Полный текст (3 156 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
في الكشاف: فوجب على الموحد أن يقصد معنى اختصاص اسم الله بالابتداء، وذلك بتقديمه، فأورد عليه أنه لا يناسب ما هو بصدده من ترجيح تقدير أقرأ مؤخرأ ولذا قيل
إنّ المصنف حذفه لذلك وان وجه بأنه إشارة إلى جواز تقدير ابتدىء أيضا، وبأنه أراد ابتداء الفعل الذي شرع فيه كالقراءة لا مفهومه الحقيقي وقد قيل إنه إيماء إلى دفع مناقشة أخرى وهي كيف يكون قصر الموحد ابتداء قراءته، ونحوها باسمه تعالى ردا على المشرك الذي لا يقرأ أبدا وانما يصير ردّاً عليه لو حصر مطلق الابتداء، وقد مرّ أنه يكفي فيه التوهم فيذكره ثم إنه أورد على قول الزمخشري وغيره أنّ تقديم الفعل في قوله: (اقرأ باسم ربك) أوقع لأنها أوّل ما نزل، فالأمر بالقراءة فيه أهم كما مر أنّ هذا العارض وان كان يقتضي أن يكون الأمر بالقراءة أهم إلا أنّ العارض الأوّل وهو ابتداء المشركين باسماء اكهتهم يقتضي أن يكون اسم الله تعالى أهم، فأنى يرجح هذا على ذاك وكان السكاكي نظر إلى هذا حيث جعله متعلقاً باقرأ الثاني، ويمكن أن يقال لما تعارض العارضان قدّم العامل على المعمول بحكم الأصالة انتهى.
(قلت) : الظاهر أنّ المراد أنه نازل أوّلاً على النبيّ الأميّ ﷺ فأمر فيه بالقراءة ليتدرّب
لتلقي الوحي من غير قصد إلى أمره بتبليغ ولا إنذار حنى يقصد فيه الردّ على من خالفه ولذا قال ﷺ : ما أنا بقارىء) ١ (فلا حاجة إلى ما ادّعاه مما لا يقتضيه المقام ولا فحوى الكلام فتدبر. قوله: (وأدخل في التعظيم الخ) من قولهم هو حسن الدخلة، والمدخل أي المذهب في أموره من دخل بمعنى جاز، والمعنى أنّ دلالة وتسببا في تعظيمه، وأتى بأفعل لأنّ الابتداء به والتبرك فيه تعظيم له فإذا قدم على متعلقه المقدر كان أقوى في ذلك وقيل في تعظيم الاسم تعظيم المسمى. وقوله: (وأوفق للوجود من وفق أمره) أي وجد موافقا أو حسن كما في شرح أدب الكاتب لا من وافقه حتى يكون على خلاف القياس، والمراد بكونه أكثر موافقة للوجود أي لما في الخارج أو نفس الأمر أنّ اسمه تعالى مقدم على القراءة والمقروء، فتقديمه على عامله المقدر أوفق من تأخيره تقديرا، وقيل: لأنّ ذات واجب الوجود قبل كل موجود واسم السابق سابق فتدبر فإن قوله إن اسمه تعالى مقدّم على القراءة يأباه، ثم إنه أيد ذلك بوجه يدل على مغنى الباء ويدخل به لتفسيرها، وهو قوله كيف لا الخ ولفظة لا سقطت من بعفى النسخ فقدّرها بعضهم أي كيف لا يكون اسمه تعالى مقدما على القراءة، وقد تقدم عليها بالذات، ومن حيث الكمال والاعتداد بها شرعا لأنها جعلت آلة، وهي لا بد من تقدمها في الوجود. وقوله:) من حيث الخ) بيان لجعلها آلة على أنّ الباء للإستعانة والظرف لغو باعتبار أنّ الفعل لا يتم ويعتد به شرعا ما لم يصدر بالتسمية أي تجعل في أوّله لأنّ الصدر إستعير للأوّل اسنعارة مشهورة حتى صار كأنه حقيقة فيه فمعنى كونه ا-لة له توقفه عليه حتى كأنه فعل به، فلا يرد عليه أنّ مذهب الشافعية أنها من الفاتحة فلا يناسب جعلها للآلة المغايرة لما يستعان بها فيه ولا أنّ الآلية تقتضي الامتهان فلا يلائم التعظيم والآلة هي الواسطة بين الفاعل ومنفعله في وصول الأثر
إليه وقوله ما لم يصدر أي جميع أوقات عدم التصدير فتدبر. قوله: (لقوله ﵊ كل أمر الخ) الأبتر هو الناقص الآخر والمقطوع الذنب ولذا قيل لمن لا عقب له أبتر واستدل بالحديث على ترجيح الآلة لدلالته على عدم التمام بدونها التزاما بخلاف المصاحبة فإنها لا دلالة لها على ذلك فلا توافق معنى الحديث وفي طبقات السبكي ﵀ روى ابن ماجة عن أبي هريرة ﵁ أنه ﵊ قال: " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو، دطع " (٢) ورواه البغوي بحمد الله والكل بلفظ " أ-دطع) وعن ابن شهاب " أجذم " وأدخل الفاء في الخبر وليس في أكثر الروايات، وقد يروى " كل كلام " وجاء موضع أقطع أجذم وأبتر، وجاء الجمع بينهما، وجاء موضع يبدأ يفتتح، وموضع الحمد الذكر، ويروى أيضا ببسم الله الرحمن الرحيم، وقد وقع الاضطراب في هذا الحديث سنداً ومتناً، ثم قال: والحمل على الذكر الأعم أولى لأنّ المطلق إذا قيد بقيدين متنافيين لم يحمل على واحد منهما ويردّ إلى أصل الإطلاق، ثم إنّ الحديث في فضائل الأعمال فيغتفر فيه ذلك لا سيما وقد تقوّى بالمتابعة معنى إلى آخر ما فصله، فقول ابن حجر ﵀: إنا لم نجده بهذا اللفظ، فكأنه رواية بالمعنى
وقريب منه
стр. 37
ما في الكشف لا يلتفت إليه، فإنّ من حفظ حجة على من لم يحفظ، وفي لفظ أبتر مبالغة في نقصانه حتى كأنه سرى لآخره وقيل فيه ترك للمبالغة فإنّ الحيوان المقطوع الرأس منتف بالكلية لا المقطوع الآخر والبال الشأن والحال وأمر ذو بال أي شريف عظيم يهتم به والبال القلب في الأصل كأنّ الأمر ملك قلب صاحبه لاشتغاله به، وقيل: شبه الأمر العظيم بذي قلب على الاستعارة المكنية والتخييلية، والوصف به تقييدي لتعظيم اسمه تعالى حيث ابتدىء به في الأمور المعتد بها دون غيرها، وللتيسير على الناس في محقرات الأمور، والتصدير عرفي أو شامل للحقيقي، والإضافي فلا تعارض بين الروايات، وشهرته تغني عن ذكره. قوله: (وقيل الباء للمصاحبة) اختار كونها للاستعانة مخالفا للزمخشريّ في ترجيح المصاحبة لأنها أعرب وأحسن.
قال قدس سره: أمّا أنها أعرب أي أدخل في لغة العرب أو أفصح أو أبين فلأن باء المصاحبة والملابسة أكثر في الاستعمال من باء الاستعانة لا سيما في المعاني وما يجري مجراها من الأفعال وأمّا أنها أحسن أي أوفق لمقتضى المقام، فإن التبرك باسم الله تعالى تأدّب معه وتعظيم له بخلاف جعله آلة فإنها مبتذلة غير مقصودة بذاتها، ولأنّ ابتداء المشركين بأسماء آلهتهم كان على وجه التبرك فينبغي أن يردّ عليهم في ذلك ولأن الباء إذا حملت على المصاحبة كانت أدل على ملابسة جميع أجزاء الفعل لاسم الله منها إذا جعلت داخلة على الآلة، ولأنّ التبرك باسم الله معنى ظاهر يفهمه كل أحد ممن يبتدىء به والتأويل المذكور في كونه آلة لا يهتدى إليه إلا بنظر دقيق، ولأنّ كون اسم الله تعالى آلة للفعل ليس إلا باعتبار أنه متوسل إليه ببركته فقد رجع بالآخرة إلى معنى التبرك، وقد أيد الوجه الأوّل بأنّ جعله آلة يشعر بأن له زيادة مدخل في الفعل ويشتمل على جعل الموجود لفوات كما له بمنزلة المعدوم ومثله يعد من محسنات الكلام انتهى، وقد أيد الثاني أيضا بأن جعل اسمه آلة لقراءة الفاتحة لا يتأتي على مذهب من يقول بأنّ البسملة من السورة، ومنهم المصنف ﵀ فاللائق جعل الباء للمصاحبة ومما يستأنس به للمصاحبة كما ذكره البلقيني في تفسيره ما روى في السنن عنه ﵊ من قوله: " باسم الله الذي لا يضرّ مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ") ١ (. فإنّ قوله مع اسمه صريح في إرادة المصاحبة.
(أقول) : كل ما ذكر أمور اقناعية غير مسلمة ولذا كرّ عليها بالإبطال في الحواشي ٠
فقيل: على الأول: إثبات الأكثرية دونها خرط القتاد وباء الاستعانة تدخل كثيراً على المعاني كما في قوله:) اسنعينوا بالصبر والصلاة (اسورة البقرة: ١٥٣] وإنما نشأ هذا التوهم من تمثيلهم في الآلة بالمحسوسات، وليس كل استعانة بآلة ممتهنة ولا شك في صحة
استعنت بالله، وقد ورد في لسان الشرع وهو إذن في إطلاقه، فلا يقال إنه موهم للنقصى فلا يصح هنا وقد يقال إنّ اكثرية علمت بنقل الثقات وقد قال سيبويه رحمه الله تعالى أصل معاني الباء الإلصاق وجميع معانيها ترجع له وهو إن لم يكن عين المصاحبة فليس ببعيد منها فتأمله. وأمّا الثاني: وهو أنّ التبرك باسم الله تعالى تأذب الخ فردّ بأنّ جهة الابتذال غير ملحوظة
هنا بل الملحوظ كون الفعل غير معتد به شرعا ما لم يصدر باسمه تعالى كما مرّ وهو يعارض التبرك بل أرجح منه، وفي الانتصاف أنّ معناها اعتراف العبد في أوّل فعله بأنه جار على يديه وأنّ وجود فعله بقدرة الله وايجاده لا بفعله تسليما لله من أوّل الأمر والزمخشرفي لا يستطيع هذا لنزعات الشيطان الاعتزالية، وليت شعري ما يصنع بقوله: ﴿وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إذ المراد أنه لا يطلب المعونة إلا من الله والتوفيق على عبادته في جميع أحواله ولا يلزم من كون الله معينا ما تصوّر في القلم كأنه يقول اقرأ باستظهاره ومكانته عند مسماه، وفي الحقيقة هو المعين في كل جزء كما قاله الطيبي ﵀ ولا يتوهم اتحاد المستعان والمستعان به، أو عدم الفرق بينهما كما قيل، وقيل عليه: إنه تعصب لأنه يريد أنّ في التبرك تعظيما وتكريما ليس في الآلة وان لم يدل على التحقير واللفظ الدال على التعظيم في حقه تعالى أولى من غيره مما لا يدل عليه أو يوهم خلافه، وإن كان معناه صحيحاً ثابتاً له ألا ترى أنه لا يقال خالق الخنازير وان كان خالق كل شيء، ولك أن تقول التبرك ليس معنى الباء كما سيأتي، وما ذكر إنما هو فيما يدل على الآلة وضحعا بالمادّة، كلفظ ا-لة أو بالهيئة كمفتاح، فإنه لا يطلق عليه تعالى، ولذا استقبح ابن رشيق في العمدة
стр. 38
قول أبي تمام:
والله مفتاح باب المعقل الأشب
أمّا الحروف الداخلة على الآلة إذا دخلت على ما يتعلق به تعالى بطريق المشابهة المكنية، وقامت القرينة على وجه الشبه لا نقص فيه فلا مانع من الحمل عليه إذا قصد به ما يدل على التعظيم، وايهام ما لا يليق وان كفى مرجحا إلا أنه مغتفر لبعده وظهور قرينة ضده فإذا ساعده المرجح رجح.
وأما الثالث: وهو أنّ المشركين كانوا يبدؤن بأسماء اكهتهم للتبرك الخ فغير مسلم بل
كانوا يقصدون الاستعانة أيضا لعدها وسايط يتقرّب بها إليه تعالى وهذا شبيه بالآلة.
وأما الرابع: وهو إنّ المصاحبة أدل على ملابسة جميع أجزاء الفعل الىخ فقد مر أنّ اقرأ
يدل على ذلك دون ابتدىء ولا يلزم من مصاحبة شيء لشيء ملابسته لجميع أجزائه في جميع أزمانه، والآلة لا بد من وجودها إلى آخر الفعل والا لم يتم، وفيه أن تقدير أقر، إذا دل على ذلك فمع ما يدل على المصاحبة يكون أظهر ولذلك قال أدل وأمّا الخامس وهو أن التيرك معنى ظاهر الخ فإن أراد أنّ المصاحبة معنا. التبرك، فظاهر البطلان لأنه لا تبرك في نحو دخلت عليه
ا / م هـ
بثياب السفر وقد مثلوا لها برجع بخفي حتين ومعناها خائباً كما صرحوا به فكيف يتوهم التبرك فيما هو بمعنى الخيبة، وإن أراد أنه يفهم منها بالقرينة إذ لا معنى لمصاحبتها لجميع الفعل إلا مصاحبة بركتها فلك أن تقول تلك القرينة باقية بعينها، فتفيده إذا قصد الآلة لتوقف الاعتداد بها شرعا عليها، وأما كون التبرك معنى ظاهراً لكل أحد، فغير مسلم أنه مأخوذ من خصوص معنى المصاحبة كما عرفت فما قيل عليه من أن العمدة والنظر للخواص، والعوامّ كالهوامّ، والدقة من أسباب الترجيح لا الرد مما لا حاجة إليه وإن ردّ بأنه ذهول عن المراد فإنه ينادي على أنّ كل أحد من الخواص والعوام والبله والحذاق مأمورون بذلك من الشارع فلو لم يكن معناه مكشوفا لكل أحد لكانوا مأمورين بما لم يعرفوه وهو بعيد جداً.
وأمّا السادص: فإنّ ما يفتح به الشيء لا مانع من كونه جزأ له كالطومار والكتاب يفتح
بأوّل أجزائه، وقد مرّ أنّ الفاتحة مفتتح القرآن مع كونها جزأ بلا خلاف، ولو سلم فجعلها مفتتحاً ومبدأ بالنسبة لما عداها وأمّا الاستئناس بالحديث فقد قيل عليه: إن المراد بما في الحديث الإخبار عن أنه لا يضر مع ذكر اسمه شيء من مخلوق، والمصاحبة تستدعي أمراً حاصلاَ عندها نحو جاءكم الرسول بالحق والقراءة لم تحصل حينئذ فتعذرت حقيقة المصاحبة فيه، ولا وجه له فإن المصاحبة هنا ليست محسوسة، وكونها إخباراً بنفي صحبة الضرر يفهم منه صحبة النفع والبركة كما لا يخفى، والمراد بالبركة دفع الوسوسة عن القارىء مع جزيل الثواب كما قاله ابن عبد السلام ﵀، فلا يتوهم أنّ القرآن أشرف من البسملة فكيف يطلب له بركتها، وقيل: الباء للإلصاق، وقيل: بمعنى على وقيل زائدة ومن الغريب ما قيل إنها قسمية.
(وأعلم) : أنّ الجمهور على أنّ الظرف إذا كانت الباء للملابسة والمصاحبة ظرف مستقرّ
فإذا كانت للاسنعانة والآلية لغو لأنّ مدخونها سبب للفعل متعلق به بواسطة الباء من غير اعتبار معنى فعل آخر عامل في الظرف وجوّز الرضى، وصاحب اللباب اللغوية على الأوّل أيضاً قال في اللباب: ولا صادّ عندي من الإلغاء كما في باء الاستعانة وقال الفاضل الليثي: إنه إذا قصد بباء المصاحبة مجرّد كون سول الفعل مصاحبا لمجرورها زمان تعلقه به من غير مشاركة في معنى العامل، فمستقرّ ني موضع الحال وان قصد مشاركته فيه فلغو ويؤيده التمثيل بإشترى الفرس بسرجه لاحتماله لكلا المعنيين، فعلى أحد الوجهين يكون مشترى دون الآخر بخلاف نحو نمت بالعمامة، فإنه لا يحتمل اللغوية وكذا ما نحن فيه إذ لم يقصد إيقاع القراءة على اسم الله وفيه نظر ظاهر لمنعه خصوصاً على مذهب المصنف وقد قيل عليه أيضاً أنّ المصاحبة إفما هي المعنى الأوّل، وأما الثاني فهو معنى الإلصاق وليس بشيء إذ الإلصاق لا ينافي المصاحبة خصوصاً على مذهب القائل بعدم انفكاكه عنها وقولهم متبركاً ليس لبيان المتعلق بل بيان لمعنى الملابسة، وعلى الد صاحبة تعنقه بالفعل إلمقذر معنويّ لا صناعيّ، فهو متعلق بحال هو قيد له
فكأنه متعلق به إلا أنه لا يلائم ظاهر كلامهم، واختلافهم في تقدير عامل عام أو خاص كما مرّ، وكيف يتأتى هذا في قول الكشاف تعلقت الباء بمحذوف تقديره بسم الله اقرأ انتهى.
وليس المقصود بالحصر حينئذ التبرك
стр. 39
على معنى أني لا أبدأ إلا متبركا بل حصر التبرك
في اسمه تعالى لأنّ دخول الحصر على مقيد كدخول النفي في وجوهه. قوله: (والمعنى متبركاً الخ) هو بيان للمعنى على الثاني لأن المصاحبة وإن كان معناها مجرّد لملابسة لكنها بمعونة قرائن المقام محمولة على الملابسة بطريق التبرك، ولا يصح رجوعه إليهما بناء على أنّ كونه اسم اكة ليس إلا باعتبار التوسل ببركتة فيرجع بالآخرة إلى هذا كما يعلم من الكشاف وشروحه: وليس المراد أنّ الباء صلة التبرك كما توهم بل هو تصوير للمعنى، وبيان للملابسة فإنها تكون على وجوه شتى فلا يرد أنّ التبرك لم يعد من معاني الباء أصلاً، وما قيل من أنّ الباء موضوعة لجزئيات الملابسة، ومنها التبرك فحملت على بعض معانيها بقرينة المقام بشيء لأنه لا يلزم من ٦لصاف بعض جزئياتها بالتبرك كون التبرك موضوعا له لأنه وضع لذوات الجزئيات لا لصفاتها كما لا يخفى، ثم إنّ الشارح المحقق قال في شرح قول الزمخشري هنا على معنى متبركا يعني أنّ التقدير ملتبساً باسم الله ليكون المقدر من الأفعال العامة لكن المعنى بحسب القرينة على هذا، فلهذا يجعل الظرف مستقراً إلا لغواً انتهى.
فقيل عليه: إنه مبنيّ على أنّ المقدر في الظرف المستقرّ عام البتة وان كان المعنى على الخصوص، فيناقض ما سبق مته من أنّ النحويين إنما يقدرون متعلق الظرف المستقرّ عاما إذا لم توجد قرينة الخصوص، ودفع بأنه لا مناقضة لأنّ العموم الذي نفى لزومه في متعلق الظرف المستقرّ هو العموم المطلق البالغ الغاية، كما أنّ الكون والحصول الذي دل كلامه هنا على لزومه هو العموم بالإضافة إلى متبركاً ونور، بأنّ هذا القسم من الظروف سمي مستقرّاً لاستقرار معنى المتعلق فيه وانفهامه منه وكل ظرف يفهم مته حصول شيء ما فيه، فبعضها ما لا يفهم منه إلا ذلك كزيد في الدار وبعضها يفهم مته خصوصيته بوجه كزيد على الفرس، وفيما نحن فيه ليس للظرف نفسه دلالة على التبرك فلو قدر متعلقه متبركا خرج عن كونه مستقرّاً بخلاف ما إذا قدّر ملتبساً مع أنّ فيه أيضاً خصوصية بالنسبة إلى كائن وحاصل، فإنه لا يخرج عن كونه مستقرّ الانفهام معنى ملتبساً منه، ويدل عليه جعله ملتبساً من الأفعال العامة انتهى ولا يخفى أنّ هذا وإن حصل به التوفيق بين كلاميه إلا أنه معنى معقد من غير فائدة ولذا اعترف بعض الفضلاء بأنه واود غير مندفع فتدبر. قوله: (وهذا وما بعده الخ) هذا راجع إلى الوجهين السابقين كما نبه عليه كثير من أصحاب الحواشي وهو الأظهر، فإن خص بالثاني لذكر التبرك ونحوه على أنه من مقول قيل، فالوجه الأول يعلم أمره بالمقايسة على الثاني إلا أنّ بيان متعلقات ما مرّضه وترك ما اختاره بعيد، وهذا جواب سؤال نشأ مما مرّ، فإنه بحسب الظاهر لا يليق بجناب العزة أن يقول أقرأ متبركا وكذا الاستعانة ونحوها، والتبرك مفهوم من البسملة لأن الاستعانة لا تخلو عنه أيضاً
والحمد من قوله الحمد لله وكونه على نعمه من قوله رب العالمين الرحمن الرحيم لا لأن الحمد في مقابلة النعمة والسؤال من فضله من قوله: ﴿اهْدِنَا﴾ الخ ويعلم منه أيضاً بقية ما فيها، فلا يرد عليه أنه لم يتعرّض لقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ حتى يتكلف ادخاله فيما ذكر. قوله: ﴿لِيَعْلَمُواْ﴾ الظاهر أنه بالتخفيف من العلم، ويجوز أن يكون من التعليم ونقل الطيبيّ رحمه الله تعالى عن الزمخشرفي أنه قال: مثاله إذا أمرك إنسان أن تكتب رسالة من جهته إلى غيره فإنك تكتب كتبت هذه الاً حرف، وانما تفعله على لسان آمرك، وليس فيه قل مقدرة كما يتوهم إذ المراد أنه تعالى حمد نفسه ليقتدى به ومدح النفس، وان استقبح من العباد يحسن منه تعالى كما قيل: ويقبح من سواك الشيء عندي وتفعله فيحسن منه ذاكا
مع أنه ليس كذلك مطلقا ولذا قال يوسف عليه الصلاة السلام: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] وقال البلقيني ﵀: إنّ جعله مقولاً على آلسنة العباد نزغة اعتزالية لم يتنبه لها من اتبعه، فقيل: إنه باطل وقيل: وجهه أنّ المعتزلة يقولون أنه يكلم الله خلقه الكلام على لسان غيره فتدبر، وقوله في الكشاف هنا: فكيف قال الله متبركا باسم الله الخ وهي ليست من السورة عنده ظاهر لمن له أذن واعية. قوله: (كيف يتبرك الخ) يتبرك بصيغة المجهول أي يتبرك العباد، ومعنى كيف يتبرك كما قاله الشريف بأي عبارة يتبركون فلا يرد أنّ ما ذكر تعليم للتبرك باسمه لا لكيفية التبرك به انتهى.
يعني أنّ الإستفهام هنا حقيقي
стр. 40
وهو عن التبرك، فإنه إنما يكون في كلام العبد لا في كلام
الله تعالى، فكيف استفهم عن كيفيته دونه، فأشار إلى أنّ المراد بالكيفية العبارة المخصوصة لأنها لباسه الذي يبرز فيه، فكأنها كيفية وحالة، فما قيل من أنه استفهام إنكارفي استعيرت صيغته للاستبعاد لأنّ الإنكار مجاز مشهور، وتعلق الإستفهام سواء كان إنكارا أو استبعادا بمدخول كيف واقحامه للمبالغة بطريق الكناية عن انتفاء الشيء بانتفاء كيفيته إذ لا بد لكل ماله خطر- من الوقوع على كيفية مّا على ما حقق في تفسير قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨] ومن لم يتنبه لهذا اعترض بأنه تعليم للتبرك لا لكيفيته، كما سمعته آنفا ليس بشيء لأنه استفهام حقيقيّ لا إنكاريّ حتى يحتاج لما ذكر، وكذا ما قيل من أنه ليس المراد بالكيفية العبارة بل أي كيفية متبرك بها من اعتبار تقديم المتعلق وتأخيره، والدلالة على الاختصاص وغيره، وفيه أنّ ذلك التقديم والتأخير في النص ليس بحسب اللفظ، فإن علم العباد ما يوجب اعتبار هذا التقديم والتأخير، فلا حاجة إلى تعليم تلك الكيفية، وان لم يعلموه لم يعلموا ذلك التقديم والتأخير، فكيف يكون فيه تعليم لهم، فإنه تعسف من غير داع له، وقريب مته ما قيل: من أنه لا خفاء في أنّ ما ذكره يشتمل على التبرك باسمه تعالى بملى وجه معين وكيفية مخصوصة، وبهذا الإعتبار يصح أن يقع جوابا للسؤال عن كيفية التبرك من غير احتياج لاعتبار العبارة، وصرفه للسؤال عنها وهذا غريب منه فإنه عين ما أفاده الشريف إلا أنه
كما قيل:
إذا محاسني اللاتي أدلّ بها كانت عيوبي فقل لي كيف أعتذر
ثم إنّ التبرك بتقديم اسمه لا ينافي تقدّم لفظ اسم إذ المراد منه بعد الإضافة اسمه تعالى
إذ الإضافة إن كانت لمطلق الاختصاص شمل أسماء الذات والصفات فيفيد التبرك بجميع أسمائه، ويعلم منه وجه إقحامه ورجحه بعضهم، وإن كانت للاختصاص الوضعي الكامل يختص بلفظ الله لأنه اسم وضع للذات، وما عداه أسماء صفات وأما الباء فهي وسيلة إلى ذكره على وجه يؤدّي إلى جعله مبدأ للفعل فهي تتمة لذكره على الوجه المطلوب. قوله: (وإنما كسرت الخ) أي حروف المعاني الموضوعة على حرف واحد، وحروف المعاني ما يقابل الأسماء والأفعال، وحروف المباني ما تركب وبني منه الكلم، ولما كان البناء لا يختلف بتعاقب العوامل كان أصله السكون لخفته، فإنّ الدائم بالخفيف أولى، وأيضا أصل الإعراب أن يكون وجوديا لكونه أثر العامل وعلما للمعاني، فحق مقابله أن يكون عدميا، وقد امتنع البناء على السكون في الحروف التي جاءت على حرف واحد لأنها من حيث كونها كلمة برأسها مظنة للابتداء بها، وقد رفضوا الابتداء بالساكن لتعذره أو تعسر. كما سيأتي بيانه فحقها أن تبني على الفتحة التي هي أخت السكون في الخفة، وان كانت الكسرة أختا له في المخرج لأنها اً دوات كثيرة الدور على الألسنة فاستحقت الأخف كما قاله الشارح المحقق، وبقوله كثيرة الدور الخ اندفع عنه ما قيل من أنه معارض بأنّ الكسر يناسب العدم بقلته، والساكن إذا حرك حرك بالكسر إلا أنه قيل عليه أن لا مخرج للسكون يوأخى فيه فقيل: إن أراد أنّ السكون ليس له مخرج، ومخرج الكسرة لضعفه قريب من العدم مناسب له أو المراد أنّ مخرج الحرف الساكن يناسب مخرج الحرف المكسور، ولا يخفى عليك ضعف الجواب الأوّل وفساد الثاني ولو قيل: المخرج في كلامه مصدر ميمي بمعنى الخروج لا المخرح المعروف يعني أنّ الأصل في الخروج من السكون والتخلص منه أن يكون بالكسر كما صرح به النحاة لم يبعد فتدبر. قوله: (لاختصاصها بلزوم الحرفية الخ) في الكشاف لكونها لازمة للحرفية والجر والمصنف ﵀ عدل عنه لما ذكره فزاد الاختصاص وغير لازمة بلزوم الخ كما رأيته ومناسبة الحرفية للكسر لأنّ الأصل فيها البناء وأصله السكون الذي هو عدم الحركة والكسر قليل، والقلة أخت العدم، وأما الجرّ فلمناسبته لعمله وأثره، وقد اقتصر بعضهم على الثاني قيل: وهو الأظهر.
وقد اعترض على ما في الكشاف بأنها ليست لازمة لهما بل ملزومة فالصواب أن يقال ملزومة للحرفية والجر، ولذلك غير المصنف ﵀ عبارته لأنّ اللزوم مصدر مضاف لفاعله، فالحرفية والجر لازم لا ملزوم، ومن لم يتنبه له أوّل عبارته أيضاً بناء على أنه مضاف إلى
стр. 41
المفعول ثم قال: ويحتمل أن تكون الإضافة للفاعل، وتبعه القائل بأن إضافة اللزوم للمفعول، فالحرفية والجر ملزومة واللازم الباء ولم يضف اللزوم للباء إذ بعد إضافته إليها لا
يحس القصر عليها لأنه لا يتصور أن يتجاوز لزوم الباء إياهما عن الباء، فيحتاج إلى التكنف والتجريد عن تلك الإضافة بأن يراد أنّ عدم الإنفكاك عن الأمرين مقصور على الباء، وقيل: إلى الفاعل ونظيره ما ضرب زيد إلا لعمرو، وهو من قصر الفعل المسند إلى الفاعل على المفعول، وردّ بأن القصر منحصر في قصر الموصوف على الصفة، والصفة على الموصوف، والضرب المسند إلى زيد وإن اعتبر تعلقه بالمفعول ليس صفة لعمرو وإلا أن يقال: إنّ الضرب المذكور صفة لزيد لكنه بحسب تعلقه بعمر ويحصل له صفة اعتبارية، كما في الوصف بحال المتعلق والقصر باعتباره، وسيأني ما في الاختصاص الذي زاده المصنف ﵀، وقد أجيب عما ذكر من اللزوم بأنّ المراد باللازم للشيء هنا ما لا يفارقه كما يدل عليه تقسيمهم العارض إلى لازم ومفارق، ومعنى عدم مفارقة شيء لآخر أن لا يوجد الثاني بدونه لا العكس، ولذا صح انقسام اللازم إلى الأعم والمساوي، وكتب اللغة ناطقة به كما في الصحاح والأساس وعليه قوله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦] فمرجع اللزوم لغة إلى عدم الإنفكاك، وهم يقولون لزم فلان بيته إذا لم يفارقه، فلا يخلو البيت منه، ويلزمه عدم خروجه عنه، وهو معنى كنائيّ، ومنه قولهم أم المتصلة لازمة لهمزة الإستفهام فمن قال: إنّ ما ذكر معنى اللازم الاصطلاحي، وله معنى آخر لغويّ فقد وهم، وما قيل: إنّ ما ذكر لا يدفع الإعتراض، وإن الصواب في دفعه أن يقال: إنّ اللازم بمعنى الملزوم مجازا مبالغة في اللزوم، وقد نبه عليه السعد بتفسيره لازمة بملاصقة غير منفكة عنهما، فلا توجد بدونهما كما هو معنى اللزوم في اصطلاح الحكمة إلا أنه لم يصب في زعمه أنه معنى اصطلاحيّ لا لغويّ ليس بشيء لأنّ عدم الدنع مكابرة معلومة مما نوّرناه والمجازية هنا فاسدة لعدم القرينة المصححة له، ولا حاجة له مع أنه مآل المعنى اللغوي الحقيقي، كما اعترف به، والتخريج على متعارف أهل اللغة أنسب مع أنه قيل عليه: إنه غير مطابق لمصطلح الحكمة لأنه لا يلزم أن يكون كل حرف جار باء لأنهئم إذا قالوا الكتابة لازمة للإنسان، أرادوا أنه كلما وجد الإنسان وجدت الكتابة، وهو فاسد هنا، وتكلف بعضهم توجيهه بما نحن في غنية عنه.
(والذي نصححه) : ما في حواشي بعض الفضلاء العصريين من أنّ الصحيح من نسخ
شرح الفاضل التفتازاني على ما هو معنى الملزوم في اصطلاح الحكماء بصيغة المفعول، وما في بعض النسخ من معنى اللزوم بصيغة المصدر لا صحة له وواية ودراية فإن قلت: إن الباء تكفّ بما عن العمل كما في حرف الميم من مغنى اللبيب فكيف يتم أمر اللزوم قلت: كأنه لقلته بالنسبة لعملها جعل كالمعدوم، أو أنه الأصل ما لم يعارضه معارض فتدبر واللزوم أحد المصادر التي جاءت على فعول للمتعذي وهي محفوظة، وأمّا قيد الاختصاص الذي زاده المصنف على الكشاف فذهب ناس إلى أنها زيادة ضارة فتركها أولى وآخرون إلى لزومها أو حسنها لأنّ اللزوم قد يكون عرفياً غير كليّ عقليّ، فأشار بإقحامه إلى أنه كليّ عقليّ، وما قيل
في توجيهه من أنه لا يطلق حرف الجر على غير الباء لا يسمن ولا يغني من جوع وقيل: إنه زيد لئلا يتوجه عليه شيء من النقوض الآتية إذ معناه لامتيازها من بين الحروف باللزوم وظاهر أنه إنما يصح إذا اعتبرت صووة الحرف من حيث دلالتها على معنى مع قطع النظر عن خصوصية نشأت من الإضافة أو غيرها، فإن شيأ من حروف الجر المفردة من حيث هو حرف لا ينفك عن الحرفية والجر فيلزم أن تكون كلها مكسورة، فلا بد من قطع النظر عن الخصوصية والباء داخلة على المقصور كما هو المشهور وكل من الحرفية والجر مناسب للكسر كما مرّ ثم إنه قيل إنهما وجهان ونقص الأوّل بواو والعطف وفائه اللازمتين للحرفية والثاني بكاف التشبيه اللازمة للجر، وقيل: هما وجه واحد فاندفع النقضان لكن بقي النقض بواو القسم وتائه ودفع بأنّ عملهما بالنيابة عن الباء فكان الجر ليس أثرهما واحترز بلزوم الحرفية عن كاف التشبيه، وقيل هو مستدرك لأنها لا تعمل الجر إذا كانت اسما إلا أن يقال إنه على قول قوله: (كما كسرت لام الأمر الخ) التثبيه في أنها خالفت الحروف المفردة التي حقها الفتح لعلة اقتضت المخالفة، وهي هنا دفع اللبس المذكور ولام
стр. 42
الإضافة هي لام الجر، وبعض النحاة يسمى حروف الجر حروف الإضافة لأن الإضافة إفضاء لإيصالها معاني متعلقها إلى مجرورها ولام الابتداء هي الداخلة على بعض أجزاء الجملة الإسمية سميت بها لدخولها في الابتداء بحسب الأصل كما بينه، وما ذكر لا ينافي فتح غيرها كلام الجواب والقسمية، وكسرت لام الجر لما ذكر مع مناسبة عملها أيضاً وكسرت لام الأمر حملاً عليها لأنها مشابهة لها في مطلق العمل أو في الاختصاص بنوع من الكلم وأثرها يثبه أثرها في كونه من خواص بعض الكلمات، وفتحت الجارة للضمير على الأصل من غير نظر للفرق المذكور لأنه حاصل بجوهر المدخول عليه، ولم ينظر لإعراب مدخولها لأنه قد لا يظهر كما في حالة الوقف ونحوها، وهذا كلام غير مطرد مجمل إذ اللام الداخلة على الضمير قد تكسر إذا دخلت على ياء المتكلم واللام غير العاملة مفتوحة وان لم تكن لام ابتداء كما مرّ ولام الاستغانة والتعجب مفتوحة مع جرها للمظهر، وان وجهوها بأنها واقعة في موقع اللام الجارة للمضمر وهو كاف أدعوك لكن هذه علل نحوية بعد الوقوع كما قيل.
عهدالذي أهوى وميثاقه أضعف من حجة نحويّ
فلا نطيل الكلام فيها. قوله: (والاسم عند أصحابنا الخ) عند ظرف متعلق بالثبوت المفهوم من نسبة الخبر إلى المبتدأ والإعجاز جمع عجز وهو الآخر، وفيه لغات أي هو عندهم محذوف اللام مثتق من السمو وهو الرفعة لأن المسمى يرتفع ذكره باسمه، فيعرف به، واذا جهل اسمه كان خاملاَ، وفي الأمالي الشجرية يقال فلان له اسم إذا كان شهيراً، وأصل اسم سمو كجأع وأجذاع أو فعل كقفل وأقفال أو فعلى كرطب وأرطاب، ومن قال: اسم حذف لامه وسكن فاءه وعوّض همزة الوصل كما في ابق ومن قال سم لم يعوض وقوله أصحابنا إشارة إلى
أنه يقول بقول البصريين بعد من يوافق رأيه رأيه صاحباً له كما يقول الحنفي أصحابنا الحنفية يقولون كذا، وخالفهم الكوفيون، فزعموا أنّ المحذوف فاؤه ومن الوسم والسمة، وهي العلامة وأصله وسم بالكسر أو وسم بالفتح، ويدل عليه تصغيره وتكسيره وفعله وأنك لا تجد في العربية اسما حذفت فاؤه وعوّض عنها همزة الوصل وانما عوّضوا من حذف الفاء تاء التأنيث في عدة وثقة ونظائرهما. قوله: (لكثرة الاستعمال) يعني به أنه حذف لمجرّد التخفيف الذي أوجبه كثرة الاستعمال، فصار نسيا منسيا وما قبله محل للإعراب، وليس حذفا إعلاليا حتى يكون الحرف الأخير منونا والإعراب مقدر عليه واجتلاب الهمزة لا ينافي التخفيف لسقوطها درجا. قوله: (وبنيت أوائلها على السكون الخ) أي استعملت هكذا تخفيفا وان كانت متحركة بحسب الأصل وأصله سمو بالضم أو الكسر، وهذا أحد مذهبي البصريين والآخر أنهم أدخلوا الهمزة على المتحرك، ثم سكنوه تخفيفا ومعنى بنيت صيغت ووضعت لأن البناء في اصطلاح النحاة يطلق على هذا، وعلى ما يقابل الإعراب وليس المراد الثاني لأنه يختص بالآخر وقوله: (وأدخل الخ) لأنّ من دأبهم الابتداء بالمتحرك، وقوله: (مبتد " أي واقعاً في الابتداء منصوب على الحال من ضمير عليها أو من الهمزة لأنهم لما احتاجوا إلى حرف يثبت في الابتداء ويسقط في الدرج دفعا للضرورة بمقدارها لم يجدوا ما يصلح له غيرها وخصوها لقوّتها من بين حروف الزوائد وكونها من ابتداء المخارج وفي قوله دأبهم أي عادتهم إشارة إلى أنّ الابتداء بالساكن ممكن، لكن ترك لما فيه من اللكنة والبشاعة وقد قيل: إنه موجود في لغة العجم وانما ترك لتعسره ولا لتعذره واختاره الشريف وقال غيره الحق أنّ وجوده في الفارسية غير ثابت وان لم يقم الدليل على استحالته والاستدلال على هذا، وعلى كون الحركة مع الحرف أو قبله أو بعده مما لا طائل تحته، وقيل: إن كان السكون ذاتياً كسكون الألف امتنع والا أمكن فالأقوال فيه ثلاثة وانما كان الوقف على الساكن لأنه ضد الابتداء فأعطى ضد وصفه، ولأنه انتهاء وعدم فناسب السكون، والأسماء المذكورة على ما في المفصل أحد عشر اسما ابن وابنة بزيادة الميم للتأكيد، وتيل: هي بدل من اللام واثنان واثنتان وامرؤ وامرأة وايم الله وأيمن الله واسم واست والكلام عليه مشروح في المطوّلات، ولاختلافهم في عددها لاختلاف النظر فيه لم يذكره المصنف رحمه
стр. 43
الله كما في الكشاف. والحركة والسكون حقيقة من صفات الأجسام، وهما هنا صفة اللسان وصف الحرف بهما مجازاً، ثم شاع حتى صار حقيقة عرفية أيص. قوله: (ويشهد له تصريفه الخ) بإفراد الضمير للاسم وفي نسخة تصريفهم بضمير الجمع للعرب والتصريف الخويل ومنه تصريف الرياح والمرإد نقله وتحويله إلى صيغ وأبنية مختلفة وأسامي جمع أسماء فهو جمع الجمع ويأوه في الأصل مشددة، ويجوز تخفيفها قياساً مطردا في نحوه كأماني وأثافي، ولهذا رسم بالياء في النسخ، فلا وجه لما قيلى: من أنّ الأصح رسمه بدون ياء كما ني
ياء قاضى إلا أن يكون جمع أسماء فإنه أفاعيل بياءين وهذه اللفظة غير مذكور في الكشاف، وفي نسخ تفسير القاضي كتبت بالياء انتهى.
وسمي مصغر، ولو لم يكن كذلك قيل أوسام ووسيم ووسمت ونحوه وقوله: (ومجيء
سمى الخ) معطوف على قوله تصريفه ولغة بالنصب على أنه حال من سمى أو بنزع الخافض أي في اللغة ففي الاسم لغات اسم بالضمّ والكسر وسم بالضم والكسر أيضا وسمة وسماة مثلثين كما في القاموس وسمى كهدى ورضى ووزن اسم أفع. قوله: (والله أسماك سمى مباركاً الخ البيت) هو لأبي خالد القتاني نسبة إلى قتان بن سلمة بن مذحج وأسماك لغة في سماك المشدد بمعناه، وروى مشذدا أيضا ومعناه وضع له اسماً ويكون بمعنى دعاه باسمه كما في شرج الشواهد، وسمى مفعول أسماك، وهو يتعدى بنفسه وبالباء وآثرك بالمد بمعنى اختصك باسم مبارك أي متبرك به تفاؤلاً كغانم وسعيد وفي شرح الإصلاح لابن جني ﵀ المعنى آثرك الله بالتسمية الفاضلة، كما آثرك بالفضل، وهو مفعول مطلق للتشبيه كضربت ضرب الأمير، وقيل: إيثارك للمعالي والذكر الحسن، وهو مفعول مطلق على هذا أيضا وقيل هو مفعول لأجله، وقيل: منصوب بنزع الخافض أي كإيثارك، واستشهد به على أنّ سمى كهدى لغ في الاسم، ولا دليل فيه لاحتمال أن يكون على لغة من يقول سما بضم السين غير مقصورة ونصب على أنه مفعول ثان لأسماك، وفي شرح كتاب سيبويه أنه يجوز أن يكون سمى غير مقصورة فألفه ألف تنوين بدليل إنه روى سما بالكسر، ور وى بدل إيثارك تبارك، وهو بيت من أرجوزة لم أقف عليها. قوله: (والقلب بعيدا لأنه خلاف الظاهر وقوله غير مطرد محتمل لمعنيين أحدهما أن يراد أنه شاذ لا يقاس عليه، فلا ينبغي تخريج ما ذكر عليه والثاني أن يراد أنه غير مطرد في جميع تصاريف الكلمة إذ لا تكون كلمة مقلوبة خولف الأصل فيها بالتقديم والتأخير في جميع تصاريفها حتى لو وجد مثله قيل هما مادّتان مختلفتان ليس أحدهما مقلوب الآخر كما في جبذ وجذب كيف، وشأن الجمع والتصغير ونحوهما رذا لشيء إلى أصله، وهذا ردّ الجواب الكوفيين عما ذكر مما استدل به البصريون، وحينئذ لا يرد أنه لم يعهد دخول الهمزة على ما حذف صدره لأنه حينئذ مما حذف عجزه وما قيل من أنه يحتمل أن يراد قلب الواو همزة في أسماء لما في المفصل وغيره، ومن أن إبدال الهمزة من حروف اللين مطرد في المضمومة وغير مطرد في غيرها كما في إشاح، واعاء لا يلتفت إليه أصلاً. قوله:) من السموّ) مشددا كالعلو وزنا ومعنى أي مأخوذ منه على هذا الوجه، والشعار بكسر الشين المعجمة وفتحها أصلها ما يلي شعر الجسد من اللباس، وهو عطف على الرفعة أي لكونه زينة، ومعدا لما يعتني به مما يقصد تعريفه، فاندفع عنه ما قيل عليه: من أنّ الشعار يناسب الوسم والعلامة،
فينبغي ذكره معه وقيل العلامات الحسية مرتفعة في اكثر والاسم يرفع مسماه من حضيض الخفاء إلى الأوح والظهور والجلاء فظهر مناسبته له مناسبة معنوية تراعى في الاشتقاق والاسم ليس هو المقابل للفعل والحرف، بل هو بالمعنى اللغوي الأعم، ولو خص به لم يبعد أيضاً. قوله: (ومن السمة) بكسر السين وهي العلامة والاسم علامة على مسماه حذفت الواو وعوض عنها الهمزة وقيل قلبت همزة على خلاف القياس، ثم جعلت همزة وصل تخفيفاً وقوله ليقل أعلاله علة لكونه من السمة أو للحكم في قوله وأصله وسم أو علة للتعويض، والإعلال هنا بمعنى مطلق التغيير لا الإصطلاحي، وهو تغيير حرف العلة بالقلب أو الحذف أو الإسكان، وقلة تغييره لأنه ليس فيه إلا حذف الواو، وسينه كانت ساكنة وقيل كان الأحسن أن يقول من الوسم لأنّ سين سمة محركة وإنما ذكرها لأنها أشهر في معنى العلامة وليغاير بين المشتق والمشتق منه، ومن قال: إنه
стр. 44
من الوسم تسامح أو كسر الواو كما قيل ليتغايرا والمعترض لم يفرق بينهما، وفيل إنّ قوله ليقل إعلاله متعلق بقوله عوض عنها همزة الوصل أي عوضت الهمزة من الواو المحذوفة ليقل تغييره إذ بزيادة الهمزة يجبر نقصان الحذف.
وتلخيصه: أنّ الحذف يجبر نقصان كمية ما يتركب منه الكلمة وانعدام خصوصية حرف
منه وبالتعويض ينتفي الأوّل فيقل التغيير، أو بقوله من السمة والمراد قلة إعلاله بالنسبة إلى كونه من السموّ فإنه على الأول الإعلال في أوّله فقط، وعلى الثاني في أوّله وآخره معاً وفيه تكلف ظاهر انتهى.
ولا يخفى أنّ ما ظنه تكلفاً هو المراد، وما قذمه مشترك بين القولين، فلا وجه لذكره هنا فتدبر. قؤله: (ورذ الخ) قدّم جوابهم عنه وما فيه فتذكره، ولغاته مرّ تفصيلها وأنها تزيد على العشرة، يعني أنّ ارتكاب زيادة الإعلال أحسن من عدم النظير لأنّ المعروف تعويض الهمزة عن اللام المحذوفة، والهاء عن الفاء كعدة وسعة وزنة. قوله: (باسم الذي في كل سورة سمه الخ) هو بيت أو مصراع باعتبار أنه من مشطور الرجز أو تمامه وهو من أرجوزة لرؤبة بن العجاج وبعده:
أرسل فيها بازلاً ضث مه فهوبهاينحوطريقاً يعلمه
الخ والباء متعلقة بأرسل والضمير للراعي أي أرسل الراعي في الإبل جملاً بازلاً للنتاج متبركاً باسم الله الذي برّك به في أوّل كل سورة، ويقرّمه بمعنى ترك استعماله في الركوب والحمل ليقوى الفحل، وهو من التقريم لا الإقرام كما توهم والجملة صفة بازلاً، وقيل: حال
من المرسل فهو أي البازل ينحو أي يقصد بتلك إلا بل طريقاً يعلمه لاعتياد سلوكه، وذكره للإشارة إلى ما في جعل الهمزة عوضاً لما فيه من حذف العو ضوالمعوّض إلا أن يقال من يحذفها لا يقول بأنها عوض، واليه يشير قول المصنف إنها لغة، والبازل البعير الذي انشق نابه وهو في السنة التاسعة وسمه كما في شرح المفصل بكسر السين وضمها كما في سمى البيت السابق ويجوز فتحها، كما في كتب اللغة فسينه مثلثة. قوله: (والاسم إن أريد به الخ) قد اشتهر في كتب الأصول ذكر الخلاف في أنّ الاسم هو عين المسمى أو التسمية أو هو غيرهما، وقد تحير الناس في المراد من ذلك وذكروا له تأويلات لم تظهر لها ثمرة، ولم يتحرّر إلى الآن محل الخلاف ومقطعه، وأشار إلى ذلك المصنف ﵀ ولم يذكر القول بأنه عين التسمية أو غيرها وإن كان قولاً لبعض المعتزلة لأنه في غاية الضعف والبعد والمراد بالتسمية أيضاً العبارة المعبر بها عن المسمى كما نقل عن الأشعري ﵀. وقوله: (فنير المسمى) يعني به أنه لم يتحرّر له محل النزاع لأنه إن أريد بالاسم لفظه فهو غير المسمى بلا نزاع لأنه يتألف من أصوات غير تارة أو من هيآت وكيفيات للأصوات يتميز بها كل صوت من غيره على ما حققه الرئيس في بعض رسائله، والمسمى ليس كذلك دائما، وان اتفق ذلك له في بعضها كالقرآن ونحوه مما اسمه ومسماه لفظاً أيضاً، وان أريد به ذات الشيء، فهو المسمى لكنه لا يصلح محلاً للنزاع، ولا يناسبه ما ذكر في الاستدلال وان أريد به الصفة أو الأعم لا يصح الجزم بأحد طرفيه، وقد أراد السيد السند في شرح المواقف تحرير المبحث فلم يتم له الدست، وقد ذكره برمته وما له وما عليه هنا بعض أرباب الحواشي، فأعرضنا عنه لعدم الفائدة فيه. قوله: (لأنه يتألف من أصوات الخ) الصوت كما قال الرئيس كيفية تحدث من تموّج الهواء المنضغط بين قارع ومقروع، وزعم النظام أنه جسم، وفي التفسير الكبير بعد ما ذكره إبطاله وما أبطلوه به أقول: النظام كان من أذكياء الناس، ويبعد أن يذهب إلى أنّ الصوت نفس الجسم إلا أنه لما ذهب إلى أنّ سبب حدوث الصوت تموّج الهواء ظن الجهال أنه يقول: إنه عين ذلك الهواء انتهى (وأنا أقول) الظاهر أنه إن ذهب إلى أن الصوت هو الهواء المتموّج المنضغط، فلا يرد عليه شيء مما زعمه، وأي مانع يمنع عنه إلا التحكم البحت، وقول المصنف ﵀ أنّ الاسم مؤلف من الأصوات ظاهر فيه فاندفع عنه ما قيل من أنه تسمح أو رجوع عما اختاره في الطوالع من أنّ الصوت عارض للحرف. قوله: (ويتعذّد) أي الاسم مع إتحاد المسمى كما في المترادفات، واجتماع العلم والكنية واللقب واتحاد الاسم مع تعدد المسمى كما في المشتركات، وهذا كله إثبات لتغايرهما إن أريد بالاسم اللفظ.
стр. 45
ق
стр. 46
وله: (والمسمى لا يكون كذلك (قيل هو رفع للإيجاب الكليّ كما مرّت الإشارة إليه، والا فسمى
القصيدة والشعر يتألف من أصوات مقطعة غير قارّة، وأورد عليه أنّ الإيجاب الكليّ لا يصدق في حق الاسم أيضاً إذ ليس اختلافه باختلاف الاسم أمرا مطردا، وأجيب بأنّ قوله والمسمى الخ يمكن أن يكون حالاً من الجمل الثلاث يعني يتألف الخ حال كون مسماه ليس كذلك، وهكذا يختلف، ويتعدد الاسم والأحسن أن يقال معنى الكلام إن اسم باعتبار نوعه، وان تحقق فيه بعض منها، فذلك من خصوصية المادّة. قوله: وقوله تعالى ة ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٧٨] في نسخة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [سررة الأعلى: ا] وهو إمّا إشارة إلى جواب سؤال مقدّر، ورد على قوله لكنه لم يشتهر بهذا المعنى أو إلى الردّ على من ادّعى أنّ الاسم هو الذات مستدلاً بما ذكر كما نجصله الإمام وأشار إليه المصنف ﵀ لأنّ المتبارك والمسبح هو الذات لا اللفظ الدال عليها فدفعه بأنّ الاسم هنا المراد به لفظه وكما يجب تعظيم ذاته تعالى يجب تعظيم أسمائه وتنزيهها عما لا يليق بها. وقوله: (عن الرفث) أي الفحش، وما يستهجن ذكره، ولا يليق كالتأويلات الفاسدة، واطلاقها على غيره وقيل الاسم مجازفيه عن الذات، وقيل: هو كناية عن تسبيح ذاته كما يقال سلام على المجلس الشريف والنادي الرفيع. قوله: (أو الاسم فيه مقحم الخ) في الأصل اسم مفعول من أقحمه إذا أرما. أو أدخله في شيء ثم تجوز به عن الزيادة وشاع فيها فقيل لكل مزيد مقحم، ولا شعاره بالتحقير تحاشوا عن إطلاق الزيادة والإقحام على ما وقع في كلام الله تأدّبا فسموا الزائد صلة، وتفسيره بما أدخل تعسف من غير ضرورة واحتياج وغير مناسب هنا إلا أن يريد بيان ما وضع له بي نفسه وهذا جواب آخر عما استدلوا به من أن الاسم هو المسمى بما ورد في النص من نحو قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [، الأعلئ الآية: ا] وتأخيره إشارة إلى أنّ الأصل عدم الزيادة فالمراد باسم السلام السلام نفسه، وهو مسماه فأضيف الاسم إلى مسماه كما يضاف المسمى إلى الاسم في يوم الأحد ونحوه والإقحام كثير في كلام العرب، ومقبول إذا كان لنكته كما في الآيات لأنه إذا نزه اسمه، فكيف بذاته. قوله: " لى الحول الخ) هو من شعر لبيد بن ربيعة بن مالك الشاعر المشهور وأوّله:
تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر
فقوما وقولا بالذي تعلمانه ولاتخمشا وجها ولا تكشفا شعر
وقولا هو المرء الذي لا صديقه أضاع ولا خان الخليل ولا غدر
إلى الحول ثم اسم السلام عليكم ومن يبك حولا كاملاَفقد اعتذر
قاله قبيل موته وكان من المعمرين عاس مائة وثلاثين سنة. وقوله: (إلى الحول) متعلق يقوله قولاً أو بما يفهم مما قبله، وتقديره أفعلا جميع ما ذكر إلى الحول أي إلى تمام الحول وهو السنة، والمراد سنة موته، وقوله وهل أنا إلا من ربيعة الخ يعني أنه من البشر والنوع الذي لا بدّ له من ورود حوض المنية، فأنا من أمّة قد خلت، وأنا ماض على أثرهم كما قال أبو نواس:
وهل أنا إلا هالك وابن هالك وذو نسب في الهالكين عريق
وقوله ولا تخمشا بالخاء والشين المعجمتين من خمش وجهه إذا لطمه لطمياً يدميه، ويخدشه بأظفاره فنهاهما عن ذلك، وكان العزاء، البكاء في الجاهلية إلى حول، والسلام هنا سلام متاركة، وهو كناية عن أمرهما بترك ما كان قد أمرهما به، وثم هنا للتراخي بين أوّل الفعل والترك، واقحام الاسم هنا في غاية الحسن لأنه ليس بسلام حقيقيّ فما لهم منه إلا اسمه كماقيل:
قال السلام مودّعا لمحبه هيهات هيهات السلامة بعده
ومن في البيت شرطية ووقع لبعض شرّاح الأبيات أنه قدر هنا بكيت بكسر التاء وجعل
إلى الحول متعلقا به والخطاب لزوجته وهي غفلة نشأت من عدم الوقوف على الشعر وحرّف بعضهم ثم بالمثلثة بتم بالمثناة الفوقية وهو غلط منه. قوله: (وإن أريد به الصفة الخ (الصفة لها إطلاقات النعت النحويّ وما يدل على معنى قائم بالغير كالعلم والحلم والمشتق كاسم الفاعل والصفة المشبهة وما شاكلهما وقول
стр. 47
الآمديّ ذهب الأشعري، وعامة الأصحاب إلا أنّ من الصفات ما هو عين الموصوف كالوجود وما هو غيره.
وهو كل صفة أمكن مفارقتها عن الموصوف كصفات الأفعال من كونه خالقا ورازقا.
ومنها ما يقال إنه لا عين ولا غير، وهو ما يمتنع انفكاكه كالعلم والقدرة يدلّ على أنه
أراد بالصفة المعنى الثاني ومدلول الاسم المدلول التضمني وبعد ما فسر الغير بما ذكر لا يرد عليه أنّ الصفة أمر خارج عن الذات، فكيف تكون عينه وأنه يلزمه تقسيم الشيء إلى نفسه وغيره، وقوله في شرح المواقف أنه قد اشتهر الخلاف في أنّ الاسم هل هو نفس المسمى أو غيره ولا يشك عاقل في أنه ليس النزاع في لفظ فرس أنه الحيوان المخصوص أو غيره بل في مدلول الاسم أهو الذات من حيث هي أم باعتبار أمر آخر عارض له صادق عليه، فلذلك قال الشيخ قد يكون الاسم عين المسمى نحو الله، وقد يكون غيره كالخالق والرازق، وقد يكون لا هو ولا غيره كالعالم والقادر يقتضي أنه أراد المعنى الأخير، وأنّ الكلام في الاسم مطلقا صفة
أو جامداً وصريح في أنه أراد بالمدلول المطابقي، وقد أورد عليه أنّ ما ذكره الشيخ من أنّ الاسم قد يكون عين المسمى الخ لا يتفرع على ما ذكره من أنّ مدلول الاسم هو الذات من حيث هي أم باعتبار أمر صادق عليه إذ لو كان الذات باعتبار أمر صادق عليه مدلول الاسم لكان لا محالة بهذا الاعتبار مسماه، فيكون الاسم عين المسمى كما إذا كان مدلوله هو الذات من حيث هي هي، وما نقل عن الشيخ من أنّ اسم الله علم للذات من غير اعتبار معنى فيه ممنوع، إذ قد اعتبر فيه المعبودية بحق، أو الاتصاف بجميع صفات الكمال كيف لا وذاته من حيث هي هي غير معقولة لنا كما لا يخفي، ثم إنّ ما نقله مخالف لما في الكتاب من أنّ الاسم الذي هو عين المسمى مدلوله الذات من حيث هي، ومن أنه أن أريد بالاسم الصفة فقد تكون عين الذات وغير. ولا عينه ولا غنره.
والجواب أمّا عن الأوّل فهو أنّ تفريعه ظاهر لأن مراده بالمسمى ذات المسمى، وعينه لا مدلول الاسم مطلقا، وقد يستعمل ويراد به كل منهما والقرينة قائمة على أنّ المراد الأول.
وأمّ الجواب عن الثاني فسيأني في عملية الجلالة الكريمة.
وأمّا عن الثالث فالمخالفة إنما نشأت من الاختلاف في معنى كلام الشيخ أو من اختلاف الروأية عنه.
ثم أنّ للقوم في تحرير محل الخلاف هنا وجوها أخر منها أنّ الاسم يطلق ويراد به اللفظ
كما في كتبت زيد أو يطلق ويراد به المسمى كما في كتب زيد فإذا ورد ما يحتملهما من غير قرينة مرجحة كرأيت زيد فالقائل بالغيرية يحمله على اللفظ، وبالعينية على المسمى قيل وهو أحسن الوجوه ولا يخفي أنّ الموضوع له قمحداً المسمى، وأرادة اللفظ مجاز بوضمع غير قصدى مع أنّ ما ذكر لا مساس له بالأصول.
". ومنها ما ذكره الإمام وادّعى لطفه ودقته وهو أنّ لفظ الاسم اسم لك لفظ دال على معنى في نفسه غير مقترن بزمان ولفظ الاسم كذلك فيكون الاسم اسما لنفسه وعين مسماه وهذا إنما يصح لو كان النزاع في لفظ اسم ولا يصلح محلاً للخلاف حتى ينكره المعتزلة مع أنه مبنيّ على أق الاسم موضوع بإزاء كل فرد منه لا بإزاء المفهوم الكليّ أو على حمل المسمى على ما يطلق عليه عيناً كان أو فرداً وهذا لا يخص الاسم بل يجري في غيره كلفظ لفظ وككلمة كلمة ولفظ موضوع ونحوه، فلا حاجة إلى ما تكلف به بعضهم فمثله بضمير الغائب إذا عاد على مثله نحو هو زيد وهو ضمير غائب وهو تكلف بارد، ولو قيل أنه مخصوص بأسماء صفات الله، ولذا أطبقوا على ذكرها في الأصول وأنّ المراد أنّ وضعها هل هو للذات المقدسة أولاً وبالذات، والمعنى الوضعيّ مقصود بالتبع، أو وضعت لأمر كليّ، وهو ذات مّا متصفة بما دل عليه مأخذ اشتقاقها على ما حقق في الوضعيات، فعلى الأوّل يكون المقصود بالوضع أوّلا عين
المسمى وذاته وعلى الثاني غيره لمغايرة الكلي للجزئيّ حقيقة، وليس المراد بالغيرة مصطلح الأشعري، وبعد كل كلام فلم نر في هذه المسألة ما فيه ثلج الصدور وشفاء الغليل.
وللسهيليّ فيها كلام ادّعى أنه الحق وصنف في ردّه ابن السيد رسالة مستقلة لا يسع تفصيلها هذا المقام. وقوله: (كما هو الخ) إن كان نقل عن الشيخ في هذه المسألة أن المراد بالاسم الصفة فالكاف تتعلق بأريد كما في بعض الحواشي، والا فهو قيد للصفة كما ارتضاه كثر أرباب الحواشي، لكن قال بعض الفضلاء أن الظاهر أنّ الظرف متعلق بالإرادة دون الصفة، وهو
стр. 48
الموافق لما نمى عليه الشيخ في كتاب الصفات من أنّ الاسم هو الصفة، فما ذكروه مردود لأنه ناشىء من عدم الإطلاع، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وبقي هنا أمور كثيرة قصر مسافتها أليق بالرأي السديد ثم إنّ السبكي ﵀ قال في كتاب القواعد: إنهم بنوا على هذه المسألة فروعا فقهية منها ما إذا قال اسملث طالق هل يقع به الطلاق أم لا. ومنها ما لو قال باسم الله لأفعلن كذا هل يكون يميناً أم لا، ومنه عرفت نكتة في تعقيب المصنف رحمه الله تعالى لهذه المسألة بما بعدها وهو. قوله: (وإنما قال بسم الله الخ) قيل إنه محتمل لوجهين:
أحدهما: أن يراد لم يبدا باسم خاص من أسمائه تعالى، وبدأ بما يدلّ عليها اجمالاً.
والثاني: أنه لم يتبرك بذاته تعالى بل تبرّك باسمه، وفيه أنّ قوله لأن التبرّك الخ يعين الثاني، وعلل بأنه الذي يتلبس به الفاعل ويأتي به دون الذات لتنزهها عن أن يتلبس بها أحد ويأتي بها، وقيل عليه، إنّ التلبس بالذات من حيث هي هي غير ممكن لكنه من حيث الاستحضار بالذكر ممكن، وردّ بأنّ مرجعه أيضا إلى الإتيان بالاسم، وهو أولى بالاعتبار، وظواهر النصوص دالة على أنّ الابتدأء بالاسم، وأمّا الاستعانة بالذات المقدس نحو بك استعين، فأكثر من أن تحصر وحقيقة الاستعانة كما مرج التوسل بمد خولها لتشريف المشروع فيه والاعتداد بشأنه، ولو كان فيه ترك أدب لم ينسب للاسم أيضا غايته أنه احترز عن إطلاق لفظ الآلة وتخلص منه بأنّ الشرع عين الاسم لذلك فاتغ، وتعين الاسم له ليس بصحيح ألا ترى قوله تعالى: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُواْ﴾ [الأعراف: ١٢٨] وانما جاءهم هذا من عدم الفرق بين الاستعانة والآلية، وإنما يقتضيان الابتذال وهو غلط نشأ من التمثيل بكتبت بالقلم، والصواب أنّ الاستعانة طلب العون، وهي تتعدى بنفسها كما في ﴿وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وبالباء كما في اسنعينوا بالله، والاستعانة تسند إلى الله تعالى حقيقة، فيقال أعانني الله، وهو خير معين وسيأني تحقيقه في قوله: و ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فاحفظه فإنه معين على ما مرّ، وفي قوله لأنّ التبرّك الخ لف ونشر غير مرتب لأن التبرّك بناء لى أن الباء للمصاحبة والاستعانة على الوجه الأوّل وقدم المصاحبة وان كانت مرجوحة عنده لأنها أظهر فلا يقال كان الظاهر العكس،
وبين اليمين والتيمن تجنيس، والتيمن تفعل من اليمن بالضم وهو البركة، وهو من اليمن لأنّ العرب تنسب الخير إلى اليمين والشرّ إلى الشمال، وبه فسر قوله تعالى: ﴿تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] أي تصدوننا عن فعل الخير، وقال قدس سرّه: لفظ ذكر في قوله بذكر اسمه للتصريح بالمراد، فإنّ تصدير الفعل باسم الله إنما يقع بذكره، ويقع على وجهين. أحدهما: أن يذكر اسم خاص من أسمائه تعالى كلفظ الله مثلاً.
والثاني: أن يذكر لفظ دالّ على اسمه كما في التسمية، فإنّ لفظ اسم مضاف إلى الله يراد
به اسمه تعالى، فقد ذكر هنا اسم لا بخصوصه بل بلفظ دال عليه مطلقاً فيستفاد أنّ التبرّك والاستعانة بجميع أسمائه والباء وسيلة لذكره على وجه يؤذن بجعله مبدأ للفعل، فهو من تتمته فبطل توهم أنّ الابتداء بالتسمية ليس ابتداء باسم الله، ثم قال: إن فائدة لفظ اسم تعميم التبرّك بأسمائه وتمييز التيمن عن اليمين فإنّ التيمن إنما يكون باسمه لا بذاته واسمه آلة لا ذاته واليمين إنما يكون به لا بأسمائه التي هي ألفاظ انتهى.
وأورد عليه أمور منها أق بعض الأسماء لم يعهد فيها ذلك كالقهار والمذل والمتكبر ويدفعه أنه لا يلزم من التبرّك ونحوه بجميع أسمائه جملة أن يتأتى أو يحسن ذلك بها فرداً فرداً، ويدلّ عليه أنّ الأوّل واقع دون الثاني، فإنه ورد في الحديث: " أسألك بكل اسم هو لك أظهرت عليه أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك " (١ (وهو ظاهر ومنها أنّ اليمين أيضا باسمه تعالى لا بذاته كما في عامة كتب الفقه، وفي الهداية اليمين باسم الله، وقال الشرّاح: أي بهذا الاسم أو باسم آخر كالرحمن أو بصفة، من صفاته كالعزة والكبرياء وقد صرّحوا بأنّ الكفارة شرعت لدفع هتك حرمة اسم الله وهو شاهد لأنّ اليمين باسمه لا بذاته، فلا يتم الفرق المذكور وفيه ما فيه، وأيضا لفظ باسم الله يمين إذ نوى به اليمين وفي رواية ابن رستم عن محمد ﵀ أنه يمين وأن لم ينو فلا يتم ما ذكر وهو قول للشافعيّ أيضاً ﵀ بهما في قواعد السبكي، فلا يتوهم أنه غير وارد على المصنف ﵀ لأنه ليس من مذهبه، وبقوله واسمه آلة لا ذاته على ما بيناه لك يسقط ما قيل من أنّ التبرّك، وان سلم أنه لا يكون
стр. 49
إلا بالاسم فالاستعانة لا تكون حقيقة إلا بالذات كيف لا وقد قال تعالى: ﴿وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فحصر مطلق التلبس، والاستعانة في الاسم ممنوع فلا أقل مما قاله بعض الفضلاء
من أنّ الاستعانة، وإن كانت حقيقة بالذات إلا أنّ الطريق إلى تحصيلها لما كان ذكر اسمه جعل مستعانا به تعظيماً وان لم يكن مراد، فإنه ناشىء من عدم الفرق بين استعنت المتعدي بنفسه الذي معناه طلب المعونة منه، وبين المتعد بالباء المتعلق بغير ذوي العلم غالباً نحو: ﴿اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ﴾ [البفرة: ١٥٣] .
ومنها أن قوله فيستفاد أنّ التبرّك والاستعانة بجميع أسمائه ليس بمسلم وقد قال التفتازاني
في شرح تلخيص جامع الخلأطي معنى إضافة الاسم إلى الله إن كان الاختصاص شمل أسماءه كلها، وأن كان الاختصاص وصفا نذاته المتصف بالكمالات المستجمع له الصفات فهو لفظ الله خاصة للإتفاق على أنّ ما سواه معان وصفات، وفي التبرك بالإسم غاية التعظيم للمسمى، وقيل إثالاسم صلة أتى به للتبرك وللفرق بينه وبين القسم قليل الجدوى، لأن الابتداء إنما هو بالاسم لا بالذات انتهى.
وأمّا تصلف المورد على السيد السند هنا والبحث معه، بأنه إن أراد بالابتداء الذي ذكره الابتداء الحقيقي فلا يتم بما ذكره وان أراد الإضافي أو الأعم، فالتوهم باطل ولا يتفرّع بطلانه على ما ذكر مع أنه لا يتمّ أيضا إذا دلت البسملة على الاستعانة والتبرك بجميع أسمائه وبالله الرحمن الرحيم على وقوعه باسم واحد وهو ممنوع، ولا يصح إرادة اللفظ مع وصفه بالرحمن الرحيم، فالأولى أنه لم يقل بالله الخ لما فيه من إساءة الأدب بجعله تعالى آلة أو مصاحبا لفعل العبد فسراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيأ لأنّ المراد الابتداء الحقيقي وعدم تمامه مكابرة ودلالته على جميع الأسماء من عموم الاسم المضاف أظهر من الشمس، والوحدة في مقابلة العموم واساءة الأدب لا تتوهم مع ما مرّ من أنّ معنى الآلية توقف الفعل أو الاعتداد به عليها وماكها التبرك والمصاحبة لا تنكر بعد التصريح بها في قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤] فقد وضح الصبح لذي عينين وما على الأعمى من حرج. قوله: (ولم تكتب الألف) أي لم ترسم ألف اسم بعد الباء على ما هو مقتضى الظاهر من الرسم إذ الأصل في كل كلمة أن تكتب باعتبار ما يتلفظ بها في الوقف والابتداء، وفي الابتداء هنا يلفظ بالهمزة، وهي ألف لأنّ الألف كما في الصحاح لينة وغير لينة، وهي الهمزة فلا حاجة لما قيل من أنها سميت ألفا لأنها تكتب بصورتها قال أبو حيان ﵀: إن قلت باسم زيد، أو تبركت باسم الله تعالى ترسم الألف لأنّ الأوّل لم يضف إلى الله تعالى، والثاني ذكر فيه متعلق الباء وقال الدمامينيّ ما حاصله: إنه لا بد لحذف الألف من أمرين عدم ذكر المتغفق، واضافة لفظ اسم للجلالة وهل يثترط تمام البسملة فيه تردّد وظاهر كلام التسهيل اشتراطه قيل: وإنما طوّلت الباء عوضا عنها لتكون الباء بمنزلة ألف اسم الله، فيكون الابتداء ببسم الله ابتداء باسمّ الله فاعرفه، فإنه ليس من عمل الأفهام بل من مبذولات الإلهام، وهو من مبتذلات الأوهام وخصت هذ. الأسماء بالابتداء لأنّ الذات مقدّمة على سائر الموجودات فناسب الابتداء باسمها
وهو الله كما مرّ وكذا الرحمن الرحيم لقوله: " سبقت رحمتي) (١) وهذه نكتة حسنة، وتحذف ألف الرحمن مع أل وبدونها وفي الكشاف قال عمر بن عبد العزيز لكاتبه طوّل الباء وأظهر السينات ودور الميم قال فدّس سره (٢) : تحسيناً للخط ومحافظة على تفخيم اللفظ الذي أريد به الأسماء المعظمة ييهبرياء سيماها وهو إيماء إلى أنه لا دليل فيه على التعويض حتى يعترض عليه بذلك كما توهم والموجود في النسخ السينات بدل السنات وفيه مبالغة، كائنه جعل كل سِنَّة كسين في الظهور، وهو دفع لما قيل من أنه ليس في البسملة سينات بل سِنات لسين واحدة ولو أراد تعددها باعتبار أفراد البسملة لقال الباآت والميمات أيضاً.
وأجيبّ بأنّ المراد من السين السئة تسمية للجزء باسم كله إذا ما عداه مطروح خطاً قيل
وهو على طرف الئمام ومبناه على حرف واحد وهو أنّ السئات هنا جمع السّن لا جمع السين فإنه لا يقال في جمع سٍنّة سينات حذراً من الالتباس بالمصادر التي تجىء على يخغال كما قال الجوهريّ في دينار أصله دنار بالتشديد فأبدل من حرف التضعيف ياء لئلا يلتبس بالمصادر التي تجيء على يخغال نحو جمذب، ثم أنّ هذا القائل تجج وقال: هذا ما عنلإي في تحقق المقام، ولعمري إنّ اشتباه السين على هؤلاء الفضلاء شين تام فنعم
стр. 50
الكلائم كلائم أبي تمام كم ترك الأول للأخر، ولعمري إن في زوايا الأفكار خبايا، وفي أبكار الخواطر سبايا لكن قد تقاصرت الهمم، ونكصت العزائم فصار قصارى الآخر أن يتبع الأول، وهذا كما قيل في الياسمين لا يساوي تجفغة وقد قال عليه بعض فضلاء عصره الإبدال المذكور مخصوص بمغال الاسم بدون هاء وسنات يخغلات لا يخغال فما افتخر به ليس بصواب، وهذا كله صيد مق المفلاة ففي حواشي المالول الحسنية بعدما تنبه لهذا الاعتراض دفعه بقوله أبدل فيه أحد حرفي التضعيف لوقوعه في بناء ممتد ولما لم يتنبه شارحوه لهذه الدقيقة التجؤ إلى المجاز، وأنت خبير بأنه مشروطاً بالقرينة الصارفة والا ارتفع الوثوق، وأشار بقوله بناء ممتد إلى أنّ فعلات تشبه فعالاً في الامتداد والوزن العروضي، وأيده بقول الزمخشري في سورة الحديد في قراءة الحسن تيلآ بفتح اللام، وسكون الياء وحكاه قطرب بكسر اللام، ووجه بأنه حذفت فيه همزة أن وأدغمت نونها في لام لا فصار للإثم أبدل من اللام المدغمة كما في ديوان انتهى.
ولا يخفى أنه بعد الإبدال يلتبس جمع السين بجمع السن، فإن قامت عليه قرينة، فهي
بعينها قرينة المجاز، وهو مع بلاغته لاشتماله على نكتة أسهل مما تكلفه من ذلك الأمر الغير القياسي والقرينة هنا حالية، وهو أنّ في البسملة سنات لا سينات والجواب الممرض أظهر
وإنما جمعها دون أخويها لأنّ لها أجزاء في الخط. قوله: (لكئرة الاستعمال) قيل الظاهر أنّ المراد كثرة الكتابة، فلما كثرت كتابته حذف تخفيفا على الكاتب كما خفف تلفظه به، وكثرة التلفظ لا دخل لها في الحذف الخطي فما قيل في شرحه لكثرة الاستعمال بحسب اللفعل والكتابة، وفيه نظر لأنه لا دخل للأوّل هنا ليس بشيء، فإنهما كالمتلازمين، وكل يناسب الآخر، فمثله لا ينبغي ذكره، والعلل لا يلزم إطرادها حتى يقال هذا يقتضي حذف ألف الله، قيجاب بأنها عوض، أو أنه لئلا يلزم الإجحاف لحذف ألفه الثانية خطاً، أو لئلا يلتيس بقولك لله مجرورا، وبشدّة الامتزاج به، وما ذكر هو المشهور، وهو منقول عن مكي (١) ﵀ وقيل إنه لا حذف فيه وإنّ الباء داخلة على ييمم بكسر السين أو ضمها أحد لغات اسم كما مرّ، ثم سكنت سينه هربا من توالي كسرتين، أو انتقال من كسرة لضمة، وهو بعيد. قوله: (والله أصله إله الخ) اعلم أنّ في لفظ الجلالة باعتبار أصلها واشتقاقها وكونها عربية أو غير عربية أقوالاً واختلافالب كثير؟ حتى قالوا: كما تاهت العقلاء في ذاته وصفاته لاحتجابها بنور العظمة تحيروا في لفظ الله لأنه انعكس له من تلك الأنوار أشعة بهرت أعين المستبصرين، وقد قال أمير المؤمنين علي ﵁ دون صفاته تخئز الصفات وضل هناك تصاريف اللغات ففيه أقوال لا تحصر اختار المصنف ﵀ منها أربعة، وقال في الكشاف: الله أصله الإله قال: معاذ الإله أن يكون كظبية
فحذفت الهمزة، وعوض عنها حرف التعريف فقيل عليه: إن كان أصله الإله معرفاً باللام
لم يكن حرف التعريف عوض الهمزة، لما يلزمه من الجمع بين العوض والمعوض، ولذا قال أبو عليّ إنه كالعوض.
وأجيب بأنّ حرف التعريف في الإله من الحكاية لا من المحكى فهو يعني أنّ أصله إله
وإنما أدخل عليه حرف التعريف للحصر رداً على من قال أنّ أصله لاه إذ لم ئقل لاه إلا نادرا، ولو شلم أنها من المحكي ففيه مضاف مقدر أي لزوئم أو لازمية حرف التعريف، فلما رأى المصنف ما ورد عليه عدل عنه إلى قول أصله إله لأنه أسلم، ومعنى التعويض على رأي جماعة منهم المصنف أن يورد ما يكون عوضاً وعلى المشهور جعله عوضا وقيل المراد به اعتباره عوضا لا إيراده وهل حذث هذه الهمزة اعتباط على غير القياس، فلذا لم يمنع الإدغام وعوض عنها أل أو هو قياس بأن نقلت حركتها إلى ما قبلها ثم حذفت لالتقاء الساكنين الهمزة بعد نقل الحركة إلى اللام قبلها فلزوم الحذف والتعويض، وعدم منع الإدغام مع أنّ المحذوف لعله كالموجود من الأمور الشاذة التي اختص بها هذا الاسم الأعظم قولان أظهرهما الأوّل والمراد
بالأصل هنا الأصل الإعلالي لا الإشتقاقي وعدل المصنف ﵀ عن قول الزمخشريّ حرف التعريف إلى قوله الألف واللام، ليكون نصاً في تعويض الحرفين معا فيقتضي القطع، لأنه على القول بأنه اللام فقط يحتاج إلى أن يقال وتبغتة الهمزة كما في شروج الكشاف.
هذا زبدة ما هنا من القيل والقال بعد طرح مقذمات منتجة للملال، وفيه
стр. 51
أنّ ما أجابوا به
عن الزمخشري ليس بشيء أمّا كونه من الحكاية، فكيف يتأتى مع أن إنشا إه الشعر المذكور لإثبات تعريف المنقول عنه، ولو كان من الحكاية كان يضرب عنه صفحاً، وكذا ما زعموه من أنّ المعوض اللزوم، فإنه مع كونه خلاف الظاهر لأنّ تعويض الأمور المعنوية عما حذف لم يعهد، ويأباه أيضاً قوله إن المعرف باللام من الإعلام الغالبة، واللام لازمة في مثله كما صرحوا به، فالمحذور باق.
فالصواب أن يقال إنّ المراد بالعوضية اعتبارها جزأ من الكلمة وعوضاً عن الهمزة لا
الإيراد للعوضمية فاللام قبل الحذف للتعريف، ثم جردت عنه وصارت عوضاً، فلا عوضية قبل الحذف، ولا جمعية بعده كما في قولهم عدة أصله وعدة، ثم إنّ تعريفه بأل جار على القياس المطزد لكنه بعد الغلبة والشيوع الذي نزل منزلة العلم الشخص خفف، واستغني بمخمفه وهو الله عن الإله حتى صار كالفضالت المرفوض فما قيل من أنّ الشاعر اضطر فيه والضرورة تردّ الأشياء لأصولها، وفي إوادته العلم المردود إلى الأصل بحث لا مكان إرادة المعنى الوضعي وأيضاً في جعل الإله المعرف من الإعلام الغالبة خفاء إذ اسنعماله لا يوجد إلا قليلاَ، فكيف يكون من الإعلام الغالبة، ودعوى أنه كان منها قبل شهرة الله أيضاً غير ظاهرة من ترّهات الأوهام، ولغو الكلام الذي أوقعه فيه جمود الأفهام. قوله: (ولذلك قيل يا أدلّه بالقطع) أي لكونها عوضاً عن المحذوف قيل يا ألله بقطع الهمزة لأنها جزء من عوض الحرف الأصليّ مع أنّ كون المعوض عنه همزة قطع فيه تمائم المناسبة بينهما قطعاً. وتوفم أبو علي أنها أيضاً عوض فيئ- الناس إذ لا يقال الأناس في السغة وزدّ بكثرة استعمال ناسق ئنكراً دون لاه، وبامتناع يا ألناس دون يا ألله كذا قال المحقق ودفع الأخير بقول الرضى: إنما جاز يا ألله بالقطع لاجتماع شيئين في هدّا لزومها الكلمة إلا نادراً كما في لافة الكتار، وكونها بدل همزة إله، وأمّا النجم وأمثاله فلامها لازمة لكنها ليست بدلاً من الفاء وأمّا الناس، فاللام عو ضمن الفاء إلا أنها ليست لازمة إذ يقال في السعة ناس هذا وانما اختص القطع بالنداء إذ هناك يتمحض الحرف للعوضية بلا شائبة تعريف للاحتراز عن اجتماع أداتي التعريف وفي غير النداء يجري الحرف على أصله، ثم أنه قيل أنّ كلام المصنف ﵀ يحتمل أن يكون بياناً لعلة اجتماع أداتي التعريف والقطع معاً وأن يكون للقطع وحده والأول أوجه وان كان الثاني هو الظاهر من العبارة يعني أنه كان القياس أن لا يدخل عليها بالعدم اجتماع التي التعريف، واذا دخلت تسقط الهمزة في الدرج كما في غير هذه الكلمة لكن أدخل عليها حرف النداء، ولم تسقط الهمزة لأنه
صار عوضا، فيضمحل عنه معنى التعريف والعوض لا يحذف غالباً إن صار جزأ والجزأ لا يحذف في الدرج كاكرم وتجغل المصنف العوضية علة إذ المراد العوضية على سبيل الجزئية كما فحن فيه، وان سلم فالمراد أنه علة ناقصة لا علة نامة، ولا يتوهم أنّ الأصل عدم الجمع والقطع، فاذكر يعارض الأصل فتساقطاً فلم رجح ذلك لما عرفت من أنّ فيه نكتتين على أنّ ذلك غير متوجه إذ لا يلزم الترجيح بين النكات بل يكفي الإرادة، ولذا قد يراعي الأصل مع وجود تلك النكتة ولا مقتضى للعدول فإن قلت كان يجب القطع في غير النداء لوجود علته. قلت: قد روعي فيه جانب الزيادة والأصالة فروعى الأصل تارة والتعويض أخرى، فإن
فلت قد مرّ أنّ فيه نكتتين لعدم الحذف، فكيف رجحوا جانب الأصل المرجوح.
قلت: قيل إنه لا يلزم البليغ رعاية الأرجح والأبلغ وله العدول عنه كما في شرح الفوائد النياثية وفيه أنّ قول أهل المعاني إن كذا يذكر لكونه أصلاً ولا يقتضي العدول يقتضي أنه لا يجوز مع وجود العارض رعاية الأصل لضعفه، فكيف جوز ذلك إلا أن يحمل على أن المراد ان لم يخالف مقتضى الحال، وقال المحقق التفتازاني ﵀: قد يقال في قطع الهمزة إنه نوى فيه الوقف على حرف النداء تفخيما للاسم الشريف، ونقله بعضهم عن سيبويه ﵀ وقيل في توجيهه إنّ المعالم الجليل القدر ئغذ نداؤه باسمه من سوء الأدب، فلذا جعل النداء " لمحالمنقطع عما بعده والاسم الكريم كأنه غير منادى لا يقال إنه قد ورد نداء الله تعالى في الحديث الشريف كثيراً وفي المأثور يا رحمن الدنيا والآخرة (١١ لأنّ النداء بالوصف المادح ليس كالنداء بالعلم المجرد والمقصود من النداء كالخطاب التوجه إلى الله بقلبه وقالبه، ليقبل عليه يإحسانه، ولطفه فالمراد بالتفخيم إمّا تعظيم مسماه
стр. 52
بالتأني في دعائه أو اسمه بإثبات حرف المد وتفخيم لامه وإبقاء حروفه، ولو وصل فات بعض هذا والثاني هو المراد والأمر فيه يختلف باختلاف المقام، والعبارة ناطقة بخلاف ما قاله القائل، ثم قطع الهمزة في النداء أكثري كما ذكره الرضى، وتجغل عقة القطع العوضية لا اللزوم لأنه غير كاف بدليل قوله:
بحقك يا التي حيرت قلبي
بالوصل وبعضهم جعل العلة العوضية واللزوم فتدبر. قوله: (إلا أنه يختص بالمعبود
، لحق الخ) يعني أنه بعد التغيير والحذف اختص بالمعبود بالحق بحيث لم يستعمل في غيره أصلاً وصار المراد به الذات كما في سائر الإعلام فصح التوحيد والغلبة كما قال الشارح المحقق أن يكون لففظ عموم فيحصل له بحسب الاستعمال خصوصية لشيء بمعنى زيادة اختصاص إمّا إلى حد التشخص فيصير علما كالنجم أو لا فيصير اسما غالبا كالسنة أو صفة
غلابة كالرحمن ثم أنّ الغلبة بحسب الاصطلاح أعم من أن تستعمل أوّلاً في غيره أو لا تستعمل أصلاً وهي في الأول تحقيقية كالإله والنجم وفي الثاني تقديرية، وقياسية كالذترّان (١) والله ولا عبرة بما قاله الأستاذ الخال من أن غلبة ألله تحقيقية، وان اسندل عليه بما لا يجديه وكلام المصنف ﵀ مخالف لما في الكشاف من جعله اسم جنس لا وصفاً، فمن توهم أنه بمعناه، وأنّ قوله المعبود لم يرد به أن مرادف له ليكون صفة فينا في أنه اسم غير صفة فقد غفل عما ذكر ولا ينافي غلبة الإله قلة الاسنعمال فإنه يكفي أن يكون غيره أقل منه، فسقط ما قيل من أنّ في الغلبة مع ندرة الاسنعمال خفاء. ثم إنّ كلام المصنف ﵀ محتمل لأن يكون المراد أنّ الإله المعرف باللام يقع على كل معبود وغلب على المعبود بحق أي على ذاته المخصوصة فصار علماً بالغلبة ينصرف إليه عند الإطلاق، ثم أكد الاختصاص بالتغيير فصار مختصاً به فالإله المعرّف قبل الهمزة وبعده علم لتلك الذات إلا أنه قبل الحذف قد يطلق على غيره وبعده لا يطلق أصلاً وهذا ما اختاره فذس سره، ويحتمل أن تكون اللام للعهد إشارة إلى الأصل المذكور أوّلاً فيكون المراد أنّ إلهاً المنكر مستعمل للمعبود مطلقاً والمعرف صار بالغلبة مختصاً بالمعبود بالحق بدون أن يصير علماً والله علم لذات معين هو المعبود بالحق وهذا ما اختاره السعد وحمل عليه كلام الكشاف، واستشهد له بتنكيره الحق في الأوّل وتعريفه في الثاني وذكر أنّ الإله اسم لفهوم كليّ هو المعبود بحق والله علم لذات معين هو المعبود بالحق ﵎ وبهذا الاعتبار كان قولنا لا إله إلا الله كلمة توحيد وقال قدّس سره أنّ الاستشهاد المذكور لا يجديه نفعاً لأن المفيد لتعين ذات المعبود أو عدم تعينه تعريفه أو تنكيره، ولا مدخل في ذلك لتعريف الحق ولا تنكيره كما في قولك جاء الذي له عليك الحق أو الذي له عليك حق، وتأييد بكلمة التوحيد في غاية الضعف لاقتضائه اختصاص المنكر بذلك المفهوم الأخص، وبطلانه ظاهر قال ولا يشتبه على أحد أنّ المقصود من قوله على كل معبود هو الذاهت المعبودة لا المفهوم المتبادر لها، واللام في قوله على المعبود بحق إشارة إلى بعض تلك الذات المعبودة لا إلى مفهوم أخص من مفهومه الأصليّ، ولما كان المراد بلفظ الحق مفهومه المقابل للباطل، ولا تعدّد فيه فلا حاجة إلى تعريفه ذكره ثانياً منكراً أيضاً، وعرفه ثالثا تفنناً فكان الثالث أولى لتقدم ذكره مرتين وئو عرف الأوّل وقال: على كل معبود بالحق لم يتعين المقصود من المعبود انتهى ولا يخفى عليك أنّ الباء في قوله بالحق باء الملابسة وملابسة العبادة للحقية بمعنى اتصافها بها وكون العبادة حقة تستلزم حقية المعبود، وهي المراد هنا بطريق الكناية، فإن المقصود منه أنه المعبود الحق وتغيراً لحق بتعريفه تعين للمعبود وهو تشخصه فيقتضي أنّ المراد منه الذات المقدّس الموجود في الخارج وتنكيره بقرينة المقابلة
يقتضي إرادة المفهوم لأن المعبود الحق واجب التوحيد فكليته باعتبار مفهومه لا باعتبار أفراده وهو لا غبار عليه ويؤيده ما نبه عليه المحقق ﵀ من تمثيله له بالسنة ولا شبهة في عدم علميتها، ولذا قال ﵀: وأمّا تشبيه الإله بالنجم وغيره من الأعلام فليس في العلمية بل في مجرّد الغلبة سواء انتهت إلى حد العلمية أو لا. ألا ترى أنّ السنة ليست علماً شخصيا ولا جنسياً إذ لا ضرورة تدعو إليه، وجواب الشريف عنه بقوله أما السنة فظاهر التثبيه يقتضي كونه علماً كسائر أخواته، إلا أن فيه مانعا مخصوصاً يخرجها عن ذلك إذ لا يفهم منها معنى شخصي حتى تجعل من أعلام الأشخاص، وليست
стр. 53
فيها ضرورة ملجئة إلى جعلها علماً جنسياً اعتراف منه بوروده، فذكره في صدد الجواب من العجب العجاب وأما ما ذكره في تفسير كلمة التوحيد من قوله: أي لا معبود بحق إلا ذلك الواحد، فلا يقتضي ما أورده عليه لأنه تأييد لعلمية الله وهو لا يقتضي اختصاص المنكر، وهو من قبيل العام المخصوص بقرينة، ولذا فسره بذلك كما بين في محله، وما ذكره في توجيه التنكير غير لائق بنظره اللطيف، ومقامه الشريف، وقيل في الجواب عما قاله الشريف إنّ ما قاله السعد في غاية القؤة والمتانة، وتقريره أنّ الشارع جعل هذه كلمة توحيد وهو مستلزم لكون الله علما لما ذكرنا مما لا مجال لمنعه كما سيأتي تحقيقه وإشارة تعريفه وتنكيره لما ذكره ليست مبنية على الوضع اللغوي والمعنى الأصلي بل هي من نكات البلاغة والاعتبارات المناسبة فحيث لم يكن في المعنى تعين بوجه لم يورد في الكلام تعريفاً أصلاً، فقلت اسم الله يقع على كل معبود بحق أو باطل فإذا حصل بالعلمية تعين ما أورد في الكلام المعبر عنه تعريفاً، فقال: ثم غلب على المعبود بحق، فإذا ازداد التعريف زاد فيه تعريفاً، ولا يخفى على المنصف أنه اعتبار مناسب صالح لكونه، إشارة لما ذكره ولا يرد عليه ما أورده قدس سره نظراً إلى الوضع اللغويّ مع أنّ قوله لا مدخل في ذلك لتعريف الحق، وتنكيره محل نظر إذ تعريفه إذا كان إشارة إلى الحق المختص بالله تعالى يفيد تعين ذات المعبود إفادة تامّة واضحة، فلا يصح القول بأنه لا مدخل لتعريفه وتنكيره في ذلك، ولا يخفى أنه لا معنى له، فإنّ نكات البلاغة لا بد لها من دليل في الكلام وضعي أو تابع له، فلا تثبت بمجرّد التشهي، وقد عرفت ما يغنيك عن مثله، ثم إنّ قوله: إن مفهومه المقابل للباطل لا تعدّد فيه ممنوع سواء أراد في نفس الأمر، أو في الذهن وعند العقل*
تنبيه: كان عندي فيما قاله الشيخان هنا في لفظ الله، وما فيه للشراح من قيل، وقال شبه
لم أبدها تأدّبا حنى رأيت ابن مالك ﵀ في شرح التسهيل صرّح بها حيث قال الله من الأعلام التي قارن وضعها أل، وليس أصله الإله كما زعموا بل هو علم جامع لمعاني الأسماء الحسنى كلها، ولذا يقال لكل ما سواه الله بلا عكس، ولو لم يرد على من قال أصله إلا له إلا انه ادّعى ما لا دليل عليه لكان ذلك كافياً لأن الله، والإله مختلفان لفظاً ومعنى، أمّا لفظاً فلأنّ احدهما معتل العين والثاني مهموز الفاء صحيح العين واللام، فهما من مادّتين فرذهما إلى أصل
واحد تحكم من سوء التصريف، وأمّا معنى فلأنّ الله خاص به تعالى جاهلية واسلاما والإله ليس كذلك لأنه اسم لكل معبود ويوضحه قول الأنصاري:
باسم الإله وبه بدينا ولوعبدناغيره شقينا
ومن قال: أصله الإله لا يخلو حاله من أمرين لأنه إمّا أن يقول الهمزة حذفت ابتداء ثم أدغمت اللام، أو يقول نقلت حركة الهمزة إلى اللام وحذفت على القياس، وهو باطل لأنه ادعاء حذف بلا سبب ولا مشابهة ذي سبب من ثلاثيّ فذكر الفاء تنبيه على أنّ حذفها ابتداء أشد استبعاداً من حذف العين واللام لأنّ الأواخر وما يتصل بها أحق بالتغيير، وقولي بلا سبب تنبين على أنّ الفاء قد تحذف لسبب كواو عدة مصدر يعد حمل المصدر على الفعل فحذف للتشاكل، وقولي ولا مشابهة ذي سبب كرقة بمعنى ورق حذفت فاؤه بلا سبب لشبهه بعدة وزنا، إعلالاً ولو أنّ رقة بمعنى ورقة لتعين الحاقة بالثنائي المحذوف اللام نحو لغة، فإن قيل قد حذفت الفاء بلا سبب في الناس فإن أصله أناس، قلنا لو صح أنّ الناس مفرع على أناص لم يجز أن يحمل عليه غيره لأن الحمل عليه زيادة في الشذوذ وكثرة مخالفة الأصل بلا سبب ملجىء لذلك، فكيف والصحيح أن ناسا في أناس بمعنى من مادّتين مختلفتين نوس وأنس كاوقية ورقية وأمثاله كثيرة، وأمّا ادّعاء نقل حركة همزة إله إلى اللام فأحق بالبطلان لأنه يستلزم مخالفة الأصل من وجوه.
أحدها: نقل حركة من كلمتين على سبيل اللزوم ولا نظير له.
والثاني: نقل حركة همزة إلى مثل ما بعدها فيوجب اجتماع مثلين متحرّكين، وهو أثقل
من تحقيق الهمزة بعد ساكن لأنّ اجتنابه في الكلام آكد، وهو ملتزم إلا في أفعال الروية لأنّ العرب تلتزمه إلا تيم اللات.
، الثالث: من مخالفة الأصل تسكين المنقول إليه الحركة فيوجب كونه عملاَ كلا عمل وهو بمنزلة من نقل في بض، ولا يخفى ما فيه من القبح مع كونه في كلمة، فما هو في كلمتين أمكن في الاستقباح
стр. 54
وأحق بالإطراح.
الرابع: إدغام المنقول إليه فيما بعد الهمزة، وهو بمعزل عن القياس لأن الهمزة المنقولة الحركة في تقدير الثبوت فإدغام ما قبلها فيما بعدها، كادغام أحد المنفصلين وقد اعتبر أبو عمرو ﵀ في الإدغام الكبير الفصل بواجب الحذف نحو يتبع غير فلم يدغم فاعتبار غير واجب الحذف أولى، ولأجل الاعتداد بالمحذوف تخفيفاً جاز أن يقول في إغدودن من وأل وول بتقدير واوين، وأصله وأوأل ثم نقلت حركة الهمزتين إلى الواوين واغتفر تقديرهما دون قلب أولاهما همزة لانفصالهما بالهمزة تقديراً وهذا مثل ما ندر في لكن أنا إذ قيل فيه لكنا إلا أنّ هذا ليس ملتزما، ثم زعم أن أصل الله إله يقول الألف واللام عوض من الهمزة، ولو كان
كذلك لم يحذفا في لاه أبوك أي دلّه أبوك إذ لا يحذف عوض ومعوض في حالة واحدة، وقالوا لهي أيضاً فحذفوا لام الجرّ والألف واللام وقدّموا الهاء وسكنوها فصارت الألف ياء، وعلم بذلك أنّ الألف كانت منقلبة لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فلما وليت ساكنا عادت إلى أصلها، وفتحتها فتحة بناء، وسبب البناء تضمين معنى التعريف، هذا قول أبي علي وهو عندي ضعيف لأنّ الألف واللام في الله زائدة مع التسمية مستغنى عن معناها بالعلمية، واذا حذفت لم يبق لها معنى يتضمن، والذي أراه أنّ لهي مبنى لتضمن معنى حرف التعجب وإن لم يكن له حرف موضوع كما قالوه في اسم الإشارة يعني أنه من المعاني التي حقها أن يوضع لها حرف إذ لا ئقع لهي في غير التعجب، وهو مع بنائه في موضع جرّ باللام المحذوفة واللام ومجرورها في موضع رفع خبر، وأبوك مبتدأ انتهى.
ما قاله ابن مالك ملخصا، وفي شرح ناظر الجيش أنه لا مريد عليه في الحسن والتحقيق
إلا أنّ في ردّه على أبي علي في سبب بناء لهي أبوك نظراً لأنه حكم بزيادة الألف واللام، وليس القول بزيادتها متعينا عند أبي علي فيلزمه ما ألزم به بناء مثل انتهى.
وبهذا علم أنّ كلامهم مع مخالفة القياس مبنيّ على غير أساص فأعرفه.
(أقول) : هذا زبدة ما قالوه.
وأنا أقول إنّ الخلاف فيه مبنيّ على خلاف آخر ذكره ابن الشجري في أماليه، وهو أن جمهور البصريين ذهبوا إلى أنّ أناساً وناسا من مادّة واحدة وهي أنس لاً نس بعضهم ببعض، وناس وزنه عال وبنوا عليه ما تقدّم تبعا لسيبويه، والقول الآخر ما ارتضاه الكسائي والفرّاء، وكثير من النحاة أنهما ماذتان مختلفتان معنى ومبنى فأناس من أنس وناس من نوس بمعنى تحرّك، واستدلوا بتصغيره على نويس دون أنيس، وعليه بنى ما قاله ابن مالك ومن تبعه وهو عندي أوضح معنى وأقوى دليلاً، وجوابهم بأن ألفه لوقوعها ثانية عوملت معاملة الزائدة في التصغير تكلف لا داعي له عندي، وهو الحق الحقيق بالقبول. قوله: (واشتقاقه من أله الخ) ما مرّ بيان لأصله الإعلاليّ، وما يترتب عليه، وهذا شروع في بيان أصله الاشتقاقي، وقد اختلفوا فيه فقيل إنه غير مشتق، وقيل مثتق، وفي المشتق منه أقوال اختار منها المصنف أنه من أله بفتح الهمزة واللام، فإن قلنا بأن المشتق مته الفعل فهو على ظاهره، والا فهو بتقدير مضاف أي من مصدر إله أو المراد أنه مأخوذ من هذه المادة ومصدره إلاهة بزنة عبارة، وألوهة بالضم كنبوّة، وألوهية بالضم والياء المشددة كعبودية وتأله واستأله بمعنى تعبد وانقطع إلى الله، وضمير اشتقاقه المضاف إليه راجع لأصل الجلالة، وعبد بفتحتين كما قيد في نسخ الجوهري او هو مجهول، كما قيل لأن الظاهر من كلامهم أنه متعد لالازم يعين أنّ إلها فعال بمعنى مألوه اي معبود فهو صفة مشبهة ككتاب بمعنى مكتوب، وامام بمعنى مؤتم به، وهذا منقول عن
المصنف هنا، وفعال قد يكون اسم ا-لة سماعاً كركاب لما يركب به وهو كثير وخالف المصنف ﵀ الزمخشري فيما اختاره من أنّ الفعل وبقية المادّة هنا مشتقة من ازله اسم العين كاستجمر واستنوق وتجوهر لأنه على خلاف القياس لا سيما في الثلاثيّ، كأبل إذا أحسن رعي الإبل والقيام عليها، والمعروف كون معنى المشتق منه مراعى في المشتق، وهذا بالعكس إلى غير ذلك مما فصل في شرّاح الكشاف وذهب الإمام المرزوقي وصاحب المدارك إلى أنّ الإله مصدر كالإلاهة، وهو خلاف المشهور، ولا وجه لما قيل عليه من أنه لم يوجد في اللغة مع أنّ المرزوقي أمام أهلها فكفى به مقتدى. قوله: (وقيل من إله إذا تحير الخ) أله يأله في هذا وفيما بعده
стр. 55
كفرح يفرح، وضعفه إمّ لأنّ الأصل في الإشتقاق أن يكون لمعنى قائم بالمشتق، والحيرة قائمة هنا بالخلق لتحيرهم في ذاته وصفاته أو لكون أله بهذا المعنى واوي عند أهل اللغة كالجوهريّ وغيره، فعدّه أصلاَ آخر لا وجه له لأنّ همزته مبدلة من الواو، وإن ذهب بعض أهل اللغة إلى أنها أصلية، وعليه صاحب القاموس حيث ذكره بهذا المعنى في المادّتين، والقول بأنه اشتقاق كبير بعيد إذا النزاع في الصغير فإن سلم إبدالها من الواو اتحد الوجهان، ومن حاول إثبات التغاير بينهما زاد في الشطرنج بعلة، وقوله: (في معرفته) أي في معرفة الله، والظاهر في معرفة الأله لأن الكلام في اشتقاق أصل الجلالة، إذ لا وجه لكون الأصل مشتقاً من غير ما اشتق منه الفرع، ولا لكونهما من أصل واحد كما قيل، فتحير العقول في مطلق المعبود لاتخاذ اكهة شتى وزعم كل أنه على الحق، أو المراد التحير في معرفته تعالى والكفرة، وإن أثبتوا شركاء معترفون بأنه إله الآلهة وأعظمها. قوله: (أو من ألهت إلى فلان أي سكنت إليه) سكن إليه بمعنى استأنس من السكون، وعدم الإضطراب، أو هو مجاز من السكنى، ومته السكن بفتحتين، فإنه ما يؤلف من نحو الصديق والأهل والحبيب والمنزل قال:
". سا بارقا أذكرالحشى سكنه منزلنا بالعقيق من سكنه
ويقال ألهنا بمكان كذا أي أقمنا قال:
ألهنا بدار ما تبيد رسومها كأنّ بقاياها وشام على يد
وقيل: إنه ذكر في اللباب بعد ذكر السكون الثبات، واستشهد له بهذا البيت، فاللائق للمصنف ذكر الثبات أيضاً بعد السكون ليكون الإطمثنان مرتبطاً بالأول والسكون وبالثاني، ولا وجه له رواية ودراية والهنا في البيت بمعنى سكنا فهو لغو من القول. قوله: (لأن القلوب تطمئن بذكوه والأرواح تسكن لمعرفتة) يقال اطمأن يطمئن اطمئنانا وطمأنينة بمعنى سكن، وهو مطمئن إلى كذا وذاك مطمأنّ إليه، فهو حقيقة في المكان واطمئنان القلب، والنفس مجاز كما في الأساس، ومنه النغس المطمئنة إلا أنة شاع حتى صار حقيقة في استقرارها بزوال القلق
والاضطراب، وهو لا يتاتى تعالى الله، فلذا قدم المتعلق للحصر في قوله: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] أي لا بغيره فإن الطمأنينة لما عداه غرور والثقة به مجز واستهداف للبلاء، وطمانينة القلب والنفس بمعرفة الله والتسليم له منقادة بزمام الطاعة وحينئذ تصل الروح بنور المعرفة إلى مستقرّها في مقعد صدق، فإن قلت كيف يتأتى هذا الوجه فى الآلهة الباطلة وصرفه إلى إطلاق الإله عليه تعالى غير مناسب للسياق والسباق قلت: قد قيل فى دفعه إنه لا يبعد أن يكون ملحوظ واضع اللغة في وضع الإله للمعبود اطمئنان القلوب بذكر المعبود الحق لما مرّ من الحصر، ثم استعمل في الآلهة الباطلة بعد عبادتها على زعمهم أو لاعتراف الكل به كما قيل، ومن العجب ما قيل إنّ الأحسن أن يقال كل شيء يطمئن تحت فغائه، ولا يستطيع أن يضطرب في دفع امضائه، وقيل: إنّ هذا بالنسبة إلى المعبود بحق لعد ما سواه كالعدم وفيه نظر لا يخفى. قوله: (أو من أله إذا فزع الخ) في الأساس فزعت إليه فأفزعني أي أزال فزعي، وفزع عن قلوبهم كشف، وقال الراغب: الفزع انقباض، ونفار يعترى الإنسان من الشيء المخيف وهو من جنس الفزع، ولا يقال فزعت من الله كما يقال خفت منه، وفزع إليه استغاث به عند الفزع وفزع له أغاثه انتهى.
ففزع إليه بمعنى لجأ واله فعال بمعنى مفعول أي مفزوع إليه، وأفزعه وفزعه يكونان للسلب وآلهة بالمد مزيد أله وأصله " لهه بمهمزتين أبدلت الثانية ألفاً علي القياس قيل وفي ذكره آلهه المزيد إشارة إلى صحة اشتقاق الإله منه، فيكون فعالاً من الأفعال بمعنى الفاعل، وكلاهما منظور فيه وليس بشيء إذ الظاهر أنه لم يقصد ما ذكره، وإنما أشار إلى كثرة مجيء مادّته ني معنى الفزع، وما يتبعه كالسلب وقيل إنه يعني أنه مأخوذ منه أخذ الوجه من المواجهة باعتبار اللزوم، وحاصله تحقق العلاقة بين الإله وإله ولازمه أيضا ولا يخفى ما فيه، وانما قال حقيقة أو بزعمه ليشمل الإله الحق والباطل، لأنّ الزعم بتثليث أوّله، وان كان بمعنى الظن غلب امتعماله في الباطل، ولم يصرّح به فيما قبله إمّا لظهور أنه جار ذلك فيه بطريق
стр. 56
المقايسة، أو لأنّ ذاك واقع بخلاف الإغاثة، فإنها غير واقعة، وفيه نظر لما مرّ قيل: ويمكن أن يكون كلاهما ناظرا للحق بناء على ارجاع ضمير اشتقاقه لله، فإنه تعالى لا يجبر كل أحد لكن كل أحد يزعم ؤلك، ثم إن إيراد المصنف لهذا في مقابلة وله الواوي مشعر بأنّ الهمزة فيه أصلية كما في القاموس، وهو مخالف لما في التيسير من تفسيره، وله بفزع إلا أن يثبت الترادف. وقوله: (إذ العائذ) تعليل وتوجيه لاشتقاقه وهو من العوذ بالعين المهملة والذالط المعجمة بمعنى الالتجاء، وإنما ذكره توضحيا وتحقيقاً له إذ من شأن من يفزع من أمر أن يلتجىء لمن يخلصه منه وهو كبيره، فما قيل من أنه لا دخل لوصف العياذة هنا، وإنّ قوله يفزع إليه ناظر إلى المعنى الأوّل، وهو يجرّه إلى الثاني من ضيق العطن فتدبر. قوله: (أو من إله الفصيل الخ (الفصيل هو
رضيع الإبل، وأولع وولع بمعنى لازم محبتها وألح في اتباعها وأله بمعناه إذا أسند إلى الفصيل والعباد الظاهر أنه بكسر العين وفتح الباء المخففة جمع عبد، وجوّ ز بعضهم ضم عينه وتشديد بائه على أنه جمع عابد، ومولعون جمع مولع بضم الميم وفتح اللام قال في الصحاح: أولع به فهو مولع به بفتح اللام أي مغرى به، فلا يفارق جنابه والتضرّع التذلل والخضوع والشدائد جمع شديدة، وهي المصيبة وكل ما يصعب ويشتد، وأولع في بعض النسخ بالهمزة من المزيد ووقع في بعض الحواشي ولع بدونها قال: وكان المناسب أن يقول إذ العباد والعون لكنه لم يستعمل والع بل مولع والباء صلة مولع ولا حاجة إلى ما قيل من أنها سببية لمن له أدنى تأمّل وضمير إليه إن رجع إلى الإله مطلقاً كان شاملاً للفريقين، ولا مانع منه وان رجع إلى الله كما هو المتبادر فقدم ذكره لما مرّ من كونه حقيقة أو على زعمهم، وعلى الوجه الأوّل فيه إشارة إلى هذا التخصيص لأنهم كانوا إذ أنزل بهم ما يدهشهم لا يلجؤن إلا إلى الله كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠] وقيل: فيه اكتفاء عن عبدة غير الله تعالى للعلم بحالهم، ولا يخفى بعده. قوله: (أو من وله إذا تحير إلخ الم يذكر وجهه لعلمه مما مرّ وفيه تصريح بأنّ أله ووله لغتان لا أنّ أصل أله وله كما ذكره الجوهريّ ﵀، ولا أنّ بينهما فرقا لأن هذا التحير من تخبط العقل أي اختلاله، وذاك لكماله حيث دهش في عظمته لأنه خلاف الظاهر، وان ارتضاه بعض المتأخرين، والتخبط تفعل من الخبط، وهو الضرب بالأرض ونحوه أريد به فساد العقل من الخباطة بالضم، وهي شيء كالجنون قال تعالى: ﴿الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وسيأني تحقيقه. قوله: (وكأنّ أصله ولاه الأن إبدال الواو المكسورة في أوّل الكلم همرة مطرد في لغة هذيل، كما في التسهيل، ولم يجزم به لعدم سماع ولاه إن كانت العبارة كأنّ بفتح الكاف والهمزة وتشديد النون، ويجوز أن يكون مخففاً بالألف ماضي كان الناقصة وما قيل من أنه لا يصح لأنه يجب حينثذ نصب ولاه ورسمه بألف وليس كذلك هو في النسخ ليس بشيء لأنه يجوز حكاية لفظه كما في بعض الحواشي فيمنع صرفه، وقوله وقيل إله عطف على قوله فقلبت وتقديره فقلبت ثم حذفت إن كان الضمير لله كما مرّ. قوله: (ويردّه الجمع الخ (يعني لو كان أصله ذلك سمع فيه أولهة كأوعية لأنّ الجمع يردّ الأشياء إلى أصولها، ويبعد قلب الواو ألفا إذا لم تتحرّك لمخالفته القياس، فلا وجه للتوجيه به كما قيل وما قيل من أنه لتوهم كون الهمزة أصلاَ لعدم استعمال ولاه، وشيوع إله لا يدفعه، بل يحققه لأنه خلاف الظاهر. قوله: (وقيل أصله لاه الخ (هذا معطوف على قوله والله أصله إله الخ والضمير راجع إلى الله لا إلى الإله، وان جاز لأنه إذا كان هذا أصل إله لزم كونه أصل الجلالة أيضا، لأن
أصل الأصل أصل ولاه مصدر، وفي بعض كتب اللغة لا يليه ليها إذا احتجب ولاه يلوه إذا ارتفع والمصنف ﵀ جعلهما أي الارتفاع، والاحتجاب معنيين من مادّة واحدة، وبينهما على طريق اللف والنشر وهو ظاهر، وليس المراد أنه مستعمل فيهما معا بناء على مذهبه في المشترك بل صحة النقل من كل منهما، وهذا المذهب منقول عن سيبويه ﵀ بناء على ما حقق في كتب اللغة، وقال ابن خروف: إنه منقول من لفظ متوهم كباب، وهو مقلوب من وله لأن باب لوه وليه ليس في كلام العرب كما قاله السيوطي، وقيل: لاه يليه بمعنى ارتفع ليس بلغة. قوله: (لآنه تعالى محجوب الخ) هو بيان للأوّل قال:
стр. 57
لاهت فما عرفت يوماً بجارحة يا ليتها خرجت حتى رأيناها
وقد اعترض عليه بما قاله الإمام من أنّ حقيقة الصمدية محتجبة عن العقول، ولا يجوز
أن يقال محجوبة لأنّ المحجوب مقهور وهو العبد، وأمّا الحق فقاهر ففي عبارة المصنف ﵀ قصور أو خطأ، والصواب محتجب كما في بعض النسخ، وهكذا قاله الفاضل الليثي وغيره (وأئا أقول) في حكم ابن عطاء الله نفعنا الله به الحق ليس بمحجوب إنما يحتجب عن النظر إليه إذ لو حجبه شيء لستره، ولو كان له ساتر لكان لوجوده حاصر، وكل حاصر لشيء فهو لوجوده قاهر، وهو القاهر فوق عباده انتهى.
وفي الشفاء ما وقع في حديث الإسراء من ذكر الحجاب هو في حق المخلوق لا في حق الخالق، فهم المحجوبون والباري جل اسمه منزه عما يحجبه، والحجب إنما يحيط بمقدر محسوس، ولكن حجبه عن أبصار خلقه وبصائرهم، وإدراكاتهم بما شاء، وكيف شاء، ومتى شاء لقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ٥ ا] انتهى. يعني أنّ الحجاب حقيقته المنع والستر، وانما يكون في الأجرام المحدودة، والله تعالى منزه عن ذلك، فهو إمّا تمثيل لمجرّد المنع عن رؤيته تعالى مشاهدة، وإحاطة أو هو في حق المخلوق دونه، حينئذ فالمحجوب يطلق على الخلق حقيقة، لأنهم حجبوا عن رؤيته أو قربه، أو نحو ذلك كما في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ فإن أسند إليه تعالى كما ورد في الأحاديث، فهو تمثيل لارتفاع شأنه وعظمته كما صرحوا به، أو مجارّ عن منعه لهم فهو مانع وممنوع وانما الممنوع منع ما سواه له وفي الدرر والغرر لعلم الهدى قذس سرّه في قوله تعالى: ﴿مِن وَرَاء حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] أنه تعالى يوصف بالحجاب بمعنى الخفاء وعدم الظهور والعرب تستعمله بهذا المعنى فتقول بيني وبين هذا الأمر حجاب أي مانع وساتر انتهى. وفي شرج المواقف المحجوب مقهور، وهو عز شأنه منزه عنه وهو كما يصدق عليه أنه محتجب يصدق عليه أنه جعل ذاته محجوبا لأن الخفاء من فرط الظهور، فلا غبار على كلام المصنف كما سمعته، وقوله لها بفتحهما سان لأصله، وقيل: أصل لوها أولوها كما في الدرّ المصون فلا حاجة إلى القول بأن قلب ياء لبها الساكنة الفا على خلاف القياس،
وقد أثبت الكرماني ما ذكر بأنه قرىء في الشواذ وهو الذي في السماء لاه، والمصنف ﵀ ثقة يعتمد نقله فلا يلتفت لما قيل أنّ لاه يليه لم يثبت في اللغة، وكذا كون لاه مصدرا، وقوله: مرتفع أي عال منز؟ عنا لا يليق بجانب كبريائه بيان للمعنى الثاني. قوله: (ويشهد له قول الثاعر:
كحلفة من أبي رباح يشهدها لاهه الكبار)
أنشده الفرّاء ولم يبين قائله وهو الأعشى كما في شروح الكتاب والشواهد، والأعشى
اسمه ميمون بن قيس وهو من قصيدة أوّلها:
ألم تروا ارما وعادا أفناهم الليل والنهار
وهي في ديوانه، وحلفة بفتح فسكون وفاء المرة من الحلف وهو اليمين، وهو شاهد للاه بمعنى إله.
وروى كدعوة، وأبو رباح براء مهملة مفتوحة وموحدة مفتوحة، وآخره حاء مهملة اسم
رجل من بني ضبيعة، وهو حصن بن عمرو بن بدر، وكان قتل رجلاً من بني سعد بن ثعلبة، فسألوه أن يحلف أو يدي، فحلف ثم قتل بعد حلفته، فضربته العرب مثلاً لما لا يغني من الحلف كما قاله ابن دريد في شرح ديوان الأعشى، ويشهدها بمعنى يحضرها ويطلع عليها، وروى يسمعها الواحد الكبار، وهو بضم الكاف، وتخفيف الباء هنا، ويجوز تشديدها في غيره كما قرىء به، وهو مبالغة في الكبير، والمراد بلاهه الكبار ضمه، وروى أيضاً لأهم الكبار بضم الميم، واستشهد به النحاة على مجيء لاهم في اللهم مخفف الميم في غير النداء لأنه فاعل، فلا يكون على بعض الوجوه شاهداً لما ذكره المصنف ﵀ قيلى: والاستشهاد بما مرّ من اثقراءة الشاذة أولى. قوله: (وقيل علم لذاته الخ) هذا معطوف على قوله: والله أصله إله أي هو علم بحسب أصله وضع ابتداء لذات مخصوصة، وليس باسم جنس، أو صفة غلب عليه حتى صار علماً كما مرّ قيل: ولا يخفى أنّ الأدلة المذكورة لا تفيد ذلك أصلاً، فلا يبعد أن يكون مراده بيان القول بالعلمية مع قطع النظر عن أنه مشتق
стр. 58
أولاً فقد ثبت القول بالعلمية مع الاشتقاق أيضاً، فالمصنف بجد ما ذكر أنّ أصله له بمعنى المعبود، واشتقاقه نقل قولاً بالعلمية بعبارة جامعة بينهما، واستدل عليه ثم نفاه مطلتما، وقال: الحق إنه ليس كذلك بل هو باق على ما قلناه من المعنى واختص بالغلبة لا بالعلمية، ولو لم يحمل كلام المصنف على ذلك لم يكن في كلامه ذكر القول بالعلمية مع الاشتقاق والأصالة مع أنه المذهب المختار عند صاحب الكشاف وغيره، وهذا تكلف لا حاجة إليه، وستعرف انطباق الأدلة على المدعى مع أنه لا يهم المصنف ذلك لأنه ليس مختاراً له حتى يضرّه الخلل في أدلته وقوله: (لذاته) إشارة إلى أنّ هذا
القائل لم يعتبر فيه صفة أصلاً، وبه صرّحوا وإن قال العلامة أنه ممنوع بل اعتبر فيه صفة كالذات المستجمعة للكمالات، أو المستحق لجميع المحامد، وسيأتي ما له وعليه فتدبر. قوله: (لأنه يوصف الخ) قيل عليه إنّ هذا إنما يدلّ على كونه اسماً على كونه علماً مع أنّ الزمخشريّ صرّح في سورة فاطر بجواز كون لفظ الله صفة اسم الإشارة وودّ بأن الاختلاف وقع فيه بعد تسليم اختصاصه به تعالى، فموصوفيتة تقتضي ذلك اقتضاء راجحاً يكفي في مثله، وأمّا وصفه اسم الإشارة فعلى خلاف القياس لوقوعه بالجوامد في نحو ذلك الرجل وهذا الكتاب، ونيس المنظور فيه سوى رفع الإبهام فهو مستثنى مما ذكر، والزمخشريّ تفرّد بقياس العلم عليها فلا وجه لما ذكره، وأمّا قراءة العزيز الحميد الله بالجرّ، فقيل إنه عطف بيان لا صفة، وقوله لذاته المخصوصة استعمل الذات فيه تعالى بمعنى العين والحقيقة لأنه ورد إطلاقه عليه في الأحاديث الصحيحة نحو: " لا تتفكروا في ذات الله " فلا عبرة بمن أنكر إطلاقه على الله لأنه مؤنث وتفصيله في شرح الكشاف وغيره. قوله: (ولأنه لا بد له من اسم تجري عليه الخ) أي يجعلها جارية عليه بأن تكون نعتاً له لأن العرب لم تاع شيئاً إلا وضعت له اسماً كما هو دأبهم وعادتهم، وليس هذا محالاً لأنّ المحال هو وجود صفة بدون موصوف لا بدون ما وضع له، وإنما هو أمر استقرائي استحساني، وكونه اسم جنس معرّفاً بأل، وإن كفى لكن الظاهر أن يكون خاصاً به وضعاً، وهو العلم وكونه علما منقولاً من الوصفية لا يكفي إذ عليه لم يكن له اسم في أصل الوضع تجري عليه صفاته. قوله: (ولأنه لو كان وصفاً الخ الأنه حينئذ موضوع لأمر كليّ، وكذا لو كان اسم جنس لأن ثبوت الأعم لا يقتضي ثبوت الأخص بقي أنه قيل عليه أنه لو كفى في التوحيد اختصاص المستثنى بذاته في الواقع فلا إله إلا الرحمن كذلك لاختصاصه به، وإن لم يكف واقتضى ما يعينه بحيث لا تجوز فيه الشركة لم يكن لا إله إلا الله كذلك لأنه لا يحضر ذاته لنا على وجه التشخص، وأجيب بأنّ الألفاظ تنوب في الشرع عن المعاني الموضوعة لها ألا ترى أنّ أنت طالق يفيد الطلاق، وإن لم يقصد فالله تعالى، وإن لم يمكن احضاره بذاته، لكن لفظة الله تنوب مناب احضاره، فنزل ذكوه في التوحيد منزلتة بخلاف الرحمن انتهى.
وردّ بأنه لا وجه للحكم بإيمان أحد بمجرّد لفظ لا يعرف معناه، وما توهمه في مسألة الطلاق فاسد إذ لا بدّ فيه من استعمال اللفظ واستحضار المعنى، ولذ لا يقع بسبق اللسان به ولا من النائم والأعجمي الذي لا يعرف مدلوله، نعم لا يعتبر فيه قصد إيقاع الطلاق لمن تلفظ به اختياراً مع علم معناه، وإن لم ينو إيقاعه، والقائل لم يفرق بين عدم اعتبار المعنى وعدم اعتبار قصده، والأقرب أن يقال إنه توحيد بالنظر للمشركين القائلين إنّ غير تعالى مستحق للعبادة لقطعه هذا الاستحقاق، وأمّا من اعتقد الشركة في وجوب الوجود، فلا نسلم الحكم بتوحيده بمجرّد تكدسه بهذه الكلمة، ولم ينقل عنه ﵊ ذلك، وأمّا معاوضته
بقل هو الله أحد بأنه لو دلّ على التوحيد لم يكن لذكر الأحدية فائدة معه، فسيأتي ما يدفعه ثمة من تفسير الأحدية بعدم قبول التعدد بوجه من الوجوه وهو ليس من لوازم العلمية وأما ما قيل عليه من أنه لا يخفى ما فيه من الركاكة لأنّ وضع العلم لإحضار المسمى على ما وضع له، ولا شك في أن الله علم، وعدم حضور الله تعالى بشخصه لا ينافي علميته، والعجب كيف خفي عليه هذا مع ظهوره، فلا محصل له والعجب من ابن أمّه، وقد نقل عن المصنف هنا حاشية قال فيها نظر لجواز أن يكون التوحيد مستفادا من الشرع انتهى.
وغير خاف أن سرّ ما أفاده الشرع هو هذا، فإن فرقه بين إلا الله والا الرحمن لا بدّ له من
وجه، ولذا قيل كون لا إله إلا الله
стр. 59
مفيداً بنفسه ثبوت ذلك الفرد الواجب وعدم كون لا إله إلاً الرحمن كذلك سر أن الشارع جعل لا إله إلا الله توحيدا دون لا إله إلا الرحمن وأورد أيضا أنه لا يثبت عدم الاشتقاق، والأصل لجواز الاشتقاق من مثتق منه عرضيّ اعتبر مرجحاً للتسمية، ويكون له أصل كما في الكشاف إلا أنه لما غيره الواضع جعله علماً فالأدلة الثلاثة لا تفيد المدعى إن جعلناه خاصا على ما مرّ ولا يخفى أنه لو كان مشتقا لكان كلياً بحسب الأصل وجزئيته الآن ثابتة، فالظاهر أنه كان قبل ذلك كذلك، فيتمّ الدليل على ضعفه عند المصنف ﵀، وقد مرّ ما فيه وسيأتي تنويره، وقيل: الحق أنّ إيجاب إحضاره سبحانه على الوجه المذكور تكليف بما لا يطاق فالمطلوب إنما هو إحضاره على وجه كلي منحصر في فرد، وعدم حصول التوحيد بالرحمن لإطلاقه مضافا على غيره كرحمن اليمامة، فإن قلت: إن قدر الخبر هنا موجود لم يفد نفي إمكان آخر وأن قدر ممكن لم يلزم منه وجود المستثنى بل إمكانه، قلت أجابوا عنه بأنه يقدر موجود ولا يلزم أن يفهم من هذه الكلمة نفي الإمكان لإله آخر فإنه للردّ على المشركين في إثبات الشركاء، قيل: ويمكن أن يستنبط منها نفي إمكان إله آخر على تقدير موجود أيضا لأنّ المراد بالإله المعبود بحق والكلمة إذا دلت على نفي معبود بالحق غيره تعالى دلت غلى نفي إمكانه، إذ لو كان معبود بحق غيره تعالى ممكنا كان موجودا، إذ من استحق أن يكون معبود يجب اتصافه بصفات الكمال، فلم يكن له نقص وكيف يستحق الناقعى العبادة مع وجود الكامل من جميع الوجوه فيكون واجباً موجودا، وهذا ظاهر لمن له حدس صائب، ومن هذا يعلم أنه لو قيل بتقدير الخبر ممكن، فالمطلوب حاصل أيضاً لأنه لما كان المستثنى معبودا بحق وجب أن يكون موجوداً لما مرّ وقيل عليه أنه تكلف والحصول لا يلزم الخصم، وفيه نظر، ولو قدر الخبر إله اندفع ذلك، ويكون المعنى لا إله إله إلا الله أي ليس ما يعتقد أنه معبود معبود بالحق إلا الذات الفرد الصمد.
ونقل عن الشريف أنه قال: إنه تحقق بديع وصنف فيه مقالة مستقلة، ولم نره لغيره ومنع احتياج لا إلى الخبر بناء على ما نقل عن ابن الحاجب من أن بني تميم لا يثبتون خبرها مما لا يعوّل عليه، وقد قال الأندلسي: لا أدري من أين نقله والحق أنّ بني تميم يحذفونه وجوبا، إذا
وقع في جواب سؤال، وقامت عليه قرينة، وإلا فلا يحذفونه مع أنه يدل على حذفه لا على عدم تقديره، فإن قلت هذه كلمة لا تصدق إلا إذا أريد بالإله المنفيّ المعبود بحق وهو أعم قلت هو مخصوص بقرينة عقلية قائمة عليه وهي أنّ المعبود بغير حق موجود متعدد، وهو لشهرته لا يخفي على أحد، فلا يصح نفيه من عاقل. قوله:) والأظهر أنه وصف الخ) في نسخة والحق بدله، ثم إنه قيل: إنه مذهب ثالث وقيل: بل هو المذهب الأوّل، وهو أنّ ألله مثتق إلا أنه مختص بالمعبود بحق، فأشار إلى تأييده، وبطلان الثاني، وربط بتحرير المدعي ما يردّ به الوجوه السالفة، ثم أنه قدص سرّه حقق في هذا المقام أنّ الاسم قد يوضمع لذات مبهمة باعتباره معنى يقوم به، فيكون مدلوله مركبا من ذات مبهمة لم يلاحظ معه خصوصية أصلاً، ومن صفة معينة، فيصح إطلاقه على كل متصل بتلك الصفة، ومثل ذلك الاسم يسمى صفة، وذلك المعنى المعتبر فيه يسمى مصححا للإطلاق كالمعبود مثلاً، وقد يوضحع لذات معينة بلا ملاحظة قيام معنى بها، فيكون إسما لأ يشتبه قطعا بالصفة كالفرس، وقد يوضع لها ويلاحظ في الوضع معنى له نوع تعلق بها، وهو على قسمين:
الآوّل: ما يكون ذلك المعنى خارجا عن الموضوع له، وسببا باعثا على تعيين الاسم بإزائه، كأحمر إذا جعل علماً لمولود فيه حمرة، وكالدابة إذا جعلت اسما لذوات الأربع في أنفسها، وجعل الدبيب سببا لوضع هذا الاسم بازائها لآجزأ من مفهوم اللفظ.
الثاني: أن يكون ذلك المعنى داخلاً في الموضوع له، فيتركب مفهومه من ذات معينة،
ومعنى مخصوص كأسماء الآلة والزمان والمكان، وكالدابة إذا جعلت اسما لذوات الأربع مع دبيبها.
وهذان القسمان أيضا من الأسماء لكن ربما يشتبهان بالصفات، والقسم الأخير أشد التباساً بها، لأنّ المعنى المعتبر في الوضع داخل في كل منهما، ومعيار الفرق أنهما يوصفان بشيء، ولا يوصف بهما شيء على عكس الصفات، ولما وجد لي الاستعمال إله واحد ولم يوجد شيء إله مع كثرة دورانه على الألسنة علم أنه من الأسماء دون الصفات وهكذا حكم كتاب وإمام، وسائر ما اعتبر فيه المعاني مع خصوصية الذوات انتهى.
وهو برمّته مأخوذ من
стр. 60
كلام العضد، وفيه على فرض تسليمه للبحث مجال.
أمّا أوّلاً: فإنّ الفرق بين الصمفة وأسماء المكان وما جرى مجراها بأن الذات في الأوّل
مبهمة دون الثاني مما لم يقم عليه دليل فإن ضاربا كما أنه ذات صدر عنها الضرب كذا مضرب مكان مّا وقع فيه الضرب حنى لو اعتبر خصوصيته كمدرسة، ومقبرة خرج عن بابه وألحق بأسماء الأجناس كما صرّحوا به، لا يقال لم يعتبر فيه مطلق الذات بل خصوصية كونه مكانا
دثبة الشهاب / ج ا / م ٧
لأنا نقول يلزم على هذا أنّ الصفات المخصوصة ببعض العقلاء أو بغيرهم خارجة عنها كمرضع وحائض وبازل ولا قائل به لا يقال لما أعلموا القسم الأوّل دون الثاني، واستتر فيه الضمير دلنا ذلك على أنهم لاحظوا خصوص الوصفية فيه، لأنا نقول يجوز أن يكون الثاني لما دل على المكان، وما ضاهاه ألحقوه بالجوامد مع أنّ ما ذكر أمور سماعية لا يلزم الوقوف على أسرارها، وقد استدلّ له بعض المحققين بأنّ شخصا لو فتح القفل بإصبعه لم يقل له مفتاح لأنه اعتبر فيه هيئة متعارفة وفيه نظر.
وأمّا ثانياً: فلان وصفه وعدم الوصف به يجوز أن يكون لإجرائه مجرى الأسماء كأجرع وأبطح وهو كثير في كلامهم.
وأمّا ثالثاً: فلأن الدابة بمعنى ما يدب مطلقاً لا شهة في أنها صفة وتخصيص العرف لها ببعض أفرادها لا يخرجها عن الوصفية ألا ترى أنّ مملوكا صفة لكل متصف بالمملوكية، وتخصيصه بالرقيق لا يخرجه عن الوصفية لاستتار الضمير فيه، وعمله في الظاهر نحو عندي رقيق مملوك نصفه، وليس هذا مناقشة في المثال ألا ترى قوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣٨] حيث تعلق بها الجارّ والمجرور، ولا نقول قارورة في الدار متعلق الجارّ فقول المصنف وحمه الله إنه وصف لا يتأتى على تحقيق الشريف، إلا أن يكون غير مسلم عنده، ولذا قال بعضهم: يحتمل أن يكون مراده بالوصفية اعتباره المعنى مع الذات، وإن كانت الذات معينة، فيكون اسما اصطلاحيا، وهذا إذا لم يمتنع فهو بعيد جدّاً. قوله: (لكنه لما غلب عليه بحيث الخ) الغلبة كما مرّ أن يكون للفعل عموم بحسب المعنى، فيحصل له بحسب الاستعمال تخصيص ببعض إفراده إمّا إلى حدّ التشخص، فيصير علماً كالنجم أولا فيصير اسماً غالباً كالكتاب للقرآن أو صفة غالبة كالرحمن وهو أعم من أن يستعمل في غيره نادرا أو لا، وتسمى غلبة تقديرية، وهذا جواب عما مز من أدلة العلمية وظاهره أنه استعمل في غيره ث ولفظ الله لم يستعمل في غيره اتفاقا، ويردّ بجعل مجموع المعطوف والمعطوف عليه، وهو قوله: (وصار الخ) مدخول حيث، فاللازم عدم تحقق المجموع قبل العلمية، وانتفاء المجموع يتحقق بانتفاء المعطوف فقط إلا أنّ ظاهر قوله: صاو كالعلم إنه عنده ليس من الأعلام الغالبة أيضاً، ولا يجوز أن يكون مراده من العلم العلم الابتدائي لتبادره عند الإطلاق كما ذهب إليه بعض أرباب الحواشي، وادّعى أنّ المصنف ﵀ ذهب إلى أنه من الأعلام الغالبة، ويبعده أنّ ما ذكر في نفي علميته مشترك بين الابتداء وغيره ولذا اختلف في قوله: كالثريا فعلى الأوّل هو تمثيل للعلم، وعلى هذا لما صار كالعلم، وسيأتي ما ينوّره. قوله: (مثل الثريا والصعق) الثريا تصغير ثروي مؤنث ثرو إن جعل اسماً للنجم لكثرة كواكبه، ونقل علماً لامرأة أيضاً وكواكبها ستة أو سبعة كما قال:
خليلي إني للثريا لحاسه واني على ريب الزمان لواجد
تجمع فيها شملها وهي سبعة وأفقدمن أحببته وهوواحد
والصعق بفتح العين شدّة الصوت، وبكسر العين الشديد الصوت، والمتوقع للصاعقة والنازلة عليه، ولقب خويلد بن نفيل فارس بني كلاب، وتسكن عيته ويقال صعق كإبل لقب به لأنّ تميما أصابوا رأسه بضربة، فكان إذا سمع صوتا صعق أو لأنه اتخذ طعاماً فكفأت الريح قدره، فلعنها فأرسل الله عليه صاعقة، وهما وصفان في الأصل صارا علماً بالغلبة، والغلبة في الله، والثريا تقديرية، وفي الصعق تحقيقية. وقوله: (أجرى مجراه الخ) فسره المصنف ﵀ بما فيه غني عن غيره، وقد علمت حالة مما مرّ، وهذا جواب عن دليل العلمية بأنه يوصف ولا يوصف به، ومنه يعلم جواب ما معه برمته لأنه صار اسماً تجري عليه صفاته وتعين تعينا قطع الشركة وصح به التوحيد ويرد عليه أنه قبل العلمية لم يوصف به أصلاً إذا لم يسمع شيء إله فتدبر.
стр. 61
قوله: (لأنّ ذاته من حيث هو الخ (ظاهره عدم صحة العلمية فيه بطريق الوضع القصدي وفي شرح المواقف من ذهب إلى جواز تعقل ذاته تعالى جوّز أن يكون له اسم بإزاء حقيقته المخصوصة، ومن ذهب إلى امتناع تعقل ذاته تعالى لم يجوّزه، لأنّ وضع الاسم لمعنى فرع تعقله ووسيلة إلى تفهمه فإذا لم يمكن أن يعقل ويفهم لم يتصوّر وضع اسم بإزائه، وفيه بحث لأن الخلاف في تعقل كنه ذاته ووضع الاسم بإزائه لا يتوقف عليه، إذ يجوز تعقل ذات بوجه من وجوهها، ويوضع الاسم لخصوصها، ويقصد تفهيمها باعتبار ما لا يكنهها، ويكون ذلك مصححا للوضع وخارجا عن مفهوم الاسم على ما عرف أنّ لفظ الله اسم علم موضوع لذاته من غير اعتبار فيه انتهى.
قال شيخ مشايخنا السيد عيسى قدس يى س هـ: إعلم أنهم عرفوا العلم بما وضع لشخص
بعينه، والمتبادر منه أن يكون التشخص ملاحظا للواضع، وأورد يهليه صدر الأفاضل أنه يلزم أن لا يمكن تسمية ما لا نعرت بعينه كالولد والمملوك الغائبين، وأن لا نعلم معاني الأسماء الموضوعة لما لا نعرفه كالله والملائكة والأنبياء، وعليه يترتب أنه لا يمكن لغير الله وضع لفظ له، والجواب أنه ليس المراد الشخص، والتشخص بعينه، وملاحظته حين الوضع بل يجوز الوضع له، وان كنا نلاحظه بوجه مساوله في الواقع، ومن المعلرم أنّ الوضمع لشيء لا يستلزم معرفة الموضوع له بالكنه، ولا بوجه مشخص بل مساو كما تقرّر في المبهما. ت، فاندفع الأوّل والمعلوم في الأشخاص المذكورين هو بوجوه مساوية ولا خلف في الجهل بالشخص، والكنه إلا أنه يبقى على الأوّل أنه ذكر في الرسالة الوضعية عند تقسيم الموضعات إلى الإعلام وغيرها أنّ اللفظ الذي مدلوله مشخص إن كان وضعه شخصيا فهو علم وان كان كليا فغيره من المبهمات ونحوها، وعرف الوضع الشخصيّ بأن يكون الموضوع له ملاحظا بخصوصه مقصوداً
بعينه، والوضع الكليّ بأن يكون الموضوع له متصوّراً بوجه كليّ، فوضع لكل من الجزئيات ووافقه غيره، والحق أنه كلام مموّه ومؤوّل وليس العلم منحصراً فيما ذكر لما مرّ من كلام شرح المواقف، وقد صرّحوا في تفسير العلم بما وضع لشيء مع جميع مشخصاته بأنّ المراد أن تكون ملاحظتها بوجه مختص وضعه لفرد المخصوص بل في كثير من المواضع اضطرّوا لذلك، كما في أعلام الكتب والعلوم إن لم نقل بانها أعلام جنسية بل جميع المشخصات قلما تكون ملاحظة بالذات كما في الإنسان المتولد المتغيرة تشخصاته من الولادة إلى الموت فالتشخص المستمر الباقي من الأوّل إلى الآخر قلما يعرفه أحد إلا بوجه مجمل صادق عليه، فعند التحقيق يجب القول بذلك، وحيث تحقق هذا لم يبق في المقام إشكال بعون الملك المتعال، فظهر أنّ ما توهمه الفاضل المرشدي في هذا المقام من أنّ الوضع في العلم الشخصي شخصيّ إن أراد بالتشخص الجزئي الحقيقي بحسب المفهوم، فهو توهم ناشىء من ظاهر عبارة الرسالة وغيرها، والتحقيق خلافه، وإن أراد أنه أمر مخصوص مشخص في نفس الأمر، فله وجه لكن لا يضرنا، ثم إن أردت تحقيق هذا المقام، فلا بد من النظر في أنه هل يجب في العلم أن يكون الملاحظ أمرا خاصا بشخص في نفس الأمر فيوضع لذلك الشخص، وفي المبهمات أمرا كلياً في نفس الأمر يوضع لكل فرد، فيكون ذلك مدار الفرق، وهو الأظهر أو لا يلزم ذلك بل يمكن ملاحظة الكليّ، والوضع العلمي لكل واحد من أفراده على ما قيل في أسماء الكتب والعلوم ونحوها محل نظر، وحنيئذ إثبات الفرق بين المبهمات والأعلام على تحقيق السيد مشكل فلا بدّ من نظر دقيق، وبعد فالمقام لا يخلو من كلام، والغلبة التي ذهب إليها المصنف ﵀ أسلم الطرق، ومما مرّ عن شرح المواقف علم جواب ما أورده وأمّا إن العرب وضعت لكل شيء اسماً تجري عليه صفاته، فقد قيل إنه فيما تعرف حقيقته، وأمّا ما ليس كذلك فعدم الوقوف عليه سبب لعدم الوضع له، وتقرير الدليل بأنّ ذاته من حيث هو بلا ملاخظة صفة غير معقول للبشر، والعلم ما وضع للذات من غير صفة، فلو كان علما كان دالاً على الذات، والذات لا يكون مدلولاً عليه بلفظ، فلا يكون علما له: قيل: وهو مبني على مقدمات ضعيفة، أمّ الأولى فلا نسلم أنّ ذاته من غير صفة غير معقول للبشر بل مذهب أهل السنة جواز معرفة الله بالكنة لغير الله، وان سلم فلم لا يجوز أن يكون الواضع هو، وهو يعلم كنهه، وان كان الواضمع غيره وقلنا هو على التفصيل غير واقع، فلم لا يجوز
стр. 62
ملاحظته على الإجمال، ولا نسلم أنّ ملاحظة المجمل إنما هي بوجه وصفة خارجة بل هو نوع من التعقل للذات انتهى.
وقيل: عليه إنّ القائل به هو عنده غير واقع فلا يكفي به الجواز، ولأنه لو كان الواضع
هو الله علم من تتبع موارد الاستعمال، وهو يتوقف على فهم ما أرد ولأنه لا معنى للإجمال في البسيط، إلا ما ذكر وقد قيل أيضاً إنّ الظاهر أن واضع اللغة لا يفعل إلا ما فيه فائدة معتدّ بها،
بل كل عاقل كذلك والشيء الذي له صفات وجهات كثير يعلم بوضع أسماء الصفات فوضع العلم إنما تكون فائدته معرفة الذات من غير صفة إذ لو قصد ما يحصل بوضع الصفات لم يكن في وضع العلم فائدة يعتدّ بها، فإذا فرض أن تلك الذات من حيث هي لا يمكن تفهيمها واعلامها للمخاطب لا يبقى لوضع العلم فائدة أصلاً، وهو غير مسلم أيضا عند الذاهب إلى العلمية لأنه يقول لها فوائد أخرى، كإجراء الصفات، وهو لا ينفي أيضا كونه اسم جنس، فهو اقناعي لا يحسم عرق النزاع، وقد نقل هنا عن المصنف حاشية قال فيها ما نصه فيه نظر إذ يكفي في وضع العلم تعقله بوجه يمتاز به عن غيره من غير أن يعتبر ما به الامتياز في المسمى، فيمكن وضع العلم لمجرّد الذات المعقولة في ضمن بعض الصفات، وقد تقرّر في الكلام أنه يمكن أن يخلق الله العلم بكنه ذاته في البشر، ولأنه إنما يتمشى إذا لم يكن الواضع هو الله، والتحقيق أن تصور الموضوع له بوجه ما كاف في وضع العلم، وكذا في فهم السامع عند استعماله انتهى.
ويعلم أمره مما مرّ، وانما أطلنا الكلام هنا لكثرة ما فيه من القيل والقال، فربما ظن أنا
لم نحط بما تالوا خبرا، وقد بينا علمية الاسم الشريف في رسالة مستقلة حققنا فيها معنى التشخص فمن أراد تحقيق هذا المقام فلينظر ما كتبناه فيها.
واعلم أنّ علمية العلم بالغلبة بالوضع أيضا كما صرّح به بعض أرباب الحواشي، وعند الرضى أنها لا تحتاج إلى وضع قال: وقد يصير بعض الأعلام اتفاقيا أي يصيرعلما لا بوضع واضع معين بل لأجل الغلبة، وكثرة الاستعمال في فرد، وقيل: فيه وضع غير قصدى، وبه يندفع ما قيل من أنّ ما ذكره المصنف على تقدير تمامه يفيد أنه ليس من الإعلام الغالبة أيضا إذ الإعلام بها صارت موضوعات لأشخاص معينة يدل بها عليه، وهو ليس كذلك. قوله: (فلا يمكن أن يدل عليه) بالبناء للمجهول وفي بعض النسخ، فلا يمكته أن يدل بصيغة المعلوم أي لا يمكن البشر أن يدل عليه غيره، وهو على تقدير كون الواضع البشر. قوله: (لما أفاد ظاهر الخ) فإنّ ظاهره أنه متعلق به باعتبار معناه الوضمي كمعبود ونحو.، وانما قال ظاهر لأنه يحتمل تعلقه بيعلم في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ [الأنعام: ٣] الخ ويحتمل تعلقه به باعتبار معنى خارج عته لازم له أو مشتهر به اشتهار حاتم بالجود كقوله:
أسد عليّ وفي الحروب نعامة
وأمّا كون الاسمية لا تقتضي الدلالة على مجرّد الذات كما في أسماء الزمان والآلة، يلم يلتفت إليه المعكحنف ﵀، وسيأتي تفصيله في سورة الأنعام فاندفع ما قيل عليه إن صحة معناه كما تكون متعلقة بلفظ الله مع العلمية بالغلبة، تكون باعتبار تضمنه معنى المعبودية، أو
اشتهاره بها. قوله: (لأنّ معنى الاشتقاق هو كون أحد اللفظين مشاركاً للاخر الخ) الاشتقاق إن اعتبر فيه الحروف الأصول مع الترتيب وموافقة الأصل في المعنى فهو الاشتقاق الصغير، وإلا فإن اعتبر الحروف الأصول مع عدم الترتيب فالكبير، وإلا فإن اعتبر مناسبة الحروف في النوعية أو المخرج مع عدم الموافقة في جميع الحروف الأصول فاكبر ولا بد من تناسب المعنيين في الجملة وزيادة معنى أحدهما على الآخر ويعتبر في لفظه أن يتغاير المشتق والمشتق منه، وهو يعرّف باعتبار العلم، فيقال: هو أن تجد بين اللفظين تناسبا وباعتبار العمل، فيقال: هو أن تأخذ من اللفظ ما يناسبه، وباعتبار حال اللفظ، فيعرف بما ذكره المصنف فلا يرد عليه ما توهم من أن تعريف بالمباين، ويقال هو مسامحة منه، وظاهر أنه ليس باسم زمان، ولا مكان وباب قارورة وأحمر نادر، والمدعى ظني فيكفي هذا في إثبات وصفيته على ضعف فيه فاندفع ما أورد عليه من أنه لا يستلزم الوصفية إذ لا يسمى الزمان والمكان اشتقاقا بهذا المعنى من غير وصفية، وأيضا الكتاب والإمام من المشتقات بهذأ المعنى ولا وصفية فيهما، والمنكر لاشتقاقه لا يسلم التوافق في المعنى. قوله: (وقيل أصله لاها الخ) فهي على هذا غير عربية سريانية كما ذكره المصنف وغيره، أوءجرانية كما ذكره الإمام
стр. 63
والعبري والعبراني بكسر العين لغة بني إسرائيل من اليهود، والسريانية لغة آدم.
وقال ابن حبيب: كان اللسان الذي نزل به آدم من الجنة عربياً، ثم حرّف وصار سريانيا،
وهو منسوب إلى أرض سريانة وهي جزيرة كان بها نوح ﵍، وقومه قبل الغرق وهو يشاكل اللسان العربي إلا أنه محرّف، وكان لسان جميع من في الأرض إلا رجلاَ واحدة يقال له: حر فلسانه عربيّ كذا في الزاهر لابن الأنباري ﵀، وهم يلحقون ألفاً في أواخر الكلم، فيقولون لاها رحمانا كما في الفارسية ومعناه ذو القدرة، ويحتمل أنه من توافق اللغات كما ذكره الإمام ﵀، وأخر هذا القول لضعفه إذ لا وجه للذهاب إلى العجمة من غير دليل مع أنّ قولهم تأله وأله ياباه، فلا وجه لما قيل من أنه كان ينبغي ذكره مع الأقوال السالفة لبيان أصله مع أنّ تلك مبنية على عربيته، وليس هو من عدادها قيل: والتصرف فيه يدل على أنه لم يكن علماً في غير العربية ألا تراهم اشترطوا في منع صرف العجمة كون الأعجمي علماً في العجمية لما مرّ من تصرّف العرب فيه المضعف ليجمته. قوله: (فعرّب بحذف الألف الأخيرة وإدخال اللام عليه) يقال عرب اللفظ با أضشديد، وأعرب أي نقل إلى لغة العرب، وهل يشترط فيه تغيير اللفظ أم لا فيه اختلاف، والأصح أنه أكثريّ، وفي كلام المصنف ميل إلى القول الأوّل قوله: (وتفخيم لامه (أي لام الله وفي كلامه ما يوهم اختصاص التفخيم بهذا
الاسم، وليس كذلك لأنّ من القرّاء من يغلظ اللام المفتوحة إذا تقدّمها صاد أو طاء أو ظاء مفتوحة أو ساكنة، والتفخيم هنا ضدّ الترقيق، ويطلق على ما يقابل الإمالة، وعلى إمالة الألف نحو مخرج الواو كما يعرفه أهل الأداء في الصلاة، واشتهر في لسمان القراء التفخيم في الراء، والتغليظ في اللام، وضدهما الترقيق والتفخيم بعد الضم والفتح أمر لازم يكاد ينعقد الإجماع عليه، إلا ما نقله الداني وتبعه في الإقناع في رواية شاذة عن السوسيّ، وروح من ترقيقها وقد ردّها الجمهور، وقالوا: إنها لم تصح رواية ودارية، وأمّا التفخيم بعد الكسر، فقال ابن الجزريّ: إنه متفق على تركه ولم يقله غير الزجاج، ونقله الشيخان والقراء لم يلتفتوا إليه ولم يعدوه خارقا للإجماع ولذا مرضه، واضطرب فيه كلام الكشاف، فقول السيد والسعد قد أطبقوا على أنه لا تفخيم عند كسر ما قبلها فيه نظر وقد يقال أنهما لم يعتد بالشاذ فإن قلت إذا أميلت الفتحة هل ترقق اللام معها أو تفخم قلت فيه وجهان كما في نرى الله بالإمالة، والتفخيم لتعظيم اسمه، وقيل: للفرق بينه وبين اللات إذا وقف عيها بالهاء وتفصيله في كتب القراآت وقوله سنة أي طريقة معروفة عند الناس والقراء.
تنبيه: الترقيق انحاف الحرف عن صوته ويقابله التفخيم وعبر عنه القراء في اللام بالتغليط
فإن خص باللام فالتفخيم، وقال الجعبري: هما مترادفان والحروف بالنسبة للتفخيم والترقيق أربعة أقسام: مفخم وهو حروف الإطباق الضاد والطاء والظاء والصاد ونحوها، ومرقق وهو ما عداها، وله تفصيل في علم القراآت. قوله: (وحذف ألفه (أي ألف الله التي بعد اللام لحن أي خطأ في اللغة وفسر في القاموس اللحن بالخطا في القراءة، فلا وجه لما قيل من أن اللحن مخالفة صواب الإعراب وما هنا ليس منه، وقال الأسنويّ ﵀: إنه لغة حكاها ابن الصلاح عن الزجاجي فلا لحن فيه حينئذ، وفي التيسير إنه لغة جائزة في الوقف دون الوصل، والأفصح إثباتها، وإن تملح به المولدون في أشعارهم كثيرا كقوله:
أيها المستبيح قتلى خف الله وأت عينيك للدم المستحقة
قوله: (ولا ينعقد به صريح اليمين) يشير إلى أنه تنعقد به الكتابة مع النية كما ذكره الجويني والغزالي من الشافعية، وان قال النوويّ منهم: إنه ينبغي أن لا يكون يميناً أصلاً لأنّ بله يحتمل أن يكون يخعذ من البلل، وهو الرطوبة، ولذا فسدت به الصلاة لتغييره المعنى، ونقل ما ذكر أرباب الحواشي من كتب الشافعية ولم ينقلوه عن الحنفية، وقد نقلى شيخنا المقدسيّ في الرمز عن كتب المذهب، أنه إذا قال بله لا يكون يميناً إلا إذا أعرب الهاء بالكسر أو نوى اليمين انتهى. وقوله: (تفسد به الصلاة) أي إذا وقع في لفظ القرآن كما في الحمد لله، أو في البسملة إذا قلنا أنها من السوإة، كما هو مذهب المصنف، وفي التفسير الكبير أنه في التكبيرة.
стр. 64
قوله: (ألا لأبارك الله في سهيل الخ الم أقف على تانله، وهو دعاء على رجل اسمه سهيل
بعدم البركة والله مرفوع فاعل بارك وما زائدة، وروى إذا ما بارك الله في الرجال، فالتمثيل به في موضعين. قوله: (والوحمن الرحيم اسمان بنيا الخ) أي لأجل المبالغة والذي ذكره النحاة ير باب اسم الفاعل أنّ منه صيغا بنيت للمبالغة، ونقلت من فاعل إلى فعال كضراب، وفعول كشروب، ومفعال كمنحار، وفعيل كسميع، وفعل كعمل، وهي تعمل عمل اسم الفاعل رفعاً ونصباً.
كقوله:
ضروب بنصل السيف سوق سمانها
ومنع الكوفيون عملها مطلقاً لأنها لا تجاري الفعل وزنا، ولزيادة المبالغة فيها لا تساويه
معنى فقدروا للمنصوب بعدها عاملاً، وسيبويه جوّز أعمال الخمسة وخالفه كثر البصريين في أعمال فعيل وفعل دون غيرهما إلا أنهم لم يذكروا موازن رحمن فيها ولم يشترط أحد من النحاة لزوم فعلها وانما اشترطوه في الصفة المشبهة لأنها لا بذ لها من ملاقاة فعل لازم ومن ثبوت معناها، ولذا قال في شرح التسهيل: إنّ ربا وملكا ورحمن ليست منها التعدّي أفعالها، ولم يقل أحد بنقل فعل ما تعدى منها الفعل المضموم العين، والمسطرفي المتون المعوّل عليها أنّ فعل بفتح العين وكسرها إذا قصد به التعجب يحوّل إلى فعل المضمون كقصو الرجل بمعنى ما أقصاه، وحيحئذ فيه اختلاف هل يعطي حكم نعم أو فعل التعجب كما فصلوه ثمة والحاقهم له بنعم كالصريح في عدم تصرّفه، وأنه لا يؤخذ منه صفة أصلأ، فما نقلوه عن الفائق في فقير ورفيع مع أني راجعتة، فلم أجده فيه وان كانت الثقة بناتله تأبى سوء الظن به مخالف لما صرّح به الزمخشريّ في غيره، كالمفصل بل لا صحة له لأنّ قولهم رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما بالإضافة للمفعول دون الفاعل يقتضي عدم اللزوم وأنه ليس بصفة مشبهة، وقد يقال: إنّ تمثيل المصنف له بعليم دون مريض وسقيم فيه إيماء إلى ما ذكر إلا أنّ كلام النحاة لا يخلو عن شيء لعدم ذكر نحو رحمن في أبنية المبالغة حتى صار باعثا لاذعاء العلمية فيه لبعض أهل العربية، فقد ظهر مما مرّأن فيهما وجهين.
أحدهما: وهو الأصح أنهما من أبنية المبالغة الملحقة باسم الفاعل فهما من فعل متعد
بلا تردّد.
وثانيهما: أنهما صفة مشبهة على ما فيه.
وقول الشريف تبعاً للشارح الفاضل، فإن قيل الرحمن صفة مشئهة فكيف يشتق من رحم، وكذا القول في رب وملك حيث عدا صفة مشبهة، وأمّا الرحيم فإن جعل صيغة مبالغة كمأ نص عليه سيبويه في قولهم هو رحيم فلاناً، فلا إشكال فيه، وان جعل من الصفات المشبهة، كما يشعر به تمثيلهم بمريض وسقيم اتجه عليه السؤال أيضا وأجيب بأنّ
الفعل المتعدي قد يجعل لازما بمنزلة الغرائز فينقل إلى فعل بضم العين، ثم يشتق منه الصفة المشبهة، وهذا مطرد في باب المدح والذم كما نص عليه في تصريف المفتاح، وذكره المصنف في فقير ورفيع ومن ثمة قيل معنى رفيع الدرجات رفيع درجاته لا رافع الدرجات أنتهى كلام مموّه مختل من وجوه:
الأوّل: أنه ذكر في شرح التسهيل إنّ رباً ليس صفة مشبهة بل اسبم فاعل لأنّ أصله رابب
فقصر منه أو ربب كحذر فهو من صيغ المبالغة الملحقة باسم الفاعل.
الثاني: أنّ نقل الفعل الذي ذكروه لا وجه له رواية ودراية، كما عرفته.
الثالث: أنّ ما نقل عن تصريف المفتاح على ما بيناه لك لا يطابق مدعاه، ولا داعي لهذه التخيلات سوى ادّعاء أنه صفة مشبهة ودونه خرط القتاد.
الرابع: أن استناده لما ذكر في رفيع الدرجات لا يجدي وانما فسروه بما ذكر لأنّ
المراد درجات عزه وجبروته ليناسب المراد من. قوله: ﴿ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ﴾ [غافر- الآية ١٥] وهي بسطة ملكه وسعة ملكوته، وتلك الدرجات ليست مرفوعة بفعل كما نبه عليه بعض الفضلاء والمبالغة في الكمّ والكيف، وفيه الدوام والثبات.
فإن قلت قد قال الدمامينيّ رحمة الله. إنّ صفاته تعالى التي على صيغ المبالغة كرحيم مجازية إذ لا مبالغة في صفاته تعالى لأنها تنسب للشيء أكثر مما له، أو تدل على الزيادة فيما يقبلها وصفات الباري منزهة عن ذلك.
قلت: هو ليس بشيء لأنّ صفات الأفعال قابلة للزيادة، وكذا صفات الذات باعتبار متعلقاتها وان لم تقبله في ذاتها كما صرحوا به. قوله: ﴿مَن رَّحِمَ﴾ بكسر الحاء لا بضمها لنقله لفعل المضموأ العين كما توهم لما مرّ. وقوله: ﴿غَضْبَانَ﴾ قيل في هذه التشبيه سوء أدب، والأولى التشبيه بالمنان من المن وليس بشيء لأنه مثله في اشتقاق فعلان
стр. 65
من فعل بكسر العين ومن ليس من هذا الباب بل من باب حسن مع أنّ إطلاق غضبان عليه تعالى وارد وفي الحديث " سبقت رحمتي غضبي " (١ (فأين سوء الآدب، ولذا لم يذكر المصنف رحمه الله تعالى سكران الذي مثل به الزمخشرقي، وفي تمثيله لرحيم بعليم مريض وسقيم الذي مثل الزمخشريّ إشارة إلى أنه من المتعدّي لإلحاقه باسم الفاعل دون الصفة المشبهة، وما قيل: من أنه جعل لازما بالنقل وهم، وما قيل من أنّ الرحمن معرّب وهو بالعبرية رخمانا بالمعجمة، ويدل عليه قولهم ما الرحمن لما سمعوه قول واه وما ذكر تعنت في الكفر كما بين في محله. قوله: (والرحمة في اللغة وقة القلب الخ) قيل الانعطاف المقتضي للإحسان أمر روحاني، وانعطاف الرحم على ما
فيه جسمانيّ وبينهما مباينة تنافي أخذ أحدهما من الآخر فلا وجه قوله ومنه الرحم.
وأجيب بأنّ الانعطافين سببان للحفظ، فاستعيرت الرحمة لانعطاف الرحم، واشتق منها
اسم لها، وقيل: أنه أراد هنا بالانعطاف الميل الروحاني أعني الشفقة والرقة لا الجسماني لأنه ليس مفى الرحمة، وان كان مسبباً عنه ومشابها له، ومدلولاً لبعض ما يلاقيه في الاشتقاق كالرحم والميل الروحاني هو المقتضى للتفضل والإحسان يعني أنّ وصفه بالاقتضاء المذكور للاحتراز عن الجسماني، فإنه ليس معنى الرحمة كما صرح به بعضهم، وهذا كله واه، فاصغ لما يتلي عليك، فإنه ورد في الحديمف الصحيح) الرحم شجنة من الرحمن " (١) .
وقال الإمام القرطبيّ: إنه نص في الاشتقاق فلا مجال للشقاق.
وقال الراغب في معنى الحديث أنه تعالى لما جعل بين نفسه وبين عباده سبباً كما أنه
كتب على نفسه الرحمة لهم وأوجب في مقابلتها شكر نعمته لما كان هو السبب الأوّل في وجودهم وخلق قواهم، وقدرهم وسائر خيراتهم كذلك جعل بين ذوي اللحمة بعضهم مع بعض سببا أوجب على الأعلى التوقر على الأدنى، وعلى الأدنى توقير الأعلى فصار بين الرحم والرحمة مناسبة معنوية كما أنّ بينهما مناسبة لفظية، ولذا عظم شكر الوالدين، وقرنه بشكره لأنهما السبب الأخير في الوجود يعني أنّ بين الرحمة والرحم مع الاشتراك في الحروف مناسبة ومثابهة معنوية، وذلك كاف في صحة الاشتقاق كما يرشدك إليه تعريفه السابق، فإن لنا حالة روحانية تثبت للنفس وكيفية أخرى للقلب وحالة ثالثة جسمانية تشابه الأولى في الحفظ، وقد تنشأ وتتسبب شنها كما يثاهد في اعتناق الأحباب، وهؤلاء توهموا أنه لا بد من اتحاد معناهما، وهو من قصور النظر فلا يغرّنك ما هنا من الأوهام الناشئة من عدم، فهم المرام كقول بعض علماء اأحصر أنّ المصنف إنما فصلها بقوله: ومنه إشارة إلى أنه مشترك مع الرحمة في المادّة لأ. أنه مشتق منها فافهم. قوله: (ومنه الرحم لانعطافها على ما فيها) الرحم بفتح الراء وكسر الحاء موضمع يكون الولد فيه، وقد يخفف بتسكين الحاء مع فتح الراء وكسرها في لغة، وفي لغة بكسر الحاء اتباعاً للراء ثم سميت القرابة رحماً، وهي مؤنثة وقد تذكر. وقوله: (لانعطافها الخ) إشارة إلى س ابينهما من المشابهة، والمناسبة الكافية في صحة الاشتقاق كما عرفته. قوله: (وأسماء الله تعالى إنما تؤخذ الخ) قيل المراد مطلق أسماء الله تعالى، أو المأخوذة من الرحمة، كالرحمن الرحيم وأرحم الراحمين، وكان المراد الثاني لكن سياق المصنف ﵀ حيسئذ ركيك مخالف للظاهر.
وأمّا الأوّل: فغير صحيح لأنّ من أسمائه ما هو حقيقة من غير تأويل كالله الحيّ القاهر
العليم ونحوها، ومنها ما أطلق عليه استعارة ثم صار كالحقيقة فيه، ومنها ما هو مجاز بطريق آخر يعرفه من نظر في أسمائه الحسنى وشروحها وقيل إنه يعني أنه إذا أخذ اسم له تعالى مما ينبىء عن الانفعال المنزه هو عنه يؤخذ باعتبار غايته، وحاصله أنه يجعل مجازاً عنها بعلاقة السببية، نالرحمة والرقة سبب للتفضل والإحسان، ولو جعل مجازاً لمحن إرادة الإنعام لجاز، فإنها سبب للإرادة أولاً وللإنعام.
ثانياً: كما جعل الزمخشري الغضب مجازاً عن إرادة الانتقام فيما سيأتي فالحصر في
قوله: إنما تؤخذ الخ إضافيّ بالنسبة إلى المبادي أو المراد هي أفعال مثلاً، فإنّ إرادتها أيضاً من الغايات أو المراد بها المسببات وهي مسببة عن تلك الانفعالات انتهى.
قيل وإنما اعتبر التجوّز في مبدأ الاشتقاق دون المشتق لئلا يحتاج إلى بيان التجوّز في كل
فا يطلق عليه تعالى من المشتقات. أقول: (ما ذكره المصنف برمته من التفسير الكبير) ، فالعهدة عليه إلا أنه كلام غير مهذب، ولذا
стр. 66
اضطرب فيه كلام الحواشي، فإنه أطلق في الأسماء وليس على إطلاقه، وذكر أنّ مباديها انفعالات وغايتها المقصودة منها أفعال، وليس كذلك في كل اسم مؤوّل منها حتى ما نحن فيه، فإنّ الرحمة الشفقة والرقة وهي في الحقيقة كيفية لا انفعال، ولذا قيل إنّ الانفعال لازم لها لأنّ حصولها بتبعية المزأج الذي هو كيفية حاصلة من تفاعل البسائط بين فاعل ومنفعل، والله تعالى منزه عن ذلك كله، وقيل المراد بالإنفعال ما ليس بفعل الكيفيات، وليس هو بالمعنى المشهور، ثم إنه إذا جعل التأويل والتصرّف في مأخذ تلك الأفعال ومصادرها، كما قرّره أهل المعاني في الاستعارة التبعية، فهو غير جار هنا لأنه مجاز مرسل لا يحتاج للتبعية كما صرحوا به، فلذا اعتذر عنه بما مرّ مما لا يخلو عن شيء، وأيضاً من الأسماء ما أخذ باعتبار المبدأ كالسلام بمعنى معطى السلامة فيما قيل، فلذا قيل: إنّ المراد أن ما احتاج منها للتأويل يؤول بما يليق بجلاله، وأذا ظهر المراد سقط الإيراد، وما قيل من أنّ الأقرب هنا أن يقال أنه حقيقة شرعية لأنه يراد سنه الإنعام من غير أن تخطر رقة القلب بالبال لا ينافي ما ذكره باعتبار حقيقته اللغوية كما لا يخفى، وقوله قدس سره: إنه يجوز فيه أن يكون استعارة على سبيل التمثيل كما في الغضب فيه ما سيأتي بيانه. قوله (أبلغ من الرحيم) أي أكثر مبالغة، فهو أفعل من المزيد على خلاف القياس، لأنه سمع من العرب أو هو على قول الأخفش الذي جوّزه، وليس من البلاغة على القياس بمعنى أزيد بلاغة لأنّ البلاغة لا يوصف بها المفرد كما صرّحوا به إلا أن يقال: إنه اصطلاحيّ أو أغلبيّ، وأمّا إنّ المراد بغير المفرد المركب من الغير أو مع الغير كما قيل فتكلف، وقيل الرحيم أبلغ لتأخره.
وأنه يؤيده قول ابن المبارك الرحمن إذا سئل أعطى والرحيم إذا لم يسأل غضب وفيه
نظر، وقيل هما سواء وقيل كل أبلغ من وجه. قوله: (لأن زيادة البناء الخ) هذه القاعدة أوّل من
أسسها ابن جنى في الخصائص وقرّرها في المثل السائر بما حاصله أنّ اللفظ إذا كان على وزن من الأوزان، ثم نقل إلى وزن آخر أكثر منه لا لغرض آخر لفظيّ، كالإلحاق فلا بد أن يتضمن المنقول إليه معنى أكثر مما تضمنه الأوّل لأنّ الألفاظ ظروف المعاني، فإفراغها في ظرف أوسع مما كانت فيه من غير فائدة عبث، وهذا مما لا نزاع فيه نحو خشن واخشوشن وقال: إنه لا بدّ أن يكون ذلك في فعل أو مشتق، وظنه بعضهم مطلقاً، فأورد عليه أنّ عليماً أبلغ من عالم مع تساويهما وأورد غيره نحو رجل ورجيل ثم اعتذر عنه بأنه زيادة نقص لا مبالغة كما قال بعض الشعراء يذم صديقاً له:
صحبته ولم يكن نظيري ~ نقصت إذا جعلته تكثيري
كما تزاد الياء للتصغير وله نظائر من كلام الأدباء المتظرفين وأطال فيه بما نحن في غنية
عنه، وأنت إذا تنبهت لأنّ القاعدة مخصوصة باكثر الذي نقلته العرب عن الأقل وغيرته عنه علمت أنّ أكثر ما أورد مدفوع بالتي هي أحسن وأنّ قوله قدس سره كغيره: إنه منقوض بمثل حذر وحاذر، وجوابه بأنّ شرطه بعد تلاقي الكلمتين في الاشتقاق اتحادهما في النوع كفرح فرحا وأنه أكثريّ، فلا نقض وبأن حذراً إنما كان أبلغ لإلحاقه في الثبوت بالأمور الجبلية كشره وفطن فجاز أن يكون حاذر أبلغ من حذر لدلالته على زيادة الحذر وان لم يدل على ثبوته ولزومه مع اندفاعه لا يخلو من الكدو فإنهم صرحوا بأنه قد كثر استعمال فعيل في الغرائز كشريف وكريم وفعلان في غيرها كغضبان وسكران، فيقتضي أنّ عليماً أبلغ، ولو من وجه وأن قوله أنّ حذرا يدل على الثبوت يقتضي أق حذرا صفة مشبهة، وقد صرح ابن الحاجب وغيره بأنه من أبنية المبالغة المعدودة من اسم الفاعل فهما متحدان نوعا، وعلى تسليم تخصيصه بالمشتقات لا يرد عليه شقدف وشقنداف للمحمل الصغير والكبير كما في الكشاف حتى يقال إنه أغلبيّ لما في القاموس من أنّ الشقدف مركب معروف بالحجاز وأمّا الشقنداف فليس من كلامهم، " ولا ينافيه نقل الزمخشريّ له عن بعض الإعراب لأنه قاله هزلاً وتمليحاً، ومثله لا تثبت به اللغة كما قيل لبعضهم لم صار الدينار خيراً من الدرهم والدرهم خيراً من الفلس فقال: لأنّ الفلس ثلاثة أحرف، والدرهم أوبعة والدينار خمسة، وقطع في كلام المصنف الأوّل مخفف الطاء، والثاني مشدد وكبار الأوّل بضم الكاف وتخفيف الموحدة،
стр. 67
والثاني بتشديدها مبالغة في كبير بمعنى عظيم. قوله: (وذلك إنما ثؤخذ الخ) إشارة إلى الزيادة المدلول عليها بزيادة البناء المستلزمة للأبلغية، وهي أمّا باعتبار الكمية في مبدأ الاشتقاق، وهو الرحمة والكمية العدد نسبة إلى كم بعد ما شدّدت ميمه جريا على القاعدة المعروفة في باب النسب والكيفية نسبة إلى كيف التي يسأل بها عن الحال الذي يسمونه مقولة الكيف، وكيفيتها جلالتها وعظمتها ونفاستها، وكثرة كميتها إمّ باعتبار كثرة افراد متعلقها من المرحومين، أو بتعدد ما تتعلق فيه من الدنيا والآخرة أو باعتبار كثرة ما يحصل به من النعم أو بكثرة زمانه الواقع فيه كزمان الآخرة
المؤبد، فهذه وجوه أربعة سيأتي شرحها وتمثيلها. قوله: (فعلى الأوّل قيل يا رحمن الدنيا الخ) أي على اعتبار المبالغة في الكمية خص الرحمن بالدنيا دون الرحيم، فإنه خص بالآخرة لكثرة المرحومين فيها كما بينه المصنف ﵀، وهذا بناء على أنّ النعم فيها تعم المؤمن والكافر والبر والفاجر، وان كانت النعمة التامّة مخصوصة بالمؤمنين لاتصالها بسعادة الأبد، وقيل لا نعمة لله على كافر والصواب ما مرّ، فإن فلت كيف تختص رحمة الآخرة بالمؤمنين، وفد ورد في الحديث الشريف شفاعته ﷺ لعامّة الناس من هول الموقف) ١) وأدهـ يخفف عنهم العذاب في الآخرة كما ورد في حق أبي طالب (٢ (وارتضاه المصنف ﵀ في سورة الزلزلة، فلو قال: لعموم رحمة الدنيا لجميع المؤمنين والكافرين خفت المؤنة قلت: قد أورد هذا بعضهم، وأجاب عنه بأنّ الكفار في الأوّل تبع غير مقصودين كيف، وهم بعد الموقف يلاقون ما هو أشد من هو له، فليس ذلك رحمة في حقهم، وتخفيف العذاب سما تردّد فيه المصنف ﵀، وعلى فرض تخفيفه قيل أنه ينزل من مرتبة من مراتب الغضب إلى مرتبة دونها، فليس رحمة من كل الوجوه، ولا ينافي العذاب فتدبر. قوله:) وعلى الثاني قيل يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا) أي على اعتبار المبالغة في الكيفية قيل ذلك وبين بأن كثرة الجلائل تستلزم كثرة الجلالة، وهي كيفية النعم إلا أنه قيل عليه إنّ هذا يصح أن يكون بالاعتبار الأوّل لأنّ نعم الدنيا والآخرة تزيد على نعم الدنيا، وردّ بأنه يلزم أن يكون ذكر رحيم الدنيا بعده لغواً إذا لمراد معطى نعمهما كليهما، وقد حصل بإضافة الرحمن إليهما.
وأجيب عنه بأن لا نسلم أنّ المراد مجرّد ذلك بل مقصود القائل التوسل بكلا الاسمين المشتقين من الرحمة في مقام طلبها مشيراً إلى عموم الأوّل وخصوص الثاني، ويحصل في ضمته الاهتمام برحمته الدنيوية الواصلة إليه بالباعثة لمزيد شكره، وقد اعترض عليه بأنّ الوارد في الأحاديث المرفوعة كما رواه الترمذي والحاكم في دعاء مأثور فيه: " الهم فارج الهئم ى ف النمّ مجيب دعوة المضطر رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما أنت ترحمني فارحمني وحمة تغنيني بها عمن سواك " وليس الآخران مرويين ولا صحيحين حتى يستدل بهما والقول بأنّ المصنف لم يذكر أنهما واردان في الحديث، فيكفي كونهما من كلام السلف الأخيار ليس بشيء، وأمّا
احتمال أن يراد في الأوّل جلائل النعم، وفي الثاني دقائقها فلا يجدي. قوله: (لأنّ النعم الأخروية الخ) الجسام جمع جسيم بمعنى عظيم ومعناه في الأصل عظيم الجسم، فاستعير لما ذكر أو أطلق عليه إطلاق المشفر والمرسن يعني أنّ إضافة الرحمن للدارين باعتبار ما فيهما من الجلائل، وإضافة الرحيم للدنيا، وان اشتملت على حلائل النعم ودقائقها باعتبار الثاني لأنه متمم لما قبله، ولذا أخر عنه كما سيأتي وقد عرفت ما فيه رواية ودراية فتدبر. قوله: (وإنما قذّم الخ) أي قياس نظائره مما جمع فيه بين وصفين أحدهما أبلغ والقياس هنا بمعنى القاعدة أو اللائق المعقول قال قدس سره الأبلغ إذا كان أخصر مما دونه، ومشتملاً على مفهومه تعين في الإثبات الترقي وفي النفي عكسه، إذا لو قدّم كان ذكر الآخر عارياً عن الفائدة كما في عالم تحرير، واذا لم يكن الأبلغ مشتملاً على مفهوم الأدنى كالرحمن والرحيم إذا أريد بالأوّل جلائل النعم وبالثاني دقائقها يجوز كل من طريقي التتميم والترقي نظرا لمقتضى الحال، ولما كان الملتفت إليه بالقصد الأوّل في مقام العظمة والكبرياء عظائم النعم دون دقائقها قدم الرحمة وأردفه بالرحيم كالتتمة تنبيها على أن الكل منه لشمول عنايته ذرّات الوجود ير لا يتوهم أنّ المحقرات لا تليق به، فيستحيا أن يسألها
стр. 68
وقد توهم أنّ تأخير الرحيم للترقي، وأنه أبلغ من الرحمن لأنّ فعيلاَ للأمور الغريزية كشريف وكريم وفعلان للعارضة كسكران وغضبان، وأبطل بأنه من باب فعل بالضم لا من صيغة فعيل انتهى. وهذا بعينه كلام المدقق في الكشف وفيه بحث من وجوه: منها أنه لا يلزم أن يكون الأبلغ مشتملاً على معنى الأدنى بل يكفي أن يستلزم وجوده وجود الآخر بالطريق الأولى، وكذا عكسه في النفي بحيث يكون ذكر الآخر بعده لغواً لا يليق بكلام البليغ وبليغ الكلام، ألا تراك تقول فلان يهب المئات والألوف، ولو عكست قبح وقد اعتبر الزمخشريّ الترقي في قوله تعالى: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢] وفي قوله:
". وما مثله ممن يجاور حاتم ولا البحر ذو الأمواج يلتج زاخره
مع أنّ الملائكة والبحر ليسا من جنس ما قبلهما كما في شرح الطيبي طيب الله ثراه.
ومنها أنّ قوله واذا لم يكن الأبلغ مشتملاَ على مفهوم الأدنى الخ تبع فيه صاحب التقريب حيث قال: إنّ ذلك فيما إذا كان الثاني فيه من جنس الأوّل وفيه زيادة عليه، والرحمن لجلائل النعم وأصولها، والرحيم لدقائقها وفروعها فلما لم يكن في الثاني زيادة على الأوّل كان كائنه من جنس آخر، وقد ردّه الكرماني في حواشيه بقوله إن أراد إن الجنسية تعتبر فيما يجري فيه الترقي، فلم قال: إنها مفقودة في هاتين الصيغتين مع اشتمالهما على معنى الرحمة وأحدهما أبلغ من الآخر وان أراد أنّ الصيغتين لا بد أن يتفقا في خصوص المعنى كجواد وفياض فغير
مسلم لما بيناه في البحث الأوّل فهو لا يوافق كلام العلامة، ولو اقتصر على ما بعده كان وجهاً وجيهاً لأنّ المراد أنهما ذكر الإفادة الشمول والعموم كما تقول الكبير والصغير يعرفا، ولو عكست صح وكالط المعنى بحاله، ومثله لا يلزم فيه الترتيب كما فصله في المثل السائر، ولولا خوف الإطالة لا وردناه برمتة ومنها أنّ قوله وأبطل الخ فيه ما مرّ فإنّ من النحاة وشرّاح الكشاف من ذهب إلى أنّ (الرحيم والرحمن) صفتان مشبهتان، فلا بدّ من لزوم فعلهما معاً فلا يصح الفرق والنقل لباب فعل بالضم، وذهب ابن ما لك وغيره إلى أنهما من مبالغة اسم الفاعل فلا كلزم اللزوم ولا يتأتى ما ذكره، فإن قلت كيف يدّعي اللزوم، وقد ورد رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما بالإضافة إلى المفعول. قلت: من يدعيه يقول: إنه على التوسع، كما بينه النحاة في باب الظروف، ثم أنّ المدقق قال في الكشف: والتحقيق يقتضي أن يرد النظم على هذا الوجه، ولا يجوز غيره لأنّ الله اسم للذات الإلهية باعتبار أنّ الكل منه واليه وجوداً ورتبة وماهية، والرحمن اسم له باعتبار تخصيص كل ممكن بحصة من الرحمة، وهي الوجود الخاص، وما يتبعه من وجود كمالاته فلو لم يورد كذلك لم يكن على النهج الواقع المحقق ذوقا وشهودا عقلاَ ووجوداً، وأيضاً لما كان المقصود تعليم وجه التيمن بأسمائه الحسنى وتقديمها عند كل مسلم كان المناسب أن يبدأ من الأعلى فالأعلى إرشادا لمن يقتصر على واحد أن يقتصر على الأولى فالأولى وتقريراً في ذهن السامع لوجه التنزل أوّلاً فأوّلاً انتهى.
(قلت) : يؤيده أنه ﷺ كان يكتب بسم الله الرحمن حتى نزلت سورة النمل فدقق النظر
ليتم الظفر، وما قيل على هذه القاعدة من أنها غير مطردة لقوله تعالى: ﴿رَسُولًا نَّبِيًّا﴾ [مريم: ٥١] ليس بوارد لما ذكر ثمة من أنهما بالمعنى اللغويّ أو كل أبلغ من وجه أو هو لرعاية الفاصلة. قوله: (لتقذّم رحمة الدنيا الخ) أي تقدما زمانيا وجوديا فروعي ذلك في لفظه على كلا الاعتبارين لإضافته فيهما الدنيا، وقيل إنما هو إذا قصد المبالغة في الرحمن باعتبار المرحومين، والظاهر أنه باعتبار ما ذكره أوّلاً من قوله رحمن الدنيا ورحيم الآخرة، وما قيل من أنّ الرحمن يتناول رحمة الدنيا على كل حال سواء اعتبر الكمية أو الكيفية بخلاف الرحيم ورحمة الدنيا مقدّمة في الوجود، فناسب تقديم ما يدل عليها ففيه أنّ الرحمن بالاعتبار الثاني لا تعلق له بالثاني فتقديمه أولى قوله: (ولآنه صار كالعلم الخ) أي أشبه في اختصاصه به استعمالاً ومعنى إلا لتعنت في الكفر كقولهم لمسيلمة رحمن اليمامة، فناسب مقارنة العلم، وتقدمه على الوصف المحض، ولأنه بمنزلة الموصوف لمحض الوصف، واقتضاء السياق تقديمه باعتبار المعنى الوصفي، وبهذه المشابهة ضعف فيه ذلك، فلم يعلم به، وله مناسبة بالعلم والوصف، فناسب توسطه بينهما، وما قيل: على هذه الوجوه
стр. 69
من أنها مبنية على كون الرحيم وصفاً محضا لا غالباً وهو إذا عرف باللام من الأوصاف الغالبة أيضاً ليس بشيء لأن القائل بذلك لا ينكر إطلاقه على غير الله فكيف يدّعي الغلبة فيه، وذهب الأعلم وتبعه ابن هشام وغيره إلى أنه علم
وأنه بدل لا نعت، واستدل باختصاصه به ومجيثه غير تابع نحو الرحمن على العرس استوى، ولا يخفى ما فيه وأنّ استفاضة إضافته نحو رحمن الدنيا تنافيه، وفي شرح الكتاب لابن خروف أنّ الرحمن صفة غالبة ولم يقع تابعاً إلا لله في بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله، ولذا حكم. عليه بغلبة الإسمية وقل استعماله منكر أو مضافاً فوجب كونه بدلاً لا صفة لكون لفظ الله أعرف المعارف انتهى.
وقد نبهنا عليه في السوانح. قوله: (لا يوصف به غيره الاختصاصه به معرفاً ومنكراً حتى
صار علما أو كالعلم وأمّا قول الشاعر في مسيلمة لعنه الله:
سموت بالمجد يا ابن اكرمين أبا وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا
فقد قالوا: إنّ إطلاقه عليه غير صحيحي لغة وشرعا، وهذا من غلوّهم في الكفر إذ سموا المخلوق باسم الخالق كما سموا الحجارة آلهة، وفيه أنه إذا كان إطلاقه على الله مجازا أو بالغلبة فكيف يقال إنّ استعماله في حقيقته وأصل معناه خطأ لغة، وقد ذهب السبكيّ ﵀ إلى أنّ المخصوص به تعالى هو المعرّف بأل دون المنكر والمضاف لو روده لغيره في اللغة، ورذ به على القول بأنه مجاز لا حقيقة له، وإن صحة المجاز إنما تقتضي الوضع للحقيقة لا الاستعمال، نعم هو في لسان الشرع يمتنع إطلاقه على غيره مطلقا، وان جاز لغة كالصلاة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلا اوهو كلام سديد وبه صرّح ابن عبد السلام وقال إنه صحيح مطلقا لغة وأنما منع شرعا. قوله: (لأنّ معناه المنعم الحقيقئ الخ) قيل الحقيقيّ هو الذي لا يستند إنعامه إلى غيره فهو الحقيق باسم المنعم بخلاف العبد فإنه كالواسطة، فالنسبة في قوله الحقيقي إلى الحقيق بمعنى الحرى للمبالغة كأحمري ودواري، أو هو من حق بمعنى ثبت أي من ثبتت فيه صفة الإنعام غير متجاوزة لغيره، كالعبد الذي يستند إنعامه إلى غيره وهو الله فليس ثابتاً متقرّرا فيه، والذي دعاه لما ذكر ما سيأني ولذا لم نجعله منسوبا للحقيقة المقابلة للمجاز مع أنه المعروف المتبادر إذ هو المنعم بلا عوض، ولاءس ض وهو الغني المطلق الخالق للنعمة والمنعم عليه فلما أريد به المبالغة إلى النهاية دل على إرأدة أعظم أفراده، فقوله البالغ في الرحمة غايتها يحتمل أن يكون تفسيرا لما قبله وأن يكون معنى آخر ودلالته على ذلك بقرينة الاختصاص وتبا إر الفرد ا! مل من صيغ المبالغة فلا يرد عليه أنّ معناه اللغوي المبالغ في الرحمة، وأمّا وصوله إلى الغاية القصوى فليس مقتضى وضمع اللغة إلا أن يقال إنه معنى عرفي ولا أنه صفة مى ششقة فلا فرق بينها وبين غيرها إلا بالمبالغة، فلا يدل على كونه منعما حقيقياً مع أنّ اعتباره ينافي الوصفية، إذ هي تستلزم الدلالة على ذات مبهمة وهذا موجب لتعينها، وأيضا أنه يفهم مته أن لفظ المنعم لا يطلق على غيره إلا مجازاً وهو غير ظاهر لاقتضائه أنّ نسبة سائر الأفعال إلى العباد مجازية ولا يخفى أنه غير وارد إذا فسر الحقيقي بما مرّ وهو الداعي إلى تفسير. به، وقوله إنه لا يفيده مكابرة مع أنه لفا اختص به تعالى، وألحق بالإعلام خرج عن
نظائره، وألحق بالأسماء واختصاصه به لإرادة أكمل أفراده فلا يلزم اختصاص المنعم أيضا كما توهمه فتدبر. قوله: (وذلك لا يصدق على غيره (أي ذلك المعنى المذكور وان كان بحسب الوضع مفهوما كلياً، فهو منحصر في فرد كالشمس، والصدق ضد الكذب تجوّز به أو نقل للدلالة على بعض أفراد معناه كما هو معروف في كلامهم أي لا يطلق عليه وقوله مستعيض بالعين المهملة أي طالب للعوض! لا بالفاء، وان صح هنا بتكلف وهو تعليل لكون المنعم الحقيقي لا يصدق على غيره أو لكون المنعم الحقيقي هو البالغ نهاية ذلك لأنّ الإنعام والجود إفادة ما ينبغي سمن ينبغي لا لعوض كما في الإشارات حتى قالوا من جاد لعوض، فهو فقير كما في الهياكل وفيه تأمّل. قوله: (يريد) تفسير لكونه مستعيضا ولما لم يكن المراد به العوض المالي، لأن طالبه تاجر لا واهب بل المنافع المعنوية بينه بما ذكر. وقوله: (جزيل ثواب الخ) من إضافة الصفة للموصوف أي الثواب الجزيل، والثناء الجميل
стр. 70
وهو لبيان الواقع إذ الثناء لا يكون إلا جميلاَ، والثواب سصكماعف كما وعد الكريم به فهو جزيل بالنسبة بما أعطاه أبدا، فلا وجه لما قيل من أنّ الأظهر أن يقول يريد به ثوابا إذ العموم أنسب، فيعتذر بأنه لموازنة ما بعده، ويزيح بزاي معجمة وحاء مهملة مضارع أزاج بمعنى أزال، وفي نسخة مزيح بصيغة اسم الفاعل منه معطوف على مستعيض وهذه أعواض سلبية بخلاف ما قبلها. وقوله: (أنفة الخسة) الأنفة كثمرة ما يستنكف من عاره، والخسة بالخاء المعجمة الدناءة أي يقصد بما يعطيه ذلك أو عدم لحوق عار الخسة، وفي نسخة رقة الجنسية وهي الأصح رواية عند الفاضل الليثي، والمراد ألم رقة الجنسية كما وقع كذلك في عبارة الغزالي، ونقله هذا الفاضل في حواشيه يعني أنه يرق قلبه، ويتأثر بما يشاهد. من احتياج أبناء جنسه وسوء حالهم فيزيل ذلك الألم عنه بإحسانه، وهذا عوض وفائدة عائدة عليه ولو قيل الرقة هنا بمعنى الضعف، كما في قوله عجبت من قلة ماله، ورقة حاله، كما في الأساس لم يبعد فسقط ما قيل من أنه وقع بهذه العبارة في كتب الكلام في مبحث الحسن والقبح، وليس لها كبير معنى. قوله: (ثم إنه كالواسطة الخ أقيل: إنّ ما قبله تعليل لعدم صدق البالغ في الرحمة غايتها على غير.، وهذا تعليل لعدم صدق المنعم الحقيقي على غيره، وقيل: إنه بيان لكونه منعما حقيقيا إذ لولاه لم يكن محسن، ولا إحسان، والأظهر أنه بيان لأنه لا منعم غيره مطلقا وهو أبلغ مما قبله، ولذا عطف بثم لتفاوت رتبتهما لأنه في الأوّل أثبت لغيره إنعاما وهنا نفاه، وقال: كالواسطة دون واسطة لأنها ما يتوقف عليه فعل الفاعل وفعله تعالى لا يتوقف على شيء، وقيل: لأنّ كل ما له دخل في الإنعام فهو بخلقه تعالى حتى الكسب على رأي الأشعري. . قوله: (لأن ذات النعم الخ) أي ذات النعم حاصلة من خلقه لها، ومعنى كون وجودهاً من خلقه أنّ ثبوته لها مستند له
أيضاً، فلا وبر٤ لما قيل من أنّ نسبة الخلق إلى الوجود غير ظاهرة وأنه بناء على أن الماهيات مجعولة، والداعية هي الخاطر المشوّق للفعل حتى كأنه يدعوه. قوله: (الباعثة الخ) تفسير له، والقوى جمع قوّة، وهي معروفة شاملة للباطنة والظاهرة المبينة في الحكمة. قوله: (أو لأن الرحمن الخ) يعني أنّ الوجوه السابقة مبنية على أنّ الأب! خ مشتمل على معنى ما بعده، وهذا ليس كذلك على هذا، لأنّ الرحمن المنعم بجلائل النعم وأصولها كالإيجاد، والرحيم المنعم بما عداها، فأردف به ليتناول ما بقي منها كالتتميم وذكر الرديف وهو البالغ المتمم وإنما يتعين الترتيب المذكور على الأوّل، إذ لو عكس عراً عن الفائدة، وعلى هذا ليس كذلك فلذا أردف الرحيم تنبيها على شمول عنايته ذرات الوجود لئلا يتوهم أنه لا تطلب منه المحقرات لعظيم جنابه كما أفاده الشريف، وفيه ما مرّ فتدبر. قوله: (أو للمحافظة الخ) الآي جمع آية ورؤوسها أواخرها التي تنتهي بها سميت رأساً مجازاً تشبيهاً لها برأس الجبل والنخلة، ونهايتها التي ينتهي إليها الصاعد من أسفلها، وئذا يقال رأس السنة لآخرها وفي الحديث أنه ﷺ بعث على رأس الأربعين أي آخرها كما بين في السير، وقيل: لأنها عليها مباني الآيات كما أنّ الرأس مبني الإنسان وفيل: عبر عن الآخر بالرأس للتعظيم تأدّبا والمحافظة عليها بمجانسة ما قبل الآخر من الرويّ وحرف اللين وهذا بناء على أنّ في القرآن سجعاً، وفيه كلام سيأني في سورة يس، وقيل وؤوس الآي أوائلها والمعنى لتكون رؤوس الآي بعد كلمات متناسبة، ولا يخفي ما فيه من التكلف، ثم إنّ المحافظة لا تجري في كل سورة بل فيها ما يقتضي خلاف هذا كورة الرحمن ولهذا قيل: إنّ هذا في غاية الضعف لابتنائه على أنّ الفاتحة أوّل نازل! فروعي فيها ذلك، ثم طرد في غيرها وعلى أنها آية من السورة. قوله: (والأظهر أنه غير مصروف الخ) في التسهيل وشروحه ؤمنع صفة على فعلان ذي فعلى بإجماع النحاة، كسكران سكرى للصفة، والزيادتين المشابهتين لألفي التأنيث في عدم قبولها التأنيث، فلو قبلها انصرف كندمان ندمانة، واختلف فيما لزم تذكيره كلحيان بمعنى كبير اللحية فمن منعه ألحقه بباب سكران لأنه أكثر ومن صرفه رأى أنه ضعيف وادّعى منعه والأصل الصرف انتهى.
وقال ابن الحاجب: الألف والنون إن كانا في اسم، فشرطه العلمية، أو في صفة انتفاء فعلانة، وقيل: وجود فعلي ومن ثمت اختلف في رحمن دون سكران وندمان، وبنو أسد يصرفون
стр. 71
جميع فعلان لأنهم-قولون في كل مؤنث له فعلانة انتهى.
وقيل: أحسن ما قيل في تقريره إنّ شرط كون مؤنثه فعلي إنما اعتبر لتحقق انتفاء فعلانة
إذ به تتحقق مضارعتها لألفي التأنيث والاختصاص العارض كما منع وجود فعلي منع وجود
فعلانة فإن نظر إلى انتفاء فعلي وجب أن لا يمنع صرفه لأنّ وجودها شرط للمنع ومناط له في الحقيقة إلا أنه لخفائه جعل وجود فعلى علامة له، فاعتبار الاختصاص العارض يوجب امتناع الصرف وعدمه، وهو محال فلزم أن يعتبر انتفاؤهما لسببه وأن يرجع إلى أصل هذه الكلمة قبل الاختصاص، ويتعرّف حالها قبله، وذلك بالقياس على نظائرها من باب فعلي بالفتح، وإذا كانت كلها، وأكثرها ممنوعة من الصرف لتحقق وجود فعلي فيها علم أنّ هذه الكلمة أيضا مما لولا المانع تحقق فيها وجود فعلي فيمتنع صرفها مثلها، وأورد عليه أنه لا يصح حينئذ ما ذكر من أنه اختلف في الرحمن، فمن اشترط وجود فعلي صرفه على الإطلاق ويمنعه من الصرف من اشترط انتفاء فعلانة قال الرضى: إذا كان المقصود من وجود فعلي انتفاء فعلانة، وقد حصل هذا المقصود في الرحمن يجب أن يكون غير منصرف ولشرّاح الكشاف هنا مناقضات وكلام لا تحتمل العربية دقته، وأنما عدلوا إلى الاستدلال لأنه لم يسمع إلا مضافا أو معرفاً بأل أو منادى، وقد شذ قوله:
وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا
مع أنه لا يصلح شاهدا للصرف ولا لعدمه لاحتمال أن يكون ممنوعاً وألفه للإطلاق ومصروفا، وألفه بدل من تنوين المنصوب كقوله:
تبارك رحمانا رحيماً وموئلا
ولا يرد هنا ما قيل من أنّ ما مرّ يستلزم كون الحمل على النظائر من علل الصرف، ولا
ما قيل من أنا لا نسلم أنّ الأصل في فعلان منع الصرف سلمناه لكن كون الأصل في الاسم الصرف مطلقا وان لم يترجح عليه يعارضه فتدبره، وفي الكتاب وشروحه هنا كلام مخالف لما قالوه ذكرناه في حواشي الرضى. قوله: (إن حظر اختصاصه الخ) حظر بالحاء المهملة، والظاء المعجمة بمعنى منع، وهذا إشارة إلى أنه إن لم يحظر كلاهما بل الثاني فقط كان عدم الإنصراف أولر،، أو إلى أنه إن لم يحظر الاختصاص العارض إياهما بل كان انتفاء فعلانة مع قطع النظر عنه، وكان فعلي موجود أو منتفيا لهذا العارض كاز عدم الانصراف أو أظهريته أولى، وعلى كلا التقديرين فالأولى بالاستلزام للجزاء أخص من نقيض الشرط ولا يخفى أنه بعيد عن مواطن استعمال إن الوصلية أمّا على الأوّل فلأن نقيض الشرط يتناول حظر وجود فعلي دون فعلانة وعدم حظر شيء منهما ولا استلزام لهما للجزاء، وأمّا على الثاني فلأدأ نقيض الشرط يتناول انتفاء فعلي ل! ختصاص أو مع قطع النظر عنه ووجودها، وليس شيء منهما أولى بالالتزام للجزاء هكذا قاله وارتضاه بعض المدققين يعني أنّ الوصلية موجبها ثبوت الحكم بالطريق الأولى عند نقيض شرطها والحكم هنا أظهرية منع صرف رحمن والشرط منع اختصاص وجود مؤنث له مطلقا كما تفيده كلمة أو بعد المنع الذي هو نفي معنى والنقض عدم
ذلك المنع وهو يتحقق بوجهين:
أحلدم! ما: أن لا يكون فيه اختصاص، فلا منع وحينئذ، أمّ أن ينتفي فعلي فقط، فيجب الصرف أو فعلانة، فيجب منع الصرف، وعلى التقديرين لا تتحقق الأظهرية فضلاَ عن أولويتها وأمّا أن ينتفيا فثبوت الحكم عنده مثل ثبوته عند الشرط بل دونه إذ عند الشرط دليل انتفاء فعلانة، وهو الاختصاص موجود.
وثانيهما أن يكون فيه الإختصاص، ولا يمنع وجود شيء من المؤنثين فتجىء الترديدات الثلاثة أو يمنع فعلانة فقط، وحينئذاً أمّا أن توجد فعلي فيجب منع الصرف أو لا توجد، فالحكم فيه كما في صورة الشرط أو ئمفع فعلي فقط، فأمّا أن توجد فعلانة، فيجب الصرف أو لا فكما في صورة الشرط، فالأولوية لا تتحقق في شيء من صور النقيض كما قرّره بعض الفضلاء، وهذا كله تطويل نلا طائل أوردناه لئلا يتوهم من يراه غفلتنا عنه وهو مندفع بأدنى تأمّل فإنّ قوله وان حظر اختصاصه الخ كناية المقصود منها إنه لم يتحقق شرط المنع على المذهبين ولا شك أنّ نقيضه أنّ ذلك محقق، والأظهرية عليه ثابته بالطريق الأولى فإن قلت: لو سلم ما ذكرت لم يسلم أنّ مغ الصرف حينئذ للإلحاق بالأغلب بل هو واجب لوجود شرطه قلت: لا يلزم النظر لذلك، بل يكفي النظر لنفس الشرط على أنا نلتزمه، ونقول إذا وجد الشرط الأغلب منع
стр. 72
صرفه أيضاً لأنه قد يصرف نادراً مع وجود شرط آخر لضرورة أو تناسب أو لأمر آخر على خلاف القياس في بابه. قوله: (على فعلي) بغير تنوين وفعلانة يجوز صرفه، وعدمه على ما بين في محله. قوله: (بما هو الغالب في بابه) يعني بباب فعلان الذي مؤنثة، فعلى بفتح العين، فإنّ الغالب فيه أنه غير منصرف، ومؤنثه على فعلي إلا ماشد كخشيان، فإنه منصرف ومؤنثه خشيانة كما ذكره المرزوقي، ولذا تيده المنصف بالغالب وخالف قول الزمخشركيئ إلحاقاً بإخوانه من غير ذكر للغالب فيه، وان قيل إن الذي في الصحاح أنّ خشيان مؤنثه خشي على القياس، وهو الذي ارتضاه العلامة، ثم إنه قيل إنّ العمل بالغالب وان كان الأصل يعارضه إذ الأصل في الأسماء مطلقاً الصرف مخالف لما عليه الفقهاء من ترجيح الأصل، على الغالب إلا أنّ رجحان الغالب أظهر لأنّ الغالب يقتضي إلحاقه بنوعه، وهو أولى من إلحاقه بما هو الأصل في جنسه، وهو مطلق الاسم، وليس ما نقل عن الفقهاء صحيحا بل المصرّح به خلافه كما في أء ول الشافعية الذين منهم المصنف، وقد قال السبكي ﵀ في قواعده إنما يرجح الأصل جزما إذا عارضه احتمال مجرّد، والا فقد يرجح غيره كما فصله. قوله: (وتخصيص! التسمية بهذه الأسماء الثلاثة) وهي الله والرحمن والرحيم والمراد بالتسمية البسملة لأنها تطلق عليها أو المعنى المصدري، وهو إطلاق الاسم وأل عهدية، وخصى العارف بالذكر لأنه الذي يتأتى منه ما بعده، ومعرفته بما ذكر من تعلق الإستعانة بالوصف المشعر
بالعلية، ومجامع الأمور المهمة المعزوم عليها أو جميعها. قوله: (المعبود الحقيقي) إشارة إلى الجلالة الكريمة، ومولى لنعم بضم الميم بزنة اسم الفاعل وما بعده مشير لما مرّ، وجليل النعم وحقيرها، لف ونشر للاسمين، أو كناية عن الكل على نهج قوله ولا صغيرة ولا كبيرة. قوله: (فيتوجه بشراشره) جمع شرشرة بالفتح وتستعمل بمعنى النفس والجسد فيقال ألقى عليه شراشره اي نفسه حرصا ومحبة قال ذو الرمة:
وكائن ترى من شدة ومحبة ومن عته تلقي عليها الشراشر
وتكون بمعنى الانتقال والثبات وهدب الإزار وقطعه، وتحقيقه أنه في الأصل أطراف الأجنحة والذنب، وفي كتاب النبات أنّ شرشرة الطائر تعريثه قال ابن هرمة:
فعوين يستعجلنه ولقينه يضربنه بشراشر الأذناب
فكنى به عن الجملة كما يقال أخذه بأطرافه، ويمثل به لمن يتوجه بكليته فيقال: ألقى
عليه شراشره كما قال الأصمعي كأنه لتهالكه طرح عليه نفسه بكليته، وهو الذي عناه المصنف ﵀ إذ مراده التوجه ظاهر أو باطناً ولذا خصه بالعارف.
وفي الكشف أنّ من مذهب صاحب الكشاف أن يجعل تكرار الشيء للمبالغة كما في
زلزل ودمدم، وكأنه لنقل الشر في الأصل، ثم استعمل في الإلقاء بالكلية مطلقاً شرا كان أو غيره واعترض عليه صاحب القاموس ﵀ في شرح ديباجة الكشاف بأنه غير جيد لأنّ مادّة شرشر ليست مونحموعة لضد الخير وانما هي موضوعة للتفرّق والانتشار وسميت الأثقال شراشر لتفرّقها انتهى. وفيه نظر. قوله: (إلى جناب القدس) أي إلى الله المنزه المقدس جنابه عز وعلا وحبل التوفيق كلجين الماء أو مكنية أو تخييلية أو الكلام بجملته تمثيل، كأنه لتوجهه إلى عالي جنابه وتقرّبه منه كمن يترقى بحبل إلى العلو، والسرّ في الأصل الخفي وما يكتم وكنى به هنا عن الباطن، وقيل: هي حالة للمعارف تكون سببا للفيض، وفي كتاب البدائع لابن القيم نقلاَ عن ابن عقيل: أنّ من قال بين الله وفلان سرّ فقد كفر وكذبك وقولهم أسالك بالسرّ الذي بينك وبين أنبيائك وأوليائك حماقة، وأي سرّ بين الله وعبده وردّه ابن الجوزي ﵀ بأنهم يعنون به العبادة المستورة عن الخلق ونحوها انتهى. والذي يظهر لي من السرّ أنه أسماء الله وصفاته ونحوها مما وقف الله عليها بعض خلص! عباده وأعلمهم أنه متى سئل بها أجاب كما ورد في الآثار الصحيحة أسألك بكل اسم هو لك استأثرت به أو علمته أحداً من خلقك، وقد اشتهر أن اسمه الأعظم الذي يجاب به الدعاء لا يعلمه كل أحد وعن متعلقه بيشغل أو بحال مقدرة أي معرضاً محن غيره، وقيل عن هنا بدلية قيد للاستمداد وهو تعسف. وقوله:) فيتوجه الخ) إشارة
إلى ما سيأني في الفاتحة
стр. 73
في الإلتفات فتدبر. قوله: (الحمد هو الثناء الخ) اختلف أهل اللغة في الثناء فقال ابن القطاع: إنه يستعمل في الخير والشرّ، والأصح كما قاله ابن السيد أنه لا يستعمل إلا في الخير وإنّ العام هو الثناء بتقديم النون عى المثلثة، وما ورد على خلافه على ضرب من التأويل والتجوّز كالمشاكلة والتهكم، فهو ذكرى الجميل، وهل يشترط فيه اللسان أم لا فقيل لا، وحقيقة الحمد إظهار الصفات الكمالية سواء كان ذلك باللسان أم لا، ومن ذكر اللسان لم يرد العضو المخصوص، والا لم يكن الله حامداً لنفسه ولا لغيره حقيقة، وهو ظاهر البطلان بل قوّة التكلم وليس حقيقة التكلم إلا الإفاضة والإعلام مع شعور الفيض، وارادته وبؤيده حديث " لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " (١ (وإن حمل على المشاكلة أو التجوّز فالمعنى عظمت نفسك أو ذكرت نفسك بكلامك القديم بناء على مذهب الشهرستاتي، أو التخصيص باللسان بالنسبة لحمد العباد، وقيل عليه إنّ قوله والا لم يكن حامدا الخ لا يخلو عن شيء لأنه إن أراد أنه لا يكون كذلك على هذا القول حقيقة فمسلم، لكن قوله ظاهر البطلان في حيز المنع بل هو باطل لأنّ صريح إطلاقهم يدل على خلافه كقول الزمخشريّ والحمد هو الثناء باللسان وحده، وقال في الحواشي الشريفية: ادّعى اختصاصه باللسان لكونه أشبع وأدلّ، فظهر أنّ المراد العضو المخصوص ولو سلم أنه ليس بمراد فليس بمعنى قوة التكلم المذكورة أي لعدم لزوم الإفاضة في حمده لنفسه، وان أراد أنه لاث كون حامد إلا حقيقة ولا مجازا فغير مسلم لجواز إطلاق عليه مجازا كالرحمة، ففي عدم الاحتياج إلى قيد اللسان مناقشة ظاهرة كما أشار إليه الخطابي، وزاد بعضهم فيه على جهة التعظيم ليخرج الهزؤ والسخرية، وقيل لا حاجة إليه أصلاً أما على تعريف الحمد الأول، فلاستغنائه عنه بلفظ اأشناء إذ المتبادر منه ما طابق فيه اللسان الجنان، وأمّا على الثاني فلأن إظهار الصفات الكمالية معتبر فيه قيد الحيثية كما في سائر التعاريف فيخرج ما ذكر، وما قيل أن لفظ الثناء لا يأباه لأنهم فسروه بمطلق الذكر بالخير ليس بشيء على أنه قيل إنّ الوصف على طريقة الاستهزاء ليس وصفة بالجميل حقيقة إذ المستهزىء يريد ضذه على نهج الاستعارة التهكمية وقد يوصف بالجميل ظاهرا بلا قصد للتعظيم ولا للاستهزاء بل حكاية لما يزعمه الموصوف تعريفاً له، وقد فيل أنّ قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] يحتملهما وهو أيضاً خارج فتدبر. قوله: (على الجميل الاختياري الخ) الجميل ضفة مشبهة من جمل الرجل بالضم والكسر جمالاً فهو جميل وامرأة جميلة وقال سيبويه ﵀: الجمال دقة الحسن والأصل جمالة بالهاء كصباحة فخفف لكثرة الاستعمال، وتجمل تجملاً بمعنى تزين وتحسن فالجميل بمعنى الحسن، فتوصف به الذوات والأفعال كما عليه أهل اللغة قاطبة، فما قيل أنّ الجميل هنا صفة للفعل، ولذا ترك في الكشاف قيد الاختياري يرد عليه أنّ معناه اللغوي أعم،
ولذا قال بعض الفضلاء في حواشيه لا دليل على أنه صفة الفعل إلا أن يقال إنه أخذه من الأمثلة، وفبه بحث. وقال قدّس سره: إذا خص الحمد بالأفعال الإختيارية لزم أن لا يحمد الله سبحانه على صفاته الذاتية كالعلم والقدرة سواء جعلت عين ذاته، أو زائدة عليها بل على انعاماته الصادرة عنه باختبار؟ ، اللهم إلا أن تجعل تلك الصفات لكون ذاته كافية فيها بمنزلة أفعال اختيارية، وقيل إنّ الاختياري كما يجيء بمعنى ما صدر بالإختيار يجيء بمعنى ما صدر من المختار، وهو المراد هنا على ما فيه، وقيل إنها صادرة بالاختيار بمعنى إن شاء فعل وان لم يشأ لم يفعل لا بمعنى صحة الفعل والترك فيشمل ما صدر بالاختيار وبالايجاب فالاختيار بالمعنى الأعم، وهو الأوّل والثاني أخص أو هو بالمعنى الأخص، ولا نسلم كون الصفات الذاتية غير صادرة بالاختيار لجواز أن يكون سبق الاختيار عليها ذاتياً كسبق الوجود على الوجوب لا زمانياً حتى يلزم حدوثها، وقيل إنه بالنظر إلى حمد البشر فالمراد ما جنسه اختياريّ كما قيل في قيد اللسان في الثناء، وإن لم يثترط فيه الاختيارية فالأمر ظاهر ولا يخفى عليك ما يتوجه على ما ذكر، أما أوّلها فإنه مع كونه خلاف الظاهر إنما يحسن إذا كان المعتاد في الأفعال الإختيارية كون فاعلها مستقلاً في إيجادها من غير احتياج إلى شيء آخر من آلة وغيرها
стр. 74
ليظهر استقامة تثبيه الصفات الذاتية بها، وتنزيلها منزلتها لذلك وليس كذلك، فإن كل فعل اختياري يحتاج إلى علم فاعله وقدرته، وأكثرها محتاج إلى آلات وأسباب أخر كما ذكر. بعض الفضلاء، وانه على تسليم استعمال الاختياري بالمعنى الثاني لا نسلم اتصاف الصفات الذاتية بالصدور إلا بتكلف يأباه لفظه، وأمّا كونها صادرة بالاختيار بالمعنى الأخص على ما قرّر في الكلام من أنّ الفلاسفة ادّعوا إيجاد العالم بطريق الإيجاب فلزمهم أن لا يكون لموجده إرادة واختيار، وقيل بانهم يقولون بأنه فاعل مختار بمعنى إن شاء فعل الخ. وصدق الشرطية لا يقتضي وجود مقدمها ولا عدمه، فقدم الشرطية الأولى بالنسبة إلى وجود العالم دائم الوقوع ومقدّم الثانية دائم اللا وقوع، ولهذا أطلق عليه الصانع وهو من له الإرادة بالإتفاق وهذا وأن ارتضوه ففي نهاية الطوسي إنه كلام لا تحقيق له لأنّ الواقع بالإرادة والاختيار ما يصح وجوده بالنظر إلى ذات الفاعلى، فإن أريد بالدوام واللا دوام المذكورين أنه مع صحة وقوع نقيضهما فهو مخالف لما صرحوا به من أنه موجب بالذات للعالم بحيث لا يصح عدم وقوعه منه، وان اريد دوامهما مع امتناع نقيضهما فليس هناك حقيقة الإرادة، والاختيار بل مجرّد اللفظ، ومتعلق الإوادة لا محيص عن حدوثه، والعالم عندهم قديم، فما هذا إلا تمويه وتلبيس انتهى. وأيضا ما ذكر من تفسير الاختيار بمختار المتكلمين لا الفلاسفة، مع أنه قد قيل عليه هنا أنه لا يجري في صفة المشيئة، وما يسبق عليها من الحياة والعلم والقدرة، ولذا قال في رسالة الحمد: إنه تكلف لا يتأتى في صفة القدرة، لأنّ صدورها ليس بالاختيار والألزم تقدّم الشيء على نفسه، فما ذكر ليس بحاسم للسؤال، ولا قاطع لمادّة الإشكال ولك أن تدفع ما ذكر باختيار الشق الأوّل، فتقول الصادر عن الموجب بالذات ليس واجبا بالدّات بل باعتبار صدوره عن الواجب
بالذات، وهو في حد ذاته ممكن، وقوله: إنه قديم ليس المراد به القدم الذاتي، فنقول بصحة وقوع نقيضيما وان لم يقع لأنّ صحة الوقوع أعمّ من الوقوع، فإن قلت هذا ظاهر في العالم فما حال الصفات الذاتية، قلت: هي وان لم تكن مخلوقة لأنّ الخلق الإيجاد بعد العدم، فهي ممكنة في حد ذاتها عند بعض المحققين لأنها مستندة للذات ومحتاجة لها، وكل محتاج لغيره ممكن، فليست واجبة بالذات، وان كانت قديمة حتى يلزم تعدد الواجب، وان قيل بعدم امتناعه إذ الممتنع تعدّد ذوات واجبة، وفي التفسير الكبير الذات كالمبدأ للصفات، وهو صريح فيما ذكر، ثم إنه قيل على قول الشريف يلزم أن لا يحمد الله الخ أنه إن أراد أنه يلزم أن لا يحمد مطلقاً عليها حقيقة أو مجازا، فالشرطية بينة البطلان إذ التخصيص بالأفعال الاختيارية إنما هو في المعنى الحقيقيّ، وان أراد أنه يلزم أن لا يحمد حقيقة، فليس لقوله اللهم الخ وجه لأنه يقتضي أنّ هذا الجعل مما يصحح الحمد الحقيقيّ، وليس بصحيح، إذ عليه يكون الحمد مجازيا لأنّ الحقيقيّ ما يكون على الاختيار حقيقة، وهو غير وارد لأنّ مراده قدّس سر. أنه يحمد عليها، وهي غير داخلة في التعريف، فليس بجامع فأدخلها فيه بهذا التأويل، فالتجوّز في التعريف لا المعرّف، ولما كان المجاز في التعاريف فيه ما فيه أشار إلى ضعفه بقوله اللهم، وقد خطأ الرازي في هذا بعض علماء المغرب وأشبعنا الكلام فيه في شرح الشفاء.
واعلم أنّ ما عرّفه المصنف هو الحمد اللغوفي، مورده ص اهـ ومتعلقه عامّ، والشكر اللغويّ ما ينبىء عن تعظيم المنعم على الشاكر فعلاً أو قولاً أو غير ذلك ومورده عام ومتعلقه خاص، والحمد عرفا فعل ما يشعر بتعظيم المنعم من حيث أنه منعم على الحامد أو غيره، والشكر عرفا صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه به لما خلق لأجله والنسبة بينها معروفة، والمراد بالعرف هنا عرف اللغة المستعمل، والحق الحقيق بالاتباع أن الحمد اللغويّ لا يكون إلا بالأفعال الاختيارية قال تعالى: ﴿وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ أسورة آل عمران: ١١٨٨ فالحمد بالصفات الذاتية حمد عرفيّ لدلالته على تعظيمه. قوله:) من نعمة أو غيرها (قيل في فذا وفي قوله على علمه إشارة إلى أنه ليس المراد بالجميل الفعل بالمعنى المصدريّ اللهم إلا أن يقال المراد بالنعمة الإنعام بها والعلم بمعناه المصدريّ انتهى. قيل: وفي قوله اللهم إشارة إلى بعد هذا المراد كيف والمنظور إليه في مقام حمد العالم والكريم ما لهما من الكمال الذي تميزا به، وهو الملكة
стр. 75
لا المعنى المصدريّ وان كان له تعلق بذلك الكمال وهو ممنوع ثم إنه استشكل التقييد بالاختيار بقوله تعالى: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] وأجيب بأنه حال من قوله يبعثك أو نعت لمقاما، والمعنى محموداً فيه إليه بشفاعته أو الله لتفضله عليه بالإذن في الشفاعة على الحذف والإيصال، أو هو مما يدّعى فيه قيد الاختيار، وسيأني ما فيه، وقيل: المراد بالنعمة الإنعام مجازاً أو حقيقة لورودها بمعناه أيضاً أو المراد إنعام نعمه بتقدير مضاف.
واعلم أنّ الفاضل ابن المعز قال في بعض تعليقاته إن الاختيار في اللغة كما في المحكم
وغيره بمعنى الانتقاء والاصطفاء يقال خاره واختاره وتخيره فهو مختار والاسم منه الخيرة إذا ارتضاه لكونه خيراً عنده، وأمّا كونه بمعنى الإرادة كما هنا فلم يرد في اللغة، وانما هو من اصطلاح المتكلمين، والمعنى اللغويّ أخص منه ومن لم يتفطن لهذا فسر به قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨] وسيأني تحقيقه في سورة القصص. قوله: (والمدح الخ) يعني أنّ الحمد يختص بالثناء على الفعل الاختياري لذوي العلم، والمدح يكون في الاختياري وغيره وفي ذوي العلم وغيرهم كما يقال مدحت اللؤلؤة على صفائها، وفي بدائع ابن القيم الفرق بينهما بأنّ الحمد يتضمن العلم بما يثني به على الكمال بخلاف المدح فهو أعم منه، ولذا لم يرد في الكتاب والسنة حمد الله فلانا كما جاء مدحه وأثنى عليه، فهو لا يحمد إلا نفسه، وردّ بأنه غير مسلم، وقد ورد ما أنكره كما في الأثر أنه ﷺ شضيّ محمدا لأن الله وملائكته حمدوه، فالصحيح أنّ الأخبار عن محاسن الغير إن أفرد بالصحبة والإجلال فحمد، والا فمدح، ولذا كان الحمد خبرا يتضمن إنشاء، والمدح خبر محض وتسمح من فسره بالرضا والمحبة وان لم يمنع حمد الله لعباده، فإن ذلك بحسب ما يضاف له فهو من الله إكراما وإلقاء لإجلاله في قلوب خلقه انتهى. وكون العلم اختياريا لحصوله باستعمال الحواس ونحوها وكذا الكرم إن كان بمعنى الإعطاء، وكذا إن كان بمعنى السخاء بناء على أن الملكات كسبية فإن كان بمعنى الشرف كما ورد إطلاقه عليه فلا يلزم كونه اختياريا إلا بتكلف، ولذا حمل هنا على الأوّلين، وما قيل من أنّ المراد بالاختياري هنا ما للاختيار مدخل في تحققه في بعض المواد وما من شأنه ذلك، ويؤيده ما ذكره المصنف ﵀ فإنّ العلم كيفية انفعالية فائضة بفضل الله وليست من الأفعال الاختيارية لنفس، وكذا الكرم فأنه غريزة مجبول عليها لا يناسب المقام لعوده على الفرق بما ينافيه فتدبر. قوله: (ولا تقول حمدته على حسنه بل مدحته) فلا يلزم أن يكون المدح اختياريا ولم يتعرض لوقوعه في الاختياري لأنه ليس محلاَ للنزاع قيل: ثبوت مدعاه من عدم الترادف متوقف على صدور ما ذكر عن البلغاء الموثوق يهم، وهو غير ظاهر مع أنّ الترداف لا يقتضي استعمال كل منهما حيث يستعمل الآخر وليس بلازم كما صرحوا به، ولا يخفى أنه ناف لا مثبت حتى يطالب بالاستعمال، وعدم وقوع أحد المترادفين موقع الآخر من غير مانع ما غير ظاهر، ولا يرد عليه الحمد الذاتي لله لأنه بمعنى استحقاقه له بجميع صفاته من غير تعيين، ولما كانت ذاته كافية في اتصافه بها جعل ذاتياً كما ذكره الشريف وسيأتي تحقيقه إن شاء الله. قوله: (وقيل هما أخوان) هذا ردّ على الزمخشري: بناء على فهمه منه، وقد قال السعد في شرحه إنّ الشائع في كتب العلامة أنه يريد بكون اللفظين أخوين أن يكون بينهما اشتقاق كبير بأن يشتركا في الحروف الأصول من غير ترتيب أو أكبر، بأن يشتركا في أكثر الحروف مع اتحاد في المعنى، أو تناسب كما مرّ، وقال الشريف: المراد
أنهما مترادفان، والترادف بعدم اعتبار قيد الاختياو فيهما أو باعتباره فيهما، وهذا هو المراد وإن ذهب بعضهم إلى الأوّل ويدلّ على ذلك أنه قال في الفائق الحمد هو المدح والوصف بالجميل، وأنه جعل ههنا نقيض المدح أعني الذمّ نقيضاً للحمد، فإن قيل نقيض المدح هو الهجو دون الذمّ قلنا المدح يطلق على الثناء الخاص، وهو الوصف بالجميل ويقابله الذمّ، وقد يخص بعدّ المآثر ويقابله الهجو أي عدّ المثالب وكلامنا في المعنى الأوّل ثم أيده بأنّ ما ذكره أوجب حمل الأخوة على الترادف وبأنه قال في الكشاف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾ [الحجرات: ٧] إنّ المدح لا يكون بفعل الغير، وتأوّل التمدح بإجمال وصباحة الوجه، فالمدح أيضاً
следующие страницы →