Полный текст (3 156 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
الشيء باسم ما يؤدى إليه، وفيه ملاحظة السببية والانتهاء إليه، ففي الكلام مجاز على مجاز، وليس المجاز هنا بمعنى مجاز الأول المشهور بل الغاية المسببة لا أنه يؤل إليه، كما نبه عليه بعض الفضلاء، وقيل: إنه إشارة إلى تطبيقه على أوّل الوجوه الأربعة، وتلخيصه أنّ المخادعة استعيرت للمعاملة الجارية فيما بينهم وبين الله والمؤمنين المشبهة بمعاملة المخادعين، فقصرت هذه المعاملة ههنا على أنفسهم بعد تعليقها بما علقت به سابقا بناء على أنّ ضررها عائد إليهم لا يتعداهم، ونظيرها فلان يضار فلانا وما يضار إلا نفسه، ولا يختص هذا بالمفاعلة ولا بلغة العرب، فالعبارة الدالة على قصر تلك المعاملة مجاز أو كناية عن انحصار ضررها فيهم، أو يجعلى لفظ الخداع المستعار مجازاً مرسلا عن ضرره في المرتبة الثانية، ويمكن أن يقال لما انحصرت نتيجة تلك المعاملة فيهم جاز أن يدعى أنّ نفس تلك المعاملة مقصورة عليهم، ويكون حينئذ انحصار ضررها فيهم مفهوماً تبعاً لا قصداً، فلا حاجة إلى تجوّز أو كناية، وفي كلامه إشارة إليه ولك أن تطبقه على الوجوه الباقية، وأورد عليه أنه لا فائدة في انحصار المعاملة فيهم بل في انحصار الضرر، فجعل الثاني مقصودا تبعا والأوّل ملحوظا قصدا تحكم، ألا ترى أنّ المحققين اعتبروا في الكناية تبعية القصد في المكنى به، وأصالته في المكنى عنه فتامل حق التأمل لتعرف أنه غير وارد عليه، فإن قلت إنهم جوّزوا هنا المجاز بمرتبتين من غير نكير وقد اشترطوا فيه أن يشتهر المجاز الأوّل حتى يلتحق با! حقيقة ليصح الانتقال عنه بدون الغاز قلت: الظاهر أنّ الاشتراط المذكور وإنما هو إذا لم يكن المجاز الأوّل مذكوراً صريحاً في الكلام، فإنّ ذكر. يغني عن شهرته لحصول المراد به، ولم يلتفتوا هنا للمشاكلة مع ظهورها، وسهولة مأخذها حتى رجحها بعضهم على بقية الوجوه لما مرّ، فإن لم تر ذلك محذوراً، فقل كل يعمل على شاكلته، وأن شئت على مشاكلته. قوله: (أو أنهم في ذلك إلخ) الوجه الماضي
٤٨٩
مبنيّ على أنه خداع آخر جار بينهم وبين أنفسهم الأباطيل وا! اذيب، وأنه سيتفرع على ذلك أمور
لك وتطمئن حتى تخدعهم بخرافات الأماني، والفارغة بمعنى الخالية عن الفائدة مجازا، فكانوا
فارغا ليرويه، والخاء فيه بمعنى الخفية، وغير قوله
نّ حقيقة الخداع إنما تكون بين اثنين بإيهام الغير بصدده كما مرّ، ولا يمكن اعتبارها بين الشخص لحقيقية إلى غير ذلك من التكلفات التي ارتكبوها في لمعنى على سبيل التجوّز، ومنهم من فسر النظم سوله صلّى الله عليه و، صلّم والمؤمنين، لأنه كما لا حداعه لها يمتنع خداع الله لأنه لا يخفى عليه خافية، منين، لأنه تعالى يخبرهم به، أو هو كناية عن أنّ
الله عليه وسلم والمؤمنين معاملة مع أنفسهم، لأنّ ينفعونهم كأنفسهم، ولا يخفى بعده. قوله: (لأن مفاعلة تقتضي حقيقة اثنين مخاح ومخاع، ولا
كما مرّ، وما قيل عليه: من أنّ الخاع بل كل متعدّ
ق بدون فارق ودفعه بأنه لا بدّ للشركة في الخداع
نه يكفي فيه المغايرة بين الفاعل والمفعول بالاعتبار لسحص بنفسه ليس بشيء أمّا السؤال، فلأنّ مراده أنّ باب تغاير الفاعل والمفعول فليس وضعيا، وأنما هو لملوب، وما ألحق بها اتحاد الفاعل والمفعول، وأمّا لى التأويل كما مز، والعلم مستثنى من هذه القاعدة
من هذا بيان ترجيح هذه القراءة على الأخرى واختيار ##
стр. 317
#الصحيحة فيهما فلا يرد عليه أنّ القراءة إنما هي بالرأي ومقتضى العقل وحسن الظن بالسلف يدفع
لال في تقرير قوله خدعوا أنفسهم: أنه على طريقة تحديث كل منهما صاحبه بالأحاديث، فيجرّدون من
لغير ويخاطبونهم كقول المتنبي:
فليسعد النطق إن لم يسعد الحال
والفرق بين هذا وبين الالتفات قد مرّ، وقد قيل: إنّ قراءة يخادعون مبنية على التجريد
من الجانبين، وهذه مبنية عليه من جانب واحد، وقال قدس سرّه: إنه تكلف بارد والمراد بالباقين من بقي من القرّاء السبعة غير من ذكر أوّلا وما عدا القراءتين شاذ. قوله: (وقرىء يخدّعون من خذّع إلخ) أي قرىء يخدعون بتشديد الدال مع ضم الياء وفتح الخاء، ويخدعون بفتح الياء والخاء وتشديد الدال مع الكسر وكلاهما على البناء للفاعل، ويخدعون من الاخداع، ويخادعون كلاهما على البناء للمفعول والتشديد لأنه افتعال وأصله يختدعون بنقل حركة الدال، وادغامها في التاء لقرب مخرجهما، واختدع جاء عن العرب متعديا كما في الأساس وغيره يقال خدعه، واختدعه إذا ختله فانخدع وما قيل على هذا من أنه ينبغي أن يكون النصب بنزع الخافض إلا إن ثبت اختدع بمعنى خدع من عدم الوقوف عليه، وفي محتسب ابن جني والبحر قراءة المجهول لابن شدّاد والجارود بن أبي سبرة، وهذا على معنى خدعت زيداً نفسه أي عن نفسه على أنّ نصبه على الحذف والإيصال كاختاو موسى قومه، أو هو متعدّ حملا على ما هو بمعناه أو ضمن معنى ينتقصون، ويسلبون أو هو على التشبيه بالمفعول أو على جواز تعريف التمييز، كما قيل في غبن زيد رأيه، وأمّا كون ضمير يخادعون لجميع من ذكر من الله والرسول ﷺ والمؤمنين والمنافقين، والمستثنى منهم أنفس المنافقين، والمعنى ليس من وقع بينهم النفاق إلا نفس المنافقين، فتكلف لا يليق بالنظم الكريم. قوله: (والنفس ذات طشيء إلخ) هذا باعتبار المعنى العام الشامل لكل شيء، وهو على هذا لا يختص بالأجسام، ولا بذوات الأ- واح كما يقال: هو في نفسه كذا وحقيقة الشيء وعينه، وذاته بمعنى في العرف العامّ، فليس المراد بالشيء الحيوان كما قيل بناء على أنّ تقريره في بيان مناسبات المعاني يقتضيه إلا أنّ الإمام الغزالي رحمه الله تعالى، فسر الذات في السرّ المصون بأمر شامل للروح والجسد، أو هو الجسد القائم به الروح، وعند أهل المعقول بمعنى الحقيقة، وهي وهو جوهر يحل به المعقولات، وهو من عالم الأمر اهـ فإن أراد به هذا اختص بالحيوان بل بالإنسان، وقد قال في كتاب الروح: إنه حقيقة عرفية فيه. وقال بعض الفضلاء: الظاهر أنّ الشيء على عمومه كما يشعر به ما في الصحاح من أنّ النفس الجسد، وعين الشيء، فلا يلائم تعليل إطلاقه على القلب بأنّ النفس به، فإنه لا يجدي إلا في بعض أفراده، والمناسب أن نعتبر المناسبة بين نفس المفهوم الحقيقي، والمعنى المجازي لا بينه وبين بعض أفراده، فالوجه أن يخصص الشيء بالحيوان كما يدل عليه قوله قدس سرّه لأنّ ذات الحيوان به، وما ذكره ملخص ما في الكشاف. وهو كما قال قدس سرّه: يتبادر منه أنّ لفظ النفس حقيقة في الذات مجاز فيما عد ٥١، وذلك ظاهر في الدم والماء والرأي واطلاق النفس على الرأي والداعي من قبيل تسمية المسبب باسم السبب أو استعارة مبنية على المشابهة، والثاني أنسب بالمقام وأظهر كما أشار إليه
المصنف ﵀. وقوله: (لأن نفس الحئ به) أي لأنّ ذاته تقوم وتحيا، وتبقى به، وقد ذهب كثير إلى أنّ النفس حقيقة في الروح، ويوفق بينهما بما نقلناه من كتاب الروح، ويؤيده أنّ النفس لا تطلق على الله دائما أو غالبا إلا بطريق المشاكلة، كما سيأتي تحقيقه في تفسير قوله تعالى ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] . قوله: (وللقلب لآنه محل الروح) القلب عضو صنوبريّ معروف واطلاق النفس عليه من قبيل ذكر المسبب وارادة السبب أو من إطلاق اللازم على ملزومه لأنّ النفس ذات الشيء وذات الحيوان بالقلب تتقوّم لأنّ القلب مبدأ الحياة، ومحل الروح الحيواني، ولذلك خلق في وسط الصدر لأنه أحرز المواضع في البدن إذ العظام سور حصين له والعضلات حرس له، والمراد بالروح التي تحله
стр. 318
بخار لطيف في تجويفه الأيسر وتسميه الأطباء بالروح الحيوافي، وهو الطف ما في البدن وأكثره مناسبة للروح المجردة. وقوله: (أو متعلقه) بناء على أنّ المراد بالروح الجوهر المجرّد المتعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرّف، فإنه مما يطلق على الروح أيضا كما صرحوا به، ففي كلامه شبه استخدام وقد اختلفوا في أوّل ما يتعلق به النفس الناطقة هل هو القلب أو الدماغ، ورجح ابن سينا الأوّل وتبعه المصنف ﵀. قوله: (وللدم إلخ) ومنه قولهم لا نفس له سائلة أي دم يجري وتسميته لما ذكر، والقوام بالكسر ما به يقوم ويبقى والنفس تؤنث بمعنى الروح وتذكر بمعنى الشخص كما في المصباح. وقوله: (وللماء إلخ) هذا مما تبع فيه الزمخشريّ، وهو إمام يقتدى به إلا أنّ ابن الصائغ ﵀ أشار في حاشيته على الكشاف إلى أنه لم يوجد في كتب اللغة والذي فيها النفس بفتحتين كما نقله كراع، واستشهد له بما ثبت في كلامهم، وفي الصحاح النفس الجرعة قال جرير:
تعلل وهي ساغبة بنيها بأنفاس من الشبم القراج
وترك ما في الكشاف من الاستشهاد عليه بقوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾
[الأنبياء: ٣٠] لأنه لا يثبت المدعى وأنما يؤيد التعليل. وقوله: (يؤامر نفسيه) بالتثنية أي يتردد بين رأيين له، فمؤامرة النفس كناية عن التردّد والمؤامرة المشاورة، كالائتمار لقبول بعضهم أمر بعض فيما يشير به عليه فأبدلت الهمزة واواً، وقد مرّ بيان العلاقة فيه. قوله: (والمراد بالأنفس إلخ) في الكشاف والمراد بالأنفس هنا ذواتهم والمعنى بمخادعتهم ذواتهم أن الخداع لاصق بهم لا يعدوهم ولا يتخطاهم إلى من سواهم، ويجوز أن يراد قلوبهم ودواعيهم وآراؤهم اهـ فإذا أريد بالأنفس الذوات كان المراد بالمخادعة أنّ خداعهم لا يتجاوزهم، ويرجحه أنه المعنى الحقيقيّ المتبادر ولا مانع يمنعه هنا، وأمّا إرادة الآخرين فيضعفها أنّ المتبادر من المخادعة أن تكون بين شخصين متغايرين حقيقة، وهذا فيه مغايرة لكنها غير حقيقية وفيه نظر، وقيل إنّ الأوّل ناظر إلى قوله دائرة الخداع إلخ. وما بعده إلى قوله أو أنهم إلخ.
وعدل عن قول الزمخشريّ قلوبهم إلى قوله أرواحهم، لأنه أظهر في المغايرة. وقد قال قدّس سرّه: إنه على الأوّل يتعين أن يراد بحصر خداعهم في ذواتهم قصر ضروه عليهم كما ني الجواب الأوّل، وعلى ما بعده ذكر القلوب تمهيدا لذكر الدواعي، والآراء لا أنه ونجه آخر، وإذا أريد بالأنفس الدواعي تعين الجوابان الأخيران، وكان اعتبار المشابهة أولى كما لا يخفى فبيان المراد بالأنفس تتمة للأجوبة.
(وفيه بحث الأنه لا مانع من جعل ذكر القلوب في كلام العلامة إشارة إلى وجه آخر لأنّ القلوب ينسب إليها الإدراك كما قال تعالى ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦] ويؤيده إبدال المصنف لها بالأرواح فما ذكره عدول عن الظاهر من غير داع.
(تنبيه) بقي للنفس هنا معان أخر لم يذكرها المصنف ﵀ كالعين المصيبة والقوى الحيوانية الجامعة للصفات المذمومة المضادة للقوى العقلية، وباختلاف هذه الصفات والأحوال تسمى النفس تارة أمارة وتارة لوامة وتارة مطمئنة، وليست هذه نفوساً متغايرة كما سيأتي تحقيقه. قوله: (لا يحسون إلخ) يشير إلى أنّ الشعور معناه الإدراك بالمشاعر، وهي الحواس الظاهرة في الأصل، وإن ورد بمعنى لا يعقلون مطلقاً إلا أنّ حمله على هذا أولى لأنه أصل معناه وأبلغ لأنّ عدم الشعوو بالمحسوس في غاية القبح لكون المحسوسات من البديهيات، ومن لا يشعر باله ديهيّ المحسوس مرتبته أدنى من مرتبة البهائم، فنفي الشعور يدلّ على التهكم بهم وعلى نفي العلم بالطريق الأولى فهو أبلغ من لا يعلمون هنا وأنسب بما مرّ من قوله ﴿خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ﴾ إلخ. وقوله: (لتمادي غفلتهم) من قولهم تمادى في الأمر إذا تمادّ فيه إلى الغاية جمما في الأساس، فتمادي الغفلة بمعنى امتدادها على ظاهره وحقيقتة، أو هو بمعنى تماديهنم في غفلتهم، فالتمادي من المدد وأصله تمادد كقصيت بمعنى قصصت، ويجوز أن يكون من المدى بدون إبدال. قوله: (جعل لحوق وبال الخداع إلخ) يشير به إلى المعنى الأوّل من معنى خداعهم لأنفسهم كما في الكشاف، واقتصر عليه لأنه الأرجح الأظهر وغيره يعلم بالمقايسة عليه أيضا، ولذا أمر الشريف ﵀ بالتدبر فيه، وفيه إشارة إلى أنّ قوله ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ مرتبط بقوله ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم﴾
стр. 319
ولذا قال الزجاج في تفسيره: وما يشعرون أنهم يخدعونها، وهو أقرب لفظاً ومعنى من جعله متصلا بقوله يخادعون الله على أنّ المعنى، وما يشعرون أنّ الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ومن لم يشعر بهذا جعله من فوائده الزوائد هنا، والوبال سوء العاقبة وأصله وخامة المرعى، فتجوّز به عما ذكر ثم صار حقيقة عرفية فيه، وقد يراد به الإثم وهو قريب منه، فمن فسره بالوخامة فقد تسمح فيه هنا، ومؤفة أصابتها آفة وهي العاهة يقال: أيفت الأشياء فهي مؤفة كما يقال ايلت فهي مؤلة، وفي عبث الوليد للمعرّي لو
جيء به على الأصل فقيل: ما ووفة بوزن مضروبة جاز عند بعض الناس، وكذا استعمله البحتري في شعره. قوله: (والشعور الإحساس إلخ) أي الإدراك بالحوإس الخصس الظاهرة، وقد يكون بمعنى العلم وصرّح الراغب بأنه مشترك بينهما، وذهب بعضهم إلى أنّ هذا أصله، وذاك مجاز منه صار لشهرته فيه حقيقة عرفية، وهو ظاهر كلامهم هنا، والمشاعر الحواس، ولها معان أخر كمناسك الحج وشعائره، وقوله الشعر بكسر الشين وسكون العين لأنه اسم للعلم الدقيق، كما في قولهم ليت شعري. ثم نقل في عرف اللغة للكلام الموزون المقفى، فهو مصدر أخذ منه الفعل وتصاريفه، ولو قرىء بفتحتين صح أيضاً لقول الراغب في مفرداته شعرت أصبت الشعر ومنه استعير شعرت، كذا أي علمت علماً في الدقة كإصابة الشعر اهـ. ولذا فسر الشعور بالفطنة ودقة المعرفة. وقوله: (ومنه الشعار) ضمير منه راجع للشعر والشعار يكون بمعنى الثوب الذي يلي الجسد لمماستة الشعر، ويكون بمعنى العلامة وبمعنى ما يتنادى به في الحرب ليعرف بعضهم بعضا، فإن كان الشعر بالفتحتين فالمناسب! فسيره بالمعنى الأوّل وإلا فبالثاني، وجملة ما يشعرون مستانفة أو معطوفة أو حال من فاعل يخدعون، ومفعول يشعرون مقدّر أي لحوق الضرر بهم، وأنّ وبال خداعهم راجع إليهم ونحوه أو غير مقدر للعموم وتنزيله منزلة اللازم، وقوله بذلك ورجوع ضرره يشير إلى الأول وجعلهم في حواسهم آفة يشير إلى الثاني، وهو أبلغ كما مرّ. قوله: (المرض حقيقة فيما يعرض للبدن إلخ) من الأطباء من ذهب إلى أنّ أحوال الإنسان ثلاث صحة ومرض وحال لا صحة، ولا مرض كجالينوس، وعند الرثيس أنّ له حالتين صحة ومرض بغير واسطة، والصحة تصدر عنها الأفعال سليمة، والمرض يقابلها، وذهب أهل اللغة كما في المصباح إلى أنه حالة خارجة عن الطبع ضارّة بالفعل، والفرق بينه وبين ما ذهب إليه الأطباء ظاهر، فإنهم يسمون نحو الحول والحدب مرضا بخلاف أهل اللغة، ثم إنّ المصنف ﵀ عدل عن قوله في الكشاف: فالحقيقة أي حقيقة المرض أن يراد الألم كما تقول: في جوفه مزض لما فيه، لأنّ الألم أثر المرض لا عينه لغة واصطلاحا كما لا يخفى، وما قيل من أنّ كون الألم مرضا من أظهر القضايا عند أهل اللغة والعرف، وأمّا كونه عرضا لا مرضا فمن تدقيقات الأطباء على أنّ استعماله في المرض! شائع فيما بينهم أيضاً كقولهم الصدع ألم في أعضاء الرأس فيه ما لا يخفى، والمراد بالأفعال ليست الأفعال المتعارفة كالضرب بل متعارف الحكماء، وهي إمّا طبيعية كالنمو أو حيوانية كالنفس، أو نفسانية كجودة الفكر والألم ما يتألم، ويتوجه به وهو أعمّ من المرض، والاعتدال توسط حال بين حالين، وكل ما تناسب فقد اعتدل كما في القاموس. قوله: (ومجاز في الأعراض النفسانية إلخ) الأعراض جمع عرض كسبب وأسباب، وهو ما يعرض ويطرأ على المرء ثم
ضمير كمالها للنفس التي تفهم من نفسانية، والنفساني منسوب للنفس على خلاف القياس كووحاني، وقد أثبته أهل اللغة وله معنى آخر في الكشف، وهذا برمته مأخوذ من كلام الراغب، والجهل ضد العلم، وقيل المراد به البسيط، لأنّ سوء العقيدة جهل مركب، والحسد تمني زوال نعمة الغير والغبطة تمني نيل مثلها من غير زوال، والضغينة كالضغن بمعجمات الحقد واضمار العداوة، والحياة الحقيقية هي الأخروية، لأنها السعادة الأبدية والحياة الدنيوية، لأنها في معرض الزوال كلا شيء، كما قال تعالى ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أسورة العنكبوت: ٦٤] ولما كان المرض الحقيقي يؤدي إلى اختلال البدن ثم إذا تناهى أدى إلى الموت أشار المصنف ﵀ إلى أنّ وجه الشبه فيه من هذين الوجهين الأوّل مغ الفضائل والكمالات المشابهة لاختلال البدن المانع عن الملاذ، والثاني زوال الحياة الأبدية الذي هو
стр. 320
كهلاك المريض والمراد بالحياة الأبدية السعادة المخلدة لأنّ حياة المخلد في النار لا يعتد بها فلا يرد عليه ما قيل من أنه كان عليه أن يبدل الحياة بالسعادة لأنّ الحياة الأبدية مشتركة بين المسلمين وغيرهم. قوله: (والآية الكريمة تحتملهما إلخ) مخالف لما في الكشاف من تعين المعنى المجازي حيث قال فيه: المراد في الآية المعنى المجازي الذي هو آفة في الإدراك كسوء الاعتقاد والكفر أو حالة تبعث على ارتكاب الرذائل كالحسد أو مانعة عن اكتساب القضائل كالجبن إلخ. وقد غفل عن هذا من توهم أنّ صاحب الكشاف قائل بما ذهب إليه المصنف ﵀، فقال حمل الآية على المجاز هو المنقول عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة، وسائر السلف من غير اختلاف فيه، والتفسير مرجعه إلى النقل والعجب من الزمخشريّ والقاضي أنهما يحملان ما ظاهره الحقيقة على المجاز من غير داع إليه لأنه أبلغ، وهنا ورد التفسير عن الصحابة والتابعين بالمجاز ليس إلا فلم يقتصروا عليه إلى آخر ما فصله، ولا وجة له والمصنف تبع فيما ذكره الإمام حيث قال: الإنسان إذا ابتلي بالأخلاق الرديئة كالحسد والنفاق والكفر، ودام به ذلك ربما أدّاه إلى تغير مزاجه وقلبه واليه أشار المصنف، وقال بعضهم: إنه الأرجح لأنه مع كونه حقيقة أبلغ والمجاز إنما يرتكب لبلاغته، وفيه من الخلل ما لا يخفى فإنه مع ابتناء ظاهره على أنّ المرض الألم وقد صرّح الإمام بعدم ارتضائه كما مرّ مفصلا وصبعه المصنف ﵀ لأنّ الألم مسبب عن المرض لا نفسه لا وجه له سواء قلنا: إنّ قوله فانّ قلوبهم كانت متألمة إلخ بيان للحقيقة. وقوله: (ونفوسهم كانت مؤفة إلخ) بيان للمجازءلمى اللف والنثر المرتب، أولا فإنّ مآله إلى التألم بفوت الرياسة والحسد، وأنّ نفوسهم مؤفة بالفساد وسوء الاعتقاد، وليس في ذلك رائحة من الحقيقة وكون المرض الحقيقي كناية عما ذكر والكناية يكفي فيها صحة إرادة الحقيقة تكلف لا يفيد، وقد أشار شرّاح الكشاف إلى أنه لا يصح إرادة المعنى الحقيقي، وهو الحق الحقيق بالقبول رواية ودراية، وما قيل من
ير قلوبهم ألماً عظيماً بواسطة شوكة أهل الإسلام،
نّ حقيقة المرض الألم الذي يسوء المزاج، وهو
ية مطلق الألم الذي هو أقرب إلى الحقيقة أو نظراً
اج في غاية الركاكة والبعد ولا داعي لارتكابه كما صهم) وفي نسخة عما فات عنهم والتخق تفعل من لإنّ الحديد بالحديد يفلح، واستعير لحك بعض
له عن شدّة الغيظ والغضب، وهو المراد هنا وليس محرق كالنار كما قيل:
د فإنّ صبرك قاتله
إن لم تجد ما تأكله
لس! هذا بقاطع عرق الاحتمال خصوصاً في عبارة سبهة في أنه المراد، ولا وجه لما قيل من أنّ الأولى على الاحتراق مناسب جذاً، وتعدى فات بعن لتضمنه من الرياسة) إشارة إلى قصة ابن أبيّ المشهورة في لحسدهم، وقولهم في دولة الإسلام إنها ريح لهبوبها لى غير ذلك من ظنونهم التي خيبها الله، واشارة الإشادة الرفع ففيه إشارة إلى قوله تعالى ﴿وَرَفَعْنَا﴾ بالدال المهملة. قوله: (فزاد الله إلخ) هذا وما عمهم إشارة إلى تفسير قوله ﴿فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً﴾ ولا له تعالى ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [التوبة: ####
стр. 321
###
، وقد اختلف في هذه الجملة هل هي خبرية أم لا معترضة مصدرة بالفاء، وقد صرّح النحاة بأنها تكون
أن سوف يقضي كل ما قدرا
التلويح وغيره فلا وجه لما قيل إنّ الأنسب حينئذ نّ قوله فزادهم الله إلخ إخبار وعطف الماضي على
الاسمية لنكتة إن أريد في الأولى أعني في قلوبهم مرض أنّ ذلك لم يزل غضاً طرياً إلى زمن الإخبار، وفي الثانية أن ذلك مسبب لازدياد مرضهم المحقق إذ لولا تدنس الفطرة لازدادوا بزيادة إمداد الإسلام ونزول الآيات شفاء. وقوله تعالى ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [التوية: ١٢٥] جملة مستأنفة لبيان الموجب لخداعهم وما هم فيه من النفاق، ويحتمل أن تكوق مقرّرة لعدم شعورهم والأوّل أنسب لأنّ قوله وما يشعرون سبيله سبيل الاعتراض وما قيل في ترجيح الاعتراض على الإخبار بأنّ الثاني مكرّر مع قوله تعالى ﴿يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ ليس بشيء للفرق الظاهر بين زيادة المرض وزيادة الطغيان، على أنه لا مانع من التأكيد مع بعد المسافة، ثم إنّ كلام الشيخين لا ينافيه لأنّ الدعاء من الله إيجاب مؤكد ولولاه لم يكن للدعاء من الله معنى كما لا يخفى فتدبر. وقوله: (ونفوسهم) بالنصب عطف على قلوبهم لبيان المعنى المجازي كما مرّ، ومؤفة هو وجه الشبه، والمرض الأوّل والآلام ومنشؤها وهي تزداد بزيادة الغموم:
والغم يخترم النفوس نحافة ويشيب ناصية الصبيّ ويهرم
والثاني تلك الآفات، وازديادها بالطبع والختم الذي يثبتها والثبات، أو بما بعده. قوله:
(أو بازدياد التكالبف إلخ) أورد عليه أمران الأوّل أنّ المشهور في الازدياد أنه مصدر ازداد اللازم، وقد اسنعمله متعديا تبعاً لما في الكشاف، فإنّ قوله فيه ما ازدادوه يدل على أنه عداه لمفعول واحد كما بينه شرّاحه، والثاني أنّ المنافقين في إجراء الأحكام عليهم كالمؤمنين الخلص، ولا مزية لهم في التكاليف لأنّ المراد بها ما كلف به لا المعنى المصدري، ولو قيل إنه في حق ماحضي الكفر، وازدياد تكاليفهم بشرعية القتل والأسر والجزية تفكك النظم لأنّ ما قبله وما بعده في المنافقيق، وقد أورده بعضهم على أنه وارد غير مندفع (أقول) هذا زبدة القيل والقال، وليس بوارد بوجه من الوجوه.
أمّا الأول فلأن زاد يتعدى لمفعول واحد وتارة يتعدى لمفعولين وازداد مطاوعه، والمطاوع ينقص عن مطاوعه مفعولا واحداً، فإذا كان مطاوع المتعدي لمفعولين تعدى لواحد من غير شبهة، وعليه قوله تعالى ﴿نَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٦٥] وفي الأساس ازددت مالا وازداد الأمر صعوبة، وازداد من الخير ازدياد فالقول بأنه لازم وان اتفق عليه الشراح لا وجه له وكذا قول الراغب: يقال زدته فازداد، وقوله ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ﴾ نحو ازددت فضلا أي ازداد فضلي، فهو من باب سفه نفسه اهـ. فحمل ما ورد من منصوبه على التمييز ولا حاجة إليه، وهذا هو الذي غرّ المعترض.
وأمّا الثاني فسقوطه ظاهر، لأنّ ما ذكره المصنف ﵀ أخذه بحروفه من التفسير الكبير ومعناه أنّ التكاليف والأحكام كلما تكرّرت تكرّر بسببها كفرهم المضمر وسوء عقائدهم،
فيزداد مرضهم بسبب ذلك، ويجوز أن يراد بالتكليف معناه اللغوي، وهو تكليف النبيّ صلى الله عليه وسغ لهم في بعض الأمور وتخلفهم عنه، وتعللهم كما وقع في بعض الغزوات من تخلف المنافقين ونحو ذلك، وهذا مما لا مرية فيه.
وأمّا ما ذكره من الجواب ففي غاية الفساد، وتضاعف النصر تكراره وتواليه، ولا وجه
لما قيل من أنّ الظاهر أن يبدل التضاعف بالتضعيف، لأنه لازم مضاف لفاعله، كما أنّ الازدياد يجوز فيه أن يكون مضافاً للفاعل على أنه مصدر اللازم، وإن كان متعديا كما مرّ، ومن العجب ما قيل أنّ الازدياد والتضاعف كناية عن الزيادة، والضعف لكونهما لازمين. قوله: (وكان إسناد الزيادة إلى الله إلخ) قيل عليه: إنه لا حاجة هنا إلى ارتكاب الجاز العقليّ لصحة إرادة الحقيقة بل هي متعينة، وإنما يحتاج إلى هذا التاويل المعتزلة لأنهم ينزهون الله تعالى عن حقيقة الختم والطبع لزعمهم قبحه، ولا قبح ني إيجاده عندنا بل في الاتصاف به والزمخشريّ ﵀ إنما ارتكبه بناء على مذهبه فلا ينبغي للمصنف ﵀ أن يتبعه فيما ذكر، وقد صرّح صاحب التاويلات، ومن بعده بأنه مبنيّ على أصلهم الفاسد وذهب الفاضل المحقق إلى أنّ مرادهم بما ذكر أنه ليس هناك من يزيدهم مرضاً، حقيقة على رأي الشيخ عبد القاهر في أنه لا يلزم
стр. 322
في الإسناد المجازي أن يكون للفعل فاعل يكون الإسناد إليه حقيقة مثل:
يزيدك وجهه حسنا إذا ما زدته نظرا
وتابعه قدّس سرّه عليه، وأومأ إلى تأييده فقال هو إسناد مجازي سواء فسر المرض بالكفر، أو الحسد والغل، أو الضعف والخور كما صرحت به عبارته، وان جاز إسناد زيادة المعنى الأخير إلى الله تعالى حقيقة على رأبه أيضاً، والمراد بالمعنى الأخير الجبن والخور لا الحسد كما توهمه بعضهم فقال عدم كون حسد نبيّ الله ﷺ والمؤمنين بطلب زوال ما أنعم الله به عليهم قبيحاً غير صحيح، وهو غفلة عن مرادهم نعم يرد عليه ما قيل من أنّ الظاهر أنّ الحسد كما هو قبيح، فكذا الجبن والخور، لأنّ كلا منهما من الملكات الرديئة المستلزمة للأثار الغير السنية، فالفرق بينهما بأنّ الأوّل قبيح والثاني حسن حتى جاز إسناد الأخير إليه تعالى دون السابق تحكم إلا أنّ الأخير قد يترتب عليه آثار حسنة بالنظر إلى النبيّ ﷺ والمؤمنين كتباعد الكفار عن محاربتهم ونحوه اهـ. فعلم أنّ ما ذكر ليس مبنيا على الاعتزال، وان خفي على كثير من الناس، ونطاق البيان يقصر عنه هنا، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، وأمّا ما قيل من أنّ ما ذكره المصنف جواب عما يقال من أنّ المسند إلى الله تعالى زيادة مرضهم وهو صحيح بالنظر إلى الطبع دون ازدياد التكاليف وأخويه لأنّ الزائد يجب أن يكون من جنس المزيد عليه، أو ملائماً له وتقريره أنّ المراد بإسناد زيادة مرضهم إليه تعالى ليس إسنادا للزيادة من حيث نفسها بل من حيث أنها مسببة عن فعله تعالى وهو ما ذكر من ازدياد التكاليف، وما بعده فإنّ كلا منهما سبب لزيادة مرضهم على ما مرّ إلى آخر ما أطال به
من غير طائل وتبعه من بعده ممن كتب على هذا الكتاب، من غير فرق بين البحر والسراب وضمير أنه للزيادة مراعاة للخبر أو نظراً لأنها بمعنى الازدياد أو لعدم الاعتداد بتأنيث المصادر، ولا فرق بين ما ذكره المصنف ﵀، والزمخشريّ على ما يتوهم من تغيير العبارة فتدبر. قوله: (ويحتمل أن يرادب لمرض إلخ) احتمل معناه الحقيقي العفو والإغضاء، وفي اصطلاح المصنفين يستعمل بمعنى الجواز فيكون لازما وبمعنى الاقتضاء، والتضمن فيكون متعدياً مثل إحتمل أن يكون كذا، واحتمل الحال وجوهاً كثيرة وتداخل كيدخل بمعنى دخل بطريق التعانب، والتف ريج ولذا اختاره على دخل مع أنه أخصر وأظهر، والجبن ضعف القلب عما يحق أن يقوى فيه، ورجل جبان وامرأة جبان، والخور بخاء معجمة وواو وراء مهملة أصله رخاوة في العصب ونحوه، ثم تجوّز به عن الجبن وشاع فيه حتى صار حقيقة عرفية فيه والشوكة معروفة وتستعار لهلقوّة في الحرب فيقال: فلان ذو شوكة ومنه شاكي السلاح على قول كأنهم شبهوا الأسلحة بالشوك ولذا قيل:
ورد الخدود ودونه شوك القنا أبداً بغير لحاف لا يجتنى
والبسط التوسعة كما قال تعالى ﴿؟ ولو تج! ط القة الرزق لعبا؟ هـ﴾ [الشورى: ٢٧]
أي وسعه فالتبسط في البلاد بمعنى سعة ممالكهم أو انتثارهم فيها وهدّا معنى آخر مجازيّ، لكنه قريب إلى معناه الحقيقي جداً لأنّ الجبن وضعف القلب أخوان. قوله: (أي مؤلم إلخ) ذهب أرباب الحواشي هنا إلى أنّ مؤلم بفتح اللام اسم مفعول من الإيلام المزيد لأنه الموافق لما في الكشاف ولأنه الأبلغ لجعل العذاب نفسه متألماً، ومعذبا بزنة المفول ولو كان بالكسر كما ذهب إليه بعضهم لم يكن فيه تجوّز في الإسناد كجد جده فلا يوافق أوّل كلامه آخره وليس بشيء فإنّ الكسر إن لم يتعين لا شبهة في صحته كما ذكره بعض فضلاء العصر في حواشيه فيكون ما فسره به المصنف، أولا بيانا لحاصل المعنى المراد منه، ثم صرّح بقوله يقال ألم إلخ إشارة إلى أنه فعيل من ألم الثلاثي كوجيع من وجع فإنه الفصيح المطرد، وفعيل بمعنى مفعل ليس بثبت عند الزمخشريّ والمصنف، وان خالفه فيه لا يمكنه أن ينكر قلته، وعدم إطراده كما ستسمعه مفصلاَ عن قريب في تفسير قوله تعالى ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٧ ا] ولا حاجة إلى ارتكابه ليكون المعنى أبلغ لأنه إذا جعل الإسناد مجازياً رجع بالآخرة إلى
صرب وجيع) هو من قصيدة طويلة لعمرو بن
стр. 323
معد
يؤرقني وأصحابي هجوع
تحية بينهم ضرب وجيع
هنا الفرسان، كما في قوله ﵊: لمهملة واللام والفاء بمعنى دنوت وزحفت، والتحية سياتي والباء للتعدية، وبينهم مضاف إليه مجرور
د مبنيا لإضافته إلى المبني، والأوّل أصح وان قيل لمعنى على أن ضربهم الوجغ كتحية بينهم على تفسير قوله تعالى ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ . قوله: لكشاف هنا على أنّ المراد أنه على طريقته في أنه سناد إلى مصدر المسند كما في ضرب وجيع بل هو ألم أليم ووجع وجيع، وسنكشف لك؟ أنّ الإسناد إلى مصدر ذلك الفعل أو زمانه أو مكانه أو سببه، والضرب أي المضروبية هو الوجع، ولا حاجة إليه قاله الفاضل المحقق. قوله: (قرأها عاصم إلخ) لمرينة المقابلة. وقوله: (بسبب كذبهم) إشارة إلى أنّ لى أنه يجوز أن تكون للبدلية كما في قوله:
شنوا الإغارة فرساناً وركبانا
ل! حو وما مصدرية مؤوّلة بمصدر كان إن قيل بوجود.، أبو البقاء: الموصولية هنا أظهر لأنّ الضمير المقدر
، وقيل المناسب هنا ذكر المقابلة بدل البدلية، فإن روال المبدل عته وقيام البدل مقامه بدليل قوله جزاء
عن عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر بن حزم
للعسكري من حديث أنس ولابن عائذ عن قتادة مرسلاَ.
لهم، ثم إنّ الباء في قوله بسببه وببدله كالباء في قولهم معنى كتبت بالقلم باستعانته ومعنى دخلت علييما بثياب السفر بمصاحبة ثيابه إلى غير ذلك، فإنهم كثيراً ما يجعلون الباء بين الحرف وبين ما يدل عليه.
(قلت) البدلية والمقابلة متقاربان، والثانية تدخل على الأثمان وما في معناها وجعل كذبهم بمنزلة الثمن مبنيّ على التهكم ولا يخفى خفاؤه هنا، وأمّا دخول الباء بين الحرف ومدلوله فالظاهر أنه للملابسة بينهما، فلا يتوهم أنه معنى آخر حتى يقال لم يقل أحد أنّ من معاني الباء التفسير، ثم إنّ قوله بما كانوا يكذبون صفة لعذاب لا لأليم، كما قاله أبو البقاء ﵀، لأنّ الأصل في الصفة أن لا توصف.
وقال قدس سرّه: كلمة كان في النظم للدلالة على الاستمرار في الأزمنة، وقولهم آمنا إخبار بإحداثهم الإيمان فيما مض ولو جعل إنشاء للإيمان كان متضمناً للاخبار بصدوره عنهم. فقيلى: الدلالة على الاستمرار والانقطاع ليست بمعتبرة وضعاً في معنى كان بل هو مستفاد من القرينة، والمقصود دفع ما يتوهم من المنافاة بين لفظي كان، لكذبون لدلالة الأوّل على انتساب الكذب إليهم في الماضي والثاني على انتسابه في الحال والاستقبال، فالزمان فيهما مختلف فما وجه الجمع بينهما، فدفعت ٤ ن كان دالة على الاستمرار في جميع الأزمنة ويكذبون دلّ على الاستمرار التجددي الداخل في جميع الأزمنة اهـ، وما ذكره من المنافاة توهم فاسد فإنه مستفيض في أخبار الأفعال الناقصة، كأصبح يقول كذا أو كادت تزيغ قلوب فريق منهم والاسنعمال مستمر عليه لأنّ معناه أنه في الماضي كان مستمرا متجدّداً بتعاقب الأمثال، وللمضي والاستقبال بالنسبة لزمان الحكم، وقد عذ العلماء الاستمرار من معاني كان، كما في التسهيل فتدبر. قوله: (وقرأ الباقون إلخ) أي قرأه باقي السبعة بالتشديد من كذبه المتعدي والتضعيف للتعدية ومفعوله مقدّر وهو الرسول ﷺ ، ولم يذكر إجلالا له عن أن يواجهه بالت!! يب، وقيل إنه
стр. 324
لرعاية الفاصلة، أو لقصد التعميم إذ كان التقدير يكذبون ما جاء به أي جميع ما جاء به مما يلزم تصديقه فيه أو للاختصار، أو لأنّ العناد وتكذيب الرسول كانا من شأن اليهود، ولما كانوا غير مجاهرين بالتكذيب والكفر وإلا لم يكونوا منافقين حمله على التكذيب بقلوبهم، أو بدون مواجهة المؤمنين بل مع شياطينهم وهو مجاز عن رؤسائهم وعقلائهم، وفي نسخة شطارهم جمع شاطر وهو من أعيا أهله خبثاً والمراد به ما ذكر مجازاً أيضاً أو كناية أي يكذبونه بقلوبهم دائماً وبألسنتهم ﴿إِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ فقوله وإذا خلوا معطوف على قوله: بقلوبهم بتقدير وبألسنتهم إذا إلخ. قوله: (أو من كذب الذي هو للمبالنة إلخ) فهو لازم بلا تقدير والتفعيل حينئذ إمّا للمبالغة لقوة كذبهم وتصميمهم عليه كبين بمعنى
تبين الوارد في كلامهم بمعنى كمال ظهور الشيء واتضاحه، أو للتكثير دلالة على كثرة الفاعل كما في قولهم موتت البهائم جمع بهيمة وهي معروفة، وقيل إنهم ذهبوا إلى أنّ الكثرة في موتت لتعذر تكثر الفعل بالنسبة لكل واحد، وهنا ليس كذلك فيرح إلى الوجه الذي قبله من المبالغة إلا أن يقال المبالغة بالنسبة إلى ذات الكذب في نفسه، والكثرة بالشبة لتعدده، فحقيقة الأمرين راجعة إلى القوّة والكثرة، وتغايرهما ظاهر فسقط ما قيل من أنّ عطف التكثير على المبالغة بأو الفاصلة ليس كما ينبغي، وقد يكون التكثير في المفعول كقطعت الأثواب، وكذب الوحشي قيل إنه. على هذا مجاز مأخوذ من كذب المتعدي، كأنه يكذب رأيه وظنه، فيقف لينظر ما وراءه ولما كثر استعماله في هذا المعنى وكانت حالة المنافق شبيهة بهذا جاز أن يستعار منه لها، ولا يخفى ما فيه من التكلف، وأنّ كونه متعديا بحسب الأصل غير موافق لما نحن بصدده فتدبر. قوله: (الخبر عن الشيء على خلاف ما هو به) الخبر هنا بمعنى الاخبار، وهو أحد معنييه قال الراغب في كتاب الذريعة: ذهب كثير من المتكلمين إلى أنّ الصدق يحسن لعينه، والكذب يقبح لعينه.
وقال كثير من الحكماء والمتصوّفة أنّ الكذب يقبح لما يتعلق به من المضارّ الخالصة، والصدق يحسن لما يتعلق به من المنافع الخالصة لأنّ شيئاً من الأقول والأفعال لا يقبح ويحسن لذاته اهـ. وقوله: (على خلاف ما هو به) أي ما هو متليس به في نفسه وحد ذاته في الواقع ونفس الأمر، أو في اعتقاد المخاطب، وفي ذهنه فكلامه صادق على المذاهب ففيه إيجاز حسن. قوله: (وهو حرام كله إلخ) قيل عليه إنه تبع فيه الزمخشريّ، وهو مبنيّ على مذهب المعتزلة في التحسين والتقبيح المقتضي لأن يكون حراما لعينه كما مرّ، ولذا قال: وهو قبيح كله وعدل عنه المصنف والمصزح به في كتب الافعية المعتمدة أنّ من الكذب ما هو حرام وما هو مباح، وما هو مندوب وما هو واجب وقد ورد الحديث بجوازه في ثلاثة مواطن في الحرب، واصلاح ذات البين وكذب الرجل لامرأته ليرضيها (١ (وهو مرويّ في الصحيحين، والسنن كما فصله النووي في أذكاره، وفيه تفصيل قاله الغزاليّ وهو أن كل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعاً، فالكذب فيه حرام لعدم الحاجة إليه فإن لم يمكن إلا بالكذب، فالكذب فيه مباح إن كان تحصيل ذلك المقصود مبا-حا وواجب إن كان واجباً فلو اختفى مسلم من ظالم وسأل عنه وجب الكذب بإخفائه وكذا لو سأل عن ماله ليأخذه ولو
استحلفه لزمه أن يحلف، ويوري في يمينه، وكذا في كل مقصود، فلا يختص بالصور الثلاث الواردة في الحديث بل ينبغي أن يقابل بين مفسدة الكذب، والمفسدة المترتبة على الصدق، فإن كانت المفسدة في الصدق أشذ ضررا فله الكذب، وإن كان عكسه أو شك حرم عليه الكذب اهـ ونحوه في كتاب الذريعة للراغب، فما قيل في الجواب عنه بأنه مذهب الشافعية من قصور النظر، فإنه متفق عليه في جميع المذاهب كما صرحوا به، وقيل إنّ معنى الكلية في كلام المصنف أنّ الكذب حرام مز حيث ذاته مطلقاً وقد يكون مباحاً من حيث وصفه كما في الصور المذكورة، وهو وهم على وهم، فإنه مع مخالفته لمذهبه مبنيّ على الاعتزال. قوله: (لأنه علل به استحقاق العذاب إلخ) في الكشاف وفيه رمز إلى قبح الكذب وسماجته، وتخييل أنّ العذاب الأليم لاحق بهم من أجل كذبهم ونحوه قوله تعالى ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ [نوح: ٢٥] والقوم كفرة وإنما خصت الخطيآت استعظاماً لها، وتنفيراً عن ارتكابها يعني أنّ فيه تعريضاً يتضمن تحريضاً للمؤمنين على ما هم
стр. 325
عليه من الصدق والتصديق، فإنّ المؤمن إذا سمع ترتب العذاب على الكذب دون النفاق الذي هو أخبث الكفر وصاحبه في الدرك الأسفل تخيل في نفسه تغليظ اسم الكذب، وتصوّر سماجته فانزجر أعظم انزجار فسقط ما قيل من أنّ قبحه لا سيما عندهم تحقيق لا تخييل، لما عرفته من معنى التخييل والزجر وهذا من قبيل ما في قوله تعالى ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر: ٧] من ذكر الوصف سواء كان نعتاً أولا لمدح ذلك الوصف في نفسه، أو ذمه ترغيباً فيه أو تنفيراً، كما يكون الوصف لمدح الموصوف أو ذمه، وهذا كما صرّج به السكاكيّ والخطيب، ومن الناس من حسبه من البديع الغريب وسيأتي في كثير من النظم الكريم، والمراد بترتبه عليه أنه مسبب عنه، فهو مؤخر رتبة وما ذكره ظاهر على قراءة التخفيف وكذا في غيرها لأنّ نسبة الصادق إلى الكذب كذب، وكذا كثرته ونحوها فتدبر. قوله: (وما روي أن إبراهيم ﵊ إلخ) إشارة إلى ما روي في الصحيحين وغيرهما في حديث الشفاعة فيقول إبراهيم ﵊ إني كذبت ثلاث كذبات على روايات مختلفة في بعضها أنه عذها فذكر قوله في الكوكب ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٨] وقوله ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ (١ ( [الصافات: ٨٩] وروى الترمذفي ﵀ في حديث الشفاعة أنهم يأتون إبراهيم ﵊ فيقولون له اشفع لنا فيقول: لست لها إني كذبت ثلاث كذبات، ثم قال ﷺ : ما منها كذبة إلا ما حل بها وفي رواية جادل بها عن دين الله وفي رواية أحمد ﵀ إنها قوله ﴿إنّي سَقِيم﴾ [سورة الصافات، الآية: ٨٩] وقوله ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٦٣] وقوله للتيك في جواب سؤاله عن امرأته سارة هي أختي حين أراد الملك غصبها وكان من طريق السياسة التعرّض لذوات الأزواج دون غيرهن بدون رضاهن، وقيل: هي قوله ثلاث مرات هذا ربي والحديث بطوله مشهور في كتب الحديث، وكذبات قال القاضي عياض في مشارق اللغة: هو بفتح الكاف والذال جمع كذبة بفتح الكاف الواحدة من الكذب اهـ. فليس جمع كذبة بكسر الكاف، وسكون الذال المعجمة بمعنى الكذب لمخالفته للرواية فيه. قوله: (فا المراد التعريض إلخ) قد عرفت أنّ الحديث صحيح وما في بعض الحواشي نقلاً عن الرازي من أنه يجب القطع بكذب رواته، وان يكذب الرواة حتى يصدق إبراهيم أولى لا أصله له عنه، فإن صح فهو خطأ، ونحن ننظر لما قيل لا لمن قال، وسيأتي ما الحامل له على مثله من الشبهة ودفعه، والمراد بالتعريض هنا معناه اللغوي وهو ما يقابل التصريح والتصريح أن يكون اللفظ نصاً في معناه لا يحتمل! معنى آخر احتمالاً معتدا به والتعريض خلافه، وهو أن يكون اللفظ محتملا لمعنيين سواء كانا حقيقيين كما في إني سقيم أولاً وسواء كان أحدهما أظهر من الآخر كما في الإبهام البديعي أولاً كما في التوجيه، فهو أعمّ من التعريض الاصطلاحي لاختصاصه بالمجاز والكناية كما ذكره السكاكيّ في آخر البيان، وكذا من الكناية والتورية والابهام والتوجيه في الاصطلاح، ويسمى في اللغة أيضا كناية وتورية وليست هذه الكناية بيانية وليست التورية بديعية، والتعريض تفعيل من عرض كذا إذا اعترض وطرأ، والكناية من كنى إذا ستر والتورية إمّا من الوراء على ما اختاره ابن الأثير كأنه ألقى البيان وراء ظهره أو من أورى القابس إذا أظهر نوراً وفي النهاية الأثيرية في الحديث المرفوع عن عمران بن حصين " إنّ في المعاريض لمندوحة عن الكذب " المعاريض جمع معراض من التعريض، وهو خلاف التصريح يقال عرفت ذلك في معراض
كلامه ومعرض كلامه بحذف الألف، وفي حديث عمر ﵁ " أما في المعاريض ما يغني المسلم عن الكذب " وتسمية المعاريض كذبا من حيث مظنة السامع وهي صدق من حيث يقوله القائل وهي التورية والكناية اهـ ومن الناس من ظن أنّ التعريض هنا بمعناه المصطلح، فخبط خبط عشواء وأطال من غير طائل، وفي كلام الشريف ما يوهمه ولله در المحقق حيث فسره بأن يشار بالكلام إلى جانب ويعرض منه جانب آخر ومن لم يتفطن له قال ذكر المحقق الشريف أنّ الكلام لا يكون مستعملاَ في المعنى التعريضي أصلا بل في غيره مع إشارة إليه بقرينة السوق، وعليه ظاهر تفسير قوله تعالى ﴿فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] الآية فإذا أريد بقوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] ساسقم لا يتحقق التعريض، فإنه لا يمكن أرادة ذلك إلا بطريق الاستعمال، نإنه لا دلالة لسياق الكلام
стр. 326
وسباقه عليه كما في صورة التعريض، وكذا الحال فيما إذا حمل قوله هذه أختي عنى الأخوة في الدين لا في النسب، اللهم إلا أن لا يراد بالتعريض هنا ما هو المصطلح المشهور بين الجمهور بل ما فيه خفاء في أداء المراد من الكلام على ما في الأذكار من أنّ التورية، والتعريض معناهما أن تطلق لفظاً ظاهرا في معنى، وتريد معنى آخر يتناوله ذلك اللفظ، ولكنه خلاف ظاهره اهـ. قوله: (لما شابه الكذب في صورته سمي به) ، فإطلاق الكذب بطريق الاستعارة لمشابهتها الكذب من حيث كونها في الظاهر إخبارا غير مطابقة للواقع لا، كما تسمى صورة الإنسان المنقوشة إنسانا لكنها في التحقيق تعريضات، والغرض من قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أنه سيسقم لما علم من ذلك بأمارة النجوم، أو أنه سقيم أي متألم بما يجد من الغيظ، والحنق باتخاذهم النجوم آلهة، ومن قوله ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ التنبيه على أنّ من لم يقدر على دفع المضرّة عن نفسه كيف يدفعها عن غيره فكيف يصلح إلها، ومن هذه أختي إخوة الدين تخلصاً من الظالم، ومن ﴿هَذَا رَبِّي﴾ الفرض، أو الحكاية تنبيهاً على خطيئتهم في ادعاء ألوهيتها مع قيام دليل الحدوث، وسيأتي تحقيقه في محله.
(فإن قلت) كيف يقول الخليل ﵊ يوم القيامة إني كذبت وأنا لما صدر
مني الذنب أستحيي من أن أقوم شافعاً بين يدي الله، فإنّ ما في الدنيا إن كان من المعاريض فليس بكذب، ويكون قوله ثلاث كذبات مخالفا للواقع، ومثله لا يستحيا مته، فيقعوا فيما فرّوا منه وإن لم يكن كذلك يكن وقع منه الكذب في الدنيا، وهو مناف لعصمته ﷺ ، ولا بد من أحد هذين الأمرين، وهذا هو الذي جسر الإمام على الطعن في الحديث وتكذيب راويه لتوهمه لأنه أ] ف من نسبة الكذب إلى الخليل ﵊.
(قلت) هذه شبهة قوية ويؤيدها أنّ مثل هذه المعاريض صدرت منه ﵊
في مواضع كقوله " من ماء " ولم يقل أحد إنه مشكل محتاح للتأويل ويمكن دفعها بأن يقال هي من المعاريض الصادقة ولكنها لما كانت مبنية على لين العريكة مع الأعداء دفعاً لضررهم، ومثله ممن تكفل الله بعصمتة وحمايته يناسبه مبارزة أعدائه بالمكروه بذلا لنفسه في سبيل الله أو دخولا في حفظ حصن الله، فلعدوله عما يليق بمقامه ثمة عذ ذلك لشدة خوفه، أو تواضعه ذنبا وسما. كذباً لأنه على صورة الكذب خوفا من وخامة مداراة أعدائه، وما وقع من النبيّ ﵊ لم يقع في مثل هذا المقام حتى يستحيى منه، فإنّ لكل مقام مقالا وقد حام حول الحمى من قال: إنّ النبيّ ﵊ قصد براةء ساحة الخليل ﷺ ، فجعلها معاريض جادل بها عن الدين والخليل لمح برتبة الشفاعة وأنها مختصة بالحبيب صنى الله عليه وسلّم، فتجوز في الكذبات، أو هو من هول ذلك اليوم واهتمامهم بشأن أنفسهم دفعهم بدّلك، فتامله.
(فإن قلت) إذا كان للفظ معنيان سواء كانا حقيقيين، أو لا وهو باعتبار أحدهما مطابق مطابقة تصيره صادقا على أيّ الأقوإل اعتبرته فيه، وباعتبار الآخر غير مطابق، فهل المعتبر من ذلك ما قصده المتكلم أو ما ظهر منه أو أيهما كان، أو هو يوصف بالصدق والكذب باعتبارين، أو لا يوصف فتثبت الواسطة.
(قلت) الظاهر أنّ المعتبر ما قصده المتكلم قصدا جاريا على قانون التكلم، ولذا قال السكافي مرجع الخبرية واحتمال الصدق والكذب إلى حكم المخبر الذي يحكمه في خبره، سواء كان فائدة الخبر أو لازمها، فإذا طابق حكمه الواقع كان صدقا على الأصح لا على مذهب النظام كما يسبق إلى بعض الأوهام.
واعلم أنّ ظاهر كلام المصنف، وغيره هنا أنّ المعاريض لا تعد كذباً، وهو الموافق لما
مز في الحديث من أنّ فيها مندوحة عن الكذب، وحينئذ فلا بد فيها من قرينة على المراد وإن كانت خفية لأنها الفارقة بين الكذب وغيره، كما صرّح به السكاقي، إلا أنّ قول الزمخشريّ في سورة الصافات الصحيح أنّ الكذب حرام إلا إذا عرّض ظاهر في أنه من الكذب المستثنى إلا أن يجعل منقطعا، وما في شرح الآثار للطحاوي أنّ ما روي في الحديث " لا يصلح الكذب إلا في ثلاث: إصلاح يين الناس، وكذب الرجل لامرأته ليرضيها، وكذب في الحرب " (١) في
روايته ض عف وان صح كان المراد به المعاريض أيضا لأنها في صورة الكذب، ويؤيده حديث أم كلثوم من أنه ﵊ " لم يرخص في شيء من الكذب مما يقوله الناس إنما يصلح في ثلاث " (١) إلخ
стр. 327
فصرّح بنقي الكذب في هذه الثلاثة، وهو حديث صحيح لا علة فيه والترخيص في الثلاث لم يصح، فإن ثبت فهو من قول الراوي، وقد قال تعالى ﴿وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] وقال: ﴿اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٥] على العموم اهـ وهذا مخالف لما مرّ عن الفقهاء فتدبر. قوله: (عطف على يكذبون) فهو جملة في محل نصب لعطفها على خبر كان وجملة كان صلة ما، وقد تقدّم أنها يجوز أن تكون موصولة، ومصدرية على الخلاف في الترجيح، وقد قالوا بجواز الوجهين على الاحتمالين، كما صرّح به أبو البقاء ﵀ واعترض عليه أبو حيان بأت على الموصولية خطا! لعدم العائد على ما من تلك الجملة، فيصير التقدير، ولهم عذاب أليم بالذي كانوا إذا قيل لهم ﴿لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ و. هو كلام غير منتظم وكذا على المصدرية على القول باسميتها، وأمّا على مذهب الجمهور، فهو سائغ وقيل عليه إنّ لزوم الضمير هنا غير مسفم، وأنّ النحاة لم يذكروا وصمل ما! المصدرية بالجملة الشرطتة فتأمل. قوله: (أو يقول) واذا خلصت الماضي للاستقبال، فلذا حسن عطف الماضي على المضارع في الوجهين إلا أنه على هذا لا محل لهذه الجلة لعطفها على الصلة، وفي الكشاف الوجه الأوّل أوجه وتقديم المصنف له يشعر بموافقته، وإن احتمل عدم التصريح لأنه ذهب إلى التساوي بينهما لما سيأتي، وقال قدّس سرّه: تبعا لمن قبله من الشراح وجه الأوجهية قربه في إفادته تسبب الفساد للعذاب، فيدل على صحته ووجوب الاحتراز عنه كالكذب، ولخلوّه عن تخلل ابي ن أو الاستئناف، وما يتعلق به بين أجزاء الصلة أو الصفة، وقد يرجح الثاني بكون الآيات حينئذ على نمط تعديد قبائحهم وافادتها اتصافهم بكل من تلك الأوصاف استقلالا وقصدا، ودلالتها على لحوق العذاب الأليم بسبب كذبهم الذي هو أدنى أحوالهم في كفرهم ونفاقهم، فما ظنك بسائرها.
(أقول) هذا مناف لما قدّمه قبله من قوله: إنه جعل عذابهم مسبباً لكذبهم رمزاً إلى قبح الكذب حيث خص بالذكر من بين جهات استحقاقهم إياه مع كثرتها، وفيه تخييل أنّ لحوق العذاب بهم، إنما كان لأجل كذبهم نظرا إلى ظاهر العبارة المقتصرة على ذكره واختار لفظ التخييل بناء على أنّ السامع يعلم أنّ ذلك اللحوق لجهات كثيرة، وأنّ الاقتصار على ذكره رمز إلى سماجته وتنفير عن ارتكابه كما سيأتي، ووجه إفادته لتسبب الفساد للعذاب أنه داخل في
حيز صلة الموعول الواقع سبباً إذ المعنى في قولهم ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ إنكار اذعائهم أنّ ما نسب لهم منه صلاح، وهو عناد واصرار على الفساد، والإصرار على ذلك فساد واثم، فلا وجه لما قيل عليه من أنّ العطف على يكذبون يقتضي أن يكون المعنى، ولهم عذاب أليم بقولهم ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض فيفيد تسبب هذا القول للعذاب لا تسبب الفساد له، وكذا ما قيل من أنه لا دلالة له على تسبب الفساد بل على تسبب الكذب، وهو قوله إنما نحن مصلحون، وأمّ تخلل ألا انهم هم المفسدون بين إذا قيل وإذا قيل وهما من أجزاء الصلة، فيرد على هذا ما ورد أوّلاً، فليس بشيء لمن له نظر سديد، وسيأتي تتمته نعم قوله ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ كذب فيؤل المعنى إلى استحقاق العذاب بالكذب لا غير، وهذا مما يأبى الأوجهية لأنه تأكيد لا يليق عطفه، وعطف التفسير بالواو في الجمل خلاف الظاهر، وأمّا ما ذكر من ترجيح الثاني فيرد عليه أنه في المآل كذب كما أشرنا إليه، ولو سلم تغايرهما بالاعتبار وضم القيود، فهو جزء من الصلة أو الصفة وكلاهما يقتضي عدم الاستقلال، وإنما يكون مستقلا على ما اختاره المدقق في الكشف حيث قال لو قيل إنه معطوف على. قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ﴾ لبيان حالهم في ادعاء الإيمان، وكذبهم فيه أوّلا ثم لبيان حالهم في انهماكهم في باطلهم ورؤية القبيح حسنا والفساد صلاحا ثانيا ويجعل المعتمد بالعطف مجموع الأحوال، وان لزم فيه عطف الفعلية على الاسمية كان أرجح بحسب السياق، ونمط تعديد القبائح وهذا قريب مما اختاره صاحب البحر، وقال الذي نختاره أنه من عطف الجمل وأنّ هذه الجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب لأنها وما بعدها من تفاصيل الكذب، ونتائج التكذيب ألا ترى أنّ قولهم ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ وأنؤمن إلخ وقولهم آمنا كذب محض، فناسب جعلها جملا مستقلة لإظهار كذبهم ونفاقهم وتكثير ذمهم والردّ عليهم، وهذا أولى من جعلها صلة وجزءا من الكلام، لأنها لا تكون مقصودة لذاتها
стр. 328
والمراد باستئنافها عطفها على الجملة المستأنفة، وقول الشارحين الفاضلين في ردّه إنه ليس مما يعتد به وان توهم كونه أوفى بتأدية هذه المعاني، وذلك لعدم دلالته على اندراج هذه الصفة، وما بعدها في قصة المنافقين وبيان أحوالهم إذ لا يحسن عود الضمائر التي فيها إليهم كما يشهد به سلامة الفطرة لمن له أدنى درية باساليب الكلام لا يظهر له وجه عندي، فإنّ عود الضمائر رابط للصفات بهم، وسوق الكلام مناد عليه، وقد يأتي في الصفة الواحدة جمل مستأنفة بغير عطف كما مرّ فإذا لم ينافه الاستئناف رأسا كيف ينافيه العطف على أوّله المستأنف، والعطف إنما يقتضي مغايرة الأحوال لا مغايرة القصص، وأصحابها ألا ترى أنه لو قال قائل لولا الحمقى لخربت البلدان، ولولاهم لم يحتج لحاكم ولا سلطان، فالجملة الثانية معطوفة على أوّل الكلام وهما صفة لشيء واحد بغير مرية، ومن الناس من سرد الوجوه هنا من غير تفطن لما بينهما من المنافاة، وفي شرح الكشاف للرازي الثاني أوجه، لأنّ قوله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ﴾ [البقرة،
الآية: ٩١] وقوله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ﴾ [البقرة: ٧٦] معطوفان على قوله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ﴾ فلو عطف على يكذبون كانا أيضاً معطوفين عليه فيدخلان في سبب العذاب، فتنتفي فائدة اختصاص الكذب بالذكر المبنيّ عليه ما مرّ، وقيل عليه إنّ الثلاثة حينئذ معطوفة على يكذبون عطفاً تفسيرياً لكذبهم لأنّ قولهم ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ و ﴿أَنُؤْمِنُ﴾ إلخ وآمنا كذب فلا يقابل الكذب حتى يبطل الاختصاص وفائدته.
وأجيب عنه بأنّ جعل العطف تفسيريا يأباه تصريحه بأنّ المراد بكذبهم قولهم ولمنا بالثه واليوم الآخر﴾ وقوله ﴿أَنُؤْمِنُ﴾ إنشاء لا يلحقه الكذب وفائدة الاختصاص تفهم من تقديمه، والتصريح بكونه سبباً أوّل وهلة، ثم إنه اختار مسلكا آخر، وهو أنّ الأوّل أوجه على قراءة يكذبون بالتشديد والثاني أنسب بالتخفيف لأنه يكون سبباً للجمع بين ذمهم بالكذب والتكذيب، وعلى الثاني يكون تأكيدا والتأسيس أولى، وفيه نظر فتدبر. قوله: (وما روي عن سلمان الخ) هذا أثر روي عن سلمان الفارسيّ الصحابي المشهور ﵁ كما أخرجه ابن جرير عنه وكذا تأويله الذي ذكره المصنف عنه، وعبارته كما نقله عنه خاتمة الحفاظ السيوطي لعله قال ذلك بعد فناء الناس الذين كانوا بهذه الصفة على عهده ﷺ خبراً منه عمن هو جاء منهم بعدهم، وإن لم يجيء وقوله بعد مبنيّ على الضم، وهذا الاستعمال معروف يقال لم يكن كذا بعد أي إلى الآن لأنّ التقدير بعدما مضى من الزمان، وتفسيره بأنه بعد هؤلاء، أو بعد زمانه ﵊ ليس بتام، والمراد بأهل الآية من ذكر فيها ووصف بها، فسموا أهلها توسعاً لظهور معناه. قوله: (فلعله أراد به إلخ) قد مرّ أنّ المصنف دأبه أن يعبر بلعل عما لم يجزم به لا لما هو من نتائج قريحته كما يريده غيره بهذه العبارة، وما ذكره من الأثر وتوجيهه حاصله أنّ الآية في المنافقين مطلقاً لا تختص بمنافقي عصره أو منافقي المدينة، وان نزلت فيهم لأنّ خصوص السبب لا ينافي عموم النظم كما هو مشهور، فالآية عامة تشملهم، وتشمل من ياني بعدهم عن جنسهم ولا يريد أنها مخصوصة بقوم آخرين مباينين لهؤلاء بالكلية حتى يقال إنه مناف لظاهر النظم وعود الضمير على ما بعد، ولذا قيل إنّ المرويّ يدل بظاهره على أنّ المراد بهذه الآية غير المراد بما قبلها فلا يكون عطفا على يقول أو يكذبون، ولا يمكن أن يراد به ظاهره، فلعله أراد به أنّ أهل هذه الآية ليسوا الذين كانوا موجودين عند نزولها فقط بل وسيكون من بعد من حاله حالهم، وإنما له يمكن إرادة ظاهره لأنّ الآية متصلة بما قبلها بالضمير الذي هو في لهم، وقالوا فيقتضي أن يراد بهذه الآية الناس المذكورون في الآية المتقدّمة، وإلا لم يحسن محود الضمير على من قبل كما يشهد به سلامة الفطرة، وأمّا ما قيل من أنّ توجيه المصنف ﵀ لا يخفى بعده، والأوجه أنّ المراد أهل الاتعاظ بهذه الآية من مفسدي الأرض من المسلمين لأنه لم يكن في زمنه ﵊ من المؤمنين
مفسدون، فغفلة عما أراده، وعدول إلى ما هو أبعد منه. قوله: (والفساد خروج الشيء عن الاعثدال إلخ) هذا معناه اللغوي المضاد للصلاح ويقرب منه البطلان، ولذا فسر به والط كان للفقهاء فرق بين الفاسد، والباطل على ما فصلوه يقال فسد فسادا وفسوداً، وأفسده غيره، وقوله في الأرض قيل: إنّ ذكره للدلالة على الاستغراق، وفيه إيماء إلى
стр. 329
تعظيم الشريعة، والرسول ﷺ والمؤمنين بأنهم صلاج الدنيا كلها والإفساد الضارّ بهم ضمار بالدنيا كلها، فما الناس والدنيا سواهم، أو جعلى ما عدا أرض المدينة لتمحض الكفر فيها إذ ذاك ملحقاً بالعدم، وأرضها كأنها الدنيا. قوله: (وكلاهما يعمان كل ضار ونافع وكان من فسادهم إلخ) أي الفساد والصلاج يشمل كل منهما ما يضرّ وما ينفع، هذا بحسب الظاهر مخالف لما في الكشاف وفي العدول عنه إشارة إلى عدم ارتضائه له وعبارته هكذا، والفساد خروج الشيء عن حال استقامته، وكونه منتفعا به ونقيضه الصلاج، وهو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة اهـ. وهكذا هو في التفسير الكبير، وقد يقال إنه لا منافاة بينهما لأنّ ما ذكره المصنف ﵀ باعتبار الحقيقة، والمآل وهو الذي ارتضاه الراغب، وما ذكره الزمخشريّ باعتباره في أصله وما هو من شأنه، وما قيل: من أنّ الضارّ منتفع به لمن يقصد الإضرار تكلف لا حاجة إليه، ومقابلة الفساد بالصلاح هو المشهور كما قال تعالى ﴿وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا﴾ أسورة الأعرأف: ٥٦] وقد يقال: في مقابلة السيء كما قال تعالى ﴿خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ٠٢ ا] وقد يجعل مقابل الصحة وهو مختص في الأكثر بالأفعال وقوله وكان من فسادهم إلخ من إمّا ابتدائية أي وكان ينشأ من فسادهم ما ذكر فهو توطئة لما بعده، وتحتمل التبعيضية، ولذا قيل إنه أشار بادراجها إلى أنّ الفساد لا ينحصر في هذه الأمور التي في الكش! اف بل منه ما ذكره غير. من تغيير الملة، وتحريف الكتاب، ودعوة الكفار في السرّ إلى تكذيب ال! صلمين، ومنه إظهار المعاصي والإهانة بالدين، فيكون كلام المصنف ﵀ مخالفا لما في الكشاف، والذي في حواشي غيره أنهما متحدان، وفي الحواشي الشريفية تفسير فساد المنافقين بالفساد الناشىء من جهلهم لإفسادهم في أنفسهم، والأولى أن يقال إفسادهم لأنّ ممالأتهم لإفشاء الأسرار إفساد، ولما كان حقيقة الإفساد جعل الشيء فاسداً، ولم يكن صنيعهم كذلك جعلوه من قبيل مجاز الأوّل أي لا تفعلوا ما يؤذي إلى الفساد، وقد يقال: ما كانوا فيه عين الفساد في أنفسهم ومعنى ﴿لاَ تُفْسِدُواْ﴾ لا تأتوا بالفساد، ولا تفعلوه، فلا حاجة إلى المجاز، وليس بشيء إذ ليس إتيان الشيء بفساد نفسه حقيقة الإفساد، وفائدة في الأرض التنبيه على أنّ فسادهم يؤدّي إلى فساد عامّ من الحروب والفتن واختلال الدين والدنيا كما مرّ، ولم يحمل إفسادهم على تحريف الكتاب والأحكام، ودعوة الكفار سر التكذيب المؤمنين، كما حمله عليه غيره، لأنه لا ظهور حي! عذ لتلك الفائدة.
(أقول) تبع في هذا من قبله من الشراح، وفي بعض الشروح أنه وهم، لأنّ ممايلتهم وممالأتهم لما كانا مفضيين إلى هيج الحروب والفتن فساد بالتفسير المذكور باعتبار ما يترتب عليهما، وكونه إفسادا للأمور والمصالح لا ينافي كونه فسادا بالتفسير المذكور، ولا وجه له إلا أنّ ما ذكروه غير متجه لأمور فيه أكسبته خللا منها أنّ قولهم إنّ الأولى أن يقال إفسادهم بدل فسادهم فيه فساد، لأنّ الفساد ورد بمعنى الإفساد فالأولى تفسيره به ألا ترى قوله تعالى في سورة المائدة ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٦٤] فإنه بمعنى الإفساد وبه فسر كما في أنبتكم من الأر ضنباتاً والذي دعاهم، لما ذكر ظنهم أنه مصدر فسد اللازم وليس بلازم، ومنها أنهم زيفوا ما في الكشف وتلقاه من بعدهم بالقبول، وليس بوارد أيضا لأنه يريد أنّ الداعي لتأويله، وجعله مجازا أنه لم يقع منهم الإفساد، وإنما صدر منهم الفساد، فلو نزل منزلة اللازم وأريد منه أنه يفعل الفساد ويتصف به بقطع النظر عن تعدي إفساده لغيره، كما في يعطي ويمنع تم المراد، ولم يقل إنّ فساد نفسه حقيقة الإفساد ولم ينظر لحقيقة ولا مجاز فيه، ومنها أنّ قولهم لا ظهور لتلك الفائدة غير مسفم أيضاً لأنّ التحريف المذكور، والدعوة للتكذيب يؤدّي إلى الفتن، والاختلال في الدين والدنيا بغير مرية فتدبر. قوله: (هيج الحروب والفتن) يقال: هاجت الحرب هيجا وهياجا وهيجاناً إذا ثارت، ووقع القتال وغيره مما يفعل بالعدوّ، ويقال هاجها أيضاً، فهو متعد ولازم كما ذكره اللغويون من غير تفرقة بينهما غير أنّ اللازم كثر استعمالاً، وفي حواشي الكشاف لابن الصائغ نقلا عن أفعال ابن طريف أنّ مصدر اللازم الهياج ومصدو المتعدي الهيج قال: فهيج الحروب مصدر مضاف للمفعول، ولو قال هياج كان مضافا للفاعل
стр. 330
اهـ والممالأه بميمين ولام ثم همزة كالمعاونة لفظاً ومعنى.
، ومنه قول عليّ ﵁ ما مالأت على قتل عثمان أي ما ساعدتهم، ولا وافقتهم
كما زعمه بعضهم، وأصل معناه ما كنت من الملأ الذين فعلوا ذلك، ثم تجوّز به عما ذكر، وفي الأساس مالأه عاونه، وأصله المعاونة في الملء، ثم عمّ كالاجلاب.
وقال قدّس سرّه تبعاً لغيره: المراد بقوله هيج الحروب هو اللازم، لأنّ المتعدي إفساد لا فساد، وقد عرفت ما فيه وأنه يجوز فيه التعدي بالنظر إلى الماس كما يجوز اللزوم نظرا لأصله، والعجب ممن ارتضى تبعاً له لزوم اللزوم، ثم قال والقول بأنّ الأنسب من إفسادهم لأنّ الهيج ههنا متعد بقرينة قوله بمخادعة المسلمين، وممالأة الكفار أي معاونتهم على المسلمين إفساد وفساد كما لا يخفى على أهل السداد، وغفلة عن قوله: فإنّ ذلك إلخ. ولا يخفى ما فيه من الخللى الغني عن البيان. قوله: (فإن ذلك يؤدّي إلى فساد ما في الأرض إلخ) في قوله يؤدّي إشارة إلى ما فيه من مجاز الأوّل كما مز تقريره، وقيل المراد من الفساد في الأرض هيج
الحروب، والفتن بطريق الكناية الرمزية، لأنّ هيجها يستلزم خروج الأرض عن اعتدالها واستقامتها، فذكر اللازم وهو الخروح عن ذلك وأريد الملزوم وهو الهيج، ثم أنهم ما كانوا يهيجونها بل يفعلون ما يؤدّي إلى ذلك، فهو مجاز مرتب على الكناية وقيل إنه مجاز عما يلزمه من ذلك وهو غير بعيد. وقوله: (من الناس والدواب والحرث) إشارة إلى قوله تعالى ﴿سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] والحرث إلقاء البذر في الأرض وتهيئتها للزرع ويسمى المحروث حرثاً أيضاً تصورّ منه العمارة التي تحمل عنه في كون الدنيا محرثا ونحوه، وقيل: إطلاق اسم الفساد على هيجان الحروب من إطلاق اسم المسبب على السبب مجازاً، ومعنى لا تفسدوا لا تهيجوا الفتن المؤدّية إلى فساد ما في الأرض، ولا يخفى ما فيه من التخليط والتخبيط. قوله: (ومنه إظهار المعاصي إلخ) أي من الفساد في الأرض ما ذكر، وهذه معطوفة على ما قبلها، أو على قوله من فسادهم في الأرض، وضمن الإهانة معنى الاستخفاف أو حملها عليه، فلذا عداه بالباء، وهو متعد بنفسه وبينه بقوله فإنّ إلخ. وقيل: إنه ردّ لما يقال من أنّ الزمخشريّ خص هذا الفساد لأنّ فيه زيادة بيان لفائدة قوله في الأرض لأنّ غير ما ذكره أيضاً يعود إلى فساد الأرض، والهرج والمرج بمعنى القلق والاضطراب قيل: وإنما يسكن المرج مع الهرج للإزدواح، فإذا لم يقارنه فتحت راؤه وفي بعض كتب اللغة ما يخالفه فالهرج بالسكون وقوع الناس في فتنة واختلاط والمرح قريب منه ويكون موضح الخضرة، ولذا تظرّف بعض المحدثين فقال:
حمى مرج العذاربمقلتيه فبات الناس في هرج ومرج
وإنما قال: ومنه إلخ لأنه نقل عن ابن عباس رضي الله ش! ما تفسيره به أشار إلى أنه لم يقصد به الحصر ونظام العالم ما ينتظم ويتمّ به، وهو بالشرائع فلو عطلت والعياذ بالله كان تعطيلها يجرّيء الناس على ما يفني الحرث والنسل، ويخرب العالم. قوله: (والقائل هو الله إلخ) هذا من كلام الإمام في التفسير الكبير قال: وكل ذلك محتمل، ولا يجوز أن يكون القائل لذلك من لا يختمى بالدين والنصيحة، وان كان الأقرب هو أنّ القائل من يشافههم بذلك، فإمّا أن يكون الرسول ﷺ بلغه عنهم النفاق ولم يقطع بذلك فنصحهم، فأجابوه بما يحقق إيمانهم في الصلاح بمنزلة سائر المؤمنين، وامّا أن يقال إنّ بعض من كانوا يلقون إليه الفساد لا يقبله فهم فينقلب، واعظاً لهم قائلاَ لا تفسدوا أو يخبرون الرسول ﷺ بذلك فتدبر. قوله: (جواب لاذا إلخ) عبر بالناصح دون الناهي إشارة إلى أنّ هذا من القائل شفقة عليهم، ومعاملة بلطف من غير مبارزة وعنف منه، ووحه المبالغة ذكر الاسمية
المؤكدة المحصورة والتمحض الخلوص من قولهم لبن منحض أي لم يخالطه ماء، والشوائب جمع شائبة، وهو ما يخالط الشيء، فيمنعه من الخلوص والعرب تسمي العسل شوبا لأنه عندهم مزاج الأشربة، وفي المصباح وقولهم ليس فيه شائبة ملك يجوز أن يكون مأخوذاً من هذا ومعناه ليس فيه شيء مختلط به، وان قل كما قيل: ليس فيه علقة ولا شبهة وأن تكون فاعلة بمعنى مفعولة مثل عيشة راضية هكذا استعمله الفقهاء ولم أجد فيه نصا.
نعم قال الجوهريّ
стр. 331
الشائبة واحدة الشوائب وهي الأدناس والأقذار، وفيه إشارة إلى أنّ القصر فيه إفراديّ، فإنهم لما نهوا عن الفساد، والإفساد توهموا بأنهم حكموا عليهم بأنهم خلطوا عملا صالحاً وآخر سيثا، فاجابوهم بأنهم مقصورون على محض الإصلاح الذي لم يشبه شيء من وجوه الفساد، واختاروا إنما إيماء إلى أنّ ذلك مكشوف لا سترة عليه، ولا ينبغي أن يشك فيه، واحتمال القلب الذي ذهب إليه بعض شراح الكشاف لأن المسلمين لما وصفوهم بالإفساد فقط دون الإصلاح خصوا أنفسهم بعكسه، وان صح خلاف الظاهر من كلام الشيخين.
وفي قوله ما دخله أي دخل عليه حذف، وايصال والمراد بما بعده الجزء الأخير، ولم يصرّح به استغناء بشهرته عن ذكره. قوله: (وإنما قالوا ذلك إلخ) قصر قولهم على ما ذكر ولم ينظر إلى غيره من الاحتمالات ككوز " كذبا محضا من غير تأويل لخوفهم من المؤمنين، لأنّ العاقل " إذا كان له مخلص من الكذب بزعمه يقصده لدفع ضرر الخصم، بما يفيده ظاهر الكلام إذ الكذب يقبح عند المؤمن والكافر فلا يرتكب بغير ضرورة ولا يرتضي تعمده بغير تأويل خصوصاً إذا كان بحيث يسبق إليه بغير تصنع وذلك لما أفاده بقوله لما في قلوبهم إلخ أو كونه مخادعة، كما قيل لأنه لا يناسب قوله ﴿وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ وهذا اً حد احتمالات ذكرها الإمام، واختار. المصنف ﵀ لأنه أظهرها وأتمها، وزاد الإمام أنه إن فسر لا تفسدوا بمداراة الكفار كان معنى قوله مصلحون إنّ هذه المداراة سعي في الإصلاح بين المسلمين والكفار كقوله ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٢] وأيده بعضهم بأنه الوارد عن ابن عباس ﵄ فقد أخرج عنه ابن جرير أنه قال في تفسيره إنما يريد الإصلاج بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب والمصنف ﵀ لم يلتفت إليه مع اعتنائه باً لتفسير المأثور لأنه غير مناسب للواقع، والسياق والسباق مع إرجاعه إلى صورة الصلاح التي ذكرها. قوله: (رذ لما اذعوه أبلغ رذ إلخ الما بولغ في كونهم مصلحين بولغ في رذه، وتقرير ضدّه من
جهات، كالاستئناف البياني، فإنه يقصد به زيادة تمكن الحكم في ذهن السامع لوروده عليه بعد السؤال والطلب، وما فيه من كلمتي ألا وأنّ من تأكيد الحكم وتحقيفه، وفي قوله ﴿لاَ يَشْعُرُونَ﴾ من الدلالة على أنّ كونهم مفسدين قد ظهر ظهور المحسوس بالمشاعر، وان لم يدركوه ووجه إفادة ألا وأما أختها ذلك بناء على تركبها من همزة الإستفهام الإنكاري الذي هو نفي معنى، ولا النافية فهي نفي نفي يفيد الإثبات بطريق برهاني أبلغ من غيره، وارتضى كثير من النحاة أنها بسيطة غير مركبة، وارتضاه أبو حيان ﵀ وأبطل مقابله بدخولها على أنّ المشددة، ولا النافية لا تدخل عليها، فبين تركبها وتلقيها بما يتلقى به القسم منافاة ظاهرة، وردّ بأنها بعد التركيب انتسخ حكمها الأصلي، واستدلوا على إفادتها التحقيق بتلقيها بما يتلقى به القسم أي وقوع فا! يضدر به جواب القسم بعدما- كأنّ واللام وحرفي النفي، وردّه أبو حيان ﵀ بأنها قد دخلت على رب وحبذا ويا الندائية كقوله:
ألا رب يوم صالح لك منهما
وقوله:
ألا حبذا هند وأرض بها هند
وقوله:
ألا يا قيس والضحاك سيرا
فقوله لا تكاد إلخ غير صحيح وهو وارد عليه وعلى من تلقاه بالقبول، كصاحب المغني والمصنف وادّعاء العلة فيه لا يصلح بسلامة الأمير وقوله ألا المنبهة بدل من حرفي التأكيد، أو بتقديرهما أو أعني. وقوله: (وإن إلخ) عطف عليه، وتعريف الخبر عطف على قوله للإستئناف. قوله: (وأختها أما إلخ) أي أما المفتوحة الهمزة المخففة الميم حرف استفتاح مثلها في إفادة التحقيق لا في جمبع ما ذكره، كما أشار إليه بقوله التي هي من طلائع القسم، لأنّ معناه تدخل على القسم كثيراً، وهذا مما فارقت به ألا أما قال في التسهيل وشرحه كثر ألا قبل النداء كقوله ألا يا اسجدوا، وأما قبل القسم، كقول إبن صخر الهذلي:
أما والذي أبكى وأضحك والذي أمات وأحيا والذي أمره الأمر
قال العلامة التفتازانيّ جوابه:
لقد تركتني أحسد الوحش إن أرى أليفين منها لا يروعهما الذعر
وفي بعض تصانيف ابن هشام ما يخالفه، فإنه أنشد الشعر هكذا:
стр. 332
أما والذي أبكى وأضحك والذي أمات وأحيا والذي أمره الأمر
لقد كنت آتيها وفي النفس هجرها بتاتا لأخرى الدهر ما طلع الفجر
٥١٥
وما هو إلا أن أراها فجاءة فأبهت لا عرف لديّ ولا نكر
والدّي ذكره السعد هو المرويّ في الفضليات وشعر هذيل، ولولا خوف الإطالة أوردت القصيدة بتمامها والطلائع جمع طليعة، وأصلها مقدمة الجيش التي تطلع قبله، وهو استعارة أو مجاز مرسل لمطلق المقدم أريد به هنا أنها تقع قبل القسم، كما في البيت المذكور ونظائره. قوله: (وتعريف الخبر إلخ) هو وما عطف عليه مجرور لما مرّ.
ووجه المبالغة على ما قالوه إنّ الأوّل يفيد حصر المسند إليه في المسند، والثاني يفيد
تأكيد هذا الحصر، وهذا وإن كان مناسباً لردّ دعواهم الكاذبة، فإنهم لما قصروا أنفسهم على الإصلاح قصر إفراد ناسب في ردّهم أن يقصروا على الإفساد قصر قلب فهم مقصورون على الإفساد لا حظ لهم في الإصلاح، وأورد عليه أنّ تعريف الخبر بلام الجنس يفيد حصر المسند إليه في المسند، كما في المفتاح والمشهور أنّ ضمير الفصل يفيده أيضا أو يؤكده.
وأجيب بأنّ تعريف المسند يفيد حصر المسند إليه فيه كما ذكره الزمخشرفي في الفائق في
قوله " إنّ الله هو الدهر " وان ردّ بأنه إنما ورد للنهي عن سبّ الدهر (١) وهو يقتضي أن يقال إن الدهر الذي يظن أنه جالب الحوادث لا يجاوز الله لا أنّ الله لا يب، وزه كما لا يخفى، وقيل: إنّ الوجه أن يقال إنّ المبالغة في تعريف المفسدين على قياس ما مرّ في المفلحين من أنه إن حصلت صفة المفسدين وتحققوا ما هم، وتصوّروا بصورهم، فالمنافقون هم هم لا يعدون تلك الحقيقة، فالفصل مؤكد لنسبة الاتحاد الذي هو أقوى من القصر في إفادة المقصود، ولما مرّ من الإشكال عدل المصنف ﵀ عما في الكشاف من قوله ردّ الله ما ادّعوه من الانتظام في جملة المصلحين أبلغ ردّ وأدله على سخط عظيم وجعله ردّاً لما في قولهم من التعريض للمؤمنين كأنهم قالوا أنتم المفسدون وقصروا الإفساد على المؤمنين فأجيبوا بقصره عليهم، وهذا مستفاد من مساق الكلام في مقام الجدال ومن فحواه فلا يتوهم أنّ التعريض إنما يستفاد منه لو قيل إنما المصلحون نحن. قوله: (والاستدراك بلا يشعرون) فإن قلت لم ذكر ما يشعرون بعد يخادعون بدون استدراك وههنا به.
قلت المخادعة تقتضي في الجملة الإخفاء وعدم الشعور بخلاف ما هنا فانهم لما نهوا
عما تعاطوه من الفساد فأجابوا بادّعاء أنهم على خلافه وأخبر تعالى بفسادهم كانوا حقيقين بالعلم به مع أنهبم ليسوا كذلك فكان محلا للاستدراك لأنه يقع بين الأمور المتخالفة، وما يقال
لما يذمّ من أفسد عن علم والجواب لا يشعرون﴾ أنّ أمرهم يظهر للنبيّ لهم مفسدون فقوله ﴿؟ ألا إنهم هم الفساد صلاحا أو المراد أنهم لا كما ذكره السمرقنديّ في تفسيره. ل! مكن منه مذموم أيضاً، بل قد يقال ٥ الآية حجة على المعتزلة في أنّ للزم بدون المعرفة، فإنّ الله أخبر أنّ حصقة العلم شرطا للتكليف، ولا علم عنه، فإذا لم يكن النهي قائما عليهم ليام آلة العلم، والتمكن من المعرفة عة على مسئلة مقارنة القدرة للفعل ممام النصح والإرشاد إلخ) فيه إشارة لطهر منه أنّ القائل المؤمنون لا الله شارة إلى التخلية بالخاء المعجمة على أنّ الأعمال داخلة في كمال###
стр. 333
###
لنه على التكذيب المنافي للإيمان، لعص المنافقين لبعض لأنه المناسب لقائل المؤمنين والمجيب المنافقين موا لا يتصوّر بدون الملاقاة، وقوله فما وجه التوفيق حينئذ، وهذا هو سسشكله وأجاب عنه كثير من الفضلاء لهم ﴿أَنُؤْمِنُ﴾ إلخ مقول فيما بينهم سن،! انما يتعذر هذا لو قيل: وإذا أنؤمن﴾ إلخ كما أشار إليه الفاضل
م لو قيد قول المنافقين بكونه في لحصيص الجواب بوقت الشرط لكونه هذأ الوقت، والإشكال متوجه على لى السفه لأنه صريح ني مجاهرة لكفر منافية لما بعده من قوله تعالى
﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ إلخ. وردّ بأنه لا إشكال فيه لأنه لم يصرّح بأنّ المنافقين جاهروا المؤمنين بل في عبارته ما يوهمه، وهو قوله من جوابهم بناء على أنّ الجواب ما يقال مواجهة، وكونه كذلك موقوف على السماع من أهل اللغة وهو لم يوجد، ويدل على خلافه ما استفاض من إطلاق االخلف لفظ الجواب على ردّ كلام السلف مع بعد العهد من غير نكير، وقيل إذا هنا بمعنى لو تحقيقا لنفاقهم وأنهم على حال تقتضي أنهم لو قيل لهم كذا قالوا كذا كما قيل مثله في قوله:
واذ! ما لمته لمته وحدي
واستشهد له بقول الزمخشريّ: إنّ مساق هذه الآية بخلاف ما سيقت له أوّل قصة المنافقين فليس بتكرير، لأنّ تلك في بيان مذهبهم والترجمة عن نفاقهم، وهذه في بيان ما كانوا يعملون عليه من المؤمنين من التكذيب لهم، والاستهزاء بهم، ولقائهم بوجوه المصادقين وايهامهم أنهم معهم، فإذا فارقوهم إلى شطار دينهم صدقوهم ما في قلوبهم شاهد صدق عليه، فهو ضرب من التقدير والتمثيل، وقيل: يجوز أن يقول المنافقون ذلك إذا انفردوا عن المؤمنين خالين من مشهدهم، فلا يكون مجاهرة لتمكنهم من الإنكار، كما سيأتي في سورة المنافقين في قصة زيد بن أرقم رضي إلله عنه، وقيل: إنه كان بحضرة المسلمين لكن مسارّة بينهم هذا ما ذكروه من القيل والقال، وحلوا به شكال الإشكال ليفرّوا من غائلة الاختلالء
(والذي عندي) أنه لا يرد رأسا فإنّ المؤمنين أمروهم بالإيمان المطابق لإيمان خلص
الناس والأمر كالنفي ينصب على القيد، فكأنهم قالوا لهم أخلصوا الإيمان، وفيه اعتراف بأصل إيمانهم وهو مطابق لقوله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا﴾ [البقرة: ٨] فأجابوهم وجاط وثسفاها بقولهم ﴿أَنُؤْمِنُ﴾ إلخ أي نحن مؤمنون متصفون بصفات، وسمات للإيمان لا يخالفها إلا من كان سفيهاً وهذه موأجهة بالإيمان لا بالكفر كما ادّعاه السائل وان كان هذا سماً في شهد، لأنهم قصدوا به عدم إيمانهم بما جاء به الرسول ﷺ ، وتسفيه من اتبعه لكنه خلاف ظاهر الكلام، والشرع إنما ينظر للظاهر، وعند الله علم السرائر، ولهذا قال العلامة سفهوهم، ولا يلزم من هذا عدم مطابقة جوابهم نصح الناصح، لأنه كناية عن كمال إيمانهم وان كان في قلب تلك الكناية نكاية وبعدما كتبت هذا رأيت لبعض فضلاء العصر ما يقاربه، فقلت مرحبا بالوفاق وترك المصنف لما في الكشف وشروحه هنا من توجيه إسناد قيل: إلى جملة آمنوا بأنه أريد به لفظه فهو اسم وهو مفعول به ساد مسد الفاعل، وهو مقول القول، فلا حاجة إلى ادعاء أنه مسند لضمير المصدر والجملة بدل منه، ولا إلى الجار والمجرور لظهوره. قوله: (فإنّ كمال الإيمان إلض) المواد بكماله ما به يتمّ ويتحقق وهو بحسب الاستعمال يتناول الاجزاء وغيرها ك! اقيا! :
وما تنفع الآداب والعلم والحجى وصاحبها عند الكمال يموت
стр. 334
فلا يشعر كلامه بدخول الأعمال في الإيمان كما قيل. وقوله: (وهو المقصود) قيل: إنه
جعل ولمنوا﴾ كناية عن طلب الإتيان بما ينبغي، ويمكن أن يراد بالنهي عن الإفساد النهي عن الشرك، ويكون الأمر بالإيمان بعد النهي عن الشرك على طبق كلمة التوحيد والأظهر حمل النهي عن الإفساد علي! النهي عن الئفاق، والأمر بالإيمان على إخلاصه ظاهرا وباطنا ولا حاجة لمثله. قوله: (في حيز النصب إلخ) كما بعد الجمل في الأكثر إمّا نعت لمححدر، وائا حال كما صرح به النحاة والثاني مذهب سيبويه لأنّ الصفة لا تقوم مقام موصوفها إلا في مواضع مخصوصة، فهي عنده حال من المصدر ال! مضمر المفهوم من الفعل ولم تجعل متعلقة بآمنوا على أنّ الظرف لغو بناء على أنّ الكاف لا تكون كذلك، وإذا كانت ما كافة للكاف عن العمل مصححة لدخولها على الجمل، فالتقدير حققوا إيمانكم كما تحقق إيمانهم وان كانت مصدرية، فالمعنى آمنوا إيماناً مثابها لإيمانهم، ولم تجعل موصولة لما فيه من التكلف، وتقديم المصنف للمصدرية، لأنها أرجح لإبقاء الكاف على ما لها من العمل الأصلي، وقيل: الثاني أرجح والأمر فيه سهل. قوله: (واللام في الناس للجنس إلخ) قدم هذا على عكس ما فيءالكشاف إمّا لأنه الأصل المتبادر، أو لأنه أحسن هنا عند. كما قاله الراغب وتبعه المصنف وحمه الله، وما ذكر. برمّته مأخوذ من تفسيره بنوع من الاختصار. وقوله: (والمراد به إلخ) في الكشاف أو للجنس أي كما آمن الكاملون في الإنسانية، أو جعل المؤمنون كأنهم الناس على الحقيقة، ومن عداه! كالبهائم في فقد التمييز بين الحق والباطل اهـ. ولما كان المعرّف الجنسي قد يقصد به بعض الأفراد من غير اعتبار وصف فيه، كما في أمرّ على اللئيم، وقد يقصد البعض باعتبار وصف الكمال كما في ذلك الكتاب وقد يقصد الجنس بأسره، كما في قوله تعالى ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ أسورة العصر: ٢] والأوّل لقلة جدواه يصار إليه إذا تعذر الأخيران س فسر الناس بالكاملين في الإنسانية، أو بمن هم الناس في الحقيقة حتى كأنّ من عداهم في عداد البهائم وهذا إنما هو على تتمدير كونه مقول المؤمنين لا المنافقين بعضهم لبعض، كذا أفاده الشارح المحقق والظاهر منه أنّ المراد من الجنس الجنس من حيث هو، ومن قوله: أو جعل المؤمنون إلخ! الاستغراق كما يتبادر من الكشاف، لأنّ المعرّف بلام الجنس من حيث هو يفيد الحصر، كما في شرح التلخيص فيناسب أن يعبر عن الكاملين بلفظ الجنس، لادّعاء انحصاره فيهم، والشريف هنا اختار أنّ المفيد لذلك لام الاستغراق لا غير فلذا حمل الوجهين هنا على الاستغراق وجعل الأوّل ناظرا إلى كمال المقصور عليه والثاني إلى قصور من عداه، وقد قيل إنه لا يحسن حمل الناس على الجنس، وإخراج المنافقين عنه على تقدير أن يعطف قوله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ﴾ على صلة من يقول اهـ.
(قلت) ما بين الفاضلين من الخلاف منشؤه ما فصل في المعاتي في بحث التعريف، وليس هذا محله، فالعارف تكفيه الإشارة، كما أنّ الغبيّ لا تشفيه العبارة، والحاصل أنّ الحصر إمّا لأنهم الكاملون المستجمعون لمعانيه، فكأنهم جميع أفراده أو بملاحظة أنّ غيرهم كالبهائم لفقد التمييز بين الحق والباطل، فلا يندرجون في الناس والأوّل يشبه القصر الحقيقي والثاني الإفرادي، والمصنف ﵀ صرّح بالأوّل لدلالته على كمالهم المقصود، واشارة إلى أنه مستلزم للثاني بقوله: ولذلك يسلب عن غيره إلخ، ومن غفل عن هذا قال إنّ عبارة المصنف ناظرة إلى الأوّل فقط فما قيل من أنّ الئاني أبلغ في هذا المقام، وأنه على الأوّل تخصيص وعلى الثاني استعارة لقول العلامة: كانهم الناس على الحقيقة ليس بشيء. قوله: (بقضية العقل) أي بحكم العقل أو بمقتضاه، وهما متقاربان. وقوله: (فإنّ اسم الجنس إلخ) المراد باسم الجنس الاسم الجامد الموضوع لمعنى عام سواء كان معرفة أو نكرة، وإذا عرف دلّ التعريف على تعيين معناه قال الراغب: كل اسم نوع يستعمل على وجهين.
أحدهما دلالتة على مسماه فصلا بينه وبين غيره.
والثاني لوجود المعنى المختص به، وذلك هو الذي يمدح به لأنّ كل ما أوجده الله في العالم جعله سالحاً لفعل خاص به لا يصلح له سواه كالفرس للعدو، والبعير لقطع الفلاة البعيدة، وعلى ذلك الجوارح كاليد والعين والناس أوجدوا ليعلموا فيعملوا، فكل ما لم يوجد فيه المعنى الذي خلق لأجله لم يستحق اسمه مطلقاً بل ينفي عنه، فيقال زيد ليس لإنسان اهـ. وهذا ما أشار إليه المصنف
стр. 335
رحمه الله. قوله: (ولذلك يسلب عن غيره) أي لأجل استعماله فيما استجمع المعاني المقصودة منه سلب عمن لم يستجمعها فيقال: ليس بإنسان. ولولا هذا لكان كذباً مع أنه صدق مستحسن كما قال:
يا قارع الباب على عبد الصمد لاتقرع البا ب فماثمّ أحد
وقد مرّ لك أنّ هذا مستلزم لجعل الناقص بمنزلة العدم، فليس مغايراً له كما قيل فتدبر واستجمع بمعنى جمع، فهو متعد كما يشعر به كلام الصحاح، وفي المصباح أنه لازم كتجمع فعليه يكون تضميناً أو مجازا. قوله: (وفد جمعهما الشاعر) أي جمع استعمال اللفظ في مسماه مطلقا واستعماله فيما يستجمع المعاني المقصودة مته، فإنّ المراد من الناس الأوّل الجنس ومن الثاني الكاملون في الإنسانية، وقس عليه الزمان والديار فيما سيأتي، وقد عرفت أنّ منشأ هذا اسم الجنس نفسه بقطع النظر عن تعريفه، وتعريفه إنما يفيد تعيينه كما صرّح به المصنف ﵀ والراغب آنفاً، فمن قال ومن هما يعلم أنّ دعوى الكمال يجوز اعتبارها في النكرة أيضاً فقد أجمل إذا أهمل، ثم إنّ أخذه من نفس اللفظ معرفة كان أو نكرة لا ينافي إفادة التعريف له عند
من له أدنى بصيرة نقادة. وقوله: (ومن هذا الباب) أي نفي اسم الجنس عمن لم توجد فيه خواصه المقصودة منه، فإنه في الآية الآتية جعل المسامع صماحين لم تسمع الحق والعيون عميا إذ لم تر الصواب لانتفاء فوائدها وثمراتها المقصودة منها وهو ظاهر، وقيل: إنّ التمثيل به مبنيّ على أنه الاستعارة لا على التشبيه، فإنّ الصم وما معه عليه حقيقة، والشعر المذكور مشهور في كتب الأدب، الآ أنه وقع على وجوه: ففي بعضها:
إذ الناس ناس والبلاد بلاد
وفي آخر:
إذ الناس ناس والزمان زمان
وفي آخر:
إذ الناس ناس والديار ديار
وأنشده في الحماسة البصرية هكذا:
ألا هل إلى أحبال سلمى بذي اللوى لوى الرمل من قبل الممات معاد
بلادبها كنا وكنا نحبها إذ الناس ناس والبلاد بلاد
ولم يسم قائله، وفي الأغاني أنه لرجل من عاد وله حكاية ذكرها هكذا في بعض الحواشي، وفيه ما فيه وقيل: صدر المصرع المذكور:
لقد كنت ذا حظ من الجود والعلى
وقيل:
ديار بها كنا وكنا نحبها
قوله (أو للعهد والمراد به الرسول صنى الله عليه وسغ إلخ) قدم هذا صاحب الكشاف، وذهب صاحب البحر إلى أنه أولى، وأيده بعضهم بأنه الماثور، لأنه مرويّ عن ابن عباس ﵄، كما أخرجه ابن جرير، والمعهود أمّا النبيّ ﵊، ومن معه ممن اتبعه من المؤمنين، لأنهم نصب عينهم دائما وقد مرّ ذكرهم أيضا بقوله الذين يؤمنون لأنهم داخلون فيه دخولا أوليا وان عمّ فالعهد خارجيّ أو خارجيّ ذكريّ، لأنّ بينهما عموماً وخصوصاً فقولك: أكرم هذا الرجل فيه تعريف خارجي، ولم يجر له ذكر كما لا يخفى، وتشبيه الإيمان المطلوب منهم ب! يمان هؤلاء لا يقتضي مساواته له من جميع الوجوه، كما أشار إليه المصنف ﵀ بقوله والمعنى إلخ. فلا وجه لما قيل: من أنّ الظاهر أنّ المراد على تقدير العهد مطلق المؤمنين فقط إذ المطلوب مجرد إيمانهم لا الإيمان المشابه لإيمان النبيّ وأصحابه في الكمال ولا المشابه لإيمان النبيّ وأصحابه في الكمال ولا المشابه لإيمان من آمن
منهم كعبد الله بن سلام وفي بعض شروح الكشاف وتبعه بعض أرباب الحواشي هنا العهد الخارجي باعتبار كونهم كالمذكورين سابقا بوجه خطابي وهو أنّ الرسول! ك! نرو ومن محه- من المؤمنين كانوا نصب أعينهم وملتفت خواطرهم لأنهم كانوا متألمين منهم لإظهار المعجزات، وتلاوة القرآن عليهم أو عبد الله بن سلام وأشياعه، فانهم أيضاً محل التفات خواطرهم لأنهم من جلدتهم، ولا يغيبون عن خواطرهم لشدة! غيظهم بسبب إيمانهم وشدة تألمهم بسببهم والتقدير، كما آمن أصحابكم واخوانكم، ولا يخفى ما فيه. قوله: (أو من آمن من أهل جلدتهم إلخ) الجلدة والجلد بكسر الجيم، وسكون اللام التي تليها دال مهملة هو من الحيوان ظاهر بشرته، وقال الأزهريّ: الجلد غشاء جسد الحيوان والجمع جلود وقد يجمع على أجلاد كحمول، وأحمال، وجلدة الرجل، وأهل جلدته أبناء جنسه، أو قومه وعشيرته وبهما فسره! أهل اللغة، وورد استعماله والمناسب هنا الثاني وقد ورد في الحديث " قوم من جلدتنا " (١ (أي من أنفسنا وعشيرتنا
стр. 336
كما في نهاية ابن الأثير، وفي كتب العربية في باب أفعل التفضيل استشهدوا على صحة يوسف أحسن إخوته بما سمع من العرب من قولهم نصيب أشعر أهل جلدته، فقد عرفت أن استعماله مع لفظ أهل كما في المثال وبدونها كما في الحديث " صحيح فصيح) (٢ (فمن! قال: لفظ الأهل زائد والظاهر حذفه كما في الكشاف من جلدتهم، ومن أبناء جنسهم لم يطلع على موارد استعماله؟ لقصوره، أو إهماله ومعناه ما تقدّم، وفي بعض شروح الكشاف عطف أبناء جنسهم تفسيريّ قال الجوهريّ ﵀: أجلاد! الرجل جسمه، وبدنه.، ؤوملاحظة المعنى الأصليّ تدعي أن يكون كناية عن المبالغة في القرب، كقولهم هو بضعة مني والظاهر أنه شبه الجنس أو العشيرة بالجلد، وظاهر البدن لجعل القوم كجسد واحد، فأهل جلدته كلجين الماء، ثم قد يجعل مجازاً، ووجه الشبه إلاتصاءل، فإذا أريد زيادته أتى بما يدل عليه كقوله:
وجلدة بين العين والأنف سالم
والمراد بأهل جلدتهم إليهود، لأنّ منافقي المدينة منهم. قوله: لأجمابق سلام) هو عبد الفه
بن سلام بن الحرث أبو يوسف من ذرية يوسف المنبيّ ﵊ حليف القوافل من الخزرح الإسرائيلي، ثم الأنصاري كان حليفا لهم وكان من بني قينقاع من اليهود، واسمه الحصين فغير النبيّ ﷺ اسمه وسماه عبد الذ لما أسلم أوّل ما قدم المدينة،
وقيل تأخر إسلامه إلى سنة ثمان وشهد له رسول إدلّه ﷺ بالجنة، وهو من كابر الصحابة روى عنه أبو هريرة ﵁ وغيره، وله مناقب وأموره مع اليهود مشهورة في كتب الحديث، وتوفي بالمدينة في سنة ثلاث وأربعين من الهجرة وسلام بفتحتين مخفف اللام وغيره من الأعلام مشدد اللام، والمراد بأصحابه من آمن من بني إسرائيل. وقوله: (والمعنى إلخ) هو على الوجهين، لأنه شبه الإيمان المأمور به بإيمان خلص المؤمنين، أو بعض من الخلص المعهودين وايمانهم كذلك. قوله: (واستدل به إلخ) قال الجصاص في أحكام القرآن: احتج به في استتابة الزنديق الذي اطلع منه على الكفر متى أظهر الإيمان لأنه تعالى أخبر عنهم بذلك، ولم يأمر بقتلهم، وهي نزلت بعد فرض القتال اهـ. والزنديق بوزن إكليل معرب ومعناه الملحد، وفسره في المقاصد بالمنافق، وهما متقاربان وبهذا المعنى استعملته العرب كما قال:
ظللت حيران أمشي في أزقتها كأنني مصحف في بيت زنديق
وهو معرب زنده أي يقول ببقاء الدهر أو زندا، وهو كتاب مزدك المجوسي، أو زن دين
أو زندي وجمعه زنادقة، وفسره الفقهاء بمن يبطن الكفر ويظهر الإسلام كالمنافق، وقد فرق بينه وبين الملحد والمرتد في الفروع وما قيل من أنه لا دلالة فيه على قبول توبة الزنديق، لأنّ النفاق غير الزندقة كيف لا، والزنديق يقتل دون المنافق، ولم يقل أحد أن في عدم قتل الرسول ﷺ المنافق دلالة على عدم قتل الزنديق واه جذأ لأن الزنديق إن فسر بالمنافق فظاهر، وألا فهو مثله، وقد طلبت منه التوبة والإيمان، ولو لم يكن ذلك مقبولا لم يطلب منه إلا أنه قيل: على هذا إنه إنما يتمّ لو كان طلب الإيمان لدفع القتل، وليس كذلك لأنّ النبيّ ﷺ كان مأمورا بإجراء أحكام الإسلام عليهم مع علمه ﵊ بنفاقهم، فلم يطلب الإيمان منهم إلا لنجاتهم عند الله والزنديق ليس كذلك، وفيه نظر لا يخفى، وحكم الزنديق على المختار المفتي به بعد الاختلاف في قبول توبته بعد الأخذ عند الشافعية والحنفية أنه إن كان معروفا بذلك داعيا إليه، فإن تاب قبل الأخذ قبلت توبته وبعدها لا، ويقتل كالساحر وان لم يكن داعياً للضلال فهو كالمرتد كما قاله أبو الليث وعليه الفتوى، وله تفصيل في الفروع. قوله: (وإن الإقرار باللسان إيمان إلخ) يعني أنّ الإيمان يكون إيمانا صحيحا بمجرّد التلفظ سواء واطأ القلب أم لا إذ لو لم يكن كذلك لم يكن للتقييد في الآية. بقوله ﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ فائدة لكفاية آمنوا فيه، لأنه موضوع للتصديق القلبي المقارن للإقرار اللساني للقادر كما مرّ، واحتمال كون ذكره للترغيب، أو للتأكيد لاقتضاء المقام له كما قيل خلاف الظاهر وهذا مأخوذ من التفسير الكبير، وأجاب عنه بأنّ الإيمان الحقيقي عند الله هو الذي يقترن به الإخلاص أمّا في الظاهر، فلا سبيل إليه إلا بالإقرار الظاهر، فلا جرم افتقر إلى
تأكيده بقوله ﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ والمصنف
стр. 337
رحمه الله لم يذكر الجواب، لأنه أراد أنّ المعتبر في ضسمى الإيمان لغة وبحسب ظاهر الشرع هذا، وأمّا مطابقة ما في القلب فمعتبر في الإيمان المنجي من الخلود في النار عند الله، فما ذكره مذهب الفقهاء وغيرهم فما قيل من أنّ المستدل به على هذا الكرامية، وقد مرّ أنّ الخلاف معهم، فيمن تفوّه بالشهادتين فارغ القلب عما يوافقه أو ينافيه، وأمّا من ادعى الإيمان، وخالف قلبه لسانه كالمنافقين فكافر بالاتفاق، وهو يصير عدم تعرّض المصنف للجواب بمعزل عن الصواب. قوله: (الهمزة فيه للأئكار) الإنكار قسمان إبطاليّ بمعنى لم يقع وتوبيخي بمعنى لم وقع، والمراد الأوّل، ولذا فسر بلا يكون. وقوله: (مشار بها إلى الناس) أي المراد بها ذلك، والإشارة ذهنية لا حسية يعني أنها في السفهاء للعهد، والمراد بهم الناس السابق ذكرهم بوجهيه، والعهد الذكري قد يكون بإعادة المتقدم بعينه، وقد يكون بإعادة لازمه ووصفه وإن لم يجر له صريح ذكر ويسمى العهد التقديري، وذلك بأن يسند إلى الموصوف ما يستدعي تلك الصفة، فتذكر الصفة معرفة كأنها جرى ذكرها، كما إذا قيل لك شتمك زيد فتقول: أفعل السفيه، فإنّ الشتم تنبيه على سفاهتة، حتى كأنه فيل اعترض لك سفيه، أو أن يكون الموصوف علماً في تلك الصفة حقيقة، أو ادّعاء فمتى ذكر علمت صفته والعهد هنا إمّا لأنّ الإيمان بزعمهم مستلزم للسفه، ولأنّ المؤمنين فيما بينهم معروفون به. قوله: (أو الجنس بأسره إلخ) أي للجنس في ضمن جميع الأفراد، وهو والاستغراق بمعنى وبأسره عبارة عن جميعه، والأسر في الأصل ما يشد به الأسير، فإذا سلم بوثاقه فقد سلم بجملته، ثم صار عبارة عن كل ما يراد جميعه، ومندرجون فيه بمعنى داخلين من درجه إذا طواه وضمير فيه للجنس، أو للفظ السفهاء وضميرهم للرسول ﷺ ، " ومن معه الثامل لابن سلام، وأضرابه ﵃، وهم كمل الناس وأعقلهم، فجعلهم سفهاء بزعمهم الفاسد، وهو مخالف للواقع والسفهاء، وإن شملهم وغيرهم لكنهم داخلون فيه دخولا أوّلياً عندهم وهو أبلغ لما فيه من الكناية كما قال تعالى ﴿فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] وقد قيل على هذا أنه إنما يصح بادّعاء انحصار مفهوم السفهاء في المؤمنين المذكورين في قوله ﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ إذ لا يصح إسناد الإيمان إلى جميع السفهاء، فإن من لم يؤمن من السفهاء لا يحصر، لكن يرد على هذا أنّ معنى الاستغراق لا يلائم مقام إنكار موافقة السفهاء، لأنّ اتباع بعض السفهاء أقبح وليس بشيء، فإنه سواء أريد الاستغراق الحقيقيّ الادّعائيّ أو العرفيّ، كما في جمع الأمير الصاغة إذ لم يكن في المدينة حين نجم النفاق إلا مؤمن، أو منافق موافق للمقام على أتمّ الوجوه وأبلغها، كما لا يخفى فتدبر. قوله: (وإنما س! هوها إلخ) أي دعوهم سفهاء، أو
نسبوهم للسفه بناء على اعتقادهم أنهم سفهاء أو تحقيرا لهم، فإنّ قيهم فقراء والموالي بمعنى العبيد، فإنه أحد معانيه وصهيب وبلال الصحابيان ﵄ كذلك، كما هو معروف في محله، والتجلد والتحمل والتصبر وأصل معناه إظهار الجلد والقوّة، والمبالاة بالشيء الاعتداد والاعتناء به وعدم المبالاة بهم، لأنهم كانوا من أهل الكتاب. قوله: (والسفه إلخ) السفه في اللغة الخفة والتحرّك والاضطراب يقال زمام سفيه أي مضطرب، وسفهت الرياح الرماح والنار إذا حرّكتها بخفة ثم استعمل في عرف اللغة والشرع، وشاع حتى صار حقيقة فيه لنقمى العقل والرأي، وقال الراغب: استعمل في خفة النفس لنقصان العقل، وفي الأمور الدنيوية والأخروية، ومنه أخذ المصنف ﵀ ما ذك ره، وفي شرح التأويلات حد بعضهم السفه بأنه ترك العمل بمقتضى العقل مع قيام العقل، وقيل العمل بموجب الجهل على علم بأنه مبطل، وسخافة الرأي والعقل خفته وعدم استحكامه، وفي المصباح سخف الثوب سخفاً، وزان قرب قربا وسخافة بالفتح رق لقلة غزله، ومته قيل رجل سخيف وفي عقله سخف أي نقمى وقال الخليل السخف في العقل خاصة والسخافة عامّة في كل شيء اهـ. وقوله: (والحلم) بكسر الحاء، وسكون اللام هو الأناة والوقار، ويقابله أي يقع في مقابلته لأنه ضدّه على عادة اللغويين في الإيضاح بذكر الأضداد كما قيل:
وبضدها تتبين الأشياء
قوله (ردّ ومبالغة في تجهيلهم إلخ) فيه مع النظم لف، ونشر مرتب فالردّ لتسفيههم المؤمنين ناظر لقوله ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء﴾ والمبالغة في التجهيلى من قوله ﴿وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ كما ستراه
стр. 338
عن قريب ويحتمل أنه راجع لقوله ﴿إِلاَّ أَنَّهُمْ﴾ إلخ من غير لف فيه واليه ذهب بعض أرباب الحواشي أو أنه من قوله ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء﴾ لأنه المقصود بالذات فلذا أتى فيه بألا وإن، ووسط ضمير الفصلى، وعرف الخبر وذيل بالاستدراك المؤكد له لاستلزام السفه للجهل، أو دلالته عليه لأنه خفة العقل، ونقصه وفي الدرّ المصون السفه خفة العقل والجهل بالأمور قال السموأل:
نخاف أن تسفه أحلامنا فنجهل الجهل مع الجاهل
وقوله (فإنّ الجاهل إلخ) تفسير للمبالغة في التجهيل، وتعليل له بناء على أحد الوجهين
في تفسير قوله ﴿لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ وهو أنّ معناه لا يعلمون أنهم هم السفهاء حقيقة لقلة تأمّلهم في الدلائل القائمة على أنّ الكفر سفه لا ما قيل من أنّ معناه لا يعلمون ما يحل بهم من العذاب، لأجل السفه في الآخرة، وعلى هذا جهلهم بالسفه الذي هو جهل جهل بالجهل، فهو جهل
مركب، فكأنه قيل: إنهم جهلاء، ولكن لا يعلمون أنهم جهلاء. وقوله: (بجهله) صفة الجاهل والجازم صفته، ويصح كونه صفة الجهل، وبما قرّرناه علم أنه لا يرد على المصنف ﵀ ما قيل من أنه لا يفهم من قوله ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء﴾ لاعتقاد الباطل، لأنّ السفه وخفة العقل قد يكون سبباً للشك، وكذا عدم العلم لا يستلزم الجهل المركب، ولا حاجة إلى الجواب بأن المراد بالسفه هنا اعتقاد الباطل، وبعدم العلم الجهل المركب بقرينة المقام، لأنه ناشىء من عدم الوقوف على المرام، وتعدّي الجازم بعلى وهو متعد بالباء لتضمنه معنى المصرّ، فإن قلت إنما يفهم من السفاهة، ونفي العلم الجهل وأمّا الجزم بخلاف الواقع فليس هنا ما يدلّ عليه، لأنّ عدم العلم بالجهل محتمل للتحقيق في ضمن عدم العلم بشيء من النقيضين، وفي ضمن الجزم بمقتضى الجهل، قلت: هو كما ذكرت إلا أنّ مقام المبالغة يعين الاحتمال الثاني مع أنّ حالهم يقتضيه لأنّ الجراءة على تسفيه المؤمنين، والسعي في أذيتهم لا يصدر من العاقل إلا إذا جزم بذلك فتأمل. قوله: (وأتئم جهالة من المتوقف إلخ) قيل عليه مراتب الجهل أربع: أحدها ما وصفه المصنف ﵀ بالأتمية، وبعدها الظان لخلاف الواقع، وبعدها المتوقف عن التصديق بأحد الطرفين المتردّد بينهما من غير اعتراف بجهله، ورابعها المتوقف المعترف، فكان ينبغي أن يقول أتم جهالة من غير الجازم، ليشمل الصور الثلاث أو يكتفي بالثاني لتلزم الأتمية بالنسبة إلى الثالث والرابع بطريق الأولى غير أنه ذكر المعترف ليتصل به قوله: فإنه ربما يعذر كمن أسلم في دار الحرب، أو نشأ في بادية، أو على رأس جبل لاعترافه بجهله، واستعداده لقبولا لىلحق، فينتفع بالآيات والنذر، كما يعذر المؤمن المعترف بذنبه بخلاف الجاهل الجازم بجهله الآبي عن الحق والنذر جمع نذير. قوله: (وإنما صلت الآية إلخ) فصلت مجهول من ال! كصيل، فهو مثدد الصاد أي أتى بفاصلة كقفي إذا أتى بقافية والفاصلة في النثر بمنزلة القافية في الشعر، وهذا بناء على أنه يجوز أن يقال في القرآن سجع وفواصل، وفيه تفصيل ذكرناه في غير هذا المحل، وفي بعض شروح الكشاف فصلت بتشديد الصاد المهملة من التفصيل، وفي بعض النسخ بتخفيفها من الفصل، فجوّز فيه وجهين أي ختمت هذه الآية بلا يعلمون دون لا يشعرون لما ذكر. وقوله: (كثر طباقاً (الطباق كالمطابقة من الأسماء المتضايفة، وهو أن يجعل شيء فوق آخر هو بقدره، ومنه طابق النعل النعل لكونه فوقه يقابله، ولكونه بقدره يوافقه فلذا أطلق الطباق في اللغة على الموافقة، والمناسبة وأطلق في الإصطلاج البديعي على الجمع بين المتضادّين لتقابلهما في الجملة، ولذا ذهب الأكثر هنا إلى أنّ المراد الثاني لأنّ في السفه جهلاً، كما مرّ فذكر العلم معه جمع بين متضادّين في الجملة فالطباق بديعي، وقيل: المراد
لمناسب عدم العلم والسفاهة فهو لغوفي يرجع إلى مراعاة النظير قال الطيبي: هو من باب المعنوية إذ لو كانت لفظية لقيل: لا يرشدون فإنّ الرشد مقابل للسفه، أو قيل ألا إنهم ليقابل لا يعلمون اهـ. وفيه نظر لأنه لا منافاة بينهما، فإنه إن نظر للعلم والجهل من لطر لغيره فهو بديعيّ، وان نظر له منفيا فلغويّ ولكل وجهة وإنما قال أكثر لأنّ الشعور ونفيه جهل وسفه، أو ذلك مما يستلزمه، ويؤل إليه إن فسر الشعور بإدراك الحواس ففيه مطابقة للسفه أيضا إلا أنّ ما ذكر أظهر وأقوى، ثم بين له نكتة أخرى، وهي أنّ لدينية غير
стр. 339
محسوسة، فيحتاج إلى فكر ودقة نظر، فلهذا فصلت آية الإيمان بلا يعلمون والفساد الدنيويّ محسوس مشاهد، أو منزل منزلته، فلذا فصلت آيته بلا يشعرون وجعل وجها مستقلاً، وهذا وجها آخر والزمخشريّ جعلهما وجهاً واحدا، فلذا قيل إنّ كلامه مي أنّ التلباق مراعاة النظير، ولو جعل العطف في كلام المصنف تفسيريا عاد إليه لكنه لظاهر، وذهب الراغب كما أشرنا إليه أوّلا إلى أنّ أصل الشعور إدراك المشاعر وهي س الظاهرة، ونفيه أبلغ من نفي العلم، ثم إنه شاع بعد ذلك في الإدراك وقد يخص منه، كما قالوا: فلان نسق الشعر إذا دقق النظر، فالشعور يستعمل بمعنى الإحساس، الإدراك وبمعنى الفطنة، فقوله أوّلا وما يشعرون نفي للإحساس وثانياً لنفي الفطنة
ح معرفة الصلاح والفساد لها، ثم نفي عنهم العلم تنبيها على نكتة دقيقة، وهي انّ في لهم الخديعة نهاية الجهل الدالة على عدم الحس، ثم قال: إ أ! م لا يفطنون تنبيها على أنّ زم لهم لأنّ من لا جس له لا فطنة له، ثم قال: لا يعلمون تنبيها على أنّ ذلك لازم،
لا فطنة له لا علم له، ثم أنه قرن ذلك بأداة الاستدراك المعطوفة، وقد تستعمل بدون والفرق بينهما دقيق لدفع ما يتوهم من أنهم يعلمون بما هم عليه، ولكنهم يتجاهلون!! دبر. قوله: (بيان لمعاملتهم إلخ (دفع لما توهم من أنّ هذا مكرّر مع ما مرّ في أوّل وليس منه في شيء لأنّ الأوّل لبيان معتقدهم، وادّعائهم حيازة الإيمان من قطريه،
منه في شيء، والثاني لبيان سلوكهم مع المؤمنين ومع شيعتهم، وهما أمران مختلفان، يكن هذا لم يلزم تكرار أيضا، لأنّ المعنى ومن الناس من يتفوّه بالإيمان نفاقا للخداع، لتفوّ. عند لقاء المؤمنين، وليس هذا بتكرار لما فيه من التقييد وزيادة البيان وأنهم ضموا لحداع الاستهزاء، وأنهم لا يتفوّهون بذلك إلا عند الحاجة، وقد قيل أيضاً إنّ المراد آمنا أوّلاً الإخبار عن أحداث الإيمان، وهنا عن احداث إخلاص الإيمان وهذا ما ارتضاه وأيده بأنّ الإقرار اللساني كان معلوما منهم غير محتاج للبيان، وإنما المشكوك ص القلبي، فيجب إرادته هنا، وقولهم للمؤمنين يقتضي ما يظهرونه لشياطينهم من د! م الصادر عن صميم القلب، فيجب أن يريدوا بما ذكروه للمؤمنين التصمديق القلبي أيضا، بعضهم كلام المصنف ﵀ عليه، وقال: إنه لا ينافيه ما سيأتي من أنهم قصدوا
بآمنا أحداث الإيمان، لأنّ النراد به الإيمان على وجه الإخلاص، ولا يخفى أنّ كلامه مناد على خلافه لمن له أدنى بصيرة فتدبر. قوله: (روي أنّ ابن أفى إلخ) هذا سبب نزول هذه الآية، وقد أخرجه الواحديّ ﵀، وروي أنّ عليا رضي الله عته قال له: يا عبد الله اتق الله ولا تنافق فإنّ المنافقين شرّ خلق الله فقال له: مهلاَ يا أبا الحسن أنى تقول هذا والله إنّ إيماننا كإيمانكم وتصديقنا كتصديقكم، ثم افترقا فقال ابن أبيّ لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت، فإذا رأيتموهم، فافعلوا مثل ما فعلت، فاثنوا عليه خيراً وقالوا: ما نزال بخير ما عشت فينا فرجع المسلمون إلى رسول الله ﷺ ، وأخبروه بذلك فنزلت هذه الآية (١) وقال ابن حجر: إنّ هذا الحديث منكر وذكر إسناده، ثم قال هو سلسلة الكذب لا سلسلة الذهب وآثار الوضع عليه لائحة ومما يدلّ على ذلك أنّ سورة البقرة نزلت أوّل ما قدم النبيّ صلّى الله عليه وسغ المدينة على ما صححه المحدّثون وعليّ ﵁ إنما تزوّج فاطمة ﵂ في السنة الثانية من الهجرة فكيف يدعوه ختنا، فإن قلت: ليس فيما ذكر من سبب النزول أنهم قالوا آمنا قلت: سبب النزول أمر مناسب تنزل الآية عقبه، ولا يخفى مناسبته مع ما فيه من إظهار الاستهزاء، وابن أبيّ رأس المنافقين، وهم أصحابه واسمه عبد الله. قوله: (انظروا كيف أرذ إلخ) كأنهم كانوا جاؤوا بجمعهم لينصحوهم أو ليردوا دبيب عقارب بغضائهم وقوله بالصديق سيد بني تيم الصديق صيغة مبالغة من الصدق لقب به في الجاهلية، لأنه كان معروفاً بالصدق، وقيل في الإسلام لما صدق النبيّ ﵊ في قصة الإسراء، واسمه عبد الذ بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كعب بن لؤقي بن غالمث القرشي التيمي، يلتقي مع رسول الله ﷺ في مرّة فتيم جدّ. الأعلى وبه سمي البطن من قريش الذي ينسب إليه، فلذا قال له سيد بني تيم، وما وقع في
стр. 340
بعض نسخ القاضي والكشاف تميم بدله خطا وسهو من قلم الناسخ وهو بفتح المثناة الفوقية وسكون التحتية. قوله: (وشيخ الإسلام) هو كان في زمن الصحابة ﵃ يطلق على أبي بكر ﵁ وعمر، وهما الشيخان قال السخاوي في كتاب الجواهر في مناقب العلامة ابن حجر شيخ الإسلام: أطلقه السلف على المتبع لكتاب الله، وسنة رسوله مع التبحر في العلوم
لمعقول والمنقول، وربما وصف به من بلغ درجة الولاية، وقد يوصف به من طال عمره سلام، فدخل في عداد " من شاب شيبة في الإسلام، كانت له نوراً " (١) ولم تكن هذه مشهورة بين القدماء بعد الشيخين الصديق، والفاروق ﵄ فأنه ورد وصفهما وعن عليّ فيما رواه الطبريّ في الرياض النضرة عن أنس أنّ وجلاَ جاء إلى عليّ رضي فقال: يا أمير المؤمنين سمعتك تقول على المنبر: اللهمّ أصلحني بما أصلحت به الراشدين المهديين، فمن هم فاغرورقت عيناه وأهملهما، ثم قال: أبو بكر وعمر إماما وشيخا الإسلام، ورجلا قريش المقتدى بهما بعد رسول الله صلّى الله عليه وسئم إلخ. سحهر بها جماعة من علماء السلف حتى ابتذلت على رأس المائة الثامنة، فوصف بها من لا، وصارت لقباً لمن ولي القضاء اكبر ولو عري عن العلم والسن إنا لله وإنا إليه
د اهـ.
قلت) ثم صارت الآن لقباً لمن تولى منصب الفتوى، وإن عري عن لباس العلم ى:
لقدهزلت حتى بدا من هزالها كلاها وحتى سامهاكل مفلس
موله (وثاني رسول الله ﷺ إلخ) هو ما اشتهر في السير من دخوله رضي غار ثور معه ﵊ في الهجرة، وبذله لنفسه وماله معروف أمّا الأوّل وأمّا الثاني فلأنه ﵁، كان له مال عظيم من التجارة أنفقه كله في سبيل الله، ل! جاوة ال! ابحة. وقوله: (بسيد بني عديّ) كغنيّ بطن من قريش أعظمهم، وأشهرهم عمر لله عنه، فإنه عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن قرط بن رزاح بن لن كعب بن لؤيّ أمير المؤمنين أبي حفص القرشيّ العدويّ، ولقبه النبيّ صلى الله عليه لالفاووق، لما أظهر الإسلام، فاعز الله به الدين، وفرق بين الحق والباطل، وهو الترياق! ﵁. وقوله: (وختنه) مرّ ما فيه وهو بفتحتين، وفي المصباح هو عند العرب كان من قبل المرأة كالأب والأخ والجمع أختان، وختن الرجل عند العامّة زوج ابنته لأزهريّ: الختن أبو المرأة والختنة أمّها، فالأختان من قبل المرأة، والأحماء من قبل والأصهار يعمهما اهـ. فاستعماله هنا على متعارف العامّة مما يدل على الوضمع أيضا،
وما خلا بمعنى إلاً الاستثنائية. قوله: (واللقاء المصادفة إلخ) قال الراغب: اللقاء مقابلة الشيء ومصادنته معاً، وقد يعبر به عن كل واحد منهما، وقال الإمام: اللقاء أن يستقبل الشيء قريباً منه والمصادفة بالفاء من صادفه إذا وجده فبينها، وبين الملاقاة عموم وخصوص وجهيّ، وفي كلام المصنف ﵀ مسامحة ظاهرة. وقوله: (يقال إلخ) هو قريب من قول الزمخشريّ يقال لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريباً منه، وفي شرح الهادي، وقد يفسر الكلام بإذا لكنك إذا فسرت جملة مسندة إلى ضمير الحاضر باي ضممت تاء الضمير فتقول: استكتمته الحديث، أي سألته كتمانه بضم التاء فيهما، واذ! فسرتها بإذا فتحت التاء الثانية فقلت: إذا سألته ونظمه القائل:
إذاكنيت بأي فعلا / تفسره فضم تاءك فيه ضم معترف
وان تكن ب! ذايوماً تفسره ففتحة التاءأمرغيرمختلف
وسرّه كما في شرح المفصل أنّ أي تفسيرية، فينبغي أن يطابق ما بعدها ما قبلها، والأوّل مضموم، فالثاني مثله، وأذ شرطية، وإنما جعلت تفسيرية نظر المآل المعنى، فتعلق قول المخاطب على فعله الذي ألحقه بالضمير، فيستحيل فيه الضم والتعبير بيقال وقع في الكشاف، وتفسير الراغب فقال الشارح العلامة: إنه غير مستقيم لأن يقال غائب، فالصواب تقول: وقال بعض الفضلاء: فيه بحث لأنه إن أراد بعدم الاستقامة فوت المناسبة فالتعبير به غير مستقيم، وان أراد عدم صحة المعنى فممنوع لأن يقال لازم يقول، وكل موضع يصح فيه وضع الملزوم يصح فيه وضع اللازم، وفي بعض شروح الكشاف ما قاله الشارح صحيح بالاعتبارين لأنّ الاستقامة
стр. 341
ليست بمعناها الحقيقيّ الذي هو ضد الإعوجاج، فهي مجاز عن المناسبة ولفظ يقال مباين لتقول لا ملازم له وقوله كل موضع يصح إلخ ممنوع لأنه يصح كل إنسان ناطق دون كل حيوان، " والجواب أنّ ذكر أستقبلته بضمير الخطاب لرعاية التفسير بإذا للجملة الفعلية قاعدة، ولا يلزم مناسبة ما تقدم من الفعل له، وعلى تقدير التسليم يقال هو التفات على مذهب اهـ وفيه نظر لا يخفى، والذي في شرح الفاضلين أنّ حق العبارة تقول لما مرّ من القاعدة في التفسير بأي واذا، فإنه إذا فسر بأي وجب أن يتطابقا في الإسناد إلى المتكلم وجاز في الصدر تقول ويقال: وإذا جيء بإذا، فالواجب أن يكون الشرط، وتقول بصيغة الخطاب أي إذا استقبلته تقول لقيته ولا يصح يقال: إلا بتعسف، وهو بتقدير كون القائل نفس المخاطب، وهو قلق جداً وقد قيل عليه أنه إنما يتوجه إذا ضم تاء لقيته ولاقيته، وليس بمتعين لجواز فتحها وكونه بصيغة الخطاب دون التكلم، ولا تكلف في قولك إذا استقبلته فقد لاقيته إلا أنه قيل إنّ الرواية، وصحيح النسخ على ضم تائه.
(أقول) هذا سهل استصعبوه، ولا مانع مما منعوه، فإنّ الخطاب هنا فرضيّ لغير معين،
، فهو في معنى الغائب والمتعدّد كما سمعتة في نحو قوله تعالى ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ [السجدة: ١٢] فإذا قيل: يقال لقيته إذا استقبلته على أنّ المراد من يقال تقول وبني للمجهول إشارة إلى أنه، وان تعين بحسب الظاهر في الحقيقة غير متعين جاز، ودعوى القلاقة والتعسف فيه غير مسلمة، ولما كان الشرط والجزاء متغايرين تغاير السبب والمسبب جعلوا االقول جوابا دون المقول لإيجاد. به! مع عدم صحة إذا استقبلته أنت يقول غيرك لقيته ألا فإذا فتحت صح بتقدير إذا استقبلته يقول غيرك أنك لقيته أنت، وفي قول الزمخشريّ: يقال لقيته ولاقيته إشارة إلى أنّ المفاعلة فيه لأصل الفعل. قوله: (بحيث يلقى) قال الراغب: الإلقاء طرح الشيء بحيث يلقى، ثم صار في التعارف اسماً لكل طرح قال تعالى ﴿أَلْقِهَا يَا مُوسَى﴾ [طه: ٩ ا] فأصله جعل الشيء ملقى مقابلا بحيث يجده ويستقبله الملقى له وهو حينئذ حقيقة فإذا استعمل لمطلق الطرح كان مجازاً مرسلاَ لكه صار حقيقة في عرف اللغة وعليه استعمأل الفصحاء وهمزته للصيرورة وهي المراد من الجعل في عبارة المصنف ﵀ لا للتعدية لتعديه قبلها وبعدها لواحد. قوله: (من خلوت بفلان وإليه إلخ) ذكر وجوها في خلا كما ذهب إليه عامّة أهل اللغة، وفي الأساس خلا المكان خلاء وخلا من أهله وعن أهله، وخلوت بفلان واليه ومعه خلوة وخلا بنفسه انفرد، وقال الراغب: الخلاء المكان الذي لا ساتر فيه من بناء ومساكن وغيرهما، والخلو يستعمل في الزمان والمكان، لكن لما تصوّر في الزمان المضيّ فسر أهل اللغة خلا الزمان بمضى وذهب وخلا فلان بفلان صار معه في خلاء، وخلا إليه في خلوة اهـ والحاصل أنّ أصل معناه الحقيقي فراغ المكان، والحيز عن شاغل وكذا الزمان وليس بمعنى مضى، فإذا أريد به ذلك فمجاز عند الراغب وظاهر كلام غيره أنه حقيقة، وهو غير متعد بالمعنى المشهور، فإنّ التعدية لها معنيان كما قاله ابن الحاجب ﵀ في الإيضاح أحدهما أن لا يعقل معنى الفعل، وما أشبهه إلا بمتعلقه لأنه من المعاني النسبية، فكل معنى نسبي لا يعقل إلا بما هو منسوب إليه فهو المتعدّي، وغير المتعدي ما لا يتوقف تعقله على متعلق له والثاني كل جارّ تعلق بفعل، فإنه يقال له متعد بذلك الحرف، وإن لم يكن نسبته ولا بمعنى التصيير كما يقال خلا المكان من كذا وعن كذا، وقد يتعدّى هذا بالباء أو بإلى كما صرّحوا به هنا، وهو بمعنى انفرد معه أو اجتمع معه كما في الصحاح وليس قولهم معه للإشارة إلى أنّ إلى بمعنى مع، كما قالوه في قوله تعالى ﴿مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [أك! عمران: ٥٢] وكذا قول. الراغب في خلا إليه: إنه بمعنى المضي إليه ليس إشارة إلى التضمين الآتي. قوله: (أو من خلاك دمّ إلخ) قال الرضي: خلا في الأصل لازم يتعدّى إلى المفعول بمن نحو خلت الدار من الأنيس، وقد يتضمن معنى جاوز فيتعدى بنفسه كقولهم: افعل هذا وخلاك ذم، وألزموها هذا التضمن في باب الإستثناء اهـ. وفي شرح الفصيح قال أبو عبيد: قولهم افعل هذا
وخلاك ذمّ مثل لقصير بن سعد اللخمي، قاله لعمرو بن عدي حين أمره أن يطلب الزباء بثأر خاله جذيمة بن مالك فقال: أخاف أن لا أقدر عليها فقال له اطلب الأمر، وخلاك ذمّ فذهب مثلاَ أي إنما عليك أن تجتهد في الطلب، وإن لم تقض الحاجة، فتعذر ولا تذم، ومبلغ نفس عذرها
стр. 342
مثل صحيح كما قال:
على المرء أن يسعى لما هو قصده ... وليس عليه أن يساعده الدهر
وعن يعقوب المعنى خلا منك الذم أي لا تذم فأسقط الحرف، وعداه مثل واختار موسى
قومه سبعين رجلا وقال ابن أغلب المرسي: المعنى وخلوت من الذم وجعل الفعل للذم لأنك إن خلوت منه فقد خلا منك، وقال التدفري: هو من المقلوب أي خلوت من الذمّ، ثم قلب وأسقط الجار منه وقال ابن درستويه العامة تقول خلاك ذم والمعنى صحيح لكن العرب لم تستعمله كذا اهـ وعلى ما ذكر أولا إذا انفردوا واجتمعوا بثياطينهم، وقدم هذا لأنه أظهر الوجوه، وعلى الثاني فهو بمعنى مضوا، وهو على هذا متعد بإلى أيضا، والمراد بمضيهم اجتماعهم معهم لأنّ المضيّ، والذهاب يستعمل بهذا المعنى، كما قال تعالى ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ [كله: ٤٣] إذ ليس المراد به مجرّد الخروج إلا أنّ في ذكرهم خلاك ذم خفاءسواء.
(قلنا) أنه متعد حقيقة كما هو ظاهر سياقهم أولا كما ذكرناه لك عن الرضي وغيره، فالظاهر الاقتصاو على تفسيره بمضى، لأنه مشهور وقيل إنه على هذا المعنى أنهم إذا جاوزوا المؤمنين وذهبوا عنهم إلى شياطينهه، فعلى هذا هو في النظم متعد، ولا يخفى ما فيه وقوله ومنه القرون الخالية أي الذاهبة من منازل الوجود إلى صحراء العدم، فالخلو فيه بصعنى المضيّ والذهاب إلا أنه فرق بين الذهابين، ولذا فصله بقوله ومنه فتدبر. قوله: (أو من خلوت به إذا سخرت منه) في الكشاف وهو من قولك خلا فلان بعرض فلان يعبث به، ومعناه إذا أنهوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم وحدثوهم بها، كما تقول أحمد إليك فلانا، وأذمه إليك اهـ. وفي الأساس من المجاز خلا به سخر منه وخدعه، لأنّ الساخر والخاح يخلوان به يريانه النصح والخصوصية اهـ. وقال قدس سرّه تبعاً لغيره من الشراح: إنّ ما في الكشاف إشارة إلى أنّ استعمال خلا بهذا المعنى مع إلى بناء على تضمينه معنى الإنهاء، كما في أحمده إليك أي أنهي حمده وهذا بيان لحاصل المعنى وأمّا تقدير الكلام فهكذا، وإذا خلوا أي سخروا منهين إليهم، وأحمده منهياً إليك كما سلف.
(أقول) يعني أنّ المضمن يقدر حالا لا مفعولا به، كما صنعوه هنا، وليس هذا بمسلم
وقد مرّ الكلام عليه مفصلا في بحث التضمين في قوله تعالى ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] وليس هذا مما يهمنا هنا، وإنما المهم هنا أنّ خلا بمعنى سخر وان ذكره الزمخشريّ
وتبعه غيره كصاحب القاموس لم يقع صريحاً في كلام من يوثق به حتى يخرّج عليه كلام رب العزة وما مثلوا به ليس مطابقا للمدعي فإنّ الدال على السخرية فيه قوله يعبث به وخلا إمّا على حمقته فيه، أوبمعنى تمكن منه كما لا يخفى، ثم لايخفى ما فيه من التكلف فعليك بالنظر السديد والترقي عن حضيض التقليد، والتضمين إنما هو على الوجه الأخير لا عليه وعلى الثاني لأنّ مضى يتعدى بإلى، فمن ذهب إليه، وقال: الأنسب تضمين معنى الانتهاء فقد وهم. قوله: (والمراد بثياطينهم إلخ) يعني أنه استعارة تصريحية لتشبيه الكفرة الذين يشيرون إليهم، أو كبار أصحابهم بمردة الشياطين، والقرينة الإضافة على ما نيه كما فصل في بعض شروح الكشاف. وقوله: (والقائلون صنارهم) فيه نبوة عن سبب النزول السابق لأنّ ابن أبيّ من رؤسائهم، ولذا قيل إنه مبنيّ على غير تلك الرواية وذكر في اشتقاقه وجهين، واستدل على الأصالة بقولهم تشيطن، لأنه لو لم تكن النون أصلية سقطت من فعله، واحتمال أخذه من الشيطان لا من أصله على أنّ المعنى فعل فعل الشيطان خلاف الظاهر وأن ارتضاه بعضهم، وشاط بمعنى بطل ورد في كلامهم كقوله:
وقد يشيط على أرماحنا البطل
وقال الراغب: إنه من شاط بمعنى احترق غضباً والشيطان مخلوق من النار فلذا اختص
بفرط الغضب وهو جمع تكسير واجراؤه مجرى جمع التصحيح، كما في بعض القراءات الشاذة تنزلت به الشياطون لغة رديئة، والتمرّد العتوّ والتجبر ومنه مردة الشياطين وقيل: المراد بهم الكهنة لأتباعهم الشياطين فسموا بملا يلإزمهم كما يقال بسمل إذا ذبح اهـ. وقوله من أسمائه الباطل أي من أسماء الشيطان، وهذا يدل على ما ذكر في الجملة وان قيل إنّ تسميته بأسماء كل منها ماخونر من لفظ آخر بمعنى آخر أرجح، لأنه تأسيس. قوله: (في الدين والاعتقاد إلخ) يعني أنّ المعية هنا معنوية، وهي مساواتهم لهم في الاعتقاد لا الصحبة الحسية، لأنها غير مرادة ولا محتاجة للبيان وقوله (خاطبوا المؤمنين إلخ) جواب عما يقال لم ترك التأكيد فيما ألقي إلى المؤمنين المنكرين لما هم عليه أو المتردّدين
стр. 343
وأتى بالجملة الفعلية الدالة على الحدوث، وأكد مع شياطينهم الذين ليسوا كذلك وأتى بالجملة الاسمية الثبوتية فقيل إنه أجيب عنه بوجهين وقيل بثلاثة.
أحدها أنهم بصدد دعوى إحداث الإيمان فهو كلام ابتدائي متجدد مناسب للفعلية، وترك التأكيد بحسب زعمهم وقصدهم، وهم لم ينظروا الإنكار أحد أو تردّده فيه بخلاف ما خاطبوا به شطارهم، فإن القصد فيه إلى إفادة الثبات على ما كانوا عليه دفعا لما يختلج بخواطرهم من مخالطة المؤمنين، ومخاطبتهم بالإيمان من أنهم وافقوهم ظاهراً وباطناً، وتركوا اليهود رأساً فيناسب الثبوت والاسمية المؤكدة لدفع التردّد الظاهر من حالهم.
والثاني أن ترك التأكيد كما يكون لإزالة الإنكار والشك يكون لصدق الرغبة، ووفور النشاط من المتكلم، كما في قول المؤمنين ﴿رَبَّنَا آمَنَّا﴾ [المؤمنون: ٠٩ ا] فلذا جرّدت الأولى، وأكدت الثانية.
والثالث أنهم لو قالوا: إنا مؤمنون كان ادّعاء لكمال الإيمان وثباته وهو أمر لا يروج عند خلص المؤمنين، وهم ما هم في رزانة العقل وحدة الذكما " ولا كذلك الشطار، وفي شرح الكشاف للعلامة طاب ثراه: التو! يكون لبيان حال المخاطب تارة، وأخرى لبيان حال المتكلم، والخبر إمّا أن يورده المتكلم لنفسه أو لمخاطبه، فإن أورده للمخاطب فلا بدّ من أن يقصد به فائدة الخبر أو لازمها وتأكيده حينئذ لنفي الإنكار أو الشك، وان أورده لنفسه لا يلزمه أح! الفائدتين، فيقصد به معاني أخر كالتحسر والتضرّع وغير ذلك، وبهذا ظهر اندفاع ما أورد على السكاكي، لما حصر فائدة الخبر في الحكم، ولازمه مع وروده كثيراً لغير ذلك، وما قيل عليه فى قوله: إنّ حكم العقل عند إطلاق اللسان أن يفرغ المتكلم ما ينطق به قي قالب الإفادة تحاشيأ عن وصمة اللاغية مع إنه يأتي بخلاف ذلك، ولا يعدّ لغواً لأنّ ذلك كله في الخبر الملقى د لمخاطب لا فيما يورده المتكغ لنفسه، ولذلك قال: ومرجع كون الخبر مفيداً للمخاطب إلى فائدة الخبر أو لازمها فقيده بقوله للمخاطب تنبيهاً على هذا وهذا من نفائس المعاني ". ولذا أوردته برمته فعليك بحفظه، ومن لم يتفطن له قال: ليس المقصود هنا فائدة الخبر، ولا لازمها بل الأمان، أو الاستئمان من المؤمنين والخبر لا ينحصر المقصود منه في الفائدة ولا لازمها، وهذا مما استنبط من الكشاف، وأخذ منه أنّ التكيد يكون للرواج عند المخاطب وصدق الرغبة من المتكلم، وتركه لعدمه كما يكون لإزالة الإنكار والتردّد وقوله توقع رواح معطوف على قوله باعث. وقوله: (على المؤمنين) متعلق برواج لا بادعاء وان جوّزه بعضهم قوله تأكيد لما قبله إلخ توجيه لعدم العطف وذكر له ثلاثة أوجه:
الأوّل أنه مؤكد له فبينهما كمال الاتصال الموجب للقطع، لأنّ معنى قوله: إنا معكم إنا
على دينكم لا على دين أولئك، كما مرّ لا انا معكم بالنصر والمعونة، كما ذهب إليه بعض المفسرين، وان كانا متقاربين، ولما كانا متغايرين لأنّ معنى إنا معكم هو الثبات على اليهودية، وليس ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ﴾ بمعناه حتى يكون بظاهره تقريراً، وتأكيداً لهذا المعنى اعتبر
لسيخان في الثاني لازما يؤكده، وهو أنه ردّ ونفي للإسلام، فيكون مقرّرا للثبات عليها لأنّ دفع لصض الشيء- ثأكيد لثباته، وقد عكنس صاحب المفتاح، فاعتبر لازم الأوّل حيث قال معنى انا معكم انا معكم قلوبا ومعناه إنا نوهم أصحاب محمد الإيمان فوقع مقرّراً لقوله إنا مستهزؤن! مكون الاستخفاف بهم وبدينهم تأكيداً لذلك اللازم، وما ذكره المصنف ﵀ أولى كما ل! لحفى، كذا قرّره الشريف قدس سرّه تبعا لما في الكشف حيث قال بعد تقريره: وما هنا أولى مما في المفتاح، وان كان حسناً أيضاً فإنه يؤكد الكلام المذكور لا لوازمه وان جاز أن يعدّ كيدا للوازم تأكيداً له أيضا من وجه، مع أنّ التأويل عند الحاجة أعذب، واعترض عليه بأنه ر هما مسلك السكاكي بأنه تأوّل الأوّل فقط، وهو مخالف لقوله في شرح المفتاح: إنه لا بد أخذ اللازم من الأوّل، ومق الثاني حيث قال: إنّ إيهام الإيمان يتضمن نفيه والاستهزاء هله يتضمنه " أيضا، كما إنّ الثاني تقرير للأوّل والظاهر أنه لا حاجة إلى ذلك، فإنّ قول لمنافقين بغير جد، وصدور من القلب استهزاء وسخرية، ويجوز أن يكون ترك العطف في قوله نما نحن مستهزؤن﴾ لكونه علة للأوّل من غير نظر إلى تأكيد أو بدل أو استئناف اهـ.
(أقول) حاصل ما ذهب إليه شرّاج الكشاف والمفتاح على أنه تأكيد سواء قلنا وزانه،
ان جاء زيد زيد، أو وزان جاء زيد نفسه أنهما لما بينهما من
стр. 344
المغايرة لفظا ومعنى لا بدّ من ويلهما، أو تأويل الأوّل أو الثاني، فذهب إلى كل واحد من الاحتمالات الثلاث طائفة كما سمعته آنفا. واختلفوا في الأرجح ورجحوا برمتهم هنا تأويل الثاني لما مرّ، وقد قيل عليه: إنّ صله أنه لمما أفاد إنا معكم إنا مجدون في دينكم مصرون عليه، وأنا مستهزؤن يؤكد. بلازم معناه إلا أن هذا التأويل إنما يتأتى على كونه تأكيدا لفظيا والأوجه أن يجعل تأكيدا معنويا ليكون لحقيقا للمدعي بدليله، فإنّ مدّعاهم بأنا معكهأ الثبات على الكفر، حقق بدليل هو تحقير ما عداه، فإنّ المستخف بشيء منكر له غير معتد به ودفع نقيض الشيء تأكيد لثباته لئلا يلزم ارتفاع ل! قيضين، وعكسه السكاكي وهذا ليس بشيء إذ ليس هنا ما يشعر بتنزيله منزلة التأكيد اللفظي لل فحوى الكلام منادية على خلافه، فما ذكره خيال فارغ.
(وههنا بحث) .
ينبغي التنبيه عليه وهو أنّ الظاهر الأرجح ما ذهب إليه السكاكي لأنهم لما قالوا لشطارهم ثابتون على دينكم لم نتغير عنه، وهم عرفوا قولهم للناس آمنا لاشتهارهم بذلك في ظهور يّ الإسلام عليهم، ولولا ذلك لم يكونوا منافقين، وتلك المقالة من طرف اللسان دون اعتقاد لجنان، وقد صرّحوا بتسفيه المؤمنين قبل ذلك، وهذا إن لم يكن صريحا في الاستهزاء، فليس سعيد منه، فجعل إنا معكم، وقد أ! يدب٤ إنا على حق دينكم ثا! ش ن لا مع ال! سفهاء المبطلين، ن قلنا لهم! ! اعلى إسنلا! كاحناقي ممن الا! م! هزاء أظهر ٥ ش تأويق إنا ورمحتوؤن بمإنا م! وون على
الكفر، فهو كالتفسير الذي حقه التأخير، وأمّ جعله تعليلا بغير الاستئناف البياني بعده مغايراً له فغفلة أو تغافل، ثم إنه قد يقال إنه لا مخالفة بين كلامي السيد، وإيهام الإيمان في كلامه ليس تأويلا لقوله ﴿أَنَاْ مَعَكُم﴾ بل إشارة إلى أنه يدلّ على أنّ قولهم آمنا مخادعة لم يصدر عن صميم قلب كما يدلّ عليه السياق، ومصت الكلام، وهذا هو الداعي لعدول السكاكي عما في الكشاف فتدبر. وقوله: (المستخف به) أي المحقر والتعبير به في غاية الحسن لانطلاقه على معناه الحقيقي. قوله: (أو بدل منه إلخ) تحقير الإسلام من قوله ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ﴾ وتعظيم الكفر هو مدلول قوله ﴿أَنَاْ مَعَكُم﴾ قال ابن الصائغ: للنحاة في إبدل الجملة من الجملة خلاف، وجعل منه ابن فلاج قوله:
ذكرتك والخطيّ ب خطربيننا وقد نهلت منا المثقفة السمر
على كلام فيه، وتقرير البدلية بأن من حقر الإسلام إلخ لأنّ البدل إمّا اشتمال وذلك يقتضي المغايرة، أو بدل كل من كل وهو، وإن اقتضى التساوي، فمن حيث الصدق لا من حيث المدلول، ثم إن أستاذه أبا حيان في النهر اشترط في صحة وقوع البدل في الجمل كونهما فعليتين حيث قال لا يظهر لي صحة إبدال قوله تعالى ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] من قوله ﴿؟ مثلها كمثل الذي﴾ إلخلأنّ البدل لا يكون في الجمل إلا إذا كانت فعلية من فعلية، وأمّا أنّ تبدل فعلية من اسمية فلا أعلم أحدا أجازه، والبدل على نية تكرار العامل والجملة الأولى لا موضع لها من الإعراب، فلا يمكن أن تكون الثانية على نية تكرار العامل إذ لا عامل في الأولى، فيتكرّر في الثانية فبطلت جهة البدلية اهـ. وقال الفاضل المحقق هنا: البدل لا يحتاج إلى اعتبار أحد اللازمين ويكفي تصادق الثابت على الباطل، والمستهزىء بالحق مع كون الثاني، أوفى بالمقصود لما في الأوّل من بعض القصور حيث يوافقون المسلمين في بعض الأمور، ثم الظاهر أنه بمنزلة بدل الكل، وأرباب البيان لا يقولون بذلك في الجمل التي لا مخل لها ويعنون بما لا محل له ما لا يكون خبرا أو صفة أو حالاً، وإن كان في موقع المفعول للقول، فلذا كان الاستثناف هنا أوجه، وقال قدّس سرّه: إنهم قصدوا تصلبهم في دينهم وكان في الكلام الأوّل نوع قصور عن إفادته إذ كانوا في الظاهر يوافقون المؤمنين في بعض الأمور، فاستأنفوا القصد إلى ذلك بأنهم يعظمون كفرهم بتحقير الإسلام وأهله فهم أرسخ قدماً فيه من شياطينهم، وفي بعض الحواشي نقلاَ أنّ المراد بالبدل هئا ليس أحد التوابع المشهووة، فإنه لا يكون في الجمل الاسمية، وقد جاء في الفعلية كقوله تعالى ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ [الفرقان: ٦٨] فالمراد بالبدل هنا أنّ الجملة الثانية تسدّ مسد الأولى وتغني عنها غناء البدل عن المبدل منه.
(أ! دول) هذا جملة ما قالوه، وهو كلام لم ينضج والحق الحقيق بالقبول أنّ البدل بأنواشه
يقع في الجمل مطلقا سواء كان) كا محل من الإعراب أو لا، وهو مقتض إطلاق
стр. 345
كلام النحاة
والمفسرين، وأهل البيان وتشهد له أمثلتهم، ولا يختص بالفعلية بل كما يكون فيها يكون في الاسمية، وفي الاسمية والفعلية إذ لا فارق يعوّل عليه، وما أوقعهم في هذا المضيق غير قول النحاة أنّ البدل هو التابع المقصود بالنسبة، ولا نسبة لما لا محل له من الإعراب، فإمّا أن يكون هذا تعريفاً لبدل المفردات وما في حكمهما، أو هو باعتبار الأصل الأغلب كما عرفوا التابع بكل ثان أعرب بإعراب متبوعه مع أنّ من أقسامه التوكيد، وهو يقع في الحروف والجمل التي لا محل لها بالاتفاق، نحو لا لا وجاء زيد جاء زيد أو يؤوّل بأنّ المراد من قولهم: مقصود بالنسبة أنه مقصود بالغرض المسوق له الكلام، فلذا نراهم يقولون في توجيهه أنه أوفى بتأدية المرام، وقد اختلفوا ة ي البدل هل هو بدل كل أو اشتمال، أو بعض لأنّ كونهم معهم عام في المعية الشاملة للاستهزاء والسخرية، وبما قرّرناه لك علم أنه يرد على ما قالوه أمور. منها أنّ قول أبي حيان البدل على نية تكرار العامل إلخ كلام مموّه ليس بشيء، وان ذكره النحاة على ظاهره.
ومنها أنّ قول الفاضل المحقق أنّ البدل لا يحتاج إلى اعتبار أحد اللازمين بخلاف التاكيد السابق ممنوع أيضا لأنا قد بينا لك أوّلا أنهما متغايران متباينان بحسب الظاهر، فلا تتأتى البدلية المعتبرة فيه بدون الاتحاد كلا أو جزءاً أو اشتمال أحدهما على الآخر وتحقير الإسلام وتعظيم الكفر إن لم يتحدا فأحدهما متضمن ومستلزم للأخر كما لا يخفى، ولهذا اتفق الشيخان على تأويله بما ذكر.
ومنها أنّ قوله إنّ أرباب البيان لا يقولون بذلك في الجمل التي لا محل لها من الإعراب
إلخ لا وجه له أيضاً، لأنّ أهل المعاني استشهدوا له بقوله ﴿الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٢- ١٣٣] وقوله ﴿؟ اثبعوا ال! هـ سلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا﴾ [يى، ١ لآية: ٢١] وقوله:
أقول له ارحل لا تقيمن عندنا
وهذا كله مخالف لما ادّعاه فليت شعري من أرباب البيان، ثم إنّ ما فسر به ما لا محل
له لا سند له فيه لأنه يدخل فيه جواب الشرط، والمفعول الثاني من باب علم ولا قائل بأنه لا محل له فتأمّل.
ومنها أنّ قول الشريف في تقرير البدلية فاستأنفوا إلخ غير مناسب لتقرير البدلية فتأمّل.
ومنها أنّ ما نقل عن بعض الحواشي من ذكر يضاعف له العذاب في البدل من الجملة لا
وجه له، لأنه بدل من الفعل المجزوم وحده لا من الجملة، والفرق بينهما ظاهر، وما أوّل به البدل ظاهر الخلل فاعرفه. قوله: (أو اسنئناف إلخ) قال قدس سرّه: الحمل على الاستنئاف أوجه لكثرة الفائدة وقوّة المحرّك للسؤال والوجوه بيان لترك العاطف بين الجملتين في كلامهم
وأمّا تركه في حكايته فللموافقة فيما هو بمنزلة كلام واحد وعلى هذ " ا " المتوجيح جرى غيره من الشرّاح حتى قيل إنه أبمغ من الأوّلين والثاني من الأوّل، فذكر الوجوه على نهج الترقي وهذا تعكيس للصنيع منهم من غير داع إليه، وقد قال الشيخ في دلائل الإعجاز: في فصل عقده لأنما موضوع إنما أن تجيء لخبر لا يجهله المخاطب، ولا يدفع صحته، وهذا يقتضي أنّ تقدير السؤال هنا أمر مرجوح، وما بالكم بمعنى ما شأنكم وحالكم وقوله (توافقون) جملة حالية وهي المسؤول عنها في الحقيقة، كما في قوله:
مابال عينك منها الماءينسكب
وسيأتي بيانه. قوله: (والاستهزاء السخرية إلخ) هزئت به من باب تعب، ونفع والاسم
الهزؤ بضم الزاي وسكونها وهو مهموز والاسنخفاف إستفعال من الخفة ضد الثقل، والمراد به الاستهانة لأنّ معنى السخرية والاستهزاء كما قاله الغزالي الإستحقار والإستهانة والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يضحك منه، وقد يكون ذلك بالمحاكاة في الفعل والقول، وقد يكون بالإشارة والإيماء، وإذا كان بحضرة المستهزأ به لم يسم غيبة اهـ فقول الإمام إنه عبارة عن إظهار موافقة مع إبطاق ما يجري مجرى السوء على طريقة السخرية غير موافق للغة والعرف، وقوله: يقال هزأت واستهزأت بمعنى يعني كما قال الراغب: إنّ الاستهزاء طلب الهزؤ وقد يعبر به عن تعاطي الهزؤ كالإستجابة في كونها إرشاد للإجابة، وان كانت قد تجري مجرى الإجابة قال تعالى ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ﴾ [التوبة: ٦٥] أي تهزؤن والهزؤ مزح في حقه اهـ. قوله: (وأصله الخفة إلخ) أي المعنى الذي اعتبر في هذه المادّة بحسب أصله المنقول عنه الخفة، فإنّ الاستهزاء من الهزء وهو القتل السريع وفي الكشاف، وأصل الباب الخفة من الهزء، وهو القتل السريع وهزأ يهزأ مات على المكان عن بعض العرب مشيت، فلغبت فظننت لا هزأنّ على مكاني، وناقته تهزأ به أي تسرع وتخف قال ابن الصائغ
стр. 346
ومن خطه نقله قونه على المكان: كأنه أخذه من قول العربي لأهزأنّ على مكاني، وهذا لا يقتضي أنّ المكان داخل في تفسير هذا وأدخل نون التأكيد لأنّ هذه الأفعال تتلقى بما يتلقى به القسم قال: ولقد علمت لتأتين منيتي.
وظن كعلم اهـ. والهزء في قوله: من الهزء بزنة الضرب، وما اعترض به من عدم التدبر، فإن قوله على مكانه بمعنى فجاة كأنه لم يمهل حتى ينتقل عن مكانه إلى محل آخر، خلا بد من دخوله في تفسيره وهو كأاية كما ذكر. قوله: (يجازيهم على استهزائهم) بيان لحاصل
المعنى والمجازاة المكافأة والمقابلة ويتعدى بالباء وعلى، وقال الراغب: جزيته بكذا وجازيته ولم يجيء في القرآن إلا جزى دون جازى وذلك لأنّ المجازاة هي المكافاة والمكافاة مقابلة نعمة بنعمة هي كفؤها ونعمة الله تتعالى عن ذلك، ولهذا لا يستحمل لفظ المكافة في الله تعالى. اهـ ويرد عليه قوله تعالى ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ٧ ا] وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى. قوله: (سمى جزاء الاستهزاء باسمه إلخ) قيل لما كان الاستهزاء بمعنى السخرية محالا على الله تعالى لكونه جهلا لقول موسى ﵊ ﴿أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] في جواب ﴿؟ أتتخذنا هزؤا﴾ [القرة: ٦٧] أحتيج إلى التأويل، فذكر المصنف ﵀ وجوها مدار الأوّلين منها على اعتبار الاستهزاء في جانب المستهزأ بهم، وجعل المذكور جزاء له على الأوّل، وارجاع وباله عليهم على الثاني، ومدار الأخيرين على اعتبار الاستهزاء المذكور في جانب المستهزىء وجعله مجازاً عن إنزال الغرض! منه بهم على الأوّل وعن المعاملة معهم معاملة المستهزىء على الثاني.
(أقول) تبع في هذا الإمام ومن حذا حدّوه وفي مدعاه ودليله ما لا يخفى أمّا الأول: فلأنّ
حقيقة الاستهزاء التحقير على وجه من شأنه أنّ من اطلع عليه غيره يتعجب منه ويضحك، وأيّ استح لله لة في وقوع هذا من الله وأمّا الثاني: فلأنه لا وجه لكونه جهلاً، وأمّا الآية فسيأتي تأويلها ولو سلم فامتناعه من البشر لا يقتضي إمتناعه من الله على ما فصله علم الهدى في التاويلات، وقال السمرقندي في تفسيره ذهب الحسين بن النجار، وطائفة من أهل التأويل أنّ الاستهزاء هنا على حقيقته وهو مما يوصف به الله من غير مانع واليه ذهب أهل الحديث قالوا: وإنما لم يجز من الخلق لما فيه من النقص والجهل، وهذا مما لا يتصوّر في حقه، فليس في الوصف به ضير كالتكبر، ومنعه من قياس الغائب على الشاهد، وذهب كثير من أهل السنة والجماعة إلى أنه لا يوصف به الله تعالى حقيقة لما فيه من تقرير المستهزأ به على الجهل الذي فيه ومقتضى الحكمة والرحمة أن يريه الصواب، فإن كان عنده أنه ليس متصفاً بالمستهزأ به، فهو لهو ولعب لا يليق بكبريائه فلذا أولوا هذه الآية بما ذكره المصنف كغيره. قوله: (إمّا لمقابلة اللفظ باللفظ إلخ) هذا بناء على أنّ الاستهزاء لا يليق به تعالى ولا يجري عليه حقيقته، ولا بذ من تأويله واقترانه بمسوغ له كأن يقال أطلق على مجازاة الله لهم لما بين الفعل وجزائه من الملابسة القوية، ولما في الأوّل من السببية مع وجود المشاكلة المحسنة، ولذا تعدى بما تعدى به الآخر، فالمراد بالمقابلة المشاكلة، وأمّا تحقيقها من أي أنواع المجاز هي وهل تجامع الاسنعارة أم لا فسيأتي عن قريب، وهذا هو الوجه الأوّل من وجوه التأويل. قوله: (أو لكونه مماثلاَ له (يعني أنه استعارة تبعية بعلاقة المشابهة في المقدار، وقيل: إنه مجاز مرسل بجعل جزاء الاستهزا، تابعاً له مترتبا عليه مناسباً له في القدر وفيه نظر وعليهما فقد أطلق عليه تنبيها على عدله في الجزاء كما قال تعالى ﴿جَزَاء وِفَاقًا﴾ [النبأ: ٢٦] وهذا هو الوجه
الثاني. قوله: (أو يرجع وبالى الاستهزاء عليهم) يرجع بضم الياء من الإرجاع مبنياً للفاعل أو المفعول، أو بفتحها من الرجع أو الرجوع، لأنّ رجع يكون متعدّيا ولازما كما ذكره شراح الحماسة في قوله:
عسى الأيام أن يرج! ش قوماً كالذي كانوا
وقيل: إنه من المتعدي وليس بلازم. وقوله: (فيكون افلأ تقدس وتعالى كالمستهزىء
بهم) في صدوا ما يترتب على الاستهزاء فيكون الاستهزاء استعارة لردّ وخامة استهزائهم عليهم للمشابهة في ترتب الأثر، فيكون يستهزىء استعارة تبعية أيضا لكن بوجه يغاير الوجه الأوّل، فبطل ما قيل إنّ العطف بأو في قوله: أو يرجع ليس كما ينبغي لأنّ مؤدّى المعطوفين واحد اللهمّ إلا أن يحمل الأوّل على الجزاء الأخروي، والثاني على الدنيوي
стр. 347
لما تحققت من الفرق الذي بينهما كذا قيل، ومن الناس من اتبعه فيما ذكر الآ أنه جعله مع ما قبله وجهاً واحداً ولا وجه له، وقيل يرجع معطوف على يجازيهم والاستعارة معتبرة في المسند إليه بأن شبه بالمستهزىء بسبب رجوع وبال الاستهزاء إليهم، ويجوز أن يكون من المجاز المرسل لإطلاق اسم السبب على المسبب فإنّ استهزاءهم سبب لرجوع وباله عليهم، وقيل: إنه كناية عن اختصاص ضرر الاستهزاء بهم كما في قوله تعالى ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم﴾ [البقرة: ٩] وقيل: هدّا تجوّز في الإسناد وما قبله في المسند، فالاستهزاء مجاز فيه، وفي هذا على حقيقته غير أنه أسند إلى غير ما هو له تشبيهاً لمن يردّ وبال الاستهزاء على المستهزىء بالمستهزىء، لكن قوله: أو ينزل بهم الحقارة إلخ لا يلائص٤ لأنه أيضا تجوز في المسند فيجعل ردّ وبال الاستهزاء أيضا معنى مجازياً للاستهزاء لشبهه به، والحق أنه على هذا فيه استعارة مكنية، وتخييلية بجعل الله ﷻ كالمستهزىء بهم، واثبات الاستهزاء له تخييلاً، وعبارة المصنف ﵀ نص فيه، ولا بأس عليه وهذا أحسن مما ذكروه لما فيه من التكلف والتعسف، فإن قلت: إذا لم يتصف البارىء بالاستهزاء حقيقة لا يطلق عليه المستهزىء وتشبيهه تعالى بغيره لا يخلو من الكدر قلت: إذا صح تشبيه، فعله تعالى، وهو العقاب ورد وبال الأفعال الرديئة على أصحابها بالاستهزاء، فلا مانع من إطلاق المستهزىء عليه، كما أطلق الخادع ونحوه في قوله ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] ﴿اللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] ورب شيء يصح تبعاً ولا يصح قصدا، وله تعالى أن يطلق على ذاته المقدسة ما يثاء تفهيما للعباد وتجليا لعيون المعاني في مرائي الألفاظ. وقوله: (يرجع) معطوف على فوله مقابلة اللفظ باللفظ كما في قوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ٩ ا] والوبال بالفتح من وبل المربع بالضم إذا وخم ولما كان عاقبة المرعى الوخيم إلى الشرّ صار خقيقة في؟ ل شرّ وسوء عاقبة وهو المراد. قوله: (أو ينزل بهم الحقارة إلخ) البوار كالهلاك وزنا ومعنى، وينزل مضارع انزل الغائب، وعلى هذا هو مجاز
مرسل بعلاقة انلزوم العادي، أو السببية في التصوّر والمسببية في الوجود وفائدته التنبيه على أنّ حالهم حقيق بأن يسخر منه ويهزأ به. وقوله: (والنرض! منه الخ) وجه آخر وعلاقة أخر! ، أو هو تفسير للازم وهو الأظهر الذي مشى عليه ا! ئر، فسمي لازم الاسنهزاء استهزاء وعطف هذا كالذي فبله، وفي شرح الكشاف يعني أنه مجاز عما هو بمنزلة الغاية للاستهزاء، فيكون من إطلاق المسبب على السبب نظرا إلى التصوّر وبالعكس نظرا إلى الوجود. قوله: (أو يعاملهم معاملة المستهزىء إلخ) أي يفعل بهم فعله وأصل المعاملة التصرّف في الأمور، وهذا هو الجواب الأخير وهو الذي ذكره في انكشاف بقوله، ويجوز أن يراد به ما مرّ في يخادعون من أنه يجري عليهم أحكام المسلمين في الظاهر، وهو مبطن بادّخار ما يراد بهم، وهو محتمل للاستعارة التبعية والتمثيلية، وأمّا كلام المصنف فنص في التمثيل لا يكاد يحتمل خلافه لذكره أوّلاً التجوّز في الطرفين، ومن لم يتنبه لهذا اغتر بقول بعض شرّاح الكشاف أنّ الاستعارة تبعية، فتوهم اتحاد كلام المصنف، وما في الكشاف فقال: إنها استعارة تمثيلية، أو تبعية تخييلية شبه صورة صنع الله معهم في الدنيا بإجراء أحكام الإسلام واستدراجهم بإدرار النعم، والإمهال مع أنهم من أهل الدرك الأسفل بالاستهزاء إلى آخر ما ذكروه والاستدراج الإدناء من الشيء درجة، وسيأتي تحقيقه في قوله تعالى ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٤٤] وقوله بالإمهال متعلق بقوله بالاستدراج، والزيادة بالجر معطوف عليه. وقوله: (على التمادي إلخ) ظرف مستقرّ في موضع الحال قال المرزوقي: قولهم على أنه يكون كذا يجري في كلام العرب مجرى الاستدراك، وهو في موضع نصب على الحال وهذا كما تقول ما أترك حقه على ظلع بي أي أؤدّيه ظالعاً فمن قال: إنه متعلق باستدراجهم لم يصب، والتمادي في الشيء اللجاج والمداومة عليه، وأصله تمادد فأبدل أحد المثلين حرف علة للتخفيف وقيل: المدى الغاية والتمادي بلوغها. قوله: (فبأن يفتح لهم الخ) بيان لاسنهزاء الله بهم في الآخرة، وقد مرّ أن الاستهزاء والسخرية، كما يكون بالكلام يكون بالفعل، وهذا من الثاني، وهذا مأخوذ من حديث أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : " إنّ المستهزئين بالناس يفتح لأحدمم باب إلى الجنة فيقال هلم هلم فيجيء بكربه وغمه فإذا جاء
стр. 348
أغلق ثونه ثم يفتح له باب آخو فيقال له هلم هلم فيجيء بكربه وغمه فإذا أتاه أغلق دونه فما يزال كدلك حتى إن الرجل ليفتح له باب قيقال هلم هلم فما يأئيه) (١) قال السيوطي: وهذا حديث مرسل جيد الإسناد، وكذا روي ما يقرب منه القرطبي في
تذكرته عن ابن المبارك وقوله (وذلك قوله) أي هو معنى هذه الآية وتفسيرها، ففيه مضاف مقدر. قوله: (وإنما استؤنف به إلخ) اختلف شراح الكشاف في هذا الاستئناف هل هو الاستئناف البياني، فهو جواب سؤال مقدر أولاً، أو هو محتمل لهما، فذهب إلى كل بعض من الشرّاح وأرباب الحواشي وقال بعضهم: إنّ الثاني متعين هنا لقول الزمخشريّ ابتدىء قوله ﴿اللهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ وهذا بناء منه على أنّ الابتداء يختص بالاستئناف النحوي، وهي دعوى منه بلا دليل والمحققون من شراح الكشاف والمفتاح على تقدير السؤال، وذهب السكاكي إلى أنّ فيه مانعاً من العطف، لأنّ المعطوف عليه إمّا جملة قالوا واما جملة إنا معكم إنما نحن مستهزؤن، ولو عطف لكان مقولا لهم أو مقيدا بالشرط، وليس بمراد ثم قال ولك أن تحمله على الاستثناف من حيث أنّ حكاية الله حال المنافقين قبله تحرّك السامعبن أن يسألوا ما مصير أمرهم وعقبى حالهم، وكيف معاملة الله إياهم، فلم يكن من البلاغة أن يعرى الكلام عن الجواب، فلزم المصير إلى الاستئناف، وأنما أخره ومرّضه لما قيل من أنه يفهم منه كون المقام صالحا للعطف بل هو مقتضى الظاهر ولا يظهر ما يحسن عطفه عليه إلا قوله ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ﴾ إلخ وهو بعيد لفظا ومعنى.
وقال قدس سرّه في شرح قول العلامة إنه استئناف في غاية الجزالة والفخامة إلخ أي ليس
ترك العطف فيه لدفع توهم كونه معطوفا على (إنا معكم) فيندرج حينئذ في مقول المنافقين، أو على قالوا فيتقيد بالظرف أعني وإذا خلوا بل هو لكونه استئنافا، وإنما كان في غاية الجزالة والفخامة لدلالته على أنهم بالغوا ني استهزائهم مبالغة تامّة ظهر بها شناعة ما ارتكبوه، وتعاظمه على الأسماع على وجه يحرّك السامع أن يقول: هؤلاء الذين هذا شأنهم ما مصير أمرهم إلخ ثم إنّ هذا إلاستئناف لم يصدر إلا بذكره تعالى لفائدتين الأولى التنبيه على أنّ الاستهزاء بالمنافقين هو الاستهزاء الأبلغ الذي لا اعتداد معه باستهزائهم لصدوره عمن يضمحل علمهم وقدرتهم في جانب علمه، وقدرته الثانية الدلالة على أنه تعالى يكفي مؤنة عبادة المؤمنين وينتقم لهم، ولا يحوجهم إلى معارضة المنافقين تعظيما لشأنهم، وفي هاتين الفائدتين تأييد لجزالة الاستئناف وفخامته وأورد صيغة الحصر في قوله: وفيه إنّ الله هو الذي يستهزىء بهم الاستهزاء الأبلغ تنبيها على ما هو مدلول الكلام من أنّ بناء الفعل على الم! - أمطلقا عنده للاختصاص، ودلّ بقوله ولا يحوج المؤمنين أن يعارضوهم باستهزاء مثله على أنّ الحصر بالقياس إليهم أي هو المستهزىء دون المؤمنين لا يقال الاستهزاء بمعنى السخرية لا يتصوّر منه! تعالى، وبالمعنى المراد من إنزال الهوان والذل لا يتصوّر من المؤمنين، فكيف يتصوّر الحصمر لأنا نقول معناه أنمه تعالى يتولى الاستهزاء بالمعنى الذي يليق به، ولا يتولاه المؤمنون بالمعنى الذي يليق بهم، ويماثل أستهزإء المنافقين وفي كلامه إشارة إليه، فلا إشكال حيمئذ.
(أقول) سبقه إلى هذا الفاضل المحقق حيث قال: ليس ترك العطف لمجرّد دفع أن يتوهم
العطف إلخ وفي قوله لمجرّد إيماء إلى أنّ كلام الزمخشرقي غير مناف لكلام السكاكي إذ يجوز أن يقال ترك العطف لما فيه من المانع، ولجزالة الاستثناف وفخامته، وكونه مقتضيا لصلاحية المقام للعطف غير مسلم ولا أدري لم لم يجر قدس سرّه على سننه، وفي المانع المذكور كلام في كتب المعاني لا يهمنا الآن، فمن أراده فعليه بها إذا عرفت هذا ففيما قصصناه عليك أمور.
(منها) أنّ ئوله إن ترك العطف ليس للمانع المذكور بل هو لكونه استئنافاً في غاية الجزالة
إلخ يقتضي أنّ بين المسلكين تنافيا وليس كذلك لما سمعته آنفاً.
(ومنها) أنّ ما ذكره من الفائدتين، وانّ فخامة الاستئناف بواسطتهما لا وجه له، فإنهما ما
جاآ من الإسناد إلى ألله تعالى وتصدير اسمه الكريم، فالفائدتان متحققتان على تقديري الاستئناف وعدمه وفي كلام الفاضل ألمحقق إشارة إليه وقد ردّه بعضهم بما في عبارة العلامة وإيراده الواو في قوله: وفيه أنّ الله هو الذي إلخ وسياتي ما يدفعه.
(ومنها) أنّ ما ذكره تبعاً للشارح المحقق من السؤال والجواب، وقال: إنه لا إشكال فيه،
لم يتضح لي حل عقدة الإشكال بما ذكروه، فإنه من قصر الصفة على
стр. 349
الموصوف، والمعنى ما المستهزىء بهم الآ الله سواء كان قصر قلب، أو إفراد والمذكوو في المعاني أنه لا بد أن تكون الصفة واحدة من الجانبين، وأمّا تغايرها فيهما ودعوى اتحادها فلم نر له نظيراً في كلامهم، وما هو إلأ كأن يقول زيد ضارب لا عمرو والثابت لزيد ضربه بسيفه، والمنفيّ عن عمرو ضربه بسوطه، وإن قيل إنّ الاستهزاء على هذا محمول على ما يطلق عليه الاستهزاء على طريقة عموم المجاز، فيتحقق مفهوم عام يضاف إلى الله تعالى، وألى المؤمنين، ولذا ترك المصنف الحصر، وعدل عما في الكشاف لابتنائه على خلاف المرضى من إفادة مطلق البناء على الفعل له، ولما -. . ر، ثم أنه وقع هنا في لعض الحواشي كلام طويل لغير طائلى، فلذا
ليه من العسص المدكو.
ضربنا عنه صفحا تجاوز إلله عنه. قوله: (ليدلّ على أن الله ئعالى إلخ) قيل: إنّ للاستئناف مطلقا هنا نكتة، وهي الإشارة إلى أنّ ما ارتكبوه من الاستهزاء أبلغ في الشناع والتعاظم على الأسماع إلى حد يقول كل سامع له ما مصير هؤلاء وعقبى أمرهم، وكيف عاملهم الله تعالى، والمصنف ﵀ لم يتعرّض لها بل لما في الاسيتئناف من النكتتين حيث لم يصدر بذكر المؤمنين الذين كان ينبغي أن يعارضوهم بقوله ليدل إلخ. ولا يخفى ما فيه من الخلل لعدم التدبر فيما قالوه، فإنّ ما ذكره ليس نكتة للاستئناف بل بيانا للسؤال المقدر، ومنشئه والقرينة الدالة عليه هنا مع ما في تقريره مما لا يخفى، ثم أنه يرد عليه، وعلى المصنف ﵀ ما قدّمناه من أنّ ما ذكر يؤخذ من إسناد الاستهزاء إلى الله وتصدير الجملة بذكرهـ سواء! (نت مستأنفة أم لا، والمصنف ﵀ غير عبارذ الكشاف فوقع فيما وقع فيه، رلد أن تتكلول لو! حش--، إ / ن! - لم خ ٩ لمءه ٣
عطف لم يكن جواباً للسؤال المذكور، ولا جزاء لاسنهزائهم لأنه يصير المعنى أنهم قالوا: إنما نحن مستهزؤن. وهم هزأة في أنفسهم الله مستهزىء بهم، وإذا كان جواباً وجزاء فقد تولى الله جوابهم بنفسه تعظيماً وتكريماً للمؤمنين، ولم يكل الجواب إلى المستهز! بهم كما هو مقتضى الظاهر إشارة إلى أنه يجازيهم بما لا يقدر عليه البثر، وهذا إنما نشأ من الاستئناف، وتغيير الأسلوب بفحوى المقام كما لا يخفى على من له نظر سديد. وقوله: (لا يؤبه به) بضم الياء التحتية وهمزة ساكنة يجوز أن تبدل واو أو باء موحدة مفتوحة، وهاء أي لا يعتدّ به لحقارته، ومثله يعبأ به، وهو متعد بالباء وعدّي في الحديث باللام وهذا إنما يتأتى على غير الوجه الثاني في معاني الاستهزاء. فتأمّل. قوله: (ولعله لم يقل الله مستهزىء إلخ) قال الفاضل المخقق في بيان ما في الكشاف من أنه لم يقل الله مستهزىء بهم ليطابق قوله إنما نحن مستهزؤن. كما هو مقتضى الظاهر لأن يستهزىء يفيد حدوث الاسنهزاء وتجدده، وقتاً بعد وقت يعني أنه لكونه فعلا يفيد التجدّد والحدوث، ولكونه مضارعاً صالحاً للحال يفيد الحدوث حالاً، وكونه مستعملا في مقام لا يناسب التقييد بحال دون حال يفيد التجدد حالا بعد حال وهو معنى الاستمرار، وهذا كما صرّحوا به يفيده المضارع مطلقاً، لا إذا قدم المسند إليه، فصار جملة اسمية حتى يصل التجدّد من الفعل، والاستمرار من كون الجملة اسمية على ما توهمه البعض ألا ترى أنّ في قوله تعالى ﴿وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩] وقوله تعالى ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ﴾ [الحجرات: ٧] وغير ذلك قد دل المضارع على التجدّد والاسنمرار من غير تقديم للمسند إليه، وينبغي أن يعلم أنّ هذا غير مستفاد من الجملة الاسمية، فإنه متأت واستقرار لا استمرار بمعنى الحدوث حالا فحالا ومرّة بعد أخرى، وفي شرح الطيبي أنه من اقتضاء المقام، فإنك إذا قلت فلان يقري الضيف عنيت أنه اعتاده واستمرّ عليه لأ. أنه يفعله أو سيفعله، وقد يقال إنّ هذا أبلغ من الاستمرار الثبوتي الذي تفيده الاسمية لأنّ البلاء إذا استمرّ قد يهون وتألفه النفس كما قال المتنبي:
حلفت ألوفا لو رجعت إلى ا! ب لفارقت شيبي موجع القلب باكيا
وكما قلت أنا:
ألفت البكاء فلو زال عن عيوني بكته جميع الجوارح
وقوله: (ليطابق تعليل للمنفي وارساء) تعليل للنفي وعداه بالباء، وهو يتعدّى بإلى أو
اللام تسمحاً، أو لتضمنه معنى الاعتناء، والنكايات جمع نكاية بمعنى العقوبة، وفعله نكأت ونكيت، وهو من نكأت العدوّ إذا أكثرت
стр. 350
فيه الجرح والقتل حتى وهن، كما في النهاية الأثيرية. قوله: (يحدث حالا فحالا ويتجذّد حيناً بعد حبن) إشارة إلى أنه مستفاد من المضارع،
وأنه غير الاستمرار المستفاد من الجمنة الاسمية كما مرّ، وما في شرح الكشاف للعلامة الرازي من توجيه الجواب بأنه لو قال الله مستهزىء بهم حتى تكون الجملة اسمية لزم أن يكون استهزاء الله تعالى بهم ثابتا دائما، وهو لا يليق بالحكيم العليم، ولو قال: يستهزىء الله دل على أنّ الاستهزاء ينتقل عنهم، وهو ليس بمراد فقال تعالى ﴿اللهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ حتى يفيد تجدّد الاستهزاء بحسب الفعل، وإنّ ذلك المتجدد ثابت دأئماً بحسب الجملة الاسمية فهذأ لا يتم لأنّ المسند إذا كان اسماً دل على الثبوت، وان كان فعلا دلّ على التجدد سواء تقدم المسند إليه أو تاخر كما لا يخفى وقد مرّ ما فيه، وقيل فيه بحث لأنا لو سلمنا إنّ المسند إذا كان فعلاَ دل على التجدد سواء تقدّم المسند إليه ٤ أو تأخر لكن لم لا يجوز أن يدل تقدم المسند إليه على الثبوت لصيرورة الجملة اسمية والجمع بين الدلالتين بأن يراد استمرار التجدد، وهو أن يتجدد فرد وينقضي ثم يتجدّد فرد آخر، فالاستمرار في النوع والتجدّد في الافراد، وقيل في التفصي عنه أنّ الجملة الاسمية الدالة على الثبات هي التي كل واحد من جزأيها اسم وأمّا التي الجزء الثاني منها فعل فلا كما صرّح به الكاشي في شرح المفتاح، فالوجه إنه يستفاد من المضارع كما حققناه لك، ثم إنّ قوله إنّ استهزاء الله بهم دائما لا يليق بالحكيم العليم قيل عليه انه لا وجه له، فإنّ الاستهزاء بمعنى إنزال الهوان، والحقارة بأعداء الدين ولا ضرر في دوامه بل قيل إنّ دوامه هو اللائق بالحكيم، ودفع بأنّ المراد بعدم اللياقة أنّ مقتضى الحكمة أن لا يديم الهوان والنكال حتى يألفوه، ويتمرّنوا على مقاساته، فيخف عليهم وقعه، ولا يخفى أنّ سياق كلامه يأبا. فليحرّر. قوله: (من مدّ الجيش إلخ) مد وأمد بمعنى وبهما قرىء هنا، وفي الأعراف في قوله تعالى ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٠٢] بضم الياء وكسر الميم وبفتح الياء وضم الميم وفي الدر المصون المشهور فتح الياء من يمدهم وقرىء شاذاً بضمها، وفيه نظر لأنّ المصنف ﵀ عزى الضم لابن كثير لكنها لم تثبت عنه في السبعة، واستدل بها لما ادعاه فإنّ القراءات يعضد بعضها بعضا، وهذه من الإمداد، وهو لم يرد بمعنى الإمهال عنده قال أبو عليّ في الحجة: عامّة ما جاء في التنزيل فيما يحمد وششحب أمددت على أفعلت كقوله تعالى ﴿أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ﴾ [المؤمنون: ٥٥] وقوله ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ [النمل: ٣٦] وما كان خلافه يجيء على مددت كما هنا وقال أبو زيد أمددت القائد بالجند وأمددت الدواة، وأمددت القوم بمال ورجال وقال أبو عبيدة: يمدونهم في الغي أي يزينون لهم يقال: مد له! ي غيه، وهكذا يتكلمون بهذا، فهذا مما يدل على أنّ الوجه فتح الياء، كما ذهب إليه أكثر ووجه ضمها أنه بمنزلة قوله فبشرهم بعذاب أليم. اهـ وما ذكره المصنف ﵀ تغ فيه الزمخشريّ حيث قال: إنه من م! د الجيش، وأمده إذا زاده والحق به ما يقويه، ويكثره فهو من المدد دون المد في العمر وهو الإملاء، والإمهال وكفاك دليلا على أنه من المدد دون
المد قراءة يمدّونهم بضم الياء على أنّ الذي بمعنى أمهله إنما هو مد له مع اللام كاملى له يعني أنّ هذه المادّة وودت مستعملة بمعنيين في مقامين أحدهما إلحاق الشيء بما يقوّيه، ويكثره وذلك الملحق يسمى مدداً، وثانيهما الإمهال ومنه مد العمر ومدّ الله في الغي والواقع في النظم من الأوّل دون الثاني لوجهين أحدهما أنه قرىء بضم الياء من المزيد، وهو لم يسمع في الثاني وثانيهما أنه متعد بنفسه، والثاني متعد باللام والحذف والإيصال خلاف الأصل فلا يرتكب بغير داع، ودليل وغيره من أهل اللغة لا يسلمه، فورد عندهم كل منهما ثلاثيا ومزيداً ومعدى بنفسه وباللام، وكلاهما من أصل واحد ومعناهما يرجع إلى الزيادة وتعدّى هذا باللام منقول عن أبي عبيدة والأخفش، وقال الجوهريّ: مددت الشيء، فامتذ والمادّة الزيادة المتصلة ومد الله في عمره ومده في غيه أي أمهله وطوّل له، والفرق بين الثلاثي والمزيد إنما هو بكثرة استعمال أحدهما في المكروه والآخر في المحبوب فمدّ في الشرّ وأمدّ في الخير عكس وعدوا وعد، وقيل مده زاده وأمده من غيره. وقوله: (بالزيت والسمادا لف وششر مرتب للسراج والأرض! والسماد بفتح السين، وتخفيف الميم وآخره دال مهملة قال في المصباح السماد وزان سلام ما يصلح به الزرع من تراب وسرقين، أي زبل وسمدت الأرض تسميدا أصلحتها
стр. 351
بالسماد وقوله لا من المد إلخ، قد عرفت ما له وعليه، وانه تبع فيه الزمخشريّ. قوله: (والمعتزلة لما تعذر عليهم إلخ) إنما تعذر لأنهم قالوا بقبح إيجاد القبيح وخلقه وبوجوب ما هو الأصلح للعباد على الله تعالى، والآية بظاهرها تنافي ذلك لأنّ الطغيان قبيح كزيادته، ومثله لا يصدر عنه تعالى على زعمهم فأوّلوه بوجوه بناء على زعمهم الفاسد من أنه لا يصدر عته ولو صدر عنه كيف يذمّهم عليه، ولذلك فسره بعضهم بالإمهال لكنيم لم يرتضوه لأنّ اللغة لا تساعده. وقوله: (منعهم الله تعائى ألطافه إلخ) إشارة إلى أوّل وجوه التأويل، وهو أنه تعالى منعهم ألطافه التي منحها غيرهم وخذلهم لكفرهم وما هم عليه فتزايد رين قلوبهم وظلمتها فسمي ذلك الزإئد مددا في الطغيان وأسند إليه تعالى ففيه مجاز لغوي في المسند وعقلي في الإسناد باسناد الفعل لمسببه، وفاعله في الحقيقة الكفرة، وألطافه جمع لطف كقفل وأقفال، وهو عند المتكلمين ما يختار عنده المكلف الطاعة تركا واثباتا وينقسم إلى توفيق وعصمة.
وقال القشيري اللطف قدوة الطاعة على الصحيح، ويسمى ما يقرّب العبد إلى الطاعة، وبوصله إلى ا) خير أيضاً لطفاً كما سيأتي، ومنح بمعنى أعطى والخذلان ترك المساعدة، والرين صدأ يعلو الحلي استعير لما يمنع قبول الحق، والاهتداء له كالظلمة يعني أنهم لما أصروا على الكفر لم يساعدهم الله لمنعهم لطفه عنهم فتزايد رين قلوبهم فسمي ذلك التزايد مدداً، وأسند إلى الله لأنه المسبب لسببه فهو السبب إلبعيد ففيه تجوّزالن كما مز، والكفر والرين ومدده من
أفعال الكفرة عندهم، وقوله يسبب كفرهم متعلق بمنعهم أو خذلهم، وهو جواب عن سؤال مقدر أي لم منع بعض عباده، ومنح أخرين والكل عباده، ومثله لا يحسن عقلا عندهم فأجيب بأنهم تسببوا لذلك بالكفر والإصرار، وردّ بأنّ المتبادر من كونه مسببا أنه خالق السبب، ومنع الألطاف عدميّ لا يتعلق به الخلق، فإن قيل يدفعه قوله خذلهم فإنّ الخذلان تيسير أسباب الغواية كما إنّ اللطف تيسير أسباب الهداية، وقعوا فيما فرّوا منه فإنّ تسبيب القبيح قبيح، وأن كان قبحه دون قبح إيجاده، ثم إنه ينقل الكلام إلى ما قبل الكفر والإصرار فإن قالوا بوجود الألطاف عندها كان مكابرة لأنها لو كانت ما كفروا، ولا أصرّوا فالحق ما ذهب إليه أهل الحق فتدبر. قوله: (فتزايدت بسببه قلوبهم) الظاهر أنه ماض معطوف على منعهم لا جواب لما مع الفاء، وان كاد جائزا أيضا فإنّ جوابها يكون ماضيا بلا فاء، وقد يكون معها وبكون مضارعا وجملة اسمية مع إذا الفجائية، والفاء كما فصله شراح التسهيل، وقوله تزايد قلوب المؤمنين مصدر منصوب على إنه مفعول مطلق لقوله تزايدت تشبيهيّ كما تقول وقيته وقى الكتاب، وأمّا كونه ماضيا جواباً للما هربا من اقتران الجواب بالفاء فمع أنه لا حاجة إليه بعيد بحسب المعنى لأنه لا تعرض له في الآية، وان لزم معناها. قوله: (أو مكن الشيطان من إغوائهم) إلخ عطف على منعهم، وأسند جواب لما الثانية كما مرّ، وهو مجهول وهذا هو الوجه الثاني من تأويلات المعتزلة، وحاصلها كما قال قدس سرّه إنه إمّا أن يكون سمي ما تزايد من الرين مدداً في الطغيان، وفيه تجوّز إن كما مرّ أو أريد بالمد في الطغيان ترك القسر والإلجاء إلى الإيمان وهو فعله تعالى واسناده إليه حقيقة والمسند مجاز أو المراد معناه الحقيقي، وهو فعل الشيطان لكنه أسند إليه تعالى مجازا على مذهبه لأنه بتمكيته واقداره، وقد يتوهم أنّ إيقاع المد عليهم تجوّز لازم على كل مدّهب لأنّ حقيقته أن يوقع على الطغيان، ونحوه مما يقع فيه الزيادة، ودفع بأنّ المفهوم من مدّ طغيانهم ومذهم في طغيانهم واحد.
(وههنا مباحث جليلة) :
(الأوّل (أنه أورد على ما في الكشاف، وشروحه كما سمعته آنفا إنه جعل منع الألطاف سبب الإصرار على الكفر، ولا شك أنّ الكفر والإصرار عليه سبب لمنع الألطاف ففيه دور، وقد مرّ إيماء إليه، ثم إنه جعله فعلاَ للشيطان في الوجه الثاني، والشيطان لا يقدر على خلق شيء في العبد باتفاق منا ومنهم، وإنما هر مغو بوسوسته وتزيينه ولا يقدر على غير ذلك كما حكاه الله عنه في قوله ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم﴾ [إبراهيم: ٢٢] فتعين إن محدثه العبد عندهم، وقول المعتزلة كما حكاه الزمخشريّ إنه فعل الشيطان لا يقوله شيطان أصلا كما قيل:
ما أقبح الشيطان لكنه ليس كما قالوا وما صوّروا
стр. 352
وقد أجيب عن هذا بأنّ منع الألطاف سبب الكفر، والإصرار عليه، ثم بعد ذلك يكون
الكفر المستمرّ مانعاً لألطاف أخر فلا دور فيه والمراد بكونه فعل الشيطان إنه حدث من العبد بوسوسته فهو مجاز في الإسناد والأول صحيح، وأمّا الثاني فغير صحيح كما لا يخفى، وقد صرح الشراح بخلافه.
(الثاني) أنه أورد على الأوّل، وكونه مجازا في المسند والإسناد إنه إن كان المدد وإعطاؤه مختصا بالأجسام كما يتبدر من كلام الأساس لا يصح إنه لا تجوّز في الوجه الأخير إلا في الإسناد، لأنّ الشيطان لا يعطي المنافقين حبة يتقوى، ويتكثر بها طغيانهم إذ ليس منه إلا الوسواس وان كان أعمّ يتناول الذوات والصفات كالرين، والظلم لا يكون في المسند تجوز أصلاَ، وأجيب عنه بإختيار الشق الثاني لكنه وإن عئم مخصوص بالمحسوس.
(الثالث) إنه على إرادة تمكين الشيطان قيل إنّ الإسناد إلى الشيطان أيضا مجازي، لأنّ
أصل الطغيان وزيادته من فعل الكفرة عندهم إلا أنه لما صدر منهم بإغواء الشيطان أسند إليه لكونه موجدا لسببه إذ لا قدرة له على غير الوسوسة كما مرّ لكن لما حصل ذلك بإغواء الشيطان، وكان إغواؤه بإقدار الله له عليه، وتمكينه منه فالله سبب بعيد، ولذا أسند إليه لأنه مسبب له بصيغة اسم الفاعل، ولا يخفى ما فيه من الخبط والخلل، وكيف يتوهم إسناده مجازا إلى الشيطان هنا، وهو مسند في النظم إلى الله تعالى فالظاهر أنّ المد تجوّز به عن تزيين الشيطان واغوائه لأنه سبب للزيادة إلا أنه لما شاع ذلك وكثر منه صار كأنه موجد له حقيقة، واسناده إلى الله تعالى مجازي أيضاً فهو كالأوّل في التجوز في المسند، والإسناد إلا أنه يغايره لمغايرة المتجوّز به فيهما، ثم أنّ المصنف ﵀ خالف الزمخشريّ فطوى التجوّز بالمد في الطغيان عن ترك القسر والإلجاء الذي هو فعل الله وإسناده إليه حقيقة، وإن كان المسند مجازا لقربه من الأوّل لأن منع الألطاف وترك القسر كشيء واحد، ثم إنّ الظاهر أنه اختار أنه مجاز عن منع الألطاف، في الأوّل لا عما تزايد من الرين، ولذا ترك قول الزمخشريّ فسمي ذلك التزايد مددا فهو عنده مجاز في الطرف فقط، وأسناده حقيقيّ عنده فعدل عما في الكشاف لما فيه من تطويل المسافة وزيادة التجوّز، وهذا مما لم يتنبه له شراح هذا الكتاب، وهو من منح الكريم الوهاب، ثم إنّ السمرقندي ﵀ قال في تفسيره هنا مدهم في الطغيان بمعنى خلق فعل الطغيان لأنّ المدّ متى أضيف إلى الأعيان يراد به الطول والعرض! للعين، والجسم وأن أضيف إلى الفعل يراد به الامتداد، وهو تجذد الفعل بتجدد الزمان، وهذا معنى قول الفقهاء أنّ للفعل الممتد حكم الابتداء نحو السكون والركوب ونحوهما، اهـ. فقد عرفت منه أنه لا يختص بالمحسوس صفة كان أو ذاتا وأنه يختلف باختلاف ما يضاف إليه، ومنه علم ما في
كلام بعض الشراح الذي سمعته آنفا. قوله: (وأضاف الطفيان إلخ) هذا وما بعده كله من كلام المعتزلة، وتأ! د أوهامهم الفارغة.
وقال قدس سرّه- لم ئيردّ الزمخشريّ-: إنّ هذه الإضافة تدل وضعاً على أنّ الطغيالط بإيجاد العبد لا بإيجاده تعالى حتى يرد عليه أنّ الأمور المخلوقة له تعالى إذا قامت بالعباد كالبياض تضاف إليهم إضافة حقيقية لا مجازية لأدنى ملابسة كما توهم فلا دلالة للإضافة على إيجاد العباد لها بل أراد أنّ الطغيان من الأفعال التي اكتسبوها باختيارهم استقلالاً، ولا تعلق لها به تعالى فحقه أن يضاف إليهم لا إله إشعارا بهذا الاختصاص لا بالاختصاص باعتار المحلية والاتصاف فإنه معلوم لا حاجة فيه إلى الإضافة، ولولا قصد هذا عريت عن الفائدة، ومثله معتبر في الخطابيات عند البلغاء، وردّ بأنّ هذه الخطابيات لا تعارض البراهين القاطعة بأنه لا خالق سواه وأنه لا يقع إلا ما أراده، وقيل عليه: إنّ الزمخشرقي عنى أنّ إثبات اللغو في كلام الله تعالى وترك اعتبار الدلالات الخطابية المعتبرة عند البلغاء مما لا يليق بمقام الإعجاز، وإن بنى عليه تأييد مذهبه وردّ مذهب أهل السئة لئلا يلزم هذان الأمران المنافيان لأسلوب الحكيم فلا يكفي في دفعه أنّ الدلالات الخطابية لا تعتبر مع الدليل القاطع الذي ذكره، فالجواب أنّ فائدة الإضافة الإشارة إلى أنّ نسبة الطغيان إلى العباد ليست بمجرّد المحلية بل باعتبار كسبهم إياه، وإن كان بخلق الله تعالى وارادته، وأيضاً يجوز أن تكون الإضافة للعهد على أنّ المراد بطغيانهم الطغيان الكاملى، ولا يخفى أنه فرّ من السحاب، ووقف تحت
стр. 353
الميزاب، فإنّ الإضافة لا تدل على الكسب ولا على عدمه، ألا ترى أنك تقول عبد زيد وبلدة فإنّ موضوعها إنما هو الاختصاص التام بايّ طريق كان فالظاهر أن يقال أنه للإشارة إلى أنّ طغيان غيرهم في جنبهم كلا شيء لادّعاء اختصاصهم به، وهذا أنسب بطريق البلاغة، ومصداق الشيء ما يصدقه أي يحققه ويدلّ على إنه أمر واقع وهو بكسر الميم صيغة مبالغة كما يقال فلان منحار ومطعام، وقد يكون مصدراً واسم مكان وزمان كميعاد وميقات، وليس هذا بشيء فإنّ تعريف اللام والإضافة متقاربان وهو تفنن وسيأتي تفسير هذه الآية في سورة الأعرإف. قوله: (أو كان أصله يمد لهم إلخ) عطف على لما منعهم إلخ، وقيل أنه عطف على قوله من مدّ الجيش، ولا يخفى بعده وهو قول الجبائي من المعتزلة، وهو أحد التأويلات لما تعذر عنده إبقاؤه على ظاهره كما مرّ، وإليه ذهب الزجاج وتبعه البغوي، وغيره من المفسرين ورجح كونه بمعنى الإمهال لأنه في حد ذاته إحسان وخير وهو تعالى لا يمدّهم في الشرّ وقد مرّ ما فيه وإنّ الحذف والإيصال خلاف لأصل وإنّ كونه لا يتعدّى إلا بالحرف غير مسلم عند أهل اللغة فتذكره هـ قوله: (كي يتنبهوا ويطيعوا إلخ) هذا أيضاً من تتمة التأويل، وكلام المعتزلة فإنّ المدّ في العمر فعل الله
تعالى حقيقة، وهو عندهم معلل بالإغراض! ، وجار على الوجه الأصلح الواجب عليه ليجري على وفق مصالح العباد فإمهالهم ليس للازدياد في المعاصي القبيحة حتى لا يسند إلى الله، وهذا وما بعده بناء على أنّ في طغيانهم ليس لغواً متعلقا بيمدّهم بل حال من ضميره أو متعلق بيعمهون مقدم عليه والجملة حالية، والمعنى أنه يمهلهم لينتبهوا وهم يزدادون طغيانا وعمى أو بمدهم من المدد أي يمدهم بالمال والبنين لأجل أن يصلحوا والحال أنهم بخلافه، وقد قيل على قوله كي ينتبهوا إلخ أنه لا يدل عليه اللفظ ولا السياق بل يدل على خلافه لأنّ قوله يمدهم معطوف على قوله يستهزىء بهم كالبيان له على أنّ الإمهال يكون للتنبيه والاسندراج والسياق يؤيد هذأ دون ذاك، والله تعالى عالم بعواقب أمورهم وأنهم لا ينتبهون فكيف يقصد خلاف ما يعلمه فإن أراد الاعتراض على المصنف فليس بوارد عليه لأنه ناقل لما قاله المعتزلة وان أراد بيان ما في نفس الأمر فلا ضير فيه، وقوله فيما ازدادوا إلخ الحصر مستفاد من المقام لا من حاق النظم. قوله: (أو التقدير يمدّهم إلخ) هذا جواب رابع للمعتزلة على أن يمدهم من المدد بإرشادهم للأدلة العقلية والنقلية، وافاضة ما يحتاجون إليه ليصلح حالهم واستصلاحا مبنيّ على مذهبهم في التعيل بالإغراض، والإستصلاح إرادة الصلاح، وقد قيل عليه إنه يلزم تخلف مراده تعالى، وهو مذهب المعتزلة وأمّا عندنا فمحال والكلام في تقرير مذهبهم فلا يضرنا، وأمّا أنه وارد على قوله تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [صورة الذاريات: ٥٦] إلا أن يراد البعض منهم، وهم السعداء فهو ساقط ولك أن تفسر الإستصلاح بطلب الصلاح، والطلب غير الإرادة عندنا، وأمّا الآية فلا يرد عليها شيء كما توهم لأنّ ما خلق له الجن! غير ما أريد منهم وسيأتي تفسيرها في محلها فلا حاجة لتلقي الركبان وقوله وهم مع ذلك إلخ قيل إنه إشارة إلى أنّ يعمهون خبر مبتدأ محذوف، وفي طغيانهم متعلق به أو بيمدهم والظاهر أنه بيان لحاصل المعنى من غير تقدير فيه، ويعمهون حال من منصوب يمدهم أو من مجرور طغيانهم أو هما حالان من ضمير يمدهم وان منعه بعضهم وقيل إنه إشارة إلى تقدير مبتدأ، وأنّ الجملة مستأنفة لبيان عدم انتفاعهم بما أمدهم الله تعالى به. قوله: (والطيغان إلخ) المصدر يكون مضموماً كشكران ومكسوراً كحرمان، وقد سمعا في مصدر اللقاء كما أشار إليه المصنف، وقال الراغب: الفرق بين الطغيان والعدوان أنّ العدوان تجاوز المقدار المأمور بالانتهاء إليه، والوقوف عنده، والطغيان تجاوز المكان الذي وقفت فيه، ومن أخل بما عين من المواقف الشرعية والمعارف العقلية فلم يرعها فيما يتعاطاه فقد طغى ومنه طغى الماء أي تجاوز الحد المعروف فيه قيل، وابغي طلب تجاوز قدر الاستحقاق تجاوزه أو لم يتجاوزه وأصله الطلب ويستعمل في التكبر لأنّ المتكبر طالب منزلة ليست له، وقوله عن مكانه عدى التجاوز
بعن، وقد وقع مثله في كلامهم كما في عبارة الرضي والزمخشريّ السكاكيّ وقد اعترض! عليه السيد في حواشي الرضي فقال: جاوزت الشيء وتجاوزته بمعنى، وتجاوز عنه بمعنى عفا يعني أنّ المتعدي بعن، إنما هو بمعنى العفو والمغفرة
стр. 354
فهذه العبارة وأمثالها مخالفة لكلام العرب، وكأنه ضمن التجاوز معنى التباعد واليه ذهب كثير من الفضلاء، وقد وقع مثله في شعر من يوثق به ويجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه كقول أبي تمام في بعض قصائده:
فلا ملك فرد المواهب واللها تجاوز لي عنه ولا رشأدفرد
وقد تعرّض له الإمام التبريزي في شرحه، ولم ينتقده عليه وهو من أئمة اللغة وهذا مما
لم يقف عليه المعترضون كما بيناه في حواشي الرضي تجاوز الله عنه. قوله: (والعمه في البصيرة كالعمى في البصر (ظاهره إنهما متباينان لاختصاص أحدهما بالباطن والآخر بالظاهر، وهو مخالف لقول الزمخشريّ العمى عام في البصر والرأي، والعمه في الرأي خاصة لأنه جعل بينهما عموماً وخصوصا مطلقاً وهو المشهور، وقد أيد بقوله تعالى ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] ولك أن تقول في التوفيق بينهما إن العمه مخصوص بالقلب والعمى بالبصر بل بالعينين إذ لا يقال لفاقد أحدهما أعمى بل أعور، ثم تجوّز به لما في القلب وشاع حتى صار حقيقة عرفية لغوية، ولذا لم يذكره في الأساس في المجاز فإن نظرنا لأصل الوضع كانا متغايرين كما ذكره المصنف وان نظرنا للاستعمال، والحقيقة الثانية كان كما ذكره الزمخشريّ ولذا كان له صفتان أعمى وعم كحذر وتحقيقه كما في المصباح عمه في طغيانه عمها من باب تعب إذا تردد متحيراً، وتعامه مأخوذ من قولهم أرض عمهاء إذا لم يكن فيها إمارات تدل على النجاة فهو عمه، وأعمه وعمى عمى فقد بصره فهو أعمى، والمرأة عمياء والجمع عمى من باب أحمر، وعميان أيضا ويعدى بالهمزة فيقال أعميته ولا يقع العمى إلا على العينين جميعا ويستعار العمى للقلب كناية عن الضلالة والعلاقة عدم الاهتداء فهو عم وأعمى القلب، اهـ. وما قيل في التوفيق إنّ المصنف ﵀ لم يرد اختصاص العمى بالبصر بل أراد بيان العمه بأنه صفة للبصيرة بمنزلة العمى في البصر لا طائل تحته، والدهر يرضى العمى بالعور. قوله: (وهو التحير إلخ) تحقيقه كما عرفته أنّ أصل العمه عدم الإمارات في الطرق التي تنصب لتدلهم من حجارة وتراب ونحوهما، وهو المنار، ثم تجوّز به عن التردّد والتحير مطلقا وصار هذا حقيقة ثانية واليه أشار ا! شيخان كغيرهما فأشارا بالتحير إلى المعنى المستعمل فيه وأشار بقوله وأرض إلخ إلى وصفه الأصلي فمن قال إنّ هذا من توصيف المحل بوصف من فيه لم يصب، وقوله:
أعمى الهدى بالجاهلين العمه
مصراع أو بيت من الرجز من أرجوزة طويل لرؤبة بن العجاج الراجز المشهور وقبله: ومخفق من أهله ونهله من مهمه أطرافه في مهمه
وهو في وصف مفازة، وفي شرح الكشاف أي رلت مفازة لا تنتهي سعة بل أطرافها من جوانبها في مفازة أخرى أعمى الهدى أي أخفى المنار بالقياس إلى من لا دراية له بالمسالك جعل خفاء العلم عمى له بطريق الاستعارة، وقيل: أعمى صفة من عمى عليه الأمر التب! أي ملتيس الهداية إلى طرقها على من يجهل ويتحير فيها، وقد يقال أعمى فعل ماض أي أخفى طرق الاهتداء، والعمه بضم العين وتشديد الميم جمع عامه، وقال الطيبي ﵀: إنه جمع عمه أو عامه أي المهمة طريقه مشتبهة على الغيّ إذ ليس فيه جادّة أو منار يهتدي به، وقوله إنه جمع عمه أي أثبته أهل اللغة على خلاف القياس فيها وإلا فمفرده المطرد فاعل وفاعلة كركع، ولذا تركه غيره من الشراح. قوله: (تعالى أولئك الذبن إلخ) موقع هذا كموقع أولئك على هدى ومقابله لأنه بعد ذكر المنافقين وصفاتهم القبيحة المفصلة كأنه قيل من أين دخل عليهم هذه القبائح، ولم ينفعهم النذر والنصائح فأجيب بأنهم وإن استعدوا لغير ذلك فإنما خسر أولئك على ما مرّ لأنهم أبطلوا استعدادهم الفطري فاستبدلوا الهداية بالضلالة حتى خسرت صفقتهم، وفقدوا الاهتداء للطريق المستقيم ووقعوا في تيه الحيرة والضلال، ثم لا يخفى موقع الضلالة بعد العمه الذي أصله الضلال في القفار التي لا منار لها.
وقال قدّس سرّه: إنّ هذه الآية تعليل لاستحقاقهم الاستهزاء الأبلغ والمد في الطغيان
على سبيل الاستئناف أو هي جملة مقرّرة لقوله ويمدهم فتأمّل. قوله: (اختاروها عليه واستبدلوها إلخ) أدخل الاستبدال على المتروك الذي كأنه كان في يده فتركه وعدى الإشتراء بنفسه
стр. 355
للنأخوذ المختار، وسيأتي تفصيله وحرك واو اشتروا لالتقاء الساكنين، وجعلت الحركة ضمة لمناسبة الواو فهي عليها أخف من الكسرة، وقال الفرّاء: إنها حركت بحركة المحذوف قبلها والاشتراء مجاز، وهو أمّا مجاز مرسل لأنّ الإشتراء استبدال خاص أريد به المطلق أو استعمل في لازمه، ويجوز أن يكون هذا مراد الزمخشريّ بالاستعارة لأنها تستعمل بمعنى المجاز مطلقاً، وتسمى استعارة لغوية، وذهب بعض شراح الكشاف إلى أنها ألاستعارة المتعارفة لتشابههما في الإعطاء والأخذ، ولا يضر كونه جزء المعنى كما توهم لأنّ وجه الشبه كما يكون خارجا يكون داخلا كما صرّج به أهل المعاني، وجوّز فيه بعضهم أن يكون استعارة مكنية وتخييلية بأن تشبه الضلالة بالمبيع والهدى بالثمن تشبيهاً مضمراً في النفس بجامع الاختيار فيهما، ويجعل الإشتراء قرينة له تخييلية، ثم إنّ ما ذكره المصنف ﵀ هو ما في الكشاف بعينه حيث قال: ومعنى إشتراء الضلالة بالهدى اختيارها عليه واستبدالها به على سبيل
الاستعارة، وما قيل، عليه من أنه كان الأحسن والأليق بما سيأتي أن يقول المصنف إسنبدلوها به أو أختاروها عليه بالعكس، واستعمال أو مكان الواو ليس بشيء لأنّ المراد أنهم جمعوا بين الإختيار والإستبدال فلا وجه للعطف بأو، وقدّم الاختيار لأنه المراد في الحقيقة وما سيأتي شيء آخر سيأتي بيانه. قوله: (وأصله بذل الثمن إلخ) الثمن العوض، وهو أعمّ من القيم لأنها المثل المقاوم له وإن استعملت بمعناه أيضا، والناض بنون وضاد معجمة مشدّدة المراد به النقد وهو الدراهم والدنانير، ويستعمل بمعنى الناجز قال ابن القوطية: نض الشيء حصل والناض من المال ما له مدة وبقاء، وأهل الحجاز يسمون الدراهم والدنانير نضاً وناضاً، والأصل في عبارة المصنف ﵀ بمعنى الحقيقة لأنه أحد معانيه المستعه لى فيها وفيه إشارة إلى أنّ ما فسره به أولا معنى مجازي له والأوّل أولى، وهذه قضية اتفاقية فإن وجود النقد في أحد الجانبين يعينه للثمنية والإشتراء عرفا وشرعا، فما قيل عليه من أنّ كون أحدهما ناضاً لا مدخل له في تسميته بذل الناض إشتراء لإبتنائه على وضع الشراء لبذل الثمن من ترك ما يعني للاشتغال بما لا يعني، وقوله: من حيث إنه لا يطلب إلخ تعليل لثمنيته أي لكونه غير مقصود لذاته إذ لا ينتفع به في نفسه، ولذا جاء في الحديث الدراهم والدنانير خواتيم الله في أرضه وهو من جوامع الكلم، وقوله وبذله إشتراء بنصب إشتراء إن عطف على اسم كان المستتر، وخبرها للفصل أو بالرفع مبتدأ وخبر، وقوله والا إلخ أي وان لم يكن نقد فيجوز جعل كل من الطرفين ثمناً، وهذا برمته مأخوذ من كلام الراغب في مفرداته، وخرج بقيد الأعيان المعاني كالمنافع في الإجارة، وأن يكون فاعل تعين ومن حيث متعلق به، وقيل إعتراض. قوله: (ولذلك عدّت الكلمتان إلخ) المراد بالكلمتين البيع والشراء وما شاركهما في المادّة وذلك إشارة لما ذكر ولما دلّ عليه الكلام من دلالة أحدهما على البذل والإعطاء، والآخر في الأخذ الذي يقابله واستعمال كل منهما في مكان الآخر على البدل، والأضداد جمع ضدّ، والمراد بها عند الإطلاق في اللغة إذا قالوا هو من الأضداد كلمات وردت في كلام العرب موضوعة بالاشتراك للضدين كالجون الموضوع للأبيض والأسود، وفي قوله عدت إشارة إلى أنّ بعض أهل اللغة ذكر ذلك إلا أنه في الحقيقة ليس منها لأنّ كلا منهما إنما أطلق عى الطرفين باعتبار تثابههما لا باعتبار تضادّهما، وفي المصباح إنما ساغ أن يكون الشراء من الأضداد، لأنّ المتبايعين تبايعا الثمن والمثمن فكل من العوضين مشترى من جانب مبيع من جانب، اهـ ومن لم يقف على المراد قال: لم يلزم مما ذكر كونهما من الأضداد بل يلزم منه أن يكون الشراء بذل الثمن والبيع أخذه ولا يلزم أن يكون لكل منهما معنيان أحدهما ضد الآخر وهو غنيّ عن الردّ. قوله: (ثم استعير للإعراض إلخ) قد مرّ بيان معناه وأنه من أيّ أنواع المجاز، وقد صرّح أولا بأنّ معناه
الحقيقيّ مختص بالأعيان وهذه الحقيقة عرفية لغوية، وقوله سواء كان اسم كان المستتر راجع لما قبله من مدلول ما الموصولة وغير الدالة على مقابلة لتأويله بالمذكور، ونحوه لا لكل منهما على البدل كما قيل لأنّ مثله إن سلم صحته فخلاف الظاهر في الضمائر، وما ذكر سائغ صحيح وقد صرحوا بأنّ الضمير قد يجري مجرى اسم
следующие страницы →