كلامه خلل من جهات ليس لنا حاجة إلى بيانها هنا. قوله: (فإنه مشترك) أي بين المعنيين، وأن كان مصدراً في الأصل لأنه صار حقيقة في المعنى الآخر، وبه سلم من كون فعول بمعنى مفعل لم يسمع في غيره. قوله: (لقد كذب الخ (هو من شعر لكثير عزة وقبله: حلفت برب الراقصات إلى منى خلال الملا يمددن كل جديل لقد الخ وبعد.: فلاتعجلي يا عزأن تتفهمي بنصح أتى الواشون أم بحبول وقد روي هذا البيت مقدما والمعنى ما أرسلتهم برسالة إذ أرسلته بمن أرسل لا وجه له، والتجريد يأباه المقام إذ لا مبالغة فيه كذا في الكشف، وقد قيل عليه إنه لا مانع من كونه فيه بمعنى المرسل وأرسلتهم بمعنى أرسلت إليهم على الحذف، والإيصال وهو كثير في فصيح الكلام والمعنى ما وقفوا على سرى بالذات، ولا بالواسطة، وهو المناسب، وما ذكره مبنيّ على أنّ ضمير أرسلتهم للمرسل لا للمرسل إليه، وليس بشيء لأنّ المتعارف أنّ الباء لا تدخل إلا على ما مع الرسول كالهدية فلا يقال أرسلت برسول، وأنما يقال أرسلت الرسول بالهدية أو بالكتاب، وكذا بعثت ولذا اعترض على قول المتنبي: فآجرك الإله على عليل بعثت إلى المسيح به طبيبا فهو محتاج إلى التجريد، وإنما لم يحمل أرسلتهم على الحذف لأنه خلاف الظاهر من غير فائدة مع أنّ قوله فلا تعجل، ومعنى الواشي يناسب ما ذكر فتدبر، وقوله ولدّلك أي لكونه مشتركا أو مصدراً. قوله: (أو لاتحادهما الخ) فكأنهما نفس واحدة لما ذكر، أو لتبعية هرون لموسى عليهما الصلاة والسلام كما مر ولا ينافيه التثنية مع التصريح بالوزارة لأنه لئلا يكون المقام خلواً عن الإشارة إلى الجهتين كما ثني هنا قولاً، وهذه النكتة في الحكاية فلا منافاة بينهما حتى يقال إنه وقع مرتين أو مرة بما يفيد التثنية، والاتحاد فساغ التعبير بكل منهما، والمرسل اسم فاعل هو الله والمرسل به الشريعة والتوحيد. قوله:) أو لأنه الخ) يعني أن قوله إنا بمعنى إنّ كلامنا فصح إفراد خبره كما يصح في ذلك، وفائدته الإشارة إلى أنّ كلا منهما مأمور بتبيغ ذلك ولو منفردا، فما قيل: إنّ التثنية تفيد هذا فلا فائدة في العدول عنها، وأنّ مثله إنما هو في تاويل

стр. 2292

الجمع كيخرجكم طفلاَ لا وجه له، وقوله: أي أرسل يعني أن تفسيرية هنا وأشار بما بعده إلى توفر شرطها عند النحاة، وهو تقدم ما تضمن معنى القول دون حروفه، وقد جوز فيها المصدرية بتقديره بأن أرسل الخ، وهو على الأوّل متحد بما قبله في الجملة، وعلى هذا مغاير له، ولذا رجحه بعضهم لموافقته لقوله: ﴿فَأَرْسَلَ﴾ [سورة الثعراء، الآية: ٥٣] في طه فلا وجه لما قيل إن ما في طه موافق لكلا الوجهين على سواء فتأمّل. قوله: (معنا إلى الثأم (أخذ التقييد من قوله معنا وقرينة الحال، ومنهم من فسره بيذهبوا حيث شاؤوا على أنّ الإرسال بمعنى الإطلاق مع أنه وافقه في محل آخر، وقوله بعدما أتياه الخ كأنه يشير إلى كونه قال إنما يتصوّر بعد الإتيان، والقول فهو معلوم من السياق، ويحتمل أنه إشارة إلى تقدير فأتيا فرعون فقالا له ذلك كما في الكشاف وغيره، وقوله في منازلنا إشارة إلى تقدير مضاف تقتضيه الظرفية، ولو قدّر في أهلنا صح لكن هذا أظهر وأقرب للحقيقة. قوله: (سمي به) أي سمي الطفل بالوليد، وهو فعيل بمعنى مفعول لأنّ فعيلا قد يدل على قرب التلبس بالمعنى كحليب ووليد كما صرح به أهل اللغة وكأنه أخذ من صيغة المبالغة لما كانت الولادة لا تفاوت فيها نفسها وفي قوله لبث الخ شيء ما سياتي في القصص. قوله: (وبخه به) أي بذلك القتل، وتعظيم القتل بما في الموصول من الإبهام الذي يستعمل لذلك كما في نحو ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [سورة طه، الآية: ٧٨] كأنه أمر لا يمكن الإحاطة به ومعرفة كنهه، وفيه أيضا تلطف به لعدم التصريح بذنبه، وقوله: قتله بكسر القاف وفعلة للهيئة والفعل المخصوص كما أشار إليه بقوله بالوكز وهو الضرب بجمع كفه، وعلى الفتح هو للمرّة. قوله: (بنعمتي) فهو من كفران النعمة وجعل الدليل عليه قتل خواصه، والمراد بخواصه المضافة الجنس فيشمل الواحد، وقوله أو ممن يكفر بصيغة المجهول وفي نسخة تكفرهم من الإكفار أو التكفير فإنهما مسموعان لكن الأشهر هو الأوّل، والمعنى كنت من جملة القوم الذين ادعيت كفرهم، وهذا الحكم منه بناء على ما عرفه من ظاهر حاله لاختلاطه بهم، والتقية معهم بعدم الإنكار كما أشار إليه المصنف ﵀، وإلا فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون عن الكفر قبل النبوّة وبعدها، وكونه افتراء عليه بعيد لأنه لو علم بإسلامه أوّلاً سجنه أو قتله إحدى التاءين يعني في الفعلين السابقين، وكونه حكماً مبتدأ أي غير حال فهو إمّا مستأنف أو معطوف، وقوله من الكافرين بالهيته الكفر بمعنى الجحد أو على زعمه، وقوله أو بنعمته هو الوجه الأوّل بعينه والمغايرة بينهما في وجهه فإنه في الأوّل قتل خواصه وفي هدّا مخالفتة له، وفي الوجه الأخير مبنيّ على اعتقادهم الباطل. قوله: (قال فعلتها إذا (أي إذ ذاك وفي الآية لف ونشر مشوس، وأقرّ بالقتل لثقته بحفظ الله له، وقوله من الجاهدين فسر الجهل بما ذكر ومحصله الإقدام من غير مبالاة بالعواقب وهو بهذا المعنى في أكثر استعمالات العرب كقوله: ألالايجهلن أحدعلينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا والفرق بينه وبين الثالث أنه في هذا عالم بالعواقب دون ذاك، والضلال يستعمل بمعنى الجهل كما يستعمل الجهل بمعناه، وما يؤول إليه الوكز هو القتل، ولأنه يتعلق بالذاهلين، وتفسير. بالجاهلين بالشرائع غير مناسب والفرق بين الثاني والثالث غير ظاهر، وكونه في مجرّد التعبير لا محصل له، وهذا جواب لما وبخه به وكون الضلال بمعنى النسيان مرّ تحقيقه في سورة البقرة. قوله: (لما خفتكم) أي حين الخوف لقوله: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [سورة القصص، الآية: ٢٥] وقوله: حكمة أراد بها النبوّة وما وبخه به هو القتل وكفران نعمته، والردّ بأنه قبل النبوّة وكان خطأ منه، وكرّ بمعنى رجع أي إلى ردّ ما ادعاه من نعمة التربية، وقوله: ولم يصرّح بردّه لأنه اعترف به بقوله وتلك نعمة بخلاف الأوّل فإنه لما قدج في نبوّته بالقتل العمد قال: إنه لم يكن عمدا، وانه قبل النبوّة فلا يتوهم أنّ الأوّل غير صريح أيضاً كما قيل، والنعمة استعباد بني إسرائيل حتى صار هو في حجره. قوله: (لأنه كان صدقا) فلا يناسب رده بنفسه صراحة بخلاف القتل كما مرّ وتربيته له غير قادح فيه لا حقيقة ولا توهما بخلاف الأوّل فإنه يتوهم فيه القدح، وقوله تمنها عليّ بها كذا في أكثر النسخ، وكان الظاهر إسقاط الضمير، وقد قيل إنه إشارة إلى أنه من الحذف والإيصال فهو بتقدير أي بها أو هو عطف بيان على الضمير

стр. 2293

وهو تكلف، وقوله بها وتمنها بمعنى تعدها عليّ من المن وهو على ظاهره من الاستقبال أو تنعم بها من المنة والمضارع لاستحضار الصورة، والتعبيد التذليل باتخاذهم عبيداً، والتربية مفهومة من قوله ألم نريك، وقوله وهي في الحقيقة تعبيدك أي بسبب تعبيدك، وجعلها عينه مبالغة كما صرّح به بعده. قوله: (وقيل الم يرتضه لأنه خلاف الظاهر، وقد منعه بعض النحاة، وقوله: ومحل أن عبدت أي على الوجهين الرفع على أنه خبر محذوف، والجملة حالية أو مفسرة وقوله بدل نعمة، أو تلك وهو معنى قوله في نسخة أو مبدل من المبتدأ أو الخبر أو عطف بيان، وقوله أو الجرّ الخ هما قولان مشهوران في محل إن وأن وما معهما بعد حذف الجاز، وعليهما فهو بدل من ضمير تمنها ومنهم من قدره لأن عبدت. قوله: (وقيل الخ) الشنعاء القبيحة، وفيه فصل بينهما بأجنبيّ، ولذا مرضه مع قوته بحسب المعنى وشناعتها مأخوذة من الإبهام، وهو حينثذ للإنكار عليه فيما امتن به والجمع في منكم، وخفتكم وجهه ظاهر كما صرّح به في قوله إنّ الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، ولم يرعو مضارع ارعوى بمعنى انتهى، وانكف وضمير إنه لموسى ﵊. قوله: (شرع في الاعتراض على دعواه الخ) وتقديم الاستفسار جار على قواعد البحث لتصوّر المدعي توطئة لرده والمراد بدعواه ما يخص التوحيد، والا فقد تقدم الاعتراض على دعوى النبوّة أيضا، واليه أشار بقوله جواب ما طعن فلا وجه للاعترإض عليه بأنّ القدح في نبوّته كان أيضاً أعتراضا على دعواه كما توهم. قوله: (عن حقيقة المرسل) يعني أنّ سؤاله كان من حقيقته، وماهيته الخاصة وما يسأل بها عن الحقيقة مطلقاً سواء أكان من أولي العلم أم لا فلا يتوهم أنّ حق الكلام أن يقال من رب العالمين كما إذا كان السؤال! عن الجنس حتى يوجه بأنه لإنكاره له عبر بما تحقيراً، ولما كان التفتيش عن حقيقته مما لا سبيل إليه عدل عن جوابه إلى ذكر صفاته على نهج الأسلوب الحكيم إشارة إلى تعذر ما ذكره، ولما نظر السكاكيّ إلى الظاهر جعل السؤال عن الوصف، ولم يتعرّض لما في الكشاف من أنّ بوّابه قال هنا من يزعم أنه رسول رب العالمين لأنه يختل به النظم، كما قاله الطيبيّ وان ردّه في الكشف. قوله: (لما امتنع تعريف الآفراد (لأنّ الفرد المعين لا يحد وإنما يعرف بالإشارة، وهي غير معرّفة في الحقيقة، وإنما المعرّف خواصه ومشخصاته ومع ذلك فالإشارة الحسية ممتنعة في حقه تعالى، وقوله لما بالتشديد جوابه محذوف يدلّ عليه قوله عرفه الخ أو بالتخفيف، وما مصد! ية أي لامتناع تعريف الأفراد، والمرا! بتعريفه بيان حقيقته بقرينة قوله حقيقة المرسل فلا يقال أنّ الأولى أن يقول لما امتنع تعريفه بدل تعريف الإفراد إذ هو اللازم من كلامه لأنّ ما ذكر إثبات للمدّعي بطريق برهاني كما لا يخفى. قوله: (وإليه أشار (أي إلى امتناع تعريف حقيقته كما في سائر الأفراد المعينة إلا بذكر الخواص، وقوله الأشياء إشارة إلى أنّ له مفعولاً عامّا مقدراً، ويحتمل أن يريد أنه نزل منزلة اللازم والمعنى إن كنتم ممن شأنه الإيقان، وقوله لتركبها لأنّ التركب يستلزم الحدوث كما بين في الكلام، وكذا التعدد كما مرّ وتغير أحوالها محسوس، واستلزام تعريفه بحقيقته لتعرياله بنفسه ليس مغالطة كما قيل بل لأنه لا أجزاء له لا ذهنية ولا خارجية، وتعريف الشيء بنفسه باطل للزوم توتفه على نفسه كما قرّره في محله، وليس هذا مبنيا على تجانس الأجسام كما سبق إلى بعض الأوهام. قوله: (جوابه) هو مفعول تستمعون، وقوله أو يزعم في نسخة زعم، وهو معطوف على يذكر، وقد جوّز عطفه على سألته وقوله أو غير الخ يعني على زعمه الفاسد إذ هي كذلك في النظرة الحمقاء، وذلك لعدم العلم بإمكانها وحدوثها الذي هو علة الحاحة لما ذكر لا لأنّ التأثير لا ينافي دعواه الربوبية، وأنه إله العالم فلا حاجة إلى ما تكلفه بعضهم هنا. قوله: (عدولاً إلى ما لا يمكن الخ) يعني أنه لما أنكر خلق السموات والأرض لتوهمه قدمها عدل إلى ذكر هذا لإلزامه إذ لا يشك في حدوثه وافتقاره، والنظر في الأنفس أقرب واً وضح من النظر في الآفاق، وقوله مثله الضمير لما مرّ من الوجوب، وعدم الافتقار إلى مؤثر! ومثل مقحمة كقوله مثلك لا يبخل، ثم إنّ المصنف بني تفسيره هنا على الوجهين الأخيرين في تفسير الآية السابقة، ولذا قيل إنه رجحهما على الوجه الأوّل ويجوز أن يقال على الوجه الأوّل أنه ﷺ عدل إلى ذكر لازم أجلى وأظهر من الأوّل تنبيهاً على عدم إمكان تعريفه

стр. 2294

بدون خواصه، ولك أن تقول إنّ قوله ويكون أقرب الخ إشارة إليه، ومعناه أنه عدل عن الجواب بحقيقته إلى ما هو أوضح إشارة إلى أنّ ما سأل عنه لا يمكن الوقوف عليه، وانّ فيما ذكر كفاية لمن يفهم ولو لم يقصد هذا لم يرتبط به ما بعده، ونحوه ما قيل إنه لم يتعرّض له لعدم إمكان تفهيمه، وستسمع تتمته. قوله: (اسأله عن شيء الخ الأنه سأل عن الحقيقة فأجابه بالوصف على الأسلوب الحكيم فلم يفهم مطابقته، ولم يتعرّض لتفسيره على الأخيرين لأنه جعل هذا ناظراً إلى أوّل كلامه، وانه عدل إلى الطنز لحيرته، وعدم قدرته على دفع ما ذكره وقوله تشاهدون الخ يعني أنّ تحريك الشمس على مدارات مختلفة دالّ بتغيرها على حدوثها، وأنّ لها صانعا قادرا حكيما. قوله: (إن كان لكم عقل الخ) يعني أنه منزل منزلة اللازم هنا لأنه أبلغ، وأوفق بما قبله من رد نسبة الجنون إليه للإشارة إلى أنهم مظنته لا هو كما أشار إليه بقوله وعارضهم بمثل مقالتهم، وقوله لا ينهم أي عاملهم باللين والرفق لما قال لهم إن كنتم موقنين وخاشنهم أي أغلظ عليهم في الردّ بقوله إن كنتم تعقلون وقوله عن المحاجة متعلق بقوله عدولاً والديدن العادة والحجوج المغلوب برد حجته. قوله: (واستدلّ به) أي استدلّ بما ذكر هنا من قوله: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ الخ على أنّ فرعون كان يدعي الألوهية، وان كان قوله ويذرك وآلهتك يقتضي أنه مشرك، ولذا قال: من ذهب إلى هذا أنه كان يدعي الألوهية لنفسه، ولها أيضاً وهو بعيد وقوله: ﴿وإن تعجبه﴾ الخ قيل مراده على جواز ما ذكر فلا ينافي ما مرّ في تفسيره، وهو تكلف ما لا حاجة إليه لأنّ ما مرّ مبنيّ على ما ارتضاه كما أشار إليه بقوله ولعله كان دهرياً الخ والقطر بضم فسكون جانب الأرض، وقوله بقوّة طالعه بناء على زعمه في تأثير الكواكب كما تقول الدهرية. قوله: (واللام الخ) وجه كونه أبلغ من لأجعلنك مسجونا الأخصر ما فيه من الإشارة إلى سجن مخصوص لا يرجى منه الخلاص، وهو ظاهر وليس هذا من قبيل كانت من القانتين، وذاك نوع آخر فيه بلاغة أخرى كما ذكره ابن جنى رحمه الله تعالى. قوله: (أي أتفعل ذلك) يعني إنكار نبوّتي وكفرك، وقوله: يبين صدق دعواي فهو من أبان المتعدّي ومفعوله محذوف لأنه المناسب للمقام، وجعل الواو حالية فإن قلت قوله بعد حذف الفعل يقتضي أنها عاطفة فينافيه، قلت: يريد أنّ التقدير أتذكر ما قلت، ولو جئتك الخ فالمقدّر صاحب الحال وعاملها وحينئذ لا حاجة إلى تأويل الإنشائية بخبرية ليصح وقوعها حالاً، وقوله: في أنّ لك بينة أسقط ما في الكشاف هنا من أنّ في هذه الآية ردّا على أهل الحق لأنه لا وجه له كما بين في شروحه. قوله تعالى: ( ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ﴾ الا حاجة إلى جعل هذه الفاء فصيحة مبنية على مقدّر كما قيل، وقوله ظاهر ثعبانيته الخ أي ليس بتمويه وتجيل كما فعله السحرة، وهو مشتق من ثعب بمعنى جرى جرياً متسعا، والثعب المجري الواسع وسمي به لجريه بسرعة من غير رجل كأنه ماء سائل، ولذا شبه به الماء الجاري، وأمّا كونه من الانفجار من بعد وان كان ما-له ما ذكر فليس بمراد هنا، وقوله فما فيها سأله ليتنبه لحالها ويرى ما حدث فيها من النور ليكون أعجب والإبط ما بين الذراع والجنب ويعشى بعين مهملة. قوله: (مستقرّين حوله الخ) يعني أنه منصوب لفظاً على الظرفية والظرف مستقرّ وقع حالاً كما أشار إليه بقوله مستقرّين ولم يجعله صفة للملا على حدّ: ولقد أمر على اللئيم يسبني لأنّ هذا أسهل وأنسب كما لا يخفى وقوله فائق في علم السحر أخذه من صيغة المبالغة. قوله: (بهره سلطان المعجزة) أي غلبة قوّة المعجزة وحطه عن دعوى الربوبية لإظهار ائتماره بأمرهم، والمؤامرة المشاورة وهو إشارة إلى معنى قوله تأمرون، وفيه مخالفة للزمخشريّ حيث جوّز في تامرون أن يكون من المؤامرة بمعنى المشاورة لأمر كل بما يقتضيه رأيه أو من الأمر وخص النكتة بالثاني كما يتبادر من كلامه لعدم تأتيها على الأوّل، وهو الظاهر من السياق ومحل ماذا النصب على المصدرية أو المفعولية، وتنفيرهم بقوله يريد أن يخرجكم من أرضكم والاستشعار طلب الشعور بظهوره واستيلائه. قوله: (أخر أمرهما) أي إلى أن تأتيك السحرة من أرجأته إذا أخرته، وقد قرئ بهمز وبدونه وقوله شرطاً بضم الشين وفتح الراء جمع شرطه بفتح الراء وسكونها، وهم أعوان الولاة وقد يرد بمعنى خيار الجند وليس بمناسب هنا، ويحشرون السحرة بمغني يجمعونهم عندك، وقوله يفضلون

стр. 2295

من صيغتي المبالغة ولم يزيدوا في العلم لأنّ المهمّ هو العمل هنا، وقوله: فما فيها أي أفي شيء فيها يعني ليس فيها معجزة. قوله تعالى: ( ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ﴾ ) في المفتاح أنّ تعريف السحرة عهدي وفي شرح الفاضل المحقق أنّ المعهود قد يكون عامّا مستغرقاً كما هنا ولا منافاة بينهما كما يتوهم، وفيه بحث ليس هذا محله، وقوله لما وقت به أي عين وظاهره أنه مخصوص بالزمان، وهو المتبادر من الوقت وفي الكشاف الميقات ما وقت به أي حدّد من زمان أو مكان، ومنه مواقيت الإحرام وقد يقال ما ذكره المصنف هو أصل معناه، وما في الكشاف شاع فيه بعد ذلك حتى الحق بالحقيقة. قوله: (فيه استبطاء) يعني أنّ الاستفهام مجاز هنا عن الحث والاستعجال وباعث بمعنى مرسل ودينار وعبد رب أخو عون ومخراق بالخاء المعجمة كلها إعلام وعبد رب بالنصب عطف على محل دينار كما رواه سيبويه، ولو جرّ عطفاً على لفظه صح، وقوله إحداهما هو معنى أو وأخا عون إمّا منادى أو عطف بيان لما قبله. قوله: (نتبعهم في دينهم) إشارة إلى أنّ المراد بالاتباع موافقتهم في مدّعاهم، وقوله إن غلبوا إشارة إلى بيان حاصل المعنى لأنّ المقصود منه الخبر وليست كان فيه زائدة، وقوله والترجي باعتبار الغلبة يعني أنّ من جملتهم فرعون وهو لا ترجى منه ولا يترجى اتباعهم فالترجي، واحتمال الوقوع للغلبة لا للاتباع لأنه غير متصوّر منه بل من أتباعه بحضرته، إلا باعتبار أنّ أتباعهم اتباع له لكونهم أتباعه، ولذا جعلوه كناية عن عدم اتباع موسى ﵊ والمعنى الحقيقيّ هنا بالنسبة إلى فرعون، وان كان متبعا لأنّ مدعي الألوهية لا يتغ غيره فيكفي إمكانه واحتمال وقوعه ولو من غيره، أو يقال أنه لدهشته وغلبة ذل العجز عليه جوّز اتباعهم كما طلب الأمر ممن حوله فلا حاجة إلى جعله مجازا متفرّعا على الكناية بناء على مذهب الزمخشريّ فيه. قوله: (التزم لهم الأجر) هو من قوله نعم لأنه إجابة لما طلبوا منه، وقوله زبادة عليه أي على الأجر من قوله وانكم الخ وقوله: إن غلبوا معنى قوله إذا لأنها جواب وجزاء كما أشار إليه بقوله فإذا الخ، وقوله بالكسر أي بكسر العين مع فتح النون. قوله: (ولم يرد الخ) يعني أنّ السحر حرام، وقد يكون كفرا على ما فصل في الأحكام وعلى كلى حال فلا يليق من النبيّ المعصوم الأمر به فدفعه بأنّ الأمر هنا ليس على حقيقته لأنهم فاعله لا محالة، وإن لم يقل لهم ذلك كما أشار إليه بقوله ما أنتم ملقون، ولذا عبر بالاسمية فهو عبارة عن الإذن بتقديمه ليتوسل به إلى إبطاله المتوقف عليه كما يؤمر الزنديق بتقرير حجته لتردّ فإنّ الممتنع هو الرضا على طريق الاستحسان لا مطلق الرضا، وما اشتهر من قولهم رضا الكفر كفر ليس على إطلاقه كما عليه المحققون من الفقهاء وأهل الأصول، وقوله ما هم فاعلوه لأنه علم ذلك بفراسة صادقة أو إلهام أو وحي، ولأنّ الظاهر أنّ فرعون بعد إحضارهم لذلك يحملهم عليه فما قيل إنه في ظنه لا وجه له ولا يناسب كلام المصنف. قوله: (أقسموا بعزته) وخصوها بالقسم هنا لمناسبتها للغلبة، واذا فجائية وتلقف أصله تتلقف عبر بالمضارع لاسنحضار الصورة، والدلالة على الاستمرار وأصل التلقف الأخذ بسرعة، وفسر هنا بالابتلاع، وقوله ما يقلبونا أي يغيرونه عن وجهه أي حاله الأوّل من الجمادية إلى كونه حيا نضراً وفيه إشارة إلى أنّ ما موصولة حذف عائدها للفاصلة، وقوله إفكهم إشارة إلى جواز كونها مصدرية. قوله: (وفيه) أي في سجودهم، وتسليمهم له دليل على أنّ منتهى السحر تمويه أي تلبيس من موّه الأمر إذا أظهر منه ما ليس فيه، وأصله أن يطلى بالذهب المذاب كالماء ووجهه أنّ السحر أتوى ما كان في زمن موسى ﵊، ومن أتى به فرعون أعلم أهل عصره به وقد بذلوا جهدهم وأظهروا أعظم ما عنده منه، وهو تمويه فعلم ما ذكر ولكن ليس كل سحر كذلك، وإنما هذا هو الغالب فيه والتزويق التزيين والتحسين، وأصله أن يجعل الزاووق وهو الزئبق مع الذهب، ويطلى به ثم يدخل في النار فيطير الزاووق، ويبقى الذهب، ثم قيل لكل مزين ومنتقش مزوّق. قوله: (وإن التبحر) معطوف على قوله إنّ منتهى السحر والتبحر تفعل من البحر، وهو عبارة عن زيادة العلم وسعته أي زيادة العلم نافعة في كل فن وإن لم يكن من العلوم الشرعية فإنّ هؤلاء السحرة لتبحرهم في علم السحر علموا حقيقة ما أتى به موسى عليه

стр. 2296

الصلاة والسلام وأنه معجزة فانتفعوا بزيادة علمهم لأنه أدّاهم إلى الاعتراف بالحق والإيمان لفرقهم بين المعجزة والسحر، وأنما بدل الخرور بالإلقاء الخ والمعروف فيه ذلك نحو خرّوا له ساجدين ولا إلقاء وايجاد خرورهم وخلقه فيهم لا يسمى إلقاء حقيقة، ولغة فمن قال إنه تعالى خلق خرورهم عند أهل السنة وخلقه هو الإلقاء فلا حاجة إلى التجوّز لم يفرق بين الفاعل الحقيقي واللغويّ وهو دقيق. قوله: (قكأنهم أخذوا الخ) إشارة إلى أنّ في ألقى استعارة تبعية حسنها المشاكلة، وليس مجازاً مرسلاً وان احتمله النظم، ووجه الشبه عدم التمالك لا السرعة كما قيل، وقوله وانه تعالى الخ إشارة إلى أنّ الفاعل هو الله حذف للعلم به وفي الكشاف، ولك أن لا تقدر له فاعلاً لأنّ ألقوا بمعنى خرّوا وسقطوا يعني فلا يحتاج إلى فاعل آخر غير من أسند إليه المجهول لأنه فاعل الإلقاء، وقيل إنه أراد أنه لا يحتاج إلى تعيين فاعل لأنّ المقصود الملقى لا تعيين من ألقاه كما في قتل الخارجيّ، وهو بعيد مما ذكرنا.، وخوّلهم بالخاء المعجمة بمعنى أعطاهم. قوله: (بدل الاشتمال الما بين الإلقاء وهذا القول من الملابسة، ويحتمل أن يكون استئنافا كأنه قيل فما قالوا وقوله إبدال لو جعله عطف بيان كان أظهر، ورفع التوهم بأن يتوهم بأنهم أرادوا برلث العالمين فرعون لقوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [سورة النازعات، الآية: ٢٤] الخ ولا وجه له إذ يجوز أن يكون فرعون قال كلا من الكلامين ولم يذكر الثاني هنا وتوافق الآيتين غير لازم وكذا ما قيل إنه من نسبة فعل الواحد للجنس، وروح بفتح الراء ومشهور بين القراء. قوله: (بيان له) أي لمفعول يعلمون المحذوف، وهو الوبال وتفصيل لما أجمل ولذا فصل وعطف بالفاء في محل آخر وقوله لا ضرو علينا إشارة إلى الخبر المقدر، وحذفه في مثله كثير وقوله: ﴿بما توعدنا به﴾ [سورة الأعرأف، الآية: ١٢٣ إمّا معلوم من الأفعال أو مجهول من التفعل، وهو قطع الأيدي وما معه، وقد وقع في بعض النسخ بفتح التاء والواو مع رفع الدال على أنّ أصله تتوعدنا، والانقلاب إليه هو الرجوع إلى جزائه وثوابه، والصبر عليه بالثبات على الحق، وقوله موجب للثواب أي بمقتضى وعده أو كالموجب إذ لا يجب عليه تعالى شيء عندنا. قوله: (أو سبب من أسباب الموت) يعمي المراد من الانقلاب إليه الموت وهو كائن لا محالة: ومن لم يمت بالسيف مات بغيره تعددت الأسباب والداء واحد فلا ضير ولا جزع لوقوعه بما هو أنفع لنا فالمعنى على الأوّل لا ضير في قتلك لأنه سبب للسعادة الأبدية وعلى هذا إلا ضير فيما فعلت لأنه لا بد من الموت فهو كقول علي كرّم الله وجهه لا أبالي أوقعت على الموت أم وقع الموت عليّ، والفرق ظاهر وترك هنا وجهاً آخر ذكره في الأعراف على عادته في ترك بعض الوجوه المذكورة في محل آخر لتكثير الفائدة، وهو أنّ المراد مصيرنا ومصيرك إلى رلث يحكم بيننا، وليس تركه لما فيه من تفكيك الضمائر لكونها للسحرة فيما بعده، وقبله لأنه لو كان محذورا لم يجوّزه ثمة ولأنّ دخولهم فيه مانع منه كما لا يخفى فتأمّل، وقوله من خلاف أي من محل فهو ظرف، أو من أجل خلافكم، وقوله: لأن كنا إشارة إلى قراءة الفتح وأنها على تقدير الجار. قوله: (من أتباع فرعون الخ) المراد أنهم أوّل من أظهر الإيمان منهم عنده كفاحا فلا يرد عليه ما قيل إنه منقوض بمؤمن آل فرعون وآسية، والثاني بهما وببني إسرائيل إلا أن يكونوا غير حاضري المشهد، وهو غير معلوم وفي الكشاف من أهل زمانهم، وفيه إنّ بني إسرائيل مؤمنون قبلهم، وليس المراد بالإيمان بموسى ﵊، لقولهم رب موسى وايمان بني إسرائيل في ذلك الوقت به غير محقق. قوله: (والجملة في المعنى تعليل ثان) إنما قال في المعنى إشارة إلى أنه ليس المقصود به التعليل ليكون المقام مقام العطف ولذا قيل إنه تعليل له مع علته، وعلى الوجه الثاني هو تعليل للعلة، وقوله وقرئ الخ أي بأن الشرطية التي تستعمل في الشك فلذا جعله مضافا لنفسه نزله منزلة المشكوك، وقوله أو على طريقة المدل بوزن

стр. 2297

الفاعل مشدد اللام من قولهم تذلل عليه أظهر مخالفته تعنتاً لاعتماده على محبته، وليس بمراد لكنه أبرزه في صورة الشك لتنزيل الأمر المعتمد منزلة غيره تمليحا وتضرّعا لله كقول القائل إن كنت عملت لك فوفني حقي وقوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي﴾ [سورة الممتحنة، الآية: ا] وقد نجوّز فيها أن تكون مخففة من الثقيلة بدون اللام الفارقة لعدم اللبس فإنه ورد مثله في فصيح الكلام لعدم احتمال النفي، وقوله إن أحسنت الخ الظاهر أنه معمول لقول مقدر أي إذا قال أو قائلاً ونحوه أو هو بدل من المدلّ بدل اشتمال. قوله: (وذلك بعد سنين الخ) أي أمر الله له بالمسير عنهم بعد سنين من مجيء السحرة، وقوله أتبعكم مصبحين كان الظاهر اتبعوكم لكنه أرجع الضمير لفرعون لأنه المقصود، وقوله مصبحين حال من ضمير الجمع الواقع مفعولاً وارتكبه ليطابق ما في النظم بعده، ولو جعل من الأفعال بحذف مفعوله أي أتبعكم جنوده صح وفي بعض النسخ اتبعوكم وهي ظاهرة، وقوله فأطبقه بالرفع معطوف على يدخلون، وقد جوّز نصبه على أنه جواب للأمر، وقوله بحيث لا يدركونكم توجيه لأمرهم بالسرى، وبيان لحكمته، وقوله حتى أخبر بسراهم إشارة إلى أنّ الفاء فصيحة أي فسروا وأخبر بسراهم فارسل الخ، والمراد بالمدائن مدائن مصر. قوله: (على إرادة القول) يعني أنّ هؤلاء الخ معمول لقول مضمر، وهو إمّا حال أي قائلا ذلك أو مفسر لأرسل والشرذمة الطائقة، وقيل بقية كل شيء خسيس ويقال ثوب شراذم وشراذمة أي خلق مقطع وهو من وصف المفرد بالجمع مبالغة كما ستسمعه قريبا، وقوله بالإضافة متعلق باستقلهم أي جعلهم قليلاَ بالنسبة لجنده لأنّ مقدمته فقط أكثر منهم. قوله: (وقليلون الخ) يعني كان الظاهر شرذمة قليلة فجمع باعتبار أنّ الشرذمة مشتملة على الأسباط أي الفرق، والقبائل من بني إسرائيل، وكل منهم قليل كما يقال ثوب شراذمة ويراد أخلاق للمبالغة في أنّ كل جزء منه متصف بالبلاء كمعي جياع فهو يفيد تناهيه في ذلك الوصف، ولذا ذكرهم باسم دالّ على القلة وهو شرذمة ثم وصفهم بالقلة، ثم جمع القليل للإشارة إلى قلة كل حزب منهم، وأتى بجمع السلامة الدال على القلة، ويجوز أن يراد بالقلة الذلة لا قلة العدد يعني أنهم لقلتهم لا يبالي بهم ولا يتوقع غلبهم. قوله: (لفاعلون ما يغيظنا) من مخالفة أمرنا والخروج بغير إذن منا مع ما عندهم من أموالنا المستعارة، وتقديم لنا للحصر والفاصلة واللام لجعله بمنزلة اللازم كما يشير إليه تفسيره بفاعلون أو للتفوية، وقوله لجمع إشارة إلى أنّ جميع بمعنى الجمع وليست التي يؤكد بها، ولو كانت هي المؤكدة نصبت، وقوله من عادتنا الحذر بفتح الحاء والذال أو بكسر فسكون، وهو الاحتراز وكونه من عادتهم من صيغة فعل الدالة على الثبات والمبالغة. قوله: (أشار أوّلاً الخ) يعني بقوله إنّ هؤلاء الخ، وقوله: ثم إلى تحقق الخ هو من قوله: (وأنها لنا لغائظون) ووجوب التيقظ من قوله وانا لجميع حذرون وهو معطوف على تحقق، أو على قوله فرط وقوله حثا تعليل لقوله أشار وضمير عليه إلى ما ذكر، وقيل إنه للاتباع. قوله: (أو اعتذر) في نسخة واعتذر وفي نسخة أو اعتذار بالنصب عطف على حثا وضمير به لفرعون يعني اعتذر من إرساله لهم بأنهم ليسوا بشيء يخاف منه، وإنما يكثر الجيوس لحزمه وإراءة قوّته لهم، والأوّل يعني حذرون للثبات لأنه صفة مشبهة، والثاني حاذرون اسم فاعل يفيد التجدد والحدوث وهذا بناء على ما اشتهر عند النحاة، وفي شرح المفتاح الشريفي إنّ اسم يدل على الثبوت مطلقاً والدوام والتجدّد من القرائن، وفيه نظر. قوله: (وقيل الحاذر المؤدي في السلاح) أي الداخل في عدة الحرب كالدرع فإن المؤدي بالهمز هو صاحب السلاح لاً نه صاحب أداة أي آلة، وآلة الحرب تسمى حذراً مجازا كما في قوله: ﴿خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ [سورة النساء، الآية: ٧١] وأليه أشار بقوله وهو أيضا الخ وأمّا المودى بمعنى الهالك فغير مهموز من أودى إذا هلك وليس من الأضداد لأنه سبب أداته كما قيل. قوله: (وقرئ حادرون بالدال) المهملة ومعناه أقوياء أشداء من حدر حدارة إذا امتلأ شحماً أو لحماً، ومنه الحادرة اسم شاعر أو هو بمعنى تام السلاح أيضا لأنه يتقوّى به كما يتقوّى بأعضائه فهو استعارة حينئذ، أو مجاز مرسل أو كناية. قوله: (أح! ب الصبتي الخ) يقول إني أحب بعض الصبيان، وان كان قبيحا لحب أمّه، وقد أبغض بعض الصبيان

стр. 2298

لبغض أمّه وان كان حسنا فسكنى عن حسنه بكونه حادرا والحدارة بفتح الحاء، والدال المهملتين كالجسامة لفظاً ومعنى وأراد به القوّة هنا. قوله: (بأن خلقنا الخ) إنما أوّل أخرجنا بخلقنا داعية الخروج وأوجدناها ولم يؤوّله بخلقنا الخروج وان كان كافياً لأنّ مراده أنّ الإسناد هنا مجازيّ لأنه تعالى أوجد فيهم دواعي حملتهم على ذلك، وخلق الدواعي لا ينافي كون الخروج مخلوقاً له أيضا، وقوله بهذا السبب أي الذي تضمنته الآيات الثلاث، وهو متعلق بخلقنا أو بداعية، وضمير حملتهم للدّاعية وقوله وكنوز المراد إمّا الأموال التي تحت الأرض وخصها لأنّ ما فوقها انطمس، أو مطلق المال الذي لم ينفق منه في طاعة الله، والأوّل أوفق باللغة والثاني مروقي عن السلف فلا وجه للتحكم هنا، وقوله يعني الخ تفسير للمقام الكريم. قوله: (وكنوز) قيل عبر به لأنّ أموالهم الظاهرة انطمست فهو من مجاز الأوّل قيل وهو سهو، وفيه ما لا يخفى فتدبر. قوله: (مثل ذلك الإخراج أخرجناهم الا يرد عليه وعلى ما بعده أنه يلزمه تشبيه الشيء بنفسه كما مرّ تحقيقه في البقرة، وقوله فهو مصدر أي الإشارة بذلك إلى مصدر هو الإخراح والجار والمجرور في محل نصب صفة لمصدر مقدر أو في محل جر صفة مقام، واذا قدر الأمر كذلك فالمراد تقريره وتحقيقه، والجملة معترضحة حينثذ كالتي بعدها. قوله: (وأورثناها الخ) هو استعارة أي ملك! ناها لهم تمليك الإرث بعد زمان أو بعد إغرإق الفراعنة إن قيل إنهم دخلوها وملكوها حينئذ لكن المذكور في التواريخ أنهم لم يدخلوها في حياة موسى ﵊ وضمير فأتبعوهم الفاعل لقوم فرعون، والمفعول لبني إسرائيل أي أتبعوا أنفسهم بني إسرائيل حتى لحقوهم وهو معطوف على قوله فأخرجناهم، وقوله مشرقين حال. قوله: (لملحقون) من أدركه إذا لحقه وفي قراءة التشديد هو على قوله فأخرجناهم، وقوله مشرقين حال. قوله: (لملحقون) من أدركه إذا لحقه وفي قراءة التشديد هو من الإدراك وهو والتتابع بمعنى وهو ذهاب أحد على أثر آخر، ثم صار في عرف اللغة بمعنى الهلاك وأن يفنى شيئا بعد شيء حتى يذهب جميعه كما في قول الحماسي: أبعد بني أمي الذين تتابعوا أرجى حياة أم من الموت أجزع ولذا فسره بقوله أي لمتتابعون الخ، وفي نسخة لمتشايعون والتشايع بمعنى التتابع كما في القاموس وغيره. قوله تعالى: ( ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ ] قال بعض الفضلاء قدّم المعية هنا وأخرها في قوله: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ [سورة التوبة، الآية: ٤٠] نظرا للمقام لأنّ المخاطب هنا بنو إسرائيل، وهم أغبياء يعرفون الله بعد النظر والسماع من موسى ﵊ والمخاطب ثمة الصديق، وهو ممن يرى الله قبل كل شيء، ولذا خص المعية هنا بقوله بالحفظ والنصرة كما أخبره الله بقوله: ﴿إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ﴾ [سورة الشعراء، الآية: ٥ ا] على ما مرّ وقال معي دون معنا لأنه هو المتيقن لذلك بما أوحى إليه وهم خائفون، ولذا قالوا إنا لمدركون، وخص نغسه بذلك، وان كانت نصرته مستلزمة لنصرتهم إشارة إلى أنه هو المقصود بالذات، وأنّ عناية الله بهم لأجله فلا وجه لما قيل إنّ الأنسب أن يفسر بأن معي وعد ربي لأنه لو كان معناه لما ذكر قيل معنا مع أنّ الماس واحد عند التحقيق، فمن قال إنّ هذا لا يدفع إلا نسبية فقد وهم-، وقوله غشيك أي لحقك، وقوله أو مرأى أرجوا أن يامرني الله بما أصنع وهو الدخول في البحر وكان لم يؤمر به قبل الوصوف إليه. قوله: (القلزم) كقنفذ بلد بين مصر ومكة قرب جبل الطور، واليه يضاف بحر القلزم لأنه على طرفه أو لأنه يبتلع من بركته لأنّ القلزمة الابتلاع، والنيل معروف وقوله فضرب نانفلق إشارة إلى أنّ الفاء فصيحة. قوله: (وصار اثني عشر فرقاً بينها مسالك) يسلك في كل منها سبط من الأسباط الاثني عشر، والمراد بالفرق ما ارتفع من الماء فصار ما تحته كالسرداب لا ما انفصل من الماء عما يقابله فلا يرد عليه أنه لا بد من كون الفرق ثلاثة عشر حتى يحصل اثنا عشر مسلكاً بعدد الأسباط ليدخل كل سبط في شعب لأنّ الفرق إذا كانت اثني عشر لزم كون الشعوب التي في خلالها أحد عشر فلا يتمّ ما ذكر، ولا حاجة إلى ما قيل من أنه ليس الأمر كما توهم بل يلزم مما ذكر كون الشعوب التي في خلالها ثلاثة عشر لأنّ الفرقين الطرفين لا بدّ أن يكونا منفصلين مما يحاذيهما من البحر إذ لو اتصلا لم يميزا عنه، ولم يتحقق حينئذ اثنا عشر فرقاً بل أقل كما لو كانوا في الفروق نفسها غاية الأمر أنه

стр. 2299

لم يذكر فائدة الشعب الزائد على الاثني عشر، ولعله لم يدخل فيه من آمن بموسى ﵊ من القبط، ولذا قال بعض فضلاء العصر من العجم إنه ممنوع لأنّ الفرق عبارة عن قطعة من الماء ارتفعت عن سطح البحر بضربه حتى صارت كالجبل فلا يلزم كون الفرق ثلاثة عشر على تقدير كون المسالك اثني عشر إلا إذا فرض أنه لكل ضربة انكشف الماء إلى ناحية المسلك، وصار كطودين منكشفين له فيزيد حينئذ عدد الفرق على المسالك، أما على ما ذكر فلا والحاصل أنه لو كان المراد بالفرق طائفة انفصلت منه، وصارت كالجسر لزم ما ذكر أمّا لو أريد به ما ارتفع عن الأرض، وصار تحته أرض يب! كالسرداب، والفرق هو الماء المرتفع كالسقف والقبة والطود فلا، وقد صرّح به المصنف بقوله كالجبل الخ والنظم صريح فيه أيضاً وهذا إشكال مشهور، والأمر فيه سهل كما سمعته، وما صار مسلكاً ليس هو البحر بل موضعه فهو إمّا استخدام أو على تقدير مضاف وهو موضع، والمنيف بمعنى العالي والشعاب طرق في الجبال استعيرت. قوله: (فدخلوا الخ) هو لبيان الواقع لا ليعطف عليه، قوله: وأزلفنا كما توهم حتى يكون الأنسب نأدخلنا لأنه معطوف على قوله فأوحينا، ولا حاجة إلى التقدير، وثمّ ظرف مكان بمعنى هنالك، وقوله حتى دخلوا الخ إشارة إلى أنّ قربهم من قوم موسى ﵊ لما ذكر، ويجوز أن يراد قرب بعضهم من بعض لئلا ينجو منهم أحد، وقوله إلى أن عبروا أي جازوا البحر من العبور، واطباقه عليهم بعد خروج موسى وقومه، وقوله وأية آية إشارة إلى أنّ التنوين للتعظيم. قوله: (وما تنبه الخ) هو من مفهوم الجملة الحالية يعني أنّ أهل عصره مع هذه الآية العظيمة التي تقتضي تصديقه بعدها في كل ما جاء به منهم من بقي على كفره كبقية القبط، ومنهم من عصاه، واقترج عليه ما اقترح كبعض بني إسرائيل وقوله وبنو إسرائيل الخ مبتدأ خبره سألوا الخ يعني أنهم أيضا لم يؤمنوا بها، وألا لما صدر عنهم ما صدر ولعل مراده بذكر هذا بيان ما صدر من قومه أيضا، ويحتمل أن يكون إشارة إلى أنّ ضمير أكثرهم شامل لقوم فرعون، ولمن كان مع موسى ﵊، وقوله: سألوا بقرة يشير إلى قولهم اجعل لنا إلها كما لهم آلهة لأنهم كانت لهم تماثيل على صور البقر، وقوله: بأوليائه عداه بالباء لتضمنه معنى الرؤف. قوله: (على مشركي العرب) خصهم، وإن قيل إنه لجميع الناس لأنه جدّهم فذكر قصته لهم ليأتسوا به ولذا غير الأسلوب فيه، وقوله ليريهم أي ليعلمهم بذلك لا للاستعلام إذ هو معلوم مشاهد له، وتوله لا يستحق العبادة لقوله هل يسمعونكم الخ وضمير قومه لإبراهيم لا لأبيه، وإن وافق قوله أراك وقومك لما فيه من التفكيك، وقوله لها متعلق بنظل أو بعاكفين. قوله: (فأطالوا جوابهم) وكان يكفي أن يقولوا أصناما، وقوله بشرح حالهم أي ملتبسا به، وفي نسخة وشرح حالهم وهو مفعول معه وقيل إنه من باب علفتها تبنا وماء بارداً، أي وذكر واشرح حالهم معه، وليس لفظ الشرح مقحما وضممير معه للجواب، وكونه للأصنام بتأويل ما يعبدون بعيد، وكذا كونه لإبراهيم ﵊ ومع بمعنى عند، وقوله تبجحا بتقديم الجيم على الحاء بمعنى سروراً. قوله: (ونظل ههنا بمعنى ندوم) هي فعل ناقص دالّ على اقتران مضمون الجملة بالنهار أو بمعنى صار، وكلامه يحتمل أنها ناقصة أريد بها الدوام كما يكون كان كذلك، ويحتمل أن يريد إنها تامّة بمعنى دام كقولهم لو ظل الظلم هلك الناس كما ذكره ابن مالك، وان أنكره بعض النحاة وعاكفين على الأوّلين خبر وعلى هذا حال. قوله: (وقيل الخ) فهي ناقصة دالة على اقتران مضمون الجملة بالنهار كما مرّ، ومرضه لأنّ المتبادر منها الأوّل، وهو أبلغ مناسب لمقام التبجح واختار هذا الزمخشري لأنه أصل معناها لأنه من الظل، وهو مناسب للمقام أيضا لأنه يدلّ على إعلانه لافتخارهم به. قوله: (يسمعون دعاءكم) سمع إذا دخل على مسموع تعدى إلى واحد نحو سمعت كلام زيد، وان دخل على غير مسموع ذهب الفارسيّ إلى أنه يتعدى إلى اثنين إلا أنه لا بد أن يكون الثاني مما يدلّ على صوت كسمعت زيداً يقول كذا، وذهب غيره إلى أنه في ذلك متعد إلى واحد فإن كان معرفة فالجملة حال، وان كان نكرة فصفة وجوّز فيها البدلية أيضاً، واذا علق بالذات أفاد السماع بغير واسطة فقوله

стр. 2300

يسمعون دعاءكم إشارة إلى أنه متعد لواحد داخل على مسموع مقدر، وقوله: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ [سورة الشعراء، الآية: ٧٢] إشارة إلى أنه من القبيل الثاني داخل على غير مسموع، وبعده جملة مقدرة واعرابها كما سمعت، فقوله: فحذف ذلك أي المضاف أو جملة تدعون، وقيل يسمعون بمعنى يجيبون كما في الحديث: " اللهم إني أعوذ بك من دعاء لا يسمع " أي لا يستجاب وقد جوّز ذلك في قوله: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء﴾ لكن إبقاؤ. على معناه هنا أنسب وقوله: وقرئ يسمعونكم أي من الأفعال. قوله: (ومجيئه مضارعاً الخ) يعني لم يقل يسمعونكم تدعون على النهج المعروف، ولا إذ دعوتم لكون إذ لما مضى فيناسب ذكر الماضي معها لأنه أتى بما ذكر للدلالة على أنها حال ماضية، وعبر بالمضارع لاستحضار تلك الحال وحكايتها، وأمّا كون هل تخلص الفعل المضارع للاستقبال بخلاف الهمزة كما ذكره النحاة، وأهل المعاني فلا يضرّ هنا كما توهم لأنّ المعتبر زمان الحكم لا زمان التكلم، وهو هنا كذلك كما لا يخفى لأنّ السماع بعد الدعاء، وأمّا ارتكاب التجوّز هنا والمناقشة فيه بأنّ الأصلى الحقيقة فمن ضيق العطن، وخمود نار الفطن. قوله: (على عبادتكم لها) ضمنه معنى يجازونكم فعذاه بعلى، وقيل إنها تعليلية، وقوله من أعرض! إشارة إلى أن الضير لا يتعلق بهم، ولذا لم يقل يضرّونكم، وان احتمل تركه للفاصلة، وقوله ضر قدمه لأنه أقرب منهم، وقد قيل إنه أخره لمراعاة السجع مع سمع وليس بشيء، وقوله اضربوا الخ أي أضربوا عن نفعهم، وضرّهم فكأنهم قالوا: لا يضرّون ولا ينفعون، وكذلك صفة مصدر قدم للفاصلة. قوله: (فإنّ التقدّم الخ) يشير إلى أنّ الاستفهام فيه إنكاري للتوبيخ فيتضمن بطلان ا-لهتهم، وبطلان عبادتها وانه ضلال قديم لا فائدة في قدمه إلا ظهور بطلانه لأن المعنى أعلمتم أيّ شيء عبدتم أنتم ومن قبلكم، وأنها لا تقدر على ضرّ ونفع. قوله: (أعاديهم أنا ولا أعبدهم) بيان لأصل معنى هذا اللفظ، وان لم يكن مراداً منه بل هو كناية أو مجاز عما أشار إليه بقوله يريد الخ وجمع ضمير إنهم مراعاة لمعنى ما وهذا تفصيل لما قبله وتفسير له، أو تعليل لما فهم منه من أني لا أعبدهم أو لا تصح عبادتهم، ويجوز أن يكون خبرا لما كنتم أو المعنى فأخبركم وأعلمكم بمضمون هذا، وقال النسفي: العدوّ اسم للمعادي والمعادي جميعاً فلا يحتاج إلى تأويل فهو كقوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٥٧] . قوله: (من حيث أنهم يتضرّرون من جهتهم الخ) إشارة إلى أنّ قوله أنهم عدوّ تشبيه بليغ وقوله فوق ما يتضرّر الخ قيل لأنّ المشبه أقوى في وجه الشبه في الواقع، وان كان المشبه به أشهر فلا وجه لما قيل إنه لا دلالة في النظم على هذا المعنى، وقيل إنهم يخاصمونهم إذ ينظقهم الله في القيامة، وقيل إنّ هذا على القلب وأصله إني عدوّ لهم وهو تكلف. قوله: (أو إنّ المغرى (وفي نسخة بالواو والأولى أصح وهو عطف على قوله إنهم يتضرّرون أو على قولهم إنهم أعداء الخ، والمغري بمعنى المرغب الحامل على ذلك فهو مجاز عقلي من إطلاق وصف السبب على المسبب، وقيل إنه على تقدير مضافين أي مغري عبادتهم. قوله: (لكنه صور الأمر في نفسه الخ) أي عبر عن عداوتهم وضررهم لهم بما ذكر من وصف نفسه به على طريق التعريض كما في قوله: ﴿وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [سورة يس، الآية: ٢٢] والمعنى إني فكرت في عبادتي لها لو صدرت مني قرأيتها للعدوّ الضار فتركتها لمن الخير كله في عبادته، وهذا التعريض يحتمل الكناية والمجاز فإن نظر إلى أنّ الأصنام لا تصلح لعداوة إبراهيم ﵊ كان مجازاً والا فيكون كناية كذا في شرح الطيبي، وفيه نظر لأن الجماد لا يصلح للعداوة بوجه من الوجوه لا له ولا لهم وفيه كلام في شرح المفتاج للشريف فتأمله. قوله: (فإنه) أي التعريض وعدم التصريح أنفع لعدم تنفيرهم بالمكافحة بالطعن وهو أقرب للقبول، وقوله: وأفراد العدوّ مع أنه خبر عن الجمع إمّا لأنه مصدر في الأصل فيطلق على الواحد المذكر وغيره، أو لاتحادهم في معنى العداوة أو لتاويله بكل منهم كما يشير إليه في قوله: (لكل معبود يعبده) وقوله: أو بمعنى النسب أي ذو كذا فيستوي فيه الواحد وغيره كما في قولك هم ذو عداوة فلا شبهة فيه كما قيل. قوله: (أو متصل (أيمما من ضمير إنهم الراجع إلى ما يعبدون الشامل لله، ولا حاجة على هذا إلى الاستخدام كما قيل وقوله: (وكان من آبائهم من عبد الله) هذا بلا شبهة، وما قيل من إنه لا حاجة

стр. 2301

إلى هذا لأنهم مشركون فهم يعبدون الله، والأصنام لقوله: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الشعراء، الآية: ٩٨] لا يرد عليه لأنه وجه آخر للاتصال ولذا لم يدع فساده بل عدم الحاجة إليه، وما قيل من أنّ قولهم في جوابه نعبد أصناما بدون ذكر الله يقتضي قصر عادتهم عليها وما ذكر من الآية ليس محكيا عن قوم إبراهيم ﵊، ولو سلم فالمراد بالتسوية مساواة من عبد الله في مطلق العبادة أو تسويتها بالته في استحقاق العبادة، وهو غير مستلزم للعبادة نفسها ليس بشيء لأنّ تخصيص الأصنام بالذكر للردّ عليه، ولأنّ المداومة على عبادتها لا تنافي عبادته أحياناً مع أنّ المصنف ﵀ قد اعترف بما ذكره القائل في تفسير قوله:. ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [سورة الزخرف، الآية: ٢٧] كما سيأتي في سورة الرحمن وما ذكره من تاوبل الآية المذكورة تكلف لم يسبق إليه. قوله: (هداية مدرجة) منصوب على أنه مصدر ليهدي، وقوله دم الطصث أي الحيض هو بناء على ما اشتهم ونقل عن جالينوس، وأنه لذلك يصيبه الجدرى وغيره من الأمراض الدموية لكن الحكيم ابن زهر أنكره وقال إنّ جالينوس أراد بدم الطمث دما في الرحم صالحا لا دم الحيض فإنه دم فاسد لو اغتذى به لاجنين لم تتصوّر حياته، وإنما لم ينصبّ دم الحيض مدة الحمل للرحم لاشتغال الرحم، وهو وان كان مما يقبله العقل فالظاهر أنه لا يعلم حقيقته إلا الله فلا يجزم بشيء منهما إلا إذا اعتضد بدليل سمعيّ. قوله: (والفاء للسببية) في خبر الموصول لتضمنه معنى لشرط، وقوله وللعطف أي على الصلة والصفة إمّا منصوبة أو مرفوعة على القطع، وقوله لأنه يهدي كل مخلوق الخ إشارة إلى أنّ ما ذكر من الحكم ليس خاصا به، وان صوّر في نفسه للتعريض كما مرّ فسقط اعتراض! أبي حيان بأن الفاء إنما تزاد في خبر الموصول لتضمنه معنى الشرط إذا كان عامّا وهذا ليس كذلك مع أنّ اشتراط ذلك فيه غير مسلم كما فصله الرضى، وإنما هو أغلبيّ، ثم إنّ السببية بمقتضى الحكمة فإنّ من أوجده يتكفل بما به قوامه وبقاؤه، وقيل إنها سبب للأخبار لا للهداية فإنها غير مسببة عن الخلق، وانّ السببية قد تجامع العطف كما في الذي يطير الذباب فيغضب زيد فلا وجه للتخصيص. قوله: (فيكون) أي على العطف فإنّ الأصل فيه تماثلهما، ويجوز أن يكون على التقديرين وتقدم الخلق يقتضي المضيّ والاسنمرار من الاسمية التي خبرها مضارع دال على الاستمرار أيضا، وقوله على الأوّل أي كون الذي مبتدأ خبره هو يهدين وقوله على الوجهين أي الابتدائية والوصفية والحكم ما تضمنه الخبر أو الاستئناف من العداوة. قوله: (عطفه على يطعمني (أو على جملة هو يطعمني، وقوله من روادفهما أي توابعهما ولوازمهما وهو إشارة إلى وجه التأخير: فإنّ الداء أكثر ما تراه يكون من الطعام أو الشراب وحكمة تاخير السقي ظاهرة لأنه من توابع الطعام أيضاً ولذا لم يكرر الموصول فيها. قوله: (لم ينسب المرض إليه) أي لم يقل أمرضني مع أنه الممرض حقيقة فأضاف إليه النعم دون النقم تأدّباً، وقوله ولا ينتقض الخ جواب عن سؤال مقدّر لكن قوله فإنّ الموت الخ غير تامّ في دفعه فإنه لا يلزم من عدم إحساس ضرره وألمه أن يكون نعمة، وكونه مع ما بعده جوابا واحداً خلاف الظاهر إذ كان الظاهر الاقتصار عليه كما في بعض شروح الكشاف، وقد اعتذر عنه في الانتصاف بأن الموت لما علم أنه قضاء محتوم من الله لا يخص أحداً، ولا كذلك المرض فكم معافى منه سقط كونه بلاء فساغ في الأدب نسبته إليه تعالى فتأمّل. قوله: (المحالث) هي نعيم الجنة ورضوان الله، ومنه تخليص العاصي أيضاً من اكتساب المعاصي، وقوله ولأنّ المرض معطوف على قوله لأنّ مقصوده الخ، وقوله إنما يحدث الخ فلما كان سببه الظاهر منه، ومن تركيبه نسب إليه وجعل كأنه فاعل حقيقيّ له بخلاف الصحة، ولو طارئة وأمّا ما يحصل بالعلاج والاحتماء فليس بمطرد، والأخلاط أمزجة الإنسان الأربعة، والأركان العناصر، وقوله باستحفاظ اجتماعها أي الإخلاط والأركان، وقوله عليها متعلق بالمخصوص لكنه بمعنى المقصور أو بالاستحفاظ أو بقهراً، وقوله يميتني لم يقل هو يميتني لأنّ الإماتة لا تسند لغير الله في لسان العرب. قوله: (ثم يحيين) أورد ثم لما بينهما من التراخي بخلاف غيره، وذكر يوم الدين لظهور المغفرة فيه وهضم نفسه لعدها خاطئة، وكونهم على حذر لأنّ المعصوم

стр. 2302

إذا كان هذا حاله فما بال غيره، ويندر أي يقع نادرا، وقوله أني سقيم الخ بدل من الثلاث، وقد مرّ بيانها. قوله: (ضعيف لآنها معاريض) أي تورية قصد بها خلاف ظاهرها، كما قيل: " إن في المعاريض لمندوحه عن الكذب " فليس كذبا حتى يكون خطيئة كما روي عن مجاهد والحسن وعدّ منها قوله للكوكب هذا ربي وقد مرّ، وأمّا ما ورد في حديث الشفاعة وامتناعه حياء من الله بهذه الكذبات فقد اعتذر عنه بأنه استعظم أن يصدر منه ما هو على صورة الكذب، فإنّ حسنات الأبرار سيآت المقرّبين، وقوله واستغفارا وقع في نسخة بدله واستعذارا أي طلبا للعذر. قوله: (كما لا في العلم والعمل) جعله شاملاً لهما لتنكيره، والمراد بالحكم ما يتوقف عليه من كمالهما، وقيل المراد به الحكمة والعمل لازم لها، وقوله أستعد به ضمنه معنى أحصل به ولذا عداه بنفسه وان كان متعديا باللام، والحق الله أو خلاف الباطل فيكون كمسجد الجامع وهذا قبل النبوّة فهو طلب لها أو بعدها فالمراد طلب كمالها والثبات عليه. قوله:) ووفقني الكمال في العمل) الكمال منصوب بنزع الخافض، أو هو مضمن معنى أعطني التوفيق له، وليس هذا تكراراً مع ما قبله لتقييده بقوله لأنتظم الخ أو المراد بالأوّل ما يتعلق بالمعاس وبهذا ما يتعلق بالمعاد أو هو تخصيص بعد تعميم اعتناء بالعمل لأنه النتيجة والثمرة، وقوله الكاملين في الصلاح هو من الإطلاق أو من تعريف العهد وفي الكشاف أو يجمع بينه وبينهم في الجنة، ولقد أجابه حيث قال وإنه في الآخرة لمن الصالحين. قوله: (جاها) فالمراد باللسان الذكر الجميل بعلاقة السببية أو للاحتراز عن الإطراء المذموم، وهو المراد من حسن الصيت، وقوله يبقى أثره الخ من قوله في الآخرين فإنّ تعريفه للاستغراق كما أشار إليه بقوله ولذلك الخ وهذا يدل على محبة الله ورضاه كما ورد في الحديث. قوله: (أو صادقاً من ذريتي) فهو بتقدير مضاف أي صاحب لسان صدق أو مجاز بإطلاق الجزء على الكل لأنّ الدعوة باللسان وقوله أصل ديني وهو العقائد وبعض الأحكام التي لم تنسخ، وقوله مرّ أي في مريم والمؤمنين فانظره. قوله: (بالهداية (بناء على أنّ الدعاء كان قبل موته كما سيصرح به، وهذا أحد الوجوه في الآية للسلف ولا يبطله قوله تعالى: ﴿كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [سورة الممتحنة، الآية: ٤] إلى قوله الأقول إبراهيم لأبيه لاستغفرن لك لأنّ طلب الهداية للكافر أمر حسن كما قال ﷺ : " اللهئم اهد قومي " الخ والاستثناء المذكور يقتضي خلافه وهو مخالف لقوله: ﴿إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ﴾ [سورة التوبة، الآية: ١١٤، الآية لأنّ الاستثناء بناء على أنه لا يقتدى به فيه بناء على ظنه مطلقا وقد مرّ تحقيقه. قوله: (وإن كان هذا الدعاء بعد موته (قد ارتضاه بعضهم إذ لا مانع منه عقلا وفي شرح مسلم للنووي أنّ كونه تعالى لا يغفر الشرك مخصوص بهذه الأمة، وكان قبلهم قد يغفر وقد مرّ ما فيه، وحمل قوله فلما تبين له أنه عدوّ دلّه على يوم القيامة والتعبير بالماضي لتحققه أو هو كناية أو مجاز عن عدم مغفرة الكفر، ولا يخفى أنّ سياقه له في مقاولة إبراهيم لأبيه وقومه يبعده كما لا يخفى. قوله: (كان يخفي الإيمان الخ) هذا بناء على أنه لا يعتبر فيه الاعتراف والإقرار باللسان، وقوله ولذلك وعده به أي وعد إبراهيم ﵊ أباه بالاستغفار له لظنه أنه مؤمن يخفى الإيمان لعذر فتبين عداوته لله إمّا بالوحي أو في الآخرة، وقوله من الضالين بناء على ما ظهر لغيره من حاله. قوله: (أو لأنه لم يمنع الخ (أي لم يوح إليه بذلك ولا ينافيه قوله فلما تبين الخ كما عرفت، وقوله الخفاء العاقبة الخ بيان لصحة إرادة هذا المعنى ودفع لأنه تحصيل الحاصل، ويجوز أن يكون تعليماً لغيره وجواز التعذيب تعليل آخر، وقوله أو ببعثه الخ ولا يلزم منه التعذيب حتى يغني عنه ما قبله، والخزاية بفتح الخاء مصدر وقوله لأنهم معلومون فلا يرد أنه كيف يعود على ما لم يسبق له ذكر، واذا عاد على الضالين فهو من تتمة الدعاء لأبيه أي لا تحزني يوم يبعث الضالون وأبى فيهم. قوله: (لا ينفعان أحدا الخ) فالاستثناء مفرغ من أعتم المفاعيل ومن في محل نصب وقدم هذا لظهوره، وقوله مخلصا تفسير لمن أتى الله بقلب سليم، وقوله وميل المعاصي أي سليماً من لميل إلى المعاصي فالمصدر مضاف لمفعوله بعد نزع الخافض، وقوله سائر آفاته أي القلب. قوله: (أو لا ينفعان إلا مال من هذا شانه وبنوه حيث الخ) ففيه مضافان مقدران أي الآمال، وبنو من الخ

стр. 2303

والاستثناء متصل وهو بدل من الفاعل فهو في محل رفع، وقوله حيث الخ بيان لوجه نفعهما له لأن ما أنفقه في الخير له ثواب نافع والولد الصالح يدعو لأبيه ويشفع له، وله ثواب إرشاده وتعليمه. قوله: (وقيل الاستثناء مما الخ) يعني أنه من الميل مع المعنى فإنّ الغني مطلقاً شامل للغنى الدنيوي، وهو بالمال والبنين والديني، وهو بسلامة القلب فذكر المال والبنون وأريد به الغنى الدنيوي، ثم قصد بذكر الخاص وهز الغنى الدنيوي العامّ وهو مطلق الغنى فليس هذا وجهاً آخر كما توهم فكأنه قيل لا غنى إلا الغنى الديني كما يقال لا غنى إلا غنى القلب، ولا صحة إلا سلامة العرض فعلى هذا يجوز أن يقال الاسنثناء متصل لدخوله فيما قبله بحسب مآل المعنى كما أشار إليه المصنف رحمه إلله. قوله: (وقيل منقطع) وفي الكشاف ولا بد لك مع ذلك من تقدير المضاف، وهو الحال والمراد بها سلامة القلب، ولو لم يقدر المضاف لم يتحصل للاستثناء معنى، وقد مغ بأنه لو قدر مثلاً ولكن من أتى الله بقلب سليم يسلم أو يقدر المضاف لم يتحصل للاسنثناء معنى، وقد مغ بانه لو قدر مثلاً ولكن من أتى الله بقلب سليم يسلم أو ينتفع يستقيم المعنى أيضاً وأجاب عنه في الكشف بأنّ المراد أنه على تقدير الاستثناء من مال لا يتحصل المعنى بدونه، وما ذكره المانع استدراك من مجموع الجملة إلى جملة أخرى، وليس من المبحث في شيء، ولما لم يكن مناسبا للمقام لم يلتفت إليه، ورده بعض شراح الكشاف وتبعه الفاضل المحشي بأنه دعوى بلا دليل قلت بل دليله ظاهر لأنّ المستثنى لا بدّ من دخوله في المستثنى منه، ولو توهما ولو لم يقدر لم يكن كذلك بخلاف الاستدراك الصرف، وهو غير مناسب لأنّ المراد بيان حال المال والبنين في النفع، وعدمه لا مطلق النفع وهو ظاهر فتأمّل، وبقي في الآية وجوه أخر في الكشاف، وغيره تركها المصنف ﵀ فلنضرب عنها صفحاً. قوله: (فيبتجحون) أي يفتخرون ويسرّون، وقوله يتحسرون لأنّ غائلة تبريزها لهم لا لكل من رآها كما في قوله: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى﴾ [سورة النازعات، الآية: ٣٦] . قوله: (وفي اختلاف الفعلين ترجيح لجانب الوعد) وأنه لا يخلف بخلاف الوعيد لأنّ التعبير بالأزلاف وهو غاية التقريب يشير إلى قرب الدخول وتحققه، ولذا قدم لسبق رحمته بخلاف الإبراز فإنه الإراءة ولو من بعد فإنه مطمع في النجاة كما قيل من العمود إلى العمود فرج. قوله: (والكبكبة تكرير الكب) وهو الإلقاء على الوجه يعني كرّر لفظه ليدل على تكرّر معناه كما في صرصر، وقوله من عصاة الخ لو عمهما صح، وقوله خبره ما بعده يعني قوله قالوا الخ. قوله: (وإلا للضمير) كذا في أصح النسخ وهي ظاهرة، ولو قال فللضمير كان أظهر، وقد سقطت إلا من بعضها وهي تحتاج إلى تقدير يعني أجمعون تأكيد لقوله: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ﴾ [سورة الشعراء، الآية: ٩٥] فقط إن كان مبتدأ خبره قالوا الخ فإن كان معطوفاً على ما قبله يكون أجمعون تأكيدا للضمير في قوله: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ﴾ [سورة الشعراء، الآية: ٩٤] وما عطف عليه، وقوله وكذا الضمير المنفصل الخ يعني إن كان جنود إبليس مبتدأ فهو عائد عليه وإلا فهو عائد عليه وعلى ما عطف عليه لا تأكيد كما يتوهمه من لم يتدبر وليس في عبارته تسامح أصلاً، وقوله وما يعود إليه يعني هم، وضمير يختصمرن لا قالوا. قوله: (على أنّ الله ينطق الأصنام) إذا كان الضمير راجعا لهم الأوّل وما عطف عليه فإنه شامل للأصنام فيكون لها اختصام لما ذكره، وقوله ويجوز أن تكون الضمائر أي في قوله هم فيها يختصمون على أنّ الخصام جار بينهم وخطاب الأصنام للتحسر لا لأنها جعلت ممن يعقل بأنّ خلق الله فيها إدراكاً فيقول بعضهم لبعض لولا أنتم لكنا مؤمنين، كما أشار إليه بقوله: ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ وانهماكهم في الضلالة من كان الاستمراربة. قوله: (وما أضلنا إلا المجرمون) القصر بالنسبة إلى الأصنام وأنها لا دخل لها في ذلك ولا قدرة لها عليه وقوله إذ الأخلاء الخ فالمراد بالشفعاء والأصدقاء من كان كذلك في الدنيا، وقوله أو فما لنا الخ فالمراد من كانوا يقدرون شفاعته في القيامة وهي الأصنام، وقوله أو وقعنا الخ يعني ليس المراد معنى ذلك بل هو كناية عن شدة الأمر بحيث لا ينفع فيه أحد كقولهم أمر لا ينادي وليده. قوله: (وجمع الشافع ووحدة الصديق الخ) وما قيل من أنه إشارة إلى أنه لا فرق بين استغراق الجمع والمفرد، وليس الثاني أشمل من الأول كما زعمه بعضهم مع مراعاة الفاصلة فتكلف على ما بين في المعاني، مع أن هذا ليس من محل الخلاف لأنّ من إذا زيدت بعد النفي داخلة على الجمع جعلته في حكم المفرد، ومساويا لأل في ألاستغراق بلا

стр. 2304

خلاف. قوله: (ولآن الصديق الواحد الخ) يعني فالواحد في معنى الجمع فلذا اكتفى به لما فيه من المطابقة المعنوية كما قيل: وواحد كالألف إن أمرعنا وقوله أو لإطلاق الصديق الخ يعني بخلاف الشافع، وسكت عنه لظهوره، والحنين مصدر حن إليه إذا اشتاق والصهيل صوت الخيل وفعيل مطرد في الأصوات، ولو قال لكونه على زنة المصدر كان أحسن لأنه لم يسمع صديق وعدوّ وبمعنى الصداقة والعداوة. قوله: (تمن للرّجعة) التمني معنى لو، والرجعة معنى الكرة من كر إذا رجع، وقوله: وأقيم فيه لو مقام ليت واستعمال لو للتمني بدليل النصب في جوابه ذكره النحاة، واختلف فيه فقيل هو معنى وضعيّ، وقيل إنه مجاز وهل هي في الأصل مصدرية أو شرطية، والى الأخير أشار المصنف لظهور وجه التجوّز فيه لأنّ لو تدل على الامتناع والتمني يكون لما يمتنع فأريد بها ذلك مجازا مرسلاً أو استعارة تبعية، ثم شاع حتى صار كالحقيقة فيها، وقوله حذف جوابه وتقديره رجعنا عما كنا عليه أو خلصنا من العذاب ونحوه. قوله: (أو عطف على كرّة (يعني إذا كانت لو شرطية جوابها محذوف نحو لكان لنا شفعاء أو ما أضلنا المجرمون، ويجوز هذا أيضا على التمني كما يجوز عطفه على إنّ لنا كرّة، وقوله وعظة لأنّ الآية تكون بمعنى العبرة، وأصول العلوم الدينية نفي الشريك، واثبات الصانع وتوحيده وكل ما ذكر معلوم من تفسير. سابقا، والدلائل من أوصافه تعالى، وحسن الدعوة بالاستفهام ثم الإبطال، وكمال الإشفاق بإظهار التحزن وتعريضاً وايقاظا علتان للتصوير والإطلاق، وقوله: ليكون تعليل لقوله جاءت الخ، وقوله: أكثر قومه يجوز أن يفسر بما مرّ في أول السورة فتذكره. قوله: (القوم مؤنثة) قال في المصباح القوم يذكر ويؤنث فيقال قام القوم وقامت القوم وكذلك كل اسم جمع لا واحد له من لفظه نحو رهط ونفر اهـ فقوله مؤنثة بناء على الأغلب لا أنه ذهب إلى أنه جمع قائم، والأصل تأنيثه، وقوله: وقد مرّ الكلام في تكذيبهم المرسلين في الفرقان، وفي الكشاف ونظير قوله المرسلين، والمراد نوح ﵊ قولك فلان يركب الدوالت ويليس البرود وماله إلا دابة وبرد يعني أنه للجنس فهو يتناول الواحد لكنه مصحح لأمر حج بخلاف تلك الأوجه. قوله: (لآنه كان منهم) توجيه لقوله أخوهم كما يقال يا أخا العرب، والضمير لقوم نوج أو للمرسلين، وقوله فتتركوا الخ إشارة إلى أنّ الاتقاء هنا من الكفر، وقوله على دلالة الخ هو من ترتيب الأمر بالفاء على كل منهما، وحسم طمعه أي قطعه من قوله ما أسألكم الخ وكونه رسولاً من الله بما فيه نفع الدارين من غير شائبة نفع منهم يقتضي وجوب طاعته بلا قصور فيه كما توهم، وفتح ياء المتكلم وتسكينها لغتان مشهورتان اختلف النحاة في أيهما الأصل، وأتباعك مبتدأ خبر. الأرذلون والجملة حالية، ولذا جعلت هذه القراءة دليلاً على أن اتبعك حال بتقدير قد لأنّ عطفه على فاعل نؤمن المستتر للفصل ركيك معنى فلا يرد ما قيل إنه لا دليل فيها على ذلك، وقوله كشاهد الخ أو جمع تبيع كشريف وأشراف، وقوله على الصحة أي جمع السلامة وهو للقلة ولذا اختاروه. قوله: (وهذا) أي ما ذكروه من قولهم أنؤمن الخ وقوله الحطام الدنيوية أنث وصفه لتأويله بالأمتعة، وقوله وأشاروا بذلك أي اتباع الأرذلين، وهذا أيضا من سخافة رأيهم لأنه بحسب النظرة الحمقى فلا يتوهم أنه لا يناسب المقام، وقوله فلذلك أي لما ذكر من إشارتهم وما في وما علمي استفهامية أو نافية، وقوله في طعمة بالضم ما يطعم والمراد بها ما يعطون للانتفاع به، وقوله المانع عنه أي عن إيمانهم هو مفعول ثان لجعلوا. قوله: (أي ما أنا إلا رجل الخ) أي هو مقصور عليه لا يتعداه إلى طرد الأرذلين منهم، وعلى الثاني معناه مقصور على إنذاركم لا يتعداه إلى استرضائكم، وهما متقاربان

стр. 2305

وقوله من المشتومين فالرجم مستعار له كالطعن وفي الوجه الأخير هوءلمى ظاهره. قوله: (إظهارا لما يدعو عليهم لأجله (لدفع توهم الخلق فيه التجاري، أو الحدة فلا يرد أنه ليس فيه فائدة الخبر ولا لازمها، وقوله واستخفافهم عليه أي على نوح ﵊، وهو استفعال من الخفة بالفاء وكونه بالقافين كما ضبطه بعضهم بعيد والفتاحة بمعنى الحكومة، وفتحا مصدر أو مفعول به والمملوء أي من البشر وجميع الحيوانات، وثم في ثم أغرقنا للتفاوت الرتبي، ولذا قال بعد وقوله اسم أبيهم أراد به جدهم الأعلى ٠ قوله: (تصدير القصص!) أي الخمس بها أي بجملة فاتقوا الله وأطيعون الخ، وذكر هذا هنا دون أن يذكره في الأوّل أو الآخر لأنه أوّل موضع وقع فيه التكرير لها ولم يصدر قصة موسى وابراهيم عليهما الصلاة والسلام بها تفنناً مع ذكر ما يدل على ذلك لا لأنّ ما ذكر ثمة أهم، وقوله دلالة مرفوع ومنصوب وهو مصدر دلت فلانا على كذا إذا أرشدته إليه كما في قولهم في تعريف التشبيه هو الدلالة على مشاركة أمر لأمر لا مصدر دل اللفظ على كذا حتى يؤوّل بالدليل ليصح حمله على التصدير كما قيل فتأمّل. قوله: (على أنّ البعثة الخ) لأنّ التقوى واطاعة الأنبياء فيها بمعنى التوقي عن كل ما يؤتم كما مرّ في أوّل البقرة فيتضمن معرفة الله وجميع الطاعات فلا حاجة إلى ما قيل إنها تتوقف على المعرفة فيعلم بالاقتضاء، والطريق الأولى أو أنها مجاز عن معرفته، ووجه ما ذكر أنهم لم يرتبوا على رسالتهم إلا ما ذكر فعلم أنها مقصورة عليها، ولا قائل بالفصل بين رسالة ورسالة، وقوله وكان الأنبياء متفقين على ذلك، وفي نسخة وأنّ الأنبياء متفقون الخ لأن اتفاق هؤلاء يقتضي أنها مقتضى النبوّة والرسالة كما مرّ. قوله: (ومنه ريع الأرض لارتفاعها) أي لما ارتفع منها وأمّا الريع بمعنى النماء والحاصل فاستعارة، وقيل أصل الريع الزيادة، وقوله إذ كانوا يهتدون بالنجوم فلا يحتاجون إليها غالباً إذ مرّ الغيم نادر لا سيما في ديار العرب مع أنه لو احتيج لها لم يحتج إلى أن يجعل في كل ريع فإنّ كثرتها عبث، وقال الفاضل اليمني أنّ أماكنها المرتفعة تغني عنها فهي عبث فلا يرد ما قيل إنه لا نجوم بالنهار، وقد يحدث بالليل ما يستر النجوم من الغيوم، وقوله أو بروج الحمام معطوف على قوله علماً وهذا تفسير مجاهد، وقوله مآخذ الماء هي مجاربه، وقوله فتحكمون بنيانها أي لظن الخلود بها. قوله: (وإذا بطشتم بطشتم جباربن) قيل بزيادة القيد تغاير الشرط والجزاء فلا حاجة لتأويله بماذا أردتم البطش كذلك ولا إلى أنه أريد المبالغة باتحاد الشرط والجزاء وردّ بأنّ التقييد لا يصحح التسبب لأنّ المطلق ليس سبباً للمقيد فلا بدّ من التأويل المذكور إلا أن يقال الجزائية باعتبار الأعلام والأخبار وفيه نظر، وقوله بلا رأفة تفسير لغاشمين. قوله: (كرره) أي الأمر التقوي مرتبا على الإمداد لإفادته عليه مأخذ الاشتقاق فيكون تعليلاً مقدّما بحسب الرتبة، وان تأخر لفظا وفي نسخة مرتباً عليه إمداد الله وهو بحسب الذكر واقع، وتنبيهاً وقع في نسخة أو بدل الوأو والأولى أولى ووجهه إن جعل الإمداد مرتباً عليه التقوى يشير إلى دوامه بدوامه وانقطاعه بانقطاعه إذ التقوى شكر له، وقد قال: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [سورة إبراهيم، الآية: ٧] . قوله: (ثم فصل بعض تلك النعم) يعني بقوله أمدكم بأنعام الخ فمانه تفسير له أو بدل منه ففي كل من النعم والمساوي إجمال وتفصيل، وقوله مبالغة تعليل لقوله فصل لأنّ في التفصيل بعد الإجمال مبالغة لا تخفى، وقال السفاقسي ذهب بعضهم إلى أنه بدل من قوله تعلمون أعيد معه العامل كقوله: ﴿اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ﴾ [سورة يس، الآية: ٢٠- ٢١] واكثر على أنه ليس ببدل وهو من تكرير الجمل، وإنما يعاد العامل إذا كان حرف جرّ، وقال أبو البقاء إنها مفسرة لا محل لها. قوله: (ف! ئا لا نرعوي الخ) أي لا نكف وننتهي، وقوله وتغيير شق النفي إذ لم يقل أم لم تعظ على مقتضى الظاهر في المقابلة لعديله والمبالغة من حيث إنّ لم تكن من الواعظين أبلغ منه لأنه نفي عنه كونه من عداد الواعظين، وجنسهم فكأنه قيل استوى وعظك بعدم عدّك من هذا القبيل أصلاً فيفيد عدم الاعتداد به على وجه المبالغة التامّة لأنه سوّاه بالعدم الصرف البليغ فيقيد ما ذكر فلا حاجة إلى اعتبار الاستمرار الذي تفيده كان والكمال الذي يدل عليه الواعظين في النفي دون المنفى أي استمرّ انتفاء كونك من زمرة من يعظ انتفاء

стр. 2306

كاملاً بحيث لا يرى منك نقيضه كما قيل. قوله: (ما هذا الخ) إشارة إلى أن أن نافية، وهذا على قراءة خلق بفتح فسكون فهو إمّا بمعنى الكذب والاختلاق كقولهم: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٢٥] أو بمعنى الإيجاد، ومحصله إنكار البعث والحساب المفهوم من تهديدهم بالعذاب، وعلى القراءة بضمتين هو بمعنى العادة، والمرأد إمّا عادة من قبله ممن خوّف، وأنذر أو عادة أسلافهم أو عادة الناس مطلقاً من الحياة والموت، وعلى هذا هو إنكار للبعث أيضا، ولذا قالوا وما نحن بمعذبين ومناسبته للوجوه كلها ظاهرة فتدبر، وقوله بسبب التكذيب من الفاء التفريعية. قوله: " نكار لأن يتركوا الخ) فالاستفهام للإنكار كما في قوله أتبنون واذا كان للتذكير فهو للتقرير، وأسباب بالنصب معطوف على إياهم أو مفعول معه، وقوله فسره معطوف على مقدر أي أجمل وأبهم في قولهم فيما ههنا ثم فسره الخ، والتخلية تركهم يتقلبون فيما هم فيه من النعم، وقوله في جنات الخ بدل من قوله فيما ههنا أو ظرف لقوله آمنين الواقع حالاً، وهو على الإنكار بمعنى إلا من الموت والعذاب وعلى التقرير بمعنى الأمن من العدوّ ونحو.. قوله: (لطيف لين) أصل معنى لهضم لغة الانحطاط أو الشدخ والشق، ثم تجوّز به عن الرقة واللطف، واللين كما هنا وقوله للطف الثمر ليس لأن الطلع أريد به الثمر لأوله إليه بل المراد أنه وصف باللطف للطف ثمره، وقوله أو لأنّ النخل أنثى أي لأن المراد بالنخل إباثها بقرينة ذكرها في سياق الامتنان بها لأنها هي المثمرة، وليس في تأنيث ضمير طلعها دليل عليه لأنّ النخل مطلقا يذكر يؤنث فوصف طلعها باللطف على ظاهره، وقوله هي بلا واو في الأصح وفي بعضها بواو، وقوله ما يطلع بضم الياء وكسر اللام من أطلعت النخلة إذا بدا طلعها أو بفتح الياء وضم اللام من طلع يطلع إذا ظهر، وقوله كنصل السيف أي طلوعاً مشابهاً له في الهيئة، والقنو للنخل كالعنقود للعنب وتفاريعه شماريخ وأصله عرجون. قوله: (أو متدل متكسر) تفسير آخر لهضيم والتكسر مجاز أو على ظاهره، وقوله وأفراد النخل أي بالذكر مع دخوله في الجنات، وضمير بها للجنات لا ذكره مفردا لأنه اسم جنس جمعي، وليس بمفرد وذكر ضميره في قوله لفضله لأنه يجوز تأنيثه وتذكيره كنخل منقعر. قوله: (بطرين) من البطر وهو الشره، وعدم القناعة وقدمه للإلف، رة إلى أنه أنسب بمقام الذم من الثاني، ولذا رجحه بعضهم وهو مما لا شبهة فيه، وقوله: فإنّ الحاذق الخ يقتضي أن حقيقنه النشاط واستعماله في الحذق مجاز، وهو كذلك كما في نهاية ابن الأثير ولا ينافيه تفسيره به في بعض كتب اللغة لأنهم لا يفرقون بين الحقيقة والمجاز الواردين عن العرب، أو أنه لشيوعه صار حقيقة عرفية فيه فلا غبار عليه كما توهم، وقوله وهو أبلغ لدلالته على الثبوت وعدم الحدوث الدال عليه اسم الفاعل، وكون زيادة الحروف تدل على زيادة المعنى غير مطرد وقد مرّ تفصيله. قوله: (استعير الطاعة االخ الو قال الإطاعة لكان أظهر يعني أنّ الإطاعة للآمر لا للأمر فجعلها له إمّا استعارة للامتثال، أو تجوز في النسبة فهو مجاز حكمي على الثاني، وعلى الأوّل هو إمّا استعارة تبعية بتشبيه الامتثال بالإطاعة لإفضاء كل منهما إلى فعل ما أمر به أو مجاز مرسل للزومه له أو مكنية وتخييلية، وفي الكشف الوجه هو الحمل على المجاز الحكمي للدلالة على المبالغة على ما ذكره آخراً، وقيل عليه إنه لا يناسب المقام لأنّ مقتضاه نفي الإطاعة لهم رأسا لا نفي كما لها وليس بشيء لأنه إذا قيل إنهم لا يطيعون من تجب إطاعته أصلا، ويطيعون من لا تجوز إطاعته إطاعة كاملة كان أقوى في الذم فتأمّل. قوله: (وصف موضح) لأنّ المراد بالإسراف ليس هو معناه المعروف بل زيادة الفساد، ولما كان يفسدون لا ينافي صلاحهم أحيانا أردفه بقوله ولا يصلحون لبيان كمال إفسادهم واسرافهم فيه. قوله: (حتى غلب على عقلهم) إشارة إلى أن الصيغة لتكثير الفعل دون غيره لعدم مناسبته هنا، وقوله من الأناسيّ أي البشر لأنّ قوله من المسحرين كناية عنه على هذا لأنّ ذا سحر بمعنى حيوان وجمع المذكر السالم يخصصه بالبشر، وقوله: ﴿قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ تأكيداً وأمّا على الأوّل فهي للتعليل أي أنت مسحور لأنك بشر مثلنا لا تمييز لك علينا فدعواك إنما هي لخلل في عقلك، وقوله ذوي السحر إشارة إلى أنه للنسبة كالتفسيق، وقوله للحظ من السقي، والقوت لف ونشر

стр. 2307

مرتب. قوله: (عظم اليوم) بصيغة الماضي من التفعيل أي نسب إليه العظم بوصفه به أو هو مصدر بكسر العين وفتح الظاء مبتدأ خبره لعظم مايحل فيه لأنّ جعل الزمان نفسه عظيم شديد أبلغ، وهو من التجوز في النسبة. قوله: (أسند العقر إلى كلهم) استعمل كل المضاف إلى الضمير غير مبتدأ، وهو مخالف لفصميح الاستعمال كما في المطوّل وغيره، وقوله لأنّ عاقرها الخ، وفي معناه أمرهم بذلك على ما رواه في الكشاف فلا وجه للاعتراض! بأنه لأمر الجميع به وهو واقع على ما أفصح عنه قوله فنادوا صاحبهم الخ ولا حاجة إلى جعل النداء مجازاً عن الرضا لأنهم قوم كثيرون لا يتصوّر حضورهم جميعاً، ولا إلى جعل اكثر بمنزلة الكل، وقد مر تفصيل هذا المجاز وأنه حكمي وماله وعليه فتذكره، وقوله أخذوا أي أهلكوا جميعاً لرضاهم به. قوله: (لا توبة الأنه لا يناسب تفريع قوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ عليه ولأنّ مجرّد الندم ليس توبة بل إذا كان مع العزم على عدم العود، وقيل ليس الندم على عقرها لخوف العذاب لأنه مردود بقوله تعالى وقالوا أي بعدما عقروها ﴿يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٧٧] بل على ترك ولدها وهو كما في الكشاف بعيد، وقد ردّ بأنّ قوله بعدما عقروها في حيز المنع إذ الواو لا تدلّ على الترتيب فيجوز أن يريدوا بما تعدنا المعجزة أو الواو حالية أي والحال أنهم طلبوها من صالح ووعدوه الإيمان بها عند ظهورها مع أنه يجوز ندم بعض وقول بعض آخر ذلك بإسناد ما صدر من البعض إلى الكل أو ندموا أوّلاً خوفا، ثم قسمت قلوبهم وزال خوفهم أو على العكس، والعذاب الموعود هو الصيحة. قوله: (في نفي الإيمان الخ) المراد بالمعرض السياق! اسناد الذنب إلى جميعهم وهذا بناء على تعلق قوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [سورة الشعراء، الآية: ٨] بقوله فأخذهم العذاب كما سيصرّح به، والظاهر أنه لا يختص به وأنه متعلق بقوله إنّ في ذلك لآية تسجيلا لقسوة قلوبهم وعدم اعتبارهم أو هو غير مخصوص بهذه القصة والشطر بمعنى النصف هنا، وقوله وانّ قريشا الخ والمراد علم الله بإيمان أكثرهم، أو بين ذلك في عاقبة أمرهم، وهو قريب منه لأنه في وقت نزول هذه السورة لم يكن أكثرهم مؤمنين كما لا يخفى، وقوله: أخوهم لوط لأنهم أصهاره ﵊ كما ذكره في محل آخر. قوله: (أي أتأتون الخ) يعني إنكم مخصوصون بهذ الفاحشة، وهي إتيان الذكران دون الإناث، وقوله: (لا يشارككم فيه غيركم) أي من الناس في ذلك العصر أو من الحيوانات، وأمّا كون الحمار والخنزير كذلك فلا يضرّ لندرته أو لإسقاطه عن حيز الاعتبار مع أن في مشاركتهما أشد راح لهم فيجوز على الأوّل إرادة الناس أيضا بالعالمين لأنهم أوّل من سن هذه السنة السيثة، لقوله: ﴿مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٨٠] والنكاج في قوله من ينكح الوطء، وهو مبنيّ للفاعل أي يطؤ من الحيوان ٠ قوله: (فيكون تعريضا بأنهم الخ (ولا ينافي هذا كونه لإنكار إتيان الذكران كما توهم لأنه من منطوق الكلام، وهذا من مفهومه ويؤيده قراءة ابن مسعود ﵁ ما أصلح لكم ربكم من أزواجكم كما في الكشاف. قوله: (متجاورّون الخ الأن معنى العادي المتعدى في ظلمة المتجاوز فيه الحد فالمراد، إمّا التجاوز في الشهوة بقرينة المقام، أو في المعاصي مطلقاً ويدخل فيه ما سيق له الكلام ومتعلقه عليهما مقدّر لكنه إمّا خاص أو عامّ، وقوله أو أحقاء الخ على تنزيله منزلة اللازم وقطع النظر عن متعلقه. قوله: (عما تذّعيه من الرسالة) وما يتضمنه فهو عام وعلى الثاني خاص بنهيهم عن فعلهم الشنيع، وعلى الثالث هو تقبيح ما هم سواء نهاهم أو لا فلا يتوهم أنّ الظاهر عطفه بالواو على أنه عطف تفسير أو يقال أو للتخيير في التعبير بناء على أنّ النهي لا ينفك عن التقبيح فإنه غير مسلم كما لا يخفى ولا مانع من جمع هذه المعاني كلها. قوله: (ولعلهم كانوا يخرجون الخ) كاخذ أمواله، وإنما ذكر هذا لأنّ الإخراج من بين أظهر القوم الظالمين لا يصلح للتهديد به فتعريف المخرجين للعهد كما مرّ في قوله: ﴿مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [سورة الشعراء، الآية: ٢٩] ولذا عدل عن لنخرجنك الأخصر إليه. قوله: (من الميغضين غاية البغض الخ) فهو أبلغ من البغض، وفي الكشاف القلي البغض الشديد كانه بغض يقلي الفؤاد والكبد، وتبعه الرازي، واعترض عليه أبو حيان بأنه لا يصح لأن قلي بمعنى أبغض ياتي تقول قليته فهو مقلي، والذي بمعنى الطبخ والشيّ واوي تقول قلوته فهو مقلوّ فالمادّتان مختلفتان، وما ذكر خطأ وغفلة عما

стр. 2308

ذكر، والمخطئ ابن أخت خالته فإنّ بعض الألفاظ يكون واوياً ويائيا ومنه قلاه بمعنى أبغضه، وقد صرّح به كثير من أهل اللغة كصاحب المغرب، وغيره قال الراغب في مفرداته: القلي شدة البغض يقال قلاه يقليه ويقلوه فمن جعله من الواو فهو من قلوت بالقلة إذا رميتها فإنّ المقلو يقذفه القلب لبغضه، ومن جعله من الياء فهو من قليت السويق على المقلاة اهـ. قوله: (لا أقف عن الإنكار عليه الخ) هو من رجوعه إليه بعد التهديد لا من استمرار القالين أي إني وان أوعدتموني بالإخراج لا أنتهي عن الإنكار عليكم فالوقوف بمعنى الرجوع والانتهاء، وقوله وهو أبلغ الخ لأنه إذا قيل فاعل لم يفد أكثر من تلبسه بالفعل، واذا قيل من الفاعلين أفاد أنه مع تلبسه به من قوم عرفوا أو اشتهروا به فيكون راسخ القدم عريق العرق فيه، وقد صرّح به ابن جنيّ وتبعه الزمخشريّ، وقرّره الشريف في شرح المفتاح فمن توقف في دلالة اللفظ عليه، وادّعى خفاءه كأنه لم يقف على كلامهم، وقوله من شؤمه وعذابه لأنه لا يتليس بعملهم ولا يخشى تلبسه به، وإنما يخشى ما ذكر، وقوله: أهل بيته الخ هو بالتجوّز في أهله لمن اتبع دينه لا من عموم المجاز ولا على الجمع بين الحقيقة والمجاز إذ لا داعي له، وقوله باخراجهم متعلق بنجيناه، وقوله وقت حلول العذاب إمّا على اعتبار اتساع الوقت، أو على تقدير مضاف أي وقت قرب حلوله بهم. قوله: (مقدّرة في الباقين في العذاب (لأنّ غير بمعنى مكث بعد مضيّ من معه، كما قاله الراغب: وهي قد خرجت معهم على قول فكونها غابرة بمعنى ماكثة في العذاب بعد سلامة من خرج معه لا في دارهم، أو يقال إنها لهلاكها كأنها ممن بقي فيها، وقوله وقيل الخ بناء على أنها بقيت حقيقة فلا حاجة إلى التأويل بما مرّ، وقوله فيمن بقيت أي في طائفة بقيت فأنثه رعاية لمعنى من والا كان الظاهر فيمن بقي، ومرّضه لمخالفته للرواية المشهورة كما قيل إنها خرجت، ثم رجعت وقيل الغابرين طوال الأعمار. قوله: (أمطر الله على شذاذ) بمعجمات بوزن جهال جمع شاذ، وهو من انفرد عنهم في الطريق أو من كان غريبا من غير قبائلهم، وهذا إشارة إلى التوفيق بين طرق إهلاكهم فإنه ورد أنه بصيحة وفي أخرى برجفة، وفي أخرى بأمطار حجارة فهو إمّا بوقوع بعضه لبعضهم، أو لأنه أرسل لطائفتين أهلك كل منهما بنوع منه، ولا مانع من الجمع بينهما وفي الكشاف وشروحه هنا كلام تركناه لطوله، وقوله يصح هذا بناء على أنّ ساء بمعنى بئس، وفاعلها لا يكون إلا مبهما فإن لم تكن كذلك جاز كونها للعهد، وغيضة بغين وضاد معجمة هي مكان كثير الأشجار وناعم الشجر لعله ما كان أخضر غير كثير الشوك إذ الناعم الأملس، وتفسيرها بالغيضة مرويّ عن ابن عباس ﵄، وقد قيل إنه تفسير لمعناها لغة لا فيما وقع هنا لما سيأتي، وقوله كما بعث إلى مدين بصيغة المجهول ونائب فاعله ضمير شعيب، والدوم بفتح الدال المهملة، وسكون الواو وهو المقل وهو من شجر البادية يشبه صغار النخل وبعضهم يظنه برئه. قوله:) بحذف الهمزة وإلقاء حركتها الخ) وقراءة هؤلاء بفتح التاء خلافا لما يفهم من كلامه، وقد استشكلها أبو عليّ الفارسي وغيره بأنه لا وجه للفتح لأن نقل حركة الهمزة لا يقتضي تغيير الإعراب من الكسر إلى الفتح، وقال أبو عمرو كتب في جميع المصاحف ليكة في الشعراء وص بلام من غير ألف قبلها، وفي الحجروق الأيكة ويقال إنّ ليكة بفتح التاء اسم البلدة نفسها، والأيكة اسم الكورة، ولذلك قرأ الحرميان وابن عامر فيها ليكة بفتح التاء غير مصروف للعلمية والتأنيث، وقال بعض النحويين إنما هو مكتوب في هذين الموضعين على نقل الحركة فكتب على لفظه، وقال أبو عبيداني: لا أحب مفارقة الخط في القرآن إلا فيما يخرج عن كلام العرب وهذا ليس بخارج عن كلامها مع صحة المعنى، وذلك لأنا وجدنا في بعض كتب التفسير الفرق بين الأيكة وليكة فقيل ليكة اسم القرية التي كانوا فيها والأيكة اسم البلاد كلها كالفرق بين مكة ويكة، ثم وجدتها في مصحف عثمان الذي يقال له الإمام في الحجروق الأيكة، وفي الشعراء وص ليكة وعلى هذا قرّاء المدينة، وهذا ردّ على ما قاله النحاة فإنهم نسبوا القراءة إلى التحريف وليس بشيء قاله السخاوي في شرح الرائية فلا عبرة بإنكار الزمخشريّ ومن تبعه كالمصنف، وقوله في هذه القراءة إنها على النقل غير صحيح. قوله: (وقرئت كذلك

стр. 2309

مفتوحة الخ) هذا يقتضي أنّ ما قبله بالكسر، وليس كذلك فإنّ فيها ثلاث قراآت قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر ليكة بفتح التاء، وقراءة غيرهم على الأصل الأيكة وقرئ شاذاً ليكة بكسر التاء، وقوله اتباعا للفظ قد علصت أنه غير صحيح، والذي غره كلام الزمخشريّ، وأنه ليس في كلام العرب مادة ل ى ك وليس بشيء لما عرفتة، والأسماء المرتجلة لا منع منها، وذكر البخاريّ أنّ ليكة بمعنى الأيكة وناهيك قوله: (بالميزان السوفي) أي الصحيح المساوي، وهو نهي عن النقص لا عن الزيادة وقيل إنه القبان، وقوله إن كان عربياً إشارة إلى قول آخر فيه، وهو أنه معرّب روميّ الأصل، ومعناه العدل أيضا كالقسط فهو من توافق اللغتين وقوله ففعلاع بتكرير العين يعني شذوذا إذ هي لا تكرّر وحدها مع الفصل باللام ومن قال إنها مكروة صورة لا حقيقة فقد وهم لأنه يتحد مع القول الثاني، ولذا قال الزمخشريّ: وزنه فعلاس كما وقع في بعض النسخ تحقيقاً لزيادتها، ومن قال إنه رباقي فهو من قسطس ووزنه فعلال إذ فعلاع لا نظير له وهو الحق إذ ما ذكر لا نظير له عند النحاة ولا داعي لما قالوه. قوله: (شيثاً من حقوقهم) يعني أنّ الإضافة جنسية فيؤل معناه إلى شيئا من أشيائهم فلا يقال إنّ الظاهر أن يقال شيئا بالإفراد أو هو من مقابلة الجمع بالجمع فالمعنى لا تبخسوا أحداً شيئاً، أو الجمع للإشارة إلى الأنواع فإنهم كانوا يبخسون كل شيء جليلا كان أو حقيراً، وقيل المراد بأشيائهم الدارهم والدنانير وبخسها بالقطع من أطرافها، ولولاه لم يجمع وهو وجه آخر في التفسير وقد ذهب إلى ما مرّ في محل آخر ووقع بخس في الآية متعدّيا لإثنين، وفي التفسير لواحد وقد يتعدّى لاثنين كما في المصباح فلا حاجة إلى جعل الثاني بدل إشتمال، وإنّ إسقاط المصنف له للإشارة إلى ذلك، كما قيل وهذا تعميم بعد تخصيص. قوله: (ولا تعثوا في الآرض مفسدين) العثو الفساد أو أشده ومفسدين حال مؤكدة أو المراد مفسدين آخرتكم، والجبلة الطبيعة وذووها أصحابها. قوله: (أتوا والخ (يعني أن كلا منهما كاف فكيف إذا اجتمعا، وقد مرّ أنّ تركها لأنه استئناف للتعليل أو تأكيد، وقوله متنافيين وقع في نسخة منافيين وهي أصح، وقوله مبالغة للجمع إذ كل منهما كاف في زعمهم، وقوله قطعة وقيل إنه بالسكون جمع كسفة بمعنى قطعة، وهو أحسن لتوافق القراءتين فيه وقوله ولعله ألح أي لا طلب معجزة منه كشق القمر فهو كقوله: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً﴾ [سورة الأنفال، الآية: ٣٢] وقراءة حفص بكسر الكاف وفتح السين على أنه جمع كسفة، والمراد بدعواك ما أرسل به، والتهديد بالعذاب على ما مرّ. قوله: (وبعذابه) لأنّ العلم بعملهم كناية عن جزائه كما مرّ، وقوله مما أوجبه لكم أي على عملكم، وهو العذاب وهو بمعنى مما أوجبه عليكم به فلا غبار عليه، وقوله في وقته المقدّر يعني فلا وجه لقولهم أسقط علينا الخ، واضافة العذاب ليوم الظلة إشارة إلى أنّ لهم فيه عذاباً غير عذابها. قوله: (على نحو ما اقترحوا) بقولهم أسقط علينا كسفاً من السماء سواء أرادوا بالسماء السحاب، أو المظلة ولذا ذكر نحو، ولم يقل ما اقترحوه لأنّ هذا من جنسه حيث كان من جهة علوية، ومن لم يتنبه لمراده وعدوله عما في الكشاف قال إنه إشارة إلى أنّ السماء في كلامهم بمعنى السحاب فتدبر، وقوله بأن سلط الخ بب ن لأخذ العذاب. قوله: (واطراد) مبتدأ خبره يدفع الخ وقوله استهزاء معلوم من أنّ أحدا لا يطلب ما يضرّه فلا وجه لما قيل إنهم لم يذكروه هنا فإنه ترك لظهوره، ودفعه بالحدس وهو إقناقي فلا يضرّه احتمال كونه لاتصالات واقترانات كما هو عند المنجمين فإنها مقتضية لذلك كما قالوا في طوفان نوح ﵊، ولا كونه ابتلاء لهم كما يبتلى المؤمنون. قوله: (تقرير لحقية تلك القصص الكونها من عند الله فضمير إنه لما ذكر قبله والتنبيه على إعجازه بما فيها من الأخبار عن المغيبات، وهو لا ينافي كونه معجزاً بنظمه، وقوله ونبوّة محمد ﷺ من نزول الوحي عليه كما أشار إليه بقوله فإنّ الخ، وقوله إن أراد به الروح لأنه يطلق عليها كما ذكره الراغب، وقوله: فذاك أي فالأمر ذاك واضح صحيح لأنّ المدرك هو الروج، وقال على قلبك دون عليك الأخصر إشارة إلى أنه لم ينزل في الصحف كغيره من الكتب. قوله: (لآنّ المعاني الروحانية الخ (إن كان هذا بناء على أنّ جبريل ﵊ أنزل له المعاني خاصة، وهو عبر عنها بلسانه فظاهر لكنه

стр. 2310

خلاف القول الأصح عند المسفرين والمحدثين، وان كان هذا على المشهور بأنه أوحى إليه بألفاظه تارة كصلصلة الجرس، وتارة بتمثيل الملك له فينصل بالسمع أوّلاً، ثم يرتسم في الخيال ويدركه الروح لا بالعكس واسقاط الواسطة بشدة تلقيه لا يفيد هنا كما لا يخفى فلعل المراد بالمعاني ما يقابل الأعيان لا ما يقابل الألفاظ، ويكون هنا شأناً خاصاً بالأنفس القدسية والأرواح المقدسة كأنها لقوّتها تسبق الحواس في إدراك ما يبقى منها حتى كأنها تأخذه منها على عكس ما للعامّة، وليس المراد بالمعاني ما يقابل الألفاظ لأنّ المراد بالقرآن هنا معناه القديم لقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [سورة الشعراء، الآية: ١٩٦] فإنّ ما فيها معناه لا لفظه لأنه بتقدير مضاف أي وانّ معانيه كما سيأتي ولا وجه لما قيل إنّ النازل غالباً هو المعاني، وما ذكر باعتباره فتأمّل، ولوح المتخيلة تخييل والمراد بالمتخيلة الخيال. قوله: (واضح المعنى) إشارة إلى كون مبين من أبان اللازم، وقد جعل من المتعدى على معنى مبين للناس ما يحتاجون إليه من أمور دينهم ودنياهم، وقوله لثلا يقولوا الخ أي فيتعذر الإنذار، واذا تعلق بنزل فهو بدل من به بإعبادة العامل، وقوله وهم هود الخ هذا بناء على المشهور، وزاد بعضهم خالد بن سنان وصفوان بن حنظلة، وعلى تعلقه بالمنذرين فالمعنى أنك أنذرتهم كما أنذر آباؤهم الأوّلون وأنك ليست بمبتدع لهذا فكيف كذبوك فاندفع ما قيل إنه ليس فيه كبير فائدة إذ معناه إنك من جملة من أنذر بلغة عربية، وقوله بلغة العرب إشارة إلى أنه ليس المراد بلسان عربيّ لغة قريش كما نقل عن ابن عباس وضي الله عنهما. قوله: (وإن ذكره الخ) يعني أنه على تقدير مضاف، والأوّل أقرب لأنّ مثله مستفيض كما يقال فلان في دفتر الأمير، ولذا قدمه وفيه إشارة إلى ردّ ما نقل عن أبي حنيفة من جواز القراءة بالفارسية في الصلاة والاحتجاج له بهذه الآية لكونه سمي ما في زبر الأوّلين قرآنا، وهو معناه لا لفظه فإنه إذا كان على تقدير مضاف لم يكن كذلك، وقد قيل إنّ الصحيح من مذهبه أنّ القرآن هو النظم، والمعنى معاً وتفصيله في كتب الفروع والأصول ولم يذكر كون الضمير للنبيّ ﷺ لضعفه كما في الكشاف وشروحه. قوله: (على صحة القرآن) أي وان لم يتأملوا وجوه إعجازه، وقوله أن يعرفوه أي القرآن أو الرسول ﷺ وقوله وهو أي هذا الكلام تقرير إشارة إلى أنّ الاستفهام تقريرفي لهم بأن علم أهل الكتاب دليل عليه وقيل إنه إنكاريّ وقوله والخبر لهم لم يجعله أن يعلمه لئلا يلزم الخبر عن النكرة، وان تخصصت بالظرف بالمعرفة وقوله: أو الفاعل معطوف على قوله الاسم، وكان حينئذ تامّة واذا كانت ناقصة واسمها ضمير الشأن يجوز أيضا كون لهم آية مبتدأ وخبراً، وأن يعلمه بدل من آية أيضا. قوله: (كما هو عليه) أي بحاله من الإعجاز والعربية، وزيادة الإعجاز للمنزل أو المنزل عليه بإتيان الأعجم بأفصح كلام عربيّ، وقوله أو بلغة العجم فيكون منافياً لفائدة تنزيل القرآن بلسان عربيّ مبين، وعلى الأوّل يكون بيانا لشدّة شكيمتهم في المكابرة بعد أن بان لهم حقية القرآن فقوله لفرط عنادهم واستكبارهم على الوجه الأوّل، أو لعدم فهمهم على الثاني فهو لف ونشر مرتب. قوله:) والآعجمين جمع أعجمي الخ (كالأشعرين جمع أشعريّ، وقوله على التخفيف أي على حذف ياء النسب في الجمع دون المفرد، وقوله ولذلك جمع جمع السلامة أي لكون مفرده أعجمياً لا أعجم لأن أفعل فعلاء لا يجمع جمع سلامة لكنه قيل إنه في الأصل البهيمة الجماء لعدم نطقها، ثم نقل أو تجوّز به عمن لا يفصح، وان كان عربيا وهو بهذا المعنى ليس له مؤنث على فعلاء فلذلك جاز جمعه جمع السلامة لوجود الشرط فيه بعد ذلك، كما قيل لكنه اعترض عليه بقول الرازي في غريب القرآن الأعجم هو الذي لا يفصح والأنثى عجماء، ولو سلم فالأصل مراعاة أصله، وهو ليس بوارد لأنه وان سمع عجماء لكنه ليس بهذا المعنى كما في صلاة النهار عجماء، وجرج العجماء جبار كما صرّح به أهل اللغة، وكون ارتفاع المانع لعارض مجوّزاً صرّح به النحاة، ثم أنّ كون أفعل فعلاء لا يجمع هذا الجمع مذهب البصريين، والفرّاء وغيره من الكوفيين يجيزونه، كما في الدرّ المصون فلا يرد الاعتراض على من جعله جمع أعجم عجماء كما توهم، وقوله: كذلك الإشارة فيه لما قبله أو لما بعده كما سبق. قوله: (والضمير للكفرا لقرب مرجعه لفظاً ومعنى وجعله للبرهان الدال عليه قوله، أو لم يكن لهم آية بعيد لفظا ومعنى، وأمّا رجوعه للقرآن وإن خلا عن

стр. 2311

تفكيك الضمائر فبعيد لأن كونه مسلوكا في قلوبهم خلات الواقع من أن الأوّل لكونه مبنياً على مذهب أهل السنة أقوى، وأشد مناسبة لما بعده فلا وجه لما قيل إنه لا وجه لتمريضه مع أنه أقوى رواية لأنه تفسير ابن عباس ﵄ كما ذكره الطيبيّ، وقوله الملجئ إلى الإيمان إشارة إلى وجه عدم قبوله وقوله لا يؤمنون به حال أو استئناف تفسير لما قبله. قوله: (في الدنيا والآخرة) كون عذأب الدنيا بغتة ظاهر لأنه قد يفاجئهم فيها ما لم يكن بمرئيّ، ولا في خاطر فيرونه على حين غفلة، وأمّ عذاب الآخرة وان شمل البرزخ فوجه البغتة فيه أن يرأد أنه يأتيهم من غير استعداد له وانتظار، وعدم شعور به قبل وقوعه. قوله: (وههنا شيء) وهو أنّ الزمخشريّ جعل الفاء في قوله فيأتيهم، وفي قوله فيقولوا للتفاوت الرتبي كأنه قيل حتى تكون رؤيتهم للعذاب فما هو أشد منها، وهو مفاجأته فما هو أشد منها وهو سؤالهم النظرة كقولك إن أسأت مقتك الصالحون فمقتك الله، وترى ثم تقع في هذا الأسلوب أي التراخي الرتبى كما صرّح به بعض شرّاحه، ولا يخفى أنّ تفاوت الرتبة من التراخي ولا دلالة للفاء عليه فكان وجهه أنه من جعل ما هو مقدّم متعقبا لا في كل معطوف بالفاء إذ الرؤية بعد البغت كما صرّح به فالحامل له على هذا أنّ البغت من غير شعور لا يصح تعقبه للرؤية، وأمّا كون العذاب الأليم منطويا على تلك الشدة، وهي البغت فلا يصح الترتيب هنا وكون الفاء للتفصيل فوهم. قوله: (وحالهم الخ) إشارة إلى أنّ الاستفهام للإنكار تهكما وتبكيتا لهم، وقوله لم يغن عنهم الخ يحتمل أنه يشير إلى أنّ ما نافية أو استفهامية لأنّ استفهام الإنكار نفي معنى وقد جوّز المعرب فيها الوجهين، وقوله تمتعهم إشارة إلى أنّ ما في ما كانوا يمتعون مصدرية، وهو أولى من جعلها موصولة بحذف العائد، والتطاول مأخوذ من كان فإنها تستعمل للاستمرار. قوله: (منذرون) جمعه لعموم القرية في سياق النفي وزيادة من، أو المراد الرسول ﷺ ومن تبعه من المؤمنين، وقوله على العلة أي هو مفعول له لقوله منذرون، وأما كونه لأهلكنا والمعنى أهلكوا بعد الإنذار ليكونوا تذكرة وعظة لغيرهم فتكلف لاحتياجه إلى التقدير أو عمل ما قبل إلا فيما بعدها، وقوله أو المصدر أي مفعول مطلق عامله منذرون كقعدت جلوساً لأنّ الإنذار تذكرة معنى، وقوله لإمعانهم أي مبالغتهم، وأصل معنى الإمعان البعد، وقوله خبر محذوف أي هذه ذكرى. قوله: (وما كنا ظالمين) أي ليس من شأننا الظلم، أو المعنى لسنا ظالمين في إهلاكهم فقوله: (قنهلك غير الظالمين) معناه أي لا يصدر عنا بمقتضى الحكمة ما هو في صورة الظلم لو صدر من غيرنا بأن يهلك أحد قبل إنذاره، أو بأن يعاقب من لم يظلم ولذلك قال: وما كنا دون ما نظلم مع أنه أخصر لأنه يقال كأن يفعل كذا لما هو عادته ودأبه فلا ينافي هذا قول أهل السنة إنه يجوز لله أن يعذب من غير ذلك لأنه مالك الملك يتصرّف فيه كيف يشاء، ولا يسئل عما يفعل للفرق بين الجواز العقلي الفرضي والوقوعي. قوله: (ومما تنزلت به الشياطين) عبر بالتفعيل لأنه لو وقع كان بالاستراق التدريجي، وقوله وما يصح هو أحد معاني ما ينبغي وحمله عليه لأنه أبلغ، وان صح حمله على ظاهره، وقوله إنهم عن السمع لمعزولون أي ممنوعون منه ويجوز كون الضمير للمشركين، والمراد لا يصغون للحق لعنادهم وهو تعليل لما قبله، وقوله لكلام الملائكة قيل المراد به الوحي المنزل على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلا يرد أنهم قد يسترقون السمع، والمراد أنّ الله حمى ما يوحى به إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يسمعوه قبل نزول الوحي فلا يلزمه أنهم لا يسمعون آيات القرآن، ولا يحفظونها وليس كذلك وأمّ آية الكرسي وآخر البقرة فلخاصية فيهما حتى يتعين أن يراد أنهم لا يسمعون كلام الله منه. قوله: (لأنه مشروط بمشاركة في صفات الذات) وهم متصفون بنقائضها، وهذا على مذهب الحكماء في النبوّة وأما القول بأنه شرط عاديّ حتى لا يخالف مذهب أهل السنة فبعيد من سياقه كما لا يخفى، وقوله لا يمكن تلقيها إلا من الملائكة الحصر إمّا بالنسبة للشياطين أو المراد ابتداء تلقيها. قوله: (تهييج لازدياد الإخلاص) فهو كناية عمن أخلص في التوحيد حتى لا يرى مع الله سواه، والا فهو لا يتصوّر منه ذلك حتى ينهي عنه ووجه اللطف فيه أنه إذا نهى عنه مثل هؤلاء كان إيقاظا لهم من سنة الغفلة بألطف وجه، إذا لم يواجهوا به

стр. 2312

ولو خوطبوا به لخافوا من أن يكونوا متهمين به أو محتملاً صدور. منهم في القابل عند الله فأتى به على منوال إياك أعني فاسمعي يا جاره وهذا وجه بديع في مثله فتيقظ. قوله: (١ لأقرب منهم) من بيانية، وقوله فإنّ الاهتمام بيان لوجه تخصيصهم بالذكر مع عموم رسالته ولا يتوهم منه مداراتهم بل إنّ قرابته لا تفيد من لم يؤمن به ومصدّقي بياء مفتوحة مثددة، والفخذ جماعة دون القبيلة من قومه وبين يدي عذاب استعارة أي بعذاب قريب، والحديث المذكور صحيح رواه ابن حبان وغيره. قوله: (مستعار) للتواضع بتشبيه هيئة المتواضع بهيئة الطائر، وهي استعارة تبعية أو تمثيلية ويجوز أن يكون مجازاً مرسلاً مستعملاً في لازم معناه. قوله: (ومن للتبيين الخ) المراد بالمؤمنين كل من آمن به من عشيرته، وغيرهم كما في المدارك وغيره، ولذا قيل إنّ قوله من المؤمنين ذكر لإفادة التعميم وإلا فاتباعه، والإيمان توأمان إذ المتبادر من اتباعه اتباعه الديني كما أشار إليه الزمخشري، وجعله أعمّ بناء على أصل معناه كما ذكره المصنف ليفيد قوله من المؤمنين، وعلى ما ذكره هذا القائل يكون فائدته التعميم كطائر يطير بجناحيه، ولكل وجهة فلا وجه للاعتراض على المصنف به والتعميم من المؤمنين لشموله العشيرة وغيرهم، كما سمعته لا من كلمة من كما توهم حتى يقال إنّ من الجارة لا تفيد التعميم إلا إذا زيدت بشرائطها وليست هذه كذلك فإنه من قلة التدبر. قوله: (على أنّ المراد من المؤمنين المشارفون) ! ان لم يؤمنوا فالمتبعون في الدين بعضهم، وكذا لو أريد من صدق باللسان، ولو نفاقا وعلى هذين فالإتباع دينيّ كما ذكره الزمخشري، وقوله بما تعملونه بناء على أنّ ما الموصولة عائدها محذوف وقوله أو من أعمالكم بناء على أنها مصدرية فسقوط أو من بعض النسخ من قلم الناسخ وضمير فإن عصوك للكفار المفهوم من السياق أو للعشيرة. قوله: (يكفك) مجزوم في جواب الأمر وفيه إشارة إلى وجه ارتباطه بالجزاء، وقوله على الإبدال لم يجعله معطوفاً على الجزاء الخفاء التعقيب فيه، ورؤية الله معناها مذكور في كتب الكلام، وقوله وتردّدك إشارة إلى أنّ التقلب بمعنى الذهاب، والمجيء مجازاً وقوله المجتهدين أي في العبادة، وقوله نسخ فرض قيام الليل لأنه كان فرضاً قبل الصلوات الخمس ثم نسخ بها، وقوله لما سمع الخ بيان لوص الشبه بين بيوتهم ومقرّ النحل والمراد بالساجدين المصلون لأنّ السجود أشرف الأركان، والدندنة الأسواط المختلطة المرتفعة حتى لا تكاد تفهم، وقوله أو تصرّفك معنى آخر للتقلب أي تغيرك من حال كالجلوس والسجود إلى آخر كالقيام في الإمامة. قوله: (وإنما وصفه الخ) أي بقوله تقلبك الخ وهو وصف معنويّ لا نحويّ، وقوله يستأهل أي يكون أهلا ويستحق والمراد بالولاية الرسالة والمراد بالعلم بهذا العلم بجميع أحواله، ويجوز في الرؤية أن تكون علمية وفي كلامه إشعار به، وقوله على من متعلق بتنزل قدم عليه لصدارته لأنّ من استفهامية، وأمّا تقدم الجار فغير ضارّ كما بين في النحو فلا حاجة إلى ادّعاء أيّ من أصله أمن والهمزة مقدرة قبل الجارّ كما ادّعاه الزمخشريّ. قوله: (لما بين أن القرآن الخ) أي في قوله وما تنزلت به الشياطين، وقوله لا يصح وقع في نسخة بدله لا يصلح وهما بمعنى هنا وقوله من وجهين متعلق بلا يصلح أو ببين، وقوله إنه أي تنزل الشياطين وشرّير كذاب الخ لف، ونشر مرتب تفسير لأفاك أثيم، وقوله إنما يكون الخ الحصر مستفاد من السياق أو من مفهوم المخالفة المعتبر عند الشافعية، أو من التخصيص في معرض البيان، وقوله بالغائبات بالغين المعجمة والباء الموحدة المراد به ما غاب عن الحس كالجن والملائكة، وفي نسخة العاتبات بعين مهملة ومثناة فوقية من العتوّ والتمرّد، وقوله: لما بينهما خبر إنّ وكلمة كل للتكثير ليناسب عموم من، ويجوز أن تكون للإحاطة ولا بعد في نزولها على كل كامل في الإفك والإثم كما قيل، وقوله وثانيهما قوله أي مضمون قوله هذا. قوله: (أي الأفاكون الخ) إشارة إلى أنّ هذه الجملة مستأنفة لبيان حالهم معهم، ويجوز أن يكون صفة لكل أفاك لأنه في معنى الجمع لكن تقدير المبتدأ أظهر في الأوّل، وأما الحالية فلم يلتفت إليها لعدم المقارنة وكونها منتظرة خلاف الظاهر، والقاء السمع مجاز عن شدة الإصغاء للتلقي، ويحتمل أن يكون السمع بمعنى المسموع أي يلقون المسموع من الشياطين إلى الناس كما في الوجه الآتي لكنه تركه لبعده أو لقلة جدواه، وقوله فيتلقون

стр. 2313

منهم ظنونا أي مظنونات، وقوله لنقصان علمهم الضمير للشياطين أو للأفاكين. قوله: (كما جاء في الحديث الخ) هو مختصر من حديث مروفي في الصحيحين عن عائثة ﵂ قالت: " سأل ناس رسول الله ﷺ عن الكهان فقال لهم: ليسوا بشيء قالوا: يا رسول الله فإنهم يحدّثون أخبارا بالشيء يكون حقاً فقال ﷺ : تلك الكلمة يحفظها الجني فيقرها في أذن وليه قرّ الدجاجة قيخلطون بها كثر من مائة كذبة " وقوله فيقرها بفتح الياء وكسر القاف من قرّت الدجاجة إذا صوّتت صوتا منقطعا وقرّه يقره إذا سارّه وهو من الأوّل والمعنى يسمعه إياها، ووليه من يواليه وقوله مائة كذبة وقع في نسخة كلمة. قوله: (ولا كذلك محمد ﷺ معطوف على قوله الأفماكون الخ، يعني أنهم يكذبون ويذكرون أمورا متخيلة موهومة، وهو صادق فيما يخبر به متيقن له وقوله لقوله الخ يعني أنّ الضمير لكل أفاك وهم كلهم كاذبون لا أكثرهم، والمقام يقتضي التعميم وقوله والأظهر لأنّ كون الأكثر بمعنى الكل بعيد يعني المراد بالكذب ما وقع في حكايتهم عن الجن فإنّ ما ينسبون لهم كذب عنهم في اكثر وقد يصدقون في النقل عنهم، ويجوز أن يكون هذا في مطلق أقوالهم فإنّ من اعتاد الكذب لا يتركه غالبا. قوله: (وقيل الضمائر أي في قوله يلقون الخ) فالمراد إنّ الشياطين يلقون السمع أي يستمعون إلى الملأ الأعلى من الملائكة قبل الرجم، والطرد فيختطفون أي يتلقون بسرعة لخوفهم من الشهب أو السمع بمعنى المسموع منهم ومرضه لأنّ المقام في بيان من تنزل عليه الثياطين، لا بيان حالهم وأمّا دلالته على الوجه الثاني فليست بلازمة حتى يضعفه لفواتها كما قيل، وقوله إذ يسمعونهم من الأسماع تعليل لكذبهم بأنهم لا يسمعون اولياءهم لخيانتهم فيتعمدون الكذب، أو هو لقصور فهمهم عنهم أو قصور ضبطهم وحفظهم لما يسمعونه منهم، وقوله إفهامهم مصدر من الأفعال أي كذبهم لقصور إفهامهم ما يلقونه لأوليائهم، وقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ على الوجهين وكونه للثاني أظهر. قوله: (أبطل كونه ﵊ شاعرا) كما أبطل كون ما يأتي به قبيل الكهانة كما سيشير إليه وان كان الضمير في قوله ألم تر أنهم للغاوين فالتقرير ظاهر، وكذا إن كان للشعراء فليس الأنسب حينثذ كونه دليلاً آخر كما قيل والغاوي من غوي إذا ضل، وهو بمعنييه مناسب لما بعده، والوادي معروف والمراد به هنا شعب القول وفنونه وطرقه وشجونه، والهيام أن يذهب المرء على وجهه من عشق أو غيره وهو تمثيل كما في الكشاف والمعنى يخوضون في كل لغو من هجو ومدح، وقوله لأنّ الخ تعليل لكون اتباعهم غيا، والنسيب بنون وسين مهملة ذكر محاسن الحسان، واظهار التعشق والهيام بها والحرم جمع حرمة وهي المرأة المحرّمة على غير زوجها، والغزل التغزل والتلهي بصفات النساء وذكر الميل لهن، والابتهار الكذب بادّعاء الوصول إلى محبوبته قال الأعشى: قبيح بمثلى نعت النتا ة إمّا ابتهاراً وامّا ابتيارا وفي شرح ديوانه الابتهار أن تقول فعلت بفلانة وأنت لم تفعل والابتيار أن تقول فعلت وقد فعلت اهـ وتمزيق الإعراض! استعارة للغيبة بما يقدح في عرض أحد، والإطراء المبالغة في المدح. قوله: (وإليه أشار بقوله الخ) لأنّ قوله يقولون ما لا يفعلون كناية عن أنهم يكذبون فلا يرد أنه لا إشارة فيه إلى مدح من لا يستحق المدح والإطراء، ولا حاجة إلى الجواب بأنّ الفعل عام للقلبي والمدح المذكور فيه إظهار لخلاف ما لا يعتقد ولا إلى القول بأنّ المراد الإشارة إلى جنس ما ذكر. قوله: (وكأنه لما كان إعجارّ القرآن الخ) الظاهر أنّ إعجازه من جهة المعنى مطابقته لمقتضى المقام، واشتماله على الأخبار بالمغيبات وأمّا من جهة اللفظ فظاهر، واذا كان مما تنزلت به الشياطين اشتمل على الأكاذيب فينا في صحة معناه، وإذا كان من جنس كلام الشعراء لم يكن لفظه معجزا ولا معناه حقا، وتوله على التخفيف أي من الأفعال وقوله تشبيها لبعه بعضد أي في ضم ثانيه والضمّ ثقيل فإذ! كان بعد الكسر فهو أثقل ومنافاته للأوّل بقوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ ومنافاته للثاني بقوله: ﴿وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ الخ والمكافحة المدافعة.

стр. 2314

قوله: (والكعبان) هما كعب بن زهير وهو معروف في الصحاية وقصته مشهورة، وأمّا كعب بن مالك فهو كعب بن جعيل بن عجرة بن ثعلبة بن عوف بن مالك فمالك جده كما في الإصابة لابن حجر وقال إنه لم يذكره في الصحابة غير ابن فتحون عن البغوي، والحديث المذكور وهو (اهجهم الخ) ليس معروفا فيه، وإنما هو مع حسان ﵁ كما في السير والحديث الأول متفق عليه وروح القدس جبريل ﵊، والمراد أنّ الله مؤيده وملهمه إلهاما بانيا لما يقوله، وقوله لهو أي الهجو المفهوم من الفعل ورفع الكعبان كما في النسخ كما في قوله: كيف من صاد عقعقان وبوم أو قوله كعبد الله خبر مبتدأ تقديره، وهم وهذا معطوف على محل الجار والمجرور وهو أولى. قوله: (لما في سيعلم الخ) لأنّ السين تفيد التأكيد كما مرّ وليس مخالفا لقول النحاة إنها للاستقبال كما توهم، واطلاق الظلم إذ لم يقيد بنوع والتعميم لأنّ الموصول من صيغ العموم، والتهويل من جعله كأنه لا يمكن معرفته. قوله: (وقد تلاها أبو بكر لعمر ﵄ الخ) لأنه أمر عثمان ﵁ أن يكتب في مرض موته، وقد عهد لعمر ﵁ ما صورته يسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ عند آخر عهده بالدنيا وأوّل عهده بالآخرة في الحال التي يؤمن فيها الكافر، ويتقي فيها الفاجر إني قد استعملت عليكم عمر ابن الخطاب فإنّ برّ وعدل فذاك علمي به، ورأيي فيه، وان جار وبدل فلا علم لي في الغيب، والخير أردت ولكل امرئ ما اكتسب، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون اهـ، وذكره المبرد في الكامل وغيره. قوله: (وقرئ أيّ منقلت الخ) أي بالفاء والتاء الفوقية، وهي قراءة الحسن وابن عباس في الشواذ، وقوله عن النبيّ الخ هو حديث موضوع من الحديث المنسوب إلى أبيّ بن كعب المشهور تمت السورة بحمد الله ومنه. سورة النمل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كونها ثلاث أو أربع وتسعون هو المشهور، وقيل إنها خمس وتسعون واختلف أيضا في مكية بعض آياتها كما سيأتي. قوله تعالى: ( ﴿طس﴾ ) قرئ بالإمالة وعدمها وقد تقدم الكلام فيه وقوله الإشارة إلى آي السووة يجوز أن يكون إشارة إلى السورة نفسها أو إلى مطلق الآيات كما مرّ، وقوله وإبانته الخ إشارة إلى أنه من أبان المتعدي، وحذف مفعوله لعمومه، وعدم اختصاصه بشيء، وقوله يبينه من الأفعال أو التفعيل للتتنبيه على ذلك، وعدل عما في الكشاف من قوله وإبانتهما أنهما يبينان ما أودعاه من العلوم والحكم والشرائع وانّ إعجازهما ظاهر مكشوف لأنه يقتضي أخذه من اللازم والمتعدي معاً، ولذا قيل إنهما وجهان والواو فيه بمعنى أو، وقوله وتأخيره أي الكتاب هنا مع تقديمه في سورة الحجر، وهو على هذا التفسير مقدم في الوجود لتقدّم اللوح المحفوظ على القرآن بمعنى المقرر لأنا نعلم أنه في اللوح من القرآن، أو بعد علمنا به وأمّا كونه لا طريق لنا إلى العلم به سواه فمع أنه لا حاجة إليه غير مسلم إذ قد نعلمه من الرسول، ويعلمه الرسول بوحي غير متلو وكون العلم بانه قرآن أهم وجه آخر، وليس التقدم والتأخر حينئذ باعتبار العلم وغيره كما قيل. قوله: (وتقديمه في الحجر باعتبار الوجود (الخارجي فإنّ القرآن بمعنى المقروء لنا مؤخر عن كونه في اللوح المحفوظ ولا حاجة إلى القول بأنّ وجود الألفاظ بعد وجود الكتابة، وأنّ هذا مبنيّ على حدوث الكلام اللفظي كما قيل، وأمّا السؤال باعتبار أحد الوجهين في أحدهما دون الآخر قدوريّ فان قيل بتقدم نزول هذه السورة على الحجر كما في الإتقان فظاهر لمناسبة تقديم ذكر الدليل، ولذا عرف الكتاب في الحجر للعهد. قوله: (أو القرآن) معطوف على اللوح، وإبانته لما أودع مبتدأ وخبر فهو من المتعدى أيضاً والمبين الحكم والأحكام وصحة كونه من عند الله بإعجازه فليس قوله أو لصحته على أنه من أبان اللازم حتى يرد عليه ما ورد على الكشاف كما توهم مع أنّ بعضهم جوّز حمله عليه فالواو بمعنى أو. قوله:

стр. 2315

(وعطفه على القرآن الخ) يعني على الوجه الثاني لأنهما عبارة عن شيء واحد بالذات متغاير بالصفات ولكونهما اسمين غلبا عليه، وان كان أحدهما مصدرا والآخر اسم جنس أو صفة في الأصل، ولذا أتى بكاف التشبيه فهو كقولهم هذا فعل السخيّ، والجواد الكريم لأن القرآن هو المنزل المبارك المصدق لما بين يديه فحكمه حكم الصفات المستقلة بالمدح فكأنه قيل تلك الآيات آيات المنزل المبارك وأيّ كتاب كما في الكشاف. قوله: (وتنكيره) يعني على الوجهين لا على الثاني لأنه على الأوّل مبهم لعدم مناسبته للمقام، والمضاف المحذوف آيات، ويجوز عدم تقديره أيضاً. قوله: (حالان من الآيات) هو أحد وجوه سبعة في إعرابه ومعنى الإشارة أشير أو أنبه، وهو الذي سمته النحاة عاملاً معنوياً، وقوله بدلان منها قال في شرح التسهيل اشترط الكوفيون في إبدال النكرة من المعرفة شرطين اتحاد اللفظ وأن تكون النكرة موصوفة نحو: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [سورة العلق، الآية: ١٦] ووافقهم ابن أبي الربيع في الثاني والصحيح عدم الاشتراط لشهادة السماع بخلافه فلا حاجة إلى ما تكلف هنا من أنه اكتفى بنعت قيدها بالموصول وقوله للمؤمنين إن كان قيدا للهدى والبشرى معا فالهدي بمعنى الاهتداء أو على ظاهره، والتخصيص لأنهم المنتفعون به، وان كانت هدايته عامّة، وجعل المؤمنين بمعنى الصابرين للإيمان تكلف كحمل هداهم على زيادته ومن عممه للبشر جعل القيد للبشرى فقط، وأبقى الهدى على ظاهره من العموم فلا وجه لما قيل من أنه لا دلالة في النظم على التعميم بل دلالته على اختصاصه بالمؤمنين. قوله:) يعملون الصالحاث (كأنه يشير إلى أنه كناية عن عمل الصالحات مطلقا، وانهما خصصا لأنهما إما العبادة البدنية والمالية فقوله من الصلاة والزكاة بتقدير من جنس الصلاة والزكاة، ولو حذفه كان أظهر. قوله: (من تتمة الصلة) لأنّ الحال قيد وهو بيان لاتصاله بما قبله، وقوله وتغيير النظم هو على العطف على الصلة لتغايرهما في الاسمية، ويحتمل أن يكون على الوجهين وثباته تفسير لقوّة اليقين، أو القوّة من تكرير الإسناد والثبات من الاسمية لإفادتها ذلك إذا كانت معدولة، وان كان الخبر فعلا فلا يرد الاعتراض بأنها لا تدلّ على ذلك كما صرّح به أهل المعاني حتى يقال إنه مأخوذ من اليقين كما قيل وقوله وإنهم الأوحديون فيه أي الكاملون في الاتصاف باليقين والياء للمبالغة، وقوله أو جملة اعتراضية هو على ظاهره من غير حاجة إلى جعلها مستأنفة والمراد بالاعتراض الانقطاع عما قبله لابتنائه على أنّ الاعتراض لا يكون في آخر الكلام، وليس بمسلم عندهم وقوله: ويعملون الصالحات إشارة إلى أنهما كناية عما ذكر وقوله هم الموقنون أي الكاملون في الإيقان بقرينة ما قبله. قوله: (فإن تحمل المشاق الخ) المراد بالمشاق التكاليف الدينية وتحملها إنما يعتد به إذا وافق الباطن الظاهر، أو هو بالنظر إلى الأغلب فلا يرد من يعمل رباء والوثوق مضمن معنى الاعتماد فلذا عدى بعلى، وهما إنما يكونان لكمال الإيقان فتكون العلة للتحمل منحصرة فيه فزوالها يوجب زوال معلولها كوجودها لوجوده فيفيد أنّ المتحمل، هو الموقن لا غيره مع أنّ التلازم بينهما ظاهر فلا يرد أنّ اللازم من التعليل انحصار التحمل في الموقن، والمدّعي عكسة فلا يتم التقريب. قوله: (وتكرير الضمير للاختصاص) كما في الكشاف قيل المراد بالاختصاص الاختصاص المؤكد إذ تقديمه يكفي لإفادة الاختصاص وهذا بناء على أنّ نحو هو عرف يحتمل التقوّي والتخصيص فالتقوي لتكرّر الإسناد، والتخصيص لتقدّم الفاعل المعنوي فلما قدم الضمير، وأكد بالتكرير أفاد التخصيص والتوكيد كما فصل في كتب المعاني وفيه تأمّل، وتقديم بالآخرة للفاصلة ويحتمل الحصر الإضافي للتعريض باليهود. قوله: (زينا لهم أعمالهم القبيحة) قد تقدّم تفصيله في الأنعام وقوله بأن جعلناها الخ إشارة إلى أنه مجاز، وقد جوّز فيه الزمخشري أن يكون استعارة وأن يكون مجازا في الإسناد، وكلام المصنف محتمل لهما أيض أ، وقوله أو الأعمال الحسنة هو منقول عن الحسن وتخصيص الواجب مع أنّ المندوب كذلك لمناسبته للذم يعني أنه تعالى جعل الأعمال الحسنة الواجبة عليهم حسنة كاسمها فعموا عنها كما صرّح به بعد. فالترتيب باعتبار الواقع وتعكيسهم لما يجب عليهم فلا
следующие страницы →