← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

المسلمون والعالم بعد سقوط بغداد.. ماذا ينتظر العالم العربي ؟ كمال السعيد حبيب صمد العراق عشرين يوماً في وجه القوات الأمريكية الغازية، ولم تصمد بغداد العاصمة أكثر من يومين، كان الناس في العالم العربي والعالم كله ينتظرون المعركة الفاصلة التي سيُقتل العلوج على أبوابها، وكان الغزاة والعالم كله يترقبون المعركة الكبرى.. معركة بغداد، وكانت التوقعات تتحدث عن صمود للمدنية يستمر لأربعة أشهر على الأقل؛ بيد أن الاقتحام الأمريكي السهل لها كان مفاجئاً بكل المقاييس. في تقديرنا؛ قصة أو لغز سقوط بغداد هو تلخيص أمين لحالة النظام البعثي في العراق، فالنظم الشمولية لا يمكنها الصمود في معركة حقيقية أمام الأعداء، إن عنف هذه النظم وغشمها ووحشيتها تكون ضد مواطنيها لكنها تصبح خائفة مذعورة جبانة أمام التحديات الخارجية، سقوط بغداد كان عنواناً لسقوط نظام صدام الوحشي، فالناس في العاصمة حيث يكونون أقرب لمعرفة طبيعة النظام لم يجدوا لديهم الدافع للمقاومة للدفاع عن شخص صدّام والحلقة الطبقية المحيطة به، وخاصة أنه في لحظات الخطر تُختبر النيات والإرادات، ويبدو كل شيء على حقيقته، ومع عنف الضربات الأمريكية الوحشية على العاصمة فإن فرزاً حقيقياً حدث؛ حيث شعر قادة البعث أنهم غير قادرين على المقاومة؛ فإما القتل وإما الأسر [١] . كما أن الناس في العاصمة وجدوا أن التكلفة العالية التي يدفعونها من دمهم وبيوتهم وحياتهم هي أثمن من بذلها لأجل نظام البعث الوحشي.. وتبقى الدلالة الأساسية، وهي أن الهزائم في المعارك الكبرى هي هزائم للأنظمة التي دخلتها وليست هزائم فقط لجيوشها، ومن ثم فسقوط البعث جاء على أسنة الأسلحة الأميركية وتحت سنابكها، وتبقى المقاومة العراقية في أم قصر، والناصرية، والنجف، وكربلاء، وحتى في بغداد نفسها عنواناً على جسارة الشعوب وقوتها، فالذين قاتلوا لمدة عشرين يوماً كانوا تعبيراً عن إرادة الشعب العراقي في رغبته في الدفاع عن وطنه، شاهدنا الضابط الذي نفذ أول عملية استشهادية، والسيدتين اللتين استشهدتا، والرجل العجوز الذي أسقط الطائرة، لكن هؤلاء جميعاً كانوا تعبيراً عن روح الشعب العراقي والأمة العربية والإسلامية، ولم يكونوا في شيء تعبيراً عن النظام القمعي الوحشي لصدّام. ويمكن القول إن روح الشعب العراقي العربية والإسلامية تجلت في المقاومة بعيداً عن العاصمة، أما العاصمة التي تمثل القلب الحيوي للدولة؛ فكانت تعبيراً عن روح النظام الذي انهار بسرعة أمام الضربات الأمريكية، ولم يكن أعضاؤه مستعدين للشهادة، فالمعلومات تتحدث عن أن قيادات حزب البعث لما رأوا القاصمة الأمريكية قالوا إننا سنقتل أو نؤسر، وعمموا تعليمات على القيادات العليا بالانسحاب المنظم إلى منازلهم. إن الناس في العالم العربي كانوا يطمحون إلى معركة مشرِّفة على أسوار بغداد؛ تكبِّد الأمريكان خسائر كبيرة لإنقاذ العالم العربي والإسلامي بل والعالم كله من جنونهم، لكن سنن الله غالية، وما كان لنظام فاشي أذاق الشعب العراقي الويلات أن ينتصر في معركة فاصلة كبيرة تحدد ملامح العالم في القرن الحالي. هل للمرء أن يتساءل، ويثير علامات الاستفهام حول أسباب دعم الأمريكان لمثل هذه النظم الاستبدادية؟ إن السبب الرئيس فيما نعتقد هو نزع إرادة المقاومة والصمود لدى الشعوب حين يدعوها داعي الجد والخطر، وحين تتعرض لخطر حقيقي يهدد وجودها وحياتها، فمعظم مشكلات الدول التي تم استعمارها من العالم الغربي تم زرعها من قِبَل المستعمرين قبل رحيلهم، ويمثل التلاعب بالجانب الإثني والعرقي والسلالي أحد أهم أدوات الدول الاستعمارية في صناعة المشكلات، في الدول التي كانت مستعمرة في إفريقيا وآسيا، أما الأدوات الحديثة لزرع المشكلات، والتي تقوم بها أمريكا خاصة؛ فهي دعم النظم الاستبدادية وتقويتها حتى لا تبقى للشعوب إرادة حين تتعرض مجتمعاتها للخطر. * المأزق الأمريكي: حتى اليوم، وعلى الرغم من سقوط النظام العراقي؛ فإن الولايات المتحدة الأمريكية لم تُعلن بعد أنها انتصرت، وتفيد المعلومات أن الجنود الأمريكيين لم يسيطروا إلا على حوالي ٤٠% من الأراضي العراقية، ولا تزال الـ ٦٠% الباقية خارج سيطرتهم، وبينما أسقطت الجحافل الأمريكية نظام صدّام القمعي؛ فإنها لم تستطع أن تملأ الفراغ الذي تركه، وشجعت إطلاق الفوضى، وأطلقت العصابات المجرمة لتدمر المؤسسات والوثائق والمكتبات والمتاحف، وكأنها تريد الانتقام من العراق دولة وشعباً. وعلى الرغم من وصول «جاي جاردنر» ومعه أكثر من عشرين قيادة أمريكي؛ يفترض أنها ستتولى المرحلة الأولى من إعادة الحياة للمؤسسات العراقية التي حطمتها الآلة العسكرية الأمريكية الغاشمة؛ فإن أمريكا تبدو في مأزق حقيقي؛ فهي حتى الآن لم تحدد بعد الطريقة التي ستدير بها العراق، ولم تحدد بعد كيف سيكون تعاملها مع العراق، وهناك نظريتان في هذا السياق يتنازعان الفكر الأمريكي تجاه العراق؛ بصرف النظر عن الدعاية التي أطلقها بوش حين تحدث عن «عراق جديد يكون نموذجاً لدول الشرق الأوسط» . النظرية الأولى: يمثلها «روبرت كابلان» [٢] ، وذلك في مقال له بعنوان: «سيناريو لمرحلة ما بعد صدّام» ، وفيه يدعو إلى التحرر من أي إغراءات تبشيرية فيما يتصل بإرساء الديمقراطية والحرية في بلد ليست الديمقراطية من تقاليده، ويدعو صراحة إلى بناء نظام علماني مستبد، لكنه يتحدث عن الاستبداد المستنير، إن أصحاب هذه النظرية يتحدثون عن أمريكا بوصفها قاعدة احتلال عسكري في منطقة حساسة جغرافياً، وهذا الوجود سوف يفرض نفسه على المنطقة وعلى الدول المجاورة التي ستضطر للتكيف مع هذا الوجود، ففي السياسة؛ يمثل الجوار الجغرافي محدداً للسلوك السياسي، ووجود دولة جارة لقوة عسكرية عدائية سوف يجعل هذه الجارة تأخذ في حسابها رغبات هذه القوة العسكرية الجبارة. النظرية الثانية: ويمثلها مثقفون عرب في البلاط الأمريكي، وهم ما نطلق عليهم «المثقفون الأمريكان» [٣] ، وهم يتبنون ضرورة التدخل الأمريكي في العلاقة بين الحكام المستبدين والشعوب في العالم العربي؛ بحيث يدعم التدخل الأمريكي قوى الإصلاح التي تؤمن بالقيم الغربية، كما يجب أن تتعامل أمريكا مع الطبقة الوسطى في العالم العربي وتتخلى عن دعم الحكام المستبدين؛ لأن هذا الدعم وإن كان حرم أعداء أمريكا من الوصول إلى السلطة؛ لكنه أدى إلى انتشار الكراهية والاحتقان الذي عبر عن نفسه في قلب أمريكا نفسها، كما أن السكوت على الحكام المستبدين جعل من عروض الإسلاميين للشعوب إغراءاً بانتشالهم إلى وضع أفضل. وعلى المستوى الميداني يصعب على الولايات المتحدة أن لا تكون قوة احتلال واستعمار في العراق، فهي أمَّنت فقط وزارة النفط من بين جميع الوزارات والمؤسسات العراقية التي جرى نهبها والأمريكان يشاهدون ويدعمون؛ ومن ثم فما يهمها بالأساس هو النفط، كما أن الشركات الأمريكية هي التي تتولى اليوم مسألة عقود الإعمار، وعقود تأمين آبار النفط وإنتاجها، وعقود تأسيس شرطة وجيش عراقيين، بل إن أمريكا تتعاقد مع شركات أمريكية لإعادة بناء النظام التعليمي في العراق؛ بحيث يكون متوافقاً مع المرحلة الاستعمارية الجديدة. وتسعى أمريكا أيضاً على المستوى الميداني إلى التلاعب بالمرجعية الشيعية في العراق؛ بحيث تضمن ولاء الشيعة في العراق لها حتى تُفقد إيران تأثيرها المرجعي في شيعة العراق، بل إن أمريكا لم تتردد في الاستعانة بصفوف حزب البعث نفسه فضلاً عن زعماء القبائل وبقايا الحرس الصدّامي القديم؛ لتؤسس على أركانهم النظام الجديد الذي تسعى إليه، وهو ما يؤيد لدينا احتمال اتباع الإدارة الأمريكية على المستوى الميداني ومستوى الممارسة لنصائح فريق «كابلان» ؛ في بناء نظام علماني مستبد في العراق؛ بحيث يكون هذا النظام أداة طيعة في يدها؛ وبحيث يبقى هذا النظام أداة لكبت حريات الشعوب والجماهير التي تكره أمريكا وتراه قوة احتلال يجب التخلص منها. وكما هو معلوم فإن خلافاً حقيقياً بين بريطانيا وبين أمريكا حول دور الأمم المتحدة؛ حيث تريد بريطانيا أن يكون للأمم المتحدة دوراً سياسياً في العراق، بينما ترى أمريكا أن الأمم المتحدة يمكن أن يكون لها دور إنساني، فهي ترى أن جنودها وقوتها العسكرية هي التي فرضت الأوضاع الجديدة في العراق، وأنها يجب أن تكون القوة التي تقرر والقوة التي تجني النصر، وبالطبع فإن القوى الدولية الأخرى مثل: روسيا، وفرنسا، وألمانيا تمثل ضغطاً على أمريكا، لكن يمكن شراؤهما بإعطائهما بعضاً من مغانم الحرب الأمريكية في العراق، وجميع هذه القوى تحدثت عن رغبة في نصر أمريكي بالعراق، لكنه نصر يجب أن يأخذها في الحسبان. وتواجه أمريكا مأزقاً حقيقياً في العراق؛ حيث يمكن وهو ما نتوقعه أن تتولد قوة جديدة شابة في العراق ترى أن قوة أمريكا قوة احتلال تعيد إلى الأذهان الاحتلال البريطاني، وتنشط هذه القوة الجديدة في مواجهة الخطط الأمريكية، وإذا كان الناس في العراق عبّروا عن ابتهاج بسقوط النظام العراقي الذي دام لأكثر من ٢٥ عاماً، حتى لو أبدوا ترحيباً بأمريكا في محطة التغيير هذه لكنهم لن يرحبوا بها كقوة احتلال أبداً، ولا يزال الشعب العراقي يتمتع بخصائص وصفات نفسية دينية ووطنية عميقة جداً، وفي مثل حالات الفراغ السياسي وانهيار الأنظمة كما يحدث في العراق؛ فإن الشعوب هي التي تسعى إلى ملء الفراغ عبر حركة المجتمع والأمة وليس وفق خطط المحتل. وفي العراق تبقى الثقافة العربية والإسلامية من جانب والتحيز الأمريكي للكيان الصهيوني من جانب آخر عائقين مهمين أمام إنفاذ هذه الخطط كما هو مقرر لها في البنتاجون أو البيت الأبيض، فهناك خصوصية في الثقافة العربية تجاه المحتل فالعربي والمسلم يمكن أن يضحي بالحرية الفردية من أجل حرية وطنه الكبير، أو ما يطلق عليه «الوطنية» ، أو ما يطلق عليه «الحفاظ على حدود الوطن أو الإقليم» ، أو بالتعبير الإسلامي «الذود عن البيضة» و «حماية دار الإسلام» ، وهناك خصوصية في الثقافة العربية الإسلامية تجاه اليهود وتجاه فلسطين. وإذا كان «كابلان» يقرر وجود الأمريكان بوصفهم قوة استعمارية محتلة في العراق؛ فإن هناك قوة شعبية تستلهم الإسلام في مقاومة المحتل كما في فلسطين، ويكفي أن نتذكر أن مخيم جنين صمد أمام القوة الصهيونية بكل جبروتها لمدة عشرة أيام وأسقط منها ٢٦ جندياً؛ منهم جنرال كبير، ومن ثم فأمريكا تواجه مأزقاً حقيقياً في العراق يصنعه أولئك المحافظون الجدد في البيت الأبيض، والذين يضعون الخطط على الأوراق بشكل طفولي يثير السخرية، وهم منفصلون عن الواقع وعاجزون عن فهم الشعوب. * مستقبل العالم العربي: ١ - ماذا ينتظر الحكام في العالم العربي بعد كارثة سقوط العراق واحتلاله من قبل أمريكا؟ إن التصريحات التي تتحدث عن تغييرات جيواستراتيجية في خريطة المنطقة صحيحة، وهناك خطط يعدها المحافظون الجدد المسيطرون على القرار في البيت الأبيض تستند إلى ما يطلقون عليه الحسم العسكري والوضوح الأخلاقي، وهذا الحسم العسكري والوضوح الأخلاقي يستعمل فقط ضد العرب والمسلمين؛ بينما تجاه الكيان الصهيوني تجد رخاوة أخلاقية وهزال عسكري، ومن ثم فالخطر المحدق بالعالم العربي حقيقي وهو لا يطرق بابه لكنه أصبح في قلبه، فالعراق هو البداية الشرقية للأمن القومي العربي، وسقوط العراق هو لصالح الكيان الصهيوني بكل المقاييس؛ حيث زال الخطر الذي كان يمثله العراق على أمن «إسرائيل» ، وتشير التقارير إلى سحب القوات الصهيونية التي كانت على الجبهة الشرقية، كما أن البترول العراقي سوف يضخ إلى الكيان عبر بناء خط الموصل - حيفا، وسوف تسطع من جديد فكرة الشرق الأوسط الذي يحوِّل المنطقة إلى سوق اقتصادي تكون الهيمنة فيه للمركز الصهيوني، وتتحول البلدان الأخرى إلى مجرد أتباع هزيلة لهذا المركز. ولا شك أن الانتصار الأمريكي في العراق سوف يدعم خطط الحكومة اليمينية في الكيان الصهيوني، والإتيان بحكومة فلسطينية تقبل بخطط شارون، وربما تسعى إلى فرضها على المقاومة الفلسطينية التي ترفض بقوة أي خطط تفرِّط في القضية الفلسطينية لمصلحة الخطط الاستعمارية الصهيونية، فأمريكا بوصفها استعمارية ستدعم الوجود الصهيوني في فلسطين، كما ستدعمه بوصفه وجوداً اقتصادياً وحضارياً. ٢ - بوش أعلن امتلاك سوريا لأسلحة كيمياوية، وأنه لا بد من خضوعها للتفتيش، ورامسفيلد قال إن قرار ضرب سوريا يعود لقوات التحالف، وتحدث عن متطوعين سوريين يقاتلون في العراق ضد القوات الأمريكية، كما تحدث عن ضرورة تسليم سوريا لقيادات النظام العراقي السابق، وتأتي هذه التصريحات بعد وقت قصير من إعلان المجرم شارون أن التغيير يجب أن يشمل سوريا، وليبيا، والمملكة العربية السعودية، وقال شارون حرفياً: «إن زوال العراق كتهديد يثير ارتياحنا، لكن كل المشكلات التي نواجهها لم تنته، فهناك مشكلات مع إيران، وليبيا، والسعودية، فإيران تضاعف جهودها لتطوير أسلحة الدمار الشامل والصواريخ البالستية، وليبيا تسعى إلى الحصول على أسلحة نووية، والسعودية تقدم المساعدات للمنظمات الإرهابية» ، إذن هناك تهديدات حقيقية للدول الثلاث التي تمثل قاعدة الوجود العربي في المنطقة، وهي سوريا، ومصر، والسعودية، وعليهم أن يتحركوا قبل فوات الأوان وإلا فماذا ينتظرون؟ هل يقفون صامتين حتى تأتي القوات الأمريكية لتدق عروشهم كما حدث مع صدّام حسين؟ ٣ - على الدول العربية هذه أن ترتب بيتها الداخلي للخطة الحقيقية القادمة بلا محالة، وهذا يفترض قيادة الإصلاح الداخلي، والذي يتمثل في رأب الصدع الداخلي بين هذه الأنظمة ومجتمعاتها، وخاصة القوى الإسلامية التي ثبت وقت الجد أنها هي التي تصمد وتقاتل وتقاوم. إن النظم والجيوش والقادة الرسميون في العالم العربي يواجهون امتحاناً قاسياً، ونجاتهم هي في العودة لإصلاح ما بينهم وبين شعوبهم ومجتمعاتهم. إنني أستلهم حديث النبي ﷺ الصحيح الذي يقول فيه: «ويل للعرب من شر قد اقترب» [٤] . فإما التحرك للمواجهة، وإما انتظار الفناء والزوال! [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] (الرعد: ١١) .

стр. 4587

المسلمون والعالم القومية العربية ضيعت العراق ! ممدوح إسماعيل [*] في ظل العدوان الأمريكي البريطاني على العراق ارتفعت أصوات عالية تتحدث عن العروبة والقومية العربية، وأنها سبيل النصر للعراق في ظل محنته الحالية. وتعالمت تلك الأصوات العالية عن الحقيقة الناصعة والسبيل الوحيد للنصر ألا وهو التمسك بالإسلام؛ ولعل هذا يدفعنا إلى توضيح حقيقة القومية العربية. * البداية: في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ظهرت أول بوادر ما سمي بالقومية العربية، وقيل إن الذي انزلق إلى لفت الانتباه إلى العصبية العربية هو الشريف حسين، ولكن الحقيقة أن الرجل لم يَعِ خطورة هذا الانزالق بخلاف ابنه فيصل الذي وجد الإنجليز ضالتهم فيه في إرساء هذا التيار؛ لذلك توجه لورانس إليه بدلاً من أبيه في بحثه عن ذلك الزعيم؛ فهو يقول: (وأخذت طول الطريق أفكر في سوريا وفي الحج وأتساءل: هل تتغلب القومية ذات يوم على النزعة الدينية؟ وهل يغلب الاعتقاد الوطني الاعتقاد الديني؟ وبمعنى أوضح: هل تحل المثل العليا السياسية مكان الوحي والإلهام، وتستبدل سوريا مثلها الأعلى الديني بمثلها الأعلى الوطني؟ هذا ما كان يجول بخاطري طوال الطريق) ، وقد كوفئ فيصل وعينه الإنجليز حاكماً للعراق؛ لذلك كان لورانس الضابط الإنجليزي هو مؤسس القومية العربية التي ما لبث أن حمل لواءها نصارى الشام، وأسسوا كثيراً من الجمعيات الأدبية والعلمية في دمشق وبيروت والقاهرة. وهذا يدفعنا إلى التأكيد على أن ظهور القومية العربية لم يكن كما قيل نتيجة ظهور القومية الطورانية في تركيا، ولكن هذا يؤكد أنه مخطط استعماري لتضيع الهوية الإسلامية قبل القضاء على الخلافة الإسلامية نهائياً؛ ففي نفس الوقت ظهرت أيضاً القومية الكردية. وانطلت الحيلة والمخطط على كثير من أبناء المسلمين المغفلين خاصة الذين تأثروا بالفكر الغربي الذين آمنوا بالعلمانية وإقامة الرابط القومي بدلاً من رابط الدين الإسلامي. كما أراد الغرب أن تكون القومية رابطاً لتكوين أمة بديلاً للدين، وبرزت أفكار عديدة من أهمها: ١ - وحدة الأصل والعرق. ٢ - وحدة اللغة. ٣ - وحدة التاريخ. ٤ - وحدة الثقافة. ٥ - المصالح المشتركة. ولكنهم لما أرادوا تصدير وإرساء فكرة القومية في البلاد العربية الإسلامية جعلوا القومية العربية ترتكز على عنصرين اثنين فقط لا غير: ١ - وحدة اللغة: فبغض النظر عن التدقيق في عناصر القومية الأخرى؛ فكل من يتكلم العربية فهو عربي، ولو لم تكن أصوله عربية ومن كانت لغة آبائه العربية فهو عربي. ٢ - وحدة التاريخ: يقول ساطع الحصري أحد أهم وأبرز مؤسسي ومفكري القومية العربية: (إن وحدة التاريخ هي التي تلعب أهم الأدوار في تكوين القرابة المعنوية) . ويلاحظ أنه لدى تطبيق القوميين العرب عنصر وحدة التاريخ على واقع الشعوب العربية نجدهم يقفزون عن تاريخ العرب المسلمين؛ لأنه لا يمثل وحدة تاريخ بين كل العرب مسلميهم، وغير مسلميهم، بل قد يحقدون عليه وهم لا يعترفون بأنه تاريخ لهم؛ إنما هو تاريخ خصومهم، بل أعدائهم؛ فكيف يكون عنصراً يربطهم بالأمة العربية؛ فهؤلاء لهم تاريخ خاص بهم غير تاريخ العرب المسلمين ولو عاشوا بينهم أقلية. والعجيب أنهم حين يقفزون عن تاريخ العرب المسلمين يسقطون على تاريخ عصور الجاهلية العربية البائدة والعاربة والمستعربة، ويبرزونه أدبياً وثقافياً على أنه تاريخ العرب. أما بعد الإسلام فلا يظهرون إلا ما كان فيه نقائض في التاريخ الإسلامي أو لا تأثير واضح للإسلام فيه، أو مراحل الضعف، أو ما يتعلق بتاريخ غير المسلمين وتزيينه؛ لذلك نجدهم في عنصر وحدة التاريخ ينحُّون كل ما هو إسلامي مجيد ويسلطون الأضواء على غيره. ولا يهمل مفكرو ومفلسفو القومية العربية العناصر التالية: أ - وحدة المشاعر والمنازع. ب - وحدة الآلام والآمال. ج - وحدة الثقافة. ولكنهم يجعلونها نتائج طبيعية لوحدة اللغة ووحدة التاريخ. وفي ذلك يقول ساطع الحصري إمام القومية العربية: (إن أسس الأساس في تكوين الأمة وبناء القومية هو وحدة اللغة ووحدة التاريخ؛ لأن الوحدة في هذين الميدانين هي التي تؤدي إلى وحدة المشاعر، وحدة الآلام والآمال ووحدة الثقافة؛ وبكل ذلك تجعل الناس يشعرون بأنهم أمة واحدة متميزة عن الأمم الأخرى. ولكن لا وحدة الدين ولا وحدة الدولة ولا وحدة الحياة الاقتصادية تدخل بين مقومات الأمة الأساسية.. كما أن الاشتراك في الرقعة الجغرافية أيضاً لا يمكن أن يعتبر من مقومات الأمة الأساسية، وإذا أردنا أن نعين عمل كل من اللغة والتاريخ في تكوين الأمة قلنا: اللغة: تكوِّن روح الأمة وحياتها، والتاريخ: يكوِّن ذاكرة الأمة وشعورها) . واستناداً إلى ما سبق فالقومية العربية تجمع كل من يتكلم العربية وينتسب إلى البلاد العربية مهما كان دينه أو بلده أو مذهبه أو أصله، والعروبة تشمل المصري، والعراقي، والمغربي المسلم، والمسيحي، والسني، والشيعي، والدرزي، والنصيري، والكاثوليكي، والأرثوذكسي، والبروتستانتي فهم أبناء العروبة. وهكذا استطاعت القومية العربية أن تسلب المسلمين العرب أصحاب الدين الحق والأرض والسيادة، بل والأكثرية العددية من حقهم في السيادة على أرضهم لصالح الأقليات غير المسلمة التي دافعت عن القومية العربية بكل ما تستطيع، ومع ذلك لم تتنازل عن عصبياتها الطائفية المضادة للإسلام والمسلمين مرة واحدة، ووقائع الأحداث في كثير من البلاد العربية تؤكد ذلك في لبنان وسوريا والعراق؛ ليظهر بما لا يدع مجالاً للشك أن شعار القومية العربية لم يستطع أن يوحد بين أتباع الأديان المختلفة والمذاهب المتعارضة ليثبت سقوط الفكرة من أساسها؛ لأن عناصر القومية غير صالحة لتكوين أمة متحدة؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يكون خالياً على الدوام من مبدأ أو عقيدة يعمل له، ويعطي له ويبذل من أجله، ويستظل بفكره، وينطلق نحو أهدافه. * فساد وضعف رابطة اللغة والتاريخ: فالرابط اللغوي وذكريات التاريخ بطبيعة مكوناتهما لا يشبعان نهمة العقول حول معرفة كثير من أسرار الحياة والغيب والبعث والنشور والعبادة ولا منهج حياة مستقيم فيه العدل والخير؛ وأجمع جامع للناس في هذا دين رباني حق تدفعهم للأخذ به والاجتماع عليه عدالته وكماله، والرغبة بالثواب العظيم، والرهبة من عذاب أليم أعدهما الرب الخالق منزل الدين. * الجامعة العربية: لقد سعى أولئك القوميون إلى تقويض كل اتحاد باسم الإسلام، وأخذوا يبذلون كل ما لديهم لاتحاد باسم العروبة.. رفضوا فكرة الجامعة الإسلامية في بداية القرن العشرين، وسعوا إلى الجامعة العربية؛ فماذا صنعت الجامعة العربية التي كانت أهم الصعاب التي تواجهها الاحتلال اليهودي لفلسطين؟ جعلوا القضية عربية وأعدوا الجيوش العربية عام ١٩٤٨م، فكانت النكبة والهزيمة والخسران، وكان ترسيخ الاحتلال؛ لأنها لم تكن لله ولا جهاداً في سبيل الله، ولا من أجل الإسلام والمسلمين ولا أرض إسلامية، وقالوا: فلسطين عربية، والصراع العربي الإسرائيلي، ثم ما لبثوا أن قالوا: القضية الفلسطينية. لقد حافظوا على الجامعة العربية للمحافظة على الشكل بدون أي مضمون أو عمل حقيقي؛ لأن الإسلام بعيد عن أساس وأهداف عملهم. * شعراء القومية العربية: قال أحدهم: يا مسلمون ويا نصارى دينكم ... دين العروبة واحد لا اثنان وقال الآخر: سلام على كفر يوحد بيننا ... وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم وقال ثالثهم: آمنت بالبعث رباً لا شريك له ... وبالعروبة ديناً ما له ثان * القومية في ثوبها الجديد: ما قدمناه كشف لثوابت وأسس القومية العربية، ولقد سيطرت القومية العربية بتلك الأفكار والأسس على المنطقة العربية فترة الخمسينيات، وتمكنت من السيطرة على بعض نظم الحكم في البلاد العربية، وسيطرت على الإعلام والثقافة لتضمن التحكم في التوجيه الفكري للشعوب. وظهر حزب البعث العربي الذي أسسه النصراني ميشيل عفلق القائل في كتابه: (سبيل البعث) : «إن الأمة العربية تفصح عن نفسها بأشكال متنوعة في تشريع حمورابي، وتارة في الشعر الجاهلي، وتارة بدين محمد (!!) وأخرى بعصر المأمون» . وانقسم حزب البعث إلى شقين: واحد في العراق، وآخر في سوريا، وبينهما عداوة وصراع وبغضاء لا تنتهي. وتبنى الرئيس المصري جمال عبد الناصر فكرة القومية العربية وعلا صوته بها في الستينيات، وكان من نتائج القومية العربية على مصر أن ذهب الجنود المصريون إلى اليمن لقتال اليمنيين، ثم هزيمة ١٩٦٧م النكراء، وانقسم القوميون ما بين الشيوعية والرأسمالية والفوضوية والإباحية، ومنهم من عاد للإسلام، ومنهم من ظل تائهاً يتخبط. ولكن في الآونة الأخيرة ونظراً لظهور المد الإسلامي مع بداية السبعينيات حاول بعض القوميين ارتداء عباءة الإسلام مع القومية العربية كما فعل بداية الشريف حسين، والبعض ظل على موقفه مع الاعتراف بالتواجد الإسلامي، والآخر وهم كثيرون ظلوا يناصبون التيار الإسلامي العداء علانية وخفية. ولكن المشكلة الحقيقية أن بعض الإسلاميين نظراً لظروف سياسية معقدة يتنازل عن وضوح فكره الإسلامي وعقيدته من أجل العمل السياسي المشترك الذي ظهر باسم العمل أو اللجان القومية، ولقد ظهر ذلك بوضوح في مواجهة الاحتلال اليهودي لفلسطين وانتفاضة الأقصى، والعدوان الأمريكي البريطاني على العراق. فلقد انبرى القوميون ليعلو صوتهم في الأمرين في شتى المحافل ليظهر على السطح العمل القومي الذي لا يتميز فيه الإسلاميون بفكرهم في تجمع يجمع اليساري الشيوعي العلماني القومي النصراني والناصري؛ والإسلامي مطلوب منه أن ينسجم في تلك البوتقة بدون تمييز ولو حتى بشعار ملفت للنظر لنجد من يخرج من الأزهر الشريف يهتف: يحيا الهلال مع الصليب في مظاهرات تندد بالعدوان على العراق. ولقد خفف القوميون خطابهم المعادي للإسلام تحت ضغط ارتفاع المد الإسلامي في شتى بقاع الأراضي العربية، ولكنهم استطاعوا أن ينفذوا ببعض المصطلحات على الساحة الإعلامية مثل: العدو الأجنبي، وأعداء العروبة، وشهداء الوطن، والمؤتمر القومي الإسلامي. * موقف الإسلام والعصبية للقومية العربية: لقد قاوم الإسلام العصبية القومية ورفضها واعتبرها نزعة جاهلية منتنة، وأقام بين المسلمين الأخوة الإيمانية الإسلامية. فالحق ﵎ يقول في كتابه الكريم: [إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] (الحجرات: ١٠) . فعقد الله بهذه الآية الأخوة بين كل المؤمنين دون استثناء منهم أخوة برابطة وحدة الإيمان بالله الواحد الأحد وبرسوله محمد ﷺ . فالمسلمون في الصين أخوة للمسلمين في المغرب العربي، وكذلك المسلمون في إفريقيا أخوة للمسلمين في أمريكا.. الكل ارتبط بعضه ببعض بوحدة الإسلام التي أوجبت عليهم حقوقاً لبعضهم على الآخر. فقد روى البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» [١] . فالمسلم في ماليزيا يألم لمصاب إخوته في فلسطين، والمسلم في إفريقيا يحزن لما أصاب إخوانه في العراق. وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ طاف يوم الفتح على راحلته يستلم الأركان بمجحفة: فلما خرج ولم يجد مناخاً تنزل على أيدي الرجال فخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: «الحمد لله الذي أذهب عنكم عصبية الجاهلية وتكبرها بآبائها. الناس رجلان: بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله؛ والناس بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب. قال الله: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ] (الحجرات: ١٣) ، ثم قال:» أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم « [٢] . * وفي خطبة الوداع: عن جابر بن عبد الله قال: خطبنا رسول الله ﷺ في وسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال:» يا أيها الناس! ألا إن ربكم واحد، ألا إن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى. إن أكرمكم عند الله أتقاكم؛ ألا هل بلغت؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فليبلغ الشاهد الغائب « [٣] فالإسلام بكل وضوح يرفض التعصب للانتماء إلى جنس أو لون؛ فلا تاريخ ولا جغرافية ولا لغة ولا جنس ولا لون. فبلال الحبشي مؤذن الرسول ﷺ ، وسلمان الفارسي قال عنه ﷺ :» سلمان منا آل البيت « [٤] . والبخاري والترمذي أئمة الحديث، وطارق بن زياد قائد لجيوش المسلمين. * العراق ما كان لينتصر إلا بالإسلام: لقد فرضت الحرب على العراق جدية الاهتمام بالبحث عن أسباب النصر، وبعدما قدمنا عن القومية العربية ونشأتها وأفكارها يتضح لنا كم هي مناقضة ومعادية للإسلام. ولقد بسط الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ الحديث عن ذلك في كتابه: (نقد القومية العربية) ولكننا إزاء ما حدث في العراق ينبغي أن نتوقف عند عدة نقاط هامة وحيوية: أولاً: العراق كنظام وحكومة تدين بالقومية العربية وبأفكار ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث. ثانياً: الشعب العراقي ينقسم إلى شيعة وسنة، وأكراد. أهل السنة في الأصل بعضهم ينتمي إلى أحزاب علمانية ويسارية موالية للكفار أعداء الإسلام من الأمريكان، وأهل السنة مثل جماعة أنصار الإسلام أو الجماعة الإسلامية وعوام الأكراد. أما الشيعة فهم يسيطرون على مناطق النجف، وكربلاء. ومعلوم فساد عقيدتهم وبدعتهم، غير أنهم موالون لنظام الحكم في إيران. وبالنظر لأهل السنة في العراق لا يخفى سيطرة الأفكار البعثية على البعض، والآخر يسيطر عليه شرك القبور وهو شر مستطير منتشر في العراق، ولا يخلو العراق من أقلية من النصارى، وأيضاً فيه قلة من الصابئة، ولكن الإسلام هو دين أغلبية الشعب العراقي. والنظام العراقي كم حارب التوجهات الإسلامية الداعية إلى الالتزام بشريعة الإسلام والأخلاق والفضائل، وكان نتيجة ابتعاد الدعاة المخلصين عن توعية الشعب أن انتشرت المنكرات والكبائر والمعاصي؛ غير أن كثيراً من الشعب اكتوى بنار الظلم والاستبداد، ورغم أن الحكومة العراقية عدلت من خطابها السياسي، وأضافت إليه بعض العبارات الإسلامية والاستدلال بآيات القرآن والإفراج عن كل المسجونين قبل سقوطها إلا أن العقيدة البعثية القومية ظلت هي المسيطرة. هذه نظرة سريعة لشكل العراق من الداخل كجبهة أمام جبهة الكفر الصليبي الحاقد التي استعدت لتلك الحرب بكل الإمكانيات المتاحة لها من أرقى أنواع الأسلحة المتنوعة في زيادة القوة التدميرية غير تعبئة الأفراد والتمويل المالي؛ يضاف إلى ذلك السيطرة العسكرية على المناطق المحيطة بالعراق فضلاً عن وضوح الهدف الذي أعلنته الإدارة الأمريكية عقب أحداث ١١ سبتمبر أنها حرب صليبية بدأت بأفغانستان المسلمة وهو عنوان لم يضعه المسلمون لتلك الحرب، بل تتحمل تبعته الإدارة الأمريكية؛ وذلك بأسلوبها المعادي لكل نشاط إسلامي على مستوى العالم، وملاحقتها بكافة السبل الجماعات الإسلامية المجاهدة في كشمير، والشيشان، وفلسطين المقطوعة الصلة تماماً بأحداث ١١ سبتمبر، وكان اختيار العراق هدفاً للحرب ليس من أجل إسقاط نظام استبدادي، ولا من أجل أسلحة الدمار الشامل أو البترول فقط، ولكن العراق كان هدفاً لما يمثله من تاريخ إسلامي وعاصمة للخلافة في أزهى عصور الخلافة الإسلامية، والعراق كان هدفاً؛ لأنها في تقدير الإدارة الأمريكية هدف ضعيف يسهل التغلب عليه بأقل الخسائر لما يلي: ١ - الخلافات والانقسامات الموجودة داخل العراق: سنة، وشيعة، أكراد. ٢ - الاعتماد على ظلم النظام للشعب مما جعلهم يتوقعون أن يتعاون مع القوات الغازية تحت زعم التخلص من الاستبداد. ٣ - كثرة الحروب التي خاضها النظام العراقي أضعفت قدراته العسكرية. ٤ - طول مدة الحصار الاقتصادي الذي أنهك العراق في كل النواحي، وأثر تأثيراً بالغاً على قدراته العسكرية. كل ذلك يجعل العراق هدفاً سهلاً يسهل على أمريكا أن تجعل منه نموذجاً في التغريب الأمريكي وإقامة نظام حكم موالٍ للأمريكان يعمل على مسح هوية الشعب تماماً، وتغريب أفكاره ومبادئه، وتنحية الفهم الإسلامي الصحيح عن الحياة تماماً، ثم يتجهون بعد ذلك إلى بلد عربي آخر.

стр. 4588

المسلمون والعالم السقوط الكبير لم يسقط النظام العراقي وحده.. بل سقط معه آخرون أحمد بن عبد العزيز العامر الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، وبعد: فلقد تابع الكثيرون حرب الخليج الثالثة، وعلى الأصح: (الحرب العدوانية الأمريكية الإنجليزية) ومن تابعهم على العراق؛ تلك الحرب التي لم يعضدها قانون دولي أو أخلاق إنسانية حينما شن المعتدون حربهم الظالمة تلك، وأوقعوا في هذا البلد الشقيق كل أنواع الدمار والخراب والنهاية المأساوية والطبيعية للنظام البعثي العراقي بعد حكم تجاوز العقود الثلاثة اتسم بالحكم الشمولي، وسام شعبه سوء العذاب. وجعل أكثرهم بالرغم من غنى هذه الدولة وكثرة مواردها فقيراً أو تحت خط الفقر؛ وذلك لعنايته بالدعاية للحاكم المطلق، وعنايته أيضاً بعسكرة النظام الذي بلغ حجم الجيش مبلغاً عُدَّ في فترة من الفترات خامس جيش في العالم، واستطاع أن يصنّع الأسلحة الكيمياوية والجرثومية أو ما يسمى بأسلحة الدمار الشامل، واستطاع أن ينجح في إنشاء مفاعل نووي، وكاد أن يفجر القنبلة الذرية إلا أن غرور هذا النظام وتهوره جعله يسقط في حروب عقيمة وخاسرة ليس مع العدو، بل مع بعض فئات شعبه من ناحية، ومع جيرانه من ناحية أخرى باء فيها بالإخفاق والخسران المبين، وخسر في تلك الحروب مع إيران، وأُخرج صاغراً من الكويت، وأضاع في هذه الحرب غير المتكافئة الكثير الكثير من مقدرات شعبه مما هو معروف للجميع، وانعكس ذلك سلبياً على الدولة والشعب العراقي زيادة على الحصار الذي فرض عليه لأكثر من ١٢ سنة. وادعت (أمريكا) أن النظام العراقي لم يلغِ أسلحته ذات الدمار الشامل كلها، وأنه استطاع بمعاونة بعض الدول الصديقة أن يعيد الكثير من مقوماته العسكرية؛ وهذا بالطبع غير صحيح؛ وذلك خوفاً على ربيبتها (دولة العدو الصهيوني) مما جعل التيار اليميني المتطرف الذي يتحكم ويدير الإدارة الأمريكية يصنفون دولة العراق مع (كوريا وإيران) باعتبارهم (محور الشر) المزعوم الذي يجب أن يُحطَّم بدعوى أنهم يشكلون خطراً على العالم بعامة وأمريكا والعدو الصهيوني بخاصة، وبما أن العراق هو أسهل تلك الحلقات الثلاث ولكونها تشكل البداية السهلة للاتجاه الراديكالي للتغيير الذي تطالب به أمريكا بعد (واقعة ١١ سبتمبر ٢٠٠١م) . ولذلك صممت أمريكا على ضرورة نزع أسلحة الدمار الشامل المزعومة لدى العراق بالقوة، وحاولت أن يكون ذلك بأسلوب دولي يتفق ونظام هيئة الأمم، فاستصدرت قرارها (١٤٤١) بدخول فرق التفتيش الأممية للبحث عن ما تدعيه أمريكا، ووافقت العراق على دخول الفرق، وأن تبحث في كل مكان يرون أنه مظنة وجود ذلك السلاح المزعوم، ووافق النظام العراقي على ذلك، وذرعوا أرض العراق في كل الاتجاهات، وأصدرت اللجنتان قرارهما بعدم وجود شيء مما زُعم في حق العراق، وحاولت أمريكا استصدار قرار أممي آخر يسوغ إعلان الحرب على العراق باعتبارها تهدد السلم العالمي؛ وهذا يخالف نظام الهيئة الدولية في الفصل السابع، ولما أخفقت في ذلك أصر الرئيس الأمريكي (بوش الابن) على إعلان أمريكا الحرب حتى بمفردها، وكان حليفها الاستراتيجي (بريطانيا) معها في إعلان الحرب، ووافقها عدد من الدول الحليفة بالدعم العسكري واللوجستي حتى بعض الدول العربية مع الأسف كما سنرى فيما بعد أيدتها ودعمتها، وقامت الحرب العدوانية في ١٧/٣/٢٠٠٣م التي أعلن النظام العراقي الخائب أنه على أتم الاستعداد لمواجهتها وهزيمتها، وأن الجيوش الحليفة ستغرق في مستنقع العراق، وسينتحر المهاجمون على أسوار بغداد. وحاول الكثيرون منع الحرب بوساطات مختلفة منها تنحي الرئيس العراقي حتى لا يورط شعبه والمنطقة في حرب معلوم سلفاً نتيجتها لأسباب معروفة منها: ١ - القوة العسكرية وما يملكه المعتدون من أسلحة متطورة. ٢ - ضعف الجيش العراقي بعد حروب متوالية منذ عام ١٩٨٠م حيث لم تُحَدَّث قواته منذ عشرين عاماً. ٣ - فقدان الجيش العراقي لسلاح الطيران وهو من أهم الأسلحة الفاصلة في الحروب. فضلاً عن أسباب أخرى سنعرفها فيما يعد. ومع توعد النظام العراقي للمهاجمين بإعادة ملحمة (ستالينجراد) في مواجهة الجيش النازي في الحرب العالمية الثانية وتدمير الأعداء عن بكرة أبيهم، ومع أن الجيش العراقي أبلى بلاءً حسناً وبخاصة (الدفاع الجوي) في إسقاط العديد من الطائرات المختلفة والقتل والأسر للعديد من المعتدين إلا أن الحرب التقنية وتجريب الكثير من الأسلحة الجديدة أسهم في تدمير دفاعاته خلال عشرين يوماً تقريباً وهو ما ظنه المعتدون ساعات أو أياماً قليلة؛ غير أن الجيش العراقي سقط وتداعى بشكل (دراماتيكي) حار حياله الكثير من المحللين العسكريين والاستراتيجيين في بيان أسبابه ومسوغات سقوطه الغريب وغير المتوقع؛ حيث أرجعوا ذلك لما يلي: ١ - أنه لا بد أن يكون هذا السقوط نتيجة خيانات، وهذا ما قاله رئيس الأركان المصري السابق الفريق سعد الدين الشاذلي؛ إذ يستحيل أن تصمد (أم قصر) لأسبوعين بينما لم تصمد العاصمة (ذات القصور) إلا أيام. ٢ - أو أن الحرب التقنية الرهيبة وسقوط الدفاعات المقاومة أنهكت الجيش وقضت عليه. ٣ - الحرب الإعلامية وإسقاط وسائل الاتصال بين القادة والمحاربين مما كان له دور كبير في زعزعة المقاومة. ٤ - وجود طابور خامس داخل بغداد وغيرها من المدن أسهم في إحكام الضرب على مراكز القوى. ٥ - أو أن هناك تفاهماً بين القيادة العراقية وأمريكا للخروج كما قيل عن طريق السفارة الروسية، وهذا ما أنكرته روسيا، وهناك اتجاه قوي يؤيد ذلك إن لم تكن القيادة قد قضي عليها فعلاً. وهذه الأسباب مع وجاهتها وإمكانية وقوعها إلا أن المحللين نسوا أو تناسوا أمراً مهماً كان السبب الأول والأخير في السقوط وهو بنية النظام البعثي السياسية والأيديولوجية المتمثلة في النهج الشمولي فكراً ومنهجاً وهو ما يتناقض مع ما يدين به جل الشعب العراقي من دين وعقيدة إسلامية. فضلاً عن أن هذا الاتجاه العلماني طبق على الشعب العراقي بالحديد والنار والدعايات، بل سخر كلاً من الإعلام والتعليم للترويج لهذا النهج والمطالبة بالانضواء تحت لوائه. وكذلك الشعب العراقي بأديانه ومذاهبه وأحزابه اضطر تحت القوة إلى الكمون تحت الرماد حتى يجد متنفساً، فوجد الفرصة السانحة له للانقلاب؛ وبالفعل سجل أكثر من ٢٠ محاولة انقلاب لم تنجح ضد حكم صدام حسين. كما أن حرب العصابات وحرب الشوارع التي وعد بها النظام البعثي المعتدين ما كان لها أن تنجح يوم يكون الشعب غير راض عن النظام؛ فما أن وجد الفرصة وتداعت هيمنته حتى انتفض الشعب وتبرأ من النظام، وصور الإعلام الكاذب أن الشعب العراقي يرحب بالمعتدين بينما قامت المظاهرات الصاخبة في بغداد والموصل وغيرها وعداء الشعب الملغوب على أمره للنظام وكذلك عداء كل مسلم يعود لأسباب كثيرة منها: ١ - أنه ما كان يؤيد النظام إلا لتسلطه عليه بالحديد والنار. ٢ - معاناة الشعب العراقي من الحروب المتوالية التي دمرت مقدرات هذا البلد وعرضتهم للحصار الظالم ١٢ سنة. ٣ - القتل والسحل للآلاف من أفراد الشعب في المحاكمات الظالمة والحروب الخاسرة. ٤ - الرغبة في الخلاص من هذا النظام القمعي، والبحث عن نظام بديل أحسن منه، وإلا فإن الشعب العراقي من أشد الشعوب العربية بغضاً للاستعمار لمعاناته منه يوم تعرض للهيمنة الإنجليزية في العشرينيات من القرن الماضي. ولذلك نعتقد أن هذا الشعب المسلم لن يستكين للمستعمرين إن بقوا كما يتوهمون، وسيطردهم بإذن الله شر طردة. هكذا سقط النظام العراقي للأسباب آنفة الذكر؛ لكن هل سقط وحده أم أن السقوط أيضاً كان لآخرين؟ نعم السقوط كان لآخرين وهم ما يلي: * أولاً: سقوط النظام الدولي لهيئة الأمم المتحدة: هيئة الأمم المتحدة نشأت عام ١٩٤٥م لحل مشكلات العالم وقد نجحت في حل كثير من المعضلات الدولية إلا أنها عجزت عن حل حاسم لقضايا أمتنا الإسلامية وعلى رأسها (القضية الفلسطينية) وذلك راجع لما يلي: ١ - تحكم الدول الكبرى في قرارات الهيئة بواسطة ما يسمى بـ (حق الفيتو) . ٢ - اقتصار (مجلس الأمن) على عضوية الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية + الصين. ٣ - تحكم الدول الكبرى في ميزانية الهيئة ومراعاتها في كل ما يصدر من قرارات؛ بحيث لا تصطدم قراراتها مع مصالحها. ولذلك حينما رفضت هيئة الأمم المتحدة إعلان الحرب على العراق لمعارضة بعض الدول في مجلس الأمن ورفض الجمعية العمومية ذلك أيضاً أصرت أمريكا على إعلان الحرب لوحدها، وتحالفت معها (بريطانيا) وغيرها من الدول، مع مخالفة ذلك للنظام الدولي، المادة (٧) من نظام هيئة الأمم. ومما يؤسف له أنه لا يوجد في النظام الأممي ما يمنع مثل هذا التصرف بوقوف الجميع في وجهه وعدم التعامل مع المعتدي وإيصاد الأبواب والأجواء في وجهه؛ فلو وجد شيء من ذلك فهل ستجرؤ أمريكا على إمرار رأيها (إعلان الحرب) سواء وافقت الهيئة أو لم توافق؟ ٤ - الهيئة الأممية تكيل بميكالين حيال رفض قراراتها؛ فإن كان من (العدو الإسرائيلي) فلا مانع لديهم، وإن كان من غيرها فيمكن أن تعلن الحرب عليها، فلماذا تحابَى دول دون أخرى؟ فهذه بعض علامات سقوط الهيئة الأممية. * ثانياً: سقوط الدول والحكومات العربية والإسلامية: فهناك كثير من الدول العربية لها دور مؤسف في سقوط العراق سواء بفتح أراضيها وقواعدها للمعتدين، أو بموافقتها المعلنة على إعلان الحرب الظالمة التي تسببت في تدمير ذاك البلد المسلم. وبالرغم من معاداة حكومة العراق لبعض الدول العربية وبخاصة دول الخليج إلا أنه وبحكم ما يربط الجميع من الدين والتاريخ والمصالح المشتركة كان ينبغي السمو على أي مشكلة، وتعاون الجميع في رأب الصدع وجمع الشمل وإعادة المياه إلى مجاريها؛ وبخاصة أن الجامعة العربية التي يشترك الجميع في عضويتها قد وضعت اتفاقية (الدفاع العربي المشترك) الموقع عليها من الجميع؛ فأين الالتزام بهذه الاتفاقية؟ ولماذا لم توحد الدول العربية رأيها وتفاتح به أمريكا بأنها لا توافق على أي عدوان على أي واحدة منها وأنهم ضد ذلك تماماً؟ فلو أجمعوا على رأي واحد فهل ستجرؤ أمريكا أو غيرها على مخالفة ذلك؟ وأعتقد أن ما جرأ أمريكا على فعلتها هو الخلاف العربي المستشري في كل مشكلة وأمام أي معضلة، ولماذا لم يقف الجميع حينما هجم العراق على الكويت ظلماً وعدواناً؟ بل وجدنا من يناصرها على ذلك العدوان. إن سقوط الجامعة ناتج من ضعف أنظمتها وآلية عملها، ومن هنا سقطت أمام هذه الأزمة، وسيستمر سقوطها حتى يتم علاجها بما يكفل تحقيق الأهداف المرجوة منها لمصالح الأمة جمعاء. ومما يؤسف له أن تركيا البلد الإسلامي وفي فترة حكم (التيار الإسلامي) فتحت أجواءها وأراضيها لمعاونة أمريكا في غزوها لشمال العراق بدعوى مراعاة مصالحها المادية المحدودة بالرغم من الرفض للأغلبية البرلمانية لهذا التوجه الانهزامي؛ أليس هذا سقوط؟ فإنا لله وإنا إليه راجعون. * ثالثاً: سقوط الإعلام الغربي: بالرغم من أن الديمقراطية الغربية قد أعطت الإعلام حقه في النشر بالأسلوب الموضوعي والمحايد بين المتحاربين إلا أنه وبعد حرب فيتنام وحرب الخليج الثانية حصل نوع من التحفظ لدى الأمريكيين بأهمية أن يكون الإعلام الحربي تابعاً جنرالات الحروب وكذلك حينما قامت أمريكا بهجمات بربرية، وعدم احترام لحقوق الإنسان ضربت أمريكا قناة الجزيرة في حرب أفغانستان ٢٠٠١م، وحينما قامت بعض القنوات بنشر وبث الحرب الهمجية ضد الإنسان وحقوقه ضربت كلاً من قناتي (الجزيرة) و (أبو ظبي) وتم قتل العديد من المراسلين منهم ٣ صحفيين من بينهم مراسل الجزيرة (طارق أيوب) ؛ إضافة إلى مراسل لوكالة (رويتر) والمراسل الثالث (مراسل التلفزيون الأسباني) ومع اعتذار المتحدث العسكري الأمريكي عما حصل إلا أنه قال جواباً على سؤال: هل تضمن أمريكا حياة المراسلين وعدم تكرار ما حدث؟ قال المتحدث بكل صفاقة إنهم لا يضمنون حياة إلا من كان تحت مظلتهم! ولذلك يقول (نعوم تشومسكي) في كتابه: (السيطرة على وسائل الإعلام) : «إن مالكي الشركات الكبرى والصغرى الحاكمة يستخدمون الدعاية والإعلام لتوجيه الرأي العام وتحقيق أغراضهم التي تتعارض مع المصلحة العامة للشعب، وتخدم قلة ضئيلة» . العجيب أن أمريكا أخذت على العراق بثه لصور بعض الأسرى الأمريكيين بدعوى أن ذلك مخالفة لاتفاقية جنيف التي تمنع مثل هذا التصرف مع الأسرى؛ بينما هي قبل ذلك وبعده تنقل صوراً للأسرى العراقيين في أوضاع غير إنسانية، بل أسرت الآلاف من المدنيين بزعم أنهم عسكريون في ثياب مدنية. والمشكلة التي دفعت لهذه الأعمال غير الأخلاقية هو الخوف من نتائج البث على الرأي العام الغربي، وكأن حقوق الإنسان ليست إلا للأمريكيين فقط. والعجيب أن محطة (NBC) الأمريكية التي تدعي الموضوعية والحرية وحماية حقوق العاملين فيها فصلت مراسلها (بيترارنت) في العراق بعد إجرائه حواراً مع الرئيس صدام؛ فأين الديمقراطية المزعومة؟ وأين الحرية التي يجعجعون بها؟ وما ذاك إلا لخوفهم من الحقيقة؛ ومن هنا كان السقوط للإعلام الغربي في هذه الحرب. * رابعاً: سقوط الاتجاهات العلمانية: العلمانية نهج يفصل الدين عن الحياة، وليس الدين عن الدولة فقط كما يتوهم بعضهم، وهي وإن كانت علاجاً للمجتمع الغربي إبَّان تسلُّط الكنيسة إلا أنها بالنسبة للدول الإسلامية أصبحت داءً وعامل فرقة وشقاق بين فئات المجتمعات المسلمة، وكانت العلمانية نهج الكثير من الدول الإسلامية التي أرادت تنحية الإسلام وشريعته الغراء عن الحكم؛ فلا هي التي أخذت بالإسلام، ولا هي التي طبقت العلمانية الغربية بأصولها المعروفة مما يخفف بعض غلوائها وعدائها للإسلام ودعاته، فكانت القومية أول اتجاه أشاعه النصارى في ديار العرب وتبناه تلاميذهم من المسلمين بدعوى وحدة الأمة العربية وطرد الاستعمار، فلم تتحد الأمة وبقي الاستعمار حاكماً في قوانينه وأيديولوجياته. وكان (البعث) إحدى الدعوات القومية التي نشأت باعتبارها حزباً حاكماً بإجماع بعض الأحزاب القومية والاشتراكية، فنشأ من اتحادها (حزب البعث العربي الاشتراكي عام ١٩٥٣م وكان أبرز مؤسسيه النصراني الشهير (ميشيل عفلق) ومثله من القوميين العرب في سوريا (صلاح الدين البيطار) و (أكرم الحوراني) ، و (زكي الأرسوزي) وغيرهم ممن جلبوا على الأمة العربية الهزائم والشقاق فيما بينها. وقامت أيديولوجية البعث على شعار: (وحدة حرية اشتراكية) وصرختهم المشهورة: (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة) مع الدعوة إلى تحرير الدول العربية المستعمَرة، وأن الاشتراكية ضرورة منبثقة بزعمهم من صميم القومية العربية، وأن نظام الحكم برلماني دستوري مع كون البناء التنظيمي للحزب على نسق التنظيم الشيوعي من حيث البنية المركزية والهيمنة. وانتشر الحزب في العراق ولبنان والأردن وجزيرة العرب نتيجة تأثر الطلبة الدارسين آنذاك بتلك الأفكار. فأصبح للبعث بناء قطري وقومي؛ لكنه انشق عام ١٩٧٠م، باختلاف النظامين العراقي والسوري بقيام الحرب العراقية الإيرانية، وما زال هذا الحزب العلماني لم يزد الأمة إلا وهناً، ولم يؤدِّ إلا إلى الانهزامية والدمار للأمة بتأييده في العراق لمغامرات الحاكم المطلق صدام حسين الذي تولى قيادة الحرب والدولة، فقاد الأمة إلى مغامرات طائشة لا مسوِّغ لها قادها وحزبه إلى النهاية المأساوية الأخيرة؛ وهكذا فإن هذه الاتجاهات العلمانية التي حاربت الإسلام ودعاته، ووقفت منهم موقفاً عدائياً لم تستفد الأمة منها إلا الهزائم المتوالية؛ ولذلك سقطت؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه. * خامساً: سقوط المذهبية والقومية: عرفنا كيف أن دعوى القومية التي طالما تحدَّث عنها الإعلام العربي ودعا لها لم يعد لها أي قيمة حينما يخالفون مقتضاها بالتواطؤ ضد بعضهم. وعرفنا كيف سقطت القومية (الكردية) بتواطئهم ضد إخوانهم العرب العراقيين. نعم! كان للأكراد مع النظام العراقي مآسٍ واضطهادات، لكن المسلم جدير بأن يتسامى على جراحه، وأن يعلو على ما يعانيه من مآسٍ ونكبات؛ لأن من يتعاون مع العدو ضد إخوانه المسلمين، ويكون درعاً يحارب دونهم فتلك والله المصيبة؛ وذلك والله هو السقوط. ومن العقوبات للأكراد بالرغم مما قدموه للأمريكان مطالبة الأتراك بطردهم من المناطق التي دخلوها في شمال العراق بعد أن أسهموا في سقوطها، وخرجوا منها صاغرين بعد أن ساهم بعضهم مثل غيرهم في تصرفات رعناء لا تمت للخلق الإسلامي بصلة من السرقات التي شاهدها العالم في بث مباشر من كركوك والموصل؛ فهذه هي الأخلاق القومية ومن هنا جاء السقوط. أما المذهبية فتمثلت في الزعيم الشيعي (عبد المجيد الخوئي) الذي جاء على ظهر دبابة إنجليزية ليحرض قومه الشيعة على عدم مقاومة المستعمرين ونقل عن (آية الله السيستاني) فتوى بذلك كما جاء في حوار معه عبر (BBC) بعد وصوله البصرة. ولما خشي القوم أن يتذكر الناس أسلوب ابن العلقمي في إدخال المغول استنكروا الفتوى من خارج العراق وأنها منحولة على (السيستاني) ثم نقل عنه فتوى مع آخرين بخلاف ما قيل. ولا ندري هل: (الخوئي) كاذب أم صادق؟ لكن هل يجرؤ الخوئي على الكذب على السيستاني؟ هذا هو السؤال، ثم إن الخوئي تمت تصفيته في النجف على أيدي مجهولين، ولعل ذلك راحة له عن هذا الجواب المحرج له والواضح للكثيرين. نعم! سقط النظام العراقي القمعي، لكن هل تعتبر الأمة شعوباً وحكاماً من هذا السقوط المخزي؟ هذا ما نرجوه فيتم تلافي المآخذ والأخطاء التي يرتكبونها في حق الله، وفي حق شعوبهم، وهل يعيدون النظر في وحدتهم وتعاونهم وعودتهم إخواناً متوادين متحابين متناصرين، هذا ما نرجوه؟ * وأخيراً: الأخلاق تسقط: بعد سقوط النظام العراقي هرب العسكر ورجال الأمن، وأصبح الأمن منفلتاً، فظهرت عصابات قامت بالنهب والسلب من كافة القوميات التي سرقت الدور الحكومية والمؤسسات الأهلية. ومما يؤسف له أن النهب وصل إلى بيوت المواطنين، والأشد أسفاً أننا قرأنا أن من هؤلاء الحرامية من ألقى بالمرضى على الأرض، وسرق الأسرَّة في المستشفيات؛ وهذا بلا شك سقوط أخلاقي لا يرضاه مسلم لمنافاته لأبسط القواعد الشرعية. والغريب أن القوات الأمريكية لم تحرك ساكناً يمنع مظاهر السرقة والعدوان على المراكز الحكومية والأهلية، وكان اللصوص يمرون بالمسروقات أمام الجنود الأمريكيين وهم يتفرجون، بل ظهر تلفزيونياً أن الجيش الأمريكي يحرض الشعب على السرقة، وقال أحد أساتذة جامعة بغداد في لقاء مع إذاعة (C. B. M) إن هؤلاء اللصوص هم من دربتهم أمريكا في المجر ليؤكدوا أهمية وجود أمريكا وبقائها بالعراق، وهم من حرض الرعاع على ما شاهدناه من سرقات، وكأن لسان حالهم يقول: هذا هو الشعب العراقي المتخلف، وها نحن جئنا للأخذ بيده وتعليمه الحرية والديمقراطية والنظام؛ مع العلم أن النظام الدولي قد فرض على الدول المحتلة حفظ الأمن العام، وإيقاف الفوضى؛ ولكن ذلك لم يحصل لأنه مقصود. وقفة أخيرة: أبلغ كلمة قيلت بعد سقوط النظام البعثي قالها مندوبه في هيئة الأمم المتحدة، الدكتور محمد الدوري، حينما قال للصحفيين: (لقد انتهت اللعبة) !! نسأل الله أن يلطف بالشعب العراقي، وأن يأخذ بيده، وأن يعوضه عما فقده في عصور الظلام خيراً.

стр. 4589

المسلمون والعالم أثر حرب العراق في النظام الدولي حسن الرشيدي (إن الدول الديمقراطية الحرة التي تقود الحرب ضد العراق هي أمل العالم في تأسيس نظام عالمي جديد فاعل) . هذه افتتاحية مقال كتبه أبرز عرَّابي الإدارة الأميركية الحالية، وهو ريتشارد بيرل رئيس مجلس سياسات الدفاع في وزارة العدل الأميركية قبل استقالته، والذي أكده في صحيفة ناشيونال بوست الكندية قبل استقالته. وانتقد بيرل في مقاله من يعتقدون بأن النظام العالمي يمكن إنشاؤه فقط من خلال منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي؛ مشيراً إلى أن تصرفات دول مثل فرنسا والصين وروسيا من خلال الأمم المتحدة هي «أقرب إلى الفوضى وليس للنظام» ؛ على حد تعبير المسؤول الأميركي المعروف بوصفه أبرز منظري التيار الجديد المتنامي في الإدارة الأميركية. ولمحاولة توقع أثر الحرب التي وضعت أوزارها في العراق في النظام الدولي الراهن؛ لا بد من فهم كينونة النظام الدولي، وتتبع مساره في العالم منذ أن بدأ الحديث عن ذلك النظام؛ لدراسة العوامل والمتغيرات والسنن والقوانين التي حكمت هذا النظام منذ بروزه على الساحة الدولية حتى يومنا هذا؛ من أجل فهم عميق، ومحاولة توقع المتغيرات التي يمكن أن تطرأ عليه في أعقاب الحرب على العراق، ثم نعرج إلى هذه الحرب وتداعيتها على النظام الدولي. * تعريف النظام الدولي: إذا كان علماء السياسة اتفقوا على أن الدولة مجتمع منظم، وأن أهم مظاهر هذا التنظيم هو وجود سلطة الدولة التي تملك من الأدوات ما يمكنها من فرض إرادتها على جميع أفراد الدولة في تلك الرقعة الجغرافية التي تشكل حدود الدولة، ولكنهم اختلفوا في مجتمع الدول والعلاقات بينها. فبعضهم يقول إن هذه العلاقات لا يحكمها نظام؛ لأن مجتمع الدول بطبيعته يخلو من ترتيب هرمي للسلطة، ويقوم على مصفوفة أفقية مشكَّلة من وحدات مستقلة وذات سيادة لا تخضع لأي سلطة أعلى منها، فكل دولة تخول لنفسها الحق في أن تتصرف كما يحلو لها دون أن تخضع في تصرفاتها هذه إلى أي قواعد ملزمة، وحتى في حالة وجود تلك القواعد الملزمة فلا توجد سلطة عليا فوق سلطة الدول تضمن تطبيق هذه القواعد في حال الخروج عليها. وبعبارة أخرى فإن قانون الغاب هو الذي تخضع له الدول وفق هذه النظرية. بينما يرى آخرون أن هناك نظاماً يحكم بين الدول، وهو نظام يضم مجموعة من الوحدات المتفاعلة التي تسمى أمماً أو دولاً، يضاف إليها أحياناً بعض المنظمات فوق القومية مثل الأمم المتحدة. ويقول هؤلاء إن النظام الدولي يشتمل على خمسة أبعاد أساسية هي: - وحدات النظام: وهي الدولة بمفهومها الحديث. - التفاعل بين هذه الوحدات: مثل الاتصالات، والتجارة والدبلوماسية. - البيئة الدولية: وهو ذلك الوسط الذي توضع على أساسه السياسة الخارجية لوحدات النظام الدولي. - حدود النظام: ويتميز كل نظام دولي بوجود حدود جغرافية وثقافية واقتصادية؛ تحدد طبيعة النظام وتميزه عن النظم الأخرى. - هيكل النظام: ويقصد به عناصر القوة داخل وحدات النظام وترتيبها بالنسبة إلى بعضها. بتتبع أحوال النظام الدولي وتاريخه في القرون الثلاثة الأخيرة نجد أن الهيمنة الغربية على العالم تكرست عبر تقاسم القوى الأوروبية الكبرى في ذلك الوقت أغلب مناطق العالم الجغرافية؛ لذلك يرتبط النظام الدولي في هذه القرون بالعالم الغربي وحجم القوى داخله. وباستعراض تاريخ العلاقات الدولية نجد أن النظام الدولي مر بمحطات رئيسة أثرت في شكل هذا النظام: - معاهدة فيينا لسنة ١٨١٥م. - الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٤م. - الحرب العالمية الثانية ١٩٤٥م. - سقوط الاتحاد السوفييتي. - أحداث ١١ سبتمبر. * معاهدة فيينا عام ١٨١٥م: كانت هزيمة نابليون مناسبة مهمة لإعادة صياغة الواقع الأوروبي من جديد على قواعد وأسس تراعي المتغيرات الحاصلة على الأرض، ولذلك تداعت الدول المنتصرة إلى عقد مؤتمر فيينا الذي أسس لمرحلة جديدة من النظام الدولي. أما أبرز ما أتت به معاهدة فيينا لسنة ١٨١٥م فهو إعادة التوازن في أوروبا عبر إعادة العروش إلى أصحابها، وتقسيم الأراضي الأوروبية مجدداً. كما تمت إعادة الملكية إلى بروسيا والنمسا، وتوحيد السويد والنرويج في اتحاد فعلي، وضُمت بلجيكا إلى هولندا في مملكة قوية بمواجهة فرنسا، وبمقتضاها أزيلت بولندا عن الخريطة الجغرافية السياسية لأوروبا، وتوزيعها بين روسيا وبروسيا والنمسا، ووضعت سويسرا في حياد دائم. كانت الدولة القومية هي العامل الوحيد في السياسة الدولية، ولم تعرف هذه المرحلة المنظمات الدولية ولا المؤسسات غير القومية مثل الشركات العالمية، وكانت قوة الدولة مرادفة لقوتها العسكرية. وكان الموقف الدولي منذ الحروب النابليونية وحتى الحرب العالمية الثانية بيد بريطانيا تمارس فيه دور الحَكَم، وكان النظام الدولي نظامها تمارس فيه دور الدولة العالمية؛ بينما كانت الدول الأوروبية تؤدي أدواراً أوروبية أكثر منها عالمية، حيث كانت بريطانيا تترك للدول الأوروبية أمر إيجاد التوازن في أوروبا؛ بينما تتفرغ هي بكليتها لبناء إمبراطوريتها الشاسعة المترامية الأطراف، وكانت لا تتدخل إلا عند تعرض الميزان إلى اختلال بيِّن، حين تكون الحرب وشيكة الوقوع أو نشبت فعلاً، وكانت تتدخل عندئذ إلى جانب الطرف الأضعف لإعادة التوازن، أو تتدخل إذا تعرضت الأراضي المنخفضة للاجتياح أو خطر الاجتياح من قِبَل دولة أوروبية طامعة في السيطرة على أوروبا، ولم تكن تقيم الأحلاف مع أحد في أوروبا إلا عند التدخل. ولما كانت قوة بريطانيا في أسطولها فقد كانت تفتش عن حليف أوروبي يقدم القوات البرية. كانت بريطانيا تعتمد تقليدياً على النمسا في حفظ التوازن في أوروبا لتخليها عن حلم السيطرة على أوروبا، ولأنها كانت تعمل على الحفاظ على الوضع الراهن لتحافظ على تماسك إمبراطوريتها المتنافرة. ولما أصاب النمسا الضعف رحبت بريطانيا بألمانيا في بادئ الأمر بوصفها قوة من الدرجة الأولى لتكون دعامة رئيسية لتوازن القوى. أثبتت هذه المعاهدة أن أي نظام عالمي هو نتاج المنتصر في الحرب؛ كما تثبت أن أياً من الأنظمة العالمية التي مرت عبر التاريخ لم تدم، بل كانت عرضة لتغيير مستمر؛ وبطبيعة الأمر فإن ما يسود اليوم هو متغير غداً. إن هذه المعاهدة وما أعقبها من معاهدات لم تتح للنظام الذي أنشأته أن يدوم طويلاً؛ فسرعان ما انقلب موقعو المعاهدات على تواقيعهم، وجرت أوسع عمليات التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وسادت المصالح الخاصة مكان التعاون، والأطماع الإقليمية وحروبها مكان حل النزاعات بالطرق السلمية. باختصار: لم تنتج الدول الأوروبية نظاماً عالمياً إلا وبدأت هي نفسها في الاتجاه الذي سيلغيه مجدداً؛ وهذا ما كان. * الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٤م: كان السبب الرئيس في اندلاع هذه الحرب هو أن النظام الدولي السابق لم يعد صالحاً؛ فألمانيا والنمسا اللتان اختارتهما بريطانيا ذراعاً لها لتنفيذ طموحاتها البرية في أوروبا قد بدأتا في التمرد؛ وخاصة أن ألمانيا شرعت في تكوين إمبراطورية استعمارية دفعتها إلى بناء أسطول بحري عسكري لإجبار بريطانيا على إعادة التقسيم. فتكتلت الدول، وتكونت الأحلاف كحلف الوفاق الثلاثي الذي يضم: (فرنسا، بريطانيا، روسيا) الموجه ضد دول الحلف الثلاثي المتكون من (ألمانيا، النمسا، وإيطاليا) . كان السبب المباشر - وهو بالمناسبة كأي ذريعة تأخذها القوى الكبرى لبدء الصراع سواء كان سياسياً أو عسكرياً في تاريخ النظام الدولي - اغتيال ولي عهد النمسا في صربيا بمدينة سراييفو؛ مما دفع النمسا لتقديم مطالب لصربيا وهي: حل الجمعيات السرية، والمشاركة في محاكمة المتهمين. أمام رفض صربيا لهذه المطالب أعلنت النمسا الحرب عليها بمساندة (ألمانيا، والمجر، وتركيا) ، وعرف هذا التكتل بـ (المحور) ؛ ضد (الحلفاء) وهم (فرنسا، بريطانيا، روسيا، بلجيكا) . وكعادة النظام الدولي الذي يقوم على شريعة المنتصرين؛ فقد تمت في أعقابه تغيرات جغرافية قسرية يمكن اعتبارها مسؤولة عن غالبية الصراعات الراهنة من تقسيم دول البلقان الذي خلق تداخلاً قابلاً للانفجار بين دولها، ثم خصوصاً الدولة العربية وتفتيتها بين اتفاقية سايكس - بيكو ووعد بلفور؛ وبذلك تم إيجاد جغرافية سيئة للعالم عن طريق صنعهم لكيانات قابلة للانفجار على شكل حروب صغيرة ذات ضحايا بشرية بأعداد هائلة. إن أبرز ما أنجزته الدول المنتصرة محاولة إيجاد نظام دولي على أسس شرعية وفقاً لمصالحها، فكان تأسيس عصبة الأمم وانضمام العديد من الدول الفاعلة إليها رغم بقاء الولايات المتحدة خارجها وإعطائها صفة الإشراف على النظام العالمي؛ إضافة إلى إنشائها ضوابط تحكم العلاقات الدولية. وعلى الرغم من الآمال الكبيرة التي علقت عليها فإن عصبة الأمم التي أوكل إليها مهمة الإشراف على النظام العالمي كانت تحمل في طياتها أسباب إخفاقها وانهيارها لاحقاً؛ فعلى الرغم من المهمة العسيرة التي أنيطت بها لم تُعْطَ الصلاحيات الكافية لها؛ فإجراءاتها توصيات ليس إلا، وليس بمقدورها فرض أي قرار تمليه مصلحة النظام العالمي حتى لو كان من منظور الدول المنتصرة. إضافة إلى ذلك؛ فإن بقاء الولايات المتحدة خارجها وانسحاب ألمانيا منها بعد دخولها إليها قد ولَّد الانطباع بأن النظام العالمي الذي ساد آنذاك كان في الواقع متكئاً على قدم عرجاء، وليس بمستطاعه المضي كثيراً. إن أحد المرتكزات التي قام عليها النظام العالمي آنذاك هو توازن القوى في عالم متعدد الأقطاب، ومن الطبيعي عند اختلال التوازن أنه سيختل النظام القائم؛ وهذا ما حدث عملياً بعد فترة وجيزة من الزمن، وهو الأمر الذي أسس للحرب العالمية الثانية. * الحرب العالمية الثانية عام ١٩٤٥م: وكالعادة في تاريخ النظام الدولي؛ برزت عيوب النظام الذي نتج عن الحرب الأولى مع مرور السنين، وكانت ألمانيا أيضاً هي أبرز الناقمين على نتائج النظام السابق؛ إذ شتّتت القوميات الألمانية في الدول المحدثة كبولونيا وتشيكوسلوفاكيا، وعجز الاقتصاد الألماني عن تجاوز مخلّفات الحرب الأولى وتسديد تعويضات الحرب لفرنسا وإنجلترا؛ كما لم تنل إيطاليا الترضيات التي وُعدت بها في الحرب الأولى وتجاوز الأزمة الاقتصادية العالمية في الثلاثينيات. في المقابل تمكنت فرنسا وإنجلترا من إعادة بناء اقتصادهما، وبدأت الولايات المتحدة في فك عزلتها، والسعي إلى إيجاد دور عالمي لها في النظام الدولي. أدت هذه الحرب إلى تراجع القوى الاستعمارية القديمة فرنسا وبريطانيا نتيجة الانهيار الاقتصادي مقابل تدعيم اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية؛ كما برز الاتحاد السوفييتي كثاني قوة اقتصادية في العالم، ومن نتائجها الأساسية الاتفاق على تأسيس هيئة دولية تحل مكان العصبة، وتسند إليها مهام الإشراف على النظام الدولي المزمع إنشاؤه إن لم نقل فرضه. وكما حدث في أعقاب الحرب العالمية الأولى تداعى المنتصرون ليضعوا أسساً لنظام عالمي جديد؛ ففي قمة يالطا عام ١٩٤٥م تم إعادة رسم الخريطة العالمية وتوزيع مناطق النفوذ بين المنتصرين في الحرب، ثم تحوَّل شكل النظام الدولي إلى القطبية الثانية بعد تكوين حلف الأطلسي عام ١٩٤٩م وامتلاك الاتحاد السوفييتي القنبلة الذرية وتكوين حلف وارسو عام ١٩٥٥م، وحاول القطبان الظهور بأن النظام العالمي بعد الحرب العالمية هو برعاية وعناية هيئة الأمم المتحدة وتحديداً مجلس الأمن الذي أنيط به حماية السلم والأمن الدوليين، بل التدخل بالطرق العسكرية لفرضه إذا دعت الضرورة إلى ذلك؛ وعلى الرغم من ذلك أي إظهار الصلاحيات الواسعة لمجلس الأمن إلا أن الأمر لا يعدو كونه صورياً من الناحية العملية؛ باعتبار أن المسيطر على القرار الفعلي لمجلس الأمن هو الدول الخمس الكبرى؛ أي أن النظام العالمي في هذه الفترة هو عملياً نتاج هذه القوى وعلى شاكلة هذه الدول نفسها وقدرتها. كما أن إفساح المجال لكل الدول المستقلة للدخول في عداد الأمم المتحدة هو في الواقع محاولة إسباغ العالمية على المنظمة الدولية؛ ومن ثم ربط هذه الدول بمواثيق ومعاهدات من الصعب الإفلات منها بسهولة، وهذا ما حدث فعلاً عبر شبكة المنظمات والوكالات المتخصصة التابعة للمنظمة الدولية؛ بحيث باتت جميع الدول المنضمة تحت لواء المنظمة الدولية أسيرة سياسات النظام العالمي المفروض على الدول الأخرى، والتي لا حول لها ولا قوة إلا الدخول والمضي فيه؛ بصرف النظر عن بعض الاستثناءات القليلة والمعزولة عملياً، وظهر أن التوسع القاعدي لعدد الدول في تركيبة النظام العالمي وتحلُّقها حول الأحلاف وخصوصاً بين المحورين الأساسيين أدى إلى انقسام واضح على المستوى العقائدي والسياسي والاقتصادي بين الدول، وهو ما انعكس سلباً على النظام العالمي في ظل الأمم المتحدة، وجعل هذا النظام أداة بيد الدول المؤثرة فيه من الناحيتين العسكرية والاقتصادية، كما أن حصر التنافس عملياً بين واشنطن وموسكو آنذاك على قيادة النظام العالمي أدى عملياً إلى تهميش كل القوى الواعدة للمنافسة معهما، وبذلك ظلت جميع الأطراف الأخرى دولاً تابعة بصرف النظر عن قوتها وقدرتها التي تبدو بأنها لا يستهان بها؛ كنموذج (اليابان، وألمانيا، وإيطاليا) ، ومجموعة الدول الأوروبية (كفرنسا وبريطانيا شركاء الحلفاء في الحرب) . * سقوط الاتحاد السوفييتي وحرب الخليج عام ١٩٩٠م: منذ منتصف الثمانينيات بدأ التأكيد أن شيئاً ما سيحل محل النظام العالمي القائم، وذلك يعود بالدرجة الأولى إلى العديد من الأسباب المتعلقة بوضع الاتحاد السوفييتي الداخلي من جهة، وأزمة النظام الغربي وتطوره المطرد والمتسارع، والسباق على التطور التكنولوجي للأغراض الاستراتيجية ذات الصلة بالهيمنة الدولية. لقد اتجه النظام الدولي خلال هذه المرحلة نحو أحادية القطبية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وظهور الولايات المتحدة بوصفها قائدة للمعسكر الغربي منفردة بقيادة العالم، وتمدد دورها وهيمنتها على الأمم المتحدة. وقد شهدت هذه المرحلة زيادة عدد الدول نتيجة الانقسامات والانشقاقات التي حدثت في كثير من الدول. وفي الوقت نفسه يشير النظام خلال هذه المرحلة إلى أنواع تفاعلات جديدة تركز على الجوانب الثقافية وتوزيع مصادر القوة والنفوذ بصورة جديدة تعطي دوراً أكبر للمنظمات غير الحكومية؛ مما جعل بعض المحللين يطلق عليه اسم النظام العالمي الجديد بدلاً من النظام الدولي الجديد. وكما هو الحال في أعقاب انهيار نظام دولي ونشوء نظام آخر؛ قامت حرب جديدة، وتم اتخاذ أسباب مباشرة لها كتهديد عراقي للنظام الدولي، ولكن في واقع الحال كما هو في المرات السابقة؛ فإن الأسباب الحقيقية كانت تكمن في رغبة القوة الدولية المهيمنة في فرض نظام جديد يقضي على عيوب النظام السابق من وجهة نظرها، ويغير من المعادلات التي تحد من نفوذها وهيمنتها بما يناسب حجم قوتها بوصفها قوة أولى ومهيمنة على العالم. وقد حدد بوش الأب في خطابه الشهير أمام الكونجرس في ١٤/٤/١٩٩١م المبادئ العامة التي ستحكم النظام العالمي، فكان مما قاله: «كانت الولايات المتحدة على مدى قرنين من الزمان هي المَثَلُ الأعلى للعالم في الحرية والديمقراطية، وقد حملت أجيال متعددة راية النضال للحفاظ على الحرية وتعظيم المكاسب التي حققتها، واليوم وفي عالم يتحول بسرعة شديدة؛ فإن زعامة الولايات المتحدة لا غنى عنها. لقد أنقذنا أوروبا، وتغلبنا على الشلل، ووصلنا إلى القمر، وأضأنا العالم بثقافتنا، والآن ونحن على مشارف قرن جديد نسأل: لمن يُنسب هذا العصر؟! إنني أؤكد أنه سيكون عصراً أمريكياً آخر» . كانت من أبرز ملامح هذا العصر الأمريكي مشاركة واشنطن في خلق البؤر المناسبة للصراعات الإقليمية، ومن ثم التدخل في إدارتها وصولاً إلى فرض الحلول المناسبة لها من الوجهة الأمريكية البحتة؛ كما طبقت وفرضت أساليب جديدة لفرض مشيئة منطق القوة في السياسة الدولية؛ كما جرى تهميش جميع القوى الأخرى في العالم وعزلها عملياً عن مواقع الحل والربط، وربطها بأزمات داخلية اقتصادية مالية ذات صفة وخلفيات سياسية، وهو الأمر الذي أدى إلى غياب تام لتوازن القوى العالمي، وابتدعت مفهومات ومصطلحات ظاهرها مختلف عن خلفياتها ومضمونها، وسوغت أعمالاً بحجج واهية ليس لها أي علاقة لا من قريب ولا من بعيد بالقضايا التي تطرح من أجلها كنموذج (العقوبات الذكية) . وفي الجانب الاقتصادي كان الإعلان رسمياً عن جذوة النصر للرأسمالية الحديثة القادرة على عولمة ما يخطر ولا يخطر على البال؛ بدءاً من حرية التجارة العالمية، وإلغاء الحواجز الجمركية وفتح الأسواق المالية دون قيد داخلي؛ مروراً بالتدخل في السياسات العامة للدول عبر ظاهرة المديونية، وسياسات التخصيصية، وصندوق النقد الدولي، وغيرها من المؤسسات المالية ذات الهوية والمنشأ الرأسماليين، وصولاً إلى تطويع دول العالم وفقاً لمنظور معين من التدخل من الصعب تخطيه أو تجاهله؛ بدءاً من عالم الاتصالات والثقافة، ووصولاً إلى سلوك البشر وأمزجتهم وتفكيرهم. إن مجمل تلك المظاهر قد ساعدت في تأجيج العداء للولايات المتحدة الأمريكية بشكل غير مسبوق، وجعلها في الموقع المسؤول عما جرى في ظل قيادتها للعالم. * أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١م: قبل أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١م وجدت الولايات المتحدة نفسها في مأزق كبير، فكثير من القوى العالمية مثل أوروبا والصين وروسيا، وحتى الكيانات الضعيفة؛ بدأت في رفض الهيمنة الأمريكية على العالم، فقد اعتادت معظم وسائل الإعلام الأوروبية كما اعتاد العديد من الزعماء على اتهام واشنطن بالأحادية غير المكترثة، وكانت أميركا على وشك تعريض علاقاتها مع روسيا للخطر بسبب الدفاع الصاروخي؛ كما اتجه بعض زعماء أوروبا نحو إثارة علامات الاستفهام بشأن أهمية الأمن المشترك في ظل عالم ما بعد الحرب الباردة، وبات جيش أوروبا على وشك أن يصبح خارج إطار حلف الناتو يقوم بمهام غامضة حددت أساساً وفقاً لسياسة الابتعاد السياسي عن الولايات المتحدة، وأخذت تسلك مسلكاً وتشق عصا الطاعة على القطب الأمريكي؛ كما أن كثيراً من المناطق الجغرافية في العالم أصبحت خارج السيطرة. وهناك عامل كبير أخذ في البروز والتشكل، وهو سيطرة اليمين البروتستانتي على السياسة الأمريكية، وهذا الفريق له أجندته الخاصة في العالم وقيمه ومفهوماته، وكما قال المستشار الألماني الأسبق هيلموت شميث بالحرف الواحد: «إن سطوة المثقفين الإمبرياليين من غلاة القوميين المتمركزين حول أنفسهم في واشنطن الآن أقوى من أي وقت مضى منذ الحرب العالمية الثانية، وسوف تكون لهذه النزعة الأحادية الانفرادية الكفة العليا في أمريكا لعدة عقود مقبلة» . وكما هو في السابق فقد تم اتخاذ حادث ضرب برجي نيويورك وتفجير البنتاجون ذريعة لشن حرب تفرض فيها الولايات المتحدة مفردات جديدة لنظام عالمي جديد يلبي المطالب الأمريكية في الهيمنة والنفوذ، فانهالت العروض الأوروبية بشأن الانضمام للحملة الدبلوماسية والعسكرية الأميركية ضد الإرهاب؛ كما أن روسيا أصبحت شريكاً في الحملة ضد الإرهاب، ووفرت الصين معلومات، كما أن العلاقات مع الهند نمت بشكل أفضل على الرغم من اعتماد أميركا على القواعد الباكستانية في الحرب ضد أفغانستان، وقامت الولايات المتحدة بخطوات إيجابية تجاه إيران، كما أن الدولتين اللتين تعرضتا لهزيمة خلال الحرب العالمية الثانية (ألمانيا واليابان) تخلتا عن المعوقات الداخلية السابقة؛ إذ بعثت ألمانيا بقواتها متخطية حدود حلف الناتو، ونشرت اليابان سفناً في المحيط الهندي بعيداً عن مياهها الإقليمية؛ لا شيء من هذه الخطوات كان متوقعاً قبل ستة أشهر مضت من الحادث. باختصار أدى العدوان على أميركا إلى إقناع الدول الكبرى بأهمية الدور الأميركي، ونتيجة لذلك فإن الولايات المتحدة وللمرة الأولى خلال نصف قرن لم تعد تواجه خصماً استراتيجياً أو أي بلد وحيداً أو متحالفاً يستطيع أن يصبح كذلك على الأقل خلال العقد المقبل، كما لم تعد الدول الكبرى الأخرى تنظر إلى أمريكا على أنها تشكل تهديداً استراتيجياً، والخطر الذي يتعرض له جميعهم لا يأتي عبر الحدود، وإنما من خلايا إرهابية مزروعة داخل بلدانهم أو من النزاعات بين قوى عسكرية ثانوية. لقد أدى يوم الحادي عشر من سبتمبر إلى إقناع أوروبا بأنها لا تمتلك وسائل الانتقام من هجمات مشابهة، وبأن الحاجة لعلاقات أمنية عبر المحيط الأطلسي تظل قائمة؛ كما أن التحسن الواثق للعلاقات الروسية الأميركية يستبعد الحاجة إلى دور الوساطة المبكر بين روسيا وأميركا، والذي حاول بعض قادة أوروبا القيام به؛ ولهذه الأسباب تبنَّى مجلس حلف الناتو ولأول مرة في تاريخ الحلف خلال ثمانٍ وأربعين ساعة من الهجمات الإرهابية طبقاً للمادة الخامسة من معاهدة الحلف التي تسمح بالقيام بإجراءات دفاعية مشتركة، وعكست الدبلوماسية المشتركة التي برزت تأكيداً أكبر على التعاون الثنائي مع واشنطن؛ انطلاقاً من أسس وطنية وضمن إطار شمال الأطلسي بدلاً من هيئات الاتحاد الأوروبي، وقد دعمت دبلوماسية التحالف الفطنة التي اتبعتها إدارة الرئيس بوش بقوة هذه العملية. وكما قال أحد خبراء العلاقات الدولية: لو لم توجد أحداث ١١ سبتمبر لأوجدتها أمريكا. * اجتياح العراق ٢٠٠٣م: لقد تميز هيكل النظم الدولية كما مر بنا باستعراض المراحل السابقة بأنه يعبر عن مجموعة من الدول الكبرى؛ بحيث يمكن أن تكون أحدها أقوى من الجميع، ولكن هي في محل قيادة لهم، وليس تسلطاً وتجبراً عليهم وتهميشاً لهم، وهذا الدور مارسته بريطانيا في كثير من مراحل النظام الدولي، ولكن كان بجانبها قوى أخرى كان لها رأيها النافذ والمتحكم أيضاً كفرنسا، والنمسا، وألمانيا، وروسيا، وأمريكا، في مراحل مختلفة، وتميزت هذه النظم بأنه عندما تريد دولة أو تحاول حتى الانفراد بالهيمنة؛ فسرعان ما تندلع الحرب لتعيد التوازن أو شبه التوازن مرة أخرى، ولكن في النظام الدولي الجديد بدأت أمريكا في الشروع بالانفراد الذي يعني إخضاع الآخرين وعدم السماح بنفوذ لهم في هيكل النظام الدولي، وكان من أبرز مظاهر هذا الطغيان والتجبر: - جعل أمريكا مركز العلاقات الدولية: فقد بدأت الولايات المتحدة محاولة إخضاع جميع التفاعلات الدولية لأسلوب أنها لا بد أن تمر بالمركز. وإذا لاحظنا في السنتين أو السنوات الثلاث الأخيرة فسنجد أن هناك أكثر من محاولة، وكل شيء في العالم لا يمر إلا عن طريقها: الصراع العربي الإسرائيلي، كوسوفا البلقان، وأصبحت أمريكا هي المركز الذي يجب أن تمر عبره جميع التفاعلات، وليس لبقية القوى في هيكل النظام الدولي نصيب. - التدخل في العلاقات الإقليمية والثنائية: حتى العلاقات الأخرى الصغيرة؛ ولكن أقل من العلاقات السابقة على سبيل المثال: روسيا واتفاقها مع إيران؛ فالمفروض أن هذا بعيد عن أمريكا، ولكن اتفاقية مع إيران يجب أن يكون للأمريكان دور فيها، ولذلك كل المحاولات والاتفاقيات نجدهم موجودين فيها، ويطلبون من الروس شروطاً؛ فلا يريدون لشيء أن يحدث إلا من خلالهم. - إخضاع حكام العالم: حقن العالم بشعور أن حكامه ليسوا أكثر من مجرد حكام محليات، وظلت الولايات المتحدة تزيد من هذه الفجوة، وتحكمت في أشياء كثيرة منها المعونات الاقتصادية والعسكرية والتجارة الخارجية، والبيع والشراء، وأصبح الحكام مكلفين؛ هذا يعمل هذا، والآخر يعمل هذا، ومن ثم أصبح الحكام لهذه الدرجة يخدمون هذا النظام الدولي الأمريكي. ومن ثم بدأ التململ يحدث في النظام الدولي، ومن مظاهره الانقسام الحاصل في الجسد الأوروبي، وبروز ما يسمى بالمحور الفرنسي الألماني ضد الولايات المتحدة يؤكد مدى رفض القوى الدولية واستنكارها للغطرسة الأميركية، ومحاولة واشنطن فرض هيمنتها الكونية، وإلغاء دور الآخرين وإزاحتهم من المشهد الدولي كلاعبين أساسيين، وهو تأكيد أيضاً لواشنطن بأن الدول الأوروبية ليست تابعة للولايات المتحدة، وأن لها مصالح في بقاع العالم المختلفة ينبغي إدراكها ومراعاتها. والواضح أن جبهة الرفض العالمية للحرب تتسع شعبياً ورسمياً؛ إذ انضمت (روسيا والصين) إلى (باريس وبون) في المطالبة باحترام الشرعية الدولية، والتأكيد على الحل السلمي، وإعطاء مهلة أكبر لفرق التفتيش لممارسة مهامها. لقد بدأ القلق يتنامى داخل أوروبا - بشكل عام - وفرنسا وألمانيا على وجه الخصوص؛ عندما أعلنت إدارة بوش الابن عن استراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة، وتبني مفهوم الضربات الاستباقية، وفطنت أوروبا إلى أن العقيدة الأمنية الأميركية تهدف إلى الحفاظ على الهيمنة الأحادية خلال القرن الـ ٢١ ليكون قرناً أميركياً، حتى لو أدى ذلك إلى وأد نمو القوة الأوروبية المستقلة على الصعيد الدفاعي، ويعني ذلك أول ما يعني تهميش كل من فرنسا وألمانيا وقطع الطريق على تطوير الدفاع الأوروبي المستقل؛ أي أن مصلحة الولايات المتحدة تتمثل في نكوص الأوروبيين بقيادة فرنسية ألمانية عن الاضطلاع ببناء قوة عسكرية أوروبية قادرة على توفير غطاء مستقل لأمن القارة بعيداً عن الغطاء الأطلسي. وبذلك بدا النظام الدولي السائد منذ الحرب العالمية الثانية لا يعبر حقيقة عن هيكل النظام الدولي، وظهر ما يشبه الصراع بين قوة تحاول تحطيمه وصياغة نظام جديد يتفق مع إمكانيتها وطموحها، وبين قوى تحاول الاحتفاظ به والتشبث بقواعد قديمة تحفظ لها مكانتها في النظام الدولي؛ لذلك رجعت الإدارة الأمريكية للأسلوب التقليدي في تغيير النظام الدولي وهو افتعال حرب تفرض من خلالها نظامها الدولي الذي تريده، ولجأ بوش ومعه إدارته إلى حرب العراق مرة أخرى نتيجة عدة اعتبارات معينة ليتم عن طريقها هيكلة النظام الدولي. إن الحرب التي دارت في ربوع العراق لهي مفصل مهم لا يختلف عن مفاصل تاريخ النظام الدولي كمعاهدة فيينا، أو الحربين العالميتين الأولى والثانية، وحرب الخليج الأولى، وأحداث ١١ سبتمبر؛ حيث إن نتيجتها سيتوقف عليها كذلك تغيير كبير في النظام الدولي. وخروج أمريكا منتصرة سيفرض نظاماً جديداً في خصائصه كما أسلفنا سابقاً، وكما توقع مستشار ألمانيا جيرهارد شرودر؛ أن يقرر الغزو الأمريكي للعراق مستقبل العالم لمدة خمس عشرة أو عشرين سنة؛ في انتظار القوة التي هي خير أمة أخرجت للناس كي تتبوأ قيادة العالم مرة أخرى.

стр. 4590

المسلمون والعالم موقع السودان على خريطة الحرب الأنجلوساكسونية ضد الإسلام مدثر أحمد إسماعيل [*] في كلمة عابرة، ولكنها خطيرة في مضمونها، قال عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية في كلمته أمام مؤتمر القمة العربي الأخير بالقاهرة: (ما يجري في السودان لا يقل خطورة عما يجري في العراق) ، ويبدو أن هذا الكلام صحيح إلى حد كبير؛ في ضوء تحليل ما يجري في السودان من تواطؤ مريب بين نصارى أمريكا ونصارى السودان. وانطلاقاً من قوله تعالى: [قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ] (آل عمران: ١١٨) ؛ حقيق على كل مسلم يقرأ كتاب الله ويعيه ويفهمه أن يربط الأحداث الجارية في واقع الأمة الإسلامية على وجه العموم، والعربية على وجه الخصوص بتلك الآيات القرآنية المحكمة؛ ليبني عقيدة وتصوراً ومنهاجاً تنضبط به التفاعلات والمواقف مع الأحداث بضابط الشرع، فإن لم يكن كذلك؛ فلا أقل من أن يضع الآيات نصب عينيه وهو ينظر إلى سياسات العدو من حوله، فقد بات واضحاً وضوح الشمس في رابعة النهار أن أعداء الدين والملة والأمة إنما ينطلقون في عدائهم من وراء عقيدة متجذرة في سويداء قلوبهم، تواطؤوا وتواثقوا أن لا يحيدوا عنها قيد أنملة. فاليهود والنصارى ينطلقون في حربهم ضد الإسلام وأهله من عقيدة تلقوها من كتبهم المقدسة؛ فنصوص العهد القديم والعهد الجديد هي التي تنطلق منها أمريكا و (إسرائيل) في تأجيج نيران الحرب وتسعيرها؛ ففي سفر التكوين - الإصحاح رقم ٢٠: (واشتغل نوح بالفلاحة، وغرس كَرْماً، وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خيمته، فشاهد حام أبو الكنعانيين عورة أبيه، فخرج وأخبر أخويه، فأخذ سام ويافث الرداء ومشيا القهقرى إلى داخل الخيمة، وسترا عورة أبيهما من غير أن يستديرا بوجهيهما نحوه فيبصرا عورته، وعندما أفاق نوح من سُكره وعلم ما فعله به ابنه الصغير قال: «ليكن كنعان ملعوناً، وليكن عبد العبيد لإخوانه» ، ثم قال: «تبارك الله إله سام، وليكن كنعان عبداً له، ليوسع الله ليافث فيسكنه في خيام سام ليكن كنعان عبداً له» ) . وفي الإصحاح السابع عشر: (أقيم عهدي بيني وبينك وبين نفسك من بعدك في أجيالهم عهداً أبدياً؛ لأكون إلهاً لك ولنسلك من بعدك، وأعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك كل أرض كنعان ملكاً أبدياً) . وفي الإصحاح الخامس عشر تحدد التوراة المحرَّفة الأرض التي هي ملك وحق أبدي فتقول: (لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات) . السؤال: من هو كنعان الذي وردت عليه اللعنة، وأكدت عبوديته ثلاثاً؟ والجواب: هو جد العرب وسلالتهم قبل إسماعيل ﵇. للعلم هذا النص هو مفتاح الدراسة في عدد كبير من المدارس الإنجيلية في الولايات المتحدة الأمريكية، هذه المدارس فيها الملايين من التلاميذ يفتتحون دراساتهم بهذا الكلام، وتتفتح مداركهم عليه. إن هذه النصوص التي ألَّفها الرهبان والأحبار فيما كتبوه من عند أنفسهم وقالوا: هو من عند الله، وما هو من عند الله. ابتداءً بحاخامات اليهود، ومروراً ببولس (شاؤول) ، ثم الباباوات الضالين المضلين، وانتهاءً بهرتزل ومن كان معه. هذه النصوص هي التي تتحكم في إدارة الصراع اليهودي النصراني ضد المسلمين، فالحرب التي دارت رحاها ضد العراق دافعها الأول العقيدة سالفة الذكر، ومستندهم في ذلك بعض التأويلات لما جاء في رؤيا يوحنا اللاهوتي، ومنامات الرهبان، وتكهنات الكهان أمثال (نوسترا دامُس) الذي حولت السينما الأمريكية توقعاته المستقبلية إلى فيلم لاقى رواجاً كبيراً في العقد الماضي، ثم برز الحديث عنها أيام حرب الخليج بين الغرب والعراق. أما سياسة أمريكا و (إسرائيل) المستقبلية فيما يتعلق بإفريقيا عموماً، وبأرض «كوش» خصوصاً (السودان والحبشة) ؛ فتلك أيضاً متلقاة من كتابهم المقدس؛ فسيناريو الأحداث في جنوب السودان مثلاً إنما هو مأخوذ من العهد القديم أشعياء، ومزامير داود، وصفنيا. فكل النبوءات تنص على أن أرض «كوش» يقطنها شعب أجرد طوال القامة، سيبثون الرعب في القاصي والداني، ويقدمون هدايا إلى الرب القدير في جبل صهيون.. والترجمات التفسيرية لهذه النصوص تكاد تجمع على أن أرض «كوش» هي أرض السودان، وأن جنود الرب الجُرْد طوال القامة هم شعب جنوب السودان؛ لذلك يتوالى المدد المادي والمعنوي خفياً وجلياً لهذا الشعب من قِبَل أمريكا وإسرائيل؛ لتقوى شوكته ويصلب عوده، فيكون مهيأً عند نزول المسيح. وإليك بعض تلك النصوص: في أشعياء (١٨) : (ويل لأرض حفيف الأجنحة في عبر أنهار كوش التي تبعث رسلاً في البحر في قوارب البردي السابحة فوق المياه، امضوا أيها الرسل المسرعون! إلى شعب طوال القامة جرد، إلى شعب بث الرعب في القاصي والداني، إلى قوم أقوياء وقاهرين تشطر الأنهار أرضهم، يا جميع أهل الأرض والساكنين فيها! عندما ترتفع راية على الجبال فانظروا، وعندما يدوي نفير بوق فاسمعوا) . (وفي ذلك الوقت؛ يقدم الشعب الطويل القامة الأجرد الذي بث الرعب في القاصي والداني آلامه القوية القاهرة التي تشطر الأنهار أرضها هدايا إلى الرب القدير في جبل صهيون موضع اسم الرب القدير) . وفي مزامير داود (مزمور: ٦٨ - ٣٨) : (ستأتيك يا الله! أشراف مصر، وتسرع كوش بهداياها إليك، انشدوا لله يا ممالك الأرض، رتلوا للرب كل الترتيل) . وفي صفنيا (٢ - ١٢) : (وأنتم أيها الكوشيون! تسقطون صرعى سيفي، ثم يبسط يده نحو الشمال ويبيد آشور، ويجعل نينوى قفراً موحشاً أرضاً قاحلة كالصحراء، تربض في وسطها القطعان وسائر وحوش البر، ويأوي إلى تيجان أعمدتها القوق والقنفد، وينعب الغراب....) . هذه النصوص استغلها المنصِّرون بشكل واسع في تنصير أبناء جنوب السودان، بل إن المثقفين منهم وفي مقدمتهم (جون جارنج) جعلوها عقيدة مصيرية يسعون إلى تحقيقها، والتعاون مع من يدين بالصليب وينتظر عودة المسيح. لقد دفعت تلك النصوص الحكومة الأمريكية الأصولية الإنجيلية؛ ممثلة في مجلس الكونجرس، إلى إصدار قانون السلام في السودان، والذي أقره الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، وهو قانون من شأنه أن يؤدي إلى فرض عقوبات على السودان إذا أخفقت حكومة الخرطوم في تحقيق تقدم لوضع حد للحرب الأهلية الدائرة منذ تسعة عشر عاماً، أو إذا رأت إدارة الرئيس بوش أن حكومة السودان لا تتفاوض مع المتمردين (بنيات حسنة) ، أو إذا تبين أنها تعرقل الجهود الإنسانية في الجنوب. وبموجب هذا القانون؛ سيكون من حق الحكومة الأمريكية إعادة النظر كل ستة أشهر فيما إذا كانت الحكومة السودانية والجبهة الشعبية لتحرير السودان تتفاوضان بنيات حسنة! وإذا قررت الحكومة الأمريكية أن الإدارة السودانية مقصرة؛ فإنها ستصوِّت ضد منح قروض متعددة الأطراف إلى السودان، وستدرس تخفيض التمثيل الدبلوماسي، ومحاولة منع حكومة الخرطوم من استخدام عائدات بيع النفط في شراء الأسلحة، والسعي إلى استصدار قرار من مجلس الأمن بحظر تصدير السلاح إلى الخرطوم. كما يخول القانون الإدارة الأمريكية إنفاق ١٠٠ مليون دولار سنوياً على مدى السنوات الثلاث في مساعدات إنسانية للمناطق الواقعة خارج نطاق سيطرة الحكومة. وقد ردت الحكومة السودانية بغضب على القانون الذي سنَّته الولايات المتحدة، ففي حديث أدلى به الرئيس السوداني عمر حسن أحمد البشير إلى (بي. بي. سي) أثناء وجوده بسويسرا لحضور منتدى الاستثمار الدولي في أكتوبر ٢٠٠٢م؛ اتهم الكونجرس والإدارة الأمريكية بتشجيع استمرار الحرب في بلاده؛ مشيراً إلى أن القانون الأخير هو قانون حرب. وقال إن القانون يحرض المتمردين على الحرب، وأنه ليس متوازناً، بل إنه ينحاز للمتمردين بتقديم ٣٠٠ مليون دولار، وعن تفسيره لصدور هذا القانون؛ قال البشير إن في الولايات المتحدة مجموعات ضغط قوية جداً ومؤثرة، وعلى رأسها اليمين المسيحي، وهي التي قادت إلى إخراج هذا القانون إلى النور وتمريره على الكونجرس حتى وصل إلى الرئيس، وهي مجموعات مؤثرة في القرار الأمريكي والانتخابات التكميلية القادمة في واشنطن. مما سبق يتضح جلياً أن السياسة الأمريكية تهدف إلى جعل السودان (أرض كوش) هدفاً عقائدياً لا بد أن تسعى جاهدة إلى تحقيقه وبكل حزم؛ ولذلك فإن هناك مقترحاً أمريكياً خفي المضمون لإعادة النظر في خريطة السودان عبر نظام كونفيدرالي يجعل من الجنوب حكومة مستقلة ذات سيادة، ومن الشمال حكومة مستقلة ذات سيادة، وتجمعهما عاصمة قومية هي (ملكال) . أما الإجراءات العسكرية التي قامت بها الإدارة الأمريكية في السودان؛ فمنها الظاهر ومنها الخفي. وأشد الظاهر خطورة إنزال ١٥٠٠ جندي أمريكي في مناطق جبال النوبة بحجة حفظ السلام. بهذه المعطيات وغيرها مما لم نذكره يبدو أن أمريكا أوشكت على التدخل المباشر في السودان لحسم النزاع الدائر في الجنوب لصالح الشعب الأجرد طوال القامة، وتهيئته لموعد مجيء المسيح، فيقدم ذلك الشعب هداياه لرب الجنود في جبل صهيون. لكن لا يُدرى على وجه التحديد ما هو السيناريو الذي سوف تختلقه أمريكا للتدخل العسكري! ولا يفوتني أن أنبه لحقيقة مهمة، وهي أن الحكومة السودانية على علم بخبايا أمريكا تجاه السودان، فنرجو منها أن تتقي الله تعالى وتعد العدة من منظور شرعي، يدفعها عقيدة راسخة مدارها على قول الله تعالى: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] (البقرة: ١٢٠) .

стр. 4591

المسلمون والعالم أين الصين في المعركة حول العراق داخل مجلس الأمن أو على الأرض ؟ طلعت رميح [*] منذ أن اشتدت أزمة العراق، وعبر مراحلها المختلفة التي وصلت إلى حد الأزمة الدولية، وإلى أن وصلت للعدوان العسكري واحتلال الأرض والسؤال الذي يتردد هو: أين الصين؟ لقد ظهرت ألمانيا في موقف بالغ القوة في مجابهة الولايات المتحدة وهي الدولة التي لا تملك مقعداً دائماً في مجلس الأمن.. كما ظهرت فرنسا كنِدّ في مجلس الأمن وتصاعد موقف روسيا؛ إلا أن الصين وهي المرشح الأول لمنافسة أمريكا كدولة عظمى ظهرت عبر تلك الأزمة التي عصفت بالوضع الدولي وتحوَّلت إلى أزمة دولية غير مسبوقة، وعصفت بالأمم المتحدة بعد أن ضربت بها أمريكا عرض الحائط.. إلا أن الصين لم يأت ذكرها إلا في المرتبة الرابعة بعد فرنسا وروسيا وألمانيا حتى إنها الدولة الوحيدة خارج أمريكا وبريطانيا التي لم تهدد باستخدام حق النقض الذي تمتلكه في مجلس الأمن الدولي. ومن يتابع موقف الصين يلحظ أنه ومنذ انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك منظومته والتغير الحاد الذي أصاب وزنه ودوره الدولي ربما تحت ضغط الشعور «ببرودة» الوضع الدولي بعد انكشاف «الغطاء الموهوم» للعرب دولياً من قِبَل الاتحاد السوفييتي والمثقفون والكتاب والمفكرون العرب، يستدعون بين الحين والآخر دوراً للصين ويرجونه، كلما ازداد الشطط الأمريكي في عسكرة السياسة، وكلما وجهت للأمة ضربة جديدة. وقد ارتكن هذا الاستدعاء للموقف الصيني غالباً للحديث المتكاثر وهو صحيح في حد ذاته حول الصعود الاقتصادي للصين وإلى فكرة تعدد الأقطاب في العالم.. أي ظهور أقطاب دولية أخرى في مواجهة الهيمنة الأمريكية وهو الآخر صحيح في حد ذاته باعتبار الصين هي من أول الدول المرشحة إلى هذا الدور. غير أن الملاحظ هو أن ثمة هوة واضحة وربما تحير البعض بشأنها بين هذا الصعود الدولي للصين وبين مواقفها من قضايا الأمة العربية والإسلامية خلال مواجهاتها المتعددة مع الولايات المتحدة؛ ذلك أنه وبغض النظر عن أن هذا الاستدعاء لدور الصين في جوهره ناتج عن افتقاد الرؤية بإمكانية قيام قطب إسلامي دولي، والسعي خلف ذلك الهدف الاستراتيجي بديلاً عن الاستدعاء الدائم لقوة خارجية للحماية؛ فإن الأهم فيما نحن بصدده هو أن المواقف السياسية التي صدرت عن الصين حتى الآن تجاه قضايا الأمة جاءت مخيبة للآمال وبما يتناقض مع التصور السائد بأن صعود الصين لا بد أنه سيأتي من خلال مواجهة الهيمنة الأمريكية. ففي مجال المواجهة الدائرة حول العراق يغيب صوت الصين أو يكاد.. حيث لم تصوِّت الصين ضد أي عدوان عسكري على العراق خلال فرض الولايات المتحدة وبريطانيا مناطق الحظر الجوي في شمال وجنوب العراق، كما لم تصوت الصين قبلها ضد أي قرار من القرارات الجائرة المتوالية ضده.. بل كان صوت فرنسا وروسيا أعلى من صوت الصين على الأقل في أجهزة الإعلام والمواقف الرسمية المعلنة. حينما احتدمت المواجهة حول العراق في مجلس الأمن الدولي وتحولت إلى أزمة دولية تهدد الأمم المتحدة، وصارت تقسم العالم بوضع دولي جديد تماماً غاب صوت الصين، بل جاء ترتيبها في المواجهة مع أمريكا بعد دولة مثل ألمانيا التي لا تمتلك موقعاً دائماً في مجلس الأمن، وبعد فرنسا الدولة الغربية حليفة الولايات المتحدة، وبعد روسيا الجريحة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. وهو موقف سبق أن تشابه مع الموقف في مجال القضية الفلسطينية والمواجهة العربية الإسلامية مع الحلف الصهيوني الأمريكي؛ حيث لم يسمع للصين صوت.. حتى بشأن المجازر الصهيونية التي جرت وتجري.. فما بالنا إذا كان المطلوب هو المراهنة أو التمني باستخدام حق الفيتو. هذا في الوقت الذي يعلن بين الحين والآخر عن صفقات تسليح مع الكيان الصهيوني، أو بمعنى أدق صفقات تستورد بمقتضاها الصين أسلحة من الكيان الصهيوني وهو الأمر الذي يقوّي اقتصادياته وصناعته الحربية بشكل خاص، ويعني كذلك درجة من الارتباط العسكري التسليحي والخططي بين الجيشين الصهيوني والصيني. وحينما اشتعلت وقائع العدوان الأمريكي ضد أفغانستان على حدود الصين جاء الموقف الصيني مخيباً لكل المراهنات، حتى إن باكستان التي يحلو للاستراتيجيين دوماً القول بأن قنبلتها النووية تنطق باللغة الصينية وأن باكستان هي حليف الصين في المنطقة على الأقل في مواجهة الهند وجدت نفسها في حالة انكشاف استراتيجي في مواجهة الضغوط الأمريكية والصهيونية والهندية.. وفي اللحظات التي بلغت التهديدات الهندية ذروتها ضد باكستان.. باستخدام الأسلحة النووية لم تحرك الصين ساكناً؛ حتى إن التصريحات التي صدرت عقب زيارة الرئيس الباكستاني للصين في ذروة تصاعد الصراع بشأن موقف الصين جاءت على لسان الرئيس الباكستاني لا على لسان المسؤولين الصينيين. وإذا عدنا للوراء قليلاً نجد أن الصين وافقت على كل القرارات الخاصة بتيمور الشرقية ولم تعارضها، ونفس الأمر كان بشأن كل ما جرى في البوسنة وكوسوفا. وبينما المواقف الصينية على هذا الحال استمرت الأنباء المتواترة عن سوء أوضاع المسلمين في الصين تراوح مكانها دون تغير. ويزيد من وطأة هذه المواقف أو مما يصيب التحليلات حول دور صيني في مواجهة الهيمنة الأمريكية بالاضطراب، هو أن هذه المواقف الضعيفة أو المائعة أو الموافقة على إجراءات عدائية تجاه القضايا العربية والإسلامية، جاء على نقيضها مواقف متشددة ضد الولايات المتحدة فيما يخص القضايا المتفجرة في المحيط الحيوي للصين، حيث كان الموقف الصيني حاسماً وقوياً ولم يقبل المساومة في قضية طائرة التجسس الأمريكية التي اسقطت داخل الأراضي الصينية كما كان الموقف الصيني حاسماً في قضية قصف مقر السفارة الصينية في جمهورية الصرب والجبل الأسود؛ كما كان الحال نفسه في قضايا تايوان وهونج كونج الذي وصل حد التهديد باستخدام القوة العسكرية في بعض الأحيان. كيف إذن نفهم مواقف الصين تجاه قضايا الأمة: العراق، وفلسطين، وأفغانستان؟ هل نعتبر الصين دولة تكيل بمكيالين هي الأخرى في القضايا الدولية؟ وهل انضمت الصين إلى الحلف الأمريكي ضد العرب والمسلمين؟ وما الفرق بين المراهنة على موقف الصين مسانداً لقضايا الأمة في مواجهة الولايات المتحدة وبين القول بأنها قطب صاعد دولياً في مواجهة الولايات المتحدة؟ * السياسة الدولية في العالم الراهن: لفهم الوضع الاستراتيجي والسياسة الدولية للصين.. وربما لفهم السياسة الدولية الراهنة ينبغي إدراك عدة أمور: أولها: الجديد في أسلوب إدارة الصراعات الدولية. وثانيها: طبيعة الشبكة العنكبوتية الاقتصادية وتأثيراتها في مجال السياسات الخارجية للدول في الوضع الدولي الراهن. وثالثها: العوامل التي تتحدد في إطارها السياسة الخارجية الصينية وأولوياتها. وبصدد الجانب الأول فإن ثمة ضرورة لمراجعة المفاهيم القديمة في أساليب إدارة الصراع الدولي والإمساك بالمتغيرات الجديدة في أساليب الصراع. لقد سيطرت لغة الحرب على أسلوب إدارة النزاعات الدولية بين الدول المتصارعة على السوق العالمي ومراكز النفوذ والثروات في العالم الثالث خلال الحقبة الأولى من مطلع القرن الماضي، فكانت الحربان الأولى والثانية بين الدول المتنافسه في الغرب. غير أن ظهور الاتحاد السوفييتي والصين بعد الحرب الثانية لم يغير فقط من التوازنات الدولية وإنما غيَّر كذلك من أساليب إدارة الصراع الدولي نفسها، فشهدنا ما سمي بالحرب الباردة وحروب الوكالة في العالم الثالث أو بالدقة على أرض العالم الإسلامي أساساً وعلى جسده الجغرافي والسكاني. وفي الجانب الثاني فإنه وبانتهاء الاتحاد السوفييتي وانفراد الولايات المتحدة بالعالم حدث تغيران متلازمان: الأول هو تحول الولايات المتحدة باتجاه استخدام القوة العسكرية ضد الدول الأضعف. أما المتغير الثاني فهو بروز دور الولايات المتحدة في ممارسة الضغوط الاقتصادية على الدول الكبرى وليس الصغرى فقط.. وتلك هي المرحلة التي نعيشها الآن؛ حيث تتقيد أدوار الدول والكتل الدولية بقيود ثقيلة في الجوانب الاقتصادية والعسكرية. أي أن الصراع الدولي في الفترة الراهنة ليس صراعاً مفتوحاً وليس بلا حدود، ومن ثم فلا يتوقع مثلاً أن تصل درجة الصراع بين الدول الكبرى إلى حد التلويح بالقوة وهو الأمر الذي يعني احتمالات الانزلاق نحو استخدام الأسلحة النووية؛ ذلك أن حالة التداخل الاقتصادي باتت تشكل مراكز للضغط على القرار في الدول بما يقلل احتمالات التفكير في هذه الخيارات المدمرة خاصة في المواجهة مع الولايات المتحدة بشكل خاص التي تملك أكبر فائض من رؤوس الأموال التي تستثمر في الخارج بشكل مخطط ومدروس. وخلاصة الأمر هنا هو أن حالة الاستدعاء للدور الصيني تأتي ارتباطاً بمفاهيم وأساليب قديمة لممارسة الصراع الدولي. وفي الجانب الثالث: فإن العوامل التي تتحدد في إطارها ثوابت السياسة الخارجية الصينية هي أنها بلد يمثل ٢٠% من سكان العالم؛ ومن ثم فإن الجانب الاقتصادي السكاني يحتل أهمية بالغة. وإنها بلد يمتلك حتى الوقت الراهن قدرة نووية رادعة أكثر من امتلاكه قدرة نووية وتكنولوجية هجومية. كما أنها بلد في واقع الحال ما يزال في مرحلة الخروج من دوامات العالم الثالث اقتصادياً وعسكرياً - تحصل الصين حتى الآن على قروض من البنك الدولي منخفضة العائد باعتبارها من الدول الأفقر في الدخل - وأنها لا يمكنها - على الأقل - في المرحلة الراهنة الدخول في صراع مباشر أو واسع مع الولايات المتحدة على الأقل استفادة من تجربة الاتحاد السوفييتي. وإنه إذا كانت هناك ضرورات في هذا التحول فإنه لا يمكن أن يجري إلا بسرعة حركة الفيل ودون اندفاع. والصين كذلك تدرك أنها بلد يحيطه من كل جانب المشكلات والدول المرتبطة بالولايات المتحدة خاصة اليابان التي تلوح الولايات المتحدة بين الحين والآخر بإعادة دورها العسكري في مواجهة الصين وكوريا إضافة إلى الهند. وما يعنيه ذلك هو أن الصين تعاني في محيطها الاستراتيجي من مشكلات استراتيجية لا بديل عن تسويتها ولا بديل عن احتلالها الأولوية الأولى في هذه المرحلة. وبالإجمال فإنه ليس فقط الظروف والتعقيدات في أساليب الصراع الدولي الجديدة هي التي تتحكم في مواقف الصين من قضايا العالم العربي والإسلامي ولكن أيضاً الأولويات الاستراتيجية للصين في محيطها الاستراتيجي هي ما تجعل قضايا العالم العربي والإسلامي متأخرة في سلم الأولويات في السياسة الخارجية الصينية. * الصين والقضايا العربية: لا تمثل المنطقة العربية في المرحلة الراهنة من الاستراتيجية الصينية دولياً مكانة رئيسية؛ حيث الأولوية بالصراع الحيوي في منطقة آسيا، أي محيطها الاستراتيجي المباشر، وهي منطقة تضم أهم الدول الصاعدة في العالم أو الدول الأكثر تاثيراً (روسيا واليابان والهند) وبمقارنة المصالح الاقتصادية وهي القضية الأكثر حيوية للصين وتطورها - مع الولايات المتحدة والغرب - بالمصالح الاقتصادية والسياسية مع العالم العربي فإن الكفة تميل بلا شك لصالح الأولى وخاصة أن الدول العربية والإسلامية لا توجه أي قدر من استثماراتها إلى ذلك البلد في الوقت الذي تتدفق الاستثمارات الغربية عليه حتى قيل إن المستثمرين الأمريكيين يسعون إلى تحويل الصين إلى هونج كونج كبرى وهي استثمارات ولا شك بات لها دور في التأثير على القرار الصيني بدرجة أو بأخرى؛ فهي تعمل داخل الاقتصاد الصيني منذ السبعينيات خلال مرحلة التحالف الأمريكي الصيني في مواجهة الاتحاد السوفييتي. ويضاف إلى ذلك أن المنطقة العربية كانت تاريخياً - خلال مرحلة الحرب الباردة - إما مع الاتحاد السوفييتي، وإما مع أمريكا حتى إن الصين لم تجد لها موطئ قدم في المنطقة طوال هذه الحقبة، فذهبت بعيداً إلى إفريقيا لتمارس دورها العدائي ضد السوفييت. وإذا كان الأمر يتعلق بالأسواق العربية فهي مفتوحة أمام الصين بلا قيد ولا شرط، وجاء انضمام الصين إلى اتفاقية التجارة العالمية ليعطيها حقاً كبيراً في تصدير سلعها إلى مختلف أنحاء العالم. ومن ثم فإن السؤال ليس هو: أين الصين من قضايا العالم العربي والإسلامي؟ وإنما هو: لماذا نتوقع دوراً للصين في مساندة القضايا العربية والإسلامية وفي مواجهة الولايات المتحدة؟ لكن هل يعني ذلك أن الصين ليست قطباً صاعداً في مواجهة الولايات المتحدة؟ بالقطع لا؛ فالصين هي من أول الدول المرشحة في العالم للصعود في هذه المواجهة وتلك قضية أخرى لكن المقصود هو أنه ليس معنى صعود الصين أن تكون مواقفها إلى جانب العرب والمسلمين، وكذلك التأكيد على أن الصراع الدولي وتعديل توازناته وصراع المصالح باتت له أساليب أخرى تحتاج إلى مراجعة وفهم. * الصين تنتظر: ويمكن القول من جانب آخر إن الصين تعد في مرحلة انتظار.. الانتظار إلى موقف تتمايز فيه القوى الدولية إلى حد عدم الرجعة مرة أخرى، وربما حتى تنهك القوى الدولية نفسها في الصراعات لتصبح الأوضاع مهيأة لبروز الصين بأقل قدر من الصراعات والإنهاك.. أي أن الصين تتبع نفس الاستراتيجية الأمريكية خلال الحرب العدوانية الثانية (الحرب العالمية الثانية) أي الانتظار خارج الصراع المباشر مع البقاء على مقربة منه، وحين تنهك الصراعات الدول المشتبكة تدخل هي الحلبة لتكون الأكثر تحقيقاً للمكاسب، والأكثر قدرة على البروز في الوضع الدولي.

стр. 4592

نص شعري رياح الفداء مشبب بن أحمد القحطاني كيف ضلَّتْ قصائِدٌ عصماءُ؟! ... وتوارت مناقِبٌ قَعْساءُ؟! أكثرُ الشِّعْر بالمدائِح يَسْعى ... ليْسَ بالمدْح يُصْنعُ العُظماءُ! وشَجِيٌ يهفو لِوصلِ شَجِيٍ ... وغرام يَجِلُّ عنه الحياءُ!! كيف تخبُو للحقِّ نارٌ تلظّى؟ ... وشموخٌ، وعِزّةٌ، وإباءُ؟ يا دعاةَ البيانِ شيئاً قليلاً ... فبظِلِّ الإسلام يُبدِعُ الشُّعراءُ خيْبةُ الشِّعرِ أن يعيشَ عقيماً ... لا طموحٌ، ونظرْةٌ عمياءُ وحَّد الكُفْر صفّهُ واستباحوا ... بيضة الدِّين، والحِمى وأساؤُوا غرز الوهْنُ مِخلبَ الضعْفِ فينا ... لمْ تُفِقْنا الدِّماءُ والأشْلاءُ! يا لَهولِ المُصابِ يَومَ ارتَحَلْنا ... مَركب التِّيه واحْتوانا الشَّقاءُ ليتَ شِعْري بأيِّ شيءٍ فُتنَّا؟ ... هل سَبتْنا بقِدّها الحسناءُ؟! أم من المال، والمناصِب تُغْري! ... أو هوى النّفس، والرَّدى، والغِناءُ ألفُ بابٍ إلى عذابٍ بئيسٍ ... وذِئَابٌ يَزُفُّهنّ العُواءُ يندُب اليومَ حالنا كُلّ شيءٍ! ... ضاقَ عنَّا وعن أسانا الفضاءُ أينَ داعي الجهادِ؟ هل من مُجيبٍ؟ ... عظمَ الخَطْبُ، واستفاضَ البَلاءُ يا رياحَ الفِدا: أثيري سحاباً ... من نِضالٍ يَسوقُه الأقْوياءُ لم تزل تمْلأُ الزّوايا خبايا ... ومنايا يحبُّها الشّهداءُ رُبِّ يومٍ يكونُ مِنا قريباً ... يبْزغُ الفجْر، تنهضُ (البلقاءُ) لو ثبتنا على العقيدةِ صِدْقاً ... ومَضينا سيرجِعُ (الإسراءُ) هيِّئُوا للحِمام كُلَّ صقيل ... في صفُوفٍ يقودُها العُلماءُ وإذا اشتدَّ بالعباد بلاءٌ ... كُشِفَ الكربُ، واستُجبيبَ الدُّعاءُ وإذا الموتُ قادِمٌ وهو حتمٌ ... فمماتٌ تُثْنِي علْيهِ السّماءُ

стр. 4593

نص شعري أسفي على أرض العراق محمود العمراني ... ما أنتَ عن ليل الهموم بغائبٍ ... كلاَّ، ولستَ عن الجراح بمعزلِ فاجعل قصيدك في المحافل صرخةً ... واترك لأهل العشق شدوَ البلبلِ واقبس لنا من نور حسانٍ سناً ... يمحو الظلام ودع مجون الأخطلِ إني رأيت الشعر يعظم قدرُه ... إن قيل في وصف العظائم أو تُلي ويكون أوضع ما يكون إذا أتى ... في مدح طاغية.. ووصف مُقبَّلِ أسفي على أرض العراق فإنها ... نزلت من الدنيا بأسوأ منزلِ من بعد أن كانت مناراً يُهتدى ... بضيائه وشذاً لكلّ مؤمِّلِ صارت كألحان الغروب كئيبةً ... لكن بغير نسيمه المتسلّلِ..! يا أرض بغداد الجريحة هزني ... خذلان أمتنا.. وألجم مِقْوَلي ما كان هذا من خلائق أمتي ... يوماً، ولا من طبعها المتأصلِ لكنها بُليت بما أودى بها: ... ليلٍ أقام على رباها أليلِ ما كان أخلقها بنصرة بضعةٍ ... من أرضها قُصدت وشَعْبٍ أعزَلِ لا أن تقول لمن أرادت قتلها: ... أهلاً وسهلاً بالسلام.. تفضلي!

стр. 4594

مرصد الأحداث وائل عبد الغني أقوال غير عابرة: - رأيت بنفسي كيف شجعت القوات الأميركية عراقيين على سلب وحرق جامعة التكنولوجيا. [شاكر عزيز، أستاذ جامعي، عراقي، (البيان الإماراتية) العدد: (٨٣٣٥) ] - في حالة تعرض سوريا لهجوم عسكري من قبل الولايات المتحدة؛ فقد يمس هذا بإسرائيل أيضاً. [وزير الخارجية السوري فاروق الشرع، يرد على تحذيرات جورج بوش الصغير، يديعوت أحرونوت، ١٤/٤/٢٠٠٣م] - احتلال العراق بمثابة إنجاز استراتيجي كبير؛ يفسح المجال أمام الجيش الإسرائيلي لتجميد وتطبيق خطته المختلفة على مدى فترات زمنية أطول. [مصدر من وزارة المالية الإسرائيلية، (البيان الإماراتية) العدد: (٨٣٣٥) ] - لا أدري إن كان حتى الآن من حق الإنسان العربي أن يحزن بعد أن صودر حقه في التعبير عن أحزانه داخل أوطانه!! [زينب حفني، (الشرق الأوسط) العدد: (٨٨٨٧) ] - إن الأمر الذي أحدث صدمة في لندن أن الولايات المتحدة قد اختارت شركات أميركية لإعادة إعمار ما دمرته الحرب. [صحيفة لوموند الفرنسية، (البيان) العدد: (٨٣٢٠) ] - إن سقوط بغداد يعني سقوط المنطقة برمتها. [عمرو موسى، أمين عام الجامعة العربية، (البيان) العدد: (٨٣٢٠) ] - إنني لا أعتقد أن الدور الإعلامي للقاعدة سينتهي بعد انتهاء الحرب التي لا نستطيع التنبؤ بنهايتها.. إن دورها ك «بنتاجون مصغر» ، ومنبر إعلامي؛ لا يقتصر على حرب تحرير العراق، بل الإدارة من خلالها للعمليات العسكرية أو الوجود العسكري الأميركي في ٢٥ دولة أخرى في المنطقة. [مارك كيتشينس، المتحدث باسم المركز القيادي للجيش الأميركي في السيلية، (الشرق الأوسط) العدد (٨٨٩٩) ] - الأمريكيون يواجهون في العراق اليوم أزمة أكثر تعقيداً من أزمة ما قبل الحرب؛ بغض النظر عن النتائج العسكرية المباشرة للحرب.. ستزداد هذه الأزمة تعقيداً كلما ازداد تدفق المتطوعين العرب إلى العراق. [بشير موسى نافع، (القدس العربي) العدد: (٤٣١٩) ] - إن الرئيس الأميركي جورج بوش كان واقعاً في «سوء فهم هائل» حينما أعلن أنه ينفذ «مهمة إلهية» بالحرب على العراق. [الرئيس الألماني يوهانس راو، (الشرق الأوسط) العدد: (٨٨٨٩) ] - إن الحرب التي تخيم على العراق هي نسيج أيدي اليهود الأمريكيين. وإنه لولا دعم المجموعة اليهودية القوي لهذه الحرب لكنا تصرفنا بشكل مختلف. [جيم موران، عضو الكونجرس عن فرجينيا، أحد أبرز هذه الشخصيات. (الأهرام) العدد: (٤٢٤٩٢) ] - استهدفوا الصحفيين لأنهم لا يريدون كشف الحقيقة. [بيتر آرنت، الصحفي الأمريكي، المبعد من قناة NBC الأمريكية، (التجديد) العدد: (٦٢٣) ] - واشنطن تستهدف من إزاحة صدام حسين ونظامه عن سدة الحكم برغم استجابته لكل متطلبات التركيع والترويض؛ لكي يكون هذا النظام أمثولة تحمل في طياتها رسالة لمن تريد واشنطن أن تبعث لهم برسائل محددة داخل المنطقة وخارجها! [الأهرام، العدد: (٤٢٤٩٣) ] مرصد الأرقام: - يفوق إجمالي الديون والتعويضات المستحقة على العراق ٤٢٣ مليار دولار؛ منها نحو ١٧ مليار دولار للكويت وحدها، وتقدر الديون الخارجية العراقية نحو ١٢٧ مليار دولار؛ منها ٨٠ مليار دولار هي أصل تلك الديون، ونحو ٤٧ مليار دولار زيادات ربوية مستحقة عليها، وإذا لم يتم إزالة الحظر الاقتصادي المفروض على العراق بشكل كامل بما يعني استمرار إنفاق أموال العراق تحت إشراف الأمم المتحدة؛ فإنه سيتم نهب ثروة العراق لتسديد الديون والتعويضات، والتي يمكن أن تستنفذ كل قيمة الصادرات النفطية العراقية لنحو ربع قرن، ولا تترك للشعب العراقي شيئاً لإعادة الإعمار والتنمية. [الأهرام، العدد: (٤٢٤٩٧) ] - نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مسؤول أميركي أنه من بين الجنود في الجيش الأميركي البالغ تعداده حوالي ١.٥ مليون جندي؛ يوجد ٣١ ألفاً لا يحملون الجنسية الأميركية. [الحياة، اللندنية العدد: (٢٤٦٠٥) ] - أعلن مسؤول أميركي أن القوات الجوية الأميركية والبريطانية قامت منذ بدء الحرب في ٢٠ مارس الماضي، وحتى سقوط بغداد تقريباً بـ ١٢ ألف غارة ألقت خلالها أكثر من ١٤٥٠٠ قذيفة موجهة، و٦٨٠٠ قنبلة غير موجهة منذ بدء الحرب فوق الأراضي العراقية. [صحيفة تشرين، السورية، ٩/٤/٢٠٠٣م] - يقدر عدد العلماء العراقيين المرموقين بنحو ٣٥٠٠ عالم، من بينهم قرابة ٥٠٠ عالم خدموا في تطوير صناعة السلاح العراقية؛ بما فيها قطاع الأسلحة غير التقليدية. [التجديد، العدد: (٦٢٣) ] مرصد الأخبار: شروط البقاء في اللعبة خلال اتصال هاتفي أبلغ توني بلير الرئيس السوري بشار الأسد خمسة شروط أميركية لضم سوريا إلى نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط يزمع تشكيله مع حلول الصيف المقبل، ويضم هذا الإقليم كلاً من: العراق الجديد، والأردن، وإسرائيل، وسوريا، ولبنان؛ إن التزمت دمشق بهذه الشروط، إضافة لتركيا كمعبر إلى أوروبا.. هذه الشروط هي: ١ - إعادة النظر في الدستور السوري سلطة حزب البعث لتوفير مشاركة شعبية أكثر في حكم البلاد عبر مؤسسات دستورية، ومشاركة شعبية واسعة من مختلف التيارات السياسية والفئات والقطاعات والطوائف السورية المختلفة. ٢ - إجراء تغييرات في هرم القيادة السياسية لإنهاء تحكم رجال الحرس القديم بمقاليد السلطة في البلاد، وهذا يعني: ٣ - سحب جميع قواته من لبنان، وفتح المجال أمام لبنان للتحرك السياسي في إطار الخطط المقبلة لبناء الشرق الأوسط الجديد بإرادته بعيداً عن الضغوط. ٤ - التخلص من استضافة جماعات المقاومة مثل حزب الله والجهاد الإسلامي وحركة حماس. ٥ - تحجيم العلاقات مع إيران؛ إذ لا دور لها في الإقليم الشرق أوسطي. [البيان الإماراتية، العدد: (٨٣٣٥) ] خطاب التفتيت لا بد من محاولة لقراءة (الخطاب الأميركي) الموجه إلى العراقيين.. أول ما يستوقف أن هذا الخطاب المبشّر بديمقراطية ما بعد الاحتلال؛ لا يتوجه إلى العراقيين كشعب واحد في وطن واحد له دولة واحدة.. إنه في الشمال، غيره مع الجنوب، ومع بغداد غيره مع سائر الجهات، إنه في الشمال يخاطب (الأكراد) ، وفي الجنوب يخاطب (الشيعة) ، وفي الوسط يخاطب (السنة) ، كما يتوجه في بعض فقراته إلى (التركمان) و (الكلدان) و (الآشوريين) كأقليات دينية وعرقية. إنه خطاب تقسيمي للعراقيين قبل أن يكون تقسيمياً لدولتهم. إن الحرب الأميركية تحت شعار (الحرية للعراق) إنما أسقطت برصاصتها الأولى حق العرب في التحرر، أما الرصاصة الثانية فقد أصابت (الرأي العام الدولي) في صميمه؛ معلنة احتقارها لشعوبه ودوله جميعاً.. وما بعد العراق سيكون أدهى وأمر ... [الكاتب طلال سلمان، السفير، ١٠/٤/٢٠٠٣م] الويلات (الولايات) المتحدة الأمريكية شاهدت فظائع لا يمكن تصورها ارتكبتها القوات الأميركية في مدينة الناصرية العراقية، كنت أقوم بالتصوير قرب مساكن طينية منهارة، وكنت أسمع أنيناً تحت التراب، وعندما حاولت النبش بيدي العزلاء بدأ القصف من الجانبين واضطررت لدخول مركبة الصحافيين، وصوت الأنين لا يزال في أذني حتى الآن ... حصلت جرائم كثيرة، وسُحبت منا عدة أشرطة احتوت على مشاهد مثيرة، ولكننا استطعنا إخفاء الكثير أيضاً.. لم أر أبرد من دمائهم كانوا يطلقون النار على كل ما ارتفع من الأرض، كانوا يستخدمون سياسة الأرض المحروقة، أما ما يقال عن عدم استهداف المدنيين وانتقاء الأهداف العسكرية فإنه كان مجرد تصريحات للسياسيين والعسكريين في المؤتمرات الصحافية، أما الواقع والحقيقة فقد كانت الحرب مذبحة لكل كائن حي، وتسوية كل ما علا بالأرض في أكثر الأحيان، خاصة إذا اعتقد المارينز أن تلك البيوت يختفي وراءها مقاتلون عراقيون.. كل سقف في الناصرية أصابته القذائف، وبعض البيوت ظل واقفاً ولكن لا يوجد شيء بداخله؛ فقد خرقته قذائف الهاون، وقتلت أرواح كثيرة ممن كانوا بداخلها ... الجنود الأميركان تعرضوا على ما يبدو لعملية غسل دماغ قبل أن يأتوا، وشُحنوا بالحقد والكراهية، واستُغل صغر سنهم؛ فمعظمهم لم يتجاوز ٢٢ سنة، وكانوا ينتظرون بدء الحرب ليمارسوا هواياتهم.. كان النساء والأطفال وأحياناً الرجال يبكون، يستغيثون، وكان ذلك يملأ الجنود بالغرور؛ فها هم أعداؤهم تحت أقدامهم يطلبون الرحمة.. الناس فقراء يسكنون في بيوت من القش والطين، وكان رصاص الرشاشات الأميركية يخرق ستة جدران متتالية، ولم يكن الجنود يخشون من شيء، فلن تُعقد لهم محاكمات في لاهاي أو في غيرها فهم أميركيون، ومستعدون لإطلاق النار على من يرميهم بحصاة.. القوات الأميركية منعت كل المراسلين المرافقين لها من بث أي تقارير أو صور لا ترضيهم. تلك بعض شهادة «دامير شاغولاي» المصور بوكالة رويترز العالمية للأنباء عن رعاة البقر وحربهم الصليبية الجديدة. [البيان الإماراتية، العدد: (٨٣٣٠) ] موعظة الثعالب لم تنته الحرب في العراق بعد رغم التقدم السريع الذي حدث في بغداد، ولكن التهديدات للأنظمة العربية بدأت بالصدور من صقور في الإدارة الأمريكية، حيث اعتبروا ما حدث في العراق درساً للجميع. فجون بولتون هدد سورية، وإسرائيل تجرأت وطالبت الفلسطينيين بالاتعاظ بما يحدث في بغداد. وهذه التهديدات تخفي وراءها تفكيراً في إدارة بوش لجعل المنطقة العربية مختبراً للتجريب، تحت شعار إدخال الديمقراطية. ومن ضمن الخطط التي تريد أمريكا إحداث التغيير فيها في مرحلة ما بعد الحرب؛ هي تغيير النظام التعليمي. وكانت وكالة (يو إس أي إيد) قد طرحت قبل الحرب العديد من العطاءات لاستدراج عروض من أجل تجديد النظام التعليمي في العراق. [القدس، العدد: (٤٣١٩) ] نموذج للدمقرطة خرجت صحيفة الإندبندنت عن الإصرار المعتاد لصفحتها الأولى؛ وأفردتها لمقال مراسلها في بغداد روبرت فيسك، استهله بهذا الوصف: «إنه مشهد فاحش مثير للاستنكار ... يد مبتورة التصقت بالباب الحديدي ... على الأرض اختلطت الدماء بالطين.. داخل أحد المستودعات رأيت بقايا مخ بشري، وبقايا عظمية محترقة لأم عراقية وثلاثة من أطفالها ... صاروخين من طائرة أمريكية قتلا الجميع ... في تقديري مات ٢٠ مدنياً عراقياً قطعت أجسادهم إرباً إرباً قبل أن» تحررهم « الدولة التي أزهقت أرواحهم ... » . [بي. بي. سي، ٢٧/٣/٢٠٠٣م] عادٌ الثانية! كتب الدكتور أولمان مذكرة بعنوان: «الصدمة والرعب» Shock) (awe and وُضعت أمام بوش الصغير ونشرتها الصحافة الأميركية (وبينها جرائد نيويورك تيمس، وواشنطن بوست، ولوس أنجلوس تيمس) ، وفيها يقول بالنص: على الولايات المتحدة أن تستعمل أقوى شحنة من القوة المكثفة، والمركزة، والكاسحة؛ بحيث تنهار أعصاب أي عدو يقف أمامها، وتخور عزيمته قبل أن تنقض عليه الصواعق من أول ثانية في الحرب إلى آخر ثانية، ويتم تقطيع أوصاله، وتكسير عظمه، وتمزيق لحمه؛ دون فرصة يستوعب فيها ما يجري له. [وجهات نظر، العدد: (٥١) ] تساؤلات؟! - لماذا لم يقع اختيار وزارة الدفاع الأمريكية لإدارة العراق بعد صدام إلا على جنرال أمريكي له ارتباطات قوية ومعروفة مع إسرائيل؟ هل هي مصادفة؟ .. أَوَ ليس هناك غيره لهذه المهمة؟ .. ولماذا لا يكاد يمر يوم إلا وتتأكد الروابط بين خط سير السياسة الأمريكية وبين ما تريده إسرائيل، ليس فقط في علاقتها بالفلسطينيين، بل أيضاً بالنسبة للعالم العربي ومستقبل المنطقة؟ [الأهرام، العدد: (٤٢٤٩٢) ] - لماذا تركت كونداليزا رايس واشنطن في عز الحرب وذهبت إلى موسكو في رحلة لم نعرف عنها أي شيء؟ لماذا اختفى سعدون حمادي رئيس البرلمان العراقي ولم يظهر طوال فترة الحرب؟ ! لماذا تمت مذبحة الصحفيين فجر الثلاثاء بالذات مع العلم أن الاقتحام الكبير كان موعده صباح الأربعاء؟ ولماذا دخل جنود المارينز بغداد يتمشون بجوار دباباتهم وكأنهم في فسحة؟ ولماذا انسحب جنود الحرس الجمهوري وفدائيو صدام وفرق الموت؟ لدرجة أنه لم يبق في الشوارع سوى بعض المتطوعين العرب الذين سُحبت جوازات سفرهم قبل تسليمهم السلاح؟! هل هناك علاقة بين الذين قاموا بالسلب والنهب في بغداد، والذين مثلوا دور أعضاء الفرقة التي استسلمت لقوات المارينز في البصرة في يوم الحرب الأول. ومن سيحكم العراق؟ هل هو الجنرال حامل العضوية المنتسبة في حزب الليكود الإسرائيلي؟ أم الجلبي العائد في طائرة أمريكية؟ لماذا لم تستأنف عمليات القصف شمال بغداد وتكريت والموصل وكركوك والعمارة والبصرة صباح الخميس بعد الهدوء المريب يوم الأربعاء؟ هذه الحرب شنت تحت عناوين لم يتحقق منها شيء، أسلحة الدمار الشامل لم يعثر على شيء منها. الحرية وصلت بدلاً منها الفوضى. [الأسبوع، العدد: (٣١٩) ] - «ما هي الديمقراطية التي يتحدثون عنها عندما يكونون عاكفين على محاولة تدمير البلاد بالكامل؟» . [بي. بي. سي، ٢٧/٣/٢٠٠٣م] العب لتكسب.. استثمار في الهدم! الرئيس بوش الصغير أضاف هو وإدارته في الواقع جديداً للتاريخ الإمبريالي الأمريكي، وهو ابتداع نظرية إمبراطورية لاستعمار الشعوب. وهذه النظرية مؤسسة في الواقع على عدد محدود من الأفكار الإجرامية مبناها أن أمريكا تقوم من خلال القصف العشوائي بصواريخ كروز وقنابل الطائرات الثقيلة بتدمير الدولة التي تحاربها ثم تبدأ بعد ذلك في إعادة تعميرها من خلال نهب ثرواتها والاستيلاء على مصادر دخلها وتوزيع عقود الإعمار على الشركات الأمريكية. وقد تولى صياغة هذه النظرية المستحدثة في استعمار الشعوب لجنة مشتركة من جمعية الجيش الأمريكي بالاشتراك مع مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن (يضم ١٩٠ باحثاً وخبيراً) . صدر هذا التقرير في يناير عام ٢٠٠٣م بعد عام أو أكثر من البحث العميق، وله عنوان غريب يدل في الواقع على العقلية السوقية الأمريكية التي لا تركز إلا على الربح والربح الوفير؛ سواء في مجال الاقتصاد أو في مجال الحروب وما بعد الحروب. «العنوان هو:» العب لتكسب «! والعنوان الفرعي» لجنة إعادة الإعمار بعد نهاية الصراعات «. وقد صاغت هذه اللجنة ١٧ توصية موزعة على أربع فئات كبرى هي: ضمان الأمن وتحقيق العدل، والمصالحة، وإشباع الحاجات الاقتصادية والاجتماعية، وأمور الحكم والمشاركة. ويتسم بصراحة فجة حين تحدث عن دور الولايات المتحدة في إعادة إعمار الدول الفاشلة، حيث قرر بوضوح أن المسألة تعتمد أساساً على مصالح الولايات المتحدة الأمريكية؛ بمعنى أن الإسهام الأمريكي في إعادة إعمار هذه الدول لا علاقة له البتة باعتبارات إنسانية أو غيرها. وعلى ذلك إن كانت هناك مصالح أمريكية كبرى فعلى الولايات المتحدة الأمريكية أن تمارس دوراً رئيسياً، أما إذا لم تكن هناك مصالح مهمة فلا ينبغي الاهتمام بالقيام بأي دور أمريكي في هذا المجال. وحين نطالع التوصيات المتعددة سنكتشف أنها تهدف أساساً للسيطرة على كل مقدرات البلد المستعمر (وهنا في هذه الحالة هو العراق) لضمان الأمن وتحقيق العدل، وإشباع الحاجات الاقتصادية للسكان، وضمان إقامة نظام حكم استعماري صريح قد يشارك فيه بعض سكان البلاد بصورة كبيرة أو صغيرة؛ حسب الظروف والأحوال. وتطبيقاً لهذا الفكر الاستعماري المستحدث؛ نُشر أن الحاكم العسكري المقبل للعراق هو الجنرال المتقاعد» جاردنر «الذي يمكث الآن في أحد فنادق الكويت تمهيداً لاستدعائه لحكم العراق يا للجهالة! ونشر أيضاً أنه ستشكل وزارة مكونة من ٢٣ وزيراً أمريكياً قد يعين لهم مستشارون عراقيون! [الأهرام، العدد: (٤٢٤٩٣) ] مسعِّرو الحرب خلال السنة الأخيرة تنامى في هذه القرية إيمان جديد: الإيمان بالحرب ضد العراق. هذا الإيمان المتقد بثته ثلة صغيرة تعدادها ٣٠٢٥ شخصاً من المحافظين الجدد، كلهم تقريباً من اليهود، كلهم تقريباً مثقفون (قائمة جزئية: ريتشارد بيرل، بول وولفوفيتز، داغ بييت، بيل كريستول، اليوت أبراهمس، تشارلز كروتهايمر) ، أشخاص تربطهم ببعض صداقات، ويؤازرون بعضهم بعضاً، ومقتنعون بأن الأفكار السياسية هي قوة دفع مركزية في التاريخ. وهم يؤمنون بأن الفكرة السياسية الصحيحة مرهونة بالمزاوجة بين الأخلاق والقوة، وحقوق الإنسان والتصميم. المحافظون الجدد في واشنطن يؤسسون فكرهم على هوبس، وميكيافيللي، وأدموند برك. ويجلّون ونستون تشرتشل وسياسة ريجان. ويميلون إلى قراءة الواقع بمصطلحات فشل الثلاثينيات (ميونيخ) مقابل نجاح الثمانينيات (سقوط سور برلين) . [الكاتب الصهيوني، آري شافيت، تحت عنوان: أنا وأنتم سنغيّر العالم، إسرائيل ويكلي، عن السفير، ٧/٤/٢٠٠٣م] أخبار التنصير: أبو إسلام أحمد عبد الله تنصير: في الطريق إلى بغداد أعلنت منظمتان نصرانيتان أميركيتان أنهما تعدان فرق عمل لدخول العراق ونشر النصرانية، وقالت المنظمتان وهما» المؤتمر المعمداني الجنوبي «أكبر التجمعات البروتستانتية في الولايات المتحدة، و» فرانكلين جراهام ساماريتانس بيرس «، في تصريحات لموقعي بليف نيت، ونيو هاوس الإخباريين: إن أعضاءهما متواجدون حالياً على الحدود العراقية الأردنية في انتظار الدخول إلى الأراضي العراقية عندما تستقر الأوضاع الأمنية. وقال مترجم: إن المنظمتين تشكلان فرقاً من المترجمين للقيام بمشروع ترجمة من الإنجليزية إلى العربية. وأنه اطلع على مقتطفات من مشروع الترجمة ولاحظ أنه ذو طبيعة تبشيرية؛ مشيراً إلى أن ذلك المشروع يستهدف ثلاث دول هي السعودية والكويت والعراق. وأعلنت المنظمتان اللتان أساءتا قبل ذلك للإسلام أن من أولوياتهما تقديم الطعام والمأوى والاحتياجات الأخرى للعراقيين المتضررين من الحرب، وأنهما ستنشران الديانة المسيحية بين العراقيين الذين يبلغ نسبة المسلمين بينهم ٩٨%. وأعلن فرانكلين جراهام من قبل أن منظمته على اتصال دائم بما أطلق عليه وكالات الإدارة الأميركية في العاصمة الأردنية عمان لتنفيذ خططها. ولكنه عاد ليقول: إن المنظمة لا تعمل لحساب الإدارة الأميركية؛ وإنها لا تنتظر منها تصريحاً لتباشر عملها. [البيان، العدد: (٨٣٢٠) ] النمسا تستجيب لطلب شنودة بعد ثلاثين عاماً متواصلة من الرفض والتسويف من طرف الحكومة النمساوية وبواسطة هيئة oriente pro- التنصيرية الدولية، وافق البرلمان النمساوي في جلسته المسائية يوم الأربعاء ٢٦/٣/٢٠٠٣م بأغلبية الأعضاء على قبول طلب الأنبا شنودة بابا الكنيسة المصرية للاعتراف بها ككيان رسمي، أسوة بالكنيستين السريانية والأرمنية في النمسا. تحدث في جلسة البرلمان التي خصصت لهذا الشأن أربعة من أعضاء البرلمان يمثلون أكبر ثلاثة أحزاب في النمسا، هم (حزب الشعب) و (الحزب الاشتراكي) ، و (حزب الخضر) الذي أبدى تعجبه الشديد من هذا الحدث المباغت للجميع؛ مشيراً إلى أن القانون الذي طرحه رئيس مجلس النواب تم طبخه في فترة لم تتجاوز الشهر الواحد، وهي فترة إعداد القانون وتعديله وصياغته واعتماده؛ مما يضع علامات استفهام عديدة. وجاء الرد من الوزيرة المختصة، وتدعى» جيرا «وزيرة الحضارة والأديان والتعليم فقالت: إنني قررت أن أعمل بنشاط من أجل الاعتراف بهذه الكنيسة، خاصة بعد اتصال الكاردينال بورن المسؤول بالمنظمة الدولية للتنصير؛ مؤكداً أهمية حصول هذه الكنيسة على الاعتراف الكامل لرعاية أبنائها في النمسا ولتبادل المصالح الاستراتيجية. [مجلة الكرازة المرقسية، ٤/٤/٢٠٠٣م] الفاتيكان يناقش قضية صراع الراهبات مع رغبات الرهبان لم يكن جديداً على قارئ صحيفة الكنيسة الأسبوعية» ناشيونال كاثوليك ريبورتر «التي تصدر في أمريكا؛ أن يقرأ في عددها الصادر أول فبراير الماضي تقريراً تحت عنوان:» الفاتيكان يهوِّن من اغتصاب الراهبات «، فقالت الصحيفة إنها رصدت بعض الحالات التي حملت فيها الراهبات من القساوسة ثم أجبرن على الإجهاض. وأشارت الصحيفة في موضوعها إلى خمسة تقارير أعدها رجال دين كاثوليك في الفترة من ١٩٩٤م حتى ٢٠٠٢م، وتعقيب للأب جواكين نافارو فولز المتحدث باسم الفاتيكان؛ يؤكد فيه علم قيادة الكنيسة الكاثوليكية بالمشكلة، ولكن أشار إلى أنها تنتشر في منطقة جغرافية محدودة يقصد بها الولايات المتحدة الأمريكية وإيطاليا والهند وأيرلندا والبرازيل؛ من بين ثلاثة وعشرين دولة أخرى حدثت فيهم نفس المشكلة لكن في إطار محدود للغاية. ونقلت الصحيفة عن الأب» روبرت جي فيتيلو «الذي يرأس حالياً حملة الأساقفة الأمريكيين من أجل التنمية البشرية في محاضرة ألقاها عام ١٩٩٤م حول هذه المشكلة، قال فيها: إنه سمع بنفسه قصصاً مأساوية عن أخوات راهبات أُجبرن على ممارسة الفاحشة مع قساوسة أو رهبان أو رجال دين؛ أقنعوهن بأن ممارستها مفيدة للطرفين. وأشار التقرير إلى نقطة وصفها بالخطورة هي أن الأخوات الراهبات اللاتي تعرضن لهذه المأساة لم يجدن كثيراً من التعاطف أو الاهتمام عندما قدمن شكاواهن لإدارة الكنائس، حيث تضمن واحد من التقارير الخمسة، قولاً للراهبة الطبيبة ماورا أودوني؛ أن أخواتها المتضررات قدمن مناشدتهن الحارة إلى الكنيسة الأم في روما يطلبن فيها المساعدة فلم يجدن آذاناً صاغية، واكتفت الإدارة المسؤولة عن شؤون الراهبات في الفاتيكان في رد رسمي أنهم يعملون على حل هذه المشكلة؛ منبهاً إلى أهمية ألا تغطي هذه القضية على أعمال جيدة أخرى يقدمها الرهبان ورجال الدين. منظمة» ٢٠٠٠ راهب وراهبة « نقلاً عن نشرة حامل الرسالة في ٣٠/٣/٢٠٠٣م في احتفال أقامته منظمة » العناية الإلهية الكاثوليكية «بمرور مائة عام على تأسيسها بالمقر البابوي في روما، قال بابا الفاتيكان إن عمل هذه المنظمة يمتد إلى ٣٠ دولة، خاصة في مجال التعليم، ويبلغ عدد أعضائها ١٠٢٣ كاهناً، و ٢٨٢ راهباً، و ٨ نساك، و ٣ أساقفة، كما أنشأت هذه المنظمة فرعاً نسائياً يضم ٩٩٠ راهبة يسهمن في أعمال الدعوة الروحية التنصيرية في البلاد التي تنتشر فيها فروع المنظمة. أخبار قصيرة جداً: - عقدت في سويسرا، ولمدة ثلاثة أيام بدأت في ٢٤ فبراير الماضي، الجمعية العمومية لمجلس الكنائس العالمي بالعاصمة جنيف؛ لمناقشة تطوير أساليب التعاون بين الطوائف النصرانية في العالم، والوصول إلى صيغ لاهوتية تنزع فتيل الصراع الديني بينها. وقررت الجمعية أن يكون لقائها التالي في فبراير ٢٠٠٦م بالبرازيل. - نظمت الكنيسة المصرية في الأسبوع الثالث من شهر مارس الماضي مؤتمراً لاهوتياً موسعاً في جمهورية كينيا بالسفارة الإفريقية، حضره عدد كبير من الأساقفة ورؤساء الكنائس في أمريكا، وسويسرا، وتنزانيا، وزامبيا، والسودان. - وافق مجلس أمناء اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري على نقل وقائع صلوات الكنيسة التي تقام في الساعة الحادية عشرة من كل يوم أحد أسبوعياً على الهواء مباشرة؛ من خلال الفضائيات المصرية والقمر الصناعي، ومن خلال الإذاعات المصرية الموجهة إلى كل من أستراليا وأمريكا. ترجمات عبرية خاصة بالبيان: * تصريحات إسرائيلية: -» إن صورة تحطيم التمثال الضخم للرئيس العراقى صدام حسين أدى إلى زلزال زعزع جميع أنظمة القياس السياسية في الشرق الأوسط. ولا نعرف ماذا أراد أن يفعل كل من بشار الأسد ومعمر القذافي وآية الله خامينئى، وكيم يونج إيل وأمثالهم في الساعات التي تلت سقوط نظام صدام حسين يوم الأربعاء التاريخي الموافق ٩/٤/٢٠٠٣م، لكنني أخمن أنهم قرروا تأجيل خططهم الدفينة داخلهم. فالأسد والقذافي ويونج إيل وآيات الله تسمروا أمام شاشات التليفزيون مثل ملايين البشر، ورأوا كيف سقط أول عضو في فريق رؤساء دول محور الشر، عندها أيقنوا أن هذه هي النهاية الحتمية لبقية أعضاء الفريق «. [حامي شاليف، معاريف، ١٦٨٧٢] - صحيح أن الأمريكيين يأتون بالديمقراطية إلى بغداد اليوم على فوهات الدبابات، لكن العراق سيكون ديمقراطياً بفضل نفسه. سيكون أول دولة عربية تتحرر من لعنة الأجيال التي تقول إن الديمقراطية والعروبة تلغيان بعضهما بعضاً، وتتناقضان بكل ما تعنيه الكلمة. وسيثبت العراق بطلان النظرية التي تقول إن الحضارة العربية ترفض القيم الديمقراطية المتحررة؛ لأنها لديها قيمها المختلفة. فأي قيم مختلفة تلك التي يجري الحديث عنها هنا؟! أهي قيم الشرطة السرية المتربصة بالمواطنين عند زاوية كل شارع؟! أم قيم سجون وغرف التعذيب؟! أم قيم الناس الذين يختفون من الحياة ليلاً؟! أم قيم الشعب الجائع في وقت يبني فيه حكامه القصور لأنفسهم؟! إن مشكلة العالمين العربي والإسلامي لا تكمن في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني؛ إنما تكمن في الأنظمة المتسلطة الديكتاتورية وغير الديمقراطية التي تتحكم في مقدراتها. لكل دكتاتور يومه، لقد سقط أمس أحد آخر هؤلاء، لقد سقط صدام حسين، لكن بغداد لم تسقط، بغداد نهضت وانتصبت قامتها. [سفر بلوتسكر، يديعوت أحرونوت، عدد ١٠/٤/٢٠٠٣م] -» بعد عشرات السنين من القومية العربية المتفاخرة بما فيها ترويج أسطورة طرد الفرنسيين والبريطانيين من قِبَل جمال عبد الناصر، جابت الدبابات الإمبريالية الأمريكية البريطانية شوارع أكبر عاصمة عربية. والآن الجميع في العالم العربي يتساءل: على من الدور القادم في الطابور الأمريكي؟ هل سيكون الدور على تماثيل الأسد - الأب والابن - في ساحات دمشق؟ أم يكون الدور على بورتريه الرئيس الليبي معمر القذافي في طرابلس؟ وفي القاهرة أيضاً يخافون كما في الكويت، الجميع يتساءل: أي محطة سيستقر عندها الرئيس بوش في المرحلة القادمة؟ فبالنسبة لمبارك وحاشيته من أعضاء فريق الرؤساء المنتخبين بأغلبية ٩٩%؛ فإن الديمقراطية والانتخابات الحرة ليست مجرد كلام، بل مادة ثمينة للكوابيس الليلية التي تكتنفهم الآن «. [جاد شومرون، معاريف ١٦٨٧٢] - أطمئن الأسرة اليهودية أن الحرب العراقية على إسرائيل وردت في (التناخ) وهي الكتب الدينية الثلاثة الأسفار الخمسة للتوراة، وأسفار الأنبياء، وأسفار المكتوبات حينما ورد في أحد فصول سفر إرميا أن» الموت سيأتي من النافذة «. وها هو الموت قد يأتي إلينا من النافذة عن طريق الأسلحة العراقية. [الحاخام، البريكت فوكس، أحد رؤساء الجماعة الدينية اليهودية، موقع وله العبري، ٢٩/٣/٢٠٠٣م] * يديعوت أحرونوت: الأمة الإسلامية متفرقة.. فلم الخوف؟! تحت عنوان:» تفرق الأمة الإسلامية «، كتب المعلق السياسي للصحيفة الإسرائيلية» سيفر بلوتسكر «: إلى هؤلاء اليهود الخائفين من تظاهرات العالم العربي والإسلامي التي تعبِّر عن غضبهم وكراهيتهم لليهود ولإسرائيل أقول لهم لا تخافوا ولا تتشاءموا، فإن العالم الإسلامي متفرق، وكل دولة مشغولة في همومها وأوضاعها الاقتصادية السيئة» . أضاف: «وعلى اليهود المتشائمين أن يتذكروا أن وضعنا الآن بالنسبة للمسلمين موضع قوة، وأوضاعنا أصبحت أفضل بكثير عن ذي قبل، الدليل أننا كنا في بداية سنوات السبعينيات منبوذين ومُحاصرين من الدول الإسلامية والعربية على المستوى السياسي والاقتصادي والديبلوماسي، إضافة إلى عدم وجود علاقات دبلوماسية لنا مع العديد من الدول الأخرى المؤيدة وقتها للدول الإسلامية والعربية مثل الصين. أما الآن وفي غضون أقل من ٢٥ عاماً استطعنا أن نقيم علاقات مع معظم دول العالم، والتي تُتيح لنا حق الوجود كدولة يجب أن تعيش في أمن وأمان. وقال المعلق الإسرائيلي:» لقد أصبحنا أقوياء الآن، وحرب «الغفران» عام ١٩٧٣م لا يمكن أن تتكرر مرة أخرى، السبب ببساطة أن المسلمين لا يمكنهم التوحد والاتفاق على شيء إلا الخلافات فيما بينهم. وعلى الجميع أن يتذكر أننا الدولة الخامسة على مستوى العالم في مجال صناعة التكنولوجيا والبرمجيات التي باتت تحقق الرخاء الاقتصادي لأي مجتمع. حيث يبلغ حجم التصدير الإسرائيلى ٤٠ مليار دولار «. * هل يضيع المسجد الأقصى بحلول عام ٢٠٠٥ م؟ قرر رئيس الوزراء الإسرائيلي أرئيل شارون استثمار انشغال العالم بتمكين اليهود من الإقامة في إحدى النقاط المهمة والأساسية للسيطرة على المسجد الأقصى. فقد نشر موقع» وله «الإخباري العبري، صحيفة هتسوفيه الإسرائيلية ذات الميول الدينية؛ أن شارون قرر زيادة الوجود اليهودي في منطقة» رأس العمود « المجاورة للمسجد الأقصى، والتي يسكنها غالبية من المسلمين. وقرر شارون تخويل شركة» كادوميم ٣٠٠٠ «بتسكين عدد ٢٥ أسرة يهودية خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة؛ على أن تشرف الشركة نفسها على مرحلتين أخريين الأولى تشمل تسكين ١٠ عائلات يهودية، والثانية تضمن تسكين ٥١ أسرة في عيد الفصح اليهودي القادم. قال الموقع الإسرائيلي على شبكة الإنترنت إن هذه الأسر كلها من المتدينين » المتطرفين «اليهود الذين يؤمنون أشد الإيمان بفكرة نزول المسيح بعد إقامة هيكل سليمان المزعوم، وحسب معتقداتهم المتطرفة؛ فإنه لا بد أولاً من تدمير المسجد الأقصى ليتسنى لهم بناء هيكلهم الذي تم إعداده بالفعل منذ عدة سنوات في الولايات المتحدة الأمريكية وهولندا. نقل الموقع عن مسؤول في مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية قوله:» يهدف شارون من وراء هذا القرار إلى زيادة الوجود اليهودي في منطقة (رأس العمود) الاستراتيجية الموقع بالنسبة للمسجد الأقصى حتى يتسنى حشد أكبر عدد ممكن من اليهود في هذه المنطقة من الآن وحتى عام ٢٠٠٥م.. بعدها يمكن لليهود منع المسلمين من دخول المسجد الأقصى والحرم القدسي. من جهة أخرى؛ قال أحد اليهود المتطرفين الذين تم توطينهم في (رأس العمود) ضمن هذه الخطة الإجرامية: «هذا الأمر من شأنه أن يلغي فكرة تقسيم القدس إلى عاصمتين شرقية وغربية، حيث يمكننا بعد تنفيذ باقي المخطط الذي سيستمر حتى ٢٠٠٥م؛ أن نعلن أمام العالم أن القدس هي بالفعل عاصمة الدولة اليهودية. أخبار سريعة: - عندما دخل مشاة البحرية الأميركية» المارينز «مدينة صدام، وهي عبارة عن ضاحية بغدادية يقيم فيها نحو مليونين من الشيعة، استقبلتهم حشود مبتهجة وهي تهتف:» إننا نحبكم «،» لا صدام بعد اليوم «. وكان سكانها قد طردوا ميليشيات نظام صدام حسين قبل وقت قصير تمهيداً لدخول قوات الاحتلال. [النهار، اللبنانية العدد: (٢١٥٧٣) والشرق الأوسط، العدد: (٨٨٩٩) ] - لخَّص وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم موقفه من الاحتلال الأمريكي للعراق قائلاً للعراقيين المتعاونين مع الاحتلال:» مرحباً بكم في نادي واشنطن «. [العربي، المصرية، العدد: (٨٥٤) ] - كشف جنرال فرنسي متقاعد النقاب عن دخول قوات كوماندوز إسرائيلية تضم أكثر من ١٥٠ عنصراً الأراضي العراقية تنفيذاً لخطة اغتيال الكفاءات التي كان لها الفضل في بناء منظومة السلاح العراقية، ومن المرجح أن تجد فرق الاغتيالات نفسها في مهمة يسيرة بعد توفير مفتشي الأمم المتحدة قائمة بأسماء العلماء العراقيين الذين أجرى المفتشون تحقيقات مع بعضهم مؤخراً، ويؤكد الجنرال أنّ الخطة قد وضعت بالتعاون بين مسؤولين صهاينة وأمريكيين. [التجديد، العدد: (٦٢٣) ] - كشف يوسف باريتسكي وزير البنى التحتية الوطنية في الكيان الصهيوني عن اتصالات رسمية تجري بخصوص قيام النظام الموالي للولايات المتحدة الذي سيقام في العراق بتشغيل أنبوب النفط بين الموصل وحيفا، والذي سيخفض أسعار الوقود بنحو ٢٥ في المئة في الكيان الغاصب، و» ستتحول حيفا روتردام الشرق الأوسط «. [النهار، العدد: (٢١٥٧٧) ] - من الأدوار الخطيرة التي قام بها الشيعة في دعم قوات العدوان الأمريكي على العراق هو زرعهم للشرائح المعدنية المتصلة بالأقمار الصناعية في أماكن حيوية وحساسة لضربها بالصواريخ الموجهة، وقد ظهرت بالفعل آثار هذه الشرائح في ضرب كثير من الأماكن الحيوية والحساسة، والتي لم تكن معلومة لاستخبارات أمريكا قبل الحرب نتيجة استخدام هذه الشرائح. [مفكرة الإسلام، ١٠/٤/٢٠٠٣م] - ذكرت منظمة العفو الدولية أنه منذ شن الحملة الأميركية البريطانية على العراق حدثت انتهاكات لحقوق الإنسان في ١٤ دولة هي بلجيكا، وبريطانيا، والدانمارك، ومصر، وألمانيا، واليونان، والأردن، والنرويج، وإسبانيا، والسودان، والسويد وتركيا، والولايات المتحدة، واليمن؛ باعتبارها دولاً منتهكة لحقوق الإنسان. وقالت المنظمة في بيان» يبدو أن الحكومات تستغل تركيز العالم على مسرح الحرب لانتهاك حقوق الإنسان بعيداً عن تدقيق الرأي العام «. [البيان، العدد: (٨٣٢٠) ] - على الرغم من أن الرئيس الروسي بوتين استمر في انتقاد الحرب؛ فإنه قال أيضاً إن هزيمة التحالف لن تكون في مصلحة روسيا. [الشرق الأوسط، العدد: (٨٨٩٩) ]

стр. 4595

في دائرة الضوء الصهيونية المسيحية سر تبني أمريكا لمشاريع اليهود صالح بن عبد الله الهذلول المفهوم الاصطلاحي لـ: «الصهيونية المسيحية» [*] : يقصد بهذا الاسم أنه بالإضافة إلى وجود حركة صهيونية يهودية؛ فإنه يوجد حركة صهيونية مسيحية. فإذا كانت الصهيونية اليهودية هي: دعوة وحركة دينية قومية، تدعو اليهود إلى العودة إلى جبل صهيون في فلسطين، وإقامة دولة يهودية خاصة بهم في فلسطين. فإن الصهيونية المسيحية هي: حركة ودعوة أيضاً دينية، لكنها مسيحية، تدعو إلى العصمة الحرفية للكتاب المقدس، والعودة الحقيقية للمسيح، وقيام حكمه الألفي الذي تكون عاصمته مدينة القدس. وصهيونيتها تأتي من دعوتها إلى وجوب عودة اليهود إلى أرض الميعاد (فلسطين) تحقيقاً للنبوءات التوراتية التي يؤمن بها المسيحيون. علماً أنه بالإضافة إلى هذا الاسم «الصهيونية المسيحية» ؛ فإنه يطلق عليها أحياناً أسماء أخرى؛ مثل: «الأصولية المسيحية» ، أو «الأصولية الإنجيلية» ، أو «الصهيونية غير اليهودية» . وكل هذه الأسماء لمسمى واحد. * عوامل ظهور «الصهيونية المسيحية» : ١ - الأصل في دين المسيحية هو التوحيد، وهو دين الأنبياء جميعاً عليهم الصلاة والسلام، وما جاء عيسى ﵇ إلا به، التوحيد بكل شُعبه: في العبادة، فلا يُعبد إلا الله وحده لا شريك له، وفي الربوبية، فالله خالق كل شيء، وفي الأسماء والصفات، فليست ذات الله ﷻ مركبة، كما أنها منزهة عن مشابهة المخلوقين [١] . يقول الله تعالى: [وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ] (المائدة: ١١٦-١١٧) . ومع ما دخل كلاً من التوراة والإنجيل من تحريف عبر التاريخ، إلا أنه لا يزال يوجد فيهما الآن نصوص تدل على توحيد الله سبحانه، ففي التوراة مثلاً: (في البدء خلق الله السماوات والأرض) [٢] . (لا يكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً، ولا صورة مما في السماء فوق، وما في الأرض من تحت، وما في الماء من تحت الأرض، لا تسجد لهن، ولا تعبدهن؛ لأني أنا الرب إلهك، إله غيور) [٣] . (فاحترزوا من أن تنغوي قلوبكم، فتزيغوا، وتعبدوا آلهة أخرى، وتسجدوا لها، فيحمى غضب الرب عليكم) [٤] . وورد في الإنجيل: قال المسيح: «إن أول الوصايا هي: (اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا رب واحد) [٥] . فقال له الكاتب: جيداً يا معلم، بالحق قلت؛ لأنه الله واحد، وليس آخر سواه» [٦] . وقال المسيح أيضاً: (إنه مكتوب للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد) [٧] . ولكن بولس (شاؤل) اليهودي [٨] الذي اعتنق النصرانية عام ٣٨م أي بعد رفع المسيح ﵇ استطاع أن يغير اتجاهها، ويحدث فيها كل ما ليس من أصلها، حيث كان من أشدّ وألدّ أعدائها. لقد كان دخوله المسيحية، كما يقول عنه لوقا: «وفي ذهابه حدث أنه اقترب إلى دمشق، فبغتة أبرق حوله نور من السماء، فسقط على الأرض، وسمع صوتاً قائلاً له: شاؤل، شاؤل، لماذا تضطهدني؟ فقال: من أنت يا سيدي؟ فقال الرب: أنا يسوع الذي أنت تضطهده. فقال وهو مرتعد متحير: يا رب! ماذا تريد أن أفعل؟ فقال له الرب: قم وادخل المدينة، فيقال لك ماذا ينبغي لك أن تفعل» [٩] . قال لوقا: «وللوقت جعل يكرز أي بولس في المجامع بالمسيح أن هذا هو ابن الله» [١٠] . هذه الجملة الأخيرة غيرت وجه التاريخ؛ إذ لم تكن معروفة من قبل، فأصبحت نقطة تحول في الدراسات المسيحية، وأصبح بولس معلم المسيحية [١١] : «وأعرفكم أيها الأخوة الإنجيل الذي بُشِّرت به، إنه ليس بحسب إنسان؛ لأني لم أقبله من عند إنسان، ولا عُلِّمتُه، بل بإعلان يسوع المسيح» [١٢] . قال ذلك، مع أنه «لم ير المسيح قط، ولا سمعه يتكلم، ولكنه قال بصلة مباشرة بينه وبين المسيح. وبهذه الدعوى؛ لم يَصِر لأحد حتى في أن يناضله فيما ينشره من تعاليم ما دام أنه تلقاها مباشرة من السيد المسيح» [١٣] . إذن فالأصل في دين المسيحية التوحيد كغيره من الأديان السماوية التي جاءت من عند الله سبحانه كما شهدت بذلك الكتب السماوية الثلاثة: التوراة، والإنجيل، والقرآن. فمن أين إذن جاء التثليث ليصبح جوهر العقيدة المسيحية بعد المسيح؛ مع ملاحظة أن التوراة وهي أصل المسيحية، وأن كثيراً من نصوص الإنجيل تنطق بالألوهية الواحدة؟ والجواب: ما يروى عن المسيح ﵇ أنه قال لتلاميذه يوماً: «اذهبوا، وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الأب، والابن، والروح القدس» [١٤] . وقد سبق إيراد ما يخالف ظاهر هذا النص من الإنجيل نفسه؛ مما يدل قطعاً على دخول التحريف إلى الإنجيل والعبث به. ولعل الدافع لإقحام هذا النص فيه جعل المسيحية ديناً عالمياً من ناحية، وبث فكرة التثليث من ناحية أخرى. ولقد اتسعت عقيدة التثليث وانتشرت بين المسيحيين حينما دخل الوثنيون من الرومان، واليونان فيها، حيث كان أكثر من يحضر المجامع الكنسية من الرومان واليونان، ولهم السيطرة فقرر الرومان بسلطة قسطنطين [١٥] وقوته هذه العقيدة في مجمع نيقية سنة ٣٢٥م، ثم قرروها في الآفاق، على الرغم من أن الآريوسيين [١٦] ذهبوا إلى أن المسيح إنسان مخلوق من العدم، فنفاهم قسطنطين، وبقوا بضع سنين في المنفى، ثم عادوا إلى الإسكندرية. وبعودتهم نادى الأساقفة المكرهون على التوقيع بالتثليث ببطلان مساواة عيسى لله في الجوهر. فاضطر قسطنطين أن يقيم مجمعاً جديداً في أنطاكية، وكثر فيه الجدل، ثم أقرّ فيه صحة مذهب آريوس، وبطلان رأي خصومه الذين دعوا أنفسهم أرثو ذكس (أي مستقيمي الرأي) ولكن سرعان ما توفي آريوس فاستغل خصومه ذلك حجة على بطلان زعمه [١٧] ، فغلبت عقيدة التثليث وراجت. وجددت الكنيسة الكاثوليكية، والمذهب البروتستانتي عقيدة التثليث؛ مع اعترافهم أن أدلة التاريخ تخالف ذلك، وأنه طارئ على الديانة المسيحية [١٨] ، وهكذا سيطر الرومان الذين دخلوا المسيحية، وأحدثوا فيها ما أحدثوا من الوثنيات، ولهذا قيل: «لم تتنصر الروم ولكن تروَّمت النصارى» . واستمر حكمهم إلى القرن السادس الميلادي، حيث جاء الإسلام فاضطرهم بفتوحاته وانتصاراته إلى الانحصار على أوروبا. وهناك - وفي العصور الوسطى - سيطر رجال الكنيسة على أوروبا دينياً؛ فكان لهم الحق وحدهم في فهم الدين، وتفسيره. كما سيطروا سياسياً؛ حيث كان البابا هو الذي يعين الحكام. وسيطروا علمياً؛ حيث فرضوا فهمهم الديني على ممالكهم. ٢ - وبعد سقوط غرناطة عام ١٤٩٢م؛ بدأت محاكم التفتيش تفتك بالمسلمين واليهود معاً، فهاجر المسلمون إلى شمال إفريقيا ومعهم بعض اليهود، إلا أن أكثر اليهود هاجر إلى أوروبا، فحملوا معهم ثروة علمية ومالية جمعوها من الأندلس، وكان لها أكبر الأثر في تغلغل اليهود بالمجتمع الأوروبي، حيث وصل ذلك التغلغل إلى الكنيسة نفسها؛ مما حدا بمارتن لوثر [١٩]- زعيم حركة الإصلاح ورائد المذهب البروتستانتي - أن ينشر كتاباً عام ١٥٢٣م بعنوان: (عيسى وُلد يهودياً) . ووضعت حركة الإصلاح البروتستانتية العصمة في الكتاب المقدس، كما أدت القراءة الحرفية له إلى النظر إلى شعب اليهود بوصفه شعباً مميزاً، وإلى أن عودتهم إلى فلسطين شرطٌ لتحقيق المجيء الثاني للمسيح. وهكذا نفذ الفكر اليهودي والأدبيات اليهودية إلى صميم العقيدة المسيحية، وتدور تلك الأدبيات حول أمور ثلاثة: أ - أن اليهود هم شعب الله المختار، وأنهم يكونون بذلك الأمة المفضلة على كل الأمم «لأنك أنت شعب مقدس للرب إلهك. إياك قد اختار الرب إلهك؛ لتكون له شعباً أخص من جميع الشعوب الذين على وجه الأرض» [٢٠] . ب - أن ثمة ميثاقاً إلهياً، يربط اليهود بالأرض المقدسة في فلسطين أعطاه الله لإبراهيم حتى قيام الساعة: «وقال الرب لأبرام: اذهب من أرضك ومن عشيرتك، ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك. فأجعلك أمة عظيمة، وأباركك، وأعظم اسمك، وتكون بركة، وأبارك مباركيك، ولاعنك ألعنه ... وخرجوا ليذهبوا إلى أرض كنعان.... وظهر الرب لأبرام، وقال: لنسلك أعطي هذه الأرض» [٢١] . ج - ربط الإيمان المسيحي بعودة المسيح، بقيام دولة صهيون؛ أي بتجميع اليهود حتى يظهر المسيح فيهم مرة ثانية. هذه الأمور الثلاثة ألفت في الماضي، وهي تؤلف اليوم، قاعدة «الصهيونية المسيحية» التي سبقت الصهيونية اليهودية بثلاثة قرون؛ أي قبل المؤتمر الصهيوني الأول الذي عُقد في بازل بسويسرا عام ١٨٩٧م برئاسة د. هرتزل [٢٢] . في لقاء تم بين جريس هالسل ومسيحي أمريكي في فلسطين؛ تمنى ذلك المسيحي أن لو وُلد يهودياً، وقال: «إن خلق إسرائيل جديدة مع عودة اليهود إلى الأرض التي وعدهم الله بها؛ يعطينا دليلاً لا يناقش على أن خطة الله المباركة هي موضع التنفيذ، وأن العودة الثانية لمخلصنا قد تأكدت» [٢٣] . وجاء في دائرة المعارف البريطانية: «إن الاهتمام بعودة اليهود إلى فلسطين قد بقي حياً في الأذهان بفعل النصارى المتدينين، وعلى الأخص في بريطانيا أكثر من اليهود أنفسهم» ، ويؤكد هذا المعنى وايزمان بقوله: «إن من الأسباب الرئيسية لفوز اليهود بوعد بلفور؛ هو شعور الشعب البريطاني المتأثر بالتوراة، وتغنيه بالشوق الممض لأرض الميعاد» [٢٤] . لم تكتف «الصهيونية المسيحية» بهذا الحد من التغلغل الفكري في أوساط المسيحيين الغربيين، بل ذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك وأعمق، فعندما ترجم الكتاب المقدس للغات القومية الأوروبية، أصبح ما ورد في العهد القديم من تاريخ، ومعتقدات، وقوانين العبرانيين، وأرض فلسطين أموراً مألوفة في الفكر الغربي. وغدت قصص العهد القديم وشخصياته مألوفة كالخبز، وأضحى كثير من البروتستانت يرددونها عن ظهر قلب. وأصبح المسيح نفسه معروفاً، ولم يُعتقد أنه ابن مريم، بل واحد من سلسلة طويلة من الأنبياء العبرانيين. وحل أبطال العهد القديم كإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب؛ محل القديسين الكاثوليك. وأصبحت فكرة أن الحج للقدس يكفر الخطايا مرفوضة، كما أنكرت شفاعة القديسين، وتبجيل رفاتهم. لكن ذلك لم يُنس الناس الأرض المقدسة تماماً، بل إنها حظيت بأهمية جديدة، حيث ارتبطت بدلالات صهيونية.. وهكذا أصبحت فلسطين أرضاً يهودية في الفكر المسيحي في أوروبا البروتستانتية، وأصبح اليهود هم الفلسطينيون الغرباء في أوروبا والذين سيعادون إلى فلسطين عندما يحين الوقت المناسب [٢٥] . ٣ - ويذكر الباحثون أن أول من دعا إلى البعث اليهودي في فلسطين هو اللاهوتي الإنجليزي توماس برايتمان (١٥٦٢ - ١٦٠٧م) ، وتلميذه هنري فنش عضو البرلمان البريطاني الذي كتب عام ١٦٢١م أن اليهود سوف يعودون إلى بلادهم، ويعيشون بسلام هناك إلى الأبد؛ تحقيقاً لصالح الديانة المسيحية، بعد أن يسودوا أعدائهم الذين يسميهم الكتاب المقدس «جوج وماجوج» . وفي هذا الوقت - أي القرن السابع عشر - قامت في إنجلترا حركة «تطهيرية» تعاطفت مع اليهود، واستخدمت العبرية في الصلوات، وفي تلاوة الكتاب المقدس، وشددت على أن العهد القديم يعطي مثالاً للحاكمية الإلهية في تاريخ أمة، وعلى مفهوم الشعب المختار [٢٦] . هذه الحركة التي يسميها المؤرخ سيسل روث: «حب السامية» ، تميزت بالخصائص الآتية: أ - التأثر بالمثالية العبرية كما تظهر في الكتاب المقدس. ب - شعور بالخجل تجاه آلام اليهود في الماضي والحاضر، والعطف عليهم. ج - نقل يوم الاحتفال الديني ببعث اليهود؛ إلى يوم السبت. وفي عام ١٦٤٩م وجّه كل من عالمي اللاهوت التطهيريين الإنجليزيين «جوانا» ، و «أيبنزر كاترايت» مذكرة إلى الحكومة البريطانية يطالبان فيها: أن لبريطانيا شرف حمل أولاد إسرائيل إلى الأرض التي وُعد إياها أجدادهم. هذه المذكرة لها أهمية من حيث: أ - أنها تعبِّر عن مدى التحول في النظرة إلى فلسطين والقدس؛ من كونها أرض المسيح المقدسة، إلى كونها وطناً لليهود. ب - أنها أول تعبير عن التحول من الإيمان بأن عودة المسيح تسبقها عودة اليهود إلى فلسطين، وأن العودتين لن تتحققا إلا بتدخل إلهي، تحول من ذلك الإيمان إلى الإيمان بأن هاتين العودتين يمكن أن تتحققا بعمل البشر. واعتمد هذا الربط كرومويل سنة ١٦٥٥م في مؤتمره للتشريع لعودة اليهود إلى بريطانيا، وقد حضر المؤتمر هذا العالم اليهودي ناسخ بن إسرائيل الذي ربط الصهيونية المسيحية بالمصالح الاستراتيجية لبريطانيا. إن توظيف الدافع الديني لتحقيق مكاسب سياسية ذات بعد استراتيجي؛ أسس القاعدة الثابتة للصهيونية المسيحية في أوروبا ثم في أمريكا. ولكن حركة «حب السامية» تضاءلت بعد موت كرومويل، وارتقاء الستيورات عرش الحكم في إنجلترا سنة ١٦٦٠م التي هزمت فيها البيوريتانية «التطهيرية» ، غير أن البعث اليهودي من حيث هو تمهيد للمجيء الثاني للمسيح شقت طريقها بين المسيحيين في إنجلترا، وكثير من البلدان الأوروبية، وهي تندرج في سياق النظرة «الألفية» إلى المستقبل، والقائلة: إن العالم يشرف على النهاية، وإن ألفاً من السنين تتميز بالمودة والسلام والأخوة ستبدأ بعد تلك النهاية. وفي مطلع القرن التاسع زاد زخم هذه الفكرة في إنجلترا، فتأسست في لندن عام ١٨٠٧م جمعية لنشر المسيحية بين اليهود! وعمل القس لويس وي الذي أصبح عام ١٨٠٩م مديراً للجمعية على ترويج فكرة عودة اليهود إلى فلسطين تحقيقاً للنبوءات التوراتية [٢٧] . وعملت هذه الجمعية، بل تخصصت في تثقيف «المهتدين» من اليهودية إلى المسيحية ودعمهم، ثم تحولت بسرعة إلى دعم الصهيونية. وهنا وقفة جديرة بالتأمل والملاحظة، وهي: ظاهرة تحول بعض اليهود إلى المسيحية، مع ما عرف عن اليهود من انغلاق! فهل يهدف المسيحيون لإدخال بعض اليهود في المسيحية؟ أو أن ذلك من قبيل اختراق اليهود للمسيحية والعبث بها، وتسخير المسيحيين لمصلحتهم [٢٨] ؟ ولقد عمل اللورد شافتبري على معارضة اندماج اليهودية في المجتمع الإنجليزي، ويرى وجوب بقاء اليهود غرباء في كل بلد إلا فلسطين. إلا أن اليهود لم يتحمسوا كثيراً للذهاب إلى فلسطين، بل همهم الأول نيل الحقوق المدنية، والسياسية في مختلف البلدان. ثم بدأ الأمر يتغير تدريجياً مع قيام حركة سياسية، أطلقها مجموعة من اليهود الأوروبيين الذي عقدوا المؤتمر الصهيوني عام ١٨٩٤م: وحينما رفع هرتزل شعار «أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض» [٢٩] ؛ استفادت منه الحركة الصهيونية اليهودية. ومما يجدر ذكره والتنويه به أن كلاً من «آرثر بلفور» ، و «دافيد جورج» رئيس الحكومة البريطانية في تلك الفترة، ينتميان إلى تيار «الصهيونية المسيحية» . وفي منتصف القرن التاسع عشر انتشرت فكرة «الألفية» [٣٠] على يد المبشر البريطاني جون داربي الذي قسم التاريخ إلى حقبات تحددها كيفيات التدخل الإلهي، وبشَّر بقرب تحقيق النبوءات مع التشديد على «الأمر الإلهي» بعودة اليهود إلى فلسطين بالمجيء الثاني الحقيقي للمسيح. ٤ - في عام ١٨٧٨م أصدر رجل الأعمال المسيحي وليم بلاكستون: (١٨٤١ - ١٩٣٥م) كتابه «يسوع آت» ، ووزع منه أكثر من مليون نسخة في الولايات المتحدة الأمريكية، وترجم إلى (٤٨) لغة، وعُدّ أكثر الكتب انتشاراً في القرن التاسع عشر [٣١] . وفي هذا العام نفسه؛ أسس بلاكستون منظمة تدعى «البعثة العبرية من أجل إسرائيل» ، جمع خلالها توقيعات (٤١٣) شخصية أمريكية بارزة من أعضاء الكونجرس، والقضاة، ورجال الأعمال والصحافيين. ورفعها ضمن عريضة للرئيس الأمريكي هاريسون (١٨٨٩ - ١٨٩٣م) وذلك سنة ١٨٩١م، يطلبون فيها تجميع اليهود في وطنهم فلسطين. وعندما تردد هرتزل في أمر فلسطين كأرض تقام عليها دولة إسرائيل أرسل بلاكستون إليه نسخة من الكتاب المقدس، تظهر فيها علامات وضعها هوتشير إلى عودة اليهود إلى الأرض المقدسة. وهكذا فلقد استطاعت الحركة الصهيونية اليهودية ولفترة طويلة توظيف مشاعر التأييد في الأوساط الصهيونية المسيحية، إلى حد أن اقترح الرئيس الأمريكي توماس جفرسون (١٨٠١ - ١٨٠٩) اتخاذ رمز لأمريكا يمثل أبناء إسرائيل تظللهم غيمة في النهار، وعمود من نار في الليل، توافقاً مع ما يتضمنه سفر الخروج (١٣: ٢٠ - ٢٢) . ومنذ عام ١٨١٤م ارتفعت في أمريكا دعوات «الصهيونية المسيحية» لتوطين اليهود في فلسطين، بل إن أحد رواد هذه الحركة القس وردر جريسون؛ هاجر من أمريكا إلى فلسطين، واعتنق الديانة اليهودية، وقد ترقى في الأعمال الوظيفية إلى أن أصبح قنصلاً عاماً لأمريكا في فلسطين، وكان متحمساً لعودة اليهود إلى فلسطين. وهكذا تفاعل شعور الحركتين الصهيونيتين: المسيحية واليهودية؛ بوجوب توطين اليهود في أرض الميعاد «تحقيقاً لوعد الله» ! ، وتنامى على مستويات عدة: سياسية، ودينية، ومادية، ونتج عنه مطالبة اليهود للمسيحيين الالتزام بثلاثة مواقف: ١ - رفض العداء للسامية ومحاربتها، وتطهير المؤسسات المسيحية، والطقوس الدينية، بل والأدب الديني بما فيه الذاكرة من كل أثر سلبي لها. ٢ - الكف عن دعوة اليهود إلى الدخول في المسيحية. ٣ - الاعتراف بحق اليهود في دولة خاصة بهم، والانتباه إلى العلاقة الخاصة التي تشد يهود العالم إلى هذه الدولة. وقد قبلت معظم الكنائس المسيحية الغربية الموقف الأول، وإن اختلفت في شكل التعبير عنه. ومن صور ذلك ما تم في مؤتمر الجمعية العامة لمجلس الكنائس العالمي المنعقد في نيودلهي سنة ١٩٦١م، حيث خرج المؤتمرون بوثيقة فيها: (العداء ضد السامية خطيئة ضد الله، وضد الإنسانية، وعلينا في التعليم المسيحي ألا نلقي الأحداث التاريخية التي أدت إلى صلب المسيح على عاتق الشعب اليهودي، فالمسؤولية تقع على إنسانيتنا المشتركة، وليست محصورة بجماعة معينة أو قوم) . وبنحو هذه المقررات أصدر المجمع الفاتيكاني وثيقة خاصة بالعلاقة مع الأديان غير المسيحية، وذلك عام ١٩٦٥م، وأصدرت البروتستانتية في مجمعها العام بكنيسة هولندا عام ١٩٧٠م بياناً جاء فيه: «إن لليهود الحق في إقامة دولة خاصة بهم» . كما أصدرت اللجنة الأسقفية الفرنسية الكاثوليكية عام ١٩٧٣م وثيقة خاصة بالعلاقة مع اليهود، وعنونتها بـ «الموقف المسيحي من اليهودية» . ولكن موجةً من رياح التغيير هبت على هذه المواقف الكنسية المنساقة خلف اليهود، ففي عام ١٩٧٥م عقد مجلس الكنائس العالمي مؤتمراً له في نيروبي بكينيا؛ أدان فيه إسرائيل، ودعاها للانسحاب إلى حدود عام ١٩٦٧م، وأيد حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني. كما حدث مثل هذا الموقف في اجتماع عام ١٩٨٣م في فانكوفر بكندا، وظهر أيضاً في بعض فعاليات مؤتمر التنصير في كلورادو بالولايات المتحدة الأمريكية سنة ١٩٧٨م [٣٢] . ولعل هذا التغيير في المواقف له أسباب؛ منها: أ - تظاهر الكنيسة بالتضامن مع الفقراء والمقهورين. ب - تنامي قوة كنائس العالم الثالث التي لا تدين بفكر الصهيونية المسيحية. ج - ما قام به المسيحيون العرب وخاصة الفلسطينيين. ورغم كل ذلك؛ فإن هناك تياراً مسيحياً يشق طريقه بقوة، ينظر إلى المستقبل بعين النبوءات، ويرى لزاماً عليه أن يساهم في بناء دولة إسرائيل لتتم للمسيحيين بعد ذلك الوراثة الكبرى بتهيئة الأجواء والأوضاع لعودة المسيح وقيام الحكم الألفي. هذا التيار مؤثر وقوي في الولايات المتحدة، وفي أوروبا، إلا أنه برز أكثر في أمريكا بعد منتصف هذا القرن. هذا ما يسمى «بالصهيونية المسيحية» ، يرون أن تأييدهم لإسرائيل ليس موقفاً سياسياً جاء نتيجة انفعالات معينة، بل هو مذهب، ورأي صادر عن اعتقاد ديني يقيني، مستنده قراءة النبوءات الخاصة بالمجيء الثاني للمسيح في العهد القديم والجديد، زكاه وأكده قيام دولة إسرائيل عام ١٩٤٨م، ثم تنامى وتعمق بعد حرب ١٩٦٧م واحتلال مدينة القدس. ومنذ السبعينيات من هذا القرن الميلادي والعالم الغربي يشهد نمو هذه الحركة، بل صار لها قوة سياسية يُحسب لها، فبلغ عدد المنتسبين إليها في أمريكا أربعين مليوناً؛ حسبما جاء في العريضة الموجهة للرئيس ريجان في عام ١٩٨٢م، والتي وقّعها عدد من قادة هذه الحركة. ومما جاء فيها: وجوب عودة أمريكا إلى تطبيق تعاليم الكتاب المقدس. من جهة أخرى؛ فإن أحداث الشرق الأوسط عموماً أطلقت سيلاً من النبوءات، بعضها يبشر بالمجيء الثاني للمسيح الذي بات وشيكاً! وبعضها الآخر يعلن أنه لو قامت حرب عالمية ثالثة (هرمجدون نووية) [٣٣] ؛ فإنهم إنما تصرفوا بمشيئة الله وإرادته! لقد توسعت مثل هذه المشاعر أفقياً، وترسخت عمودياً، حتى أصبحت العودة الثانية للمسيح حلماً وهاجساً يراود أفكار قطاع عريض من الغربيين. ٥ - وأخيراً وبعد الاستعراض السابق يتبين أن أوروبا في العصور الوسطى كانت حبلى؛ نتيجة تفاعل ظرفين مهمين في حياتها؛ هما الظرف السياسي، والظرف الديني، كثمرة طبيعية لتسلط الكنيسة، وبيروقراطيتها [٣٤] . فولدت عملية الانعتاق منها ظهور طائفة البروتستانت، والتي تزامنت مع تململ اليهود وتشوقهم إلى الرجوع لأرض الميعاد، ومع التململ والرغبة في التخلص منهم أيضاً. هذه العوامل متضافرة أسفرت عن مولودٍ حمل صفاتٍ وراثية عدة: سياسية، ويهودية، ومسيحية شاردة منفلتة من قيود كنيسة روما، ذلك المولود هو ما سمي بـ (الصهيونية المسيحية) . وهنا يقفز إلى الذهن سؤالان مهمان لعل الجواب عنهما يسهم في اكتمال الرؤية عن عوامل ظهور تلك الحركة: السؤال الأول: كيف انبعثت حركة الصهيونية المسيحية من طائفة البروتستانت؛ مع ما بينهما من اختلاف ظاهري؟! فالبروتستانت أحدثوا انقلاباً، وتمرداً ضد الكنيسة الكاثوليكية في روما، أطاح بحق البابوات في احتكار تفسير الكتاب المقدس وفهمه، بل وأطاح بالبيروقراطية الكهنوتية التي كانت جاثمة على صدر أوروبا في القرون الوسطى. وأما الصهيونية المسيحية؛ فإنها تدعو إلى الالتزام الحرفي بنصوص الكتاب المقدس، وخاصة نبوءات العهد القديم، إلا أنه في الحقيقة ليس هناك خلاف جوهري يُذكر بين الحركتين؛ لأن كلاً منهما هُجِّن بالفكر اليهودي، والعقائد التوراتية، كما أفرغ محتواهما من الكثير الذي يجعلهما ديانة مسيحية مستقلة جديدة. وإن وجد شيء من ذلك الخلاف؛ فإنما هو خلاف فكري أقرب من أن يكون عقائدياً. حيث تؤمن «الصهيونية المسيحية» بالحكم الحرفي للمسيح؛ بينما يؤمن البروتستانت خاصة اللوثرية منهم بالحكم المعنوي للمسيح، فعودة المسيح الثانية عند «الصهيونية المسيحية» حقيقية، لكنها عند البروتستانت عودة معنوية، تتمثل في انتشار المسيحية، وتمكنها وهيمنتها. وأما السؤال الثاني فهو: ما السر في تبني حركة «الصهيونية المسيحية» لقضية اليهود في العودة لأرض الميعاد (فلسطين) ، على الرغم من العداء التاريخي بين أهل الملتين: المسيحية واليهودية؟! وهذا العداء التاريخي كان بسبب الخلاف العقائدي العميق بينهما: أ - فالمسيحيون يؤمنون بأن «يسوع الناصري» الذي تضمنت الأناجيل تاريخه، وتعاليمه في «العهد الجديد» ؛ هو المسيح الذي بشرت بمجيئه نبوءات «العهد القديم» ، ولهذا عظَّم النصارى وقدَّسوا العهد القديم. في حين يرفض اليهود ذلك، ويتمسكون بأن المسيح الموعود لم يأت بعد. والذي لا سبيل إلى المراوغة في شأنه؛ أن ذلك الانتظار لمجيء المسيح المنتظر يظل حجر الزاوية في الإيمان اليهودي [٣٥] . ب - وفي «التلمود» ورد أن «المسيح الناصري» ابن غير شرعي، حملته أمه وهي حائض، وأنه شرير، ومجنون، ومخبول، وساحر، ومشعوذ، ووثني، وقد صُلب في ليلة عيد الفصح اليهودي [٣٦] . كما أنهم يعتقدون أن كل ما جاء به «المسيح الناصري» كذبٌ، وهرطقة، ولذا يعتقدون أنه في جهنم [٣٧] . ج - وهذه الخلافات، كانت مثار النزاع بين أرباب الديانات، فحينما يتمكن اليهود من المسيحيين فإنهم يُثخنون فيهم القتل، والتمثيل والتعذيب، فقد فتكوا بالمسيحيين عام ٤١م، ودبروا مذابح عديدة في عهد تراجان (٩٨ - ١١٧م) ، ذهب ضحيتها حوالي نصف مليون مسيحي؛ في همجية لا نظير لها. كما قضى يوسف ذو نواس في مذبحة الأخدود على عشرات الألوف من المسيحيين حرقاً سنة ٥٢٤م [٣٨] . د - وكذلك رد المسيحيون على اليهود باضطهادهم؛ ففي سنة ٣٥٢م ثار اليهود في فلسطين، فأخمدت ثورتهم، وقتل الآلاف منهم، وشرد الآخرون. ثم تتابعت الاضطهادات المسيحية لهم: ففي إيطاليا سنة ١٢٤٢م، وسنة ١٥٤٠م، وفي بريطانيا سنة ١٢٩٠م. وفي فرنسا في عهد لويس التاسع، ثم في عهد فيليب. ومحاكم التفتيش في إسبانيا عام ١٤٩٢م، وقد طُرِدوا من إسبانيا، وهذا ما اعتبره مؤرخوهم أكبر كارثة حلّت بهم بعد التدمير الثاني للهيكل سنة ٧٠م، وهزيمة باركوخبا [٣٩] سنة ١٣٥م. وآخر مذابحهم على أيدي المسيحيين نفذها هتلر الألماني في الحرب العالمية الثانية عام ١٩٤٥م [٤٠] . ولكن ومع كل ما سبق من صور العداء؛ فإن «الصهيونية المسيحية» تبنت قضية اليهود في الرجوع لأرض الميعاد، وبقوة. وسبب ذلك يعود إلى عاملين بارزين؛ سياسي وديني [٤١] : أما السياسي؛ فيتمثل في صراع الملك الإنجليزي المزواج هنري الثامن مع الكنيسة، فقد طلب من الكنيسة الموافقة على طلاقه من زوجة لم يستطع التخلص منها، فأصدر سنة ١٥٣٨م أوامره إلى كل كنائس إنجلترا؛ بإنهاء الوصاية الكهنوتية على الكتاب المقدس، وتفسيره، وتمكين كل فرد «مؤمن» من الاطلاع على نصوصه، وتفسيرها، كما يمليه عليه عقله وضميره. وانضم إلى هنري الثامن، وأيد خروجه ذلك، الطبقة الرأسمالية الناشئة الصاعدة في تلك الفترة، والتي كانت تعاني من سطوة وقيود الكنيسة في روما التي تفرضها على حرية التجارة، والمعاملات، وضرائبها التي تجبيها منهم. أصدر هنري الثامن أوامره تلك بعد ثلاث سنوات من حلوله محل بابا روما رئيساً أعلى لكنيسة إنجلترا، فكسر بذلك حاجزاً ضخماً، كان يُعد تجاوزه جريمة عقابها الموت حرقاً، بتهمة الكفر، وإفساد الدين. هذا الموقف؛ عزز تيار ما سمي بالإصلاح الديني الذي بدأه مارتن لوثر، ثم تبعه كالفن الفرنسي (١٥٠٩ - ١٥٦٤م) ، والذي اتخذ شعار «العودة إلى الأصول» ؛ أي العودة إلى حرفية «الأسفار المقدسة» . تمازج «الورع الإصلاحي» مع السياسة؛ ليهدمَا مفهوم: «الكنيسة الكاثوليكية المعصومة من الخطأ!» ، وتحل سلطة الكتاب المقدس باعتباره معصوماً من الخطأ حقيقة (كما يعتقدون) ؛ لأنه كلام الله! محلَّ سلطة البابوية الغاشمة. إن هذا التمازج فتح الأبواب على مصاريعها لفهم نصوص الكتاب المقدس، وصياغاته الملغزة التي أكد أحبار اليهود باستمرار أنها تحتمل التفسير بأي معنى من ستمائة ألف معنى «. هذا التوجه الذي قبلته البروتستانتية مرحلياً؛ الهدف منه إضعاف خصمها الكنيسة الكاثوليكية. إلا أن التقديرات تلك تجاوزت الهدف المنشود إلى ما هو أبعد منه بكثير؛ إذ » أصبح يَهْوه إله اليهود إلهاً للمسيحية، وحل أبطال العهد القديم، وأنبياؤه؛ محل قديسي المسيحية «كما تقرره الكاتبة الصهيونية اليهودية بربارا توخمان [٤٢] . واستثمر اليهود الذين دخلوا المسيحية ظاهرياً ذلك، أمثال يهود المارّانو الذين ساعدوا كولمبس في رحلاته [٤٣] ، وأمثال كالفن اليهودي الأصل [٤٤] ، بل إن عدداً من وعاظ الكنائس، هم يهود اعتنقوا المسيحية؛ ليقوموا بدور سلفهم شاؤل. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنه لا بد من إدراك وملاحظة أن فكر » الصهيونية المسيحية «ومعتقدهم قائم على العمل على إعادة اليهود إلى فلسطين للتخلص منهم، ولتحقيق وعد الله لهم إلى أن يأتي المسيح، وحينذاك يتحولوا إلى مسيحيين مؤمنين. وما حصل من عداء وحروب بين أهل الديانتين: اليهود والمسيحيين؛ إنما نتج من خطأ في التطبيق والممارسة لتلك العقيدة، ومخالفةٍ، وعدم فهمٍ لنصوصها، وليس تطبيقاً لوصايا المسيحية المحرفة التي صيغت في جملتها لمصلحة اليهود. * أهم عقائد» الصهيونية المسيحية «: إن» عقيدة المجيء الثاني، من العقائد المتميزة في المسيحية؛ إذ تعدُّ إحدى الأركان الأساسية للإيمان المسيحي، فيؤمن المسيحيون بأن ملكوت الله يوجد الآن في العالم من خلال شعبه الذي يؤمن به، ويجعله ملكاً على حياته. وسوف يعلن ملك الله للعالم بقوة في اليوم الآخر؛ بالمجيء الثاني للمسيح، ونحن الآن حسب اعتقادهم نعيش زمن ما بين مجيئين للمسيح. فالمجيء الأول وقع منذ ألفي عام [٤٥] ، و «الصهيونية المسيحية» ترقب الآن مجيئه الثاني، وهو أهم عقيدة عندهم، كما يقول الصهيوني المسيحي هنري ثيسن [٤٦] . إلا أن هناك ممهدات يجب أن تسبق ذلك الانقلاب في حياة الناس عند نزول المسيح؛ هي: ١ - عودة اليهود إلى أرض الميعاد، ثم قيام دولة يهودية عليها، وقد تم هذا عام ١٩٤٨م حينما أعلن اليهود عن قيام دولتهم هناك.. «إن خلق إسرائيل جديدة، مع عودة اليهود إلى الأرض التي وعدهم الله بها يعطينا دليلاً لا يناقش على أن خطة الله المباركة هي موضع التنفيذ، وأن العودة الثانية لمخلصنا قد تأكدت. إن خلق دولة إسرائيل هو أهم حدث في التاريخ المعاصر، إنها تمثل الخطوة الأولى نحو بداية نهاية الزمن» [٤٧] . ٢ - الاستيلاء على مدينة القدس، وقد تم أيضاً سنة ١٩٦٧م. «لقد أعطانا الله إشارة في عام ١٩٦٧م، عندما منح النصر لإسرائيل على العرب، ومكن اليهود من أخذ الأرض التوراتية: يهودا والسامرة، والسيطرة العسكرية على مدينة القدس. فلأول مرة منذ أكثر من ٢٠٠٠ سنة أصبحت القدس تحت سيطرة اليهود» [٤٨] . ويقول الصهيوني المسيحي كلايد: «نعم إن المسيح سيعود إلى هذه الأرض لإعادة حكم الله، ولتحقيق السلام العالمي، وسيتولى زمام قيادة العالم، وسوف يقوم بذلك كله من مركز قيادته في القدس» [٤٩] . ٣ - معركة هرمجدون: إن قيام دولة إسرائيل، والاستيلاء على مدينة القدس؛ إرهاصات لقرب نشوب المعركة الفاصلة، وإندلاع نيران هرمجدون. وهرمجدون: «هو اسم لمعركة نووية يعتقد الإنجيليون المتهودون أنها ستقع في سهل القدس وعكا، وأن التنبؤ بها ورد في أسفار حزقيال ويوحنا ويوشع، وتقول هذه النبوءات: إن قوات الكفار من المسلمين والملحدين سوف تُدمَّر فيها إلى أن يظهر المسيح فوق المعركة، ويرفع بالجسد المؤمنين به، ويخلصهم من الدمار، ومن ثم يحكم العالم مدة ألف عام حتى تقوم الساعة» [٥٠] . إن معظم المدارس الإنجيلية (الصهيونية المسيحية) في الولايات المتحدة تدرس النظام الديني ونظرية «هرمجدون» استناداً إلى (دال كراولي) وهو قسيس في واشنطن، وكان أبوه عضواً مؤسساً للمؤتمر الدائم للمذيعين الدينيين الوطنيين [٥١] . وهناك في أمريكا (٨٥) مليون أمريكي يعتقدون أن الحرب النووية لا مفر منها، وذلك عبر «هرمجدون» النووية، وأن الإشارة إلى ذلك وردت في الكتاب المقدس. جاء هذا من خلال استفتاء تم عام ١٩٨٤م أجرته مؤسسة باتكيلوفيتش [٥٢] . كما أن «معظم محطات التلفزيون الرئيسية الإنجيلية، تعلم ما قاله هول لندسي في كتبه المشهورة: وهو أن هذه الكرة الأرضية سوف تصبح في حياتنا آخر كرة أرضية عظيمة، إن الله يعرف أن ذلك سيحدث، إنه يعرف ذلك منذ البداية الأولى، ولكن الله أخفى مخططه عن بلايين البشر الذين عاشوا قبلنا، أما الآن واستناداً إلى» لندسي «فإن الله يكشف عن مخططه إلى» لندسي «وإلى الآخرين، مثل:» جيري فالويل «و» جيمي سواجارت «و» بات روبرتسون « الذين يبشرون بنظرية هرمجدون» [٥٣] . إن الإيمان بحتمية وقوع «هرمجدون» ، لم يعد قاصراً على الأفراد، أو حتى على المؤسسات المنظمة التابعة للصهيونية المسيحية، أو المتأثرة بأفكارها، بل تعداه ليصل إلى أعلى المراكز. فالرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان قبل تفسيراً توراتياً لنبوءة تقول: بأن «هرمجدون» نووية، وأنها أمر لا يمكن تجنبه. كما قرأ كتاب هول لندسي (آخر أعظم كرة أرضية) وغيره من الكتب التي تتحدث عن «هرمجدون» [٥٤] . لقد سرى تأثر هذه العقيدة وتعمق، إلى حد أن «جيمس وات» وزير داخلية أمريكي سابق أشار إلى لجنة النواب الأمريكية المعنية بشؤون الغابات والأنهار؛ أنه لا يقلق كثيراً بشأن تدمير مصادر الأرض، وقال: «لأنني لا أعرف كم من الأجيال المقبلة سوف نعتمد عليها قبل أن يعود الرب» [٥٥] . إن القناعات السابقة لم تفرزها عواطف، بل ولم تأت تطلعاً إلى مصالح مادية؛ وإنما عن إيمان بنصوص توراتية وإنجيلية، تعدهم حسب فهمهم سعادة أبدية. لقد ورد التصريح بذكر هرمجدون في سفر حزقيال (٣٨، ٣٩) ، وكذلك في رؤيا يوحنا (١٦: ١ - ٢٠، ٢٠: ١ - ١٠) وأشعياء (١١: ١٥ - ١٦) : (ثم سكب الملاك السادس جامه على النهر الكبير الفرات، فنشف ماؤه لكي يعد طريق الملوك الذين من مشرق الشمس. ورأيت من فم التنين ومن فم الوحش، ومن فم النبي الكذاب ثلاث أرواح نجسة شبه ضفادع. فإنهم أرواح شياطين، صانعة آيات تخرج على ملوك العالم وكل المسكونة لتجمعهم لقتال ذلك اليوم العظيم، يوم الله العظيم، يوم الله القادر على كل شيء. ها أنا آتي كلص. طوبى لمن يسهر، ويحفظ ثيابه لئلا يمشي عرياناً فيروا عريته. فجمعهم إلى الموضع الذي يدعى بالعبرانية هرمجدون. ثم سكب الملاك السابع جامه على الهواء، فخرج صوت عظيم من هيكل السماء من العرش قائلاً: قد تم. فحدثت أصوات ورعود وبروق. وحدثت زلزلة عظيمة، لم يحدث مثلها منذ صار الناس على الأرض زلزلة بمقدارها عظيمة هكذا « [٥٦] . * وقفة مع هذه العقيدة: لخطورة فكرة المجيء الثاني، وما يتبعها، وما يترتب عليها، ولكون نزول المسيح إلى الأرض آخر الزمان هو أيضاً من ضمن مسائل العقيدة عند المسلمين التي يجب الإيمان بها. وقد يقول قائل: إننا نؤمن بما آمنوا به، وجاءت نصوص تدل على ذلك؛ لذا أرى ضرورة تجلية هذا الأمر على ضوء الكتاب والسنة: فالمسلمون يؤمنون بأن عيسى ﵊ رُفع حياً، وأنه ينزل قرب قيام الساعة، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، كما يقتل مسيح الضلالة الدجال، ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام. قال الله تعالى: [وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً] (النساء: ١٥٧-١٥٨) . وقال سبحانه: [وَإِن مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً] (النساء: ١٥٩) . وروى الشيخان عن أبي هريرة ﵁: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:» والذي نفسي بيده! ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها « [٥٧] ، وهذا لفظ البخاري. ومن هنا نستطيع أن نلخص الفرق بين العقيدتين في هذه المسألة فنقول: ١ - تؤمن» الصهيونية المسيحية «بمجيء المسيح عيسى ابن مريم مرة ثانية، ويؤمن المسلمون بذلك. ٢ - تعلن» الصهيونية المسيحية «عن وجود معركة نووية فاصلة، ويعلن المسلمون عن تلك المعركة، ولكن لا تحديد لكونها نووية في مصادرهم. ٣ - تعتقد» الصهيونية المسيحية «بأن المسيح عيسى ابن مريم إذا جاء سيدين الوحش، والنبي الكذاب، وأنه يخلص بني إسرائيل، وينجيهم، ويصنع معهم عهداً جديداً، كما يقيد الشيطان، ويدين الأمم، ويحاسبهم في موضع » هرمجدون «، وسوف ينقذ الخليقة، ويباركها، ثم يقيم مملكته، وعاصمتها أورشليم، بعد أن يضرب كل ممالك الأرض [٥٨] . أما المسلمون فيعتقدون أنه سيكسر الصليب.. إلى آخر ما ورد في الحديث السابق. وسيحكم بالإسلام. فالفكرة لها أصل، ولكن كل فريق يفهمها حسب عقيدته، ويبقى الحكم الصحيح للنص اليقيني، والذي يثبته منهج البحث العلمي الدقيق، وذلك من كتاب الله جل وعلا، وسنَّة رسوله ﷺ . * الخاتمة: دار البحث حول توضيح فكرة» الصهيونية المسيحية «بدءاً باستعراض سريع لتاريخ اليهودية، وتعريف بالفكرة المطروحة للدراسة، ثم وقفة هادئة فيها تأمل لعوامل ظهور هذه الحركة، ومروراً بأهم عقائدها وأبرزها، وكانت نهاية المطاف بيان غايتها، والهدف الذي ترمي إليه، ولعل هذا كله يعدُّ تشخيصاً للمرض. ولأجل أن تكتمل حلقات هذا البحث، ونصل إلى ثمرة معينة، فلا بد من ذكر العلاج مضمناً للموقف الشرعي كما أراه من هذه الحركة، وهو كما يلي: ١ - هناك حقيقة يجب أن تستقر في قلب كل مسلم وخاصة القائمين على أمر الدعوة، وهي: أن وجود الإسلام في الأرض هو نفسه رعبٌ لأعداء هذا الدين في كل حين، وفي كل مكان، وأن الإسلام نفسه يثيرهم ويحفزهم؛ لماذا؟ لأنه من القوة واليقين بحيث يخشاه كل مبطل، ويرهبه كل باغ، ويكرهه كل مفسد. وعليه فيجب على المسلمين إدراك عداوة اليهود والنصارى للمسلمين، وخاصة إذا تكاتفت جهودهم، وتعاونوا: [هَا أَنتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ] (آل عمران: ١١٩) . ٢ - هناك جهود ضخمة، وإمكانيات مادية عظيمة تمتلكها هذه الحركة، ومن ذلك [٥٩] : أ - شبكة تلفزيون (المحطة الجديدة) في فرجينيا بأمريكا، تعرض برامج دينية على مدار الساعة، والقائم عليها: الصهيوني المسيحي الأمريكي جيري فالويل. ب - برنامج» يوم كشف النظام «التلفزيوني، للصهيوني المسيحي ريتشارد دي هان، ويصل إلى ٤.٧٥ ملايين منزل. ج - برنامج المبشر الصهيوني المسيحي ديكس همبرد، ويصل إلى ٣.٧ ملايين منزل، ويبشر بتعاليم سلفه سكوفيلد، التي تقول:» إن الله يعرف منذ البداية الأولى أننا نحن الذين نعيش اليوم سوف ندمِّر الكرة الأرضية «. د - ومن بين أربعة آلاف مبشر مسيحي يشتركون سنوياً في مؤتمرات الإذاعات الدينية والوطنية؛ هناك ثلاثة آلاف صهيوني مسيحي يعتقدون أن كارثة نووية فقط يمكن أن تعيد المسيح إلى الأرض. كما أن من بين ثمانية آلاف قسيس إنجيلي مسيحي يذيعون يومياً من خلال أربعمائة محطة إذاعة؛ فإن الأكثرية منهم ينشرون فكر الصهيونية المسيحية. وغير ما ذكر كثير، هذا إضافة إلى ما تتمتع به الحركة من قدرات سياسية تقوي ذراعها. ٣ - وعلى العاملين في حقل الدعوة الإسلامية الاطلاع التام على ما ورد في السنة النبوية المطهرة من أحاديث آخر الزمان، ونزول المسيح عيسى ابن مريم ﵊، وقضائه على أبرز رموز وشعارات العقيدة المسيحية؛ فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير. وفي هذا دليل قاطع على براءته من دينهم الذي يدينون به. وكذلك صلاته خلف المهدي المسلم، والذي هو على شريعة خاتم الرسل محمد ﵊، فالمسيح مسلم، وعبدٌ لله، ورسولٌ من عند الله جل وعلا. إن معرفة ذلك معرفة دقيقة، والإيمان به؛ يقي بإذن الله من الوقوع في الإحراج والتضليل الذي يبثه دعاة المسيحية، وخاصة» الصهيونية المسيحية «. ٤ - وللصهيونية المسيحية فهمٌ خاصٌ في شأن الإسلام، ينطق به كبار مفكريهم: - يقول سكوفيلد (١٨٤٣ - ١٩٢١م) :» إن عالمنا سوف يصل إلى نهايته بكارثة وبدمار، وبمأساة عالمية نهائية «، ويقول:» إننا لا نستطيع أبداً أن نعيش في سلام « [٦٠] . - وأظهرت دراسة لمؤسسة» نلسن «نشرت في أكتوبر سنة ١٩٨٥م أن واحداً وستين مليون أمريكي يستمعون بانتظام إلى مبشرين يقولون لهم: لا نستطيع أن نفعل شيئاً لمنع حرب نووية تتفجر في حياتنا. ومن أشهر من ينادي بذلك: بات روبرتسون، وجيمي سواجارت، وجيم بيكر، وأورال روبرتس، وجيري فالويل، وكينين كوبلاند [٦١] ، وغيرهم من الوعاظ السياسيين، كلهم يرى أنه:» لن يكون هناك سلام حتى يعود المسيح، إن أي تبشير بالسلام قبل هذه العودة هو هرطقة، إنه ضد كلمة الله، إنه ضد المسيح «. وأما جيمي سواجارت؛ فإنه يضع النقاط على الحروف في هذه الرسالة؛ إذ يقول:» كنت أتمنى أن أستطيع القول إننا سنحصل على السلام، ولكنني أؤمن بأن هرمجدون مقبلة، إن هرمجدون قادمة، وسيخاض غمارها في وادي مجيدو، إنها قادمة. إنهم يستطيعون أن يوقِّعوا على اتفاقيات السلام التي يريدون، إن ذلك لن يحقق شيئاً، هناك أيام سوداء قادمة، إن مشكلات إفريقيا لن تحل، وكذلك مشكلات أمريكا الوسطى، ومشكلات أوروبا. إن الأمور ستتوجه نحو الأسوأ ... إنني لا أكترث لمن تسبب هرمجدون له القلق والمتاعب، إنها تنعش روحي « [٦٢] . ٥ - فعلى المسلمين عامة، وأهل العلم خاصة، وعي خطط الأعداء، وخاصة مثل هذه الخطة الماكرة الكبيرة، ولنعرف كيف نتعامل مع الأحداث عند وقوعها وربما يأتي وقتها، ويبدأ تنفيذها عملياً والمسلمون ضعاف، فيتأكد دور الداعية الآن أكثر لأن يُحَذِّر من شر هذا الخطر القادم والله أعلم، والأعداء لن يرحموا أحداً، ولن يقبلوا صلحاً ولا هدنة، والواقع خير دليل. ٦ - وأنه يوجد قطاع كبير من المجتمعات الإسلامية لا تدرك عداوة اليهود والنصارى للمسلمين، لكن إذا عُرِّف هذا العداء بلغة العصر، وبأرقام وإحصائيات ونتائج دراسات متعددة، ومتابعةٍ لتصريحات وجهائهم؛ اقتنع ذلك العدد الكبير من المسلمين وخاصة أنهم يشاهدون على مسرح الأحداث أمثلة عملية: كالبوسنة والفلبين، والصومال وإريتريا وفلسطين والعراق وأدركوا حقيقة عدائهم، ووجدوا تفسيراً واضحاً وعملياً للآيات القرآنية. والأحاديث النبوية التي تتحدث عن عداوة اليهود والنصارى، وأنهم لن يرضوا عنا أبداً حتى نتبع ملتهم. ٧ - دراسة هذه العقائد والتصريحات دراسةً جديةً، والنظر إليها بمنظور علمي، وليس من منظور العقائد الكامنة، ثم دراسة تأثيرها في رجال السياسة، وقراراتهم، ومحاولة التأثير من خلال تلك العقائد في الرأي العام الغربي، والأمريكي والمسيحي عامة، وأثر ذلك وانعكاسه على المسلمين في المشرق والمغرب. وكما يبذل هؤلاء جهداً في التأثير على شعوبهم، وساساتهم؛ فإنه يجب أن نفعل أقوى من ذلك لدرء الأخطار قبل وقوعها. إن» الصهيونية المسيحية «تسعى جاهدة إلى الوصول إلى هدفها وبتخطيط دقيق، وجاد؛ فماذا يجب أن يقوم به المسلمون؟ الأمر خطر وجسيم، وينتظر علم الرجال، ووعي الأبطال، وجهود وبذل المخلصين الغيورين. [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] (الحج: ٤٠) . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4596

قصة قصيرة لوحتان أحمد محمد علي صوان شعر بِخفّة، فبدأ يرسم في مخيلته لوحة فيها خيول قادمة من بعيد، خيول كثيرة، لم تتّضح كلُّ دقائقها وتفصيلاتها، لكنها خيول جريئة مسرعة، خلفها غمامة كبيرة من الغبار المتطاير، الشرر ينقدح من حوافرها الرشيقة، يمتطيها فرسان كالنمور، نظراتهم ثاقبة، تتطاير منها أشعة الإقدام والجرأة، رؤوسهم مرتفعة شامخة تطاول عنان السماء، لا شيء يعترض طريقها، النور ملء قلوب أصحابها وجوانحهم، وقد فاض على ما حولهم فتراه يرافقهم بل هو سلاحهم، لن يتركوا في طريقهم بقعة سوداء مظلمة، فاض نورهم وخيرهم حتى وسع الناس والبهائم والجماد ... زنود مفتولة صلبة، أصابع تمسك بمقابض السيوف المسلولة ولن تفارقها حتى تفلق الصخر أو تُبتر! أوَ تظن أن هذه السيوف تجرؤ على قتل الصغار والنساء؟ لا.. إنها ما سُلّت إلا لمقارعة الظلم والظّلام ... رايات عالية خفاقة لم تلامس الأرض قطُّ. سرت بين أضلع الرسام نشوة الرِّضا التي ما ذاق طعمها منذ أمد بعيد ... وصار يحدّث نفسه: هل اكتملت اللوحة؟ لا، سرب من الطيور البيضاء مناسب رَسْمُهُ في الجهة المقابلة التي يتقدم منها الفرسان، وبعض الأشجار الخضراء كالنخل، وبعض الأزهار المتنوعة الألوان، ونبع ينساب منه ماء فرات رقراق. غدت هذه اللوحة ملأى بالحياة والحيوية والتفاصيل ... تراجع إلى الوراء خطوات ليصور لوحته بعينيه الفرحتين: فرسان قادمون، أطيار تمخر عباب السماء، شجر باسق لا يخشى الأعاصير الجبارة، جذوره غاصت في رحم الأرض وتآلفت معها واتحدت، ولم تكن أذناه بمعزل عما تصوره عيناه، وصار كأنه يسمع ما تشي به الصورة: يسمع وقع حوافر الخيول العاديات وضبحها، وخرير الماء وهديل الحمائم وأصوات الفرسان الهادرة بصياحها: الله أكبر تملأ بها الفضاء الرحب ... جلس على كرسيه مسترخياً مسروراً يفكّر ماذا يضيف إلى تلك اللوحة لتزداد حيوية وتعجّ بمزيد من الإيحاءات والحيوية ... أدار مفتاح المذياع، فصارت تنهال عليه الأنباء من كل حدب وصوب، نقلته الأخبار إلى عالم آخر، وزمن آخر يفصله عن لوحته أحقاباً عدة، لم تعد يده تقوى على المتابعة في هذه اللوحة، حتى ولو كانت الإضافة خطاً أصفر أو أبيض أو أخضر! كل شيء تغيّر في نفسه فضرب صفحاً عن هذه اللوحة ... أغلق المذياع وأطلق تنهيدة طويلة، وضرب صفحاً عن اللوحة وتخيل لوحة جديدة. أجواء معتمة مظلمة سوداء، وحوش ومخالب وأنياب في كل مكان، شجر عارٍ يابس، ماء أسود راكد آسن ... رسم في وسط اللوحة مخلوقاً يبدو كأنه إنسان، إنه قزم قصير جداً منهك متعب، ملامحه تحكي أنه لم يكن كذلك. رسمه بين أقدام الذئاب ومخالبها المنتفخة غروراً وكبراً، وبين الضباع التي تصول وتجول في هذه الأرض غير آبهة بشيء، مع عدد غير قليل من الأفاعي ... كان لهذا القزم جسم نحيل معروق، جلد على عظم، وكأنه عود أجرد، إلا أنه يحمل وجهاً عجيباً رغم قصر قامته؛ قسماته متجهمة غاضبة، عيونه تكاد تتميز غيظاً واستنكاراً وحقداً، تخفي عملاقاً قادماً سيحرق كل شيء في هذه اللوحة؛ لأن ما حوله أحرق له كل شيء، يوشك أن يستيقظ المارد الذي في داخله، ولو نطق لقال: أنا قادم. لم يشأ هذا الرّسّام المصوّر أن يشيع التشاؤم الكامل في هذه اللوحة التي يُطبق الظلام كلياً على جنباتها فرشق اللوحة بفرشاته المشبعة بالطلاء الأبيض فتقاطرت عليها نقط بيض صغيرة ضعيفة ضئيلة ... كم تمنّى أن تتجمع هذه القطرات البيضاء الصغيرة، ولكن كل قطرة فيها التصقت بمكان ما في هذه اللوحة وآثرت الدعة ولو كان مكانها تحت أقدام هذه السباع أو عند ذيولها ... لم يكن بحاجة إلى أن يتأمل لوحته الجديدة الباكية، فصورتها جاثمة في عقله وقلبه يعايشها كل يوم، ويعاني من أجوائها كل وقت ... أنهكه العمل في هذه اللوحة، كان في كل خطّ يخطّه يعاني معاناة جديدة وينفطر قلبه أسىً على ما حلّ بهذا الإنسان. وكان يشعر في كل لحظة بهذا العملاق في داخله، بل إن العملاق الذي في داخله أشدّ وأقوى من الذي رسمه على اللوحة، ولكن متى يستيقظ؟ رنّ جرس الهاتف، قام إليه متثاقلاً، إنه صديقه يسأل عن أحواله، وعرف ما به، وبشّره بخبر سار: طفل فلسطيني يواجه دبابة بحجر ثم يقتله الأعداء من خلف أكوام الحديد والإسمنت بأحدث الأسلحة، ورجل يُفجّر نفسه وسط حشد من الغاصبين القتلة السفّاحين مصّاصي الدّماء، وامرأة كالخنساء، وما أدراك ما الخنساء ﵂، ولكنها خنساء معاصرة ... عاد إلى لوحته الثّانية مرّة أخرى، ورشقها بقطرات جديدة من الطلاء الأبيض ...

стр. 4597

الورقة الأخيرة عالم جديد.. عالم قديم شريعة الغاب د. محمد مورو [*] بعد اندلاع العدوان الأمريكي على العراق، وتعرض المدن العراقية لكمية هائلة جداً من القنابل والصواريخ، وأسلحة الدمار الشامل الأمريكية، بدأت كل المسائل تصل إلى حافتها؛ فكثير من الأمور والمعاني قد سقطت وأخرى حلت محلها، ويجب في كل الأحوال، ومهما كانت مرارة النتائج، وأياً كانت نتيجة الحرب الجائرة أن نتعرف أن عالماً جديداً قديماً قد تشكل بالفعل وانتهى الأمر، وعلينا مواجهة قواعد وآليات هذا العالم الجديد القديم!! وليس هناك مناص من ذلك. اندلع العدوان الأمريكي الإنجليزي الأسترالي، بدون أخذ موافقة مجلس الأمن، أي خارج ما يسمونه بالشرعية الدولية ... وهذا لا يعني أن شرعيتهم الدولية كانت عادلة مثلاً أو أنها كانت تحمي حقوق الشعب؛ لأن تركيبة مجلس الأمن أصلاً سمحت بالنفوذ والسيطرة لعدد محدود من الدول الكبرى، أي تعكس علاقات القوى بينها على حساب الآخرين أو لصالحهم على حسب الظروف وليس وفقاً للحق والعدل، ولكن رغم ذلك، فإن العدالة الجوهرية والشكلية أيضاً تم تجاهلها. وهكذا سقط عملياً الشكل الباقي من تلك الشرعية المزعومة، وأصبحنا مباشرة أمام قانون الغاب، ليس على مستوى المضمون فقط كما كان يحدث عادة ولكن على مستوى الشكل أيضاً، أي أن أمريكا أعلنت مباشرة وبدون لف ولا دوران نهاية مجلس الأمن ونهاية المنظمة الدولية، وأن الحق لا يدور مع العدل بل كل شيء يدور مع «التوماهوك والكروز والبي ٥٢» . وحتى بعد أن وقع العدوان بالفعل، وسقطت الصواريخ على المدنيين، لم يتحرك مجلس الأمن لإصدار قرار بالإدانة حتى لو تعرض للفيتو الأمريكي وجاء كلام كوفي عنان، ليكرس حقيقة غياب العدل والحق والجوهر والشكل في المنظومة الدولية، فاكتفى بكلام غير واضح ولا محدد ولا مفيد وهو أمر مؤسف جداً بالطبع. كل التحرك الذي حدث في مجلس الأمن كان بإزاء محاولة عدم ترك أمريكا تنفرد ببترول العراق ... ومحاولة وضعه تحت إشراف دولي أي تقسيم الكعكة وليس معاقبة المعتدي، أو إنقاذ شعب العراق ومقدرات العراق ومرافق العراق التي تتعرض للتدمير بلا هوادة. بالطبع يوجد تميز في الموقف الفرنسي والروسي والألماني، ولكن علينا ألا نعوّل بعد الآن على مجلس الأمن أو الأمم المتحدة، وأن نبحث لأنفسنا عن أطر أكثر فاعلية أو أقل خداعاً!! وإذا كان العالم ينقسم من جديد ... فإن الخطر كل الخطر أن يتم تحييد موقف الدول المعارضة لأمريكا بالتلويح بشيء من الكعكة، أو تجاهلها كما هو متوقع وهذا أو ذاك مختلف طبعاً على مستوى إدارة صراع صهيوني سياسي واقتصادي وعسكري «مقاومة» ضد النظام العالمي الفاسد والمجرم والمعتوه. أسقطت الحرب ما يقال عن وجود ديمقراطية في البلدان الغربية عموماً، وأمريكا وبريطانيا وأستراليا خصوصاً. بالنسبة لبلد مثل بريطانيا؛ فإن أغلبية الشعب الإنجليزي ضد الحرب في بداية الأمر، وكل استطلاعات الرأي تقول إن أقل من ٣٥% هم الذين يؤيدون الحرب، تراوحت استطلاعات الرأي حول ٢٣% - ٣٥%، أي أن أغلبية الشعب الإنجليزي كان يعارض الحرب، وكذا فإن المظاهرات التي اندلعت في كل مكان تؤكد ذلك ووصل بعضها إلى المليون، واندلعت مظاهرات في كل المدن تقريباً في اليوم التالي على الحرب، ومع هذا فاستناد توني بلير إلى تصويت البرلمان الذي صوت عدد من أعضاء حزب العمال نفسه ضد الحرب، اعتمد على أصوات المحافظين. المهم أن هذا يعني أن هناك خللاً بنيوياً في موضوع الديمقراطية؛ فكيف يصوت البرلمان على عكس رغبة أغلبية الشعب؟ الأمر نفسه حدث في أسبانيا، فمؤيدو الحرب من الشعب الأسباني لم يصل عددهم إلى ١٢%، ومع ذلك سارت الحكومة الأسبانية على عكس إرادة الشعب مؤيدة للحرب ولأمريكا، وهو ما يمكن أن يقال أيضاً بالنسبة لأستراليا. من الملاحظ أن الذين شاركوا في العدوان بجنودهم، هم الأمريكيون والبريطانيون، والأستراليون «وكلهم أنجلو سكسون» !! فهل لهذا معنى مباشر أو غير مباشر؟ من المعروف أن هناك نظاماً أمنياً خاصاً بالدول الأنجلوساكسونية يسمى نظام «أتشيلون» . وهل هذه المسألة لها علاقة بموضوع صراع الأعراق والحضارات المتوقع في عالم جديد ... قديم؟! نلاحظ أيضاً أننا بإزاء عودة لنظام الاستعمار القديم، كما كان يحدث في القرن التاسع عشر؛ فهل كل الإنجازات التي حققتها البشرية في حروب التحرير الوطنية وتصفية الاستعمار كانت وهماً أو خدعة؟! أم أن آلة الغرور والقوة الأمريكية أطاحت بكل هذا في لحظة واحدة، وأن علينا العودة من جديد إلى قيم وأفكار وثقافات حروب التحرير الشعبية ومناهضة الاستعمار؟ وهل يمكن تحقيق هذا في ظل العولمة والإنترنت والأقمار الصناعية، والصواريخ الذكية؟ هل سيكون الأمر في ظروف أفضل من الحالة الأولى، أم أسوأ؟! على كل حال الأمر يحتاج لمناقشة. وبصورة أولية؛ فإن تسارع وسائل الاتصال وانتشارها يعني قدراً من الإيجابية لحركات التحرر، التي ستصبح أكثر ارتباطاً وتأثيراً، ولكنها تعني في الوقت نفسه أنها أمام قوة عسكرية واستخباراتية هائلة ولا تحمل أي قدر من الأخلاق، أي أنها ستمارس قمعاً وحشياً ضد أي شكل من أشكال المقاومة، والمسألة تقتضي بالضرورة التمسك بخيار المقاومة واكتشاف أشكال مبدعة وغير تقليدية لها، وإلا فإن الكرامة والمصالح ستضيعان معاً، ليس بالنسبة لمصر أو العراق أو المسلمين، بل للعالم كله، وكذلك ينبغي البحث عن جزء إنساني مشترك غير طبقي ولا وطني لممارسة هذا النضال العالمي ضد الاستكبار الأمريكي، بدون تجاهل الدوافع القومية والدينية والوطنية المؤثرة والفاعلة والمحرضة على المقاومة. سوف تنقسم القوى إلى معسكرين: معسكر تابع وعميل قليل العدد يبشر بالخضوع للأمريكان والانخراط في المنظومة ثقافياً وسياسياً وعسكرياً، على أساس أنه لا طريق هناك للمواجهة لعدم تكافؤ القوى، أو لأن أفكار المقاومة غير صحيحة أصلاً، أو لأن الأمريكان وما يملكونه هو التحضر والعصرنة. ومشكلة هؤلاء أنه حتى بصرف النظر عن الكرامة المهدرة، أو الهوية والقيمة الدفينة أو كل شيء، فإن هذا غير متاح؛ لأن الأمريكان لن يقبلوا إلا بعدد قليل ينخرط معهم في العملية مقابل الفتات، أما آلاف الملايين من البشر فقد أصبحوا عالة ينبغي التخلص منهم بالموت بالجوع أو الفقر أو الصراعات أو الأوبئة أو التعقيم الإجباري أو غيرها من الوسائل!! أما المعسكر الثاني فيراهن على الإيمان والصبر، وأن أمريكا القوية اليوم لن تظل هكذا إلى الأبد، وأن المقاومة مهما كانت صغيرة وضعيفة اليوم سوف تقاتل المارد الأمريكي كما أكل النمل عصا سليمان مع الفارق في التشبيه طبعاً. الحرب الجائرة على العراق، وأياً كانت نتائجها، كشفت كذب الأمريكان؛ فهم ادعوا أن قنابلهم ذكية تصيب أهدافها بدقة، وثبت أنها لم تصب المواقع العسكرية بقدر ما أصابت المدنيين، ولم تكن دقيقة لدرجة أن عدداً منها قد سقط في مدينة عبدان بإيران وأخرى بالسعودية، بل في الكويت أيضاً، وهكذا فإن الحديث عن حرب نظيفة، ومع تساقط عدد هائل من الضحايا المدنيين، أصبح حديث خرافة؛ فالحرب هي الحرب مهما كانت درجة التكنولوجيا المستخدمة، ضحاياها أساساً من المدنيين. أثبتت تلك الحرب أن النظام العربي حكومة ومعارضة قد أفلس تماماً ولم يعد قادراً على الاستمرار بأي حال من الأحوال؛ فالحكومات العربية وقفت عاجزة عن منع الحرب، بل كان موقفها أقل من موقف فرنسا وروسيا وألمانيا، وهناك حكومات عربية ساعدت العدوان الأمريكي بالفعل، وكذلك لعبت الاستخبارات الأمريكية على راحتها الكاملة في معظم الدول العربية، للتمهيد اللوجستي للعدوان، وكانت كل الدول العربية بلا استثناء أقل من الحكومة التركية التي راوغت رغم ظروف معقدة، واستطاعت أن تفوت ما أمكنها على الأمريكيين معظم مطالبهم، ورغم خسائرها المادية والاستراتيجية الكبيرة، فهل يرجع ذلك إلى أنها حكومة منتخبة تحترم إرادة شعبها؟! وعلى المستوى الشعبي؛ فإن الملاحظ أنه كلما كان هناك هامش من الحرية في إحدى الدول العربية كانت الحركة الشعبية أقوى في مناهضة العدوان والعكس صحيح تماماً، وكذلك نلاحظ أن حركة الجماهير العفوية كانت أقوى من الأطر السياسية المعارضة والحكومية معاً، وفي بلد مثل مصر فإن القوى السياسية المعارضة كانت أقل في رد فعلها من الجماهير العفوية. والحقيقة أن العدوان الأمريكي قد أوضح بما لا يدع مجالاً للشك أن الحكومات العربية أفلست، وأن المعارضة والقوى السياسية العربية أفلست أكثر منها، وأن على الجميع أن يرفع كاهله عن الشعوب العربية، ولم يكن على مستوى الحدث إلا الحركات الجهادية الإسلامية في فلسطين وغيرها، وما عدا ذلك فهو عبء على الأمة وتكريس لسلبيتها وعليهم الرحيل غير مأسوف عليهم. نعم! لقد أحرق العدوان الأمريكي مشروعية الحكومات العربية والقوى السياسية المعارضة في وقت واحد، والأمل كل الأمل في أن يخرج من مرض الأمة، وعلى ضوء هذا الألم الشديد والفظيع والمعاناة الهائلة التي تعانيها الأمة الآن، أن يخرج جيل جديد قادر على اكتشاف الطريق الصحيح لانتزاع الحق في الحياة والكرامة والمواجهة.

стр. 4598

ربيع الآخر - ١٤٢٤هـ يونيو - ٢٠٠٣م (السنة: ١٨)

стр. 4599

كلمة صغيرة اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ! الأمن في الديار والأنفس والأموال والأعراض نعمة من أجلِّ نِعَم الله على الأمم والأفراد؛ ولهذا امتنَّ الله به على قريش، فقال: [الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ] (قريش: ٤) . والأمن هو البيئة الخصبة لنمو الدعوة، وانتشار المعروف، وحصول الاستقرار النفسي، والاطمئنان الاجتماعي. وإذا اضطرب الأمن وظهرت الفتنة وارتفع صوتها تزلزلت الأمة، وتخلخلت أركانها، وكثر فيها الخَبَث، والتبس الحق بالباطل، واستعصى الإصلاح على أهل الخير. ومن المتفق عليه بين أهل العلم أنَّ تحقيق الأمن مقصد عظيم من مقاصد الدين الحنيف؛ فالشريعة الإسلامية إنما جاءت لتحصيل المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها. ولهذا نقول بكل وضوح: إننا في مجلة البيان نستنكر التفجيرات التي حصلت في مدينة الرياض في منتصف ربيع الأول؛ فهي عمل متشنج غير مسؤول، ومجازفة غير متزنة، وخطأ كبير يجب الحذر منه. وكل عمل مهما كان كبيراً أو صغيراً فإنه يجب أن تراعى فيه نصوص الشريعة وقواعدها المحكمة التي تُحصِّن الأمة من طَرَفَيِ الإفراط أو التفريط. وفي الوقت نفسه فإنَّه لا يجوز على الإطلاق أن يستغل بعض المفسدين وأهل الأهواء هذا الخطأ في الترويج لباطلهم، والإرجاف الفكري، وتجاوز الثوابت الشرعية، والغلوِّ في تفسير الحدث وتعميمه؛ بل يجب ردّ الأمر إلى أهل البصيرة والعلم الربانيين المعتصمين بحبل الله المتين؛ فالشريعة جاءت لتحكم أحوال الناس، وتضبط انفعالاتهم ومواقفهم، وتحول بينهم وبين أهوائهم، قال الله تعالى: [وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ] (النساء: ٨٣) . ونحسب أن نشر العلم الشرعي الأصيل المبني على الدليل في أوساط الخاصة والعامة، وتوسيع أبوابه، وتسهيل سبله ومصادره، مما يعصم الأمة من الزلل والخطأ. نسأل الله تعالى أن يعيذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن..

стр. 4600

الافتتاحية طلائع التغريب بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: في يوليو من عام (١٩٩٨م) وعلى مدى عامين اثنين احتفل مجموعة من المثقفين المصريين بمناسبة مرور مائتي عام على الحملة الفرنسية التي قادها (نابليون بونابرت) على مصر، وزعموا أنهم لا يحتفلون بالاستعمار، وإنما بالعلاقات الثقافية مع فرنسا، وبالمجمع العلمي والمطبعة التي أدخلها نابليون لأول مرة إلى مصر. ولا نستغرب أن بعض نصارى العرب مثل ألبرت حوراني يؤرخ لبداية الحداثة العربية بحملة نابليون، لكن الغرابة أن يتبنى هذه الرؤية أيضاً بعض المثقفين المصريين المنتسبين إلى الإسلام، ويعيدون اجترار الفكر الاستعماري، ويصفقون بكل انهزام لتاريخه وثقافته..! الجدير بالتأمل أن نابليون عندما دخل إلى مصر تلبَّس بلباس المسلمين، وزعم أنه يريد تحرير حقوق المصريين من الظالمين وقال في أول بيان نشره: (بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله لا ولد له ولا شريك له في ملكه) ، ثم قال: (يا أيها المصريون! قد قيل لكم إنني ما نزلت بهذا الطرف إلا بقصد إزالة دينكم؛ فذلك كذب صريح فلا تصدقوه، وقولوا للمفترين: إنني ما قدمتُ إليكم إلا لأخلِّص حقكم من يد الظالمين، وإنني أكثر من المماليك أعبد الله وأحترم نبيه والقرآن العظيم!) [١] . وبعد الغزو الأمريكي على العراق بدأت احتفالية أخرى عند بعض الخليجيين، تتطلع إلى مرحلة جديدة من الحداثة الحضارية! فقد كتب أحد مثقفيهم مقالة بعنوان: (نموذج أمريكي في العراق؟ لِمَ لا؟ .. تفاءلوا خيراً!) ، قال فيها: (إنني من أكثر الناس تفاؤلاً بقدوم أمريكا إلى العراق، وعندي أسباب عديدة، أولها: أن أمريكا لم تدخل بلداً إلا وحسنت من أوضاعه؛ فهي دخلت اليابان وكوريا وألمانيا، وغيرها من البلدان، والنتيجة أن هذه الدول أصبحت من الدول المتقدمة في الاقتصاد والعلم، أمريكا دفعت من جيبها أكثر من ١٢ مليار دولار لدول أوروبا خلال مشروع مارشال لتنهض صناعياً بالدول المهزومة، وفي مقدمتها ألمانيا، بالإضافة إلى عشرين مليار دولار كديون ميسرة بعيدة المدى ... ) ، ثم ختم مقاله بقوله: (إنني واثق أن أمريكا ستلعب في منطقتنا دور المعلم الحازم الذي يريد النجاح لتلاميذه، حتى لو تطلب ذلك درساً قاسياً، إن العالم العربي لن يتغير من تلقاء نفسه، لذلك أقول أهلاً بالنموذج الأمريكي الحر، وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم!!) [٢] . وكتب مثقف آخر مقالة بعنوان: (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم) ، قارن فيها بين حملة نابليون بونابرت على مصر، والحملة الأمريكية على العراق، وقال: (لقد كانت الحملة الفرنسية على مصر شيئاً مثل صدمة كهربائية قوية، أعادت الوعي إلى مجتمعات كانت غائبة عن الدنيا وما جرى فيها خلال قرون من الاستكانة والسكون، ومن يقرأ تاريخ الجبرتي عن تلك الفترة يستطيع أن يتبين أثر تلك الحملة القصيرة الزمن الطويلة التأثير على المجتمع المصري، ومن ثم المجتمعات العربية الأخرى..) ، وبعد أن تحدث عن الصدمات القوية التي أعادت الحياة والفاعلية الذاتية على يد الاستعمار الغربي في ألمانيا واليابان والصين، أراد أن يقنعنا بأهمية الاستعمار الأمريكي قائلاً: (وهذا ما حدث لمصر والشرق العربي حين غزاهما نابليون، فأعاد العرب إلى الوعي بالعصر الذي يعيشون فيه، ولكنهم نكصوا على أعقابهم بعد ذلك، فكان لا بد من صدمات وصدمات؛ إذ لعل وعسى؛ فمكر التاريخ لا يعرف الاستسلام. وإذا كانت الحملة الفرنسية على مصر ومشرق العرب، أو الصدمة الأولى قبل قرنين من الزمان تقريباً، قد قدمت العرب للحداثة، وقدمت الحداثة للعرب، فإن الحملة الأمريكية الحالية سوف تقدم العرب للعولمة، وتقدم العولمة للعرب على أوسع نطاق!!) [٣] . وفي مقال ثالث كتب أحدهم: (لقد أثبتت الفضائيات العربية والإعلام العربي بشكل عام، أننا أمة تقع خارج دائرة الفعل، فالأمة التي يقوم خطابها الثقافي والإعلامي على التباكي وعلى مهاجمة الآخر والتحريض على كرهه، هي أمة مكبلة بقيود العجز والسلبية وعدم القدرة على المبادرة، وهذا النوع من الأمم يحتاج بالفعل إلى يد خارجية قوية تفرض عليه الإصلاحات اللازمة لتغيير واقعه نحو الأفضل. إنَّ النظام العراقي لم يكن ليسقط ولو بعد مائة عام، لولا الحملة العسكرية الأمريكية. والإصلاحات الديمقراطية لن تتحقق في العالم العربي بإرادة ذاتية؛ بل بالمساعي الأمريكية، وإذا كان الأمريكيون يعملون على تحقيق هذه الإصلاحات مدفوعين بقناعتهم بضرورة التغيير بعد أحداث سبتمبر؛ فإن المنطق يحتم علينا أن نرحب بمساعيهم طالما أنها تلتقي بمصالحنا!!) [٤] . وفي حوار أجرته إحدى الإذاعات العربية مع أحد المعارضين العراقيين الذين دخلوا بغداد تحت مظلة القبعة الأمريكية، استشهد على حرص الولايات المتحدة الأمريكية على نهضة العراق وبنائه حيث ذكر أن من أوائل اللجان التي شكلتها الإدارة الأمريكية لإعادة البناء هي اللجنة المكلفة بإعادة كتابة المناهج التعليمية، ممَّا يؤكد حرصها على بناء عراق علمي متحضر، ثم يتفاءل كثيراً بإعادة بناء النموذج الأمريكي في اليابان وألمانيا في عراق ما بعد الحرب..!! هذه المواقف جزء من ضجيج هادر نضح به بعض إعلامنا الخليجي، وهي مواقف تمثل صورة صارخة لمقدار التبعية الفكرية والانهزامية الثقافية التي يبشر بها بعض المثقفين والصحفيين العرب؛ فما عادوا يخجلون من صعود الدبابة الأمريكية والانضواء تحت رايتها. وتعجب أشد العجب من جرأة هؤلاء المفتونين على تزييف الوعي؛ فالعالم كله يرى إفلاس القيم الأمريكية وسقوطها المدوي الذي انكشف أمام الجميع، بينما هم لا زالوا يسبحون بحمدها ويقدسون..!! إنَّ الخطاب الفكري الذي يصوغ أطروحات هؤلاء القوم يستمد جذوره من الانقلاب على الذات، والتنكر لعقيدة الأمة وجذورها التاريخية، والسقوط في متاهات التقليد، واجترار الفكر الغربي بانهزامية مفرطة، ثم يتبع ذلك سعي حثيث لمسخ هوية المجتمع، وتغيير بنيته الفكرية. ولئن كانت تلك الصورة الساذجة للشاب الذي يلبَّس (الجينز) ويعلق الأساور والأقراط على يديه وأذنيه آية من آيات الاستلاب الحضاري، ومثاراً للسخرية والاستهزاء؛ فإنَّ الانسلاخ الفكري والعقدي الذي تلبَّس به بعض المثقفين أشد خطراً وأكثر إثارة للسخرية؛ لأنَّهم يحملون مشروعاً تغييرياً يتقصد محاربة الأمة وتغييب ثقافتها! وهذه الظاهرة ليست من الظواهر الحادثة؛ فمنذ أن رفع ابن أبي سلول راية النفاق في العصر الأول، وأتباعه المقتدون به يظهرون بصور وأشكال متعددة، تختلف أسماؤهم وألوانهم، وتتشابه مخازيهم في الكيد لهذه الأمة وشرخ عقيدتها. قال الله تعالى: [وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ] (محمد: ٣٠) . إنَّ المرحلة القادمة ستشهد حرباً ضروساً على القيم والثوابت الشرعية، وسيكشف كثير ممن يسمون أنفسهم بالليبراليين عن حقيقة ثقافتهم وجذورهم! ونحسب أن هذا التيار سيكون الأداة الطيعة الذي ستستخدمه الولايات المتحدة الأمريكية في اختراق الأمة وتسويق مشاريعها الفكرية والاجتماعية، وبسط هيمنتها على مراكز الرأي والتأثير. وباسم الإصلاح والتطوير ونحوها من الكلمات البراقة سيرفعون لواء الإفساد والتغريب، [وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ] (البقرة: ١١-١٢) . ولهذا فإن استبانة سبيل هؤلاء القوم، ورصد توجهاتهم، وتتبع مكائدهم ودسائسهم، ليس مجرد ترف ثقافي وإعلامي؛ بل هو من الأولويات المهمة التي تحفظ الأمة من مكرهم وخداعهم. قال الله تعالى: [وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ] (الأنعام: ٥٥) .

стр. 4601

دراسات في الشريعة ما كان أحد أحب إلي من رسول الله ﷺ د. عبد العزيز آل عبد اللطيف [*] «خرج الركب العراقي - سنة ٣٩٤هـ - حاجّاً إلى بيت الله الحرام زمن خوف وهلع من الأعراب وسرّاق الحجيج، فلما فرغوا من الحج عزم أميرهم على العود سريعاً إلى بغداد وأن لا يقصدوا المدينة النبوية خوفاً من أولئك السرّاق، فقام شابان قارئان على جادة الطريق التي منها يعدل إلى المدينة النبوية، وقرأا: [مَا كَانَ لأَهْلِ المَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ] (التوبة: ١٢٠) ، فضج الناس بالبكاء، وأمالت النوق أعناقها نحوهما، فمال الناس بأجمعهم والأمير إلى المدينة النبوية فزاروا وعادوا سالمين إلى بلادهم ولله الحمد والمنة» [١] . إن محبة رسول الله ﷺ من أعظم الفرائض، كما قال تعالى: [قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ] (التوبة: ٢٤) . قال القاضي عياض عن هذه الآية: «فكفى بهذا حضاً وتنبيهاً ودلالة وحجة على إلزام محبته، ووجوب فرضها، وعظم خطرها، واستحقاقه لها صلى الله عليه وسلم؛ إذ قرّع تعالى من كان ماله وأهله وولده أحبّ إليه من الله ورسوله، وأوعدهم بقوله: [فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ] ثم فسّقهم بتمام الآية، وأعلمهم أنهم ممن ضلّ ولم يهده الله» [٢] . وقد حقق الصحابة ﵃ أسمى الأمثلة في محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فكان عمر الفاروق ﵁ يقول للعباس - عم رسول الله ﷺ : أن تُسْلِم أحبّ إليَّ من أن يسلم الخطّاب؛ لأن ذلك أحبّ إلى رسول الله ﷺ . وسئل عليّ بن أبي طالب ﵁:» كيف كان حبكم لرسول الله ﷺ ؟ قال: كان والله أحبّ إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا، ومن الماء البارد على الظمأ « [٣] . وها هو عمرو بن العاص ﵁ يقول وهو في سياق الموت:» ما كان أحد أحبّ إليّ من رسول الله ﷺ ، ولا أجلّ في عيني منه، وما كنتُ أطيق أن أملأ عينيّ منه إجلالاً له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت؛ لأني لم أكن أملأ عينيّ منه « [٤] . إن جنس المحبة أصل كل فعل وحركة في هذا العالم؛ فكل عمل في العالم فهو صادر عن محبة وإرادة [٥] ، ومحبة رسول الله ﷺ من الأمور القلبية الوجدانية، وهذه المحبة توجب لوازمها ومقتضياتها من الأعمال والأقوال. فمحبة رسول الله ﷺ توجب الذبّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والانتصار لسنته والاحتساب على من تطاول عليه، وتأمّل ما جاء في حديث ابن عباس ﵄ حيث قال:» إن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر، قال: فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي ﷺ وتشتمه، فأخذ المِغْول [٦] فوضعه في بطنها، واتكأ عليها فقتلها، فوقع بين رجليها طفل، فلطخت ما هناك بالدم، فلما أصبح، ذُكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فجمع الناس فقال: أنشد الله رجلاً فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام، فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتزلزل، حتى قعد بين يدي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أنا صاحبها، كانت تشتمك، وتقع فيك، فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المغول فوضعته في بطنها، واتكأت عليها حتى قتلتها، فقال النبي ﷺ : «ألا اشهدوا أن دمها هدرٌ» [٧] . فتأمل ما قام به هذا «البصير» ﵁ من الانتصار لرسول الله ﷺ ؛ فمع كونه أعمى، وتلك المرأة أم ولده، إضافة إلى كونها رفيقة به، وله منها ابنان في غاية الحسن والجمال، مع ذلك كله، فقد قدّم محبة رسول الله ﷺ والذبّ عنه على سائر تلك المحبوبات فرضي الله عنه. وجاء في مغازي الواقدي: «أن مروان بن الحكم وكان أميراً على المدينة، قال لابن يامين اليهودي: كيف كان قتل ابن الأشرف؟ قال ابن يامين: كان غدراً، ومحمد بن مسلمة ﵁ جالس شيخ كبير، فقال: يا مروان أيُغدَّر رسول الله ﷺ عندك؟ والله ما قتلناه إلا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله لا يؤويني وإياك سقف بيت إلا المسجد، وأما أنت يا ابن يامين فلله عليّ إن أفلتَّ وقدرتُ عليك وفي يدي سيف إلا ضربت به رأسك، فكان ابن يامين لا ينزل من بني قريظة حتى يبعث له رسولاً ينظر محمد بن مسلمة، فإن كان في بعض ضياعه [٨] نزل فقضى حاجته ثم انصرف، وإلا لم ينزل؛ فبينا محمد بن مسلمة في جنازة وابن يامين في البقيع، فقام محمد إلى جرائد رطبة من النخل، فلم يزل يضربه بها جريدة جريدة حتى كسّر ذلك الجريد على وجهه ورأسه حتى لم يترك به مَصَحّاً [٩] ، ثم أرسله ولا طَباخَ [١٠] به، ثم قال محمد بن مسلمة: واللهِ لو قدرتُ على السيف لضربتك به [١١] » . وإن محبة رسول الله ﷺ توجب تعظيمه وتوقيره وإجلاله، «ولما سئل مالك بن أنس ﵀ عن أيوب السختياني قال: ما حدثتكم عن أحد إلا وأيوب أفضل منه، وقال: وحجّ [أيوب] حجتين فكنتُ أرمقه ولا أسمع منه، غير أنه كان إذا ذُكر النبي ﷺ بكى حتى أرحمه، فلما رأيتُ منه ما رأيت، وإجلاله للنبي ﷺ كتبتُ عنه. وقال مصعب بن عبد الله: كان مالك إذا ذُكر النبي ﷺ يتغيّر لونه، وينحني حتى يَصْعُب ذلك على جلسائه؛ فقيل له يوماً في ذلك، فقال: لو رأيتم ما رأيت، لما أنكرتم عليّ ما ترون، ولقد كنت أرى محمد بن المنكدر وكان سيّد القراء، لا نكاد نسأله عن حديث أبداً إلا يبكي حتى نرحمه» [١٢] . إن تعظيم رسول الله ﷺ وسط بين الإفراط والتفريط، والغلو والجفاء، وقد قرر ابن عبد الهادي هذه الوسطية بقوله: «إن التعظيم [لرسول الله ﷺ ] محله القلب واللسان والجوارح؛ فالتعظيم بالقلب ما يتبع اعتقاد كونه رسولاً من تقديم محبته على النفس والولد والوالد والناس أجمعين، ويصدق هذه المحبة أمران: إحداهما: تجريد التوحيد؛ فإنه ﷺ كان أحرص الخلق على تجريده حتى قطع أسباب الشرك ووسائله من جميع الجهات.. ومدار دينه على هذا الأصل الذي هو قطب رحى النجاة ولم يقرره أحد ما قرره ﷺ بقوله وفعله وهديه وسدّ الذرائع المنافية، فتعظيمه ﷺ بموافقته على ذلك لا بمناقضته فيه. الثاني: تجريد متابعته وتحكيمه وحده في الدقيق والجليل من أصول الدين وفروعه، والرضا بحكمه والانقياد له والتسليم، والإعراض عمن خالفه وعدم الالتفات إليه حتى يكون وحده الحاكم المتبع المقبول قوله، كما كان ربه تعالى وحده المعبود المألوه الذي إليه الرغبة والرهبة.. وأما التعظيم باللسان فهو الثناء عليه بما هو أهله مما أثنى به على نفسه وأثنى به عليه ربه من غير غلو ولا تقصير؛ فكما أن المقصر المفرط تارك لتعظيمه فالغالي المفرط كذلك. وأما التعظيم بالجوارح فهو العمل بطاعته والسعي في إظهار دينه وإعلاء كلماته ونصر ما جاء به وجهاد ما خالفه» [١٣] . إن أعظم دواعي محبة رسول الله ﷺ أمران: أحدهما: النظر إلى شمائله وأخلاقه؛ فقد كان ﷺ : «أكمل الناس تربية ونشأة، لم يزل معروفاً بالصدق والبر والعدل، ومكارم الأخلاق، وترك الفواحش والظلم، وكل وصف مذموم، مشهوداً له بذلك عند جميع من يعرفه قبل النبوة، وممن آمن به وكفر بعد النبوة، لا يعرف له شيء يعاب به، لا في أقواله، ولا في أفعاله، ولا في أخلاقه، ولا جرت عليه كذبة قط، ولا ظلم، ولا فاحشة، وكان خلقه وصورته من أكمل الصور وأتمها وأجمعها للمحاسن الدالة على كماله» [١٤] . والآخر: النظر إلى إحسانه وإنعامه على أمته من رأفته بهم، ورحمته لهم، وهدايته إياهم، وشفقته عليهم، وأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم، ورحمة للعالمين، ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، ويتلو عليهم آياته، ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة [١٥] . قال الحافظ ابن حجر: «فإذا تأمل النفع الحاصل له من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان إما بالمباشرة وإما بالسبب علم أنه سبب بقاء نفسه البقاء الأبدي في النعيم السرمدي، وعلم أن نفعه بذلك أعظم من جميع وجوه الانتفاعات، فاستحق لذلك أن يكون حظه من محبته أوفر من غيره؛ لأن النفع الذي يثير المحبة حاصل منه أكثر من غيره، ولكن الناس يتفاوتون في ذلك بحسب استحضار ذلك والغفلة عنه» [١٦] . فاللهم صلّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 4602

دراسات في الشريعة العلاقات الإسلامية النصرانية رؤية شرعية في الماضي والحاضر والمستقبل (٢ ـ ٢) د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي [*] العلاقات التاريخية بين المسلمين والنصارى هي الجبهة الساخنة ذات الشوكة والمواجهة، والكر والفر، والمد والجزر. وقد قصد الكاتب إلى وضع خطوط عامة بارزة لتكوين خلفية تاريخية؛ يستصحبها الناظر للأحداث الراهنة، ويستشرف بها المستقبل، فقسم تلك العلاقات إلى مراحل بحسب الأطوار التي مرت بها، فذكر في العدد السابق: المرحلة النبوية، مرحلة الخلفاء الراشدين، مرحلة عصر الفتوحات، مرحلة الحروب الصليبية. ويكمل لنا في هذا العدد استعراض مراحل العلاقات بين المسلمين والنصارى في رؤية شرعية بين الماضي والحاضر والمستقبل. - المرحلة الخامسة: (٦٩٠هـ - ١٢١٣هـ) : لم تكد تُطوى صفحة الصليبيين في بلاد الشام، وهم يستقلون مراكبهم هاربين من عكا سنة تسعين وستمائة (٦٩٠هـ / ١٢٩١م) ؛ حتى فتحت صفحة جديدة من صفحات المواجهة الإسلامية النصرانية، لكن ميدان المعركة انتقل هذه المرة إلى الطرف الآخر، وعلى وجه التحديد: الحدود الشرقية للإمبراطورية البيزنطية، والمتاخمة لممالك السلاجقة المسلمين. لقد شهد النصف الأخير من القرن السابع الهجري نشأة إمارة صغيرة لقومٍ من الترك النازحين إلى هضبة الأناضول، فراراً من بطش المغول، وإثر مشاركتهم في بعض المعارك المحلية منحهم سلطان «قونيه» ثغراً على حدود سلطنته مع الإمبراطورية البيزنطية، انطلق منه هؤلاء المجاهدون يُثخنون في الأرض، ويوسعون نفوذهم، حتى تأسست لهم دولة مستقلة على يد أميرهم عثمان بن أرطغرل، صارت فيما بعد أطول دولة في التاريخ عمراً، عرفت باسم الدولة العثمانية [١] . اتجه آل عثمان إلى قتال الروم، ووطئت أقدامهم أراضٍ لم يطأها فاتح مسلمٌ من قبل. فقد تمكن السلطان عثمان (٦٩٩ - ٧٢٦هـ) من توسعة الإمارة التي ورثها عن أبيه أرطغرل أكثر من ثلاثة أضعاف ما كانت عليه، وتمكن من النفاذ إلى بحر «مرمرة» سنة سبع وسبعمائة. وفي آخر أيامه تم فتح مدينة بيزنطية عظيمة هي «بروسه» ، فنقل إليها خليفتُه وابنه السلطان «أورخان» كرسي مملكته؛ ليكون قريباً من ساحات الفتوحات الجديدة في أوروبا الشرقية، فافتتح مدينة «نيقوميدية» ، و «أزينق» من بلاد اليونان، وفتح مدينة «غليبولي» التي تعد مفتاح القسطنطينية؛ في سنة ثمانٍ وخمسين وسبعمائة. وفي عهد ابنه السلطان الشهيد «مراد الأول» (٧٦١ - ٧٩٢هـ) تم فتح «أدرنة» ، في العام التالي لحكمه، ونقل إليها عاصمة مملكته، وأخضع معظم الأراضي البيزنطية؛ بحيث صارت «القسطنطينية» محاصرة تماماً بالأراضي العثمانية، والتي بلغت حدود مملكة الصرب، وبلغاريا، وألبانيا. وقد تحالف ملوك البوسنة، وصربيا، والمجر ضد العثمانيين إثر سقوط أدرنة، بمباركة وتأييد من البابا «أربانوس» ، وهاجموا المدينة المفتوحة، فهزمهم السلطان عندها هزيمة منكرة في سنة خمسٍ وستين وسبعمائة (٧٦٥هـ / ١٣٦٣م) . وتتواصل الفتوح العثمانية حتى تسقط بلغاريا في أيدي المسلمين، ويأسرون أميرها. وأمام هذا السيل الجارف من الانتصارات؛ يتحالف أمراء أوروبا الشرقية ضد السلطان مراد الأول، فتدور معركة حامية الوطيس من معارك الإسلام الفاصلة سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة (٧٩٢هـ / ١٣٨٩م) ، عرفت باسم «قوصووه» ، ينتصر فيها العثمانيون، ويؤسر ملك الصرب، ويُقتل. ولكن السلطان مراد يقضي نحبه بطعنة غادرة من جندي صربي، وهو يتفقد ساحة المعركة. وقد خلَّف أراضيَ شاسعة، تبلغ خمسة أضعاف ما ورثه عن أبيه أورخان، في مدى ثلاثين سنة تقريباً قضاها ﵀ في الفتوح والجهاد. وفي عهد ابنه السلطان «بايزيد الأول» ، الملقب بـ «الصاعقة» ؛ استمرت الجيوش العثمانية النظامية المعروفة بـ «الإنكشارية» تنتقص أوروبا من أطرافها بطموحات عالية، وهمة ماضية، ففتح رومانيا، وألبانيا، وجزيرة رودس، وحاصر «القسطنطينية» سبعة أشهر كاملة. فقام ملك المجر «سيجسموند» بالاستنجاد بالبابا لتكوين حملة صليبية أوروبية، حملت شعار: (سحق الأتراك أولاً، ثم احتلال القدس) . وتجمعت جيوش مَجَريَّة، وألمانية، وفرنسية، وإنجليزية، وإيطالية، وإسبانية، بلغ تعدادها مائة ألف مقاتل، وعبرت نهر الدانوب، لتصطدم بجيوش بايزيد الصاعقة، على مقربة من مدينة نيكوبولي «نيقوبوليس» ، فتُصعق بهزيمة نكراء سنة تسع وتسعين وسبعمائة (٧٩٩هـ / ١٣٩٦م) ، كانت هزيمة لأوروبا كلها على يد آل عثمان. لقد كان بايزيد الصاعقة يطمح إلى اجتياح أوروبا كلها وكان الأوروبيون يدركون ذلك، فحينئذٍ يتجدد الحلف (النصراني المغولي) الذي سبق أن أبرمه النصارى مع «هولاكو» ، لكن في هذا المرة مع طاغية مغولي آخر هو «تيمورلنك» ؛ فـ (في سنة اثنتين وثمانيمائة اجتمع كثير من ملوك الروم الذين اقتلع ملكهم السلطان يلدرم [٢] بايزيد، وساروا إلى تيمور مستغيثين به، يشكون إليه من السلطان بايزيد، ويرغّبونه في المسير إلى الروم، يستنجدون به عليه في رد ممالكهم، فأجاب تيمور سؤالهم، وسار بجيوش كثيرة ... ) [٣] . وكانت نهاية هذا السلطان المجاهد أن وقع أسيراً في يد تيمور، وتوفي في عاصمته تبريز. قام السلطان «محمد الأول» (٨١٦ - ٨٢٤هـ) بلمِّ شعث الدولة بعد تمزيقها، وإخماد الفتن والانشقاقات، حتى استقرت الأمور، وخلفه ابنه السلطان «مراد الثاني» (٨٢٤ - ٨٥٥هـ) ، وجرت بينه وبين ملوك أوروبا وبابواتها حروبٌ وملاحم عظيمة، تراوحت بين نصر وهزيمة، ٍ ولكنها أسفرت في نهاية المطاف عن إخضاع الصرب، والبوسنة، وبلاد المورة، وضرب الجزية على الأقاليم المجاورة. ولما آل الأمر إلى «محمد الثاني» (٨٥٥ - ٨٨٦هـ) الملقب بالفاتح، استهل ولايته بالتهيؤ لفتح القسطنطينية، فتم ذلك فعلاً سنة سبعٍ وخمسين وثمانيمائة (٨٥٧هـ / ١٤٥٣م) ، وكان حدثاً مهماً اهتز له العالم الإسلامي فرحاً وسروراً، وهز أوروبا وسائر النصارى في العالم حزناً وثبوراً. وسقطت الدولة البيزنطية العريقة، وعُدّ ذلك التاريخ مبدءاً للتاريخ الحديث؛ لجلالة المناسبة، وعميق آثارها. وتحولت مدينة قسطنطين «القسطنطينية» إلى مدينة الإسلام «إسلامبول» ، وصارت كنيستها العظمى «أياصوفيا» جامعاً للمسلمين [٤] . وقد تابع السلطان محمد فتوحاته حتى أخضع بلاد المورة، والصرب، والبوسنة، والأرناؤوط، وألبانيا، إلى سنة إحدى وسبعين وثمانيمائة (٨٧١هـ / ١٤٦٧م) . ثم ولَّى وجهه نحو بلاد القرم، فأخضعها سنة تسع وسبعين وثمانيمائة (٨٧٩هـ / ١٤٧٥م) . أما أهم دولتين في أوروبا ذلك العهد؛ وهما جمهوريتا البندقية، وجنوة، فقد اضُطرتا للصلح مع السلطان محمد الفاتح، والتنازل عن كثيرٍ من المواقع. لقد كان النصف الثاني من القرن التاسع الهجري يمثل قمة تألق الدولة العثمانية، وقوتها، ونفوذها؛ بحيث لا تساميها دولة من دول العالم آنذاك. وكان فاتح القسطنطينية يطمح إلى فتح «روما» معقل البابوية؛ لولا أن عاجله الأجل سنة ست وثمانين وثمانيمائة (٨٨٦هـ / ١٤٨١م) ، بعد حكم دام أكثر من ثلاثين سنة، أبلاها في الحروب، والفتوح، وتسطير الأمجاد الخالدة، ﵀ رحمة واسعة. وفي نهاية القرن التاسع سجل التاريخ ثلاثة أحداث كبار: ١ - سنة ستٍ وثمانيمائة (٨٨٦هـ / ١٤٨١م) وصل الرحالة البرتغالي «فاسكو دي جاما» إلى الهند؛ عن طريق رأس الرجاء الصالح. ٢ - سنة سبعٍ وتسعين وثمانيمائة (٨٩٧هـ / ١٤٩٢م) وصل الرحالة الإسباني «كريستوفر كولومبس» إلى إحدى جزر الهند الغربية، كما كان يظن، وتم اكتشاف قارة أمريكا. ٣ - في العام نفسه كان سقوط «غرناطة» ، آخر ممالك المسلمين في الأندلس، على يد النصارى الإسبان، وجرى طرد المسلمين من إسبانيا إلى الشمال الإفريقي. لقد كان للحدثين الأولين آثار استراتيجية واقتصادية بالغة الأثر في تغيير ميزان القوى لصالح الغرب النصراني، كما كان للحدث الثالث أثر نفسي في رد الاعتبار، والثأر الديني لنصارى أوروبا لقاء الهزائم المتكررة التي مُنوا بها في الجانب الشرقي من قارتهم، ولا سيما سقوط القسطنطينية. وتجددت الأمجاد الإسلامية في عهد أشهر سلاطين «آل عثمان» ، وهو السلطان «سليمان القانوني» (٩٢٦ - ٩٧٤هـ) ، الذي هز أركان أوروبا بفتوحاته العظام، وجهاده الدؤوب، في كل صوب. ومن أشهر مآثره: - فتح «بلغراد» سنة سبع وعشرين وتسعمائة (٩٢٧هـ / ١٥٢١م) . - هزيمة الجيش المجري، وحلفائه الألمان، والنمساويين في معركة «موكر» . - حصار «فيينا» عاصمة النمسا سنة خمسٍ وثلاثين وتسعمائة (٩٣٥هـ / ١٥٢٩م) . - تجريد حملة عثمانية بقيادة السلطان، عُرفت باسم الحملة العثمانية على ألمانيا، لتأديب أسرة «هابسبرج» العريقة، اخترقت البلقان، والمجر، والنمسا، وصولاً إلى ألمانيا، فاضطر فرديناند ملك النمسا؛ إلى التوقيع على معاهدة صلح مذلة، ودفع جزية سنوية قدرها ثلاثون ألف دوق ذهباً للخزينة العثمانية. - استعادة مدينة «بودين» المجرية سنة ثمانٍ وأربعين وتسعمائة (٩٤٨هـ / ١٥٤١م) ، وتحويل أضخم كنائسها إلى جامعٍ للمسلمين، وتعيين ملكٍ للمجر من قِبَل السلطان. - القضاء على حملة صليبية بإشراف البابا بول الثالث، ومشاركة ملكي النمسا والمجر سنة إحدى وخمسين وتسعمائة (٩٥١هـ / ١٥٤٣م) ، وإلزامهما بدفع الجزية. كانت هذه الانتصارات المجيدة في ميادين القتال البرية، يقابلها على ثبج البحار انتصارات مماثلة جعلت من البحر الأبيض المتوسط شبه بحيرة عثمانية، تروح فيها أساطيلهم وتغدو، كما جحافلهم البرية، فمن أشهر الوقائع البحرية في عهد السلطان سليمان القانوني: ١ - فتح جزيرة «رودس» سنة ثمانٍ وعشرين وتسعمائة (٩٢٨هـ / ١٥٢٢م) . ٢ - كسر الأسطول الصليبي المتحالف في موقعة «بَرَوَزة» سنة خمسٍ وأربعين وتسعمائة (٩٤٥هـ / ١٥٣٨م) ، الذي دعا لتكوينه البابا «بول الثالث» ، وقاده أشهر القادة البحريين في العالم حينذاك «أندريا دوريا» ، وضم ثلاثمائة قطعة بحرية. فهزمهم القائد العثماني «خير الدين برباروس» ، والذي لم يكن تحت يده سوى مائة وعشرين قطعة. ٣ - هزيمة أسطول «شرلكان» ملك الألمان سنة ثمان وأربعين وتسعمائة (٩٤٨هـ / ١٥٤١م) ، وصده عن مهاجمة الجزائر. ٤ - تحرير «طرابلس الغرب» من احتلال فرسان مالطة النصارى، ومحاصرتهم سنة تسع وخمسين وتسعمائة (٩٥٩هـ / ١٥٥٢م) ، على يد قبطان البحر العثماني «طورغود رئيس» . ٥ - كما قامت القوات البحرية العثمانية بأربع حملات بحرية تأديبية للبرتغاليين المعتدين على مسلمي الهند، بعد اكتشافهم طريق رأس الرجاء الصالح، منذ عام أربعٍ وأربعين وتسعمائة (٩٤٤هـ / ١٥٣٨م) إلى أربعٍ وستين وتسعمائة (٩٦٤هـ / ١٥٥٧م) . توفي السلطان سليمان القانوني، بعد حكم دام ثمانٍ وأربعين سنة، عام أربعٍ وسبعين وتسعمائة (٩٧٤هـ / ١٥٦٦م) . يقول الدكتور محمد حرب: (كان عهد القانوني قمة العهود العثمانية، سواءً في الحركة الجهادية، وفي الناحية المعمارية، والعلمية، والأدبية، والعسكرية. كان هذا السلطان يؤثر في السياسة الأوروبية تأثيراً عظيماً، وبمعنى أوضح؛ كان هو القوة العظمى دولياً في زمنه، نعمت الدولة الإسلامية العثمانية في عهده بالرخاء والطمأنينة) [٥] . شهد آخر القرن العاشر، بعد وفاة سليمان القانوني، فتح العثمانيين لجزيرة «قبرص» ، وانتزاعها من أهل «البندقية» ، سنة تسع وسبعين وتسعمائة (٩٧٩هـ / ١٧٥١م) ، ثم أعقبه اتحاد نصراني مكون من إسبانيا، والبندقية، والبابوية، أخذوا المسلمين على حين غرة، وهزموهم في معركة «لينتر البحرية» في السنة نفسها. أما القرن الحادي عشر الهجري فقد كان قرناً جهادياً، حافظ العثمانيون فيه بشكلٍ عام على تفوقهم العسكري، وأخضعوا الشعوب الأوروبية المتمردة، كما أضافوا عدداً من الفتوحات والانتصارات المهمة. ومن أبرز أحداث ذلك القرن على صعيد العلاقات الإسلامية النصرانية: ١ - فتوح في المجر، زمن السلطان «محمد الثالث» (١٠٠٣ - ١٠١٢هـ) ، ثم نصر عظيم على التحالف الأوروبي في سهل «كرزت» ، سنة أربعٍ بعد الألف (١٠٠٤هـ / ١٥٩٦م) . ٢ - تأديب المتمردين من أهل بولونيا، وهم من القوزاق، والقضاء على المتحالفين معهم من الروس، والفرنسيين، والنمساويين، سنة ثلاثين بعد الألف (١٠٣٠هـ / ١٦٢١م) . ٣ - انتزاع جزيرة «كريت» من البنادقة، سنة ثمانين بعد الألف (١٠٨٠هـ / ١٦٦٩م) . ٤ - غزو بولندا سنة ثلاث وثمانين بعد الألف (١٠٨٣هـ / ١٦٧٢م) . ٥ - حصار مدينة «فيينا» سنة إحدى وتسعين (١٠٩١هـ / ١٦٨٠م) ، ثم حصارها مرة ثانية سنة أربعٍ وتسعين (١٠٩٤هـ / ١٦٨٣م) ، وتم فك الحصار على أيدي قوات مشتركة من النمسا، وألمانيا، وبولونيا، وسائر الأمم الأوروبية، وأوقعت بالمسلمين خسائر فادحة. ويبدو أن هذه الحادثة رفعت معنويات النصارى المنحطة، وأيقظت فيهم روح الأمل في التحرر من الهيمنة العثمانية. ويصف أحمد زيني دحلان تلك التغييرات بقوله: (.. وبعد تلك الوقائع الشديدة، والحروب المهولة، أخذ البابا يحرض أهل أوروبا على طرد المسلمين من قرة بلادهم، فاجتمعت العساكر من كل الجهات، وعزموا على إخراج المسلمين من أوروبا ... وزحفوا على بلاد الدولة العثمانية من جميع الأطراف، فكانت عساكر الدولة تحارب الإفرنج من جملة أماكن، والبابا يحرض الإفرنج على التجلد والقتال، وأنجدهم بجيوش كثيرة) [٦] . وفعلاً؛ مُني العثمانيون في نهاية القرن الحادي عشر بخسائر فادحة، بلغت إلى حد حصار النمساويين لبلغراد. وبعد معارك متعددة في عهد السلطان «مصطفى الثاني» (١١٠٦هـ / ١٦١٥م) تراوحت بين النصر والهزيمة؛ وقعت معاهدة «كارلونز» سنة عشر ومائة بعد الألف (١١١٠هـ / ١٦٩٩م) . لقد تم في هذه المرحلة نشر الإسلام في مواطن كثيرة من آسيا، وأوروبا، لم تبلغها دعوة الإسلام من قبل، واعتنقت شعوب وأعراق بأكملها هذا الدين في فترة وجيزة. فقد اعتنق الألبان الإسلام، وظلوا يشكِّلون غالبية سكان ألبانيا على الرغم من عمليات التهجير والاضطهاد النصراني، والشيوعي، والتي تمت فيما بعد. كما دخل «البوغوميليون» [٧] في دين الإسلام أفواجاً، في بلاد البوشناق، وبلغاريا، وغيرهما. كما انتشر الإسلام في رومانيا، واليونان، وقبرص. وكذلك الحال في الجانب الآسيوي من القرم، والشراكسة «الداغستان» وغيرهم. وامتزجت هذه القوميات في هذا الكيان الإسلامي الكبير، وانتقلت أعداد كبيرة من الألبان، والأرناؤوط، والشركس، والقرم إلى المشرق الإسلامي؛ في مصر، والشام، والعراق. كما استقر عشرات الآلاف من الأتراك المسلمين في البلاد المفتوحة شرق أوروبا، وأشادوا معالم الإسلام التي لا تزال شواهدها باقية حتى يومنا هذا في دول البلقان. وصار المسلمون على الرغم من كل ما تعرضوا له من صنوف القهر والفتنة، ولا يزالون جزءاً لا يتجزأ من بنية الشعوب الأوروبية الشرقية. ولولا الوضع القلق، والفتن، والقلاقل المتتابعة، لاعتنقت تلك الشعوب الإسلام بالكلية. أما القرن الثاني عشر الهجري، فقد كان قرن المجابهة مع الروس الذين نهضت دولتهم على يد قيصرهم «بطرس الأكبر» ، والذي اعتدى على الأراضي العثمانية في «أزاق» ، فأعلنت إستانبول الحرب على روسيا سنة ثلاث وعشرين بعد المائة والألف (١١٢٣هـ / ١٧١١م) ، وانتصرت على القوات الروسية عند نهر «بروث» ، حتى حاق الخطر بالقيصر، فلجأت زوجته «كاترينا» إلى إبرام معاهدة «بروث» المذلة لهم. ثم استغلت روسيا انشغال العثمانيين بمحاربة العجم فتحالفت مع النمسا، وأشهرت الحرب ضدهم، فمنيتا بالهزيمة سنة ثمانٍ وأربعين (١١٤٨هـ / ١٧٣٥م) . وهكذا انقضى النصف الأول من القرن الثاني عشر، وكفة المسلمين راجحة على الروس، بالإضافة إلى استرجاع بلاد المورة من جمهورية البندقية، سنة سبعٍ وعشرين (١١٢٧هـ / ١٧١٥م) . أما النصف الثاني منه، فكانت الكفة تميل فيه لصالح الروس؛ فقد هُزم العثمانيون في موقعة «شكزم» ، سنة اثنتين وخمسين (١١٥٢هـ / ١٧١٥م) . وتبعها توقيع معاهدة بين الطرفين في بلغراد، وسرعان ما نقضت «كاترينا الثانية» ، ملكة روسيا، المعاهدة، واعتدت على بلاد «القرم» ، فأعلنت الدولة العثمانية الحرب على روسيا سنة اثنتين وثمانين (١١٨٢هـ / ١٧٦٨م) ، ولكنها هُزمت في معركة «جزيرة خيوش» البحرية، سنة أربعٍ وثمانين (١١٨٤هـ /١٧٧٠م) . ثم عقدت معاهدة «كجوق كينارجه» سنة ١١٨٨هـ، ثم معاهدة «القسطنطينية» سنة ١١٩٨هـ إثر ضم روسيا بلاد القرم إليها سنة (١١٩٧هـ / ١٧٨٣م) . واستمر التفوق الروسي في مطلع القرن الثالث عشر على حساب الممالك العثمانية في صربيا، والمجر، حتى أُبرمت معاهدة «باسي» ؛ بتوسط دولة إنجلترا، ودولة بروسيا. لقد شاخ هذا المحارب القديم، وأثخنته الجراحات الداخلية والخارجية، وتكالبت عليه الأعداء ينهشونه من كل جانب، وهو يحاول أن يستمسك ويستقيم، ولكنه يترنح ويهتز أمام أمم فتية، ناشطة، يؤلف بينها الحقد الصليبي، وتراث التاريخ، كما يطعن في خاصرته الباطنيون من أحفاد هولاكو، وتيمورلنك، في أجزاء كثيرة من بدنه المترهل. - المرحلة السادسة: (١٢١٣هـ - ١٣٦٨هـ) : تمثل هذه المرحلة فترةً تمتد من قيام الحملة الفرنسية على مصر، سنة ثلاثة عشر بعد المائتين وألف (١٢١٣هـ / ١٧٩٨م) ، وتنتهي بالإعلان عن قيام دولة يهود (إسرائيل) ، فوق أرض فلسطين عام (١٣٦٨هـ / ١٩٤٨م) . والسمة العامة لهذه المرحلة هي التقهقر السياسي، والعسكري، والعلمي، للأمة الإسلامية، مقابل النمو الأوروبي المطرد في جميع المجالات المادية؛ مما أفضى إلى انهيار الخلافة العثمانية، وطي بساطها من أوروبا الشرقية، ثم احتلال البلدان الإسلامية العريقة من قِبَل الاستعمار الأوروبي؛ بشكل لم يسبق له مثيل، حتى في الحروب الصليبية. والمتغير الوحيد في هذه المرحلة عن مرحلة الحروب الصليبية؛ أن الحكومات الأوروبية المتأثرة بالثورة الفرنسية (١٧٨٩م) العلمانية؛ باتت أكثر دهاءً، وغزت المجتمعات الإسلامية بأسلحتها المتفوقة، تحت شعارات منمقة لا تحمل الطابع الديني الصليبي، بل تحاول أن تتجنب استفزاز المشاعر الإسلامية، وتتستر تحت لافتات سياسية مثل: «الانتداب» و «الوصاية» و «الحماية» ... إلخ. ومن أبرز الحوادث التاريخية التي ترسم معالم هذه المرحلة، ما يلي: ١ - الحملة الفرنسية على مصر: سنة ثلاث عشرة ومائتين وألف (١٢١٣هـ / ١٧٩٨م) . بعد عشر سنوات تقريباً من قيام الثورة الفرنسية جرد «نابليون بونابرت» حملة بحرية للاستيلاء على مصر؛ أسوة بأسلافه الصليبيين الذين كان آخرهم «لويس التاسع» . ٢ - الحملة الإنكليزية على مصر: سنة اثنتين وعشرين ومائتين وألف (١٢٢٢هـ / ١٨٠٧م) ، فاستولوا على الإسكندرية في محرم، ثم تصدى لهم «محمد علي باشا» (١١٨٣ - ١٢٦٥هـ) فهزمهم، وعقد معهم صلحاً، فغادروا البلاد في شهر رجب من تلك السنة [٨] . ٣ - ثورة اليونان: أدى الضعف الذي أصاب الدولة العثمانية، وهزائمها المتوالية أمام الجيوش الروسية في البلقان، إلى طمع اليونانيين في الاستقلال. فشبت نار الثورة في بلاد المورة، سنة سبع وثلاثين ومائتين وألف (١٢٣٧هـ / ١٨٢٦م) ، فعقدت الدول الأوروبية الكبرى مؤتمراً في لندن ذلك العام، بدعوى الاحتجاج على الممارسات غير الإنسانية لإبراهيم باشا، ودمروا السفن العثمانية والمصرية، واحتلت فرنسا بلاد المورة سنة أربع وأربعين (١٢٤٤هـ / ١٨٢٨م) ، ثم أرغمت روسيا، والدول الأوروبية العثمانيين على القبول باستقلال اليونان في معاهدة «أدرنة» ، سنة خمسٍ وأربعين ومائتين وألف (١٢٤٥هـ / ١٨٢٩م) . ٤ - احتلال فرنسا للجزائر: سنة ست وأربعين ومائتين وألف (١٢٤٦هـ / ١٨٣٠م) بدعوى أن أهلها كانوا يعتدون على مراكبهم البحرية! وظلت الجزائر رهينة الأسر مدة مائة وخمسة وثلاثين عاماً، حتى انسحابهم منها سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة وألف، تحت وطأة الجهاد الإسلامي المستميت (١٣٨١هـ / ١٩٦٢م) . ٥ - احتلال الإنكليز لعدن، والسيطرة على مضيق باب المندب: سنة أربع وستين ومائتين وألف (١٢٦٤هـ / ١٨٣٩م) . وقد بقيت تحت نير الاحتلال حتى سنة سبع وثمانين وثلاثمائة وألف (١٣٨٧هـ / ١٩٦٧م) . ٦ - سقوط رومانيا، واستقلالها عن الدولة العثمانية: سنة ثلاث وسبعين ومائتين وألف (١٢٧٣هـ / ١٨٥٧م) ، بعد حكم دام أكثر من أربعة قرون ونصف. ٧ - حرب القرم: بين الحكومة العثمانية وحلفائها الإنكليز والفرنسيين من جهة، وروسيا من الجهة الأخرى، سنة تسع وستين ومائتين وألف (١٢٦٩هـ / ١٨٥٣م) ؛ بسبب تحرشات الروس بالعثمانيين، وإهانتهم إياهم. واستمرت حتى توقيع معاهدة «باريس» ، سنة ثلاث وسبعين (١٢٧٣ هـ / ١٨٥٦م) . وقد أنهكت هذه الحرب الدولة العثمانية، وفقدت أجزاء من أراضيها، وزادت من نفوذ الإنكليز، والفرنسيين، في سياسات الحكومة العثمانية تجاه الأقليات النصرانية. ٨ - سقوط الهرسك: سنة ثلاث وتسعين ومائتين (١٢٩٣هـ / ١٨٧٦م) بمساندة الروس، والدول المجاورة، في أول ولاية السلطان عبد الحميد الثاني، وقد امتدت الحرب، وتقهقر العثمانيون إلى قرب أدرنة. وأعقب ذلك معاهدة تقضي بتملك الروس لتلك البلاد، ويبقى للعثمانيين أدرنة، عاصمتهم القديمة، وما يليها إلى إستانبول، مع تحميلهم دفع غرامة الحرب. وتلتها معاهدة «برلين» ١٨٧٨م التي كانت أشد إذلالاً. ٩ - احتلال الفرنسيين تونس: سنة سبعٍ وتسعين ومائتين وألف (١٢٩٧هـ / ١٨٨١م) ؛ بدعوى تأديب بعض قبائل العرب المعتدين! وظلت تونس بأيديهم ثمان وسبعين سنة، حتى نالت استقلالها سنة خمس وسبعين وثلاثمائة وألف (١٣٧٥هـ / ١٩٥٦م) . ١٠ - احتلال الإنكليز لمصر: سنة ثمانٍ وتسعين ومائتين وألف (١٢٩٨هـ / ١٨٨٢م) للقضاء على ثورة «عرابي باشا» ، والتحكم في ولاتها من أحفاد محمد علي باشا، ثم احتلال السودان تبعاً لمصر. وقد ظل الإنكليز في مصر حتى سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة (١٣٧٣هـ / ١٩٥٤م) ، وفي السودان إلى ما بعد ذلك بسنتين. ١١ - انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول: في مدينة «بال» بسويسرا سنة ١٨٩٧م، والذي ضم زعامات اليهود في العالم، لرسم الخطط للسيطرة على العالم، وإنشاء وطنٍ قومي لهم في فلسطين. ١٢ - سقوط بلغاريا: سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة وألف (١٣٢٨هـ / ١٩٠٨م) ، بعد حكم دام أكثر من خمسة قرون. ١٣ - قيام ثورة جمعية الاتحاد والترقي العلمانية التركية، وخلع السلطان عبد الحميد الثاني: سنة تسع وعشرين وثلاثمائة وألف (١٣٢٩هـ / ١٩٠٩م) ، والذي كان آخر خليفة عثماني فعلي، وذلك لوأد فكرة الجامعة الإسلامية التي صار يدعو إليها لمواجهة التسلط الأوروبي. ١٤ - سقوط ألبانيا وانتزاعها من الدولة العثمانية: سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وألف (١٣٩٢هـ / ١٩١٢م) بعد حكم إسلامي دام قرابة أربعة قرون ونصف. ١٥ - احتلال فرنسا لمراكش، وتقاسمها مع إسبانيا الأراضي المغربية: سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة وألف (١٣٢١هـ / ١٩٥٥م) ، حتى نالت الاستقلال سنة خمس وسبعين وثلاثمائة وألف (١٣٧٥هـ / ١٩٥٥م) . وبقيت مدينتا «سبتة» و «مليلة» تحت الحكم الإسباني إلى الآن. ١٦ - احتلال إيطاليا لليبيا: سنة أربعٍ وثلاثين وثلاثمائة وألف (١٣٣٤هـ / ١٩١٤م) . وقد ظلت أسيرة في أيديهم قرابة نصف قرن حتى سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة وألف (١٣٧١هـ / ١٩٥١م) . ١٧ - إبرام اتفاقية (سايكس - بيكو) : سنة ست وثلاثين وثلاثمائة وألف (١٣٢٦هـ / ١٩١٦م) بين فرنسا، وبريطانيا، بشأن اقتسام المنطقة العربية المتبقية من تركة الرجل المريض، أي الدولة العثمانية، وهي العراق، وسوريا الكبرى، والخليج العربي، وفلسطين، والأردن، باسم «الحماية» لحكومات مصطنعة، تنشأ بعد مسرحية (الثورة العربية الكبرى) التي يعلنها الشريف حسين بن علي في الحجاز؛ ضد العثمانيين في تلك السنة، وتُدعم من قِبَل طرفي الاتفاقية. وقد كشف البلاشفة بنود هذه الاتفاقية في العام التالي. ١٨ - صدور وعد رئيس وزراء بريطانيا «بلفور» : سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وألف (١٣٣٧هـ / ١٩١٧م) بتعهد من الحكومة البريطانية لليهود بإنشاء وطن قومي للشعب اليهودي فوق أرض فلسطين. وفي العام نفسه دخل القائد الإنكليزي «اللنبي» مدينة القدس هاتفاً: (الآن انتهت الحروب الصليبية) . كما دخلوا بغداد، وفي السنة التالية دخل الفرنسيون بيروت. ١٩ - اندلاع الثورات العربية في فلسطين، وسوريا، ضد الانتداب الأجنبي: سنة أربعين وثلاثمائة وألف (١٣٤٠هـ / ١٩٢٠م) ، وقمعها من قبل القوات الغازية المتفوقة عسكرياً، كما في موقعة «ميسلون» ، قرب دمشق في العام نفسه. وتتبع الإنجليز لفصائل المجاهدين التابعين لعز الدين القسام ﵀، في فلسطين. ثم توقيع معاهدات استعمارية مع الحكومات المحلية في كل من سوريا، وفلسطين، ولبنان، والعراق، ومصر، سنة ست وثلاثين وثلاثمائة وألف (١٣٣٦هـ / ١٩٥٦م) . ٢٠ - إلغاء الخلافة الإسلامية العثمانية: سنة أربع وأربعين وثلاثمائة وألف (١٣٤٤هـ / ١٩٢٤م) ، بعد حكم دام أكثر من ستة قرون. وانتخاب مصطفى كمال أتاتورك رئيساً للجمهورية التركية العلمانية الحديثة. وكان ليهود «الدونمة» الدور الأكبر في اتخاذ هذه الخطوة الخطيرة، ومن خلفهم المؤتمر الصهيوني العالمي؛ بإثارة الفتن وتشويه صورة السلطان عبد الحميد الثاني، وتأسيس الجمعيات المناوئة في داخل تركيا وخارجها [٩] . هكذا بدا العالم الإسلامي في القرن الثالث عشر الهجري، إلى منتصف القرن الرابع عشر، (التاسع عشر الميلادي، إلى منتصف القرن العشرين) !! بدت صورته كئيبة قاتمة؛ هزائم متلاحقة، فوضى سياسية، جهل، وبدع، وانحرافات عقدية، ومسلكية، تخلف في جميع مناحي الحياة الفكرية والمادية أزمة ثقة بين شعوبه، وتحالف مع الأعداء أحياناً، في مقابل قفزات سريعة لدى الأمم النصرانية في مجال الإعداد المادي، والقوة الصناعية، والعسكرية، والاقتصادية، وتنسيق دائب على اقتسام التركة، وإذلال الورثة. أدى هذا وذاك إلى قطع شجرة الخلافة الإسلامية الجامعة من أصلها، بفرع من فروعها، وبأيدي أبنائها، أو هكذا يبدو ظاهراً على الأقل. ثم نهب ميراث الأيتام وعيونهم زائغة. لقد كانت الحركات الإسلامية الجهادية التي ظهرت في أجزاء من العالم الإسلامي إبان فترة الاستعمار الحديث، كانتفاضات الطير الذبيح، سرعان ما أُخمدت أنفاسه. جاء النصارى، هذه المرة، دون صلبان، يتقدمهم المستشرقون، وليس القسس، ويفاوضون بقناصلهم، ومندوبيهم السامين، لا ببطرس الناسك. إنهم هذه المرة لا يهدمون الجوامع، ويحولونها إلى كنائس وكاتدرائيات، ولكنهم يظهرون تعظيم الدين والمشايخ، ويدغدغون مشاعر العامة والدهماء. لقد فقهت أوروبا النصرانية درس الحروب الصليبية، وتحاشت أن تنجب الاستفزازات الدينية أمثال «نور الدين زنكي» ، و «صلاح الدين الأيوبي» ، و «الظاهر بيبرس البندقداري» . جاء النصارى، هذه المرة، باسم السياسة لا برسم الدين، فحققوا ما لم يحققه أسلافهم المتعصبون. لقد أوهنوا عرى الدين في المجتمعات الإسلامية، وغزوا الأفكار قبل الديار، وغسلوا الأدمغة، وهزوا الثوابت والعقائد، ونشروا الرذيلة باسم الحرية، ونفخوا في صورة أهل الذمة باسم حماية الأقليات، وأَحَلُّوا الفكرة «العلمانية» محل الفكرة الدينية، واستنطقوا بذلك رجالاً من بني جلدتنا، يتكلمون بألسنتنا. فيا لها من داهية على المسلمين عظيمة، ونازلة لم يشهد تاريخ الإسلام لها نظيراً. فالرزايا والبلايا التي وقعت في تاريخ هذه الأمة تكون على الأبدان، والأموال، والبلدان، ولكن هذه الداهية الأخيرة تستأصل العقول والأفكار، وتورث الردة والإلحاد، وقد كان؛ فكم التهمت نار المبادئ الضالة التي ولدت، وترعرعت، في حضن هؤلاء المستعمرين من أبناء هذه الأمة، وسخرتهم في تدميرها. ولولا أن الله تعالى تكفل بحفظ الذِّكر، وتجديد الدِّين، وبقاء الطائفة المنصورة، وإلا لكان الإسلام نسياً منسياً. وبعد هذه القراءة التاريخية لأبرز الأحداث التي رسمت حدود العلاقات الإسلامية الكتابية، في مراحلها المختلفة، على مدى أربعة عشر قرناً هجرياً، في مدٍ وجزر على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، والدول المطلة عليه، حيث جرت معظم هذه الوقائع، ندرك مقدار الكم الكبير من الصور والذكريات التي تختزنها كلٌ من الذاكرتين الإسلامية والنصرانية، وتستدعيها كلما تجدد لونٌ من ألوان المجابهة والتَّماس. لقد كانت علاقة ساخنة لا تبرد، هادرةً لا تهدأ، متصلة لا تنقطع، أشبه ما تكون بمعركة حامية الوطيس لا يكف طرفاها عن الكر والفر إلا أن يفنى صاحبه. إن الذاكرة النصرانية لا يمكن أن تنسى كيف طوي بساطها، وقلص ظلها عن مقدساتها، ومهد مسيحها، وأرض التوراة والإنجيل، وانتزعت من يدها مواطن أشرف كنائسها في بيت المقدس، والإسكندرية، وأنطاكية، والقسطنطينية، وصارت الأرض التي تدر عسلاً ولبناً دار إسلام، فما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين. لقد رُوعت النصرانية حين اخترقت جحافل الإسلام شمال إفريقيا، وعبرت مضيق جبل طارق، واستوعبت شبه الجزيرة الأيبيرية (إسبانيا والبرتغال) ، ثم تسلقت جبال البرانس، لتمكث في جنوب فرنسا سبعين سنة. إن الذاكرة النصرانية لا يمكن أن تنسى كابوس العثمانيين، الذين دوخوا أوروبا، وأَقَضُّوا مضاجع البابوية عدة قرون، وأخضعوا عواصم البلقان تحت سنابك خيولهم، وهدموا أسوار القسطنطينية، وبلغراد، وبودابست بمدافعهم العملاقة، وحاصروا «فيينا» ثلاث مراتٍ، وطموحهم لا يقف إلا عند روما، معقل النصرانية. ولهذا يصب النصارى لعناتهم على الأتراك، ليل نهار، في أدبياتهم، فضلاً عن صلواتهم. وبالمقابل؛ فإن الذاكرة الإسلامية لا يعزب عنها تلك الفظائع التي أنزلها الصليبيون، بوحشية وهمجية، في بيت المقدس، وسواحل الشام، على مدى قرنين من الزمان. رولا ينسى المسلمون حرب الاستعادة الإسبانية التي جازتهم على ما ساقوه إلى الأندلس من علمٍ وحضارة جزاء «سنمار» ، وطردتهم شر طردة، ثم أتبعتها بمأساة «الموريسيكيين» [١٠] التي تعد من أعظم مآسي التاريخ. وكيف يغيب عن بال المسلمين صور الإذلال والقمع التي أحلها الغزاة النصارى بديار الإسلام، على يد نابليون في مصر، وفظائع الروس بالعثمانيين في بلاد البلقان، والقرم، والداغستان، وأواسط آسيا. وأخيراً تقاسم الدول الأوروبية لتركة «الرجل المريض» ، كما يقسم المتاع، فيمتصون خيراتها، ويذيقون أهلها الذل والهوان. إنه إرث تاريخي لا يتجاهله إلا مغفل مغرور، بلغت به السذاجة مبلغاً عظيماً، فصار ألعوبةً بيد أعدائه المستبصرين. وهو إرث يتفق اتفاقاً تاماً، جملةً وتفصيلاً، مع الثوابت العقدية لدى المسلمين في نظرتهم نحو النصارى، ومفرداته شواهد واضحة كالشمس في رابعة النهار. - المرحلة السابعة: (المرحلة الراهنة) : تمثل هذه المرحلة مرحلة الإذلال النصراني، المتلفع بالعباءة الدولية، للأمة الإسلامية عامة، والعربية خاصة. فالاستعمار النصراني قد حمل عصاه، ورحل إلى بلاده فعلاً، ولكنه زرع في جسم الأمة الإسلامية نوابت دخيلة. وطعنها عدة طعنات نجلاء، خلَّفت جروحاً غائرة، لم تتعافَ الأمة منها بعد!! تبتدئ هذه الفترة منذ أن استنبت النصارى الإنكليز دولة يهود على تراب فلسطين سنة (١٣٦٨هـ / ١٩٤٨م) ، لتحقيق رؤاهم التوراتية التي تفترض وجود مملكةٍ لأبناء يهوذا، ليتم القدوم الثاني للمسيح. وتمكن النصارى من تقطيع أوصال الأمة الإسلامية إرباً إرباً، ورسموا بينها حدوداً دولية، بعد أن كانت أمةً واحدة، يسير المرء من أقصاها إلى أدناها دون أن يُسأل عن هويته. كما استخلف المستعمرون النصارى على الممالك الإسلامية أنظمةً مواليةً لهم، أو مسالمة، قبل أن يمنحوها استقلالاً خداجاً، لم يُعِد الأمة إلى سيرتها الأولى، ولم يصبغها بصبغة الله. استقلت الدول الإسلامية فوجدت نفسها في عالم متغير بعد الحرب العالمية الثانية، عالمٍ يرفع شعارات السلام الدولي، والمواثيق الدولية، والتي تعلن المساواة بين شعوب العالم في الحقوق والواجبات، وتدعو إلى نبذ التمييز على أساس الدين، والعرق، واللون. وكوّن لتمثيل هذه المبادئ وتطبيقها منظمة عالمية، عُرفت باسم «هيئة الأمم المتحدة» ، تأسست عام ١٩٤٥م، وتفرعت عنها الهيئات، والمنظمات، واللجان العالمية التي تنتظم العالم بخيط واحد، وفق معايير متساوية، على الأقل من الناحية النظرية [١١] . وعلى الرغم من هذا التظاهر الدولي من قبل النصارى، بإقصاء البعد الديني في السياسة الدولية، والتستر وراء مسوِّغات اقتصادية، واستراتيجية، وأمنية، وإنسانية؛ فإنها لم تفلح في حجب الدوافع الدينية المتأصلة لدى القوم، خلال هذه الفترة، كما تشهد بذلك عشرات الشواهد، مثل: ١- الدعم المتواصل والمتنامي لدولة إسرائيل، من قِبَل جميع الدول النصرانية. ٢- اضطهاد المسلمين في الفلبين من قِبَل الحكومات النصرانية المتعاقبة. ٣- اضطهاد الأكثرية المسلمة في الحبشة، وتنزانيا، والعديد من الدول الإفريقية؛ من قِبَل الأقليات النصرانية الحاكمة. ٤- الإبادة الجماعية لمسلمي البوسنة والهرسك، ثم مسلمي كوسوفا، من قبل الصرب والكروات، في التسعينيات الميلادية. ٥- دعم الدول النصرانية للحركات الانفصالية، والأقليات النصرانية في السودان، وإندونيسيا. ٦- الغزو العسكري النصراني لأراضي أفغانستان، والعراق. لقد بذل النصارى جهدهم، واستفرغوا وسعهم؛ لتنشئة جيل من المسلمين مبتوت الصلة بعقيدته، مغيَّب عن تاريخه، معمّىً عن حقيقة واقعه. ولكن أصالة الإسلام من جهة، وتعصب النصارى وعدوانهم السافر من جهة أخرى؛ يوقظ الحمية الدينية الفطرية التي لا تلبث أن تصبح حركةً واعية، تعيد إلى الأمة كرامتها، ومكانتها، والقيام برسالتها العالمية. - المرحلة الأخيرة: لقد استيقظ المسلمون صبيحة الحادي عشر من سبتمبر عام ٢٠٠١م؛ ليجدوا أنفسهم يتضيَّفون لمرحلة جديدة من مراحل علاقتهم بأهل الكتاب عامة، والنصارى خاصة. فقد غاب البعد الديني عن الصدارة، في تلك العلاقة، قريباً من ثمانين سنة، وتحديداً: منذ إلغاء الخلافة العثمانية عام ١٩٢٤م، ونشوء الحكومات المدنية (العلمانية) في معظم أرجاء العالم الإسلامي، وانخرط الجميع في معاهدات دولية ذات صبغة دنيوية، تُقصي الصفة الدينية لمختلف الأطراف، أو هكذا يبدو على الأقل، ولكنه وضع مؤقت يوشك أن يتهاوى وينهار أمام سنن الله الكونية، فيعود الأمر جذعاً، وينحاز الناس إلى فسطاطين؛ فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط كفر لا إيمان فيه. وسيظل قطباها: المسلمون والنصارى. إن هذه العلاقة العدائية ستظل إلى يوم القيامة عداوةً أبدية، لإخبار الله ورسوله ﷺ بذلك، بحكم اختلاف الاعتقاد من جهة، ولما يتميز به هؤلاء النصارى، ممثلين بالروم، من صفاتٍ وخصائص نوعية من جهة أخرى تبقي لهم أسباب القوة المادية، والشوكة الحربية، فلا يزال الناس يجدون منهم بأساً. روى مسلم ﵀ أن المستورد القرشي ﵁، قال عند عمرو بن العاص ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (تقوم الساعة والروم أكثر الناس) ، فقال له عمرو: أبصر ما تقول. قال: أقول ما سمعت من رسول الله ﷺ ! قال: لئن قلت ذلك، إن فيهم لخصالاً أربعاً: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرةً، وخيرهم لمسكين ويتيم، وضعيف. وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك) [١٢] . وفي لفظ عند مسلم أيضاً: (وأجبر الناس عند مصيبة، وخير الناس لمساكينهم، وضعفائهم) [١٣] . وعنه ﵁ قال: بينا أنا عند عمرو بن العاص، فقلت له: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أشد الناس عليكم الروم، وإنما هلكتهم مع الساعة) ، فقال له عمرو: ألم أزجرك عن مثل هذا [١٤] . قد أخبر النبي ﷺ عن الفتن والملاحم التي تكون في آخر الزمان بين أهل الإسلام وعبدة الصلبان؛ بما لا يدع مجالاً للشك في أبدية هذه العداوة، وأن ما يجري منهم من مجاملات، إنما هو قشرة رقيقة ظاهرة، تخفي تحتها عداوة متأصلة، وكيداً خفياً، وإحناً، وأحقاداً، لا يطفئ لهيبها إلا أن نتبع ملتهم، عياذاً بالله. ومن أمثلة هذه الأحاديث الصحيحة: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق، أو بدابق [١٥] ، فيخرج إليهم جيش من المدينة، من خيار أهل الأرض يومئذٍ، فإذا تصافُّوا قالت الروم: خلُّوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم. فيقول المسلمون: لا والله! لا نخلي بينكم وبين إخواننا. فيقاتلونهم، فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً، ويُقتل ثلثهم، أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث لا يفتنون أبداً. فيفتحون قسطنطينية، فبينا هم يقتسمون الغنائم، قد علَّقوا سيوفهم بالزيتون؛ إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم. فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاؤوا الشام خرج، فبينا هم يُعِدُّون للقتال، يسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة؛ فينزل عيسى ابن مريم ﵇، فأمَّهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته) [١٦] . وعن يُسيرِ بن جابر قال: هاجت ريح حمراء بالكوفة، فجاء رجلٌ ليس له هِجِّيرى [١٧] إلا: يا عبد الله بن مسعود، جاءت الساعة. قال: فقعد، وكان متكئاً فقال: إن الساعة لا تقوم حتى لا يُقسم ميراث، ولا يُفرح بغنيمة. ثم قال بيده هكذا، ونحّاها نحو الشام فقال: عدوٌّ يجمعون لأهل الإسلام، ويجمع لهم أهل الإسلام. قلتُ: الروم تعني؟ قال: نعم، وتكون عند ذاكم القتال ردَّةٌ شديدة، فيشترط المسلمون شُرطَة [١٨] للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيفيء هؤلاء وهؤلاءِ كلٌّ غير غالب، وتفنى الشُّرطة، ثم يشترط المسلمون شُرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كلٌّ غير غالب، وتفنى الشُّرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبةً، فيقتتلون حتى يمسوا، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كلٌّ غير غالب، وتفنى الشرطة. فإذا كان اليوم الرابع نهد إليهم بقية أهل الإسلام فيجعل الله الدَّبْرَة [١٩] عليهم، فيقتلون مقتلةً إما قال: لا يرى مثلها. وإما قال: لم يُرَ مثلها، حتى إن الطائر ليمر بجنباتهم فما يخلِّفهم حتى يخر ميتاً. فيتعادُّ بنو الأب، كانوا مائة، فلا يجدونه بقي منهم إلا الرجل الواحد. فبأي غنيمة يُفرح، أو أي ميراثٍ يُقاسم. فبينما هم كذلك إذ سمعوا ببأس هو أكبر من ذلك؛ فجاءهم الصريخ أن الدجال قد خلفهم في ذراريهم، فيرفضون [٢٠] ما في أيديهم، ويقبلون، فيبعثون عشرة فوارس طليعة. قال رسول الله ﷺ : إني لأعرف أسماءهم، وأسماء آبائهم، وألوان خيولهم، هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذٍ، أو من خير فوارس على ظهر الأرض يومئذٍ) [٢١] . وعن ذي مِخبَر ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ستصالحون الروم صلحاً آمناً، فتغزون أنتم وهم عدواً من ورائكم، فتُنصرون، وتغنمون، وتَسلمون، ثم ترجعون، حتى تنزلوا بمرجٍ ذي تلول، فيرفع رجلٌ من أهل النصرانية الصليب، فيقول: غلب الصليبُ. فيغضب رجل من المسلمين، فيدقُّه، فعند ذلك تغدر الروم، وتجمع للملحمة) [٢٢] ، وفي رواية: (وتكون الملاحم، فيجتمعون إليكم فيأتونكم في ثمانين غاية، مع كل غاية عشرة آلاف) [٢٣] . وعن عوف بن مالك ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك، وهو في قبة من أدم، فقال: (اعدد ستاً بين يدي الساعة. وذكر السادسة: ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً) [٢٤] . وفي رواية عنه عند أحمد: (قلت: وما الغاية؟ قال: الراية، تحت كل راية اثنا عشر ألفاً. فسطاط المسلمين يومئذٍ في أرضٍ يقال لها الغوطة، في مدينة يقال لها: دمشق) [٢٥] . وفي رواية عن عبد الله بن عمرو ﵄: (وهدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، ليجمعون لكم تسعة أشهر، كَقَدْر حَمْل المرأة، ثم يكونون أولى بالغدر منكم ... ) [٢٦] . تلك طبيعة العلاقة مع عبّاد الصليب في الماضي الحاضر والمستقبل. وصدق الله إذ يقول: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ] (البقرة: ١٢٠) ، [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ] (آل عمران: ١١٨) . ألا فليعِ المسلمون ذلك، وليعدوا أنفسهم للملحمة، بالعلم والإيمان، والعدة والعتاد.. [الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] (الحج: ٤٠) .

стр. 4603

دراسات تربوية بشائر النصر أحمد بن صالح السديس ظهر في الناس اليوم اليأس، وفقد الكثيرون الأمل. وكانت مصائب الأمة ونكساتها، وحروبها وانهزاماتها؛ سبباً في أنْ ينظروا إلى واقعهم بعين السخط والتشاؤم، وأنْ يغضّوا الطرف عن أسباب للنصر وبشائر؛ فخارت منهم القُوى، وتمكّن منهم العِدا. وما أحوجهم إلى استنطاق التاريخ، وقراءة النصوص، ومعرفة البشائر، وليس ذلك ليركنوا للأماني، ويسلكوا درب التواكل، ولكنْ ليعدّوا القوى، ويأخذوا بالأسباب والوسائل، في عزم صادق، وجهد متواصل وفاعل، بعيداً عن اليأس والقنوط الذي هو أول الانكسار، وبداية الانهزام، وقد يكفي العدوَّ من الغنيمة اليأسُ والانكسار؛ ذلك أنّ مَن يئس من النصر لم يعمل من أجله، ومن قنع ورضي بالذل طال لُبثه ومكوثه فيه. لقد قضت سنة الله العليم، وتدبيرُه الحكيم، أنّ الحق والباطل في صراع وتدافع دائم، وأنّ الباطل قد يكون له في فترةٍ الفوزُ والغلب؛ ابتلاء من الله وتمحيصاً، وتربية للمؤمنين وتطهيراً: [ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ] (محمد: ٤) . ومتى وُجد الكفر والفتنة فقد فُرضت الحرب والقتال: [وَقَاتِلُوَهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّه] (الأنفال: ٣٩) ، والفتنة لن تخلو منها الأرض، بل إنّ الساعة لا تقوم إلا على شرّ الخلق. وإنْ كانت الخصوم تبحث عن ولي لها ومعين؛ فإنّ وليَّ المؤمن أعظم الأولياء، وما خاب مَن لجأ إلى الله: [ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ] (محمد: ١١) . ولو صَفَت الحياة من المصاعب والمصائب؛ لكان ذلك لأفضل البشر وخير القرون!! لقد مرّ بالرسول ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم محن وبلاء، وبأساء وضراء، كما مرّ ذلك برسل قبلهم وأنبياء، حتى تاقت نفوسهم إلى الخلاص، وتشوَّقت إلى النصر والنجاة، [أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] (البقرة: ٢١٤) . لقد بلغ الضر والبلاء بالمؤمنين في صدر الإسلام مبلغاً عظيماً، وامتُحنوا امتحاناً شديداً، حتى شكوا إلى رسول الله ﷺ هذه الشدة، فقالوا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: «قد كان مَن قبلكم؛ يؤخذ الرجل فيُحفر له في الأرض، فيُجعل فيها، فيُجاء بالمنشار فيُوضع على رأسه فيُجعل نصفين، ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصدّه ذلك عن دينه. والله ليَتِمنّ هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» [١] . هكذا هي سنة الله التي لا تحابي أحداً، سأل هرقلُ أبا سفيان عن رسول الله ﷺ : هل قاتلتموه؟ قال: نعم. قال: فكيف كانت الحرب بينكم؟ قال: سجالاً، يُدال علينا ونُدال عليه. قال هرقل: كذلك الرسل تُبتلى، ثم تكون لها العاقبة. هذا يعقوب ﵇ يفقد ابنه صغيراً، وبعد سنوات طِوال من الأحزان يفقد ابنه الآخر، فيتجدّد حزنه، ويشتد مصابه، حتى ابيضت عيناه، فيقول لأبنائه: [يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ القَوْمُ الكَافِرُونَ] (يوسف: ٨٧) ، فكانت عاقبة أحزان السنوات الطوال تفريجاً ورفعة في الدرجات، وفوزاً بأحسن حال. ولما خرج الرسول ﷺ وأبو بكر ﵁ من مكة إلى المدينة مهاجرَين؛ جُنّ جنون قريش، واستنفرت قواها، وجعلت مائة ناقة لمن يأتيها بأحدهما حياً أو ميتاً، وطمع الناس بهذه الجائزة، ورجا كل منهم أنْ يكون الفائز بها، وكان سراقة بن مالك ممن نشط لذلك، فانطلق يتبع أثرهما، حتى دنا منهما، فعثرت فرسه، وغاصت يداها في الأرض؛ فعرف أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم محفوظ، وأنّ أحداً لن يناله بسوء؛ فناداهما بالأمان. وقال له الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه مبشِّراً: «كأني بك يا سراقة! تلبس سوارَيْ كسرى» ، فوقف سراقة متعجِّباً من هذه النبوءة والبشارة؛ محمد الذي خرج من مكة مطارَداً من قومه وأقرب الناس إليه يعدني سوارَيْ كسرى!! ولكنه اليقين بنصر الله وبموعوده الذي لا يتزلزل عند الملمّات والشدائد. وانقلب الحال فتحوَّل سراقة من عدو طامع، إلى صديق مدافع، ووقف مكانه يصرف الناس عنهما. وفي غزوة الأحزاب التي أخبر الله عن حال المؤمنين، والشدة التي صاروا فيها، حتى زاغت منهم الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وظنوا بالله الظنونا، إنها الحال التي ابتُلي بها المؤمنون وزُلزلوا زلزالاً شديداً. فلمّا بدؤوا بحفر الخندق بذلاً للأسباب واستعداداً، ضرب الرسول ﷺ صخرة صلْدةً بالمِعْول فصدعها، وبرقت منها برقة أضاءت المدينة، فكبَّر الرسول صلى الله عليه وسلم وكبَّر المسلمون، ولما تكرَّر ذلك ثلاث مرات؛ بشَّر عليه الصلاة والسلام المسلمين في ذلك الكرب وتلك الصِّعاب بأنهم سيفتحون مدائن كسرى، وقصور الروم، وقصور صنعاء. إنّ الباطل وإنْ صال وجال، وإنْ علا في زمان أو طال؛ فإنه ولا ريب سيعود إلى ما كان عليه من التراجع والصغار، وتلك سُنَّة من سنن الحكيم القهار. وقد وعد أصدق الواعدين سبحانه: [بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ] (الأنبياء: ١٨) ؛ ذلك أنّ هذا هو طبيعة الباطل: [إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً] (الإسراء: ٨١) . وإنّ الذي يمكث ويبقى هو ما ينفع الناس: [فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ] (الرعد: ١٧) . إنّ المؤمنين الصابرين موعودون إحدى الحسنيين؛ فإما شهادة تعجِّل بهم إلى دار النعيم والكرامة، وإما نصر تَقرّ به عيونهم؛ ففيم اليأس والأسى؟ أما غيرهم ففيم يفرحون؟ وبم يُسرّون؟ أبالنار التي إليها يسيرون؟ أم بالعذاب الذي إليه يُساقون؟ أم بالخسارة التي إليها يُهرعون؟ ! ولقد قال الحكيم العليم سبحانه: [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ * لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ] (الأنفال: ٣٦-٣٧) . لقد كانت غايتهم من إنفاق أموالهم الصدَّ عن سبيل الله، فسيخسرون أموالهم، ثم تصير نفقتهم ندامة عليهم؛ لأنهم كما يقول ابن جرير الطبري ﵀ عند تفسير هذه الآية: «أموالهم تذهب، ولا يظفرون بما يأملون ويطمعون فيه من إطفاء نور الله، وإعلاء كلمة الكفر على كلمة الله؛ لأنّ الله معلٍ كلمته، وجاعل كلمة الكفر السفلى، ثم يغلبهم المؤمنون، ويحشر الله الذين كفروا به وبرسله إلى جهنّم، فيُعذَّبون فيها، فأعظِم بها حسرة وندامة لمن عاش منهم ومَن هلك! أما الحي فحُرِبَ ماله، وذهب باطلاً في غير دَرْك نفع، ورجع مغلوباً مقهوراً، محروباً مسلوباً. وأما الهالك فقُتل وسُلب، وعُجِّل به إلى نار الله يخلد فيها» ، وتلك والله هي الخسارة الكبرى. وإنّ من سنن الله أنّ المستقبل لهذا الدين، والنصر لأوليائه الصادقين، مهما كاد الكائدون، وتآمر المتآمرون، [وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (يوسف: ٢١) ، إنهم كما أخبر الله: [يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ] (التوبة: ٣٢) ، إنهم يكيدون الليل والنهار ويمكرون، والله خير الماكرين، وهو سبحانه ولي المؤمنين المتقين. والابتلاء هو سبيل المرسلين والمؤمنين، ولكنّ أمر المؤمن كله له خير؛ فهو عند النصر والسراء من الشاكرين، وعند الكرب والضراء من الصابرين. ولقد وعد الله، ولا أصدق منه وعداً، فقال: [وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ] (الصافات: ١٧١-١٧٣) ، ونصر المؤمنين أعظم نصر وأشرفه؛ لأنه نصر للحق على الباطل، ونصر في الدنيا والآخرة، بذا وعدنا الحكيم القادر: [إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ] (غافر: ٥١) ، وجاء النص الإلهي الكريم في سورة الروم على انتقامه سبحانه من المجرمين الذين صدُّوا عن هدي المرسلين، ثم وَعَد بنصر المؤمنين، فقال ﵎: [وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ] (الروم: ٤٧) . وإنّ من نصر الله لدينه أنْ يبعث في كل حين مَن يجدِّده، كما جاء في سنن أبي داود عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدِّد لها دينها» [٢] . إنه رجل لا ينهض من أجل نفسه، ولكنه ينهض من أجل هذه الأمة المنصورة. إنّ الناس يموتون، ولكنّ الدين باق بعزَّة وشموخ، يقيِّض الله له من أبنائه مَن يكون عزُّه ونصره على يديه. ومن نَصْر الله لدينه أنْ جعل الزمان لا يخلو من أهل الحق، الصابرين في سبيله، الذين يعضّون بنواجذهم عليه، ويتحمّلون في سبيله كل أذى وقتال، كما جاء في الحديث الصحيح عن الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله، وهم ظاهرون على الناس» [٣] . إنّ الخوف على أنفسنا لا على دين الله، الخوف على أنفسنا في عالم تموج به الفتن أنْ يتخبّطنا الشيطان، أما الدين فله رب يحميه، وقد تكفَّل ببقائه وحفظه ونصره، ولا علينا أنْ يصيبنا ما يصيبنا في سبيل نصره وتمكينه، عن تميم الداري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليبلغنّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعزِّ عزيز، أو بذلّ ذليل؛ عزّاً يعزّ الله به الإسلام، وذلاً يذلّ الله به الكفر» [٤] . وفي الحديث الصحيح الآخر أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله زوَى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإنّ أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمرَ والأبيضَ. وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة، وألا يسلِّط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيحَ بيضتهم. وإنّ ربي قال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يُردّ، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة، وألا أسلِّط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم مَن بأقطارها، حتى يكون بعضهم يُهلك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً» [٥] . ومن بشائر النصر العظيمة: فتح القسطنطينية وروما، وقد تحققت الأولى، وبقيت الثانية، ولا شكّ في حصولها، فقد أخبر بذلك مَن لا ينطق عن الهوى، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: بينما نحن حول رسول الله ﷺ نكتب؛ إذ سُئل رسول الله ﷺ : أيّ المدينتين تُفتح أولاً؛ قسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مدينة هرقل تفتح أولاً» يعني قسطنطينية [٦] . ولئن كان لليهود اليوم صولة وجولة، وكان للنصارى مظاهرة لهم وممانعة، ولئن ظنّ بعض المنهزمين ألا قدرة لنا عليهم، فقد جاءتنا البشارة بأنّ خاتمة المطاف تحمل نصراً لنا وإبادة لهم؛ إبادة يتعاون معنا فيها الحجر والنبات. أخبر عبد الله بن عمر ﵄ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تقاتلكم اليهود، فتُسلَّطون عليهم، حتى يقول الحجر: يا مسلم، هذا يهوديّ ورائي، فاقتله» [٧] . وفي رواية أخرى عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهوديّ من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله، إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود» [٨] . إنّ الإيمان أيها الإخوة هو شرط نصركم وتمكينكم، فمتى صحَّ ذلك منكم تحقَّق وعد ربكم لكم. وإنّ العبرة ليست بالظاهر، فلربما أخفت الحقائقَ المظاهرُ. وإنّ الكافرين وإنْ كانت لهم الغلبة الظاهرة، إلا أنّ النصر الحقيقي يتمثل في الصبر والثبات، وفي خاتمة المسار والمطاف، [وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ] (الروم: ٦-٧) . لقد كانت النتائج العسكرية البحتة لكثير من الغزوات والمعارك تمثل هزائم ونكسات، ولكنها لم تكن القاضية، وكان بعدها جولات للمؤمنين غالبةٌ. لما نجا خالد بن الوليد ﵁ بالمسلمين في مؤتة؛ صاح بهم بعض الناس لما رجعوا إلى المدينة: يا فُرَّار، فررتم في سبيل الله، ولكنّ رسول الله ﷺ قال: «بل أنتم الكرَّارون، أنا فئتكم» . وفي أُحد دارت الدائرة على المسلمين بعدما كانت الغلبة لهم، واضطربت صفوفهم، وتمكّن منهم أعداؤهم، ولكنّ الحكيم العليم خاطبهم: [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ] (آل عمران: ١٣٩-١٤٠) . وليُعلمْ علم اليقين أنّ النصر قد يتأخر، ولكنه لا يتخلّف. وقد يأتي في غير صورته المعروفة، وهيئته المألوفة؛ فالابتلاء والمصائب قد تحمل من الخير الخفيِّ الكثيرَ، وقد تكون سبباً لنصر أعظم وأشمل. وعلينا ألا نيأس من نيل النصر، وأن نبحث عن أسبابه، وأنْ نجتهد في أن نكون جنداً من جنده، [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] (الحج: ٤٠) . فأبشروا وأمِّلوا، وثقوا بالنصر واعملوا، واعلموا أنّ الخير لا يُدرى أين يكون، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَثَل أمتي مَثَل المطر، لا يُدرى أوله خير أم آخره» [٩] .

стр. 4604

حوار الشيخ رائد صلاح رئيس الحركة الإسلامية في فلسطين المحتلة عام ٤٨ للبيان (قبل اعتقاله) نائل نخلة [*] الشيخ رائد للبيان: هناك إجماع بين الأحزاب الصهيونية على هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل المزعوم. الشيخ رائد صلاح، من أبرز رموز العمل الإسلامي في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٤٨م، وهي الأراضي التي تبلغ نسبة سكانها نحو ٢٠% من إجمالي عدد السكان في أراضي ٤٨ البالغ عددهم ٦.٧ مليون نسمة، ويطلق على الفلسطينيين الباقين في تلك الأراضي اسم (عرب إسرائيل) لأنهم أكرهوا على حمل الجنسية الإسرائيلية كشرط لبقائهم في أرضهم وأرض أجدادهم، بخلاف الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة والقطاع وفي بقية الأراضي المحتلة التي احتلت عام ١٩٦٧م، فإنهم لا يحملون الجنسية الإسرائيلية. وقد حاورته البيان قبل أن تقدم السلطات الإسرائيلية على اعتقاله مؤخراً، مع نفر من إخوانه المجاهدين في فلسطين، وقد رحبت به مجلة البيان، وكان لها معه الحوار التالي: البيان: نرحب بضيفينا الكريم، ونعبر عن سعادتنا للقائكم. - الشيخ رائد صلاح: مرحباً بكم وأهلاً. البيان: شيخ رائد: إذا أمكن أن تعطينا لمحة سريعة عن الحركة الإسلامية، تاريخ نشأتها وتطورها خلال العقود الأخيرة؟ - نشأت الحركة الإسلامية منذ أواخر السبعينيات ببدايات متواضعة سعت من خلالها إلى إحياء الدين في حياة أهلنا وبناء المساجد ومحاربة المنكرات، ثم بارك الله تعالى بتلك الجهود وازدادت الحركة الإسلامية عدداً وعدة ومؤسسات، وبدأت تترجم مفهوم الإسلام الشامل إلى واقع عملي من خلال أعمالها وخطابها الإعلامي وأدبياتها وفعالياتها الكبيرة التي شملت من ضمن ما شملت إقامة مهرجانات إسلامية كبيرة تهدف إلى إحياء الأحداث التاريخية الكبرى في حياة المسلمين، وشملت إقامة مهرجان الفن الإسلامي بهدف تنمية مواهب الشعر والمسرح والرسم والزخرفة والنشيد وفق المنهج الإسلامي، وشملت إقامة لجان الزكاة والإصلاح والعيادات والروضات والمكتبات ومعسكرات العمل الإسلامي بهدف إحياء روح التكافل الاجتماعي في السراء والضراء، وشملت إقامة دوري كرة القدم الإسلامي والأعراس الإسلامية والصحف الإسلامية وعلى رأسها صحيفة (صوت الحق والحرية) بهدف الإحاطة بجيل الشباب وهمومه وطموحه، وشملت فيما بعد المشاركة بالمنافسة الانتخابية في مجال البلديات والمجالس القروية، ثم كان وما زال للحركة الإسلامية دورها الطيب بعد الانتفاضة الأولى وبعد انتفاضة الأقصى من خلال دورها الإغاثي والإعلامي والشعبي، ثم تألقت الحركة الإسلامية بدورها البارز في مشروع إعمار وإحياء المسجد الأقصى المبارك ومناصرة القدس الشريف، ثم خطت الحركة الإسلامية بعد ذلك خطوات مباركة من خلال إقامة كلية الدعوة والعلوم الإسلامية التي حصلت على تمثيل لها في رابطة الجامعات الإسلامية واتحاد الجامعات العربية، وكذلك من خلال إقامة هيئة الدعوة والإغاثة العليا التي حصلت على تمثيل لها في المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة؛ حيث ترعى هذه الهيئة أكثر من عشرين جمعية ومؤسسة قطرية مثل مؤسسة (الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية) التي ترعى شؤون أوقافنا ومقدساتنا عامة، وشؤون المسجد الأقصى المبارك خاصة، وجمعية (اقرأ) التي ترعى شؤون الطلاب الجامعيين، وجمعية (سند) التي ترعى شؤون الأمومة والطفولة، ومؤسسة (مسلمات من أجل الأقصى) التي ترعى دور المرأة المسلمة تجاه المسجد الأقصى المبارك، ومؤسسة (حراء) التي ترعى الأجيال الصغيرة والكبيرة بهدف حفظ القرآن الكريم، ومؤسسة (النقب للأرض والإنسان) التي ترعى هموم أهلنا في النقب، ومؤسسة (عكا وقراها) ومؤسسة (حيفا زهرة الكرمل) ومؤسسة (يافا) ومؤسسة (اللد والرملة) هذه المؤسسات التي تعني بهموم أهلنا في هذه المدن الساحلية التاريخية (عكا وحيفا ويافا واللد والرملة) ومؤسسة (لجنة الإغاثة الإنسانية للعون) التي ترعى كفالة الأيتام في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتقديم العون المتواصل لهم ولأهلنا هناك، ومؤسسة (الفجر) التي ترعى شؤون الأدب والشعر والنشيد الإسلامي، وجمعية (البلاغ) التي ترعى شؤون الإعلام الإسلامي، ثم إن الحركة الإسلامية تعكف في هذه الأيام على تنفيذ مشروعها الواعد الذي أطلقت عليه اسم (المجتمع العصامي) الذي تهدف من خلاله إلى بناء الذات بكل ما تحتاج من إقامة مدارس أهلية، ومستشفيات أهلية، واقتصاد أهلي، وغير ذلك. البيان: كيف ترى الحركة الإسلامية نفسها داخل القانون الإسرائيلي؟ وكيف ترى علاقتها بدولة الكيان؟ - الحركة الإسلامية هي جزء من هذا المجتمع الفلسطيني الصابر في المثلث والجليل والنقب والمدن الساحلية (عكا، وحيفا، ويافا، واللد، والرملة) وهي تعاني كما يعاني هذا المجتمع من مظاهر الظلم التاريخي والتمييز القومي والاضطهاد الديني الذي ما زالت تفرضه المؤسسة الإسرائيلية علينا حتى الآن، والذي بسببه ما زلنا نعاني من سياسة مصادرة أرضنا ومقدساتنا وأوقافنا وهدم بيوتنا ومصادرة حقوقنا ومطاردتنا بكثير من قوانين الطوارئ سيئة الصيت، ولكن مع ذلك فإن الحركة الإسلامية تسعى للقيام بواجبها في أوسع مساحة متاحة، وتسعى لاستثمار كل وسيلة مشروعة لتعميق دورها الإسلامي وفق الآليات والأهداف التي حددتها لنفسها. البيان: ما هي الصعوبات التي تواجه الحركة في التأقلم والتعايش مع القانون ودولة الكيان الإسرائيلي؟ - هي الصعوبات التي يعاني منها كل مجتمعنا الفلسطيني في الداخل ويتقدمها إصرار المؤسسة الإسرائيلية على إبقاء ظلمها التاريخي رابضاً على صدورنا ومن خلال إصرار هذه المؤسسة على تهميش وجودنا وشرعنة التمييز ضدنا إما بواسطة قانون الطوارئ، أو استحداث قوانين جديدة مثل قانون (منع التحريض) الذي يسعى إلى تكميم أفواهنا. ومن الجدير بالذكر أن الحركة الإسلامية لا تزال تعاني بشكل خاص من تواصل مطاردة بعض الأذرع الإسرائيلية لها؛ فقد قامت المؤسسة الإسرائيلية بإغلاق عدة جمعيات للحركة الإسلامية مثل جمعية الإغاثة الإسلامية وجمعية رعاية السجين واليتيم وجمعية الإغاثة الإنسانية، وقامت المؤسسة الإسرائيلية بإغلاق صحيفة الحركة الإسلامية (صوت الحق والحرية) مرتين، وها هي هذه المؤسسة الإسرائيلية تتوعد بإغلاق هذه الصحيفة لمرة ثالثة في مدة عامين، وقامت المؤسسة الإسرائيلية بفرض إقامات جبرية في الماضي على كثير من قيادات الحركة الإسلامية، أما اليوم فقد أصدرت المؤسسة الإسرائيلية أمراً بمنعي من السفر ثلاث مرات متتالية؛ وها هي تهدد بإخراج الحركة الإسلامية عن القانون. البيان: إلى أي مدى تحُول هذه الصعوبات دون تقدم وتطور العمل الإسلامي في الداخل؟ - لا شك أنها تقلل من نسبة نجاح بعض مشاريعنا، وتحرم قطاعات كبيرة من أهلنا من هذه الخدمات؛ فإغلاق جمعية الإغاثة الإسلامية وجمعية الإغاثة الإنسانية وجمعية رعاية السجين واليتيم قد حرم قطاعاً واسعاً من شعبنا من خدمات هذه المؤسسات، وكذلك قيام المؤسسة الإسرائيلية بالتضييق المتواصل على كلية الدعوة والعلوم الإسلامية قد قلل من نسبة نجاح هذه الكلية على الرغم أنها ما زالت قائمة ومستمرة، وكذلك فرض الإقامات الجبرية أو منعنا من السفر يؤدي إلى تعطيل مشاريع كثيرة للحركة الإسلامية. البيان: هل تعتقد أن القانون الإسرائيلي يتيح حريات معقولة، بحسب دعوى (إسرائيل) أنها واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط؟ - القانون الإسرائيلي شرع مصادرة أرضنا ومقدساتنا، وشرع هدم بيوتنا، وشرع معاملتنا وفق قوانين الطوارئ سيئة الصيت. البيان: ماذا تقول بشأن منعك من السفر من قِبَل السلطات الصهيونية للمرة الثالثة على التوالي؟ - هذا مظهر ظالم من شرعنة القانون الإسرائيلي لمواصلة فرض الظلم التاريخي علينا، وهو مظهر من مظاهر التضييق على الحركة الإسلامية. البيان: كيف تنظرون إلى واقع فلسطينيي ٤٨، وماذا تتوقعون أن يكون التعامل الاستراتيجي الصهيوني معهم؟ - واقعنا واقع بائس جداً، وما زلنا نتجرع مرارة التمييز القومي والاضطهاد الديني الذي ما زالت تفرضه علينا المؤسسة الإسرائيلية، وحاضرنا محاصر، ومستقبلنا غامض، خصوصاً إذا ما علمنا أن بعض الأصوات الرسمية الإسرائيلية تطالب بترحيلنا. البيان: هل تعتقد أن هناك شرخاً ما طرأ على العلاقة بين دولة الكيان وفلسطينيي ٤٨؟ - الشرخ كان قائماً منذ نكبة فلسطين عام ١٩٤٨م، ولكن هذا الشرخ تعمق في هذه الأيام، وأدى إلى ظهور حالة من شعورنا بالمطاردة اليومية من قِبَل المؤسسة الإسرائيلية، والذي عمق هذا الشرخ إقدام بعض القوات الإسرائيلية على قتل أكثر من عشرين من أهلنا بداية من انتفاضة الأقصى حتى الآن؛ ناهيك عن وجود عشرات المعتقلين منا في السجون، ثم قيام المؤسسة الإسرائيلية بنزع هوية البعض منا وتهديد بعض رموزها بترحيلنا. البيان: برأيك إن كان هناك شرخ فإلى أين يمكن أن يصل؟ - كما قلت خلال الأجوبة السابقة لا حدود لنتائج هذا الشرخ، خصوصاً أن بعض الأصوات الرسمية الإسرائيلية تطالب بترحيلنا. البيان: كيف ترى علاقتكم مع فلسطينيي الضفة والقطاع؟ - نحن جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، ونرى من الواجب أن نقوم بدورنا الإغاثي والإعلامي والشعبي تجاه أهلنا في الضفة الغربية وقطاع غزة، ونرى من الواجب أن نقوم بدورنا في مشروع إعمار وإحياء المسجد الأقصى المبارك ومناصرة القدس الشريف. البيان: ما هي أوجه وقنوات تلك العلاقة؟ - نحن نملك مؤسسات الإغاثة التي تقوم بدورها تجاه أهلنا، ونملك صحيفة (صوت الحق والحرية) التي تقوم بالدور الإعلامي، ونملك (مؤسسة الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية) التي تقوم بمناصرة الأقصى المبارك والقدس الشريف، ثم لنا دورنا الشعبي من خلال (لجنة المتابعة العليا) للجماهير العربية الفلسطينية في الداخل. البيان: من المعلوم أن رأيكم كان سلبياً ومعارضاً للتسوية السياسية التي بدأت في مدريد عام ٩١، في ظل الظروف التي يعيشها الشعب الفلسطيني الآن، إلى أي مدى ترى أن رأيكم كان في مكانه؟ - واضح لكل عاقل أن هناك إجماعاً بين الأحزاب الإسرائيلية كلها بدون استثناء يقوم على أساس رفض حق عودة اللاجئين من أهلنا ورفض قيام دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة، ورفض انسحاب كلي من المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة، ورفض التفاوض على القدس الشريف، ثم هناك إجماع بين هذه الأحزاب الإسرائيلية للعمل على بناء الهيكل على حساب المسجد الأقصى المبارك؛ ولذلك فإن كل تسوية تقوم على هذه الثوابت الإسرائيلية هي مرفوضة في نظرنا سواء كانت (أوسلو) أو غيرها، ولن تزيد إلا من ويلات شعبنا الفلسطيني. البيان: ما هو رأيكم بالأصوات المنادية بضرورة العودة لطاولة المفاوضات واستئناف العملية السياسية؟ - الأصوات المنادية كثيرة؛ ولذلك يبقى السؤال: ما هو هدف هذه الأصوات؟ وما هو سقف طاولات المفاوضات التي تدعو لها؟! ولذلك نختصر الأمر ونقول: إن كل تحرك يهدف إلى ترسيخ الثوابت الإسرائيلية التي ذكرتها هو تحرك مشبوه ومرفوض كائناً من كان صاحبه، ولو كان باسم العودة لطاولة المفاوضات واستئناف العملية السياسية. البيان: كيف تقيِّم علاقتكم مع العالم العربي؟ - بداية نحن نؤكد أننا جزء لا يتجزأ من الأمة الإسلامية والعالم العربي والشعب الفلسطيني، ونحن نطمح بتقوية تواصلنا الواضح والصريح مع عالمنا العربي؛ لذلك نجحنا كما قلت بتحصيل عضوية كلية الدعوة في اتحاد الجامعات العربية وحصلت مؤسستنا (هيئة الدعوة والإغاثة العليا) على تمثيل في (المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة) ونبقى على أمل أن يقوى هذا التواصل كرافد مهم لحفاظنا على وجودنا وهويتنا. البيان: كيف تنظرون إلى الانتفاضة؟ - الانتفاضة الأولى وانتفاضة الأقصى هي تعبير فلسطيني شجاع عن رفض الاحتلال الإسرائيلي؛ ولذلك فإن استمرار الانتفاضة أو قابلية تجددها سيبقى قائماً ما دام هناك احتلال إسرائيلي وتنكُّر لمشروع شعبنا الفلسطيني الساعي إلى إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف. البيان: ما هو تقييمكم لحال الانتفاضة اليوم؟ - كنا نتمنى أن يكون لها مساندة إسلامية عربية أكبر من المساندة التي تمثلت بالدعم الإغاثي والإعلامي فقط، ولذلك بقيت الانتفاضة محمولة على أكتاف شعبنا الفلسطيني فقط مع التقدير الكبير لكل صاحب دعم إغاثي وإعلامي، والذي ما زلنا نتمناه أن تتحرك الشعوب المسلمة والعربية لتشكيل ظاهرة شعبية قوية ودائمة لرفض الاحتلال الإسرائيلي، وكذلك ما زلنا نتمنى على الحكومات تشكيل (قوات حفظ سلام إسلامية عربية) لحقن دماء المسلمين والعرب بما في ذلك شعبنا الفلسطيني، ولا سيما أن قضية فلسطين هي إسلامية عربية. البيان: كيف ترون مستقبلها، خاصة في ظل المتغيرات الدولة الحالية المنادية بضرورة محاربة ما يسمى بالإرهاب؟ - يخطئ من يظن أن بإمكانه كسر إرادة الشعب الفلسطيني مقابل إملاءات إسرائيلية؛ لذلك أنا على يقين أن المتغيرات الدولية الحالية والقادمة لن تستطيع إلغاء قابلية استمرار الانتفاضة عند شعبنا الفلسطيني ما لم يَزُل الاحتلال الإسرائيلي. البيان: في ظل الهجمة الصليبية الأمريكية وحلفائها على الإسلام والحركات الإسلامية بدعوى محاربة الإرهاب، ما هو توقعكم لمستقبل هذه الحركات؟ - هذه المواجهة بين الإسلام وأعدائه ليست الأولى من نوعها؛ فكان قبل ذلك المواجهة بين الإسلام وظاهرة الردة، وكذلك بين الإسلام والفِرَق الباطنية، وبين الإسلام والمغول، وبين الإسلام والحملات الصليبية، وبين الإسلام والاستعمار الأوروبي؛ فماذا حدث؟ لقد انتصر الإسلام واندثرت كل تلك الظواهر المتغطرسة؛ وهذا ما سيكون بإذن الله تعالى اليوم؛ حيث سينتصر الإسلام، وتندثر كل الظواهر المتغطرسة التي تقودها أمريكا. البيان: هل تعتقد أن هناك استراتيجية ما على الحركات الإسلامية اتباعها لتجنب الضربات الأمريكية؟ - لا بد من التواصل الجماهيري بين الحركات الإسلامية والجماهير في العالم الإسلامي والعربي، ولا بد من إحياء الدين بين هذه الجماهير، وتحديداً مفهوم (الولاء والبراء) في هذه الأيام، ولا بد من التحلي بالموقف الحكيم والكلمة الشجاعة، ولا بد من السعي لإجراء مصالحة صادقة تعود على شعوبنا بالخير بين الحركات الإسلامية والأنظمة لعلها تقود إلى ترشيد سياسة الحكومات ودور الشعوب، ثم لا بد قبل ذلك من التحلي بالصبر واليقين والتوكل على الله تعالى وكثرة الدعاء. البيان: إلى أي مدى تتفق مع الرأي القائل إن أمريكا تبغي من وراء هذا المبدأ (محاربة الإرهاب) إلى السيطرة على العالم العربي وثرواته الهائلة؟ - أمريكا تسعى إلى الهيمنة على العالم الإسلامي والعربي بداية من ضرب العراق بهدف تهيئة كل الظروف لتطبيق مشروع (إسرائيل الكبرى) الذي ما زالت تحلم به الكثير من القيادات الصهيونية، وبهدف إعادة رسم العالم الإسلامي والعربي من جديد وفرض (سايكس - بيكو) جديدة، وبهدف الإذعان لقوى الضغط (البروتستانتية - الصهيونية) أو (الكاثوليكية - الصهيونية) التي تعمل لتقريب وقوع معركة (هارمجدُّون) ثم بهدف تصفية الثقافة الإسلامية ومحاربة الإسلام في نفوس المسلمين لأمركة هذا العالم الإسلامي والعربي. البيان: هل تخشون أن تستغل السلطات الصهيونية هذا الواقع (محاربة الإرهاب والتطرف) وتقوم بإخراج الحركة عن القانون؟ - هذا وارد جداً؛ فما زال هناك تلويح بإخراج الحركة الإسلامية عن شكلها القانوني. البيان: هل أنتم مستعدون لذلك؟ وهل وضعتم استراتيجية ما لمجابهة هذه الخطوة المحتملة؟ - استراتيجيتنا واضحة، ومفادها أننا سنبقى نعمل للإسلام ثم لخدمة أهلنا من خلال انتمائنا للإسلام إن لم يكن من خلال الحركة الإسلامية. البيان: ماذا عن ميثاق الحركة الإسلامية؟ وهل هناك ميثاق للحركة؟ ثم ما هي أبرز نقاطه؟ - هناك قانون داخلي للحركة الإسلامية يؤكد أن الحركة الإسلامية تستمد دورها من فهمها الصحيح المستمد من القرآن الكريم والسنة؛ ثم تسعى الحركة الإسلامية للقيام بدورها من خلال أوسع مساحة ممكنة يتيحها الهامش الديمقراطي. البيان: كيف تقيِّمون العلاقة مع الشق الآخر من الحركة الإسلامية؟ - لا شك أن هناك اختلافاً في قضايا هامة ومصيرية فيما بيننا، ولكن مع ذلك نحافظ على حصر أسباب هذا الاختلاف في أضيق مساحة ممكنة على أمل أن نتجاوزه، وأن نواصل مسيرتنا الإسلامية. البيان: نحن نعلم أن هناك جهوداً حثيثة تسعى لرأب الصدع في الحركة الإسلامية، فإلى أين وصلت هذه الجهود؟ - مرة أخرى أقول: نحن نأمل بتجاوز أسباب الخلاف على أمل مواصلة مسيرتنا الإسلامية. البيان: لماذا تعارضون دخول الكنيست؟ - لأننا من خلال دراستنا المتأنية والعميقة للكنيست وجدنا أنها ليست إلا مؤسسة عملت ولا زالت تعمل على إجهاض كل جهود أعضاء الكنيست من العرب، وستبقى بهذه الصفة؛ لأنها وُجِدَت لتحقيق أهداف المجتمع الإسرائيلي وإجهاض كل محاولة للحصول على حقوقنا؛ لذلك فإن الاهتمام بها هو مضيعة للوقت والجهود، وتبديد للطموح. البيان: ماذا تقرأ في نتائج الانتخابات الأخيرة لدى فلسطينيي ٤٨؟ - ارتفاع نسبة المقاطعة في وسطنا الفلسطيني؛ حيث وصلت إلى أكثر من ٤٠%؛ وهذا يعني أن جماهيرنا تبحث عن بديل عن الكنيست التي قادتهم إلى وهم وسراب ليس إلا. ثم من الواضح في الطرف الإسرائيلي ارتفاع نسبة تمثيل اليمين؛ لأن الشارع الاسرائيلي يسير في اتجاه يميني شديد جداً أكثر مما كان عليه سابقاً. البيان: ألا تعتقد أن على الحركة الإسلامية أن تجد استراتيجية ما لهذا «الحزب» (حزب المعارضين) وإلى أين يمكن أن يقود؟ - هذا صحيح. على الحركة الإسلامية أن تعطي الحل العملي البديل عن الكنيست للمعارضين، بل حتى للمشاركين في الكنيست؛ لأنه مضى على وجود أعضاء كنيست عرب في الكنيست قرابة الخمسين عاماً، وما زلنا نعاني من الظلم التاريخي، والتمييز القومي والاضطهاد الديني، ومصادرة الأرض والأوقاف والمقدسات وهدم البيوت؛ لذلك فإن عنوان البديل الذي تطرحه الحركة الإسلامية هو إقامة مشروع (المجتمع العِصامي) الذي يسعى إلى بناء الذات بكل ما تحتاج إليه من إقامة مدارس أهلية، ومستشفيات أهلية، واقتصاد أهلي وغير ذلك، وهذا يعيننا على إزالة الظلم التاريخي الذي ما زال يجثم على صدورنا، ودفع أذى التمييز القومي والاضطهاد الديني الذي نعاني منه. البيان: ما هي المشاريع التي تقومون بها لأجل الأقصى الشريف؟ - منذ عام ١٩٩٦م نجحنا بفضل الله تعالى من خلال (مؤسسة الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية) بالاشتراك مع (لجنة التراث - بيت المقدس) وبالتعاون مع هيئة الأوقاف بإعمار المصلى المرواني، ثم إعمار الأقصى القديم، ثم إقامة وحدات مراحيض ووضوء عند باب الأسباط وحطة وفيصل، ثم فتح بوابات المصلى المرواني العملاقة وتبليط الساحات الممتدة أمامها، ثم مشروع (مسيرة البيارق) الذي نُسَيِّر من خلاله مئات الحافلات من المثلث والجليل والنقب والمدن الساحلية (عكا وحيفا ويافا واللد والرملة) إلى الأقصى المبارك كل شهر، وإقامة مشروع (صندوق طفل الأقصى) ، وكذلك إحياء دروس مصاطب المسجد الأقصى وتفريغ الدعاة، وإقامة مؤسسة (مسلمات من أجل الأقصى) ، وإعداد الكتب والخرائط والأفلام الوثائقية عن المسجد الأقصى، وإقامة المهرجان السنوي الكبير الذي بدأناه منذ عام ١٩٩٦م بعنوان (الأقصى في خطر) والذي يحضره كل عام أكثر من سبعين ألف مسلم ومسلمة. البيان: هل هناك صعوبات تقف حائلاً أمام إتمام وإكمال هذه المشاريع؟ - هناك صعوبات كثيرة جداً؛ فمنذ بداية انتفاضة الأقصى منعت المؤسسة الإسرائيلية إدخال أية مواد إعمار إلى الأقصى المبارك ولو كانت بحجم (دلو رمل) ، ثم قامت المؤسسة الإسرائيلية بالإعلان عن (لجنة التراث - بيت المقدس) أنها منظمة إرهابية لا لسبب إلا لأننا كنا نقوم بالاشتراك معها بتنفيذ كل تلك المشاريع؛ لذلك قاموا بمصادرة أموالها واعتقال أعضائها وإغلاق مكاتبها. البيان: ما هو دور الصهاينة في اختلاق وابتداع هذه العقبات والصعوبات؟ - هي صعوبات تقوم بها المؤسسة الإسرائيلية بهدف فرض هيمنتها الاحتلالية على المسجد الأقصى، ومنعنا من مواصلة مشاريع إعمارنا في المسجد الأقصى، وبهدف أن تتحكم المؤسسة الإسرائيلية بكل أبواب المسجد الأقصى، فتسمح لمن تشاء بالدخول إلى الأقصى، وتمنع من تشاء!! لذلك من المحزن أن نقول إنها منعت دخول مجموعة من أهلنا إلى المسجد الأقصى المبارك بأوامر احتلالية ظالمة، وقامت قبل أسابيع بتركيب آلة تصوير عند باب الأسباط لمراقبة تحركات كل المسلمين لدى دخولهم وخروجهم من الأقصى المبارك. البيان: ما هي الإجراءات التي تتخذونها لحل مثل تلك الصعوبات؟ - بداية نحن لا نيأس ولا نستسلم؛ لذلك لما منعتنا المؤسسة الإسرائيلية من مواصلة (مشروع إعمار) الأقصى المبارك انتقلنا إلى (مشروع إحياء) الأقصى المبارك من خلال مسيرة البيارق وإحياء مصاطب العلم وتفريغ الدعاة وإقامة الإفطارات الجماعية طوال أيام رمضان، وإقامة صندوق طفل الأقصى، ومؤسسة (مسلمات من أجل الأقصى) وإعداد الكتب والخرائط والأفلام الوثائقية عن الأقصى. البيان: ماذا عن العمل بباقي المقدسات الإسلامية؟ - لنا مشاريع كثيرة في هذا المضمار تقوم على إعمار وصيانة المساجد والمصليات والمقابر، والتصدي لكل محاولات الاعتداء الإسرائيلية على أوقافنا ومقدساتنا، وقد وفقنا الله تعالى وأنجزنا مشروع مسح هندسي لكل المقدسات الواقعة بين قيساريا والخالصة، والذي شمل قضاء حيفا وعكا والناصرة وطبريا وبيسان وصفد ونحن مصرون على مواصلة هذا المسح حتى النهاية، وكذلك لدينا معرض رسم ثابت عن الأوقاف والمقدسات، وبدأنا نعد سلسلة أفلام وثائقية عن كل الأوقاف والمقدسات، وننظم صلوات جمعة في المساجد المهجورة منذ نكبة فلسطين عام ١٩٤٨م، كل ذلك بمبادرة مؤسسة الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية. البيان: شكراً للشيخ الكريم ونسأل الله أن يمدكم بعونه ونصره.

стр. 4605

ملفات التغيير القادم في هذه الظروف العصيبة التي تتعرض فيها الأمة لأخطار الاحتلال، وانتهاك السيادة، والتدخل في كل شيء؛ نرى محاولات دؤوبة لإعادة تشكيل الأمة في جميع المجالات: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية، بل حتى الدينية.. حيث يُطلب من الأمة أن تطوع خطابها الديني ليتوافق مع مقتضيات الأمركة ... وإذا كان وعي الأمة - أي أمة - يُقاس بقدرتها على: الاستفادة من ماضيها، واستيعاب حاضرها، واستشراف مستقبلها؛ فإن قياس أمتنا - والحال هكذا - لن يكون مشرِّفاً؛ إذ نرى الأمة غارقة فيما حدث.. متخبطة فيما يحدث.. جاهلة ما سيحدث ... وهو ما يدفعنا لطرح قضية «التغيير القادم» ، على نطاق واسع، يصل الماضي بالحاضر، ويعرض في أثناء ذلك صورتين للمستقبل: أولاهما: رُسمت بأيدي الأعداء في دهاليز المخابرات وأروقة الوزارات. والثانية: وضعنا لمساتها الأولى، وفق رؤية إسلامية، نستمد معالمها من كتاب الله ، وسنة نبيه ﵊، مع الإقرار بأن ما يعرض للأمة في مرحلتها الآنية؛ يستدعي تضافر جهود صفوة علماء الأمة ومفكريها؛ للفرار من جحر الضب، والحذر من لدغة الأفعى، كما حثنا النبي عليه الصلاة والسلام. وقد حرصنا في هذه التغطية وستكون في هذا العدد والذي يليه إن شاء الله تعالى على استيعاب أهم المجالات التي تتناوشها معاول الهدم والتخريب، مقرونة بما يلزم لتفعيل المواجهة، وأسلمة التغيير..

стр. 4606

ملفات التغيير القادم التغيير.. مطلب أم مذهب ؟ د. سعيد بن ناصر الغامدي مصطلح «التغيير» من المصطلحات الشائعة والرائجة في كتب الإدارة، والسلوك، وعلم النفس والسياسة وغيرها، وهو من المصطلحات المثقلة بالدلالات المتنوعة والمختلفة بل والمتناقضة أحياناً، وذلك لأنه من جنس الألفاظ اللغوية ذات الدلالات المتعددة المستويات والأبعاد، وليس من جنس اللغة الأيقونية الحرفية واحدية المستوى والبعد. ويصبح مصطلح التغيير هذا أكثر تشعباً عند تعلقه بالظواهر الإنسانية الفكرية والعملية التطبيقية، وتزداد تشعباته ومخاطره عند تعلقه بالإنسان بوصفه مخلوقاً مربوباً، متعدد الأبعاد، متجاوزاً النظام الطبيعي المادي المجرد؛ لأنه بهذا الوصف المتفرد ينطوي على مقومات لا يمكن ردها إلى النظام المادي البحت. وإن من أخطر ما في القضايا الراهنة المتداولة ثقافياً وإعلامياً عدم تمحيص المصطلحات ودلالاتها ومضامينها وظلالها وأبعادها. وخاصة تلك المصطلحات المحمَّلة بجملة من الأفكار والرؤى والأهداف والغايات؛ المتشابهة أحياناً والمتناقضة أحياناً أخرى، والمتسعة اتساعاً مشوّشاً، والمركبة تركيباً «مربكاً» ؛ كما هو حال مصطلح «التغيير» الذي تحول إلى قضية تبدأ يسيرة بوصفها مطلباً من مطالب النهوض والتقدم والإصلاح، إلى أن تستحيل بعد طول إدمانها عند البعض إلى مذهب معتنق وأيديولوجيا متبعة، ومن المفارقات الغريبة أن تجد من (التغييريين) مَنْ يثبت على حال واحد سلوكياً وفكرياً وأخلاقياً، ويلتزم مسلكاً معيناً لا يبارحه، فلا يطبق مذهب التغيير الذي يطالب به الآخرين على نفسه!! والإنسان بفطرته يبحث عن اليقين، أو عن قدر معقول منه إذا عجز عن الوصول إلى الحقيقة الخالصة، وأنّى له الوصول إلى الحقيقة النهائية؟ ولكنه يسعى إلى اليقين مبتعداً عن شراك العدم المطلق، أو أي درجة من درجات العدمية. ومصطلح التغيير بسبب الملابسات المذكورة آنفاً استُعمل جسراً ووسيلة لتمرير أفكار معينة ورؤى محددة، وتحيزات فكرية وعملية معروفة، بل استُعمل لفرض هذه الأفكار والتحيزات بشكل خفي أو جلي، كما أنه استُعمل بصورة إيجابية، في بعض الأحيان. ومن خلال دراسة التاريخ المعاصر؛ نجد أن مصطلح التغيير تواتر في الخطابات السياسية والثقافية منذ غزو نابليون لمصر، وإن بدأ ضعيفاً خافتاً لكنه ما لبث أن نما وتزايد ومُددت أطرافه وحواشيه في كل الاتجاهات، ويزداد حضوره كلما ألمت بالأمة ملمة، أو نزلت بها نازلة، وها هو اليوم يُطرح بالفم الأمريكي الملآن تحت ظلال البوارج والطائرات والدبابات، وعبر الآلة الإعلامية والسياسية الأمريكية الهادرة، وعبر وكلاء توزيع لهم قوة ونفوذ نوعي. وبالطبع؛ كانت الاستجابة لهذا التحدي مختلفة باختلاف العقائد والأفكار والرؤى والانتماءات والأفهام والعلوم، وكل فرد أو طائفة يأخذ قضية التغيير مستدعياً معها التاريخ والتراث والهوية للقبول أو للانتقاء أو للرفض؛ بحسب المشرب والمعتقد الذي ينطوي عليه، والأفكار التي يؤمن بها. ولعله من الممكن في هذه العجالة تصنيف مواقف الناس إزاء قضية التغيير التي تروج لها أمريكا بعد أحداث ١١/٩/٢٠٠١م إلى أربعة مواقف: - الموقف الأول: موقف المتقبل لقضية التغيير بالطريقة الأمريكية (الغربية) (الليبرالية) : وهو الموقف العلماني بشقَّيه (العام الشمولي) أو (الجزئي الانتقالي) ، ومن جميع التيارات العلمانية الفكرية منها والسياسية. فهؤلاء وجدوا في الضغط الأمريكي فرصة كبيرة لا بد من اهتبالها لإيجاد التغيير، وفق المنظومة المعيارية والرؤية الفكرية والخصائص النفسية الغربية الحديثة، والتي تفترض وجود عقل مستقل تماماً، وإنسان حر هو إله نفسه، يضع لها النظم والقوانين المناسبة له، والمحقِّقة لحريته المنفكة من جميع الصلات الدينية والأخروية، سواء على مستوى النظم والعلاقات عند من يوصفون بالاعتدال من العلمانيين، أو على جميع المستويات عند غلاة العلمانيين، وأصحاب هذا الاتجاه يرون في الإنسان بوضعه وتركيبه المادي المرجعية النهائية الأولى والأخيرة. ومن ثم من حقه وحده أن يرسم صورة (التغيير) الذي يريد؛ وفق عقد اجتماعي معين هو في حد ذاته مرجعية نهائية مستقلة عن الدين والوحي. ولعل من أهم تبديات هذه النزعة الإصرار على قضية (الصيرورة الدائمة) ، والتي تعني أن الحياة والأحياء والنظم والأخلاق في تغير مستمر، وفكرة الصيرورة هذه فكرة مرجعية ثابتة لدى التيار العلماني والحداثي، تظهر بشكل واضح في بعض الكتابات الأدبية والنقدية والفكرية المتطرفة، ولكنها كامنة بشكل دائم في معظم الأفكار والأطروحات العلمانية. وهي فكرة مبنية أصلاً على فرضية دارون المسماة بالانتخاب الطبيعي. والإيمان الحتمي بالصيرورة الدائمة صفة ملازمة للتيار العلماني، وهي تعني بالضرورة - من ضمن ما تعني - الخروج مما يسمونه (عبء الهوية) ، والتخلص من (الخصوصية) الثقافية والمكانية والزمانية؛ في محاولة قوية وجادة لتنميط الواقع المحلي، وجعل مكوناته الثقافية والعلمية والعملية مكونات تشبه قطع الغيار، حيث تتصف قطع الغيار أنها لا هوية لها، ولذلك يمكن بكل سهولة ويسر إحلال قطعة غيار مكان أخرى، في الواقع الثقافي والأخلاقي والاجتماعي. وينطلق فلاسفة هذا التيار من خلال محاولة تفسير العالم كله بتفسير مادي موحّد رغم دعوى التنوع، ويجعل لذلك إطاراً أصولياً كامناً، لديه القدرة على اختزال الإنسان ومناشطه وأعماله وطموحاته ونهضته في (الذرائعية) المصلحية، والنسبية المطلقة للأخلاق، والحتمية المطلقة للصيرورة. وبالتالي؛ فقضية التغيير سوف تكون وفق هذا النموذج ليست مجرد مطلب، بل أصبحت (مذهباً) ينطوي على استيراد جاهز يُصبغ بصبغة محلية أو أقليمية أو عربية؛ في عملية ممنهجة مكرسة ينتهي وصفها الإجمالي ويتلخص في أنها: استعارة غريبة يسعى وكلاء الغرب إلى استنباتها في الواقع الإقليمي والمحلي بأي شكل من الأشكال؛ طمعاً منهم في تحقيق الفردوس (التكنوقراطي) أو النعيم (الليبرالي) ، أو جنة الخلد (الديمقراطية) .. ونحو ذلك مما يتم التعبير عنه في الفلسفات والكنايات والتحليلات العلمانية بشكل أو بآخر. - الموقف الثاني: موقف المتقبل لقضية التغيير، بل والمعتنق لمذهب (التغيير) مع شيء من التحفظ: وهو موقف العصرانيين من المسلمين، والذين يؤمنون بالإسلام ولكن بطريقة عصرانية تأتي تحت مسميات وأوصاف مختلفة؛ (العقلانية الإسلامية) ، (المسلم المعاصر) ، (الوسطية العصرانية) ، (المحايد العصراني) إلى آخر ما هنالك. وإن صحت استعارة مصطلحات اليمين واليسار؛ فيمكن أن يعد هؤلاء من يسار الاتجاه الإسلامي، مع التحفظ على بعض دلالات هذا التصنيف. وهم على درجات مختلفة؛ فبعضهم يعيش على تخوم الأفكار العلمانية، فهو متأثر بها بحكم (عدوى المجاورة) ، وبعضهم يبتعد موطنه العصراني عن حدود العلمانية قليلاً أو كثيراً. ومن سمات هؤلاء (السيولة العامة) في مقابل ما يسمونه (الصلابة) التي يُظهرون التذمر منها، ويوجهون إليها سهام نقدهم، وهم يعيشون مرحلة تحولات مربكة، فلديهم الانتماء للأمة ودينها وتاريخها على الجملة، فهم من هذه الجهة متصلون بها، ولديهم انفصال عن بعض مقومات الأمة، ونفور عما يسمونه الأصولية الحرفية، أو النصية، والتفسيرات التراثية للوحي، وقوانين النظر والاستدلال، واليقينية، والأبوية، والنقل، والمبدأ الواحد، والفرقة الناجية، والولاء والبراء. ولديهم مشكلة كبيرة في (المعيارية) من أين تُستمد؟ أمن النص المعصوم، أم من العقل، أم من الأسلاف أم من المادة؟ كما أن جملة من أصحاب هذا الموقف تأثر بحكم المخالطة الفكرية والثقافية بفكرة (الصيرورة الدائمة) التي هي أصل من أصول التفكير العلماني والحداثي. وبالجملة؛ فإن كثيراً من أصحاب هذا الاتجاه يتركون حيزاً واسعاً للقيم الإنسانية والأخلاقية المطلقة، بل للقيم الدينية ما دامت لا ترى واحدية المنهج، أو تعتقد الصفاء، أو نجاة طائفة معينة، ولديهم قابلية شديدة لدعوة التغيير التي يرون فيها جسراً يقودهم إلى الضفة الأخرى، والتي يحلمون أن تكون فيها أدوات التحضر والنهضة. هناك قاسم مشترك بين هؤلاء والصنف الذي قبله، وهو شغفهم بالتغيير، وانفتاحهم نحوه، واستهدافهم جميعاً «المنهج» ، غير أن الصنف الأول يستهدف (المنهج العام) الإسلام بعمومه وشموله وكماله، والصنف الثاني يستهدف (المنهج الخاص) منهج أهل السنة والجماعة على وجه الخصوص. كما أن هناك فارقاً جوهرياً بين الموقفين، وهو أن الأول منهما شمولي كلي على الرغم من أن أصحابه يعلنون بصورة دائمة أنهم لا يؤمنون بأي مطلقات أو كليات. أما الثاني (العصراني) فهو جزئي بالنسبة إلى موقفه من الإسلام، وكلي في رغبة تغيير مفهومات منهج أهل السنة والجماعة وتطبيقاته. ومن هنا يمكن معرفة موقف كلا الطائفتين من التغيير مصطلحاً وشعاراً ومنهج عمل، مع الإشارة إلى أن الأفكار والأشخاص والمواقف والفئات لا يمكن حصرها في حدية تصنيفية قاطعة، فهناك نتوءات وخروقات واستثناءات. - الموقف الثالث: موقف الرافض لقضية التغيير أو المتحفظ إزاءها بشدة خوفاً من تبعاته وآثاره، وحذراً من مخاطره وسلبياته: وهو موقف فئة صادقة الانتماء للدين والأمة، حريصة على عزتها ومكانتها، ولكنها بسبب الثبات المطلق تتشبث بالقديم حتى لمجرد قدمه أحياناً، وتنفر من الجديد وخاصة في عالم الأفكار والرؤى، حتى لمجرد جدته أحياناً. وتميل إلى التفسير الحرفي الظاهري للنصوص التي هي في حقيقتها حمَّالة أوجه. كما أن لديها كماً من الحذر الشديد مشفوعاً بالرفض أحياناً أمام كل وافد وغريب، إضافة إلى انحصار المدلولات اللغوية والمعنوية للأمور الحادثة لديهم بين قطبي الخير والشر والصحة والفساد. بحثاً عن يقين مطلق أو حكم جاهز، وهذا ما يقتضي انحسار مساحة النسبية، وتقلص ميدان الأمور والقضايا ذات الطبيعة التركيبية، وهذا ما سيقود بدوره إلى وضع قواعد عامة حاسمة للقبول والرفض؛ حتى في الأمور التي تحتاج إلى تفصيل وتفسير وقسمة. - الموقف الرابع: موقف المتقبل لقضية التغيير بشروط وضوابط شرعية وعقلية ومصلحية: وهو موقف جمهور العلماء والدعاة، وخاصة علماء الصحوة، ورجالات الثقافة والفكر والأدب وغيرهم من أصحاب التخصصات التي يستند أصحابها على مبدأ الخصوصية العقدية والعبادية والفكرية والثقافية والمنهجية والتطبيقية العملية، وهو المبدأ القائم على قاعدة: (الإسلام عقيدة وعبادة، وأعمال وأخلاق، وشعيرة وشريعة، ودين ودولة، ومصحف وسيف، وأصالة وحضارة) . وهم بحكم علمهم الشرعي الأصيل وثقافتهم العصرية المتسعة لديهم رؤية في قضايا التغيير والتطوير والتحديث والمعاصرة تعتمد على مبدأ: (أخذ مقتضيات العصر، ونبذ أهوائه وأمراضه) . ولعل من الممكن في هذه العجالة ذكر أهم العناصر الرئيسة المستشفة من أقوالهم وتصريحاتهم ومقالاتهم في قضية التغيير كما يلي: ١- التغيير بمفهومه القرآني يبدأ من الداخل: [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] (الرعد: ١١) ، تغيير المعتقدات والأفكار الفاسدة التي تؤدي إلى دين فاسد، أو دنيا فاجرة؛ بمعتقدات صحيحة قويمة سليمة، وتغيير المشاعر والإرادات السلبية، وإحلال أخرى إيجابية مكانها، وتغيير المسالك والأعمال الخاطئة (دينياً أو دنيوياً) ، وإيجاد البديل الصالح. ٢- الدعوة إلى التغيير مطلوبة معقولة وذات مصلحة إذا صدرت من صادقي الانتماء للأمة، ولكنها ستكون متهمة ومشكوك فيها إذا جاءت متناغمة ومتعاطفة مع حملات الأعداء ووكلائهم. ٣- التغيير عملية إصلاحية كبرى، ومع ذلك يجب ألا يتحول التغيير إلى مذهب معتنق وعقيدة متبعة؛ لأن ذلك سيؤدي إلى التغييرات المطردة نوعاً وكماً، في كل شيء، وهذا يعني العدمية وعدم الثبات، وإبطال القواعد والأصول والكليات والثوابت، وهذا ما يسعى إليه الأعداء والمتأثرون بهم، أو العاملون لصالحهم، فهناك فرق بين كون التغيير مطلباً يُستدعى عند الحاجة إليه؛ لتحقيق مصلحة أو دفع مفسدة، وكونه مذهباً يستعمل في كل آن، ويستدعى في كل حين ولكل قضية. ٤- إن دعوات التغيير المصوبة نحو القضايا الثقافية والمناهج التعليمية والدينية والمسائل الشرعية؛ أسهل تناولاً وأخف تبعة، فهي الجدار القصير الذي يمكن لكل أحد أن يتسلقه، والملاحظ أن دعاة التغيير لا يذكرون شيئاً عن الأمور الأكثر سخونة والأشد عمقاً، والأقوى تأثيراً، فمناهج التعليم تخرج الإنسان الصالح والمؤمن التقي، والفاسد الشقي، كل حسب فهمه ومقدار أخذه وقناعته، ولكن المظالم العامة والانتهاكات للحقوق، والطبقية المناطقية، والعنصرية القبلية، والأسرية والفئوية، والرشوة والفساد، والواسطة وإضاعة الحقوق والمماطلة والاحتكار، والطبقية المالية المتباينة، والربا وأشباهها لا يذكرها دعاة التغيير؛ مع أنها هي التي تدمر البلاد وتفسد العباد، وتوجد البغض والشنآن بين الراعي والرعية، وبين الرعية نفسها، وفي ذلك نصوص صريحة من كلام ربنا تعالى، وكلام نبينا محمد ﷺ ، ومن تجارب الأمم والشعوب والدول. في حين أن المناهج (المستهدفة بالتغيير في بعض دول الخليج مثلاً) ، وهي مناهج في جملتها مستندة إلى الإسلام عقيدة وشريعة ونظام حياة؛ تعد من الضمانات الكبرى للاتحاد والائتلاف. ٥- إن كل صاحب رأي ثاقب وعلم واسع وإطلاع جيد على نصوص الكتاب والسنة، والأخبار والحوادث التاريخية؛ يجد أن كل غاز يتخذ ما يشاء من ذرائع للاحتلال والعدوان، فها هو العراق لم يكن لديه أسلحة دمار شامل، وها هي سوريا لا توجد فيها مناهج تعليم ترتكز على قضايا الكفر والإيمان، وعقيدة الولاء والبراء التي يسميها بعض الجاهلين الانفصال عن الآخر. وها هي إندونيسيا لا يوجد فيها شيء من هذا، وها هو المغرب كذلك. بل كل هذه البلدان غيرت وجهة الثقافة والتعليم من سيمائه الإسلامية ومعاقده الاعتقادية؛ ليكون أشبه بالتعليم الغربي، وأخرجت المرأة من عرشها المصون، وحصنها المنيع ومكانتها الراقية؛ لتتشبه بالغربية في العمل والاختلاط والسفر والسهر والرياضة واللعب، ومع ذلك احتُلت العراق، وسوريا تحت مطرقة التهديد، وفصلت تيمور عن إندونيسيا، والصحراء المغربية ما زالت شوكة في حلق أهل المغرب؛ إضافة إلى سبتة ومليلية. ٦- التغيير الثقافي والفكري بالطريقة الأمريكية يستهدف إيجاد «غلام أحمد ميرزا القادياني» ، ومفتي الهند في عهد الاستعمار «إسماعيل بن الوجيه المراد أبادي» المشهور باللندني، نسبة إلى لندن التي عاش فيها وتزوج فيها، وكان يقال له لماذا لا تحج فيقول: «أنا لا أعتقد في الجدران» ، فجعلوه مفتياً بدل عالم السنة والحديث الشيخ «إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي» . وإيجاد أبي مازن محمود عباس ميرزا البهائي، والذي رضيت عنه كل القوى اليهودية والأمريكية والبريطانية ليكون المسؤول الأول في فلسطين هو أحد الأدلة الصارخة على نوعية التغيير. ويمكن النظر بعين البصيرة إلى موقف أمريكا من جامعة الإيمان في صنعاء، حيث الحرب الموجهة ضدها والتأليب المستمر، سواء من أمريكا مباشرة أو من خلال وكلائها في اليمن، ثم التأمل في الصور المعاكسة في الموقف من جامعة الأحقاف، ودار المصطفى في تريم، والتي تدرس عدداً كبيراً من الطلاب يفوق عدد طلاب جامعة الإيمان؛ فلماذا السكوت عن هذه، بل والتأييد لها والدعم، والمحاربة لتلك، والتهديد، وتسفير الطلاب، وإلغاء المنح؟! إنها الخطة القديمة الحديثة: كل ما يخدر الأمة بحفلات وأعياد، وغناء ورقص، وينقض معاني النخوة فيها، ويجمد دماء الحمية الإيمانية في عروقها، ويمرغها في أتربة المقابر وعتبات الأولياء، ويعلقها في السبح والعمائم والخرق والتمائم، فهو مطلوب مرغوب محبوب؛ لأنه معتدل وعصري وسلمي ومتحضر وعولمي ومفكر وعميق ومنفتح ومتفاهم؛ لأنه باختصار غير خطير على الأمريكان والأنجليز! أما من يقول لي حريتي وأصولي ومعتقداتي وشريعتي ونظام حياتي، ولي جذوري الممتدة إلى عصر النبوة، ولي نصوص الوحي المعصوم، ومنهجي الاتباع لا الابتداع، وطريقتي الدين بشموله وكماله وتمامه؛ فهو لا شك متطرف وأصولي، ومتعصب وخطر على السلم العالمي! ٧- التغيير بالصيغة الأمريكية والعلمانية عملية شاملة بل (مذهب) متبع، ودعاة التغيير المتناغمون مع الطرح الأمريكي معروفون، ليس فيهم من يوثق بعلمه الشرعي، ولا حميته الإيمانية، ولا الفهم الجيد ولا العلم الصحيح ولا الإدراك المتكامل، بل فيهم من أهل الأهواء والأمراض الفكرية ما يستوجب الحَجْر عليه حتى الشفاء من دائه، وإن شئت فراجع مقال «سليمان النقيدان» عن (وهم الخصوصية الثقافية والمكانية) ، ومحاضرة «تركي الحمد» عن (خصوصيتنا والعولمة) ، ونحو ذلك من أقوال ومواقف صادرة من طائفة مغموصة بالأهواء؛ مغموسة بالإشكالات الفكرية والعملية، منتسبة إلى البلدان الإسلامية اسماً ورسماً، وللغرب حقيقة ومضموناً. ٨- عملية التغيير التي تدعو إليها شرائح الاستعارة الفكرية، عملية خطيرة ذات أبعاد شمولية متكاملة - وفق التصورات الأمريكية وليس وفق شروط محلية أو وطنية ولا دينية - هذه العملية قد تتم - إلا أن يشاء الله - ربما بصورة متدرجة، وسينال الوضع الديني والتعليمي والخيري والمرأة أكبر النصيب في البداية، ثم إن تواصلت - في ظل سكوت أهل الحق والغيرة على الأمة ومصالحها ومقوماتها - فستصل إلى التخوم الخطيرة، المستهدفة أصلاً، وسينتج عن ذلك من الصراع الاجتماعي والثقافي وربما المادي ما لا يعلم مداه إلا الله، فهذه طبيعة التغييرات العصرانية والعلمانية التي تمت في بلدان عديدة من بلاد المسلمين، وما زال الجميع يكتوي بنيرانها إلى اليوم، بل أصبح من يدعو للتدين ولو بصيغه الوعظية، في مقام المتهم والممنوع، ولا تخفى على الجميع قصة عمرو خالد في مصر، وحجاب مروة في تركيا، والمداومة على الصلاة في المسجد في تونس، وهي أمثلة معدودة من ديوان المأساة العلماني المليء بالمآسي والقهر والظلم والعدوان. وبناءً على هذا يرى أهل العلم والإيمان أن الدخول في هذا المعترك الذي أقل ما يقال فيه أنه ملتبس وغامض ينطوي على أمور مشبوهة في منطلقاتها ومآلاتها، وهم يعارضون دعوات التغيير الأمريكي ومعهم حجج قوية، وشواهد صارخة، وبراهين واضحة، ويمكن للمنصف حتى وإن خالفهم أن يتفهم موقفهم هذا وأن يقدره، فهؤلاء الدعاة والعلماء والمثقفون المسلمون أصدق مواقف، وأكثر انتماءً للأمة وفيهم علماء الشريعة، وأهل الفتوى، وأرباب الدعوة وأهل الصلاح، وهم الأقدر على تقدير مصلحة الأمة من أولئك الذين قام بهم سوق المزايدة، وراجت بهم بضاعة المناكدة، وغرقوا في الوهم واللبس والوهن والخور. ٩- ومع ذلك فهذا الصنف لا يعارض التغيير الإيجابي النافع؛ لأنهم يرون أنه لا يعارض (التغيير) الإصلاحي إلا جامد، ولا يقاومه إلا يابس أو يائس، أو مستفيد من الأوضاع الفاسدة، أو خائف من نتائج الإصلاح الحقيقي، والمراد هنا الإصلاح القائم على شروط الأمة وخصائصها ومقوماتها، والمتجه نحو مصالحها الحقيقية حالاً ومآلاً، وليس (مذهب التغيير) الذي يملى علينا ليتم وفق المصلحة الأمريكية، كما يمارسه الحاقدون على الثقافة الإسلامية وأدبياتها المسلكية المعبرة عنها؛ كالأنشطة الإسلامية في المدارس، والتسجيلات الإسلامية، والمنابر الدعوية، والمدرسين الدعاة، والأنشطة غير المنهجية في المدارس. والكارهون لحجاب المرأة وعفتها وصيانتها ومكانتها. ١٠- أختم هنا بذكر نموذج التغيير التي تطلبه أمريكا وترغب فيه، بل وربما تلزم به، وذلك ما جاء في تقرير لجنة أمريكية درست مناهج المدارس السعودية. وفحصت ٩٣ كتاباً، وكتبت عنه تقريراً مفصلاً للإدارة الأمريكية، ونشرت مجلة المجلة مقتطفات منه في ٥/١/١٤٢٤هـ. ومن هذه الفقرات: (أن التعليم السعودي يقوم على الإسلام، والدراسات الإسلامية تشكل جزءاً رئيساً في هذه المقررات حتى الكتب العلمية تشير إلى الإسلام) . (السعوديون يقولون إن الإسلام هو أساس الدولة والمجتمع والقضاء والتعليم والحياة اليومية) . (يصفون المسيحيين واليهود بأنهم كفار وأنهم أعداء الإسلام) . وينتقد التقرير بعض نصوص المناهج منها: (الله أرسل التوراة إلى موسى ﵇، والمسيح ابن مريم هو عيسى ﵇، ويُعرف بأمه؛ لأن الله خلقه ولا أب له) . (التلميذ حاتم يتمنى أن يعطيه الله الشجاعة والإيمان ليكون مجاهداً في سبيل الله؛ مثل سعد بن أبي وقاص) . (المناهج المدرسية السعودية لا تعترف بأي حق لليهود في فلسطين وأرض إسرائيل) . (المناهج المدرسية السعودية تقدم قضية فلسطين بأنها احتلها اليهود الأجانب) . (ترفض المناهج إلغاء الجهاد كما يدعو لذلك بعض المسلمين مثل الطريقة القادرية) . (المناهج التعليمية تعارض الديمقراطية الغربية) . (في المناهج السعودية تركيز على فصل النساء عن الرجال وحجاب المرأة) ، (هناك آيات قرآنية كثيرة عن حجاب المرأة وأهمية الالتزام به، وما تقوم به بعض النساء من كشف أجسامهن لرجال غرباء هو ذنب كبير) . (حديث نبوي أثار كثيراً من النقاش عن اليهود، ويقول: لن يأتي يوم القيامة حتى يقاتل المسلمون اليهود ... حتى يختفي وراء شجرة أو حجر) . هذه بعض معالم التغيير (الأمريكي) المنهجي والشرعي والتعليمي والاجتماعي الذي يصب لصالح اليهود أولاً وأخيراً، ولن يكون هو نهاية المطالب، ولا غاية الرضا عند هؤلاء وأولئك، فحتى لو أُعطوا ما يطلبون فلن يرضوا ولن يقبلوا؛ لأنه لا حد للجشع اليهودي ولا سقف للمطالب الصليبية، وصدق العليم الخبير: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ] (البقرة: ١٢٠) ، ولكن مما يؤسف له أن عدداً من النخب الثقافية والإدارية لديها الاستعداد خوفاً أو طمعاً لقبول خطة التغيير كاملة أو مجزأة، وهناك من يطالب بالإسراع في ذلك تحت حجة أن لنا في اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية قدوة، وهؤلاء هم التفسير الواقعي لقول الله تعالى: [فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ] (المائدة: ٥٢) . ومع ذلك فلن تزيد هذه المطالب الأمة إلا قوة في دينها، ومعرفة أكثر بعدوِّها، ويقيناً بوعد الله لها، [لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ] (آل عمران: ١١١) . [لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ] (آل عمران: ١٨٦) .

стр. 4607

ملفات التغيير القادم إعادة صياغة الشرق الأوسط في المنظور الأمريكي لواء أح. دكتور / زكريا حسين [*] طُرحت فكرة تأمين منابع النفط في الخليج العربي باستخدام القوات المسلحة الأمريكية؛ في أعقاب الاستخدام السياسي للنفط في حرب أكتوبر ١٩٧٣م.. حيث كان من الطبيعي أن تُتخذ الإجراءات المضادة لمنع تكرار هذه الاستراتيجية، حتى أودى الأمر إلى استخدام القوة المسلحة الأمريكية لغزو منابع النفط، وقد تبلور ذلك الاتجاه من خلال دراسة أعدتها لجنة العلاقات الدولية في مجلس النواب الأمريكي في ٥/٨/١٩٧٥م، والتي بحثت ولأول مرة احتمال القيام بعمل عسكري ضد دول منتجة للنفط عند محاولتها فرض حظر نفطي.. وقد طرحت هذه الدراسة، والتي أعدتها هذه اللجنة التي شُكّلت برئاسة (توماس مرجان) ، العديد من الخيارات المتاحة أمام السياسة الأمريكية في حالة نشوب مثل هذه الأزمة.. وقد تمحور الهدف الاستراتيجي لاستخدام القوة المسلحة الأمريكية بعد دراسة العديد من الاختيارات ليكون (القيام بعملية عسكرية للاستيلاء على منطقة حقول النفط الرئيسية الواقعة بالمنطقة الشرقية الممتدة بمحاذاة الخليج الفارسي، وتأمين تدفق أهم حقول النفط في الخليج والتسهيلات المصاحبة لها، والاحتفاظ بها أو السيطرة غير المباشرة عليها) . وعلى ضوء ذلك؛ فقد تمحورت المهام العسكرية التي يمكن أن تُكلف بها قوات الغزو لتأمين مصادر النفط بالاستيلاء على عدد كافٍ من الحقول والمنشئات النفطية في حالة سليمة تماماً، مع الاستعداد لتأمينها لفترة طويلة نسبيّاً، وأن تكون مجهزة بعناصر الإصلاح المتخصصة، والمعدات اللازمة لإصلاح الموجودات والممتلكات التي تكون قد تعرضت للدمار بسرعة كبيرة.. مع قيامها باتخاذ الإجراءات اللازمة لتشغيل المنشئات النفطية التي قد تتعرض للدمار دون مساعدة من «دول أوروبية» ، مع قيامها بتنظيم المرور الآمن للإمدادات والمنتجات النفطية فيما وراء البحار. وفي ٢٣/١/١٩٨٠م أعلن الرئيس الأمريكي «جيمي كارتر» في خطاب له أمام الكونجرس الأمريكي عن نظرية أمن صريحة لمنطقة الخليج، عُرفت «بمبدأ كارتر» ، والذي انطوى على شقين: أحدهما: شق سياسي، وقال فيه: (إن أي محاولة من جانب أي قوى للحصول على مركز مسيطر في منطقة الخليج؛ سوف تعتبر في نظر الولايات المتحدة هجوماً على المصالح الحيوية بالنسبة لها، وسوف يتم رده بكل الوسائل بما فيها القوة المسلحة) . أما الشق الثاني في نظرية الأمن الأمريكية في الخليج: فهي تكملة للإعلان السياسي، وقد تمثلت في إنشاء (قوة الانتشار السريع) ؛ من خلال تقرير قدمته وزارة الدفاع الأمريكية عام ١٩٨٨م إلى لجنة القوات المسلحة في الكونجرس، والذي على أساسه اُعْتُمِدت ميزانية هذه القوة لتلك السنة. وقد تضمن القرار الأمريكي بإنشاء قوة تدخل سريع أمريكية تتمركز في الولايات المتحدة، وتكون جاهزة لكي تُحْمَل جواً وبحراً إلى منطقة الخليج عند ذي طارئ، وقد أُطلق على هذه القوة «قيادة المنطقة المركزية» ، وقد تم التخطيط الاستراتيجي لاستخدامها لتأمين منابع النفط في الخليج، كما تولى قيادتها الجنرال «شوارسكوف» الذي كُلف بقيادة قوات التحالف الأمريكي عند قيام العراق بغزو دولة الكويت، وهو الغزو الذي أعطى الدوافع والمسوِّغات اللازمة لتحرك هذه القوات، وتنفيذ مهامها المخططة في الخليج. وهكذا استقرت القوات الأمريكية في منطقة الخليج تنفيذاً لمخططاتها التي كانت تحلم بتنفيذها منذ يناير ١٩٧٥م، وجاءت إلى الخليج لمواجهة طموحات ونزوات الرئيس العراقي «صدام حسين» ، وبمباركة ومساندة معظم دول العالم، وبدأت سلسلة التداعيات العربية كلها؛ من إهدار الثروات والقدرات اقتصادية منها وعسكرية، إلى حالة من التفكك والتمزق لم تشهد لها المنطقة العربية مثيلاً في تاريخها المعاصر. * إدارة مجموعة «المحافظون الجدد» والتغيير القادم: لقد قلبت مجموعة «المحافظون الجدد» من الحزب الجمهوري أو التي تسمى «مجموعة الصقور» منذ عام ١٩٩٢م ما أطلق عليه «دليل التخطيط الاستراتيجي» للولايات المتحدة، والذي انتهى إلى صياغة مجموعة مبادئ: أولها: ضمانات عدم قيام قوة عظمى منافسة للولايات المتحدة الأمريكية. ثانيها: أن تمتلك الولايات المتحدة الوسائل اللازمة لمنع أي دولة منافسة من التطلع إلى دور دولي أو إقليمي، مع اعتبار أن الصين وروسيا تمثلان الخطر المحتمل. وثالثها: منع انتشار أسلحة الدمار الشامل في دول مثل العراق، وكوريا الشمالية، وإيران؛ حتى لو أدى الأمر إلى استخدام القوة المسلحة لمواجهة ذلك الخطر. وقد نشرت مجلة «ليمبس» الإيطالية ربع السنوية المتخصصة في الدراسات الاستراتيجية والسياسات الدولية عدة تقارير حول الحرب الأمريكية على العراق، والسيناريوهات والنتائج المحتملة التي ستعود على المنطقة العربية والقضية الفلسطينية فيما بعد نهاية هذه الحرب، وقد ألقى التقرير الضوء على المتغيرات التي حدثت في السياسة الأمريكية بعد أحداث ١١/٩/٢٠٠١م؛ وفقاً لمذهب الأمن القومي الجديد الذي يؤكد «أن الولايات المتحدة تحتل موقعاً غير مسبوق للقوة العسكرية، وتتمتع بنفوذ اقتصادي وسياسي كبير.. ومن ثم فإن أمن الولايات المتحدة يكفله عالم أفضل مكوَّن من ولايات متحدة كثيرة، جميعها صغيرة وغير قوية، ولكنها مُشَكَّلة على الطراز الأمريكي أيضاً.. وهو ما يعني أنه من الممكن صنع» عالم جديد «من خلال الحرب العالمية المعلنة ضد الإرهاب، والتي ليست لها مدة محددة، وبدونها لن تنفع فكرة إقامة» إمبراطورية الخير « التي تقوم على تصدير القيم الأمريكية» الحرية، والديمقراطية، والسوق الحرة «، وتطبيقها على القارات الخمس. وعن التغيير القادم في الشرق الأوسط جاء في تقرير آخر:» إن الولايات المتحدة كانت توافق وتساير عدم النظام في منطقة الشرق الأوسط، وكان اهتمامها الأول والأخير ينصبُّ على النفط وأمن إسرائيل فقط.. على اعتبار أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لم يكن يهدد التوازنات الاستراتيجية، بل إن عدم الاستقرار كان يخدم الولايات المتحدة لتجعل الجميع تحت سطوتها؛ في منطقة من أجدب مناطق العالم التي يتعذر حكمها والسيطرة عليها، إلى أن فوجئت الولايات المتحدة بهجوم «تنظيم القاعدة» ، وظهر تهديد المصالح الأمريكية الذي جسده «أسامة بن لادن» ومن معه من الذين شاركوا في عمليات مركز التجارة والبنتاجون؛ الأمر الذي جعل الولايات تقتنع بأنها لا يمكن أن تتساهل مع الشرق الأوسط الذي يتنامى في مشاعر شعوبه معاداة الولايات المتحدة الأمريكية، فضلاً عن التهديدات التي تحدق بإسرائيل ومنابع النفط، والذي ليس للولايات المتحدة فيه - باستثناء إسرائيل - أي حليف مؤتمن، بل ومن المحتمل أن ينطلق منه في المستقبل هجوم بأسلحة غير تقليدية ضد الولايات المتحدة «. هذا وقد قرر الرئيس الأمريكي» جورج دبليو بوش «أن تبدأ إعادة تشكيل الشرق الأوسط بغزو جمهورية العراق وإزاحة حكم الرئيس» صدام حسين «؛ باعتبار أن رحيله لن يمكّنه من الحصول على مزيد من أسلحة الدمار الشامل وعلى رأسها القنبلة النووية!! كما يضمن عدم تمكنه من السيطرة على منابع النفط، بل وأيضاً لكي يصبح نقطة الانطلاق للحملة التي تستهدف ما أُطلق عليه (إدخال الديمقراطية إلى الشرق الأوسط من البحر الأحمر حتى الخليج) ؛ أي عملية ضم المسلمين إلى إمبراطورية الخير التي ستبدأ من العراق. ولم تعنّ حتى الآن رؤية استراتيجية واضحة المعالم للخريطة القادمة؛ حيث ما زال المشروع الجيواستراتيجي قيد التطوير وخاصةً أن القوة العسكرية لن تكفي لإقامتها، وعلى الأرجح فإن الإدارة الأمريكية قد عزمت أمرها على تنفيذ مشروعها على مراحل، تكون مرحلته الأولى هي الإطاحة بنظام الرئيس (صدام حسين) ، ثم نزع أسلحته وإقامة حكومة صديقة في بغداد، وهو ما تم وجاري تنفيذه في المنظور القريب، ثم يأتي بعد ذلك دور الأنظمة غير الموثوق بها والمارقة بعد ذلك واحداً تلو الآخر، ولعل ما نشهده من تهديدات ولغة تحذير حاسمة لكل من سوريا ولبنان من جهة والجمهورية الإيرانية في جهة أخرى؛ تشير إلى جدية تنفيذ المراحل التالية من المشروع الواسع للتغيير القادم في منطقة الشرق الأوسط. ومن هنا، وطبقاً للتقديرات الأمريكية، فإن الغزو العسكري الأمريكي للعراق يتصدر أهدافه: خلخلة المنطقة وإعادة رسم خريطتها السياسية الإقليمية بما يخدم الهدف الإسرائيلي؛ بتسوية الأرض عسكريّاً وسياسيّاً ونفسيّاً للتهيئة لواقع عربي مخلخل يسهل تقبله للضغوط؛ من أجل حمل النزاع العربي الإسرائيلي وفقاً للرؤية الإسرائيلية، كما أن غزو العراق يُعد هدفاً سهلاً وهشاً سياسيّاً ينطلق منه باقي مراحل المشروع الأمريكي لهز المنطقة كلها بإقامة نظام حكم مختلف. * اتجاهات التغيير القادم: لعل قراءة الهدف الحقيقي» وغير المعلن «من عملية الغزو الأمريكي للعراق؛ تقودنا إلى اتجاهات التغيير القادم، والذي يعني» الأهمية المطلقة لإزاحة النظام العراقي باعتباره الخطوة الأولى على طريق إحداث تغيير شامل في الشرق الأوسط؛ مما يعني إسقاط حكومات، وتقسيم دول، وتغيير ملامح الخريطة السياسية في المنطقة لفرض نظام شرق أوسطي جديد خاضع للإدارة الأمريكية من جهة، وتؤدي فيه إسرائيل وتركيا دوراً محوريّاً من جهة أخرى «. هذا وتسير اتجاهات التغيير في إطار هذا الهدف في عدة اتجاهات: لعل أولها: سرعة تحويل العراق إلى (مستعمرة أمريكية) ، حيث إن السيطرة الأمريكية على إمدادات النفط وأسعاره، وإعادة نظام إدارته دوليّاً تعدُّ من أهم أبعاد استراتيجية (عراق ما بعد صدام حسين) ؛ حيث إن ذلك يوفر للولايات المتحدة الأمريكية التحكم في تطلع الصين لأن تكون المنافس الاقتصادي لها؛ بعد أن قفزت معدلات التنمية فيها إلى معدلات التنمية الاقتصادية العالمية بالقدر الذي يرشحها لأن تكون إحدى القوى المنافسة فوق قمة العالم سياسيّاً.. وأن معدل استمرار التنمية في الصين بمعدلها الحالي قد يجعل منها القوة الاقتصادية الثانية على العالم بعد عشر سنوات قادمة، ومن ثم يكون لها القدرة على أن تكون منافساً للولايات المتحدة خاصة في المجال الحيوي الإقليمي لها في آسيا، وإحدى ضمانات ذلك التفوق المتنامي هو اعتمادها على نفط الخليج الذي يعطي ٨٠% من احتياجاتها، ومن ثم فإن سيطرة الولايات المتحدة عليه تعدُّ الضمان الوحيد لعدم استمرار التنمية بنفس معدلاتها. من هنا، ومن خلال تأييد الاستراتيجية الأمريكية الجديدة المعلنة، والتي تضع على قمة أولوياتها عدم السماح لأي قوة دولية بأن تكون منافسة للولايات المتحدة.. ولما كانت الصين التي طُرحت أكثر من مرة بوصفها عدواً محتملاً تندفع بقوة اقتصادية إلى وضع منافس للولايات المتحدة معتمدة على طاقة انطلاقها على نفط الخليج؛ فإن إعادة تشكيل خريطة النظام النفطي يمكن أن يضع في يد الولايات المتحدة قوة ضغط على الصين لم تكن في يدها من قبل.. ومن منطلق أن المنطقة العربية بما تملكه من ثروات نفطية ميدان لتحريك تيار التقييد الإقليمي في العالم، وبصفة خاصة (خريطة النظام النفطي) . وقد طرحت الإدارة الأمريكية مخططاتها لإدارة النفط العراقي في مرحلة ما بعد (صدام حسين) ؛ حيث أعد مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي بالتعاون مع مؤسسة» جيمس بيكر «وزير الخارجية الأمريكي السابق في جامعة رايز؛ دراسة لحساب الإدارة الأمريكية حول كيفية التعامل مع النفط العراقي بعد الحرب، وتدعو هذه الدارسة التي تبنتها إدارة الرئيس بوش إلى إقامة حكومة محلية تحل محل الحكومة العراقية التي تمت إزاحتها بالقوة عن السلطة، وأن تقوم هذه الحكومة الجديدة بإلغاء جميع العقود النفطية السابق إبرامها مع كل من فرنسا والصين وروسيا، وأن تبدأ استثمارات جديدة مع الولايات المتحدة وبريطانيا.. وقد قدرت الإدارة الأمريكية أن عراق ما بعد» صدام حسين «يلزم إعادة بنيته التحتية اقتصاديّاً واجتماعيّاً؛ وتسديد ديون بنحو» مائة مليار دولار «إلى جانب صرف تعويضات حرب كل من إيران والكويت؛ مما يعني بالضرورة زيادة كميات إنتاجه النفطي من ٢.٥ مليون برميل يوميّاً إلى ستة ملايين برميل يوميّاً، ومن ثم فإن الزيادة المتوقعة والناتجة عن الإدارة الأمريكية للنفط تعني تجاوز السقف الحالي الذي حددته» منظمة الأوبك «، كما تعني إغراق السوق العالمية للنفط؛ مما قد يهبط بسعره إلى مستويات لا سابق لها، وما ينتج عن ذلك من انفراط عقد (منظمة الأوبك) ، وتراجع عائدات الدول المنتجة للنفط؛ إلى حد تعرضها للعجز المالي الشديد. كما ينتظر أن تتحول العراق إلى محطة وقود أمريكية، حيث تستهلك الولايات المتحدة ٢٠ مليون برميل يوميّاً من النفط؛ لا تنتج فيه سوى ثمانية ملايين برميل فقط!! ولعل قراءة مشروع القرار الأمريكي المقترح تقديمه لمجلس الأمن، والتي طالبت فيه برفع جميع العقوبات المفروضة ضد العراق بعد غزوه للكويت عام ١٩٩٠م - باستثناء حظر توريد السلاح -، مع منح الأمم المتحدة دوراً رمزيّاً وإشرافيّاً في العراق استجابة لمطالب المجتمع الدولي - لعل قراءة مسودة هذا المشروع توضح سعي الولايات المتحدة إلى السيطرة على عائدات النفط العراقي لمدة ٢٠ شهراً؛ تُمدد آليّاً (ما لم يقرر مجلس الأمن غير ذلك) ، حيث تتولى الولايات المتحدة وبريطانيا بوصفهما» سلطة الحكم «توزيع حصيلة مبيعات النفط العراقي على أوجه الاتفاق المقترحة بالتشاور مع الحكومة المؤقتة في العراق، وإلى أن يتم تشكيل حكومة عراقية!! أما ثاني اتجاهات التغيير: فهو ينطلق من اعتبار أن العالم العربي هو الميدان الذي اختارته الولايات المتحدة لتحقيقها نصراً سريعاً فيه من خلال غزو سهل للعراق الذي أنهكته العقوبات الاقتصادية والعسكرية على مدى اثني عشر عاماً، ولوجود (صدام حسين) على رأس النظام به، وهو لا يحظى بقبول عالمي واسع النطاق خاصة على مستوى الرأي العام الأمريكي، إضافة إلى معاونة العديد من دول المنطقة العربية في العمليات العسكرية؛ الأمر الذي أدى إلى سرعة انهيار، ليس فقط النظام العراقي، ولكن جميع السلطات التنفيذية والتشريعية والأمنية به؛ مما أدى إلى فوضى وتفش شامل لعمليات النهب والسرقة نتيجة الفراغ الذي حدث بصورة مفاجئة للسلطة!! وتستهدف الولايات المتحدة من خلال غزوها الناجح للعراق؛ أن يقوم العراق الجديد بدورين أساسيين في وقت واحد: أولهما: دور القوة المهيمنة التابعة للولايات المتحدة في الخليج لعزل القوة الإيرانية عن تفاعلات الشرق الأوسط.. وثانيهما: دور القوة الموحدة لإقليم» الهلال الخصيب «المُشَكَّلَة في العراق وسوريا ولبنان والأردن، وذلك لتأسيس مثلث تحالف استراتيجي يحكم الشرق الأوسط، يقوده العراق الجديد (قيادة الهلال الخصيب) وإسرائيل وتركيا.. وذلك بعد تصفية الوضع السوري واللبناني، وبذلك يمكن حسم مسألة الوحدة العربية، وعزل مصر عن الخليج والشرق العربي. هذا، ويتجه التغيير الثالث إلى إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي من خلال التوافق التام بين حكومة» إرييل شارون «وإدارة الرئيس» جورج دبليو بوش « في مجال الحرب على الإرهاب من ناحية، والحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط من ناحية أخرى، وذلك من خلال قيام الولايات المتحدة باعتبارها أحد أهم أعضاء اللجنة الأربعة، والتي تضم إلى جانبها روسيا والاتحاد الأوروبي والمنظمة الدولية، بعد التنسيق مع الحكومة الإسرائيلية بوضع الأمة العربية أمام أحد خيارين: إما خيار السلام.. وله ثلاثة متطلبات رئيسة: أولها: نبذ العنف وإيقاف الانتفاضة الفلسطينية، وإدانة العمليات الاستشهادية الموجهة ضد المدنيين بجميع أشكالها. وثانيها: تغيير القيادات الفلسطينية، خاصة شخص» ياسر عرفات «، وانتخاب قيادة جديدة قادرة على صياغة السلام ومتطلباته من وجهة النظر الأمريكية. وثالثها: القبول بقوة أمنية تحل محل الشرطة الفلسطينية التي أخفقت من وجهة النظر (الأمريكية - الإسرائيلية) في فرض الأمن، وإيقاف أعمال المقاومة للأجنحة العسكرية والنشطاء من المنظمات الفلسطينية خاصة» حماس، والجهاد «. وإما خيار المقاومة: وهذا يعني أن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها بكل الوسائل بما فيها استخدام القوة العسكرية، واجتياح أراضي الضفة الغربية وغزة.. ولها الحق في مطاردة واعتقال المشتبه فيهم والنشطاء من أفراد الشعب الفلسطيني.. بل وأيضاً تأمين حدودها المشتركة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وكل من مصر والأردن. هذا، ويسير طريق السلام وفق المنظور الأمريكي الإسرائيلي نحو إقامة دولة فلسطينية منقوصة السيادة على الضفة الغربية وقطاع غزة؛ في مقابل التنازل عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين، مع وجوب استضافة الدول العربية لهم، وأن تعمل على إدماجهم في مجتمعاتها، ومنحهم جواز سفر مزدوج» محلي وفلسطيني «، مع تيسير حصولهم على فرص عمل؛ حتى تكون للدول الناشئة عائدات كبيرة من مواطنيها المقيمين في الخارج. تلك هي أبرز اتجاهات التغيير القادم في منطقة الشرق الأوسط، والتي قد تمتد لتشمل إعادة ترتيب منطقة القرن الإفريقي بفصل الجنوب عن الشمال السوداني، وتعميق الخلافات بين إثيوبيا والسودان، وبين إثيوبيا وإريتريا، وبين الفصائل المتصارعة الصومالية من جانب آخر، مع تكثيف الوجود العسكري الأمريكي الإسرائيلي في مدخل البحر الأحمر في إطار المخطط الشامل للتغيير المنتظر!! وفي النهاية أقول: إنه إذا كان هذا العرض للتغيير القادم قد حمل الكثير من التشاؤم والرؤية المستقبلية القاتمة.. فإن ما دفعني لذلك هو تجسيم حقيقة الأخطار التي تُخطط للأمة العربية ومنطقة الشرق الأوسط، سواء على المدى القريب أو البعيد، وكلها تُعَبِّر عن أحلام وأطماع لاستنزاف الثروات، وتحقيق الهيمنة، وفرض الإرادة على الأمة، وإعادة صياغتها بالصورة التي تحقق تلك الأوهام والمصالح. ومهما كان ما يحمله ذلك التغيير من صدق في النيات، أو كان بهدف الردع والتخويف؛ فإن علينا أن نأخذ ذلك مأخذ الجد، وأن نعد أنفسنا للمواجهة، فقد ضاعت فلسطين عام ١٩٤٨م، وضاعت جمهورية العراق عام ٢٠٠٣م، وأصبح التغيير القادم لغة يتداولها كبار المسؤولين والحكام، وتتناولها أجهزة البحث العلمي بالتحليل والدراسة والتفسير!! إنَّ إدراكنا لهذه المخططات وهذه الأهداف؛ يؤكد الأهمية المطلقة لإعادة تقييم ما انتهى إليه حال الأمة العربية والإسلامية، وأن يكون الهدف المشترك هو: (كيف يمكن درء الأخطار، وحماية أمننا القومي مما يُخطط له؟) ، والبداية الحقيقية هي البحث عن الأسباب التي أدت إلى إهدار مصادر قوتنا، والعمل على استنفار هذه المصادر الكثيرة والمتعددة، السياسية منها والاقتصادية والعقائدية، وحتى العسكرية، وتوجيهها توجيهاً مخططاً ومنسقاً في إطار استراتيجية مشتركة تنفذ على مراحل، تبدأ في إطار الممكن وليس المستحيل، وتُبنى على واقعنا المعاصر بكل ما فيه من نقاط ضعف، وتسعى إلى تعظيم نقاط القوة وكل عناصر القدرة المتاحة للإعداد لمواجهة حقيقية وفاعلة وعملية لكل ما يُخطط لنا. ذلك هو الطريق الوحيد الذي يقف في وجه هذه الأحلام والأطماع!! وخاصة أن ما تتمتع به أمتنا من أوجه قوة وقدرة يرتعد منها هؤلاء الحالمون، وإدراكهم لعدم قدرتنا على حشد هذه القوى لمواجهتهم؛ هي التي دفعتهم إلى الإعلان عن تلك المخططات باسم» التغيير القادم «، والذي أخذ ويأخذ شعارات براقة باسم » الحرية، والديمقراطية «!! إن الحقيقة المؤكدة تشير إلى أن هناك تهديداً وأخطاراً قادمة تستهدف أمننا القومي، وأن الوقت قد حان لاتخاذ كل الخطوات الفاعلة لمواجهتها قبل فوات الأوان.

стр. 4608

ملفات التغيير القادم بعد أن ابتعلت أمريكا العراق، هل تستطيع هضمه ؟ خالد أبو الفتوح abulfutoh@hotmail.com * أضف إلى معلوماتك: - دخول جيوش وصفت مهمتها بأنها حملة صليبية إلى كابل يعني: تحرير أفغانستان. - اقتحام قوات أجنبية لأرض العراق وتوغلها فيه ورفع العلم الأمريكي في سمائه، يعني: تحرير الشعب العراقي. ليست هذه هي المعلومات الوحيدة التي أضافتها لنا حملات الفرنجة المعاصرة على عالمنا الإسلامي؛ فقد اكتشفنا في غمرة الأحداث أن أمريكا التي كنا نظنها أكبر دولة أقيمت على البراجماتية (النفعية) وأكبر قوة إمبريالية في التاريخ المعاصر، تلك الدولة التي علمتنا دوماً أن العلاقات بين الدول ينبغي أن تقوم على المصالح لا المبادئ، اكتشفنا أن هذه (الأمريكا) تنطوي على طاقة هائلة من الشهامة والنبل والرقة، حتى إنها بدافع هذه المثل ودفع هذه الطاقة تضطر إلى إرسال نحو ربع مليون جندي من أبنائها إلى أرض تبعد عن وطنهم أكثر من عشرة آلاف كيلو متراً، وتعريضهم لمخاطر الحروب وويلاتها، وإنفاق ثمانين مليار دولار دفعة أولى لتكاليف الحرب.. كل ذلك بدافع (الجنتلة) والشهامة لتحرير الشعب العراقي العزيز على قلب كل أمريكي من طغيان نظام صدام الشمولي المتسلط وقهره، ولحفظ بترول العراق لصالح رخاء ورفاهية هذا الشعب الحبيب.. * يا لقَهري!! رجل الشارع - بل رجل الحارة - يعلم أن نظام صدام لم يكن وحده النظام الشمولي القمعي في العالم ولا في المنطقة: فعلى مرمى حجر من شواطئ أمريكا الجنوبية يقع في كوبا (نظام كاسترو) الذي لا ينافسه على كأس الشمولية والتسلط عالمياً إلا نظام (الرئيس المحبوب) - رغم أنف كل كوري شمالي - كيم جونغ إيل، ولم تحرك أمريكا ساكناً تجاه هذا النظام أو ذاك رغم الاستفزازات العلنية لأمريكا التي مارسها نظام بيونج يانج في الفترة الأخيرة. نظام صدام حسين وصل إلى الحكم بطريقة (غير ديمقراطية) ، ولكنه ليس وحده المنعوت بهذه الصفة في المنطقة؛ فمعظم أنظمة المنطقة وصلت إلى الحكم إما بانقلابات (عسكرية أو أسرية) وإما بانتخابات لا يضاهيها في هشاشتها والتشكك في نتائجها إلا الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة، ومعظم هذه الأنظمة مستمرة ومستقرة في الحكم بمعادلات الحديد والنار ونظريات العصا والجزرة ... ولو ضلت بعض البوارج الحربية طريقها إلى رأس خليج البترول ورست عشوائياً في أحد موانئ ساحل الشمال الأفريقي المارة عليها لما كان هناك كبير فرق بين وجهتها وما رست عليه. أضف إلى ذلك: أن صدام حسين لم يُعط الفرصة المناسبة حتى يحقق لشعبه الديمقراطية التي تطلبها أمريكا الآن من أنظمة المنطقة، فهو لم يمكث في السلطة إلا ما يزيد بقليل عن نقطتين زمنيتين (باعتبار أن الوحدة الزمنية التي ارتضتها أمريكا لمكوث زعماء هذه المنطقة تحتسب بالعقد وليس بالسنة) وهي مدة غير كافية لتهيئة مثل هذه الشعوب لتقبل مثل هذه (المخترعات الحديثة) . وإذا كان نظام صدام البعثي العشائري المتسلط.... سبق له أن قمع بعض شعبه الثائر أو المتمرد عليه بالكيماوي (الأمريكي) ، فإن بجواره نظاماً بعثياً طائفياً متسلطاً آخر دك بعض شعبه بالطائرات المقاتلة والمدفعية الثقيلة في حماة سنة ١٩٨٢م، فقتل منهم ما شاء الله لا قوة إلا بالله من عشرين ألف إلى أربعين ألف مسلم، ناهيك عن (مذبحة تل الزعتر) بالتعاون مع المليشيات الصليبية اللبنانية عام ١٩٧٦م التي ذهب ضحيتها أكثر من ثلاثين ألف مسلم فلسطيني ولبناني، و (مذبحة حلب ١٩٨١م) ؛ و (مذبحة طرابلس ١٩٨٣م) .. ومع ذلك فإن الرقة والشهامة الأمريكية في سبات عميق؛ لأنها لم تكن تريد سورية وقتها، ولعلها تستيقظ (وتتذكر) هذه المآسي عندما يحين وقت تأجج المشاعر الأمريكية الفياضة تجاه الشعب السوري الذي سوف يكون وقتها عزيزاً! العراق لم يعتد على أي من طرفي التحالف، كما أنه لم يكن يمثل أي تهديد مباشر لأراضيهما؛ فمن المعلوم أن العراق بعد هزيمته في (أم المعارك) حظر عليه امتلاك أي صواريخ يتعدى مداها ١٥٠ كيلو متراً، وهذا يعني أن العراق إذا أراد أن يطلق أقوى صواريخه على أمريكا مثلاً فإن هذا الصاروخ بحاجة إلى التوقف (ترانزيت) في أكثر من ثلاثين محطة ليسقط في مياه الشواطئ الشرقية للمحيط الأطلنطي (بعيداً عن الجزيرة البريطانية) ، وعند حدوث ذلك يمكن لأمريكا الصراخ بأن صدام عكَّر عليها المياه التي سوف تصل إلى سواحلها بعد مسيرة ٤٥٠٠ كيلو متراً. وحتى إذا أخذنا في الاعتبار حرص أمريكا على ربيبتها المدللة (إسرائيل) فإن أقرب نقطة بين الحدود العراقية الغربية وحدود فلسطين الشرقية تعادل ضعف مدى أبعد صاروخ مسموح للعراق بامتلاكه، كما أنه من الثابت تاريخياً أن بوصلة هذا النظام كانت دائماً مصابة بانحراف حاد، جعلت طريقه إلى القدس يمر بطهران أو الكويت أو أي اتجاه آخر خلاف جهة الغرب! أما ما قيل عن أسلحة دمار شامل، فإن هذه الأقاويل تبقى مزاعم نفتها تقارير لجنة التفتيش الدولية برئاسة (هانز بليكس) و (محمد البرادعي) مقابل إثباتها لتلفيق تقارير أمريكية مزورة تدعي سعي العراق لامتلاك أسلحة دمار شامل.. وحتى كتابة هذه السطور لم يستطع الحليفان تدبير أدلة أكثر حبكة وغير مستبعد ولا مستصعب أن تلجأ إلى التدبير إذا لم تجد شيئاً لإثبات هذه المزاعم وإضفاء بعض المصداقية على مزاعمها ومسوغاتها لشن الحرب. ومن جهة أخرى فإن أمريكا إذا كان يؤرق ضميرها ومشاعرها وجود أسلحة دمار في المنطقة فإنه معلوم للجميع أن (إسرائيل) تعد مباءة لأسلحة الدمار الشامل بجميع أنواعها الذرية والكيماوية والبيولوجية، وهي كيان عدواني من أصحاب السوابق؛ حيث اعتدى بالاحتلال أو الإغارة على خمس دول على الأقل، كما أنه ما يزال يحتل أراضي غيره باعتراف الأمم المتحدة، فضلاً عن ممارساته العدوانية اليومية الهمجية ضد شعب محتل أعزل.. فلماذا إذن لم تستثر نوازع الشهامة والنبل والرقة إلا تجاه الشعب العراقي لتخليصه وحده دون سائر الشعوب المقهورة من طغيان نظام صدام حسين الجائر؟! * مخطط قديم: إن أي متابع لتحركات أمريكا وأهدافها في المنطقة يدرك بوضوح أن التفكير في غزو أمريكي عسكري والتمركز في هذه المنطقة لم يكن وليد اللحظة التي نعيشها، وأنه لا علاقة له بتسلط صدام حسين ونظامه ولا حتى بوصول بوش الابن إلى سدة الرئاسة الأمريكية، صحيح أن وجودهما ساعدا على إخراج هذا السيناريو بهذه الصورة وفي هذا الظرف، ولكنهما لم يكونا السببين الحقيقيين في الرغبة الأمريكية في التمركز في المنطقة بهذا الشكل المباشر؛ فهناك مصالح أمريكية استراتيجية، واتجاه توسعي إمبريالي أنبت هذا المخطط في أركان البيت الأبيض بغض النظر عمن يجلس فيه وعن الصورة التي كان سينفذ بها هذا المخطط. وإذا تحدثنا عن هذا المخطط من منظور الدوافع الاقتصادية وخاصة النفطية مع عدم تقليلنا من أهمية الدوافع الأخرى لهذا الاستهداف، فإنه يتضح أن هناك ثلاث محطات رئيسية في هذا المخطط قبل أن يصل إلى هذا المشهد الذي نعيشه: المحطة الأولى، إبان حرب ١٩٧٣م: وذلك حين اجتمع وزراء البترول العرب في دولة الكويت في ١٧/١٠/١٩٧٣م بعد بداية الحرب مع (إسرائيل) ، وتم الاتفاق بينهم على تخفيض الإنتاج الكلي للبترول العربي بنسبة ٥% فوراً، مع زيادة التخفيض بنسبة ٥% شهريّاً حتى تنسحب (إسرائيل) إلى خطوط ما قبل ٤ يونيو ١٩٦٧م. هذا إضافة إلى قرار ست دول بترولية برفع سعرها بنسبة ٧٠%، كما قررت بعض الدول العربية حظر تصدير البترول كلية إلى الدول التي يثبت تأييدها لإسرائيل بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية. فقد كان هذا القرار بمثابة الإنذار الأول بأن في استطاعة العرب والمسلمين (خنق) أمريكا وأوروبا وهدم اقتصادها ونمط الحياة فيها متى أرادوا ذلك.. وعلى الفور انتبهت أمريكا إلى ذلك، ويذكر اللواء الدكتور زكريا حسين أستاذ الدراسات الاستراتيجية المدير السابق لأكاديمية ناصر العسكرية العليا [*] ، أن دراسات ووثائق أعدتها مكتبة الكونجرس الأمريكي، إضافة إلى تقارير أعدتها وزارة الدفاع الأمريكية عن المحاولات الأمريكية السابقة لغزو الخليج العربي، نشرها الدكتور «أنتوني كوردسمان» كاملة في كتابه «الخليج والغرب» الذي صدر في لندن مع مطلع الألفية الجديدة.. كان منها دراسة قام بها «توماس مورجان» الذي عُيِّن على رأس لجنة فرعية لدراسة احتمال القيام بعمل عسكري ضد دول منتجة للنفط في حالة فرضها حظراً نفطيّاً، وتقييم الخيارات المتاحة أمام السياسة الأمريكية في حال نشوب مثل هذه الأزمة، وقد قدمت الدراسة إلى لجنة العلاقات الدولية في مجلس النواب الأمريكي في ٥/٨/١٩٧٥م. ومن أهم ما يثير الدهشة عند استقراء هذه الوثائق لمكتبة الكونجرس، أن رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية قد ساهموا بحماس شديد في وضع هذه الاستراتيجية موضع التنفيذ؛ فقد قام الرئيس الأمريكي «جيمي كارتر» بوضع نواة وهيكل بناء قوة الانتشار السريع الأمريكية اللازمة لوضع هذه الاستراتيجية موضع التنفيذ، وساهم الرئيس الأمريكي «رونالد ريجان» بالجزء الأكبر من بنائها والتخطيط لاستخدامها، ثم قام الرئيس «جورج بوش» الأب بالاستخدام الاستراتيجي المخطط لها في عمليات الحشد العسكري في الخليج. ولعل نشر التقرير السنوي لوزارة الدفاع الأمريكية عن السنة المالية ١٩٧٦م والذي قدمه «جيمس شليزنجر» وزير الدفاع الأمريكي في ذلك الوقت يُعَدُّ من أخطر الوثائق التي توضح تفصيلاً الاستراتيجية العسكرية الأمريكية لتأمين منابع النفط الخليجية. وفى دراسة نشرتها مجلة «فورتشون» الأمريكية في مايو ١٩٧٩م بعنوان (التدخل العسكري في منابع النفط) جاء فيها: «لقد أوضح كل من براون (وزير الدفاع) وبريجنسكي (مساعد الرئيس كارتر لشؤون الأمن القومي) مؤخراً أن الولايات المتحدة ستتخذ خطوات بينها استخدام القوات العسكرية الأمريكية لحماية مصالحنا في (الخليج) » . وذكرت مجلة «شؤون فلسطينية» العدد ١١٢، مارس ١٩٨١م عن الدراسة نفسها أنه جاء فيها أنه من بداية السبعينيات وبخاصة بعد حرب رمضان «بدأت المصادر العسكرية الأمريكية تتحدث بوضوح عن أنه إذا تعاظم اعتمادنا على النفط الخارجي أو تدهورت سيطرتنا في السياسة الخارجية والنفوذ الدولي فإن البديل قد يكون إرسال حملة عسكرية إلى الشرق الأوسط تجعل فيتنام تبدو بالمقارنة كنزهة» . ويقول الرئيس نيكسون في مذكراته التي كتبها سنة ١٩٨٣م: «أصبحت الآن مسألة من يسيطر على ما في الخليج العربي والشرق الأوسط تشكل مفتاحاً للسيطرة على ما في العالم» ، ويقول في موضع آخر: «.. وينبغي علينا أن نكون على استعداد وراغبين في اتخاذ أي إجراءات بما في ذلك الوجود العسكري من شأنها أن تحمي مصالحنا» . وفي هذا السياق يذكر أيضاً أنه عقب الثورة الإيرانية التي أطاحت بالشاه زادت المخاوف الأمريكية من التهديد الإيراني (للخليج) ، الأمر الذي دفع الرئيس الأمريكي جيمي كارتر للإعلان في ٢٣/١/١٩٨٠م في خطاب له أمام الكونجرس الأمريكي عن نظرية أمن صريحة بالنسبة لمنطقة الخليج تضع كافة الدراسات والوثائق والمناقشات التي تمت سواء في لجنة العلاقات الدولية في مجلس النواب الأمريكي، أو في جلسات الاستماع للجنة الفرعية للسياسة الاقتصادية الخارجية التابعة للجنة الشؤون الخارجية بنفس المجلس موضع التنفيذ؛ وهو ما عرف بمبدأ كارتر، الذي ينطوي على شقين: أحدهما: شق سياسي، أعلنه الرئيس كارتر رسميّاً؛ فقال: «إن أي محاولة من جانب أي قوى للحصول على مركز مسيطر في منطقة الخليج سوف تعتبر في نظر الولايات المتحدة هجوماً على المصالح الحيوية بالنسبة لها، وسوف يتم رده بكل الوسائل بما فيه القوة المسلحة» . أما الشق الثاني: فهو تكملة عسكرية للإعلان السياسي، وقد تمثل في إنشاء ما يسمى «قوة الانتشار السريع» من خلال تقرير قدمته وزارة الدفاع عام ١٩٨٨م إلى لجنة القوات المسلحة في الكونجرس، أعدت على أساسه ميزانية هذه القوات لتلك السنة؛ وقد وقف الجنرال كولن باول رئيس هيئة أركان الحرب المشتركة للقوات المسلحة الأمريكية (وزير الخارجية الحالي) يدافع عنها أمام لجنة العلاقات الخارجية في ١/٣/١٩٩٠م، حيث قال: «يجب أن ننظر إلى التاريخ وإلى الحوادث الجارية وعيوننا على المستقبل، ومهما كانت الظروف فإن هدفنا لا يمكن أن يصبح حلّ أو تفكيك القوة الأمريكية، إنني تولّيت منصبي كرئيس لهيئة الأركان في الحرب آملاً أن أساعد في تشكيل القوة الأمريكية لمواجهة تحديات المستقبل، وليس لأقوم بتسريح الجيش الأمريكي، وأُضعف موقف الولايات المتحدة في العالم» . وقد كان قرار إنشاء قوة «التدخل السريع» يقضي بأن تتمركز هذه القوة في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، على أن تكون جاهزة لكي تحمل جوّاً وبحراً إلى منطقة الخليج عند أي طارئ، وبذلك تكون الولايات المتحدة مستعدة، وتكون قواتها مخصصة لحماية الخليج على أراضيها، وقد أطلق على قيادة هذه القوات قيادة المنطقة المركزية، وشكلت من ٢٩١.٦٠٠ فرد. وفي منحى استهداف العراق تحديداً يذكر الخبير الاستراتيجي أحمد السيد النجار أن وزير الطاقة الأمريكي الأسبق «جون هارنجتون» كان قد أعلن في عام ١٩٨٧م أن العراق يعوم على بحيرة من النفط وأن احتياطياته ربما تفوق الاحتياطيات السعودية الضخمة التي تبلغ نحو ربع الاحتياطيات العالمية المؤكدة من النفط، ويواصل الخبير قوله: وفي هذه الحالة إذا استطاعت الولايات المتحدة السيطرة على العراق ونفطه من خلال الغزو ووضع حكومة عميلة هناك، فإنها يمكن أن تتحكم في حجم الإنتاج العالمي من النفط من خلال مضاعفة حجم الإنتاج العراقي، ويمكنها بذلك أن تعمل على خفض أسعاره بشكل كبير بما يحقق مصالحها كأكبر دولة مستهلكة ومستوردة للنفط في العالم، حتى لو أدى ذلك إلى تدهور اقتصادي يصل إلى حد الكارثة بالنسبة للدول المصدرة الرئيسية للنفط. ولكن مع ذلك لم تجد أمريكا حتى تلك اللحظة الذريعة المناسبة التي تبدأ بها تنفيذ هذا المخطط حتى قدمها لها العراق نفسه، أو بالأحرى صدام حسين ونظامه. المحطة الثانية، غزو الكويت سنة ١٩٩٠م: في نهاية الثمانينيات حدثت أزمة نفطية عانت فيها شركات النفط الأمريكية من شبح الإفلاس، وفي شهر مارس ١٩٩٠م قبل غزو الكويت بأربعة أشهر وأيام نشرت جريدة الحياة اللندنية جانباً من تقرير أمريكي بعنوان: (التقرير الأمني السنوي لمجلس الأمن القومي الأمريكي) جاء فيه: «إن المصالح الحيوية الأمريكية في الشرق الوسط المتمثلة أساساً في مصادر الطاقة والعلاقات الأمريكية القوية مع بعض دول المنطقة تستحق وجوداً أميركياً مستمراً وربما معززاً في المنطقة» ، وجاء فيه كذلك: «.. وإن الولايات المتحدة ستحافظ على وجود بحري لها في شرق البحر المتوسط وفي منطقة الخليج والمحيط الهندي ... وستسعى إلى دعم أفضل للأسطول من الدول المحيطة وإلى خزن معدات سلفاً في مختلف أنحاء المنطقة!» . فرغم أن المشروع السابق ذكره وضع في أواخر السبعينيات، إلا أن أمريكا لم تجد الذريعة المناسبة لأن يكون لها موطئ قدم في الخليج، حتى كان لها ذلك في ٢/٨/١٩٩٠م عندما غزا نظام صدام حسين الكويت، فأوجد المسوغ المطلوب لزرع القوات الأمريكية في المنطقة، ليس فقط لتأمين منابع النفط، بل لحماية المصالح الأمريكية بشكل عام في منطقة الشرق الأوسط. بالإضافة إلى ذلك: فإن صدام حين احتل الكويت زاد مخزونه النفطي تلقائياً زهاء ٢٠٠ مليار برميل، ثم رفض اقتراح «أوبك» بتسعير البرميل بـ ١٨ دولاراً وفرض عليها ٢٣ دولاراً للبرميل الواحد، فأثبت أنه قادر على الضغط والتحكّم بسعر البترول، أي: التحكّم بالشركات الكبرى وبالاقتصاد العالمي المرتبط بالبترول، وبذلك أعطى للإدارة الأمريكية مزيداً من البراهين على المخاوف التي دعتها إلى وضع المخطط المشار إليه ودعاها أكثر إلى الجدية والإلحاح في تنفيذه. وفي شهر سبتمبر ١٩٩٠م أي بعد احتلال العراق للكويت بقليل نشرت صحيفة لوس أنجلوس تايمز مقالة للسفير الأمريكي السابق في الرياض جيمس إكنز بعنوان: (الآن ومع وجود القوات الأمريكية حول حقول النفط هل ندع الفرصة تفوتنا؟) ، جاء فيها: «إن الذين عملوا والذين يعملون حالياً في الحكومة الأمريكية ومن ضمنهم كيسنجر الذي كان جادّاً في موضوع احتلال آبار النفط في عام ١٩٧٥م لا بد أنهم يرون الآن عدم ترك هذه المصادر غير العادية بعد أن أصبحت تحت سيطرتنا» . وبعد انتهاء الحرب قدم «بول وولفويتز» (نائب وزير الدفاع الأمريكي الآن) عام ١٩٩٣م إلى البنتاجون وثيقة تحت عنوان «الاستراتيجية الأمريكية الشاملة» ، وقد تم تنقيح هذه الوثيقة وتعميقها فيما بعد، قبل نشرها عام ١٩٩٧م بما عُرف في الصحافة العالمية بـ «وثيقة البنتاجون» ، وهي وثيقة سرية للجناح اليميني من الحزب الجمهوري الأمريكي محتواها هو خطط الهيمنة على نفط الشرق الأوسط. وقد أعادت هذه الوثيقة تعريف التهديدات التي تواجه الولايات المتحدة وسبل مواجهتها لكي تبقى قوة عظمى منفردة لمدة قرن كامل من الزمن، وتضمنت ضوابط شديدة لمنع أي قوة إقليمية من أن تتحول إلى قوة كبرى، حتى على مستوى إقليمها، من ناحية أخرى: فقد طرحت الوثيقة ضرورة بناء خرائط جديدة للشرق الأوسط بمفهومه الواسع. وفي شأن آخر ذي صلة بالموضوع قدم جون ماريا نائب رئيس مؤسسة يونوكل النفطية للعلاقات الدولية في ١٢/٢/١٩٩٨م شهادة إلى لجنة الكونجرس الأمريكي يبين فيها أهمية وجود حكم ملائم لأمريكا ومستقر في أفغانستان من أجل استثمار مشاريع النفط والغاز في المنطقة. وانطلاقاً من «وثيقة البنتاجون» المشار إليها سابقاً أعد الجناح اليميني في الحزب الجمهوري خطّة لشن الحرب على العراق في سبتمبر ٢٠٠٠م أي قبل استلام بوش الابن لمقاليد الرئاسة وقد صاغ هذه الخطة «ديك تشيني» (نائب الرئيس الأمريكي الآن) ، و «دونالد رامسفيلد» (وزير الدفاع الآن) ، و «بول وولفويتز» (نائب وزير الدفاع الآن) ، و «جيب بوش» (أخو الرئيس جورج بوش الحالي) ، و «لويس ليبي» (رئيس هيئة الأركان على عهد «تشيني» ) ، وتكشف هذه الخطة هدف أمريكا الحقيقي من وراء احتلال العراق، حيث تشير إلى أن «الولايات المتحدة سعت على مدى عقود للعب دور دائم في حفظ الأمن الإقليمي في الخليج. ورغم أن النزاع غير المحلول في الخليج يوفر المسوغ المباشر [لضرب العراق] ، فإن الحاجة إلى وجود عسكري أمريكي مكثف في المنطقة تتجاوز قضية نظام صدام حسين» ، وبمعنى آخر، إذا لم يكن «صدام» هناك، فإن على الولايات المتحدة إيجاد مسوِّغ آخر لاحتلال العراق لإحكام سيطرتها على ثرواته النفطية! المحطة الثالثة، أحداث سبتمبر ٢٠٠١م: يمكن القول إنه بعد أحداث سبتمبر التي أعلن فيها عن نجاح تنظيم القاعدة بهدم برجي التجارة العالميين في نيويورك والهجوم على مبنى البنتاجون في واشنطن إن صح ذلك اختلطت المطامع بالمخاوف وتأكدت الرغبة ووجد المسوغ الذي يمكن إعلانه في وجود دائم للقوات الأمريكية فيما يسمى منطقة الشرق الأوسط، ذلك أن القدرة على ضرب أمريكا في عمق أراضيها وفي رموزها الحيوية يعني تلقائيّاً القدرة على تهديد مصالحها في مناطق أخرى لا تخضع لسيطرتها، وعزز ذلك ما أعلن من بيانات زعيم تنظيم القاعدة بعزمه على إخراج أمريكا من (جزيرة العرب) وتهديد مصالحها في تلك المنطقة (الخليج) .. وهكذا أصبحت الفرصة مواتية لأمريكا لضرب سرب من العصافير بحجر واحد كما تصورت تلك الإدارة رغم أن معلومات كانت تسربت من قبل تلك الأحداث تؤكد أن واشنطن أعدت خطة عسكرية لغزو أفغانستان منذ سنوات طويلة للسيطرة على نفط المنطقة وخاصة بحر قزوين، وكانت تنتظر الذريعة المناسبة لهذا التدخل، فجاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر على طبق من ذهب لتسرع من عملية تنفيذ المخطط الأمريكي للسيطرة على نفط العالم مباشرة وليس بالوساطة.. فكان غزو أفغانستان بمثابة وضع أمريكا لمحور ارتكازها الأول في الطرف الشرقي من قوس النفط العظيم، ثم كان لا بد من إكمال المخطط وارتكازها في الطرف الغربي من هذا القوس، وهكذا وجدنا أن الإشارات تتكثف والتطورات تتسارع في هذا المنحى. فلقد جاء ضمن نصوص استراتيجية الأمن القومي الأمريكي المنشورة في ٢٠/٩/٢٠٠٢م (أي بعد غزو أفغانستان وقبل الحرب على العراق) ما يلي: «لقد طورت الولايات المتحدة استراتيجية شاملة تهدف إلى تعزيز التجارة الحرة: ... ٩ - تعزيز أمن الطاقة، سوف نقوي أمن طاقتنا والازدهار المتشارك للاقتصاد العالمي، وذلك من خلال العمل مع حلفائنا، وشركائنا التجاريين، ومنتجي الطاقة؛ لتوسيع مصادر وأنواع الطاقة العالمية المزودة، وبالأخص في النصف الغربي من الكرة الأرضية، وإفريقيا، وآسيا الوسطى، ومنطقة بحر قزوين، سوف نستمر في العمل أيضاً مع شركائنا لتطوير تكنولوجيات لطاقة أكثر نظافة وفعالية» ، وجاء فيها أيضاً: «علينا أن نكون مستعدين لوضع حد للدول المارقة وعملائها من الإرهابيين قبل أن يتمكنوا من تهديدنا أو استخدام أسلحة الدمار الشامل ضد الولايات المتحدة وحلفائنا وأصدقائنا، وردنا يجب أن يستفيد كلياً من التحالفات المعززة، ومن إقامة شراكات جديدة مع أعداء سابقين، ومن ابتكار أساليب متجددة في استخدام القوة العسكرية والتكنولوجيا الحديثة، بما في ذلك تطوير نظام دفاعي صاروخي فعال، وزيادة التركيز على جمع المعلومات الاستخبارية وتحليلها» . «لقد استغرقنا الأمر عقداً من الزمن تقريباً لاستيعاب الطبيعة الحقيقية لهذا التهديد الجديد. وانطلاقاً من أهداف الدول المارقة والإرهابيين، لن تستطيع الولايات المتحدة بعد الآن أن تعتمد فقط على سياسة رد الفعل كما فعلنا في الماضي؛ فعدم القدرة على ردع معتد محتمل، والطبيعة الملحّة للتهديدات اليوم، وحجم الضرر المحتمل الذي قد يتسبب به اختيار العدو للأسلحة، لا يسمح لنا بذلك الخيار، لا يمكننا السماح للأعداء بأن يضربوا أولاً» . ولا نستطيع أن نفصل تلك الإشارات في وثيقة استراتيجية الأمن القومي عام ٢٠٠٢م، عن إعلان أميركي آخر صدر في أوائل الثمانينيات يؤكد على أن حدود الأمن القومي هي آخر قطرة نفط في آبار منطقة الخليج العربي. ثم توالت الإشارات في اتجاه استهداف العراق عسكريّاً، حيث أعلن المسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية «ستيف مان» خلال مؤتمر في نيويورك عقد في شهر ١١/٢٠٠٢م أن «احتياطيات النفط في بحر قزوين ليست بالقدر الكافي لتشكل منافساً لنفط دول الخليج» . وبعد ذلك صرح وزير الخارجية الأمريكي كولن باول في ٢٢ يناير الماضي بأن احتلالاً عسكرياً سيتم للعراق وأن البترول هو أمانة للشعب العراقي وستتم حماية حقول النفط، وفي اليوم التالي لتصريحات باول نقلت صحيفة (الغارديان) البريطانية عن مصادر قولها: إن اجتماعاً مهماً عقد في أكتوبر الماضي بين مسؤولين كبار في مكتب نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني وشركات نفطية مهمة هي «إكسون موبايل» و «شيفرون تكساكو» و «كوكوفيليبس» و «هاليبورتون» لدرس آفاق الصناعة النفطية في العالم بما في ذلك الوضع العراقي. ثم توالت بعد ذلك الخطوات والتصريحات والأحداث التي يعرفها جميع المتابعين عن خطوات أمريكا (لتحرير الشعب العراقي من نير نظام صدام) . وبعد سقوط بغداد جاء في الأخبار: «كشفت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية عن خطط لعقد اتفاقات عسكرية أمريكية طويلة الأمد مع الحكومة الجديدة في العراق، وذلك وصولاً إلى إقامة قواعد عسكرية أمريكية في الأراضي العراقية، ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين أن واشنطن تنوي الاحتفاظ بأربع قواعد عسكرية في العراق لاستخدامها في المستقبل: الأولى في مطار بغداد الدولي، والثانية في تليل قرب الناصرية، والثالثة في مكان معزول في صحراء غرب العراق تسمى H-١ بمحاذاة خط أنابيب النفط بين العراق والأردن، والرابعة في باشور شمال العراق، وأن القوات الأمريكية تستخدم بالفعل هذه القواعد حالياً، وتخطط للبقاء فيها لاستخدامها في أي أزمات قد تحدث في المستقبل. وكانت الولايات المتحدة قد كشفت للمرة الأولى عن خططها لوجود طويل الأمد في العراق، وقال بول وولفويتز، مساعد وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد والرجل الثاني في البنتاجون: إنه يرى إمكانية إنشاء قواعد عسكرية في العراق الذي سيصبح بلداً خليجياً صديقاً جديداً لأمريكا، وأوضح قائلاً:» الحقيقة الأساسية هي أن إزاحة هذا النظام ستمنح الولايات المتحدة حرية أكثر للحركة في الخليج «، وبالطبع لسنا بحاجة لمعرفة دوافع وزير الحرب رامسفيلد الذي نفى صحة الخبر فيما بعد؛ فالأمر قد أوضحوه سابقاً. * ماذا يعني احتلال أمريكا للعراق؟ نذكر أولاً أن حديثنا الآتي عن الأبعاد والاحتمالات المتوقعة لا يعني حتمية وقوعها، كما لا يعني وقوعها كلها لو وقعت في الزمن القريب.. فماذا يكون إذا استقر الأمر لأمريكا وحققت ما ترنو إليه في المنطقة؟ هناك عدة أبعاد يمكن النظر إليها وأخذها في الاعتبار بهذا الخصوص، منها: - أن أي قوة إمبريالية توسعية يهمها السيطرة على طرق المواصلات - بما فيها الممرات والمضايق - التي تربط بين أماكن مصالحها الحيوية والوطن الأم، وهذا ما فعلته بريطانيا عندما كانت إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس وكانت مصالحها الحيوية تتركز في الهند ومصر وشرق البحر الأبيض المتوسط، فنجد أنها سيطرت على مضيق باب المندب عبر احتلالها لعدن، وقناة السويس في مصر باحتلال مصر، ومضيق جبل طارق عبر إقامتها قاعدة عسكرية في جبل طارق (٦.٥ كم٢) بموجب معاهدة» أوتريشت «سنة ١٧١٣م ثم استعماره سنة ١٨٣٠م، بينما لم تلتفت كثيراً لمضيق هرمز بالخليج العربي مع عدم إهماله أيضاً لأنه لم يكن له أهمية كبرى حينها؛ لأن البترول لم يكن له الأهمية نفسها الآن ولم يكتشف بكميات كبيرة في المنطقة حينها.. والأمر نفسه تقوم به أمريكا الآن بخصوص الممرات والمضايق وطرق المواصلات التي تهمها؛ فمع سيطرتها على مضيق هرمز (يمر به ١٥.٥ مليون برميل يومياً، بحسب تقديرات عام ١٩٩٨م) تسيطر أمريكا أيضاً على مضيق باب المندب (٣.٣ ملايين برميل يومياً) عبر قواعدها في جيبوتي وإريتريا، ولا يبتعد عن ذلك محاولتها التدخل في الصومال وجنوب السودان، وعلى قناة بنما التي سيطرت عليها سيطرة عسكرية مباشرة لمدة ٨٥ عاماً (حتى ٣١/١٢/١٩٩٩م) ، وبسبب أهميتها الاستراتيجية أبقت فيها حوالي ٦٠ ألف جندي خلال الحرب العالمية الثانية وعشرات الآلاف خلال فترة الحرب الباردة، وبعد تسليمها حرصت على وجود نظام موال لها دائماً فيها، كما أنها تحاصر قناة السويس (٣.١ ملايين برميل يومياً) بدعوى مراقبة الحظر الذي كان مفروضاً على نظام العراق السابق إضافة إلى قرب وجود أقرب حلفائها في المنطقة (إسرائيل) منها، أما مضيق جبل طارق (يمر منه سدس التجارة البحرية العالمية وثلث التجارة النفطية) فهو يخضع للسيطرة البريطانية والإسبانية وكلاهما حليفان لواشنطن وعضوان في حلف الأطلسي، ولأمريكا قواعد في روتا ومورون الإسبانيتين على بعد ٤ كيلو مترات من الجبل، إضافة إلى أنها تستخدم القاعدة البريطانية في صخرة الجبل، ولا يتبقى من المضايق والممرات المائية العالمية سوى خليج البوسفور في تركيا ومضيق ملقا بين ماليزيا وإندونيسيا وهما لا يمثلان أهمية حيوية لأمريكا ومع ذلك هما تحت حماية دول حليفة أو صديقة لأمريكا.. وإضافة إلى محاولات أمريكا للسيطرة على الممرات وطرق المواصلات العالمية عبر قوات (حراسة) لها تضمن عدم حدوث أي تقلبات أو اضطرابات تؤثر على أدائها، فإنها تحرص على تنصيب حكومات مرتبطة بها حول تلك الطرق والممرات. وبخطوة احتلال العراق تكون أمريكا قد رسخت وجودها في منطقة استراتيجية تطل منها على عدة مناطق مهمة في القارات الثلاث، وتلتقي فيها أو تقترب منها طرق وممرات دولية بقدر التقاء مصالح أطراف دولية أيضاً؛ فالقوى التي ستسيطر على هذه المنطقة سيكون لها ضمان أمنها الاقتصادي الاستراتيجي إضافة إلى القدرة مستقبلاً على تسيير دفة الاقتصاد العالمي طبقاً لمصالحها الخاصة، ومن هنا نستطيع فهم تحركات أمريكا في آسيا الوسطى وأفغانستان وأخيراً الخليج والعراق؛ فموقع العراق الملاصق للخليج العربي والقريب من منطقة بحر قزوين، والطرق التي سيعبر منها النفط المستخرج منها، سواء شرقاً عبر باكستان وأفغانستان أو غرباً عبر تركيا، ووجود القوات البحرية والجوية التي ستتمركز في هذه المنطقة.. سيضمن السيطرة الأمريكية على كل ما يسمى بالشرق الأوسط الكبير، وإذا حدث ذلك فإن هذه السيطرة الأمريكية منفردة على تلك المنطقة الحيوية سوف يهدد مصالح أطراف دولية أخرى يهمها أن يكون لها أيضاً وجود فاعل ومؤثر في هذه المنطقة التي تلتقي فيها مصالح أطراف عدة. - يضاف إلى ذلك البعد: الحديث عن أهمية ثروة العراق النفطية؛ فرغم أنه لا يمكن إنكار تزايد حاجة الولايات المتحدة نفسها للنفط، وضآلة الاحتياطي الأمريكي المؤكد وهو ما سبق ذكره إلا أنه من المعروف أيضاً أن اعتماد أوروبا وآسيا على نفط منطقة الخليج أكثر بكثير من الاعتماد الأمريكي عليه (يصل الاعتماد الياباني على منطقة الخليج إلى ٨٥% من مجمل استهلاكها) ، كما أن بعض القوى الأخرى ذات النمو السريع التي قد تكون مناوئة مثل الصين يتزايد اعتمادها أكثر فأكثر على استيراد النفط، خاصة مع تزايد معدلات نموها الصناعي التي تتجاوز ١٢% سنوياً. ومن المعروف أن ما يسمى بمنطقة الشرق الأوسط تشمل المنطقة العربية التي تملك ٦٠% من احتياطي النفط العالمي، مضافاً إليها احتياطي النفط الإيراني واحتياطي نفط منطقة بحر قزوين، وهذا يعني أنه باحتلال أمريكا للعراق وسيطرتها على نفطه إضافة إلى السيطرة الأمريكية المطلقة على كل حقول النفط من كازاخستان في الشمال وحتى الخليج إذا تحقق لها ما تريد.. تكون قد سيطرت على أكثر من ٩٠% من احتياطي النفط العالمي، وعندما تسيطر أمريكا على هذا الاحتياطي فمعنى ذلك أنها تحكمت بمصادر الطاقة العالمية العصب الوحيد الآن للصناعة والتنمية، أي إنها وضعت يدها على أصل استراتيجي كبير في مواجهة منافسيها وخصومها المحتملين في العالم وخاصة في أوروبا وآسيا. أما عن مكانة منظمة أوبك حينئذ، فحسب جريدة (الفاينانشال تايمز) : » إنه بوصول الشركات الأمريكية واعتماداتها المالية الجبارة إلى العراق، سيتمكن البلد من مضاعفة قدراته الإنتاجية للنفط الخام لتصل إلى ٧ ملايين برميل في اليوم، وهذا سوف يدق ناقوس الخطر حيال السقف الإنتاجي المتفق عليه في منظمة الأوبك ويؤذن بزوالها؛ فمن شأن مثل هذا الاحتلال بالقوة للنفط العراقي أن يغرق السوق النفطية العالمية بكميات هائلة من النفط بأسعار رخيصة مما سينسف سياسة الحصص التي تفرضها هذه المنظمة الدولية للمحافظة على استقرار الأسعار في السوق النفطية العالمية، وبالنتيجة ستستفيد الولايات المتحدة الأمريكية من هذا التدفق الهائل للنفط العراقي الرخيص إلى الأسواق لانتشال الاقتصاد الأمريكي المنهار من السقوط، وهذا هدف تريد الولايات المتحدة الأمريكية تحقيقه بكافة السبل وبأي ثمن كان « (د. جواد بشارة - الزمان اللندنية - ٢/١٠/٢٠٠٢م) ، وهذا يعني عمليّاً تحطيم أوبك أو على الأقل تهميش دورها وشل قدرتها إلى أبعد حد. وعندما تستطيع الولايات المتحدة فعل ذلك تستطيع الهيمنة على سوق النفط، ومن ثم امتلاك زمام المبادرة في تحديد سعره وكيفية توزيعه، وهذا ما يمكّنها من جعل الدول الأخرى المعتمدة على البترول تحت رحمتها في أي وقت، بل يمكن أن تقود أمريكا هذه الدول إلى الإفلاس متى شاءت، وقد أشارت مجلة» فورين ريبورت «في عدد أخير لها أن» الولايات المتحدة في استراتيجيتها الجديدة تريد أن تسيطر بصورة كاملة غير منقوصة على النفط وأنظمته بطريقة تسمح لها باستخدامه سلاحاً في صراعها السياسي الاقتصادي مع القوى الرأسمالية المنافسة الأخرى ... «. وذلك مما سيضع حداً للحلم الأوروبي في منافسة القوة الاقتصادية والسياسية الأمريكية؛ فالذي يسيطر على النفط يسيطر على الاقتصاد، وكل ذلك مما سيؤثر على اقتصاديات هذه الدول ويؤثر على الخريطة الاقتصادية الدولية. - وهناك أطراف دولية كان لها مصالحها الخاصة في عراق ما قبل الاحتلال وجدت نفسها ومصالحها في مهب الريح بعد احتلال أمريكا للعراق، وعلى رأس هذه الدول تقف روسيا وفرنسا؛ فمعظم تسليح الجيش العراقي كان من هاتين الدولتين وخاصة من روسيا، كما أن هاتين الدولتين استطاعتا الحصول في عهد صدام حسين على عقود نفطية كبيرة ومنافسة. وإذا استعرضنا خسائر روسيا الاقتصادية على سبيل المثال جراء الاحتلال ثم السيطرة الأمريكية على العراق، فتكفي الإشارة إلى أن حجم التبادل التجاري بين موسكو وبغداد بلغ مليارين ونصف مليار دولار عام ٢٠٠١م، معظمها صادرات روسية للعراق أتاحت تشغيل كثير من المصانع التي كانت متوقفة في روسيا، كما أن الديون العراقية لموسكو تبلغ نحو عشرة مليارات دولار، كان سدادها متوقفاً على إنهاء العقوبات الاقتصادية المفروضة على بغداد، وأيضاً فإن العقود المبدئية العراقية مع الشركات الروسية في مجال إعادة الإعمار والتنقيب عن النفط والغاز تبلغ قيمتها نحو أربعين مليار دولار، وهي عقود كان يتوقف تنفيذها على إنهاء العقوبات الاقتصادية كذلك، ويشير الخبراء إلى أن شركات النفط الروسية كانت تتوقع تحقيق أرباح تبلغ قيمتها نحو عشرين مليار دولار من تنفيذ عقود استثمار حقول النفط والغاز في منطقة غرب القرنة العراقية وحدها. وهكذا نجد أن رفع الحصار عن عراق العهد السابق كان سيؤمن فرصة رد الديون العراقية لروسيا، وأن احتفاظ أسعار النفط بمستواها السابق أو رفعها كان سيدعم الدخل القومي الروسي باعتبار روسيا من الدول المصدرة للنفط، أما الآن بعد الاحتلال الأمريكي وتغيير الأوضاع في العراق، فإن الديون الروسية على العراق مجهولة المصير، وإذا ما أعيد ضخ النفط العراقي بكثافة بدعوى المساهمة في تكاليف إعادة الإعمار بما يؤدي إلى خفض سعر البرميل عن حدود ٢٢ - ٢٥ دولار فإن الاقتصاد الروسي سيشهد تراجعاً كبيراً، وهكذا نجد أنه إضافة إلى الضغط الأمريكي لتنازل الدول الدائنة للعراق وعلى رأسها روسيا عن ديونها، فإنه من شبه المؤكد ضياع جزء مهم آخر من دخل الميزانية الروسية الساعي إلى تدعيم الروبل العملة المحلية. وكما يقول الدكتور جواد بشارة: فإنه بعد وضع فريق قيادي موال لأمريكا بدلاً من نظام صدام حسين في العراق فسوف يشكل ذلك» نعمة سماوية للشركات النفطية الأمريكية الغائبة نسبياً عن السوق النفطية العراقية التي تحتلها الشركات الروسية والأوروبية وخاصة الفرنسية منها. والأوروبيون يدركون هذه الخطورة جيداً ويعلمون أن الانتصار العسكري الأمريكي سوف يفتح طريق بغداد أمام المجموعات الصناعية الأمريكية ومن بينها الشركات النفطية العملاقة لقطع الطريق على منافستها الأوروبية الموجودة في العراق؛ فالأولوية ستكون بالطبع للشركات الأمريكية، وقد أوضح جيمس ولسلي المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) لصحيفة (الواشنطن بوست) أن الأمر في غاية السهولة وبعيد عن التعقيد: (لدى روسيا وفرنسا شركات نفطية عاملة في العراق ولديهما مصالح مهمة في هذا البلد، وعليهما أن يعرفا منذ الآن أنه إذا ما جاء إلى السلطة في العراق نظام بديل لصدام حسين فإننا سوف نعمل ما في وسعنا لجعل هذه الحكومة الجديدة تعمل بصورة وثيقة ومتينة مع شركاتنا النفطية حصراً، وإذا تعاونت الدولتان معنا في إسقاط صدام حسين فسوف ننظر في مصالحهما وديونهما ونحث الفريق الحاكم الجديد في العراق على أن يأخذ ذلك بعين الاعتبار وإلاّ فسوف لن نضمن لهما شيئاً) .. [وقد كان ولم يتعاونا في ذلك] . وقد صرح رئيس المؤتمر الوطني العراقي المعارض لنظام صدام حسين والذي تسانده وتدعمه الولايات المتحدة الأمريكية بما معناه أنه: بعد تغيير النظام القائم علينا تشكيل اتحاد صناعي نفطي (كونسورتيوم) تقوده أمريكا ليأخذ بيده عمليات استغلال النفط في العراق، وستكون للولايات المتحدة الأمريكية الأولوية بالطبع (حسب ما نقلته الصحيفة الأمريكية، وهذا يعني تراجع مريع لبقية الشركات النفطية العالمية الكبرى العاملة في هذه السوق النفطية الاستراتيجية الآن، وكانت صحيفة (البايس) الإسبانية قد أشارت إلى أن «هناك شركات روسية هي لوك أويل وسلافينيفت، وشركات فرنسية هي توتال وفينا ألف، وشركات هندية وصينية وإيطالية وجزائرية وفيتنامية، قد وقّعت اتفاقيات وعقود استثمار واستغلال للنفط العراقي كان من المفترض أن تدخل حيز التنفيذ بمجرد رفع الحظر النفطي المفروض على العراق منذ عام ١٩٩٠م) » ، وغني عن الذكر أن الاحتلال الأمريكي للعراق يجعل كل هذه المصالح والاتفاقيات تحت الأنقاض! بل إنه ظهر أيضاً على السطح بعد السيطرة الأمريكية على الكعكة العراقية تنافس بين الشركات الأمريكية والبريطانية حول اقتسام هذه الكعكة؛ فقد ذكر موقع الجزيرة نت (١٢/٣/٢٠٠٣م) نقلاً عن مصادر صحفية: أن شركتي النفط البريطانيتين بريتش بتروليوم وشل أجرتا مناقشات مع الحكومة البريطانية بشأن نصيبهما من عقود النفط العراقية بعد أن بدأت نظيراتها الأمريكية في التخطيط لتقاسم المكاسب الضخمة المتوقع أن تظفر بها في عراق ما بعد الحرب ... ونسبت صحيفة فاينانشال تايمز إلى مسؤولين حكوميين لم تسمهم قولهم إن الشركتين العملاقتين ناقشتا القضية في اجتماع موسع مع جيفري نوريس كبير المستشارين السياسيين لرئيس الوزراء توني بلير، وحثت الحكومة خلاله على ضرورة ألا يسمح للشركات الأمريكية بالاستحواذ على المشاريع النفطية العراقية المغرية، وأضافت الصحيفة أن الحكومة أبدت تعاطفاً وتفهماً للقضية. - أما عن الأبعاد الإقليمية: فوجود قوات أمريكية في المنطقة يعني أن الضغوط ستكون شديدة على دول المنطقة؛ بل يمكن التهديد بالاستغناء عن بعض الأنظمة باستبدالها أو تقليص دورها إلى أبعد حد؛ لعدم الحاجة إلى (وكلاء) غير كاملي الطاعة والاستجابة في وجود الموكل نفسه في المنطقة، مما قد يدفع هؤلاء الوكلاء إلى التفاني والتسابق في تقديم أقصى ما يمكن من تنازلات بالنظر إلى محافظتهم على معادلة التوازن الداخلي أيضاً لإثبات أنهم قادرون على لعب دور مهم ولا يمكن الاستغناء عنه في المنطقة، ولا شك أن ذلك سيكون له أثره الكبير على الحركات الإسلامية وعلى قضايا الأمة المصيرية. كما أن من المخاطر الفادحة المحتملة: تعويق مشاريع التنمية في الدول العربية المحيطة أو المرتبطة بالعراق بعد تخفيض أسعار النفط وإضعاف الاقتصاد فيها نتيجة الظروف الجديدة، ومن المخاطر أيضاً: ما يتهدد الدول النفطية في المنطقة من أن تلجأ الولايات المتحدة من خلال ضغوط سياسية أو عسكرية إلى فرض توجهات خصخصة شركات النفط الوطنية، وتصفية امتلاك الدول لها، ليتسنى للشركات الأمريكية الاستغلال المباشر لنفط تلك البلدان، كما كانت الأمور تسير في الماضي. ومن الأبعاد الإقليمية: أن وجود أمريكا بقواتها في المنطقة يعني تلقائيّاً وقوع إيران وسوريا مع لبنان تحت الحصار الأمريكي الصهيوني: إيران يحاصرها الوجود العسكري الأمريكي من الشرق (في باكستان وأفغانستان) ومن الشمال (تركيا) ومن سواحلها الغربية (مياه الخليج) والجنوبية (بحر العرب والمحيط الهندي) والآن من العراق على حدودها البرية الغربية، أما سورية ولبنان فإن الوجود العسكري الأمريكي والصهيوني يحاصرهما من الشمال (تركيا) ومن الغرب (البحر المتوسط) ومن الجنوب (إسرائيل) والآن اكتملت الحلقة من الشرق (العراق) . وهذا الحصار لكلتا الدولتين له أبعاده المهمة، فإيران ترقد على ٩٠ مليار برميل من النفط يمثل ٨.٥% من الاحتياطي العالمي (خامس أكبر احتياطي في العالم) ، كما أنها الدولة التي تفصل بين المنطقة العربية ومنطقة آسيا الوسطى، أي إنها تمثل الحلقة الناقصة أمريكياً في استكمال الهيمنة على (قوس النفط الكبير) ، أما سورية ولبنان فإنهما يمثلان الحلقة الناقصة ولو رسميّاً في تأمين المجال الحيوي لـ (إسرائيل) إضافة إلى أنهما يعدان قلب النجمة الثلاثية للحلف الأمريكي المرتقب (تركيا - إسرائيل - العراق) ، مما يرشح تلك الدول ليكون الدور عليها في الاستهداف الأمريكي ومحاولة إخضاعها بكل السبل. ومن الأبعاد الإقليمية أيضاً: بروز فرصة تاريخية نادرة لإنهاء القضية الفلسطينية وانتهاز الأوضاع الإقليمية الراهنة وأهمها: الهزيمة النفسية والشعور بالعجز في الوعي الجمعي للعرب والفلسطينيين خاصة لتركيع العرب والمسلمين بعد إقامة (نظام شرق أوسطي جديد) يقبل الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة، ويمكن القول: إن هناك ثلاث مخاطر رئيسية تهدد القضية الفلسطينية يمكن لليهود التجاسر على ولوجها مجتمعة أو متفرقة: الخطر الأول: إنجاز مشروع إقامة الهيكل المزعوم مكان المسجد الأقصى بأي صورة وأي صيغة، وكان قائد لواء القدس المحتلة في شرطة الاحتلال الإسرائيلي اللواء ميكي ليفي صرح قبل الحرب بأنه سيكون بإمكان اليهود تأدية الصلاة في جبل الهيكل (المسجد الأقصى) بعد الحرب في العراق. الخطر الثاني: القيام بعمليات ترحيل قسري (ترانسفير) للفلسطينيين لتفريغ فلسطين من أهلها وإعادة تشكيل التوازن الديموغرافي في البلا؛ وخاصة بعد ضعف أو توقف الهجرة اليهودية إليها؛ وفي هذا الصدد فإن العراق مرشح بقوة لاستقبال أعداد كثيرة من هؤلاء المرحلين بدعوى المساعدة على إعادة إعمار العراق، وفي الوقت ذاته سيعملون على إنهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين في الخارج بإلغاء حق عودتهم إلى فلسطين. الخطر الثالث: افتعال أزمة مع إحدى دول الجوار ومحاولة التوسع باحتلال أراضي الغير. وفي إطار هذه المخاطر يأتي العمل على إعادة (شحن) ودفع تيار الداعين للتطبيع مع (إسرائيل) من المثقفين والسياسيين بدعوى الواقعية والاعتراف بمحدودية إمكانات الأمة وقدراتها، وعلى رأس ذلك يجيء تعيين أبو مازن تحديداً رئيساً للوزراء بضغوط أمريكية وإسرائيلية وأوروبية وعربية وهو المعروف بعلاقاته الخاصة مع الأمريكان والإسرائيليين وبمعارضته لعسكرة الانتفاضة وجهوده الحثيثة للتوصل إلى سلام دائم مع (إسرائيل) ليشير إلى أن حركات المقاومة في الداخل ستشهد مطاردة وضغطاً عنيفاً لتهيئة الساحة لقبول التنازلات والأحداث المأساوية المتوقعة في ظل هذه المخاطر، وليشير أيضاً إلى اتجاه التطورات والتنازلات المتوقعة في إطار ما يسمى بخريطة الطريق الأمريكية، وقد قال رئيس الوزراء الإسرائيلي إرييل شارون صراحة: إن هناك فرصة للتوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين «بشكل أسرع» بعد الحرب على العراق، مشيراً إلى أن تلك الحرب سببت «هزة في الشرق الأوسط» . ويدل على الشره الصهيوني للتوسع والهيمنة والعمل على فرض واقع جديد في المنطقة بعد احتلال العراق بقوات أمريكية: ما جاء في الأنباء من أن الحكم الأمريكي المرتقب في العراق سيتخذ قراراً بالاعتراف بالكيان الصهيوني وإقامة تمثيل دبلوماسي بين «تل أبيب» وبغداد، وأن شركات الكيان الصهيوني ستشارك في عمليات إعادة الإعمار، مما يعني التطبيع بكل ما يحمله من معان ومخاطر، وكانت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الصهيونية كشفت أن أحمد الجلبي زعيم المؤتمر الوطني العراقي الذي تضعه قوات الاحتلال الأمريكية على رأس مرشحيها لحكم العراق، زار الكيان الصهيوني سراً مؤخراً، والتقى شخصيات صهيونية رسمية وغير رسمية، وبحث معهم إقامة علاقات دبلوماسية بين العراق والكيان الصهيوني، كما أن هناك أنباء عن إعادة تشغيل أنبوب النفط بين الموصل وحيفا عبر الأردن الذي كان متوقفاً منذ إقامة الكيان الصهيوني عام ١٩٤٨م، وقد أعلن وزير البنى التحتية «يوسف باريتسكي» أن تشغيل هذا الأنبوب قد يخفض أسعار الوقود في (إسرائيل) بنحو ٢٥%، إضافة إلى توفيره فرص عمل لآلاف العاطلين عن العمل، إلى جانب مد خزانة الدولة بمداخيل إضافية، مؤكداً حصوله على معطيات تفيد بأن الحرب الأمريكية البريطانية في العراق ستؤثر بشكل حاسم على مجال الطاقة في (إسرائيل) . ومما له دلالة في هذا الخصوص: ما أعلنته القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي أن ما يتراوح بين ١٥٠٠ و٢٠٠٠ جندي يدينون باليهودية كانوا بين العسكريين الأمريكيين الذين قصفوا المدن العراقية، وأن بعضهم احتفل بعيد الفصح اليهودي (يوم ١٥ إبريل) في القصر الجمهوري في بغداد.. وما أعلن من أن عدداً من الحاخامات اليهود في (إسرائيل) قد نشروا مؤخراً فتوى دينية تنص على أن العراق هو جزء من أرض إسرائيل الكبرى، وطلبت هذه الفتوى من الجنود اليهود في القوات الأمريكية والبريطانية التي تقاتل في العراق أن يؤدوا الصلاة الخاصة عندما يقيمون كل خيمة أو بناء في أرض غربي نهر الفرات. وعموماً فإن المنطقة بكاملها ستكون مقبلة على تحولات كبرى ستكون منعطفاً تاريخيّاً في مسيرة الأمة.. ولكن هل بالفعل ستسير الأمور كما هو مخطط ومرغوب؟ وهل سيستقر الوضع للأمريكان في المنطقة ليحققوا أهدافهم؟ أم أن الرياح قد تأتي بما لا يشتهيه القراصنة؟ إن الناظر إلى المعطيات السابقة وإلى اتجاهات المستقبل يرى أن الوضع شديد التعقيد والتشابك؛ حيث تتداخل الأوضاع الداخلية العراقية مع الأوضاع الإقليمية مع الأوضاع الدولية. فالمقاومة الشرسة التي أبداها العراقيون في أم قصر والبصرة والناصرية ومناطق أخرى لا يستبعد تكرارها بشكل أو بآخر بعد الإفاقة من صدمة سقوط بغداد بهذه الصورة غير المتوقعة، ولا يعرف أحد كيف سيكون رد الشعب العراقي على الاحتلال الأجنبي وفرض حكومة عميلة، كما لا يستطيع أحد تقدير حجم التفاعل العربي والإسلامي مع الداخل العراقي ولا كيفيته، فهناك تيارات جهادية وقومية ووطنية محضة بل هناك قطاعات لا تنتمي إلى شريحة فكرية أو عقائدية من المتوقع أن تسعى إلى مقاومة المحتلين الغزاة بما يجعل العراق بعيداً عن الاستقرار، وإذا انخرطت شريحة واسعة من الشعب العراقي في حركة المقاومة، فإن هذا يمكن أن يؤثر على نشاطات (إعادة بناء العراق) ويشكل مصدر تهديد لمصالح أمريكا وتعويق لمخططاتها. كما أن القوى والرموز التي تعول عليها أمريكا في تحقيق استقرار في العراق إما أنها ليس لها قبول شعبي في الداخل كالمؤتمر الوطني العراقي وأحمد الجلبي (صاحب سوابق ومحكوم عليه قضائياً بالسجن ٢٢ عاماً والغرامة في قضايا اختلاس وإساءة الأمانة والاحتيال) ، أو بينها تنافس وتناحر لم يخمد إلا بالضغط الأمريكي كالحزبين الكرديين في الشمال، أو بينها وبين فصائل المعارضة الأخرى، وإما أن لها منافساً أقوى منها كالرموز الشيعية العلمانية أو المعلمنة في الجنوب. وإيران تعرف المخاطر التي تحيق بها، إضافة إلى أنها قد ترى في تطور الأحداث فرصة لإنجاز خطوة نحو تحقيق حلمها باتصال الهلال الشيعي الكبير الممتد من إيران عبر العراق والخليج حتى لبنان، وليس بمستبعد أن تسعى لزعزعة الأوضاع في العراق وتحقيق مكاسب لها على أرضه، وهي لا تعوزها القدرة على القيام بذلك، فهي تملك نفوذاً قوياً داخل فصائل المعارضة والقاعدة الشيعية في الجنوب، وتملك اتصالاً جغرافياً ومذهبياً بينها وبين جنوب العراق. وبالتأكيد فإن أمريكا وبريطانيا يعيان هذه المطامع ويعيان أيضاً حجم هذا النفوذ، وإذا كانت إيران مكنت لأمريكا في السابق وباعت دماء المسلمين من أهل السنة في أفغانستان بل وفي العراق، فإن هذا لن يشفع لها لتتساهل أمريكا معها في مطامعها ومخاطرها في المنطقة، فالمتوقع أن يؤدي تضارب المصالح والمطامع بينهما في النهاية إلى التصادم والمواجهة، ولكن قد يختلف أسلوب المواجهة وأدواته خاصة أن أمريكا لم تستنفد جهودها بعدُ في محاولة تغيير النظام الإيراني من الداخل. أما المواجهة داخل العراق فالمتوقع أن تعمل أمريكا مع معلمتها الاستعمارية (بريطانيا) على اتباع أسلوب (فرق تسد) ومن غير المستبعد في هذا الإطار إثارة التنافس بقوة على المرجعية الشيعية العالمية بين قم والنجف، واستعمال بعض المرجعيات الدينية بوعي منهم أو بغير وعي في ذلك. وهناك أيضاً تركيا التي لها الأقلية التركمانية في شمال العراق وتريد أن يكون لها نصيب من الكعكة العراقية، كما أنها لن ترضى باقتراب الأكراد من تحقيق أحلامهم في الشمال قرب حدودها، ولا بد أنه سيكون لها دور في الداخل العراقي أيضاً. وإزاء هذه المعطيات فإنه ليس أمام أمريكا إلا تطبيق نموذج كرزاي أفغانستان معدل في العراق، حيث ستفرض إدارة موالية لها بأسلوب ديمقراطي صوري، ولأنه يصعب أن يكون له قبول شعبي فلا مناص من تثبيت هذا الحكم بأسلوب صدام حسين وحزب البعث وحراسته بالقوة العسكرية. وإذا أخذنا في الاعتبار هذه الأبعاد الداخلية والإقليمية، إضافة إلى تضارب المصالح والتنافس بين القوى الدولية المشار إليه سابقاً فإن هذه الأوضاع كلها تنبئ بأن منطقة (الشرق الأوسط الكبير) الممتدة من آسيا الوسطى وبحر قزوين حتى بحر العرب جنوباً، والأناضول والبحر المتوسط غرباً، والصين شرقاً، والاتحاد الروسي شمالاً وفي قلبها العراق سترتدي طابعاً دولياً في شكل مباشر، وستكون مجالاً للمنافسة أو لنزاع دولي شديد التعقيد، ولا يستبعد في مثل هذه الحالة نشوء نوع من الحرب الباردة بين أمريكا ومنافسيها الرئيسيين في العالم وخاصة كتلة أصحاب المصالح من المعارضة الأوروبية، وعلى رأسها فرنسا وروسيا وألمانيا بسبب ذلك، مع توقع وجود حالة من عدم الاستقرار والاضطراب في المنطقة. وفي النهاية فإنه يحق لأي مراقب ومحلل أن يتساءل: بعد أن ابتلعت أمريكا العراق: هل تستطيع هضمه؟ .. هذا ما ستوضحه الأيام القادمة..

стр. 4609

ملفات التغيير القادم النظام العربي إلى أين ؟! رجب الباسل أثار البعض مؤخراً اصطلاح (نهاية النظام العربي) تعقيباً على الفشل العربي في التعاطي إيجابياً مع الأزمة العراقية، واتخاذ موقف واضح ومحدد ورافض للعدوان الأمريكي البريطاني على العراق، ثم احتلاله أو حتى عقد قمة عربية طارئة تعلن رفض العدوان والوقوف بجانب العراق الذي تعرض لعدوان جائر دون أي سند شرعي دولي ترتب عليه فقدان العراق لاستقلاله، وليصبح أول دولة عربية يتم احتلالها في القرن الجديد؛ بل الأغرب أن هناك دولاً عربية وقفت مع العدوان صراحة، والبعض كما قال الأمين العام للجامعة أيد في صمت، والبعض الآخر قدم تسهيلات علنية أو سرية للعدوان. * نشأة ضعيفة: تعد الجامعة العربية من أقدم المنظمات الإقليمية والعالمية نشأة؛ فقد أنشئت رسمياً قبل منظمة الأمم المتحدة بحوالي ستة أشهر، حيث تم توقيع ميثاق الجامعة في مارس ١٩٤٥م، بينما تم توقيع ميثاق المنظمة في سبتمبر من نفس العام. وهناك آراء كثيرة حول أسباب نشأة الجامعة العربية وأهدافها؛ فهناك من ربطها بالدور البريطاني حينئذ في تشجيع إنشاء الجامعة، سواء لمواجهة المد الإسلامي ونداءات عودة الخلافة الإسلامية، أو حتى لتعطيل الوحدة العربية ذاتها، بحصرها في كيان ضعيف لا ينص ميثاقه على الوحدة العربية التامة كهدف للإنشاء، إلا أنه بعيداً عن الاتهامات أو التأييدات التي وجهت للجامعة، إلا أن هناك العديد من المؤشرات التي تؤكد النشأة الضعيفة لها، والتي لم تكن يراد للجامعة أن تنشأ قوية تحقق طموحات الشعوب العربية، ومنها: ١ - إن أول أمين عام للجامعة العربية رغم مكانته كان بدرجة وزير مفوض للشؤون العربية بوزارة الخارجية المصرية، مما يعني عدم الاهتمام حينئذ باختيار شخصية ذات مكانة رسمية عالية لتولي هذا المنصب رئيس وزراء سابق أو رئيس دولة مثلاً. ٢ - إن ميثاق الجامعة الذي وقعت عليه سبع دول عربية في البداية استجاب في تحديده لأهداف الجامعة، وطبيعة الدول الموقعة عليه لمطالب أضعف الدول، أو الحكومات العربية انتماء في ذلك الوقت للعروبة، وهي الحكومة اللبنانية المسيحية المارونية حينئذ، والتي تعارض الاندماج في العالم العربي؛ ففي حين طالبت العراق بأن تكون سلطات الجامعة أعلى من الدول المنظمة بحيث يكون من الممكن لها أن تتحول إلى مؤسسة إدارة الدولة العربية الموحدة في المستقبل، إلا أنه تم الأخذ بالاقتراح المصري - اللبناني الذي حافظ للدول الأعضاء على سيادتها، فجعل منها منظمة تقليدية ترتبط قراراتها بشكل كامل بإرادة الدول الأعضاء ذات السيادة، والتي لم تقبل بالتخلي عن أي جزء من سيادتها لهذه المنظمة الإقليمية. وطبقاً لميثاق الجامعة فهي تتألف من الدولة العربية المستقلة (مادة ١) ، والغرض من إنشائها توثيق الصلات بين الدول المشتركة فيها، وتنسيق خططها السياسية تحقيقاً للتعاون بينها، وصيانة استقلالها وسيادتها (مادة ٢) . والمادة الوحيدة الوحدوية كانت اختيارية وليست على المستوي العربي الشامل، بل الثنائي أو التعددي؛ فالمادة التاسعة تنص على أنه لدول الجامعة العربية الراغبة فيما بينها في تعاون أوثق، وروابط أقوى مما نص عليه الميثاق أن تعقد بينها من الاتفاقات ما تشاء لتحقيق هذه الأغراض (مادة ٩) . ٣ - ضعف مؤسسات الجامعة وآلياتها: فمجلس الجامعة في البدء كان على مستوى وزراء الخارجية (التطور الأخير أصبح على مستوى الرؤساء والملوك والأمراء العرب) ، والذي يجتمع مرتين في العام في دورتين عاديتين (مارس - سبتمبر) ، وله عند الاقتضاء أن يجتمع في دورة غير عادية، وفق أحكام الميثاق، وقد يعقد على مستوى الرؤساء والملوك (قمة) ، ولكن الآن أصبحت القمة دورية بقرار قمة القاهرة الطارئة أكتوبر ٢٠٠٠م، وعقدت أول قمة عادية في عمان مارس ٢٠٠١م. أي أن الجامعة تمتلك على المستوى الفعلي جهاز الجمعية العمومية فقط (على مستوى المندوبين أو وزراء الخارجية) ، ولكل دولة صوت واحد. بينما لا تمتلك الجامعة فعلياً جهازاً أمنياً، ورغم توقيع معاهدة الدفاع المشترك بعد ذلك في ١٣/٥/ ١٩٥٠م، والذي نصت مادته السادسة على تأسيس مجلس للدفاع المشترك تحت إشراف مجلس الجامعة، ويختص بجميع الشؤون المتعلقة بالاعتداءات المسلحة التي تقع على أية دولة عربية، والتشاور في الأمور المتعلقة بأمن البلاد، ودعم الدول العربية لمقوماتها العسكرية، وتعزيزها، والمشاركة في تهيئة وسائلها الدفاعية الخاصة والجماعية لمقاومة أي اعتداء مسلح. كما لم ينص الميثاق على إنشاء مجلس اقتصادي واجتماعي، ولكن تم إنشاؤه بناء على المادة الثامنة من معاهدة الدفاع المشترك، والتعاون الاقتصادي. وتفتقد الجامعة فعلياً كذلك لمحكمة عدل عربية لفض المنازعات بين الدول الأعضاء بالطرق القانونية رغم أن الميثاق في مادته التاسعة عشرة قد نص على إنشائها، ولم يتم تنفيذها حتى الآن. كما أن هناك ١٨ منظمة متخصصة تابعة للجامعة العربية كالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، واتحاد إذاعات الدول العربية، وغيرها من المنظمات، إضافة للمجالس الوزارية المتخصصة، كمجلس وزراء الإعلام العرب، والداخلية، والنقل ... إلخ، لم تنجح هذه المنظمات، والمجالس حتى الآن في تفعيل التعاون العربي المشترك للوصول إلى التنسيق والتعاون الكامل بينها في المجالات المتعددة. * أهداف غير واضحة: ورغم أن أية منظمة إقليمية أو دولية تحدد الأسباب الدافعة لنشأتها، وأهدافها المرحلية والاستراتيجية إلا أن الجامعة لم تحدد في ميثاقها أهداف إنشائها صراحة، ولكن من خلال نصوص الميثاق يمكن استكشاف هذه الأهداف، وهي تدور في مجملها حول التعاون والتنسيق والتكامل في شتي المجالات ... * إنجازات وإخفاقات: وكما أن الأهداف لم تكن واضحة لم تحدد آليات وخطط لتنفيذها، إلا أن هناك مجالين أساسيين يمكن تحليل مدى إنجاز وإخفاق الجامعة فيهما وهما: - المجال الأمني. - المجال الاقتصادي. أولاً: المجال الأمني: فالجامعة حددت مفهوم الأمن القومي العربي في المقام الأول بمقومات الوجود العربي، وفي مقدمتها الأرض والهوية، وتطوير هذه المقومات، وصولاً إلى تحقيق الغايات القومية الكبرى، وذلك في مواجهة الأخطار الخارجية والداخلية القائمة والمحتملة. وقد حددت دراسة أعدتها الأمانة العامة للجامعة في عام ١٩٩٣م ثلاثة أنواع من التحديات التي تواجه الأمن القومي العربي، وهي تحديات داخلية وإقليمية ودولية. وأبرمت الدول العربية في هذا الشأن معاهدة الدفاع المشترك، والتعاون الاقتصادي التي صادق عليها مجلس الجامعة في ١٣/٤/١٩٥٠م. وكان للجامعة دور في عدد من التهديدات التي تعرض لها الأمن القومي العربي، كالعدوان الثلاثي ١٩٥٦م (القمة العربية ببيروت ١٣ - ١٤/١١/ ١٩٥٦م) ، ومخططات إسرائيل لتحويل مياه نهر الأردن (مؤتمر القمة العربي ١٩٦٤م) ، والذي اعتبر وجود إسرائيل خطراً يهدد الأمة، كما اعتبر قيامها بتحويل مياه نهر الأردن يضاعف من خطرها على الوجود العربي. وهزيمة يونيو ١٩٦٧م (مؤتمر القمة بالخرطوم) ، وحرب العاشر من رمضان أكتوبر ١٩٧٣م؛ حيث قرر وزراء البترول العربي في ١٧/١٠/١٩٧٣م، استخدام سلاح البترول لمساندة الحق العربي، وغيرها من مؤتمرات القمة التي عقدت لمواجهة أزمات تهدد الأمن القومي العربي، إلا أن هناك قضايا محددة أظهرت ضعف الجامعة في هذا المجال ومنها: ١ - قضية الغزو العراقي للكويت عام ١٩٩٠م وحل الأزمة في إطار دولي، وبقيادة أمريكية غربية وليست عربية مما جعل أمريكا حينئذ تفرض أجندتها الخاصة بالمنطقة والتي تقوم بالأساس على حماية مصالحها في الشرق الأوسط وأهمها النفط، وحفظ أمن الكيان الصهيوني. ٢ - قضية الصراع العربي الإسرائيلي التي تأثرت كثيراً بالواقع الدولي والعربي؛ فالجامعة التي بدأت بإرسال المتطوعين إلى فلسطين في حرب ١٩٤٨م، ثم إنشاء جيش فلسطين في الدول العربية، وقرارات القمة العربية في الخرطوم ١٩٦٧م بعد هزيمة يونيو، والتي رفعت بالإجماع اللاءات الأربعة: لا تفاوض، لا صلح، ولا اعتراف بإسرائيل، ولا تصرف بالقضية الفلسطينية بغير موافقة الشعب الفلسطيني. سرعان ما تأثرت تلك القرارات الصادرة من الجامعة بدءاً من عام ١٩٨٢م بالدعوة إلى الاعتراف بإسرائيل، وحل قضية فلسطين على أساس قراري ٢٤٢ و٣٣٨، بدءاً من قمة فاس ١٩٨٢م، ثم قرار مجلس الجامعة العربية في دورة انعقاده العادية السادسة والتسعين في سبتمبر ١٩٩١م (تمهيداً لمؤتمر مدريد أكتوبر ١٩٩١م) ، وقرارها رقم ٥٠٩٢ الذي يرحب بالمساعي الرامية لإقامة سلام عادل وشامل في الشرق الأوسط على أساس قراري مجلس الأمن رقمي ٢٤٢ و٣٣٨، ومبادلة الأرض بالسلام. ولم يكن للجامعة موقف ثابت مميز عن باقي أعضائها، ولكن وضح من هذه القرارات تأثرها بمواقف أعضائها، خاصة الأطراف القوية فيها؛ فقمة بغداد ١٩٧٨م التي فرضت المقاطعة العربية على مصر بسبب توقيعها معاهدة كامب ديفيد (تأثراً بالأطراف المتشددة حينئذ خاصة العراق) ، تبعها قمة فاس والدار البيضاء، واجتماعات مجلس الجامعة المؤيدة لمفاوضات السلام. ٣ - مصادر التهديد المباشر للأمن القومي العربي: فرغم أن أخطرها على الإطلاق هو الكيان الصهيوني طبقاً لدراسات الجامعة والخبرة التاريخية، وآراء المتخصصين، إلا أن الواقع العربي يشهد نزوعاً، خاصة في عقد التسعينيات من القرن العشرين نحو التعاون مع الكيان الصهيوني؛ فهناك ثلاث دول عربية تقيم علاقات سياسية ودبلوماسية كاملة مع الكيان، وهي بالترتيب: (مصر - الأردن - موريتانيا) ، إضافة للتعاون التجاري (مكاتب التمثيل التجاري المتبادلة مع تونس وقطر وعُمان) ، والعلاقات التاريخية المغربية مع الكيان، إضافة لبوادر علاقات جزائرية صهيونية، ولم يعطل تطور تلك العلاقات الصهيونية العربية، إلا انتفاضة الأقصى، والضغوط الشعبية الداخلية الرافضة لتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، إلا أنه رغم ذلك فهناك دلائل على التباطؤ الرسمي في مواجهة الكيان الصهيوني منها: ١ - التخاذل في دعم انتفاضة الأقصى حتى على المستوى المالي. ٢ - إخفاق اجتماع لجان المقاطعة التابعة للجامعة العربية، وأول مرة يجتمع العدد اللازم لانعقادها على مستوى الخبراء في دمشق يوليو ٢٠٠١م، وليس المندوبين الممثلين رسمياً لدولهم بحضور ١٣ دولة وغياب دول أخرى كلها ترتبط بعلاقات مباشرة أو غير مباشرة بالكيان الصهيوني. ٣ - توقيع ١٢ دولة عربية على معاهدة حظر انتشار الأسلحة الكيماوية، والتصديق عليها عدا: الأردن، الجزائر، البحرين، الكويت، موريتانيا، والمغرب، وعمان، وقطر، والسعودية، وتونس، والإمارات، واليمن، رغم عدم توقيع إسرائيل حتى الآن على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية التي وقعت عليها الدول العربية، وهو الأمر الذي يوضح الفجوة بين تعريف الجامعة للأمن العربي من ناحية، والاهتمامات الفعلية للدول العربية من ناحية ثانية. ٤ - حتى المناورات العسكرية العربية المشتركة تكون محدودة العدد والعتاد، وأكبرها دائماً تكون بمشاركة أجنبية خاصة الأمريكية، كمناورات النجم الساطع بمشاركة: (مصر، والإمارات، والكويت، والأردن) ، إضافة للولايات المتحدة، ومناورات مرجان: (مصر، والسعودية) ، وفيصل (مصر، والسعودية) ، وكلها حديثة العهد ومحدودة الأسلحة. ثانياً: المجال الاقتصادي: رغم أن الجامعة العربية قد تكون أولى المنظمات الإقليمية التي وقعت على معاهدة للتعاون الاقتصادي (معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي ١٩٥٠م) ، إلا أن الواقع العربي الآن يؤكد أن أضعف الروابط الاقتصادية الإقليمية هي المنطقة العربية. وقد تشكلت العديد من الهيئات التابعة للجامعة، وتم التوقيع على كثير من المعاهدات الخاصة بهذا الشأن، ومنها اتفاقية الوحدة الاقتصادية ٣/٦/١٩٥٧م، والتي نصت في مادتها الأولى على أن «تقوم بين دول الجامعة العربية وحدة اقتصادية كاملة تضمن بصورة خاصة لتلك الدول ولرعاياها على قدم المساواة حرية انتقال الأموال والأشخاص، وتبادل البضائع والمنتجات، وحرية الإقامة، والعمل، والنقل، والتملك، والوصية، والميراث» . وفي ١٣/٨/١٩٦٤م وافق مجلس الوحدة الاقتصادية على قيام السوق العربية المشتركة التي وقعت على اتفاقيتها ٤ دول: الأردن، وسورية، والعراق، ومصر، ثم انضمت إليها: ليبيا وموريتانيا واليمن بإجمالي ١٢٠ مليون نسمة في الدول السبع عام ١٩٩٥، وتم وضع جدول أو خطة لتخفيض الرسوم الجمركية بين دول الاتفاقية، وبعد خمس سنوات تبدأ عام ١٩٧٠م تنتهي بتوحيد الرسوم الجمركية تجاه الدول الأعضاء على خمس مراحل. ومع عدم تنفيذ اتفاقية السوق ولمحدودية عدد الدول المنضمة إليها، وقرارات عدد من القمم العربية وأهمها قمة عمان ١٩٨٠ التي وضعت استراتيجية للعمل الاقتصادي العربي المشترك؛ إلا أنها تعثرت في التطبيق كذلك، وتم التوصل عام ١٩٩٧ الاتفاق على إقامة منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى على أن يبدأ تنفيذها من يناير ١٩٩٨م لمواجهة تطورات التجارة العالمية في ظل اتفاقية الجات، إضافة لتزامن ذلك الإعلان مع تطبيق معظم الدول العربية لبرامج الإصلاح الاقتصادية والهيكلية باتجاه تحرير هياكل الأسعار، والعمل بآلية السوق، وفي ضوء ذلك أصدرت القمة العربية بالقاهرة ١٩٩٦م تكليفاً للمجلس الاجتماعي والاقتصادي بالإسراع في إقامة منطقة التجارة الحرة العربية خلال عشر سنوات يتم خلالها خفض الجمارك البينية بنسبة ١٠% كل عام للوصول لمنطقة التجارة العربية الحرة الكبرى عام ٢٠٠٧م، إلا أنه ومع مرور ٤ أعوام على بدء تنفيذ الإعلان، واجهتها معوقات بطء إجراءات التنفيذ والبيروقراطية، والسياسات الاقتصادية التي تحكمها النظرة المالية الجزئية، وسلسلة الحواجز الجمركية، وغير الجمركية التي ما زالت يحتمي خلفها عديد من القطاعات الاقتصادية، إضافة إلى انخفاض مستوى الخدمات المصاحبة للتجارة العربية البينية كالنقل البري، والجوي، والبحري، والخدمات المالية، والمصرفية، والاتصالات، والمعلومات، وتعقيدات الإجراءات الحدودية، والجمركية والترانزيت. ومن ثم فلم يصل الخفض في الجمارك إلى ٤٠% خلال عام ٢٠٠٠م، كما هو مفترض، وذلك بسبب القيود السابقة السالف ذكرها. * هل يمكن التطوير؟ تم طرح العديد من الأفكار في الماضي لتطوير عمل الجامعة العربية قد يكون أبرزها اتفاقية الدفاع المشترك، والتعاون الاقتصادي الموقعة عام ١٩٥٠م، والتي اعتبرها البعض بمثابة تعديل أو تطوير لميثاق الجامعة، إلا أن كل جهود الجامعة لتطوير وتفعيل دورها في العمل العربي المشترك سواء السياسي، أو الاقتصادي، أو الأمني يتوقف على عوامل ثلاثة: العامل الأول: ميثاق الجامعة ذاته: حيث يقيد الميثاق قدرات الجامعة على التحرك، ويصر على استقلالية الدول المنضمة، واتخاذ القرارات بالإجماع قبل قمة القاهرة ٢٠٠٠م التي عدلت الميثاق لاتخاذ القرارات بالتوافق العام، وهي حد من قدرة الأمين العام على الحركة والتدخل دون طلب مسبق في الأزمات العربية - العربية المشتركة، والتي يقتصر دوره غالباً على الوساطة. العامل الثاني: هو الواقع العربي ذاته: فكلما سيطرت الطبيعة التعاونية على الواقع والنظام العربي خاصة في ظل وجود تهديد خارجي قوي تكون قدرة الجامعة أكبر على التحرك، واتخاذ القرارات التي تنطق، وأهمها حرب ١٩٧٣م، والتي نفذت معظم قرارات الجامعة بشأنها ومنها: استخدام سلاح البترول ضد الدول المؤيدة للكيان الصهيوني، كذلك في قمة بغداد ١٩٧٧م بتجميد عضوية مصر لدخولها مفاوضات سلام، وتوقيع اتفاقية سلام مشتركة مع الكيان الصهيوني. كما أنه عندما يغلب الطابع الصراعي على العمل العربي المشترك يتم شل حركة الجامعة، ومحاولة التأثير على قراراتها لصالح أحد أطراف النزاع أو مجموعة دول معينة. وبدأ ذلك مع الغزو العراقي للكويت عام ١٩٩٠م، ثم مؤتمر مدريد ١٩٩١م، والذي أنهى رسمياً فكرة الحرب في الصراع العربي - الصهيوني، وتم إجراء كل مفاوضات التسوية المتعددة أو الثنائية خارج إطار الجامعة. إلا أنه مع اندلاع انتفاضة الأقصي، وتزايد الخطر الصهيوني مرة أخرى على الأمن العربي، خاصة مع قدوم أرييل شارون - رئيساً للحكومة الصهيونية - في مارس ٢٠٠١م بدأ التعافي يعود للجامعة مرة أخرى مع قرارات قمة القاهرة أكتوبر ٢٠٠٠، التي أقرت آلية انعقاد القمة العربية سنوياً، وقمة عمان مارس ٢٠٠١م، التي فوضت الأمين العام في وضع خطة التطوير للجامعة ثم قمة بيروت مارس ٢٠٠٢م، ثم قمة شرم الشيخ مارس ٢٠٠٣م. العامل الثالث: طبيعة شخصية الأمين العام: والتي غالباً لا تخرج عن أحد طابعين: فإما أن يعمل في إطار الميثاق، أو يعمل في إطار أقل منه، ويغلب عليه الخمول في العمل، خاصة إذا كان المحيط العربي مثبطاً (أكبر مثال الفترة من ١٩٩١ - ٢٠٠١م) ، أما الطبيعة الثانية فهي الطبيعة الحركية، والتي تعمل على تفعيل الميثاق والحركة خارجه، ومحاولة تطويره ليزيد من قدرة الأمين العام، بل الحركة خاصة إذا كان المحيط العربي مشجعاً؛ وأبرز مثال على ذلك هما: الأمين العام الأول للجامعة العربية عبد الرحمن عزام (١٩٤٥ - ١٩٥٢م) ، الذي كان على درجة وزير مفوض، إلا أن جهوده امتدت حتى الدول الإسلامية ذاتها؛ وذلك بقرار الجامعة الشهير حينئذ بتبني قضية حرية واستقلال إندونيسيا، ودعا إلى استقلالها، وطرح هذا الأمر أمام الجامعة التي كانت أول منظمة دولية تعترف باستقلال إندونيسيا، فضلاً عن تولي عزام لهذه القضية أمام الأمم المتحدة. أما النموذج الثاني فهو الأمين العام الحالي السيد عمرو موسى الذي تولى الأمانة العامة في ١٦/٥/٢٠٠١م في ظل ظروف عربية مواتية لدور أكبر للجامعة، إضافة لطبيعته الحركية والدؤوبة، والذي وضع خطة للنهوض بالجامعة، وتفعيل دورها استناداً لتفويض قمة عمان له في ذلك. * واقع جديد: إلا أن التطورات العربية الأخيرة والتي تمثلت في الاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق، وانتقاد بعض الدول العربية لأداء الجامعة العربية وأمينها العام أثناء الأزمة؛ حيث اتهمها البعض ممثلة في شخص أمينها العام بالانحياز للعراق (الموقف الكويتي خاصة) بينما اتهمها البعض الآخر بالشلل أمام الأزمات العربية الكبرى (بعض المراقبين إضافة لدول مثل ليبيا) طرحت مرة أخرى قضية تطوير الجامعة العربية على المستوى العربي مرة أخرى، وهنا تم إثارة عدد من مشاريع التطوير منها مشروع الأمين العام عمرو موسي الذي طرحه منذ تولى الأمانة العامة للجامعة، ومشروع مصري في إطار البلورة، إضافة لأطروحات سعودية وسودانية وقطرية وليبية للتطوير لم تحدد معالمها بعد. * رؤية مستقبلية: التطورات المتلاحقة أخيراً في العراق والواقع العربي عامة طرحت بقوة مستقبل الجامعة العربية والنظام العربي بصفة عامة والتي تتمثل في عدد من الاحتمالات أهمها: ١ - بقاء الوضع على ما هو عليه باستمرار الجامعة على وضعها الحالي وطبقاً للميثاق الذي يحكم عملها ومرور (الزوبعة) الحالية عن مستقبل الجامعة مثل سابقاتها منذ حرب الخليج الثانية عام ١٩٩١م. ٢ - احتمال إيجابي بأن يتم الشروع في تنفيذ أي من مشاريع التطوير المطروحة سواء المصرية أو تلك التي طرحها موسى وشرع في تنفيذها منذ توليه الأمانة العامة منذ عامين، مع أهمية الإقرار بأن مشروعات التطوير نفسها تعمل في ظل أطر ومسلَّمات هي من صلب ميثاق الجامعة وتمثل في حد ذاتها عائقاً لا يمكن تجاوزه لتحقيق مستوى إيجابي من التعاون العربي، أضف إلى ذلك المعطيات الواقعية والتي لن تجعل لمشاريع التطوير أثراً حقيقياً. ٣ - استمرار الوضع الحالي للجامعة مع نشأة بدائل إقليمية جديدة تحقق المطالب الأمريكية على وجه الخصوص. وهنا تبرز أزمة شرعية النظام العراقي الجديد تحت الاحتلال ومدى إمكانية تمثيله في الجامعة مما يضع الجامعة في مأزق إذا قبلت الحكومة الجديدة أو رفضتها؛ ففي حالة القبول سيتم تأصيل مبدأ عربي جديد بقبول الأنظمة غير الشرعية والمفروضة من قوى أجنبية، أما إذا تم الرفض فسيكون المأزق في مواجهة القوى الدولية الكبرى خاصة الولايات المتحدة، ويزيد الوضع سوءاً إذا اعترفت الأمم المتحدة بالنظام الجديد. وهو الأمر الذي جعل موسى يؤكد في رده على سؤال أحد الصحفيين أثناء وجوده في الدوحة هذا الشهر حول مستقبل النظام العربي قائلاً: «النظام العربي مهدد بالفعل بشكل كبير، وعلينا أن نفعل كل ما نستطيع لإنقاذه، وفي الوقت نفسه العمل على تطويره» . ويمكن أن يكون الوضع المتوقع بمحاولة أمريكية لتطبيق النموذج الأوروبي على المنطقة العربية؛ وذلك بالسماح للدول العربية بتطوير علاقاتها الاقتصادية؛ لأن ذلك يخدم المصالح الأمريكية؛ مع انفراد الولايات المتحدة بوضع الخريطة الأمنية للمنطقة بما يحقق مصالحها الأمنية في المنطقة وهي بالأساس: - استمرار احتلالها للعراق. - استمرار وجودها العسكري في الخليج قريباً من منابع النفط. - حماية أمن الكيان الصهيوني وردع أي دولة تهدده بالوجود القوي والقريب للقوات الأمريكية في المنطقة العربية. ويمكن تطوير ذلك بإنشاء حلف عسكري (أمريكي - صهيوني - تركي - عراقي) في المنطقة يتم فيه ضم الدول الصديقة، واستبعاد وتهديد الدول والمنظمات المعادية للوجود الامريكي - الصهيوني في المنطقة على غرار حلف بغداد في خمسينيات القرن العشرين الميلادي أو نموذج الاتحاد الأوروبي (اقتصادياً) وهيمنة أمريكية (عسكرية) على أوروبا في الوقت ذاته من خلال حلف شمال الأطلنطي. ٤ - الاحتمال الرابع والأكثر تشاؤماً وهو إلغاء الجامعة العربية مقابل مزيد من التفتيت للنظام العربي أو للدول العربية، وتطبيق خطة سايكس - بيكو أمريكية جديدة للمنطقة العربية تقوم على مزيد من التفتيت والإضعاف مقابل مزيد من الهيمنة والقوة والسيطرة الأمريكية الصهيونية عليها؛ خاصة في ظل توقف وتهديد بعض الدول عن دفع حصتها المالية في ميزانية الجامعة، وتهديد البعض الآخر بالانسحاب من العضوية بين الفينة والأخرى (أهمها ليبيا) ، وخلافات بعض الدول المتزايدة مع الجامعة بالخلط المقصود أو غير المقصود بين الخلاف مع أمين عام الجامعة عمرو موسى وبين الجامعة كمؤسسة أو منظمة كمسوغ للتهديد بالانسحاب أو تجميد العضوية أو وقف دفع الحصة المالية في ميزانية الجامعة إضافة لتزايد مشاكل عضوية بعض الدول لمشاكل واضطرابات داخلية (جزر القمر - الصومال) أو لفرض حكومات أو إدارات غير شرعية من قِبَل الاحتلال المباشر الأمريكي - في العراق - والصهيوني - في فلسطين -. * دلالات هامة: ما يتعرض له النظام العربي حالياً الذي هو جزء من نظام إسلامي أكبر من محاولات أمريكية دؤوبة مباشرة أو بالوكالة لتفتيته وإضعافه تثير عدداً من الدلالات الهامة منها: ١ - أننا في إطار حديثنا عن النشأة الضعيفة والأهداف التاريخية التي وصفها البعض بالمشبوهة لإنشاء الجامعة العربية يجب التفرقة بين القومية كمبدأ علماني مرفوض والانتماء والتعاون العربي المنشود كجزء من انتماء وهدف منشود أكبر وهو الوحدة الإسلامية. ٢ - إن هذا الفشل المتوالي والمتراكم بإرادتنا أو بالضغط علينا للنظام العربي تؤكد إخفاق القومية كأساس للانتماء مقابل أهمية الإسلام كأساس للانتماء والتعاون والتعاضد؛ خاصة في مقابل حرب مفروضة علينا تحت شعارات ورؤى دينية نصرانية أو يهودية، وهذا يؤكد على أن كل الأطروحات القائمة على منطلقات قومية علمانية لن تقدم للأمة سوى مزيد من الخذلان والتراجع، ويكفي أن التيار الغالب في الإدارة الأميركية الحالية يدفع بالمنطلقات الدينية إلى الواجهة، وبدون مواربة.

стр. 4610

ملفات التغيير القادم هل سبب الحرب اقتصادي؟ وما الآثار المترتبة على دول المنطقة ؟ د. أحمد علي الغامدي * مقدمة لا بد منها: نقل عبد الوهاب بدرخان في عدد الحياة بتاريخ ٢٤/٤/٢٠٠٣م كاريكاتيراً عن جريدة «هيرالد تربيون» التي تصدر في شيكاغو بالولايات المتحدة، وفي هذا الكاريكاتير يظهر رجل أمريكي يحدّث نفسه قائلاً: العراق ثم سوريا نزولاً إلى الأردن ثم السعودية ومنها إلى إيران، وعودة إلى أفغانستان إحياءً للزمن السابق، فتنظيف باكستان والهند ثم الصين ومنها إلى كوريا الشمالية، عودة إلى روسيا ومنها مباشرة إلى أوروبا القديمة. ويأتي سؤال من خارج الصورة: ماذا عن خريطة الطريق؟ ويأتي الجواب: هذا ما كنت أبحث عنه!! الكاريكاتير يرمز إلى السياسة الخارجية الأمريكية، ويرسم صورة لمبادئها الاستراتيجية، ومعلوم أن فن الكاريكاتير يركز على عناصر محددة من رسالته ويضخمها، وعليه فقد يقول قائل: هذا ضرب من الخيال. وقد يكون كذلك، ولكنه بالتأكيد يعطي طرفاً من الصورة كما سوف يتضح لاحقاً. هناك تطور آخر دقيق في السياسة الخارجية الأمريكية بدأ بالظهور في أواخر التسعينيات، وتبلور في ظل الإدارة الأمريكية الحالية. ويتلخص هذا التبلور في عدم رضا المحافظين الجدد عن السياسة القائمة على بناء تحالفات مع قوى إقليمية مختلفة، والاستناد عليها في تحقيق المصالح والأهداف المختلفة، ورغبتهم في تجاوز ذلك إلى مباشرة تحقيق المصالح والأهداف بالآلة الأمريكية. وقد نشر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في نشرته رقم (١) يناير ٢٠٠٣م كلاماً صريحاً بهذا الخصوص لـ «بول ولففيتز، وكونداليزا رايس» وغيرهم من كبار المحافظين الجدد. وليس غريباً أن يأتي في هذا السياق اختيار بول بريمر ليكون رئيساً للإدارة المدنية للعراق، وبريمر هو المنظِّر الرئيسي لفلسفة الضربات الاستباقية، وقد شغل وظائف عدة عالية في ميدان مواجهة الإرهاب، وخاصة من هذا المنظور؛ على الرغم مما يكتنفه مفهوم الإرهاب من عدم التحديد للمدلول. ونقطة أخيرة في هذه الاستراتيجية الجديدة والتي تؤكدها الإدارة الأمريكية الحالية، وإن كانت قد بدأت أثناء الإدارة السابقة، وهي سعي الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلى حماية المصالح الأمريكية على المستوى العالمي بالطرق المختلفة، ومن هذه الطرق: - منع تطور أي أنظمة تستند إلى أسس عقائدية، وخاصة في الشرق عموماً، والشرق الأوسط خصوصاً. - ومن ذلك تصدي الولايات المتحدة لقيام تحالفات بين الصين وبعض الدول الإسلامية، وغير ذلك مما لا يخفى. (وقد كتب نعمان الرياني تقريراً مفصلاً في الأهرام الاقتصادي الأسبوع الأخير من أبريل ٢٠٠٣م، فيمكن الرجوع إليه) . هذه مجرد لمحة عن بعض العناصر المهمة للسياسة الخارجية الأمريكية في الوقت الحاضر؛ لا بد من استحضارها في الذهن عند الحديث عن الحرب على العراق. * الأسباب: ١ - مهما حاولت أن تتهرب من إدراك تأثير البعد الاستراتيجي والسعي إلى الهيمنة في ظل أحادية القوة في الحرب؛ فلن تفلح، فالتأثير أساسي وجوهري، ولكنه عامل مشترك في هذا الموضوع وفي موضوعات أخرى، ولعله يكفي ما ذكرنا في المقدمة عن هذا الشأن؛ رعايةً للمساحة المخصصة للموضوع، وأستثني من ذلك مقالة طريفة كتبها «نورمان ميللر» في جريدة الفاينانشال تايمز اللندنية المرموقة، وترجمتها جريدة البيان الإماراتية في عددها الصادر في ٦/٥/٢٠٠٣م، وتتلخص في أن القلاع الأمريكية الثلاث الكبيرة، وهي (قطاع الشركات، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، والكنيسة) ؛ قد منيت بفضائح منفصلة كبيرة شوهت سمعتها، ولأن الإدارة الأمريكية لن تستطيع حل أي من هذه المشكلات؛ فكان لا بد من مغامرة كبيرة تعيد شيئاً من كبرياء «الذكر الأمريكي الأبيض (ضد الأنثى) » التي سقطت، ولذا كان المخْرَج هو الحرب، وحيث إن «الذكور البيض» يسيطرون على القوات المسلحة؛ فانتصارهم سيعيد هذا الكبرياء إلى «الذكر الأبيض» ويحقق هيمنة جديدة، ومن ثم فالسؤال عن «سبب الحرب» جوابه: لأننا بحاجة إلى ذلك؛ حيث إن الأسباب المعلنة كلها تسقط عند أي محاولة جادة لفحصها. ٢ - مع الأخذ في الحسبان السبب السابق وعدِّه سبباً عاماً؛ فالسبب الخاص والمباشر هو (النفط) . والحديث عن النفط ذو شجون، ولكن يمكن تلخيصه في النقاط الآتية: هناك تحليلان رئيسان للتأثير النفطي: أ - الأول: مارست الأوبك دوراً فاعلاً في السوق النفطية في السنوات المتأخرة، فعند انهيار أسعار النفط في آخر التسعينيات واجهت الدول المنتجة للنفط مصاعب اقتصادية بالغة الصعوبة، وانعكس ذلك على برامجها التنموية، وما يصاحب ذلك من تداعيات اجتماعية وأمنية وربما حتى سياسية، وواجهت الدول المعتدلة، والتي كانت تتبع سياسة المحافظة على سعر معتدل، معضلة كبيرة؛ فإما أن تظل تساهم في الحفاظ على السعر المنخفض، وظروفها الاقتصادية لا تسمح لها بذلك. وإما أن تسعى إلى دعم السعر؛ مما قد يثير حفيظة الدول المستهلكة الرئيسة. ونجحت مساعي الأوبك في وضع مجال سعري معقول للدول المنتجة والمستهلكة، ونجحت أيضاً في دعم هذا المجال السعري والمحافظة عليه، سواء بخفض الإنتاج إذا انخفض السعر عن الحد الأدنى، أو بزيادة المعروض النفطي إذا زاد السعر عن الحد الأقصى. ولكن هذا النجاح لم يرق للمستهلك الرئيسي، وخاصة الأمريكي الذي راقه أن يكون السعر عند ١٣ - ١٤ دولاراً للبرميل، وبالتالي ساءه أن يكون السعر عند ٢٥ - ٢٦ دولاراً. وفي ظل هذه الظروف، مروراً بالملابسات التاريخية والأحداث التي عاشها العراق خلال العقد الماضي، كان النفط العراقي يشكل بريقاً شديداً يثير شهوة المستهلك الأمريكي. إن وقوع النفط العراقي تحت السيطرة الأمريكية قد يؤدي إلى خروج العراق من الأوبك؛ مما سيشكل شرخاً كبيراً في الأوبك ويضعف فاعليتها في التأثير في سعر النفط في السوق العالمية. وحتى لو لم تخرج العراق من الأوبك؛ فإنها ستضغط بكل الوسائل لزيادة إنتاجها حتى لو لم يرق ذلك لأعضاء الأوبك، وستزيد كمية النفط المعروض بشكل ملحوظ، وستنخفض الأسعار إلى مستويات تاريخية، ويتخلص المستهلكون الرئيسيون من إزعاج الأوبك السعري أو من جزء كبير منه. ب - التحليل الثاني: أنه في فترة الحصار الطويل على العراق وعدم إقدام كثير من الدول الغربية على الاستثمار في مشاريع أساسية في العراق؛ فقد قام النظام العراقي بتقديم امتيازات وإغراءات نفطية كبيرة للشركات الفرنسية والصينية والروسية التي كانت تعمل في الاقتصاد العراقي، وقد كانت هذه الامتيازات جذابة، ولم تنل منها الشركات الأمريكية أو البريطانية شيئاً بحكم الحصار المفروض على العراق، وفي ظل جاذبية النفط العراقي كما سيرد لاحقاً وظل الشهوة المتفاقمة للسيطرة على مصادر الطاقة، وظل الملابسات التاريخية والاستراتيجية المذكورة أعلاه؛ تتضح أهمية موقع النفط في دائرة الحرب. فالنفط العراقي جذاب لأن: ١ - المخزون الثابت للنفط العراقي يزيد عن ١١٢ مليار برميل، وغير الثابت أكثر من ذلك بكثير، وقد ساهم الحصار في عدم زيادته، وعندما ينتهي الحصار وتستأنف أعمال البحث والتنقيب بجدية؛ فقد تزيد كمية الثابت بنسبة كبيرة. ٢ - أن نفط العراق من أرخص نفط العالم؛ إذ تبلغ تكلفته بين (١ إلى ١) دولار للبرميل الواحد، وتبرز أهمية هذا العامل إذا عُلم أن انخفاض سعر البترول إلى قريب من عشرة دولارات؛ يُخرج كثيراً من المنتجين الأمريكيين وبعض الأوروبيين من السوق؛ لأن إنتاجهم حينئذ يكون غير مُجْد. ٣ - أن كل دولار يتغير به سعر النفط ينعكس بما يعادل ٤ مليارات دولار على الاقتصاد الأمريكي. ٤ - أن أمريكا لم تعد في مقدمة الدول ذات المخزون النفطي المرتفع، وإنما أصبحت في ذيل القائمة. ٥ - أن عدداً من الدول المصدرة والمؤثرة حالياً في سوق النفط ستتحول قريباً إلى دول مستهلكة للنفظ، ومنها بريطانيا، والنرويج، وفنزويلا، وليبيا. ٦ - تشير دراسات دقيقة إلى أنه بالإمكان أن يبلغ إنتاج العراق قرابة ثلاثة ملايين برميل يومياً بنهاية العام الحالي، كما تشير إلى أن الإمكانات الطبيعية للإنتاج تتراوح بين ١٠ - ١٥ مليون برميل يومياً، ولكن ذلك يحتاج إلى استثمارات ضخمة، وإلى عدة سنوات من العمل الدؤوب في التجهيز الميداني لذلك. وأخيراً؛ فإذا تصورنا الموقع الجغرافي للنفط العراقي الذي يقع شمال بترول الخليج الذي تحتفظ أمريكا بعلاقات مميزة مع دوله، ويقع جنوب نفط بحر قزوين الذي ما زالت أمريكا تسعى لتحصل منه على حصة الأسد، وقد تحقق لها ذلك.. وما زال الجهد مستمراً، إذا تصورنا هذا الموقع الجغرافي؛ تبين لنا ازدياد أهمية النفط العراقي الذي يقع في قلب مركز الاحتياط النفطي الرئيس في العالم. وإذا وضعنا في تقديرنا حجم الاستهلاك المتزايد للطاقة، وأهمية ذلك للاقتصاد العالمي والأمريكي بوجه خاص نظراً لضخامة الكميات المستهلكة، وما يستتبع ذلك من النمو والاستقرار في العالم، وإذا وضعنا في تقديرنا أن البدائل الأخرى للطاقة عوضاً عن النفط ما زالت تتدهور يوماً بعد يوم، فالطاقة النووية باهظة التكاليف، معقدة التقنية، وبالغة الخطورة، ويتضح ذلك جلياً في تراجع هذا الخيار بعد حادثتي «تشيرنوبل» و «ثري مايل أيلاند» ، والطاقة المستخرجة من الفحم على الرغم من توفرها في أماكن من العالم لكن آثارها البيئية أفقدتها كثيراً من أهميتها؛ مما أدى إلى تراجع التقدم التقني في هذا الميدان، أما الطاقة الشمسية فما زالت في البدايات. من كل هذه المتغيرات مجتمعة؛ تظهر أهمية النفط بصورة جلية، وأهمية النفط العراقي في دائرة الحرب. * الآثار: أي حرب لا بد أن تترك آثاراً في الأطراف المباشرة لها، وقد تترك آثاراً في الأطراف غير المباشرة، وفي إطار حديثنا السابق؛ فسوف نتطرق للآثار الاقتصادية فقط، والآثار الواقعة على الدول المجاورة من الناحية الجغرافية لمسرح الحرب؛ إذ إن الآثار الاقتصادية تنصب في مجملها على تلك البقعة الجغرافية التي تشمل العراق بطبيعة الحال باعتبارها مسرح الحرب، ودول الخليج باعتبارها ملاصقة لمسرح الحدث ولا بد أن تطولها الآثار، وكذلك كل من سوريا ولبنان والأردن وكذلك مصر، أما الدول العربية الأبعد عن مسرح الحرب؛ فآثار الحرب المباشرة عليها قد لا تكون جوهرية. وأما إيران فعلى الرغم من مجاورتها ولكن علاقاتها الاقتصادية مع العراق قبل الحرب كانت محدودة، ولذلك آثرنا عدم الخوض في الحديث عنها، ولشح المعلومات المتوفرة في هذا الشأن من جهة أخرى. ١ - العراق: آثار الحرب الاقتصادية على العراق لا يكاد يخلو منها ميدان من ميادين الاقتصاد، فقد طالت مجال الصناعة والزراعة والتجارة والاستثمار والبطالة واستقرار العملة وغير ذلك، ولكن في إطار حديثنا المقتضب هنا بما يتناسب مع المطبوعة، فسنقصر الحديث على الجوانب العريضة جداً ذات العلاقة. أ - مع الأسف فالعراق من الدول المرهقة جداً بالديون: إذ يتجاوز حجم الدين العراقي مائتي مليار دولار، وهذه المبالغ ليست نتيجة الحرب، بل للوضع الاقتصادي الذي كانت تعيشه العراق قبل الحرب؛ مما سيفاقم الآثار المترتبة على الحرب كما سيظهر لاحقاً. ب - الخسائر المباشرة: وهي المترتبة على التجهيزات العسكرية، والبنى التحتية الاقتصادية من كهرباء واتصالات ومرافق وغيرها، ومئات الألوف الذين فقدوا عملهم الذي قد لا يعود إليهم. والخسائر في هذه المجالات لا يوجد لها أي إحصاءات، ولكنها بالتأكيد قد تتجاوز عشرات المليارات إلى مئاتها، وهنا يضيف عبئاً آخر ثقيلاً على عبء الدين الوارد في الفقرة السابقة. ج - تكاليف الإعمار سوف تكون باهظة جداً لأنها: ١ - تغطي تكاليف إعادة إعمار ما دمرته الحرب، وهذا بمفرده يحتاج إلى ميزانيات ضخمة. ٢ - تغطي تكاليف إعادة إعمار البنى التحتية المهترئة التي أفنتها سنوات الحصار الطويلة. ٣ - تغطي تكاليف البرامج التنموية الضرورية لانطلاق مستوى معقول من الحياة الإنسانية. ٤ - تغطي تكاليف أو على الأقل بعض تكاليف الإدارة الأمريكية أو الدولية التي تدير شؤون العراق إلى أن تنتهي مهمة هذه الإدارة، وهذا البند بمفرده يحتاج إلى عشرات المليارات من الدولارات. د - تجدر الإشارة هنا إلى أن الإدارة الأمريكية كانت واضحة وصريحة في حصرها حق العمل في إعادة الإعمار على الشركات الأمريكية فقط، وعلى الشركات البريطانية على استحياء: وقد حاولت فرنسا وألمانيا وروسيا الضغط على أن تكون مهمة الإعمار من شأن الأمم المتحدة، وباءت كل تلك المحاولات بالإخفاق؛ إذ ما زالت الإدارة الأمريكية في العراق تصر بشدة على أن دور الأمم المتحدة سوف يقتصر على الجانب الإنساني فقط، ولن تسمح لأولئك الذين عارضوها في مجلس الأمن بالمشاركة الاقتصادية، بل لقد سدت الباب عليهم وعلى غيرهم، وقد بدأت الإدارة الأمريكية في العراق في تنفيذ ذلك الموقف فقامت بترسية أول عقودها على شركة «بكتل» الأمريكية بمبلغ ستمائة وخمسين مليون دولار لأول أعمال إعادة الإعمار، وتدور أحاديث كثيرة عن حصول شركة «هالبيرتون» التي رأسها ديك تشيني خلال المدة ١٩٩٥ - ٢٠٠٠م على عقد ضخم لإنتاج وتوزيع النفط العراقي محلياً، وكذلك إطفاء حرائق النفط وإعادة إعمار منشآته. وتشير التكهنات إلى أن قيمة هذا العقد قد تصل إلى سبعة مليارات دولار (انظر التفاصيل في جريدة الوطن السعودية عدد ٩٥١) ، أما عقود الكهرباء والاتصالات وإعادة بناء المطارات وغيرها فما زالت في الطريق، والحريص على معرفة مصير هذه العقود فعليه متابعة الصحافة العالمية التي تتابع أخبارها أولاً بأول، والتي لا يتوقع أن تتاح لغير الشركات الأمريكية حسب التوجه الصريح المعلن بهذا الخصوص. أما نفقات الحرب التي تكبدتها الخزانتان الأمريكية والبريطانية وهي ليست بيسيرة، فحتى إن تحملتها الدولتان فلا يعتقد أنها سوف تتحمل نفقات بقاء هذه القوات إلى أن تنتهي المهمة التي رسمتها لها حكومتها. وهذه النفقات يقدرها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بمبلغ يتراوح بين ٢٠ - ٥٠ مليار دولار في السنة، وهذه التقديرات مبنية على تجارب سابقة للقوات الأمريكية في البوسنة والهرسك واليابان وكوريا، وعليه فيتوقع أن تكون تكاليف الإدارة الأمريكية للشأن العراقي في المدى القصير بين ١٠٠ - ١٥٠ مليار دولار، ترى هل يعقل أن يتم تحميل دافع الضرائب الأمريكي هذا المبلغ؟! هـ - في ضوء هذه التكاليف المتنوعة لتغطية آثار الحرب؛ فمهما بلغ إنتاج النفط العراقي، ومهما بلغت عائداته وتم إنفاقها بأسلوب أمثل؛ فإن هذه التكاليف ستستهلك مدة تتراوح بين ١٠ - ١٥ سنة قادمة: لذلك فإن الرخاء الاقتصادي حتى الجزئي ما زال بعيد المنال، ولكن مع ذلك يجب أن نشير إلى جزئية أخرى هنا، وهي أن أعمال إعادة الإعمار ورفع الحصار، وبالتالي فتح باب التبادل التجاري مع الخارج ستوجد ورشة عمل ضخمة في السوق العراقي، يتوقع أن ينعكس أثرها إيجاباً على فرص العمل للأفراد والمؤسسات في الاقتصاد العراقي، وكذلك الآثار المتوالية لذلك لزيادة الدخل وانعكاسها على الطلب المحلي والعالمي، وعليه فيتوقع أن يخرج وجه إيجابي جديد للاقتصاد العراقي، ولكن هذا الوجه لن يكون فاتناً كثيراً لشدة الإجهاد الذي يجب علاجه قبل أن تظهر تلك الفتنة، والتي لا يتوقع أن تظهر قبل مدة تقل عن عشر سنوات، هذا إن سارت الأمور على ما يرام. ونقطة أخيرة في هذا الباب، وهي أن العراق باعتباره دولة نفطية فلا يتوقع أن هناك مساعدات دولية لإعادة إعماره لا من الدول الغربية ولا من غيرها: وإن وجدت تلك المساعدات فستكون محدودة، ولكن الإدارة الأمريكية دعت الدول الدائنة لإسقاط ديونها عن العراق، ودعت حلفاءها إلى الاستثمار في العراق، وقد عرضت اليابان المتخمة بالثروة المالية والتي تبحث عن قنوات استثمار؛ بعد أن سجلت أسعار الفائدة أرقاماً تاريخية في الانخفاض تقديم استثمارات أو قروض في بعض مجالات الاقتصاد العراقي. ٢ - دول الخليج: إذا استثنينا الكويت فدول الخليج لم تشارك في هذه الحرب، ومن ثم فلم يترتب عليها تكاليف مباشرة للحرب باستثناء التكاليف الروتينية لجعل قواتها في حالة تأهب، أو لتغطية تكاليف قوات درع الجزيرة التي رابطت في الكويت، ولم تورد وسائل الإعلام أنها شاركت في الحرب مباشرة. لكن اقتصاديات دول الخليج تأثرت تأثيراً كبيراً بسبب قربها من الناحية الجغرافية من مسرح الأحداث، وهذا التأثر طال مجالات كثيرة منها مجال النقل الجوي الذي تأثر بشكل واضح، وكذلك النقل البحري، والتأمين، والسياحة، وكذلك القطاع المصرفي، وجاذبية الاستثمار في وجه خاص، وقد تأثر أيضاً أداء القطاع التجاري بشكل خاص، وكان هناك هبوط حاد في المبيعات في قطاعات تجارة الجملة والتجزئة، ولا يكاد يستثنى من ذلك سوق قطاع المواد الغذائية الذي نشط نسبياً تخوفاً من المستهلكين من طول زمن الحرب وتأثر الأسعار بذلك، وهذا القطاع قد يتأثر سلباً بعد أن انتهت الحرب؛ لأن كثيراً من المستهلكين قد قاموا بتخزين كميات من المواد الاستهلاكية. وقد أوردت جريدة الجزيرة السعودية في عددها الصادر في ٤/٤/٢٠٠٣م مقابلة مع الأمين العام لاتحاد المستثمرين العرب، ناقش فيها هذا الموضوع، وذكر أن خسائر دول الخليج حتى ذلك التاريخ تُقدر بنحو ستين مليار دولار، والمؤسف أن الخسائر المتعلقة بالسياحة والاستثمار الأجنبي والقطاع المصرفي غالباً ما تستمر فترة أطول، وذلك فالخسائر بعد ذلك لا بد أن تكون قد زادت. ولكون دول الخليج في الجملة ذات مداخيل مرتفعة، لذلك فيتوقع أن تتجاوز هذه الخسائر في وقت غير طويل، وهذا كله إذا لم تساهم دول الخليج في فاتورة الحرب، أما إذا حدث ذلك فالصورة قد تختلف جذرياً. ٣ - مصر: قامت الحرب والاقتصاد المصري في وضع لا يُحسد عليه، فسعر الصرف الأجنبي وصل إلى درجة لم يشهدها السوق المصري منذ زمن، وفقد الجنيه المصري جزءاً كبيراً من قيمته مقابل الدولار، ومعلوم انعكاس ذلك على مستوى الأسعار بصورة عامة وما يترتب على ذلك من آثار اجتماعية، وأيضاً سوق المال بصورة عامة وجاذبية الاستثمار الأجنبي بصورة خاصة؛ لم تكن في أحسن أحوالها، بل شهد هذان القطاعان حالات نزول حاد، وفي خضم الجهود التي كانت تبذلها السلطات المصرية لمواجهة هذه المعضلات في ظل دين عام يتجاوز ما يعادل ٩٠% من الناتج المحلي، في ظل كل ذلك قامت الحرب فزادت الطين بلة بل غمرته بالماء، فإيرادات قناة السويس التي تعدُّ مورداً رئيساً للاقتصاد المصري تراجعت بشكل ملحوظ نتيجة تراجع الملاحة لظروف الحرب، أما السياحة التي تكاد تكون المصدر الأهم للدخل من النقد الأجنبي؛ فلم تكن أحسن حالاً بل شهدت تراجعاً كبيراً، وترافق مع ذلك تراجع حركة النقل الجوي وما يتبعها. الاستثمار الأجنبي الذي شهد تطوراً ملحوظاً في العقدين الماضيين؛ مر بظروف صعبة حتى قبل أن تبدأ الحرب، وجاءت الحرب لتمحق ما تبقى من شجاعة لدى المستثمرين الأجانب الراغبين في دخول السوق المصرية، ولم تكتف الحرب بذلك في إنهاكها للاقتصاد المصري؛ بل أضافت على ذلك عودة عشرات الألوف من العمالة المصرية التي كانت تعمل في العراق أو في المواقع القريبة من العراق حيث دول الخليج المجاورة، ويتوقع أن يحتاج الاقتصاد المصري إلى وقت غير يسير ليتعافى إلا إذا كان محظوظاً بتدفقات مالية استثنائية من مصادر خارجية. ٤ - الأردن: الاقتصاد الأردني قد يكون الأكثر تضرراً من قيام الحرب، فاحتياجات الأردن البترولية كانت تأتي من العراق، بعضها على شكل منحة من الحكومة العراقية، وبعضها الآخر بسعر تفضيلي واضح وبطريقة رسمية أو غير رسمية، وحتى عبر طرق النقل التقليدية جداً (الصهاريج) ، وما أن بدأت الحرب حتى ضاع هذا الأسلوب لسد حاجة الاقتصاد الأردني من المواد البترولية، وإن كانت الحكومة الأردنية قد بذلت جهوداً كبيرة لتعويض ذلك النقص، وقد نجحت في توفير الكميات المطلوبة باتفاق مع الحكومة السعودية والحكومة الكويتية، ولكن قد يكون ذلك بتكلفة مختلفة، فما كانت تحصل عليه من العراق قد يصعب مجاراته من أي أحد، وأيضاً فإن مشتريات برنامج النفط مقابل الغذاء للعراق كانت في غالبها أو حتى كاملها تأتي عبر السوق الأردنية وبعضها منه، وهذا قد حقق تشغيلاً لقطاعات اقتصادية كثيرة، سواء منها القطاع الزراعي، أو تجارة الجملة والتجزئة، أو النقل، أو التأمين، أو قطاع الرسوم (رسوم العبور والجمارك والضرائب والصرف الأجنبي وغيرها) ، وما أن قامت الحرب حتى توقف كل ذلك، ومعلوم انعكاس ذلك على الاقتصاد بجميع قطاعاته، وعلى البطالة بشكل خاص، ولا يتوقع مع الأسف وجود حلول بديلة لهذا الحال، وحتى بعد انتهاء الحرب فلا يتوقع أن يعود الحال إلى ما كان عليه، ولا حتى إلى بعض ما كان عليه، فلم يعد الأردن هو المعبر الرئيس إلى العراق، بل قد يصبح آخر المعابر، فالنقل الجوي والبحري عن طريق الخليج، وعن طريق دول الخليج والمعابر التركية؛ كلها قد تكون أيسر وأكثر جدوى من المعبر الأردني، وعليه فخسارة الأردن قد تكون صعبة التعويض، وعلى الرغم من تلقي الأردن مساعدة أمريكية معلنة في بداية الحرب بنحو سبعمائة مليون دولار، لكنها ضيئلة إلى درجة أن فاتورة النفط الأردنية فقط لسنة واحدة قد تزيد على ذلك المبلغ. ٥ - لبنان: على الرغم من صغر الاقتصاد اللبناني وبُعده النسبي عن العراق، ولكنه لم يسلم من التأثر الواضح، فقد كان جزء كبير من الصادرات اللبنانية يتجه إلى السوق العراقي من خلال المعابر السورية والأردنية، ومن ثم فإن هذه القنوات التصديرية قد تختفي إلى الأبد، وإذا بقي بعضها فسيكون في تنافس كبير مع صادرات دول أخرى قوية لم تكن منافسة في المرحلة الماضية. وهناك نقطة أخرى؛ وهي ارتباك المستثمرين خلال فترة الحرب، وتوقف كثير من الأمور لترقب انتهاء الأزمة، وإن كانت هذه النقطة ليست خاصة بالاقتصاد اللبناني بل تصدق على الدول الأخرى المذكورة آنفاً. وقد يختلف الاقتصاد اللبناني عن كل الدول المجاورة في أنه قد يستفيد من هذه الأوضاع، فقد احتمال فقط تُغَيِّر بعض الاستثمارات المالية وجهتها من بعض دول الخليج إلى لبنان؛ مما قد ينعكس إيجاباً على الاقتصاد اللبناني، ولكن هذا قد لا يكون جوهرياً ولا لمدة طويلة. ٦ - سوريا: الاقتصاد السوري تأثر مرتين: المرة الأولى: نتيجة الضغوط السياسية العنيفة التي مورست على السلطات السورية خلال الحرب؛ مما انعكس على توتر مناخ الاستثمار، سواء من المستثمرين المحليين أو الخارجيين، وكذلك على أداء الاقتصاد بصورة عامة نتيجة الترقب والحذر لأي تغيرات متوقعة؛ مما أربك الأداء الاقتصادي بشكل واضح. والمرة الثانية: بالأسلوب نفسه الذي تأثرت به الدول المجاورة، وعلى الرغم من أن علاقات النشاط التجاري مع العراق لم تزدهر إلا في الفترة الأخيرة التي سبقت الحرب ولكنها بلغت مرحلة جيدة. وقيام الحرب ترك آثاراً بليغة في هذا الأمر، بل قد تكون الحدود السورية أُغلقت تماماً؛ مما أدى إلى توقف تدفق الصادرات السورية أو العابرة كلياً، وأثر ذلك واضح في نشاطات النقل، والتأمين، وتجارة التجزئة، والجملة، وإيرادات الرسوم، والصرف الأجنبي.. وغير ذلك. كان هناك خط نقل البترول العراقي إلى بانياس، وهذا قد يتوقف ولا يُعلم شيء عن مصيره المستقبلي، فقد يتوقف مؤقتاً ويعود في وقت لاحق، وقد يتوقف كلياً وهذا هو الأقرب؛ لوجود حلول بديلة قد تفضلها الإدارة العراقية الجديدة، ومعلوم تأثير ذلك في الرسوم المحصلة من هذه العملية والأعمال المرافقة لتشغيل هذا الخط، بالإضافة إلى بعض كميات النفط التي كان يمكن توفيرها من خلاله. كذلك؛ فإن الأوضاع التي عاشتها دول الخليج في فترة الحرب، وستعيشها بعدها سيكون لها تأثير في الدعم الخليجي المقدم لسوريا، وقد يكون له أثر واضح في السياحة الخليجية في سوريا التي كانت مورداً مهماً للاقتصاد السوري في السنوات الأخيرة. أما جاذبية الاستثمار الأجنبي إلى السوق السورية؛ فقد تكون هي الأسوأ في دول المنطقة، وقد تستمر معاناتها في هذا الجانب إلى فترة غير محدودة، وكذلك الأمر بالنسبة للسياحة، ولكن بصورة أقل حدة، (وقد نشرت جريدة الحياة في عددها (١٤٦٢٦) الصادر في ١٠/٤/٢٠٠٣م مقالاً مفصلاً في هذا الشأن لسمير صبح، يمكن الرجوع إليه لمن يرغب في الاستزادة) .

стр. 4611

ملفات التغيير القادم تغيير الخطط.. في مواجهة خطط التغيير (١) د. عبد العزيز كامل kamil@albayan-magazine.com - واقع جديد تماماً يواجه الأمة الإسلامية بعامة، وخلاصتها من الإسلاميين خاصة، وخاصة خلاصتها من العلماء والدعاة على وجه أخص، واقع جديد بعد هزيمة جديدة منيت بها الأمة على أرض العراق، شاركت في صنعها أحزاب النفاق بفروعها الإقليمية، ومنظمات التمثيل العربي والإسلامي برموزها السلبية، وجماهير الشعوب العاجزة حيناً والمتعاجزة أحياناً، مع أكثر قياداتها الفكرية والعلمية والدعوية المغلوبة على أمرها حيناً، والمغلبة للسلامة أحياناً أخرى. - واقع جديد تتضاعف فيه نذر الخطر المتصاعد من بين دخان جائحة العراق، التي لم يتداع لها سائر جسد الأمة بالسهر والحمى كما ينبغي. - واقع جديد، وجد المسلمون فيه أنفسهم في ظل نظام عالمي جديد، بدأ يتشكل تحت قصف القنابل وهدير المدافع وأزيز الطائرات، دون أن يعلموا موقعهم فيه، ومكانهم تحت سقفه المتغير والمغيِّر. - واقع جديد انهار فيه النظام العربي الرسمي بفعالية منظماته ومؤسساته، ومصداقية قياداته وشعاراته، ومستقبل أطروحاته ومشروعاته. - واقع أصبحت فيه صرخات فلسطين مهددة بالضياع في صحراء التيه العربي، وغدت حسرات بغداد تتحشرج في حلقها من خيانات وجنايات (العرب الأمجاد) الذين شاركوا في العدوان عليها بحجة «تحريرها» من الطغيان، ثم خرسوا عند وقوعها تحت الاحتلال العسكري المباشر للتحالف بين الصليب وبين النجمة السداسية. - واقع أصبح فيه التهديد والوعيد، هو لغة الحوار من العالم (الحر) ، فيما بدا تجاوزاً لأساليب التفاوض والتفاهم والتعايش بين الشعوب التي كان عليها العمل في ظل (الشرعية الدولية) الراحلة إلى ذمة التاريخ بمؤسساتها وقوانينها ولوائحها. - واقع نرى فيه ونسمع عن مرحلة جديدة من التحرش الشرس، تبدو ملامحها في تهديد سوريا، ولبنان، وتهييج تركيا، وإيران، وتوريط مصر والسودان، وتكبيل باكستان، وعزل أفغانستان، ووأد الأمل في الشيشان، وقتل الإرادة أو شل الفعالية في غيرها من البلدان. - واقع جديد، تتعرض فيه الجزيرة العربية لخطر داهم لأول مرة في تاريخها، بما فيها من مقدسات وحرمات؛ حيث أصبح خطر اليهود والنصارى يهدد مكة والمدينة (صان الله أرضهما) بعد أن تربع ذلك الخطر على أرضَي القدس وبغداد (فك الله أسرهما) . - واقع جديد، أصبح اليهود فيه قاب قوسين أو أدنى من تنفيذ مؤامرة العصر وكل العصور وهي هدم المسجد الأقصى لبناء المعبد اليهودي مكانه، استكمالاً لمعالم (مملكة إسرائيل) أو (إسرائيل الكبرى) التي قفزوا بسرعة إلى حدها الشرقي في الفرات، ريثما يستكملون الوصول إلى حدها الغربي في بلاد النيل. - واقع جديد، أصبحت فيه ثروات الأمة في أكثر البلدان مهددة بالخروج كلية من تحت تصرفها، لتنتقل من أيدي السفهاء الذين آتتهم الأمة أموالها التي جعلها الله لها قياماً، إلى أيدي الأعداء الذين يبغون عليها بأموالها، حرباً وسلاماً. - واقع جديد أصبح فيه تغيير مناهج التعليم سيفاً مسلطاً على الأجيال الحاضرة والقادمة لتضييعها، بعد أن ساهمت المناهج الحالية في مسخها وتمييعها. - واقع جديد أصبح فيه العمل الإسلامي مكشوفاً بكل حركاته ومؤسساته، وبجميع برامجه وإنجازاته ليوضع في مرمى الاستهداف اليهودي والنصراني والوثني والعلماني في جميع أنحاء العالم. هذه كلها أخطار، أو عناوين عريضة لأخطار تكفي لأن تكتب في بعضها عشرات المقالات، وتوضع في شأنها العديد من الكتب والمؤلفات، وتعقد لأجلها الندوات والمؤتمرات؛ ولكن هذا ليس هو المقصود تفصيله، وإنما أريد هنا أن أتحدث عن أمر آخر وقضية أخرى أراها أخطر من كل تلك الأخطار؛ لأنها سبب مهم في كل تلك الأخطار. * أم المخاطر: وأعني بها: ذلك الشغور المخيف والفراغ المروع في موقع القيادة الجماعية لأمتنا الإسلامية في تلك الظروف المصيرية؛ حيث تواجه كل تلك التحديات والمؤامرات الممتدة منذ عقود طويلة بلا خطط للتصدي، ولا برامج للمواجهة، ولا استراتيجية بعيدة ولا متوسطة ولا قريبة المدى؛ تستطيع بها أن تدافع عن حصونها من الداخل فضلاً عن حمايتها من الخارج. عندما أتحدث عن ذلك الشغور المخيف والفراغ المروِّع في موقع القيادة؛ فإنني لا أقصد تلك القيادات السياسية المتنافسة إقليمياً ومحلياً، أو الزعامات المتنازعة في الجماعات ظاهراً وباطناً، ولا أقصد أيضاً أصحاب المناصب العلمية، والوظائف الرسمية في المؤسسات الإسلامية.. ولكن أقصد تلك الولاية الشرعية العلمية العامة التي استرعاها الله أمانة قيادة الأمة كلها، وتَعَبَّدَ تلك الأمة بالاجتماع حولها والصدور عن رأيها وتوحيد الكلمة خلفها؛ إذا وقعت النوازل وانتشرت الفتن وكثر الاختلاف، إنها تلك القيادة التي أمر الله بالرد إليها بعد الرد إلى الرسول ﷺ في قوله تعالى: [وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ] (النساء: ٨٣) . إنهم كما قال المفسرون: أهل الرأي والحكمة، وكما قال ابن عباس ﵄: «الفقهاء والعلماء الذين يُعلِّمون الناس معالم دينهم» [١] . الأمة اليوم تتخبط في مواطن الخوف، وتخوض في مواضع الخطر، ولكنها مع ذلك تسبح في الموج المتلاطم بلا رُبَّان، بل بلا سفينة! لا على المستوى السياسي العام للأمة، ولا على المستوى العلمي العام لها، بل السائد والمحصلة أننا أمة بلا قيادة موحدة منذ زمن طويل؛ فكيف يكون هذا حال أمة أمرها الله بعد طاعته وطاعة رسوله بطاعة ولاة يلون أمرها كلها؛ وذلك في قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ] (النساء: ٥٩) ؟! إن ولاة الأمر المقصودين هنا كما قال ابن عباس ﵄: «هم أهل الفقه والدين» [٢] ، وكذا قال مجاهد وعطاء، والحسن البصري وأبو العالية. كان أهل العلم والحكم في مبدأ الإسلام غير منفصلين، أو كانوا على الأقل متكاملين؛ فالعلماء يُبيِّنون، والأمراء يبنون على بيان العلماء، أما إذا ابتُلي الناس بعلماء لا يُبينون، وحكام لا يمتثلون؛ فهنا تضيع الأمة، وتقع نهباً لمكايد الشياطين، [وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً] (النساء: ٨٣) . لقد أخذ الله على العلماء عهداً أن يبينوا للناس ما يأمر به دينهم؛ وبخاصة عندما تلتبس الأمور وتتفاقم الفتن: [وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناًّ قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ] (آل عمران: ١٨٧) ، وأخذ الله تعالى أيضاً على الحكام أن يحكموا بمقتضى الشريعة التي يبيّنها العلماء، وينتهوا عن اتباع الأهواء، فقال سبحانه: [يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ] (ص: ٢٦) . ولأجل هذين العهدين جُعلت (ولاية الأمر) شرعة من الشرائع، تحفظ بقية الشرائع بتضافر أهل العلم وأهل الحكم. قال ابن العربي: «الصحيح عندي أنهم الأمراء والعلماء جميعاً؛ أما الأمراء فلأنهم أهل الأمر، والحكم إليهم. وأما العلماء فلأن سؤالهم واجب متعين على الخلق، وجوابهم لازم، والتزام فتواهم واجب» ، ثم زاد الإمام ابن العربي الأمر توضيحاً، عندما بيَّن أن ولاية الأمراء تؤول في النهاية إلى ولاية العلماء، وبخاصة إذا اختلف حال الأمراء عن حالهم في عصور قوة المسلمين من حيث الجمع بين العلم بالدنيا والفقه في الدين. وأورد ابن العربي عن الإمام مالك قصة تدل على أنه كان يرى أن الولاية كلها رجعت إلى العلماء بضعف الأمراء، فقال: «قال مطرف وابن مسلمة: سمعنا مالكاً يقول: هم العلماء. وقال خالد بن نزار: وقفت على مالك فقلت: يا أبا عبد الله! ما ترى في قوله تعالى: [وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُم] (النساء: ٥٩) ؟ قال: وكان محتبياً فحل حبوته، وكان عنده أصحاب الحديث، ففتح عينيه في وجهي، وعلمت ما أراد، وإنما عنى أهل العلم» ، ثم علق ابن العربي على تلك القصة بقوله: «والأمر كله يرجع إلى العلماء؛ لأن الأمر قد أفضى إلى الجهال، وتعين عليهم سؤال العلماء، ولذلك نظر مالك إلى خالد بن نزار نظرة منكرة؛ كأنه يشير بها إلى أن الأمر قد وقف من ذلك على العلماء، وزال عن غيرهم لجهلهم واعتدائهم، والعادل منهم مفتقر إلى العالم كافتقار الجاهل» [٣] . لا أقصد هنا تفصيل القول في الراجح من هذه المسألة، ولكن أريد الإلماح إلى ما ألمح إليه الإمام مالك من تنقل الأدوار بحسب اختلاف الظروف والأطوار، بما يضمن ألا يوسد الأمر لغير أهله. إن العلماء لن يتحولوا بداهة إلى رجال حكم وسياسة، ولكن المقصود هنا أن يؤول إليهم ضبط الحكم وتوجيه السياسة، انطلاقاً من ثوابت هذا الدين الذي تستمد منه لا من غيره شرعية أهل الحكم والسياسة. لقد كانت أمتنا عبر عقود طويلة، في صراع دام ودائم في معظم أقطار العالم الإسلامي بين أهل السلطان وأهل القرآن، حتى حسم الطغاة في الأزمنة الأخيرة المعركة لصالح سلطان بلا قرآن، ونصبت العلمانية خيامها الثقيلة الغليظة على جُل ربوع المسلمين، تحادّ الدين في بلاده، وتحارب التوحيد في مواطنه، وتنفرد بالقيادة والريادة دون أهل العلم والعدل والعبادة، وأصبحت ديكتاتورية لُكع ابن لُكع، أو ديمقراطية الرويبضات التوافه؛ هي صاحبة الحل والعقد واليد الطولى في التخطيط المتخبط، والتصدي المرتجل المرتجف في مواجهة التحديات. لا أريد الإطالة في مظاهر الفوضى التي عمت شؤون الأمة الإسلامية والعربية بسبب شغور موقع القيادة العامة على مستواها؛ لأن هذا أصبح أمراً معاشاً وحياة مفروضة، ومأساة نقاسيها، لا يعلم إلا الله متى ترتفع غمتها وتنزاح أيامها! إننا لو تأملنا عناصر القوة في هذه الأمة؛ لوجدناها كلها تُفَرَّغ من مضمونها بذلك الفراغ القاتل في القيادة العلمية الموحِّدة لكلمتها، والموجِّهة لسياستها، والمنظِّمة لعلاقتها، والدافِعة لقوتها في الدفاع أو الهجوم؛ بحسب الضوابط المستمدة من شريعة الله. إن غياب القيادة القائمة بهذه الشريعة على مستوى الأمة قد أبطل أثر هذه الشريعة في الارتفاع بأمتنا إلى العزة والتمكين، فصارت الشريعة لا تحكم إلا بعض مظاهر الحياة الفردية للناس؛ تماماً كما أرادت العلمانية بزعاماتها المزعومة. لا أريد أيضاً أن أُكثر في الكلام على أهمية اجتماع الكلمة وراء مَنْ ولاَّهم الله أمر هذه الأمة من أهل العلم والأمانة والدعوة؛ فذلك أمر بدهي عند كل مسلم غيور. ولكني أريد أن نتجاوز مرحلة التأطير والتنظير إلى محطة ولو صغيرة من التحرك والتفعيل؛ انطلاقاً من رؤى موضوعية لا تجافي الواقع، ولا تروم المستحيل، ولكن تهدف إلى معالجة شرعية لتلك القضية التي طال حومنا حولها دون دخولنا في حلها. * البداية البدهية: عندما تكون النوازل عامة، والمشكلات ملمة؛ فإن المبادرات الفردية، والحلول الجزئية لا تزيد الأمر إلا تفاقماً، وهنا تبرز الحاجة إلى رأي صادر عن قيادة جماعية، أو جماعة قيادية، تستنزل البركة باجتماع الكلمة، وتستجلب الصواب بالتماس الأسباب؛ أسباب التوفيق والتسديد والمقاربة. أوضح هذا فأقول: إن غياب الرأي الجماعي المبني في الإسلام على العلم والشورى والتجرد؛ يعد تفريطاً في فريضة بل فرائض شرعية محكمة. وحرمان أمة يبلغ تعدادها اليوم ملياراً وثلث المليار من البشر من آراء حكمائها وعلمائها وأهل النصح فيها، مع ما تواجهه من خطوب وعظائم تستهدف إذلالها أو إزالتها؛ هذا الغياب وذلك الحرمان يعد إجراماً في حق هذه الأمة، خاصة أنها ليست كأي أمة؛ إنها خير الأمم، وصاحبة خير الرسالات، والمسؤولة عن أعظم الأمانات: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً] (البقرة: ١٤٣) ، [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ] (آل عمران: ١١٠) . فإذا آل أمر هذه الأمة إلى أن تصبح بلا قيادة، بعد أن أصبحت بلا ريادة ولا سيادة؛ فإن المسؤولين عن ذلك سيُسألون أمام الرب جل وعلا عما فرطوا فيه وأحجموا عنه. وهنا يبرز السؤال المهم: ما الذي يمنع هذه الأمة من أن تكون لها قيادتها العالمية، ومرجعيتها الاعتبارية في مثل تلك الظروف الخطرة والأجواء الاستثنائية؛ مثلما لليهود قياداتهم العالمية (المؤتمر اليهودي العالمي) ، وللنصارى زعامتهم الكونية (المجلس العالمي للكنائس) ، بل ولبقية المبتدعة من هذه الأمة مؤسساتهم القيادية ومرجعياتهم الدينية؟! ويأتي الجواب الصعب: لا مانع؛ إلا أن لهؤلاء صفوفهم المتراصة وراء أهدافهم الموضوعة، ولنا صفوفنا الممزقة خلف خلافاتنا المصنوعة! ثم يأتي سؤال أهم يحتاج لجواب أصعب، وهو: ما الذي يمنع صفوفنا من التراص، ومواقفنا من الاجتماع على كلمة سواء، مع أن الله تعالى تعبَّدنا مع التوحيد بالتوحُّد، ومع الصلاة والزكاة والصيام، بالاجتماع والاعتصام؟ لا جواب على ذلك إلا أن قيادتنا الاعتبارية العامة مفقودة، ومرجعيتنا العلمية الموحدة غير موجودة، أو موجودة ولكنها غير مجموعة؛ ولهذا كانت غير مسموعة. بديهيات العقول تقول: لا سفينة بلا ربان ... ولا معركة بغير قيادة، ولا نصر بلا اعتصام؛ ولا عزة مع الفُرقة ففيم الإصرار على خطأ عُرف خطره، ولِمَ الإقامة على منكر عُلِمَ إثمه؟! لقد بلغ أمر تنفير القرآن من الفُرقة، أن جعلها من شعار الكفار، فقال الله عز وجل: [وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] (آل عمران: ١٠٥) ، وجعل التنازع قرين الفشل فقال: [وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ] (الأنفال: ٤٦) . إنك لو سألت أي مهتم بأمر المسلمين: هل يجوز لجماعة من جماعات المسلمين أو كيان من كياناتهم أو شعب من شعوبهم، أن يمضي بلا رأي ولا راية ولا ولاية؟ لبادرك بالقول: هذا لا يصلح في صحيح العقول؛ فكيف يصح في مقاصد النقول؟! للأسف الشديد؛ فإن هذه حال الأمة في مرحلتها الراهنة، بعد سقوط المراهنة على الزعامات «الملهمة» ، والقيادات «الحكيمة» ، والزعامات «التاريخية» ! إن مما يحز في النفس أن نرى أن الأنظمة العلمانية كلها أصبحت آيلة للسقوط، أو في حكم السقوط، إلا أن البديل الإسلامي وللأسف الشديد غير جاهز، بل غير موجود!! فهل أسرفنا في الحديث عن (الصحوة) حتى صحونا على واقع يقول: إن صحوتنا لم تبلغ بعد سن الرشد، بل سن البلوغ الذي يؤهلها لاستلام دفة المسؤولية في تلك المرحلة البالغة الخطورة؟! أعرف أن هذا ليس وقت التأسف والأسى، وليس زمن التشكي والتباكي، ولهذا أعرِض رأياً، وأُسهِم بقول، وأُدلي بنصيحة فالدين النصيحة غير زاعم فيها سبقاً، ولا محتكر فيها صواباً. * دعوة لأهل الدعوة: أُثْبِتُ ابتداءً أن كثيراً من الفضلاء والعقلاء والعلماء دعوا منذ وقت طويل إلى صيغ جديدة لإنشاء قيادة علمية عالمية، تمثل مرجعية دينية وقت النوازل لعموم المسلمين، وقد بدأ بعضها متواضعاً، وتعثر بعضها متسارعاً، وسار بعضها الثالث بثبات، ولكن في طريق تتناوشه الأخطاء والأخطار. وفي رأيي المتواضع أن هناك ثلاثة من تلك الأخطاء والأخطار تتهدد جُل تلك المشروعات الإصلاحية الطموح، تتركز حول ثلاث مفردات ضارة؛ طالما ضارت جهود المصلحين وأضلت سعي الكثيرين، وهي: الحزبية، والرسمية، والإقليمية؛ ذلك الثالوث المدمر المسؤول عن عرقلة أكثر خطط التغيير الإسلامي الصادق، وتعطيل أكثر مشاريعه البنائية والإصلاحية. لقد طُرحت ولا تزال تطرح مشاريع لتشكيل هيئة عالمية من العلماء تتخصص في بحث نوازل الأمة، وتمسك بزمام المبادرة في التوجيه والترشيد، إن لم يكن في التخطيط والترتيب، وهي مشروعات لا نرى أنها صدرت إلا عن قلوب سليمة، وآراء ناصحة، وعقول ناضجة، ولهذا فسوف ينفع الله تعالى بها أصحابها والأمة كلها في يوم من الأيام، ولكن في الوقت نفسه؛ أرى أن هناك من العوائق والعراقيل ما يمكن أن يطيل أمد تحقيق هذا الأمل؛ فالتركيز على أن تكون هذه الهيئة، أو تلك المؤسسة أو الجمعية، في إطار معين من العلماء فقط، أو من اتجاه بعينه فقط، أو في مستوى شكلي أو رسمي أو إقليمي فقط؛ سيضعف ذلك الكيان، وسيضاعف من العقبات الموضوعة في طريقه، ويزيد من المدة الكافية لنضوجه ونهوضه للقيام بالمهام العظام الموكل بها، إن لم يعطلها كلياً عن الوصول. أرى وبصراحة تامة أن حالة العلماء الراهنة في العالم الإسلامي؛ تحتاج إلى جهد جبار لإخراجها من حيز السلبية إلى فضاء الإيجابية، ليس لسوء ظن فيهم، ولكن فيمن يحاصرونهم ويخادعونهم ويعطلونهم عن أداء مهمتهم الربانية في قيادة الأمة منذ دهور طويلة وعلى امتداد العالم الإسلامي، لا أجدني في حاجة إلى التفصيل في هذا الأمر المعروف التفاصيل. لهذا أقترح أن يُبدأ في إقامة هذا الواجب الكفائي العظيم بداية مرحلية تمهد للمرحلة النهائية، وتتميز عنها بسهولة الآلية، ويسر الحركة، وسرعة الإنجاز. * رابطة الدعاة.. نواة لرابطة العلماء: العالم الإسلامي يشكل كتلة مترامية الأطراف، متعددة المشكلات، متفاقمة الأخطار، ولكنه في الوقت نفسه ثري بالخبرات، غني بالمواهب الدنيوية والدينية، ومن المواهب الربانية لهذا العالم الإسلامي أن فيه آلافاً مؤلفة من الرجال المتميزين الصادقين الذين تعاهدوا على البذل في خدمة هذا الدين؛ دون مطمح دنيوي، أو هدف حزبي، أو غاية إقليمية أو عنصرية أو مذهبية، وهؤلاء هم جمهور المصلحين من أهل العلم والدعوة، وهؤلاء موزعون الآن بين جميع فصائل العاملين للإسلام من طائفة أهل السنة والجماعة، تلك الطائفة التي تسلمت منذ وُجدت أمانة حمل الحق وحمايته والدعوة إليه، والتي تتضاعف مسؤولياتها كلما استولى على المسلمين زمان الغربة أو دهمتهم أجواء الفتن: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس» [٤] . لا أشك في أن كل اتجاه من اتجاهات العمل الإسلامي، وكل جماعة أو جمعية أو هيئة أو منظمة؛ تضم في صفوفها الكثير والكثير من العقلاء والشرفاء والأمناء الذين يقدمون الانتماء إلى الأمة على الانتماء إلى الجماعة، والولاء للمسلمين على الولاء للحزب، ويقدمون الشريعة على الشعارات، وأخوة العقيدة على خُلة الجماعات والتنظيمات. هؤلاء الأجلاء أينما كانوا وكيفما كانوا في أنحاء بلاد المسلمين هم خلاصة الأمة، وهم عدتها وعتادها، هم معدنها وجوهرها، ليسوا كلهم علماء، ولكنهم يعرفون قدر العلم والعلماء، قد يكونون ضعفاء، ولكنهم في ميزان الحق أقوياء أعزاء، بعضهم بل أكثرهم معوزون فقراء، ولكن غنى النفس يجعلهم في مصاف الأثرياء.. فيهم الفقهاء والعباد والمجاهدون، فيهم الأطباء والمهندسون والمدرسون، فيهم علماء الذرة، ومنهم أدباء الكلمة ... فيهم المهرة المنظرون والمخططون، وفيهم النشطاء المنفذون، رجالاً ونساءً، ولا عجب من تنوع وتفاضل أصنافهم؛ فأهل الجنة أصناف وأصناف، تزيد على أهل الدنيا أضعاف أضعاف: [انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً] (الإسراء: ٢١) ، هؤلاء العقلاء في كل اتجاه إسلامي هم بضاعتنا المطلوبة، وغايتنا المقصودة، الأمة في حاجة إليهم اليوم؛ لتتكون منهم على اختلاف تخصصاتهم رابطة إسلامية دعوية عامة، لا حزبية ولا إقليمية ولا رسمية؛ بل رابطة أخوية عالمية احتسابية، لا يُطلب من أفرادها أن يتركوا مواقعهم، أو يتخلوا عن أدوارهم فيما هم بصدده، ولكن المطلوب منهم أن يضيفوا إلى همومهم الدعوية الخاصة هماً عاماً يخص الأمة كلها، وانتماء عاماً لا يتعارض مع الانتماء الخاص إن وُجد وإنما يوجد له دور جديد في الرابطة العامة التي تفرضها الضرورة. - إن تلك الرابطة ليست حزبية، ولكنها لا تنعى على الجماعات إلا التحزب الضار، أما التحزب على الحق وللحق؛ فشأن شرعي مطلوب؛ فأهل الحق حزب هو حزب الرحمن: [أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ] (المجادلة: ٢٢) ، ولهذا فإن الرابطة المزمعة لا تأخذ من الحزبية إلا هذا المعنى المتجرد المشروع. - وهي ليست رسمية، ولكنها لا تنكر أن قسماً كبيراً من الجهود الدعوية الرسمية لها أثرها ومفعولها، وهذا من عظمة هذا الدين الذي يثمر غرسه في أي أرض إذا سُقي من معين الإخلاص. - وهي ليست إقليمية؛ لأن الإقليمية قد تكون قرينة العنصرية التي ليست من دين الله. ولكن رابطة الدعاة مع ذلك لا تنكر ما لبعض البيئات الإقليمية من خصوصيات مكانية؛ قد تفرض عليها بعض أشكال الاجتهادات والاختيارات التي قد لا تصلح لغيرها. إن رابطة إسلامية متحررة من آثار الانتماء الحزبي الضيق، والالتزام الرسمي المتقيد، والارتباط الإقليمي المحدود، تملك قدرة عظيمة على اختراق الحواجز والسدود التي طالما أعاقت العمل الإسلامي فيما مضى من مراحل. ومع تحرر تلك الرابطة من تلك القيود الثلاثة، إلا أنها ستضم حتماً بإذن الله أصلح العناصر الرسمية، وأعقل الموجودين في الجماعات الحزبية، وأخلص المنتمين لتجمعات إقليمية، لا لتقطعهم عن أدوارهم أو تفصلهم عن جهاتهم، لكن لتضيف إلى مهامهم الجزئية بُعداً كلياً عاماً لخدمة الأمة كلها، لا شريحة واحدة منها. - إن (رابطة الدعاة) بهذا المعنى؛ هي التي يمكن أن تفرز رابطة حرة محتسبة من العلماء غير الحزبيين، ولا الإقليميين، ولا المحصورين في الرسميات الشكلية علماء يُشهد لهم بالعلم والعمل. - إن (رابطة الدعاة) بهذا المعنى: هي التي يمكن أن تنشئ جيلاً من الدعاة غير المصنِّفين، أو المصنَّفين، الذين يُعَدّون دعاة من كل الأمة لكل الأمة، فيكونون بذلك أقدر على إيجاد رأي عام إسلامي فاعل؛ لاحترام الجميع لهم، وصدور الجميع عنهم. - إن (رابطة الدعاة) بهذا المعنى: هي التي يمكن أن تمهد لوجود تيار إسلامي عام يجعل الانتماء للإسلام فوق الانتماء للافتات واليافطات والجماعات والأمكنة، وينهي بشكل طبيعي مرحلة التجمعات الجزئية التي استنفد الكثير منها الغرضَ من إنشائها. - إن (رابطة الدعاة) بهذا المعنى: هي التي يمكن أن تخاطب بلا قيود ولا حساسيات الشريحة الأكبر من قطاع المتدينين، وهي شريحة غير المنتمين. - إنها بهذا المعنى: يمكن أن تخرج أجيالاً من طلبة العلم الشرعي غير الموجَّه حزبياً، أو المأسور رسمياً، أو المحصور إقليمياً؛ ومن ثم فهي قادرة بإذن الله أن تخرِّج منهم علماء أكفاء، علماء ملة، لا علماء دولة، يخاطبون الناس بلسان الإسلام العام، ويخاطبون أهل الإسلام بلسان أهل السنة ويخاطبون أهل السنة بلسان الانقياد والحياد ... الانقياد في الاتباع، والحياد في مسائل الاجتهاد. - وهذه الرابطة بهذا المعنى أنسب المحاضن لتنشئة قادة غير متعصبين، ومجاهدين منضبطين، ودعاة متجردين. - وهي بهذا المعنى ستشكل شخصية اعتبارية لقيادة الأمة، تتوزع في كل أقطارها؛ بحيث تخاطب البناء التحتي، والنخب الفوقية، بل هي قادرة في كل موطن على أن تخاطب أهل السلطان بلسان الأمة؛ لأنها تحوي جميع عناصر المسلمين في الأمة، ولأنها لن تترك مجالاً لأحد أن يصنفها تمهيداً لعزلها، أو يشوهها تمهيداً لضربها، إلا إذا أصر المغرضون على أن يصنفوها تحت وصف أهل الدين في مقابل اللادينيين اللاأخلاقيين، وهذا يزيدها مصداقية. - وإن (رابطة للدعاة) بهذا المعنى: ستملك حرية في التحرك، ومرونة في التصور، وقدرة على النزول إلى ساحات الأمة لمعرفة نبضها، ومداواة جروحها، ووضع التصورات لحل المشكلات؛ بعد أن ينظر فيها أصحاب الشأن وأهل التخصصات. - إنها مع كونها (رابطة للدعاة) ؛ فسيظل قادتها وبركتها هم العلماء؛ فالعلماء هم خاصةُ الدعاة؛ لأن كل عالم داعية، وإن كان كل داعية ليس بالضرورة عالماً، ومع هذا؛ فتلك الرابطة كما سبق البيان مرحلة تمهيدية لإنشاء الولاية العلمية والمرجعية الدينية. - بل إنني قد أتجاسر وأقول: إذا خلصت النيات، وتضافرت الجهود، وساد التجرد والأريحية وإنكار الذات؛ فقد نصل إلى صيغة في وقت ما تمهد لقيادة واحدة للأمة الواحدة كما أراد الله وشرع وأمر. تخيل معي رابطة دعوية علمية فكرية علنية، تضم خلاصة أصحاب الخبرة والتجربة من الإخوانيين، وزبدة أصحاب القدرة على البحث والتأصيل من السلفيين وصفوة الحكماء العقلاء من التبليغيين والجهاديين والحركيين، والنخبة من المفكرين والإعلاميين، ومن تحتاج إليهم الدعوة من الفنيين والمهنيين والمتخصصين، والمخلصين من الرسميين، وهي مع ذلك لا تستبعد إضافات العائدين إلى الحق ممن كانوا قوميين أو ليبراليين. ولماذا لا؟! .. ألم يقل الله تعالى: [وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ] (المؤمنون: ٥٢) ، فلنتق الله ونبذل أسباب فريضة الاعتصام بحبل الله، كما أمر الله: [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا] (آل عمران: ١٠٣) . نعم.. [جَمِيعًا] . معاً.. [جَمِيعًا] . * تساؤلات مبكرة ... وإضافات منتظرة: - أعرف أن الكثيرين سيرون هذا الطرح حالماً، وقد يُصدرون فيه قبل الإيضاح والاستيضاح حكماً متسرعاً أو ظالماً، ولكن أقول: رويدك مهلاً! .. دعنا نتفق أولاً على المبدأ.. فإذا اتفقنا ولا أظننا إلا متفقين على وجوب إيجاد قيادة للأمة فإن كل التفاصيل.. كل العقابيل، كل الخطوات الإجرائية، والمحطات المرحلية، كلها تُدَبَّر وكلها تهون، ويمكن أن تُخضع للحوار والنقاش أياماً وشهوراً؛ فقد صبرنا على الخلل والفراغ عقوداً ودهوراً. إننا في مرحلة أصبح لزاماً علينا أن ننظر في تغيير الخطط لمواجهة خطط التغيير، فخطط التغيير التي تواجه الأمة اليوم، لم يعد يصلح لها كل ما صيغ منذ عقود أو ما سطر من قرون؛ فالأوضاع مغايرة، والأجواء مختلفة والتحديات بالغة الصعوبة ولا بد من بداية جديدة. إن تغيير الخطط للأمة لا يصلح له إلا طائفة على مستوى الأمة ومن جميع الأمة. - سيتساءل كثيرون عن الآليات والمسؤوليات، وكيفية تجاوز العقبات والحساسيات، والموازنة بين الممكنات والمستحيلات، والحقائق والتخيلات في كل ما يتعلق بذلك المقترح، وسيسارع كثيرون بإبداء مشاعر الشفقة أن تُولَد بعض الأفكار خِداجاً ناقصة، أو يجيء بعضها مختزَلاً سريعاً، أو تغلب على الآخر روح العاطفة أو الحماسة الزائدة أو الظن الحسن في غير محله! وأقول: كل هذا وارد وقابل للأخذ والرد، ولهذا سوف تكون لنا عودة بإذن الله للكلام عن هذه الموضوعات مما يسمح به المقام، وإلى أن يحين أوان ذلك؛ سأتقبل منك رأيك، وأعدِّل قولي بقولك، وأكمل ما نقص من علمي بما كمل من خبرتك، وما زاغ عنه فهمي بما بلغته حكمتك، فلا شك أن هناك العديد من الفراغات والنقاط التي تحتاج إلى تلاقح في الأفكار وتناصح في الدين. وفي انتظار تعقيب أو تصويب، أو تعديل وتقريب؛ من خلال بريد البيان أو على صفحاتها. [رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً] (الكهف: ١٠) .

стр. 4612

ملفات التغيير القادم جيوش الكنائس الصهيونية الصليبية الأمريكية تحط رحالها في العراق أبو إسلام أحمد عبد الله في خبر صحفي تناقلته وكالات الأنباء عن صحيفة (لوموند) الفرنسية، وبثته شبكة (islamonline) يوم ٢٨/٣/٢٠٠٣م، ونشرته مجلة الأهرام العربي بالقاهرة، في عددها الصادر يوم السبت ١٢/٤/٢٠٠٣م، عن هجوم تنصيري مرتقب وصل بالفعل إلى الحدود العراقية الأردنية؛ استعداداً لحمل العون المادي (والروحي) لسكان العراق، عندما يتحررون من نظام الرئيس صدام حسين. وأوضح الخبر الصحفي أن (المؤتمر المعمداني للجنوب) ، وهو أكبر تجمع بروتستانتي يضم الكنائس القليلة في الولايات المتحدة التي أيدت الحرب على العراق، وهيئة أخرى يديرها القس (فرانكلين جراهام) ابن الواعظ العالمي الشهير (بيلي جراهام) ، وهي من أكبر التنظيمات الإنجيلية في العالم؛ قد دفعا بمجموعات من المبشرين إلى الحدود الأردنية العراقية تمهيداً لدخول العراق وإقامة مراكز في الجنوب؛ بينها بعثة تنصيرية معمدانية. وأشارت صحيفة (لوموند) إلى أن مهمة المنصِّرين المعمدانيين والإنجيليين الذين يستعدون لدخول العراق؛ تثير انتقادات غاضبة في الأوساط التي ترى فيها تأكيداً للمخاوف من حملة صليبية ضد الإسلام، خاصة أن القس (فرانكلين جراهام) لا يكف منذ أحداث ١١ سبتمبر عن التهجم البذيء على الإسلام والمسلمين في العالم. وقالت مجلة (الأهرام العربي) نقلاً عن (اللوموند) أن كنائس هاتين الحركتين لها نشاط تنصيري في دول عربية عديدة وخاصة الإفريقية منها، تحت شعار تقديم المعونات الغذائية والطبية، ويتركز نشاطها في السودان والصومال، وتستعد حالياً للوصول إلى العراق. وهذه الكنائس تعمل بمعزل تام عن الكنائس الشرقية التي تحاربها وترفض الأنشطة التي تقوم بها، وتحاول تنبيه الحكومات العربية إليها، وخاصة أن عمليات التنصير التي تقوم بها للدعوة إلى مذهبها لا تستهدف المسلمين فقط، ولكن النصارى الشرقيين أيضاً. ومن ناحية أخرى فقد أعلنت المنظمتان في تصريح لشبكتي (believe net) و (new hous) الألكترونيتين؛ أن أعضاءهما موجدون حالياً (٢٨/٣/ ٢٠٠٣م) على الحدود العراقية الأردنية؛ في انتظار استقرار الأوضاع الأمنية للدخول إلى الأراضي العراقية. * المهام البروتستانتية والإنجيلية في العراق: وقالت (islamonline) على لسان ما أسمته (مترجم حر) : إن مع المنظمتين فريقاً من المترجمين، للقيام بترجمة كتب ومنشورات المنظمتين، من اللغة الإنجليزية إلى العربية. وإنه (المترجم) اطلع على مقتطفات من هذه المنشورات، ولاحظ أنها ذات طبيعة تنصيرية، وأنها تستهدف ثلاث دول عربية: هي العراق، والكويت، والسعودية. ومن طرفهما أعلنت المنظمتان أن من أوليات عملهما تقديم الطعام للعراقيين المتضررين من الحرب، ونشر الديانة النصرانية بين العراقيين الذين تبلغ نسبة المسلمين بينهم ٩٨%. وكان (فرانكلين جراهام) الذي تحمل إحدي المنظمتين اسمه قد أدلى بتصريح خاص لموقع (net believe) يوم الثلاثاء ٢٥/٣/٢٠٠٣م، قال فيه إن أعضاء منظمته توجهوا إلى العراق لتولي مهمة التنصير، وإنه يفعل ذلك باسم المسيح، بالتنسيق الكامل مع وكالات الإدارة الأمريكية في العاصمة الأردنية عمان، لكنه لا يعمل لحساب هذه الإدارات. ويذكر أن (فرانكلين جراهام) ، كان قد صرح في وقت سابق لشبكة (NBC) التلفازية الأمريكية عقب أحداث سبتمبر ٢٠٠١م بشهرين تقريباً؛ قائلاً: «إن الإسلام والقرآن يُعلِّمان العنف ولا يَعرفان السلام» . ومن ناحيته أعلن (سام بورتر) مدير إغاثة الكوارث في منظمة المؤتمر العام المعمداني بمدينة أوكلاهوما الأمريكية؛ أن المنظمة تستعد أيضاً للقيام بما أطلق عليه: نشر (محبة الرب) على حد وصفه. وعن أسلوب التنصير الذي سوف تتبعه المنظمات؛ قال (مارك كيلي) المتحدث باسم مجلس البعثات الدولي التابع للمؤتمر المعمداني: «إن الحديث حول الاحتياجات الروحية سينتج عن أسئلة المواطنين العراقيين عن ديننا» . * صليبية بوش تابعة لصليبية جراهام: وجدير بالذكر أن الرئيس الأمريكي (جورج بوش) على علاقة روحية حميمة بمنظمة (المؤتمر المعمداني الجنوبي) التي تعد أكبر مؤسسة دينية موالية لبوش، كما أنه على علاقة قوية بالقس الإنجيلي (فرانكلين جراهام) الذي أدى صلاة خاصة في حفل تنصيب بوش؛ ممثلاً للكنائس اليمينية التي برزت بقوة في الولايات المتحدة منذ مطلع الثمانينيات، لتقود حركة أصولية صليبية ينتمي إليها حوالي ٤٠ مليون أمريكي؛ منهم شخصيات عديدة تتولى مراكز قيادية دبلوماسية وسياسية وعسكرية؛ منهم الرئيس الأمريكي جورج بوش وأعضاء إدارته. وتؤمن هذه الحركة بأن العودة الثانية للسيد المسيح تسبقها عدة نبوءات، تحقق منها حتى الآن بحسب زعمهم: قيام دولة إسرائيل، واحتلال القدس من المسلمين، وبقيت النبوءة الثالثة المنتظرة وهي بناء هيكل سليمان. فطبقاً لنبوءات هذه الحركة؛ فإن العالم كله سوف يتمركز حول الشرق العربي الإسلامي، وكل أمم الأرض سوف تضطرب وسوف تتورط في ما يجري في هذا الشرق. * طنطاوي وشنودة لا يرونها صليبية: وفي تصريح خاص قال (إبراهيم هوبر) المتحدث باسم مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (CAIR) : إن (جراهام) يعتقد بوضوح أن الحرب على العراق هي حرب على الإسلام وأهله وأرضه، يباركها الرب. وأوضح (إبراهيم هوبر) أن (CAIR) رفضت مشاركة فرانكلين في الجهود الإنسانية العاملة في العراق؛ مشيراً إلى تصريحات متكررة لجراهام قال فيها: «إن الإسلام دين شرير، ... وإنني أريد التوجه بنفسي إلى العراق لإعادتها إلى حظيرة النصرانية» . وفي رد من (إبراهيم هوبر) على جدوى مساعدات هذه المنظمات لأبناء العراق قال: «لن يأتي خير أبداً للمسلمين من (جراهام) وأمثاله» . بينما رفضت متحدثة باسم الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية؛ التعليق على الموضوع كله. وفي تعليق لشبكة (islamonline) قالت: ويعتقد مراقبون أن حرب أمريكا على العراق زادت قناعة قطاع كبير من الرأي العام في العالمين العربي والإسلامي؛ بأنها حرب صليبية، على الرغم من رفض مثقفين آخرين بارزين بينهم شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي، والأنبا شنودة اعتبارها كذلك. * الخطة والانتشار: وعلى ما يبدو أنه نوع من أنواع الصراع الكنسي على العراق، والتنافس على الكعكة كما يقولون، أصدر مركز (unit Mission Global) التنصيري العالمي تقريراً أول أبريل الماضي بعد نشر تصريحات (فرانكلين جراهام) حول بعثته التنصيرية إلى العراق، جاء فيه: (إن فريقاً تابعاً له يقيم في العراق منذ عدة سنوات، يضم خمسة قسس وعائلاتهم وبعض معاونيهم، وهم: بوب، بلن، بل كوبس، روث تيسدال، تيريزا شلينجر، تيري بوس. وقد نجح هذا الفريق على مدى سنوات أن يفتتح له عدة مراكز لنشر الدعوة النصرانية، وأنشأ ثلاث مكتبات ضخمة واحدة في مدينة دهوك، وأخرى في مدينة أربيل، والثالثة في كردستان، لتوزيع الكتب المجانية، والنشرات، وكتاب الإنجيل، وشرائط الكاسيت، والفيديو. وقد حققوا قبولاً واسعاً هناك) . وأفاد التقرير الذي بثه أيضاً الباحث نواف العباسي، في رسالة إلكترونية أن عمل هذا المركز يأخذ صبغة شبه رسمية، وينشط في مجالات الخدمات الاجتماعية والإنسانية، وفق اتفاقية مع عدة منظمات أخرى: - منظمات تابعة لهيئة الأمم المتحدة. - منظمات تابعة لبعض الحكومات الغربية. - منظمات تنصيرية من مختلف الطرائف الكبرى. وتخضع كلها إلى هيئة تنسيقية عليا، باسم (مكتب تنسيق إغاثة العراق) (IRCO) . وعن الأنشطة التي حققها مركز (Global) قال التقرير: ١ - توزيع مئات من كتاب الإنجيل باللغة الكردية التي يتحدث بها أبناء (أربيل، ودهوك) وبطبعات أنيقة للغاية. ٢ - طبع وتوزيع كتاب باللغتين الكردية والإنجليزية بعنوان (الأكراد في الكتب المقدسة) . ٣ - التنسيق مع منظمة الكنائس العالمية في استقبال الأكراد الذين يرغبون في السفر إلى أوروبا، بعد تحولهم إلى النصرانية، وتهيئة الظروف الملائمة للاستفادة من إمكاناتهم العلمية والمهنية. ٤ - تنظيم سلسلة دائمة من المحاضرات التنصيرية للمهتمين والمتميزين من شباب الأكراد. ٥ - إقامة مركز كبير للدراسات الحرة لتعليم اللغة الإنجليزية والكمبيوتر والتمثيل والغناء والموسيقى والرقص. ٦ - تشجيع استعمال الحروف الإنجليزية في كتابة اللغة الكردية؛ بدلاً من الحروف العربية. ٧ - دعم المنظمات والجمعيات الخيرية والنسائية، بمعونات شهرية، لتغطية نفقات أنشطتها. * الأمم المتحدة تشرف على تنصير العراقيين بأموال العراق: وفى تقرير (Globle) أضافت المعلومات أن الكنائس العاملة في العراق، خاصة مناطق الشمال، كان لها النصيب الأوفر من مساعدات هيئة الأمم المتحدة، والتي أسند للكنائس العالمية الكبرى أمر توزيعها والإشراف عليها وتحديد المستفيدين منها. وأشار التقرير إلى عدة منظمات كنسية أخرى، أضاف إليها الباحث نواف العباسي كثيراً من التفاصيل الدقيقة والمهمة للغاية، من هذه المنظمات: ١ - جمعية الكتاب المقدس: ولها مكتب في مدينة أربيل (ص. ب ٩٤٠) ، وتطبع كل نشراتها بمطبعة الثقافة التابعة لوزارة الثقافة العراقية في أربيل. ٢ - منظمة تطوير خدمات الشرق الأوسط التنصيرية البريطانية: ومركزها الرئيس في القاهرة، ولها ثلاثة مكاتب رئيسة بالعراق؛ في أربيل ودهوك والسليمانية، وتقوم على أنشطتها مجموعة كاملة موفدة من المكتب الرئيس للمنظمة في مصر، تحت رئاسة (د. إلكسندر رسل) البريطاني الأصل، والذي يعمل أستاذاً لتدريس اللغة الإنجليزية بكلية الآداب جامعة صلاح الدين في أربيل، ويساعده كل من (د. كريستين) زوجة إلكسندر وزميلته بنفس الكلية، وتدير مركز المصباح (Lamp) لمحو الأمية، وخالد (اسم مستعار) النمساوي الأصل، وطارق (اسم مستعار) الإنجليزي الأصل، ومسعد المصري الأصل، وناجي المصري الأصل، والذي كان يعمل سابقاً في مكتب وزارة الخارجية المصرية بمدينة الرياض السعودية. وجميعهم يتحدث الإنجليزية والعربية بطلاقة، إضافة إلى اللغة الكردية. ٣ - منظمة (ينبوع الحياة) الأمريكية: ومركزها في مدينة (شقلاوة) القريبة من أربيل؛ بدعم مباشر من مكتب مساعدة الكوارث الخارجية (A.D.F.O) التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، تحت ستار حفر الآبار وتوفير مياه الشرب النقية. ٤ - منظمة القوافل الطبية الدولية (International Medical Teams) : ومركزها الرئيس مدينة (بورتلاند) الأمريكية، جاءت إلى العراق برفقة الجيش الأمريكي في حرب الخليج الثانية، وتعمل بدعم مباشر من مكتب (A.D.F.O) وتحت إشراف مكتب التنسيق العسكري الأمريكي (c.c.M) ، ولها أربعة مكاتب في (السليمانية، أربيل، وزاخو، ودهوك) ، يديرها فريق منظمة (Global) ، وجميع مقار هذه المكاتب كان منحة إجبارية من الحكومة العراقية استجابة لشروط دعم الأمم المتحدة من خلال مشروعها (النفط مقابل الحياة) . ٥ - الكنيسة الكلدانية الأمريكية: وهي واحدة من أعرق الكنائس في العراق، والتي تنتسب إلى الكنيسة في قرونها الأولى، وتنتسب إليها جميع الكنائس الكلدانية في العالم. وتلقى هذه الكنيسة رعاية خاصة من النظام العراقي، خاصة في عهد صدام حسين، والتي أفصح عن جزء منها الخوري العراقي (يعقوب يسَّو) الذي يشرف على كنيسة القلب المقدس الكلدانية التي أسسها في مدينة ديترويت الأمريكية عام ١٩٧٠م، حيث يقطن أكثر من (١٠٠) ألف كلداني عراقي، بحسب تصريح الخوري يعقوب إلى صحيفة الشرق الأوسط، والذي أدلى به هاتفياً قبل احتلال القوات الأمريكية للعاصمة بغداد بأيام قليلة. قال الخوري إنه تلقى مساعدات ضخمة من الرئيس العراقي صدام حسين، يذكر منها (٢٥٠) ألف دولار لكنيسته، ثم مثلها إلى كل واحدة من خمس كنائس كلدانية أخرى، كما تبرع بنفس هذه القيمة في مناسبة أخرى إلى إدارة الشؤون الثقافية التابعة لبلدية مدينة ديترويت الأمريكية؛ مما حدا برئيس البلدية أن يمنح الرئيس العراقي المفتاح الذهبي للمدينة. وأضاف الخوري يعقوب؛ أن دفعات أخرى تلقتها الكنيسة الكلدانية من الرئيس صدام حسين، كان آخرها (٢٠٠) ألف دولار لكنيسته، وضعفه موزعاً على كنيستين في شيكاغو، ثم مليون دولار في دفعة خاصة لبناء مدرسة خاصة لأطفال العراق في ديترويت. ٦ - منظمة (المصادر) بريطانية الجنسية: وتعمل في مجال تدريس الكمبيوتر واللغة الإنجليزية، ولها عدة مكاتب فرعية، ومكتب رئيس في مدينة شقلاوة وضواحيها. وفي ضوء هذه الجهود المستمرة للكنيستين الكاثوليكية والبروتستانتية في العراق؛ فإن الكنيسة الأرثوذكسية قد استطاعت أن تؤدي دوراً كبيراً في تمهيد سبل النشاط والحركة، وجمع المعلومات الجغرافية والبيئية حول مناطق الشمال خاصة، وتقديمها إلى الكنائس التي أطلق عليها التقرير وصف (المغتربة) . ٧ - منظمة كاريتاس: وعلى محور مستقل، أعلنت نشرة (النيابة الرسولية الكاثوليكية) التي تصدر بالقاهرة، في عددها رقم ٤٦، الصادر في نهاية مارس الماضي؛ أن منظمة (كاريتاس) الكاثوليكية العالمية، بالتعاون مع مكاتبها داخل العراق والتي لم تحدد مواقعها وبتنسيق مع فروعها في تركيا وسوريا ولبنان والقدس، قد أعدت كمية ضخمة من المساعدات الإنسانية تسد احتياجات ما يقرب من نصف مليون عراقي. وقال مصدر مسؤول بالنشرة البابوية إن (كاريتاس) تلقت للغرض نفسه (٦٠٠) ألف يورو من فرعها في ألمانيا للخدمات الروحية (التنصيرية) . وفي تصريح خاص لمسؤول مكتب كريتاس للتنصير الذي يقع أول شارع عبد الحميد حسن بوسط القاهرة رفض ذكر اسمه: أن كريتاس تعمل في العراق منذ أكثر من عشرين عاماً، لكنها ضاعفت من نشاطها بعد حرب الخليج الثانية، خاصة في منطقة شمال العراق التي تعدُّ أرضاً خصبة لأنشطة المنظمات الكنسية بمختلف طوائفها. وقد اتفقت هذه الكنائس مجتمعة على دعم انتشار اللغة الكردية القومية كبديل للغة العربية، وصناعة مجموعات سياسية وفكرية وثقافية تتبنى دعوة الاستقلال التام عن الأمة العربية، وإنشاء وطن مستقل للأكراد في شمال العراق، ويضم أكراد العراق وسوريا وتركيا وإيران وروسيا. وبرغم معرفة هذه الكنائس أن هذا (الوطن الحلم) غير قابل للإنشاء؛ بسبب الاختلافات العرقية والثقافية والعنصرية والدينية التي استطاعوا أن يجعلوها عقائد لأبناء العراق في المناطق الخمسة، وأنها لا تزيد عن كونها مناطق (بؤر) لإثارة القلاقل وعدم الاستقرار عندما يحتاج الأمر إلى ذلك. ٨ - الكنيسة الآشورية: أما آخر طابور العقائد، فكانت لكنيسة تدعى (الآشورية) ، بدأت نشاطها مؤخراً بعد موات دام أكثر من (٩٠) عاماً، ويقول أصحابها إنهم أصل النصرانية في العراق، والذين استقبلوا دعوتها منذ القرن الأول الميلادي، وكانوا يعرفون باسم (النصارى السريان) ، نسبة إلى الكلمة اليونانية (Assyrion) المحرفة لكلمة (آشورى) . وتتفق كل الدراسات لتاريخ النصرانية في العراق على أن هذه الكنيسة لاقت بطشاً مستمراً من الكنائس الغربية طوال تاريخها، وأنه بسبب خيانات بعض النصارى العراقيين لدولة الخلافة الإسلامية وموالاتهم للجيوش الغربية؛ كان يعطى المسوِّغ دائماً لدولة الخلافة أن تمنح حق الرعاية على غير المسلمين للحكومات الغربية المشابهة لهم دينياً؛ مما ساعد على استبداد الكنائس الغربية كثيراً بالكنائس الوطنية والضعيفة. وتقول الباحثة النصرانية (نينب أمرايا) في دراسة لها غير منشورة: «إن الدولة العثمانية بهذا القرار؛ مهدت السبيل أمام الإرساليات التنصرية الغربية ليجعلوا من نصارى العراق السريان غنيمة تنهب منها كل كنيسة غربية على قدر ما تستطيع عن طريق شراء الذمم، مستغلة الحصانات الدبلوماسية، وممارسة الاضطهادات، والحصار الاقتصادي لنصارى العراق الأصليين، لإجبارهم على الاحتماء بهذه الإرساليات حفاظاً لحياتهم؛ لقاء اتباع مذهب الكنيسة التي ستتولى الحماية، فكان الثمن المدفوع خلال القرن التاسع عشر وحده، دماء أكثر من ثلاثة ملايين سرياني في مجازر صليبية غربية عنيفة، تحت عين وبصر دولة الخلافة، كان أشدها عنفاً ما حدث عام ١٩١٤ - ١٩١٥م؛ مما أجبر عشرات الألوف على الهجرة إلى روسيا وسوريا والأردن وتركيا وأمريكا وأوروبا وأستراليا» . وتقول الباحثة نينب أمرايا: وهكذا استطاعت تلك الإرساليات الصليبية الغربية أن تمزق أبناء شعبنا إلى مذاهب دينية جديدة هي: ١ - سريان كاثوليك. ٢ - سريان أرثوذكس. ٣ - سريان إنجيليين. أما الذين حاولوا الحفاظ على هويتهم العراقية باسم (الكنيسة السريانية الشرقية القديمة) ؛ فقد استطاعت الفتنة شقهم إلى ثلاث طوائف: ١ - الكلدان الكاثوليك. ٢ - الكلدان الإنجيليين. ٣ - أتباع الكنيسة الكلدانية الشرقية القديمة الذين ظلوا على عقيدتهم الأولى. وتضيف دراسة (نينب أمرايا) التي بثتها الكنيسة الآشورية على شبكة الإنترنت مع أول يوم للاحتلال الأمريكي؛ قائلة: «مع كل هذه الأجواء المشحونة والملتهبة؛ تأتي مجموعة كبيرة من رواد النهضة القومية، متخذين من الصحافة والعلم والسلام نهجاً ثابتاً لنشر رسالة أمتهم القومية، مؤكدين (وحدة الشعب الآشوري) بكل مذاهبه الكنسية الطائفية، وحق أمتهم في الوجود، وممارسة حقوقه المشروعة في أرض آبائه وأجداده» . وتجاوز البيان الآشوري في أحلامه؛ مشيراً إلى تاريخ الكفاح من أجل عودة العراق كله إلى الكنيسة الآشورية القديمة، جاء فيه: (لقد وقف ممثلو الشعب الآشوري عام ١٩١٩م في مؤتمر الصلح في باريس مدافعين عن حق الوجود القومي الآشوري، ومن ثم معاهدة «سيفر» التي أبرمت في فرنسا عام ١٩٢٠م، ومعاهدة «لوزان» بسويسرا عام ١٩٢٤م، والتي نصت صراحة على الحق القومي للشعب الآشوري في أرض وطنه بالتعاون مع الحكومات الوطنية، ثم تلتها اللجنة الهنجارية البلجيكية عام ١٩٢٥م التي اقترحت ضم الموصل في الجنوب إلى العراق، وضم (هكاري) في الشمال إلى تركيا، مع المحافظة على الحقوق التاريخية القديمة التي كان يملكها الآشوريون، وحق المهاجرين منهم في العودة إلى ديارهم في (هكاري) ، إلا أن شيئاً من ذلك لم يحدث، بل تفاقمت الأمور إلى حد ارتكاب واحدة من أبشع المذابح في العام ١٩٣٣ في منطقة (سميل) ، التي أودت بحياة أربعة آلاف آشوري من مختلف الأعمار التي حيكت مؤامرتها من قبل الكنيسة الإنجليزية وحكومتها، بالتعاون مع الحكومة الملكية العراقية الموالية لها حينذاك) . ولأننا لا نملك حق المشاركة في القرار، وقد سفكت صواريخ وقنابل أمريكا دماء آلاف ممن كان لهم حق المشاركة في الرأي، وأحكمت بعتادها العسكري السيطرة على مقدرات البقية الباقية، كما أن سجون الحكومات العربية أصبحت مسكناً لمن حاولوا أو يحاولون ممارسة حق الفكر أو الفهم بشأن العراق والمسلمين؛ فإن السكوت أصبح هو خير ملاذات العصر، ويكفينا سعادة وحبوراً أننا لم نحرم من المشاركة في المشاهدة، وتطبيع المشاعر مع صورة الدماء الفضائية النازفة من أجساد المسلمين في كل أرض، في انتظار نتائج هجمة التنصير الجديدة على العراق المسلم.

стр. 4613

ملفات التغيير القادم تجديد الخطاب الديني د. محمد يحيى [*] طرحت في الفترة الماضية في أحد البلدان العربية دعوة رسمية إلى ما وصف بـ (تجديد الخطاب الديني) ، ولأن الدعوة صدرت من المراجع الرسمية العليا تلقفتها أجهزة الإعلام بسرعة ومعها بعض المؤسسات والأجهزة الأخرى التابعة للدولة، وروجت لها من خلال مقالات وتعليقات وندوات واجتماعات، غير أن ظروف طرح هذه الدعوة والسياق الذي جرت فيه تكشف عن أبعادها الحقيقية التي تكشف بدورها عما يتعرض له الإسلام والفكر الإسلامي وما يراد به في هذه الفترة. تواكب صدور هذه الدعوة مع تحرك غربي جارف لفرض ما أُسمي بالإصلاح أو التطوير الديني على المسلمين والإسلام كوسيلة مزعومة لعلاج التطرف والإرهاب الذي قيل إنه ينشأ بين ظهرانيهم نتيجة لمناهج التعليم الديني الخاطئة ومفاهيم الدعوة والفكر المعوجة. وفي مقابل هذه الأخطاء الإسلامية المدعاة بدأت دوائر الغرب السياسية والثقافية وحتى الكنسية والأمنية والاستخباراتية تطرح مفاهيمها الخاصة لإصلاح الإسلام ديناً وفكراً، وهي العملية التي احتلت مركز الصدارة وسط الحملة العسكرية السياسية على ما أسموه بالإرهاب، وظهرت في هذا الصدد سياسات ملموسة تمثلت في إصدار التوجيهات التي لا ترد لأنظمة هنا وهناك في بلاد إسلامية بغلق المعاهد الدينية الإسلامية، أو ضمها إلى نظام التعليم غير الديني، أو فرض تبني مناهج هذا التعليم الأخير، أو تغيير مناهجها بالكامل لإدخال محتوى «دنيوي» عليها ليحل محل المحتوى الديني. وكانت الهجمة على نظام التعليم الديني الإسلامي بأكمله، وعلى مناهجه ومحتواه وأهدافه مفهومة في إطار الهدف الأكبر وهو تغيير عقل المسلمين وتغيير بنية الإسلام نفسه باعتبار ذلك النظام الوسيلة التي يتواصل بها الدين وينقل عبر الأجيال، والأداة التي توجه الدعوة الإسلامية وترسخ لهذا الدين في بنية المجتمعات الثقافية والفكرية والشعورية. وترافق مع هذا التحرك طرح غربي آخر يدعو إلى نشر وتعميم أو بالأصح فرض وإدخال تجارب جديدة وضعت نتائجها نماذج «للإسلام الإصلاحي» بحيث تصبح هي الأنظمة المسيطرة والموجهة والوحيدة السارية في سائر البلدان الإسلامية، ومما ذكر في هذا الصدد ما أسمِيَ بالتجربة الأتاتوركية التي ابتدعت «الإسلام العصري العلماني» وهو الذي يراه الغرب النموذج الوحيد الصالح الآن لإعماله في البلاد الإسلامية بغرض نقلها من التخلف إلى الحداثة، وإدماجها في العولمة أو النظام العالمي الجديد، وإنقاذها بالطبع من التطرف والإرهاب، بل بدأت الحكومة التركية ومعها دوائر أمريكية تروج بالفعل لنقل هذه التجربة العلمانية القحة المغرقة في العداء للإسلام لتطبق في أفغانستان مثلاً أو حتى باكستان باعتبارها نموذجاً للإسلام الإصلاحي أو المعتدل أو العصري، وفي السياق نفسه طرحت التجربة التونسية العلمانية ممثلة ليس فقط بممارسات الحكومات التونسية ضد أوضاع الإسلام التعليمية والاجتماعية على مدى العقود الماضية، وإنما كذلك بكتابات بعض الكتاب التونسيين المتفرنسين التي أصبحت في السنوات الأخيرة توصف بالإسلام التقدمي، وتُرَوَّج على اعتبار أنها الوسيلة المضمونة لعلمنة وتغريب الإسلام تحت مسمى إصلاحه وتطويره وعصرنته، بل وصل الأمر في هذا الصدد أن أخذت دوائر سياسية أوروبية في بريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وألمانيا وغيرها تطرح تصوراً يقول بأن عناصر من ذوي الأصول الإسلامية الذين هاجروا إلى الغرب واندمجوا وذابوا في مجتمعاته وتشربوا مجمل القيم والأفكار والتصورات الغربية هم الأجدر بأن يصبحوا من خلال ممارساتهم وكتاباتهم النموذج الذي يجب أن ينقل إلى البلاد الإسلامية ليحتذى ويقلد على زعم أن هؤلاء قد خرجوا من خلال وضعهم الفريد هذا بصيغة عصرية حديثة مطورة من الإسلام صالحة للعيش والتأقلم مع المجتمع الحديث (أي الغربي) وأنهم بذلك الأجدر بنقل الشعوب الإسلامية من التخلف إلى الحداثة وروح العصر. واتخذت المسألة أبعاداً أقرب إلى الهزل واللامعقول عندما بدأت بالفعل عناصر من أشخاص ذوي أصول إسلامية لكنهم تغربوا بالكامل وتعلمنوا تفد إلى البلاد الإسلامية أو ترسل بكتاباتها وأفكارها إلى المنابر الإعلامية والثقافية وحتى الدينية في تلك البلاد لكي يجري «تقليد» ومحاكاة وتبني هذه الأفكار والتصورات باعتبارها النموذج الأسمى «للاجتهاد» الإسلامي العصري رغم أنها تلغي الإسلام بطابعها المفرق في العلمنة والتغريب. وفي تطور موازٍ أخذ الإعلام الغربي «يكتشف» أن هناك داخل وخارج البلدان الإسلامية مفكرين وكُتَّاباً هم كذلك أصحاب باعٍ في تطوير وإصلاح وتجديد وتغيير وعصرنة وتحديث الإسلام، وأنه يجب على الدول الغربية أن تشجعهم وترفع من شأنهم بالتلميع الإعلامي والدعم المالي والسياسي (كما اقترح مدير معهد جوتة الألماني الثقافي التابع لوزارة الخارجية الألمانية) حتى يمكن فرض أفكارهم بدورهم على الأوضاع الدينية والاجتماعية والفكرية في البلاد الإسلامية، وذكرت في هذا المجال أسماء بعينها من مصر وبلدان المغرب العربي، ثم من المقيمين والمهاجرين في أوروبا وأمريكا. وكان الهدف الأكبر وما يزال من وراء هذه التحركات المحمومة والمتنوعة والواسعة النطاق التي نشهدها في الآونة الراهنة هو إحداث تغيير جذري حاسم في البنية الفكرية العامة للإسلام عقيدة وشريعة وقيماً وممارسة يؤدي في النهاية كما نلمح إلى ثنائية العلمنة والتغريب؛ بحيث يخرج الإسلام من هذه العملية مسخاً مطوعاً للتآلف والانضواء تحت منظومة العالم الغربي فاقداً لتميزه وتفرده وهويته ومفرغاً من مضمونه الحقيقي؛ مما يعني نهايته كدين، وتحوُّل أتباعه عنه. ومن المخزي أن هذه الخدعة الكبرى تجري تحت شعارات جذابة براقة مثل الاجتهاد والتجديد والاستنارة وما أشبه، وينجرف وراءها الآن نفر من العلماء والرؤساء الدينيين المعينين إما جهلاً أو عمداً في سعي وراء مكاسب دنيوية معروفة، غير أن هذه التحركات الغربية التي أشرنا إليها تعاني من ضعف قاتل يشل فاعليتها ويطعن في مصداقيتها؛ فمن الشذوذ البالغ أن يجد الناس أن من يتولى كبر الدعوة إلى إصلاح وتصحيح الإسلام والاجتهاد فيه عناصر أجهزة الاستخبارات والأمن الغربية ودوائر السياسة والإعلام والكنائس هناك، ولا يقل عن ذلك شذوذاً أن يجد الناس في بلدان المسلمين وبشكل مفاجئ أن غلاة العلمانيين واللادينيين والمتغربين في وسطهم ممن لم يعهد عنهم في يوم من الأيام أدنى اهتمام أو شغل بالهم والفكر الإسلامي (إلا من حيث الهجوم الدائب على الإسلام) هم الآن الأعلى صوتاً والأكثر نشاطاً في الدعوة إلى ما يوصف بأنه الاجتهاد الفكري وحتى الفقهي والإصلاح الديني ... إلخ، وهنا نصل إلى السبب المباشر والجوهري وراء دعوة تجديد الخطاب الديني كما أطلقتها تلك الدوائر الرسمية من داخل البلد المسلم العربي. ذلك أن الدوائر الغربية النافذة ورغم تمسكها بتحقيق هدف مسخ وتشويه الإسلام من خلال التحركات التي ألمحت إليها والتي تمسك بزمامها أدركت أنه لا بد لضمان تحقيق هذا الهدف على نحو أفضل أن تتولى عناصر من داخل البلدان الإسلامية نفسها، ويفضل أن تكون من المنتسبين إلى العلم الديني (العلماء والمشايخ) وتكون لها الصدارة في هذه العملية بعد استقطابها لضمان قدر ولو ضئيل من المصداقية أمام الجماهير، وحتى لا يقال إن الإسلام قد جرى «تحديثه» و «إصلاحه» على يد الاستخبارات والشرطة الغربية، أو على يد اللادينيين والصليبيين وحتى اليهود. ومن هنا انطلقت دعوة التجديد للخطاب الديني لتكون الذراع الداخلي للتحرك الخارجي ومن هنا جاء غموضها وإبهامها وعدم وضوحها المتعمد (هل هي تجديد في اللغة واللهجة، أم في المضمون؟ وهل يمكن الفصل بين الاثنين؟ وهل هي تغيير في المصطلح؟ وهل لا يؤدي تغيير المصطلح إلى تغيير المفاهيم؟) . خرجت هذه الدعوة معيبة بسبب المناخ الذي أُطلقت فيه ومصدر وأسلوب طرحها؛ ولذلك شابها الإبهام والتخبط إلى حد أن بعض مروجيها اضطروا للتأكيد على أنهم لا يقصدون بها إحداث تغيير أو تلاعب في ثوابت الإسلام؛ وكأنهم بذلك يدفعون تهمة شعروا أنها لا بد موجهة إليهم. وكان الفاصل في إلقاء الشبهة على هذه الدعوة هو استخدام مصطلح «الخطاب» الذي يحتمل معاني كثيرة من مجرد الأسلوب اللغوي بمفردات المعجم وتراكيب الجمل والصور البلاغية ... إلخ إلى مجمل الأفكار والآراء والتصورات الواردة في فكر فرد أو جماعة أو مذهب أو دعوة ما. وقد سعى طارحو الفكرة إلى الإبهام بأنما هم يقصدون القسم أو المعنى الأول دون أن يجرؤوا حتى على القول بأي هدف يريدون تجديد الخطاب الديني؛ لأنهم لا يجرؤون على الإعلان بأنهم يرمون إلى نشر الدعوة الإسلامية بهذا التجديد؛ لأن الإسلام مرفوض في عصر العولمة الأمريكية والحملة على «الإرهاب» . لكنهم في الواقع كانوا يقصدون المعنى الثاني لكلمة «الخطاب» بحيث يعني تجديده تغييراً شاملاً لمضمون ومحتوى الإسلام. والأدهى من ذلك أن عملية تجديد الخطاب الديني بهذا المعنى الذي لم يُقَل للجماهير أُوكلت للعلمانيين وغير الثقات ممن ينتسبون بشكل واهٍ للعلم الديني مما يكمل دائرة الشر في مرمى وسياق هذه الدعوة.

стр. 4614

نص شعري عد يا هلال د. عبد المعطي الدالاتي عد يا هلالُ لأمتي.. عد يا هلالْ إن قيل: (غبْ) ، فلا تُصدّقْ.. لا تجبْ (غب يا هلالْ) ! .. لكأنها شكوى مُحِبْ.. قد ملّ من فرط الدلالْ.. وملَّ من كِبر الجمالْ هي نفثةٌ من شاعرٍ فقد الرحالْ فجفا الهناءة بعد أن حبطت شعارات النضالْ فاعذرْه.. في جنبيه آلافُ النصالْ واعذره.. في شفتيه جمرٌ من عذابات السؤالْ هو ثائرُ الأنوار مثلك يا هلالْ هو شاعر الأحرار يسفح دمعه فوق الرمالْ.. يمضي اشتياقاً خلف آثار الجِمالْ لكنني والحق أوْلى أن يُقالْ؛ ما زلتُ أطمح أن أراك تُطلّ من فوق التلالْ فلا تخيّبْ من دعاك وعُد إلينا يا هلالْ فغيابُ وجهك عن سماء القلب بعضٌ من محالْ عد يا هلال ولا تَغبْ عن ناظرَيْ فأنا بشوق للقا أتُراك مشتاقاً إلي؟! عد يا هلال لكي نصوم ونفطرا فالصوم والإفطار رهنُ ضياءِ وجهك إذ يُرى هذي وَصاة نبينا خيرِ الورى كم كان يدعو ربَّه حتى تعودْ.. باليُمن والإيمان في الشهر الجديدْ؟! وكذا يكون دعاء كل موحِّدِ.. لما يراك على قباب المسجدِ «ربي وربك واحدٌ» .. وله جبيني ساجدٌ وله جنبينك ساجدُ عد يا هلال لكي نصلي كي نصومْ رغم العِدا من حولنا.. رغم المُدى في ظهرنا رغم الهزيمة والكلومْ.. وسقوط بغداد العظيمْ! عد يا هلال لكي تعودْ.. بغدادنا لحِمى الأسودْ.. رغم الثعالب واليهودْ فغداً سنرسم وجهَك الوضّاء في كل البنودْ وغداً سنقرع للوغى كل الطبولْ.. وغداً نطهّر نخلَها العربيَّ من رجس المغولْ عد يا هلال مع النجومْ.. طهراً وإيماناً يحومْ.. في لهفة حول الغيومْ أتَرى الغيومَ أيا هلالْ.. تدفقتْ مثل الجبالْ.. في الأفْق تتبعُها جبالْ؟! أتُرى الغيومْ؟! في سرّها حارت فُهومْ.. في صمتها نجوى جلالْ لَبِّثْ قليلاً يا هلالْ فوربّ أحمد سوف تمطرُ بالرجالْ وستورق الصحراء بالفجر الجديدْ.. «ويطلّ عيدٌ يا هلال وأيّ عيدْ؟!» وترى شباب المسلمينْ.. فوق المآذن والتلال يُكبرونْ وترى بنات المسلمين.. يقطفن عقداً من زهور الياسمينْ وترى صغار المسلمينْ.. في كل بيت يفرحونْ «بالعيد بالحلوى بأثوابٍ جديدةْ» .. وتراهم يتلون أغنيةً سعيدةْ تنساب من شفة القلوبْ.. فاسمعها يا قمري الحبيبْ

стр. 4615

المسلمون والعالم قادة المقاومة يرسمون خارطة الطريق.. الفلسطينية نائل نخلة - أحمد فهمي يصح لنا أن نطلق على الواقع الفلسطيني اسم «مصنع الوعي» ؛ فهو بحق واقع ثري وخصب، ومعلم في ذات الوقت، ويظهر هذا الوعي والنضج كسمة عامة لقادة العمل الإسلامي الفلسطيني، فبينما يُعَدُّ واقعهم في مقدمة الميادين الناسفة لثوابت الأمة، نجدهم في مقدمة العاملين الذي يعضون على تلك الثوابت بالنواجذ؛ وهذا ليس كلاماً ارتجالياً عاطفياً، ولكنه حقيقة لا جدال فيها، ويمكن تلمسها بسهولة من خلال هذا الاستطلاع لنخبة من هؤلاء الرموز والقادة، والذي يمكن أن نعتبره بمثابة خارطة طريق فلطسينية مضادة. وقد وجهنا إلى المشاركين ستة أسئلة تتضمن أهم المحاور التي تميزت بها القضية الفلسطينية في مرحلتها الحرجة الحالية، وينتمي أغلب المشاركين بطبيعة الحال إلى حركتي حماس والجهاد الإسلاميتين، بالإضافة إلى مشاركة من عضوين في المجلس التشريعي الفلسطيني من المعارضين لحكومة أبو مازن. وهذه أسماء المشاركين في هذا الاستطلاع حسب الترتيب الأبجدي: - الشيخ أحمد ياسين: مؤسس حركة المقاومة الإسلامية حماس والزعيم الروحي للحركة. - الشيخ جمال الطويل: أحد قيادات حماس في سجون الاحتلال. - الشيخ حامد البيتاوي: رئيس رابطة علماء فلسطين، ورئيس المحكمة الشرعية في الضفة الغربية. - الأستاذ حسن خريشة: عضو في المجلس التشريعي الفلسطيني. - الأستاذ خالد البطش: أحد قيادات الجهاد الإسلامي في فلسطين. - الأستاذ طلال الباز: أبو المعتصم ممثل حماس في قلقيلية، والمعتقل في سجن عسقلان الاحتلالي. - الأستاذ عبد الجواد صالح: عضو المجلس التشريعي. - الأستاذ عبد الحكيم حنيني: أحد قادة حماس في السجون، ويقضي حكما بالسجن ١٨ عاماً. - الدكتور عبد الستار قاسم: أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية في مدينة نابلس شمال الضفة الغربية. - الدكتور عبد العزيز الرنتيسي: أحد أبرز قادة حماس في فلسطين. - الشيخ عبد الله الشامي: أحد قادة الجهاد الإسلامي في قطاع غزة. - الأستاذ عدنان عصفور: عضو القيادة السياسية لحركة حماس في شمال الضفة الغربية. - الأستاذ محمد أبو طير: «أبو مصعب» أحد أبرز قادة حماس في سجون الاحتلال. - الدكتور محمد الهندي: القيادي البارز في الجهاد إسلامي. - الدكتور محمود الزهار: قيادي بارز في الحركة ومتحدث باسمها. - الشيخ نافذ عزام: القيادي البارز في حركة الجهاد الإسلامي. * مادة الاستطلاع: س ١: رغم المجهودات الخارقة والتضحيات التي بذلت في الانتفاضة الأخيرة، إلا أنها حتى الآن، وكما يقول البعض عجزت عن تحقيق أي من أهدافها الاستراتيجية، ويقول بعض المحللين إن الكيان اليهودي أظهر قدرة غير متوقعة على تحمل تبعات الانتفاضة، ومن ناحية أخرى فإن الاتجاه العام للانتفاضة حالياً يبدو وكأنه ينحصر في مجرد الحفاظ على استمراريتها دون دفعها في اتجاه واضح لتحقيق هدف ملموس؛ فهل نستطيع القول إن الانتفاضة قد انتهت كسلاح استراتيجي؟ - هذا السؤال ثلاثي التكوين، فأما شقه الأول، والمتعلق بالزعم بأن الانتفاضة عجزت عن تحقيق أهدافها الاستراتيجية؛ فهذا لم يوافق عليه أحد من المشاركين، وتنوعت الإجابات بين الإشارة إلى المبالغة في تحديد أهداف للانتفاضة، وبين التنبيه إلى أهمية التأثير التراكمي للعمل الجهادي، وبين ذكر لأهداف وإيجابيات عظيمة حققتها الانتفاضة، وبين اعتراف بقصورها عن تحقيق المراد ولكن لأسباب خارجة. يقول الدكتور عبد الستار قاسم: «إذا كان هناك من يقف أمام شاشات التلفاز ويقول إن الانتفاضة تهدف إلى إقامة الدولة الفلسطينية بجوار دولة» إسرائيل « فتلك كانت مسؤوليته، ومسؤولية من خلفه من رجال السلطة» ، ويؤيده الأستاذ عدنان عصفور بالقول: «لم يكن متوقعاً أو منتظراً من انتفاضة شعبية بلغت من العمر ٣٠ شهراً رغم تضحياتها الجسام وإبداعاتها الرائعة، أن تحسم صراعا عمره مائة عام امتاز بتعقيداته وتشابكاته وتأثيراته العالمية» ، وينبه الدكتور الرنتيسي إلى نقطة هامة بقوله: «لم تحدد أي من الفصائل الفلسطينية المشاركة في الانتفاضة عمراً افتراضياً لها، حتى يقال إنها عجزت عن تحقيق أهدافها» ، ويمزج الدكتور محمود الزهار بين الاعتراف بقصور الانتفاضة ونجاحها بحنكة فيقول: «استناداً على المحللين قصار النظر أصحاب فكر الهزيمة، يمكن القول بأن أهداف الانتفاضة الاستراتيجية قد انحصرت، فأهداف الحركة الإسلامية الاستراتيجية هي تحرير فلسطين» ، وينكر الدكتور محمد الهندي على أصحاب هذا الفكر: «الحديث عن التضحيات الفلسطينية كمدخل لنشر اليأس وأن شعبنا بذل هذه التضحيات الخارقة دون أن يحقق شيئاً؛ فهذا بالضبط ما يريده شارون أن تنكسر إرادة الشعب الفلسطيني ويستسلم» ، لكن الشيخ عبد الله الشامي يقر في المقابل أن الانتفاضة «لم تساهم في طرد الاحتلال من حدود الضفة الغربية وقطاع غزة كما حددت لنفسها، ولكنها في الطريق إلى ذلك» . ويذكِّر الشيخ أحمد ياسين بحقيقة ميزان القوى قبل أن توجه الانتقادات للانتفاضة، فيقول: «الانتفاضة سلاح استراتيجي بعيد المدى، نحن لا نقاتل جيشاً لجيش حتى نحسم المعركة في أيام أو شهور أو بضع سنين؛ نحن نقاتل وجيشاً دولة تملك القوة وكل الإمكانات المادية، لذلك لا بد أن تبقى مقاومتنا مستمرة» . وعن تأثير العامل التراكمي، يقول الشيخ عبد الله الشامي: «عامل الزمن مهم جداً في تراكم الخسائر البشرية والمادية للعدو الصهيوني، بما يجعل تكاليف بقاء الاحتلال باهظة وغير محتملة» ويوافقه على ذلك الدكتور محمد الهندي بقوله: «نحتاج إلى وقت لكي نراكم في هذا الصراع نقاط قوة أو نقاط ضعف، وفي هذه الانتفاضة كما في الانتفاضة الأولى نحن نراكم نقاط قوة، وندفع المشروع الصهيوني في فلسطين للخلف» ، ويقول الأستاذ خالد البطش: «الاحتلال لا يرحل دفعة واحدة، بل بتراكم هذه العمليات واستمرار الانتفاضة» . أما إيجابيات الانتفاضة والتي تحققت حتى الآن، فلديهم منها الكثير. يقول الاستاذ عدنان عصفور: «انتفاضة الأقصى حققت الكثير من أهدافها والمتمثلة في: - إعادة الصراع إلى أصوله: صراع بين مشروعين: إسلامي وصهيوني إمبريالي - استنهاض الأمة وتجديد روح الجهاد - زعزعة أمن واستقرار الكيان الغاصب واستنزافه - دحض هشاشة وسرابية مشاريع التسوية السلمية للقضية، وبهذا تكون الانتفاضة قد قرّبت ساعة الحسم ومهدت لمعركة الفصل» . ويتحدث الشيخ نافذ عزام عن مسوِّغات الانتفاضة باعتبار ذلك من إيجابياتها: «كان لا بد من تحرك شعبي يعلن رفض الاستسلام، ويؤكد التمسك بالثوابت، وكان لا بد من الانتفاضة لتسقط وهم التعايش مع العدو، وإخفاق محاولات التطبيع معه» . ويضيف الأستاذ حسن خريشة إلى ما سبق: «نجحت الانتفاضة في توحيد الشعب الفلسطيني، وأعادت للذاكرة العربية الجماعية مركزية القضية الفلسطينية، وزادت الأنظمة الرسمية العربية إحراجاً فوق عجزها السابق؛ بحيث ظهرت قضية الشعب الفلسطيني كطائر الفينيق؛ حيث كلما اعتقدوا أنهم تخلصوا من القضية عادت إلى المركز مجدداً وبأشكال أخرى» ، ويقول الشيخ جمال الطويل: «الانتفاضة واستمراريتها فضحت الهزيمة الرسمية عام ٤٨ وعام ٦٧ وجزء من ٧٣ وما تلا ذلك، كان بودنا أن تتعلم العواصم أنها لا يجوز أن تسقط وفي قادتها وشعوبها عرق ينبض» . ويقول الشيخ حامد البيتاوي: «الدول العربية بأكملها لم تكبد العدو ما كبده شعبنا في انتفاضة الأقصى» . ويختم المجاهد محمد أبو طير هذه النقطة بقوله: «المجهودات لا ضياع لها ولها أجرها عند من لا تضيع عنده أعمال.. الله ، من هو الذي يقول إن الانتفاضة عجزت عن تحقيق أي من أهدافها الاستراتيجية أين هو وما هو حظه في الانتفاضة؟» . أما الأسباب التي عوقت الانتفاضة عن تحقيق أهدافها الأخرى، فيذكر الشيخ عزام أن «منها ما يتعلق بعجز الحكومات العربية عن استثمار حالة المقاومة التي خلقتها الانتفاضة، وعدم رغبتها في الضغط على أمريكا و» إسرائيل «، ومنها ما يتعلق بالدعم الأمريكي اللامحدود لـ» إسرائيل «سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وعدم وجود موقف أوروبي جاد، كل تلك الأسباب جعلت الأمور أكثر تعقيداً، وأظهرت الفلسطينيين وكأنهم وحدهم في هذه المعركة» . ويحلل الدكتور الرنتيسي الموقف استناداً على تجربة الانتفاضة الأولى فيقول: «أشعل الشعب الفلسطيني انتفاضته الأولى عام ١٩٨٧م، وقد شكل بذلك ضغطاً هائلاً على الكيان الصهيوني، اضطره إلى البحث عمن يوفر له الأمن في أوسلو أي أن العدو الصهيوني تمكن من اختراق الصف الفلسطيني، ومن ثم تمكن من الإفلات من قبضة الانتفاضة، واعتمد الصهاينة نفس الأسلوب عبر ما يسمى بخارطة الطريق، فوجدوا مرة ثانية من ينقذهم من الضغط الهائل» . أما الشق الثاني من السؤال: والذي يتناول قدرة العدو اليهودي على تحمل ضغط الانتفاضة، فقد رفض الجميع هذه الفكرة، واعتبروا أن اليهود تكبدوا من الخسائر ما لم يتعرضوا له من قبل. ويقول الدكتور قاسم: «استطاع العدو أن يمتص الضربات، ولكن بثمن باهظ حتى الآن، ولم يعتد عليه في السابق، لقد انتقلت المعركة إلى داخل تجمعاته السكانية» . ويقول الدكتور الهندي: «أما أن الكيان العبري أظهر قدرة على تحمل تبعات الانتفاضة فهذه مسألة مشكوك فيها، الكيان العبري ضرب في مفاصله» . ويستشهد الشيخ أحمد ياسين بأكاديمي يهودي فيقول: «كتب بروفيسور إسرائيلي قبل أيام يقول إن إسرائيل ستنهار خلال عشر سنوات، إذا ما استمرت الانتفاضة» . ويقول الشيخ جمال الطويل: «هل يستطيع أحد أن ينكر ضعف إن لم يكن وقف الهجرة إلى فلسطين، وبدلاً منها الهجرة المعاكسة إلى الخارج، أم أن الأعين تتعامى عن رؤية الفراغ في المستوطنات الذي خلفته هجرة سكانها إلى داخل الخط الأخضر» . ويقول الشيخ البيتاوي: «أكبر خسارة أوقعها شعبنا في العدو هو الرعب والخوف الذي ملأ قلوب الصهاينة جميعا من عسكريين ومدنيين ومستوطنين» . ويقدم المجاهد عبد الحكيم حنيني نظرة تحليلية متعمقة للأمر، فيقول: «بالنسبة للكيان وقدرته على تحمل أعباء الانتفاضة؛ فرغم ما يعانيه من فقدان للأمن وانهيار الاقتصاد، إلا أنهم ينظرون إلى المسألة على أنها صراع وجود؛ لذلك يدافع عن وجوده بكل ما يملك من قوة، مبدياً نوعاً من الصلابة» . أما الشق الثالث من السؤال: عن تراجع الانتفاضة كسلاح استراتيجي، فهو طرح مرفوض، لكن مع التوضيح، يقول الدكتور قاسم: «الانتفاضة الفلسطينية كأعمال احتجاجية قد انتهت منذ زمن بعيد وحل محلها المقاومة الفلسطينية» . ويقول الدكتور محمد الهندي: «إذا تعاملنا مع الانتفاضة على أنها مشروع مقاومة يمكن أن يتطور ونبني عليه، فإن الانتفاضة لن تنتهي؛ لأننا نملك اليوم بناءً حقيقياً وفاعلاً وديناميكياً، أما إذا تعاملنا معها كعامل لتحسين شروط التفاوض، فإنها تنتهي بالعودة إلى التفاوض» . ولذلك يقول الأستاذ البطش: «الشعب الفلسطيني لا يملك في الوقت الحاضر أي سلاح استراتيجي آخر أفضل من الانتفاضة» . ويؤكد الشيخ الشامي على ذلك بقوله: «ستبقى الانتفاضة والمقاومة سلاحاً استراتيجياً للشعب الفلسطيني في ظل قلة العتاد وقلة النصير» . ويبين الدكتور الرنتيسي أن قصور الانتفاضة ليس من داخلها «لو أن الانتفاضة أعطيت فرصتها بعيداً عن المحاولات المحمومة من البعض لتقديم المبادرات أو القبول بالخطط، لاختصرنا الوقت نحو الهدف» . س٢: حقبة أبو مازن القادمة، هل هي مقصودة لذاتها من قِبَل «الإسرائيليين» والأمريكيين؟ أم أنها مرحلة انتقالية لما بعدها؟ ولمن بعده؟ - أضاف المشاركون أبعاداً جديدة للسؤال لم تطرح، ومن أهمها: لماذا جاء أبو مازن؟ وللإجابة على ذلك يقول الشيخ عزام: «الحصار المفروض على الرئيس الفلسطيني أمريكياً وإسرائيلياً يهدف إلى معاقبته على تجرئه على رفض الاستجابة للضغوط؛ لذلك أصرت أمريكا على استحداث منصب جديد يتيح لها إجراء مفاوضات مع الفلسطينيين» . ويقول الشيخ الشامي: «تعودنا دائماً حين يخفق العدو الصهيوني في مواجهة انتفاضة الشعب الفلسطيني ومقاومته أن يلجأ إلى بديل فلسطيني يقوم بخداعه ليقوم بتمرير مشاريع الاحتلال» . ويزيد الشيخ ياسين الأمر وضوحاً بقوله: «العدو الأمريكي الإسرائيلي دائماً يفتش عن رجل المرحلة الذي يخدم أهدافهم وسياساتهم، كان في المرحلة السابقة أبو عمار، لكنه لم يعطهم كل ما يريدون، فتخلوا عنه لصالح أبو مازن، عندما يعجز أبو مازن عن تنفيذ كل ما يريدون، بالتأكيد فسيفتشون عمن بعده، ليناسب المرحلة» . يتفق أغلب المشاركين على أن حقبة أبو مازن هي مجرد مرحلة لها ما بعدها، ويحاول الدكتور محمد الهندي أن يبين الخلفية السياسية التي تحكم الأميركيين والإسرائيليين في هذا المجال، فيقول: «إسرائيل وأمريكا تهتمان بما يحدث على الأرض بغض النظر عن الأشخاص، عرفات وقعوا معه اتفاقات، واستقبلوه في البيت الأبيض أكثر من ١٥ مرة؛ لكنهم الأن يريدون تجاوزه؛ المشكلة إذن مع الحدود الدنيا التي قبلها المفاوض الفلسطيني ودخل مفاوضات أوسلو على أساسها» ، ويضيف: «بناء على ذلك فإن إسرائيل تتعامل مع السلطة كوظيفة لتحقيق الأمن للاحتلال؛ لذلك كل المراحل ستكون انتقالية، والفرق في التوقيت فقط» . ويؤكد الدكتور الرنتيسي على كونها مرحلة انتقالية، مع بيان الغرض منها، وهو: «خلق وقائع جديدة على الأرض - محاولة تفجير الوضع الفلسطيني من الداخل - بناء المستوطنات - شق الطرق الالتفافية - تهويد المقدسات - نشر اليأس» . ويضيف القيادي طلال الباز: «حكومة كهذه يراد منها جر الشعب الفلسطيني إلى اقتتال داخلي، لفرض أجندة جديدة، وإنقاذ إسرائيل» . أما لماذا أبو مازن بالذات، ومدى صلاحيته لهذه المهمة؟ فيقول الأستاذ حسن خريشة إن: «وجود أبو مازن لم يكن مصادفة، فالرجل وباعترافه شخصياً قاد حواراً فلسطينياً إسرائيلياً منذ سنوات السبعين في القرن الماضي، وهو صاحب نظرية التهدئة» . وإذا كان الحديث يدور حول أن أبو مازن مرحلة، وليس غاية؛ فمن يمكن أن يخلفه؟ يجيب الشيخ عبد الله الشامي على ذلك قائلاً: «أبو مازن لا يشكل فرس الرهان للعدو، لأنه ليس زعيماً، هو في نظرهم محطة انتقالية حتى ينضج الشخص الذي يقومون ببنائه وإعداده للمرحلة المقبلة، وتنضج الظروف المناسبة لتوليه، وهذا الشخص بات معروفاً حين أصر الأمريكيون والصهاينة على دخوله حكومة أبو مازن في مواجهة رفض أبو عمار» . ومفهوم طبعاً أنه يشير إلى محمد دحلان الوزير الأمني في الحكومة. القيادي الوحيد الذي رفض كون هذه المرحلة انتقالية، هو الشيخ نافذ عزام، ويفسر ذلك بالقول: «المطروح عبر خارطة الطريق: العمل على إيجاد حل نهائي للقضايا العالقة (القدس - المستوطنات - اللاجئين) وإذا كانت المرحلة انتقالية؛ فعلى أي شيء يراهن الأمريكيون والإسرائيليون» . أما مصير هذه الحكومة، واحتمالات نجاحها، فاكتفى المشاركون بالإشارة إلى ما يكتنفها من غموض وخطورة. يقول الأستاذ عبد الجواد صالح: «حقبة أبو مازن حبلى بكثير من التطورات، ولا نستطيع أن نجزم بالفعل ما هو المولود القادم لهذه الحكومة» ، ويضيف: «أبو عمار ضرب المقاومة وضرب حماس، ولكن لم يعطوه شيئاً وبالعكس زادوا الغطرسة والاستعمار الاستيطاني» ، ويلفت طلال الباز إلى أنه «تلقائياً هذه الحكومة ستنتهي كمطلب جماهيري و (إسرائيلي) نظراً للآثار السلبية التي أحدثتها» ... أو ينتظر أن تحدثها. س٣: موقف الشعب الفلسطيني من الانتفاضة، وعرفات، وأبو مازن، وخارطة الطريق.. إلخ يبدو غامضا، خاصة في ظل انعدام أدوات ذات مصداقية لقياس الرأي العام؛ فإلى أي مدى يمكن للشعب الفلسطيني أن يصمد في الصراع القادم بين الانتفاضة وبين خارطة الطريق؟ - تنوع التقويم لموقف الشعب الفلسطيني من الانتفاضة، ويمكن ملاحظة ثلاث اتجاهات في هذا المجال؛ فهناك من يعرب عن ثقته المطلقة في الشعب، وآخرون يقولون إن الفلسطينيين ازدادت خبرتهم وتجربتهم، ولذلك يبدون صموداً أكثر، وآخرون يعلقون الأمر على حركات المقاومة، وأن صمودها هو الذي سيدفع الشعب للصمود، أو العكس. ويعبر الأستاذ عدنان عصفور عن الاتجاه الأول بقوله: «الشعب الفلسطيني شعب مسيّس إلى حد بعيد، وهو قادر على التمييز بين ما هو لصالحه وما هو ضده، وهو قد قرر (بنسبة ٦٧%) أن خيار المقاومة هو الخيار الامثل» ، ويقول الشيخ جمال الطويل: «نحن نثق بشعبنا الفلسطيني وحسه الواعي، شعبنا ينحاز إلى الانتفاضة باعتبارها خياراً لا رجعة عنه، ويرفض خارطة الطريق؛ لأنه يرفض أن يعود إلى متاهات التفاوض، وفي أحد استطلاعات الرأي أعطى شعبنا ٢% فقط لأبو مازن» . ويضيف الشيخ عبد الله الشامي بُعداً هاماً لرصد التغير في موقف الشعب الفلسطيني؛ حيث يقول: «الشعب الفلسطيني لديه من طاقة الصمود أضعاف أضعاف ما ظهر منها حتى الآن، خصوصاً في ظل التحول الواضح باتجاه الإسلام، بعدما كان العنوان النضالي لمراحل طويلة علمانياً ماركسياً، وتعرفون أية طاقة وأي إرادة يعبئها الإسلام للشعوب المقاومة والمضحية» . ويدلل الدكتور محمد الهندي على الموقف الفلسطيني المؤيد للمقاومة بأمرين: أولهما: «بعد نشر خارطة الطريق أصدرت لجنة المتابعة التي تمثل جميع الفصائل الفلسطينية، والتي تقود النشاط السياسي للانتفاضة، بياناً أكدت فيه على استمرار الانتفاضة والمقاومة طالما استمر الاحتلال والعدوان» . أما الثاني فهو: «آخر استطلاع للرأي نشرته مؤسسة رسمية تابعة للسلطة الفلسطينية قبل عشرة أيام، أظن أن حوالي ٧٦% من المستطلعة آراؤهم مع استمرار الانتفاضة بشكلها الحالي» . ويضيف القيادي محمد أبو طير مؤشراً آخر، حيث يقول: «اسألوا أطفالنا هم نبض الشارع الفلسطيني» ، أما الشيخ ياسين فيلفت إلى مؤشر واضح للعيان وهو «المسيرات الضخمة التي تخرج من وقت لآخر بعشرات الآلاف بل بمئات الآلاف في الشوراع، تعلن وقوفها إلى جانب خيار المقاومة، وتكذب كل استطلاعات الرأي التي تزيف الحقائق» . أما الاتجاه الذي يتحدث عن زيادة خبرة وتجربة الفلسطينيين، فهو يوحي بأن المواقف القديمة لم تكن على مستوى كبير من الوعي والنضج. ويقول الدكتور الرنتيسي: «صمود الشعب الفلسطيني في وجه خارطة الطريق سيكون أسهل بكثير من صموده في وجه أوسلو، الشعب أصبح صاحب تجربة غنية في المواجهة، وبعد أن تبين أن طريق المفاوضات لا يعني إلا تآكل الوطن تدريجياً فإنه اليوم أقدر على مواجهة الخطط الأمنية التآمرية» . ويتحدث الشيخ أحمد ياسين بصراحة أكثر، فيقول: «عليكم أن تتذكروا أن الشعب الفلسطيني من عام ٩٦ وقف متفرجاً، والحركة تضرب، وأبناؤها تُمزق عظامهم ولحومهم تحت التعذيب في الزنازين، لأنه ظن أن الاحتلال سيرحل، وأن الدولة الفلسطينية في متناول اليد، حتى وصل الحال في بعض الناس أن يلقوا أغصان الزيتون على جنود العدو الإسرائيلي، أما اليوم فقد تغير الحال وأدرك الشعب الفلسطيني أن لا خيار أمامه غير المقاومة» ، ويضيف الأستاذ حسن خريشة نوعاً آخر من التجربة «القسرية» والتي يعتبر أن لها تأثيراً في تأييد الفلسطينيين للانتفاضة، فيقول: «قدرة الشعب الفلسطيني على الصمود أكبر مقارنة مع المجتمع الصهيوني، على اعتبار أن تطور المجتمع اقتصادياً يعني قدرة أقل على الصمود في الصراعات الطويلة، بالإضافة أن الشعب الفلسطيني ظهره الآن للحائط وليس لديه ما يخسره» . الاتجاه الثالث في تقويم موقف الشعب الفلسطيني، يعتبر أن حركة هذا الشعب سلباً وإيجاباً ترتبط إلى حد كبير بحركة فصائل المقاومة، ويتبنى الدكتور قاسم هذا الاتجاه، فيقول: «استطلاعات الرأي التي تجرى في فلسطين غير محايدة ولا يمكن الاعتماد عليها، ولكن ما يسمعه المرء في الشارع الفلسطيني هو تعليقات إما غير مكترثة أو ساخرة؛ وكأن الأمر يجري في نيبال أو ملاوي، وبالنسبة لخريطة الطريق، أغلب الشعب الفلسطيني لا يعلم على ماذا تنص، وإنما الانطباع العام أنها لا تحمل خيراً؛ لذلك يبقى الأمر بيد فصائل المقاومة التي تقرر مسألة استمرار المقاومة» . ويشير القيادي طلال الباز إلى قريب من ذلك بتأكيده على أن هذا الشعب «بحاجة لدعم صموده واستمراريته، وهذا منوط بمن يوفر له المال والطعام والسلاح، والسؤال هل تسطيع حركة حماس أن تلعب هذا الدور، وإلا فسوف يكسر هذا الشعب» . وفي نفس الوقت يحذر طلال من أنه لا يزال «قسم لا بأس به ينظر لعرفات كرمز مقاومة خالدة، وقيادة تاريخية له لا يمكن تجاهله» . وأخيراً، يؤكد عدد من المشاركين على أهمية اعتبار البعد الرباني في تحول مواقف الجماهير، وتحليها بالصبر والثبات؛ حيث يقول الشيخ أحمد ياسين: «الله وعد الصابرين بالنصر في النهاية؛ فلماذا لا نصبر حتى يهزم هذا العدو وينهار: [وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (يوسف: ٢١) ؟ ويقول الأستاذ خالد البطش:» نحن كمسلمين لا نغفل العامل الغيبي، وهو قدرة الله تعالى؛ لذلك فإن الانتفاضة على شعبنا، والنصر من عند الله «. س٤: ما هي التنازلات المؤلمة التي تحدث شارون عن استعداده لتقديمها في حال نفّذ الفلسطينيون شروطه، وهل يمكن أن تسمح الدولة اليهودية حقيقة بإقامة دولة فلسطينية مستقلة، ولو بعد حين، وما هي مواصفات هذه الدولة؟ - يتطلب هذا السؤال أيضاً الإجابة على ثلاث نقاط: نبدأ بأولها: وهي حقيقة ما يدعيه شارون من تقديم تنازلات مؤلمة لتسويق خارطة الطريق، وفي مقابل التنازلات الفلسطينية القاتلة وليس المؤلمة، والذي يتضح من إجابات المشاركين أن الخبرة بشارون وأساليبه ووعوده شارون لا يستهان بها. ويقول الأستاذ عدنان إن هذه التصريحات» تضليل وخداع للفلسطينيين ليسارعوا في تنفيذ استحقاقاتهم التي ستؤدي إلى حرب أهلية فلسطينية، الأمر الذي سيعفيه شارون من تنفيذ التزاماته «. ويتساءل الشيخ عزام:» نحن لا نعرف ما هي هذه التنازلات المؤلمة، ولا نظن أن أحداً يعرف تلك التنازلات «. ويؤكد الشيخ ياسين:» شارون لا يريد التنازل للفلسطينيين عن أي شيء، عقيدته عقيدة ترانسفير، ويحاول البعض تحديد واستنتاج ما يقصده شارون حقيقة بهذه التنازلات، فيقول الدكتور قاسم إنها: «إخلاء خمس مستوطنات لا يتجاوز عدد سكانها الألفي نسمة، وتكلفهم مبالغ طائلة من الناحية الأمنية، ومن المحتمل أن يعني إعادة فتح بارات إسرائيل أمام روادها من كبار رجالات السلطة» . ويقول الدكتور الزهار: «التنازلات المؤلمة هي أن يرفع بيوت متنقلة وضعها يوم السبت ليرفعها يوم الأحد» . ويسخر الدكتور الهندي من تنازلات شارون، فيقول إنه «كبادرة حسن نية، قام بتفكيك بؤرة استيطانية عشوائية، هي عبارة عن كرفان غير مسكون، موضوعة عشوائياً على قارعة طريق ما، ويتم تسويق ذلك أنه تنازل مؤلم» ، ويضيف بنفس اللهجة: «هناك حوالي ٧٠ بؤرة بهذا الشكل جاهزة للتنازل المؤلم، بينما النشاط الاستيطاني يستمر بالمدن تحت ذريعة حاجة النمو الطبيعي للمستوطنات» ، ويذكر الأستاذ خالد البطش بعض التنازلات عديمة القيمة الاستراتيجية المحتملة: «حرية الحركة للمسوؤلين في السلطة، وسحب الدبابات والجنود الإسرائيليين إلى مواقعها التي كانت بها قبل ٢٨/٩/٢٠٠١م، وتسهيل الحركة التجارية بين الضفة وغزة، ووقف استهداف المراكز الأمنية الفلسطينية» . ويبلور القيادي الأسير طلال الباز المأساة بقوله: «الذي يؤلم شارون هو تفكيك بعض المستوطنات والتنازل عن البعض الآخر؛ بينما نحن نتألم لضياع ثلاثة أرباع فلسطين، وحسبنا الله ونعم الوكيل» . النقطة الثانية في السؤال، تتعلق بتوفر نية حقيقية لدى اليهود لإقامة دولة فلسطينية. والإجابة في العموم هي استبعاد ذلك تماما، وفرّق أغلب المشاركين بين أن يوافق اليهود على إقامة دولة حقيقية، وبين أن يوافقوا على إطلاق مسمى الدولة على كيان هلامي، يقول الدكتور الزهار: «إن الحديث عن دولة فلسطينية هو من قبيل» العلاقات العامة ليس إلا «. ويقول الشيخ جمال الطويل حاسما القضية: » لا التوجه الأيديولوجي، ولا التركيبة الحالية لحكومة الاحتلال تسمح بإقامة دولة فلسطينية متواصلة الأطراف، فضلاً عن أن تكون مستقلة لها سيادتها «. ويقول الشيخ عزام بنفس الثقة:» لن تسمح إسرائيل سواء الآن، أو غداً، أو بعد مائة عام، بقيام دولة فلسطينية بسيادة كاملة وبحدود واضحة وبجيش حقيقي «. ويذكّر الشيخ عبد الله الشامي بأن» العدو الصهيوني يعتبر قيام أي دولة فلسطينية أول مسمار في نعش دولة إسرائيل فلذلك هو يريدها وفق مقاييسه «. ويقول الدكتور الرنتيسي:» من اعتقد أن الصهاينة يمكن أن يوافقوا على قيام دولة فلسطينية ولو على مساحة قرية واحدة من قرى فلسطين المغتصبة فهو مخطئ «، ويذكر بموقف لهيلاري كلينتون زوجة الرئيس الأميركي السابق، وعضوة الكونجرس عن ولاية نيويورك، فيقول:» اضطرت هيلاري كلينتون إلى الاعتذار عشرات المرات عندما تحدثت يوماً عن حق الشعب الفلسطيني في إنشاء دولة «. ويشير الأستاذ عبد الجواد صالح إلى معنى جديد، فيقول:» من شبه المستحيل أن يقوم شارون بتنازلات حقيقة؛ لأنه من أصحاب المبادئ التي تقول إن فلسطين في الضفة الشرقية وليس غربي نهر الأردن «. ويشير القيادي الأسير عبد الحكيم حنيني إلى حقيقة سياسية:» الدولة الفلسطينية حسب مقاييس شارون، تم رفضها بنسبة ٩٠% في مركز حزب الليكود، وعلى هذا لا يمكن، بل من المستحيل إجراء أي تنازل مهما كان صغيرا، أما في حال سقوط الحكومة وإنضمام حزب العمل + حزب التغير + جزء من حزب الليكود، فيمكن أن تقدم إسرائيل بعض التنازلات، وطبعا هذه التشكيلة من المستحيل أن تتكون في المرحلة الحالية «. إذن ما هي مواصفات الدولة حسب الرؤية اليهودية؟ وهذا هو الجزء الثالث من السؤال، ويبادر الدكتور محمد الهندي بتوضيح جيد، فيقول:» ليس هناك مشكلة في العقلية التلمودية من إقامة دولة أو إمبراطورية فلسطينية إذا كانت عبارة عن معازل محاطة بـ إسرائيل من كل مكان وليس لها جيش أو سيادة حقيقية، ولها وظيفة واحدة هي حماية أمن إسرائيل وسمها بعد ذلك ما تشاء «. ويقول الشيخ عزام:» قد تقبل إسرائيل بوجود كيان فلسطيني، وإطلاق اسم دولة على ذلك الكيان، لكن لا يمكن على الإطلاق أن تزيل إسرائيل المستوطنات الكبيرة «. ويصف الشيخ الشامي هذه الدولة» المسخ «بأنها» دولة منزوعة السلاح، تسيطر إسرائيل على معابرها وأجوائها، تؤدي وظيفة أمنية للاحتلال مع بقاء بؤر الاستيطان الصهيوني في قلبها «. ويؤكد الدكتور الرنتيسي:» حتى أكبر المتفائلين بسماح الصهاينة بقيام دولة فلسطينية كانوا يتحدثون عن سلطة حكم ذاتي منقوص يسمى زورا وبهتاناً دولة «، ويقدم لنا الأستاذ عدنان عصفور الوصفة الحقيقية لإقامة الدولة، ومواصفاتها، فيقول:» الدولة لا توهب، وإنما تبنى وتنشأ بالدماء والتضحيات، والدولة التي ننشدها هي فلسطين المستقلة ذات السيادة الكاملة، مركزها يبدأ من المناطق التي يتم تحريرها بالمقاومة والتضحية مرحلياً وتمتد لتكتمل حدودها من البحر الى النهر «، ولمن ينتابهم شك في هذا الكلام، يدعوهم الشيخ أحمد ياسين أن يذهبوا إلى» المجتمع الفلسطيني في داخل أرض ٤٨، وينظروا إلى التمييز العنصري في كل شيء، عندها ستصلون إلى الحقيقة «. س٥: تميزت الحركة الإسلامية في الفترة قبل الانتفاضة بسياسة ضبط النفس في مواجهة استفزازات السلطة، وحتى لا تشتعل حرب أهلية بين الفلسطينيين، فما مدى استعداد الحركة لممارسة نفس السياسة في الفترة المقبلة والتي يقود المواجهة فيها دحلان وأبو مازن، وحيث ينص برنامج الحكومة الجديدة على نزع السلاح غير المرخص من الفصائل الفلسطينية وهو ما يعني تجريم الانتفاضة بل والمقاومة المسلحة؟ - جاءت الإجابات على هذا السؤال، كما هو متوقع؛ حيث أقر الجميع بأهمية الالتزام بسياسة ضبط النفس، ولكن كانت هناك نبرة تهديد في ثنايا الكلام، توحي بأن الأمور لن تكون بالسهولة التي كانت عليها قبل ذلك، حينما كانت السلطة تعتمد على حرص فصائل المقاومة، وخاصة حماس على تجنب القتال الداخلي في مواجهة استفزازت السلطة. هذه المرة هناك إصرار على عدم التخلي من ناحية، وهناك شبه إجماع من كافة الفصائل حتى فتح على الرفض التام لسياسة نزع السلاح الفلسطيني من ناحية أخرى. يقول الأستاذ عدنان:» البندقية في عهد الاحتلال هي شرف وكرامة، لا أتصور أن هناك فلسطينياً حراً يهدر شرفه طوعاً أو غصباً ويترك نفسه عارياً أمام عدو دموي «. ويقول الشيخ عزام:» جَمْعُ سلاح الفلسطينيين لم يحصل في أي مرحلة من مراحل الصراع، والآن وفي ظل استمرار العدوان، وتصاعد القمع فلا يعقل أبداً أن يسعى طرف فلسطيني لنزع سلاح المقاومة؛ إنه مطلب غير واقعي وغير منطقي «. ويقول الشيخ محمد أبو طير:» حماس تدرك أن الدم الفلسطيني غالٍ، ولكنها في المقابل لن تتنازل عن حقها في المقاومة ولن تسمح أن ينزع سلاحها «، ويشهد الأستاذ عبد الجواد صالح، وهو ليس من حماس، بأن الحركة: » تحملت الكثير من الأوضاع بشكل منطقي ولم تخرج عن الصف، وقامت السلطة بضربها عدة مرات ولكن لم ترد على هذه الاستفزازات من خلال وعيها بضرورة تجنب حرب أهلية، وأنا باعتقادي أنه من الصعب أن تقاد حماس نحو حرب أهلية، أبو مازن ليس لديه الإمكانيات للقضاء على الحركة «. ولكن الدكتور محمود الزهار يقول مشيراً إلى تغير الأوضاع:» سياسة ضبط النفس مستمرة، ولكن لا نعني بذلك أن نسلم سلاحنا، وأن ندخل السجن، لمجرد أننا نقاوم الاحتلال، وإذا اضطررنا للدفاع عن النفس فسنفعل، سلاحنا مرخص؛ لأنه السلاح المشروع المقاوم والنظيف، أما الأسلحة التي تأتي للدفاع عن العدو فهي السلاح غير المشروع وغير المرخص «. ويضيف الأستاذ حسن خريشة مستخدماً نفس التفريق بين السلاح المقاوم وغيره:» الشارع الفلسطيني، وأنا واحد منهم، أرى أن السلاح الشرعي هو السلاح المقاوم، هذا سلاح طاهر يجب عدم المساس به، أما السلاح الآخر وغير الشرعي، فالسلاح الذي لم يرفع في وجه الاحتلال، وهذا ما يجب جمع ما بقي منه «. وحول موقف حركة فتح المتغير عن الأوضاع السابقة عقب أوسلو مباشرة، يقول الدكتور قاسم:» هذه المرة ستكون مختلفة؛ لأن أغلب مسلحي حركة فتح أخذوا يدركون الحقيقة، ولا أظن أنهم سيقفون مع أبو مازن ودحلان ضد المقاومة، أي أن خطر الحرب الأهلية وارد، ولكن ليس بقوة بسبب سهولة إلحاق الهزيمة في السلطة على المستويين الشعبي والعسكري «. ويؤكد الأستاذ خريشة نفس المعنى بقوله:» هذا أمر لن تسلِّم به الفصائل بما فيها فتح، ولن يسلِّم به الشعب الفلسطيني، الموضوع ليس القوى الإسلامية، وإنما كل الساحة الفلسطينية التي سترفض مثل هذه الإجراءات «. وهو نفس ما كانت تطالب به حماس؛ حيث تقول الحركة على لسان قياديها البارز الدكتور الرنتيسي:» صيانة الوحدة الوطنية يجب أن تكون هدفاً وهمّاً للجميع، فلا يمكن لحماس أن تحافظ على الوحدة الوطنية وحدها «. ويشير الشيخ أحمد ياسين إلى عنصر آخر فاعل في هذه القضية، وهو الشعب الفلسطيني نفسه الذي سيتحمل مسؤوليته في الدفاع عن المقاومة» فهو اليوم قادر على حماية سلاح المقاومة والمقاومين من بطش السلطة «. ويقول الدكتور محمد الهندي:» بعد أكثر من ٦ سنوات من المفاوضات العقيمة أصبح لدى الشعب الفلسطيني وعي كبير بأهمية الحفاظ على مكامن قوته «. والغريب أن قياديي حماس المعتقلين في السجون اليهودية، والمشاركين في هذا الاستطلاع، كانت دعوتهم إلى عدم التخلي عن سلاح المقاومة أقوى وأشد، فيقول الشيخ جمال الطويل:» إن رجال شعبنا المتواجدون في الأسر، ليتوجهون إلى الحركة الإسلامية ويناشدونها أن لا تغمد سلاحها، طالما أن ملفات حقوق شعبنا مفتوحة، ومنها ملف المعتقلين الذين لم تأت خارطة الطريق على ذكرهم «. ويقول القيادي طلال الباز:» الظروف اليوم ليست مثل الظروف السابقة، فيجب أن يفسر الدم الفلسطيني كخط أحمر لنا، فإذا حاولت السلطة المساس به، فعندها يجب أن نضحي بشيء من دمهم حتى نفهمهم مدى قدسية الدم الفلسطيني «. ويضيف:» أعتقد أن المواجهة المحدودة أفضل لنا إذا حُشرنا في الزاوية من أجل ضمان حقوقنا وكسب ثقة الجماهير بنا عندما يخفق أبو مازن وحكومته في إنجاز ما وعد به «. ويقدم قيادي آخر معتقل هو عبد الحكيم جنيني نظرة تحليلية ترتبط بالمكان، فيقول:» أظن أن وضع الضفة الغربية يمكن أن يتحمل ذلك لقلة المسلحين وقلة السلاح بين المقاومين والمجاهدين، وأظن أن السلطة يسهل عليها ضبط الوضع في المدن الرئيسية في الضفة «، ويضيف:» المشكلة الكبرى لها هي القطاع حيث إنه يوجد آلاف المقاتلين وآلاف قطع السلاح والمليشيات المسلحة «. ويؤكد الدكتور عبد الستار قاسم على نقطة أخرى هامة، وهي قدرة أبو مازن ودحلان الحقيقية على تفعيل مواجهة ميدانية ضد فصائل المقاومة، فيقول:» أبو مازن والدحلان يتحدثان عن المحرمات التي سبق وأن انتهكها عرفات، ولكنهما على عكس عرفات، لا يملكان القوة لعمل ما عمله عرفات من اعتقالات وملاحقة الأعمال العسكرية للتنظيمات «. ويكشف الدكتور الهندي بعض أسباب ذلك بقوله: » السلطة الفلسطينية غير موجودة اليوم؛ فهناك من رجال السلطة من هو مطارد، ومن هو معتقل، ومن هو مطلوب للاحتلال، والمقاومة أصبحت أكثر تجربة وخبرة وقوة، وإسرائيل أصبحت أكثر يمينية وتطرفاً «. س ٦: الواقع العربي حالياً في أغلب مفرداته مؤهل لتقديم تنازلات كبرى في القضية الفلسطينية، والجميع يعتبرون خارطة الطريق مغنماً كبيراً، فما هي رؤيتكم للواقع الفلسطيني على ضوء هذه المستجدات؟ - تفاوت المشاركون في الاستطلاع في نظرتهم للدور العربي الرسمي والشعبي، وتأثيره المستقبلي على القضية الفلسطينية، ما بين متفائل بتغير ملموس، أو موجه لنداء بالنصرة، أو نافض يده من أي تأييد عربي. وبداية، يعترض الشيخ أحمد ياسين على تسمية خارطة الطريق مغنماً، فيقول:» خارطة الطريق لا تلبي حتى الآن حتى أقل ما يطلبه الشعب الفلسطيني؛ فكيف تكون مغنماً، الشعب الفلسطيني يريد كل وطنه ولا مانع أن يتم ذلك على عدة مراحل «، ويضيف قائلاً لمن يتمسكون بها باعتبارها الخيار الأفضل للفلسطينيين في زعمهم:» الذي لا يستطيع تحرير أرضه ووطنه لا يتنازل للعدو ولا يسلمه، وليترك للأجيال القادمة خيار التحرير والنصر إن شاء الله «. ويوجه الأستاذ عدنان خطاباً هادئاً ناصحاً للنظام العربي، فيقول:» النظام العربي الرسمي مفترض أنه أدرك وسائل وأهداف المشروع الصهيو الأميركي، آمل أن يكونوا كما قال الرسول ﷺ : لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين «، ويوجه الشيخ جمال الطويل نداء حاراً بطلب النصرة وعدم الخذلان:» فيا إخواننا العرب لا تطعنونا من الخلف! ولا تخذلونا! بل شاركونا في معركة القدس والتحرير، ولا عذر لكم إذا رفعتم الغطاء السياسي عن مقاومتنا، وجففتم منابع تمويل الجهاد وإفرازاته من أسر الشهداء والمعتقلين والمهدومة بيوتهم، والمجرفة مزارعهم ومصادر رزقهم «. ويفرق الدكتور قاسم بين الأنظمة العربية، وبين الشعوب، فيقول عن الأولى: » استناداً إلى السيرة التاريخية للقضية الفلسطينية سيصمد الفلسطينيون بدون العرب كما صمدوا بدونهم، قد تبدو هذه الجملة قاسية، ولكن الحقيقة تبقى أن الأنظمة العربية قد قدمت المال للفلسطينيين، ولكنهم لم يبخلوا في التآمر سراً من أجل تصفية القضية الفلسطينية «، ويقول عن الشعوب:» هناك أمل بأن يكون للشعوب العربية دورا أفضل مما كان لهم في السابق نحو دعم القوة الفلسطينية «. وفي مقابل ذلك يتحدث قياديون آخرون عن عدم ربط المقاومة الفلسطينية بالواقع العربي؛ لأنه متدهور كما يقولون، ولا فائدة من الاتكال عليه. يقول الشيخ عبد الله الشامي:» وكما كان الشعب الفلسطيني وحيداً في مواجهة العديد من المشاريع التصفوية السابقة، سيكون كذلك في مواجهة المشروع الحالي، متسلحاً بكامل حقه وباستعداده للتضحية في سبيله، ومتوكلاً على الله في علاه صاحب القوة المطلقة «. ويطالب الدكتور الرنتيسي الشعب الفلسطيني أن » يحافظ على وطنه في ظل الانهيار العربي، وألا يشارك العرب انهيارهم؛ لأنه إن فعل فسيجد نفسه بلا وطن، ولا يكون الحفاظ على الوطن إلا بالتمسك بخيار المقاومة «. ويعبر الدكتور محمد الهندي عن مصدر الخوف لدى فصائل المقاومة، فيقول:» نحن لا نخشى على الانتفاضة في ساحات المواجهة، بل نخشى من حملات التضليل، وعلى كل الأحوال فنحن شعب مقاوم عركتنا المحن، وليس مطلوباً منا أن نضبط جهادنا ومقاومتنا على إيقاع المؤامرات الأمريكية الصهيونية المسماة خارطة الطريق، مهما كان الموقف العربي الرسمي ضاغطاً «. ويبث الشيخ عزام الأمل في النفوس، حتى مع احتمال غلبة الباطل، فيقول: » حتى لو أملت موازين القوى الظالمة حلاً ما في مرحلة من المراحل في فلسطين؛ فهذا طارئ ومؤقت ولا يعني نهاية للصراع، قد تكون الظروف بعد غزو العراق أكثر تعقيداً، لكن ذلك لا يعني أن يستسلم الفلسطينيون «.

стр. 4616

المسلمون والعالم أمريكا والعراق.. ما جرى وما سيجري أ. د. عماد الدين خليل [*] ها هي ذي ورقة التوت الأخيرة تسقط عن الجسد الأمريكي المتقرّح، فيتعرّى أمام العالم.. الويسترن الأمريكي يظهر مرة أخرى ليعتقل الكلمة في الصدور، وليجعل الرصاص وحده هو الذي يتكلم.. والحبال التي كان رعاة البقر يلوّحون بها للقطعان، هي نفسها التي يريدون بها اللحظة أن يسوقوا الأمم والشعوب إلى ما يريدون هم لا ما تريده تلك الأمم والشعوب. تمثال الحرية المنتصب عند حافات نيويورك يسقط هو الآخر.. ويُدسّ أنفه ووجهه في بحيرات النفط الأسود لكي يرتشف منها حتى الثمالة فتتفحم ملامحه وتصير بلون القار.. القرصان الأمريكي الأحمر يجوب البحار متسلطناً في بوارجه العملاقة وأظافره الملوّثة باليورانيوم، وأنيابه الذرّية التي تنذر بالويل.. ها هم أحفاد المكتشفين الأوائل.. الغزاة الأوائل.. يمضون إلى أهدافهم بالمنطق نفسه: أنت تقتل الآخر فأنت موجود! من أجل ذلك لم يصيخوا سمعهم مطلقاً لكل الأصوات التي أحاطت بهم من كل مكان متوسلة إليهم ألاّ يندفعوا وراء إغراء القوة فيمارسوا الذبح المنفلت عن كل الضوابط الدينية والخلقية والإنسانية.. فلم يلتفتوا إليها. الدول والحكومات والمؤسسات والجماعات والشعوب بل حتى الشعب الأمريكي نفسه رموا بأنفسهم جميعاً صوب (الكلمة) التي كانت في البدء، والتي يظل بمقدورها أن تصنع المصائر والمقدرات.. ولكن القرصان الأحمر أبى إلاّ اعتماد السيف حَكَماً بينه وبين المستضعفين في الأرض. الأمريكي الذي قدر حتى بداية الستينيات من القرن الماضي على الاحتفاظ بإعجاب من يسمّونهم بأحرار العالم.. ما لبث أن كشف عن وجهه القبيح بعد سنتين أو ثلاث.. إذ ما لبثت حرب فيتنام أن شهدت واحدة من أبشع المذابح البشرية في التاريخ.. وما بين حرب فيتنام والهجوم الضاري على العراق ازدادت الدمامل والتقرحات في الوجه الأمريكي، وازداد دمامة وقبحاً، ولم يعد أحد يحبه أو يميل إليه، أو يقول: ها هو ذا حامي الحرية في قارات الدنيا الست! حتى الأمريكيون أنفسهم كرهوا أنفسهم عندما رأوا كيف أن أولئك الذين منحوهم أصواتهم خانوا الأمانة، ولم تعد تهمهم المصالح العليا لأمريكا بقدر توظيف فرصتهم في الحكم لحماية مصالحهم المادية، والانحناء للوبي اليهودي الذي يعرف كيف يمتص الدم الأمريكي، ويمارس مع الحكام الكبار لعبة: أعطني لكي أعطيك.. يقيناً سيجيء اليوم الذي تتكشف فيه أمام المواطن الأمريكي أبعاد اللعبة، وسينتفض يومها محاولاً أن يمنع الانحدار نحو الهاوية، وأن يوقف مافيات الرئاسة القابعة في البيت الأبيض من أن تجر أمريكا ومصالحها العليا إلى الدمار من أجل حفنة من الدولارات.. يقيناً سيجيء اليوم الذي تتكشف فيه الخدعة اليهودية الكبرى في اختراق المسيحية البروتستانتية بالخرافات والأساطير التي قامت عليها الحركة الصهيونية وسياسات «إسرائيل» .. وها هي ذي توظف سياسات أمريكا نفسها في السياق ذاته لخدمة المصير اليهودي في العالم تحت شعار: هرمجدُّون.. المعركة الفاصلة واليوم الموعود! ولكن بعد كم سينكشف هذا كلّه، وينهض الأمريكي الذي خدع طويلاً وابتز كثيراً لكي يقف في مواجهة السرطان الذي يحاصر دينه ودنياه؟ وكم سيذبح الطاغوت الأمريكي من الأمم والشعوب، ويبتزّ من ثرواتها ومقدراتها قبل أن يوقفه المواطن الأمريكي نفسه عن المضي باللعبة الخطرة إلى نهايتها المفجعة؟ ثمة أهداف ستة تجعل البيت الأسود يتحدى الإرادة الدولية ومؤسساتها، ويصمّ أذنيه عن نداءات ملايين المتظاهرين داخل أمريكا وخارجها، ويمضي لكي يشن حربه الفاجرة ضد العراق، ويوظف آلته الجهنمية، وفق أكثر وتائرها قسوة ولا إنسانية لتحقيق هدفه. لنتابع هذه الأهداف واحداً بعد الآخر بالإيجاز المطلوب الذي تسمح به صفحات كهذه.. ورغم أنه قد قيل فيها الكثير فإنها تتطلب المزيد. * نفط العراق.. هذا هو أول الأهداف: أضخم خزين احتياطي في العالم طبقاً لآخر الكشوف الحقلية.. إن وضع الذراع الأمريكي عليه يحقق لأمريكا ومافياتها المالية والسياسية والأمنية المتسلّطة ثلاثة منافع بعضها محدود عاجل، وبعضها استراتيجي شامل. على المستوى الأول يجيء المردود مباشرة لكارتل النفط العملاق الذي تملكه وتديره الطغمة المتربعة في البيت الأبيض منذ أواخر ٢٠٠١م: بوش الابن (ومن قبله الأب) ونائبه ديك تشيني ووزير دفاعه رامسفيلد، ومسؤولة أمنه القومي رايس .. وأيضاً لشركات النفط الأمريكية الأخرى التي قدمت جنباً إلى جنب مع أرباب معامل السلاح لبوش ومجموعته من الرشاوى والعمولات ما جعلهم يصرّون على اعتماد القوة واحتلال العراق. هذا إلى ما تعانيه موازنات المالية الأمريكية والدخل القومي من عجز آخذ بالتزايد سنة بعد أخرى مما يمكن أن يعالج جانباً كبيراً منه المردود المالي لنفط العراق. على المستوى الاستراتيجي بعيد المدى؛ فإن وضع اليد على خزين العراق سيديم عجلة المدنية الأمريكية وآلياتها لمديات زمنية متباعدة قد تتجاوز القرن من الزمن، وقد يعينها على التفرّد بقطبيّتها الأحادية من خلال الإمساك برقاب دول الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين واليابان عن طريق التلويح بسلاح النفط، أو ما يمكن اعتباره الأمن النفطي. هذا إلى أن فرض السيطرة الأمريكية على العراق سيجعل أمريكا قريبة من منابع النفط، واحتياطاته، في منطقة الخليج العربي التي ستشكل مع العراق معظم احتياطي نفط العالم كلّه، وسيمكن أمريكا من رفع عصاها الذريّة فوق كل الرؤوس التي منحتها ما تريد أو استعصت عليها. عدة عصافير نفطية بحجر واحد؛ فكيف لا يصرّ البيت الأسود على أن يرسل قواته إلى العراق لكي تستحم في بحيرات النفط الأسود؟ إن دراسات الخبراء في أحدث معطياتها تشير إلى أن الاحتياطي النفطي العراقي هو أكبر احتياطي في العالم، خلافاً لما يعلن من أن احتياطي أرامكو هو الأكبر. ولقد كادت فرنسا وألمانيا أن تحصلا على امتياز الاستثمار في حقل (مجنون) العملاق جنوبي العراق في أواخر الثمانينيات، ولكن حرب الخليج الثانية فوّتت الفرصة عليهما، ثم ما لبثت أمريكا أن فرضت نفسها عالمياً كقطب أوحد لا معارض له، وأرخصت أسعار النفط بما يحفظ مصالح ميزانيتها، حتى قال بعض خبراء النفط العرب إن ما فقدته البلاد العربية عبر الأسعار المنخفضة عن المقدار الواجب اللائق، يقدر بأكثر من ألف وخمسمائة مليار دولار خلال هذه السنوات الأخيرة بعد حرب الخليج الثانية. ثم ها هي ذي أمريكا تندفع اليوم لإكمال سيطرتها على نفط العالم بعامة ونفط العراق والخليج بخاصة، وتجعل ذلك ركناً في خطتها الاستراتيجية إلى بوش الابن قبل انتخابه بستة أشهر؛ إذ إن العالم بعد سبع سنوات من الآن سيستورد من العراق فقط ربع كمية الاستهلاك اليومي، ومن الخليج نصف الكمية. فإذا أخذنا في الاعتبار أن نفط إيران مستهدف من قِبَل أمريكا، ونفط الجزائر وليبيا والسودان، فإن اعتماد العالم في المستقبل سيكون بصورة تامة على النفط العربي إلا قليلاً. ومن الأسرار التي لا يعلمها إلا قليل من الناس أن أمريكا قد اكتشفت من قبل أن السودان كله يطفو فوق بحيرة من النفط، لكنها لم تستخرجه، وتركته ليكون الاحتياطي الرئيس إذا اضطربت أحوال الخليج وأغلقت قناة السويس، وكان في خطتها أن تستخرجه وتمدّ أنبوباً يوصله إلى سواحل غرب أفريقيا ليشحن إليها بحريّة عبر المحيط بعيداً عن المضايق، فجاءت حكومة الإنقاذ الإسلامي في السودان، وتحدّت الإرادة الأمريكية، وبدأت في استخراجه قبل أوانه الذي حددته الاستراتيجية الأمريكية. ومن ثم كان الغضب الأمريكي على السودان. ولعل أمريكا بعد إنجاز حربها واحتلال العراق، سيكون أول بلد تصب عليه غضبها هو السودان، لوقف عمليات الاستخراج والاحتفاظ بنفط السودان كاحتياطي مستقبلي يوفر لها الطاقة. كذلك تشير دراسات الخبراء إلى أن أمريكا لا تريد احتكار نفط العراق فحسب، بل واستخدامه كسلاح سياسي فعال، ليس تجاه دول العالم الثالث فقط، بل وتجاه دول أوروبا الكبرى أيضاً بحرمانها من شرائه إذا حدثتها نفسها بالتمرد على الإرادة الأمريكية. ولقد كشف سقوط طائرة الإغاثة في باكستان قبل فترة وجيزة، خطة أمريكية سريّة لوضع هندسة مرور أنابيب النفط والغاز من آسيا الوسطى عبر أفغانستان وصولاً إلى الخليج، مما يعتبر الهدف الرئيس من غزو أمريكا لأفغانستان مغطية إياه بدثار مقاومة الإرهاب. وجاء في تصريح لبوش أن آبار النفط العراقي ستكون وديعة عند أمريكا لحساب الشعب العراقي بعد تحريره!! فيما يذكر بأكذوبة بريطانيا عندما غزت فوكلاند قبل عشرين سنة تحت شعار: توريد الديمقراطية إلى الأرجنتين، وهي الآن تستخرج النفط من تلك الجزيرة النائية التي دهش المغفّلون من اهتمام بريطانيا بها يومذاك، وصار المثل الفوكلاندي واضحاً في قيادة حروب النفط بشعارات التباكي على الديمقراطية.. وبداية اللعبة أخذت تكشف عن نفسها منذ لحظات الغزو الأولى للعراق، بل قبل تنفيذه بأسابيع: إن نفقات الغزو، على ضخامتها الأسطورية ستسترد من العائد المالي لنفط العراق!! هل شهد التاريخ قرصنة كبرى كهذه، أن تغزو بلداً وتدمّر مقدراته وتقتل شعبه، ثم تفرض عليه أن يدفع لك من أمواله، نفقات الحرب التي أجهز بها عليك؟! . * تفكيك العراق.. والإنسان في العراق: هذا هو الهدف الآخر للحرب.. وهو أشد وأنكى؛ فإن النفط قد يعوّض بمعادن أخرى وقدرات زراعية هائلة يعد بها العراق بما يتمتع به من ثروات معدنية ومائية لم يستثمر منها حتى الآن سوى أقل من القليل: الكبريت، والفوسفات، واليورانيوم، والزئبق الأحمر، والمياه الجوفية، والتربة الخصبة، وشبكة الجداول والأنهار. لكن ما لا يمكن تعويضه، في المديات الزمنية المنظورة على الأقل، هو العراق نفسه، وشعبه، والإنسان المواطن فيه.. بما يتميز به هذا الأخير الذي يخفق ويتحرك على خارطة العراق، من إيمان ونبل وجديّة، وذكاء وشهامة وثقافة، وقدرة على التعلّم قلّ نظيرها لدى شعوب العالم الثالث. ويقف في قمة هذه المنظومة من المزايا: النزوع الديني الأصيل في تكوين المواطن العراقي الذي قاده ويقوده إلى حمل هموم الأمة الإسلامية على أكتافه، وبذل الغالي والرخيص في سبيلها، والعداء المتأصّل في عقله ووجدانه ضد كل ما يمتّ للاستعمار بشتى صيغه وللصهيونية ودولتها «إسرائيل» .. والآن وعبر العقدين الأخيرين: ضد كل ما هو أمريكي يسعى للتفرّد بالمصائر والمقدّرات وفق نزعة مصلحية صرفة تتحرك منفلتة عن كل ما يمت للقيم الدينية والأخلاقية والإنسانية، بأيما صلة على الإطلاق.. وما قدّمه العراقيون، مدنيين وعسكريين، للقضية الفلسطينية منذ بداياتها الأولى وحتى اللحظات الراهنة، ربما يكون أحد أسباب إلحاح الإرهابي شارون على زميله الإرهابي الآخر بوش لشن الحرب على العراق. وبمجرد إلقاء نظرة طائر على المدن العراقية في ساعات الصلاة، سيجد المرء نفسه أمام حشود لا تعدّ ولا تحصى، تتدفق على الجوامع والمساجد في كل مكان.. والذين يذهبون متأخرين بعض الوقت إلى هذا المسجد أو ذاك لسماع محاضرة أو حضور مناسبة لا يكادون يجدون لهم موطئ قدم حتى في أروقة المسجد وحدائقه. والصحوة الإسلامية في العراق تمضي لكي تنشر الحشمة والحجاب، وتزرع الفضيلة وقيم السلوك الوضيء الملتزم المستمد من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.. ولكي تمارس شبكة من الأنشطة الدعوية بين الرجال والنساء والأطفال، تعد بتحوّل مجتمع بكامله إلى ما يريده هذا الدين. هذا كلّه تسعى الهجمة الأمريكية الشرسة لاغتياله، باعتماد أي أسلوب مهما كان بعيداً عن بداهات القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية. ومن جرّب ليس كمن لا يجرّب، فإن الكميات الأسطورية لليورانيوم التي صبّتها الطائرات الأمريكية على العراق في حرب الخليج الثانية ساقت أجيالاً من العراقيين إلى الموت، أو ما يوازيه ويؤذن به من دمار جسدي ونفسي.. ولا تزال آثارها تعمل في افتراس الإنسان هناك، وربما إلى مديات زمنية قد تطول كثيراً. إن نصف مليون طفل يتعرّض للتشوّه أو الموت، وإنَّ ارتفاعاً مخيفاً في نسب الإصابة بالسرطان لهي الشاهد العدل على ما نقول.. والبقية تأتي. والذي سيتمخض عن حرب بوش الابن سيكون أكثر شؤماً بكثير، وزبانيته استخدموا، دونما أي رادع إنساني على الإطلاق، اليورانيوم المنضّب، وأم القنابل ذات الأطنان التسعة، والقنابل العنقودية، والصواريخ التي تخطئ تصيب.. والحق أن الأهداف النفطية والسياسية التي تريد أمريكا الوصول إليها عبر الحرب، تعتبر ثانوية بالنسبة إلى الهدف الرئيس الأهم المتمثل في محاولة تحطيم العراق وجيشه، وتدمير البنية الصحية والنفسية المعنوية للشعب العراقي.. ولقد صمّمت أمريكا مواصفات حصار العراق وامتداد وقته بحيث تحصل حالة سوء تغذية في عموم الشعب طويلة الأمد تؤدي إلى وهن عام وإحداث طفرة وراثية تنتج المرض المنغولي وأنواع الإعاقة والتخلّف إلى درجة يضمر معها الذكاء وعموم مستلزمات الأداء الحربي لشعب العراق، وتحصل حالة انكفاء عام واهتمام بالآلام، فينام اليهود عندئذ بأمان.. ولكن الله سلّم وشاءت حكمته أن يكون التمر الكثير في العراق أفضل غذاء غني بأنواع المعادن والفيتامينات، فأنجد أهل العراق، وأخفق الحصار في تحقيق هدفه، وصار تحطيم هذا الشعب من مهمات الحرب الاستعمارية الأمريكية الجديدة؛ بحيث صممت لنشر الموت الذريع في هذا الشعب الأبي، أو الإعاقة الدائمة عبر استعمال آلاف الصواريخ والقنابل الذكية الليزرية، وقنابل أخرى تسمى قنابل المايكروويف تعطل جميع الأجهزة الإلكترونية وتحرق جلود الناس.. مما يؤيد الشكوك في أن الحرب إنما تراد لتحطيم الشعب والبنية الصحية والطاقات الصناعية والزراعية، وحرق النخيل الذي يتحدى التجويع، ثم تتولى خطة إفقار العراق على المدى الطويل لإتمام المهمة الشريرة حيث تكون الكارثة الصحية ويحصل الانهيار المعنوي. ولقد صرح مدير برنامج الغذاء العالمي بأن المتوقع أن الحرب ستصيب ما بين خمسة إلى عشرة ملايين عراقي بنقص الغذاء، وأن جمعيته لا تستطيع إلا مساعدة تسعمائة ألف فقط!! * نزع الهوية الإسلامية للشعب العراقي: وهو السياق الآخر للتفكيك عبر المناهج الدراسية والتلقين الإعلامي الكثيف، وغرس تربية غربية جاهلية بديلة، أمريكية الأنماط والأذواق، وفرض هزيمة معنوية وشعور باليأس، واستسلام للعدو، بل وإعجاب برؤيته المادية المنفعية الصرفة للحياة والوجود، ولوظيفة الإنسان في العالم. وهناك، إلى جانب هذا، السكين الأخرى: تقسيم العراق على مرحلتين عبر تكوين الفيدراليات التي يتطور أمرها بعد سنوات إلى الاستقلال؛ حيث تنصرف كل دويلة إلى همومها الداخلية، تنسى هموم الأمة، ومكائد الاستعمار، وأفاعيل «إسرائيل» النكراء في الساحة الفلسطينية. هذا إلى البعد التدميري للزراعة؛ فإن أمريكا تريد تعميم استخدام الحنطة كسلاح ضغط على جميع الأمم، مارسته بنجاح في إسقاط الاتحاد السوفياتي، وتمارسه اليوم تجاه مصر حيث لا تفرّغ بواخر الحنطة الأمريكية حمولتها في الموانئ المصرية إلا بعد فراغ المخزون المصري واضطرار القاهرة لتقديم تنازلات سياسية. وقد ثبت أن «إسرائيل» بعد معاهدة كامب ديفيد قد استخدمت مجالات التعاون الزراعي مع مصر لتدمير النظام الزراعي المصري الموروث، وإفساد التربة، وتسميم الأسمدة من أجل تجويع الشعب المصري وتسويق الحنطة الأمريكية. وفي ضوء ذلك كله فإن تدميراً أمريكياً لمنتج الحنطة العراقي، والزراعي بشكل عام، يوشك أن يكون، لطعن خطة الأمن الغذائي العراقي والتحوّل إلى الاعتماد على الحنطة الأمريكية التي لن تكون بغير ثمن سياسي جديد مع كل شحنة تصل الميناء. ومع هذا وذاك هناك الاستنزاف المالي، والإفقار الطويل الأمد؛ إذ يتحتم على العراق أن يدفع تعويضات للكويت وغيرها تزيد على مائتي مليار دولار، وأن يدفع لأمريكا نفقات الحرب التي تبلغ أكثر من مائتين وسبعين مليار أخرى. ولو أضيفت إليها مديونيات العراق لروسيا وغيرها يكون عليه أن يدفع أكثر من خمسمائة مليار دولار مع فوائدها؛ مما يجعل ثلاثة أجيال عراقية قادمة أو أربعة تعيش تحت خط الفقر المدقع وبلا أمل ولا عمل حتى نهاية القرن الحادي والعشرين. ويزداد الضرر عبر سريان الاستنزاف إلى الدول العربية التي أعلنت البنوك فيها فقط أنها ستخسر ستين مليار دولار بسبب الحرب. وكل ذلك يشكل كارثة إنسانية لم تقع في الحياة البشرية بهذا الحجم عبر طرق الضغط السياسي الدولي. ولن ننسى كذلك كارثة الابتزاز المائي؛ فالماء بند رئيسي في الخطة الأمنية الإسرائيلية؛ إذ هي برغم تفوقها العسكري توشك أن تختنق عطشاً، وسيتبع احتلال العراق احتلال سورية أو إجبارها على توقيع معاهدة صلح مع «إسرائيل» يكون من أهم بنودها السماح بمدّ القنوات أو الأنابيب عبر أراضيها من تركيا إلى «إسرائيل» لنقل معظم مياه الفرات ودجلة إليها. والذين سيعطشون في المستقبل هم العراقيون الذين يُعد بلدهم من أغنى دول العالم في ثروته المائية. ثم.. من هو الذي سيتولى الإشراف على هذا الدمار كله، ويحكم العراق رغماً عن الادّعاءات الكاذبة بمنح العراقيين الحرية والديمقراطية؟ إنه (جاي جارنير) الجنرال المتقاعد الذي اختاره رامسفيلد ليكون الحاكم المدني للعراق بعد الحرب، وهو جنرال مقرّب من صقور الإدارة الأمريكية، ومن اللوبي الصهيوني الأمريكي، ومن حزب الليكود الإسرائيلي، وله ارتباطات بالمعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي «جينسا» . وكان آمراً لوحدة صواريخ باتريوت الأمريكية في «إسرائيل» خلال حرب الخليج الثانية (١٩٩١م) ، وتولى بعد ذلك قيادة الدفاع الصاروخي والفضائي، وهو يملك شركة لصناعة الصواريخ تستفيد من نفوذه، ويحيل إليها طلبات شراء الصواريخ في قضايا مفتوحة ساعدت إدارة بوش على إغلاقها!! * تصفية القضية الفلسطينية: وهو هدف آخر للحرب بعد أن استعصى الفلسطيني على بني «إسرائيل» في واحدة من أشد الملاحم في تاريخ البشرية إثارة للدهشة والإعجاب.. ملحمة ينعدم فيها تماماً التكافؤ بين الطرفين.. ومع ذلك تواصل الاستمرار، وترتفع وتائرها يوماً بعد يوم، وتكسر حاجز السنتين، وتمرّغ أنف الإرهابي شارون، وتسقط وعده الكاذب بإنهاء الانتفاضة في مائة يوم! وتلحق بـ «إسرائيل» المغتصبة الخسائر المتلاحقة في الأنفس والأموال، وتدمّر الأمن الإسرائيلي، وترغم اليهود على القيام بهجرة جماعية مضادة على النقيض تماماً مما يريده الليكود ويحلم به كهنته بخصوص «إسرائيل» الكبرى الممتدة من الفرات إلى النيل. ها هي ذي الحرب الأمريكية على العراق تفتح الأبواب على مصاريعها أمام الطاغوت الإسرائيلي لكي يذبح الفلسطينيين ويدمّر بنيتهم التحتية على هواه، ويتوعدهم بالتهجير. كان هدف أمريكا المعلن هو إزالة الأسلحة العراقية الهجومية المتقدمة (التي تسميها كذباً وزيفاً أسلحة التدمير الشامل) ، والتي تشكل تهديداً لـ «إسرائيل» ، مما يؤكد قيام أمريكا بهذه الحرب، في جانب منها، نيابة عن «إسرائيل» ، خوفاً من احتمالات المستقبل. وأمريكا إذا أتيح لها الإمساك بزمام العراق فإنها ستواصل منع صناعة السلاح العراقي المتطور، وتحجيم قدرات العراق العسكرية، وتصفية تشكيلاته المقاتلة، وذلك كله من أجل منح الغطاء الأمني الذي تحتاجه «إسرائيل» لتدمير المقاومة الفلسطينية، وتمرير سياسات التطبيع والاختراق، انتهاءً بعقد الصلح معها. لا بدّ من تدمير القدرات العسكرية للجيش العراقي لكي يصبح عاجزاً تماماً عن دخول حرب مع «إسرائيل» .. وأمريكا - مرة أخرى - تقوم بهذه المهمة نيابة عن «إسرائيل» ؛ حيث يجد اليهود في التلمود أن خراب دولتهم الثانية هذه سيكون على أيدي جند أولي بأس شديد يخرجون من أرض بابل كما خرج نبوخذ نصّر الذي خرّب دولتهم الأولى قبل آلاف السنين وساقهم أسرى. وإمعاناً في الاحتياط وفي تحقيق الأمن الإسرائيلي بصورة تامة، تجنح الخطة الأمريكية إلى استثمار الانتصار الحربي لإجبار الحكومة العراقية العميلة التي سينصبونها على انتهاج ثلاثة خطط سلبية تمنح «إسرائيل» أمنها الملحّ: أولها: الاعتراف الرسمي بـ «إسرائيل» وعقد معاهدة معها على غرار معاهدات السلام التي وقّعها السادات وغيره، والقبول بالتطبيع السياسي والاقتصادي والاجتماعي مع اليهود، وبذلك تتوفر حماية دائمة لـ «إسرائيل» وفق القانون الدولي، وأنظمة الأمم المتحدة، وحلف الناتو، تمنع العراق من شن حرب في المستقبل على «إسرائيل» ، أو إلحاق أي نوع من الأذى بها مهما صغر. والجدير بالذكر أن رسائل كوند اليزا رايس، مستشارة الأمن القومي الأمريكي، إلى أقطاب المعارضة العراقية، اشترطت عليهم صراحة وجوب الاعتراف بـ «إسرائيل» . وثانيها: تسريح الجيش العراقي وبعثرة خبرته القتالية، وتشتيت معادنه القيادية، ونزع أسلحته، ومنع احتمالات تطويرها. وهذا واضح أيضاً في رسائل مستشارة الأمن القومي، وفيه ما فيه من توفير الأمن لـ «إسرائيل» . أما ثالث الخطط فهو تقسيم العراق فوراً، وبلا مقدمات، وعلى مرحلتين، عبر تكوين الفيديراليات التي يتطور أمرها بعد سنوات إلى انفصال تام يمزق العراق إلى ثلاثة كيانات هزيلة في الجنوب والوسط والشمال. وبذلك تتضح خدمة خطة التقسيم، وتسريح الجيش، وتقنين السلاح، لعملية تحطيم الشعب العراقي جسدياً ونفسياً كركن من أركان الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية كما رواها قبل ما يعرف من نصف قرن الصحفي الهندي (كارنجيا) في كتابه (خنجر إسرائيل) نقلاً عن بعض رؤساء الدول وقادة «إسرائيل» أنفسهم. * فرض الإرادة والمصلحة والثقافة الأمريكية على العالم: وهو هدف أخير وليس آخراً ويرمي إلى تأكيد النظام ... وتأكيد النظام العالمي أحادي القطبية، وتسخير العولمة لتحقيق هذه الأهداف كافة. إن السبب الذي تسترت وراءه أمريكا من زعمها إزالة أسلحة التدمير الشامل للعراق، اختلط بالمصالح الأمريكية المحضة الهادفة إلى فرض هيمنتها وسيطرتها العسكرية والأمنية والسياسية والثقافية والاقتصادية، على المنطقة العربية كلها، وبقية العالم الإسلامي، تبعاً لخططها الاستراتيجية التي حدّدت مفهومها للنظام العالمي الجديد والعولمة ذات القطب الواحد. وتشير دراسات الخبراء إلى أن أمريكا لا تريد احتكار نفط العراق فحسب، بل واستخدامه كسلاح سياسي فعّال، ليس تجاه دول العالم الثالث فقط، بل وتجاه دول أوروبا الكبرى أيضاً بحرمانها من شرائه إذا كانت تشاكس أمريكا وتتمرّد على سياساتها، وهذا هو جانب من سرّ الموقف الذي اتخذته فرنسا وألمانيا وروسيا من رفضها للحرب، بل وإعلان بعضها أنه سيعتمد حق النقض (الفيتو) لإجهاض القرار الأمريكي بتمرير الجريمة ضد العراق تحت غطاء الشرعية الدولية وكلها لم تفعل. ولسوف يكون العراق حقلاً لإشاعة النموذج الأمريكي في الحياة، والفلسفة المادية النفطية التي بني عليها المجتمع الأمريكي الراهن، وسوف تلغى المدارس الإسلامية، وتبدّل مناهج التربية الإسلامية كلها بما يخدم ويؤكد هذا التوجّه. وكانت معاهدة كامب ديفيد قد أتاحت تخريج ثلاثة آلاف طالب دكتوراه مصري، بمنح دراسية من جمعيات صهيونية أمريكية، تركتهم يؤمنون بالسلام والتطبيع، وتحقّق بذلك اختراق يهودي كبير لفئة المثقفين المصريين الذين وقفوا مواقف بطولية واعية ضد التطبيع بقيادة الإسلاميين. وهؤلاء الذين خرجتهم المنح الدراسية الصهيونية، مدّخرون لإحداث هذه النقلة الثقافية التي تريد أمريكا تطبيقها، بعد الحرب، في العراق وعموم العالم العربي. والمخفي أعظم من المعروف، وأغلب الظن أن قمعاً لكل الحركات الإسلامية ستمارسه المخابرات الأمريكية ضمن ترويج هذا النموذج الثقافي المادي، وتتم محاصرة كل داعية وعالم ومفكر وباحث وأديب، ويسود زمن النكرات والخونة والمهازيل. وتشاء إرادة الله سبحانه أن يبدأ بالتشكُّل قطب دولي ثان منافس لأمريكا، من فرنسا وألمانيا وبلجيكا وروسيا، وهو أمر ضروري لكبح جماح أمريكا وإنهاء انفرادها بالعالم، ومجابهة مفهوم النظام العالمي الجديد وخطط العولمة. لقد أفرز الاندفاع الأمريكي الأرعن وراء إغراءات القوة والتجبّر في الأرض، طرفاً جديداً ينافس واشنطن ويقود تكتلات أخرى في آسيا والعالم الإسلامي وبعض دول العالم الثالث التي تعاني من الكبرياء الأمريكية وحلفها الاستراتيجي مع «إسرائيل» . وخبراء السياسة يُجمعون اليوم على أن الغرور الأمريكي سيتضاعف ويسعى إلى إفقار العالم كله، ما لم ينشأ هذا القطب الدولي الثاني الذي يتحدى ويقول: لا للصلف الأمريكي.

стр. 4617

المسلمون والعالم هل سوريا بعد العراق ؟! مواجهة الهجمة الأمريكية بمنظورها الاستراتيجي نبيل شبيب [*] www.midadulqalam.net إلى جانب الأخطاء الكبرى الكامنة في سياسات التبعية خارجياً، والاستبداد داخلياً، والنزاعات عربياً وإسلامياً؛ كانت سياسة مواجهة الأزمات على الطريقة العربية وما تزال حافلة بالأخطاء جملة وتفصيلاً؛ بدءاً بانعدام استشراف وقوعها أو تجاهل مؤشراتها، مروراً بأسلوب البيانات والتصريحات الانفرادية أو الجماعية بعد وقوعها في لقاءات القمم وسواها، ولكن دون مضمون أو بمضمون ضعيف لا ترافقه خطوات عملية، وانتهاءً بالتنازلات والتراجع أمام مختلف درجات الضغوط والتهديدات الخارجية، التي تزداد بذلك التراجع، وقد باتت دول عربية تشارك في ممارسة الضغوط، ناهيك عن المشاركة في العدوان نفسه، لدفع دول عربية أخرى إلى التراجع إذا ما أظهرت بعض أشكال الرفض والممانعة، ولو بحدودها الدنيا. * تزييف مضمون «الأزمة» : الحرب ضدّ العراق بعد سنوات الحصار كانت «حصيلة» السياسة العدوانية الأمريكية، وحصيلة هذه السياسات العربية في وقت واحد، وبقي تسويغ ممارسة تلك السياسات حتى اللحظة الأخيرة قبل نشوب الحرب هو أنّ «التراجع» يمكن أن يمنع إعطاء «المسوغات» للعدوان.. ولكن وقع العدوان رغم التراجع إلى أقصى الحدود الممكنة. ولا تنقطع الشواهد على مثل ذلك في مجرى أحداث قضية فلسطين وتطوّراتها. والآن.. تبدو «الحرب ضدّ سورية» لجهات عديدة احتمالاً بعيداً؛ وهذه وفق ما سبق نظرة قاصرة؛ إذ يمكن أن تقع أيضاً، أمريكياً أو إسرائيلياً أو بصورة مشتركة علناً، إذا ما استمرّت الأخطاء الكبيرة، وأخطاء مواجهة الأزمات؛ هي العلامة المميّزة للسياسات العربية. الآن وبعد أن تحول «القبول العربي الجماعي» لمسألة نزع أسلحة العراق كسبب للحرب، إلى «سابقة» قابلة للتكرار في التعامل مع الدول العربية؛ بدأ طرح هذه «الذريعة» نفسها على شكل تهديدات موجّهة إلى سورية بعد العراق. ولسوف تتحوّل إلى سبب مزعوم للحرب ضدّ سورية آجلاً أو عاجلاً، ثمّ ضدّ سواها لاحقاً: - ما دامت الدول العربية لا تعلن «جماعياً» ، وبكل وضوح، أنّ من حقّها التسلّح بكل وسيلة للدفاع عن نفسها، ولا ترفض «جماعياً» وبكل وضوح كل طلب من طلبات نزع السلاح؛ بينما توجد دول كبرى وصغرى تتسلّح دون حساب ولا رقابة، وتستخدم السلاح في حروب عدوانية كالدولة الأمريكية ناهيك عن الكيان الإسرائيلي في قلب الأرض العربية الإسلامية، أو دول أخرى تتسلّح للدفاع المشروع عن نفسها.. وناهيك أيضاً عن عدم وجود أيّ نص في مواثيق الأمم المتحدة يحظر «التسلّح» عن أيّ دولة من الدول ذات سيادة.. - وما دامت الدول العربية بما في ذلك سورية، تستخدم اللغة الأمريكية نفسها في تحويل «التسلّح» إلى تهمة.. فتدفعها عن نفسها، وسيّان بعد ذلك هل صدقت أم لم تصدق؛ فالأهمّ من ذلك هو أنّها تعطي من خلال سياسة «دفع التهمة» للدولة العدوانية فرصة لتصعيد طرح القضية على شكل «اتهام» وتحويله إلى مسوّغ للعدوان.. - وما دامت الدول العربية تتصرّف أمام التهديدات الخارجية، بصورة انفرادية، بل وبما يشمل مواقف وممارسات عدائية تجاه بعضها بعضاً.. ويمكن رؤية المشهد نفسه من خلال تحويل قضية احتمال لجوء بعض القادة السياسيين العراقيين إلى الأرض السورية بغض النظر عن رفض استبدادهم وسياساتهم من قبل إلى «تهمة، يوجهها الأمريكيون، ويدفعها السوريون عن أنفسهم» .. وكأنّ حق «اللجوء السياسي» ليس حقاً مضموناً في المواثيق الدولية، ويشمل أن يحصل عليه السياسيون في حالة العراق، كما يشمل أن يمنحه السياسيون في دولة مستقلة كما في حالة سورية.. حتى إنّ منظمات حقوق الإنسان أعلنت من جانبها مطالبة سورية بمنح حق اللجوء السياسي لمن يصل إليها من الساسة العراقيين، لا سيما وهي ترصد كيف تتخلّى الولايات المتحدة الأمريكية عن أي مرجعية دولية في شنّ الحرب ضدّ العراق، وعن أي التزام بمواثيق دولية لحالة الحرب والاحتلال، فتلاحق الساسة العراقيين كمجرمين وليس كأعداء أو أسرى حرب.. * العدوان مرجّح «استراتيجياً» : وتلتقي جملة أخطاء سياسة مواجهة الأزمة عربياً من خلال حصر متابعتها في نطاق التفاصيل التي تطرحها «السياسات اليومية» . فإطلاق واشنطن اتهاماً أو تهديداً لسورية أثناء المرحلة الأخيرة من عملياتها الحربية ضدّ العراق، لتحقيق سلسلة من الأهداف الآنية، ربّما كان منها سدّ أبواب لجوء من بقي حيّاً من الساسة العراقيين إلى دول أخرى، أو من قبيل انتزاع تنازلات ما من سورية في المرحلة الراهنة من قضية فلسطين أو الترتيبات الأمريكية لاحتكار منابع النفط وأنابيبه وأسواقه.. ولا يهمّ كثيراً وجود أكثر من تيار داخل الإدارة الأمريكية، ووجود خلافات بشأن «الأسلوب» المتبع في التعامل مع هذه الدولة أو تلك، وهذه الأزمة أو تلك .. ولكنّ المعروف عن السياسات الأمريكية أنّها كانت وما تزال لا تخرج عن الخطّ الأساسي الذي انتهجته لنفسها وجعلت الهيمنة العالمية هدفاً له، رغم تبدّل الحكومات والأشخاص، إذ لم يتبدّل في الماضي ولن يتبدّل في المستقبل المنظور جوهر العناصر الرئيسية المتحكمة في صناعة القرار الأمريكي.. وهذا على امتداد عدّة عقود، وليس في فترة ما بعد تفجيرات نيويورك وواشنطن الماضية، أو ما بعد الحرب ضد العراق. إنّ لسورية - كما هو الحال - مع بلدان أخرى ولا سيما العربية والإسلامية موقعاً محدّداً في الصيغة «الاستراتيجية» البعيدة المدى للدولة الأمريكية، المؤلفة من قوى تصنع القرار، سواء كان اسم الرئيس الأمريكي كلينتون أو بوش، وكارتر أو ريجان.. وهذه الصيغة هي التي تصنع الحدث أمريكياً في نهاية المطاف. هذه الصيغة تتبدّل من حقبة إلى أخرى على أساس التبدّلات الكبرى في النظام الدولي، وليس على أساس الموقف السوري أو الموقف المصري أو الموقف السعودي من هذه «الجزئية» أو تلك من مسلسل الأزمات والحروب ومسلسل الضغوط والتهديدات.. مقابل مسلسل التراجع والتنازل والمشاركة في تمكين الأمريكيين من الانفراد بدولة بعد أخرى في المنطقة. وآخر أشكال هذه الصيغة «الاستراتيجية» كان وليد انهيار المعسكر الشيوعي، وهو ما حمل عنوان «استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية في القرن الميلادي الحادي والعشرين» . وقد وضع صياغتها الأولى «وولفويتز» النائب الحالي لوزير الدفاع الأمريكي، عام ١٩٩١م، وكان تبنّيها رسمياً ونشرها لتمثل ما يسمّى بتيار المحافظين الجدد أو المحافظين الأصوليين، في نهاية عام ٢٠٠٠م، قبل استلام بوش الابن منصبه رسمياً، وقبل تفجيرات نيويورك وواشنطون بتسعة شهور. وفي هذه الصيغة دخل واقعياً اعتبار المنطقة الإسلامية هي المنطقة المستهدفة في المرحلة المقبلة، وهذا ما سبق أن أعلنه في مطلع عام ١٩٩١م في منتدى ميونيخ للشؤون الأمنية، ديك تشيني، وزير الدفاع الأمريكي آنذاك، والنائب الحالي للرئيس الأمريكي، وعُرف بصيغة «الإسلام عدوّ بديل» . - في تلك الصيغة يُذكر العراق مع إيران وكوريا الشمالية كأهداف عسكرية، لحروب مقرّرة سلفاً، ولتصبح الدول الثلاثة بعد شهور عديدة «محور الشرّ» في تصريحات الرئيس الأمريكي ومساعديه، كما لو أنّهم يتحدّثون عن تداعيات التفجيرات في نيويورك وواشنطن. - كذلك تذكر الصيغة المذكورة القواعد العسكرية الأربعين التي أقيمت ما بين جنوب آسيا وشبه الجزيرة العربية والبلقان كما لو كانت من حصيلة للردّ على تلك التفجيرات، وذلك في الفترة ما بين الحربين ضدّ أفغانستان والعراق. - الهيمنة الأمريكية الشاملة على منابع النفط وخطوط نقله، وتمكين الكيان الإسرائيلي من الهيمنة العسكرية المطلقة في المنطقة العربية، وتثبيت الزعامة الانفرادية الأمريكية مع منع أي دولة منافسة كاليابان وألمانيا بالتحديد من الوصول إلى مستوى تشكيل «خطر» على هذه الزعامة، جميع ذلك وسواه مذكور في تلك الصيغة «الاستراتيجية» أيضاً. بهذا المنظور يمكن القول إنّ الوصول بالسياسة السورية إلى مستوى التبعية المطلقة للمخططات الأمريكية والصهيوينة في المنطقة، عبر الضغوط والتهديدات أو الحرب، ليس «حدثاً» قائماً بذاته، إنما هو بدوره محطة من المحطات الأمريكية، كمحطة الحرب ضدّ العراق، في مسلسل تنفيذي، يجري تطبيقه وفق تلك الصيغة الموضوعة للقرن الميلادي الحادي والعشرين. ومقابل ذلك فإنّ النظرة الرسمية العربية إلى الحدث كأزمة «ثنائية» بين دمشق وواشنطن، ومن ثم حصر محاوره فيما يُعلن رسمياً من تهديدات ومطالب، لا يمكن أن توصل إلى رؤية تستوعب أبعاد الحدث؛ ناهيك عن الوصول إلى تحديد السبل الأجدى للتعامل معه، بل إنّها نظرة تكرّر ما كان قبل الحرب العدوانية ضدّ العراق، فتمهّد على أرض الواقع لحرب عدوانية ضدّ سورية. * المواجهة مفروضة وممكنة: من يستقرئ ما يصدر على المستويات السياسية من مواقف ويقارنها بما يصدر عمّا بات يوصف تهويناً من شأنه «صوت الشارع» استقراءً موضوعياً متأنّياً، لا بدّ أن يصل إلى نتيجة قد تبدو مفزعة للوهلة الأولى، ولكنّها تواري في الوقت نفسه عدداً من المؤشرات الإيجابية المستقبلية. لقد أصبح الوعي السياسي لدى ما يسمّى بالرجل العادي في الشارع العربي والإسلامي أعلى مستوى من الوعي السياسي على مستوى معظم الحكومات، بل وعلى مستوى شريحة كبيرة من فئة المثقفين والمفكرين التي ما تزال تتشبّث بعقلية القرن الميلادي الماضي.. رغم أنّه كان قرن النكبات والكوارث الكبرى في ظلّ تلك العقلية بالذات، وحصيلة طبيعية لما صنعت في المنطقة. وفي الوقت الذي تتعامل معه تلك الفئات أو تلك «النخب» السياسية والثقافية مع حدث كحدث سورية، وكأنّه قائم بذاته، منفصل عمّا قبله وما حوله من الأحداث، لا تنقطع في «صوت الشارع» الدعوات إلى تجاوز الحدود والتلاقي بين مختلف القوى والتيارات فضلاً عن الأنظمة والأحزاب، على «جبهة شعبية شاملة» لمواجهة الأخطار الخارجية المتفاقمة. وفي الوقت الذي تصدر فيه المواقف «الشعبية» بإدانة الاستبداد المحلي والاستبداد الدولي معاً، وتربط بينهما رباطاً محكماً، باعتبار أنّ كلاً منهما سبب للآخر ونتيجة له في وقت واحد، لا يكاد يدور الحديث في الأوساط السياسية الحاكمة والأوساط الثقافية والإعلامية المرتبطة بها، إلا عن «الاستقرار» في المنطقة، بمعنى عدم تعرّض الأنظمة الراهنة إلى هزّة سياسية، سواء تحت الضغوط الخارجية أو الضغوط الداخلية. وعبر تلك النظرة الرسمية المتخلّفة عن النظرة الشعبية، والمتخلّفة أيضاً عن الواقعية السياسية في العالم المعاصر، نجد أنّ المطالب السياسية الموجّهة إلى سورية عربياً، ومن وراء الشكليات الديبلوماسية وعبارات التضامن التي تردّدت في حالة العراق من قبل، هي عينها المطالب الأمريكية، بشأن تقديم «الأدلة» على البراءة ممّا يوصف باتهامات أمريكية من قبيل امتلاك أسلحة دمار شامل، أو إيواء ساسة عراقيين من النظام الذي أسقطته الدبابات والطائرات الأمريكية. كما لا نجد إلاّ القليل النادر من الكتابات بأقلام المثقفين والمفكرين من يطالب سورية والبلدان العربية والإسلامية الأخرى في وقت واحد، بعملية مصالحة شاملة وحقيقية من الجذور مع الشعوب، وذلك ليس من باب تلبية الدعوات الرسمية الأمريكية إلى ديمقراطية مزعومة، وإنّما من منطلق استحالة مواجهة الأخطار الخارجية إلا من خلال التحام رسمي شعبي، وتعبئة للطاقات الذاتية على أوسع نطاق، وبما يتجاوز الحدود التي صنعتها اتفاقيات سايكس بيكو وأمثالها من منطلق استعماري، وقبل أن تتحوّل إلى حدود أخرى من منطلق استعماري جديد. بل إنّنا نرصد التفاوت في الوعي الرسمي والوعي الشعبي، من خلال القمع الرسمي الشديد لما يُسمّى صوت الشارع، باستخدام ما يوصف بالوسائل «الأمنية» مقابل الحرص الشديد في الدعوات الشعبية إلى الاحتجاج على عدم الوصول به إلى مستوى مواجهة مع السلطات.. تجنّباً لفتح جبهات دامية داخلية لا يمكن أن يستفيد منها إلا العدوّ الخارجي. ونرصد مثل هذا التفاوت في الوعي أيضاً في سورية بالذات، من خلال استمرار التمسّك بأساليب عتيقة لاصطناع مظاهر التحام مزعوم بين الحزب الحاكم والجماهير، بعد كلّ ما كشفت عنه الحرب ضدّ العراق على هذا الصعيد على الأقل.. مقابل حرص القسم الأكبر ممّن يوصفون بالمعارضة السورية في الداخل والخارج على دعوات تؤكّد التلاقي على مواجهة الخطر الخارجي رغم الرفض القائم تجاه سائر أشكال الاستبداد الداخلي. لا ريب أنّ استمرار السياسات الرسمية، واستمرار مواقف التيارات المهيمنة على صناعة القرار أو توجيهه في البلدان العربية والإسلامية على ما كانت عليه خلال العقود الماضية؛ سيفضي إلى كوارث شبيهة بما جرى خلال تلك العقود، ويمكن أن تشمل سقوط نظام بعد آخر وظهور أنظمة جديدة وربما خرائط جديدة، تتناسب مع مخططات الهيمنة العالمية والإقليمية.. وفي هذا ما فيه من خطر كبير على الشعوب والأنظمة والتيارات المختلفة في بلادنا في وقت واحد. رغم ذلك لا نعدم رؤية المؤشرات الإيجابية لمواجهة مفروضة وممكنة، ضد الأخطار الخارجية المتفاقمة، وكما أثبتت انتفاضة الأرض المباركة المغتصبة القدرة على تحقيق الكثير بإمكانات شبه معدومة بالمقارنة مع إمكانات عدوّ جاثم فوق الأرض وفوق الصدور.. وكما بدأت تظهر مؤشرات تحوّل الرفض الشعبي العراقي للاحتلال إلى مقاومة تمنع استقراره رغم السلاح والعتاد.. فإنّنا نرى في ارتفاع مستوى الوعي الشعبي في معظم بلادنا العربية والإسلامية، والمقترن بالصحوة الإسلامية المتزايدة انتشاراً وعمقاً في مختلف فئات المجتمع، مؤشراً له دلالته البعيدة في رؤية أخرى للمستقبل، تختلف عن رؤية من يركّزون أنظارهم على ما يصنع العدوّ وعلى ردود الفعل الوقتية المحدودة، وما يسري على المستقبل هو عين ما يسري على التطوّرات الكبرى في التاريخ، والتي لم تكن قطّ وليدة أوضاع سياسية ما، بل كانت الأوضاع السياسية هي وليدة تحرّك على المستوى الشعبي والفكري أوّلاً، يوجد قيادات جديدة، تصنع الأحداث، وتفضي إلى التغيير، فتنشأ أوضاع سياسية، تستقرّ إلى حين، يطول أو يقصر على حسب صلاحها، أو على حسب سرعة تغلغل الفساد فيها.

стр. 4618

المسلمون والعالم الإسلام والإنتخابات النيجيرية إبراهيم أدوكوراوا majekarofi@yahoo.com تحتل نيجيريا المرتبة الرابعة بين الدول الإسلامية من حيث عدد سكانها المسلمين، وفيها أكبر عدد من المسلمين والمسيحيين الذين يعيشون جنباً إلى جنب. ونجاح نيجيريا في التعايش السلمي والقضاء على التوترات الكثيرة بين الفئتين يجعلها أنموذجاً صالحاً لغيرها من الدول، وإخفاقها في هذا المجال يؤدي إلى عواقب وخيمة ليس للشعب النيجيري فحسب، بل للإقليم كله، وللعالم بشكل أوسع. ظلت نيجيريا دائماً مسرحاً للصراعات بين المسلمين والمسيحيين، وآخرها ما وقع إثر تظاهرات اندلعت بسبب نشر بعض الصحف مقالة التجديف في حق النبي ﷺ إثر مشادّات كلامية حول استضافة الدولة لمسابقة ملكة جمال العالم. لقد ظل دور الدين في سياسة أمور الدولة في نيجيريا أكبر مصدر للمنازعات بين المسلمين والمسيحيين؛ فالمسيحيون ينادون بضرورة بقاء نيجيريا دولة علمانية مع تفوق لرموز مسيحية؛ مثل عطلة يوم الأحد، وهيمنة النظام التشريعي المسيحي، والقانون الوضعي، بينما يحاجج المسلمون على ضرورة اعتبار نيجيريا دولة ذات ديانات متعددة، ومن ثم لا بد أن يسمح بتطبيق بعض مبادئ الشريعة الإسلامية على أنها قانون مؤثر للدولة. ونيجيريا شبيهة بالهند من حيث وجود عوامل فعالة لانحلال كيان كلتا الدولتين؛ وكلاهما دولة قوية، مع اشتراكهما في توافر أشياء كثيرة لديهما. وليس لدى نيجيريا مثل ما للهند من نظام للدولة تعود أصالته إلى ما يربو على سبعة قرون، ولكن تشترك النخبة المسيطرة في المجتمَعَيْن النيجيري والهندي في أشياء كثيرة، ولا سيما في مصلحة بقاء الدولة. لكن الأمر بالنسبة للهند فإن النخبة المسيطرة بها حتى ولو كانت لها منفعة مادية في بقاء الدولة إلا أن لديها أيضاً إحساساً في التفاخر بالحضارة الهندية والدولة ذاتها؛ بخلاف النخبة في نيجيريا؛ فإنهم لا يكترثون إلا بالمنفعة المادية فحسب؛ فكل خديعة إعادة نظام تقسيم الموارد، وتحكم كل ولاية على مواردها الاقتصادية، والمؤتمر الوطني المستقل في نيجيريا ما هي إلا صفقات لكسب زيادة في النفوذ وزيادة في السيطرة على الموارد المادية لأغراض ذاتية. ويعد تقسيم نيجيريا حسب الديانات الموجودة بها أيضاً تقسيماً إقليماً؛ فلنيجيريا ست وثلاثون ولاية، يشكِّل المسلمون الأغلبية في الشمال، وكذا في بعض المناطق من وسط نيجيريا، وفي بعضها يشكل المسيحيون الأغلبية. وأما في الجنوب الغربي فالمسلمون هم الأغلبية، إلا أن المسيحيين قد سيطروا عليهم ومنعوهم حتى من تطبيق الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بالأحوال الشخصية؛ لأن هذه المنطقة تُعدّ متجانسةً عنصرياً. وأما الجنوب الشرقي ومنطقة دلتا نهر نيجا الغنية بالنفط فهي في حكم مناطق مسيحية. لقد ظلت نيجيريا تحت حكم عسكري متسلط يسيطر عليه المسلمون من الشمال. وأول من قام بانقلاب عسكري هم المسيحيون من قبيلة الإيبو، فقتلوا من القادة السياسيين المسلمين الشماليين، مع مسيحي متحالف معهم وهو رئيس وزراء الجنوب الغربي، فعندها قام ضباط عسكريون من الشمال من المسلمين والمسيحيين بالانتقام، فقتلوا الحاكم العسكري لنيجيريا المنتمي لقبيلة الإيبو، ومن ثم اعتلى سُدّة الحكم حاكمٌ عسكري مسيحي من الشّمال، وحكم نيجيريا لمدة تسع سنين (١٩٦٦ - ١٩٧٥م) وتبع هذا الانقلاب مذبحة في المدن الشمالية راح ضحيتها كثير من الإيبويين. لقد قام قادة المسيحيين من قبيلة (اليوربا) بخداع الإيبو، فأوعزوا إليهم أن ينفصلوا بالجنوب الشرقي الغني بالنفط، وسيقوم اليوربا تبعاً لذلك بإعلان انفصال الجنوب الغربي أيضاً. فأعلن الإيبو قيام (جمهورية بيافرا) ، لكن اليوربا الذين يمثلون الأغلبية في الحكومة الفيدرالية تحت قيادة زعيمهم أوبا فيمي أوولوو، وهو يورباوي مسيحي تقلد منصب نائب المجلس الفيدرالي، ووزير الاقتصاد امتنعوا من الانفصال، وبدلاً من ذلك قاموا بوضع استراتيجية لقمع متمردي الإيبو، كما انتهزوا فرصة ترك كثير من الإيبو لوظائفهم في الحكومة الفيدرالية فشغلوا مناصبهم؛ فبذلك تم لهم تنظيم قطاع خاص لمفكري اليوربا. لقد تم قمع تمرد بيافرا بعد حرب دامية استمرت ثلاث سنين خلفت وراءها خسائر بشرية فادحة. لقد حاولت آلة الحملة البيافرية أن تستقطب تعاطف المسيحية العالمية إليها لكن بنجاح محدود. ثم استولى الجنرال مرتضى محمد وهو مسلم من الشمال على سدة الحكم إثر انقلاب قام به ضد الجنرال يعقوب غوان وكان مسيحياً من الشمال أيضاً. فقام بعمل إداري جيد، لكن قتله ضباط عسكريون مسيحيون شماليون. ثم تقلد الحكم بعده الجنرال ألو شيغون أوباسنجو وهو مسيحي من الجنوب من قبيلة اليوربا. وقام محمد مرتضى بوضع خطة تسليم الإدارة إلى الحكم المدني وقام أوبا سنجو بإكمالها بعد مقتل مرتضى بأربع سنوات تقريباً. فاز شيحو علي شاغاري وهو رجل مسلم من الشمال في الانتخابات الرئاسية على منافسيه، وهما: السياسي المسيحي من قبيلة اليوربا وهو أُوبا فيمي أوولووا، والسياسي المسيحي من قبيلة الإيبو وهو نمندي أزيكوي. وانتهت حكومة شيحو شاغاري بعد أربع سنين وبضعة أشهر، إثر انقلاب قام به العسكريون متهمين الحكومة السابقة بالفساد وتزوير الانتخابات، وقاد الحكومة الجنرال محمد بخاري. ثم قام الجنرال إبراهيم بدماصي بابنغدا بانقلاب ضد حكومة بخاري، واستمرت حكومته ثماني سنين، حتى رأى أن يتنحى ويسلم الحكومة إلى رجل مسيحي من قبيلة يوربا وهو أرنسيت شونيكان. لقد اضطر الجنرال إبراهيم بابنغيدا أن يتنحى عن السلطة بسبب ضغوط متزايدة حول ما قام به من إلغاء نتائج انتخابات رئاسية يعتقد بشكل واسع أنه فاز بها مسعود أبيولا وهو رجل مسلم من قبيلة اليوربا. ثم قام الجنرال ثاني أباشا وهو رجل مسلم من الشمال بانقلاب ضد حكومة شونيكان العرجاء، وقد حكم البلاد بقبضة حديدية، فسجن كثيرا من بينهم أوبا سنجو وشيحو يَرْأَدُوَا، وأبيولا. وكان يَرْأَدوا جنرالاً ونائباً لأوبا سنجو أيام حكمه، وقد استغل ثروته وعلاقاته في بناء كتلة سياسية، وأخيرا مات في سجنه إبان فترة حكم ثاني أباشا، وفجأة أيضاً مات هذا الأخير في ظروف غامضة. ثم تسلم زمام الحكم الجنرال عبد السلام أبو بكر رجل من الشمال. وتوفي أيضا أبيولا في ظروف غامضة بعد أن تناول كأساً من الشاي أمام مسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى، وأخيراً بعد تشريح جثته ثبت أن وفاته كانت طبيعية، دون أي اشتباه. لقد تم إخراج أوبا سنجو الذي صار من جديد مسيحياً أصولياً من سجنه ورُشِحّ لتولِّي الرّئاسة، لكن لم يُصوت له جمهور اليوربا، وإنما صوتوا لصالح أولو فالايي وهو يورباوي مسيحي أيضاً، وإنما استطاع أوبا سنجو أن يفوز بالحكم؛ لأن المسلمين من الشمال صوتوا له، ولم يكن ذنب أوبا سنجو لدى المسيحيين من اليوربا سوى أنه أخفق في تسليم السلطة إلى يورباوي مسيحي آخر أيام كان حاكماً عسكرياً متسلطاً؛ فلذلك وبمجرد وصوله إلى الحكم هذه المرة قرر أن يحسن إلى إخوانه المسيحيين من اليوربا عن طريق إبعاد المسلمين الشماليين. لقد امتنع أن يعطي الميزانية المخصّصة للأعمال الخدماتية في مناطق المسلمين بالشمال؛ فعلى سبيل المثال: لقد خُصِّص لبناء مستشفى تخصصي جامعي في الشمال مبلغ قدره خمسمائة مليون نيرة، بينما خصص لمثله في الجنوب ما مقداره مليار نيرة التي دفعها إليهم جملة واحدة، ولم يدفع للمستشفى المقام في مناطق المسلمين إلا ستا وعشرين مليون نيرة فقط. لقد سعى في تطبيق سياسة يمكنه من خلالها إزاحة مسلمي الشمال من الخارطة السياسية لنيجيريا. حاول أن يربط عملية الانتخابات بمشروع بطاقة الهوية، وأخفق في هذا، ثم حاول خياراً آخر وهو أن يستخدم أجهزة الكمبيوتر في تسجيل بطاقات الناخبين وبصمة الإبهام، وهذا كله بناء على الحملة التي قام بها اليورباويون المسيحيون التي مفادها أن المسلمين في الشمال دائماً يضخمون أعدادهم في الإحصائيات السكانية وفي تسجيل أسماء الناخبين. ولم يفلح في هذا أيضاً، فكان للمناطق ذات الأغلبية المسلمة أكبر عدد من الناخبين، بينما كان أكثر من رفضتهم أجهزة الكمبيوتر هم المسيحيين من الجنوب. وفي الوقت الذي كان أبا سنجو يسعى إلى تنفيذ مشروعه لإزاحة المسلمين الشماليين من الخارطة السياسية النيجيرية أعلن حاكم زنفرا وهو رجل مسلم من الشمال تطبيق الشريعة الإسلامية في ولايته. وقد ولَّدَ هذا الإجراء كثيراً من الجدل، وولّد ردود أفعالٍ اتسمت بالعنف في بعض الولايات. لقد حاولت الحكومة الفيدرالية احتواء هيجان مطالبة تطبيق الشريعة الإسلامية، لكنها لم تنجح، بل قامت أخيراً أغلب ولايات الشمال بإعلان تطبيق الشريعة، وعدلت قوانينها الجنائية لتطابق الأحكام الجنائية الشرعية. ومن أشكال العداء الصارخ الذي أبدته الحكومة الفيدرالية تحت قيادة أوبا سنجو المسيحي قيامها بإعطاء حكومة الولايات المتحدة أسماء قادة المسلمين المؤيدين لتطبيق الشريعة الإسلامية على أنهم إرهابيون، في حين رفضت هذه الحكومة أن تعطي أسماء قادة عصابة (مؤتمر شعب أودودوا) (OPC) حتى بادرت حكومة الولايات المتحدة إلى إدراج اسم هذه المنظمة في قائمة المنظمات الإرهابية. وبهذا التصرف يكون أوبا سنجو قد أظهر نفسه بأنه حاكم أبدي للمسلمين عداءً أكثر من أي قائد نيجيري آخر باستهداف قادتهم عن طريق تقديمهم إلى الولايات المتحدة لكي تفتك بهم. على رغم من تصوير أوبا سنجو نفسه على أنه أكثر القادة تمتعاً بروح دينية في نيجيريا؛ لكن ثبت بأن حكومته أكثر الحكومات فساداً في تاريخ نيجيريا إن لم تكن أكثرها فساداً؛ ففي أثناء إدارته الحالية احتلت نيجيريا المرتبة الثانية من بين أكثر دول العالم فساداً. لقد أخفقت حكومته في أهم مجالات الحكم: في مجالات الأمن، والصحة، والزراعة، والتعليم؛ فقد أوضحت مجلة (الاقتصادية) (Economist The) اللندنية في عددها الصادر في ٢٨ يوليو - ٣ أغسطس بأن حكومة أوبا سنجو قد أنفقت من ميزانيتها فيما يتعلق بالصحة والتعليم أقل نسبةً مما أنفقتها الحكومات العسكرية السابقة في هذه المجالات، وأنفقت هذه الحكومة في بعض المشاريع المبذرة أكثر مما أنفقت الحكومات السابقة؛ ومن ذلك ما أنفقته في بناء الأستاد الوطني، وبرنامج الفضاء، ومشروع بطاقات الهوية الوطنية، وشراء طائرة خاصة لرئيس الدولة، ومع كل صرخات الجماهير فقد حصل الحاكم على تأييد رئيس جمعية المسيحيين في نيجيريا لشراء هذه الطائرة التي استلهمت نفقاتها أكثر من المبلغ المخصص لبناء البنية التحتية للشرطة، وابتلعت هذه المشاريع المبذرة أكثر من الميزانية المخصصّة للبنية التحتية للتعليم والأمن، بل أنفقت هذه الحكومة في بناء الملعب الرياضي أكثر مما أنفقت لبناء البنية التحتية لثلاثين جامعة فيدرالية. وأشارت مجلة Economist The اللندية وغيرها من المنظمات إلى الفساد الساخر لهذا النظام عندما أوضحت بأنه: «تتم عملية منح المقاولات الحكومية بشكل مريب، ونظام الخصخصة بعيد عن الشفافية كما أشارت إليه الحكومة الفرنسية في الأسبوع الجاري» . لقد أصبحت نيجيريا في ظل قيادة أوبا سنجو من أصعب دول يمكن أن يعيش فيها المرء. فهذا أوبا سنجو يكسب أموالاً طائلة من مبيعات النفط، ومع ذلك فلا وجود للوقود في محطات الوقود في البلد، بل حتى وقود الطيران قد أصبح قليل الوجود في البلد الذي يعد واحداً من أكبر بلدان العالم إنتاجاً للنفط. ومدينة لاجوس النيجيرية هي أكثر مدن العالم تعرضاً للسطو على البنوك؛ وذلك لانعدام الأمن فيها. ولنيجيريا أيضاً قصص في الكبت السياسي؛ فكثير من السياسيين المعارضين قد تمت تصفيتهم، وأكبر شخصية سياسية تمت تصفيتها هو وزير العدل النيجيري الذي كان يطمح أن يدخل في منافسة الفوز برئاسة البلاد، وأحد المتهمين باغتياله والموقوف للمحاكمة قد فاز في انتخابات مجلس الشيوخ التي أجريت مؤخراً تحت راية الحزب الحاكم وهو حزب الشعب الديمقراطي (PDP) . ثم بدأت عملية قتل السياسيين المعارضين تأخذ منعطفاً مثيراً جداً؛ بحيث أصبحت العصابة اللصوصية المسلحة هي التي تقوم بهذا الدور الآن، لكن تبقى هناك مشكلة وهي أن هؤلاء اللصوص ليسوا مُمَيِّزين؛ فقد أوردت وكالة الأنباء رويترز في ٢٢/٤/٢٠٠٣م بأن قافلة ابنة الرئيس أبا سنجو قد تعرضت للهجوم من قِبَل لصوص مسلحين، مما أدى إلى مصرع أربعة أشخاص في القافلة. فمع هذه الخلفية لعدم صلاحية هذه الحكومة للاستمرار في إدارة البلد، فلا يمكنها إلا أن تستغل الخلافات القائمة في الدولة للمحافظة على بقائها؛ فأكبر خلاف حصل هو المتعلق بتطبيق الشريعة في حق المسلمين فقط في الولايات التي يشكل فيها المسلمون الأغلبية. فالمسيحيون من خلال زعيمهم القس أمبنغ المؤيد لنهب أموال العامة لشراء الطائرة للرئيس قد أصدر بياناً يذكر فيه أن المسيحيين النيجيريين لن يسمحوا من جديد (في المستقبل) لأي مسلم أن يحكم نيجيريا؛ فصحيفة (Day This) في عددها الصادر في ٣١/٧/٢٠٠٣م نقلت عنه قوله: «جميع أعضاء جمعية المسيحيين النيجيرين (CAN) لا بد أن يتأكدوا بأن جميع أعضاء المجلس التشريعي للولايات وحكام الولايات ونوابهم كلهم مسيحيون، لن نسمح من جديد بأن يحكم نيجيريا رجل مسلم سواء شاء المسلمون ذلك أم أبوا، وأنا أصدر هذا البيان بصفتي رئيساً لجمعية المسيحيين النيجيريين. (CAN) اعتاد الناس القول:» بأن السياسة لعبة قذرة «، ولكننا سوف نسعى في تطهيرها؛ فتمهيد مقدونيا يعتبر بداية. سنكسب نيجيريا ونجعلها دولة للمسيح، لقد جاء عهد المسيحية في نيجيريا. إنها تحت الاختبار» . وقررت الحكومة من خلال نائب الرئيس عتيق أبو بكر وهو رجل مسلم أن تبتز بالتهديد كلّ قائد مسلم أيد تطبيق الشريعة الإسلامية؛ وذلك بوصفه رجلاً دينياً متعصباً، ولم يُقصِّر عتيق في كشف عدائه للمسلمين والشريعة الإسلامية، لقد كشف ازدراءه لتطبيق الشريعة عندما زعم بأنه قد اتخذ قراراً في المجلس الوطني - وهو مجلس استشاري مكون من الرؤساء السابقين للدولة وحكام الولايات، والرئيس الحالي ونائبه - بأن تعود الولايات التي أعلنت تطبيق الشريعة الإسلامية إلى العمل بالقانون الوضعي المسيحي، وهو الزعم الذي أنكره عليه محمد بخاري الذي هو عضو في ذلك المجلس، وأيد بخاري على تصريحه: الجنرال يعقوب غوان وهو رجل مسيحي وعضو في نفس المؤتمر أيضاً، ومن ثَمّ قامت الوسائل الإعلامية التي يسيطر عليها المسيحيون بحملة عنيفة ضد بخاري فوصفوه بأنه إسلامي أصولي، وهذه الحملة متعمَّدة؛ لأنه القائد الوحيد في نيجيريا الذي سجّل أفضل جهد في محاربة الفساد الإداري، وهو الوحيد أيضا الذي باستطاعته أن يتحدى أفسد حكومة مدنية في تاريخ نيجيريا، وهي هذه الحكومة بناء على تقييم الهيئة الدولية للشفافية. فمع ظهور بخاري كمرشح معارض في انتخابات إبريل ٢٠٠٣م فإنه من السهولة بمكان أن تستخدم الحكومة الدين في التلاعب بعقول الناس؛ ففي المناطق الشمالية حيث الأغلبية المسلمة فإن حزب الشعب الديمقراطي الحزب الحاكم (PDP) يقوم بحملته ضد بخاري ويصفه بأنه ليس مسلماً جيداً؛ إذ قام بخفض عدد الحجاج إلى بيت الله الحرام لما كان حاكماً عسكرياً متسلطاً. وفي المناطق ذات الأغلبية المسيحية ووسط نيجيريا يقوم الحزب الحاكم بوصف بخاري بأنه رجل ديني متعصب؛ لأنه يؤيد تطبيق الشريعة الإسلامية. وهذه المناطق هي التي ابتليت بعملية تزوير ضخم، وفي بعضها لم تتم الانتخابات أصلاً، وإنما خصصت الأصوات فقط للحزب الحاكم، وهذه المناطق قد شهدت أعمال العنف أكثر من أي منطقة أخرى، إنها هي المناطق التي قام الحزب الحاكم فيها بأعمال القتل. وقد قام كل المراقبين الموثوقين بانتقاد عملية الانتخابات في هذه المناطق وبخاصة المناطق التي فاز بها أوبا سنجو حسب ما أوردته تقارير إخبارية لإذاعة لندن (بي بي سي) في ٢٢/٤/٢٠٠٣م. لقد استطاع بخاري أن يفوز في الشمال بشكل واسع؛ لأن هذه المناطق قد عانت من عملية الحرمان الاقتصادي في ظل حكومة حزب الشعب الديمقراطي (PDP) المليئة بالفساد، ويعتقدون بأن بخاري هو الشخص الوحيد الذي بإمكانه أن يعيد للحكم فضائل الحق، ومن ثم كان لقبه عندهم (مَيْ غَسْكِيَا) (رجل الحق) بشهادة سجله السابق. وأما في الجنوب الغربي فالأمر بعكس ذلك تماماً؛ فإن هذه المنطقة رغم كونها منطقة ذات أغلبية مسلمة، فإن المسيحيين هم المسيطرون دائماً، والعنصرية هي العامل الوحيد الذي يمكن أن يضمن لهم تلك السيطرة؛ فقد أصدرت إحدى مجموعات أعيان قبائل اليوربا بياناً ذكروا فيه أن أي يورباوي لم يصوت لصالح أبا سنجو يعتبر منافقاً، فلم يتمكن أحد من مسلمي اليوربا أن يكسر شوكة هذا السلطان الطاغي؛ لأن هذا الفعل قد يجره إلى عواقب وخيمة من بينها الموت. وقد تقدمت الإشارة إلى أنهم في انتخابات ١٩٩٩م لم يصوتوا لأوبا سنجو الذي هو مرشح حزب الشعب الديمقراطي (PDP) ، وإنما صوتوا لمرشح آخر تحت راية حزبهم وهو حزب التحالف الديمقراطي (AD) ، ولكن في منعطف دراماتيكي في هذه الانتخابات فقد صوت جميع اليوربا للحزب الحاكم حزب الشعب الديمقراطي (PDP) ؛ لأن أوبا سنجو هو اليورباوي الوحيد الجاد؛ حيث رفض حزب التحالف الديمقراطي (AD) أن يرشح أي منافس له؛ فالطريق التي صوت بها اليوربا قد أثبتت تعصبهم العنصري والتي أكدت بأنهم «هم المجموعة العنصرية الوحيدة في نيجيريا التي لم تصوت لأي شخص من غيرهم» كما صرح بذلك شيكي أوفيلي سكرتير الإعلام لاتحاد الكتاب النيجيريين في مقال له نشر في صحيفة (Trust Daily) العدد الصادر في ١٦/٤/٢٠٠٣م. لقد أمكن التزوير في الجنوب الشرقي بشكل مكثَّف؛ لأن حزب الشعب الديمقراطي، الحزب الحاكم قد انضم إلى جانبه النخبة القيادية لقبيلة الإيبو؛ وذلك بإعطائهم الميثاق بأن شخصاً من قبيلة إيبو هو الذي سيخلف أوبا سنجو في الحكم كما قرر أمبنغ رئيس جمعية المسيحيين في نيجيريا (CAN) كما سبق ذكر تصريحه بأنه لن يحكم نيجريا شخص مسلم من جديد، وهذا القرار الكنسي هو العامل أيضاً في وسط نيجيريا. وفي بعض المناطق ذات الأغلبية المسلمة التي حصل فيها تزوير الانتخابات بشكل ضخم مثل ولاية كادونا لم يتم ذلك إلا بسبب انتشار القوات المسلحة من الجيش، والشرطة فيها تجوب المدينة كي تقوم بمنع أي شكل من أشكال الاحتجاج الذي قد يقوم به المسلمون. وقد أكد أبو بكر عتيق الإستراتيجية الدينية للحزب الحاكم عندما صرح بأن حزب الشعب النيجيري (ANPP) قد أبرز نفسه بأنه حزب إسلامي لذلك استطاع أن يفوز في المناطق ذات الأغلبية المسلمة. لكن لم يصرح عتيق بأن حزبه أيضاً قد استعمل ورقة العنصرية في الجنوب الغربي، وورقة الدين في الجنوب الشرقي، وفي المناطق الوسطى، بل حتى في بعض المناطق ذات الأغلبية المسلمة الواقعة في الشمال الغربي قد كان أحد أنصار حزب عتيق (الحزب الحاكم) المرشح لمنصب حاكم الولاية هو الشخص الوحيد الذي قام بطباعة الملصقات التي تحمل صور بعض العلماء لكي يستخدمها في كسب أصوات الناخبين عن طريق استغلال الخلافات الطائفية، وهذا أحد الأدلة الواضحة على تلاعب الحزب الحاكم بعقول الناس عن طريق الدين. وتصريح عتيق في بعض الصحف بأن حزب الشعب النيجيري (ANPP) قد أبرز نفسه على أنه حزب إسلامي، على الرغم من المحاولة السافرة لحزبه هو في استغلال الدين بشكل أوسع من أي حزب آخر، كل ذلك مؤشِّر واضح وخطير لما يمكن توقّعه مستقبلاً من الكبت السياسي. وما حصل من الحكومة مؤخراً في محاولة ابتزاز قادة المسلمين عن طريق إدراج أسمائهم في قائمة أعضاء تنظيم القاعدة بالإضافة إلى اتهامات عتيق؛ كل أولئك أدلة واضحة تبين موقفهم المعادي للإسلام. وهناك مؤشرات تدل على أن الحكومة ستحاول إرضاء الولايات المتحدة بأي ثمن، ما دام قد فقدت ثقتها بسبب الفساد المستشري فيها، وما جرى في الانتخابات الأخيرة من تزوير. وأيضا فإن التناقضات الجارية في الحزب الحاكم (PDP) قد تعمل ضد عتيق الذي يشكل بالنسبة لهم رمز العداء للإسلام. ولم يزل معروفاً لديهم برغبته واستعداده في العمل ضد المناطق ذات الأغلبية المسلمة، وقد صرح في الآونة الأخيرة بأنه لن يزور ولاية صكتو ما لم يُصوَّت لحزبه هناك. وقبل هذا صرّح بأن الشمال الغربي قد بات يشكّل مشكلة لنيجيريا؛ وربما ذلك لأن المنطقة لم تؤيد الفساد المتعمّد للحكومة الفيدرالية، كما نصّ على ذلك كل من الهيئة الدولية للشفافية، ووكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية (USAID) بل لاحظت هاتان الهيئتان أن الفساد من الحكومة الفيدرالية أكثر منه في أي قطاع حكومي آخر، وبصفته نائباً للرئيس كان المتوقع من عتيق أبو بكر أن لا يظهر احتقاراً لأي منطقة من مناطق البلاد؛ والآن وقد حصل أوبا سنجو على أغلبية المقاعد في البرلمان بسبب انحياز عناصر من أهل منطقته اليورباوية إليه، فإنه قد يقوم بالتنكر لعتيق الذي طالما أبدى رغباته في الوصول إلى الرئاسة، وبدلاً من ذلك سيقوم الرئيس أوبا سنجو بتأييد خطة المسيحيين التي كشف القناع عنها القس أمبنغ، فإذا حصل هذا، فإن عتيق سيضطر أن يتخلى عن مواقفه العدائية للإسلام، بل قد يستغل الإسلام لكي يزيد من فرص نجاحه. وجدير بالذكر أن لكلّ من الرئيس أوبا سنجو والولايات المتحدة مصلحة في المحافظة على الوضع الراهن في نيجيريا أكثر من محاولة إظهار العداء للأغلبية المسلمة في شمال البلاد. لا شك أنهم قد يكبتون إرادة الناس عن طريق الاعتقالات، والعنف الإجرامي، والحرمان الاقتصادي، ولكن لن يسمح أوبا سنجو بتقسيم نيجيريا؛ وذلك لأن أعيان قبيلته اليوربا هم أكثر المستفيدين؛ كان أوبا سنجو يستخدم التزامه بعدم السماح بإقامة ما يسمى بالمؤتمر الوطني للنظر في سيادة البلد، وبعدم السماح للولاية أن تستقل بحيازة مواردها المالية وكلا الأمرين يشكل عاملاً مؤدياً إلى تقسيم البلد كان يستخدم هذا كورقة مساومة مع النخبة الشمالية، إلا أن كلا الأمرين أصبحا الآن في غير صالح النخبة اليورباوية؛ لأن أغلب الولايات التابعة لقبيلته اليوربا لن تستطيع حتى مجرد دفع رواتب الموظفين إذا تم تشكيل صيغة تقسيم الموارد بالاعتماد على ما تنتجه كل ولاية من موارد ذاتية. وكذلك إذا تم تقسيم نيجيريا أو أصبحت دولة كونفيدرالية، لن تكون هناك آبار النفط التي يمكن لنخبة اليوربا نهب ثرواتها، وكذلك الشأن بالنسبة للمسيحيين الإيبو من الجنوب الشرقي لا يمكنهم التآلف والتعايش السلمي مع المسيحيين اليوربا من الجنوب الغربي كدولة منفصلة عن بقية أجزاء نيجيريا؛ لأن أعيانهم أيضاً في مسابقة النهب من الموارد نفسها. وبالنسبة للولايات المتحدة فإن أهم مصالحها في نيجيريا هو النفط، وهي ستظل حامية لإمداداتها النفطية من نيجيريا مع بقاء الوضع الحالي أو تغييره؛ لأنه حتى في حالة تقسيم نيجيريا فإن النفط باق في المناطق التي يدين أهلها بالخضوع للغرب وللولايات المتحدة، وسيؤدي هذا إلى قيام دولة في الشمال على أساس جذور ثقافية وتاريخية تكون معادية للولايات المتحدة؛ حيث إن المسلمين ليس لديهم أي إحساس بالدونية للغربيين، بل يرون أنفسهم متفوقين، وقد تؤدي الفوضى إلى قيام جماعات تنتهج العنف تقوم بتجنيد الأعضاء لصالح الجماعات المعادية للولايات المتحدة، وهذه قضايا أساسية بالنسبة إلى استراتيجية الولايات المتحدة. ومن الواضح أن الوضع الراهن في نيجيريا يخدم مصلحتهم وبخاصة في هذه الفترة التي يتزايد فيها إصرار المسلمين على حقوقهم. والوضع الراهن أيضاً سيضمن ترويض الشريعة الإسلامية والمشاريع الإسلامية وتأليفها لكي لا تشكل خطراً لمصالحها، ويحقق ما استنتجه الكاتب أوليفار روي (Roy Oliver) من أن أي انتصار للإسلاميين إنما ينتهي إلى إيجاد تغييرات سطحية وإثبات للقانون فحسب.

стр. 4619

مرصد الأحداث أحمد فهمي afahmee@albayan-magazine.com أقوال غير عابرة: - «الشعب العراقي يتلمس طريقه في النور بعد ٣٠ عاماً من العيش في الظلمات.. من الصعب جداً أن تقود شعباً من الظلمات إلى النور» . [جاي جارنر، ميدل إيست أون لاين، ٢٥/٤/٢٠٠٣م] - «ماذا ينفعنا إذا دُمِّر السلاح النووي العراقي ما دام أن القدرات والعقول التي أنتجته ما تزال موجودة؟» . [إيفال نيمان وزير إسرائيلي سابق للعلوم والطاقة، والملقب بأبي القنبلة النووية الإسرائيلية] - قال السناتور «بات روبرتس» رئيس لجنة المخابرات التابعة لمجلس الشيوخ الأمريكي: «لقد سبق وتعهد الرئيس بيل كلنتون بأن القوات الأمريكية ستبقى في البلقان لمدة عام واحد، وقد مرت عشرة أعوام وما زالت الحاجة إلى بقائها هناك» . [موقع الإذاعة السويسرية، ٢٧/٤/٢٠٠٣م] - «من أجل السلام أسقطنا كل تحفظ لنا على خريطة الطريق» . [أبو مازن، مؤتمر صحفي مع باول، ١١/٥/٢٠٠٣م] - «العدو الإسرائيلي يضع على خريطة الطريق حتى الآن ١٠٠ تحفظ لينسفها، ويتحلل من حسناتها إذا كان فيها حسنات» . [الشيخ أحمد ياسين، تصريح خاص لمجلة البيان] - أعتقد أن أبو مازن رجل يريد السلام، وأنا متلهف للعمل معه لإيجاد حل يؤدي إلى قيام دولتين «. [جورج بوش، شبكة NBC، التلفزيونية الأميركية، ٢٥/٤/٢٠٠٣م] -» أعتقد أنه من الخطأ الكشف عن التنازلات التي يمكننا تقديمها؛ لأننا لو أعلنَّاها سوف تصبح خط البداية في المفاوضات بالنسبة إلى الفلسطينيين «. [شارون، البي بي سي، ١١/٥/٢٠٠٣م] -» بلير سيكتشف قريباً أنه عديم التأثير في بوش، وسيكتشف أن الذيل لا يهز الكلب، لكن الكلب هو الذي يهز الذيل «. [جورج جالاوي، عضو مجلس العموم البريطاني، السبيل الأردنية، ٦/٥/٢٠٠٣ م] -» لقد زرت إسرائيل لأول مرة في أغسطس ٢٠٠٠م، وشعرت آنذاك بأنني أرجع إلى البيت، رغم أنني لم أزر ذلك المكان من قبل، هناك روابط عميقة بيني وبين إسرائيل ... عندما زرت جبل الزيتون وبحيرة طبرية والقدس؛ اجتاحتني عاصفة عميقة من المشاعر، إسرائيل مثيرة جداً «. [كوندليزا رايس، في حديث، ليديعوت أحرونوت] -» الإسلام الذي تريده فرنسا هو إسلام فرنسي وليس إسلاماً في فرنسا «. [نيكولا ساركوزي، وزير الداخلية الفرنسي، السبيل، ٢٩/٤/٢٠٠٣م] -» الشرطي الفلسطيني الذي كان يطلق النار على العدو الإسرائيلي كانت السلطة تأخذ منه ثمن الرصاصات التي يطلقها؛ لأن الأوامر تمنعه أن يصطدم بل عليه أن ينسحب «. [الشيخ أحمد ياسين، موقع إسلام أون لاين، حوارات حية، ٣/٥/٢٠٠٣م] -» أعتقد أن جورج بوش هو الرئيس الأميركي الأكثر فساداً منذ وارن هاردينغ، هو ليس الرئيس الشرعي.. إنها فعلاً حكومة لا تطاق على الإطلاق، وأنتظر بفارغ الصبر الإطاحة بها «عمدة لندن، العمالي المنشق» كين ليفيغستون « الملقب بـ» الأحمر «. [الراية القطرية، ١٠/٥/٢٠٠٣م] أحاجي وألغاز: - يقول الشيخ أحمد الكبيسي أنشأ هيئة للعلماء في العراق وترأسها: » الأمريكان شئنا أم أبينا موجودون، ونحن ككل العراقيين نرفض وجودهم، ما من عراقي يريدهم، إلا أن وجودهم أصبح ضرورة الآن، وأنا واحد من الناس أنادي وأعترف أن وجود الأمريكان ضرورة، بدونهم نموت؛ حيث سيختفي هامش الأمن الذي يحققونه، والذي لا يزيد على ١%، لكننا بحاجة إليه «.. ويقول: » أثناء الحرب كل من تعاون مع الأمريكان مرتد، وقلت هذا في كل مكان، وأكثر من آية تقول ذلك ... أما الآن؛ فحيث لا توجد حكومة فلا يجب قتال، فالحكم الشرعي للمسلم الذي له دولة ويحارب الاحتلال أمر، وتعامل مَنْ لا دولة له مع المحتل أمر آخر، ونحن الآن نتعامل مع المحتلين، وهذا ما فعله الألمان مع الأمريكان، وما فعله الفلسطينيون مع إسرائيل «. [حوار مع موقع: إسلام أون لاين، ٢٥/٤/٢٠٠٣م] -» علينا جميعاً أن نتعاون مع الولايات المتحدة والقوى التي تساند خريطة الطريق لمحاصرة إسرائيل بالسلام «. [أحمد ماهر، وزير الخارجية المصري، موقع الجزيرة نت، ١/٥/٢٠٠٣م] -» الوجود الأميركي في العراق قد يفيد في منع وقوع حرب أهلية عراقية « علي أبو الراغب رئيس الوزراء الأردني. بينما يقول مروان المعشر وزير الخارجية الأردني:» الأردن يدعو إلى انسحاب القوات الأميركية من العراق، وتشكيل حكومة عراقية وطنية «. [جريدة السبيل، ٦/٥/٢٠٠٣م] -» اليهود لا يكرهون الفلسطينيين، ولا يريدون إخراجهم من أرضهم فلسطين، ولم يقرروا ذبحهم كما كان يُشاع، وإنه حتى مذبحة دير ياسين ليست حقيقية «. [ (إسراطين - الكتاب الأبيض) القذافي] -» إعطاء الأمريكيين اسم قوة احتلال أو تحرير سيرتبط بمدى وفائهم بالعهود التي أعلنوها قبل الحرب، فإذا فعلوا ذلك فسيكونون حقاً قوة تحرير، وإذا مكثوا في البلاد يكونون محتلين، وفي النهاية هم حكام، أو كما أسميهم هم قائمون على الساحة في العراق، ونحن جزء من العراق فعلاقتنا بهم طبيعية «. [صلاح الدين محمد بهاء الدين، الأمين العام للاتحاد الإسلامي الكردستاني في العراق، إسلام أون لاين ١٦/٥/٢٠٠٣م] مرصد الأخبار: » استراحة مقاتل «وصفة دحلان لتجميد شهداء الأقصى ضمن الجهود المبذولة لوقف وتقليص الانتفاضة؛ يقوم جهاز الأمن الوقائي منذ الأسبوع الماضي بعقد اجتماعات مع مركزية فتح في المنطقة الوسطى في قطاع غزة؛ لترتيب أوضاع التنظيم، ولإقناعهم بالخطوات الأمنية التي ستتخذها السلطة لوقف المقاومة، وعلمت مصادرنا أنه طلب من كتائب شهداء الأقصى في المنطقة الوسطى وقف نشاطاتهم المقاومة تحت عنوان» استراحة مقاتل «، وقد تم بالفعل ترجمة هذا الطلب على الأرض؛ حيث أوقفت شهداء الأقصى دورياتها الليلية في المخيمات الوسطى، ومخيم النصيرات خصوصاً، وبدأ يلحظ غيابهم عن الساحة رغم رفض الكثيرين لهذا التوجه.. وكانت معلومات من داخل أحد الأجهزة الأمنية الفلسطينية قد أفادت أنه جرى مؤخراً توزيع الأدوار في الخطط الجديدة لضرب حماس وفصائل المقاومة، وتقضي الخطة بأن يقوم جهاز البحرية والـ ١٧ بإقامة الحواجز الثابتة والطيارة؛ لإلقاء القبض على من ترد أسماؤهم في قوائم الاعتقال، فيما يقوم جهاز الأمن الوقائي بأعمال التحريات وجمع المعلومات، وعلى جهاز الشرطة توزيع الاستدعاءات على المستهدفين لإضفاء صبغة قانونية على الاعتقالات، أما جهاز المخابرات فيختص بتنفيذ الاعتقالات عبر عمليات الخطف ومداهمة المنازل؛ حتى لو أدى الأمر إلى القتل، فيما يبقى جهاز الاستخبارات خارج هذه الخطة لاستمرار الخلافات بين موسى عرفات وأبو مازن أو دحلان الذي يتولى الحقيبة الأمنية. [المركز الفلسطيني للإعلام، ١٨/٥/٢٠٠٣م] هذا الحاخام.. فكيف الأتباع؟! ذكرت صحيفة معاريف» الإسرائيلية «أن أربعة ذكور في أعمار مختلفة اتهموا الحاخام الأكبر الجديد لليهود الغربيين في إسرائيل» يونا ميتسغر « بالتحرش الجنسي تحت ذرائع مختلفة، وكان» ميتسغر «سبق أن مُنع عام ١٩٩٨م من قِبَل كبير الحاخامات لتولي منصب الحاخام في تل أبيب؛ بسبب اتهامات أخرى يتعلق أحدها بالتزوير، ويذكر أن» ميتسغر «ونظيره» شلومو أمار «الذي يمثل اليهود الشرقيين اختيرا لمنصبيهما في منتصف أبريل لمدة عشر سنوات، ويتلقى كل منهما راتباً من الدولة، ويشرفان على خدمات الشعائر اليهودية، لكن لا يتمتعان بأهمية كبيرة في تفسير شرائع الديانة؛ لأن كل مجموعة تفضل اتباع حاخامها. أما في فرنسا؛ فقد ثبت تورط حاخام آخر في جريمة من نوع مبتكر، حيث ادعى الحاخام اليهودي» غابريال فارهي «أنه تعرض لهجوم مسلح من قِبَل شخص مسلم، لكن قالت السلطات إن هذا الحادث مفتعل، وإن أحد أتباعه» شارل ليسلبون «في الكنيس اليهودي هو من قام بطعنه بخنجر في بطنه، وكان أرسل له باتفاق رسائل مشبوهة يهدده فيها بالقتل، وذكرت صحيفة» الإكسبرس «أن التحقيق أثبت أن السكين التي استُخدمت في الاعتداء المزعوم من سكاكين الكنيس اليهودي ... ! [موقع الجزيرة نت ٢٥/٤/٢٠٠٣م، المركز الفلسطيني للإعلام، ١٨/٥/٢٠٠٣م] أين البرادعي ... ؟ في تطور ملفت وافقت لجنة خدمات الأسلحة في مجلس الشيوخ الأميركي على رفع الحظر على إجراء أبحاث وتطوير للأسلحة النووية الخفيفة، والذي يعود إلى عام ١٩٩٣م بزعم حماية أميركا من تهديدات خارجية محتملة، ولكي يصبح القانون ساري المفعول يجب أن تقره لجنة الأسلحة في مجلس النواب الأميركي، ثم يقوم جورج بوش والذي طلبت إدارته إلغاء الحظر بالتوقيع على القرار ليصبح قانوناً. ومن المتوقع أن يعتمد مجلس النواب بالكونجرس ميزانية لتمويل أبحاث تطوير الجيل الجديد من القنابل النووية التي يمكن أن تستخدم لضرب المخازن المدفونة تحت الأرض، وقد سعى رامسفيلد منذ الصيف الماضي إلى إلغاء هذا الحظر؛ عندما بدأت وزارته في وضع خطط لإعادة تشكيل ترسانة الأسلحة النووية الأمريكية لاستخدامها في شن ما يعرف بـ (الهجمات الاستباقية) ، وهي الاستراتيجية الأميركية الجديدة لتسويغ التدخلات العسكرية ... وقال رئيس لجنة الشؤون العسكرية في مجلس النواب السيناتور الجمهوري جون وارنر:» إنها خطوة حكيمة لتمكين الولايات المتحدة من الدفاع عن نفسها ضد أعدائها «. والقنبلة الجديدة تحمل رأساً نووياً صغيراً تقل قوته التفجيرية عن ثلث قوة قنبلة هيروشيما. [وكالات الأنباء] الفيل يطارد الحمار في تكساس.. تصاعدت أزمة تصويت في ولاية تكساس الأميركية بين الديمقراطيين والجمهوريين، لتبلغ حداً غير مسبوق؛ حيث لاذ جميع النواب الديمقراطيين - أكثر من ٩٠ نائباً - في مجلس نواب الولاية بالفرار إلى أوكلاهوما المجاورة، وأصدرت السلطات المحلية بحقهم مذكرات اعتقال، بينما ترددت شائعات عن فرارهم جواً إلى نيو مكسيكو أو نيو أورليانز، ونتجت الأزمة عن رغبة نواب الحزب الجمهوري - شعاره الرسمي الفيل - في إعادة رسم الخريطة الانتخابية للولاية - على الطريقة العربية - بما يضمن لهم إرسال سبعة أعضاء جمهوريين إضافيين إلى واشنطن في انتخابات عام ٢٠٠٤م، وذلك على حساب الحزب الديمقراطي - شعاره الرسمي الحمار -، ولما عجزت الأقلية الديمقراطية عن التصرف حيال ذلك لاذت بالفرار؛ حتى لا يكتمل النصاب اللازم للتصويت، وقد عثر عليهم أخيراً في فندق» هوليداي إن «بأوكلاهوما تحت أسماء مستعارة، وأخفقت الشرطة في إقناعهم بالعودة، حيث لا تسمح قوانين الولاية باعتقالهم، ولا تزال الأزمة مستمرة. [جريدة البيان الإماراتية، ١٥/٥/٢٠٠٣م] كمين شارون لأبو مازن حذر صحافيون يهود معارضون لسياسة شارون من الكمين الذي يعده لأبو مازن، رئيس الحكومة الفلسطينية الجديدة، وقال» يارون لندن «كاتب بارز في يديعوت أحرونوت إن شارون يخادع الجميع، ويخطط لجعل مسؤولي السلطة الفلسطينية يقومون بكل الاستحقاقات الأمنية التي تضمنتها خريطة الطريق، وبعد ذلك يأتي يطرح شروطاً تعجيزية إضافية، ويحذر» لندن «أبو مازن من الوقوع في فخ شارون بالقول:» عليكَ أن لا تُستدرج إلى الكمين الذين نصبه لك شارون، فهو سيدعك تتوغل في قمع أبناء شعبك، وتقضي على كل التنظيمات الفلسطينية، وبعد ذلك يفرض عليك استحقاقات تعجيزية أخرى.. ويقول لك: انصرف «. [السبيل، ٦/٥/٢٠٠٣م] رامسفيلد: قبل.. وبعد مرة أخرى تتكشف معالم فضيحة سياسية جديدة لوزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد، حيث كشفت تقارير صحفية أنه كان يشغل منصب مدير غير تنفيذي بشركة» إيه بي بي «الهندسية العملاقة التي يقع مقرها في زيوريخ قبل ثلاث سنوات، عندما باعت مفاعلين نوويين خفيفين لكوريا الشمالية بعقد قيمته ٢٠٠ مليون دولار، وهي البلد التي يعتبرها رامسفيلد اليوم جزءاً من» محور الشر «بسبب جهودها النووية. وقد ظل رامسفيلد في منصبه بالشركة منذ عام ١٩٩٥م إلى عام ٢٠٠١م، وكان يتقاضى ١٩٠ ألف دولار سنوياً، ويقول مكتب رامسفيلد إنه لا يتذكر متى عُرضت الصفقة على مجلس إدارة الشركة، لكن صرح عضو في مجلس إدارة الشركة - طلب عدم الكشف عن اسمه - لمجلة» فورتشن «أن رامسفيلد كان يحشد الدعم من أصدقائه الصقور لمصلحة الشركة. وعلق ستيف لامونتان محلل في مركز السيطرة على انتشار الأسلحة في واشنطن:» يمكن الاستنتاج من هذه التقارير أن المصالح الاقتصادية الشخصية لرامسفيلد غلبت على اهتمامه بقضية عدم انتشار الأسلحة «. [جريدة البيان الإماراتية، ١١/٥/٢٠٠٣م] وهم يد على من ... ؟ تفرض الدول العربية المجاورة للعراق ما يمكن أن يسمى حصاراً حدودياً صارماً، فيما يبدو كأنه عقوبة للعراقيين على احتلال بلدهم، فقد قررت سوريا إغلاق حدودها أمام الوافدين من العراق منذ انتهاء الحرب، فيما تمنع تركيا أي عراقي من عبور حدودها معللة ذلك بأسباب أمنية تحول دون انتقال عراقيين إليها، ولا يسمح الأردن للعراقيين بعبور حدوده إلا لرجال الأعمال، وحاملي أذون الإقامة، وللعراقيات المتزوجات من أردنيين. ويواجه العراقيون الصعوبات نفسها في الدخول إلى الدول الغربية، فعدد قليل من السفارات أعادت فتح أبوابها في بغداد بعد انتهاء الحرب، كما تعمل بعدد قليل من الموظفين، ويقول جون ولكس السكرتير الأول في القنصلية البريطانية: لا ننوي في الوقت الحاضر الشروع في استصدار تأشيرات دخول، أما قسم رعاية المصالح الفرنسية؛ فيطلب من العراقيين الذين يقصدونه التوجه إلى السفارة الفرنسية في عمان، وهذا يعني الحصول على تأشيرة أخرى إلى الأردن أولاً. [جريدة الزمان، بتصرف، ١٣/٥/٢٠٠٣م] العدالة الحولاء ... قال قاضي المحكمة الفيدرالية في مانهاتن بنيويورك إن عائلتين لضحيتين » جورج سميث، وتيموتي سولاس «رجلي أعمال في هجمات سبتمبر أثبتوا له (!) وجود صلة بين العراق وأسامة بن لادن، وبالتالي أقر القاضي لهما تعويضات ناهزت ١٠٤ مليون دولار. وقال القاضي» هارولد بير «في الصفحة ١٩ من حكمه:» توصلت إلى خلاصة مفادها أن مقدمي الشكوى أثبتوا حتى لو لم يكن ذلك بشكل قاطع عبر أدلة أقنعت المحكمة أن العراق قدم دعماً مادياً إلى بن لادن والقاعدة «، ومن المقرر أن تصرف التعويضات من الأموال العراقية المجمدة في البنوك الأميركية، وبذلك يمكن لباقي الضحايا - يقترب عددهم من ثلاثة آلاف - أن يرفعوا قضايا مماثلة، وهو ما يعني أن العراق سيلزم بدفع ما قيمته نحو ١٥٠ مليار دولار تعويضات بالنيابة عن تنظيم القاعدة. [موقع الجزيرة نت، بتصرف، ٨/٥/٢٠٠٣م] مرصد الأرقام: - أفاد استطلاع للرأي نفذته ويبر شاندويك وهي واحدة من أبرز وكالات العلاقات العامة في العالم أن ثلث المستهلكين في الولايات المتحدة مستعدون لمقاطعة السلع الواردة من فرنسا وألمانيا بسبب معارضة الدولتين للغزو الأميركي البريطاني للعراق، وقال ٤٣% إن شراءهم منتجات فرنسية أقل احتمالاً، في حين قال ٣٦% فقط إنهم سيقاطعون السلع الألمانية، وكان استطلاع سابق أظهر أن ١٢% في فرنسا وألمانيا وبريطانيا سيقاطعون البضائع الأميركية. [موقع الجزيرة نت، ٢٦/٤/٢٠٠٣م] - نشرت صحيفة» لو ديمانش «الفرنسية استطلاعاً هاتفياً للرأي نفذته مؤسسة إيفوب للرأي، وأفاد أن ٧٤% من الفرنسيين يعارضون ارتداء الحجاب في المدارس الحكومية مقابل ٥% يؤيدون، والباقون غير مبالين، وأعلن ٣٢% معارضتهم ارتداء الحجاب في الشارع مقابل ١٣% يؤيدون، و ٥٥% غير مبالين. وأجري الاستطلاع على عينة من ٩٤٥ شخصاً يمثلون السكان الفرنسيين، وتزيد أعمارهم عن ١٨ عاماً. - أجرت شركة (تشالينجر غري آند كريسماس) المتخصصة مسحاً أظهر فقدان ١٤٦.٤٠٠ موظف لعملهم في الشركات الأميركية خلال شهر أبريل، وهو أكبر رقم إجمالي في خمسة أشهر، ويفوق هذا العدد بنسبة ٣٠% عددَ المسرّحين في الشهر نفسه من العام الماضي، ويرفع عددَ من فقدوا وظائفهم في الأشهر الثلاثة الماضية إلى ٥٢٥ ألف موظف، وهو ما يعني انتكاسة لخطط بوش الاقتصادية على مشارف الحملة الانتخابية الرئاسية. [موقع الجزيرة نت، ٥/٥/٢٠٠٣م] - بينت نتائج استطلاع رأي أجري على ١٠٠٠ من الفتيات السعوديات - ١٥ إلى ٣٥ عاماً - أن ٥٨% وافقن على أن يكون مهر الزواج ١٠٠٠٠ ريال، و٣٠% موافقات على ٢٠٠٠٠ ريال، و ٨% موافقات على أقل من ١٠٠٠٠ ريال، وأبدت نسبة ٨٦% موافقتهن على أن يكون دخل الزوج ٣٠٠٠ ريال، و ١٤% طالبن بدخل أعلى. أجري الاستطلاع في محافظة القطيف. [الوطن السعودية، ٢٣/٢/٢٠٠٣م] - أظهر استطلاع للرأي أجري في ألمانيا أن تسعة من كل عشرة من الألمان فقدوا احترامهم لأميركا بسبب حربها ضد العراق. [القدس العربي، العدد (٤٣١٣) ] - أوضح مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية (كير) أن وكالة التنمية الأميركية خصصت ٦٥ مليون دولار لتغيير المناهج التعليمية في العراق وفق الرؤية الأميركية. [الأهرام، العدد (٤٢٥٠٠) ] - حسب مصادر المعلومات التابعة للبنتاجون؛ فقد بلغت المشاركة النسائية العسكرية الأميركية في حرب العراق نحو ١٥% من إجمالي القوات، وكانت ٧% في حرب» عاصفة الصحراء «عامي ١٩٩٠ و١٩٩١م. [الأهرام، العدد (٢٤٥٠٢) ] - من ٥٠ إلى ٨٠ ألف أميركي يعتنقون الإسلام سنوياً، بينهم سود وبيض أو ذوو أصول أميركية لاتينية، وهناك أكثر من ١٢٠٠ مسجد في أميركا، ٨٧% منها أنشئ في الـ ٣٠ عاماً الأخيرة، ويبلغ عدد المسلمين في أميركا سبعة ملايين، ٤٠% منهم اعتنق الإسلام من غير الوالدين. [الأهرام، العدد (٢٤٥٠٤) ] - العملية الاستشهادية في العفولة ١٩/٥/٢٠٠٣م؛ هي خامس عملية تنفذها فتاة - هبة دراغمة - منذ بدء انتفاضة الأقصى سبتمبر ٢٠٠٠م، أولى الاستشهاديات هي» وفاء إدريس «القدس، ٢٨/١/٢٠٠٢م، حيث قُتل إسرئيلي وجُرح ١٤٠ آخرون.» دارين أبو عيشة «، ٢٧/٢/٢٠٠٢م، شمال الضفة الغربية، إصابة ٣ جنود إسرائيليين.» آيات الأخرس «، ٢٩/٣/٢٠٠٢م، القدس الغربية، مقتل إسرائيليين وإصابة العشرات.» عندليب طقاطقة «، ١٢/ ٤/٢٠٠٢م، القدس، مقتل ٦ إسرائيليين، وإصابة ٨٥. [موقع إسلام أون لاين، ٢٠/٥/٢٠٠٣م] أخبار التنصير: أبو إسلام أحمد عبد الله لافتة كنسية تهاجم الإسلام واشنطن. وكالة أنباء رويترز ١٧/١/٢٠٠٣م: طلبت هيئة إسلامية من الزعماء الدينيين في ولاية فلوريدا الأميركية، إزالة لافتة عنصرية معلقة عند مدخل كنيسة في فلوريدا مكتوب عليها (المسيح حرّم القتل.. ومحمد أقر القتل) ، قائلة إنها تحث على الكراهية. بينما أصر راعي الكنيسة على أن اللافتة (تقول الحقيقة) . وقال مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير) - منظمة تضم نحو ٨٠ ألف عضو -: (إن اللافتة تسيء فهم القرآن الكريم وتجهل ضوابط الإسلام حول حقوق الإنسان) . وأضاف المجلس في بيان صحفي: (يتعين على كل الأمريكيين أن يتَّحدوا لإدانة لغة الكراهية التي من شأنها أن تفرق أمتنا علي أسس دينية أو عرقية) ، بينما زعم» جين يانجيلد «راعي الكنيسة أن وصف الإسلام بأنه دين سلمي؛ هو من قبيل (التهذيب السياسي) ، ويشكو المدافعون عن المسلمين في الولايات المتحدة من تزايد أشكال التمييز منذ هجمات سبتمبر. مؤتمر كنسي لدعم التنصير أعلنت كنيسة الشرق الأوسط الكتابية Bible Eastern Middle) (Fellowship في منطقتي ديترويت الكبري وويندسور بأمريكا، عن انعقاد مؤتمر الكنيسة العاشر؛ بدءاً من ٥/٦/٢٠٠٣م إلى ٨/٦/٢٠٠٣م، تحت شعار (تنسيق الجهود بين الكنائس) ، وذلك بإحدى القاعات الكنسية الكبرى في منطقة (Muskegon) بولاية ميتشجان. ويشرف على المؤتمر القس المصري الأصل والأمريكي الجنسية طلعت فكري من أنشط العناصر المدعمة لجهود التنصير بالمنطقة العربية ويعاونه قسيسان من الكنيسة الأميركية، هما مظفر رسام، وأديب شمعون. ترجمات عبرية: محمد زيادة برنامج الموساد للحد من العمليات الاستشهادية كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية عن برنامج تدريبي أعده خبراء الموساد، سيسهل - بزعمهم - كشف المُقدم على تنفيذ عملية فدائية؛ اعتماداً على تفسير الجندي للغة الجسد والإشارة لدى الفدائي، وباعتبار أن هذه اللغات الجسدية واحدة. يقول أحد الجنود المتدربين:» تمكنت من خلال التدريب على البرنامج من كشف العديد من العمليات الفلسطينية وإحباطها في الوقت المناسب، فهو يساعدنا على فهم الفلسطينيين دون الحاجة إلى الحديث معهم باللغة العربية «، ويدعي الجندي أنه قام بكشف امرأة فلسطينية كانت في طريقها لتنفيذ عملية عند أحد الحواجز العسكرية الإسرائيلية، ويقول:» عندما هممت بتفتيشها بدا جسدها يرتجف ويرتعش بصورة غير طبيعية، وتذكرت أحد دروس البرنامج أن الشخص الذي يُقدم على تنفيذ عملية «انتحارية» ؛ فإن جسمه يرتجف بهذه الصورة «، وقد قرر الموساد تدريب جنود الاحتلال من جميع الوحدات على هذا البرنامج. قتل الكلاب دليل على العنف.. فماذا عن ذبح الإنسان؟! أفادت مجلة» كول هزمان «الأسبوعية اليهودية في تحقيق لها حول هوايات الشباب الإسرائيلي؛ أن غالبيتهم يلجؤون إلى ألعاب العنف والدماء بسبب حالتهم النفسية غير المستقرة، وأشارت إلى انتشار لعبة جديدة اسمها» هاكيلف هاحزق « أو (الكلب القوي) ، حيث يقوم اللاعب بإحضار كلبه الخاص، وتقام مباراة بين الكلاب في شكل دوري، حيث يتم وضع مراهنات بمبالغ مالية متفاوتة، والكلب الذي يقوم بإسالة دماء الكلب الآخر يتم إعلانه فائزاً، واستاء محرر المجلة من الاستهتار بالمشاعر الإنسانية لهؤلاء الشباب، وقال إن اللعبة تشير إلى ميلهم للعنف، وإحساسهم بعدم التوازن النفسي؛ بسبب الأوضاع الأمنية السيئة في الدولة، أو نتيجة للأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وارتفاع معدل البطالة بشكل رهيب، ويتناسى المحرر المتباكي على دماء الكلاب أن جنود الاحتلال يذبحون الفلسطينيين يومياً في الضفة وغزة! تصريحات إسرائيلية -» إنني أكتب هذه السطور بأسف شديد وحيرة كبيرة؛ لأن القول بأن جيشنا هو الجيش الأكثر أخلاقية في العالم ليس صحيحاً. فهم ينفذون أعمالاً إرهابية وإهانات لا يمكن لبشر تحملها تحت زعم محاربة الإرهاب «. [شولاميت ألوني، وزيرة التعليم الإسرائيلية السابقة، صحيفة هاآرتس، ٤/٥/٢٠٠٣م] -» لا يمكن وصف الشباب المقدمين على العمليات الفدائية بأنهم يريدون الموت، إنهم يريدون الحياة الحقيقية، اسمعوا الفتاة الفلسطينية التي تُدعى «شفاء القدسي» قالت: «هذا ليس انتحاراً بل عملية استشهادية» .. فهل بعد ذلك نقول إنهم انتحاريون.. الحقيقة أنهم يريدون حياة أخرى لا ذل فيها ولا خطورة «. [عالم النفس الإسرائيلي الدكتور يسرائيل أورون، ٢٢/٤/٢٠٠٣م] -» يجب التخلي فوراً عن خريطة الطريق، ورفض أي اتفاق سلام نهائي مع الفلسطينيين، واستبدال عقاب جماعي للفلسطينيين بذلك، وضربهم بيد من حديد، وتنظيف الأراضي التي يعيشون عليها من ممتلكاتهم الزراعية ومنازلهم بل ومنهم أنفسهم. وأدعو الجنود إلى ضرب الفلسطينيين بشكل جماعي خاصة في مدينة غزة. فأنا لم أكن أخجل خلال عملي من إعلاني اليومي عقب كل عملية فلسطينية من أننا سنزيد من ضربنا لهم «. [الجنرال الإسرائيلي، عميرام ليفين، النائب السابق لرئيس الموساد، ٩/٥/٢٠٠٣م]

стр. 4620

نص شعري جبريل آت بالمدد د. أحمد حسبو [*] في غفلة من أمتي تلا الدجى بيانه على الأفق وأحجم الحكيم عن كلامه فما نطق! في غمرة الليل الطويل عندما تثاءب الحراس وعندما غزا الكرى أجفانهم وأقبل النُّعاس حينئذٍ تتابع اللصوص يتخافتون.. يتسللون.. يتحسَّسون.. فلربما رأوا هناك منفذا فجردوا زهر الربا من الشذا أو فرغوا سنابل الحقول من حباتها قبلَ الحصاد أو خضبوا هام المدينة بالسواد أو أعلنوا فيها الحداد أو حاصروا أفكارنا في رأسنا! أو فكروا أن يُصدروا التعداد عن أنفاسنا! جاؤوا بمشروع له جَزْرٌ ومد إن لينُهم أجدى وإلا كان شد وإذا بهم يا حسرة والنفس منها مشبعة وجدوا المداخل مشروعة جاسوا خلال ديارنا بل ربما وصلوا إلى أغوارِنا * * * سرقوا الطعام ... سرقوا السلام.. سرقوا رغيف الخبزِ من أفواه جيل سرقوا ابتساماتِ الصبايا عند ساعات الأصيل سرقوا دُعابات النجوم مع القمر سرقوا البوادي والحضر سرقوا الأبوة من حياة صغارِنا سرقوا الأمومة سرقوا بدورَ الليلِ واغتالوا نجومه لم يتركوا حتى المضاجع! وصلوا هناك لكل هاجع سرقوا رؤى المستضعفين في المنام فالحلم عندهُمُ حرام سرقوا غبوقَ الغيمِ من ضرع السحاب وتسوّروا المحراب إذا هنا شيخٌ وقورٌ مشرق الجبين يتلو ويبدو سابحا في عالم اليقين فساءهم وقارُهُ وراعهم إصرارُهُ أليس نورُ الصبحِ خير شاهد على قبح الظلام؟! أليس الطهرُ تهمةً تستوجب الإعدام؟! * * * وهكذا، وهكذا لم يبق شيء ها هنا لم يسرقوه إلا الأمل!! فما استطاعوا مطلقا أن يسرقوه لأنه المولودُ في حِراء لأنه - في شرعنا - من أصدق الأنباء عن أمة لا تحتفي بقاتها عند المساء عن بعض آيات ترتَّلُ غضةً فتعيد رصَّ الصف في وجه الجحافل وتعيذه من كل سافل عن ثلة الشرفاء من يمتطون صهوة الأمجاد وينسجون من خيوطِ الشمسِ للأوطان درع المكرمات من يكتبون للتاريخ أجمل الفصولِ في الصدق والثبات من أتقنوا صنع الحياة مثلما قد أتقنوا صناعة الممات لكنَّهم لم يتقنوا - لو مرة - أن ينحنوا إلا لرب الأرض والسماء عن موكب لا ينتمي للشرق أو للغرب بل للكعبة الغراء عن ليلة للعرس باتت أمتي تضرب الدف تهتفُ بالذّكر تضرعُ بالدعاء لتزف فارسها إلى الخنساء فأتى لها بابن الوليد فجرا يطوِّحُ بالظلام ويحيل قوتَه حطام ويقيم حدَّ الله فيمن قد سَرَق ويعبِّدُ الطرقات نحو القدسِ لا يخشى الزَّلَق يقضي على سنواتِنا تلك العجاف ونعيشُ عامًا فيه نعصِرُ لا نخاف فغدًا ستلتحم الجموع والله أكبر يا بلد جبريلُ آتٍ بالمدد ولسوف يُحصيم عدد ولسوف يقتلُهم بدد ولسوف يقتلُهم بدد ولسوف يثأرُ للوليد ومن ولد والله أكبرُ يا بلد..

стр. 4621

قضايا ثقافية الكتب العربية المفضلة الصادرة في العالم العربي في السنة المنصرمة ١٤٢٣هـ (١ ـ ٢) في إطار رصد مركز المصادر لحالة الثقافة العربية الراهنة، من خلال متابعته لما ينشر يومياً في أهم أوعيتها: الكتاب والمقالة، يسعى المركز لتحليل هذا الواقع الثقافي العربي من خلال استخدام مجموعة من الأدوات الكفيلة بتقديم نتائج هي أقرب ما تكون إلى الصحة، في ظل النتائج التي نطالعها بين فينة وأخرى في بعض وسائل الإعلام المهتمة بالثقافة والشأن الثقافي. ولعل إحدى أهم هذه الأدوات، عمل قوائم دورية لترشيح أهم الكتب الصادرة في تخصصات محددة من خلال الاستقراء اليومي لما يُنشر في عالم النشر العربي، وتطبيق معايير محددة للترشيح تكون معلنة للقارئ المطلع على محتويات القائمة. وفي هذا الصدد وبالتعاون مع مجلة اليبيان يقوم المركز اليوم بنشر قائمة بالكتب العربية المفضلة الصادرة في العالم العربي في السنة المنصرمة ١٤٢٣هـ - ٢٠٠٢م [*] . * معايير الترشيح: وقبل عرض محتويات القائمة، فإنه لا بد من بيان أن هذه الكتب دخلت القائمة اعتماداً على جملة من المعايير الموضوعية والوصفية، لا بد من توافر أغلبها في الكتاب لكي يجري ترشيحه، وتشمل هذه المعايير الآتي: ١ - أن يكون الكتاب حسن العرض والتقسيم، سليم اللغة والتركيب، جميل الأسلوب، ملتزماً بالأصول العلمية. ٢ - أن يكون موضوعه حيوياً مهماً أو مثيراً للحوار. ٣ - أن يقدم إضافة جديدة في موضوعه، أو يعالج موضوعاً مطروقاً بأسلوب جديد. ٤ - أن يكون مرجعاً في موضوعه. ٥ - أن يكون جامعاً في موضوعه شاملاً لأكثر أفراده. ٦ - أن يكون ملخصاً وافياً في فنه. ٧ - أن يكون قوي الحجة عميق المعالجة. ٨ - أن يسهم الكتاب في حل مشكلة أو تسهيل معضلة. ٩ - أن يحاول حصر النظائر وتقعيدها بقواعد جامعة. ١٠ - أن يعتمد على مصادر تمتاز بأصالتها وعمقها وتنوعها وكثرتها، مع حسن التعامل معها. ١١ - أن يتناول القضايا التي يناقشها بالعدل والموضوعية. ١٢ - أن لا يكون الكتاب متمحضاً لتقرير أفكار باطلة تخالف منهج أهل السنة والجماعة مخالفة تامة. ١٣ - أن تحكم جهة علمية معتبرة بامتيازه أو يُتَلَقَّى في الأوساط العلمية بالاستحسان. ١٤ - أن يكون سليماً من الأخطاء الفاحشة في الطبع والإخراج الفني. * وننبه هنا إلى جملة من الملاحظات: - تمثل هذه القائمة اجتهاداً جماعياً لجماعة من المختصين، ولا تمثل عملاً فردياً إطلاقاً، وهي نتيجة استقراء لعامة المنشور في الوطن العربي، ولا يخلو الاجتهاد البشري من قصور أو تفاوت في النظر أو فوت ونحوه، وحسبنا تحقيق الالتزام بهذه الضوابط والمعايير، واستخدام كل وسيلة ممكنة للسعي وراء الكتاب المنشور. غير أننا بإمكاننا أن نصرح دون مبالغة بأن هذه القائمة حسب علمنا هي أول قائمة يجري إعدادها وفق أسس علمية، مع حرص تام على استقراء جميع ما ينشر في العالم العربي ضمن تخصصات القائمة، ولولا مشكلات النشر والتوزيع التي سيشار لاحقاً إلى بعضها لقلنا إنها نتيجة استقراء حاصر لجميع ما ينشر في العالم العربي من المحيط إلى الخليج. - كما أن جميع من شارك في إعداد هذه القائمة وهم بالعشرات يمثلون طرفاً محايداً في صناعة النشر العربي، بل عامتهم من الباحثين المختصين الذين لا علاقة لهم بدور النشر وغيرها من أطراف صناعة النشر وعليه فإننا نرجو أن يكون امتداحهم لكتاب ما أو نقدهم لبعض جوانبه منطلقاً من قناعات علمية موضوعية بحتة؛ ولهذا؛ فليس من المستغرب عندها أن تتفرد هذه القائمة بوجود كتب غلب عليها الامتياز إجمالاً، مع وجود ملاحظات مهمة سجلناها بدقة قدر الإمكان. - تعاني صناعة النشر العربية من تعثر واضح جداً، وإشكالات عديدة ليس هذا محل الحديث عنها، لكننا لا بد أن نشير هنا إلى بعض ما يمثل إشكالاً عند إعداد مثل هذه القائمة: - فمن ذلك، عدم الالتزام بتاريخ النشر، ولهذا فليس من المستغرب في العالم العربي أن يستمر صدور كتب تحمل تاريخ عام ١٤٢٣هـ إلى آخر عام ١٤٢٤هـ، ولهذا السبب أخّرنا إخراج القائمة قدر الإمكان، مع علمنا بأنه لا زالت تصدر كتب تحمل تاريخ العام المنصرم، مع دخولنا في العام الجديد، وهكذا الأمر بالنسبة للتقويم الميلادي الشمسي؛ فبالرغم من دخولنا الشهر الميلادي الثالث وقت كتابة هذه المقدمة إلا أنه لا زالت تصدر كتب تحمل تاريخ السنة الماضية، في حين أن الكتب في العالم الغربي تخرج عادة مؤرخة باليوم تحديداً، وليس هذا بأهم مشكلات النشر العربي. ولهذا فنحن نتوقع ألا تكون هذه القائمة بوضعها الحالي في شكلها النهائي، بل إمكانات الإضافة والتعديل واردة، وسنحرص على إخراجها في شكلها النهائي حين تتوقف الكتب المؤرخة بتاريخ العام المنصرم عن الصدور. يضاف إلى الإشكال السابق تعذر الوصول إلى بعض الإصدارات التي تطبع بكميات خاصة ولا تباع - ككثير من توزيعات الجهات الحكومية والتذكارية منها بشكل خاص - وما يصدر بدون ناشر محدد، سواء كان الناشر المؤلف نفسه أو كان الناشر مجهولا بشكل متعمد! - ومن إشكالات النشر العربي المهمة ذلك المنع غير الخاضع لأي نظام واضح وهو ما ينطبق على كافة الدول العربية دون استثناء، مع تفاوت في هذه الفوضى المقننة من بلد لآخر مما يؤثر سلبا على حركة انتقال الكتاب من مكان لآخر، بل يؤثر على ما يُنشر عن الكتب من دراسات؛ فربما كان من المناسب ترشيح بعض الكتب ضمن القائمة وعرض دراسة علمية عنها، إلا أن ظروف عرض القائمة قد تحول دون ذلك. - ونختم الملاحظات بالتأكيد على أن هذه التخصصات الموجودة بالقائمة لا تمثل سوى أهم التخصصات العربية؛ فهي لا تمثل جميع التخصصات التي يتابعها مركز المصادر، وسنعمل لاحقاً بإذن الله تعالى على أن تغطي القائمة جميع المجالات التي نُعنى بها، والمنشور هاهنا تم بناءً على اتفاق مسبق مع هيئة تحرير المجلة وفي إطار اهتمامات المجلة فحسب. * إطار البحث: أما الكتب التي شملها البحث والاستقراء لاستخراج هذه القائمة، فهي الكتب العربية الصادرة خلال عام ١٤٢٣هـ الموافق لعام ٢٠٠٢ م مما ينشر لأول مرة، وعلى هذا فما أعيد نشره خلال هذا العام المشار إليه لا يدخل ضمن الترشيحات ولو كان من أهم الكتب إطلاقاً، ويدخل فيما ينشر لأول مرة ما يجري تحقيقه أو ترجمته لأول مرة بهذا التحقيق أو الترجمة، وإن كان قد نُشر من قبل بتحقيق آخر أو ترجمة أخرى، إضافة لهذا فقد استبعدنا مجموعة من الكتب التي تم نشر أجزاء منها ولم يتم اكتمالها لاعتبارات فنية بحتة، تتعلق بضمان عدم ترشيح العمل العلمي سواء كان تأليفاً أو تحقيقاً أو ترجمة أكثر من مرة؛ فالمراد دخول الكتاب في مجال الترشيح مرة واحدة فحسب. * عرض النتائج: وتم عرض النتائج الخاصة بكل تخصص على حدة، مع دمج بعض التخصصات لتقاربها بناء على رغبة المجلة، وكانت هذه التخصصات مستخرجة بشكل عام من تصنيف ديوي العشري وهو التصنيف الذي يعتمده مركز المصادر بتعديلاته العربية؛ لأنه الأشهر عالمياً. كما تم اختيار كتاب واحد - في كل تخصص - لعمل دراسة مركزة عنه تعرض موضوع الكتاب وما يمتاز به، ويمثل هذا الكتاب الأبرز في القائمة، يضاف إليه تسعة كتب بعد ذلك بعرض معلوماتها الوراقية (الببليوغرافية) فحسب. وربما لا نجد في بعض التخصصات عشرة كتب تستحق الترشيح للقائمة، فنكتفي بترشيح ما اقتنعنا بمناسبته، متأسفين على حال النشر العربي أن يصل إلى درجة عدم وجود عشرة كتب على الأقل في التخصص الواحد تستحق دخول قائمة الكتب العربية المفضلة. وأخيراً، فإننا نرجو أن يكون إعداد هذه القائمة ونشرها، عاملاً مساعداً في إعادة نهضة النشر العربي عبر تبصير القارئ والناشر أيضاً بأهم ما نُشر، مما يعين القارئ على الاختيار والرُشْد، ونرجو أن يكون نشر القائمة عاملاً يعين الناشر ويشجعه على ترشيد ما ينشره، وعلى الترويج لكتابه الذي يستحق الإشادة والشكر بقولنا للمحسن أحسنت وهذا جزاء عملك، والله تعالى من وراء القصد، وهو خلف كلٍّ وعمله، وهو حسبنا ونعم الوكيل. مدير عام مركز المصادر يوسف بن حسن الخلاوي * أولا: من أبرز الكتب التي صدرت في مجال القرآن وعلومه: - تفسير القرآن العزيز - تأليف: محمد بن عبد الله بن أبي زمنين (ت٣٩٩هـ) . تحقيق: حسين بن عكاشة، محمد بن مصطفى الكنز. الناشر: الفاروق الحديثة للطباعة والنشر - القاهرة - مصر. عدد المجلدات: ٥. حجم الكتاب: ١٧ × ٢٤ سم. التصنيف: علوم القرآن / تفسير / تفاسير. هذا التفسير مختصر من تفسير الإمام يحيى بن سلام ﵀ وتفسير يحيى من التفاسير الأثرية؛ حيث يعتني برواية الأحاديث والآثار في تفسير القرآن، ثم يعقب ذلك بالنقد والاختيار، ويجعل مبنى اختياره على المعنى اللغوي والتخريج الإعرابي، وأضاف يحيى بن سلام إلى ذلك بعض القراءات واللغات، وذكر المكي والمدني من الآيات، وذكر الناسخ والمنسوخ. وقد نص الإمام ابن الجزري ﵀ على أن هذا الكتاب سُمع من مؤلفه بأفريقية، وشهد بأنه كتاب «ليس لأحد من المتقدمين مثله» ، ونقل عن إمام القراءات أبي عمرو الداني أنه قال: «ليس لأحد من المتقدمين مثل تفسير ابن سلام» . وقد نشرت ستة أجزاء من تفسير يحيى بن سلام البصري في الجزائر بتحقيق عدة باحثين، ولم ينشر التفسير كله، وقد حققت الدكتورة هند شلبي التفسير الموجود كاملاً، ووعدت بإخراجه لكن لم يطبع حتى الآن. وهذه المكانة دفعت العلماء إلى الاشتغال به وتدريسه واختصاره، ففي بلاد الأندلس اختصره عالمان: - ابن أبي زمنين (ت ٩٩٣هـ) (وهو المختصر الذي سنقوم بعرضه) . - وأبو المطرف القناعي عبد الرحمن بن مروان (ت ٣١٤ هـ) ، واختصاره مفقود. - كما اختصره ثالث وهو: هود بن محكم الهواري، قاضي الإباضية في قبيلة (هوارة) البربرية في الجزائر، (ت ٣٨٠هـ) . وقد حقق تفسير الهواري الباحث الجزائري: الحاج بن سعيد شريفي، ونشرته له دار الغرب - بيروت - لبنان - سنة ١٤١٠هـ - ١٩٩٠م، في أربعة مجلدات. أما صاحب هذا المختصر الذي نعرضه فهو: أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الله الأندلسي المري الألبيري، نزيل قرطبة، المالكي المعروف بابن أبي زمنين (٣٢٤-٣٩٩هـ) . وقد ذكر ابن أبي زمنين أن السبب الدافع له إلى اختصار تفسير يحيى بن سلام؛ أنه وجد فيه تكراراً كثيراً، وأحاديث ذكرها يقوم علم التفسير بدونها، حتى طال الكتاب بذلك؛ بحيث لا يتناسب وقلة نشاط أكثر الطالبين. أما بالنسبة لمنهجه في كتابه؛ فقد حدد في خطبة الكتاب ما عمله في التفسير وهو أنه: زاد على اختصار تفسير يحيى بن سلام أشياء أُخر في الإعراب واللغة على طريقة الفقهاء في تحليل الكلمة وتحديد المراد منها، كما فسر كثيراً مما لم يفسر ... وقد ميز ابن أبي زمنين زياداته على تفسير يحيى بن سلام بقوله في أولها: «قال محمد» . أما تفسير يحيى بن سلام فمذكور كذلك في أوله إما «قال يحيى» أو «يحيى» . وكان من منهجه أيضاً أنه لا يفسر القرآن كلمة كلمة أو آية آية، بل يقف عندما يراه جديراً بالتفسير والبيان، ومن طريقته في التناول أننا نجده أحياناً يحدد النص الذي سيتناوله بدءاً ونهاية، ثم يعود إليه، فيقف عند كلمات منه، ويعرض عند الضرورة لحكاية أوجه الإعراب، وهو يعتني بإيراد القراءات فيما يحتاج إلى ذلك لا يقصد إلى القراءات بذاتها بل لبيان استعمالات أوجه الكلمة من ذلك فعلاً، ويتدخل أحياناً لتوجيه استعمال الكلمة في القراءة، ويتدخل أحياناً لبيان استعمال أصل الكلمة. من كل ما مر ندرك قيمة هذا التفسير؛ فهو ليس مجرد اختصار لتفسير يحيى بن سلام فحسب، بل أضحى هذا التفسير تفسيراً مستقلاً عن تفسير يحيى؛ بكثرة ما أضافه. ومما يميزه كون مؤلفه صاحب سُنَّةٍ كما مر، بالإضافة إلى ما تميز به من الإيجاز وسهولة العرض والبعد عن التفصيلات والخلافات مع الاستشهاد والاستدلال، فضلاً عما ضمه الكتاب من جملة من النكات والإشارات اللغوية، والنحوية، ولطائف التفسير. وقد قام المحققان بإخراج النص وضبطه، وتوثيق القراءات واللغات، وتخريج الأحاديث، مع صنع الفهارس العلمية، كما قدما للكتاب دراسة عن المؤلف شملت: ترجمته ومنهجه في هذا التفسير مع توثيق نسبته إليه، إضافة إلى ترجمة يحيى بن سلام والتعريف بتفسيره. وقبل الختام نحب أن نلفت عناية القراء إلى أن الكتاب قد حققه منذ زمن الدكتور عبد السلام الكنوني - أستاذ التعليم العالي بكلية أصول الدين جامعة القرويين - تطوان، في أطروحةٍ جامعية، ولم يُخرج من الكتاب إلا قسم الدراسة - الصادرة بعنوان: «مختصر تفسير يحيى بن سلام لابن أبي زمنين» ، عام ١٤٢٢هـ، مع وعدٍ بإخراج بقية أجزاء الرسالة. * ومن الإصدارات البارزة في مجال القرآن وعلومه: ١ - أبحاث في علم التجويد تأليف: غانم قدوري الحمد. الناشر: دار عمار للنشر والتوزيع: عمان - الأردن. عدد الصفحات: ٢٠٦. ٢ - الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية تأليف: سليمان بن عبد القوي الطوفي (ت٧١٦هـ) . تحقيق: حسن بن عباس بن قطب. الناشر: الفاروق الحديثة للطباعة والنشر: القاهرة - مصر. عدد المجلدات: ٣. ٣ - تعريف الدارسين بمناهج المفسرين تأليف: صلاح عبد الفتاح الخالدي. الناشر: دار القلم: دمشق - سوريا. عدد الصفحات: ٦٣١. ٤ - تفسير القرآن بكلام الرحمن تأليف: ثناء الله الهندي الأمرتسري (ت ١٣٦٨هـ) . خرج أحاديثه: عبد القادر الأرناؤوط. تقديم ومراجعة: صفي الرحمن المباركفوري. الناشر: دار السلام للنشر والتوزيع: الرياض - السعودية. عدد الصفحات: ٧٧٨. ٥ - سورة الصلاة: ترتج بها المساجد والمصليات.. ولكن تأليف: عبد الحكيم بن عبد الله القاسم. الناشر: المنتدى الإسلامي (مجلة البيان) : لندن - بريطانيا. عدد الصفحات: ٧٩. ٦ - كتاب الوسيلة إلى كشف العقيلة تأليف: علي بن محمد السخاوي (ت ٦٤٣هـ) . تحقيق: مولاي محمد الإدريسي الطاهري. الناشر: مكتبة الرشد: الرياض - السعودية. عدد الصفحات: ٥٥٣. ٧ - المعجم المفهرس للتراكيب المتشابهة لفظاً في القرآن الكريم تأليف: محمد زكي محمد خضر. الناشر: دار عمار للنشر والتوزيع: عمان - الأردن. عدد الصفحات: ٤٠٣. ٨ - مفهوم التفسير والتأويل والاستنباط والتدبر والمفسر تأليف: مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار. الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع: الدمام - السعودية. عدد الصفحات: ٢٣٨، مقاس الكتاب: ١٤ × ٢٠ سم. ٩ - لا يأتون بمثله تأليف: محمد قطب. الناشر: دار الشروق: القاهرة. عدد الصفحات: ٢٠٧. ١٠ - ياقوتة الصراط في تفسير غريب القرآن تأليف: محمد بن عبد الواحد البغدادي المشهور بغلام ثعلب (٣٤٥هـ) . تحقيق: محمد بن يعقوب التركستاني. الناشر: مكتبة العلوم والحكم: المدينة المنورة - السعودية. عدد الصفحات: ٦٨٠. * ثانياً: من أبرز الكتب التي صدرت في مجال الحديث الشريف: روايةً ودراية: - لسان الميزان تأليف: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت٨٥٢هـ) . اعتنى به: عبد الفتاح أبو غدة. اعتنى بإخراجه وطباعته: سلمان عبد الفتاح أبو غدة. الناشر: مكتب المطبوعات الإسلامية: حلب - سوريا. عدد المجلدات: ١٠. مقاس الكتاب: ١٧ × ٢٤ سم. التصنيف: علوم الحديث / الحديث دراية / علم الرجال / تراجم الرواة / طبقات الرواة / الضعفاء. تحتل السنة النبوية منزلة عظيمة في الدين الإسلامي، وكانت ولا تزال محل عناية كبيرة من علماء المسلمين عموماً، والمحدثين على وجه الخصوص؛ فإنهم لم يدخروا وسعاً، ولم يألوا جهداً في سبيل المحافظة عليها، وإبقائها سليمة من تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، فوضعوا لذلك منهجاً فريداً كان هو المعيار الذي توزن به الأخبار ألا وهو: علم الجرح والتعديل ومعرفة من تقبل روايته أو ترد، حيث إنه العلم الذي به تم تمحيص النقل، وعليه بني نقد الأخبار. وقد بذل أئمة الحديث ونقاده في علم الجرح والتعديل قصارى جهدهم، ونقبوا عن أخبار رواته، وبحثوا عن أحوالهم؛ فصنفوا في تراجم الرواة وتواريخهم كتباً متنوعة؛ ومن ذلك معرفة الرواة الضعفاء الذي ألفت فيه كتب عدة. حتى جاء الإمام الذهبي فصنف في ذلك مصنفات وختمها بكتابه «ميزان الاعتدال» ولجليل قدر (الميزان) ، ولعظيم شموله، ولكونه ثمرة جهود متواصلة من علماء الأمة في تمييز الضعفاء والمجروحين من القرون الأولى إلى عصر الذهبي = جعل العلماء (الميزان) إمام كتب الضعفاء والمجروحين، وأصلاً لمعرفة المتكلم فيهم من الناقلين. لكن جاء بعد الذهبي من ذيَّل على كتابه، من أمثال العراقي في كتابه (ذيل ميزان الاعتدال) . ثم انتهى الأمر إلى الحافظ ابن حجر إذ ألف على (الميزان) ثلاثة كتب، وكان أهمها وأحفلها كتاب «لسان الميزان» حيث ضم زيادات كثيرة وتحريرات مفيدة على أصل الكتاب. وقد تنوعت إضافات الحافظ على (الميزان) ما بين كون الإضافة تتعلق بالاستدراك على التراجم المنقولة من (الميزان) - خاصة فيما يتعلق بأقوال العلماء في الجرح والتعديل في أصل الترجمة - أو تراجم مزيدة على أصل الكتاب سواء مما ضمه من أصل شيخه العراقي في كتابه (ذيل الميزان) ، أو تراجم صاغها الحافظ بنفسه، وأيضاً لم يخلُ الكتاب من تعقب الحافظ الذهبي في اختصار أقوال العلماء في المترجم اختصاراً مخلاً فيتعقبه منتقداً أو مصححاً لوهمه في عزو قول لصاحبه. ومن إضافات الحافظ المهمة توسعه في بابي الكنى والمبهمات؛ فقد أضاف إلى باب الكنى تراجم كثيرة تربو على المئتين، ثم أعقبه بباب المبهمات متوسعاً فيه كذلك. كل ما مر آنفاً يجعل هذا الكتاب مرجعاً مهماً في تراجم الرواة، وخاصة الضعفاء منهم والمجروحين. وقد اعتنى الشيخ أبو غدة ﵀ بالكتاب عناية فائقة جعلت هذه الطبعة هي أفضل طبعات الكتاب؛ فقد اعتمد على خمس نسخ خطية منها: نسخة نفيسة مهمة كتبت في حياة المؤلف، وقرئت عليه، وعليها خطه بالقراءة عليه، وقوبلت بأصل الحافظ مرتين. وقد كان هم المحقق الأكبر العناية بإخراج النص سليماً، أكثر من التعليق على الكتاب، وقد قدم بين يدي الكتاب دراسة إضافية شملت منهج المؤلف في الكتاب والكلام على طبعات الكتاب وكانت في أحد عشر مبحثاً. ومما يشار إليه هنا أن المنية اخترمت المعتني قبل أن يطبع الكتاب، ويقوم بصنع فهارس شاملة له، فقام ابنه سلمان بإتمام عمل والده؛ فصنع (١٧) فهرساً علمياً، كما قام بمقابلة الكتاب مرة ثانية بمخطوطة الأصل، وقدم بمقدمة ترجم فيها للمحقق ترجمة موسعة. * ومن الإصدارات البارزة في مجال الحديث الشريف: روايةً ودراية: ١ - بلوغ المرام من أدلة الأحكام تأليف: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت٨٥٢هـ) . تحقيق: عصام موسى هادي. الناشر: دار الصديق: الجبيل - السعودية. عدد الصفحات: ٣٩٩. ٢ - تسمية مشايخ أحمد بن شعيب بن علي النسائي الذين سمع منهم وذكر المدلسين (وغير ذلك من الفوائد) تأليف: أحمد بن شعيب بن علي النسائي (ت ٣٠٣هـ) . اعتنى بها: الشريف حاتم بن عارف العوني. الناشر: دار عالم الفوائد: مكة المكرمة - السعودية. عدد الصفحات: ١٥٢. ٣ - تعليقه على العلل لابن أبي حاتم: النصف الثاني من المجلد الأول تأليف: محمد بن أحمد بن عبد الهادي (ت٧٤٤هـ) . تحقيق: سامي بن محمد جاد الله. الناشر: أضواء السلف: الرياض - السعودية. عدد الصفحات: ٣٨٦. ٤ - روايات المدلسين في صحيح البخاري: جمعها تخريجها الكلام عليها تأليف: عواد حسين الخلف. الناشر: دار البشائر الإسلامية: بيروت - لبنان. عدد الصفحات: ٦٥٣. ٥ - صحيح سنن أبي داود وضعيف سنن أبي داود تأليف: محمد ناصر الدين الألباني. الناشر: دار غراس للنشر والتوزيع والدعاية والإعلان: الكويت. عدد المجلدات: ١١. ٦ - العلل تأليف: علي بن محمد بن جعفر المديني (ت٢٣٤هـ) . تحقيق: حسام محمد بوقريص. الناشر: دار غراس للنشر والتوزيع والدعاية والإعلان: الكويت. عدد الصفحات: ٣١٨. ٧ - علوم الحديث في ضوء تطبيقات المحدثين والنقاد تأليف: حمزة بن عبد الله المليباري. الناشر: دار ابن حزم: بيروت - لبنان. عدد الصفحات: ٢١٣. ٨ - المفصح المفهم والموضح الملهم لمعاني صحيح مسلم تأليف: محمد بن يحيى بن هشام الأنصاري (٦٤٦هـ) . تحقيق: وليد أحمد حسين. الناشر: الفاروق الحديثة للطباعة والنشر: القاهرة - مصر. عدد الصفحات: ٤٠٦. ٩ - معجم المعاجم والمشيخات والفهارس والبرامج والأثبات تأليف: يوسف عبد الرحمن المرعشلي. الناشر: مكتبة الرشد: الرياض - السعودية. عدد المجلدات: ٤. * ثالثاً: من أبرز الكتب التي صدرت في مجال العقيدة: - شرح حديث جبريل ﵇ في الإسلام والإيمان والإحسان المعروف باسم الإيمان الأوسط. تأليف: شيخ الإسلام أحمد بن تيمية (ت ٧٢٨هـ) . تحقيق ودراسة: علي بن بخيت الزهراني. الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع: الدمام. عدد الصفحات: ٦٨٠، مقاس الكتاب: ١٧ × ٢٤. التصنيف: عقيدة / الإيمان. يكتسب هذا الكتاب أهمية خاصة من جوانب عدة أهمها: ١ - أن مؤلفه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - ناصر السنة وأهلها، وما زالت مؤلفاته محط أنظار الباحثين والدارسين، لما امتازت به كتاباته من علم وفير، وتحقيق غزير، مدعمة بصريح المعقول، وصحيح المنقول. ٢ - إن موضوع الكتاب من أهم موضوعات علم العقيدة، وأدقها، لذا فقد كثر التنازع بين طوائف المسلمين حول حقيقة الإيمان وعلاقته بالعمل، والفرق بينه وبين الإسلام، وهذا ما يجعل إبراز منهج السلف في هذه المسألة وتحديد معالمه ذا أهمية متميزة. ٣ - عثور الباحث على نسخة جديدة نسخت بعد موت المؤلف بخمسة عشر عاماً فقط أي عام ٧٤٣هـ، وقد اعتمد الباحث على هذه النسخة، واعتبرها أصلاً في التحقيق إضافة إلى نسخة المكتبة المحمودية، والنسخة المطبوعة ضمن مجموع الفتاوى، وقد قام الباحث بمقارنة بين المخطوط والمطبوع، حيث لوحظ وجود سقط، وخرم، ونقص، لاسيما موضوع الإحسان الذي به يصبح الكتاب تاماً. - ويتكون الكتاب من مقدمة وقسمين: المقدمة: وفيها أهمية الموضوع، وأسباب اختياره، ومنهج التحقيق. القسم الأول: الدراسة، وتشتمل على تمهيد وعدة مباحث: التمهيد: تناول فيه الباحث موضوع الإيمان، ومذاهب الطوائف فيه، وبيان الراجح منها، كما عرف الإيمان في اللغة، وذكر مذاهب الناس فيه. المبحث الأول: دراسة موجزة عن المؤلف، وقد قام الباحث بترجمة مختصرة للمؤلف، حاول التركيز فيها على جوانب لم تلق حظها من العناية - حسب علمه -. المبحث الثاني: دراسة تحليلية وتفصيلية عن الكتاب، وهذا المبحث هو أهم مباحث الدراسة على الإطلاق، وقد جاء في سبع مسائل أصلية، وعدة مسائل فرعية. المبحث الثالث: المقارنة بين الكتاب، وبين كتاب «الإيمان الكبير» ، وقد دارت معالم هذه المقارنة حول الأسبق تأليفاً من الكتابين، وعرض المسائل فيهما، وما امتاز به كتاب «شرح حديث جبريل» (الإيمان الأوسط) عن كتاب الإيمان الكبير. المبحث الرابع: دراسة عن نسخ الكتاب المطبوع منها والمخطوط. القسم الثاني: نص الكتاب. أما عمل الباحث في المخطوط فقد استوفى متطلبات التحقيق العلمية. والجدير بالذكر أن أصل هذا الكتاب رسالة علمية تقدم بها الباحث إلى قسم الدراسات الشرعية فرع العقيدة بجامعة أم القرى في مكة المكرمة، وتمت مناقشتها عام ١٤٢٠هـ ونال الباحث بها درجة الدكتوراه بتقدير ممتاز مع التوصية بطبع الرسالة. * ومن الإصدارات البارزة في مجال العقيدة: ١ - الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في العقيدة: جمعاً ودراسة تأليف: حياة بن محمد بن جبريل. الناشر: عمادة البحث العلمي: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. عدد المجلدات: ٢. ٢ - تسهيل العقيدة الإسلامية تأليف: عبد الله بن عبد العزيز الجبرين. الناشر: دار الصميعي: الرياض - السعودية. عدد الصفحات: ٦٢٣. ٣ - عارض الجهل وأثره على أحكام الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة تأليف: راشد بن أبي العلا الراشد. الناشر: مكتبة الرشد: الرياض - السعودية. عدد الصفحات: ٥٢٣. ٤ - قضية الألوهية بين الدين والفلسفة تأليف: محمد السيد الجلينيد. الناشر: دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع: القاهرة - مصر. عدد الصفحات: ٣٠٣. ٥ - المهدي وفقه أشراط الساعة تأليف: محمد أحمد إسماعيل المقدم الناشر: دار بلنسية: الرياض - السعودية، الدار العالمية: الإسكندرية - مصر. عدد الصفحات: ٨١٤. ٦ - الوحي والإنسان: قراءة معرفية تأليف: محمد السيد الجلينيد. الناشر: دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع: القاهرة - مصر. عدد الصفحات: ٢٣٨. مقاس الكتاب: ١٤ × ٢٠ سم. * رابعاً: من أبرز الكتب التي صدرت في مجال الفرق والمذاهب الفكرية المعاصرة: - فرقة الأحباش: نشأتها وعقائدها وتأثيرها تأليف: سعد بن علي الشهراني. الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع: مكة المكرمة. عدد المجلدات: ٢. عدد الصفحات: ١٣٠٧. مقاس الكتاب: ١٧ × ٢٤. التصنيف: عقيدة / فرق إسلامية. نبذة عن الكتاب: ذكر الباحث أن الأحباش ينتسبون إلى المدعو / عبد الله الحبشي المولود في هرر بالصومال عام ١٣٣٩هـ؛ حيث نشأ ودرس شيئاً من العلوم الإسلامية على بعض علماء بلده، ثم على بعض علماء الحبشة، وسلك طريق التصوف فصار قادرياً، ثم ترك الطريقة القادرية إلى الطريقة التيجانية، وما لبث مدة حتى كفرهم ورجع إلى الطريقة القادرية، ثم صار رفاعياً، تنقل بينٍ بلدان كثيرة: بين مكة، والمدنية المنورة، وبيت المقدس، ودمشق، ثم استقر به المقام في لبنان في منطقة (برج أبي حيدر) معقل الأحباش الأكبر إلى الآن. وهو لا يفتأ متنقلاً بين المدن والمناطق اللبنانية، بل وخارج لبنان إلى بعض الدول العربية والعالمية، ليلتقي بأتباعه هنا وهناك من خلال دروس في علم الكلام، وإجازتهم على الطريقة الرفاعية، والأخطر من ذلك جهده الدؤوب، وحرصه الأكيد على تفريق كلمة المسلمين، وتشتيت شملهم، بمحاربة دعاة الإصلاح والعلماء الربانيين، والجماعات المخلصة العاملة في حقل الدعوة في أي مكان نزل فيه. ويبالغ أتباعه المسمَّوْن بالأحباش في التعريف به فيغالون في علمه ووصف سيرته ومكانته، كوصفهم له بأنه العالم الجليل، قدوة المحققين، وعمدة المدققين، صدر العلماء العاملين، الإمام المحدِّث، التقي الزاهد، الفاضل العابد، صاحب المواهب الجليلة ... إلخ. وقد أوضح الباحث أن هذه الهالة التي نسجها تلاميذ الحبشي حول شيخهم خرافة زادت من خداع الناس ووهمهم بشخصيته، وهم لا يفضلون تسميتهم بالأحباش، ويفضلون أن يسموا بأتباع الجمعية (أي جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية) . وتعرض الباحث للحديث عن نشأة الفرقة، وظروف تأسيسها وأنشطتها المختلفة: السياسية، والتعليمية، والاجتماعية، والإدارية، والتنظيمية، والإعلامية. أما عن الجهة التي تدعم الأحباش وتمولهم، فهناك احتمالات متعددة عرض الباحث لبعضها من خلال ما يكتب في الصحف والمجلات ومن خلال مقابلاته لبعضهم إبان زيارته للبنان. ١ - ثم عرض الباحث لآراء الأحباش الاعتقادية وفنَّدها ورد عليها. فالمعروف أن عبد الله الحبشي يحاول أن يتدثر بمنهج المتكلمين في العقيدة، وقد تَجَمَّع في هذه الطريقة ما تفرق في غيرهم من الفرق الضالة من شر وبلاء، حيث تبنوا ما عند غيرهم من انحرافات، كالخوارج، والجهمية، والمرجئة، والصوفية، والجبرية، والقبورية، تحت دثار المذهبية الفقهية، والأشعرية، بل إن فيهم تأثراً ملحوظاً بالعلمانية. ثم عرّج الباحث على آثار الأحباش على الأمة المسلمة في إفساد عقائدها وتفريق كلمتها، وفتاواهم الفقهية الشاذة المضللة سواء منها ما يتعلق بالعبادات، أو المعاملات، أو الأخلاق، أو المرأة، إضافة إلى آثارهم على تراث الأمة والدعوة الإسلامية. وأخيراً يقال: إن الخطورة في جماعة الأحباش لا تكمن في تدثرهم بقضايا علم الكلام، وتشدقهم بالمذهبية، أو تبنيهم للصوفية فحسب (فهذا واقع موجود في طول العالم الإسلامي وعرضه عبر تاريخه المديد) بل الخطورة في استعانتهم بالسلطات الرسمية لتحقيق أغراضهم الدنيئة؛ فهم يقفون دائماً في جانب وباقي أهل السنة في جانب آخر، متهمين العاملين للإسلام بالإرهاب، والأصولية، وهذا ما يشير بقوة إلى التشكيك في نوايا هذه الجماعة، والجهات التي تدعمها، ممن يتربص بالإسلام وأهله في كل مكان. وقد حصل صاحب هذه الرسالة على تقدير (ممتاز) مع التوصية بالطبع والتداول بين الجامعات. * ومن الإصدارات البارزة في مجال الفرق والمذاهب الفكرية المعاصرة: ١ - أهل السنة والشيعة بين الاعتدال والغلو تأليف: أبي الفتوح عبد الله بن عبد القادر التليدي. الناشر: مطبعة أسبارطيل: طنجة - المغرب. عدد الصفحات: ٢٣٨. ٢ - الحركة القرمطية في العراق والشام والبحرين وأهميتها التاريخية تأليف: طادروس طراد. الناشر: دار عشتروت للنشر: سوريا. عدد الصفحات: ٤٢٥. ٣ - ضحايا النشاط الشيعي الإمامي أو الاستنساخ العقدي، التيجاني السماوي نموذجاً تأليف: الزبير أبو سليمان. الناشر: دار طوب بربس: الرباط - المغرب. عدد الصفحات: ١٨٦. ٤ - العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة تأليف: عبد الوهاب المسيري. الناشر: دار الشروق: القاهرة - مصر. عدد المجلدات: ٢. * خامساً: من أبرز الكتب التي صدرت في مجال مقارنة الأديان: - البحث الصريح في أيِّما هو الدين الصريح تأليف: زيادة بن يحيى الراسي «من علماء القرن الحادي عشر الهجري» . تحقيق ودراسة: سعود بن عبد العزيز الخلف. الناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، السعودية. عدد المجلدات: ١. عدد الصفحات: ٣٦٠. مقاس الكتاب: ١٧ × ٢٤. التصنيف: الديانات / الدين المقارن وأديان غير مسيحية / الدين المقارن. لا يجد أحدنا غرابة عندما يقرع سمعه خبر اهتداء ضال، أو إسلام يهودي، أو نصراني، أو وثني، بسبب أن الإسلام هو الدين الحق، ودين الفطرة، وقد جعل الله في هذا الدين من البينات والدلائل الواضحة ما على مثلها يهتدي البشر. وقد اهتدى بتلك الدلائل والبراهين أمم وأمم، فتح الله بصائرهم على النور والهداية، فتركوا الضلالة، وسلكوا سبيل الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة. والمهتدون للحق طوائف وأصناف شتى من الناس: منهم الرئيس والمرؤوس، والعالم وغير العالم، والحر والعبد، والذكر والأنثى، حتى عمَّ هذا النور والهدى أرجاء الأرض، ودخل الناس في دين الله أفواجاً. وكان من هذه الطائفة المهتدية مؤلف هذا الكتاب الشيخ زيادة بن يحيى النصبي الراسي، الذي كان فيما يظهر من رجال دين النصارى وذو علم فيهم، اتضح له الحق فأعلن إسلامه، وشرع يدعو إلى الله، ببيان محاسن الإسلام، وبطلان دعوة النصارى الزائفة، ومما وصلنا من جهده في ذلك كتابان: هذا الكتاب، وآخر بعنوان الأجوبة الجلية في دحض الدعوات النصرانية. وقد اهتم مؤلف الكتاب ﵀ بإبراز النقاط التي تدل على بطلان ديانة النصارى، كما أبرز أيضاً النقاط الأساسية التي تدل على صحة نبوة نبينا محمد ﷺ من كتبهم، مما تقوم به الحجة عليهم من كلامهم، وهكذا فقد كانت مباحث الكتاب كما أفاد المؤلف نفسه تشتمل على المباحث الآتية: الأول: بطلان دعوى النصارى بألوهية المسيح ﵇، وإثبات أنه نبي كسائر الأنبياء قبله من بني إسرائيل. الثاني: بطلان استدلال النصارى على ألوهية المسيح بالآيات التي كانت تظهر على يديه، وإثبات أنها آيات ومعجزات من جنس الآيات والمعجزات التي أجراها الله تعالى على أيدي الأنبياء قبله، بل أجرى الله تعالى على أيديهم آيات تفوق آيات المسيح، ولم تدل عند تلك الأمم على ألوهية أولئك الأنبياء الذين ظهرت على أيديهم المعجزات؛ فكذلك عيسى ﵇. الثالث: في رد مطاعن النصارى في النبي محمد ﷺ ، وبيان بطلان كلامهم، وأن الأنبياء قبل نبينا محمد ﷺ وقعت منهم أمور من جنس ما نسب للنبي وأبلغ منها. مثل تعدد أزواجه، وزواجه من زينب بنت جحش بعد طلاقها من زيد، وميله إلى الملاذ الجسدية، وقتله لأناس في أيام دعوته، ولم يُطعن في أولئك الأنبياء بسببها، فكذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. الرابع: في الأدلة الدالة على نبوة نبينا محمد ﷺ من التوراة والإنجيل، وأنه المقصود بكثير من الوعود المذكورة في كتب أهل الكتاب. الخامس: في الأدلة الدالة على تحريف التوراة والإنجيل من نصوص الكتابين مما يكون أصرح دليل على تحريفهما. وبعد ذلك أورد المؤلف خاتمة اشتملت على أهم النتائج التي توصل إليها من خلال بحثه. أما منهج المؤلف ومصادره، فقد سلك المؤلف ﵀ منهجاً استقرائياً استعرض فيه الأدلة الدالة على بطلان دعوى النصارى سواء في ألوهية المسيح، أو صحة التوراة والإنجيل، أو دعاويهم في نبينا محمد ﷺ . أما مصادره الإسلامية فأهمها القرآن الكريم، وفي التاريخ السيرة الحلبية، وفي إثبات أسماء النبي ﷺ كتاب دلائل الخيرات، أما مصادره النصرانية فأهمها العهد القديم والجديد، وفي القضايا التاريخية رجع المؤلف إلى مؤرخين يهود ونصارى أمثال: سعيد البطريق، ويوسيفوس اليهودي، ولا فجانيوس، وغيرهم؛ كما أنه رجع إلى قواميس وكتب يونانية وعبرية مما يشعر بمعرفته بكل من اللغتين. أما المحقق فقد قسم الكتاب إلى قسمين خصص القسم الأول منهما للدراسة وجعلها في فصلين: الأول: تعريف بالمؤلف: اسمه ومولده ونشأته ووفاته، إسلامه، علمه، مصنفاته. وأما الفصل الثاني: فكان عن دراسة الكتاب، تحدث فيه عن موضوع الكتاب، ووصف النسخ الخطية التي رجع إليها المحقق، وعمله في التحقيق، والرموز المستخدمة. أما القسم الثاني من الكتاب فقد خصصه المحقق لتحقيق النص، وفي آخره أعد الفهارس الفنية المطلوبة. وهناك ملاحظات جديرة بالتنويه مع أنه ما من أحد إلا ويؤخذ من كلامه ويترك إلا رسول الله ﷺ ومنها: ١ - ركاكة الأسلوب مما يشعر أن المؤلف لم يتعلم العربية إلا في سن متأخرة. ٢ - كثرة الأخطاء اللغوية. ٣ - بعض الأخطاء العلمية: أ - كقوله: إن الخلق خلقوا لأجل نبينا محمد ﷺ (ص٨٨) مع أن هذا لم يثبت شرعاً، فضلاً عما فيه من الغلو. ب - وقوله: إن كتاب دلائل الخيرات (وهو من تأليف محمد بن سليمان الجزولي الشاذلي المتوفى سنة ٧٨٠هـ، وهو كتاب أدعية وصلوات على النبي ﷺ جمع فيه أسماء النبي ﷺ من الكتاب والسنة (ص١٥٢) ، مع أن كثيراً من الأسماء التي ذكرها للنبي ﷺ لا دليل عليها من الكتاب والسنة. ٤ - كثرة الحواشي، وهل هي للمؤلف أم لغيره؟ مع أن هذه الحواشي مدخلة في صلب المتن، ويفصل بينها وبين المتن كلمة حاشية، وأيضاً فإن لغة هذه الحواشي ركيكة سواء كانت للمؤلف أم لغيره. والله أعلم. * ومن الإصدارات البارزة في مجال مقارنة الأديان: ١ - الأبعاد السياسية للحوار بين الأديان: الحوار الإسلامي المسيحي نموذجاً تأليف: سامر رضوان أبو رمان. الناشر: دار البيارق: عمان - الأردن. عدد الصفحات: ٢٢٢. ٢ - تلفيق صورة الآخر في التلمود (يسوع المسيح، والعرب، والمسيحين، والأميين) تأليف: زياد منى. الناشر: قدمس: دمشق - سوريا. عدد الصفحات: ٣٠٣. ٣ - حقوق الإنسان في الأديان السماوية تأليف: عبد الرزاق رحيم صلاَّل الموحي. الناشر: دار المناهج: عمان - الأردن. عدد الصفحات: ٢٩٢. ٤ - القرآن والتوراة أين يتفقان وأين يختلفان؟ تأليف: حسن الباش. الناشر: دار قتيبة: دمشق - سوريا. عدد المجلدات: ٢. ٥ - المسيحية بين التوحيد والتثليث وموقف الإسلام منها تأليف: عبد المنعم فؤاد. الناشر: مكتبة العبيكان: الرياض - السعودية. عدد الصفحات: ٣٧٠. ٦ - المسيحية (النصرانية) دراسة وتحليل تأليف: ساجد مير. الناشر: دار السلام: الرياض - السعودية. عدد الصفحات: ٣٨٤. ٧ - المسلمون والمسيحيون تحت الحصار اليهودي تأليف: أحمد حسن صبحي. الناشر: مكتبة مدبولي: القاهرة - مصر. عدد الصفحات: ٢٥٣. ٨ - نشأة الصهيونية وآثارها الاجتماعية تأليف: م. كافوري. الناشر: مكتبة الثقافة الدينية: القاهرة - مصر. عدد الصفحات: ١٢٤. ٩ - اليهودية بين حضانة الشرق الثقافية، وحضانة الغرب المسيحية تأليف: عفيف فراج. الناشر: دار الآداب: بيروت - لبنان. عدد الصفحات: ٢٣٢. * سادساً: من أبرز الكتب التي صدرت في مجال الفقه: - أحكام الإجهاض في الفقه الإسلامي تأليف: إبراهيم بن محمّد قاسم بن محمد رحيم. الناشر: مجلة الحكمة: ليدز - بريطانيا. عدد الصفحات: ٨٣٦. مقاس الكتاب: ١٧ × ٢٤. تصنيف الكتاب: فقه / أحكام خاصّة. هذه رسالة جامعيّة علميّة، تُعنى بالتأصيل الشرعيِّ لمسألةٍ من نوازل العصر، تعتبر من أهم المسائل وأحوجها إلى الدّراسة العلميّة المتأنية، المنضبطة بضوابط الشرع، مع المزاوجة بينه وبين ما توصّل إليه العلم النظري الحديث في المسائل ذات الصّلة؛ لمحاولة إصابة الحق في المسائل المطروحة. تتبيّن خطورة هذه المسألةِ، وضرورة جمع أحكامها، وبيان موقف الشّرع إزاءها، من نواحٍ عدّة منها: ١ - تعلقها بحفظ بعض الضرورات الخمس المتفق على حفظها، وتحريم ما يؤدي إلى فسادها، في سائر الشرائع السّماوية. ٢ - أن الإجهاضَ أمر قد شاع وانتشر في أكثر بلدان العالم، نتيجة غياب الدين عن حياة كثير من النّاس، مِمّا ساعد على انتشار الزنا، واضطراب القيم، والبحث عن حياة المتعة، والترف، واللهو، حتى بلغ عدد حالات الإجهاض عام (١٤٠٤هـ - ١٩٨٤م) خمسين مليون حالة، أكثرها في البلاد النّامية، يتبع ذلك وفيات كثيرة للأمهات المجهضات، مِمّا جعل البعض يرى أنّ الحل يكمن في فتح باب إباحة الإجهاض المطلق أمام من يريده. ٣ - أن موضوع الإجهاض يهم المجتمع بأسره، بدءاً بأفراد المجتمع المكوّن في أصله من الزوجين المعرّضين بحكم الطبيعة الفطريّة إلى نزول هذه النازلة بساحتهما ومن ثم معرفة حكم الشرع فيها. ويهم الموضوع الأطباء، بحكم طبيعة مهنتهم، كما يهم علماء الفقه، والمفتين والقضاة؛ لكثرة ما يعرض لهم من حوادث الإجهاض، الواقعة، أو المتوقعة، كما يهم علماء النفس والاجتماع، وغيرهم. ٤ - ومِمّا يبيّن أهمية الموضوع والكتاب أنّ ما كتب في موضوع الإجهاض بشكل عام لم يتعرّض له من جوانبه المختلفة، خاصةً الشرعية منها، فبات الموضوع بحاجةٍ إلى تفصيل أحكامه، وبيان وسائله، ودوافعه، وآثاره، والنظر في مستجداته، بحثاً ودراسةً وتأصيلاً. عالج المؤلف في هذا الكتاب موضوع الإجهاض ومسائله، لامّاً شتاتها، مبيّناً أحكامها بعبارةٍ علميّة سهلةٍ راقية، يوضح فيها كلام أهل العلم، ودلائلهم، والإيرادات عليها، مع الإجابة عمّا يمكن الإجابة عنه، وصولاً إلى ما يترجح عنده دليلاً ونظراً. وقد جاء بحثه في تمهيد وفصلين وخاتمة؛ اشتمل التمهيد على مباحث أربعةٍ، بين المؤلف في أولها مراحل تكوّن الجنين في بطن أمه، وهي: مرحلة النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم مرحلة تكوُّن العظام واللحم. وفي ثانيها ذكر بعض الأحكام الشرعيّة الدّالة على محافظة الإسلام على الجنين كإباحته الفطر في رمضان للحامل من أجل حملها، ونحو ذلك. ثم بين في المبحث الثالث ماهية الإجهاض والإسقاط في اللغة والاصطلاح، مع ذكر موازنة بينه وبين الألفاظ المقاربة. وفي المبحث الرابع ذكر تأريخ الإجهاض باعتباره وسيلةً من وسائل تحديد النسل، مع ذكر أقدم حالات الإجهاض المذكورة في التأريخ، وأحكام الإجهاض في القوانين المختلفة، والواقع المعاصر، والمؤتمرات الدّولية المعقودة لبحثه. وفي الفصل الأول: بين المؤلف أحكام الإجهاض من حيث دوافعه، ووسائله، ووقته. ثم بيّن المؤلف أحكام الإجهاض من حيث وسائله، وقسمه قسمين: الأوّل: الوسائل المباشرة، عن طريق العمليات الجراحيّة، أو الوسائل غير الجراحيّة. والثاني: الوسائل غير المباشرة. ثم بيّن المؤلف أحكام الإجهاض من حيث: وقته، فتحدّث عن حكمه قبل مرور أربعين يوماً، وفيما بين أربعين يوماً وأربعة أشهر، وبعد مرور أربعة أشهر. وفي الفصل الثاني: تحدّث المؤلف عن الأحكام المترتبة على الإجهاض فبيّن أحوال الجنين عند الإجهاض، وماهيّة المسؤولية الجنائية، وأحكامها، والجهات التي يمكن أن تقع عليها مسؤولية الإجهاض كالطبيب والأم وغيرهما كالزوج، والمفزع، والآذن في الإجهاض، مع بيان تبعات المسؤولية الجنائية: (القصاص في الإجهاض، أو ما يقوم مقامه من التعزير والأدب) . كما تعرّض المؤلف لأحكام المسؤولية الماليّة، كالأجرة عند حدوث الإجهاض، والدّية اللازمة بسبب الإجهاض، وأحكام المسؤولية العلاجيّة، كإجراء التجارب العلميّة على المجهض الميت من تشريح وغيره. وأخيراً بين المؤلف الحقوق الذاتيّة للمجهض الميت، كأحكام الصلاة عليه، وتغسيله، وتكفينه ودفنه، وإرثه، والإرث منه، ونحو ذلك. ثم ختم المؤلف كتابه بتلخيص لأبرز نتائج بحثه، وتوصياته ومقترحاته. ألحق ذلك بملحق فيه صور مراسلاته لبعض العلماء وذوي الاختصاص من الأطباء ونحوهم، والمجاميع العلمية، وردودهم. ونشير هنا أيضاً إلى رسالة علميّة تعالج الموضوع ذاته عنوانها: «الإجهاض بين الشرع والقانون والطب» للباحثة: فتحية مصطفى عطوي، وتبدو أهميتها في عرض المذاهب والتي شملت إضافة إلى المذاهب الأربعة السنيّة المشهورة، مذهب الظاهرية، والإباضية، والزيدية، والشيعة الإماميَّة، ولا شك أنّ توارد الأنظار الفقهيّة على مسألةٍ ما يزيد مساحة الفهم والإدراك لحقائق مآخذها الشرعيّة. كما نجد في رسالة الباحثة أيضاً عنايتها بذكر أحكام القوانين الوضعيّة الغربية منها والعربية، والتي بُلِيَ بها العالم بأسره - إلا من رحم ربك - في بعض مسائل الإجهاض. وقد صَدَرت هذه الدارسة عن مطبعة صادر، ببيروت، وكانت طبعتها الأولى عام ٢٠٠١م. * ومن الإصدارات البارزة في مجال الفقه وقواعده: ١ - الأحكام الشرعية والقانونية للتدخل في عوامل الوراثة والتكاثر تأليف: السيد محمود عبد الرحيم مهران. الناشر: المؤلف نفسه (مصر) . عدد الصفحات: ٧٠٠. ٢ - أحكام المشاع في الفقه الإسلامي تأليف: صالح بن محمد بن سليمان السلطان. الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية: الرياض - السعودية. عدد الصفحات: ١٥٤٢. عدد الأجزاء: ٢. ٣ - أسباب انحلال العقود الماليّة تأليف: عبد الرحمن بن عايد بن خالد العايد. الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية: الرياض - السعودية. عدد الصفحات: ٦٥٦. ٤ - التقويم في الفقه الإسلامي تأليف: محمد بن عبد العزيز بن إبراهيم الخضير. الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة: الرياض - السعودية. عدد الصفحات: ٥٨٨. ٥ - العادة مُحكَّمة: دراسة نظريَّة تأصيليّة تطبيقيّة تأليف: يعقوب بن عبد الوَهّاب الباحسين. الناشر: مكتبة الرشد: الرياض - السعودية. عدد الصفحات: ٢٧٦. ٦ - عقد الزواج بالكتابة عن طريق الإنترنت (دراسة فقهيّة وقانونية) تأليف: خالد محمود طلال حمادنة. الناشر: دار النفائس: عمان - الأردن. عدد الصفحات: ١١٥. ٧ - القواعد والضوابط الفقهيّة للمعاملات الماليّة عند شيخ الإسلام ابن تيمية تأليف: عبد السلام بن إبراهيم بن محمد الحصيّن. الناشر: دار التأصيل للبحث والترجمة والنشر والتوزيع: القاهرة - مصر. عدد المجلدات: ٢. عدد الصفحات: ١٠٦٤. ٨ - منهج كتابة الفقه المالكي بين التجريد والتدليل تأليف: بدوي عبد الصّمد الطاهر الصالح. الناشر: دار البحوث للدّراسات الإسلاميّة وإحياء التراث: دبي - الإمارات العربيّة المتحدة. عدد الصفحات: ٢٥٤. ٩ - الهندسة الوراثية بين معطيّات العلم وضوابط الشرع تأليف: إياد أحمد إبراهيم. الناشر: دار الفتح للدّراسات والنشر: عمان - الأردن. عدد الصفحات: ٢١٣. ١٠ - الولاية في النكاح تأليف: عوض بن رجاء العوفي. الناشر: عمادة البحث العلمي: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. عدد المجلدات: ٢. عدد الصفحات: ٨٧٨. * سابعاً: من أبرز الكتب التي صدرت في مجال أصول الفقه: - القواعد تأليف: علي بن محمد بن علي البعلي (ابن اللّحام) (ت٨٠٣هـ) . تحقيق: عايض بن عبد الله الشهراني، ناصر بن عثمان الغامدي. الناشر: مكتبة الرشد: الرياض - السعودية. مقاس الكتاب: ١٧ × ٢٤ سم. التصنيف: أصول الفقه / استنباط / قواعد أصولية شرعية. هذا كتابٌ من الكتب المهمّة في علم تخريج الفروع الفقهيّة على الأصولِ، ذلك العلم الذي يُعنى بإبراز الثمرات الفقهيّة المترتبة على القواعد الأصوليّة، مزج فيه مؤلفه القواعد الأصوليّة بفروعها الفقهيّة، واهتم فيه بالجانب التطبيقي لعلم أصول الفقه اهتماماً بالغاً، بذكر القواعد الأصوليّة ووجهات نظر علماء الأصول حيالها من مختلف المذاهب، متبعاً ذلك بذكر الفروع المتعلقة بها، معتنياً في هذه الجزئية خاصة بذكر أقوال الإمام أحمد ورواياته وأقوال أصحابه في هذه الفروع الفقهيّة مع الترجيح أحياناً، ونقد ما يرى المؤلف استحقاقه للنقد. وقد قسم المؤلف كتابه هذا إلى قسمين: ضمّ القسم الأول من الكتاب (٦٦) قاعدة أصوليّةً، مع فروعها الفقهيّة. أما القسم الثاني فيضم ثلاث فوائد ملحقة، تعتبر من الضوابط الفقهيّة. أولها: تتعلق بالقائف: هل هو كحاكم أو شاهد؟ ثم ذكر ثلاثة فروع انبنى الخلاف فيها على الخلاف في المسألة السابقة. ثانيها: حكم من غصب جارية ووطئها عالماً بالتحريم. ذكر فيها فروع هذه المسألة وأحوالها، ثم ذكر فيها ثلاثة تنبيهات، وضابطاً في باب الضمان. ثالثها: فائدة في مسألة الظَّفَر، (وهي أخذ الشخص ماله أو حقه من شخص منعه منه إذا قدر عليه بغير حكم حاكم) بيّن خلاف العلماء فيها، وما الذي يترتب على ذلك من القول: بالجواز، أو التحريم، وعلى القول بالجواز هل ذلك عام أم خاص ببعض الأموال والأحوال؟ رتب المؤلف قواعد الكتاب وموضوعاته الأصولية على الترتيب الأصولي المعروف على طريقة المتكلمين: - فبدأ ببعض مقدمات أصول الفقه، وهي تعريف الفقه. - ثم انتقل إلى بحث مسائل: التكليف وبين شروطه، وما يترتب على تلك الشروط من خلاف في تكليف الناسي، والمغمي عليه، والسكران، والكافر، والمكره، وغير ذلك. - ثم انتقل إلى حكم الشرعي: فتناول بعض أنواعه كالواجب والفرض، وأقسام الواجب، ومقدمة الواجب، والبطلان، والفساد، والعزيمة، والرخصة وغيرها. - ثم انتقل إلى المباحث اللغوية: فتناول مسألة ثبوت اللغة قياساً، ثم بحث أنواع المجاز وما يتعلق به من مسائل، ثم انتقل إلى حكم تعارض المجاز مع الاحتمال، ثم ذكر قاعدة المشتق. - وبعد ذلك عقد فصلاً: في تفسير حروف تشتد الحاجة إلى معرفتها، تناول فيها بعض حروف العطف، والحصر، والغاية. - ثم انتقل بعد ذلك إلى دليل الكتاب: فبحث مسألة الكلام، والقراءة الشاذة وحكم لزوم الناسخ قبل العلم به. - ثم عقد فصلاً: في الأوامر والنواهي، تناول فيه ثلاثاً وثلاثين قاعدة وفائدة ومسألة بل أكثر من ذلك في بابي: الأمر والنهي. - وبعد الانتهاء من هذا الفصل الكبير عقد فصلاً آخر مثله: في العموم والخصوص بحث فيه صيغ العموم، كالمفرد المحلى بالألف واللام، والنكرة في سياق النفي، وغيرها، ثم بحث بقية مسائل العموم، مثل: المتكلم هل يدخل في عموم الخطاب؟ والعبيد هل يدخلون في مطلق الخطاب؟ ودلالة العام على أفراده، وغيرها. - ثم بدأ في مخصصات العموم فبحث: الاستثناء، والشرط، والغاية، والصفة، وغيرها. - ثم انتقل إلى المطلق والمقيد: فعرفهما، ثم ذكر صورهما، وبعض مسائلهما. - ثم جعل قاعدة كبيرة للمفهوم: عرفه فيها، وبيّن قسميه: وهما مفهوم الموافقة، ومفهوم المخالفة، ثم بيّن أنواع مفهوم المخالفة، وذكر بعد ذلك شروط العمل بمفهوم المخالفة، وتخصيص العموم بالمفهوم. - وختم القواعد بقاعدة تضم: إجماع الخلفاء الراشدين، وحكمه، وقول الصحابي وحجيته، وأقسامه، ثم قول التابعي وأقسامه وحجيته، ثم تناول تفسير الصحابي وتفسير التابعي، والحكم فيما: إذا اختلف التابعون في مسألة: هل يجوز لغيرهم الدخول معهم في الاجتهاد أم لا؟ ولم يكن من منهج المؤلف استيفاء جميع الموضوعات الأصولية في كتابه القواعد، وإنما ذكر كثيراً منها مما يتخرج عليه مسائل فقهية، وقد ضمَّن المؤلف كثيراً من قواعد الكتاب طائفة من الفوائد والتنبيهات التي يمكن أن نعتبرها كضوابط وقيود وشروط للقاعدة الأم. وقد حققت هذه الطبعة، تحقيقاً علميّاً راقياً؛ استوفى فيه المحققان أركان التحقيق الجيّد، مع ما قدّماه من دراسةٍ علميّة للكتاب شملت فصلين، أولهما فيه الحديث عن عصر المؤلف وحياته الشخصيّة والعلميّة، والثاني: فيه وصف النسخ الخطيّة للكتاب، وتحقيق اسمه ونسبته لمؤلفه، مع ذكر منهجه فيه، وعقد مقارنة بينه وبين كتاب آخر للمؤلف في أصول الفقه اسمه (المختصر) . يليها تقويم المحققين لهذا الكتاب، وبيان بعض مصطلحات الحنابلة التي استخدمها المؤلف فيه، ثم أتبعا ذلك بذكر نص الكتاب محققاً. وقد صنع المحققان فهرساً عاماً نافعاً، جاء في مجلدٍ لطيفٍ، أتّما به عملهما، وقرّبا فائدته لمبتغيها. * ومن الإصدارات البارزة في مجال أصول الفقه: ١ - أصول الفقه الإسلامي تأليف: شاكر بك الحنبلي. الناشر: المكتبة المكية للنشر والتوزيع: مكة المكرمة - السعودية. عدد الصفحات: ٤٢٩. ٢ - إعلام الموقّعين عن ربّ العالمين تأليف: محمد بن أبي بكر الزرعي الشهير بابن قيّم الجوزية. تحقيق: مشهور حسن آل سلمان. عدد المجلدات: ٧. ٣ - طرق الكشف عن مقاصد الشّارع تأليف: نعمان جغيم. الناشر: دار النفائس للنشر والتوزيع: عمان - الأردن. عدد الصفحات: ٣٩٢. ٤ - فقه الموازنات بين النّظرية والتطبيق تأليف: ناجي إبراهيم السويد. الناشر: دار الكتب العلمية: بيروت - لبنان. عدد الصفحات: ٣٢٠ ٥ - كشف الساتر شرح غوامض روضة النّاظر تأليف: محمد صدقي بن أحمد بن محمد البورنو. الناشر: مؤسسة الرسالة: بيروت - لبنان. عدد المجلدات: ٢. ٦ - منار أصول الفتوى وقواعد الإفتاء بالأقوى تأليف: إبراهيم بن إبراهيم بن حسن اللقاني المالكي. حققه وقدم له: عبد الله الهلالي. الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: الرباط - المغرب. عدد الصفحات: ٤٨٣. ٧ - مصادرُ التشريع وطرق استثمارها عند الإمام الفقيه المجتهد: علي بن أحمد (ابن حزم الظاهري) تأليف: أبي الطيب مولود السريري. الناشر: دار الكتب العلمية: بيروت - لبنان. عدد الصفحات: ١٨٣. ٨ - النقص من النّص تأليف: عمر بن عبد العزيز الشليخاني. الناشر: مكتبة أضواء السلف: الرياض - السعودية. عدد الصفحات: ٣٩٦. * ثامناً: من أبرز الكتب التي صدرت في مجال السيرة النبوية: - السيرة النبوية في الصحيحين وعند ابن إسحاق تأليف: سليمان بن حمد العودة. الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع: الرياض - السعودية. عدد الصفحات: ٤٣٨. مقاس الكتاب: ١٧ × ٢٤. التصنيف: السيرة النبوية / عصر مكي. لقد أخذ التأليف في السيرة في مراحله الأولى جانب جمع الروايات مشفوعة بالإسناد غالباً وكانت هذه الروايات جمعاً لأحداث السيرة دون تمحيص دقيق يكشف الصحيح منها والضعيف، إذ لم يشترط أصحابها الصحة فيما يجمعون، ولعل معرفة الناس في تلك العصور بالإسناد وأحوال الرواة جعلتهم يكتفون بذكر الحادثة مسندة ليستدل الناس بإسنادها على صحتها أو ضعفها. وحيث لم تعد المعرفة بالرجال وأنواع الأسانيد من أسس الثقافة في القرون المتأخرة، بل يندر أن تجد من يهتم بذلك من مثقفي هذا العصر، فقد جاءت كتابات المعاصرين من أهل التاريخ خلواً في الغالب من تمييز الروايات وفق قواعد الحدثين. وإذا كان بالإمكان تلمس العذر للخلاص من هذا المنهج النقدي في أحداث التأريخ الإسلامي في عصوره المتأخرة، فليس ثمة عذر في عدم الإفادة من هذا المنهج في أحداث التأريخ الإسلامي في عصوره المتقدمة بشكل عام، وفي أحداث السيرة بشكل خاص، وذلك لتوفر الإسناد؛ وإن كان ذلك يحتاج إلى جهد وإلى نوع من التخصص يستطيع المتضلعون فيه الحكم على الروايات، لكن ذلك لا يعفي غيرهم من التبعة في هذا المجال. إن التوجه إلى توثيق نصوص السيرة مطلب ملح تفرضه طبيعة الرسالة الخاتمة، وهو ضرورة تقتضيه المنهجية الحقة التي تميز صحيح الأخبار من معلولها قبل أن تستخرج العبر والدروس منها. ولقد مرت على الباحثين والمختصين في حقل التاريخ الإسلامي سنون دون أن يفيدوا من كتب السنة الفائدة المرجوة، ولا شك أنها تمثل مصدراً مهماً من مصادر التأريخ الإسلامي بشكل عام، وأحداث السيرة على الخصوص، وهي وإن كانت لا تقدم الحادثة في قالب كالذي تقدمه به كتب التأريخ لاختلاف طبيعة المنهج إلا أنها ربما رصدت حدثاً كان نصيبه الإهمال في المدونات التاريخية، وربما أوردته من مصدر آخر فزاد توثيق الخبر، وربما زادت عليه، أو أوضحت إشكالاً فيه، أو نحو ذلك، ولهذا فالبعد عنها وعدم الإفادة منها يبقي نتائج البحوث والدراسات ناقصة في هذا الميدان. ويأتي الصحيحان (صحيح البخاري، وصحيح مسلم) في الذؤابة من كتب السنة، فالإجماع منعقد على أنهما أصح الكتب بعد كتاب الله، وهما وإن اشترطا في تدوين الروايات بشكل عام عُلواً في الإسناد أسقطا بسببه كمّاً من الروايات التاريخية لا ترقى إلى هذا الشرط، فقد حفلا بنصوص كثيرة للسيرة، وجمع هذه الروايات ومن ثم الموازنة بينها وبين ما ساقه ابن إسحاق في السيرة يكشف نتائج طيبة أشار الباحث إلى بعضها في خاتمة البحث. ولهذه الأسباب وغيرها تبدو أهمية الموضوع، فهو ليس مجرد جمع وترتيب لوقائع السيرة في الصحيحين في العهد المكي مع ما لهذا من أهمية وليس مقارنة بين أحاديث بين الصحيحين وسيرة ابن إسحاق، وبيان المؤتلف والمختلف فيها فحسب - وهذه هي الأخرى لها أهميتها - وإنما تهدف الدراسة فوق هذا وذاك، إلى نقد النصوص التي يقع فيها التعارض والاختلاف وسبر أغوارها، وغالباً ما ينتهي ببيان ضعف إسنادها وسقوط الرواية من أصلها. وقد اعتمد الباحث في تدوين الأحداث على ما ذكره الشيخان أو أحدهما في صحيحيهما، واعتبر ذلك أصلاً ثم وزن ما جاء في سيرة ابن إسحاق بما في الصحيحين، وإذا كانت هذه الحادثة أو تلك لا توجد أصلاً في سيرة ابن إسحاق؛ أشار إلى أن ذلك زيادة حفلت بها نصوص الصحيحين دون ابن إسحاق، وعلى هذا فقد يرى القارئ أن ثمة أحداثاً أخر في العهد المكي - في سيرة ابن إسحاق - لم تذكر، فهذا سببه (أنه اعتبر ما في الصحيحين أصلاً) ، وعلى أي حال فلا يدّعي الباحث أنه أتى على الصغير والكبير واستوفى كل ما ورد في الصحيحين من أحداث السيرة، فقد يند عنه ما لم يكن في الحسبان مما يندرج في دائرة الخطأ والنسيان. * ومن الإصدارات البارزة في مجال السيرة النبوية: ١ - الإنصاف فيما وقع في تاريخ العصر الراشدي من الخلاف تأليف: حامد محمد خليفة. الناشر: دار النفائس: عمان - الأردن (توزيع) . عدد الصفحات: ٦٥١. ٢ - جامع السيرة تأليف: يسري السيد محمد. الناشر: دار الأندلس الخضراء: جدة - السعودية، دار الوفاء بالمنصورة - مصر. عدد الصفحات: ٤٦٨. ٣ - الدر الثمين في سيرة الأمين: سؤال وجواب. صياغة جديدة مختصرة للسيرة النبوية على طريقة السؤال والجواب تأليف: معيض بن عبد الله الزهراني. الناشر: دار طيبة الخضراء: مكة المكرمة - السعودية. عدد الصفحات: ٣٢٨. ٤ - سلوة الكئيب بوفاة الحبيب ﷺ تأليف: محمد بن عبد الله بن محمد القيسي المعروف بابن ناصر الدين الدمشقي. الناشر: دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث: دبي - الإمارات. عدد الصفحات: ٢٥٣. ٥ - محمد ﷺ كأنك تراه تأليف: عائض بن عبد الله القرني. الناشر: دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع: بيروت - لبنان. عدد الصفحات: ١٦٤.

стр. 4622

المنتدى من ثمرات المنتدى الإسلامي بين موسم وآخر.. تنضج الثمار.. لتصبح جاهزة للقطف وها نحن الآن نجدد اللقاء بكم - أيها القارئ الكريم - في جولة خلال موسم (ذو القعدة - ذو الحجة - محرم - صفر - ربيع الأول) لعام ١٤٢٣هـ - ١٤٢٤هـ؛ لترى ثمار مشاريعنا، وتستأنس بأخبار أعمالنا.. وثمارنا لم تكن وليدة وقتها، بل هي من شجرة كتب الله لها النماء منذ عام ١٤٠٦هـ إلى الآن، وهي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. وخلف هذه الإنجازات يقف رجال محسنون، يجودون بما في أيديهم ليقدموا لآخرتهم أعمالاً، ويقدموا للمحتاجين إحساناً. ونحن نلهج بالحمد والثناء - أولاً وآخرًا - لله ذي الفضل والعطاء، على توفيقه وتيسيره وتسديده، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.. في تشاد: نقلة نوعية للحلقات القرآنية من (٦) إلى (٦٠) إنهم يثنون ركبهم لتعلُّم القرآن وحفظه بكل جد ومثابرة ويحرصون أشد الحرص على إتمام حفظه في سنٍّ مبكرة.. قال تعالى: [وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ] (القمر: ١٧) . ويبقى القرآن الكريم الأقوى والأسرع تأثيرًا وتربية في النفوس , وتبصرة للعقول والأذهان.. ومن هنا.. أقام المنتدى الإسلامي حلقات تحفيظ القرآن، وأولاها اهتمامًا في التخطيط والتنفيذ والتطوير. وفي دولة (تشاد) مثلاً تم إضافة تنظيم جديد للحلقات؛ ليُصبح عدد الحلقات (٦٠) حلقة، ينضم تحتها (٢٠٠٠) طالب تقريبًا. وتجدر الإشارة إلى أن مجموع الحلقات في (غانا، نيجيريا، توجو) هو: (١٢٩) حلقة، يُدرَّس فيها (١٤٢) مدرس، وينتظم فيها (٣٤٠٢) طالب، وأتم (٧٥) طالب حفظ القرآن كاملاً، فلله الحمد والمنة. إسلام (٢٥) شخصًا لتأثرهم بمشروع الأضاحي قال تعالى: [وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ] (الحج: ٣٤) . وهذه الشعيرة العظيمة (ذبح الأضحية وإراقة الدماء على اسم الله) من أفضل القربات إلى الله وأجلَّها.. ولقد أولى المنتدى الإسلامي هذا المشروع أهمية وعناية خاصة؛ ليكون من المشاريع السنوية الثابتة، لما له من الأثر البليغ في نفوس الفقراء وبهذا.. فقد أتم المنتدى مشروع الأضاحي لعام ١٤٢٣هـ في (٢٦) دولة في إفريقيا وآسيا، وذُبح فيه (٤٩٥١) رأسًا من الأضاحي، واستفاد من المشروع (٦٥٠٩١) مستفيدا تقريبا من فقراء المسلمين، وعدد الذين أسهم المشروع في إسلامهم (٥٢) شخصًا؛ مما يعطي إشارة واضحة إلى ارتباط الجانب الدعوي جنباً إلى جنب مع الجانب الإغاثي. مقارنة الأديان.. دراسة ودراية نظَّم مكتب المنتدى الإسلامي بلندن دورة شرعية مكثفة لمدة ثلاثة أيام في (أسس مقارنة الأديان، وتاريخ الديانة النصرانية، وأبرز رجالاتها، ومذاهبها المعاصرة) ، وتم أيضاً دراسة مداخل الحديث مع أصحاب الملل الأخرى. وتبرز أهمية هذه الدورة للدعاة في الدول الغربية، خاصة في هذه الأيام، حيث إن الدعاة في أمسِّ الحاجة إلى تحضير الحجج الشرعية والعقلية، والتي تدحض بها الديانات الأخرى في سبيل إقناعهم بدخول الإسلام.. وهكذا فقد استفاد من هذه الدورة أزيد من (٤٠٠) شخص من الجنسين. (١٧٠) داعية في الحج يبصِّرون حجاج إفريقيا بدينهم ومناسكهم هذا المشروع (دعاة في الحج) المقام في حج عام ١٤٢٣هـ هو من أكثر المشاريع ميزةً وفائدة؛ لشرف المكان وشرف الزمان، ولكثرة الحجاج الذين توافدوا إلى بيت الله العتيق، وهم من أفضل الناس في بلادهم بما ضحوا من الغالي والنفيس للوصول إلى البقاع الطاهرة، ولكون الدعاة المشاركين من ذوي التميز العلمي والدعوي، ويعرفون جيدًا ألسنة قومهم وطبائعهم. ومن أهداف المشروع: تعليم الحجاج مناسك الحج وأحكامه، وتقوية إيمان الحجاج، وتعزيز بواعث تدينهم، وتحذيرهم من البدع والشركيات. وقد شارك فيه (٥٠) داعية من الخارج، و (١٢٠) داعية من الداخل؛ مما أضفى على المشروع القوة العلمية الشرعية خصوصًا في منسك مثل الحج فكانت أنشطة الدعاة حيوية ومفيدة للغاية، وتنوعت بين إلقاء الدروس والكلمات بمعدل (٢٥) كلمة ومحاضرة لكل داعية في المدينة ومكة والمشاعر، والإفتاء في المسائل التي تُشكل على الحجاج، وتقديم المساعدات والعون للضعفاء وكبار السن، أيضًا تقديم المساعدات والعون للضعفاء وكبار السن، أيضًا تقديم المساعدات المالية للمنقطعين من أبناء السبيل مما ترك أثرًا بالغًا في أنفسهم.. وفي هذا المشروع المبارك تم توزيع (١٩٠٠٠٠) نسخة من الكتب العربية والإنجليزية ذات الصلة بأحكام الحج أو بأركان الإسلام. وإجمالاً يمكن القول بأن هذا المشروع قد ترك انطباعًا إيجابيًّا في نفوس الحجاج الأفارقة؛ مما ساهم في تحقيق أكبر قدر ممكن من منافع الحج الإيمانية والعلمية والتربوية لدى هؤلاء الحجاج. الجامعات البريطانية وبشائر الدعوة تبنَّى مكتب المنتدى الإسلامي بلندن مشروع توزيع الحقائب الدعوية على الجامعات البريطانية، ويعد هذا من المشاريع الدعوية الرائدة، حيث يتم من خلاله دعوة طلبة الجامعات البريطانية، وتعريفهم بالإسلام، وقد تم والحمد لله تعالى. توزيع حقائب دعوية لـ (٢٢) جامعة على مستوى بريطانيا، يتركز معظمها في العاصمة لندن، وبذلك فمجموع ما تم توزيعه من الحقائب (٥٠٠٠) حقيبة، مع (١٠٠٠) نسخة مترجمة من القرآن الكريم، بالإضافة إلى مئات الكتب الدعوية الأخرى. كم يفرح الفقراء.. بقطرات من ماء؟! الماء عصب الحياة، ولا غنى للأحياء عنه، به قوام الكائنات، واستمرار نشاطها، وبانقطاعه تجف الأرض.. ويهلك الحرث والنسل ولذلك كان توفير الماء وتيسيره للأحياء عملاً عظيمًا، وثوابه جزيل عند الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حفر ماء لم يشرب منه كبد حرَّى من جن ولا إنس ولا طائر إلا آجره الله يوم القيامة» أخرجه ابن حبان في صحيحه (الإحسان) . من هذا المنطلق.. كان اهتمام المنتدى الإسلامي في تتبع أماكن حاجة الفقراء إلى الماء وحفر الآبار لهم، واستخراج الماء زلالاً نقيا ليعظم الأجر ويعم الخير، فلقد تم حفر محطة توليد المياه، و (٣١) بئرًا في السودان وتشاد ومالي ليصبح مجموع الآبار التي حفرها المنتدى (٨٤٥) بئرًا، ولله الحمد والمنة. قسيس في تشاد نصَّر (٣٧) قرية.. يُسلم على يد دعاة المنتدى «أسأل الله أن يوفقني.. فيمن دعوتهم إلى النصرانية أن أدعوهم إلى الإسلام..» هذا جزء مما قاله هذا القسيس التشادي الذي أسلم على يد دعاة المنتدى قبل حج عام ١٤٢٣هـ بأسبوعين فقط، ثم أدَّى فريضة الحج وعيناه لا تجفان من دموع الفرحة والخشوع، قصة إسلام هذا القسيس كانت ضربة في وجه الكنيسة الإيطالية، فقد كان هو الرجل الثاني في هذه الكنيسة في تشاد؛ أي نائب القس الإيطالي في منطقته، ودعمته الكنيسة لمدة (٢٣) عامًا وهو يدعو للنصرانية في أدغال إفريقيا، وقد نصَّر (٣٧) قرية، ولكن الله يهدي لنوره من يشاء، فقد حرص دعاة المنتدى في تشاد على دعوته وتوضيح الإسلام له بالصورة الصحيحة، وفعلاً.. بدأ الرجل يفكر كثيرًا، حتى قرر في بداية الأمر أن يُرسل ابنه فلذة كبده إلى دعاة المنتدى ليُسلم ويعلموه الإسلام، ثم قرر القسيس في نهاية الأمر أن يرفع سبابته إلى السماء.. ليُعلن الوحدانية لله.. وينطق بالشهادة فيصبح داعية للإسلام بعد أن كان داعية للنصرانية، نسأل الله أن يثبته بالقول الثابت في الدنيا والآخرة. قافلتان دعويتان في بنجلادش و (٣) في تشاد دعوة الناس إلى الخير وهدايتهم إليه يعتمد نجاحه - بعد توفيق الله - على قوة الوسائل والآليات المستعملة في تبليغ هذه الدعوة.. قال تعالى: [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي] (يوسف: ١٠٨) . وعلى أساس هذا.. فلا يزال المنتدى الإسلامي يُسيِّر القوافل الدعوية الإغاثية في القرى والأماكن النائية التي تشكو الفقر والجهل، والتي في الغالب إن أُهملت كانت ضحية البعثات التنصيرية أو الفرق المنحرفة. وقد تم تنفيذ قافلتين دعويتين إغاثيتين في دولة بنجلادش. كان عدد المستفيدين منها (٩٣٩٩) شخصًا، كما أقام المنتدى أيضًا (٣) قوافل دعوية إغاثية أخرى في دولة تشاد. ويقوم على هذه القوافل دعاةٌ متمرسون على الدعوة، ويدعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة؛ مصطحبين معهم الطعام واللباس والدواء، وهذا يُساهم إيجابًا في تأثر المدعوين واستفادتهم القصوى بما يُعرض عليهم. المنتدى الإسلامي وعمارة بيوت الله المسجد نقطة الانطلاقة الكبرى للدعوة الإسلامية، فها هو ذا الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكد يستقر في المدينة حتى أسس مسجد قباء , ثم بعده بقليل المسجد النبوي، وما هذا إلا لأهمية المساجد في تبليغ شرع الله، وترسيخ مفهومات الإسلام على الوجه التطبيقي. قال - تعالى -: [فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ] (النور: ٣٦) الآية.. وعليه.. كان لزامًا على المنتدى الإسلامي أن يهتم ببناء المساجد، وأيضًا عمارتها العمارة الحسية والمعنوية، فقد وفق الله المنتدى إلى بناء (٦) مساجد، يرفع منها صوت الأذان مجلجلاً في الآفاق. في كل من: (دولة اليمن، الفلبين، غانا، السودان، مالي) ليصبح مجموع ما قد بناه المنتدى (٤٩٩) مسجدًا. قال ﷺ : «من بنى مسجدًا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتًا في الجنة» راوه البخاري ومسلم. جناح المنتدى يتألق في معرض كن داعيًا شارك المنتدى الإسلامي في المعرض الرابع لوسائل الدعوة إلى الله (كن داعيا) والذي أقيم في منطقة القصيم خلال الفترة من ٢٢/١ - ٢/٢/١٤٢٤هـ، وهدف مشاركة المنتدى في مثل هذه المعارض: التعريف بالمؤسسة وأنشطتها، وإبراز وسائل الدعوة الفعَّالة التي يطبقها المنتدى في مكاتبه المنتشرة في (١٥) دولة، وتميَّز جناح المنتدى بتشكيل الجناح على النمط الإفريقي الذي يحكي وجود المنتدى في القارة الإفريقية؛ إضافة إلى استضافة أحد معلمي القرآن في مالي، والذي يُدرِّس لأكثر من (٣٠٠) طالب بالطريقة البدائية (الكتابة على الألواح) ، وقد حفظ (٥٥) طالبًا القرآن كاملا على يد هذا المعلم بهذه الطريقة، كذلك استضاف المنتدى سلطانين وأحد القساوسة سابقًا.. وجميعهم من تشاد. (والسلطان هو رئيس القبيلة في جنوب تشاد) والسلطان الأول يتبعه أكثر من (٧٠٠٠٠) نسمة، والسلطان الآخر هو أحد دعاة المنتدى ويتبعه أكثر من (٣٧٠٠٠) نسمة، بالإضافة إلى القسيس سابقًا في الكنيسة الإيطالية في تشاد الذي أسلم قبل الحج، ولقد كان الجناح حافلاً بالزوار، ولله الحمد والمنة، وذلك لتميزه في الشكل الخارجي والمضمون، وتم السحب على جوائز قدمها المنتدى، وهي: الجائزة الأول: رحلة دعوية لأحد مكاتب المنتدى في إفريقيا. الفائز هو (عبد الرحمن بن عبد المحسن الحربي) . الجائزة الثانية: جهاز حاسب آلي. والفائز هو (بندر بن عبد الله السعدون) . الجائزة الثالثة: رحلة عمرة إلى مكة المكرمة. والفائز هو (علي بن عبد الرحمن العليقي) . رسائل النجاح جديد الإصدارات من المنتدى الإسلامي في أحدث إصدار يتم إخراجه عن اللجنة التربوية بمؤسسة المنتدى الإسلامي في نموذج جديد، يهدف إلى ترسيخ المفهومات والمبادئ في حياة المسلم، هذا الإصدار يحمل اسم (رسائل النجاح) , وهو عبارة عن صفحات مقاس (٤٩×٣٣) ، فكرتها: جمل قصيرة مختارة من مقولات السلف أو المفكرين، مصحوبة بصورة رمزية معبرة، في طباعة ملونة راقية. يأتي هذا الإصدار ضمن الوسائل الدعوية والتربوية غير المباشرة التي تعنى بها المؤسسة، وتخاطب بها أطيافًا متعددة من المجتمع، في خطوة لاستثارة القناعات الداخلية وتوجيهها. جدير بالذكر أن الرسائل المذكورة هي الإصدار الأول من هذا النوع، ويُتوقع أن تطرح المؤسسة إصدارها الثاني قريبًا إن شاء الله في صورة مطوَّرة، وبخاصة في ظل الإقبال الكبير الذي حظيت به هذه الرسائل.

стр. 4623

الورقة الأخيرة الغرب يرتد عن قوانينه ! يحيى أبو زكريا [*] ظلّ الغرب وعلى مدى سنوات نهضته الشاملة يتباهى بشموليّة قوانينه وعدم تغيّرها تبعاً لتغيّر الحكومات والأنظمة كما هو شأن الدول العربية التي لا تعرف قوانينها ثباتاً وتتعرّض باستمرار للنسخ، وكان الغربيون يعتبرون أن استقرار قوانينهم هو السبب المباشر لتطورهم المستمر، ومن هذه القوانين المركزيّة ما له صلة بحقوق الإنسان واللجوء السياسي والإنساني في الغرب. وإلى وقت قريب كانت العواصم الغربية ترفض المساومة على قوانينها وخصوصاً عندما كان الأمر يتعلق بإلحاح الدول العربية في المطالبة بأشخاص مطلوبين لديها بتهم متعددة، وكانت العواصم الغربية تتذرّع بقولها إن الأدلة المقدمة من قِبَل الأجهزة الأمنية العربية واهية ولا ترقى البتّة إلى مستوى الدليل القاطع، وكانت تطالب بمزيد من البراهين والأدلّة، وكانت الأنظمة العربية تقدّم ملفات إنشائيّة أبعد ما تكون عن المستند القانوني، وكثيراً ما كانت بعض العواصم الغربية تدعي أنّ الأشخاص المشبوهين والمطلوبين وهي تطالب برؤوسهم أنّ هؤلاء ينتمون إلى الإسلام السياسي الذي يهدد الحضارة الغربية، وأنّ أصحاب هذا الطرح لو وصلوا إلى السلطة بأسلوب العنف فسوف يهددون الغرب ويقضون على العلمانيّة الغربيّة التي هي النموذج الرائع والمتميز في نظر النخب الحاكمة الراهنة في العالم العربي. ورغم هذه المقدمة والديباجة التي تعودت الأجهزة الأمنية العربية تقديمها لنظيراتها الغربية فإنها لم تكن كافية البتّة لإقدام الغرب على نسخ ثوابته وقوانينه والتفريط في من لاذوا به لاجئين - حسب مواثيق جنيف - لقضايا اللجوء التي وضعت سنة ١٩٥١م، ووافقت عليها كافة الدول الغربية التي رفعت راية حقوق الإنسان والاستماتة في الدفاع عن هذه الحقوق وقد تم بموجب هذه المواثيق تقسيم العالم إلى عالم ديموقراطي يرعى حقوق الإنسان، وعالم ديكتاتوري شمولي يلاحق الإنسان في كل تفاصيل حياته المعنويّة والماديّة. وبناءً عليه وقع انفصال كبير بين هذين العالمين، وباتت السياسات تصاغ في ضوء المبادئ المذكورة. ورغم المجهودات الدوليّة المبذولة في المحافل الدوليّة ومساعي دول محور الجنوب الذي كان على الدوام يتهم بالاستبداد لرأب الصدع بينه وبين العالم الحرّ الليبرالي المنافح عن حقوق الإنسان كما يزعم؛ إلاّ أنّ أي تقارب لم يتحقق، بل إنّ الفجوة ازدادت اتساعاً بين المحورين إلى أن وصلت إلى إيصال حاكم بلغراد الأسبق ميلوسوفيتش إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي هولندا وهو محسوب على محور الديكتاتورية، بينما ظلّ أرييل شارون رئيس وزراء الدولة العبريّة طليقاً رغم مجازره المتعددة؛ لأنّه ينتمي إلى محور الديموقراطية حسب تصنيفات المنظّرين الغربيين. وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وقع تقارب كبير ومدهش بين محور الديكتاتوريات ومحور الديموقراطية؛ وبسرعة البرق تناست العواصم الغربيّة منطلقاتها وثوابتها، فباتت تستقبل ملفات الأجهزة الأمنية برحابة صدر، وخرجت من دائرة العمل بالبيّنة إلى دائرة العمل بالشبهة، ويكفي أن يكون المشتبه فيه مقيماً للصلاة متوجهاً للكعبة المشرفة في صلواته الخمس قارئاً للقرآن لتثبت الشبهة، ويصبح المشتبه فيه تحت دائرة الضوء مجرداً من الحقوق كل الحقوق التي أقرّها القانون الغربي نفسه. وكثيراً ما كان المحققون الأمنيون الغربيون يسألون المشتبه فيهم وهذه الأسئلة استقيتها من أشخاص مسلمين جرى فعلياً التحقيق معهم في أكثر من عاصمة غربيّة: هل تؤدّي الصلاة؟ هل تشرب الخمر؟ ما هو مذهبك الديني؟ هل أنت ملتزم بالإسلام وتؤدّي فرائضه، أم أنت مسلم بالاسم؟ هل أمك محجبة وزوجتك وبناتك محجبات؟ ما هي الكتب التي تقرؤها؟ ما رأيك في هذا الشيخ وذاك الشيخ وماذا تعرف عن الخلاف الفقهي بين هذا وذاك؟ وما إلى ذلك من الأسئلة التي يستشف سامعها أنّ هناك توجهاً جديداً يشبه إلى حدّ كبير منطق محور الديكتاتوريات في التعامل مع المشبوهين. والأخطر من ذلك قيام بعض العواصم الغربيّة بتجريد مسلمين حصلوا على حقّ اللجوء السياسي والإقامة الدائمة من هذا الحق ومن حقّ الإقامة الدائمة كما فعلت النرويج مع الملا كريكار الذي جرى تجريده من حقّ اللجوء السياسي والإقامة الدائمة، وطرده من النرويج؛ علماً أنّ المخابرات النرويجية لم تعثر على أي دليل يدينه غير الإلحاح الأمريكي بالمطالبة برأسه، مع الإشارة أنّ كريكار كان معتقلاً في هولندا، وجرت تبرئته لعدم وجود دليل مادي ملموس ضدّه. كما أنّ السلطات الأمريكية وبعد اعتقال الدكتور سامي العريان وبعض النشطاء الفلسطينيين في أمريكا، أعطى وزير العدل الأمريكي لنفسه الحق في تجريد أي مسلم أو عربي من الجنسية الأمريكية وطرده خارج الأراضي الأمريكية مع أول طائرة مغادرة. كما أنّ الأجهزة الأمنية الغربية أبدت موافقتها المبدئيّة على تسليم كل المطلوبين للعواصم العربية، وقد جرى فعليّاً تسليم العشرات في دجى الليل وبدون علم المنظمات الدوليّة كمنظمة العفو الدوليّة التي بادرت إلى تقديم احتجاجات بالجملة إلى العواصم الغربية التي انتهكت ما يعتبر مقدساً في الغرب، كما أنّ العواصم الغربية أعطت أوامرها إلى أجهزتها الأمنية بإجراءات سحب الجنسية الغربية من بعض (المشبوهين) الذين كانت تطالب بهم العواصم العربية، وسحب حقّ اللجوء السياسي من كثيرين، أمّا المشبوهون الذين طالبوا باللجوء؛ فقد جرى ترحيلهم إلى العواصم العربية التي طالبت برؤوسهم، علماً أنّ قوانين اللجوء لا تجيز تعريض حياة طالب اللجوء للخطر، وأقصى ما يُفعل فيه هو أنّ يُرفض طلبه ويُسأل عن وجهة الدولة التي يريد السفر إليها. إنّ التغيرات الدوليّة أحدثت تقارباً كبيراً بين محور الديكتاتوريّة ومحور الديموقراطيّة؛ وللأسف الشديد؛ فقد أصبح الاثنان كفكيّ مقصّ ظاهرهما مختلف وباطنهما متَّحد على تمزيق الإسلام والمسلمين. * مستقبل الوجود الإسلامي في الخارطة الأوروبيّة: أدّى قانون مكافحة الإرهاب البريطاني الذي تمّت الموافقة عليه بالأغلبيّة في البرلمان في وقت سابق إلى بعث القلق والمخاوف لدى العديد من الجاليات الإسلاميّة في العواصم الغربية خوفاً من أن يكون القانون مقدمة لتطويق الوجود الإسلامي بمختلف صوره في العواصم الغربيّة قاطبة. وفي هذا الصدد ذكرت مصادر أوروبيّة عليمة بأنّ العواصم الغربيّة مجتمعة كانت على علم بالقانون البريطاني، وهي موافقة جملة وتفصيلاً على ما أقدمت عليه لندن، وقد تحذو هذه العواصم حذوها، بل إنّ عدداً غير قليل من العواصم الغربيّة وافقت وعلى الفور على مشروع مشابه إن لم يكن أقسى عقب أحداث الحادي عشر من أيلول سبتمبر بعد تعرض أمريكا للحوادث المعروفة، وتستطرد هذه المصادر قائلة إن التنسيق بين الأجهزة الأمنيّة في العواصم الغربيّة قائم على قدم وساق، وأنّ انتقال المعلومات بين كل دولة أوروبيّة وأخرى عضوة في الاتحاد الأوروبي يتمّ أسرع من البرق وبشيفرات إلكترونيّة خاصة، وتستطرد هذه المصادر مؤكدة أن كافة الاتجاهات الإسلامية بمختلف مشاربها الفكرية والحركيّة والفقهيّة هي تحت الرصد الدقيق وفي كل التفاصيل، وحتى المساجد التي أقيمت هنا وهناك في معظم العواصم الغربيّة هي تحت الرصد المتطوّر للغاية. والغرض كما تذهب إليه هذه المصادر هو ليس إلحاق الأذى بهذه المجموعات بقدر ما تعتبر المسألة مندرجة في سياق الحفاظ على الأمن القومي في أوروبا، وتجميع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن كيفية أداء هذه المجموعات الإسلامية. وتعتبر شبكة أسامة بن لادن ضمن الأولويّات الملحّة لكل الأجهزة الأمنيّة الأوروبيّة مجتمعة، ويتمّ التنسيق في هذا الخصوص مع وكالة الاستخبارات الأمريكيّة وفق آليّات موضوعة بكيفية أمنيّة معقدة للغاية. وتؤكّد نفس المصادر الأوروبيّة بأنّ القانون البريطاني هو بالون اختبار سيتبعه قانون أوروبي عام ستتمّ الموافقة عليه ضمن المجموعة الأوروبية. وبعد بداية العمل بالقانون البريطاني سارعت باريس إلى مطالبة لندن بتسليمها الجزائري رشيد رمضة المتهم في قضايا تفجيرات في باريس. وبناءً على ذلك تذكر المصادر الأوروبيّة أنّ الوحدة الأمنية بين دول أوروبا يجب أن تسبق الوحدة السياسية والاقتصاديّة، وهو ما يشير إلى حساسية المرحلة المقبلة بالنسبة للوجود الإسلامي في خارطة أوروبا الموحدة.

стр. 4624

جمادى الأولى - ١٤٢٤هـ يوليو - ٢٠٠٣م (السنة: ١٨)

стр. 4625

كلمة صغيرة أي خطة وأي طريق ؟! خطة الطرق كما يسميها الصهاينة أو خطة الطريق كما يسميها العرب: هل تكون مدخلاً لإحياء عملية السلام؟ إنها كسابقاتها من الخطط المعروفة داحضة بكل المقاييس؛ لأنها تواجه صعوبات ليس من السهل التغلب عليها، ولكونها تحمل العيوب ذاتها التي تعطي العدو حرية المناورة والرفض والتساهل حيال مخالفاته المتكررة؛ هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى فقد ساوت بين الجهاد الفلسطيني والإرهاب الممقوت، ولاشتراطها وقف الجهاد والكفاح للمحتلين الذي ضمنته الشرائع السماوية بل وحتى القوانين الدولية؛ فضلاً عما طالبت به من ضرورة تفكيك البنى التحتية للمنظمات الجهادية الفلسطينية والتعاون مع العدو لضمان أمنه. كما أن المسائل الجوهرية في الصراع مع العدو من مثل (موضوع القدس) وإزالة المستعمرات وعودة اللاجئين فهي مؤجلة إلى المرحلة الأخيرة لتناقش على طاولة المفاوضات. كما أن الإدارة الأمريكية في هذه المرحلة وما بعدها تستعد للانتخابات الجديدة للتجديد للحكومة الحالية، ولا بد من مراعاة اليهود حتى لا يسقطوا الرئيس كما أسقطوا والده حتى بعد انتصاره في حرب الخليج الثانية. والنغمة الجديدة في هذه الخطة هو ما نص عليه بوش الابن أن (دولة العدو) هي دولة (يهودية) وهذا يعني ألاَّ مجال لعودة اللاجئين مهما كانت المفاوضات. والأدهى والأمرُّ هو أن الفلسطينيين في الداخل معرضون للترحيل في أي لحظة وبأي سبب ما دام أن (الدولة يهودية) فلِمَ البقاء إذن؟ وللعلم فإن هذه الخطة التي طبل لها جُل العرب والإعلام العربي هي من وضع (شارون) كما نشرت ذلك بعض الصحف الصهيونية حيث أقنع بها الإدارة الأمريكية وتبنتها اللجنة الرباعية؛ والتحفظات عليها ليست إلا ذراً للرماد في العيون وإظهاراً للعالم أنهم يتنازلون لأجل السلام المزعوم. ليس لنا إلا الوحدة والاتحاد جميعاً لنكون يداً واحدة، ويجب ألا نقبل بالاستفراد بنا دولة وراء دولة، وإلا فحينها سنقول: (إنما أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض) لكن العزاء أن العاقبة للمتقين، وأن دولة الحق إلى قيام الساعة، ولا بد من استمرار المقاومة الجهادية ما دام العدو يمارس العدوان نفسه؛ تلك المقاومة التي أدمت الأعداء وزرعت الرعب في قلوبهم وزعزعت اقتصادهم وأبطلت خطط التطرف الصهيوني، وأصبح معها شارون في مهب الريح؛ حيث لم يحقق ما وعد به بالرغم من جبروته وعدوانه؛ فهل يعي ذلك المصدقون بأكاذيب يهود؟ ونقول (للميرزا أبو مازن) : عليك الحذر؛ فقد ألغى اليهود خطة أوسلو التي هندستها معهم وما بعدها من خطط؛ فلِمَ تكون حارساً للعدو منفذاً لخططهم على حساب قضية شعبك؟ لقد نقضوا العهود مع أنبيائهم؛ فهل ترى سيفون لك؟ ومحاولة قتل الرنتيسي أكبر دليل. ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار مَنْ لم تزوِّدِ
следующие страницы →