← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

الإسلام لعصرنا الحوار مجادلة جادة لا مداهنة أ. د. جعفر شيخ إدريس [*] j@jaafaridris.com في العالم اليوم دعوات كثيرة إلى الحوار: حوار بين الديانات ولا سيما النصرانية والإسلام، أو النصرانية واليهودية، وحوار بين أهل الديانات والمنكرين لها، وحوار بين الفرق الدينية داخل الدين الواحد، وحوار خاص بين المنتمين إلى الوطن الواحد من كل تلك الأنواع. والحوارات تتعدد بتعدد أغراضها؛ فمنها ما يكون هدف المحاور إقناع الآخر بأن اعتقاده أو رأيه أو موقفه هو الأحق بأن يتبع، ومنها ما يكون هدفه مجرد معرفة ما عنده كي لا يكون هنالك سوء تفاهم بأن ينسب إليه ما لا يرى أو يعتقد، ومنها ما يكون الغرض منه إمكانية الوصول إلى آراء أو أهداف مشتركة تساعد على التعايش والتعاون، وهكذا. والمسلم يرى كل هذه أهدافاً مشروعة ولا يتردد في المشاركة فيها ما لم يتصل بها ما يجعل ضررها أكبر من نفعها. لكن الحوار لا يكون ناجحاً ولا يحقق شيئاً من تلك الأهداف التي وصفناها بالمشروعة إلا إذا توفرت فيه بعض الشروط، وإلا إذا خلا من بعض المفسدات. فشرطه الأول أن يكون المتحاورون صادقين مخلصين في الوصول إلى ما أعلنوا من أهداف، لا أن يكون الحوار مجرد وسيلة إلى أغراض أخرى يضمرها أحد المتحاورين أو كلاهما. من ذلك أن بعض إخواننا المسلمين اعترضوا على حوارات كانت تقام بين المسلمين وجماعات من الكاثوليك قُدِّر لي أن اشترك في واحدة منها أقيمت بأسبانيا. فلما سألناهم عن سر اعتراضهم أجابونا بأن الكاثوليك يستغلونها لأغراض تبشيرية بين بعض عوام المسلمين في بعض البلاد الإسلامية النائية، فيطلعونهم على صور علماء المسلمين جالسين معهم، مبتسمين لهم، ليقولوا لهم إنه لا خلاف بيننا وبين المسلمين. هنالك مشكلة في الحوار مع العلمانيين في العالم الإسلامي. العلمانيون، بل الملحدون في أوروبا يعلنون عن آرائهم بصراحة ويدافعون عنها. وإخوانهم في العالم الإسلامي يودون أن لو استطاعوا أن يفعلوا ذلك، لكنهم لا يستطيعون؛ لأن المجتمع لا يقبل مثل هذا التصريح بالكفر، وربما تعرض قائله للأذى. فماذا يفعلون؟ يلجؤون إلى النفاق: يتظاهر أحدهم بأنه مسلم ولو لم تكن في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، ويحاول أن يجد لكفره سنداً من الدين وهيهات فتأتي حججه المعلنة واهية لا تنطلي إلا على بعض الجهلاء أو ضعيفي الإيمان، لكن هؤلاء لا يفيدونه بشيء. أما طلاب العلم وصادقو الإيمان فيرون نفاقه في فلتات لسانه ويجزمون به [فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القَوْل] (محمد: ٣٠) . قبل سنين تزيد عن الثلاثين أقامت منظمة باكستانية في لندن ليلة عن الرسول ﷺ دعوا إليها عدداً من الأفراد والمنظمات، وكنت من ضيوف الشرف فيها. جلست أستمع إلى المتحدثين؛ لأن مهمتي كانت أن أختم بالتعليق على ما سمعت. تكلم أحدهم فشممت منه رائحة نتنة (هذا تعبير استعمله الأستاذ سيد قطب - عليه رحمة الله - حين استمع لأول مرة وفي منزله لكلمات من القصيمي) . فلما جاء دوري علقت على كلامه، فكأنما طعنته بسهم في قلبه. وقف محتجاً لكنه أُسكت. فلما انتهت الجلسة جاء يجادلني وحولنا عدد من الشباب، وبدأت الرائحة تزداد نتانة كلما توغلنا في النقاش حتى قال لي في النهاية: ما برهانك على وجود الله؟ قلت: عندي والله برهان لكنني لن أذكره لك؛ لأنك جبان تظاهرت بالإسلام وجئت لتتحدث في ليلة عن الرسول ﷺ ، ولو أنك قلت لي منذ البداية إنك ملحد لكنت جادلتك على هذا الأساس. الحوار العلني مع العلمانيين من منكري الدين لا فائدة إذن فيه إلا إذا كان القصد منه كشفهم وإحراجهم بإخراج مكنون معتقدهم. أما إذا كان القصد هدايتهم فالأحسن أن يدعوا إلى حوارات خاصة يستطيعون أن يصرحوا فيها بحقيقة ما يعتقدون. لقد جربنا هذا حتى مع الملحدين، وجربه من سبقنا من علماء المسلمين. فشيخ الإسلام ابن تيمية مثلاً يذكر أنه كان يأتيه جماعة من أهل الأهواء ويطلبون منه مجادلتهم بهذه الطريقة، يشترطون عليه أن لا يستند في جداله معهم على النصوص، بل يحاجّهم بالعقل وحده. وعلل الشيخ قبوله لشرطهم بأنهم قوم سلَّموا بأصول ظنوها عقلية؛ فمهما أتيتهم بحجج نقلية تخالفها لم يقتنعوا؛ لأنهم وهم صادقون في إيمانهم بالإسلام ينزهون الله تعالى أن يقول كلاماً مخالفاً للعقل. يرى ابن تيمية أن هذا الاعتقاد بمثابة المرض، فيجب أن تشفيهم منه أولاً بالأدلة العقلية على بطلانه فيتهيؤون بعد ذلك لقبول النصوص. فشرط الحوار الثاني إذن أن يستند إلى معايير يؤمن بها الطرفان؛ فإذا كان حواراً بين مؤمنين وملحدين كان المعيار هو العقل والحقائق العلمية المتفق على التسليم بها، وإذا كان بين مؤمنين بوجود الخالق أضيف هذا إلى تلك المعايير، وأضيف إليه أيضاً المحاكمة إلى حقائق دينية يؤمن بها كل من الفريقين. وإذا كان بين منتسبين إلى دين واحد كالإسلام مثلاً كانت المعايير مراجع دينهم الذي به يؤمنون. هذا هو الحوار كما يعرفه ويدعو إليه كل العقلاء من المفكرين من أهل الأديان وغير الأديان. لكن بعض الناس في بلادنا يتصور الحوار على غير هذه الصورة العقلانية المثمرة. يراه بعضهم مداهنة، والله تعالى يقول: [وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ] (القلم: ٩) . وكلمة يدهن كلمة معبرة جداً في تصوير هذا الموقف؛ لأنها مأخوذة من الدهن، فهي عكس الثبات والاستمساك. يظنون بل يعتقدون أن من شرط الحوار مع الآخر أن تعترف بأنه على حق أيضاً. قال لي أحدهم هذا فقلت له: لِمَ أحاوره إذن؟ ألكي أزحزحه عن الحق وأجره إلى الباطل؟ إنك لا تحاور إنساناً إلا إذا كنت معه مختلفاً. هذا هو الأمر الطبيعي حتى بين المنتسبين إلى الدين الواحد. قال تعالى: [فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً] (النساء: ٥٩) . فالرد إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ إنما يكون في حال التنازع؛ أما إذا لم يتنازعوا فلا يحتاجون إلى هذا الرد، بل إن عدم تنازع علماء المسلمين دليل على أنهم على حق. ولذلك استدل العلماء بهذه الآية الكريمة على حجية الإجماع. ومن أشكال المداهنة أيضاً اللجوء إلى دعوى نسبية الحق. فخصمك المخالف لك على حق من وجهة نظره، وأنت على حق من وجهة نظرك؛ فلا داعي إذن لأن تخطئه أو تجهله. هذه دعوى باطلة، وهي فوق ذلك مضرة بالمجتمع غاية الضرر. ثم هي بعد ذلك مما لا يمكن لأحد أن يلتزم به. سمعت أحدهم قريباً في ندوة تلفازية يقول إنه إذا قال لي أحد: أريد أن أبين لك الحق، أقول له: لا داعي للحوار إذن. هيأت نفسي للاتصال لأقول له: لكنك أنت الآن بقولك هذا تريد أن تبين لنا ما تراه حقاً بالنسبة للحوار؛ وإلا فلماذا قلت ما قلت؟ وقد وجدت شبهة نسبية الحق هذه مؤثرة حتى في بعض الشباب المتدينين. قال لي أحدهم: إذا كنا نحن نرى أنفسنا على حق فهم أيضاً يرون أنهم على حق. قلت له: وماذا في هذا؟ إن الحق واحد، سواء كان حقاً متعلقاً بدين أو بدنيا؛ لأنه وصف لواقع، ولا يمكن أن يكون الواقع على صفتين متضادتين. فإذا اختلفنا اختلاف تضاد، فيستحيل أن يكون كلانا على حق. هب أن إنساناً قال إنه ما يزال يرى أن الأرض مسطحة وأنت تعتقد أنها مكورة. ماذا تقول له؟ هل تقول له: أنت على حق من وجهة نظرك، وأنا على حق من وجهة نظري؟ إن الاختلاف في الحق لا يعنى نسبيته. إن صاحب الحق لا بد أن يكون لديه دليل على صحة دعواه؛ فمن حقه أن يقول لمخالفه إنني لا أطلب منك إلا أن تكون عاقلاً تخضع للدليل إذا تبين لك. ما أجمل وأصدق ما قال الإمام الشاطبي في موافقاته: «الشريعة كلها ترجع إلى قول واحد في فروعها وإن كثر الخلاف، كما أنها في أصولها كذلك. ولا يصلح فيها غير ذلك. والدليل على ذلك أمور» [١] . ومن أشكال المداهنة أن يكون الحوار بين أبناء الوطن الواحد دعوة إلى العلمانية. كيف؟ يقولون: إذا كنا جميعاً أبناء وطن واحد فيجب أن تكون العلاقة الأساس بيننا هي علاقة المواطنة التي تفترض أن كل مواطن مخلص في حرصه على مصلحة وطنه، وعليه يكون الحوار بيننا حواراً بين مواطنين متساوين؛ لا العلاقة الدينية التي تميز بين المواطنين. وهذه مغالطة سخيفة؛ لأن تصور الإنسان لما يعده مصلحة له أو لبلده تؤثر فيه معتقداته دينية كانت أم غير دينية. فإذا كان المواطن شيوعياً مثلاً فقد يكون مخلصاً في اعتقاده بأن النظام الشيوعي هو الذي يحقق مصلحة بلده، ولذلك يرى أن الذين يقفون في طريق تحقيقها هم أعداء للوطن. وكذلك قل عمن يعتقد في العلمانية الغربية، أو من يعتقد في الإسلام. إنهم جميعاً مواطنون لكن معتقداتهم مختلفة إلى درجة أن ما يراه أحدهم مصلحة في بعض جوانب الحياة يراه الآخر أكبر خطر على الوطن. رأيت أحد إخواننا يستغرب آسفاً لموقف ينم عن شيء من خيانة وقفه بعض العرب من قضية عربية كبيرة، فقلت له : هوِّن عليك ولا تستغربن. إن غزوة بدر الكبرى لم تكن بين عرب ويونان، إنما كانت بين عرب أقحاح أقارب ينتمون إلى أشرف قبيلة عربية، ولم يكن اختلافهم في أن بعضهم كان محباً لوطنه والآخر كاره له، إنما كان الخلاف بينهم في الحق والباطل والخير والشر. وكذلك سيظل إلى يوم القيامة، سواء كان الناس أبناء وطن واحد أو أوطان مختلفة.

стр. 4657

ندوات سقطة الحداثة والخصوصية الغربية (١ ـ ٢) إعداد: وائل عبد الغني الحداثة مذهب غائب حاضر بعيد قريب جلي خفي في المواجهة بين الإسلام وأعدائه؛ ... الحداثة ذلك المصطلح الذي فرض عنوة ضمن ما يفرض علينا منذ تراجع المد الإسلامي، ليأخذ دوره في سلسلة الغزو العقدي والفكري الطويل المتلاحق الذي ظاهره التقدم المزعوم وباطنه السقوط والانحطاط، ومع أن المذهب قد تجاوزته (موضة) الأفكار إلا أنه ما زال له أدعياؤه في بلادنا الذين ينفخون في بوقه، ويملكون باسمه العير والنفير. وكشفاً لحقيقة هذا المذهب نعرج على بعض تفاصيله، ومراحل تطوره، كمدخل كاشف لحجم الجريمة التي تمارس باسمه في العالم وخاصة في بلادنا. تساؤلات عديدة يطرحها السياق الحداثي عن واقعنا المشهود: هل نحن بحاجة إلى الحداثة؟ .. وإذا فرضت علينا فرضاً فأين الحرية التي تبشر بها؟ وهل هي صالحة لكل زمان ومكان كما يردد البعض؟! أتجرد هي أم تمرد؟ .. وماذا تُبقي لنا من شعار أمتنا ودثارها؟ .. هل أورقت هناك حتى تثمر هنا؟ .. كيف يجمع الإنسان بين الحداثة واحترام الإسلام فضلاً عن التزام أحكامه؟ هل يصبح الحل كما يزعم البعض هو الخروج من أسر التاريخ لنقع في أسر تاريخ مغاير وجغرافيا مختلفة؟ وهل يقضي الإنسان دَينه برهن نفسه؟ وكيف يُشهَد ببراءة من أدان نفسه وشهد عليه شاهد من أهله؟ .. إذا كان العالم الغربي قد تجاوز المصطلح والقضية وألقاها في مزبلة التاريخ فهل يعني فرضها على بعض الشعوب من قِبَل الغرب أن تلك الشعوب بمثابة تلك المزبلة؟ تساؤلات كثيرة يجيب عنها السياق الحداثي، ويشهد بها نتاجها الغربي يجدها المرء حين يتطرق للحداثة، وتبقى تساؤلات تطرح نفسها على ضيوف ندوتنا الكرام وهم: - أ. د. إبراهيم الخولي: أستاذ الأدب والنقد بكلية اللغة العربية - جامعة الأزهر. - أ. د. مصطفى حلمي: أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية دار العلوم - جامعة القاهرة. - د. علاء عبد العزيز: المدرس بمعهد التمثيل بالقاهرة. - أ. محمد إبراهيم مبروك: الكاتب الإسلامي المعروف. البيان: لفظ الحداثة شأنه شأن غيره من المفاهيم الوضعية، لا تكاد تجد اتفاقاً حول معنى محدد يكشف عن مضمونه دون أن يقع الالتباس، وهذه نقطة منهجية تثير إشكالات عديدة في التعامل نقداً وتحليلاً مع الفكرة؛ فهل يمكن لنا أن نبني تعريفاً جامعاً مانعاً لهذا اللفظ، وإذا لم يمكن هذا فهل يمكن تعريفها تعريفاً إجرائياً يقرب لنا المفهوم، ويسهم في نقد أكثر منهجية للفكرة؟ - د. إبراهيم الخولي: بسم الله الرحمن الرحيم.. الحداثة لغة مشتقة من مادة: (حدث) وفي اللغة يقال: (حَدَثَ حُدُوثاً وحداثة فهو حَدِيث) ويقال حَدُثَ في مقابل قَدُمَ، وحداثة مصدر لحَدَثَ يكون على غير قياس أما حدُث بضم الدال كقدُم فلا بأس أن تكون حداثة مصدراً لحدُث بالضم، وحدَث حدوثاً، فيكون حدوثاً مصدراً لحَدَثَ بفتح الدال، وصاحب القاموس يقول إذا استخدم لفظ حدث مع قدُم لا يستخدم إلا مضموم الدال. وما دام قد اختير لفظ حداثة كي يقابل به المصطلح الغربي؛ فمن حقنا نحن أن نتعامل مع هذه التسمية بلغتنا التي اتخذت منها. هذه شروط المنهجية في أي عمل علمي خاصة فيما يتصل بالمصطلحات.. والمفترض لغةً أنّ الحداثة مقولة إضافية أي بالإضافة إلى قديم سبقه، وبُعد الزمن داخل في المفهوم، إذن كل حديث سيعود قديماً، وكل قديم كان حديثاً بالقياس إلى ما كان قبله. إذن فاختراع حداثة لما سيأتي عليه الزمن يخلقه ويبليه كما أبلى غيره اختيار غير موفق وغير أمين، ومن هنا فمن التناقض أن تلصق بهذه التسمية دعوى الاستمرار، والآن هم أنفسهم يتحدثون عن «ما بعد الحداثة» .. فبِمَ يسمونه وبم يسمون ما بعد بعد الحداثة، وهل يبقى مفهوم الحداثة على ما كان يعطيه؟ وأما الحداثة كمصلح عند دعاتها فهي: «اتجاه أو منزع ينتهي إلى قطيعة شاملة مع التراث، تنطوي على تحقير هذا التراث والتهوين من شأنه وقطع صلة الأمة بماضيها لتبدأ من الصفر وقد سلب منها كل مقومات هويتها، وتصبح مستعدة لأن تصاغ كما يريد الآخرون» . - د. مصطفى حلمي: الصورة البارزة من الحداثة باختصار تعني: «نقد المقدس وهدمه» والتعبيرات حولها يعلوها التزويق أحياناً، والغلو أحياناً، ولا تخلو من الغموض أيضاً وهي لدى معتنقيها تعني «قطيعة معرفية مع الماضي بما يولد إطاراً غير نمطي في التصور القيمي للحياة» وإذا ما قلبنا النظر في تعريفات سدنة الحداثة فسنجد تبايناً واسعاً يوحي بقوله تعالى: [إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَناًّ وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ] (الجاثية: ٣٢) والقدر المشترك فيما بينهم هو القطيعة؛ فيرى (أوين) مثلاً أنها تعني: «الفصل المتعاظم بين عالم الطبيعة الذي تديره قوانين يكتشفها ويستخدمها الفكر العقلاني، وبين عالم الذات الذي يختفي فيه كل مبدأ متعال لتعريف الخير» . بينما يرى (ماكس فيبر) أن: «الحداثة هي فصم الائتلاف والوحدة بين السماء والأرض مما يخلي العالم من وهمه ويلغي سحره» وكلاهما مؤالف لمعنى العلمانية، ويرى (بودلير) أنها: «حضور الأبدي في اللحظة العابرة فيما هو مؤقت» ، ويضيف (شوبنهاور) أبعاداً أخرى أقرب نتيجة؛ إذ يرى أنها تعني: «الأنانية والتخلي عن الطابع الاجتماعي، لا لتخلق نظاماً جديداً مستحيلاً، بل طلباً للإخلاد إلى الحياة والرغبة، يجب تدمير الأنا ووهم الوعي، كما ينبغي الاحتراس من وهم النظام الاجتماعي الذي يحمي الشهوات الأنانية فقط» . ومن هذه التعبيرات المتباينة يستشف المرء لوناً من القطيعة المستمرة مع الماضي ومع عالم الغيب، والثورة والتمرد على القيم والأخلاق، بل وحتى مع أي أعراف اجتماعية أو نظم وضعية، والانطلاق خلف الشهوات، والانقلاب على معالم الفطرة البشرية، والسعي في مادية بحتة لا تقف عند حد، بل تتفاعل وتتفاعل ليكون شعارها الثورة والتمرد الدائمين. أما محاولة البعض لدينا أن يلبسها ثوب التحديث زوراً فهو لون من الكذب والتضليل؛ وفرق أي فرق بين التحديث «الأخذ بتقنيات العصر» ، وبين الحداثة التي تعني ضرب القيم وطعن المقدس الذي هو لون من الزندقة. - د. إبراهيم الخولي: ضرب المقدس وطعن التراث يعني تمييع المواقف وعدم الاعتراف بكل ما هو ثابت.. ومما ذكره الدكتور مصطفى فهم يريدون حركة الإنسان عشوائية ليس تقدماً نحو الأفضل؛ وهذا بدوره يؤدي إلى تحطيم الماهية والهوية ويعصف بالإنسان. - د. مصطفى حلمي: بالنسبة للزمن وارتباطه بالتقدم أود التنبيه على أن خطأ العقل الغربي في رؤيته الحتمية أن التقدم يقتضي سيره في خط مستقيم هو الذي أوقعهم في هذا المأزق! وهو ما وقع فيه أتباع الحداثة في بلادنا.. وقد عاب توينبي على الغرب هذه النظرة وخطّأها، والصحيح في هذا هو ما قرره أبو الحسن الندوي ﵀ من أن التقدم والتأخر عندنا ليس رجعياً أو تقدمياً كما يصوره الغرب: عصوراً قديمة ومتوسطة وحديثة.. كلاَّ! بل هو بين مد وجزر؛ مد مع الارتباط بالكتاب والسنة، وجزر عند التخلي عنهما. - أ. محمد مبروك: إذا كانت الحداثة في نشأتها الغربية تعني القطيعة مع الماضي؛ فمن واقع الكتابات التي عالجت الحداثة نجد أن هذه الكتابات تنقسم إلى رأيين: رأي يرى أن الحداثة تعني التمرد على الكنيسة؛ وبهذا فالحداثة عندهم تعني عصر التنوير، والآخر يرى أن الحداثة تعني الثورة على الأفكار التي تولدت في عصر التنوير ذاته، وعلى هذا فالحداثة ثورة على الثورة على الكنيسة دون أن يعني ذلك العودة إلى الكنيسة، وقد تبلورت الحداثة بوضوح في الأدب والفن، وبصورة أقل في السياسة والفكر، ومن بين من عرفها (سبندر) أحد كتاب الحداثة فيقول: «إن الفن الحديث [أي الحداثي] يعكس الوعي الحديث بموقف حديث لا سابقة له في شكله أو لغته» أي أن هناك قطيعة مع الماضي الذي ينصبُّ أساساً على عصر التنوير، ويعبر (دورن) عن مفهومها بقوله: «العمل الفني الإبداعي يقدم نفسه كتعبير حتمي تاريخي عن الاضطراب في مجتمع الرأسمالية المتأخرة» ، أما (لوكاش) فيرى أنها: «تعبير عن عمى المثقف البرجوازي في مواجهة القوى التاريخية الحقيقية المضادة التي تعمل باتجاه تحويل هذا المجتمع إلى الاشتراكية» . - د. علاء عبد العزيز: الحداثة مصطلح غامض وغائم، ومن العسير جداً أن نبني تعريفاً حدياً أو حتى إجرائياً لمصطلح بهذا الشكل؛ فلا يمكن أن نقيسها مثلاً على الكلاسيكية التي تعد سمة؛ حيث لا تملك الحداثة صفات صارمة يمكن التعويل عليها ولكن هناك ظواهر عامة. من ضمن ما قيل عنها أن: الحداثة مرتبطة بمفهوم «التمرد الدائم» ، والتمرد قائم في أغلب المراحل التاريخية التي يظهر فيها جديد بحيث يوجد هناك لون من التمرد على ما سبق.. ومن ثم فهذه ليست سمة مميزة للحداثة إطلاقاً، كذلك من ضمن ما قيل على لسان أحد المثقفين العرب: «البحث في أسرار الكون» وهذا كلام غامض جداً ومبهم، والحداثة ليست بهذا الشكل. - د. إبراهيم الخولي: يجدر بنا أن ننبه إلى أننا لسنا بصدد تعريف منطقي على الطريقة الأرسطية، وينبغي ألا تشغلنا التعريفات الهلامية التي يقدمونها. - د. علاء عبد العزيز: اتفق معك تماماً في هذه النقطة، وحتى يمكن تجلية المفهوم أرى أنه من المهم أن أطرح بعض الملاحظات: أولها: أنه لا يمكن التسليم بأن الحداثة مجرد اتجاه فكري فقط، بل هي رؤية شاملة للحياة تحمل معها كل تفريعات طريقة الحياة، هذا ما تشهد له تطورات الحداثة، وما يؤكده واقع الغرب، وما يحلم به ويسعى له الحداثيون العرب. وثانيها: ينبغي ألا نُخدع بما يمارسه البعض من خلط مقصود بين الحداثة والتحديث؛ فالتحديث لا يعني أن يكون المجتمع مجتمعاً حداثياً.. فهو مغاير للحداثة تماماً كما أنه ليس مجرد نقل تقنيات حديثة. وثالث هذه الملاحظات: تتعلق بملمح رئيسي من ملامح الحداثة وهو هاجس الزوال ونسبية الزمن حيث أصبح الزوال مفهوماً، هذا الهاجس امتد إلى كل شيء .. حيث ازدهرت ثقافة (التيك أوي) .. وأصبحت منتجات هذه الحضارة قائمة على الزوال ليس هناك شيء يسمى البقاء، وانتشرت شعارات مثل: استخدم وألقِ، ابنِ واهدم وتخلص.. ورابعها: أن الحداثة بما تحمله من تمرد على كل أشكال القيم، تتسم بانفلات الغرائز في الأدب والفن؛ إذ أصبح هناك ما يعرف بالأدب الغرائزي والأدب المكشوف في الحضارة الغربية؛ هذا الانفلات هو تعبير لصيق بفكر التمرد. النقطة الخامسة: وهي من أهمها قضية إسقاط المطلق وادعاء نسبية الحقيقة، الحداثة تدعي نسبية الحقيقة وأنه لا يوجد شيء حقيقي، وإذا سقط المطلق (الإطار المرجعي وهي قضية ربوبية الله تعالى وألوهيته) أصبح كل شيء نسبياً.. وإذا كان الأمر كذلك فقد أصبح للشواذ حقوق خارج الإطار الديني.. ولهذا نجد تظاهرات للدفاع عن حقوق الشواذ والآخرين. البيان: النسبية المطلقة التي تعد أبرز دعاوى الحداثة، هي بذاتها من أخطر السهام التي يمكن أن توجه للحداثة؛ لأن الثورة على المطلق وإسقاطه يعني نسبية الحقائق، وبهذا يؤول الأمر إلى أن النسبية هي المطلق المسلّم به لدى الحداثة، ومن المفروض أن المطلق يسقط بقول الحداثيين بالنسبية، ومن هنا تسقط النسبية حين تصبح هي مطلقاً! هذا نظرياً. أما من الناحية العملية فإن الحداثيين أنفسهم هم أول كافر بهذه النسبية في مواقفهم من الإسلام، وفي جميع المعارك التي خاضوها ضد الإسلام؛ بل إن فرض الحداثة على العالم الإسلامي هو كفر بهذه الحداثة. وإلا فإذا كانت النسبية مطلقة كما يقولون فأين هي مما يجري من اضطهاد للمسلمين، واستضعاف للشعوب وفرض الوصاية الفكرية والهيمنة العسكرية والثقافية بمسوغ وبدون مسوّغ؟ هم بذاتهم أول كافر بنسبيتهم هذه حين تحرم المحجبة مثلاً من التعليم في عاصمة التنوير، أو يحرم مسلم ملتزم بإسلامه من الالتحاق بكثير من الوظائف لمجرد أنه مسلم! - د. علاء: إلى حدٍّ مَّا أتفق معك في هذه الفكرة، ولكن لا يمكن القول بأن النسبية قد أصبحت المطلق الوحيد، حتى هذا الكلام نسبي عندهم. البيان: الحديث هنا من باب التنزل، وهذا لازم القول بنسبية الحقيقة؛ فلو كانت نسبية فيفترض أنهم ملتزمون بهذه النسبية، ومن هنا فلا حق لهم مثلاً في المصادرة على حق امرأة في الحجاب مثلاً أو في الختان، أو حق رجل في التعدد، أو حق شعب في تطبيق ما يراه حقاً له، وليس من حقهم أنفسهم أن يفرضوا وصاية على غيرهم من الشعوب المقهورة فيما تختاره خاصة إذا كان هذا الاختيار نابع من دين تؤمن هذه الشعوب به؟ * الحداثة النشأة والتطور: البيان: تعد الكنيسة الغربية أحد أبرز الأطراف التي أسهمت في ميلاد الحداثة وتطورها، إلى جانب الثورة الصناعية التي كان لها أثرها في تطوير أشكال التمرد وتجذير القطيعة على المستوى النظري وفي الممارسة، وهذا ما نلمسه من الشواهد الاجتماعية والثقافية الكثيرة؛ هل المسؤولية هنا ملقاة على الكنيسة وحدها كمؤسسة، أم أن للنصرانية حظها ونصيبها من هذه المسؤولية؟ - د. علاء عبد العزيز: من المهم هنا تسجيل نقطة تتعلق بالخصوصية الغربية، وهي أن التمرد في الغرب قد جاء كرد فعل على سلوك الكنيسة، ولكن الأهم من وجهة نظري أن العلمانية - كأساس عقدي للحداثة - ومع كونها أحد أشكال التمرد على النصرانية - هذه العلمانية كانت في نفس الوقت طوق النجاة للنصرانية من الانهيار، ولو لم تكن العلمانية لسقطت النصرانية سقوطاً مبرماً. كان لا بد تاريخياً وواقعياً وحالياً من انزياح الدين إلى جانب بعيد؛ لأنه فقد مقومات وجوده على أرض الواقع بعد الثورة الصناعية والتحولات التي تلتها، واليوم يعود الدين في الواقع الغربي كأحد أشكال الهوية بصورة عنيفة وقاسية جداً، ولا نستطيع أن نلقي به خارج الحلبة، ولهذا فالغرب يعاني حالة من حالات المواجهة الغامضة..! لا أدعي بأن هذا الرأي فقط هو الرأي الصحيح والصواب؛ لكن أعتقد أن له حظه الكبير من الصحة. البيان: إذن هناك قطيعة، وهناك توفيق هل هما مسلكان متباينان متصارعان داخل المجتمع الغربي؛ أم هو نوع من التلفيق بين هذا وذاك؟ - أ. محمد: من الممكن أن يكون هذا من نتائج تصور الغرب للدين أنه أوجد صيغة توفيقية من أجل إنقاذ النصرانية لفترة من الزمن بدلاً من أن يرفض النصرانية بالكامل. البيان: لكن بذرة العلمانية موجودة منذ أن شاع مبدأ: «دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله» وهذا له خصوصيته بالنسبة للنصرانية كدين وللغرب كمسلك في الحياة. - د. إبراهيم الخولي: الأقرب أن ذلك كان نتيجة غير مرادة للغرب، ولكنه هو ما وقع بالفعل نتيجة السياق التاريخي؛ فكما جنت الحداثة على النصرانية وحصرتها في ركن الحياة حتى حين، أسدت إليها جميل البقاء؛ فالقطيعة وجدت وقويت، وما أن أخفقت الحداثة وسقطت ذلك السقوط المريع، حتى بدأ الدين يعود من جديد وبقوة، لكنه عاد بغير الصورة التي كان بها وقت سطوة الحداثة عليه؛ إذ عاد ديناً حداثياً علمانياًً فضفاضاً، عبارة عن شعارات وأمانٍ ترسم له العلمانية دوره. - د. مصطفى حلمي: العلاقة بين الحداثة وبين النصرانية تراوحت بين المصالح المشتركة وبين التنافس أو النزاع والخصومة الشديدة، كانت القضية بين الكنيسة والدولة، لكنها تعدت ذلك إلى الجماهير التي حركها فكر ومصالح وشهوات جنباً إلى جنب، وحين انطلق العقل من إسار النصرانية وصل مؤخراً إلى حالة من العجز أدت إلى البحث عن حل ربما يكون هنا أو هناك؛ ليس لأنها حق ولكن لكونها بمثابة المنطق الذي يُستند إليه.. وبهذا فإن الفكر الغربي وصل بالفعل إلى مرحلة من الإفلاس الذي نقرأ بعض معالمه اليوم. - أ. محمد مبروك: من الطبيعي أن يحدث كل هذا داخل الحضارة الغربية بدءاً بالتمرد على النصرانية وانتهاء بالعجز، ومن المهم استصحاب هذا في قراءة سياق تطور الفكر العلماني، ومن المهم هنا أن نلقي الضوء على ما ذكره بعض الباحثين من أن النصرانية تمثل أكبر إشكالية في تاريخ الفكر الإنساني لأربعة أسباب: أولها: هي صورة وجود السيد المسيح نفسه في التصور الغربي، ويذكر المؤرخون الغربيون وعلى رأسهم (ول ديورانت) أن وجود السيد المسيح نفسه من الناحية الموضوعية عند الغرب مشكوك فيه، وفي نظري أن الإسلام هو أكبر داعم لوجود المسيح في التاريخ. الإشكالية الثانية: تتعلق بصحة تواريخ الأناجيل ومدى صحة إسنادها إلى أصحابها؛ هذه الأخرى مطعون فيها ومن المؤرخين الغربيين أيضاً. الإشكالية الثالثة: حول مدى صحة ما جاء في هذه الأناجيل والتناقضات فيما بينها. الإشكالية الرابعة: أن النصرانية المشاعة الآن لا علاقة لها بالأناجيل حتى المحرفة. الأناجيل ليس فيها كنيسة ولا رهبانية ولا قواعد صلاة ولا أي قواعد مما يذاع فيها. بمجموع هذا كله فالنصرانية تمثل إشكالية تسوغ للعقل الغربي أن يسير فيما سار فيه؛ وهذا السياق لا يصح مطلقاً للتطبيق على مجتمعاتنا الإسلامية. - د. إبراهيم الخولي: هناك سبعة من كبار أساتذة اللاهوت في أكسفورد ألفوا كتاباً بعنوان «خرافة تجسد المسيح» في أوائل الثمانينيات، وأحدث ضجة، وقد ترجمه أحد الأساتذة المصريين هناك لكنه لم ينشر حتى الآن. - د. علاء عبد العزيز: النصرانية ديانة مرتبطة بالروح وليست ديانة واقع (معاملات) ؛ لأنها فُرضت لتهذيب الجانب المادي عند اليهود، أما الإسلام فإنه دين متوازن ما بين قيم روحية وتعاملات في الواقع والسلوك، الإسلام يضبط السلوك. الشيء الملفت في سقوط الحداثة هناك - وكما ذكرت منذ قليل - أن هناك حنيناً جارفاً للعودة إلى الدين في الغرب؛ لكنها عودة بشكل من أشكال الهوية وليس من أشكال الإيمان، والاقتناع بالدين. * البرجوازية والحلقة المكملة: البيان: كيف تشكلت الحداثة في ظل المجتمع الرأسمالي في ظل التمرد على الكنيسة؟ - أ. محمد مبروك: حين نشأت الحداثة في نهاية القرن ١٩ وبداية القرن ٢٠ كانت البدايات في مجتمع الاغتراب؛ فالمهاجرون في مجتمع المدينة مع شعورهم بالاغتراب في ظل البرجوازية، نمت لديهم مشاعر الكراهية والثورة على هذا المجتمع؛ لأنها ليست مدينتهم. البيان: تماماً كما يشعر اللقطاء! - أ. محمد مبروك: بالضبط؛ لأن المجتمع البرجوازي تعامل بمادية بحتة مع القادمين ولم يعاملهم مثلاً كما عامل الإسلام المهاجرين، وانطلقت الحداثة من خلال الأدب والفن بقوة، وتأثر بها الفكر وتأثرت السياسة ولكن بصورة أقل وضوحاً، ومع تجليها في الفن بقيت شديدة التضارب والتعقيد.. شديدة الغموض. ومع تجذر الاغتراب وتحوله إلى قطيعة، تحولت الحداثة إلى مشروع تمرد يبحث من خلال التجريب عن حلٍّ ما للإنسان، هكذا هم تصوروا الأمر، وقد كان التمرد على المجتمع الرأسمالي البرجوازي في البداية، ثم تحول إلى تلك الصورة الشاذة مع الوقت، وفي هذا الإطار نرصد في الفن (فوكنر) و (بيكاسو) و (ستراينسكي) و (بوريس) ، وبالنسبة للأدباء (باوند) و (لورنس) و (جيويس) و (بتس أليوت) . اللافت للنظر هنا أن تلك القطيعة أسقطت مع الوقت كل الرؤى المعرفية التي يمكن البناء عليها، ليس الرؤى الدينية فقط بل والتأملية (العقلية) ، وتفجرت النزعات الإنسانية المتمردة في كل الاتجاهات. - د. علاء عبد العزيز: فيما ذكر الأستاذ ملاحظة مهمة حول الخصوصية الغربية في نشأة الحداثة، تمثلت في نظرة القادمين إلى المدينة وكم الحقد الذي يدفعهم للتمرد لشعورهم بتقاليد جديدة تعاملهم كآلة بما رسخ القطيعة الشعورية بين هؤلاء والمجتمع، مع أن هؤلاء القادمين كانوا من الذات الغربية، ولكن التعامل الطبقي معهم ورثهم الكراهية. وإذا كانت هذه النظرة داخل الذات الغربية فكيف النظرة إلى الآخر؟! البيان: إذا ذكرت الحداثة ذكر (نيتشة) بانقلابه الكبير في عالم الأفكار والقيم، فكيف رسخت أفكاره لمسلك القطيعة الذي بدأ شعوراً ثم تطور فكراً أو فلسفة؟ - أ. محمد مبروك: كما كانت الثورة الفرنسية انقلاباً على الفكر الكهنوتي حين وضعت أسس البرجوازية على أنقاض المجتمع الإقطاعي الأرستقراطي بآدابه وفكره، وصعدت الوضعية في كينونة عقلانية؛ كانت أفكار (نيتشة) انقلاباً على البرجوازية والكهنوتية معاً، حيث ذهب الأول إلى أنه لا يوجد موضوعية في العالم..! ومن ثم أسقط كل المفاهيم والقواعد القيمية الفلسفية والمجتمعية للمجتمع البرجوازي، وكان المقابل قيماً جديدة تأتي من خلال التجريب في اتجاهات شديدة العدمية والعبثية وشديدة الغموض.. يطرحها الفنانون، هو يجرب.. النزعات كلها مباحة، ومن ثم فلا غرابة إذا ما صارت المثلية والشذوذ مثلاً جزءاً لا يتجزء من التجريب الحداثي. - د. علاء عبد العزيز: ينبغي أن نفرق بين القطيعة المعرفية والانقطاع التاريخي؛ فالحداثة تمثل قطيعة معرفية مع الماضي دون أن يعني ذلك انقطاعاً في المسار التاريخي، بمعنى أننا لا يمكننا التوصل إلى لحظة تاريخية نعتبرها كحد السكين نهبط بها لنفرق تاريخياً بين الحداثة وما قبلها، وما بعدها.. فالحداثة جاءت إفرازاً لتفاعل مجموعة عوامل آخذة في التطور في ظروف اجتماعية تتعلق بالغرب. هناك تداخل بين هذه العوامل، ومن هنا يمكن رصد عدة تطورات فكرية وتاريخية أسهمت في توليد الحداثة: - في عام (١٨٥٩م) ظهر كتاب: «أصل الأنواع» لـ (دارون) ومنهجه الذي ينتهي بالغرب إلى نزع القداسة عن الإنسان «كونه مخلوقاً لله» ونسبته إلى الطبيعة، والإعلاء من شأن القوة في مقابل القيمة «فكرة البقاء للأقوى وليس للأصلح» . - وفي (١٨٦٧م) صدر كتاب: «رأس المال» ، الجزء الأول لـ (ماركس) وهذا كان محاولة لهدم المفهوم الأرستقراطي والاقتصادي الرأسمالي الموجود في الغرب وبرجوازيته. - (١٨٨٢م - ١٨٨٣م) ظهر كتابان لـ (نيتشة) وهما: «العلم المرح» ، و «هكذا تكلم زرادشت» وطرح بدعته عن موت الإله، وأنه ينكر أن يكون هناك إله مجاوز لهذا الواقع. - (١٨٩٠م) صدر كتاب «الغصن الذهبي» لـ (جيمس فريزر) وتكلم عن الأساطير المؤسسة للمسيحية وعلاقاتها بالأساطير. - (١٨٩٥م) اكتشاف أشعة (إكس) ، وبداية دخول العالم الداخلي للإنسان. - (١٩٠٠م) كتاب «تفسير الأحلام» لـ (فرويد) . - (١٩٠٥م) النظرية النسبية في صياغتها الأولى لـ (أينشتين) . كل هذه التراكمات أدت إلى تحطيم كافة التصورات الكلية لدى العالم الغربي التي تشكل رؤيته للكون، والتي كانت تحمل في طياتها كثيراً من الخرافات، ومن ثم حين اكتشف العقل الغربي حجم الأخطاء في تصوراته الكلية حدثت صدمة ضخمة عصفت بما يحمله الفكر الغربي أيضاً من بعض الحقائق. ومن هنا فإن الحداثة لم تأت من فراغ، ولكنها جاءت وفق سياق تاريخي متتابع خاص بالتطور التلقائي الذي مر به التاريخ الغربي، عبر الاكتشافات والآراء النظرية الفكرية والفلسفية والعلمية؛ فهذا مرتبط بفلسفة التنوير، وليس هناك لحظة انقلاب من حال إلى حال، ولكنها تراكمات. - أ. محمد مبروك: هذا صحيح فلم تكن هناك نقطة تاريخية بذاتها مثلت لحظة انقلاب كلي، ولكن مجمل ما حدث هو انقلاب كلي.. فثورة الفكر الغربي على الكنيسة تمخضت عن مدرستين هما: «المدرسة المثالية العقلية» (هوبز وبلوك وهيوم) ، و «المدرسة المادية التجريبية» (بريكلي وكانط وهيجل) .. وكان بين المدرستين صراعات ومساجلات طويلة تأرجح الفكر الغربي بين وجهتيها، وكلا المدرستين نتاج لاستبداد العقل الغربي وانفصامه عن الكنيسة في رسم المنهج البشري، وبناء تصور للوجود، وابتداع القوانين التي تدير شؤون الحياة. من هذا المنظور انطلق التطور في الغرب، لكن مع نهاية القرن الـ ١٩ ومع ظهور بعض العوامل المادية التي أشار إليها الدكتور علاء والتي من بينها أصل الأنواع، ولكن أهمها من وجهة نظري الثورة على وجود إله بحق أو بباطل. البيان: تقصد هرطقة نيتشة حول موت الإله التي تعد من أخطر الأفكار التي طرحت في سياق التطور الحداثي؟ - أ. محمد مبروك: ليس (نيتشة) وحده، بل هناك أيضاً (وليام جيمس) والذي أتت أفكارهما على ما تبقى من قيم، فانحدرا بالفكر الغربي نحو مهاوٍ سحيقة أبعد من مجرد الكفر بوجود إله، ف (نيتشة) لم يكتف - تعالى الله - بإعلان فكرة موت الإله، وإنما عمل على محو ظلال الإله؛ وهي القيم التي كان يحافظ عليها حتى منكرو وجود إله. بمعنى أن الذين أنكروا وجود الإله راعوا قدراً من القيم التي كانت متعلقة بوجود الإله والتي تمثل إطاراً أخلاقياً عاماً للمجتمع، وهذا لم يكن متسقاً مع إنكارهم للإله، فجاء (نيتشة) بقوله: «إذا كان الله غير موجود فلا قيم ينبغي أن تعلق مطلقاً في الهواء» ، وبدأت مرحلة من القضاء على كل القيم. اللحظة الفارقة أن الفكر الغربي الذي جعل الإنسان الكامل هو الذي يدير الكون بدلاً من الإله، وهذا لا يعني القضاء على الأديان فحسب؛ بل وعلى المذاهب الفكرية التأملية التي تصنع مشروعاً بديلاً من خلال العقل الإنساني. وبمعنى أدق: القضاء على المشروع التنويري الذي نتج عن قمة عصر النهضة، بمعنى أنه ليس هناك مثاليون، أو ماديون، وهم الذين تبنوا من قبل مشروعات ثورية على الدين، وحاولوا أن يضعوا تصوراً للحياة من خلال منظومة عقلية أو مادية. - د. إبراهيم الخولي: الغرب استهلك النصرانية في عصر الإقطاع، ثم أقصاها.. ثم استهلك الدين المدني مع (روسو) والدين الوضعي مع (أوجست كونت) ، وها هو اليوم يشقى بما بعد الحداثة بعد أن دمرت الحداثة بنياته الفكرية والثقافية، وأُفسد الإنسان وسُحق بمفاهيم الحرية المزعومة التي بشرت بها الحداثة، وخُرب المجتمع، على طريقة جئتُ ولكن لا أدري من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت طريقاً قدامي فمشيت. منتهى الضياع ومنتهى السقوط وهذا ما نجده أكثر وأكثر في مبدأ البرجماتية الشهواني الذي أرساه (وليام جيمس) . - أ. محمد مبروك: (وليام جيمس) كان أخطر الجميع، وكان معاصراً لـ (نيتشة) ، وطرح فلسفة ليس لها أي احترام على المستوى الأكاديمي، لكنها من حيث التطبيق العملي هي أخطر ما نتج عن الفكر الإنساني من حيث القابلية للانتشار والذيوع هذا إذا تحدثنا من خارج النطاق الإسلامي ففكر (نيتشة) قائم على بعدين أساسيين متجذرين في الحضارة الغربية هما: (أبيقور) و (السوفسطائيون) : أي «العبث، وليس في الدنيا حقيقة مطلقة» فانطلق من نقطة عبث، وقال: «ما دمتم تقولون إن المذهبين الأساسيين المادي والعقلاني لم يوصلاكم إلى حقيقة مؤكدة.. فتحملوا الأفكار التي سأقولها لكم؛ ليس من باب اليقين، ولكن على الأقل من باب الظن مبدئياً، ولا أريد منكم تصديقها، ولكن ما دمتم غير مستيقنين من أي شيء.. فخذوا ما أقوله؛ فربما يكون مظنوناً» . وهو نفس ما انطلق منه (وليام جيمس) فهو أيضاً لم يدّع مبدأً وكأنه يتفق مع (نيتشة) في هذه النقطة ليس حقيقة، ولكن موقفه يفارق (نيتشة) في التعامل مع العالم بشيء خطير جداً يحمل الكثير من التلاعب، وهو أنه حمّل (أبيقور) فوق هذه العدمية، ما دام أنه ليست هناك حقيقة.. والحياة عبث في عبث، لو أن الإنسان وقف أمام الأفكار المصيرية في الحياة فسيتحول إلى القلق والسأم والجنون؛ لأن افتقاد وجود الإله ليس فقط يسقط القيم كما يعتقد (نيتشة) ، ولكنه يسقط القواعد القيومية المنطقية التي تنظم العالم في نظام ما؛ لأن من يعيش في هذه اللحظة بحقيقة كاملة يتآكل ويموت في العبث، وقد يجن الإنسان بالفعل. هذا الكلام هو ما وعاه (هدجر) .. فكان البديل هو فكرة إلهاء الإنسان عن هذه المواجهة العاجزة أمام الأفكار المصيرية للحياة. البيان: سياسة الإلهاء التي تتبناها مؤسسات التوجيه العالمية والمحلية هي جزء لا يتجزأ من الحداثة التي رسخها نيتشة وطورها وليم جيمس. - أ. محمد مبروك: ينطلق جيمس من فكرة ساذجة تقول: لا تقل هذا خطأ أو صواب، ولكن جرب أي فكرة في الحياة وانظر فيها؛ فإذا كانت تأتيك بمنفعة عملية - المنفعة العملية في التطبيق العملي الأمريكي ستتحول إلى لذة - فهي حقيقة، وإذا لم تأتك بمنفعة عملية فلا تقل إنها باطل ولا حقيقة؛ لأنها لا تهم، وطبق هذا ضمن ما طبق على العقيدة في الله تعالى؛ فلا يقول: الله موجود أو غير موجود؛ فهذه القضية لا يشغلون بالهم بها؛ «دعنا نتمتع بإلهنا لو كان لدينا إله» إذن ليس لديهم دين حقيقي ودين غير حقيقي؛ فإذا تعامل المرء منهم مع الدين بطريقة عملية؛ فمثل له لوناً من الاسترخاء والتخدير ضمن حالة الإلهاء المادي التي يعيشون فيها فهو في نظر هؤلاء دين نافع.. وإذا عجز عن أداء هذا الدور طلقه وكفر به؛ ومن هنا انتشر الإلحاد في المجتمعات الغربية، وقد فلسفها (وليام جيمس) بقوله: هذه طرائق جديدة لأفكار قديمة. - د. مصطفى حلمي: لقد انتشرت ثقافة اللذة وسلوكها في سائر المجتمعات من خلال أبواق الإعلام والثقافة، وأمست بضاعة يروج لها أبرز رموز الحداثة في عالمنا الإسلامي من خلال منتدياتهم وتفاعلاتهم المقروءة والمسموعة والمرئية؛ فالثقافة على سبيل المثال أصبحت منتجاً، وصارت تتمحور في مفهومها حول اللذة والمتعة وحول ما يشاهده الإنسان دون ما يغيب عنه، ويلجأ كثير من الحداثيين إلى الفكر الغنوصي لهدم كثير من الثوابت الإسلامية ومن بينها عقيدة الربوبية وصولاً إلى ما راج في الغرب من أفكار شاذة، وقد رأينا نماذج هذا الطرح في رواية الوليمة وأخواتها. هذا للأسف هو الطرح الذي تتبناه عدد من الدوائر الرسمية والدور الثقافية في عدد من بلاد الإسلام باسم الحداثة والتنوير! - أ. محمد مبروك: الفكر الحداثي طبقاً لجيمس يقدم تسويغاً لما هو موجود بالفعل في الحياة الأمريكية (للرأسمالية) التي تحول كل الأشياء إلى ماديات وإلى منفعة، ويقنن البحث عن تجدد المتعة إلى أقصى درجة وجعلها رغبات مستمرة، بحيث يصاب الإنسان باللهاث وراء تلك الرغبات دون أن يتمكن من تلبيتها، فيتحول الإنسان في هذه الآلية المتسارعة إلى درجة من الإلهاء الحسي التام بعيداً عن التوقف أمام الأفكار المصيرية التي تحطمه؛ لأن (وليام جيمس) متيقن أنه لو توقف أمام هذه الأفكار المصيرية فسيصل إلى مرحلة الجنون. هذه الأفكار اعترف (جيمس) نفسه بافتقادها للمنطق؛ ولذلك رفضها الأكاديميون، لكن الفكرة لشهوانيتها وضعف الإدراك أو لنقل الإيمان أمامها غزت العالم بالفعل كما توقع صاحبها حيث النقد الرديء يطرد النقد الجيد. البيان: الحداثة سحقت الإنسان حين حولته إلى آلة حيناً؛ وإلى حيوان بهيمي حيناً آخر؛ لكنها ما زالت تخاتل من خلال أدوات جبارة وأفكار براقة، وقد رأينا صوراً من البرجماتية التي تحمل على ظهرها روحاً صليبية تسحق بها الشعوب ليس بالآلة الإعلامية الجهنمية وحدها، بل وبالعتاد الحربي الثقيل؛ ومن ثم فمن المتوقع أن يصبح الشعار في الأيام المقبلة: لا صوت يعلو فوق صوت الحداثة؟ - د. مصطفى حلمي: ظاهرة التشيُّؤ التي سيطرت على العقل الغربي في نظرته للإنسان جعلت من الإنسان مجرد آلة يتم الانتفاع بها انتفاعاً مادياً ثم يرمى تماماً كما يحدث للآلة بعد أن تستهلك، هذا التفكير سحق الإنسان بالفعل حين حرمه مرة من إشباع حاجاته الروحية، وجعله مجرد سلعة تباع وتشترى، وأرهقه أخرى حين رده إلى بهيمية غرائزية أسقطت تعاليم الدين كما أسقطت تقاليد المجتمع، بل أسقطت مفهوم المجتمع ذاته ليتحول الغرب إلى نزعة فردية قاتلة ذات طابع عشوائي إغوائي تبرز فيها وسائل إعلام جبارة تصنع لهؤلاء الأفراد رغباتهم وأفكارهم، وتغيرها متى شاءت دون أن يملك الفرد حق الاعتراض، حتى وإن استخدمه فإن صوته يذهب هباء وسط هذا الصخب الهائل، وكما يحدث في عالم الموضة تتم السيطرة على ساحة الفكر باستمرار من خلال إصدارات متتالية يغرق العقل الغربي في تهويماتها وتفصيلاتها، مستفيدة في ذلك من تطبيقات علم النفس الاجتماعي في توجيه تلك الشعوب، ومن ثم فإن ما يعبر عنه بالحرية الفردية ما هي إلا أكذوبة لا تقل فحشاً عن الأكاذيب التي يمتلئ بها عالم الحداثة وما بعدها اليوم، وكما تم سحق الفرد يتم سحق الشعوب المستضعفة، والعجيب أن تصادر حريتها باسم الحرية، وتسلب مدخراتها باسم العدالة ويُضيّع مستقبلها باسم حماية المستقبل. - د. علاء عبد العزيز: هناك حالة من حالات الخداع التي اكتشفت أنه كلما ازدادت المعرفة ازداد سلوك الإنسان انضباطاً ورُقياً واقتراباً من المثل العليا، لكن فجأة وفي وسط هذا التطور الفلسفي والفكري المجرد.. تنفجر أحداث حربين يطلق عليهما عالميتين، لنكتشف الوجه القبيح لهذه الحضارة: الإبادة بالجملة. كانت الحرب قائمة فيما مضى على طرفين لا ينسحب طرف إلا بعد هزيمته، وعندما أصبحت الحرب حرب إبادة مدنيين نساء أطفالاً رجالاً لا يهم فالمهم المكسب.. الوجه القبيح للحداثة ماثل في إلقاء القنبلة الذرية على اليابان وليس ألمانيا؛ لأن ألمانيا هي جنس أوروبي لكن اليابانيين جنس أصفر لا تهم إبادتهم، ومع أن واقع التاريخ يؤكد أن اليابان كانت ستستسلم، وأرسلت ما يفيد ذلك ولكن سطوة الرجل الأبيض المرتبطة بالعنصرية الشديدة طغت على مسالك التفكير. - أ. محمد مبروك: هم أرادوا أن يكسروا اليابانيين لصالحهم قبل أن ينكسروا للروس من أجل تحقيق مكاسب لهم قبل الروس، ومن هنا فنحن نموذج برجماتي بحت. البيان: هذا «طرح» نموذجي لثنائية «الأنا والآخر» على حقيقتها في الملة الحداثية، ومثال «صارخ» للتسامح الحداثي المزعوم مع الآخر!! - د. مصطفى حلمي: الوجه الأخلاقي للحداثة تبدى جليّاً في معاملة الغرب العنصرية للمجتمعات الأخرى. الحداثة ليست سوى عنصرية واستعمار وتسلط وعنف، وهي الآن تتبدى في ممارساتها حتى داخل المجتمعات الغربية نفسها في ممارسة كل هذه الأخلاق أو تجديدها. المجتمعات التي تفيض عنفاً وشذوذاً، والتاريخ المليء بأبشع صور الاستعمار وذبح الشعوب، وسرقة ثرواتها، سواء في عالمنا الإسلامي أو في أمريكا الجنوبية أو حتى في الولايات المتحدة ذاتها، الحداثة التي تستبطن مبدأ داروين (البقاء للأقوى) هي التي تبعث بجيوشها لتهلك الأخضر واليابس وتوزّع على الشعوب نصيبها من اليورانيوم المنضب الأمريكي!! وتحول بقية العالم إلى مصدر للمواد الخام والعمالة الرخيصة، وسوق مفتوحة بشكل دائم للسلع الغربية. وعصر الحداثة وما بعدها هو الذي شهد إبادة الملايين، وكما يقول بعض الباحثين: إن هذا الإله الصناعي الحديث [لحداثة] أباد عرقاً بأكمله (العرق الأحمر) ، أي سكان الأمريكتين الأصليين، وأكل زبدة عرق آخر (العرق الأسود) عن طريق النخاسة واستعباد ملايين (مما يضع عدد ضحايا هذه العملية نحو مائة مليون إنسان) باعتبار أن عبداً واحداً يحتفظ به النخاسون الغربيون كان يقتل مقابله تسعة عبيد. هذا بخلاف الشعوب التي تمت إبادة الملايين منها في دورة الاستعمار الماضي، والتي تتكرر مشاهدها اليوم في العراق وفلسطين وأفغانستان والبوسنة، وأمبون وتيمور وكشمير، والشيشان ومورو ... ، فلماذا يريد الغرب منا أن ندين بالحداثة؟ وإذا كان الغرب يبشر بالحداثة تحقيقاً لصالح شعوبنا فلماذا يدفع إلينا بجيوشه وعتاده، ويحرّم علينا أسرار التقنية والتقدم التي يسهم في جزء منها مسلمون وعرب. البيان: تقول بعض الإحصائيات إن ما ينفق اليوم على السلاح يفوق بأضعاف مضاعفة ما ينفق على الطعام والدواء، كما تشير إحدى الدراسات إلى أن إجمالى ما استهلكته الولايات المتحدة (كبير كَهَنَة الحداثة) يفوق مجموع ما استهلكه الجنس البشري منذ آدم ﵇ وحتى اليوم. - د. إبراهيم الخولي: الحضارة الغربية بطبعها حضارة عنصرية قائمة على مركزية الغرب، والحداثة شأنها شأن أي نتاج عن هذه الحضارة، هذه الحضارة بحداثتها هي التي تجعل اليوم من ٨٠% من سكان العالم فائضاً بشرياً يجب التخلص منه. والحداثة كما تقوم على سحق الشعوب، تقوم على سحق الفرد من خلال قيم فردية، يلهث فيها الإنسان وراء ما يقرر له أن يلهث وراءه، والحريات الفردية أكذوبة كبرى، وإنما هي حريات فرويدية إن صح التعبير.. لم تشقَ البشرية في تاريخها كما شقيت اليوم وهي كلها لم تعد بمأمن من ضربها بأسلحة فتاكة.. وحروب لا تدري لِمَ أقيمت ولا متى تنتهي، ومن أمراض نفسية وبدنية، وسقوط اجتماعي، وضحالة فكرية، وافتقاد الحداثة للمرجعية النصية يعلن عن إفلاس في القيم وفي الأخلاق ومن ثم إفلاس في الحضارة. وهل عُهِدَ في الفكر الإنساني وفي تاريخ الثقافات أن تقوم مذاهب على هذا المستوى المدعى من الشمول..! تقوم وتطور وتموت في عقود ثلاثة كما في البنيوية وعقدين كما في التفكيكية ثم تنتهي؟ البيان: نتوقف عند هذا الحد، ونستكمل في العدد القادم إن شاء الله الحديث عن دعوى الحداثي العربي بين الأصالة والعمالة.

стр. 4658

البيان الأدبي حتى لا نكون ورثة سفهاء !! من المسؤول عن تغريب الأدب وتذويب هوية الأمة الثقافية؟ محمد عبد الشافي القوصي [*] منذ عقود خلت احتدمت المعركة بين «الحداثيين» و «المحافظين» وكانت بالفعل معركة حامية الوطيس بين دعاة الخروج على النص الحضاري (لغة وتراثاً وشعراً) ، وبين رعاة هذا النص الذين رأوا فيه هويتهم فتمسكوا به، ووجودهم فدافعوا عنه في شجاعة وقوة. واكتسب «الحداثيون» من خلال الزخم الإعلامي الوافد، والواقع العربي المعقد، اكتسبوا بريقاً في عصر «صناعة النجوم» ، لكنهم لم يكسبوا شرعية رغم كتائبهم المدججة بالمال والسلاح، فلم تتبلور لهم ملامح، ولم تتحدد لهم قسمات، بل هي نسخ مكرورة تزداد مع الزمن انغلاقاً رغم ادعاء التفتح، وغموضاً رغم كثرة ما شرحوا متونهم وفسروا رؤاهم في قصائد الشروح والحواشي، والتربيع والتدوير، لقد ظلوا رغم ما يملكون من قوى مادية يحسون بغربة في المسافة، وضيق في المكان، فصبوا غضبهم على التراث، وعلى قدراته في طبيعة الأرض التي ازدهر عليها، بالرغم من أنهم جميعاً بالرغبة أو بالإكراه أبناء هذا التراث، إن لم يصبهم من خيره وابل فطل. لقد كانت لهم غاية لا صلة لها بجوهر الشعر ولا بالوعي النقدي التابع له؛ إنها دعوة إلى مقاطعة التراث، وقطع اللسان العربي، وإعلان الحرب على الخليل في عَروض لم ينشئها هو، بل كان كاشفاً عنها بأذن موسيقية بلغت شأواً دونها معامل الصوتيات المعاصرة بآلاتها المبتكرة وعلومها المستحدثة. إنها دعوة إلى القطيعة بين الإنسان في حضارتنا وبين انتمائه، فهم يرمون صلتنا بالتراث بل صلة شعراء التفعيلة بالتراث بأنها علاقة عقائدية.. ليس هذا فحسب؛ بل إن مجرد عودة شاعر التفعيلة إلى الشعر العمودي في إحدى قصائده يعتبرونها جريمة لا تغتفر وعثرة لا تقال! يقول ناقد همام من قادتهم عن الشاعرة العراقية «نازك الملائكة» التي مارست التفعيلة في فترة معينة ثم عادت إلى «الخليل» مرة أخرى، يقول عنها: «إنها تتجه بخطى واسعة نحو نهاية الشوط، إلى الخاتمة الأسيفة لهذا التيار السلفي الجديد، وهي التحجر والجمود، واحتلال جانب المحافظين لحركة التجديد الحديثة في الشعر العربي، إن خطواتها التقليدية تقودها بالرغم عنها إلى حافة اللاوجود الشعري الذي أصاب المحافظين السالفين؛ حيث كتبت أحدث قصائدها في العمود الخليلي كاملاً غير منقوص» . وهكذا أصبحت كتابة القصيدة في العمود الخليلي كاملاً غير منقوص ردة عن الرؤيا الحديثة للشعر، ونقيضاً للتطور، وسلفية فكرية..! وهذا الذي دعا نزار قباني ليقول: «إن الفخ الخطير الذي وقعت فيه حركة الحداثة هو اعتقادها أن موسيقى الشعر نظام استعماري قديم لا بد من الانقلاب عليه» . وبعد مرور نصف قرن من الزمان، لم يظهر بين «الحداثيين العرب» أديب في قامة المنفلوطي أو الرافعي، أو روائي مثل باكثير أو نجيب الكيلاني، أو شاعر مثل حافظ أو ناجي أو الزهاوي ... بل كان (الشعر الحر) أكبر همهم ومبلغ علمهم وآخر دعواهم. خمسون عاماً يقرضون «الشعر الحر» الخالي من الوزن والقافية، والمحشو بالغموض المذموم الذي يكتنف الفكرة سواء أكانت جزئية أم كلية، فإنك تقرأ ما يسمى بالقصيدة عندهم فلا تفهم معاني جملها ولا مضمون هيكلها، بل هي عبارة عن كلمات عامة رصفت رصفاً غريباً متنافراً حتى صارت رطانات وطنطنات عابثة!! وسمة الإبداع عندهم أن تخلو «القصيدة» من أي غرض أو معنى، ويفلسفون هذا «المسخ» بأن القصيدة التي لا يُضَمِّنها صاحبها أي غرض أو معنى تظل تنمو وتكبر وتتعدد معانيها بتعدد قرائها ... !! لذا، لجأ «الحداثيون العرب» إلى التعابير الغامضة التي تمتلئ بها أشعارهم وكتاباتهم مثل «الممرئية» «رؤياوية» ، «التعارض الثنائي» ، «اعتباطات الإشارات» ، «اللاحقيقة» ، «التموضع الزمكاني» .... وغيرها من الألفاظ المائعة والمخنثة. وفي هذا يقولون: إن «الحداثة» هي الثورة على كل شيء، وآخر يقول: إنها الابتعاد الصارم عن المجتمع. وفي كتابه «مقدمة في الشعر العربي» يقول الأب الروحي للحداثيين العرب بجرأة شديدة: «إن القرآن نفسه إبداع، وكذلك السنة، والإبداع القرآني والنبوي أوصدا الطريق أمام الإبداع الأدبي، وأوقعا الخوف في روع الأدباء» . ويستطرد هذا الهمام قائلاً: «إن الأدباء العرب لن يبدعوا إلا إذا حرروا أفكارهم من التقيد بالدين والنظم السائدة في المجتمع سواء أكانت اجتماعية أو وطنية أو قومية.. فالأدب، أي الأدب» اللامعقول «، أو» اللاواقع «، أو » اللاحياتي «. أما صاحب كتاب» جدلية الخفاء والتجلي «فيقول:» الحداثة انقطاع معرفي؛ ذلك أن مصادرها المعرفية لا تكمن في المصادر المعرفية للتراث، أو في اللغة المؤسساتية والفكر الديني، ولكون الله مركز الوجود ... الحداثة انقطاع لأن مصادرها المعرفية هي اللغة البكر والفكر العلماني، ولكون الإنسان مركز الوجود «. وتقول خالدة سعيد وهي زوجة أدونيس:» الحداثة أكثر من التجديد؛ فهي ترتبط بصورة عامة بالانزياح المتسارع في المعارف وأنماط العلاقات والإنتاج على نحو يستتبع صراعاً مع المعتقدات مثلما فعل جبران في كسر الشرائع وكشف الحقائق ... كذلك كان طه حسين وعلي عبد الرازق يخوضان معركة زعزعة النموذج تعني الإسلام بإسقاط صفة الأصالة فيه، ورده إلى الموروث التاريخي، ليؤكدا أن الإنسان يملك موروثه ولا يملكه هذا الموروث، ويملك أن يحيله إلى موضوع للبحث العلمي والنظر، كما يملك حق إعادة النظر فيما اكتسب صفة القداسة [القرآن والحديث] وحق نزع الأسطورة عن المقدس، وحق طرح الأسئلة والبحث عن الأجوبة «! ويقول أحد الحداثيين العرب:» يجب أن نخلع جبة الأصول، وقلنسوة الوعظ، لنترك للشاعر حرية مساءلة النص، ونقض الماضي وتجاربه، ولنترك لأنفسنا فسحة لنصغي لتجربته الجديدة، وما تقترحه من أسئلة، وليس هذا من حق الشاعر فحسب، ولكنه حق حياتنا المعاصرة علينا «. وهذا الكلام يحمل شحنة من التمرد يزعمون أنها وظيفة الأديب والأدب الآن، بل إنهم يزعمون أن هذا التمرد لا ينبغي أن يحصر في مجال الأدب، ولكنه رسالة العصر سواء أكان المتمرد أديباً أو غير أديب ... وكلمات (الماضي والتراث، وسلطان التاريخ، والقداسة ... ) وما أشبه هذه الكلمات التي لا يقصد منها الحداثيون إلا الإسلام، وما يتصل به من فكر وأدب، وقيم وسلوك وتراث. ومنح الحداثيون أنفسهم حق نزع صفة القداسة عن المقدس [الإسلام] ومارسوا حق تصرف الوارث في إرثه، فأخضعوا الإسلام للنقض والأخذ والرد، وأعطوا أنفسهم حق مناقشته وتأويله..!! هذا، وقد حذر كثير من العقلاء، والأدباء الشرفاء، من خطورة موجة الحداثة على الأدب والثقافة العربية الأصيلة، والمؤامرة التي تحاك لسحق هويتنا الثقافية، وإفساد ذوق الجماهير، وتشويه تراثنا وحضارتنا، مما يؤدي في نهاية الأمر إلى تحويل أفراد الأمة إلى نباتات مخلوعة من الأرض غير قادرة على النمو والإزدهار.. إن هذه التقاليع الأدبية كما يقول رجاء النقاش هي وليدة بعض بيئات الترف والفراغ في أمريكا ومجتمعات أوروبا الغربية المتقدمة التي لم تعد أمامها ما تهتم به أو تسعى إليه في مجال القيم الإنسانية والحضارية، والتي لم تعد تفكر إلا في الرخاء الذي تخشى زواله، وفي الراحة التي أصبح من» المتعب «الحرص عليها والرغبة في منعها من الانهيار. إن هناك مجتمعات غربية متقدمة لم تعرف هذا الترف الأدبي والعبث الفني على الإطلاق مثل إنجلترا التي لم نسمع بشاعر فيها يكتب قصائده بالمثلثات أو المربعات والمستطيلات، ولم نسمع بفنان يسمح لنفسه بالهلوسة ويجد حوله نقاداً يصفقون له ويرفعون رايته ويقولون للعالم إن هذا هو الفن الصحيح! ومن العجيب والكلام لرجاء النقاش أن أصحاب هذه الدعوة الجديدة يقولون إنهم يكتبون قصيدة النثر الخالية من كل قيود القصيدة القديمة مثل الوزن أو الموسيقى وغير ذلك من العناصر الفنية الأساسية في الشعر، فهل هذا الادعاء هو ادعاء صحيح؟ ... الحقيقة أنه في جوهره ادعاء كاذب؛ لأن الأدب العربي قد عرف منذ عصوره القديمة ذلك النثر المليء بندى الشعر وعذوبته منذ كتابات أبي العلاء في» الفصول والغايات «، وكتابات» أبي حيان التوحيدي «. وقد عرفنا هذا اللون من النثر المليء بروح الشعر في كثير من كتابات المعاصرين مثل المنفلوطي، والرافعي، والعقاد، وزكي مبارك، ومي زيادة، وجبران، وأمين الريحاني، وأحمد حسن الزيات ... فما أكثر ما كتب هؤلاء نثراً بروح الشعر مليئاً بالوجدان والعاطفة، ولكننا أبداً ما كنا نخرج من كتابات هؤلاء ونحن أشبه بالمجانين الذين فقدوا عقولهم، وفقدوا قدرتهم على التمييز بين الأشياء، بل كنا نخرج من كتابات هؤلاء الموهوبين. ونحن على العكس في منتهى اليقظة والنشوة العقلية. نحن.. والغرب: نحن لا ندعو أبداً إلى الانعزال عن الثقافة والآداب العالمية، بل ندعو إلى التواصل معها على أساس مبدأ الانتقاء والاصطفاء الذي يلائم فكرنا وشخصيتنا وانتماءنا العربي والإسلامي، ومجتمعنا الذي يختلف في ظروفه وقضاياه عن المجتمعات الغربية؛ فهذا هو جبران على الرغم من كونه من دعاة التغريب في أدبنا العربي الحديث إلا أننا نجده يصف العلاقة بين الشرق والغرب وصفاً صحيحاً حيث يقول:» قلد الغرب الشرق بحيث مضغ وحوَّل الصالح مما اقتبسه إلى كيانه، أما الشرق فإنه اليوم يقلد الغرب فيتناول ما يطبخه الغربيون ويبتلعه دون أن يحوله إلى كيانه، بل إنه على العكس يحول كيانه إلى كيان غربي، فيبدو أشبه بشيخ هرم فقد أضراسه، أو بطفل لا أضراس له. ويصل جبران إلى حقيقتين: الأولى: أن الغرب صديق وعدو لنا في آن واحد: صديق إذا تمكنا منه، وعدو إذا وهبنا له قلوبنا وعقولنا، صديق إذا أخذنا منه ما يوافقنا، وعدو إذا وضعنا أنفسنا في القالب الذي يوافقه. أما الحقيقة الثانية: فهي أنه خير للإنسان أن يبني كوخاً بسيطاً من ذاته الأصيلة، من أن يقيم صرحاًَ شاهقاً من ذاته المقتبسة. ومن الأسف أننا وهبنا للغرب قلوبنا وعقولنا، ووضعنا أنفسنا في القالب الذي يوافقه. لقد كان كل هذا نتيجة حتمية لهذا المسخ والتقليد والتبعية المطلقة والتهالك على الطارئ.. كل ذلك أردى أدبنا العربي في أوحال المادية والعبثية والفحش، وأجهض الكلمة الطيبة بالغموض والنثرية. وتتمثل هذه التبعية بوضوح شديد في المناهج النقدية، وفي فصل الأدب عن الفكر الإسلامي، وبإعلاء الشخصيات المشبوهة، وبالسقوط الأخلاقي، وبضرب لغة القرآن، ومحاكمة الشخصيات الإسلامية بمعايير مادية وفلسفية، وكسر الثوابت، والإيمان بشمولية التغير واستمراره. كذلك، فإن من أشد آثار التغريب والتقليد الفج للآداب الأجنبية أنك تجد الأدب العربي الحديث يعيش بلا هوية، وبلا تماسك، وبلا خصوصية.. وأعقب ذلك نهوض أقلام مؤثرة لنبش العفن في موروثنا الأدبي، بحجة أنه موروث، فجاء إحياء الفكر الاعتزالي، والوثني، وشعر الخمر، والمجون، والغزل الفاحش، كما أعيدت ظواهر أدبية وشخصيات مشبوهة لم تكن حاضرة في الذهن رغبة في تحولها إلى قدوة سيئة للناشئة؛ فمثلاً تجد الصعاليك، والزنادقة والشعوبيين والباطنيين، وغلاة المتصوفة، كل أولئك يترددون على ألسنة الأدباء وبشكل لم يسبق له مثيل. ليس هذا فحسب، بل إن هذا الأدب العربي الحديث بكل أجناسه قد ازداد تأثراً بالمذاهب الأدبية الغربية في لهاث مسعور منذ منتصف القرن العشرين، وتحول بعضه على يد «المتغربين» إلى دعوات فاجرة وهجوم شرس على العقيدة الإسلامية وتراثها، وصار جهداً دؤوباً لتأصيل القيم الغربية في الفن والحياة، ولم يقتصر التأثير على استعادة الأدوات الفنية، بل امتد إلى الخلفيات الفكرية والفلسفية التي تصدر عنها المذاهب الأدبية الغربية، وقد صدرت قصص ودواوين تحمل صورتها وتدعو إليها صراحة وضمناً. وتبعاً لذلك.. فقد توزع قسم من أدبنا خلف الأيديولوجيات المختلفة، فوجدت الماركسية قبل سقوطها أدباء يجسدون أفكارها، ويدعون من خلال أعمالهم الأدبية إلى الالتحاق بها، ووجدت نقاداً يجتهدون في تثبيت الواقعية الاشتراكية «الصياغة الأدبية للماركسية» . وبالمثل تماماً.. فقد وجدت الكتلة الغربية أبواقاً تدعو بقوة إلى اعتناق حضارتها وتقليد فنونها وآدابها.. ومما يدعو للدهشة أن تجد أن النصرانية التي هزمت في بلادها وعزلت عن الحياة منذ عصر النهضة، قد دخلت بفضل الغزو الفكري المكثف والضخ الغربي المستمر، إلى نتاج عدد من أدبائنا.. وقد خلف هذا التيار وذاك آثاراً خطيرة في الأدب المعاصر، في مقدمتها الرموز النصرانية المتفشية في الشعر الحديث، وقصص الإنجيل التي أصبحت مادة أساسية لعدد كبير من الشعراء القاصين. إلى جانب هذا، وذاك، قد تجد أدباً وجودياً، وماركسياً، ومذاهب واتجاهات تسرح وتمرح في وسطنا، وتسهم في تلويث وعينا، يتبنّاها أبناء المسلمين ويبشرون بها، ويسعون لتكريسها، أو على الأقل يمنحونها مشروعية الوجود، ولا يجدون غضاضة من معاشرتها، وطرد الغربة عنها. وهكذا اختلطت الأصوات ... وتوزع قسم وافر من أدبنا المعاصر وراء المذاهب الأدبية الغربية «المستوردة» ، وحمل أدواتها الفنية من جهة أخرى، ففقد كثيراً من ملامح الشخصية العربية الإسلامية، وتحول إلى حربة تهاجم الإسلام والمسلمين في عقر دارهم. ومما يزيد الطين بلة ظهور أعمال أدبية تعبث بالقيم الخلقية التي يحرص عليها الإسلام عبثاً شديداً، وتصور العفن والهبوط والنزوات الجنسية المحرمة على أنها عواطف إنسانية رقيقة جديرة الاهتمام، وتسوّغ التحلل والتفسخ وتسعى إلى ترسيخه في أعماق الشباب والفتيات تحت ستار الحرية الشخصية. وقد لاقى هذا الأدب الرخيص تشجيعاً من بعض الأجهزة ومن الهيئات والمؤسسات الثقافية والإعلامية في كثير من بلادنا المغلوبة على أمرها ... كما أقبلت دور النشر على هذا الأدب المكشوف في سباق محموم، وغطى واجهات المكتبات، بل وتسلل بكل ما فيه من إثارة وتهديم إلى حقائب المدارس ومخادع النوم.. وصارت هذه الأعمال بفضل التطبيع والتغريب والأمركة صارت عنواناً لـ «التنوير» و «الموديرنزم» ، وشعاراً لـ «الحداثة» ، وطريقاً لـ «التفكير العلمي» الصحيح، وتمشياً مع «روح العصر» وآفاقه وأشواقه الحارة. ومع كل ما فعله هؤلاء القوم من بني جلدتنا، فإن إيماننا أن الثقافة العربية والإسلامية لهي أقوى من أن تشوه روعتها بعض الأتربة العابرة، أو أن يطمس نورها الذين يحاولون حجب الشمس بغربالهم الهزيل. وأخيراً: أرجو ألا أكون قد نكَّرت لأحد عرشه، أو وضعت «السقاية» في رحله ... فأنا لم أجهر بالقول ولم أخافت، ولعلِّي ابتغيت وراء ذلك سبيلاً..

стр. 4659

المسلمون والعالم الغد الأمريكي في بلاد الرافدين حسن الرشيدي «إن أمام الولايات المتحدة مهمة ضخمة وطويلة الأمد في العراق» . هذا تصريح للرئيس الأمريكي بوش عشية سقوط بغداد؛ ولكن هل تغير هذا الرأي الآن بعد تصاعد مد المقاومة العراقية، وازدياد عملياتها على حد تصريح متحدث باسم الجيش الأمريكي إلى ١٣ عملية يومياً في المتوسط؟ وتقول لوس أنجلوس تايمز إن معدل قتل الجنود الأمريكيين ارتفع إلى جندي واحد كل يوم منذ الأول من مايو الماضي. فالعراق محور تاريخي، ونجاح أو إخفاق عراق ما بعد صدام سيحدد شكل ومسار السياسة في الشرق الأوسط، ومن ثم فإنه سيحدد السياسة العالمية للفترة المتبقية من هذا القرن. وقد غزت إدارة بوش العراق وفي جعبتها أكثر من مخطط لعراق ما بعد صدام، وها هي اليوم تحتل العراق؛ لكن لا تعرف ماذا تفعل به، ولا تملك مخططاً واحداً لصياغة مستقبله. لطرح تصور لمستقبل الاحتلال الأمريكي في العراق لا بد من دراسة عدة عوامل تؤثر بدرجات مختلفة على مجريات السياسة في هذا البلد. وباستقراء الوضع الراهن في العراق، وبتتبع مجريات الأحداث على أرضه نجد أن هناك ثلاثة عوامل رئيسية لها دور في تحديد ما سيؤول إليه هذا الوضع المستقبلي: أولاً: الأهداف الأمريكية من احتلالها للعراق. ثانياً: السياسات أو الاستراتيجية الأمريكية في سبيل تحقيق هذه الأهداف. ثالثاً: طبيعة المقاومة العراقية. * الأهداف الأمريكية من دخولها للعراق: يتخبط كثير من المراقبين والمحللين السياسيين عندما يريدون معرفة حقيقة ما تريده أمريكا من العراق: هل هو النفط، أم صياغة جديدة للمنطقة، أم الرغبة في مساندة إسرائيل، أم أهداف أخرى؟ وتكمن أهمية تحديد أهداف أمريكا من احتلالها العراق في معرفة ما تحقق من هذه الأهداف وما لم يتحقق، وما تطمع في إنجازه وما تخفق في الوصول إليه. والواقع أن أغلب المراقبين السياسيين إنما أجمعوا على وجود هذه الثلاثية من الأهداف التي هي: العقيدة، والنفط، وتغيير خريطة المنطقة. ولكن خلافهم حول أولويات هذه الأهداف وترتيبها؛ والتي تصب في النهاية لتحقيق الهدف الرئيسي الذي عبر عنه بوش فى خطابه فى احتفال البحرية الأميركية في فلوريدا يوم ١٣/٢/٢٠٠٣م بقوله: نرغب أن نكون بلداً فوق الجميع. ١ - البعد العقدي في احتلال أمريكا للعراق: يأتي تأكيد وتثبيت موقع إسرائيل كقوة إقليمية عظمى في المنطقة في مقدمة الأهداف الأمريكية؛ لأن احتلال العراق من شأنه إيجاد حالة جديدة من التوتر والخلافات العربية؛ إضافة إلى أنه نجح إلى حد ما في هز الاستقرار الهش القائم الآن في العديد من الدول العربية، وفي المحصلة النهائية يؤدي إلى مزيد من الضعف العربي، وهو الأمر الذي يوفر توازناً جديداً للقوى يتيح لشارون فرض تسوية إسرائيلية يقبلها العرب كارهين أو مكرهين. ويقول مايكل إيفانز في كتابه (ما بعد العراق النقلة الجديدة) : إن قيام إسرائيل افتتح حياة الجيل الأخير قبل أرماجدُّون، ثم جاء احتلال كامل أرض فلسطين في ١٩٦٧م ليؤكد هذه النبوءة، وتسارع التاريخ في الحرب الأخيرة على العراق ليؤكد الصلة الأبدية المتجددة بين بابل وأورشليم. الأولى هي الظلام، والثانية هي النور. دمار الأولى شرط انبعاث الثانية. هكذا ورد في العهد القديم حيث ذُكرت بابل (العراق) ليس أقل من ٣٠٠ مرة بصفتها أرض الخطيئة الأولى، والتجسّد الشيطاني الأول في (نبوخذ نصّر) سابي اليهود، والوعد الأول بأرماجدُّون. لم تفعل الولايات المتحدة، إذاً، سوى تنفيذ المشيئة الإلهية. لقد كانت الحرب مكتوبة في العهد القديم، ومصير صدام حسين مكتوب، والدمار مكتوب. وتلتقط مجلة دير شبيجل الألمانية الشهيرة هذه الإشارات؛ ففي عددها الصادر قبل الحرب بتاريخ ١٧/٢/٢٠٠٣م يحمل عنواناً حول الحرب الأمريكية المرتقبة ضد العراق حرب جورج بوش الصليبية وتقول المجلة: نلاحظ أن بوش يؤمن إيماناً راسخاً أنه يقوم بتنفيذ ١٣ تكليفاً إلهياً يقوم على أفكار مسيحية يمينية متطرفة. والقضية التي يؤكد عليها برنارد لويس المستشرق البريطاني المعروف هي أن علاقة التحالف القائمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من الخطأ النظر إليها على أنها مجرد علاقة تحالف استراتيجي، بل هي علاقة عاطفية أو أيديولوجية في المقام الأول. ٢ - البعد الاقتصادي: إن مسألة احتلال الولايات الأمريكية للعراق ترتبط بأهداف استراتيجية أمريكية كبرى ومتعددة تهدف في نهايتها إلى فرض هيمنة أمريكية على النظام الدولي، وأحد سبلها في ذلك تتمثل في التحكم في الثروات النفطية في الخليج وإخضاعها لسيطرة أمريكية كاملة ومباشرة، ومن ثم التحكم في أهم مصدر حيوي للطاقة والصناعة في العالم، وهو ما يعطي الولايات المتحدة ميزة لا تتوافر لغيرها من الدول الكبرى الأخرى، ومن ثم يعزز مكانتها ودورها العالمي لعقود قادمة؛ هذا بالإضافة إلى وضع اليد على شبكة مواصلاتها وموقعها. ولعلنا نلاحظ أن هدف السيطرة الأمريكية هو على بورصة النفط وليس على النفط نفسه. وهذه السيطرة هي وسيلة الإنقاذ الوحيدة للاقتصاد الأميركي المتهاوي؛ حيث التحكم بأسعار النفط يجعل الولايات المتحدة قادرة على تحقيق الأرباح على حساب الاقتصادات الأوروبية واليابانية تحديداً. عراق صدام من جهته هدد هذا الطموح تهديدات مباشرة، ولعل أكثرها صراحة هي الدعوة العراقية بتسعير النفط بعملات أخرى غير الدولار. وهي دعوة تنسف الاقتصاد الأميركي في حال تحقيقها عدا الإغراءات النفطية التي أطلقتها العراق في السنوات الأخيرة بدءاً من تنازلات للاستثمارات الفرنسية والروسية، ومروراً بهبات النفط والكميات المعروضة بأسعار متدنية؛ عدا النفط العراقي المهرب الذي أسس لشبكة علاقات سياسية كادت تتجاوز الحصار المفروض على العراق. ويلاحظ بهذا الصدد أن المندوب الأميركي في مجلس الأمن قد اعترض على تعبير حق الشعب العراقي في موارده النفطية، وتم استبدال ذلك بعبارة غامضة تتحدث عن حق الشعب العراقي في الاستفادة من استثمار تلك الموارد النفطية. وشتان بين ما يعنيه كلا التعبيرين. ٣ - إعادة ترتيب الأوضاع ورسم الخريطة السياسية للمنطقة: وهو الهدف الاستراتيجي لهذه العملية، وهو سينتج تلقائياً مع تحقيق الأهداف السابقة؛ حيث لا يتبقى إلا وضع الصورة النهائية لخريطة المنطقة السياسية بما يتلاءم والمصالح الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة العربية. وذلك ما عبر عنه بوش صراحة في خطابه في معهد أميركان أنتربرايز بقوله: إن تغيير النظام في العراق سيفسح المجال أمام تغييرات إيجابية في كامل منطقة الشرق الأوسط. ويوضح بوش ذلك في الخطاب نفسه بقوله: إن قيام نظام جديد في العراق سيخدم كمثال مهم جداً للحرية يلهم البلدان الأخرى في المنطقة. وتوصل الباحث فيليب جوردون من معهد بروكنجز إلى أن هناك عدة افتراضات تقوم عليها هذه الرؤية: الافتراض الرئيسي هو أن الوضع الراهن في الشرق الأوسط لم يعد مقبولاً بعد الهجمات الانتحارية على واشنطن ونيويورك في ١١ سبتمبر (أيلول) ؛ فالذين فجروا الطائرات الانتحارية في برجي مركز التجارة العالمي ومقر البنتاجون جاؤوا من العالم العربي مدفوعين بكراهية للولايات المتحدة سببها الدعم الأميركي لنظم غير ديمقراطية. وقد ورد في نشرة فورين ريبورت الأميركية الاستراتيجية أن من بين المصالح الأمنية الأميركية في المنطقة، بعد الحملة الأميركية على أفغانستان، إبرام تسويات سلمية في الشرق الأوسط تستقر مع إعادة رسم الخريطة السياسية الجديدة للمنطقة التي تشتعل بالصراعات الإقليمية والدولية وفقاً للتخطيط الأميركي، بينما يبقى الاهتمام الأميركي في المنطقة هو المحافظة على التفوق العسكري الإسرائيلي، وخلق كيانات صغيرة في المنطقة للمحافظة على ذلك التفوق، ومن ثم تأمين تدفق البترول من الخليج العربي وبحر قزوين إلى الغرب بالمعدلات والأسعار الملائمة له، وتأمين خطوط المواصلات البحرية العالمية بما يخدم حرية التجارة الدولية بلا قيود، وتدفق الصادرات الأميركية والأوروبية، وفي مقدمتها السلاح، إلى الدول العربية، ودول جنوب آسيا. ويضيف المصدر الآنف الذكر أن هناك في بعض الدول العربية المجاورة لإسرائيل فريقاً أميركياً من كبار المخططين السياسيين يدرس أحوال الدول العربية؛ وذلك بهدف تفكيك دول المنطقة وإعادة تركيبها من جديد، بل إن بعض الدول ستظهر في المنطقة وسيختفي بعضها الآخر. * ولكن ما هي الاستراتيجية الأمريكية المعلنة لتحقيق تلك الأهداف؟ لصياغة الاستراتيجية الأمريكية لعراق ما بعد صدام انقسمت الإدارة الأمريكية إلى فريقين: الفريق الأول: تشكل تحت مظلة (مركز أبحاث أمريكان إنتر برايز) الذي يعتبر معقل الصقور والمحافظين الجدد في البيت الأبيض والبنتاجون (وزارة الدفاع) بقيادة ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي مثل دونالد رامسفيلد وزير الدفاع، ونائبه بول وولفوتيز، وريتشارد بيرل رئيس مجلس السياسة الدفاعية السابق. أما الفريق الثاني: فقد تشكل داخل (معهد بيكر) الذي أسسه جيمس بيكر وزير الخارجية في إدارة بوش الأب ليعبر عن الجمهوريين الواقعيين ممن تولوا مسؤوليات في إدارة بوش الأكبر مثل كولين باول الذي كان رئيساً لهيئة الأركان. وتضمن سيناريو الصقور إنشاء حكومة مؤقتة بمجرد بدء عملية الغزو يقودها أحمد الجلبي رئيس المؤتمر الوطني العراقي الذي يضم المعارضة العراقية في المنفى، وهو صديق مقرب من وولفوتيز نائب وزير الدفاع وريتشارد بيرل أحد أعمدة أمريكان إنتر برايز ورئيس مجلس السياسة الدفاعية السابق. ولا يحوي سيناريو الصقور أي دور للأمم المتحدة في عراق ما بعد صدام. وأخيراً يتضمن سيناريو الصقور احتلال آبار ومرافق البترول العراقي لحمايتها وإعادة تأهيلها ودفع تكاليف عملية الغزو، ثم الاحتلال والتحكم في سوق البترول ومنظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) التي تتحكم بها دول عربية. ولكن استطاع فريق ما يسمى بالمعتدلين في الإدارة الأمريكية والحزب الجمهوري والعسكريين إبعاد بوش عن خطة الحرب التي أعدها الصقور، ونجحوا في كشف المفارقة بين ضآلة القوة العسكرية التي تطلبت الخطة وضخامة التكاليف والأهداف؛ أي استسهال الأمر؛ وكأن منطقة الخليج هي خليج ماعز بوصف الجنرال أنتوني زيني قائد القيادة المركزية الأمريكية. وقدَّر الواقعيون بقيادة باول أن غزو واحتلال العراق لفترة يتطلبان مئات الآلاف من القوات وأنظمة أسلحة متعددة. كما اقترح الواقعيون أن تتحرك واشنطن من خلال الأمم المتحدة وذلك ما فعله بوش في سبتمبر عام ٢٠٠١م. وشكل فريق المعتدلين مجموعة عمل تحت مظلة معهد بيكر ومجلس العلاقات الخارجية في نيويورك بقيادة إدوارد جيريجيان وفرانك ويزنر الدبلوماسيين المخضرمين في إدارة بوش الأب. وتضمن سيناريو الواقعيين لعراق ما بعد صدام رفض فكرة حكومة من المنفى، واعتبر سيناريو الواقعيين أن فكرة وجود حاكم عسكري أمريكي في بغداد كما حدث مع ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية هي فكرة غير مجدية. وأورد تقرير معهد بيكر ومجلس العلاقات الخارجية: أنه من المهم رفض إغراء فكرة إقامة حكومة عراقية مقدماً حتى لا تواجه بالعداء أو فرض حكومة ما فيما بعد من قادة المعارضة العراقية في المنفى. وقد اقترح تقرير معهد بيكر ومجلس العلاقات الخارجية أن تتضمن رؤية بوش لعراق ما بعد صدام الأمور الآتية: - الحفاظ على وحدة وسيادة العراق. - تشجيع قيام حكومة عراقية لعراق ما بعد صدام تستند إلى المبادئ الديمقراطية وتمثيل تنوع الشعب العراقي. - الإقرار بحكم فيدرالي (اتحادي) . - ألا تصبح أمريكا الحاكم الفعلي للعراق. - إشراك الأمم المتحدة والدول العربية والجماعة الدولية في تقرير مستقبل عراق ما بعد صدام. ورفض التقرير سيطرة أمريكا على البترول العراقي؛ فتضمن أنه إذا تمكنت قبضة أمريكا من البترول العراقي؛ فإن العراقيين سيشعرون بأن العملية الأمريكية أهدافها إمبريالية وليس مجرد نزع أسلحة الدمار الشامل، ومقابل تغيير نظم عربية متضمنة السلطة الفلسطينية انطلاقاً من العراق في سيناريو الصقور، وأخيراً حذر التقرير من أن الولايات المتحدة يمكن أن تواجه هزيمة سياسية بعد أن تكسب الحرب. وقبل الحرب كان بوش أكثر ميلاً إلى سيناريو الصقور مع تضمينه بعض عناصر سيناريو معهد بيكر ومجلس العلاقات الخارجية. في الخطة قبل النهائية التي استعرضها بوش حسبما نشرت صحيفة نيويورك تايمز في يناير ٢٠٠٣م تستبعد أن يحكم العراق حاكم عسكري أمريكي على غرار الجنرال ماك آرثر في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية مثلما كان يطلب سيناريو الصقور وبدلاً من ذلك سيدير العراق حاكم إداري مدني. ولكن بوش مال إلى الصقور في الوجود العسكري الأمريكي في العراق لمدة (لا تقل عن عام ونصف عام) وتأخير نقل السلطة إلى حكومة وطنية عراقية (ربما لسنوات) حسب النيويورك تايمز. وتعكس المذكرة التي سلمها ريتشارد بيرل مستشار البنتاجون وزارة الدفاع الأمريكية لمسؤول خليجي قبل الحرب، والتي علقت عليها الصحافة البريطانية لأيام قبل الحرب، تعكس النية الأمريكية الرسمية للبقاء في العراق فترة من الزمن تحددها المذكرة بسبع سنوات بغية توليد مناخ ملائم وإدارة عراقية محلية ملائمة وعلاقات إقليمية بين هذه الإدارة والحكومة من جهة، والجوار الجغرافي من جهة أخرى؛ وذلك من أجل أن تعلن الحكومة العراقية الجديدة عن علاقات جديدة مع شركات النفط الغربية العملاقة، تفضي إلى تخصيص النفط العراقي، وأن تؤول إدارته المباشرة لهذه الشركات الغربية العملاقة، وأن تقتصر علاقة العراق بنفطه على مجرد نسبة مئوية يتم الاتفاق عليها بين العراق ممثلاً بالحكومة الجديدة وكونسورتيوم من الشركات المدعومة من الإدارة الأمريكية. ولكن بعد سقوط بغداد وعلى أرض الواقع توالت الحقائق الميدانية لتفرض نفسها؛ فالبنتاجون الذي تبنى قوى المنفى العراقي يكتشف الآن أن هذه القوى لا تملك قواعد شعبية أو أُطُراً سياسية في مجتمع عراقي يجهل زعماءها، بمن فيهم أحمد الجلبي الذي جلس في نادي الصيد البغدادي منتظراً من الأميركيين نقله برتبة رئيس إلى أحد قصور صدام، ثم ما لبث أن رحل إلى الولايات المتحدة عله يكتشف أسباب تجاهله. ووجدت أمريكا أنها أمام مرجعيات شيعية يبدو أنها أعدت عدتها قبل الحرب بمسافة زمنية كافية. هذه المرجعيات تثبت وجودها على الأرض؛ حيث تنافس قوات الاحتلال بالاستيلاء إدارياً ومدنياً على مدن الشيعة في الوسط والجنوب، وصولاً إلى بعض أحياء بغداد وضواحيها. وفي ذكرى ما يدعيه الشيعة أنه أربعون الحسين، عبرت هذه المرجعيات عن حرارة تعصبها الطائفي. وكان الأمريكيون يراهنون قبل الحرب على عبد المجيد الخوئي، فأتوا به إلى النجف لعله يتمكن من توحيد الشيعة، ولكن فصيل مقتدي الصدر رد على الأمريكيين بقتل الخوئي في رسالة إلى أمريكا تطلب أن لا يتجاوزه أحد في كعكة الحكم. ولكن الخطورة الكبرى تكمن في الموالين لإيران من فصيل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بقيادة باقر الحكيم المتحالف حالياً مع السيستاني الذي يعتبر المرجع الأعلى لشيعة العراق، وقد حذر مؤخراً الولايات المتحدة من أن شيعة العراق قد ينقلبون عليها ما لم تعوّضهم سياسياً عن عقود من الاضطهاد في ظل حكم صدام حسين. وقال الحكيم: في العراق هناك أغلبية شيعية؛ لكن النظام السابق عاملها كأقلية يجب تعويضهم عن هذا الاضطهاد. وإيران تنحاز للشيعة في العراق، وتعمل على الدفع كي تصبح القوة المهيمنة في العراق وفي الخليج ككل. وعليه؛ فإن مفتاح الاستراتيجية الأمريكية في العراق هو ضمان التغيير في إيران، ولعل هذا يفسر الضغط الأمريكي المتزايد على إيران في هذه الفترة، وإذا أُنجز أي تغيير في نظام طهران بسرعة، أو إذا تم التوصل إلى صيغة تفاوضية مع الإدارة الأمريكية؛ بحيث يُستعمل الشيعة العراقيون لإدارة حكومة عراقية على أن يتحملوا وطأة عملية مكافحة التمرد ومواجهة المقاومة السنية؛ فإن هذه العملية قد تغير حقائق الوضع الحالي. وسرعان ما استُبدل جارنر وحل محله بريمر هذا الاستبدال كان يعني غلبة فريق المعتدلين في الإدارة بقيادة باول على فريق الصقور بزعامة رامسفيلد، وأثبتت الأيام صحة ما أعلنه باول قبيل الحرب؛ حيث طبق السيناريو الذي أراده، وكان باول قد قال عشية الحرب إن العراق سيوضع في حال أطيح بنظام صدام حسين تحت إدارة عسكرية أميركية قبل الانتقال في أسرع وقت ممكن إلى إدارة مدنية أميركية أو دولية وقبل أن يتم أخيراً تشكيل حكومة تمثل العراقيين. هذه الخطوة الأخيرة تحققت بتشكيل مجلس الحكم الانتقالي الذي يضم ٢٥ شخصاً: ١٣ شخصاً شيعة، و ٥ سنَّة، و ٥ أكراد، وعضواً واحداً لكل من التركمان والنصارى. ويقول هوشيار زيباري المسؤول عن السياسة الخارجية في الحزب الديمقراطي الكردستاني ونائب الهيئة السياسية العراقية التي اجتمعت في مدينة صلاح الدين وأقرت فكرة مجلس الحكم الانتقالي: إن مهمة المجلس ستكون وضع سياسات عامة كالنظام التربوي، والنظام القضائي، والسياسة النفطية، والإشراف على ميزانية الدولة. ويضيف أن سلطة التحالف شعرت بالحاجة الملحة لتقديم نتائج ملموسة إثر التقصير في مسألة الخدمات العامة والشؤون الاقتصادية، ومع تردي الوضع الأمني خصوصاً في بغداد. * أثر المقاومة العراقية على القرار الأمريكي: يقول الكابتن جون مورغانال متحدث باسم الجيش الأميركي: إن الهجمات تؤثر على معنويات الجنود. كلما فقدنا جندياً يكون الأمر صعباً على الوحدة التي ينتمي إليها وعلى القيادة. وذكرت الإذاعة السويسرية أن الرئيس بوش أعلن بعصبية واضحة أن الجماعات المبعثرة التي لا زالت موالية للرئيس العراقي المخلوع، والمقاتلين الأجانب المتسللين إلى العراق، ومن أسماهم الجماعات الإرهابية التي تشن هجمات ضد الجنود الأمريكان في العراق؛ تظن أن أمامها فرصة لإلحاق الأذى بالولايات المتحدة ودفعها إلى سحب قواتها من الأراضي العراقية قبل أن تستتب الحرية وتقوم الديمقراطية، لكنهم مخطئون؛ لأن أمريكا لديها القوة اللازمة للتعامل مع الوضع، وملتزمة بعدم السماح بعودة الطغيان إلى العراق. ونقلت الإذاعة أيضاً عن وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد أنه نفى في عصبية أيضاً لا تقل عن عصبية رئيسه أن يكون العراق قد تحوَّل إلى فيتنام أخرى بحرب العصابات التي تشنها جماعات عراقية ضد الوجود العسكري الأمريكي في العراق. وجاء فيما قال: إن القوات الأمريكية لا تواجه مأزقاً في العراق، ولا تخوض حرب عصابات كتلك التي تعرضت لها في فيتنام، وإنما تقاتل ضد مجموعات في العراق هي عصابات النهب، والمجرمين، وبقايا النظام العراقي، والإرهابيين الأجانب. وانضم بول بريمر إلى موجة التصريحات النافية لوقوع الولايات المتحدة في مأزق باحتلالها العراق، فقال: إن الهجمات التي تتعرض لها القوات الأمريكية في العراق هي رد يائس من أتباع النظام المخلوع؛ ومع أنها تبدو كهجمات منسقة فلا يوجد دليل على أنها جزء من حملة مركزة تتمتع بتوجيه مركزي. ولكن الرئيس السابق لقسم الشرق الأوسط في مخابرات وزارة الدفاع الأمريكية باتريك لانج يرى أن ما يحدث في العراق هو بالضبط البشائر الأولى للمراحل المبكرة لحرب العصابات، ولن يكون من الصعب على تلك الجماعات أن تتغلب على خلافاتها وتوحد أهدافها في التأثير على الوجود العسكري الأمريكي في العراق. وقال الجنرال أوديرنو آمر فرقة المشاة الرابعة: إن الهجمات التي تجري ضد الجنود الأميركيين يقوم بها بعثيون وأصوليون وبعض العراقيين العاديين الفقراء الذين يتلقون أموالاً مقابل الهجوم على القوات الأميركية؛ لكنه رفض التحدث عن المكافأة المالية المعروضة مقابل قتل الجنود الأميركيين قائلاً: إن أولئك المشتبه فيهم والمعتقلين حالياً قدموا للمحققين أرقاماً مختلفة. وعبَّر عمدة مدينة الفلوجة التي انطلقت منها الشرارات الأولى للمقاومة المسلحة عن بدايات هذا الوضع بقوله: إن المدينة قد أصبحت مركز جذب لكل العراقيين الذين عبروا عن خيبة أملهم بالحرية الأمريكية التي تحولت إلى عملية احتلال وقمع. وبحسب ما ذكرته صحيفة (كريستيان ساينس مونيتور) فإن كل شخص لا يحب الأمريكيين يذهب إلى الفلوجة، وقد كانت تلك المشاعر المعادية تتصاعد مع الوقت في ظل ممارسات الجنود أو قرارات الحرمان أو سياسات على نمط تجميع الدولارات أو وثيقة الإدانة وما إليها، ومع وجود ٥ ملايين قطعة سلاح في العراق لم يكن صعباً أن يتحول الغضب إلى عنف. لكن المهم أن هذا الوضع قد أتاح لعناصر مؤسسة صدام حسين البدء في تنفيذ ما لم تتمكن من تنفيذه قبل ٩ إبريل، وهو أشكال مختلطة من حرب العصابات التي لا تزال في بدايتها وقد تتحول إلى أشكال متطورة منها في الوقت الذي عادت فيه العمليات العسكرية الأمريكية المحدودة كشبه الجزيرة وعقرب الصحراء وأفعى الصحراء إلى الظهور مرة أخرى ليتم استئناف الحرب في ظل سباق بين الجانبين على الشارع العراقي. ويتهم الأميركيون المقاومة في المثلث السني بأنها مقاومة صدامية أو بعثية، وليس من المستبعد بالطبع أن تقوم عناصر بعثية أو عناصر موالية لصدام في الجيش العراقي الذي سُرّح مؤخراً بأعمال مقاومة. بيد أن هذه الأعمال ليست تعبيراً عن الولاء لصدام أو حتى للحزب؛ بقدر ما هي تعبير عن حالة اليأس والبؤس بعد أن اقتُطعت موارد رزقهم. كما أن كثيراً من عناصر هذه المقاومة من الإسلاميين، ويطلقون شعارات إسلامية، وهؤلاء لا يربطهم شيء بصدام. وفي هذا الإطار أكدت تقارير أميركية مؤخراً أن المقاومة الإسلامية في هذا البلد ستصبح قوة ميدانية خطرة في غضون ستة أشهر مقبلة مشيرة إلى وجود معلومات وثيقة بشأن دور بارز لجامع أبي حنيفة في الأعظمية في إعداد خلايا إسلامية استشهادية. وبحسب باحثين عراقيين؛ فإن العراق سيصبح منطقة الجذب الأولى للجماعات الإسلامية المناهضة للولايات المتحدة والكيان الصهيوني في الشرق الأوسط. وقد تم تداول أسماء تنظيمات أصبح العراقيون يحفظونها عن ظهر قلب من خلال المنشورات التي يتم توزيعها في المدن ومنها: منظمة المجاهدين، والحركة الإسلامية، وكتائب الفاروق، وجيش محمد، والرايات السود، والقيادة العامة للمقاومة. وتنتشر شائعات عن أن أفراد هذه الجماعات بدؤوا يشترون الأسلحة وخاصة قاذفات الآر. بي. جي، ومدافع الهاون والقنابل اليدوية من الأسواق، وربما كان ذلك سبباً من أسباب امتناع العراقيين عن تسليم أسلحتهم للقوات الأميركية. ولكن جماعة سرايا المقاومة العراقية التي تبنت عمليات المقاومة العراقية العنيفة الأخيرة نفت عن نفسها الولاء للنظام السابق، ولم تفصح السرايا عن هويتها إلا بأنها مجموعة من الشباب المؤمن بوحدة العراق وحريته وكرامته. وأمام الولايات المتحدة حالياً ثلاث خيارات استراتيجية: ١ - أفغنة النزاع والانتقال إلى القواعد العسكرية الآمنة، بينما تسمح للمشهد السياسي بكل تعقيداته وتناقضاته أن يرتسم خارج قبضتها المشددة، وتركز عسكرياً على عمليات المتابعة في مكان آخر. وبعبارة أخرى: عزل الجيش الأمريكي عن الوضع العراقي، ومواصلة العمليات في مكان آخر. ٢ - محاولة إجهاض حركة المقاومة، من خلال الهجمات العسكرية المباشرة والعمليات السياسية. ٣ - التوصل إلى صيغة تفاوضية مع إيران بحيث يُستعمل الشيعة العراقيون لإدارة حكومة عراقية على أن يتحملوا وطأة عملية مكافحة التمرد ومواجهة المقاومة السنية؛ فإن هذه العملية قد تغير حقائق الوضع الحالي. وعليه؛ فإن المفتاح هو الوصول إلى اتفاق مع إيران. فإذا تم التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران حول القاعدة والأسلحة النووية فإن الشيعة في العراق يمكن أن يصبحوا حينها حلاً بدلاً من مشكلة. هذا الخيار الشيعي تزامن مع بداية الاحتلال؛ حيث تعامل التحالف مع الشيعة برحابة ومرونة أكبر من السنّة، فتولى الجنود البريطانيون مسؤولية المناطق الشيعية في الجنوب وهم أقل فظاظة من الجنود الأميركيين المسؤولين عن مناطق الوسط السنية. لكن هذا التقسيم المحدد للمهمات العسكرية بين طرفي الاحتلال لم يكن عبثياً، بل كان مبنياً على افتراض ثبتت صحته حتى الآن بالنسبة للأمريكيين. وإذا كان الخيار الأول قد استُبعد فإن الخيار الثاني يواجه معضلة معقدة؛ فأمريكا تجهل الكثير عن حركة المقاومة العراقية: الحجم، العدد، طبيعة عملها، مستوى تجهيزها، قدراتها، هيكلتها ... والشيء الوحيد الذي تدركه الإدارة الأمريكية في العراق أن المقاومة يتحسن أداؤها يوماً بعد يوم، وتكبد قواتها الخسائر بصفة مستمرة، كما أنها في توسع. ولا يبقى أمام الولايات المتحدة سوى الخيار الثالث والمتمثل في التحالف مع الشيعة خاصة في ظل إخفاق أمريكي في حسم أمر المقاومة السنية العسكرية لتجد أمريكا نفسها مدفوعة إلى هذا الخيار. وهذا الخيار أرحم من الخيارات الأخرى.

стр. 4660

المسلمون والعالم كيف استفاد العدو الصهيوني من الحرب الأمريكية على العراق بناء جيش جديد.. أقل عدداً.. أكثر قدرة تكنولوجية محمد زيادة [*] mozeada@hotmail.com تعددت المكاسب الإسرائيلية من الحرب الأمريكية على العراق، وأسهب الخبراء والمحللون في سرد هذه المكاسب سواء السياسية أو الاقتصادية، لكن الجانب الأكثر إشراقاً لدى الكيان العبري يتمثل في النتيجة التي توصل إليها قيادات جيش الاحتلال وعدد من المسؤولين الصهاينة في (جهاز الموساد) .. هذا الجانب هو التوصل إلى ضرورة تكوين جيش إسرائيلي جديد على غرار الجيش الأمريكي الحالي. وقد كشف المحلل العسكري الإسرائيلي الشهير «آمنون بارزيلاي» الذي سبق أن أعد الكثير من الدراسات العسكرية حول الجيش المصري في تقريره المنشور في صحيفة (هآرتس) ذات الاتجاهات الليبرالية في عدد ٧/٥/٢٠٠٣م عن تفاصيل ما توصل إليه قادة جيش الاحتلال وهيئة الأركان العامة الإسرائيلية من ضرورة تكوين ما يُعرف بـ «جيش إسرائيل الإلكتروني» وذلك من خلال استعراضه لأهم ما دار من أحاديث وتصريحات القادة العسكريين السابقين والحاليين الذين شاركوا في نقاشات عُقدت داخل القيادة العليا للجيش الإسرائيلي، فكتب يقول: «دارت في الشهور الأخيرة الثلاثة قبل الحرب الأمريكية على العراق وحتى موعد انتهائها مباحثات وحلقات نقاش متعددة داخل القيادة العامة الإسرائيلية حول قدرات الجيش الإسرائيلي الحالية. وقال رئيس الأركان الجنرال» موشيه بوحي يعالون «:» لا بد من تكوين جيش إسرائيلي مختلف عما هو عليه الآن في السنوات الثلاثة القادمة. فقد أسسنا بالفعل جيش أكبر وأقوى بعد حرب «الغفران» عام ١٩٧٣م عما كان عليه قبلها؛ إلا أننا يجب أن نؤسس في السنوات الثلاث القادمة جيشاً آخر يكون أقل عدداً في حجم القوات، وأكثر قدرة من النواحي التكنولوجية والتقنية، حتى يكون متساوياً في قوته مع حجم التهديدات التي تتعرض لها إسرائيل «. أضاف الكاتب الإسرائيلي:» يؤكد قادة جيشنا وخبراؤنا في الشأن الاستراتيجي أن الحرب الأمريكية على العراق غيرت كثيراً من المفاهيم والتعريفات العسكرية في العالم أجمع، بل لقد غيرت المفاهيم الأساسية للحروب؛ حيث استنتجت الولايات المتحدة من هذه الحرب استراتيجية جديدة هي أكثر من رائعة، وهي أن الحرب العسكرية لا بد لها من حرب نفسية. ومثال ذلك أن الأمريكان حددوا نقاط الضعف في الجيش العراقي ونظام صدام حسين، فأخذوا في إرهاق الرأس وليس الجسد حتى تسنى لهم النصر الكبير. وهنا يقول «حاييم آسا» أحد الحاضرين في النقاشات داخل القيادة العليا والذي عمل مستشاراً استراتيجياً في حكومة إسحاق رابين: «إن أشهر المفاهيم للحرب هو أنه يمكن احتلال دولة مُنحرفة ومجنونة وهزيمتها هزيمة ساحقة في أقصر وقت وبأقل الخسائر ودون الحاجة لإلقاء قنابل ذرية، وهكذا جرت الحرب في العراق أمام أعين العالم بأسره، ووسط الوجود الشعبي الكبير للمواطنين العراقيين في المعارك مع استمرار حياتهم اليومية المعتادة كما هي. فهذا كله يغير الصور الاستراتيجية النمطية للحروب في العالم، وإنني واثق تمام الثقة في أن الحرب القادمة للولايات المتحدة ستكون أكثر تقنية من الحرب على العراق.. لقد سار الأمريكيون في خط التغيير والتطوير الذي لا يتوقف» . وقال مصدر قيادي في الجيش الإسرائيلي خلال النقاشات: «الجيش الإسرائيلي سيعمل على أن يكون مشابهاً تماماً للجيش الأمريكي في المرحلة القادمة من التطوير خاصة في مجالات بناء القوة العسكرية، والكيفية التي يتم بها استخدام الوسائل العسكرية القتالية والمعدات التكنولوجية، وأبلغكم أننا قمنا في الأيام الماضية بإنجاز جزء من هذا الطموح الإسرائيلي. علينا أن نعلم أن الهرم انقلب الآن عما كان عليه في سنوات السبعينيات، عندما وصل رجال الجيش الأمريكي إلى (إسرائيل) عقب حرب» الغفران «أكتوبر ٧٣ ليتعلموا من جيشنا كيف استطاع النهوض من صدمته من الضربة العسكرية المصرية المباغتة وتحوله من الدفاع إلى الهجوم. لقد تعلم الأمريكيون وقتها منا الكثير خاصة بعد الإهانة التي لحقت بهم في حرب فيتنام.. اليوم لأننا نحن الذين نتعلم من الأمريكيين فن الحروب؛ ذلك لأنهم قاموا بالعديد من الحروب المختلفة على مدار السنوات العشر الماضية مما جعلت الجيش الأمريكي ذا خبرة كبيرة في فنون الحرب والخطط العسكرية المستحدثة والتي ظهرت بوضوح في الحرب على العراق. رئيس الأركان» موشيه يعالون «كان يعلم أنه منذ توليه القيادة أنه لا بد من إصلاحات جذرية في الجيش، وطالب بذلك قبل صدور قرار تقليص ميزانية وزارة الدفاع قبل الحرب على العراق. وعلى ذلك أقامت القيادة العامة للجيش ورشة عمل لمناقشة الخطوط العريضة لهذه الإصلاحات، وخرجت هذه الورشة بقرار تشكيل أربع لجان لمراقبة التهديدات الإرهابية - مخاطر التسلح النووي في المنطقة - دراسة بنية الجيش الإسرائيلي - والتهديدات الخارجية.. وبنهاية شهر يوليو القادم سيتم الإعلان عن خطة إصلاح الجيش الإسرائيلي أو ما يعرف بتكوين الجيش الإسرائيلي الجديد، وهي خطة ذات مراحل متدرجة على أن يتم تنفيذها على عدة سنوات. يعمل مع يعالون في بلورة هذه الخطة كل من نائبه» جابي أشكينازي « - قائد القوات الجوية» دان حالوتس «- قائد القوات البحرية» يديديا يعاري « وهم من أشد الراغبين في إجراء هذه الإصلاحات في الجيش. ووصف الخبراء الاستراتيجيون هذه المجموعة بأنها مجموعة عمل متناسقة ذات قدرة وتصميم على إنجاز الإصلاحات المطلوبة. * تغيير مفهوم الأمن: أهم نقاط الإصلاحات المطلوبة في الجيش الإسرائيلي هي ضرورة إحداث تغييرات عاجلة في مفهوم الأمن لدى الجيش، وعلى الرغم من أن» ديفيد بن جوريون «قد أكد على هذه النقطة عقب إقامة الدولة في عام ١٩٤٨م إلا أنها لم تُنفذ إلى الآن. بيد أن المحاولة الأكثر جدية لإحداث هذا التغيير في مفهوم الأمن لدى الجيش الإسرائيلي كانت عام ١٩٩٧م حينما شكل وزير الدفاع وقتها» إسحاق مردخاي «خمس لجان لمراقبة التهديدات - مراقبة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للشعب الإسرائيلي وما يستتبع ذلك من انعكاسات على قدرة الإنذار المبكر وقدرة الردع ومدى استعداد الجيش لمواجهة هذه التهديدات.. إلا أن كل ذلك الجهد راح أدراج الرياح بعد عمل شاق استمر مدة عام؛ حيث تم تغيير الحكومة ولم يجد وزيرا الدفاع موشيه آرينز، وإيهود باراك اللذان خلفا مردخاي أي قيمة لإحداث تغيير في المفهوم الأمني. يقول الرئيس السابق لدائرة الأبحاث وتطوير الوسائل القتالية في وزارة الدفاع البروفيسور» إسحاق بن إسرائيل «:» لا يوجد في دولة إسرائيل من يطور المفهوم الأمني. والمطلوب تقليص فوري بقيمة ٣ مليارات شيكل في هذا العام من ميزانية وزارة الدفاع، وأيضاً تقليص متدرج قيمته ٣ مليارات شيكل خلال السنوات الثلاث القادمة، وعندئذ سيقول المسؤولون في القيادة العامة: لنبدأ في تكوين نظرة واضحة حول المفهوم الأمني الإسرائيلي بصورة منظمة وبإشراف رئيس الأركان نفسه. أما قائد سلاح القوات الجوية السابق الجنرال «إيتان بن إلياهو» فقال: «كان التغيير في المفهوم الأمني مطلوباً منذ ١٥ عاماً ولم تكن الحرب على العراق هي السبب، لكن في أعقاب الحرب على العراق كان لا بد من تغيير جدول الأولويات لدى الجيش، والأولوية الأولى تغيير حجم القوات وتشكيلاتها وطرق تفعيلها. إلا أن هناك مشكلتين كبيرتين: التهديدات مستمرة، والوقت قصير، وعلينا ألا ننسى أنه في أعقاب انتهاء حرب الأيام الستة» ١٩٦٧م « اعتقدنا أن التهديدات انتهت؛ إلا أنها ظهرت وبقوة بعد مرور ٦ سنوات وبالتحديد في حرب الغفران (١٩٧٣م) التي شكلت أكبر التهديدات على الوجود اليهودي. يعتقد يعالون أن ما يحدث الآن في إسرائيل هو جزء صغير جداً من صدى الهزيمة العراقية، ويقول رئيس الأركان الأسبق» أمنون شاحاك «:» عندما تضع إمبراطورية قدميها على أي قطعة أرض فإنها ستظل موجودة بها حتى لو أخلت هذه الأرض من وحدات جيشها، وهذه هي الولايات المتحدة الأمريكية متواجدة هنا في المنطقة منذ عام ١٩٩١م، وما تركه الأمريكان من قوات جوية وقواعد عسكرية بعد إخلاء الجيش من الخليج عام ١٩٩١م هو الذي هيأ الأجواء للدخول في حرب العراق ٢٠٠٣م، والآن يؤكدون أنهم باقون هنا لأمد طويل «. وشاحاك يريد من هذا القول أن هذه المتغيرات في المنطقة والتواجد الأمريكي يمنح المسؤولين الإسرائيليين فرصة إحداث الإصلاحات المطلوبة في الجيش، وعلينا أن نتذكر أنه بعد هزيمة العراق لم تعد هناك تهديدات من الجبهة الشرقية، وسوريا دولة ضعيفة عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، أما حزب الله كذلك فلا يمكنه اليوم فعل ما فعله منذ أربع سنوات. الأمر الوحيد الغامض هو الفلسطينيون، وآلاف الدبابات والمدرعات والطائرات بل كل سلاح الجو لدينا لن يمكنه فعل شيء مع الفلسطينيين، نحن نحتاج إلى جهاز مخابرات ممتاز يمكنه إحباط العمليات » الإرهابية الفلسطينية «. * الدور الأمريكي الحالي: وفرص نجاح المسؤولين الإسرائيليين في تنفيذ هذه الإصلاحات في الجيش مرتبطة بزوال كلٍّ من صدام حسين وياسر عرفات، وهما أكثر لاعبين يؤثران في منطقة الشرق الأوسط؛ فبعد أن قامت واشنطن بإزاحة صدام جاء الدور على عرفات. يقول رئيس» معهد أبحاث نظريات المعارك «في الجيش الإسرائيلي البروفيسور» شمعون نافيه «:» ليس من قبيل المصادفة أن تعلن الولايات المتحدة عن أن خريطة الطريق مرتبطة بالحرب في العراق، وليس من قبيل المصادفة أن تؤكد التزاماتها بحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في هذا التوقيت الذي انتهت فيه من العراق، وتنظر فيه من خلف المرآة إلى سوريا، وتجعل الإيرانيين يعيشون في حالة ضغوط عصبية يومية مستمرة هذه الأيام. وتشهد منطقة الشرق الأوسط حالياً وجود مجموعة استراتيجية جديدة. الولايات المتحدة هنا، ونحن حلفاؤها.. وإسرائيل في نظر الولايات المتحدة ليست مصر؛ فإسرائيل بالنسبة للأمريكان عضو يمكن الاعتماد عليه.. خاصة في مجالات تعزيز مركبات الردع والإنذار المبكر في الرؤية الأمنية.. فلو لم تنجح الولايات المتحدة في حربها التي خاضتها ضد العراق لارتبط ذلك بنا مباشرة؛ حيث يرمز الإخفاق الأمريكي في حرب كهذه إلى ضعف قوة الردع الإسرائيلية، لكن بعد النجاح الأمريكي يمكننا إجراء الإصلاحات والتغييرات المطلوبة في الجيش وتكوين الجيش الجديد عالي التقنية قليل القوة البشرية. هذا بينما يقدم رئيس المعهد الاستراتيجي في مركز هرتسليا متعدد المجالات البروفيسور «عوزي أراد» وجهة نظر مختلفة متسائلاً عما إذا كانت إسرائيل قد خصصت بالفعل قوات وأموالاً لمواجهة الطرف العراقي قبل الحرب، معرباً عن شعوره بأن هذا لم يحدث قائلاً: «العراق لم يكن أبداً عاملاً من عوامل الرؤية الأمنية الإسرائيلية، باستثناء موضوع الأسلحة غير التقليدية» . وكشف البروفيسور أراد عن حدثين خطيرين يستنتجهما بعد انتهاء الحرب على العراق أولهما متوقع، والثاني غير متوقع: الأول: توقعه بأن تقوم إيران بتسريع برنامجها النووي. الثاني: فيما يتعلق بالدولة التركية ورفضها السماح للقوات العسكرية الأمريكية بالمرور عبر أراضيها إلى العراق. فإن تركيا تعتبر حليفاً استراتيجياً لإسرائيل؛ لكن ما معنى التقييدات والعوائق التركية على إسرائيل في بعض الأحيان: هل هذا يدل على أننا يمكننا الاعتماد عليها؟ * انتهاء التهديد الكلاسيكي: عقب ورشة العمل التي عقدت في عام ٢٠٠٢م تم إحداث تغيير هام في الرؤية الأمنية الإسرائيلية خاصة فيما يتعلق بما يُسمى بـ «التهديد الكلاسيكي» الخاص بدول الطوق ذات الحدود المشتركة مع إسرائيل، ويؤكد هذا التغيير على أن هذا التهديد من قِبَل هذه الدول بات ضعيفاً، فيقول الجنرال السابق في سلاح الجو «آفييام سيلاع» : «هذا التهديد من قِبَل هذه الدول أصبح غير موجود، حيث سوريا لا تشكل خطراً. ومصر والأردن وقَّعتا اتفاق سلام دولي معنا، والجيش العراقي انتهى. وهذا يشجعنا على القيام بالمغامرة المحسوبة وهي تجميد العديد من القدرات العسكرية الإسرائيلية التي سبق أن طورناها من أجل الحروب الكلاسيكية. علينا مثلاً إنهاء عمل فرق المدرعات، وتجميد الطائرات المقاتلة. وهنا أقترح قيام جيش ثلاثي الطبقات: جيش نظامي أفراد احتياط مُدربين وأفراد احتياط يتم تدريبهم قبل الحرب فقط» . وهنا يعود حاييم آسا مُتحدثاً من جديد فيقول: الجيش الإسرائيلي الحالي هو جيش وُجد وكُون نتيجة حرب «الغفران» هو بالفعل جيش أكثر استعداداً للحرب لكن أي حرب؟ الحرب التي انتهت ولم يعد لها وجود.. الحرب الكلاسيكية وهذه رؤية قديمة يجب تغييرها؛ فالجيش الحالي معتمد على تشكيلات برية كبيرة وهي رؤية عسكرية أضحت قديمة وبالية في ظل الحروب التكنولوجية الجديدة والتي بدأت في العراق. الرؤية الجديدة لتغيير نمط الجيش الإسرائيلي باتت مقبولة إلى حد كبير لدى جميع أفراد القيادة العليا الإسرائيلية في ظل رؤية أخرى مشجعة وهي أن معظم أعمار قادة الجيش الحاليين تحت الخمسين مما يؤكد أنهم لم يعاصروا صدمة حرب «الغفران» أو لم يشتركوا فيها من الأساس، ولم يشتركوا في عمليات إصلاح الجيش وإعادة بنائه بعد هذه الحرب.. هذا يؤكد على أنهم غير مرتبطين بفكرة تواجد القوات البشرية الكبيرة ذات المدرعات الكثيرة في الحرب. أما أمنون شاحاك فقدم اقتراحاً بعد التيقن من زوال مرحلة التهديد الكلاسيكي بإلغاء إحدى القطاعات الثلاثة للجيش الإسرائيلي بقياداتها. ويقول بن إسرائيل: إن إسرائيل تمتلك جيشاً برياً هائلاً؛ حيث استعدوا بعد حرب «الغفران» إلى ما يعرف بالحرب الشاملة، لكن لم تحدث حروب بالمدرعات مرة أخرى، لذا يجب تقليص قوات الجيش والاعتماد على دبابات «الميركافاه» المتطورة. وحسب التقرير السنوي لمركز «يافا للأبحاث الاستراتيجية» فإن لدى الجيش الإسرائيلي ٤٠٠٠ دبابة، منهم ١٣٠٠ دبابة من طراز ميركافاه. لقد فاجأت الولايات المتحدة العالم باستخدامها المحدود للغاية للقوات المدرعة. وهذا هو أحد أهم الدروس التي يعكف الجيش الإسرائيلي على دراستها حالياً. ولنرَ وفقاً للمعلومات المتوفرة كيف دخلت الولايات المتحدة هذه الحرب عسكرياً؛ فلقد بلغ عدد القوات المدرعة الأمريكية التي دخلت العراق من الكويت ٦٠٠ دبابة. وهنا يقول نافيه: «لقد خرجت هذه القوات المدرعة من الكويت في اتجاه العراق محمولة على مُصفحات، وتمكنت بفرقتين عسكريتين من قواتها المدرعة إلحاق الهزيمة بجيش قوامه ٢١ فرقة مدرعة وتمزيقها إلى أشلاء» . بينما يقول آسا: «حتى لو كان لدى العراق ٤٠ فرقة مدرعة، فإن الولايات المتحدة لم تكن في حاجة إلى استخدام قوات برية أكبر مما استخدمته في الحرب. فالأمريكان قاموا باستخدام كافة وسائل التكنولوجيا العسكرية المتطورة في هذه الحرب» . * الخطوات المطلوبة للإصلاحات في الجيش الإسرائيلي: بناءً على الخبرات الأمريكية في حربها على العراق فإن المطلوب إجراؤه في الجيش الإسرائيلي: - تأهيل وتدريب قوات برية خاصة للعمل بموازاة الطائرات المقاتلة. - تطوير أسلحة ذات قدرات توجيه دقيقة جداً للهدف المطلوب إصابته. - تطوير طائرات بدون طيار قادرة على حمل الصواريخ والقيام بمهام التصوير جواً والاتصالات المباشرة مع بقية فروع الجيش. - زيادة الطائرات الهجومية ذات الكفاءة القتالية. يقول آسا: «السر الكبير للأمريكيين يكمن في القدرة على الدمج بين القوات في الجو وعلى الأرض، والتي تستعين بأجهزة أقمار صناعية وأجهزة سيطرة ومراقبة. الدرس الذي قدمته الولايات المتحدة في الحرب هو أفضل النتائج التي يمكن تحقيقها عن طريق استخدام قوة بمستوى كتيبة. وهذه القوة التي تعمل باندماج مع طائرات بدون طيار، وطائرات قتالية هي أكثر فائدة من فرقة عسكرية. وهذا ما يؤدي إلى الحسم في المعركة، وأعتقد أن المسؤولين في القيادة العليا للجيش الإسرائيلي تدرك هذا الدرس جيداً» . على الجانب الآخر، ومع انتهاء التهديد الكلاسيكي فإن القيادة العامة تسعى إلى إيجاد حلول فعالة لدرء التهديدين الأخيرين: الإرهاب المحلي «الفلسطيني» والخارجي والتهديد النووي واستخدام الأسلحة غير التقليدية. ويؤكد سيلاع «أن هيئة الصناعات العسكرية الإسرائيلية قادرة على صنع وابتكار ما يُمكِّن الجيش من إحباط وصد أي تهديدات بالأسلحة النووية، وهذا يستدعي إنشاء مزيد من الأقمار الصناعية ذات الكفاءة العالية، أجهزة الرادار، وابتكار أنواع متطورة من الصواريخ المنطلقة من البحر.. لكن تبقى المشكلة الرئيسية وهو الإرهاب» الفلسطيني «حيث يقف أمامنا مئات من» الانتحاريين « والفدائيين ولا يوجد لدينا إلى الآن الرد الناجع لصدهم ولإيقافهم. لكن سيكون لدينا من الأموال الموجودة بعد وقف تطوير الأساليب القتالية القديمة ما يكفي لابتكار ما يُتيح لنا اكتشاف السيارات الفلسطينية» . «ليس معقولاً أننا لم نتمكن حتى هذه اللحظة من ابتكار وسيلة تتيح لنا اكتشاف حزام ناسف على بعد عشرات الأمتار، وليس من المعقول أن يقترب حارس الأمن من الشخص المشتبه به إلى مسافة لا تزيد عن سنتيمتر واحد فقط وهو يحمل في يديه كشافاً معدنياً لا ينفعه في شيء. إن العالم كله ينتظر البشرى التي ستخرج من هنا من إسرائيل لتعلن أننا توصلنا إلى الحل السحري لوقف مثل هذه العمليات» . * أرقام حول التكنولوجيا الحربية الأمريكية: قرأ علينا الجنرال احتياط «إيتان بن إلياهو» في نهاية المناقشات بعض الأرقام حول الثورة التكنولوجية الأمريكية منذ حرب الخليج في عام ١٩٩١م وتطبيقها في الحرب على العراق في عام ٢٠٠٣م. - عام ١٩٩١م: ١٨٠٠ طائرة قتالية - ١٢٠ ألف غارة - ٤٠ ألف غارة قامت بإلقاء القنابل - ١٠% من الأسلحة القتالية أسلحة دقيقة للغاية - استخدام ٧٠% من القوات الجوية. عام ٢٠٠٣م: ٨٠٠ طائرة قتالية - ٤٠ ألف غارة - ٣٠ ألف قامت بإلقاء القنابل - ١٠٠% من الأسلحة القتالية أسلحة دقيقة للغاية - استخدام ربع القوات الجوية. وختم بن إلياهو بالقول: «لاحظوا.. بأقل من نصف القوات الجوية، وبربع عدد الغارات التي نفذت في عام ١٩٩١م، تمكن سلاح الجو الأمريكي من تحقيق نتائج أفضل كثيراً بفضل الأسلحة الدقيقة تقنياً» .

стр. 4661

المسلمون والعالم أي احتلال نرفض ؟! ربيع الحافظ [*] rabee@alhafidh.co.uk عقد في لندن قبل أسابيع مؤتمر نظمه عراقيون من اتجاهات مختلفة تحت شعار «لا لاحتلال العراق» . المؤتمر له خصوصيتان: الأولى: هي أن المشاركين فيه يقعون بطعومهم الفكرية خارج دائرة المذاق الأمريكي، والأخرى أنهم تيار من اتجاهات واختصاصات شتى ليس من السهولة اجتماعهم في ظرف عادي. ظاهرة المؤتمر أصبحت تتكرر في أكثر من مدينة بريطانية وربما أوروبية، وتتخذ أشكالاً مختلفة باختلاف القائمين عليها، والاعتقاد هو أن هذه الظاهرة الفتية هي إرهاصات لولادة معارضة عراقية شريفة هذه المرة، كما يمكن اعتبارها إعادة تنظيم مبكر لصفوف طيف سياسي عريض في مرحلة عمرها لا يتجاوز بضعة أسابيع. كان رفض الاحتلال قاسماً مشتركاً، وتباين الحاضرون بين منادٍ بعودة السيادة الوطنية على الثروات، أو سلامة العلماء العراقيين، أو رفض العبث بمناهج التعليم، أو التعويضات المالية عن التلوث، أو رفض قيام علاقات مع الكيان الصهيوني وغيرها، وجاءت مشاركات الحضور كل على شاكلته. الحدث كبير، ويتسع للمقال السياسي والقصيدة والخطبة والمظاهرة والأهزوجة والدعاء والشكوى، ولكن التساؤل: ما هو الاحتلال الذي نرفضه؟ أهو مظهر الدبابة الأمريكية في الشارع، أو طائرة الأباتشي في سماء العراق؟ هذه المظاهر لن تدوم، وستختفي بقرار أمريكي. أظن، وليس هذا من قبيل التشاؤم، أن الذي يسري على العراق هو ما يسري على العلاقة بين الغالب والمغلوب؛ فهذه الحرب لم تكن حرباً بين دولتي جوار تتداخلان في القيم والتاريخ، وإنما بين حضارتين مختلفتين، بل نِدَّيْن تنازعا يوماً السيادة على هذا الكوكب، وأن طوراً انتقالياً من الطوفان الثقافي والاجتماعي والاقتصادي حادث لا محالة قبل حدوث نقطة الانقلاب. ولكن مجريات هذا الطور لا ينبغي أن تكون عامل يأس أو «بارومتر» يقاس على أساسه نجاح أو إخفاق مشاريع مناهضة الاحتلال. القضية أكبر من أن تعالج من طرف واحد، ولكن ثمة حقائق يتفق عليها الجميع ستدخل مجتمعة في صياغة المرحلة القادمة، منها: أن الأمريكان لم يأتوا لعمل خيري، وأن لهم مصالح سيحرصون على تحقيقها، وأنهم شأنهم شأن أي محتل بحاجة إلى «غطاء وطني» ، فعلها نابليون يوم دخل مصر، والجنرال مود في سقوط بغداد السابق، وكررها غارنر وتبعه بريمر. يوازي هذه الحقائق تركة سياسية ثقيلة لما يزيد على ثلاثة عقود من نظام الحزب الواحد والحجر الإعلامي، تتضح في ضعف الأداء السياسي عند الفرد والجماعة، وتركة اجتماعية ثقيلة لأكثر من عقد من الحصار والعوز الاجتماعي، تجعل من لقمة العيش واستتباب الأمن مطلباً أولياً عند رجل الشارع دون اعتبارات سياسية كثيرة وهو أمر ليس من الصعب فهمه. الشعارات وخطب المساجد والمظاهرات وأعمال المقاومة والإضرابات ستستمر، ولكن في الطرف الآخر من المشهد السياسي ستتشكل «الحكومة الوطنية» بمقاييس أمريكية ووزراء أمريكيين، وستنشأ الأحزاب والصحافة والانتخابات والبرلمان، وستمهر «الحكومة الوطنية» على التحولات العميقة المقدمة لها. سيشهد العراقيون تغير مناهج التعليم، وإغلاق ملجأ العامرية، ومنع أنموذج متاحف هيروشيما وناغازاكي في اليابان التي تؤسس للذاكرة الجماعية الجديدة، وسيغلق ملف اليورانيوم، وستبتلع الشركات متعددة الجنسيات الحِرف الصغيرة ويتحول أربابها إلى رعايا للشركة قبل الدولة، وسيكون إعلان الخطط التنموية للحكومة كشفاً لعدد الوظائف التي ستستحدثها «بيتزا هوت» التي ستنتج «اللحم بعجين» المحلي عوضاً عن الأفران الشعبية، وسيجعل وزير الزراعة العراقي «دان أمستوز» المختص بإقحام الحبوب الأمريكية إلى أسواق دول العالم النامي، سيجعل من مهد الزراعة عالة على البذور الأمريكية المحسنة التي لا تصلح للبذر في الموسم التالي، وسينشأ جهاز أمني جديد من متواطئين عراقيين مع المحتل على غرار الحال في فلسطين، وسيكون الذين وصفوا بضعاف النفوس الذين حرقوا التراث والمؤسسات آذاناً وعيوناً للمحتل، وربما اختير يوم سقوط بغداد يوماً وطنياً في العراق. سيحدث ذلك وغيره في ظل تواري الدبابات الأمريكية التي سترصد الحدث من وراء أسوار قواعد الحبانية ومعسكر الرشيد، وحماية الشرطة العراقية، سيحدث ذلك ضمن هامش محسوب من التسامح، ووسط شهية شرهة للمناظرات السياسية والسجالات الصحفية والعمل الحزبي الذي سيفرغ خزين ثلاثة عقود من الاحتقان السياسي. لا بد لهذا الطور «الجراحي» من عنوان، ولا زال يعلق في الذاكرة عنوان تعلمناه ونحن صبية في المدارس وهو «العصملِّي» (أي العثماني) الذي كان نعتاً لكل ما يراد وصفه بالتخلف ويراد إزالته، وقد قطع ذلك العنوان بالنشء اللاحق شوطاً بعيداً على طريق إعادة رسم الانتماء، وانحسرت رقعة الانتماء الحضاري لذلك النشء في وقت كان يشرف فيه العالم على عصر الكتل السياسية، وتبحث فيه الشعوب عن أشباه عرى تلتحق من خلالها بكتل سياسية كبرى خشية التيه الحضاري. سيختار المحتل لعملية فك الاشتباك الحضاري والثقافي لشعوبنا عنواناً ذكياًً، لن يكون هذا العنوان De-Arabification أو De-Islamification، وإنما سيكون عنواناً سهلاً مشتقاً من مواجع الناس ومشاعرهم الملتهبة، ولن يكون إلا thification'De-Ba، لتكون كلمة «بعثي» عنواناً للخيانة العظمى، وغاية يسوِّغ استئصالها كل وسيلة، وتهمة لكل ناشط يعمل في الاتجاه المعاكس، مثلما أن كلمة «نازي» هي أقذع سبة سياسية في ألمانيا اليوم لكل من تحدثه نفسه التغني بأمجاد ألمانيا التليدة، مع إدراك الشعب الألماني أن النظام النازي لا يمكن اختصاره في الحرب، وأنه صنع لألمانيا الكثير قبل أن ينتهي بها إلى الدمار، لكن التاريخ يكتبه المنتصر، وقد أوجد هذا التعامل السيكولوجي مع الشعب الألماني عقدة ذنب ونُدَباً ثقافية مزمنة، وشخصية جماعية اعتذارية لدى أجياله الحديثة، كما أوجد خلطاً بين مفهوم أمجاد ألمانيا وعظمتها وفروسية شعبها وبين النازية. في المرة السابقة اصطحب الملك فيصلٌ الأول ساطعَ الحصري (المفكر القومي العربي) الذي أبدل مناهج التعليم وأدخل مفاهيم القومية لتقطع جسور العودة الثقافية مع نظام سياسي إقليمي شرقي إسلامي متمثل بالعثمانيين، وانفك ارتباط الأجيال اللاحقة عن محيطها الحضاري الواسع. واليوم وبعد تسعين عاماً على ذلك المنعطف الأيديولوجي، ينتقل بنا الأمريكان نقلة أخرى في نفس الاتجاه، فيضع لنا مؤرخ أمريكي هذه المرة مناهج تعليم تفصل الأجيال عن محيطهم العربي والإسلامي وتقاليدهم. ربما يشار في هذا السياق إلى أن خسارة المثقف الكردي في الانقلاب الأيديولوجي الأول للمنطقة سبقت غيرها، وانحسر مضماره من أستاذ ونحوي ومصلح ومفتٍ وأديب في معاهد ومنتديات حواضر الشرق: إسطنبول وبغداد والقاهرة ودمشق، إلى ناشط محلي في كردستان، ومن فاعل رئيسي وند عنيد في عصر نهضة الحضارة الإسلامية ومطاولتها للأمم الأخرى، إلى الانكباب على إحياء مشروع قومي أقصاه قبل أربعة عشر قرناً دخول الأكراد في كنف الحضارة الإسلامية وتحكم رجالاتهم بمفاصل التاريخ. السؤال الذي يشغل بال المشارك في المؤتمرات الجديدة في ضوء ما سبق: ما هو الاحتلال الذي نرفضه، وبأي الوسائل؟ الهوسة العراقية المعروفة تقول: «هز لندن ضاري وبكاها» يوم أن قتل الشيخ ضاري الزوبعي الضابط الإنكليزي ليتشمان إبان إرهاصات ثورة العشرين في الفرات الأعلى. لكن الضابط الأمريكي المتقاعد جيه غارنر سيذهب، وسيذهب بريمر. بماذا سيهز العراقيون واشنطن ويبكونها بعد انتقال الأمانة من بريمر إلى محمد وعبد الله؟ على من سيتقاوى المقوار (عصا في رأسها قار) عندما ينسحب «الطوب» (المدفع) الأمريكي؟ هل سنستمر بالشعارات، أم نكتفي بذلك الحد من الاستقلال؟ من لم يشهد ولادة النظم العربية في بداية القرن الماضي؛ فإن أمامه اليوم مخاض حي، وإذا كان العراق سيعيد شغل مقعده في الأمم المتحدة بعد حين كدولة مستقلة وجيوش الاحتلال لا تزال تربض على أرضه، ووزاراته يديرها أمريكيون، وأن هذا بالاتفاق هو استقلال المغفلين؛ فالسؤال: لقد ملأنا الدنيا ردحاً من الزمن صخباً بأناشيد وقصائد وأعياد الاستقلال، فماذا كانت حقيقة الأمر في المرة السابقة؟ بماذا يختلف استقلال دول الجوار عنا؟ لماذا هذا استقلال مغفَّلين وذاك حكم وطني؟ وهذا طرطور والآخر صاحب جلالة إذا كانت البدايات واحدة؟ كيف يستنخي الشارع العربي هذه الأنظمة لنصرة العراق أو فلسطين؟ هل يعقل أن يستنجد أهل دمشق بعد نصف قرن بحاكم في بغداد من الطراز الذي نراه اليوم؟ كيف يمر على شعوبنا مسلسل من هذا النوع؟ كيف يسع أمة حية تكرار كارثة بهذا الحجم مرتين في أقل من قرن واحد؟ قد لا يكون اجتثاث العطب من جذوره واستبداله بالسليم هو الاختيار الحكيم دائماً، لكن العراق اليوم يقف على (zero ground) مثل برجي نيويورك، ولا بد أن تكون إعادة البناء من (zero ground) بمواصفات هندسية وقائية تجنبه حدوث ما حصل في المستقبل. ليس أسهل على مدرسة الاحتلال المعاصر من قبة برلمان، وحكومة بأغلبية برلمانية مريحة تتفيأ ظلال أحزاب سياسية معارضة مدجنة يرخص لها عاماً وتعاقب بالحرمان السياسي عاماً آخر، تطالب بحجب الثقة عن الحكومة بسبب مشكلة مواسير المياه العامة المفزورة، بينما يتفرد رأس النظام بعقد الاتفاقيات الأمنية الخارجية التي تفتح الممرات المائية والأجواء والقواعد أمام الأجنبي دون ولو مناقشة برلمانية، حتى ولو على الطريقة التركية التي تعاقب عليها اليوم. هل يجود علينا الأمريكان بأكثر من الذي يباركونه في دول الجوار أو يعاقبون عليه؟ «الحكومة الوطنية» حدث مفصلي في تقويم الاحتلال، فهي القنطرة التي إن عبرها بسلام إلى الطرف الآخر فستفضي به إلى فضاء سياسي رحب هو الطور المدني للاحتلال الذي يختفي فيه اللون الخاكي وتضفى فيه الشرعية المحلية على الاحتلال مثلما أضفت الأمم المتحدة الشرعية الدولية عليه، وبعبارة أخرى: هو «الاستقلال» الذي يوصل الدولة إلى المحافل الدولية كالأمم المتحدة وفتح السفارات كباقي الجمهوريات والممالك العربية الشقيقة. وستفتح الحكومة الوطنية الطريق أمام توظيف القضاء المدني للاقتصاص من نشطاء مناهضة الاحتلال، وسيجعل مسمى «البعث» مرادفاً للمقاومة و «اللاوطنية» ويكون بنداً ثابتاً في الدستور الجديد، كما هو الحال مع النازية في دستور ألمانيا، مع علم العراقيين أن البعث انتهى بوصول صدام إلى الحكم، وحلت محله الأجهزة الأمنية، بينما حلت خواطر القائد محل الأيديولجية. بهذه الطريقة ظلت الحكومات العربية منذ سقوط المنطقة الأول في القرن الماضي في واحة سياسية بعيداً عن لهيب محاسبات حقيقية مع قطاعات الشعب الواسعة غير الممثلة في الطيف السياسي، والعراق هو الدولة الأولى من رقعة سايكس بيكو التي تخضع لعملية جراحية أيديولوجية وديموغرافية بهذا العمق، بعد أن تضخمت هذه الدول سكانياً ونمت علمياً ورممت على مدى تسعة عقود جانباً مهماً من شخصيتها الثقافية التي أثقلها الطوفان الفكري الذي صاحب الاجتياح السابق بالتشوهات. يبقى السؤال: ما هي أدبيات المقاومة في ظل هذا الاحتلال وفي ظل «حكومة وطنية» ؟ يقولون إن السياسة فن الممكن. ولا بد هنا من إضافة حقيقة أخرى إلى جملة الحقائق الآنفة الذكر، وهي أن الشارع العراقي متخم بالأحزاب السياسية القديمة منها والجديدة التي ظهرت على السطح كالفطريات، ومتعطش للصدق والأمانة، ومفتقد لحسن السلوك والسيرة الذاتية، وهي مؤشرات في اتجاه عدة أمور: دور شاغر، وأصحاب هذا الدور، وظرف استثنائي من غياب الاحتراف السياسي. الناس العاديون يتحدثون في الندوات التي تبثها الفضائيات العربية من بغداد عن مواصفات مفقودة في قائمة السياسيين الوافدين منهم على وجه الخصوص، منها: النزاهة وعدم الارتزاق من السياسة، ولوثة العلاقة مع الأجنبي وخلو السيرة الذاتية من جنح سياسية أو أخلاقية أو جنائية أو مالية وغيرها. رب قائل يقول: لن يفوز أحد بسحبة «يا نصيب» الشعب هذه لاستحالة هذه المواصفات في الوسط السياسي؛ والواقع هو أن الفائز الوحيد بـ «يا نصيب» الشعب موجود ولكن لا علم له بنتيجة السحب، ولا يذهب لتسلم جائزته، أو أنه لا يدري كيف يتسلمها. هذا الصنف قوامه الناجحون الذين قلدهم المجتمع نياشين الإيثار والتضحية والمهنية في أوقات الأزمات، ومنهم الطبيب والمهندس والتاجر والعالم والكاتب والشاعر، هذه هي الأغلبية الصامتة التي تحملت أوزار الفاشلين والمتطفلين، ويقلقها اليوم مشهد البلاد، لكنها تنأى بقيمها ومنازلها الاجتماعية عن لوثة دكاكين السياسة وسماسرتها. هذه الشرائح تستحق هي وكل ما يأتي منها شجب المحتل؛ لأنها ليست المعادن التي تصنع منها أمريكا سبائكها؛ فهي تصنعها على الدوام من شوائب المجتمعات. إنها ظاهرة استثنائية أن يتدخل غير السياسيين لإصلاح وضع سياسي معطوب، إلى حين استرداد المؤسسة السياسية عافيتها ثم يعود كل إلى مصالحه كعودة الجيش إلى ثكناته بعد استتباب الأمن الذي تفسده العصابات، مع بقاء هؤلاء عين سخط تراقب المؤسسة السياسية وتبدي مساوئها كلما ظهرت. العراقيون - لا سيما في المنفى - ليسوا عاجزين عن إيجاد منظومة سياسية بحثية تكون ظهيراً سياسياً لهذه الشريحة في الداخل، توازي ببحوثها وإصداراتها وزارات «الحكومة الوطنية» المرتقبة وما ستضعه بين أيدي الشعب من تلفيقات، وتتحول واقعياً إلى «حكومة ظل» تحيل جلسات البرلمان إلى جحيم سياسي وتكون الطرف الحاضر الغائب فيه. هذه المنظومة ستكون لسان حال الشارع، وستكون قناتها الفضائية أو موقعها على الإنترنت على الأقل هو الموقع الذي يقصده الناس كلما تفوهت «الحكومة الوطنية» بكلمة أو أمضت صفقة تجارية أو أمنية للتعرف على الحقيقة، وستكون هذه المنظومة هي حكومة المعارضة الحقيقية التي يتطلع إليها الشارع؛ لأن همَّها ليس إسقاط الحكومة والجلوس محلها كما هو حال المعارضة البرلمانية، وليس من المستغرب أن تتناغم برامج أحزاب أو شخصيات سياسية في الداخل مع طروحات منظومة تحظى بثقة الشارع. ما قام به عراقيون في بلجيكا مؤخراً من دعوة قضائية لمحاكمة «محرر العراق» الجنرال توم فرانكس بتهم جرائم الحرب مثال عملي على الدور المشترك بين عراقيي الداخل والمنفى، وعلى نوع المسؤولية الملقاة على المنفى، وهو واحد من بين عشرات الملفات التي يمكن فتحها وتوثيقها ووضعها بين أيدي الشرفاء في الداخل لإشهارها في وجه «الحكومة الوطنية» التي ستغلق خلسة الملف تلو الملف شكراً وعرفاناً للأمريكان. لقد أسقط سقوط بغداد الحواجز بين فئات مختلفة من المجتمع اعتمدت الانطوائية في عملها، ودفعهم بشكل اضطراري ومفاجئ باتجاه العمل المشترك، لكن هذا الانفتاح لاقى طرائق تفكير مختلفة ومشارب ثقافية متباينة تنفي عن هذه الفئات صفة الفريق المتجانس المؤهل والقادر على الانطلاق بخطى عريضة. لقد كان الانحدار مرحلياً، ولن يكون الحل فورياً، بل سيكون مرحلياً هو الآخر؛ فالأوروبيون الذين أرادوا رتق خروقهم التاريخية لم ينطلق مشروعهم برفع الحدود وتوحيد العملة، ولكنهم وضعوا نصب أعينهم حقيقتين اثنتين: الأولى: رغبة جامحة في إيجاد صرح أوروبي مشترك. والثانية: ركام من التباينات والحساسيات بين أصحاب الرغبة، أي أن الاختلاف هو الأصل والوفاق ليس مستحيلاً، فجاءت الانطلاقة واقعية ولم تكن عاطفية، ولم يكن الاتحاد الأوروبي في أية مرحلة من مراحله عنواناً يبحث عن واقع، وإنما واقع يبحث عن عنوان، وهو أول نظام إداري من نوعه في العالم ابتدأ بأوروبا مشرذمة، وانتهى بها على مشارف الدولة الواحدة، ولو بُشر أوربيو الخمسينيات الخارجين للتو من الحرب بمعالم أوروبا الحاضرة لكان ذلك مجلبة للشك وربما التهكم. الأمريكان ليسوا أهل سياسة أو دهاء، وإنما أهل بارود؛ لأن البارود عنصر أساسي في تفكيرهم وتدبير شؤون حياتهم منذ هجرتهم إلى الأرض الجديدة، والإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس التي تنشدها أمريكا لا تكفيها وفرة البارود؛ فقد كان دهاء الإنكليز الفطري رديفاً للبندقية في بناء وإدامة إمبراطوريتهم، ولا عجب أن يكون الأمريكان أسهل من يُغلَب سياسياً؛ فما نازلوا خصماً سياسياً إلا وخسروا الجولة مهما صغر الخصم. الجندي الأمريكي يدرك أنه لا يستطيع إلى الأبد التشرنق بـ «الخاكي» والخوذة والمرابطة على رؤوس الطرقات وتلقي الضربات من فوق الأسطح والأزقة والبساتين في الفلوجة والأعظمية وهيت والرمادي، وله في رفيقه الجندي الإسرائيلي الذي أنهكه شبان انتفاضة فلسطين أقرب مثال. شارون بحاجة إلى حكومة أبو مازن للإجهاز على الانتفاضة، وبوش بحاجة إلى حكومة أبي رغال لتفادي انتفاضة تلوح ملامحها، وإن تعذر تشكيل حكومة فمجلس عشائر أو طوائف أو عفاريت. المهم واجهة تحقق المطلوب. الفلسطينيون فهموا اللعبة، والعراقيون قادرون على خلع أسنان «الحكومة الوطنية» وقطع الحبل السياسي الذي يخرج المحتل من البئر العراقي، وأخيراً هم قادرون على أن لا تكون قضيتهم الاستثناء الأول لقاعدة الإخفاق في (ألبوم) السياسة الأمريكية. ما لم توضع العصي في دولاب المركب الأمريكي، وتُلقى المسامير أمام عجلات النظام السياسي التافه الذي يريدونه لنا، فسيخلع الجندي الأمريكي «الخاكي» وينعم بليالي بغداد ويتحول وجوده في بلدنا إلى نزهة.

стр. 4662

المسلمون والعالم أهل السنة والجماعة في العراق (حقائق وآفاق) د. سلمان الظفيري [*] salman@ntlworld.com أهل السنة نقاوة المسلمين، ما فيهم من شر ففي غيرهم أكثر، وما في غيرهم من خير ففيهم أكثر، هم خلفاء الصحابة في حماية الديانة من تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، والوجود السني في العراق عمره عمر الدعوة الإسلامية من القرن الأول الهجري إلى اليوم. ولإلقاء الأنوار الكاشفة على تلك الحقائق في العصر الحديث فسوف نختصر الحديث عن الحقائق والآفاق عن السنة في العراق في النقاط التالية: * الوجود الجغرافي لأهل السنة في العراق: من المعلوم أن أهل السنة يكوِّنون في العراق عمقاً واسعاً في الجغرافيا العراقية؛ فالبلاد الكردية تغطي المساحة المحاذية للحدود التركية وحدود واسعة مع إيران؛ هذا بالإضافة للعمق السني العربي الذي يحاذي ثلاث دول. فتمتد البلاد من الطرف التركي السوري على طول الحدود السورية حتى الحدود الأردنية إلى الطرف الحدودي الأردني السعودي، هذا غير مناطق بغداد، الكرخ التي تغطي مناطق واسعة جداً: الطرف الشمالي لبغداد ومروراً بالطرف الغربي إلى الطرف الجنوبي للعاصمة، وتغطي الرقعة السنية كذلك قريباً من نصف أراضي محافظة ديالى ومجالاً واسعاً من الأراضي في محافظة البصرة ومحافظة بابل، وتضم ديار أهل السنة عاصمة المعتصم (سامراء) وأم الربيعين (الموصل) وبلد العلماء قديماً (أربيل) بالإضافة إلى بغداد التي فيها أكثرية سنية تصل إلى أربعة ملايين من أصل ستة ملايين. * الكثافة السكانية السنية في العراق: السنَّة هم الأكثرية في العراق، فيزيدون على ١٦ مليوناً من عدد سكان العراق؛ فالأكراد ٦ ملايين وكلهم سنة إلا جماعة قليلة تسكن في منطقة خانقين، ولعل منهم من يسكن في قصر شيرين الإيرانية وهؤلاء جماعة قليلة، والظن أنهم من أصل فارسي وهم يدينون بعقيدة الشيعة الإمامية، ومن الزعماء المشهورين منهم الآن إياد علاوي وسعد الشابندر. أما التركمان فهم في الغالبية سنة وتعدادهم مليونان، ويوجد فيهم قلة شيعية. فالتكوين المذهبي العراقي أكثريته سنية؛ خلافاً للمشهور الآن في الفضائيات من أن الأكثرية شيعية. وفي دراسة علمية لسكان العراق كانت النتائج عندي أن سكانه ذوو أكثرية سنية عربية تبلغ ١٠ ملايين نسمة، وأن الشيعة العرب لا يتجاوز عددهم ٦ ملايين، والفرس في العراق يشكلون ما يقارب مليونين؛ هذا بالإضافة إلى مجاميع قليلة من الشبك التركمان والفيلية. فهذه هي مكونات الشيعة في العراق. فالعراق بلد مسلم ذو أكثرية سنية وأقلية شيعية تسكن في الجنوب حيث الصحاري والقرى الزراعية، والكثافة العليا للسكان في العراق هي في بغداد والمناطق الشمالية. وفي الإحصاء الرسمي العراقي لسنة ١٩٩٧م وهو آخر إحصاء عراقي فيه عدد ونسب السكان من السنَّة والشيعة، وفيه أن السنة في العراق ١٦ مليوناً و٣٧٣٩٦، وأن عدد الشيعة ٨ ملايين و ٦٠٤,١٩. وقد ذكر الإحصاء أن نسبة السنة ٦٥%، وأن نسبة الشيعة ٣٤%، والحمد لله أنَّا كنا صادقين في التقديرات التي جاءت في مقال سابق، ووافقت الحقيقة الواردة في هذا الإحصاء. * التاريخ الدعوي لأهل السنة في العراق: خلال العهد العلماني الذي بدأ بسقوط الدولة العثمانية في العراق، كان لعلماء السنة منازل عالية في الدعوة والإرشاد والمواقف العظيمة؛ فالشيخ محمد الأمين الشنقيطي الزبيري كان من المشاركين في معركة الشعيبة، والشيخ ضاري الزوبعي شيخ مشايخ زوبع قصته مع الجنرال لجمن معروفة، ورفض العلامة أمجد الزهاوي لما كان رئيس محكمة التمييز تدخل الإرادة الملكية، وكان يقول لهم: إرادة الله فوق إرادة الملك، والعلامة محمد بهجة الأثري كان قد سجن ثلاث سنين في وثبة ١٩٤٨م؛ وذلك لتأييده حركة رشيد عالي الكيلاني - رحمه الله تعالى -، والعلامة محمود شكري الآلوسي كم طلب منه المحتلون المجاملة أو الملاينة فرفض ذلك، والشيخ الفاضل محمد محمود الصواف تاريخه معروف في سجنه وهروبه أيام قاسم، والعلامة بشير الصقال سجن مراراً وهو عالم الموصل وشيخها المقدام. وخلال عهد البعث مُنع الإخوان المسلمون من سير عملهم، وأُرغم العلامة الأستاذ الدكتور عبد الكريم زيدان على مضايقات في الدعوة والعمل الإسلامي، ثم ما لبث الشيخ عبد الكريم أن ترك العراق وذهب إلى بلاد أخرى، وقاموا بإعدام الشيخ عبد العزيز البدري - رحمه الله تعالى - بعد مجيئهم بسنة، وألغوا نظام الإفتاء الذي كان معمولاً به في العراق منذ قرون طويلة؛ ففي عام ١٩٧٥م توفي مفتي العراق العلامة نجم الدين الواعظ - رحمه الله تعالى - فما سمحوا بخلف بعده، وقاموا بتعطيل المدارس الإسلامية للعلماء والكليات الشرعية ومنها كلية الدراسات الإسلامية، فتم إلغاؤها سنة ١٩٧٥م وكانت مسائية في متوسطة الغربية في باب المعظم في بغداد، ولقد أصاب أهل السنة من إعدامات كثيرة خلال حكم البعث، كما سيأتي الحديث عنه. والمؤلفات السنية العراقية كثيرة، وقد اشتهر مؤرخ العراق الأستاذ عباس العزاوي بكثرة المؤلفات، وضيق عليه في عهد البعث تضييقاً شديداً ثم صادروا مكتبته وهي من أكبر المكتبات في البلاد العربية، وحرمته وزارة الإعلام من طبع كتبه، والشيخ الدكتور طه جابر العلواني فر منذ عام ١٩٦٩م من بلده متغرباً إلى الآن وأرادوا الظفر به فنجاه الله تعالى. فهل بعد هذا يقال إن أهل السنة قلة قليلة لا رموز لهم؟ وهل غير أهل السنة عندهم رموز يجارون هذه الكوكبة من أهل العلم؟ * شهداء أهل السنة خلال الحكم البعثي: أولهم: الشيخ عبد العزيز البدري قتل ﵀ وعمره ٣٩ عاماً سنة ١٩٦٩م بعد سنة واحدة من مجيء البعثيين، وكان لقتله صدى واسع في العراق وخارجه، وقد حرقوا جسمه بالسكاير، وهو أول نحير للعراقيين من أهل السنة. - رحمه الله تعالى -. الثاني: العميد محمد فرج الجاسم، وكان من ضباط القصر الجمهوري، وكان داعية لا يلين في المطالبة بحق الدين والمسلمين في إحقاق الحق، وقد تم إعدامه في أول السبعينيات. الثالث: العسكري السيد عبد الخالق السيد عثمان، وقد قتل بعد العميد محمد فرج، - رحمه الله تعالى -. الرابع: الشيخ محمود أبو سعدة إمام وخطيب مسجد أبي سعدة في الزعفرانية في بغداد، وقد التف الشباب حوله وسارت الدعوة على يديه في نجاح، فأقدم النظام على إعدامه وكان عالماً سنياً متبعاً للكتاب والسنة وفهم الصحابة والتابعين. الخامس: الرائد الركن شاكر الفزع، وقد قتل مع جماعة الفريق محمد مظلوم الدليمي، والسيد شاكر كان من الشجعان الأجواد وقد كان في سنة ١٩٩١م لما رجع الجيش من الكويت حاول مراراً قتل صدام، ثم سافر إلى أربيل، وقد حاول الهجوم على صدام في قصره هناك، وهو سني متبع الدليل وحبه للصحابة والتابعين يعرفه الجميع. السادس: الفاضل تلعة الجبوري، وكان أبوه من وجهاء الجبور وقد كان من الشباب المتحمس للكتاب والسنة في الجامعة التكنولوجية، وقد أعدم قبل حرب الخليج الثانية. السابع: عبد الحق الموصلي، وقد كون خلية لاغتيال صدام؛ إلا أن الأمر انكشف فتم إعدامه بعد إلقاء القبض عليه. وهذا غيض من فيض، وقد أخبرني الدكتور أسامة من الحزب الإسلامي أن عدد من يعرفهم ممن أعدمهم حكم صدام من الحركة الإسلامية ٤٠ مسلماً ملتزماً، وهذا غير من ترك بلده وفر من حكم صدام، مثل د. طه جابر العلواني، ود. أكرم العمري، ود. حسين الجبوري العالم الأصولي، ود. سعدي الهاشمي العالم الحديثي، والشيخ الدكتور مصطفى البنجويني العالم الأصولي والشيخ العالم أحمد حسن الطه وغيرهم كثير كالشيخ الدكتور ياسين الخطيب العالم الشرعي، والشيخ الدكتور طايس الجميلي الداعية المشهور، وهؤلاء الكرام ما زالوا أحياء؛ أفبعد هذا يقال إن أهل السنة كانوا سلبيين، وليس لهم رموز وآثارهم ضعيفة ضد حكم صدام؟ إن قائل هذا الكلام إما مغرض أراد الصيد في الماء العكر، أو هو من سقط المتاع جاهل بتاريخ بلده. * الآفاق الفسيحة في العمل الإسلامي: أهل السنة في العراق لهم عمق جغرافي وعلمي، ورموز أهل السنة يغطون العراق، ومنازلهم عالية وحرمتهم معروفة؛ ولأجل هذا فالعمل الإسلامي آفاقه واسعة، والمطلوب قبل هذا وذاك وحدة الهدف للعاملين في الساحة السنية، ويكون ذلك بالمجلس الإسلامي الأعلى لأهل السنة والجماعة، وقد ظهرت تباشير طيبة بإعلان جمعية علماء المسلمين، وقد حضرها العدد الوفير من العلماء وطلاب العلم كما ظهر ذلك قبل أيام في الواجهات الإعلامية كالفضائيات. والحاجة ماسة للمجلس الإسلامي الأعلى لأهل السنة والجماعة؛ حيث الساحة قد ألفت هذا الطرح؛ فالشيعة لهم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وقد دعا إليه علماء الشيعة؛ فالمناسب أن يكون لأهل السنة مرجعية تجعل الهدف واحداً والعمل المشترك سمة من سمات المرحلة للمشاركة في بناء البلد والشراكة في دعم أركان البلد، وتسييد الأمن والنظام فيه، ولعل هذه النقطة طرحها الآن مما تمس الحاجة إليها؛ لأن جميع المشاريع التي تخدم الشعب والبلد إذا تمت مشاركة أهل السنة بها باعتبارهم صوتاً أكثر كثافة داخل المجتمع العراقي مما يساعد على توضيح الأمور ومعرفة الأحوال على حقيقتها. والمجلس الأعلى لأهل السنة إذا أخذ وضعه كهيئه إسلامية تمثل ثلثي الشعب مما يساعد على إثراء الاستعدادات في الخروج من الأزمة الحالية؛ وذلك لكثرة العلماء والمفكرين عند أهل السنة والجماعة؛ بحيث يكون هناك نشاط المجلس في الإرشاد والدعوة الإسلامية، وإقامة المحاضن العلمية والشرعية، ودعوة العلماء للمشاركة في إصلاح البلد وتوظيف الجهود في خدمة وإصلاح الأحوال، وفي التاريخ القديم والحديث ما يشهد لأهل السنة والجماعة أنهم كانوا بمستوى المسؤولية في الأمانة والصدق، وما مظالم اليهود في الخمسينيات في سرقة محلاتهم والنهب (الفرهود) الذي شاع وقتها عنا ببعيدة؛ وكيف وقف العلامة نجم الدين الواعظ مندداً بذلك وخاطب الحكومة أن تقوم بالمحافظة على أموال اليهود. وهذه المزية ما زال كبار اليهود العراقيين يذكرونها بكتبهم؛ فأهل السنة ما سجل عليهم الغدر أو خيانة العهود بل تاريخهم ناصع وأيامهم بيضاء على غيرهم، والعراق بلادهم ومن حقهم المشاركة في بناء بلدهم؛ والشراكة في تدعيم الحياة السعيدة؛ ومحاولة إقصائهم وإظهارهم بمظهر الظل القليل مجانبة للواقع ومخالفة ومصادرة لحق الأكثرية.

стр. 4663

المسلمون والعالم إعلام عراقي جديد د. مالك الأحمد في مقابلة مع سعد البزاز، الناشر ورئيس تحرير صحيفة الزمان العراقية التي تصدر من لندن عن خططه الإعلامية داخل العراق بعد سقوط النظام أجاب بأن صحيفته وزعت آلاف النسخ بشكل يومي من البحرين عبر البصرة وداخل العراق منذ اليوم الأول لسقوط النظام، وأنه بصدد الاعتماد في إنتاج الصحيفة على المحررين من داخل العراق مع بقاء الطبعة اللندية بالصدور. وأضاف أن لديه خططاً قريبة جداً لإطلاق أكثر من قناة فضائية من بغداد بعد تحررها من نظام صدام. فخري كريم كردي عراقي معارض (سابقاً) بصدد إطلاق صحيفته اليومية (المدى) خلال فترة وجيزة جداً. أيضاً قام كريم بزيارة للقاهرة مفاوضاً إدارة (نيل سات) لاستئجار قناة على القمر المصري لإطلاق قناته التلفزيونية قريباً جداً. رئيس تحرير الديمقراطيين المستقلين وزير الخارجية الأسبق عدنان الباجه جي هو الآخر يحضِّر لإصدار صحيفة يومية باسم (النهضة) ويقول إنها ستكون متنوعة ومنفتحة على كل الاتجاهات السياسية. سوق الصحافة في العراق مزدهر الآن وبشكل غير طبيعي رغم ضعف الخدمات وانقطاع الهاتف، وأكثر من خمسين صحيفة (والعدد في تزايد مستمر) صدرت في العراق أغلبها في بغداد بعد سقوط النظام العراقي. بعض الصحف تمتلكها أحزاب المعارضة السابقة، وبعضها لأثرياء، وبعضها لشخصيات عامة تريد البروز في المجتمع. والغريب أن أول صحيفة توزع في بغداد بعد سقوط النظام هي صحيفة الحزب الشيوعي العراقي الذي استولى على مطابع حكومية، وأصدر جريدته بسرعة فائقة. ورغم أن الكثير من الصحف سياسية إلا أن بعضها اجتماعية وبعضها ساخرة. بعض الصحف ينتقد قوات الغزو الأمريكي بطرق ساخرة مثل الكاريكاتير والصور الملفقة (صورة لشخص نصفه الأيمن لصدام ونصفه الأيسر لبوش في إشارة إلى وجود صفقة بين الاثنين) . هناك صحيفتان تصدران بتمويل من شبكة الإعلام العراقي التابعة للإدارة الأمريكية وهما: (الصباح) ، و (سومر) ، وهما نواتان لمجموعة من الأعمال الإعلامية التابعة والمؤيدة للحكومة الأمريكية. أيضاً صدرت صحيفة (التايمز) التي تحاول تقليد النموذج البريطاني الذي يحمل نفس الاسم وهي صحيفة قوية نسبياً. تعتبر الصحف الكردية الأقدم؛ حيث صدرت منذ عدة سنوات في المنطقة الكردية لكنها انتقلت إلى بغداد بعد سقوط النظام. وتعتبر (الزمان) أقوى صحيفة حالياً حيث الخبرات السابقة والاستفادة من مكتب لندن فضلاً عن التمويل الضخم المتوافر لها. الشيخ العراقي (الكبيسي) أصدر صحيفة الرسالة وهي كمثل العديد من الصحف قليلة الصفحات ضعيفة التحرير والإخراج. أيضاً الحزب الإسلامي الذي يمثل الإخوان المسلمين أصدر مطبوعة متواضعة جداً لإثبات الحضور الإعلامي. التسارع الإعلامي والتظاهرة الصاخبة حياله لا تكاد توجد في أي بلد في العالم، والناس مقبلون على القراءة، وأسعار الصحف منخفضة مما جعلها في متناول أيدي أغلب الناس. إن الفوضى الإعلامية الحالية مناسبة جداً لإصدار مطبوعة أو حتى مجموعة من المطبوعات الإسلامية ذات المنهج الأصيل كي تساهم في صياغة فكر هذا الشعب الذي ذاق الهوان سنوات طويلة، وكي تكون أداة من أدوات مقاومة الاحتلال وتوجيه الناس بطريقة صحيحة. إن التكاليف لمثل هذا المشروع يسيرة جداً؛ فراتب عشرة من المحررين لا يتجاوز ٢٠٠٠ ريال في الشهر حالياً والتكلفة الحقيقية فقط في قيمة الورق الذي يتم الحصول عليه الآن بأسعار رخيصة جداً؛ نظراً لأنه كان ضمن ممتلكات الدولة وتناقلته الأيدي؛ فهل من مشمِّر، وهل من باذل لمثل هذا المشروع قبل أن يفوت الوقت وتنتهي الفرصة؟!!

стр. 4664

المسلمون والعالم مناهج التعليم الإسرائيلية والصراع العربي - الإسرائيلي بين حقبتي الحرب والسلام (١٩٤٨ - ١٩٩٦م) (١ ـ ٢) مركز دراسات الشرق الأوسط - الأردن تمثل مناهج التعليم الإسرائيلية دوراً مهماً في الصراع العربي الإسرائيلي، ويمكن القول إن التسلسل التاريخي لليهود وفق المرويات التوراتية أخذ ثلاثة مصطلحات لمعنى واحد: (العبرانيين) حين بدأ بإبراهيم ﵇، والإسرائيليين نسبة إلى إسرائيل «يعقوب» ﵇، ثم (اليهود) من بقايا العبرانيين وسبط يهوذا المشهور. أما فيما يخص المسمى الأول فلم يبق منه سوى العبرية كلغة يتكلم بها اليهود وتستخدم في أديانهم، بينما ارتبط المسمى الثاني بغزو أرض كنعان والاستيطان في الأرض وتوزيعها على الأسباط الاثني عشر. أما المسمى الثالث: (اليهودية) فله ارتباط وثيق بإسرائيل الذي تحول من اسم إنسان هو يعقوب إلى مجموعة من الأتباع، وأخيراً تحول إلى بقعة من الأرض أصبحت رمزاً للاستيطان. وفي ضوء هذا التسلسل التاريخي لليهود، فقد قُسِّم التاريخ الإسرائيلي حسب المرويات التوراتية إلى عهود يرتبط كل عهد بحدث معين أو تاريخ ذي مغزى له أثر كبير في هذه الحقبة الزمنية، وقد قسم على النحو التالي: ١ - عهد الآباء «البطريركية» إبراهيم، إسحق، ويعقوب. ٢ - مرحلة العبودية في مصر. ٣ - الخروج من مصر في القرن ١٣ ق. م بقيادة موسى ﵇، والتيه في صحراء سيناء. ٤ - غزو أرض كنعان وتدمير المدن الكنعانية مثل أريحا، والاستيطان في الأرض بعد توزيعها على الأسباط. ٥ - عهد القضاة من موت يشوع بن نون ﵇ إلى النبي صموئيل. ٦ - الملكية الموحدة وقد مثلها ثلاثة ملوك: شاؤول - داوود - سليمان ١٠٥٠ - ٩٥٣ ق. م. ٧ - انقسام المملكة إسرائيل وعاصمتها السامرة في الشمال وتضم عشرة أسباط، ويهوذا في الجنوب وتضم سبط يهوذا وبنيامين وعاصمتها القدس. ٨ - تدمير مملكة إسرائيل على يد سرجون الملك الآشوري ٧٢٢ ق. م. ٩ - دمار مملكة يهوذا على يد نبوخذ نصر عام ٥٨٦ ق. م ومرحلة السبي. ١٠ - العودة من السبي بناءً على أمر قورش الفارسي، وإعادة بناء الهيكل وتجديد العبادة بعد سقوط بابل عام ٥٣٥ ق. م في يد الفرس. ١١ - عهد «أستير» اليهودية التي أصبحت ملكة فارس بعد زواجها من الملك «أحشويرش» ودورها في إنقاذ اليهود من حملة الإبادة التي نظمها «هامان» القائد الأرمني لجيش الفرس. ١٢ - المرحلة المكابية والتي بدأت عام ١٧٥ ق. م وانتصار (يهودا المكابي) على سلوقس نيفا كتسو عام ١٦٠ ق. م وقصة مقتل يهودا المكابي وما يقال عن السعي للاستقلال اليهودي عن السلوقيين إلى أن جاء القائد الروماني بومبيوس عام ٦٣ ق. م وقضى على الأسرة المكابية المعروفة بالحشمونية في عام ٣٧ ق. م. ونلاحظ أن كتب التربية والتاريخ والعلوم الاجتماعية تركِّز على هذه المرحلة لتظهر روح التحدي عند اليهود والتصدي للبطالسة وإظهار البطولة لليهود. ١٣ - خراب الهيكل الثاني وتدميره على يد الإمبراطور تيطس الروماني عام ٧٠م. ١٤ - بداية العصيان على الرومان ونهايته عام ١٣٢م بالقضاء على الثائر (باركوخبا) أو انتصاره في قلعة بيتار التي عرفت تاريخياً بـ (متسادا) وتبرز هذه القصة بشكل كبير لتربي الأجيال على التنازل عن ما يحتل حتى لو كان صغيراً ومهما كانت الظروف والمسوِّغات. وقد أسهمت العوامل التاريخية من استثمار غربي ونشوء الدول القومية في أوروبا والأفكار التحررية التي شملتها الثورتان الأمريكية عام ١٧٧٦م والفرنسية ١٧٨٩م، في بروز فكرة التحرر الذاتي لدى اليهود وخاصة المفكرين، وفي مقدمتهم اليهودي ليوبنسكر. وقد سارعت القوى اليهودية إلى العمل على تكوين مؤسسة يهودية دولية تتولى ذلك العمل وتعمل على تنفيذه، فأقيمت المنظمة الصهيونية العالمية في سويسرا عام ١٨٩٧م لتطبق المشروع اليهودي القديم بدعم مطلق من الدول الاستعمارية مستغلة الفوضى السياسية والاجتماعية التي سادت أقطار الإمبراطورية العثمانية المتداعية، والسيطرة تدريجياً على كامل الأراضي الفلسطينية بعد قيام عصبة الأمم عام ١٩١٩م وإصدار صك الانتداب عام ١٩٢١م واحتلال فلسطين كاملة خلال ١٩عاماً منذ عام ١٩٤٨م حتى عام ١٩٦٧م ثم محاولة الامتداد إلى المناطق المجاورة كما حصل في الجولان وسيناء وجنوب لبنان. وبما أن التعليم والتربية في إسرائيل يعبران عن ممارسات عملية يومية امتداداً للتطبيق السلوكي العدواني اللاإنساني للفرد اليهودي عسكري أو مدني لذلك، فإن تحليلنا لنماذج العملية التربوية الإسرائيلية سيكون وفق ثلاث مراحل تاريخية متعاقبة تشابهت فيها طبيعة الممارسات أو النظرة إلى فلسطين الأرض والإنسان الفلسطيني مالكها ووارثها مع فارق الزمن والظروف. * وهذه المراحل هي: ١ - ١٨٨١ - ١٩٤٨م فترة اليشوف «الاستيطان» . ٢ - ١٩٤٨ - ١٩٧٧م إنشاء الكيان الإسرائيلي. ٣ - ١٩٧٧ - ١٩٩٥م مراحل التسوية السلمية. * المرحلة الأولى ١٨٨١ - ١٩٤٨م: إن تحديد العناصر الرئيسة لقانون التعليم الإسرائيلي الصادر ١٩٥٣م الذي جاء مكملاً لقانون التعليم الإلزامي الإسرائيلي الصادر في أيلول ١٩٤٩م تستلزم العودة إلى المنابع والأصول التي استقى منها القانون أبرز نصوصه التي شكلت المسار العملي للتربية الصهيونية، ويعتبر التناخ وكذلك التلمود المصدرين الأساسيين لروح ومضمون هذه التربية، وكذلك فإن الدعاوى والفلسفات الصهيونية الحديثة والمعاصرة والممارسات العملية على الأرض التي تلت إنشاء الكيان الصهيوني. وأهم معاني ومرتكزات الصهيونية الحديثة التي تنهل منها الفلسفة التعليمية الإسرائيلية هو «تحقيق المعنى القومي لليهودية الممتزج بالدين اليهودي امتزاجاً عضوياً من خلال جمع شتات اليهود في دولة واحدة، وصهر سائر العناصر اليهودية في بوتقة واحدة على أساس الثقافة والروح اليهودية» . وقد أكدت المنظمة الصهيونية العالمية على هذه المعاني في المؤتمر الأول المنعقد في بازل - سويسرا عام ١٨٩٧م. وقد ترسمت لديها الاتجاهات السياسية والفلسفية لآباء الصهيونية المحدثين في خطين متوافقين هما: أولاً: الخط السياسي. ثانياً: الخط الفلسفي الفكري. أولاً: ومن أبرز من كتب في الخط السياسي قبل وبعد الإعلان عنه رسمياً: ١ - موشيه هس «موسى هس» ١٨١٢ - ١٨٧٥م في كتابه (روما والقدس) حيث يدعو صراحة إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين، والتي تعتبر الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تتبلور عبرها القومية اليهودية تبلوراً كاملاً. ٢ - ليوبنسكر ١٨٢١ - ١٨٩١م الذي يلخص في رسالة التحرر الذاتي أهم مشاكل اليهود بعدم وجود دولة موحدة لهم، وهو أهم شيء ينقصهم وتكون ملكاً خاصاً لهم. ٣ - ثيودور هرتزل الذي شرح في كراسه دولة اليهود عام ١٨٨٦م أن قضية اليهود قائمة في كل مكان يعيش فيه اليهود بأعداد كبيرة، وتشتد حيث توجد طبقة مثقفة، وأهم ما يميز أفكار هرتزل أنه أضفى النظرة السياسية للمسألة اليهودية إضافة إلى النظرة السياسية الدولية لها، واقترح لحل مشكلة اليهود ما يلي: أ - إنشاء منظمة لليهود وينضم لها كل اليهود الموافقين على فكرة الدولة. ب - إنشاء الوكالة اليهودية، وهي عبارة عن الهيئة القانونية الاقتصادية الفعلية المتعلقة بنقل اليهود إلى دولتهم في فلسطين. ثانياً: الخط الفلسفي، ويقسم إلى فترتين زمنيتين: ١ - (١٧٥٠ - ١٨٥٠م) ويمثلها مردخاي عمانوئيل ١٧٨٥ - ١٨٧٨م الذي دعا إلى إقامة دولة يهودية على جزء من أراضي الولايات المتحدة، إلا أنه تراجع وقال إن دولة اليهود لا بد أن تقوم في فلسطين فقط. ٢ - يهودا القلعي ١٧٩٨ - ١٨٧٨م الذي أسس جمعية لتشجيع الاستيطان، ومن أبرز كتبه (طريق النعمة وسلام أورشليم) وكتاب (الحياة عام ١٨٥٦م) . ٣ - الراف (تسفي كم يشير) الذي أكد على الاستيطان في فلسطين وفق وصايا التوراة، وأسس في ألمانيا جمعية الاستيطان في فلسطين ورأسها حاييم لوريا، ودعا إلى سرعة الاستيطان وعدم انتظار قدوم المسيح المخلِّص. وتمثل هذه المرحلة بداية تطبيق المشروع الصهيوني على طريق إقامة إسرائيل كنواة للدولة اليهودية الكبرى، ويمثل هذه المرحلة ثلاثة من فلاسفة اليهود الكبار: أ - إيهود هعام ١٨٥٦ - ١٩٢٧م صاحب الفلسفة الصهيونية الثقافية. ب - أهرون دافيد غوردون صاحب فلسفة دين العمل. ج - فلاديمير زئيف جابوتنسكي صاحب فلسفة القوة. وتؤكد كتابات هؤلاء الفلاسفة على ما يلي: ١ - فلسفة الاضطهاد وترمي إلى تحقيق ما يلي: أ- إثارة العطف والشعور بالذنب لدى سائر شعوب الأرض لمؤازرة اليهود في حل مشكلتهم؛ وذلك بالتركيز على «اللاسامية» باعتبارها أحد مظاهر فلاسفة الاضطهاد. ب - إقناع اليهود بضرورة الوحدة والتنظيم من أجل التخلص من حياة الذل. ٢ - إحياء القومية اليهودية، وجمع شتات اليهود في وطن واحد، وتكوين الدولة اليهودية؛ لأن الاضطهاد أفقد اليهود شعورهم بالاستقلال الذاتي القومي. ويرى أحد هعام أن قادة إسرائيل إذا لم يكونوا مزودين ومسلحين بالثقافة اليهودية فإنه مهما بلغ إخلاصهم لدولتهم ومصالحهم فإن مقياس هذه المصالح سيكون وفقاً للحضارات الأجنبية؛ لأنهم اقتبسوها. ويدل هعام على ذلك بدولة هيرودوس في فلسطين الذي كان يعتبر ممثلاً لدولة اليهود في الوقت الذي تفتقر فيه هذه الدولة إلى الثقافة القومية؛ لأنها كانت مستعمرة ومضطهدة. ٣ - ربط الدين بالقومية. وقد سخرت الصهيونية لذلك وبحثت عن مسوغات وجودها في الدين اليهودي والكتاب المقدس وكتب التلمود فكل الأعمال التي يقوم بها اليهود جاءت وفقاً لنصوص دينية مقدسة عند اليهود. ٤ - العرقية - التمييز العنصري - والقوة المقرونة بالعدوانية والاستعلاء والتحقير، وهذا الأمر يستند إلى نصوص من الكتاب المقدس أو آراء للفلاسفة اليهود الكبار توضح تفوق اليهود على سائر الشعوب الأخرى، وأن الله هو الذي اختارهم لعبادته فقط، وباقي البشر عبيد عندهم. ٥ - فلسفة احتلال العمل وتقوم على تهميش العمل العربي، وإحلال العمل اليهودي مكانه؛ وهذه الفلسفة من أهم أركان الثقافة والتوجيه التربوي التي ركز عليها زعماء الصهيونية، ولقد تصدى العمال العرب لأعداد المهاجرين من العمال اليهود الذين تنقصهم الدراية والخبرة، لذلك كان إنتاج العامل اليهودي أقل من العربي؛ لذا كان لا بد للمهاجرين من أبناء الهجرة الثالثة تحقيق ثلاث غايات هي: أ - إحلال العمل العبري بالسيطرة على العمل العربي لضمان مصادر المعيشة لجماعات العمال اليهود. ب - تكوين طبقة عمالية عبرية ذات انتماء للعمل تعتمد عليه في معيشتها. ج - بعث الثقافة واللغة العبرية. وأبرز دعاة هذه الفلسفة هم موريش هيرش ١٧٩٥ - ١٨٧٤م، وموسى هس، وقد نادى دافيد أهرون غوردون علانية بتطبيق فلسفة احتلال العمل واعتبارها مبدأً أساسياً من شأنه أن يبلور الشخصية الطبيعية لليهودي، ونادى بأن يعمل اليهود بشتى المجالات ولا يقتصر على عمل واحد. ومن جانب آخر شرعت الحركة الصهيونية في تأسيس المنظمات العسكرية لتعزيز العمل الاستيطاني وحمايته في أعقاب الحملات العربية بعد اتفاقية سايكس - بيكو عام ١٩١٦م. كما اشتعلت ثورات فلسطينية عدة ضد الاستيطان الصهيوني والدعم الاستعماري مثل ثورة القدس أثناء الاحتفال بعيد النبي موسى يوم ٢٠/٤/ ١٩٢٠م، وطالبوا بإلغاء وعد بلفور ووقف تنفيذ مشروع التهويد. وأطلقت الشرطة البريطانية النار على العرب مما أدى إلى استشهاد اثنين منهم، وتوالت بعد ذلك ثورات العرب ضد هذا الوجود اليهودي. وكان أول مندوب سامي بريطاني يهودي هو هربرت صموئيل في أيلول ١٩٢٢م. وتنافست القوى الصهيونية في إنشاء المنظمات العسكرية الإرهابية؛ ففي عام ١٩٢٠م تشكلت الهاغاناه، ثم تلتها هاغاناه حلتومين «الهاغاناه القومية» عام ١٩٢١م، ثم منظمة إتسل ومنظمة لحمي بقيادة أبراهام شتيرن، وكلها شكلت نواة الجيش الإسرائيلي الذي أوكلت إليه مهمات الاحتلال والعدوان على الأراضي العربية. وقد شكلت هذه الفلسفة أساساً مرجعياً لفلسفة التربية الإسرائيلية المعاصرة، بل منهجاً ثابتاً تلتزم به في تطبيق مكونات هذه الفلسفة، وقد جاء قانون تعليم الدولة الصادر عام ١٩٥٣م متضمناً بعض القيم الإنسانية على عكس الإجراءات اللاإنسانية التي تمارسها السلطات ضد العرب أصحاب الأرض منذ اللحظة الأولى لتأسيس الدولة، وقد ورد في المادة الثانية من القانون ما يلي: «قيم الثقافة اليهودية وتحصيل العلوم وصحبة الوطن والولاء لدولة إسرائيل والشعب اليهودي والتدرب على العلم الزراعي والحرفي وتحقيق مبادئ الريادة والكفاح من أجل الحرية والمساواة والتسامح والمنفعة المتبادلة ومحبة الجنس البشري» . إن المطلع على كتب الأدبيات الإسرائيلية الحرة ومقارنتها بالكتب التعليمية الإسرائيلية المقررة رسمياً يلاحظ أنه لا فرق مطلقاً في الوجهة التربوية بين نظرة اليهودي الإسرائيلي إلى نفسه ونظرته إلى الأغيار وخاصة العرب، ويرى نفسه متقدماً وغيره خدماً ومتخلفين؛ في حين يسعى هو إلى نقلهم إلى حالة الرقي والتقدم. ويلصقون بالعربي العبارات السيئة مثل: الغباء والفشل والقذارة والتوحش والسطو وميله إلى التخريب؛ لذا يجب اقتلاع العرب. إن القارئ لبعض النماذج من الأدب العبري المعاصر يرى أن اتجاهات هذا الأدب لم تخرج عن أدب الهجرة والاستيطان المقترن بالريادة، ويلاحظ أنه يدعو علانية إلى احتلال كل المقومات الحياتية القائمة على أرض فلسطين وتهويدها، ولا يختلف أدب الصابر «أي الجيل الذي ولد ونشأ في فلسطين» عن الأدب السابق، وقد حمل هذا في طياته الدعوة بشكل مباشر لاحتلال الأرض والترحيل للسكان العرب. ونلاحظ أن الأدب العبري انتقل من أدب التجند في ظل الانتداب إلى أدب الحروب: حرب ١٩٤٨م، وحرب ١٩٥٦م، وحرب حزيران ١٩٦٧م، ويوم الغفران ١٩٧٣م، إضافة إلى الحروب المتلاحقة مثل احتلال لبنان ١٩٨٢م. ولعل من أبرز الأمثلة على هذا الأدب قصص الصواريخ ٦١٢ وبداية الصيف لعام ١٩٧٠م، وذكرى الأشياء. * صورة العربي في أدبيات الطفولة والناشئة اليهود: في أول كتاب حول أدبيات التعليم والثقافة العبرية للبروفسور أومير كوهين أستاذ التربية في جامعة حيفا بعنوان: «وجوه قبيحة في المرآة» عام ١٩٨٥م، يركز الكتاب على مسألة الصراع العربي الإسرائيلي في أدب الناشئة؛ حيث يعترف كوهين أنه حتى نهاية عام ١٩٨٤م لم تتغير النظرة المشوهة إزاء الإنسان العربي؛ فالنظرة عدائية ولم يحل محلها نظرة احترام أو قيم. وقد تأثر الأدب الصهيوني الطفولي بالفكر الصهيوني العنصري القائم والموغل في القومية العرقية والاستعلاء المغلف بمفاهيم وتعاليم توراتية وتلمودية، ونظم وأحكام المشنا والجمارا. وقد شرعت القيادات الصهيونية بتسخير أحلامها وتجنيد طاقاتها الفكرية لصياغة أدب جديد يلائم المرحلة القادمة، قوامها العودة إلى أرض الميعاد، وقد ارتكز هذا الأدب على عدد من المرتكزات، هي: ١ - استعلائي «عرقي» . ٢ - استيطاني استعماري احتلالي. وفي القسم الأول يعتبر الأدباء أن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، وشعبها ليست له هوية، وأن سكانها بدو متوحشون احتلوا البلاد وخربوها؛ لذا يجب أن يعودوا إلى الصحراء وأن يستولي اليهود على الأرض؛ لذلك فالحرب مستمرة بين العرب واليهود إلى أن يتم طرد العرب الذين صوروا بأقبح الصور وأنهم قُطَّاع طرق وقذرون، وثيابهم رثة، ويمشون وهم حفاة الأقدام. أما المبحث الثاني الاستيطاني الاستعماري فينظر إلى العرب على أنهم أشجار بلا جذور يتحتم اقتلاعها عاجلاً أم آجلاً، وأنهم عصابات سرعان ما يهربون من الأرض؛ وهذا دليل على عدم الانتماء للأرض التي يعيشون عليها؛ لذا فالعرب مجرد لصوص يسرقون المياه من أرض الأمة العبرانية. والعربي الذي يعيش في نابلس والخليل وباقي المدن يشكل قلقاً لليهودي وللسائح الأجنبي وهدفه البقشيش فقط وابتزاز السائح. ومن أبرز ما كتب وألف في هذين المحورين كتاب «الدين والقومية في المجتمع الإسرائيلي» الذي صدر ١٩٨٦م، وهناك العديد من القصص التي ألفت للأطفال اليهود هدفها غسيل الدماغ للأطفال اليهود وتصوير العربي بأبشع الصور وإنه قاتل ومخادع ويصور العرب أنهم هم الذين بدؤوا بقتل اليهود في المستوطنات، وأن اليهود ردوا عليهم؛ لذلك هرب العرب من المدن إلى الدول المجاورة، وهذه صورة استعلائية عدائية للعربي يرسمها أليعازر شموئيلي في كتابه «رجال في التكوين» الصادر عام ١٩٣٣م؛ إذ إنه طويل القامة عريض المنكبين يلمع في عينيه بريق الغضب، ووجهه قاس تحت جبين ضيق وصغير، وشاربه مدبب.. وفي كتاب آخر لنفس الكاتب يصف العربي بوصف بشع ويثير في نفوس الأطفال اليهود الرعب والخوف حتى يترسخ الحقد على العربي بعد أن يكون قد شوه صورته. وهنالك العديد من الكتب التي تؤكد على نفس الصورة السابقة، وتصف الجندي اليهودي بأنه مسالم لا يحب الدم والقتل، والذي يدفعه لذلك هو العربي المتعطش للدماء والقتل. وبعد توقيع اتفاقية السلام المصرية - الإسرائيلية في كامب ديفيد يصور العربي بأنه يمارس تجارة جنسية تنتهي عند التهريب والتجسس وخطف الطائرات والعمالة للدول الأجنبية. وينتقل الكتّاب اليهود إلى نوع آخر من الأدب وهو إثبات أن اليهود عاشوا في كل البلاد، وأنهم أينما حلوا كان لهم أثر كبير في تلك البلدان؛ ولعل أبرز كتاب يدل على ذلك هو كتاب «مواقع وأماكن في الأردن» الذي صدر عام ١٩٩١م، ويبحث هذا الكتاب في الأماكن الأثرية في الأردن التي يعتبرها اليهود جزءاً من أرض إسرائيل وتاريخها ومرتبطة عضوياً بتاريخ اليهود؛ حتى إن بعض سكانه وعشائره من أصول يهودية. أما آخر الكتب صدوراً فهو كتاب «القرن» تأليف مردخاي تئور الصادر عن مؤسسة عام عوفيدا تل أبيب عام ١٩٩٦م، وهو بمثابة ملف تاريخي وثائقي للصهيونية وإسرائيل عبر مائة عام من ١٩٠١م، ولغاية منتصف ١٩٩٦م وتوظَّف فيه الوقائع التاريخية لصالح الحركة الصهيونية وإسرائيل على اعتبار أن فلسطين اسم عابر في التاريخ والعرب ليسوا إلا دخلاء بفعل الحملات العسكرية. * المرحلة الثانية «١٩٤٨ - ١٩٧٧م» : وهي المرحلة التي بدأت منذ تأسيس الكيان الإسرائيلي العام الذي سبق توقيع اتفاقية السلام المصرية - الإسرائيلية، أو ما يعرف باتفاقية كامب ديفيد. وسنتحدث هنا عن فلسفة التربية الإسرائيلية في العلوم الإنسانية وذلك من خلال تحليل النصوص الأدبية والتثقيف الصهيوني ومدى الترابط بين القصص والآداب والشعبية الإسرائيلية وبين مناهج التعليم الإسرائيلية التي تتبناها وزارة المعارف، وتصور هذه المناهج فلسفة الكيان الصهيوني المبينة أصلاً على مستويات الاحتلال والاستيطان. ومن خلال تحليلنا لبعض النصوص في الكتب الإسرائيلية يلاحظ أن مؤلفي هذه الكتب قد أجمعوا على عدد من الأمور منها: ١ - اعتبار اليهود أساس التطور في فلسطين، وبغيرهم لن يحدث لها تطور وتقدم. ٢ - اعتبار فلسطين والجولان أرضاً يهودية، والأقطار المجاورة غريبة عنها تاريخياً وعقدياً. ٣ - اعتبار العرب محتلين للأرض، والفتح العربي ما هو إلا غزو تاريخي. ٤ - وصف العرب بأنهم بدو رحل جاؤوا إلى فلسطين على أنهم غزاة، وقد هدموا حضارة اليهود وعمرانهم. ٥ - التركيز على تعرض اليهود للظلم بشكل دائم. ٦ - الادعاء بوجود ممتلكات لليهود خارج فلسطين «الأردن، والجولان، وجنوب لبنان» . ٧ - مساعدة الإنجليز لليهود ليست سوى رد جميل لليهود مقابل خدمات اليهود للإنجليز. ٨ - التركيز في كل موقع على بدعة الفناء والكارثة التي تعرض لها اليهود من قِبَل الألمان. ٩ - وصف العرب أصحاب الأرض بالمعتدين وقطاع طرق. ١٠ - ردة فعل اليهود ضد الفناء الأوروبي والإرهاب الغربي كانت بإقامة المزيد من المستوطنات. ١١ - القول بأن سلطات الانتداب مارست الإرهاب ضد اليهود المستعمرين لمنعهم من الإقامة في فلسطين. ١٢ - إظهار قدرة الجندي اليهودي أمام الجندي العربي، والبطولات التي قدمها اليهود مقابل العرب. ١٣ - الادعاء أن الفلسطينيين هم الذين هربوا من ديارهم ولم يُطرَدوا منها. ١٤ - اتهام العرب بالعدوان على إسرائيل. ١٥ - الدعوة الدائمة لإقامة المستوطنات رداً على العرب ودفاعاً عن أرض إسرائيل. ١٦ - تصوير الاحتلال الإسرائيلي بأنه نعمة للعرب وليس نقمة من خلال التقدم والعلم الذي حصل مع مجيء اليهود لفلسطين. ١٧ - عدم الاعتراف بجنسية اليهود في البلدان المختلفة، والاعتراف بالقومية اليهودية فقط. ١٨ - حتى يحافظ اليهود على استقلالهم وهويتهم تجمعوا في مراكز خاصة بهم في كل الدول التي عاشوا بها. بعد هذا العرض لأهم مرتكزات الفلسفة اليهودية في التربية والتعليم لدى النشء اليهودي نلاحظ أن هذه التربية وضعت مرتكزات وقيم تربوية خاصة بمدينة القدس من خلال التنكر للوجود العربي الإسلامي في المدينة، واعتبارها مدينة يهودية خالصة ولم ينقطع الوجود اليهودي فيها، واعتبار سائر المساجد والكنائس والمعابد أماكن أثرية يهودية دائمة بناها المسيحيون والمسلمون على أنقاض المعابد اليهودية كما هو حال الحرم القدسي الشريف الذي بني على أنقاض الهيكل، وتمثل القدس رمز الاستعلاء اليهودي والتفوق العرقي على بقية الشعوب. ويرى اليهود من مؤلفي الكتب أنه لا عيب أو نقص في الإشادة بفكرة الاحتلال التي تطبقها الصهيونية في حروبها؛ فهم يعتبرون يوشع بن نون ممثلاً وكذا داود.. وأما الفتح العربي فهو احتلال عربي، والخليفة عمر بن الخطاب كان قائداً للمحتلين، ووصف العرب بأنهم مخربون ومحتلون، ويعتبر احتلال إسرائيل للقدس نعمة؛ حيث نلاحظ مدى التقدم والعمران الذي شهدته المدينة في عهد اليهود، وأن اليهود كانوا دائماً متغلبين على العرب ديموغرافياً في القدس. ويدعو المؤلف إلى تطويق القدس بشكل دائم بالمستوطنات لضمان السيطرة اليهودية. وتحاول الصهيونية زرع الفتنة دائماً كلما سنحت الظروف؛ فهي تقول إن القائد صلاح الدين طرد وقتل الصليبيين عند فتح القدس عام ١١٨٧م، ولكنه أعاد لليهود معبدهم والقدس هي مركز عبادة اليهود وقد تأثر بذلك كل من المسلمين والمسيحيين. بعد هذه المقدمة عن فلسفة التعليم في إسرائيل وما في الحقائق التي تسعى الصهيونية لتزويرها لإثبات الأكاذيب التي قامت عليها استناداً إلى الأساطير التوراتية المدعمة بالأكاذيب التلمودية يعرض لنا المؤلف نموذجاً تطبيقياً لهذه الكتب، ومدى التزوير الذي لحق بهذه المؤلفات تحت سمع ونظر وزارة المعارف وهي السلطة المشرفة على تأليف الكتب الدراسية لطلاب المدارس الإسرائيلية. أول هذه النماذج هو كتاب «يروشلايم يهودا فشورمدون» لمؤلفه أليعازر فيكتين، والذي صدر عام ١٩٨٤م بتكليف من وزارة المعارف والثقافة، وقد سار المؤلف في هذا الكتاب على منهج المؤلفين الصهاينة في الكتب المدرسية في التنكر للوجود العربي الإسلامي اسماً ومحتوى، وأراد الكاتب أن يصل بالطالب إلى حقيقة استمرار وديمومة الوجود اليهودي في فلسطين. ونرى أن المؤلف يضع صوراً لمعالم يهودية موجودة في القدس لإثبات الحق اليهودي في القدس؛ فغلاف الكتاب يكرس حقيقة الوجود اليهودي من خلال إظهار صورة برج داوود وإحدى المستوطنات واليهودية التي أحاطت بالقدس.. ونلاحظ أن المؤلف أبرز صورة الكنيس في قلب القدس كرمز يمثل جمع منتخب الأمة اليهودية القائم في أورشليم. ويحرص المؤلف على فكر يبين مبدأ الاحتلال من خلال فكرة أنه منذ أن احتل داوود أورشليم خصها وجعلها عاصمة لمملكة إسرائيل، وبنى فيها سليمان هيكله المقدس وقصده. ويؤكد على ملكية اليهود للقدس دون غيرهم، ويتحدث المؤلف عن تطور المدينة في عهد ملوك إسرائيل ويقدم لذلك بعض الاكتشافات الأثرية الملفقة محاولاً إثبات حقهم في القدس. ويعتبر المؤلف أيضاً أن جبل الزيتون جبل يهودي أطلق عليه اسم جبل المدافن والقبور اليهودية. ويعرض المؤلف العديد من الصور والرسومات التي يقول إنها تعود لعهود يهودية وجدت في القدس، ويربط ذلك بمفهوم العودة إلى أرض صهيون. أما عن الوجود العربي فلم يخصص المؤلف سوى خمس صفحات لهذا الوجود، ويرى فيها أن الفتح العربي كان احتلالاً لهذه المدينة، وأن الخليفة عمر بن الخطاب كان قائداً لجيش المحتلين وأن المسلمين أقاموا مسجدهم الأقصى على أنقاض الهيكل وخاصة مبناهم الرائع قبة الصخرة، وأنهم استخدموا العديد من بقايا المباني اليهودية والمعابد لبناء هذه المعابد الإسلامية، وأن قصور الأمويين الموجودة هناك بنيت على حساب معابد يهودية، وأن قدسية المدينة جاءت للمسلمين تأثراً باليهود حتى الصخرة المقدسة هي عند اليهود قبل أن تكون عند المسلمين. وفي الفصل السادس من الكتاب يتحدث الكاتب عن التطور الذي حصل للقدس بفعل اليهود، ومدى الخدمات التي قدموها لهذه المدينة. ولا يغيب عن بال المؤلف اتهام الجيش الأردني بأنه قام بهدم كنيسين لليهود في القدس هما «حورخوت يهودا حيسر ونفئيرت يسرائيل» بهدف تشويه الحكم العربي، وأراد أن يثبت مدى ديمقراطية اليهود وهمجية العرب بالنسبة للطالب الإسرائيلي. ويورد المؤلف العديد من المنشآت التي وجدت بفضل الحكم الإسرائيلي للمدينة المقدسة، ويورد خاتمة للتعداد السكاني يظهر فيها مدى التفوق السكاني اليهودي على العربي على مدى العصور؛ فاليهود عام ١٩٤٨م كانوا يشكلون ثلثي عدد السكان، والعرب الثلث الآخير. وعن التطور في مدينة القدس يقول المؤلف إن القسم العربي لم يحصل عليه تطور حتى بعد ١٩٦٧م؛ في حين تطور الجزء اليهودي بشكل ملحوظ إلى أن بلغ هذا التطور أوجه بعدما يسمى عملية التوحيد للقدس، ويتناسى المؤلف عمليات الطرد والترحيل التي عملتها الصهيونية ضد المواطنين العرب، وأن الجيش احتل الأحياء العربية فلم يعد أمام السكان سبيل من التوسع العمراني، وكذلك المذابح التي ارتكبتها العصابات الصهيونية بحق السكان العرب مثل مذبحة دير ياسين ٩/٤/ ١٩٤٨م، وأن الصهيونية دفعت السكان العرب للهجرة وأحلت محلهم المهاجرين اليهود. ويقارن المؤلف بين القسم العربي واليهودي محاولاً إظهار وإبراز التفوق اليهودي على العربي، وإثبات التخلف العربي. ويذكر لذلك العديد من المنشآت اليهودية مثل الكنيست ورئاسة الوزراء والجامعة العبرية، ويعتبر المؤلف العرب المسلمين محتلين ومخربين. أما عند الحديث عن احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة فقد أفرد المؤلف لذلك أربعة فصول ليؤكد على مبدأ الاستيطان ويفصل فيه تطور الاستيطان ويركزه في أذهان الطلاب علماً وعملاً، ولم يشر إلى العرب السكان الأصليين، ويعرض العديد من الخرائط للمدن الفلسطينية موضحاً فيها التجمع اليهودي ليثبت بذلك تاريخ الوجود اليهودي منذ القدم ويتجاهل المؤلف العرب ويطلق عليهم اسم غير اليهود، ويعرض إلى العديد من المستوطنات المنتشرة في الضفة بشكل كبير، ويقارن عدد السكان اليهود مع العرب ليظهر مدى التفوق اليهودي في ذلك. أما عن الصهيونية ونعمة الاحتلال فهو يورد العديد من الأمثلة التي توضح مدى التطور الذي حصل بسبب اليهود؛ ومنها ارتفاع الدخل للعائلة، وتزويد القرى بالكهرباء والماء، وإيجاد الطرق المعبدة ونظم الزراعة الحديثة. أما عن البدو العرب فيقول إنهم غزاة وبقايا الجيش المحتل الذي جاء مع عمر بن الخطاب. ويتحدث الكاتب في معرض حديثه عن السياسات الإسرائيلية في التعليم عن كتب منهجية تنكر الحق العربي التاريخي والحضور العربي والإسلامي في فلسطين، ويورد مثلاً على ذلك سلسلة من الكتب الأخرى لتحمل اسم «للمجموعة الرائعة عن الأرض الطيبة» «يقط حميد على هآرتس هطوف» الصادر عن وزارة المعارف والمخصص للمدارس الدينية اليهودية وصدر عام ١٩٨٦م، وهو بمثابة التوجيهات الدينية والشعر والقصة اليهودية. ويورد في الكراس الأول من الكتاب تحت عنوان «لمن تخص وتنتمي أرض إسرائيل؟» مناظرة بين الآباء الأوائل لليهود وبين بعض الشعوب التي حاولت احتلال أرض إسرائيل، وهذه الشعوب هم أبناء إسماعيل «الإسماعيليون» أي العرب ومعهم الكنعانيون والمصريون، ولكن يتصدى لهم الأجداد من اليهود ويثبتون أحقية اليهود في أرض فلسطين بناءً على عهد ووعد من الله لبني إسرائيل. وفي قطعة نثرية أخرى يدور حوار بين تلميذ ومعلم حول سكان الأرض فيجيب المعلم أن السكان هم اليهود، وعندما يسأله عن الفلسطينيين يجيبه بقوله: «لا يوجد اليوم فلسطينيون؛ كل المدن سكانها يهود، وكلهم يتكلمون العبرية» . وعندما يتحدث عن العرب يقول: إنهم قليلون ولا يأتون إلا يوم الخميس من أجل السوق للشراء والبيع. ويلاحظ القارئ لقصة هدية الحياة الصغيرة تأليف رفقا النيسور صفحة ١٤ أن الكاتب يؤكد مرة أخرى على مبدأ الاحتلال، وكتب: عادت القدس ومعها حائط المبكى واندفاع اليهود لحائط المبكى والقدس. ومن الكتب المنهجية الأخرى سلسلة كتب أرض الوطن وهما عبارة عن جزئين صادرين عن مركز التلفزيون التربوي التعليمي التابع لوزارة المعارف، ويتحدث عن فلسطين قبل مؤتمر بال وغالبية التعداد اليهودي الموجود في الأرض، وأن عددهم يفوق عدد العرب.

стр. 4665

المسلمون والعالم موريتانيا بين الإسلام والعلمنة يحيى أبو زكريا [*] منذ استقلال موريتانيا وتعيين فرنسا مختار ولد دادة رئيساً لموريتانيا، وكل الأمور الصغيرة والكبيرة بيد العسكر الذين تلقّى العديد منهم تكوينه العسكري في المعاهد العسكرية الفرنسية، ومنذ ١٩٦٠م وإلى سنة ألفين لم تخرج مقاليد الأمور من يد العسكر الذين كانوا يديرون لعبة الحكم بالتراضي أحياناً وبالتصادم أحياناً، وفي أحايين أخرى كانوا يتقاسمون النفوذ والمصالح. ودائماً كانت الرتب العليا في المؤسسة العسكرية حكراً على حملة الثقافة الفرنسية واللغة الفرنسية، وكانت المعاهد الفرنسية يغلب عليها الطابع الفرانكفوني. وكانت السلطات الفرنسية تدعم باستمرار هذه المعاهد الفرنسية، على عكس المعاهد العربية التي كانت تلقى الإهمال والإجحاف، وكان خريجو المعاهد العربية لا يجدون وظائف بعد تخرجهم في الجامعة. وللإشارة فإنّ المعاهد العربية لم تكن تتجاوز ثلاثة معاهد في مناطق بوتيليمين وإطار وكيفة، بينما أخذت المدارس الفرنسية تتكاثر وتتوالى عليها المساعدات من المراكز التعليمية الفرنسية التي كان مقرّها في داكار في السنغال. بالإضافة إلى هذا فإنّ الدستور الذي حكم موريتانيا لأزيد من عقدين كان نسخة طبق الأصل عن الدستور الفرنسي للجمهورية الخامسة، على أساس أنّ الشعب الموريتاني وفي عهد الاستعمار الفرنسي أيّد الدستور الفرنسي للجمهورية الخامسة وكان ذلك في ٢٨/٩/١٩٥٨م. ومن رحم هذه الأجواء الثقافية الفرانكفونية نشأت النخبة العسكرية الموريتانية التي وجدت نفسها صاحبة الحل والعقد في دولة كل سكانها من المسلمين، وقد عملت هذه النخبة على: - طمس الهويّة العربية والإسلامية للشعب الموريتاني. - ملاحقة كل التيارات الوطنية والإسلامية التي تنهل من العروبة والإسلام والتي كانت تتحرك من منطلق إرجاع موريتانيا إلى دائرتها العربية والإسلامية. ولم تتمكن هذه النخبة الفرانكفونية من فرض الثقافة الاستعمارية بالقوة؛ إذ إنّ الشعب الموريتاني الذي لعب أجداده دوراً كبيراً في إيصال الإسلام واللغة العربية إلى إفريقيا، ظلّ محافظاً على أصالته. ولأجل الدفاع عن الهويّة المسلوبة تأسس العديد من الأحزاب والتيارات التي كانت تهدف إلى استرجاع الهويّة المسلوبة، وقد قرعت الأحزاب الوطنية والإسلامية جرس الإنذار باكراً، وبدأت تدفع الشعب الموريتاني باتجاه العودة إلى أصالته، وهذا ما جعل العسكر يصعّدون حملاتهم ضدّ هذه التيارات التي كانت تحمل مشروعاً مغايراً لمشروع السلطات المتعاقبة على موريتانيا. * خارطة الأحزاب السياسية في موريتانيا: على الرغم من أنّ موريتانيا دولة صغيرة وهي شبه معزولة عن العالم، وتعيش صراعاً مريراً بين الأصالة والمعاصرة، وبين التقاليد والعصرنة، وبين فكر القبيلة وفكر المدينة، إلا أنّها تشهد حركة حزبية وسياسية نشيطة منذ استقلالها وإلى يومنا هذا. وكثرة الأحزاب السياسية في موريتانيا تعكس التوق الكبير إلى الحرية وانفتاح الموريتانيين على كافة التيارات والمذاهب الفكرية والسياسية، وكثيراً ما كانت موريتانيا تتأثر بالأفكار القادمة من المشرق العربي وحتى من بقية الدول المغاربية، والتيارات السياسية في موريتانيا هي في الواقع انعكاس للحركات السياسية في المشرق العربي وبقيّة الدول المغاربيّة. ومع أنّ منطق القبيلة هو المسيطر على المسلكية الاجتماعية في موريتانيا إلاّ أنّ ذلك لم يحل دون انتشار الأفكار السياسية من كل الألوان في هذه القبيلة أو تلك، إلى درجة أنّ باحثاً موريتانيّاً وفي مضمار حديثه عن القبائل الموريتانية أشار قائلاً بأنّ القبيلة الماركسية والقبيلة الإسلامية في إشارة إلى رواج الأفكار الماركسية في هذه القبيلة والأفكار الإسلامية في القبيلة الأخرى. ومن أقدم الأحزاب السياسية في موريتانيا حزب الشعب الموريتاني الذي تمّ حلّه إثر انقلاب يوليو ١٩٧٨م. وهناك أحزاب كانت تعمل في السرّ كالحركة الديموقراطية الوطنيّة والتي تأسست سنة ١٩٦٨م، وحزب النهضة الذي أسسه أحمد بابا مسكي في الستينيات، وحزب الكادحين الموريتانيين الذي تأسس في سنة ١٩٧٣م، وحزب العدالة الموريتاني الذي تأسس في باريس في سنة ١٩٧٤م، وحزب البعث الاشتراكي الموالي للعراق وهو من أقدم الأحزاب العاملة في موريتانيا، وقد أتهم هذا الحزب مراراً بمحاولة قلب نظام الحكم، آخرها محاولة انقلابية للإطاحة بحكم الرئيس معاوية ولد طايع، وذلك بالتنسيق مع العراق كما جاء في بيان اتهام هذا الحزب. ومن الحركات السياسية التي كانت تنشط في موريتانيا الحركة الناصرية التي كانت متأثرة بفكر الرئيس جمال عبد الناصر. ونتيجة للاضطرابات السياسية وتوالي الانقلابات العسكرية فقد برزت عشرات الأحزاب السياسية إلى الوجود، وانقرضت أخرى، بسبب حظر الحكومات المتعاقبة على الحكم في موريتانيا قيام أحزاب سياسية وخصوصاً تلك التي تقوم على أساس ديني. وقد بدأت الحركة السياسية في موريتانيا تزدهر بعد إقرار الدستور الجديد الذي وضعه الرئيس الموريتاني معاوية ولد طايع، وقد نصّ الدستور على مجموعة مبادئ عامة منها جميع مبادئ حقوق الإنسان وحقوق المرأة، وأكد الدستور الجديد على أنّ الإسلام هو دين الدولة، وأنّه المصدر الوحيد للقانون والذي يتلاءم مع متطلبات العلم الحديث، وبهذا الشكل أرضى الدستور التيارات الإسلامية التي كانت تطالب بتطبيق الشريعة الإسلاميّة، وأرضى التيارات العصرية التي كانت تطالب باحترام حقوق الإنسان والمرأة. وأكد هذا الدستور على أنّ الشعب الموريتاني شعب مسلم عربي وإفريقي مصمم على السعي من أجل تحقيق وحدة المغرب العربي والأمة العربية وإفريقيا. وأقرّ الدستور الجديد على أنّ اللغة العربية هي لغة رسمية من دون شريك في رسميتها ومن دون ازدواجية في سيادتها، وبهذا الشكل أرضى الدستور القوميين الموريتانيين الذين يؤمنون بعروبة موريتانيا، وبتأكيد الدستور على الانتماء الموريتاني إلى إفريقيا أرضى الزنوج الذين يرفعون شعار موريتانيا الإفريقية، والذين يتحدثون في خطاباتهم السياسية على ضرورة تحرير موريتانيا من البيضان. وأكد الدستور على أنّ اللهجات الإفريقية السائدة في موريتانيا وهي: البولارية والولفية والونيكية هي لغات وطنية في موريتانيا، ونصّ الدستور أيضاً على المساواة بين جميع المواطنين من دون تمييز في الأصل والجنس والعرق والمكانة الاجتماعية، وفي الوقت نفسه نصّ الدستور على أنّ القانون يعاقب كل دعاية إقليمية ذات طابع عنصري وإقليمي. وتجدر الإشارة إلى أنّ مجموعة من الزنوج الموريتانيين كانوا قد أسسوا في السبعينيات حزباً أطلقوا عليه اسم: جبهة تحرير الأفارقة في موريتانيا، وكانت هذه الجبهة تهدف إلى إقامة دولة سوداء في موريتانيا، التي ستحمل اسم دولة والو والو في حال نجاح خطة هذه الجبهة، وقد حاولت جبهة تحرير الأفارقة القيام بانقلاب عسكري أحبطته السلطة الموريتانية في ذلك الوقت. وكانت جبهة تحرير الأفارقة التي أسسها وول فوغوي تطالب بتحرير موريتانيا من البيض، وكانت على علاقة ببعض الدول الإفريقية المرتبطة بفرنسا، كما كانت على علاقة بالأجهزة الأمنية الفرنسية. ومن الأحزاب التي تأسست في وقت لاحق حزب اتحاد القوى الديموقراطية الذي أنشأه أحمد ولد دادة وهو حزب يساري، والحركة الوطنية الماركسية التي تخلت عن أيديولوجيتها وتكيفت مع المتغيرات العالمية، وحزب العمل من أجل التغيير الذي كان يتزعمه مسعود ولد بلخير وهو شخصية سياسية منشقة عن حزب اتحاد القوى الديموقراطي، والرابطة الديموقراطية الموريتانية وهي حزب كان شكلياً في خانة المعارضة وجوهرياً من أقرب الأحزاب إلى نظام معاوية ولد طايع. وقد تحول حزب البعث الموريتاني إلى حزب الطليعة وكان يتزعمه خضري ولد طالب جدو، ثمّ تولى زعامة الحزب عبد الله ولد أمحيمد الذي اعتقل بتهمة تدبير انقلاب ضدّ نظام معاوية ولد طايع بالتعاون مع المخابرات العراقية. ومن الحركات السياسية الأخرى في موريتانيا حزب التحالف الشعبي التقدمي وهو ذو ميول ناصرية وقومية وكان الناطق باسم هذا الحزب هو محمد الحافظ ولد إسماعيل، وحزب الجبهة الديموقراطية الموحدة وتزعمه الحضري ولد خطري، وحركة الحراثين بزعامة مسعود ولد بلخير، وحزب الاتحاد الشعبي بزعامة محمود محمود ولد أمّاه، وحزب اتحاد التخطيط من أجل إعادة البناء والذي نال الاعتماد في بداية التسعينيات. أمّا الحزب الحاكم الذي يتزعمه الرئيس الموريتاني معاوية ولد طايع فهو الحزب الجمهوري الديموقراطي الحاكم والذي كان باستمرار يتصدّر الطليعة في الانتخابات التشريعية، وكان رئيس الحزب هو رئيس الدولة على الدوام. كانت تيارات اليسار الموريتاني من أنشط التيارات في الستينيات والسبعينيات، وقد أسس اليساريون الموريتانيون والذين كانوا متأثرين باليسار الجزائري والفرنسي والروسي والصيني العديد من الأحزاب السياسية وتمكنوا في بعض المحطات السياسية من إيلام السلطة وذلك من خلال حركة الإضرابات في المعاهد التربوية والمعامل. ويقول الباحثون إن السلطة كانت على الدوام تغضّ الطرف عن التيارات اليسارية والقومية وحتى التيارات الانفصالية الموالية لفرنسا؛ لأنها كانت تخشى جانب التيارات الإسلامية التي مُنعت من تأطير نفسها سياسياً. وقد فضل التيار الإسلامي التحرك في الساحة السياسية الموريتانية من خلال استراتيجية مغايرة لاستراتيجيات التيارات السياسية الأخرى، والتي ذاب العديد منها في الحزب الجمهوري الديموقراطي الحاكم. ويمكن التوضيح أكثر من خلال تشريح الخارطة السياسية الموريتانية على الشكل التالي: - التيار الإسلامي الذي يتحرك من خلال حزب الأمة غير المرخّص له وهيئات الإغاثة الإسلامية، ومراكز نشر الثقافة الإسلامية وجمعيات إسلامية ذات اهتمام اجتماعي وثقافي، ويؤمن التيار الإسلامي بمشروع الدولة الإسلامية، لكن ليس على طريقة جمهورية معاوية ولد طايع الإسلامية، بل من خلال المواءمة بين النظرية والتطبيق. - التيار القومي والعروبي الذي يضمّ كافة الأحزاب التي تؤمن بعروبة موريتانيا في مواجهة سياسة التغريب والفرنسة، ولهذا التيار أحزاب مرخّصة وتعمل في الساحة السياسية بشكل علني وشرعي، وأنتقل بعضها من المعارضة إلى السلطة من خلال دخول شخصيات قيادية قومية في الحزب الجمهوري الديموقراطي الحاكم. - التيار الفرانكفوني التغريبي واليساري والذي يعادي مشروع تكريس هوية موريتانيا ذات البعدين العربي والإسلامي، ولهذا التيار القدرة على الحركة السياسية، ويتمتع بديناميكية من خلال تغيير التحالفات والتكيّف مع الأوضاع المستجدة، ويسيطر على الإعلام الموريتاني بنسبة كبيرة. - التيار الانفصالي الكياني ويضمّ هذا التيار الغالبية من الزنوج الذين يطالبون بالاعتراف بالهوية الإفريقية تماماً كما يطالب بربر الجزائر بضرورة الاعتراف باللغة الأمازيغية البربرية ولهذا التيار ارتباطات قوية بفرنسا ويعتمد اللغة الفرنسية في خطابه السياسي والإعلامي، وتستقبل فرنسا العديد من الطلبة الموريتانيين الزنوج في الجامعات الفرنسية. - التيار القبائلي والمناطقي، ويوجد في خانة هذا التيار العديد من القوى السياسية المناطقية كتلك التي تنتمي إلى جمهور الحراثين وهم العرب السود الذين كانوا عبيداً في الماضي وحرروا، وهناك حزب باسمهم وهو حزب الحراثين كان يتزعمه مسعود ولد بلخير. وفي موريتانيا تيارات سياسية تنتمي إلى قبيلة الترارزة في جنوب موريتانيا والمجاورة للسنغال وبالأخص أغلب أبناء قبيلة بوتليميت في جنوب موريتانيا والمجاورة للسنغال وهي قبيلة كبيرة عرفت بعلاقاتها الوطيدة بالسنغال والإدارة الفرنسية، وقد تضررت كثيراً من النظام العسكري الذي أعقب عهد مختار ولد دادة، حيث إن كثيراً من أفراد هذه القبيلة كانوا يتمتعون بمرتبات وامتيازات عديدة في عهد مختار ولد دادة، كما تضررت منطقة الترارزة اقتصاديّاً بعد إغلاق الحدود مع السنغال. وهناك طبقة المستقلين التي تضمّ المثقفين والأساتذة في الجامعة والمعاهد الثانوية والمتوسطة، وهذه النخبة تؤثر بشكل محدود في الحياة السياسية. وتعتبر الساحة السياسية الموريتانية فسيفساء يتداخل فيها السياسي بالعرقي بالطائفي والقبائلي والمناطقي، والفكري والثقافي والأيديولوجي. وعندما تجري انتخابات تشريعية أو رئاسية في موريتانيا فإنّ أبناء الأسرة والخيمة الواحدة يختلفون فيما بينهم حول هذا المرشح أو ذاك، فينقسم الشارع والقبيلة والأسرة الواحدة حول دعم هذا المرشح أو ذاك، ويصادف أن يدعم الزوج مرشحاً والزوجة مرشحاً آخر. ويذهب بعض الباحثين إلى القول إنّ التجربة الديموقراطية في موريتانيا هي أقرب إلى ديموقراطية الخيام السمحة، فأثناء الانتخابات العامة تنصب الخيام وتكون هذه الخيام تابعة لهذا المرشح أو ذاك وكلها متقابلة، وفي إحدى المرات تعطل ميكروفون خيمة منافسة فتضامنت معها الخيمة التي كانت تقوم بالدعاية لحزب آخر فتوقفت عن استعمال الميكروفون حتى أصلحت الخيمة الأخرى ميكروفونها؛ علماً أنّ كل خيمة كانت تقوم بالدعاية لتيار سياسي مغاير. وعندما تنتهي هذه الخيام السياسية من تبادل الشتائم والتحريضات كانت تلتقي كل الأطراف على أكواب الشاي الموريتاني الأصيل. والحركات السياسية الموريتانية لا تملك برامج سياسية متكاملة، والكثير منها كان وليد الأحداث السياسية المضطربة وغير المستقرة التي مرّت بها موريتانيا، وكانت السلطة السياسية في بعض الأحيان توعز إلى بعض السياسيين لتشكيل أحزاب سياسية للإيحاء أنّ المناخ الديموقراطي هو السائد في موريتانيا، وخصوصاً أنّ السلطة الفرنسية كانت تدفع العسكريين في موريتانيا إلى تبني خطاب سياسي أكثر انفتاحاً على المعارضة الموريتانية. ومن الأحزاب السياسية الموريتانية التي حاولت الإطاحة بالنظام القائم في موريتانيا عن طريق القوة حزب البعث الموريتاني الموالي للعراق والذي تبلورت ملامحه منذ نهاية الستينيات وتحول إلى تنظيم مستقل بعد انفصال الناصريين عن الحزب سنة ١٩٧٠م. وقد تزعّم هذا الحزب لدى تأسيسه محمد بحظية ولد الليل، ومنذ تأسيسه ارتبط بحزب البعث العراقي ولم تكن له أي علاقة بالبعث السوري، ولم تختلف شعاراته عن شعارات حزب البعث العراقي، وكان ملتزماً بالقيادة القومية في العراق باعتباره فرعاً من فروع حزب البعث العراقي الأم. وقد دخل البعثيون الموريتانيون العمل السرّي منذ بداية وجودهم على الساحة السياسيّة، وعلى امتداد العهود السياسية في موريتانيا كانوا عرضة للملاحقة والاعتقالات وهو ما جعل حزب البعث الموريتاني من أكثر الأحزاب تنظيماً وهيكلية، واستطاع هذا الحزب أن يستقطب العديد من المثقفين والمنضمين إلى الجهاز التعليمي. وتمكن البعثيون الموريتانيون من اختراق المؤسسة العسكرية، واستمالوا العديد من الضبّاط؛ كما اعتُبروا حلفاء للانقلاب العسكري الذي وقع في سنة ١٩٧٨م الذي أطاح بالرئيس مختار ولد دادة، وبعد الانقلاب تمّ تعيين ولد بريد الليل زعيم حزب البعث الموريتاني وزيراً للإعلام ثمّ وزيراً للوظيف العمومي، ولكن شهر العسل مع النظام العسكري لم يدم طويلاً؛ إذ سرعان ما جرى اعتقال البعثيين الموريتانيين في سنوات ١٩٧٩، ١٩٨٢، ١٩٨٧، ١٩٨٨، ١٩٩٥م، وبعد ذلك أيضاً كان البعثيون باستمرار عرضة للاعتقالات، ووصلت ردة فعل موريتانيا إلى ذروتها عندما قطعت علاقاتها مع العراق متهمة إياه بتمويل حزب البعث الموريتاني وتحريضه على الإطاحة بالنظام القائم في موريتانيا. ومن التيارات السياسية المتداخلة والمتشعبة التيار الإسلامي الذي يضمّ بين دفتيه جماعات عديدة تختلف ظروف نشأتها وتكوينها وتطورها اختلافاً كليّاً عن نشأة الأسر الحزبية الأخرى. وداخل التيار الإسلامي هناك جماعات تقليدية قديمة وعريقة ساهمت سابقاً في الحفاظ على الهوية العربية والإسلامية لموريتانيا، وهناك جماعات حديثة ومعاصرة تأثرت بالأفكار الإسلامية السائدة في المشرق العربي ومغربه. ومثلما عرفت الساحة السياسية الموريتانية تنوعاً وتعدداً في الأحزاب السياسية والأفكار والأيديولوجيات، فكذلك الأمر بالنسبة للتيارات الإسلامية التي تعددت مشاربها، ومنها المتأثر بفكر المتصوفة، ومنها المتأثر بفكر مالك بن نبي وسيد قطب وأبو الأعلى المودودي وراشد الغنوشي وحسن الترابي والخميني. وما زال التيار الإسلامي بمختلف مشاربه يبحث عن آلية للعمل السياسي وعن استراتيجية تخوله البروز في ظلّ وضع معقد ومتداخل كالوضع الموريتاني. * الأحزاب الإسلامية في موريتانيا: لعبت المحاظر - المعاهد الإسلامية التقليدية - في موريتانيا دوراً كبيراً في الحفاظ على الهوية العربية والإسلامية الموريتانية، ويعود تاريخ المحاظر إلى القرن الثاني عشر، وكان اسمها في الماضي الزوايا، وفيها يبدأ الصبيّ حفظ القرآن الكريم المكتوب على ألواح بالخط العربي الجميل، واللوح ذاته لوحة فنيّة، وكان دور المحاظر في الماضي إعداد الدعاة وسط الصحراء وعند التخوم لخدمة الرسالة الإسلامية. وامتزجت في هذه المحاظر أو الزوايا الحركة الصوفية مع البيئة الصحراوية، وبفضل هذه المحاظر تحول الشعب الموريتاني من مجموعة من الرعاة إلى شعب يملك تراثاً ثقافياً إسلامياً عميق الجذور في غرب إفريقيا، ويشترك الصبيان والفتيات في الدراسة بهذه المحاظر ويعيش الطلبة ظروف تقشف قاسية حيث يأتي الطالب ببقرته أو عنزته التي يشرب من لبنها، ويعيش في خيمة متفرغاً للعلم في هذه المحاظر، وفي كثير من الأحيان يُشاهَد الطلبة وهم يجلسون على قارعة الطريق يقرؤون القرآن الكريم ويطالعون كتب الأدب العربي والتاريخ والسيرة النبوية والفقه والمنطق وعلم الكلام، ويكتبون على ألواح انتزعوها من الأشجار ويكتبون بأحبار مستخرجة من الثمار، وأحياناً يكون الطالب فقيراً معدماً فيساعده السكان بالمال والغذاء، ويتبرع بعض الأهالي بمنازلهم ليبيت فيها الطلبة، ولا يطلب صاحب المدرسة أو المعلم أيّ أجر عن التعليم، وإنّما يقوم بهذا العمل الجليل طالباً ثواب الآخرة، ويقدم أهالي الطلبة الميسورون ما يسمى بجراي القرآن وهي عبارة عن مساعدة رمزية. وقد وقفت هذه المحاظر أو الزوايا والطرق الصوفية سدّاً منيعاً في وجه الاستعمار الفرنسي، وكانت هذه المحاظر مراكز للمقاومة ضدّ المشروع الاستعماري الفرنسي وضدّ الإرادة الفرنسية في فرض اللغة الفرنسية على موريتانيا. وعلى الرغم من أن عشرات المؤسسات التعليمية قد تمّ تشييدها في موريتانيا منذ الاستقلال، إلاّ أنّ الأكواخ المكوّنة من سقف النخيل والخيام ومن وبر الجمال ما زالت تقوم بدورها في تحفيظ الطلبة القرآن الكريم وتعليم اللغة العربية. ومن رحم هذه الأجواء بدأت تتشكّل التيارات الإسلامية في موريتانيا، وتعود البدايات الأولى للحركة الإسلامية الموريتانية إلى النصف الثاني من الستينيات، وكانت هذه الحركة تضع ثقلها السياسي في الجامعات والمعاهد التربوية والتعليمية، وتأثرت هذه الحركة الإسلامية بالفكر الإسلامي الوافد من المشرق العربي وآسيا الإسلامية وبقية الدول المغاربية؛ حيث استلهمت شخصيات إسلامية موريتانية الكثير من فكر سيد قطب وأبو الأعلى المودودي ومالك بن نبي وراشد الغنوشي. ولم تتبلور الحركة الإسلامية الموريتانية في هيكل تنظيمي كما هو شأن أقدم حركة إسلامية في المغرب والتي هي منظمة الشبيبة الإسلامية التي أسسها عبد الكريم مطيع، أو الجماعة الإسلامية في تونس التي أسسها راشد الغنوشي وعبد الفتّاح مورو، أو الجماعات الإسلامية في الجزائر، كجمعية القيم التي أسسها عبد اللطيف سلطاني وأحمد سحنون وغيرهما، والسبب يعود إلى أنّ السلطة الموريتانية كانت تحظر قيام أحزاب على أساس ديني. والنخبة السياسية التي كانت تصنع القرار السياسي في موريتانيا كانت ذات ولاء للغرب وتحديداً فرنسا وهو الأمر الذي حال دون نجاح مشروع ديموقراطي فعلي، وحال دون أن تكبر الأحزاب السياسية بمختلف مشاربها الفكرية والأيديولوجية. وينقسم التيار الإسلامي الموريتاني إلى ثلاثة مجموعات رئيسيّة أهمها مجموعة السلفيين، وأغلب المنضوين تحت لواء هذه المجموعة هم خريجو جامعة أم القرى في مكة المكرمة، ويصنّف هؤلاء ضمن القوى التقليدية في المجتمع التي ستلعب دوراً مهماً في المرحلة القادمة لا كقوة حزبية مستقلة، بل كقوة مؤثرة وضاغطة داخل حزب الرئيس معاوية ولد طايع وخارج الحزب الحاكم. والجمعية الثقافية الإسلامية هي تعبير عن هذه المجموعة السلفية التي تضم أيضاً رجال أعمال مثل: عبدو مجم، وحاجي الذي توفي في وقت سابق، وتضم الداعية محمد فاضل ولد الأمين المدير العام لمعهد ابن عبّاس للعلوم والدراسات الإسلامية، والداعية محمد المختار كاكي الذي يعمل مفتشاً في التعليم الأساسي، وتضم هذه الجمعية أيضاً مجموعة من الشخصيات والوجوه التقليدية من أبناء الأسر العلمية العريقة مثل الحضرمي والحظري. وهذه المجموعة تتحرك في الخط الفكري والثقافي والاجتماعي العام، ولها وجود كبير في مدينة نواكشوط بالإضافة إلى كبريات المدن الموريتانية مثل نواذيبو وغيرها، وتؤمن هذه المجموعة بعروبة وإسلامية موريتانيا، وتعمل على تكريس مبادئ الإسلام من خلال النشاط الفكري والثقافي، ولأنّ هذه المجموعة غير سياسية فانّ العديد من الأحزاب المعتمدة وحتى الحزب الحاكم تعمل على استقطاب شخصيات من هذا التيار الإسلامي الهادئ والذي له علاقات محدودة بالقوى السياسية. ومجمل نشاطات هذه المجموعة في الجامعات والثانويات والمعاهد التعليمية، ولا تملك هذه المجموعة منابر إعلامية، بل إن الشخصيات التي تنتمي إلى هذا التيار لها حضور محدود في الصحافة الموريتانية. أمّا المجموعة الثانية فمعروفة باسم التيار الإسلامي وهي متأثرة بحركة النهضة التونسية التي يتزعمها راشد الغنوشي، والجبهة القومية الإسلامية التي يتزعمها الدكتور حسن الترابي. وحاولت هذه المجموعة أن تميّز نفسها عن المجموعة الأولى بقولها إنّها تملك أطروحة إسلامية شاملة ولها أهداف سياسية، ومن أبرز شخصيات هذا التيار الإسلامي بومية ولد أبياه وهو أستاذ نقابي معروف يعمل في مدرسة تكوين الأساتذة؛ ولهذا التيار نشاط مركّز في المساجد والمعاهد التربوية، ويتفاعل سياسياً مع الكثير من الأحداث في العالم العربي والإسلامي. ولا يوجد لهذا التيار هيكلية محددة وتنظيم خاص وصحف ناطقة باسمه، بل يتحرك في كل المواقع الجغرافية مع تركيز ملحوظ على العاصمة الموريتانية نواكشوط، ونواذيبو وغيرها. أمّا المجموعة الثالثة فهي أكثر حركية ولها علاقات مع الإسلاميين خارج موريتانيا، وتعرف هذه المجموعة باسم حاسم وهو اختصار للحركة الإسلامية الموريتانية، وبدأت ملامح هذه الحركة تتشكل في نهاية السبعينيات وقد تأثرت بفكر مؤسس الجمهورية الإسلامية في إيران الخميني، وأول بيان أصدرته هذه الجماعة كان في سنة ١٩٨٥م. وعلى الرغم من أن عناصر هذه الحركة الإسلامية قد تأثروا في بدايات نشأتهم بحركة الإخوان المسلمين المصرية والجماعة الإسلامية الباكستانية ودرسوا كتب سيد قطب وأبو الأعلى المودودي، إلاّ أنّهم وبعد الثورة الخمينية في إيران باتوا يطالعون كتب محمد باقر الصدر وعلي شريعتي والخميني، وقائد هذا التيار هو محمد ولد عبد الله أستاذ التاريخ في جامعة نواكشوط. وقد انقسمت الحركة الإسلامية الموريتانية حول الموقف من الحكم والتعامل معه، وفي سنة ١٩٨٣م حاول ولد هيدالة أن يغطي حكمه الديكتاتوري القمعي بالادّعاء أنّه يطبّق الشريعة الإسلامية كما فعل جعفر النميري في السودان وتحديداً في آخر عهده، وكان إعلان هيدالة كفيل بإخراج الناس إلى الشارع داعمة له، وبعض المجموعات الإسلامية رفعت شعار هيدالة بطل السلام والإسلام، علماً أن السجون الموريتانية كانت تعجّ بالإسلاميين المعارضين والوطنيين من مختلف التيارات السياسية، ولإرهاب الناس وتخويفهم أسست الحكومة في عهد هيدالة لجان التهذيب الوطنية، وكانت هذه اللجان أشبه بأفواج قطّاع الطرق. ويقول باحث موريتاني إنّ المجتمع الموريتاني مجتمع إسلامي حقيقي بفطرته، ويتميّز إسلامه بالتسامح، وهو مجتمع يحترم بطبعه التقاليد والعادات، وهو مجتمع محافظ، ويعتبر الموريتانيون أنفسهم أنّهم حاملو راية الإسلام، ويعتزّون بكونهم هم الذين أدخلوا الإسلام إلى غرب ووسط إفريقيا السوداء، والغالبية الساحقة من الموريتانيين تؤدّي الفرائض الدينية. وحسب مثقف إسلامي موريتاني فإن الحركة الإسلامية في موريتانيا وجدت في جوّ لم يساعدها على التبلور الصحيح وعلى التحدد كحركة ثورية نتيجة لإخفاق المشروع التغريبي الذي لم يؤت أكله في موريتانيا، والعامل الثاني - حسب هذا المثقف الإسلامي - والذي حال دون تبلور حركة إسلامية قوية هو القبيلة المعادية للحركة الإسلامية؛ فللقبيلة فكرها الخاص وانتماؤها المحدد، ولا تعترف معظم القبائل الموريتانية إلا بالتصوف الذي يدعو إلى الزهد في الدنيا والانصراف عن ملذاتها وشهواتها، والسلطة هي أبرز مصداق لهذه الملذات؛ ولذلك لا تعني القبائل كثيراً مسألة السياسة الإسلامية، ورغم ذلك فإنّ بعض القبائل في شرق موريتانيا احتضنت السلفية، وقبائل أيدو علي احتضنت الصوفية. ومع أن الحركة الإسلامية الموريتانية موزعة على مجموعات عديدة، إلا أنّه لا أحد يشك في أنّها موجودة، وقد تتحول إلى رقم مهم في معادلة السياسة الموريتانية. * بين موريتانيا والكيان الصهيوني: عندما لجأت موريتانيا إلى تطبيع علاقاتها مع الدولة العبرية، وفتحت سفارة لتل أبيب في نواكشوط لم تقدم للرأي العام الموريتاني والعربي على السواء المسوّغات الموضوعية التي دعتها إلى اتخاذ هذه الخطوة التي أعتبرت بأنها تشكّل خرقاً لمواثيق الجامعة العربية القاضية بوقف التطبيع بكل أشكاله مع الدولة العبرية ريثما يتجلى ما سوف تكون عليه المفاوضات النهائية. وجاء الإعلان عن إقامة علاقات موريتانية - إسرائيلية بعد لقاءات سرية هنا وهناك أفضت ودون علم الموريتانيين إلى عرس التطبيع في واشنطن بحضور ممثلي الديبلوماسية عن كلا البلدين. والواقع أنّ موريتانيا لجأت إلى التطبيع لأسباب كثيرة منها أن موريتانيا كانت على الدوام تشعر أنّها مهددة من قِبَل الجزائر والمغرب ومعروف أنّ موريتانيا تحدّها من الشمال الشرقي الجزائر ومن الشمال الغربي المغرب؛ فالجزائر في عهد هواري بومدين سبق لها أن أطاحت بنظام مختار ولد دادة في نواكشوط بسبب وقوف هذا الأخير إلى جانب المغرب في قضية الصحراء الغربية التي كانت تدعمها الجزائر، كما أن المغرب كانت ترفض جملة وتفصيلاً قيام الكيان الموريتاني، وكانت الرباط تعتبر أنّ موريتانيا كيان مختلق، وهي في الواقع امتداد للأرض المغربية شأنها شأن الصحراء الغربية. وعندما منحت فرنسا الاستقلال لموريتانيا في ٢٨/١١/١٩٦٠م كانت المغرب تنظر بعين الريبة إلى هذه المناورة الاستعمارية الجديدة، وبدوره جمال عبد الناصر في مصر كان لا يعترف باستقلال موريتانيا التي كان يعتبرها أرضاً مغربية وهو الأمر الذي خلق عقدة موريتانية رسمية من الفكرة القومية التي كان يمثلها جمال عبد الناصر. وعندما نعود إلى بدايات تشكل الكيان الموريتاني نكتشف أنّ فرنسا ساهمت بالدرجة الأولى في إقامة الدولة الموريتانية الحديثة، ولما كانت موريتانيا ترزح تحت السيطرة الفرنسية أصدرت باريس قراراً يقضي بأن موريتانيا يحق لها ترشيح نائب واحد يمثلها في البرلمان الفرنسي، وسمح هذا المناخ السياسي بتأسيس أحزاب في موريتانيا ومنها الاتحاد التقدمي الموريتاني بقيادة مختار ولد دادة وحزب الوفاق الموريتاني بزعامة خورما ولد بابانة، وقيل في موريتانيا إنه كان عميلاً للسلطات الفرنسية وأسس حزبه للتصدي لرجال الدين وشيوخ الإصلاح. وفي سنة ١٩٥٦م أخذت فرنسا تفكر في إدارة مستعمراتها في الشمال الإفريقي بطريقة مغايرة حتى تتمكن من التصدي للثورة الجزائرية التي كانت ملتهبة في ذلك الوقت، وبناءً عليه أنشأت فرنسا مجلساً حكومياً في موريتانيا رئيسه فرنسي ونائب الرئيس موريتاني، وقد اختار الفرنسيون مختار ولد دادة لمنصب نائب الرئيس، وعندما قرر الفرنسيون منح الاستقلال لموريتانيا دعموا وصول مختار ولد دادة الذي أصبح رئيساً لجمهورية موريتانيا، وقد أقرّ الدستور الموريتاني أنّ اللغة العربية والفرنسية هما لغتان رسميتان في موريتانيا، وقد ساهمت البنية الفرانكفونية للنظام الموريتاني في دفع نواكشوط باتجاه التطبيع على اعتبار أن فرانكفونيي المغرب العربي يعتبرون أنهم أقرب إلى المحور الغربي الإسرائيلي منهم إلى محور العالم العربي والإسلامي. ويضاف إلى عاملي الخوف الموريتاني من الجزائر والمغرب والبنية الفرانكفونية للنظام والنخبة الحاكمة الموريتانية عامل آخر دفع باتجاه التطبيع الموريتاني الإسرائيلي ويتمثل في بداية تصدع العلاقات الفرنسية الموريتانية حيث إن باريس ما فتئت تطالب نواكشوط بضرورة تحسين وضع حقوق الإنسان وإطلاق التعددية السياسية في موريتانيا، ووصل الأمر بالسلطات الفرنسية أن اعتقلت رسميين موريتانيين في فرنسا بحجة قيام هؤلاء الرسميين بتعذيب سياسيين موريتانيين، ونواكشوط التي كانت تشعر بالضعف من جارتيها القويتين الجزائر والمغرب خافت أن يؤدي تراخي علاقاتها بالحليف الفرنسي إلى تكريس ضعفها أكثر من اللازم، وراحت تبحث عن حليف أشد سطوة وقوة وهو حالياً الولايات المتحدة الأمريكية والوصول إلى هذا الحليف يقتضي المرور بالدولة العبرية الممر الضروري باتجاه واشنطن، وكان لنواكشوط ما تريد خصوصاً أنّها تبحث عن حلول لأزماتها الاقتصادية المتفاقمة. وقد صادف هذا التوجه الموريتاني هوى في نفس تل أبيب وواشنطن لأسباب عديدة منها أنّ موقع موريتانيا حساس للغاية؛ فهي تطلّ غرباً على المحيط الأطلسي، وجنوباً على دول إفريقية عديدة منها السنغال ومالي، وحول مدينة شنقيط الموريتانية تقع ثروة موريتانيا الأسطورية - الحديد - الذي ينتشر على شكل سلاسل جبليّة، ويقال إنه عند اندلاع الحرب العالمية الثانية شكا الطيارون من حدوث تغييرات على مؤشر البوصلة في كل مرة يطيرون فيها فوق الجبال المحيطة بشنقيط، وبعد أن وقفت الحرب جاء الخبراء لكشف سرّ تلك الظاهرة، وما كادوا يبدؤون عملهم حتى اتضح لهم أنّ جبل سفريات وجبل كديت الجلد ما هي إلا كتل هائلة من الحديد، وثبت أنّ حجارة هذه الجبال تحتوي على ٥٢.٩٤ من أكسيد الحديد، وهذه النسبة تضارع أعلى نسبة حديد موجودة في مناجم العالم. ويبدو أن موريتانيا وثرواتها الطبيعية أصبحت تحت المجهر، وأن تطبيعها مع الدولة العبريّة لن يكون لصالح موريتانيا بل ضدّها؛ وما خبر المطبعين عنّا ببعيد!! * ماذا جرى في موريتانيّا؟ لم يتمكّن النظام الموريتاني بقيادة معاوية ولد طايع من تحقيق التقدم السياسي والاقتصادي لموريتانيا شأنه شأن العديد من النظم العربية التي حققت العديد من التراجعات الكبيرة والتي أفضت إلى إحداث احتقان شديد في الواقع السياسي والاجتماعي، فسياسيّاً ظلّت المؤسسة العسكريّة الموريتانيّة والتي يتزعمها دستوريّاً الرئيس الموريتاني معاوية ولد طايع تشرف على تفاصيل صناعة القرار مبعدة بذلك كل القوى السياسية الموريتانية وتحديداً القوى الوطنية والإسلاميّة التي تشكّل الرقم الأقوى في المعادلة السياسية الموريتانية، وكان النظام الموريتاني يتعامل مع الوطنيين العروبيين والإسلاميين تعاملاً خاصاً؛ وكثيراً ما كان يقصيهم عن المؤسسات السياسية ومؤسسات القرار، بل كان يستأصلهم تماماً كما فعلت السلطة الجزائرية مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ عقب فوزها في الانتخابات التشريعية الملغاة في الجزائر سنة ١٩٩٢م. ولم يكتف النظام السياسي الموريتاني بحرمان التيارات الوطنية والإسلامية من المشاركة الإيجابية في الحياة السياسيّة، بل قرر النظام الرسمي الموريتاني وبدون الرجوع إلى البرلمان إقامة علاقات سياسية واقتصادية وأمنية مع الكيان الصهيوني، وأصبحت السفارة الإسرائيلية محروسة بكثافة من قِبَل عناصر الأمن الموريتاني في قلب العاصمة الموريتانية نواكشوط، وقد أفضت هذه العلاقات الثنائية بين النظام الموريتاني والكيان الصهيوني إلى قطع كل جسور التواصل بين المعارضة الموريتانية الوطنية والإسلامية والنظام الموريتاني، وقد تفاعل النظام الموريتاني بعد ذلك مع أحداث ١١/٩/٢٠٠١م في أمريكا متبنياً النهج الأمريكي في التعاطي مع الحركات الإسلاميّة وشنّ حملة اعتقالات واسعة في صفوف الإسلاميين والوطنيين، وجرى تعذيب المعتقلين بشكل وحشي كما اعترف بذلك العديد من المعتقلين السياسيين. وانفتاح موريتانيا على الكيان الصهيوني وبعد ذلك على المشروع الأمريكي الأمني القاضي بملاحقة كل ما يمتّ بصلة إلى الإسلام أوحى لكثير من الضبّاط الموريتانيين الشباب بضرورة التحرك خصوصاً أنّ العديد من الضبّاط الشباب هم من الذين تشبّعوا بالثقافة العربية والإسلامية، وكانوا مستائين إلى أبعد الحدود من التوجهات السياسية لنظام بلادهم الذي عزل موريتانيا بالكامل عن محيطها العربي والإسلامي، وتجرأ في أوج الانتفاضة الفلسطينية أن يوفد رسمييه إلى الكيان الصهيوني لإعطاء الشرعية لرئيس الوزراء الصهيوني أرييل شارون. وتعليقاً على المحاولة الانقلابية التي جرت في موريتانيا والتي قادها عقيد عسكري سابق في سلاح المدرعات الموريتاني وهو العقيد صلاح ولد حنّانة الذي أقيل من الجيش الموريتاني في السنة الماضية بسبب توجهاته القومية المعارضة للدولة العبريّة والذي كان معارضاً بشدّة لإقامة علاقات رسميّة بين نواكشوط وتل أبيب، قال العسكري المغربي أحمد رامي المقيم في العاصمة السويدية استوكهولم وقد كان أحمد رامي يشرف على سلاح المدرعات في الجيش المغربي واشترك في المحاولة الانقلابية التي قادها الجنرال أوفقير ضدّ الملك المغربي الراحل في تمّوز يوليو من عام ١٩٧٢م والذي فرّ إلى العاصمة السويدية ستوكهولم بعد إخفاق المحاولة وحصل فيها على حقّ اللجوء السياسي: إن المحاولة الانقلابية التي شهدتها موريتانيا كانت متوقعة بسبب وجود تململ داخل صفوف الضبّاط الشباب الذين لم يقبلوا على الإطلاق بسياسة رئيس بلادهم معاوية ولد طايع الذي انفرد بإقامة علاقات رسمية مع الدولة العبريّة متجاوزاً بذلك توجهات الشعب الموريتاني ذات البعدين العربي والإسلامي، واستطرد رامي قائلاً: إنّ القيادات المركزيّة في الجيش الموريتاني قيادات علمانية فرانكفونية مشبعة بالثقافة الفرنسية وتخرجت من الأكاديميات العسكرية الفرنسية؛ غير أنّ جيل الشباب في الجيش الموريتاني هم من الذين أتيحت لهم فرصة التعرّف على الثقافة العربية والإسلامية ومن ثم من المتفاعلين مع هذه الثقافة. ورغم المحاولات التي بذلها معاوية ولد طايع لتطهير الجيش من العناصر المعارضة للعلمنة والتغريب والفرنسة إلاّ أنّه لم ينجح في إقامة مؤسسة عسكرية بعيدة عن واقعها العربي والإسلامي، ودائماً كانت المؤسسة العسكرية وبحكم تكوينها الفرانكفوني تخشى العناصر العربية والإسلامية، وأصحاب هذه التوجهات كان يتمّ باستمرار طردهم من الجيش وإقالتهم قبل أن يصلوا إلى المراتب العليا. واستشهد أحمد رامي بتجربته عندما رفض رئيس الأركان المغربي في الستينيات طلبه بالانضمام إلى الكلية العسكريّة في مدينة مكناس المغربيّة؛ لأنّه كان من المعجبين بالتوجهات السياسيّة لجمال عبد الناصر والكتابات الفكرية لسيّد قطب وتحديداً كتابه معالم في الطريق. وتفيد مصادر موريتانية أخرى شديدة الاطلاع على ما يجري في موريتانيا أنّ الوضع الموريتاني سيبقى هشّاً حتى لو استطاع المحيطون بالرئيس الموريتاني من إسقاط المحاولة الانقلابيّة؛ لأنّ الجيش الموريتاني يعجّ بالخلايا العسكريّة غير المنسجمة مع التوجهات الرسمية للنظام الموريتاني، وتستشهد هذه المصادر بالتاريخ الموريتاني الذي كان ينتج انقلابات متواصلة والتي كانت من إنتاج محلي وأحياناً من إنتاج دول إقليمية مجاورة لموريتانيا، ومهما حاول النظام في موريتانيا من فرض التوجهات الشاذة على الشعب الموريتاني إلاّ أنّ الشعب الموريتاني المتمسك جداً بأصالته الإسلامية قد يفاجئ النظام القائم في أي لحظة. والمحاولة الانقلابيّة التي جرت في موريتانيا هي رسالة قويّة على طاولة الرئيس الموريتاني معاوية ولد طايع، فإمّا الاستمرار في النهج السياسي المنفتح إلى أبعد الحدود على واشنطن وتل أبيب، ومن ثم توقع محاولات انقلابية في أي لحظة خصوصاً في ظل توفر الأرضية والشروط من داخل المؤسسة العسكريّة، أو تغيير النهج السياسي الذي أفضى إلى المحاولة الانقلابية، ووضع استراتيجية جديدة تتماشى مع تطلعات الشعب الموريتاني ولا تتضارب معه، وبدون ذلك ستبقى موريتانيا حبلى بالمفاجآت كما كانت دائماً.

стр. 4666

المسلمون والعالم هل تنتهي الانتفاضة الفلسطينية ؟ غازي حمد الإجابة عن هذا السؤال بنعم كانت الحلم الذي تمنى تحقيقه الإسرائيليون بعد مرور ألف يوم على الانتفاضة، فيما اعتبر رئيس أركان جيش الاحتلال (موشيه يعلون) أن إعلان الفصائل الفلسطينية وقف الانتفاضة سيعني انتصار (إسرائيل) . فلسطينياً ما زالت أصداء دعوات رئيس الوزراء محمود عباس بوقف الانتفاضة وعسكرتها تتردد بعد استلامه للمنصب وتكرار ذلك على الملأ في بيانه في قمة العقبة ... ثم تصريحات محمد دحلان التي قال فيها: «أتمنى أن تنتهي الانتفاضة» . أما الفصائل الفلسطينية فترى أن وقف الانتفاضة وهم غير منطقي في ظل استمرار الاحتلال، وهم يتوعدون الاحتلال بنهاية حلمهم بانتهاء الانتفاضة بعد مرور شهور الهدنة. وميدانياً الانتفاضة مستمرة في كل مدينة وقرية مع استمرار مظاهر الاحتلال المتواصلة، وما زالت الممارسات الاحتلالية شاهدة على قرب انطلاق موجة جديدة من المقاومة. * انتهاء الانتفاضة وهم: هذا ما عبر عنه الدكتور عبد العزيز الرنتيسي أحد قيادي حركة حماس عندما قال: «نحن لا نستطيع أن نحجر على البعض أن يتمنوا نهاية مقاومة الشعب الفلسطيني» . وقد رد بذلك على الدعاوى الصادرة من بعض القيادات الفلسطينية بوقف الانتفاضة، وقال: «هم يتمنون انتهاء الانتفاضة عن طريق التنازلات لكن الواقع مختلف.. الهدنة مؤقتة، وهدفها المحافظة على وحدة الشعب الفلسطيني، وحماية مشروع المقاومة الذي كان مهدداً» . ويكرر القادة الفلسطينيون في تصريحاتهم أن الذين يدعون إلى وقف الانتفاضة واهمون؛ لأن الواقع يقول بوضوح ما دام الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال فسوف يرد على ذلك بالانتفاضة التي سوف تستمر بجميع أشكالها. وهم يرون أيضاً أن الانتفاضة لن تتوقف في ظل الهدنة، وأنها سوف تعود مع نهاية الهدنة سواء بعد ٣ شهور أو إذا أقدم شارون على اختصار الزمن، وذلك ما تثبته مجريات الأحداث، وهو أن الإسرائيليين يعدون العدة للانقضاض على الشعب الفلسطيني؛ لأنه عملياً لا يوجد مشروع سياسي حقيقي لديهم، وهناك قناعة عامة بأن إنهاء الانتفاضة سيكون فقط عندما يسترد الشعب الفلسطيني حقوقه، وهناك ما يشبه الاتفاق على ذلك بين الفصائل الفلسطينية، ولهذا لا يستطيع أحد تغيير هذه القناعات. إن الانتفاضة تأخذ وضعها وتتغير أشكال مقاومتها حسب الواقع، حيث استجابت دائماً لمتطلبات المواجهة، ولم تقتصر على لون واحد من المقاومة دون أن يطغى لون على آخر. ومن أسباب استمرارها أن الهدنة مؤقتة، ومفاوضات التسوية سوف تصطدم بقضايا الصراع الرئيسة؛ مثل القدس والأسرى، والمستوطنات، وهذه القضايا سوف تجعل مقاومة الشعب الفلسطيني حية. وتشير التوقعات إلى أن خريطة الطريق تؤسس لعنف جديد في المنطقة كما كانت أوسلو من قبل، والتي كانت تتحدث عن تحويل الأراضي الفلسطينية إلى سنغافورة الشرق الأوسط، واليوم خريطة الطريق لا تسوق نفسها حتى بهذا الشكل؛ لأنها لا تعطي الشعب الفلسطيني حقوقه، في حين تريد (إسرائيل) تصدير الضغوط والأزمات إلى الشعب الفلسطيني، وهو من خلال الهدنة عمل على حل الخلافات، وعليه فإن لم تحقق الهدنة شروطها فسوف تتواصل الانتفاضة. ويمكن القول بأن التسريبات حول انتهاء الانتفاضة هي محاولة لتشكيل مناخ يدفع نحو وقفها، وهناك من يساعد على ترويج مثل هذه السياسات، وذلك من خلال التصريحات الرسمية للسلطة الفلسطينية؛ مثل تصريحات أبو مازن حول اعتبار المفاوضات الطريق الوحيد لحل الصراع، وتصريحات دحلان الذي يقول إنه يأمل أن تنتهي الانتفاضة. إن ألف يوم من المواجهة قادت الطرفين في النهاية إلى التعب؛ تعب الإسرائيليين من الركض وراء وهم القضاء على المقاومة، ووهم الانتصار. ولكن الفلسطينيين أيضاً تعبوا من إحداث تغيير في المجتمع الإسرائيلي، وفي الموقفين الإقليمي والدولي، ولذلك فلا خيار لهم إلا المقاومة. * ماذا بعد ١٠٠٠ يوم؟ محللون وكتاب إسرائيليون أرّخوا ليوم الخميس ٢٥/٦/٢٠٠٣م بأنه اليوم رقم ١٠٠٠ على مرور انتفاضة الأقصى، وهذا الرقم ذكرهم بحرب الاستنزاف إبان حرب الأيام الستة (نكسة ١٩٦٧م) التي استمرت حتى عام ١٩٧٠م، وبين بحثهم عن اسم للحرب التي يخوضونها ضد الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية، أطلق بعض الإسرائيليين على انتفاضة الأقصى حرب الاستنزاف؛ في إشارة إلى الألف يوم من الاستنزاف التي يعيشونها. والأمر المؤكد أن معظم الإسرائيليين غير مقتنعين بأن الانتفاضة انتهت، ومثال ذلك الاستطلاع الذي نشرته صحيفة يديعوت أحرنوت يوم ٤/٧/٢٠٠٣م، حيث جاء في نتائج الاستطلاع أن ٧٣% من الإسرائيليين يعتبرون أن (إسرائيل) لم تنتصر في معركة الانتفاضة؛ خلافاً لتصريحات يعالون الذي كان قد أعرب يوم ٢/٧/٢٠٠٣م عن اعتقاده بأن الانتفاضة الفلسطينية تقترب من نهايتها، وأن هذا يعني تحقيق الانتصار. وأفادت صحيفة معاريف الإسرائيلية يوم ٤/٧/٢٠٠٣م، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون مندهش أيضاً من تصريحات يعلون، ونقلت عن مصدر رفيع في مكتبه دفاعه عن رئيس الأركان بقوله: «هذه التصريحات ليست واضحة وليست مفيدة تماماً، ولكن لدينا رئيس أركان ممتاز ولا داعي أن ننسج من ذلك قصة» . وفي المقابل وجد قائد جيش الاحتلال نفسه في موضع حرج، فسارع إلى القول بأن تصريحاته قد أخرجت عن سياقها، موضحاً أنه قال في ذات الموضوع: إن الفلسطينيين أيضاً سيدّعون النصر في المواجهة. صحيفة معاريف في عددها الخميس ٢٥/٦/٢٠٠٣م كتبت من بين عناوينها الرئيسة (١٠٠٠ يوم، ربما يرون النهاية) ، وتساءلت تساؤلاً حائراً عن يوم انتهاء الانتفاضة؛ متمنية أن يكون اليوم الألف هو آخر يوم للانتفاضة. * المقاومة بين الوشايات الإسرائيلية والضغوط العربية والدولية: تواصل الحكومة الإسرائيلية بدعم وتأييد من الإدارة الأمريكية جهودها لدفع السلطة الفلسطينية إلى توجيه ضربة قاصمة إلى حركة حماس والجهاد الإسلامي، ولا تنفك أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية عن تسريب تقارير بطريقة متعمدة بهدف التأثير على الموقف الرسمي للسلطة الفلسطينية، وإشعارها بأن حماس بالذات تمثل عدواً مشتركاً، وأنها العقبة الرئيسة في وجه المسيرة السلمية، وفي تطلعات رئيس الحكومة الفلسطينية أبو مازن في تحقيق حلمه بإقامة دولة فلسطينية. وفي الأسابيع الماضية دأبت الصحف العبرية على نشر تقارير عن نشاطات حركة حماس ومصادر تمويلها وعلاقتها بدول خليجية ومنظمات دولية، حتى إن بعض هذه التقارير صور حماس وكأنها «دولة داخل دولة» ، وأنها تكتسب شعبيتها من عاملين؛ هما النشاط العسكري ضد قوات الاحتلال ثم النشاطات الخيرية. فقد قدم مكتب التنسيق والارتباط «الإسرائيلي» في قطاع غزة أخيراً تقريراً إلى الحكومة «الإسرائيلية» يدّعي فيه أن ارتفاعاً كبيراً طرأ في الآونة الأخيرة على حجم نشاط الجمعيات الخيرية الإسلامية التي تسيطر عليها «حماس» في القطاع، وأشار التقرير الذي نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية أواخر شهر يونيو إلى أن عشرات ملايين الدولارات حولت من الخارج إلى القطاع، واستقرت المساعدة التي تتلقاها جمعيات إسلامية رئيسية عند نحو مليون دولار في الشهر. ويقول التقرير إن قسماً من الأموال يصل من إيران!! إلى جانب ما تقوم به جمعيتان خيريتان مقرهما في مدينة الناصرة وكفر قاسم؛ داخل (إسرائيل) حسب زعم المخابرات «الإسرائيلية» . ويشير التقرير إلى أن المؤسسات التابعة لـ «حماس» تقوم بتوزيع المواد الغذائية على سكان القطاع في الأعياد والمناسبات، فضلاً عن تقديم المساعدات لأسر الفدائيين الفلسطينيين الذين يقتلون في عمليات المقاومة أو يعتقلون، وهذا ما تعتبره المؤسسة الأمنية «الإسرائيلية» تشجيعاً على مواصلة عمليات المقاومة. وجاء في التقرير أن «المساعدة للعائلات توفر تغذية متواصلة لشبكة الإرهاب، وتمثل تهيئة للقلوب من أجل العمليات، وتساعد على إيجاد جو داعم وعاطف لصناعة القتل» . كذلك فإن «الدعم الاقتصادي يعزز بديلاً اجتماعياً لحكم السلطة، ولاستمرار التآكل في مكانتها الجماهيرية» . وبالتوازي، عززت حماس بحسب التقرير سيطرتها على أكثر من ٣٠٠ مسجد في القطاع؛ في ظل استغلال وهن الرقابة من وزارة الأوقاف في السلطة. وأثناء الانتفاضة تحققت في القطاع عملية تعزيز الدين لدى الجمهور، وصارت المساجد بؤر تحريض. وبعد عمليات ١١ أيلول فرضت قيود على الصناديق الإسلامية العاملة في الولايات المتحدة، في أوروبا وفي دول الخليج، ولكن المنظمات وجدت «مسارات التفافية» . وجاء في التقرير بأنه اتسعت مؤخراً شبكة التعليم الإسلامي المستقل في القطاع، وأقيمت رياض أطفال ومدارس جديدة. كما عقدت في رياض الأطفال مخيمات صيفية احتل فيها التحريض ضد إسرائيل مكانة مركزية. وزعم التقرير أن نشاط الجامعة الإسلامية في غزة قد اتسع، وهي في تواصل لأن تكون بؤرة «لتجنيد المخربين لمنظمات الإرهاب» . وذكر التقرير أنه أقيمت عشرات العيادات والمستوصفات لحركة «الدعوة» ، ووزعت معدات طبية على العيادات، وأجريت «أيام صحية» في الأحياء ومخيمات اللاجئين. وأحياناً استخدمت أجهزة أمن السلطة العيادات الإسلامية. وإضافة إلى ذلك فقد قدمت الجمعيات مساعدات دائمة لعائلات الفدائيين ومتضرري الانتفاضة. وجندت الأموال لبناء المنازل التي هدمها الجيش الإسرائيلي، وبذلت المساعدات لليتامى والأرامل. ويحذر التقرير من شبكة التعليم الإسلامي المستقل في قطاع غزة، واعتبرها بأنها «دفينة تحريض» ضد «إسرائيل» . ويصف الجامعة الإسلامية في غزة بأنها «بؤرة لتجنيد الإرهابيين» . تقول الصحفية الإسرائيلية (عميرة هس) ، وهي متخصصة في الشؤون الفلسطينية، إنه بعد محاولة اغتيال الرنتيسي والتصفيات التي نفذت ضد نشطاء الذراع العسكري لحماس في غزة، ادعت مصادر إسرائيلية بأن «حماس في حالة هستيرية» ، وإن هذا التنظيم «خاضع لضغوط كثيرة من أجل الموافقة على وقف إطلاق النار» ، وكل هذه الوشايات الإسرائيلية المستندة إلى تغطية أمريكية؛ وجدت صداها لدى بعض الأنظمة العربية، فبدأت لغتها ومواقفها تتغير تجاه منظمة حماس وبقية منظمات المقاومة. حماس جددت مداولاتها الداخلية حول وقف إطلاق النار من موقع قوة في الساحة الفلسطينية، ومن خلال الإدراك لقوتها في المجتمع الفلسطيني، فهي لم تخف من إعلان الموافقة على الهدنة، لأن الشعب يعرف أنها تختار الأصلح. وهناك مؤيدون لوقف إطلاق النار يقولون في السياق إن ذلك يجب أن يكون بمبادرة من حماس وليس رداً فقط. كما يقولون إن على الحركة أن تأخذ بالحسبان أيضاً حياة أبناء شعبها الصعبة في كافة النواحي. وعلى نفس المنوال يوضحون بأنه لا يتوجب الانجرار من دون تفكير واتزان خلف الموقف السائد في أوساط الجمهور الفلسطيني (حسب استطلاعات الرأي) بوجوب مواصلة العمليات العسكرية لمجرد المواصلة.. وتدرك حماس أنها إذا كانت تريد ضمان مكانها كقوة سياسية يتوجب عليها أن توطد مكانتها في الجمهور الفلسطيني: من جهة كقوة قادرة على اجتذاب كل من يئس من هذه الحياة البائسة في ظل الاحتلال الأجنبي المديد والهجمات العسكرية، وكقوة معفية من مسؤولية إدارة الحكومة، ونقية اليدين من ناحية أخرى (حتى بالنسبة لمؤسسات الزكاة التي تديرها) ؛ خصوصاً في ظل الفساد والبحث عن الملذات والمتعة التي تميز كبار المسؤولين الفلسطينيين، والذين يدينون بمكانتهم وثرائهم لعملية أوسلو التي أخفقت، والامتيازات التي حصلوا عليها من إسرائيل. * موقف المقاومة من الضغوط: حركة حماس من ناحيتها لا ترى ذلك شيئاً غريباً على الطرفين الأمريكي والإسرائيلي، وتقول الحركة إنه منذ سنوات عدة والحرب ضدها قائمة وبأشكال مختلفة، غير أن الحركة تؤكد بأن مآل هذه الحرب سيكون الإخفاق. وهي تنفي أن تكون نشاطاتها الخيرية هي السبب الوحيد في ارتفاع شعبيتها، بل تؤكد بأن جهادها العسكري ونشاطها الدعوي الإسلامي أوجد لها شعبية واسعة في الشارع الفلسطيني، بالإضافة إلى أن إخفاق سياسات السلطة الفلسطينية في مختلف المجالات دفع الكثير من أبناء الشعب الفلسطيني إلى تأييد حماس ودعم سياستها ونشاطها. ويقول القادة الفلسطينيون من حماس أن حركتهم لا تشتري الناس بالأموال وبالخدمات، بل إن الناس ينجذبون إليها لما تكرسه من قيم وأخلاق عالية في التعامل معهم. فهناك الكثير من المؤسسات في الأراضي الفلسطينية، لكن الناس يثقون بالمؤسسات الإسلامية نظراً لنظافة يد القائمين عليها وإخلاصهم. وبسبب أن حركة حماس لا تزال تعتبر نفسها حركة سرية؛ فإنها لا تمتلك مؤسسات خيرية تعلق عليها لافتات تبرز اسمها، غير أن إسرائيل تقول إن هذه المؤسسات تدار من قبل حماس، وإن القائمين عليها هم من قادة حماس، وإن منظمات خيرية خارجية تدعم تلك الجمعيات على اعتبار أنها تابعة لحركة حماس. وقد رفض قادة حماس في مرات عديدة أسئلة تربط بينهم وبين هذه المؤسسات، وقالوا إنها مؤسسات مستقلة وتعمل في الإطار الخيري. وفي السنوات الماضية قامت قوات الأمن الفلسطيني بإغلاق هذه المؤسسات رغم أنها تعمل بترخيص من وزارة الداخلية الفلسطينية وضمن القوانين المعمول بها. * ماذا يبقى للسلطة إذا توقفت الانتفاضة؟ على الرغم من عملية المخادعة الكبرى التي غلفت بها قوات الاحتلال الإسرائيلي عملية انسحابها من قطاع غزة؛ فإن الواقع المرير الذي خلفته وراءها يجعل من هذا الانسحاب مجرد كذبة كبيرة؛ إذ إن خريطة القطاع بمجملها قد تغيرت، ومعظم أراضيه الخصبة قد صودرت أو دمرت، والأخطر من ذلك هو فرض مناطق أمنية عازلة اتسعت شيئاً فشيئاً مع سنوات الانتفاضة، وشملت معظم مناطق القطاع. وتصر قوات الاحتلال على أن الواقع الذي فرضته مواجهة الانتفاضة غير قابل للتغيير؛ باعتبار أنه يمثل ضرورة حيوية لأمن إسرائيل كما قال (دورون ألموج) قائد قوات الاحتلال في قطاع غزة. (ألموج) كان واضحاً في حديثه لصحيفة يديعوت أحرونوت عندما أجمل السياسة الأمنية الإسرائيلية في قطاع غزة خلال السنوات الثلاث، حيث قال: «أنا بنيت نموذجاً جديداً وأسميته الفصل التكتيكي الذي هو مسألة ذات أهمية استراتيجية. المواقع الفلسطينية التي كانت موجودة على طول الجدار الذي يفصل قطاع غزة عن أراضي ١٩٤٨م دمرت، ووضعت مكانها وسائل إلكترونية، وبذلك أنشئت حول القطاع منطقة أمنية خاصة عرضها ٢٠٠ - ٣٠٠م، لم تسمح بأي حركة في هذه المنطقة ... ، أصدرنا أوامر إطلاق النار ... اقتلعنا الأشجار ... ، هدمنا المنازل ... ، وفي المحاور التي توصل إلى المستوطنات؛ أنشأنا ممرات كهذه ذات ٣٠٠م على جانب الطريق» . مفوض وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (بيتر هانس) عبر عن صدمته للسياسة الإسرائيلية في قطاع غزة، وقال خلال جولة تفقد بها بعض الأماكن المدمرة في القطاع: تشعر إسرائيل أن عليها توسيع منطقتها الأمنية على الحدود (يقصد منطقة رفح جنوب القطاع) ، وبذلك هدمت مئات المنازل وعشرات المحلات التجارية والمساجد التي كانت مقامة على الحدود، وذكر هانس أن قوات الاحتلال هدمت ١١٣٤ منزلاً في قطاع غزة، وبذلك أصبح أكثر من عشرة آلاف فلسطيني بلا مأوى. وتشير الإحصاءات الواردة في ملفات وكالة الغوث إلى أن هدم المنازل أخذ منحى تصاعدياً؛ حيث ارتفع المعدل من ٣٢ منزلاً في الشهر خلال السنتين الأوليين للانتفاضة إلى ٧٢ منزلاً منذ بداية عام ٢٠٠٣م. هناك مناطق أخرى مثل مطار غزة الدولي الذي احتلته قوات الاحتلال، ودمرت المدرجات والأبنية، وكذلك معبر رفح الذي دمرت كافة المنشآت الفلسطينية المقامة فيه. إن هناك صوراً بائسة خلفتها قوات الاحتلال خلال سنوات الانتفاضة ستجعل من المفاوضات حول القطاع أكثر صعوبة؛ إذ إن قوات الاحتلال تدرك بأنه لا يمكن لها أن تتخلى عن المناطق الأمنية التي تعتبر حيوية بالنسبة لها، فشارع صلاح الدين الملغوم بثلاثة مواقع عسكرية كبيرة لا يمكن للفلسطينيين أن يتحركوا فيه بحرية بسبب التواجد الاستيطاني، والشريط الحدودي سيظل من القضايا النهائية التي سيجري التفاوض عليها، أما الأراضي التي صودرت تحت مبررات أمنية فقد ذكرت مصادر في جيش الاحتلال أنه لن يجري التنازل عنها وإعادتها للفلسطينيين. كما أن الجدار الإلكتروني الذي يطوق قطاع غزة بطول ٦٠ كم سيحول القطاع إلى سجن كبير، ويقول دوف ألموج إن قوات الاحتلال صرفت أكثر من ٢٥٠ مليون شيكل لبناء الجدار، وتم إقامة ٢٨ نقطة مراقبة، وذكر بأن الجدار هو «أفضل ما يمكن عمله للحفاظ على أمن إسرائيل» رغم اعترافه بأن القطاع تحول إلى جسد مقطع الأوصال؛ وتتوج الحكومة الإسرائيلية كل هذه الإجراءات التغييرية على أراضي الضفة والقطاع بقرار جريء في استهتاره واستفزازه، وهو القرار الصادر عن الكنيست الإسرائيلي في منتصف شهر يوليو ٢٠٠٣م باعتبار أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة غير محتلة!! .... إذن فما هي جدوى الكلام عن (سلطة فلسطينية) أو (دولة فلسطينية) عن أراضي يعدها اليهود أراضي إسرائيلية؟! إن الواقع الذي فرضته قوات الاحتلال في الفترة الماضية سيؤثر سلباً على قدرات السلطة الفلسطينية في فرض سيطرتها على أي شيء، وهذا من تناقضات السياسات الأمريكية الإسرائيلية فهي تقوض قدرات السلطة، ومع ذلك تراهن على قدراتها الهشة في إيقاف الانتفاضة مع كل هذه الضغوط والاستفزازات التي يواجه بها الشعب الفلسطيني.

стр. 4667

مرصد الأحداث أحمد فهمي afahmee@albayan-magazine.com أقوال غير عابرة: - «التاريخ السري الأميركي يقدم دليلاً شاملاً على أننا نفتقر إلى الصبر، كما أننا نميل إلى الاعتقاد بأن لكل مشكلة حلاً تكنولوجياً، وأن أي شيء يمكن إنجازه بأداة ملائمة الضخامة، وأن احترامنا لأفكار البشر هو مجرد أمر وقتي» . توماس باورز، من كتاب حروب الاستخبارات. [البيان الإماراتية، ١٦/٦/٢٠٠٣م] - «كان بودي القول إن الأمور على ما يرام في النجف بفضل جهودنا، غير أن ذلك ليس صحيحاً، وإذا كانت المدينة هادئة جداً فذلك بفضل آية الله السيستاني الذي يحث الناس على التعاون مع التحالف» .. القومندان ريك هال من فرقة المارينز المحتلة للنجف. [البيان الإماراتية، ٣٠/٦/٢٠٠٣م] - «من المؤسف أن باول مستعد لذكر أكاذيب تجعله مجرد كاذب يقدم سيناريوهات مضحكة» ... وزير إعلام زيمبابوي جوناثان مويو. [الراية القطرية، ٢٧/٦/٢٠٠٣م] - «حاربنا الجبهة الإسلامية للإنقاذ.. ونحاربهم الآن.. وسنحاربهم مرة أخرى.. إنها ليست قضية سياسية.. بل قضية وجود» .. رئيس الوزراء الجزائري أحمد أويحيى. [الراية القطرية، ٣٠/٦/٢٠٠٣م] - «إذا كان محمود عباس ومحمد دحلان يريدان أن نقبل بهما كشركاء، فعليهما أن يقوما بنصب أعواد المشانق لعناصر حماس والجهاد الإسلامي، ويقنعا الفلسطينيين أن مقاومتهم خسارة كبيرة» .. إيفي إيتام وزير الإسكان اليهودي وزعيم حزب المفدال. [الشعب القاهرية، ٢٧/٦/٢٠٠٣م] - «لا عداوة لنا مع شعب إسرائيل.. لا مصلحة لنا في استمرار الصراع.. كل يوم يمر دون اتفاق هو فرصة مهدورة.. كفى للألم.. كفى للموت» . أبو مازن. [السفير اللبنانية، ٢/٧/٢٠٠٣م] - «هناك لغتان.. أبو مازن يقول لنا في الغرف الضيقة كلاماً ويتعهد لنا بعهود، ثم نفاجأ ونصدم وهو يتعهد أمام بوش وشارون بالقضاء على المقاومة، ويصفها بالإرهاب» . الدكتور عبد العزيز الرنتيسي. [الجزيرة، برنامج حوار مفتوح، ٢١/٦/٢٠٠٣م] - «حماس تدرك تماماً أنها غير قادرة على مواجهة الأمن الفلسطيني، وإذا ما أقبلت على تأجيج حرب أهلية، فستتحول إلى مجرد سطر في صفحات التاريخ.. حماس هي دمل لا يمكن للسلطة أن تعيش معه، قوات أمن دحلان ١٧٠٠٠ شخص، ٢٣٠٠٠ يخضعون لعرفات، لا تستطيع حماس مواجهة هذا الكم الأمني» . آفي ديختر، رئيس جهاز الأمن العام اليهودي (الشاباك) . [السفير اللبنانية، ٢/٧/٢٠٠٣م] - «أنظمة التحرر القومي داست بالأقدام على حريات شعوبها طويلاً تحت ذريعة إنهاء الاستعمار بشكل ساعد الاستعمار جوهرياً على العودة بحجة تحرير تلك الشعوب» . ديفيد هيرست. [صحيفة الجارديان البريطانية] - «بالنظر إلى التطورات السياسية وتصاعد الحرب على الإرهاب، فإن المرشحين الإسلاميين قلّ حديثهم عن مشروع أسلمة المجتمع.. إنهم لم يتخلوا عنه، غير أنهم لم يعودوا يجعلون منه شعارهم الأساسي» . أحمد بشارة، الأمين العام للحركة الوطنية الديمقراطية الكويتية (ليبرالية) . [الراية القطرية، ٣٠/٦/٢٠٠٣م] - «نتكلم باستمرار: إيدز.. إيدز.. إيدز، أصبحنا مرعوبين، هذا إرهاب، هذه حرب نفسية ليبيعوا لنا الأدوية، أقول لكم، وأؤكد مرة أخرى: الإيدز فيروس مسالم غير عدواني أبداً، امش مستقيماً لا تخف منه، لا يكلمك، لا يعتدي عليك أبداً» . القذافي يتحدث في القمة الإفريقية الأخيرة. [أخبار ليبيا على الإنترنت، ١٢/٧/٢٠٠٣م] مرصد الأخبار: بن حاج.. من السجن إلى السجن أفاد بيان للنائب العام الجزائري لدى المحكمة العسكرية في البليدة أن الشيخ علي بن حاج رفض التوقيع إثر خروجه من السجن على محضر للنيابة يذكِّره بأنه لا يزال خاضعاً للممنوعات المتصلة بالعقوبة التي حكم عليه بها عام ١٩٩٢م، وتتناول هذه الممنوعات: طرده وعزله بقوة القانون من كل الوظائف والمناصب السامية للدولة، ومنعه من ممارسة كل وظيفة من شأنها أن تسمح له بإعادة ارتكابه إحدى «الجرائم» التي حكم عليه من أجلها، ومنعه من الاقتراع بأي انتخاب كان أو القيام بحملة خلال أي منه، ومنعه من الترشح بأي انتخابات وعقد أي اجتماع أو تأسيس أية جمعية لأغراض سياسية أو ثقافية أو خيرية أو دينية والانتماء أو العمل بالأحزاب السياسية، أو بكل جمعية مدنية ثقافية كانت أم اجتماعية أو دينية، أو بأي جمعية أخرى بصفته عضواً أو مسيراً أو متعاطفاً، وكذلك منعه من حضور كل اجتماع عمومي أو خاص، وإلقاء الخطب فيه أو العمل على نقل خطبه بأي صفة من الصفات، وبأية وسيلة كانت، ومنعه بصفة عامة من المشاركة في أية مظاهرة سياسية أو اجتماعية أو ثقافية أو دينية وطنية كانت أم محلية، مهما كان السبب أو المناسبة، ويجب عليه الكف عن أي نشاط عمومي تحت أي شكل كان بصفة مباشرة أو بأي واسطة كانت سواء بتصريحات مكتوبة أو شفهية، أو القيام بصفة عامة بأي عمل من شأنه التعبير عن موقف سياسي، وكذلك عدم الأهلية لأن يكون مساعداً محلفاً أو خبيراً أو شاهداً على أي عقد أمام القضاء، إلا على سبيل الاستدلال، وكذلك عدم الأهلية لأن يكون وصياً أو ناظراً ما لم تكن الوصاية على أولاده، والحرمان من الحق في حمل الأسلحة أو في التدريس وفي إدارة مدرسة أو الاستخدام في مؤسسة للتعليم بوصفه أستاذاً أو مدرساً أو مراقباً ... وفيما عدا ذلك يمكنه أن يمارس حياته بصورة طبيعية ... ! [جريدة الحياة، بتصرف، ٣/٧/٢٠٠٣م] إيران تصطاد في المياه العراقية ذكرت صنداي تلغراف البريطانية أن جماعة فيلق بدر العراقية الموالية لإيران تقوم حالياً بمساعدة علماء عراقيين على السفر عبر منطقة الحدود، حيث يلتقون في إيران بشخصيات عسكرية بارزة. وذكرت التلغراف أن طهران مهتمة بشكل خاص باستقطاب المتخصصين في الوقود الصلب للدفع الصاروخي، وهي التكنولوجيا التي كانت العراق قد حققت تقدماً كبيراً فيها مقارنة بإيران، وصرح مسؤولون كبار بلجنة التصنيع العسكري العراقية، وهي الجهة التي كانت تتولى مسؤولية برامج الأسلحة في عهد صدام، لصحيفة تلغراف بأنه قد جرى حالياً بالفعل تجنيد عدد من العلماء العراقيين للعمل في الخارج، وفي مقدمتهم اللواء صادق صبيح، وهو أكبر خبراء الصواريخ في ظل نظام صدام، والذى كان يعد الرجل المسؤول عن صواريخ الصمود العراقية، وكان صادق الذي ينتمي لطائفة الشيعة التي تمثل الطائفة المهيمنة فى إيران قد اختفى من بغداد بعد الحرب، وذكر رجل أعمال عراقي يرتبط بصلات وثيقة مع لجنة التصنيع العسكري أن اللواء صادق يتنقل في الآونة الراهنة تحت حماية قوات فيلق بدر بين منطقة ديالى العراقية حيث مسقط رأسه، وإيران. وتكهن مسؤولون سابقون بلجنة التصنيع العسكري بأن العديد من علماء الأسلحة العراقيين البارزين سوف ينقلون خلاصة خبرتهم وتجاربهم إلى إيران بعد أن باتوا يمثلون الآن هدفاً محتملاً للقرارات المضادة التي أعلنت عنها قوات التحالف ضد مسؤولي حزب البعث العراقي. [وكالات الأنباء] الشالوم ... أمانة التقى ولي عهد البحرين الشيخ سلمان بن حمد وزير خارجية الكيان الصهيوني سيلفان شالوم - شالوم تعني السلام بالعبرية - قبل ثلاثة أسابيع على ضفاف البحر الميت أثناء انعقاد فعاليات المنتدى الاقتصادي، ووصفت صحيفة يديعوت أحرونوت اللقاء بأنه حميمي، وتم في أجواء غاية في الود، وكان من موضوعات الحوار بينهما «الجالية اليهودية في البحرين» ، والتي تقدر بـ ٣٥ شخصاً فقط يعمل أكثرهم في تجارة الذهب والعملات، حيث أعرب ولي العهد عن افتخاره بهذه الجالية، وقال للوزير اليهودي إن أصولها ترجع إلى عائلة كدوري اليهودية الكبيرة، وأنها قدمت من العراق قبل حوالي مائة عام، وأكد له تمتعها في البحرين بحرية كاملة، وأن لها معابدها الخاصة، وقد أوصى الوزير شالوم الشيخ سلمان أن يبلغ الجالية السلام الحار من «إسرائيل» . ويُذكر أن رجل الأعمال اليهودي البحريني إبراهيم نونو عُين العام الماضي عضواً في البرلمان البحريني، وذكرت يديعوت أحرونوت أن الشيخ سلمان بن حمد طالب العرب أن يعترفوا بمأساة اليهود في الكارثة التي حلت بهم. [صحيفة شيحان الأردنية، ٢٨/٦/٢٠٠٣م] البريطانيون يحسنون الظن بالمسلمين تحت عنوان: «توجهات استراتيجية حتى عام ٢٠٣٠م» أصدر مركز المفاهيم والعقيدة المشتركة التابع لوزارة الدفاع البريطانية تقريراً استراتيجياً هاماً، يقول بأن المؤشرات المستقبلية تؤكد أن بعض الدول العربية والإسلامية ستقوم بتشكيل تحالف عسكري مسلح خلال العقود الثلاثة القادمة، وسيكون في مقدور هذا التحالف الاعتماد على القدرات الذاتية في التزود بالصواريخ وبرامج أسلحة الدمار الشامل، وأرجع التقرير هذا التطور في الأساس إلى تنامي الدور الفاعل للتيارات اليمينية الدينية التي أصبحت تسيطر على الشارع، خاصة في دول مثل: مصر وسوريا والعراق وفلسطين، وذكر التقرير أن الإسلاميين سيجدون الملاذ الآمن لتحركاتهم مستقبلاً، ولممارسة نفوذهم الديني والسياسي والاقتصادي والتربوي، وأن تعزيز المشاركة السياسية والديمقراطية سيفتح المجال واسعاً أمامهم للتأثير في الشارع العربي والإسلامي، واعتبر التقرير أن المجتمعين العراقي والسوري مهيآن للدور الديني، خاصة في حالة حدوث تغيير في بنية النظام السوري. [صحيفة السبيل الأردنية، ١/٧/٢٠٠٣م] لماذا اعتقل اليهود الشيخ رائد صلاح؟ صرح مدير مكتب آرئيل شارون «دوف فايسغلاس» أن «إسرائيل» لم يكن بوسعها أن تقف مكتوفة الأيدي أمام الجهود التي تبذلها الحركة الإسلامية من أجل أسلمة المجتمع الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة عام ١٩٤٨م، واعتبر فايسغلاس ذلك أكبر خطر يتهدد الدولة «العبرية» من الداخل، ويقول: «هناك علاقة طردية بين أسلمة المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل، وبين المخاطر الاستراتيجية والأمنية التي تتهدد الدولة» . ويشير آفي ديختر رئيس جهاز «الشاباك» إلى أنه حتى أواخر السبعينيات كانت نسبة المتدينين في أوساط الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة عام ١٩٤٨م لا تتجاوز ٥%، لكن الآن، وبفضل الحركة الإسلامية حسب قوله، فإن هذه النسبة قفزت إلى أكثر من ٦٠% ... أما رعنان كوهين القيادي في حزب العمل، فيدلل على هذه المقولة بأن عدد الشبان البدو في صحراء النقب المجندين في جيش الاحتلال كان يصل إلى خمسة آلاف شاب حتى أواخر السبعينيات، لكن بتأثير أنشطة الحركة الإسلامية فإن عدد هؤلاء الشبان تقلص إلى حد كبير؛ بحيث لا يتجاوز الآن المائتي شاب فقط، كما يشير كوهين إلى مفارقة هامة هنا، وهي أن رجالاً عرباً خدموا في جيش الاحتلال، حتى أصبحوا قادة في وحدات مختارة، قد تابوا بعد ذلك على أيدي عناصر الحركة الإسلامية، وأصبحوا من حفظة القرآن وأئمة المساجد. ويشير وزير الخارجية الصهيوني سيلفان شالوم إلى أن أخطر ما تقوم به الحركة الإسلامية هو مقاطعتها للانتخابات العامة «الإسرائيلية» ، ودعوتها الجماهير الفلسطينية إلى مقاطعتها، أما الوزير الصهيوني جدعون عيزرا، فيقول عن مهرجان «الأقصى في خطر» السنوي والذي يؤمه عشرات الآلاف من الفلسطينيين: «لو لم يكن هناك أي خطيئة للحركة الإسلامية غير هذا المهرجان، لكفى لتسويغ العمل ضدها» . [السبيل الأردنية، ١٥/٧/٢٠٠٣م] جرافات اليهود لا تعرف الطريق إلى دحلان في حديث لصحيفة يديعوت أحرونوت اليهودية قال الجنرال دورون ألموج قائد ما يسمى بالمنطقة الجنوبية، والتي تشمل قطاع غزة - وهو المسؤول الأول عن تدمير منازل الفلسطينيين بالجرافات - إنه تسبب في تعرض محمد دحلان وزير أمن السلطة الفلسطينية لحرج بالغ عندما توجه إليه بالتهنئة في أحد لقاءات التفاوض مؤخراً بالقول: «أنا أريد أن أهنئك على البيت الجديد الذي اشتريته في غزة» ، وتابع: «أنت اشتريت بيت رشاد الشوا بـ ٦٠٠ ألف دولار» ، وكان الشوا خلال عشرات السنين حاكماً لقطاع غزة، امتلك الأراضي والمتاجر والمصانع، وكان رئيس البلدية، وتدبر أموره مع الاحتلال، وينظر إلى شراء بيته بأنه ليس مجرد صفقة عقارية، فهو يحدد من هو رب البيت، يعني دحلان، وقد ابتلع دحلان ريقه على حد وصف ألموج، وقال غاضباً: «أنت مخطئ.. دفعت ٤٠٠ ألف دولار فقط» . ومن ناحية أخرى ذكرت تقارير موثوقة أن دحلان يباشر تنفيذ مخطط مشترك مع الإدارة الأميركية والحكومة الصهيونية لتفكيك كتائب شهداء الأقصى؛ وذلك عن طريق استخدام الأموال التي سيزوده بها الأميركيون، بصمت وبهدوء ودون إثارة ردود فعل ضده داخل الحركة، تحت حجج مختلفة من أجل ترويضهم وحملهم على إلقاء السلاح والانتقال للعمل في صفوف الأجهزة الأمنية، مع تقديم ضمانات بعدم التعرض لهم من قِبَل السلطات الصهيونية، ويعتبر دحلان أن أكبر مشكلة تواجهه تتمثل في أعضاء كتائب شهداء الأقصى في مناطق نابلس وجنين ورام الله، حيث هناك خمس مجموعات لا تتبع أي منها للأخرى وكل واحدة لديها قيادة منفصلة، وتقول مصادر فلسطينية إن دحلان يحاول الاتصال بشكل غير مباشر بعناصر شهداء الأقصى ضمن إطار حركي لا يظهر هو فيه بشكل مباشر؛ نظراً للكراهية الشديدة التي يكنها له عناصر فتح بالذات في وسط وشمال الضفة الغربية. [السبيل الأردنية، ١/٧/٢٠٠٣م، والبيان الإماراتية، ٥/٧/٢٠٠٣م] مرصد الأرقام: - صرح الجنرال تومي فرانكس القائد السابق للقيادة الأميركية الوسطى أن القوات الأميركية المحتلة للعراق تتعرض إلى ٢٥ هجوماً يومياً من المقاومة. [السبيل الأردنية، ١٥/٧/٢٠٠٣م] - وافقت أغلبية حزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي على تعيين ١٥ ألف داعية جديد في المساجد التركية؛ وذلك بدلاً من الرقم المقترح ١٦٠٠ فقط، وهو ما أثار حفيظة العلمانيين، وتوظف إدارة الشؤون الدينية التركية الحكومية ٨٨ ألفاً لإدارة المساجد في تركيا ودول أخرى. [الجزيرة نت، ٢٥/٦/٢٠٠٣م] - ذكرت إدارة لجنة التعريف بالإسلام في الكويت أن ٢٢ أمريكيًّا قد أسلموا بواسطة اللجنة في الأسبوع الأخير من شهر يونيو الماضي، مشيرًا إلى أن ٢٤٥٠ من الأوروبيين والأمريكيين أسلموا في العام الماضي ٢٠٠٢م، وقال أيضاً إن أكثر من ٢٢ ألفاً من الأجانب العاملين في الكويت أسلموا بواسطة اللجنة منذ نشأتها قبل ٣٠ عامًا ١٩٧٧م. [إسلام أون لاين، ١/٧/٢٠٠٣م] - أعلنت لجنة الاستيعاب والهجرة اليهودية عن عزمها جلب آلاف اليهود المزعومين من الهند لتوطينهم في الضفة الغربية، وادعى الحاخام إلياهو إبيحيل رئيس جمعية «شعبي يعود» التي تستورد اليهود من كافة أنحاء العالم أن الهنود اليهود يعرفون بأبناء منشة، ويقدر عددهم بحوالي خمسة آلاف شخص، ويصلون في المعابد اليهودية، ويحفظون التوراة، على حد زعمه. [البيان الإماراتية، ٢١/٦/٢٠٠٣م] - أعلن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لمكافحة الإيدز التابع للأمم المتحدة أن هناك أكثر من ٥٥٠ ألف حالة إصابة بمرض الإيدز بالعالم العربي، منها ٤٠٠ ألف في السودان وحده، من بين ٤٢ مليون حالة على مستوى العالم، وحوالي ٩٥% من المصابين بمرض الإيدز هم من سكان الدول النامية، ويظهر يومياً ١٤ ألف حالة إصابة بالمرض على مستوى العالم، من بينهم ألفان من الأطفال، وأن ٩ آلاف يموتون كل يوم بسبب هذا المرض الخطير. [إسلام أون لاين، ٢/٧/٢٠٠٣م] - صرح الدكتور أحمد زكي يماني أن إجمالي ما يصرف على الجندي الأميركي في العراق ٢٥٠ ألف دولار سنوياً، يعني: يقدر المبلغ الإجمالي لحوالي ١٦٥ ألف جندي موجودين هناك بـ ٣٨ مليار دولار سنوياً. [الجزيرة، ١٠١ برنامج بلا حدود، ١٤/٦/٢٠٠٣م] - أظهر استطلاع لصحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، وشبكة تلفزيون «إيه. بي. سي» أن ٥٦% من الأميركيين يؤيدون استخدام القوة العسكرية لمنع إيران من تطوير أسلحة نووية، فيما عارض ٣٨% ذلك. [البيان، ٢٥/٦/٢٠٠٣م] - صرح مصدر مسؤول بالجيش الأميركي أن العراقيين الذين يملكون على الأقل خمسة ملايين قطعة سلاح، سلموا خلال المهلة المحددة لتسليمه: ١٢٣ مسدساً، و ٧٦ بندقية نصف آلية، و ٤٣٥ بندقية آلية، و ٤٦ مدفعاً رشاشاً، و١١ مدفعاً مضاداً للطائرات، و ٣٨١ قنبلة، وهو ما يوصف بأنه نقطة في بحر الأسلحة بالعراق. [وكالات الأنباء] أحاجي وألغاز: الصدق منجاة - «لا يوجد لقادة الفصائل الفلسطينية المعارضة حماس والجهاد والجبهة و ... مكاتب في دمشق حتى نقول إنها أغلقت بعد الضغط الأميركي، إنها منازلهم، وكانوا يضعون على شرفاتها (يافطات) فقط، وكل ما حدث أنهم أزالوا هذه اليافطات» . عماد مصطفى نائب السفير السوري في واشنطن. [فضائية أبو ظبي، برنامج وجهة نظر، ٢٣/٦/٢٠٠٣م] الثوابت.. ذابت - «أبو مازن لم يكن مطلوباً منه أن يقدم خطاباً جماهيرياً في قمة العقبة، وهو لم ينطق في خطابه بجملة واحدة تتناقض مع ثوابت الشعب الفلسطيني، وقد كان في المجمل خطاب رجل سياسة يعني ما يقول، في الوقت المناسب وفي المقام المناسب» . الوفد المصري في مباحثاته مع وفد حماس بالقاهرة. [الصحوة اليمنية، ٢٩/٦/٢٠٠٣م] المتنبي الأميركي - «الله أمرني بأن أضرب القاعدة.. وبعد ذلك أمرني أن أضرب صدام، أما الآن: أنا مصمم على حل مشكلة الشرق الأوسط.. إذا ما ساعدتموني سأفعل.. وإذا لم تساعدوني.. فستأتي الانتخابات وأضطر إلى التركيز عليها» . بوش يتحدث إلى أبي مازن. [البيان الإماراتية، ٢٥/٦/٢٠٠٣م] «صُويت» العرب - «إيه يعني ٢٠ ولا ٣٠ ألف أسير.. ما يتحرق الجيش.. المهم الدولة والأمة مختزلة في شخص جمال عبد الناصر» . أحمد سعيد الإعلامي المصري البارز؛ يسوِّغ تغطيته الخادعة لهزيمة ١٩٦٧م من خلال إذاعة صوت العرب فترة الستينيات. [فضائية دريم، برنامج صالون دريم، ٤/٧/٢٠٠٣م] أخبار التنصير: أبو إسلام أحمد عبد الله أول قداس علني في أفغانستان أفادت السفارة الإيطالية في العاصمة الأفغانية كابل أن أول قداس علني منذ عشر سنوات أقيم يوم الأحد ٨/٤/١٤٢٤هـ - ٨/٦/٢٠٠٣م في مبنى كنسي مستقل. وكان أول قداس كنسي أقيم في أفغانستان بعد الاحتلال الأمريكي لها يوم الأحد الأخير من شهر يناير عام ٢٠٠٢م في كنيسة السفارة، وهي الكنيسة الوحيدة الموجودة في أفغانستان. وكانت حركة طالبان الحاكمة في أفغانستان قد ألقت القبض على ٢٤ موظفاً تابعاً لوكالة شلتر ناو إنترناشيونال المسيحية للإغاثة بتهمة محاولة تنصير ٥ عائلات من الأفغان، وقالت طالبان وقتها إنها عثرت على أناجيل وشرائط كاسيت وأقراص مضغوطة، تتحدث عن المسيحية باللغة المحلية، وأن التحقيقات اتسعت لتشمل جماعات أخرى بينها برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة، الذي كان يقوم بتحويل بعض مساعداته إلى أفغانستان عن طريق الوكالة التي تعمل ضمن ١٥٠ وكالة أخرى في أفغانستان. [صحيفة الشعب الصينية اليومية، ١٢/٦/٢٠٠٣م] لاهوت التحرير أم لاهوت التنصير في بيت إرسالية الآباء اليسوعيين الكاثوليكية بمنطقة كنج مريوط بالإسكندرية، جرت أعمال ندوة تحت اسم «لاهوت التحرير إشكاليات ورؤى» ، استمرت ثلاثة أيام في شهر مايو الماضي، شارك فيها عدد من الباحثين الممثلين للكنائس الثلاث الكبرى في مصر الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت، أكدوا فيها على أهمية العودة إلى المسيحية الأصولية لتحرير الشعوب من ربقة الظلم وطاغوتية الحكام. وحضر المؤتمر عدد من الكتاب والمثقفين المصريين من غير النصارى، انزلقوا في مستنقع المجاملة على حساب الإسلام، فقالت الكاتبة الشيوعية فريدة النقاش إنها اعتمدت على أفكار الأب باولو فيراري في تجربتها لتحرير المرأة، وادعى جمال البنا «أن الأديان ارتكبت أكبر الأخطاء عندما تورطت في الحكم؛ لأن السلطة تفسد المعتقدات والأيديولوجيات» . أما عاصم الدسوقي أستاذ التاريخ بإحدى الجامعات المصرية، فطالب في ورقته التي تقدم بها للمؤتمر إلى ضرورة وجود لاهوت تحرير مصري مسيحي إسلامي، وبدون هذا اللاهوت فلن تتحقق الحرية، ولن يتحقق العدل والمساواة. أما العلماني السوداني حيدر إبراهيم، فقد كان أكثر المحاضرين تعدياً، فطالب بالتعاون مع أصحاب الديانات الأخرى، واتخاذ الروحانية والرهبانية والتصوف طريقاً ضد الجمود والتعصب والازدواجية. بينما كانت دراسة ريتا أيوب الباحثة بمعهد الدراسات الإسلامية المسيحية بجامعة القديس في لبنان، وضعاً للنقاط فوق الحروف، في تحديد الغاية من هذه الندوة، فقالت نصاً: «إن المسيحي مطالب بأن يجعل غير المسيحي يلتقي بالمسيح من خلاله، وبالمثل غيره المسيحي مدعو إلى أن يطالب المسيحي بأن يريه (أيضاً) وجه هذا المسيح حين يلتقي به، لتستعيد البشرية كينونتها الحقيقية» . الكنيسة المحمولة صمم رجل أعمال بريطاني، مبنىً ضخماً لكنيسة من مادة بلاستيكية (بولي فينايل) ، يمكن ملؤه بالهواء، وإقامته في أي مكان، ثم تفريغه وطيه مرة أخرى لحمله إلى أي مكان آخر. صرح رجل الأعمال البريطاني مايكل جيل، إن الكنيسة المحمولة ستسمح للقساوسة والوعاظ تبليغ رسالتهم وإقامة قداساتهم في أي مكان في العالم، دون إعداد مسبق؛ إذ يصل ارتفاع الكنيسة المطاطية إلى ١٤ متراً، وتتسع إلى ٦٠ مصلياً، ويستغرق ملؤها بالهواء ثلاثة ساعات وتكلفتها ٣٥ ألف دولار، وأول كمية أنتجت بلغت ٢١٠٠٠ كنيسة. ترجمات عبرية: محمد زيادة يوم السبت نقمة «دائمة» على اليهود «على - الحريديم - المتدينين الذين يقدسون يوم السبت أن يخرجوا من منازلهم ساعة قبل موعدهم الأصلي ليلة السبت حتى لا يقوموا بحوادث على الطريق العام ضد أبناء شعبهم، وعليهم أن يشاهدوا بأعينهم كيف يتم دهس عائلات بأكملها في الطريق العام بسبب السرعة الجنونية للسائقين من المجتمع المتدين الذين يريدون القيام بممارسة شعائر السبت» . يُذكر أن شعائر السبت لدى اليهود تبدأ من وقت غروب الجمعة حتى غروب يوم السبت، حيث يمتنع فيها اليهود من هذه الطائفة عن ممارسة أي طقوس حياتية أو السير في الشوارع أو إضاءة الكهرباء أو شراء أي شيء.. وهو الأمر الذي يسبب صراعات مع العلمانيين في إسرائيل الرافضين لهذه الشعائر. [موقع القناة السابعة الإسرائيلية، على الانترنت، عاروتس شيفع، ٥/٧/٢٠٠٣م] تصريحات - «إن العملية التعليمية في إسرائيل مريضة، والدليل القاطع على هذا المرض هو التقرير الصادر عن (OECD) الذي أظهر أن إسرائيل تأتي في الترتيب الأخير للدول الأوروبية من حيث ضعف المستوى التعليمي لطلابها. وما يُثير الشعور بالخجل هو أن يخفق الطلاب الأوائل في فهم امتحان القراءة، وعندما تم سؤالهم عما فهموه من القراءة لم يتمكن أحد منهم من الإجابة بشكل جيد» . [معاريف، عدد، ٢/٧/٢٠٠٣م] - «ندعو الشركات الإسرائيلية للمشاركة في ترميم العراق. وستكون مكانة هذه الشركات مماثلة لمكانة أي شركة تابعة لأي دولة أخرى، ولن نسمح بالتمييز ضد إسرائيل في العراق أو منعها من المشاركة في إعادة الأعمار» . [مساعد وزير المالية الأمريكي، للشؤون الاقتصادية الدولية، «جون تايلور» ، يديعوت أحرونوت، ٢٨/٦/٢٠٠٣م]

стр. 4668

قضايا ثقافية جناية الفكر الدفاعي د. محمد يحيى [*] في أعقاب الأحداث المأساوية التي عرفت باسم هجمات الحادي عشر من سبتمبر في أمريكا شهد التوجه المسمى بالفكر الدفاعي أو الاعتذاري التبريري للإسلام نشاطاً ملحوظاً، وتلقى دفعة قوية من جانب الهيئات والدوائر الرسمية في العديد من البلدان العربية ليقوم بمهمة وصفت بأنها تحسين وتصحيح صورة الإسلام «المشوهة» في الغرب على وجه التحديد. ونهض دعاة هذا التيار ليردوا على مجموعة من الاتهامات و «الشبهات» الجديدة التي تتعلق هذه المرة بالإرهاب وموقف الإسلام من العنف والتسامح مع «الآخر» والتحديث والالتحاق بركب العولمة والديمقراطية ووضع المرأة وما شاكل ذلك. * مساوئ هذا التيار: وفي غمرة الحماس الجارف لنشاط الفكر الدفاعي مدفوعاً بما ضُخَّ له من ميزانيات، وما أنشئ من منابر وما استحدث من مؤتمرات وندوات للحوار «الديني والحضاري» تبدت مرة أخرى وبشكل أوضح وأوقع مساوئ هذا التوجه في ممارسة أقطابه ودعاته المحدثين، ولعل أبرز هذه المساوئ أن هذا التوجه الدفاعي تحول بضغط الأنظمة والغرب من كونه مجرد فرع محدود أو منحى من مناحي الفكر الديني العام ليصبح هو الاتجاه الأوحد والأكبر في بنية الفكر والشاغل الإسلامي، وفرضت له أولوية مطلقة على ما عداه من نشاطات التفكير الإسلامي كالدعوة وتطوير تصورات ورؤى إسلامية توجه وتقود المجتمعات، وترتب على هذه الأولوية والتضخيم الزائف نشوء تضييق جسيم وحصر معيب لآفاق الفكر والتدبر والعقل الإسلامي الذي بدا من هذا المنظور كما لو أنه يقتصر على نشاط «جنائي» محدود بتوجيه الاتهامات ثم الرد عليها. وبدا للناس من جراء هذا الوضع أن الحالة الطبيعية والمجال والمدى المتاح للفكر والعقل الإسلامي هو وضع المتهم المستعد دوماً لتلقي شتى الاتهامات والرد عليها بدرجات متفاوتة من البراعة والحيلة، وغني عن البيان أن أي دين أو مذهب وضعي لا يستطيع أن يستمر أو حتى يظل في حالة طبيعية متوازنة بينما لا يرى الناس منه أي وجه سوى ردود مستمرة على اتهامات متواصلة دون أن يعرف أحد حقيقة أو جوهر أو أبعاد ذلك الدين الذي تحول إلى ما يمكن تسميته بمتهم مذنب، وتحول عقله إلى مجرد عقل المحامي الذي يدافع عن مذنب أثيم، ومع سيطرة وتغول الفكر الدفاعي الاعتذاري بفعل الضغوط والتدبيرات السياسية الداخلية والخارجية أهدرت إمكانات واسعة للتفكر الإسلامي، وأهملت الإبداعات الفكرية الخلاقة التي تدرس الإسلام من شتى جوانبه. وترافق ذلك مع ترسيخ حالة شعورية نفسية من الحرج والتراجع والانكماش عند جماهير المسلمين اختفت معها مشاعر عزة الإيمان والاعتزاز بالدين والشرع، والثقة بالنفس، والاعتداد والفخر بالتاريخ والحضارة لتحل محلها مشاعر التوجس والحذر والضيق والتبرم والتحرج من ذكر الدين أو حتى طرحه. وكيف لا تسود هذه المشاعر السلبية الضاربة للأمة في صلب دينها والناس ترى أقطاب الفكر الدفاعي وأنصاره ومنهم رؤساء دينيون معينون ورموز جلبت لها أجهزة الإعلام الرسمية الشهرة، وهم يستخذون ويتراجعون تحت مسمى الدفاع عن الإسلام والاعتذار عنه وتسويغ وجوده. وهذه من أكبر مساوئ النشاط الراهن لذلك الفكر الذي تحول من الدفاع المزعوم عن الإسلام إلى أن يكون حرباً عليه ودفاعاً عن خصومه. فالفكر الدفاعي يبدأ بقبول الاتهامات الغربية على علتها، ويقبل بالغرب كجهة اتهام وادعاء وحيدة لها حق توجيه ما تشاء من تهم وشبهات دون معقب، وهذا الفكر يقبل بالاتهامات دون مناقشة دوافعها وخلفياتها وما تنشأ عنه من سباقات سياسية ومذهبية مغرضة، وهو لا يدخل في نقاش حول أحقية وجدارة جهة الاتهام والادعاء الغربية التي خضع لها، ولا يجادل في مشروعية وأسس اتهاماتها، بل يكفي أن يلقي أي صحفي غربي مغمور بشبهة أو تهمة جزافية عشوائية لكي تتحول عند الدفاعيين الجدد ومنهم علمانيون أقحاح أقحموا أنفسهم فجأة في سلك المعتذرين عن الإسلام إلى اتهام جاد وخطير وضخم ينبغي الرد عليه، وهكذا ترى الاتهامات من كل جانب، وتعامل كلها بنفس الجدية ويجري «الرد» عليها بالحماس نفسه، وهذا «الرد» في ذاته يمثل قلب الخطر الذي يحول الفكر الدفاعي من دفاع مفترض عن الإسلام إلى دفاع عن خصومه وقبول بفلسفة اتهاماتهم. ذلك لأن الفكر الدفاعي قد تطور في ردوده؛ فبعد أن كان الاتجاه في مطلع القرن العشرين إلى نفي التهم وردها وقلبها بإثبات أن الفكرة أو التشريع الإسلامي موضع الاتهام هو في حقيقته مناط تميز وقوة وميزة (كما كانت الحال في مواضيع الطلاق وتعدد الزوجات والمواريث والجهاد وغيرها) أصبح التوجه الآن إلى إثبات التهم وقبولها والقبول بمنطلقاتها وفلسفتها عبر آلية من عمليات «الفصل» ، فإذا وجهت التهم إلى الإسلام بالتخلف والإرهاب وانعدام التسامح وإهانة المرأة ومعاداة الفكر والفن والعجز عن إحداث التقدم ... إلخ يسارع «المدافعون» الجدد إلى القبول بها وإقرارها لكنهم يقولون وهذا هو الفصل الذي أشرنا إليه إن هذه الاتهامات تنطبق على المسلمين وليس على الإسلام، وتسري وتصح على تاريخ وممارسات المسلمين ودولهم لكنها لا تنطبق على جوهر أو روح أو صحيح أو أصل الإسلام، ثم يستدركون بأن جوهر وصحيح ذلك الإسلام ليس هو الإسلام الموجود بين أيدينا الآن في كتبه وآراء علمائه ودروسهم. فهذا الإسلام ليس سوى ركام تاريخي من التفسيرات والتأويلات المغرضة قام بها رجال (الفقهاء) محدودو العلم خاضعون للسلطة وجهوا نشاطهم وفهمهم للدين إلى ترسيخ مفاهيم وتصورات رجعية بائدة ومتخلفة ضيقة ومعيبة جاهلة ومنحازة متعصبة، بل لا يوجد جوهر وقلب للدين إنما هي تفسيرات وتأويلات وتخريجات وإسقاطات على نصوص تاريخية، وإذا كانت التغيرات والتأويلات التاريخية القديمة تستحق النقض والنقد، وتنطبق عليها الاتهامات الموجهة من الغرب؛ فإن المطلوب الآن الخروج بتغيرات وتأويلات تقدمية عصرية تضع في حسبانها تلك الاتهامات جميعها وتتفاداها. ينتهي الفكر الدفاعي الاعتذاري في تجلية الجديد والمحموم بضغوط السياسة (العلمانية التوجه والغربية المنشأ والميول) إلى أن يكون كما قلنا دفاعاً عن الخصوم، وإلى أن يقر بالتهم بسهولة غريبة بأن يقول أولاً إنها صحيحة في حق المسلمين السابقين واللاحقين وفي حق تاريخهم وممارساتهم، ثم يتوسع في القبول بالقول بأن هذه الاتهامات أيضاً صحيحة في حق الإسلام «التاريخي» و «الراهن» الذي هو ليس صحيح الدين بل تفسيرات غلبت عليها عقلية وروح التخلف والخطأ، ثم يتوسع أكثر تمشياً مع الاتجاهات الإلحادية والتشكيكية المعاصرة للفسلفة الغربية، فينكر أن هناك جوهر الدين أو قلبه أو أصله ويذهب إلى أن كل ما يوجد هو تفسيرات لنصوص تتفاوت بين الرجعي المتخلف (وهو الموجود الآن) وبين التقدمي (وهو المطلوب إنشاؤه) ، ولا يعني هذا التطور سوى أن الفكر الدفاعي الذي يفترض أن يدافع عن الإسلام ضد اتهامات خصومه بإثبات بطلانها ينتهي في طرحه الجديد والأخير إلى العكس تماماً، فيثبت التهم في حق المسلمين وحق الإسلام، ويقترح الخروج بإسلام جديد يتلافى هذه الاتهامات ويتجنبها بإسقاط التعاليم والتشريعات والتوجهات فيه التي كانت موضع الاتهامات من خصومه العلمانيين والغربيين، وهكذا يخلص المحامي ليس إلى نفي التهمة عن المتهم بدحضها والتشكيك في مشروعية جهة الادعاء وكشف انحيازها وغرضها وقلب الاتهامات إلى مصدر فخر وتميز للمتهم بل بالتخلي عن المتهم وقبول وإثبات كل الاتهامات الموجهة إليه مع قبول جهة الادعاء والتسليم لها بكل ما تدعيه، والتسليم بمشروعيتها ثم الخروج من هذا كله إلى مناشدة القضاة (وهم أنفسهم المدعون) بإعلان المتهم مع استنساخ آخر من صلبه يحمل اسمه لكنه لا يشبهه ويخالفه في صفات التهم. وليس في هذا التصور مبالغة كما قد يتصور البعض، بل يسنده الواقع والأدلة الوافرة؛ ففي الأشهر الماضية على سبيل المثال عرض في البلدان العربية مسلسل تلفزيوني مصري أظهر تعدد الزوجات في مظهر حسن إيجابي بتصوير زوج معدد يعدل بين زوجاته اللواتي يسعدن ويرضين بهذا الوضع. ولكن سرعان ما ثار من نصبوا أنفسهم دعاة لتحرير المرأة حسب زعمهم وتحدثوا عن أن هذا المسلسل يرقى في تصويره هذا إلى اتهام للإسلام بالحط من مكانة المرأة واضطهادها من خلال الترخيص للأزواج بالتعدد، وهنا كانت المفاجأة؛ فقد سارع «المدافعون» من علمانيين ودعاة تحرير المرأة وعلماء ينتسبون إلى العلم الديني ويشغلون مناصب رسمية أو يطمعون فيها إلى «الدفاع» عن التهمة بالأسلوب الجديد الذي بسطناه فيما سبق؛ إذ ذهبوا إلى أن رخصة تعدد الزوجات هي بالفعل سبة وعار وتهمة؛ لكنها ثابتة في حق المسلمين، وتاريخهم وحق الإسلام الرجعي، وليس في حق الإسلام التقدمي المأمول الذي يخرج به المفسرون والمؤوِّلون التقدميون العصريون نافياً لهذه الرخصة منكراً لها بل يؤثمها. وهذه هي آلية الفكر الدفاعي الجديد نفسها الذي «يدافع» بإثبات التهم وإعدام المتهم أي إسقاط كل أمر لا يرضى به الغرب من الإسلام حتى يتسق «الإسلام» مع المطلوب الغربي العلماني.

стр. 4669

الباب المفتوح الإعداد النفسي عبد الخالق بن حمود القحطاني جاء في كتاب (الحرب العالمية الثانية) لريمون كارتيه، وصفُ إنزال إحدى فرق الجيش الأمريكي في جزيرة من جزر المحيط الهادئ، عندما كانت الحرب الأمريكية اليابانية في بداياتها، أي إبّان عام ١٩٤٣م. يقول كارتيه: (كان على مشاة الفرقة (٤٣) الأمريكية أن يشقوا طريقهم وسط أوحال كثيفة، وعبر خليط متشابك من الأشجار والنبات، وما تقدموا مسافة ١٠٠م في النهار الأول، وقد كساهم الوحل والعرق، حتى استحوذ عليهم سيلٌ مؤذٍ ضار، فعجَّت الأدغال بكائنات عجيبة غريبة، وأصوات مبهمة غامضة، وحوَّمت في الهواء أنسجة حية، ومزقت الطنين المتصاعد من مليارات الحشرات صرخات منكرة ساخرة، وأخذت فقاقيع ضخمة من الغاز تتفجر على سطح المستنقعات فتحدث دوياً خافتاً أصم، وملأ الوميض الفوسفوري، الناتج عن انحلال النبات، تألقت الآجام تألقاً غريباً بعيداً عن عالم الحس والواقع، فاستبد الخوف بالجنود، وخُيل إليهم أنهم يسمعون اليابانيين يطوفون حولهم ويحدقون بهم، فراح الكثيرون يتراشقون بالقنابل اليدوية، أو يتبادلون الطعن بالمدى، مما اضطر الفوج الأول أن يُجلي نحو «غواد الكانال» [١] (٣٣٦) ضحية من ضحايا الانهيار العصبي! وهكذا كان اللقاء الأول بالمحيط الهادئ الجنوبي محنة تحطم الأعصاب بالنسبة لفتيان أمريكيين ترعرعوا في جو مشبع بأسباب الرخاء والدعة) [٢] . إن هذه اللقطة التي يسردها الكاتب الفرنسي ليست في الواقع سوى صورة واحدة من مئات الآلاف من الصور التي تتشكل أثناء الحروب، ولربما كانت هذه الصورة من «ألطفها» مقارنة بالصور الأخرى الأشد قسوة بكثير. ولكن لندع حديث الحرب جانباً، ولنُعِد قراءة عبارة الكاتب الأخيرة التي تشير بوضوح إلى سبب الانهيار الذي أصاب الجنود. إنه يشير صراحة إلى جو الترف؛ ذلك الجو الموبوء الذي متى انغمس فيه الإنسان، ضعفت نفسه، وهزلت روحه، وعندها يفقد المرء اتزانه عند الأزمات. واليوم لا تزال فئام من المسلمين في مجتمعاتنا وأعني مجتمعات البلاد التي لا تعاني حروباً أو مجاعات مزمنة تعيش نسبياً في جو من الرخاء والدعة. إلاّ أنه من الملاحظ أنّك إذا أردت أن تطرح موضوع سنن الله في الابتلاء وتقليب أحوال الناس بين الرخاء والشدة، والأمن والخوف، للنقاش مع بعض أفراد هذه المجتمعات فإن أذهانهم تنصرف فوراً إلى غير مجتمعاتهم التي يعيشون فيها، وكأن تلك المجتمعات لديها حصانة تمنعها من سنن الله . ولعلك تسمع من يردّد «الله لا يغيّر علينا!» يقولها وهو ينفض يده ورأسه كفعل من يريد طرد فكرة غير محبّبة. إنّه حقاً لمن الخطورة بمكان أن نكون غير مستعدين حتى لمجرد التفكير بما يمكن أن يحصل إذا حقت فينا تلك السنن الربانية، خصوصاً إذا توافرت أسباب وقوعها. فيصير الواحد لا يفكر إلا بيومه، ثم لا يهمُّه ما قد يحصل في الغد، ليس اتكالاً على الله وتسليماً لقضائه، وإنما بسبب الانغماس في الدنيا، والغفلة عن الطاعة. إن كوننا مسلمين وحسب، مع كون إسلامنا منقوصاً وكثير من أعمالنا بعيدة عنه لا يعطي بحال ضماناً لنا بأننا لن نؤاخذ بما نفعل، أو أن الله سيعاملنا معاملة خاصة؛ لأننا نردد كلمة التوحيد صباح مساء مع أننا قد نأتي بما يخدشها. والله قد بين ووضح بأن سننه لا تحابي أحداً، وليس هناك أحد من خلقه فوق المساءلة. قال : [لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ] (النساء: ١٢٣) . وقد ردّ الله على اليهود عندما زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه بقوله: [فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم] (المائدة: ١٨) . ولقد تخلّف النصر عن الصحابة الكرام ﵃ يوم أحد، وهم خير الخلق بعد الأنبياء، وفيهم سيد ولد آدم ﷺ ، وكان ذلك بمعصية بعضهم، فتعلّم الصحابة الدرس وفهموه جيداً؛ إنه درس «احفظ الله يحفظك» ، [وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ] (الشورى: ٣٠) ؛ فليس بين الله وبين أحد من خلقه نسب، وإنما هي الطاعة والتقوى. ولقد روى ابن كثير في كتابه «البداية والنهاية» الكثير الكثير عن أحوال دولة الخلافة الإسلامية بعد عهد الدولة الأموية والعباسية عندما رقَّ أمر الدين جداً في قلوب الناس فدهمهم التتار، ومن بَعْدِهم الصليبيون في عقر دارهم، وأزهقوا مئات الآلاف من الأنفس المسلمة من الرجال والنساء والأطفال في مذابح رهيبة، وخربوا بلادهم ونهبوها في الوقت الذي كان فيه أصحاب الترف المسلمون مشغولين في قصورهم بالجواري والفتيان، وفي غفلة عظيمة مستحكمة [٣] . وفي العصر الحديث شواهد كثيرة أيضاً لمن كان يعتبر؛ فكم من أناس كانوا يتفرجون على غيرهم فأصبحوا مُتَفَرَّجاً عليهم! إن ولوج الإنسان وخروجه يومياً في هدوء وأمان، وممارسته حياته بشكل اعتيادي، وركوب المراكب الفارهة، وسكنى البيوت المجهزة بمختلف أسباب الراحة، ذلك كله لا يعني أن «شيئاً ما» لن يحدث؛ فالله يقول: [أَفَأَمِنَ أَهْلُ القُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ] (الأعراف: ٩٧-٩٩) . ومن ثم فإن المؤمن لا يأمن مكر الله أبداً ونقمته إن هو خالف أمره، ولذلك فهو باستمرار خائف من ربه، ذاكر له سريع الأوبة إليه. وقد جاء في وصف أهل الجنة: [قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ] (الطور: ٢٦) . وهذا الإشفاق هو ما يجعل المؤمن في حال اتصال دائم بربه؛ لأنه يعلم جيداً أنه لا مفر من الله إلا إليه، وأن الأمان الذي يصبو إليه كل أحد ليس إلا في كنف المليك المقتدر سبحانه. وإذا المَعيّةُ لاحظتك عيونها ... نَمْ، فالمخاوف كَلُّهنّ أَمانُ ولذا فإننا نجد المؤمن عند الأزمات ثابت الجنان، وعند الصدمات راسخاً رسوخ الجبال؛ لأنه يأوي إلى ركن شديد. بينما تجد غير المؤمن أو ضعيف الإيمان يفقد اتزانه ويطيش عقله عند أقرب امتحان، كما جاء في الصورة التي افتتحنا بها. ولا يتبادر إلى ذهن أحد أننا نريد من الناس أن يعيشوا في خوف وقلق وترقب لكل شيء، لا؛ وإنما الذي نريده ونحتاجه هو نوع خاص من الخوف خوفٌ إيجابي يدفع المؤمن إلى العمل دفعاً حثيثاً حتى يصل إلى مراد الله منه، وهو خوف يجعل المؤمن لا يهاب شيئاً إلا ربه؛ لأنه يؤمن بأنه أقوى من كل شيء، القوة التي تغدو معها قوى الأرض كلها هزيلة خاوية لا تضر ولا تنفع. إن الإجراء الأول الذي يجب اتخاذه على طريق الإعداد الذي أمرنا به في [وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم] (الأنفال: ٦٠) ، لمقارعة خصوم الدين ومواجهة الأزمات، هو «الإعداد النفسي» . وذلك عن طريق تفقُّد مواضع الخلل في النفس، ومن ثمَّ تشخيصها ومعالجتها بالوسائل الشرعية التي تزيد التقوى في القلوب. إن علينا ألا نستسلم للأوهام؛ فنحن إذ لم نكن اليوم مستعدين للأيام القادمة سياسياً ولا عسكرياً ولا اقتصادياً، فلا أقلّ من أن نستعد نفسياً. وخير لنا أن نكون مستعدين نفسياً على الأقل، من أن تدهمنا الخطوب، وتبهتنا الأحداث، وعندها قد يكون من المتأخر جداً استدراك ما فات إلا بتكاليف باهظة. نسأل الله أن يلهمنا رشدنا، ويقينا شر أنفسنا ويكفينا أعداءنا.

стр. 4670

المنتدى مرارة الحقيقة رفعت عثمان الشرعبي لهيب في سياط الجالدينا ... ونار في أراضي المبعدينا أراد الكفر صحوتنا بسوء ... ليصبح دربهم حراً أمينا وضاع القدس في ليل بهيم ... فبتنا نذرف الدمع الهتونا فقال الغرب في مكر رويداً ... سنحمي قدسكم حيناً فحينا سنُخرج من أراضيكم يهوداً ... سنبتر رأس قوم ماكرينا سيبحث مجلس الأمن القضايا ... ويطفئ ذلك الحقد الدفينا إذا بالجرح يزداد اتساعاً ... وإذ بيهود صاروا جاثمينا فكونوا يا بناة المجد صفاً ... لنمضي في ثبات مؤمنينا ألا فلتُسمعوا الأعداء صوتاً ... يدوي في قلوب المجرمينا

стр. 4671

المنتدى مشكلاتنا في الأزمات عادل السلطان عند حدوث بعض الأزمات تصيبنا عدة إشكالات تطيل علينا المدة، وتبطئ من اتخاذ القرار نحوها ومن نماذج ذلك: ١ - الوقوف عند الباب المغلق بحيث لا نرى الباب الذي تم فتحه. ٢ - تجاوز السنن الكونية في معرفة الأزمة مما يوقعنا بها مفاجأة وبدون سابق معرفة. ٣ - انتظار البطل المخلص لمثل هذه الأزمات. ٤ - ترك الاستفادة مما سبق من تجارب ماضية، والانتقال لأزمات جديدة ولمّا تنته الحالية، والنبي ﷺ يؤكد على عدم الوقوع في الأمر مرتين فيقول: «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين» [١] . ٥ - الاجتهاد الفردي أو النزعي دون تكاتف العلماء وطلاب العلم بعضهم مع بعض. ٦ - عدم تهيئة النفس على أن من الحلول الخروج من الأزمات بخسائر قليلة وأحياناً كثيرة. ٧ - اليأس من الإصلاح؛ ومن ذلك ما روي في الصحيحين أن الطفيل بن عمرو جاء لرسول الله ﷺ ، وقال: إن دوساً هلكت عصت وأبت، فادعُ عليهم! فقال: «اللهم اهد دوساً وائتِ بهم» [٢] ، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة من تيئيس الناس فقال: «إذا سمعت الرجل يقول هلك الناس فهو أهلكهم» [٣] . ٨ - كثرة الكلام وقلة العمل، فنرى أن الكثير يكتفون بالكلام عن العمل!

стр. 4672

المنتدى هل يكفينا ما لدينا ؟ سالم فرج سعد كنا نحمل هموم الكرة الأرضية فوق رؤوسنا وكأننا سنغيّر وجه العالم بين عشية وضحاها، فنتعجّل الفرج أو نفقد الأمل في الدعوة إلى الإصلاح. إن أعظم المصلحين هو الذي يبدأ بإصلاح نفسه ليسهل عليه نزول الميدان، وليثمر إصلاحه وجهاده، فلا تنقلب لديه الموازين، ولا تؤثر فيه الأراجيف والزوابع، بارد الأعصاب، منشرح الصدر، ثابت الجأش، وقّاد الفكر. أما المتقلب الخوّار فهو يذبح نفسه كل يوم مراتٍ بسيف الأوهام والأحلام، فوا أسفاه لأصحاب القلوب الضعيفة [وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ] (البقرة: ٩٦) . أهل الحق تزيدهم الأحداث والعبر إيماناً إلى إيمانهم، وينطلقون في ميادين الدعوة والجهاد أبطالاً أقوياء، وصابرين سعداء.. يترقبون الظفر بالنصر على الأعداء، أو نزل الشهداء.. ومع تلك المبادئ الخالدة، والقيم النبيلة؛ فهم لا يكتفون بما لديهم من أدبيات وشعارات؛ لأن آفاق الفكر في العمل للدين واسعة رحبة تفتح المجال أمام الدعاة وتحثهم على المعرفة والفضيلة والخير، ولا يكتفون بما لديهم من علوم ومعارف فيواكبون الإبداع في دعوتهم وجهادهم بكل السبل المتاحة والوسائل المباحة. إن تاريخ الأمم والشعوب حافل بالدروس والعلوم ومختلف الثقافات التي لا تتعارض مع تراثنا وأصالتنا، فَلِمَ لا نقتبس منها ما يعود على أمتنا بالخير والتقدم والازدهار؟ ولِمَ لا يزداد المؤمن ثقة بعمله وعلمه وهو يرى (عولمة) الدعوة إلى الله ماثلة بين يديه فلا يكتفي بما لديه، وإنما يجعل من أصوله وثوابته منطلقاً للابتكار، والاستفادة من الآخرين والتأثير في الحياة والمجتمع بعلم واقتدار؟ وانظر كيف استطاع الصحابي الجليل سلمان الفارسي ﵁ وأرضاه أن يخدم الإسلام في إحدى معاركه الخالدة عندما أشار بحفر الخندق كما هي عادة الفرس؛ فلم يكتف بإمكاناته وقدراته. لقد آن الأوان أن نفتح نوافذ الفكر، وأبواب العقل، على كل رائع ومفيد من الذي قد يكون مع غيرنا؛ فلا نكتفي بما لدينا وإن كان هو الأصل والمصدر؛ ففي الطبيعة البشرية يكمن حب فطري للاستطلاع والمعرفة، بإمكان دعاة الإسلام أن يحوّروها لخدمة الإسلام بمواكبة ما لدى الآخر من تقنية وأبحاث وأفكار تجعل رصيد العلوم الإسلامية يقوى ويرقى، وتدفع بعجلة الدعوة في العالم بيسر وذكاء تعلمهم أن الإيمان طريق النجاة، وأن السر الأعظم في تضحياتنا وبطولة شبابنا المجاهد هو في العبودية لله والانقياد لدينه وأوامره.. هو في اتباع منهج الإسلام الشامل لكل مناحي الحياة.. [وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ] (آل عمران: ٨٥) .

стр. 4673

المنتدى حتى متى الخوف فلاح بن مرشد بن خلف العتيبي حتى متى الخوف يا قومي من الأجل ... آت على البعد أو آت على العجل يا ليتنا ما أتينا بعد معتصم ... فحالنا بعده يدعو إلى الخجل فإن أمتنا من بعده بقيت ... جسم أصيب على ما فيه بالشلل من لليتامى غداة اليتم يكفلهم ... ومن يزيل دموع اليأس بالأمل من عاد يرجع للعذرا الحياء لها ... هل من غيور وهل من فارس بطل فكم سمعنا من الأخبار من حدث ... حتى أصبنا من الأنباء بالملل تبكي فلسطين من شر ألم بها ... أتسمعون الندا يا قادة الدول كم صورة نشرتها الصحف مرعبة ... في ضفة الحزن أو في ساحة الجبل كم طلقة سكنت في جسم مضطهد ... ثارت من الحقد والعدوان والغيل كم دمعة ذرفت من عين صاحبها ... يا حسرة القلب والألباب والمقل

стр. 4674

المنتدى ردود تتوالى الرسائل من جمهور القراء الكرام؛ بين مشاركات، وتعقيبات، وتصويبات، واقتراحات، ونحاول الرد عليها قدر المستطاع نظراً لكون المجلة شهرية، وليس من السهولة بمكان الرد على رسائل كل القراء؛ لأسباب عملية وفنية. الإخوة الكرام في المجلة المحترمة جداً (البيان) .. السلام عليكم: أولاً: لا أجد عبارات لأشيد بمجهوداتكم العملاقة لتوصيل الوعي الإسلامي الإيجابي إلى المسلمين في كل أنحاء العالم، نسأل الله لكم التوفيق والسداد، وحسن الثواب، وقبول العمل. الموضوع: قدَّر الله أن أتعرف على سودانيين (أعتقد أنهم) قد تنصروا، أنا طبعاً أتابع دراساتكم عن السودان، وجديتكم في تبصرة إخوانكم السودانيين ببعض القضايا المهمة والملحَّة، في دراسات ناضجة ومبنية على أساس معرفي مؤسس، ولا أدري إن كان هذا العدد (من المتنصرين) الذي قابلته هو مؤشر حقيقي أم أنه وهم؟ وعلى كلٍّ هو مؤشر خطير للغاية، ومثير للخوف في المستقبل لبلد مسلم مثل السودان على المستوى البعيد والقريب، ولا أدري كيف أدرأ هذه الكارثة إن كانت على أرض الواقع حقيقة جاثمة؟! ثم إنني لاحظت أن مجهودات الدولة المضادة لحركة التنصير قد أصبحت لا تكاد تلحظ؛ علماً بأن باب التنصير في بلدنا مفتوح على مصراعيه منذ سنين، وكانت السياسة إرضاء الرأي العالمي، وكسب الشرعية الدستورية الدولية، وقامت حكومة السودان بتدابير مناسبة في حينها، ولكن خبت جذوتها بعد فترة وجيزة؛ جرَّاء الضغوط الدولية المركَّزة على بلدنا الحبيب، واستهدافه من قِبَل الولايات المتحدة الأمريكية قوى الظلم في العالم، ففُتح الباب للتنصير على أوسع ما يكون؛ مدعوماً بالمال والتقنية، والضغوط الدولية لا تكاد تنطفئ جذوتها بشأن حقوق غير المسلمين، ودعوى حقوق الأديان! ولا أدري كيف سيكون مصير بلدنا إذا ظل الحال على ما هو عليه؟! ختاماً أسأل الله لي ولكم التوفيق إلى ما فيه الخير والسداد، وأتمنى أن يجعل الله منكم جذوة خير لديننا، وبلدنا السودان، والسلام عليكم ورحمة الله. أخوكم في الله / محمد الخاتم حمزة، من السودان khatimy١٩٢٠٠٠@hotmail.com - ونحن بدورنا نأمل أن يحفظ الله السودان وغيره من بلاد المسلمين بحفظه، وأن يعمل الجميع لردع قوى الشر حتى لا تضلل المسلمين. الردود: - وصل إلى المجلة عدد من المقالات التي تنتقد بعض المواقف والاجتهادات لبعض العلماء والدعاة والحركات الإسلامية، ومجلة البيان مع التزامها بالدعوة إلى التصحيح وبيان الحق بدليله؛ تنأى بنفسها عن القيل والقال والجدل المذموم، وتهتدي بهدي النبي ﷺ : «ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا» ، كما أننا نذكِّر قراءنا الكرام بقول الشيخ جمال الدين القاسمي: «الحق يُصرع إذا عُمد إلى إظهاره بالسباب والشتائم» . - الأخ: وسام غنيم، من الأردن يقترح إضافة زاوية خاصة بالرقائق؛ من أجل شحذ الهمم وتقوية الإيمان. - الأخ: رأفت صلاح، من مصر يقترح إضافة باب بعنوان: «دروس من التاريخ الإسلامي» الغرض منه مقارنة الأحداث التاريخية بالواقع واستخراج العبر. - الأخ: خالد العامري، بعث برسالة يقول فيها: الناظر إلى أحوال الدعاة هنا بإندونيسيا يجدهم بأمس الحاجة لمعرفة ما يُغزل للمسلمين من مكائد كبرى من أعدائهم اليهود والنصارى، وهذا سيوجه الدعاة الإندونيسيين إلى الاعتذار لأخطاء بعضهم، ويُظهر لهم أهمية جمع كلمتهم على الحق، وترك التنازع والاشتغال بما يذهب ريحهم ويشتت جهودهم. فكم نتمنى أن يكون هناك نسخة من مجلة البيان تُترجم إلى اللغة الإندونيسية أو على الأقل مواضيع مختارة من المجلة تترجم إلى الإندونيسية بصفة دورية. هذا ولن تقصر فائدة مجلة إسلامية بالإندونيسية على مسلمي إندونيسيا فحسب، بل تتجاوز إلى بلدان مجاورة لها نفس هذه اللغة الملايوية ولو على اختلاف يسير فيها، وذلك مثل: مسلمي ماليزيا، مسلمي بروناي، مسلمي جنوب تايلاند، مسلمي سنغافورة. - ونحن نشكر هؤلاء الإخوة على حرصهم واقتراحاتهم، ونعدهم بدراستها والاستفادة منها في الأعداد القادمة بإذن الله. - الأخت الفاضلة: نورا سعد البلم، نأمل إرسال عنوانك ليمكن الاتصال بكم عن طريقه.

стр. 4675

الورقة الأخيرة نقلة في طريق استثمار الجهود والخبرات الدعوية محمد بن يحيى مفرح mym_muf@hotmail.com الكثير من مشاريعنا الخيرية والدعوية تتوقف حدودها الفعلية والتخطيطية عند مرحلة التنفيذ وتحقيق الهدف المباشر.. وننسى ما بعد تحقيق الهدف من آثار وتراكمات وقتية قد تعود عند التخطيط لها بأضعاف الثمار الأولى بإذن الله. القليل جداً من يرصد تجاربه ويدوّن خبراته لينفع الآخرين بها فيختصر عليهم كثيراً من الوقت والتكلفة، أو ليستفيد هو ذاته في أعماله المستقبلية. النادر من يوثّق أعماله بشكل منظم ليدعم مسيرته المستقبلية. رسم المناهج العلمية ومتابعة القضايا التربوية لتأسيس طاقات مستقبلية يكاد يكون منعدماً مقارنة بالتخطيط لهدف الاستقطاب إلى الخير ودعوة الناس إلى الاستقامة. إنني أحسب أن من كبرى مشكلاتنا ضعف التخطيط ابتداءً لما بعد تحقيق الهدف المباشر وتنفيذ المطلوب الأول، ولآخر أن يقول: اكتفاؤنا بالأهداف المباشرة، ولكني أريد أن أعبر بما يقودنا إلى الحل بإذن الله.. وهنا ربما يحسن التعريج على أن البعض قد لا يتبنى الفكرة ابتداءً.. لذلك أرى أن نوضح الأمر ونبسطه من خلال مثال مادي واضح على النحو التالي: هبوا أنه عُرِض على أحد المستثمرين مشروعان تكلفة كل منهما عشرة ملايين.. يُسترد رأس المال في المشروع الأول خلال ثلاث سنوات، وفي الثاني خلال خمس سنوات.. وستكون نسبة الربح السنوية في المشروع الأول ٥% لمدة خمس سنوات.. وفي المشروع الثاني ٨% لمدة ١٠ سنوات. إن بعض المستثمرين يختارون المشروع الأول الذي سيعيد إليهم رأس المال سريعاً قبل أن يفكروا في فرق ما بعد المشروع على المدى البعيد وآثاره الربحية ضعفاً عند التخطيط.. وهو الأمر الذي يميز مستثمراً حصيفاً عن آخر. والدعاة وسائر العاملين في المجال الخيري بحاجة ماسة إلى الخروج من دائرة العمل الذي ينحصر التفكير فقط في إقامته (لأنه خير كبير) ويكتفي بتنفيذه بأفضل شكل، وربما بأسرع وقت، ثم يتم إهمال النظر والتخطيط في الأعمال التي لها نتائج متراكمة لتأتي بطبيعتها وفق ما نؤمل.. وهنا أرى أهمية الإشارة إلى بعض الملاحظ والنماذج: ١ - النتائج قد تأتي دائماً في الأعمال القائمة فعلاً طيبة مثمرة مقبولة.. وربما كان ذلك بإخلاص العاملين.. أفلا ننظر حينئذ إلى زيادة الثمرة وتعظيم البركة عند الاهتمام بالتخطيط المبكر لها لتحقيق نتائج أكبر بإذن الله.. إن الجهة التي تفكر في تخريج خمسة طلاب علم أو حُفَّاظ سنوياً يمكنها أن تستثمرهم فتخطط خطوة للأمام وتقوم بتخريج ٢٥ طالباً في العام التالي. ٢ - هناك آثار عكسية ونتائج سلبية تنشأ أحياناً بعد انتهاء مشروع بدأ ناجحاً.. والسبب هو عدم عناية أصحابه بالتنسيق المبكر لما بعده.. انظر إلى المدعوين الذين لم تتم متابعتهم، والحُفَّاظ الذين لم نؤكد على برامج المراجعة الخاصة بهم، ومكتبة التسجيلات الإسلامية التي لم تهتم بمتابعة الجديد والمعاصر لمستجدات الواقع، وهذا مثال مرير إلى حد كبير: افتتح بعض الدعاة منشطاً مسرحياً لتقديم الخير للناس بأساليب متجددة في وسط مثقف لمدة عامين ثم تركوه؛ لأنه ليس لديهم وقت وطاقة كافية لاستمرار الإشراف عليه.. فكان الطريق ممهداً أمام بعض أهل الفسق ليشرفوا على ذلك المنشط، ومن ثم يبرزون فيه وينشرون ما لا يرضاه الله . ٣ - دراسة ما بعد تحقيق الأهداف والتخطيط لها يضمن لنا بإذن الله المسير ضمن برنامج منهجي متكامل.. فلا يناقض ما نفعله اليوم ما فعلناه قبل عامين، ولن يناقض ما سنقوم به بإذن الله مستقبلاً.. ولن يهدم كيان أو تبتر ثمرة أو يعاد البناء من جديد؛ لأن فلاناً ذهب وفلان جاء.. مثال: الهدف إقامة حلقة تحفيظ قرآن في بلد ما، بعد عام من إقامة الحلقة يرتجل المشرف برامج ومناشط وفق ما يرى، ثم يأتي مشرف آخر فتختلف الترتيبات والأولويات، ويبدأ الطلاب من جديد؛ لأن مَنْ خطَّط لإنشاء الحلقة لم يخطط لما بعد تحقيق الهدف.. وقد يأتي من يوسع في دائرة العمل ويبعده عن الثغرة الأصلية التي أسس لسدها. ٤ - كتابة الخطط والأهداف المرحلية والمستقبلية يغيِّب كثيراً من ترتيباتنا.. مع أنه بإذن الله كفيل بتحقيق التزام أكبر من قِبَل جميع العاملين.. كما أنه بإذن الله يساعد في التوثيق المستقبلي مما يسهل عدة أمور: أولها: المرجع الذي يسهل العودة إليه عند الرغبة في إعادة العمل مستقبلاً مما يوفر الوقت والجهد، ويحقق استثمارها في التطوير والارتفاع بدلاً من إعادة البناء من الأساس. ثانيها: السير على وتيرة واحدة واضحة الأبعاد والمعالم؛ فلا نجد الاختلافات الجوهرية بين أهداف ونشاطات الأمس واليوم. وثالثها: إمكانية وسهولة المتابعة والتقويم والمراجعة. إننا نرى أن هناك العديد من المراكز الصيفية أو حلقات تحفيظ القرآن أو المخيمات والرحلات الدعوية التي يبدأ الإعداد لها من الصفر تقريباً في كل عام بسبب عدم توثيق واستغلال ما مضى من جهود.. إنك ترى المشروعات الكبيرة التي تسد ثغرات كبيرة بإذن الله مثل مشاريع تزويج الشباب ودعوة الجاليات وتوفير المعونات للمحتاجين تستغرق الكثير من الوقت قبل أن تحقق الاستفادة من خطوات السابقين.. مع أننا بالذات في هذا العصر والحمد لله نجد الكثير من الوسائل التي تسهل نقل الخبرات والتوثيق والتجارب مثل مواقع الإنترنت.. لو قامت إحدى الجهات أو أحد المواقع الإسلامية الشهيرة باستضافة جميع هذه الخبرات والتجارب فلربما ينفع الله بذلك كثيراً.

стр. 4676

رجب - ١٤٢٤هـ سبتمبر - ٢٠٠٣م (السنة: ١٨)

стр. 4677

كلمة صغيرة ثلاثية القيادة يعاني العمل الإسلامي من أزمة قيادة حقيقية، ربما صارت هذه بدهية لدى الكثيرين، لكنهم يختزلون القيادة في عنصرها البشري فقط، بينما التأمل العميق في ثنايا الأزمة يكشف أن الفقر القيادي ثلاثي الأبعاد؛ فهناك: الفكر القائد - العمل القائد - الشخص القائد. وتتوفر صفة القيادة لأي من هذه الأبعاد عندما يحتشد خلفه قطاعات عريضة من العاملين للإسلام. وهذه الأبعاد ثلاثتها تلزم للعمل الإسلامي كي ينهض من كبوته، وتلك وضعية مثالية لم تتوفر له في السبعين عاماً الماضية إلا مرات قليلة، لكن في ظل واقع متدهور، يصبح الجمع بينها مطلباً صعب المنال، والأوْلى أن تنهض الهمم لتوفير أهم تلك الأبعاد وأكثرها قدرة على إذابة الجمود الذي أصاب العمل الإسلامي، ونحسب أن الفكر القائد له الأولوية، والأجدر بتركيز الطاقات من أجل إيجاده باعتباره طليعة أي عمل دعوي ناجح، ولا نعني بقيادة الفكر تدارسَ ما فات، وإنما السعي بقوة لصياغة رؤية فكرية تأصيلية مجددة متكاملة، تصلح لإدارة، وقيادة، وتفعيل وليس تسكين العمل الإسلامي. وتزداد أهمية هذا البعد الفكري القيادي، في ظل محاولات الترويج لرؤى فكرية ارتدادية تفكيكية، تعود بالحركة الإسلامية ثلاثين عاماً إلى الوراء لتجد نفسها منشغلة بعد كل هذا العناء بلملمة ما تبعثر من ثوابتها، وترميم ما اهتز من أصولها، ومن ثم كان لا بد أن تتوفر في هذه الرؤية المجددة قدرتان: القدرة على مقاومة الفكر الارتجاعي، والقدرة على تحريك العمل الإسلامي والأمة بأسرها خطوات إلى الأمام. هذه الدعوة إلى قيادة فكر جديد لا تعني أبداً إهدار الإنجازات الفكرية التي تراكمت طيلة عقود ماضية، فلا شك لدينا في ثرائها، ولكنها لا ترقى إلى مستوى القيادة المطلوب؛ لأنها فقدت قدرتها على المواءمة الظرفية الزمنية؛ لذا بدا واضحاً: التعثر.. والتكرار.. والتناقض، في أداء الحركات الإسلامية تحت وطأة التداعيات السياسية في العقد الأخير؛ حيث انتهى الأمر أن أصبح منهاج الفعل ينحصر لدى بعضهم في أعمال تفجيرية، تُدمي العمل الإسلامي قبل أن تخدش أعداءه، أو مبادرات فردية لا تحرك الماء الساكن، أو رؤى تمسخ الهوية وتذيبها في أهواء الآخرين، بينما قنع آخرون بمنهاج رد الفعل، واعتبروه الأسلم والأحكم. إنها قضية وعرة، لن تمتهد بكلمات قليلة؛ لذا سنتوسع في تناولها بالتفصيل في أعداد قادمة من المجلة بمشيئة الله تعالى.

стр. 4678

الافتتاحية العدالة المطلقة ! الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وبعد: فلا تكاد دولة تخلو من وزارة تسمى وزارة العدل؛ مهمتها النظرية الحرص على تطبيق العدالة وفق الأنظمة والقوانين المرعية؛ سواءً كانت شريعة إلهية مثل الشريعة الإسلامية أم أنظمة وضعية بشرية تدعي زوراً أنها متميزة بالتطور مع حاجات الناس وأوضاعهم. ونحن هنا لن نتناول الظلم الناتج من عدم التطبيق الحيادي للأنظمة والقوانين، ولكن المشكلة أن البشر الضعيف الناقص يعطي نفسه بعض صفات الإله من العلم والحكمة والعدل، ويشرع القوانين التي تفضح جهله وتناقضه وغلبة هواه. ولا فرق في ذلك بين دول كانت ترفع رايات الحرية، والمساواة، ومنع استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، في حين تمارس أبشع صور الكبت والاستعباد في دول المنظومة الاشتراكية وتوابعها، وبين دول تطلق على نفسها دول العالم الحر، راعية حقوق الإنسان، وحامية الديمقراطية التي تمثل قمة العدالة بزعمهم، وهي لا تمل من رفع الشعارات البراقة من حقوق الإنسان، وإعادة الإعمار، والانفتاح الاقتصادي، والإصلاح السياسي، وهي تعتدي على حق كثير من البشر، وتمارس التدمير، والسيطرة الاقتصادية، وتعمل على وصول عملائها للسلطة في البلدان الأخرى. إن أكبر دليل على فقدان العدالة في أكبر بلد يرفع شعار العدالة والحرية، ويضع لها النصب والتماثيل؛ هو ما يسمى (قانون الأدلة السرية) في الولايات المتحدة الأمريكية، والذي يتلخص في أن من حق النظام أن يعتقل ويحاكم ويحكم وينفذ الحكم دون أن يعرف الضحية ما هي التهمة، وإذا عرفها فلا يُمَكَّن من معرفة أدلة الاتهام، ولذا لا يمكن أن يدافع عن نفسه!! وهذا القانون المثير للجدل بين رجال السياسة والقانون لا يجد الاهتمام الكافي من اهتمام العامة؛ لأنه يُطبق بذكاء وبصورة منتقاة ضد من تمت تعبئة الجماهير ضده؛ بحيث تكون إدانته مطلباً، ولذا لا يبالي الناس كيف وبأي مسوغ تم الوصول للحكم النهائي. بعد تفجير المبنى الفيدرالي في مدينة (أوكلاهوما سيتي الأمريكية) عام ١٩٩٥م؛ تم توجيه الاتهام مباشرة للعرب والمسلمين، وانطلقت حملة تشويه شرسة نتج عنها نوع من الهيستريا ضد العرب والمسلمين، وبعد اكتشاف الجاني واتضاح أنه أميركي أبيض تمت التغطية على القضية، واعتبرت فردية، وأدين وأعدم فيها شخص واحد فقط!! ومع ذلك فإنه، وفي الذكرى الأولى للانفجار، صوَّت الكونجرس على قانون لمكافحة الإرهاب؛ بعد أن أدرج الجناح اليميني الجمهوري فيه بنداً خاصاً بالأدلة السرية، وصدَّق عليه الكونجرس دون أي مناقشة أو تدقيق!! لقد طُبق هذا القانون حصراً على العرب والمسلمين، وممن طُبق عليه القانون الدكتور (مازن النجار) الفلسطيني المسلم الذي قبع في الاعتقال من ١٩/٥/١٩٩٧م حتى ١٥/١٢/٢٠٠٠م، حيث أُمر بإطلاق سراحه بعد أن ثبتت براءته، وأنه لا يشكل أي تهديد للأمن القومي الأميركي. والدكتور (أنور هدام) أحد رموز جبهة الإنقاذ الجزائرية، وكان يعامل بصفته الناطق الرسمي باسم الجبهة في أمريكا عندما كان هناك توقع لسقوط النظام، وعندما تبين أن الصراع سيطول، وقامت الحكومة الجزائرية، بإعطاء الشركات الأمريكية نصيباً كبيراً من العقود البترولية؛ تم اعتقاله بتهمة مخالفة قوانين الهجرة، وهي تهمة من لا تهمة له، وبقي في السجن مدة أربع سنوات، وفي ذلك يقول ديفيد بونير (نائب زعيم النواب الديمقراطيين في مجلس النواب) : جاء الدكتور (أنور هدَّام) بأسرته إلى أميركا بحثاً عن الحرية، ولكنه وجد عوضاً عن ذلك زنزانة سجن، وحكومة تعتبر الإسلام مؤامرة إجرامية في انتظار التنفيذ لا عقيدة دينية، لم تُوجه إليه أبداً أي تهمة بخرق أي قانون، ومع ذلك قضى ٤ سنوات في السجن بعيداً عن أسرته ومسلوب الحرية! لقد استُغلت حالة الهلع والخوف لتمرير قانون مكافحة الإرهاب، ولمنع بروز أي معارضة جادة له، ومن الملاحظ أنه استُعمل بكثرة ضد المتعاطفين مع القضية الفلسطينية، ووضعت حركتا حماس والجهاد في قائمة المنظمات الإرهابية لمجرد أنهما ضد الوجود اليهودي في فلسطين، ولم يحدث منهما أي تهديد للمصالح الأمريكية. وإذا كان المدافعون عن القانون يحتجون بأن هذا القانون طُبق في القرن التاسع عشر من قِبَل أبراهام لينكولن، وفي أوائل القرن العشرين من قِبَل ويلسون، وبعد الحرب العالمية الثانية؛ فإن المرحلة الحالية لا تقتصر على قانون يشرع الظلم داخل حدود أمريكا، ولكننا أمام ظاهرة أمريكية على مستوى العالم وخاصة الإسلامي؛ تُجرم فيه دول وحكومات ومنظمات وشعوب بادعاءات خالية من أي دليل، فلقد اتُهمت ليبيا بقضية لوكربي وفُرض عليها الحصار الدولي لسنوات دون أدلة، وهناك الآن محاولة للإدانة عن طريق اعتراف ليبيا بالمسؤولية ودفع تعويضات مقابل رفع الحظر، وهو إغراء فارغ لأن الاعتراف يغطي على جريمة الإدانة بدون أدلة، بل يعطي المسوِّغ لاحتلال ليبيا، ولا ننسى أن العراق تم احتلاله اعتماداً على ادعاءات كاذبة لا تستند إلى أي دليل مادي، ومع ذلك تصدر قرارات التهديد من مجلس الأمن قبل الحرب بدون أدلة، ومع ذلك لم يمانع هذا المجلس في منح أمريكا وبريطانيا صفة المحتل وإضفاء الشرعية لهذا الوجود، مع عدم التطرق لإثبات التهم السابقة أو نفيها؛ لأنها ببساطة حرب الأدلة السرية الأولى! وإذا كانت هذه حال أمريكا مع المشاكسين؛ فإن حالها مع الأصدقاء والحلفاء لا تختلف كثيراً، وإلا ماذا نسمي الاتهام والتهجم بناءً على ٢٨ صفحة مطموسة وممنوع إبرازها حتى للمتهم؟! إنها ببساطة صرعة (الأدلة السرية) ، والتى لن يسلم منها أحد؛ فهي تعبِّر عن قمة العدالة في النظام العالمي الأمريكي الجديد!!

стр. 4679

دراسات في الشريعة مناظرة أهل البدع (رؤية شرعية معاصرة) (١ ـ ٢) حسن بن علي البار [*] [قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَداًّ حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا العَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً * وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَداًّ] (مريم: ٧٥- ٧٦) . البدعة أحب إلى إبليس من المعصية لغلظ نجاستها؛ ولأن صاحبها لا يتوب منها إلا ما شاء الله تعالى. وأخطر البدع ما كان علمياً اعتقادياً، يفسد على الإنسان نظام حياته كلها، وذلك كبدع الفرق الاعتقادية التي تحزبت على أصل بدعي أخرجها عن دائرة السنة والجماعة. وهذه الفرق التي كانت في قديم الزمان لا يزال لأكثرها وجود وحضور في الساحة الفكرية في هذا الزمان، بالإضافة إلى الكثير من الآراء المحدثة في هذا الزمان؛ سواء تحزب أصحابها بعضهم لبعض، أم بقوا أوزاعاً متفرقين بالأبدان متعاونين متعاضدين في الأفكار. وهذه الأفكار البدعية المنحرفة تجد في هذه الأيام من يروِّج لها في وسائل الإعلام التي تسلطت على المسلمين ببث ما يضرهم غالباً وترك ما فيه منفعتهم وصلاحهم، وقد تكلم كثير من العلماء وطلبة العلم عن الرد على أمثال هؤلاء، وقصدوا بذلك التأليف والكتابة لرد شبههم ومقارعتهم الحجة بالحجة، إلا أن هذه الوسيلة للرد على المبتدعة على عظيم منفعتها محدودة التأثير؛ لأن الشريحة التي تقرأ من الناس فضلاً عمن يقرأ مثل هذه الكتابات محدودة جداً. ومن وسائل مواجهة هؤلاء مناظرتهم على رؤوس الأشهاد، ومزاحمتهم في المنابر التي تمكِّن لهم، ومن هنا يبرز السؤال عن مشروعية هذا الأمر، وعن منهج السلف تجاهه؟ وهذه محاولة متواضعة في بيان ذلك: وقبل تفريع الكلام حول تفاصيل تتعلق بالمناظرة وبحكمها الشرعي؛ أرى أنه لا بد من بيان معنى المناظرة، ومن أحسن تعريفاتها التعريف الذي صححه إمام الحرمين الجويني للجدل بعد أن ساق عدة تعريفات، وهو: إظهار المتنازعَيْن مقتضى نَظْرَتِهما، على التدافع والتنافي بالعبارة أو ما يقوم مقامها من الإشارة والدلالة. وأشار ﵀ في كلامه إلى أنه لا فرق عنده بين الجدل والجدال والمناظرة، وهذا يعني صلاحية هذا التعريف للمناظرة كذلك. وبذلك يظهر من معنى المناظرة أنها: مختصة بتراجع الكلام مع خصم لا يرى رأيك؛ على سبيل إثبات صواب قولك وبطلان قوله. فيكون المراد منها الظهور والغلبة، ولا يبحث فيها فيما إذا كان قوله صواباً أم فيه شيء من الصواب ليتبعه المناظر، وإنما كل طرف من أطراف المناظرة يبتغي العلو على مناظريه بالحجة، ويريد أن يقطع حجج خصومه [١] . وأما الحوار، فإن الكلام فيه يكون على سبيل طلب الحق، وتلاقح أفكار الفريقين، واستفادة كل طرف من الآخر، وليس بالضرورة أن يكون فيه طرف ظاهر غالب، وطرف مظهور عليه مغلوب. قال أبو عبد الله ابن بطة (٣٨٧) : «سمعت بعض شيوخنا ﵀ يقول: المجالسة للمناصحة فتح باب الفائدة، والمجالسة للمناظرة غلق باب الفائدة» [٢] ، قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: «وهي في الاصطلاح أي المناظرة: المحاورة في الكلام بين شخصين مختلفين، يقصد كل واحد منهما تصحيح قوله وإبطال قول الآخر، مع رغبة كل منهما في ظهور الحق» [٣] ، وقال الزَّبيدي في تاج العروس: «والمناظرة المباحثة والمباراة في النظر واستحضار كل ما يراه ببصيرته» [٤] . وسأبين إن شاء الله بعض النقاط التي أرجو أن تتضح بها صورة الموضوع في حكم مناظرة أهل البدع أو مجادلتهم والجلوس معهم للتباحث والنظر، وذلك كما يلي: ١ - إن الله ﵎ لم يُنعم على عبده نعمة أتمّ ولا أعظم عليه من نعمته عليه بالهداية لصراطه المستقيم، وتوفيقه للإسلام وللسنة والجماعة، فكم من محروم من هذه النعمة، وقد أعطاك الله ﵎ إياها بالمجان بدون استحقاق منك عليه جل وتعالى، فاعرف لهذه النعمة قدرها. وقد استشعر الصحابة والسلف الصالح عظيم منّة الله عليهم؛ بتوفيقه لهم، وهدايته إياهم إلى السنة بعد أن هداهم للإسلام: فعن معاوية بن قرة أن سالم بن عبد الله حدثه عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: «ما فرحتُ بشيء من الإسلام أشد فرحاً بأنّ قلبي لم يدخله شيءٌ من هذه الأهواء» [٥] . وقال أبو العالية: «ما أدري أي الغُنمين عليَّ أعظم: إذْ أخرجني الله من الشرك إلى الإسلام، أو عصمني في الإسلام أن يكون لي فيه هوى» [٦] . وسأل المرُّوذِيُّ الإمامَ أحمد بن حنبل: «من مات على الإسلام والسنة مات على خير؟! فقال له أحمد: اسكت، من مات على الإسلام والسنة مات على الخير كله» [٧] ، فاللهم لك الحمد على هذه النعمة العظيمة؛ أن هدَيتنا للإسلام، ثم زدتنا من فضلك بأن جعلتنا من أهل السنة لا من أهل البدعة. ٢ - الانحرافات البدعية إنما تكون في الغالب من باب الشبهات، والشبهات أمراض معدية يجب التوقي من الإصابة بها، فـ «القلوب ضعيفة والشُبَه خطافة» [٨] . ولذلك؛ فالواجب على المسلم السنّي ألا يجعل من قلبه مسكناً للشبه، ولا استراحة لها، كما قال ابن تيمية لتلميذه ابن القيم ناصحاً: «لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة فيتشربها؛ فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها، فيراها بصفائه، ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أَشْربتَ قلبك كل شبهة تمر عليك صار مقراً للشبهات. أو كما قال» [٩] . وهكذا فليس من دأب المسلمين الموقنين بما أنزل الله على رسوله، والذين هم على بصيرة من أمرهم، أن يتتبعوا الشبهات وأن يجعلوها همّهم، وإنما «المنهج الصحيح هو عرض حقائق الإسلام ابتداءً لتوضيحها للناس لا رداً على شبهة، ولا إجابة على تساؤل في نفوسهم ... وإنما من أجل البيان الواجب.. ثم لا بأس في أثناء عرض هذه الحقائق من الوقوف عند بعض النقاط التي يساء فهمها أو يساء تأويلها من قِبَل الأعداء أو الأصدقاء سواء» [١٠] . ويكون حال السائر إلى الله والدار الآخرة مع الشُّبه حال المسافر تعرض له الآفات من العقارب والحيات وغيرها، فما عرض له منها في طريقه قتله، وما لا فلا يتّبعه ولا يبحث عنه؛ إذ لو فعل ذلك لانقطع عن سفره وضل الطريق [١١] . وعليه؛ فيجب أن يكون هذا منهجاً يُرَبَّى عليه الشباب والمتعلمون، فيُعَلَّمون القرآن والحكمة وحقائق الإيمان واليقين، ثم إن عرض لبعضهم شبهة تولَّى العالم أو المربي علاجها، لا أن تُجْعَل الشبهات والبدع والأخطاء العقدية المسائل التي يُلَقَّنَها من أول سلوكه طريق الهداية، فيتشرّب قلبه من ذلك حب الشقاق واضطراب الرأي والجرأة على خوض هذه المسالك؛ كما هو مشاهَدٌ الآن، والله المستعان. ثم ليُعْلم أن هذا غير مختص بأحد دون أحد، بل هو متناول لمن كمُل علمه واستنارت بصيرته ولمن كان دون ذلك. كما قال النبي ﷺ : «من سمع بالدجال فليَنأَ عنه، فو الله إنّ الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه؛ مما يبعث به من الشبهات» [١٢] ، وهذا عام. قال الإمام ابن بطة معلِّقاً على هذا الحديث: «هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق. فالله الله معاشر المسلمين! لا يحملنَّ أحداً منكم حسنُ ظنه بنفسه وما عهده من معرفته بصحة مذهبه على المخاطرة بدينه في مجالسة بعض أهل هذه الأهواء، فيقول أُداخله لأناظره، أو لأستخرج منه مذهبه. فإنهم أشد فتنة من الدجال [١٣] ، وكلامهم ألصق من الجَرَب، وأحرق للقلوب من اللهب، ولقد رأيت جماعة من الناس كانوا يلعنونهم ويسبُّونهم فجالسوهم على سبيل الإنكار والرد عليهم فما زالت بهم المباسطة، وخفي المكر، ودقيق الكفر حتى صَبَوْا إليهم» [١٤] . ودخل رجلان من أهل الأهواء على محمد بن سيرين فقالا: «يا أبا بكر! نحدثك بحديث؟! قال: لا. قالا: فنقرأ عليك آية من كتاب الله؟ قال: لا. قال: تقومان عني وإلا قمتُ. فقام الرجلان فخرجا. فقال بعض القوم: ما كان عليك أن يقرآ عليك آية؟ قال: إني كرهت أن يقرآ آيةً فيحرفانها؛ فيقر ذلك في قلبي» [١٥] . ٣ - يبيَّن لنا ما سبق سبب موقف السلف المتشدد تجاه مجالسة ومخالطة أصحاب البدع بله مناظرتهم، وهذا هو مقتضى فهمهم الصحيح للشريعة وخبرتهم بحال النبي ﷺ وبهديه وهدي الصحابة رضي الله عن الجميع. ففي صحيح البخاري من حديث القاسم بن محمد عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: [هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] (آل عمران: ٧) ، قالت: قال رسول الله ﷺ : «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّى اللهُ فاحذروهم» [١٦] . وقد كانوا ﵏ يكرهون المراء مطلقاً، حتى لو لم يكن معه شيء من فساد المعتقد. ١ - فعن وهب بن منبّه قال: «كنت أنا وعكرمة نقودُ ابنَ عباس بعد ما ذهب بصره حتى دخلنا المسجد الحرام؛ فإذا قومٌ يَمترون في حلقةٍ لهم مما يلي باب بني شيبة، فقال لنا: أُمَّا بي حلقة المِراء. فانطلقنا به إليهم فوقف عليهم، فقال: انتسبوا لي أعرفْكم. فانتسبوا له أو من انتسب منهم، قال: فقال: ما علمتم أن لله عباداً أَصَمَّتهم خشيته من غير عِيٍّ ولا بَكَم!! وإنهم لهم العلماءُ الفصحاءُ النبلاءُ الطلقاء، غير أنهم إذا تذاكروا عظمة الله طاشت لذلك عقولهم، وانكسرت قلوبهم، وانقطعت ألسنتهم، حتى إذا استفاقوا من ذلك تسارعوا إلى الله بالأعمال الزاكية. فأين أنتم منهم؟! قال: ثم تولَّى عنهم، فلم ير بعد ذلك رجلاً» [١٧] . ٢ - وحدث حماد بن زيد عن محمد بن واسع عن مسلم بن يسار أنه كان يقول: «إياكم والِمراء؛ فإنها ساعة جهل العالم، وبها يبتغي الشيطان زلّته» [١٨] . أما إذا خالط المراءَ والجدالَ بدعةٌ؛ فكان فرارهم من ذلك أشد الفرار ومواقفهم المروية لنا في ذلك كثيرة جداً جداً. فمن ذلك: ٣ - أن الحسن ومحمد كانا يقولان: لا تجالسوا أصحاب الأهواء، ولا تسمعوا منهم، ولا تجادلوهم [١٩] . ٤ - وقال عبد الرزاق: «قال لي إبراهيم بن أبي يحيى: إني أرى المعتزلة عندكم كثيراً. قال: قلت: نعم، ويزعمون أنك منهم! قال: أفلا تدخل معي هذا الحانوت حتى أكلمك! قلت: لا. قال: لِمَ؟ قلت: لأن القلبَ ضعيف، وإن الدين ليس لمن غلب» [٢٠] . ٥ - وذكر أبو الجوزاء أهل الأهواء، فقال: «لأن تمتلئ داري قردةً وخنازيرَ أحب إليّ من أن يجاورني رجل من أهل الأهواء» [٢١] . ٦ - وقال محمد بن علي: «لا تجالسوا أصحاب الخصومات؛ فإنهم يخوضون في آيات الله» [٢٢] . ٧ - وقال مصعب بن سعد: «لا تجالس مفتوناً؛ فإنه لن يخطئك منه إحدى خصلتين: إما يُمرض قلبك لتتابعه، وإما أن يؤذيك قبل أن يفارقك» [٢٣] . ٨ - وقال أيوب: قال أبو قِلابة: «لا تجالس أصحاب الأهواء؛ فإني لا آمن عليك أن يغمسوك في ضلالتهم، ويلبسوا عليك ما كنت تعرف» ، وكان والله! من القراء ذوي الألباب [٢٤] . فإذا كان أبو قلابة يقول هذا الكلام لأيوب السختياني وهو من هو؟!! فكيف بك أخي الكريم وأنت لم تبلغ رتبة أيوب في العلم والدين ولعلك لم تقاربها؟!! فهذا دالٌ على أن الأمر جلل. ٩ - وحدث عبد الرزاق أخبرنا معمر قال: «كان ابن طاوس جالساً، فجاء رجل من المعتزلة فجعل يتكلم. قال: فأدخل ابن طاوس إصبعيه في أذنيه، وقال لابنه: أي بُني أدخل إصبعيك في أذنيك واسدد؛ لا تسمع من كلامه شيئاً. قال معمر: يعني أن القلب ضعيف» [٢٥] . ١٠ - وكان الإمام مالك بن أنس ﵀ يعيب الجدال، ويقول: كلما جاءنا رجل أجدل من رجل أردنا أن نرُدَّ ما جاء به جبريلُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم!! [٢٦] . ١١ - وجاء رجل إلى الحسن فقال: يا أبا سعيد! تعال حتى أخاصمك في الدين. فقال الحسن: أما أنا فقد أبصرتُ ديني، فإن كنتَ أضللتَ دينَك فالتمِسه [٢٧] . ١٢ - وقال سلام: وقال رجل من أصحاب الأهواء لأيوب: يا أبا بكر! أسألك عن كلمة! قال: فولَّى أيوب، وهو يقول: ولا نصف كلمة!! مرتين وهو يشير بإصبعه [٢٨] . ١٣ - وقال يحيى بن يسار: «سمعتُ شَريكاً يقول: لأن يكون في كل قبيلة حمار أحب إليَّ من أن يكون فيها رجلٌ من أصحاب أبي فلان (رجلٌ كان مبتدعاً) » [٢٩] . ١٤ - وقال أبو حاتم: «سمعت أحمد بن سنان يقول: لأن يجاورني صاحب طنبور أحب إليَّ من أن يجاورني صاحب بدعة؛ لأن صاحب الطنبور أنهاه وأكسر الطنبور، والمبتدع يُفسد الناس والجيران والأحداث» [٣٠] . وكان في كلامهم ﵏ ما يدل على أن الخصومات والمناظرات في الدين سبب لإيغال المبتدع في الضلالة: ١٥ - فقد سأل عمرو بن قيس الحَكَم بن عُتَيبة فقال له: ما اضطر المرجئةَ إلى رأيهم؟ قال: الخصومات [٣١] . ١٦ - وقال الأوزاعي: «إذا أراد الله بقوم شرّاً فتح عليهم الجدل، ومنعهم العمل» [٣٢] . وقد بوّب الآجُرِّيُّ في الشريعة عدة أبواب تدل على هذا الأصل من مجانبة المبتدعة والحذر من الاختلاط بهم والجلوس معهم، فمن ذلك: (باب الحث على التمسك بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وسنة أصحابه ﵃، وترك البدع، وترك النظر والجدال فيما يخالف الكتاب والسنة وقول الصحابة ﵃) [٣٣] ، وكذلك: (باب ذم الجدال والخصومات في الدين) [٣٤] . وكذلك: (باب فضل القعود في الفتنة عن الخوض فيها، وتخوف العقلاء على قلوبهم أن تهوى حالاً يكرهه الله تعالى بلزوم البيوت والعبادة لله تعالى) [٣٥] . وبوّب اللالكائي: (سياق ما ورد عن النبي ﷺ في النهي عن مناظرة أهل البدع، وجدالهم، والمكالمة معهم، والاستماع إلى أقوالهم المحدثة وآرائهم الخبيثة) [٣٦] . وفي ذم الكلام وأهله لشيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي [٣٧] : (باب ذم الجدال والتغليظ فيه، وذكر شؤمه) . هذا؛ وقد استطردتُ قليلاً في ذكر مواقفهم ﵏ من الحوار والجدال والمجالسة والسماع لأهل البدع، ومن ذلك مناظرتهم؛ تأصيلاً للمسألة وبياناً للأصل الذي يجب حفظه ومراعاته في مثل هذه المسائل. وحملني على ذلك أيضاً توسع الناس في ذلك في هذه الأزمنة، فلا تكاد تجد منهم متحفِّظاً يكون سلفياً في موقفه من مجالسة أهل البدع وإلقاء السمع لهم، وقد تركت من ذلك أضعاف أضعاف ما نقلتُ، فالآثار في ذلك بالمئات، فليتأمل العاقل في نفسه، ولينظر في البواعث التي سيأتي في تقريرها، ثم ليشح بدينه من أن يناله نائل، فإنما هي الجنة والنار، فالأمر جد وليس بالهزل. على أن ذلك منهم ﵏ ليس بالقاعدة المطَّرِدة التي لا يصح أن تُخالف. وبيان ذلك يتضح بتلمُّس بواعثهم على مثل هذا الموقف، ومن ثم قياسها ومعرفة وزنها من واقعٍ لآخر، مع النظر في مواقفهم الأخرى التي ثبتت عنهم في مناظرتهم وكلامهم مع أهل البدع. أما بواعثهم على اتخاذ هذا الموقف؛ فأهمها ما يلي: ١ - حرص الإنسان على سلامته في دينه، وخوفه على نفسه من الشبهات والوقوع في البدع أو القرب من أهلها: وذلك أنهم عرفوا مقدار نعمة الله عليهم بما تفضل عليهم من توفيقهم للإسلام والسنة، فشحوا بدينهم من أن يناله أي نائل، ولم يأمنوا مكر الله، ورجوا السلامة، والسلامة لا يعدلها شيء. قال الإمام مالك بن أنس: «الداء العضال التنقُّل في الدين» ، وقال: «قال رجلٌ: ما كنتَ لاعباً به فلا تلعبَنَّ بدينك» [٣٨] . فينبغي على من أراد المناظرة أن يرجع إلى نفسه ويقول لها: «إني لو نجوتُ وعطب أهلُ الأرض من أهل الأهواء ما ضرني ذلك، ولو عطبتُ ونجَوا ما نفعني، فإقامتي الحجة عليهم وتركي أن أقيم الحجة على نفسي في تضييعي أمره حتى أؤدي ما أمرني به ربي، وأنتهي عمَّا نهاني عنه، وأربح أيام عمري ليوم فقري وفاقتي أولى بي، فقد شغلوني عن نفسي وعن العمل لنجاتي ... » [٣٩] . ويمكن ملاحظة ذلك في الآثار: ٤، ٧، ٨، ٩، ١٢. ومن أضرار هذه المناظرات على المشتغل بها في دينه: كونها شاغلة له عما هو أولى به منها كما مرّ قريباً الإشارة إليه من خلوّ القلب لذكر الله، وتذوق حلاوة مناجاته، والاشتغال بقراءة القرآن، وتعلّم وتعليم العلم النافع؛ فإن أهل الاشتغال بهذه الأعمال الجليلة في شغل عن هذه المماحكات، ولم يولّد المماراةَ والجدلَ في الدين إلا قومٌ فرغوا عن العمل النافع، فانشغلوا بما هو دونه بمراتب، بل بما يكون ضرره على الواحد منهم وعلى سائر المسلمين أكثر من نفعه. ولذلك؛ فإنه كانت في «القرون الفاضلة الكلمة في الصفات (وغيرها من المسائل الكبار) متحدة، والطريقة لهم جميعاً متفقة. وكان اشتغالهم بما أمرهم الله بالاشتغال به، وكلّفهم القيام بفرائضه من: الإيمان بالله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصيام، والحج والجهاد، وإنفاق الأموال في أنواع البر، وطلب العلم النافع، وإرشاد الناس للخير على اختلاف أنواعه، والمحافظة على موجبات الفوز بالجنة، والنجاة من النار، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ على يد الظالم بحسب الاستطاعة، وبما تبلغ إليه القدرة، ولم يشتغلوا بغير ذلك؛ مما لم يكلفهم الله بعلمه، ولا تعبّدهم بالوقوف على حقيقته. فكان الدين إذ ذاك صافياً عن كَدَر البدع ... فعلى هذا النمط كان الصحابة ﵃ والتابعون وتابعوهم، وبهدي رسوله اهتدوا، وبأفعاله وأقواله اقتدوا» [٤٠] . وقال جعفر بن محمد: «إياكم والخصومة في الدين؛ فإنها تُشغل القلب، وتورث النفاق» [٤١] . قال الربيع: أنشدنا الشافعي في ذم الكلام: لم يبرح الناس حتى أحدثوا بدعاً ... في الدين بالرأي لم تُبعث بها الرسلُ حتى استخَفَّ بدين الله أكثرهم ... وفي الذي حملوا من حقه شغلُ [٤٢] ويمكن ملاحظة ذلك في الآثار: ١، ٧، ١٦. ٢ - أن العقل السليم يدل على ذلك: فإن الشريعة مبناها على التسليم والانقياد، ولا أحد أعلم بالله من رسول الله ﷺ ، ولا أحد أعلم برسول الله ﷺ من صحابته ﵃، ولا أحد أعلم بالصحابة من التابعين - رضي الله عن الجميع -، وهم كلهم كانوا أصح الناس عقولاً، وأقومهم هدياً وطريقة، وأحدثهم عهداً بالشريعة فمنهم يُسْتَمد، وعلى التسليم لرب العالمين المعوَّل. وأما التعويل على غير هذا، فما هو إلا خبط في العماية يورث التشكك والتنقل والحيرة والاضطراب وفساد الأمر. وعليه؛ فالحزم كل الحزم في اتباع هدي السلف الأول والأمر العتيق؛ مع الحذر من البدعة والتبدع [٤٣] ! قال عبد الله بن مصعب: ولا تصحبنَّ أخا بدعةٍ ... ولا تسمعنَّ لهُ الدهرَ قيلا فإنّ مقالتَهم كالظَِّلال ... توشكُ أفياؤُها أن تزولا [٤٤] ويدل على هذا أيضاً الآثار: ٦، ٧، ١٠، ١١، ١٧. وهذه النقطة عائدة إلى النقطة السابقة، وكلاهما عائد إلى قصد حفظ النفس من البدعة. ٣ - قصد حفظ المجتمع من البدعة: فالمبتدعة في ذلك الزمان قليل مقموعون لا شوكة ولا ظهور لهم، وأئمة العلم من الصحابة والتابعين فمن بعدهم هم الشموس والأقمار المضيئة للناس في الظلماء. قال الإمام اللالكائي ﵀: «فهم أي المبتدعة: [كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ المُفْسِدِينَ] (المائدة: ٦٤) ، ثم إنه من حين حدثت هذه الآراء المختلفة في الإسلام، وظهرت هذه البدع من قديم الأيام، وفشت في خاصة الناس والعوام، وأُشربت قلوبهم حبها حتى خاصموا فيها بزعمهم تديناً أو تحرجاً من الآثام؛ لم تَرَ دعوتَهم انتشرت في عَشْرةٍ من منابر الإسلام متوالية، ولا أمكن أن تكون كلمتهم بين المسلمين عالية، أو مقالتهم في الإسلام ظاهرة، بل كانت داحضة وضيعة مهجورة؛ وكلمة أهل السنة ظاهرة، ومذاهبهم كالشمس نايرة، ونصب الحق زاهرة، وأعلامها بالنصر مشهورة، وأعداؤها بالقمع مقهورة، يُنطق بمفاخرها على أعواد المنابر، وتُدَوَّن مناقبها في الكتب والدفاتر، وتستفتح بها الخُطب وتختم، ويُفصل بها بين الحق والباطل ويُحكم، وتُعقد عليها المجالس وتُبرم، وتظهر على الكراسي وتدرس وتُعَلَّم..» [٤٥] اهـ. وعليه؛ فمجالسة أئمة السنة للمبتدع قد تغرُّ به مَن سَلِم من هذه البدعة ولم يعلم بها، أو قد تعطي لهؤلاء شيئاً من الاعتبار والمكانة التي لا يستحقونها، وقد تؤدي إلى انتشار البدعة، وعِلْم الناس البرآء منها بها، قال الغزالي: «فإن العامي ضعيف يستفزه جدل المبتدع وإن كان فاسداً» [٤٦] ؛ أي وإن كان جدله فاسداً. قال أبو القاسم الأصبهاني (٥٣٥) في كتابه (الحجة في بيان المحجة، وشرح عقيدة أهل السنة) ، وهو يذكر فصولاً مستخرجة من السنة: «وترك مجالسة أهل البدعة ومعاشرتهم سنة؛ لئلا تعلق بقلوب ضعفاء المسلمين بعضُ بدعتهم، وحتى يعلم الناس أنهم أهل بدعة، ولئلا يكون في مجالستهم ذريعة إلى بدعتهم» [٤٧] . فكان الحزم في توقي استفادة هؤلاء من التعلق بأذيال أهل السنة والاتباع [٤٨] . وقد هجر الإمامُ أحمد الحارثَ المُحاسبي مع زهده وورعه بسبب تصنيفه كتاباً في الرد على المبتدعة، وقال له: ويحك، ألستَ تحكي بدعتهم أولاً ثم ترد عليهم؟! ألستَ تحمل الناسَ بتصنيفك على مطالعة البدعة والتفكر في تلك الشبهات؛ فيدعوهم ذلك إلى الرأي والبحث؟! [٤٩] . وانظر في ذلك الآثار: ١٣، ١٤. ٤ - قصد زجر المبتدع عن بدعته: وذلك بهجره وقمعه. والهجر عقوبة شرعية قد استعملها النبي ﷺ ، وكانت في ذلك الزمان من أبلغ العقوبات؛ إذ السنة ظاهرة، والبدعة وأهلها مخذولة محتقرة، فبالتالي تجد أن أكثر الناس يكون هاجراً للمبتدع فلعله أن يتأثر بذلك فينقمع عن بدعته، ويفيء إلى السنة، أو لا أقل من أن يَطْفَأ نشاطُه، ويقل شره، وكلتا الحالتين خير له من التمادي في البدعة، قال أيوب السختياني: «لست برادٍ عليهم بشيءٍ أشد من السكوت» [٥٠] . وقال أحمد بن أبي الحواري: «قال لي عبد الله بن البسري [٥١] ، وكان من الخاشعين، ما رأيت قط أخشعَ منه: ليس السنة عندنا أن ترد على أهل الأهواء، ولكن السنة عندنا أن لا تكلم أحداً منهم» [٥٢] . وقال ابن هانئ: «سألت أبا عبد الله عن رجل مبتدع داعية يدعو إلى بدعته، أيجالس؟ قال: لا يجالَس ولا يُكلَّم لعله أن يرجع» [٥٣] . وقال اللالكائي كلاماً نفيساً في بداية أمر مناظرة أهل البدع [٥٤] ، ثم قال: «فما جُني على المسلمين جنايةٌ أعظم من مناظرة المبتدعة، ولم يكن لهم قَهر ولا ذُلٌّ أعظم مما تركهم السلف على تلك الجملة يموتون من الغيظ كمداً ودرداً، ولا يجدون إلى إظهار بدعتهم سبيلاً، حتى جاء المغرورون ففتحوا لهم إليها طريقاً، وصاروا لهم إلى هلاك الإسلام دليلاً؛ حتى كثرت بينهم المشاجرة، وظهرت دعوتهم بالمناظرة، وطَرَقَ أسماع من لم يكن عرفها من الخاصة والعامة..» [٥٥] اهـ. ٥ - الحذر من كون المناظرة داعية للمبتدع إلى الإيغال في البدعة أكثر: مع التعصب لها التعصب الذي لولا المناظرة لم يكن بهذه المنزلة. وقد تقدم عن عمرو بن قيس قال: «قلت للحكم: ما اضطر الناس إلى الأهواء؟ قال: الخصومات» [٥٦] . وبالتالي فمن ضرر الخصومات: «تأكيدُ اعتقاد المبتدعة للبدعة وتثبيتُه في صدورهم؛ بحيث تنبعث دواعيهم ويشتد حرصهم على الإصرار عليه، ولكن هذا الضرر بواسطة التعصب الذي يثور من الجدل؛ ولذلك نرى المبتدع العامي يمكن أن يزول اعتقاده باللطف في أسرع زمان، إلا إذا كان نشوؤه في بلد يظهر فيها الجدل والتعصب، فإنه لو اجتمع عليه الأولون والآخرون لم يقدروا على نزع البدعة من صدره. بل الهوى والتعصب، وبغض خصوم المجادلين، وفرقة المخالفين يستولي على قلبه ويمنعه من إدراك الحق، حتى لو قيل له: هل تريد أن يكشف الله تعالى لك الغطاء ويعرِّفَك بالعيان أن الحق مع خصمك لكره ذلك خيفةً من أن يفرح به خصمُه!! وهذا هو الداء العضال الذي استطرد [٥٧] في البلاد والعباد، وهو نوع فساد أثاره المجادلون بالتعصب» [٥٨] اهـ. وغير ذلك من البواعث الجزئية التي لا تخفى على المتأمل، وهي جديرة بالجمع والتتبع [٥٩] . بعد ذلك أقول: إن هذه البواعث الشريفة يختلف تحققها من زمان إلى زمان، ومن شخص لآخر، ومن بلد لغيره وهكذا، وبالتالي فإن هذا الموقف الذي اتخذه السلف ﵏ وإن كان هو الموقف العام لهم كما سبق الإفاضة في ذلك إلا أنه لم يكن هو موقفهم الوحيد، ولم يكونوا ﵏ آلاتٍ صمّاء يرون رأياً ثم يطبقونه بعنف وابتسار وعدم تفقه لدواعيه، وإنما كانوا فقهاء نفسٍ وأهلَ حكمةٍ يضَعون الدواءَ المناسب في مواضعه، ويقدرون لكل أمر ما يستحق، ولذلك فعند عدم وجود المقتضي للحكم؛ فإن الحكم يزول بزوال هذا المقتضي.

стр. 4680

دراسات في الشريعة من وصايا العلماء عند الفتن واشتباه الأمور ملك اللسان، وكف اليد، ومعالجة ما في الصدر د. علي بن عبد الله الصيّاح "alial-moer ali'' >١٣٨٨a@maktoob.com< هذه ثلاث وصايا عظيمة مستقاة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قَالها شيخُ المقرئين والمُحدثين، وحافظُ أهل الكوفة في زمانه، وأحد الستة الذين حفظوا العلم على أمة محمد ﷺ [١] : سُليمانُ بنُ مِهْرَان الأعمش وَمَنْ قرأ سيرته عَرَفَ إمامة هذا الرجل في العلم والعمل والزهد. قال العِجْليُّ: «حَدّثني أبي قال: هاجتْ فتنةٌ بالكوفة فعَمِلَ الحَسَنُ بنُ الحُرّ طعاماً كثيراً ودعا قُرّاء أهل الكوفة، فكتبوا كتاباً يأمرون فيه بالكف، وينهون عن الفتنة، فدعوه فتكلم بثلاث كلمات فاستغنوا بهن عن قراءةِ ذلكَ الكتاب فَقَالَ: رَحِمَ اللهُ امرأً» مَلَكَ لِسَانَهُ « [٢] ،» وَكفَّ يدَهُ « [٣] ،» وَعَالجَ مَا في صدرهِ « [٤] ، تَفَرَّقوا؛ فإنه كَانَ يُكره طول المجلس» [٥] . وفي روايةٍ أُخرى: «فَقالَ الأعمشُ: مَلَكَ لسانَه رجلٌ، وحَفِظَ نفسَه، وعَلِمَ ما في قلبه، إنّه كانَ يُقَال: إنه إذا طَالَ المجلسُ كان للشيطان فيه مطمعٌ. أحضرْ طعامَكَ» . إنّ الحديثَ عن الفتن وما ورد فيها من الآيات والأحاديث أخذ جانباً من عناية المحدثين؛ فقلما يخلو كتاب من كتب السنة كصحيح البخاريّ، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، والترمذي وغيرها كثير من كتاب أو باب «الفتن» ، قال الإمامُ البُخاريُّ في صحيحهِ: «كتاب الفتن، باب ما جاء في قول الله تعالى: [وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً] (الأنفال: ٢٥) ، وما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحذر من الفتن» . ونحن في هذا الزمان - زمان الفتن - بحاجة لتأمل الآيات والأحاديث الواردة في الفتن، وأخذ العبر والعظات والأحكام، والخروج بفقه ما ينبغي عمله عِندَ الفتن في ضوء كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . قال عبد الرحمن بن أبزي: قلتُ لأبيّ بن كعب لما وقع الناس في أمر عثمان: أبا المنذر! ما المخرج؟ قال: كتابُ الله ما استبان لك فاعمل به، وما اشتبه عليك فكِله إلى عالمه [٦] . وكذا دراسة هدي صحابة رسول الله ﷺ ومسلكهم عند الفتن التي مرت بهم بدءاً من فتنة مقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ﵁. قال أحمدُ بنُ حنبل: حدثنا إسماعيل قال: حدثنا أيوب عن محمد بن سيرين قال: «هاجتْ الفتنة وأصحابُ رسول الله ﷺ عشرة آلاف؛ فما خفَّ فيها منهم مائة، بل لم يبلغوا ثلاثين» [٧] . وفي ظني أنَّ مراعاة تلك الوصايا الثلاث من أعظم الأسباب لحفظ المسلم من الولوج في تلك الفتن التي تجعل طالب العلم في حيرةٍ واشتباه. وبالمقابل تجد من لم يملك لسانه يقطع في أمور لو وردت على الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ لجمع لها أهل بدر، واستخار الله فيها شهراً، وربما ترتب على هذه المسائل عدم كف اليد عن دماء المسلمين المحرمة، وانتهاك حرمة المسلم بالظنون والتخرصات. ولو أنَّ كلَّ مسلم اشتغل بنفسه وعالج ما في صدره لوجد في ذلك شغلاً عن الخوض في الفتن. ومما ينبغي التفطن له: أنه ليس من ملك اللسان واعتزال الفتن عدم الرد على شبهات المبطلين واعتراضاتهم على أحكام الله ورسوله ﷺ . وليس من الخوض في الفتن كذلك: - تقرير مشروعية الجهاد في سبيل الله، وأنه ذروة سنام الإسلام. - وبيان وجوب موالاة المؤمنين، ومعاداة الكافرين. - والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. - والتحذير من البدع والخرافات، والمذاهب الهدامة من العلمانية والحداثة وغيرهما. بل إنَّ الكلام في هذه المسائل في هذا الزمان أصبح من أهم المهمات وأفضل الجهاد لما نرى من محاولات عالمية جادّة لطمس معالم الإسلام في المسائل المتقدمة، وتصويرها بصورة الإرهاب والمنافاة لحقوق الإنسان، وحرية الرأي، واحترام الآخر بزعمهم. وإنّ من أخطر الأمور على النشء المسلم عدم المعرفة التامة بأحكام الإسلام في المسائل المتقدمة، وعدم تصورها التصور الصحيح الموافق للكتاب والسنة الصحيحة، فينبغي على الجميع العمل، وبذل الجهد والطاقة في توضيح المفاهيم السابقة، لينالوا شرف خدمة هذا الدين العظيم. نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.

стр. 4681

دراسات في الشريعة معالم منهجية من العقيدة الواسطية أمين نعمان الصلاحي [*] إن الاشتغال بمدارسة علم التوحيد والتفقه في مسائل الإيمان هو أجلُّ العلوم، وعليه تنبني صحة الأعمال وسعادة الدارين [فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ] (محمد: ١٩) . والسعيد من وفقه الله لتلقي الاعتقاد الصحيح الذي من أجله أنزل الله الكتب وبعث الرسل، وعلى أساسه انقسم الناس إلى فريقين: [فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ] (الشورى: ٧) . ولقد كان نبع التوحيد - في هذه الأمة - نبعاً صافياً عذباً رقراقاً، من شرب منه ارتوت روحه بالإيمان ونجت من ظمأ الشرك والجهل والكفران.. ثم إنه تفجرت ينابيعُ أُخر إلى جانب هذا النبع الصافي؛ فكانت ينابيع الهوى والشك والشبهات وضلالات الأفكار، واختلت على بعض الناس الينابيع، فجاء توحيدهم مختلطاً بشرك، ومعرفتهم ممزوجة بشبهة، وشرعتهم مسربلة ببدعة. فقيض الله لهذا الدين أئمةً مجددين، علماء عاملين، حنفاء ربانيين، نفضوا عن الملة غبار الشك والشبهة والبدعة، ودعوا الناس إلى النبع الصافي، نبع الكتاب والسنة، وحذروهم من ينابيع البدعة والهوى، وبينوا ما فيها من الضلالة والعمى والكدر. وكان من أولئك الأئمة الأعلام شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية (٦٦١ - ٧٢٨هـ) ، جاهد في سبيل الله بسنانه ولسانه وقلمه وبيانه؛ فعليه من الله الرحمة والرضوان. وبين أيدينا الآن «العقيدة الواسطية» وهي العقيدة التي كتبها بيده، وأوذي بسببها وامتحن، فكان يقول لخصومه في ثقةٍ بالغة وإعزاز كبير بها: - «قد أمهلت كل من خالفني في شيءٍ منها ثلاث سنين؛ فإن جاء بحرف واحد عن أحد من القرون الثلاثة يخالف ما ذكرته فأنا أرجع عن ذلك» [١] . - «أنا أمهل كل من خالفني ثلاث سنين أن يجيء بحرف واحد عن أئمة الإسلام يخالف ما قلته» [٢] . - «كل من خالفني في شيء مما كتبته فأنا أعلم بمذهبه منه» [٣] ! * سبب تأليف العقيدة الواسطية: إن كتابة شيخ الإسلام للعقيدة الواسطية لم يكن منه ابتداءً، وإنما كان بعد طلب وإلحاح من أحد قضاة واسط. يقول شيخ الإسلام: «كان سبب كتابتها أنه قدم عليّ من أرض واسط بعض قضاة نواحيها - شيخ يقال له» رضي الدين الواسطي «من أصحاب الشافعي - قدم علينا حاجاً وكان من أهل الخير والدين، وشكا ما الناس فيه بتلك البلاد، وفي دولة التتر من غلبة الجهل والظلم ودروس الدين والعلم [٤] ، وسألني أن أكتب له عقيدة تكون عمدة له ولأهل بيته، فاستعفيتُ من ذلك، وقلت: قد كتب الناسُ عقائد متعددة، فخذ بعض عقائد أئمة السنة، فألح في السؤال وقال: ما أحب إلا عقيدة تكتبها أنت، فكتبت له هذه العقيدة وأنا قاعد بعد العصر» [٥] . * معالم منهجية في العقيدة الواسطية: حينما نتحدث عن المعالم المنهجية في العقيدة الواسطية إنما نتحدث عن منهجية شيخ الإسلام في عرض وتقرير العقيدة، ولعلنا نقدم إجابة متواضعة للسؤال الذي يقول: كيف ندرس العقيدة؟ إنك إذا تأملت في العقيدة الواسطية أسرتك بسلاستها، وجزالة ألفاظها، وعذوبة معانيها، ووضوح برهانها، وقوة حجتها، وغزارة علمها، وبعدها عن التكلف.. ومن المعالم الرئيسة فيها: ١ - الربانية: الربانية نسبة إلى الرب، ويقال للرجل: ربّاني «إذا كان وثيق الصلة بالله عالماً بكتابه، عاملاً به، معلماً له، قال تعالى: [وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ] (آل عمران: ٧٩) . والربانية هي إفرادُ الله بالقصد وبالتلقي؛ فالرباني مقصوده ومطلوبه الأعلى وغايته: إرضاء الله، ومصدر التلقي عنده هو الوحي المعصوم وعنه وحده تؤخذ شرائع الإيمان والأعمال، وقد برز هذا المَعْلم بوضوح في العقيدة الواسطية من خلال السمات الآتية: أ - القرآن الكريم والسنة الصحيحة هما مصدر الاعتقاد: في حياة شيخ الإسلام ابن تيمية كانت الكتب الكلامية في الاعتقاد قد صيغت على نحوٍ من التعقيد والجفاف والجدل العقيم بحيث أفسدت على المسلمين طعم الإيمان وجعلت من الإيمان مجرد مسائل ذهنية باهتة لا تقدم ولا تؤخر؛ وما ذلك إلا بسبب بعدها عن هدي الكتاب والسنة، حتى إنك لتقرأ عشرات الصفحات فلا تقع عينك على آية أو حديث وإنما تقرأ: قالت الفلاسفة، قالت الحكماء ... ونحو ذلك. فجاءت العقيدة الواسطية لتؤكد على ربانية المصدرية، فكان جُلها آيات قرآنية وأحاديث نبوية. ولما عُقد مجلس المناظرة حول ما جاء في الواسطية حرص شيخ الإسلام على أن يكون هذا المعلَم واضحاً، فلما سُئل عن الاعتقاد الذي يدعو إليه قال بحزمٍ ووضوح:» أما الاعتقاد فلا يؤخذ عني، ولا عمن هو أكبر مني، بل يؤخذ عن الله ورسوله ﷺ وما أجمع عليه سلف الأمة؛ فما كان في القرآن وجب اعتقاده، وكذلك ما ثبت في الأحاديث الصحيحة مثل صحيح البخاري ومسلم.. « [٦] . وكانت منهجية شيخ الإسلام واضحة تقوم على الاستدلال بالكتاب وصحيح السنة واعتقاد أن فيهما الهداية الكاملة والغنية والكفاية عما سواهما، ولقد كان من المآخذ التي أخذها شيخ الإسلام على بعض من صنف في الاعتقاد من أهل السنة أنهم يوردون الأحاديث الضعيفة ويبنون عليها مسائل في الاعتقاد [٧] . ب - عدم ربط العقيدة بشخص أو بمذهب: حرص شيخ الإسلام على أن يربط العقيدة بنصوص الكتاب والسنة الصحيحة، وإن تحمل في سبيل ذلك العناء والمشقة؛ ففي المجلس الأول من المناظرة على العقيدة الواسطية وبعد ظهوره على من خالفه بالحجة والبرهان حاول الأمير فصل النزاع بقوله للشيخ: أنت صنفت اعتقاد الإمام أحمد. يقول شيخ الإسلام:» ولما رأى هذا الحاكم العدل: ممالأتهم وتعصبهم، ورأى قلة العارف الناصر، وخافهم قال: أنت صنفت اعتقاد الإمام أحمد، فتقول هنا اعتقاد أحمد، يعني والرجل يصنف على مذهبه فلا يعترض عليه، فإن هذا مذهب متبوع، وغرضه بذلك قطع مخاصمة الخصوم، فقلت: ما جمعت إلا عقيدة السلف الصالح جميعهم ليس للإمام أحمد اختصاصٌ بهذا، والإمام أحمد إنما هو مبلِّغ العلم الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ولو قال أحمد من تلقاء نفسه ما لم يجئ به الرسول لم نقبله، وهذه عقيدة محمد ﷺ [٨] «. وأمام هذا الإصرار عقد المجلس الثاني لشيخ الإسلام، فصال وجال وظهر على خصومه بالحجة والبرهان، فقال بعض الأكابر من الحنفية لشيخ الإسلام: لو قلت هذا مذهب أحمد وثبتَّ على ذلك لانقطع النزاع. يقول شيخ الإسلام:» فقلت: لا، والله! ليس لأحمد بن حنبل في هذا اختصاص، وإنما هذا اعتقاد سلف الأمة وأئمة أهل الحديث، وقلت أيضاً: هذا اعتقاد رسول ﷺ وكل لفظ ذكرته فأنا أذكر به آية أو حديثاً أو إجماعاً سلفياً « [٩] . إذن فشيخ الإسلام ربط العقيدة بالكتاب والسنة ورفض رفضاً مطلقاً ربطها بشخص أو بمذهب، وأصر على موقفه هذا، وامتُحن بسببه وأوذي وسجن، وقد كان المشفقون عليه يودون منه لو قال: هذا اعتقاد الإمام أحمد إمام المذهب؛ ليقطع بذلك أذى الخصوم عن نفسه، وكان خصومه يودون لو يظفرون منه بتلك الكلمة! ولكنه أبى ذلك أشد الإباء، فليت الذين يربطون العقيدة ببعض الأشخاص ويحرصون على تقديم العقيدة من خلال الأشخاص يتعلمون هذا الدرس ويعوه جيداً! إنه لمن خلل المنهج ومخالفة أسلوب الحكمة أن يأتي الداعية إلى بيئة قد شوهت فيها سيرة الأئمة المصلحين فيعمد إلى ربط معتقد أهل السنة بهم وتقديمه من خلالهم. إن الشأن ليس أن نصحح نظرة الناس عن أولئك الأئمة الأعلام إنما الشأن كل الشأن أن نصحح عقيدتهم وتوحيدهم بآيات الكتاب وصحيح السنة، وما عدا ذلك يأتي تبعاً. ج - الحرص على الألفاظ الشرعية، والبعد عن الألفاظ المحدثة والمجملة: ومن الربانية الحرص على الألفاظ الشرعية الواردة في الكتاب والسنة؛ ذلك أن اللفظ الشرعي أقوى وأعمق وأدل على مقصوده مما سواه، وأما المصطلحات الكلامية الفلسفية كالجوهر والعرض ونحوهما فهي مصطلحات باهتة جافة لا حياة ولا روح فيها، وليس من علم نافع يرجى من ورائها، وكذلك الألفاظ المجملة التي تحتمل حقاً وباطلاً؛ فإن أكثر ضلال الخلق فيها. وفي مناظرة الواسطية بيّن شيخ الإسلام حرصه في هذا الأمر ودقته في استعمال الألفاظ؛ فهو مثلاً عدل عن لفظ التأويل إلى لفظ التحريف؛ ويقول عن ذلك:» إني عدلت عن لفظ التأويل إلى لفظ التحريف؛ لأن التحريف اسم جاء القرآن بذمه، وأنا تحريت في هذه العقيدة (يعني العقيدة الواسطية) اتباع الكتاب والسنة، فنفيت ما ذمه الله من التحريف، ولم أذكر لفظ التأويل بنفي ولا إثبات؛ لأنه لفظ له عدة معان.. « [١٠] . ويقول أيضاً:» ذكرت في النفي التمثيل ولم أذكر التشبيه؛ لأن التمثيل نفاهُ بنص كتابه حيث قال: [لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء] (الشورى: ١١) وقال: [هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِياًّ] (مريم: ٦٥) وكان أحب إليَّ من لفظ ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ﷺ ؟ وإن كان قد يُعنى بنفيه معنى صحيح، كما قد يعنى به معنىً فاسد « [١١] . ٢ - السهولة والوضوح: وقد برز هذا الْمَعْلَم من خلال السمات الآتية: أ - السهولة والوضوح في العرض: جاءت العقيدة الواسطية سهلة المأخذ، واضحة المعنى، بعيدة عن الغموض والتعقيد، على منهاج السلف الصالح - رضوان الله عليهم -؛ فلقد كانوا » يأخذون العقيدة واضحة سهلة قريبة من النفوس بدون تكلف ولا تعقيد ولا أخذٍ ورد؛ العقيدة من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ واضحة صافية نقية كما أخذها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، بل كما كان يأخذها الأعرابي الذي يأتي من أطراف البادية ويجلس عند رسول الله ﷺ ساعةً وساعتين ليعلمه النبي ﷺ أصول الإيمان وأصول الاعتقاد وأصول الأشياء العلمية، ثم ينصرف إلى قومه مسلماً، بل ينصرف إلى قومه داعية إلى الله .. « [١٢] . لقد اعتصم شيخ الإسلام بالوحي؛ فالعقيدة عنده آيةً محكمة، أو حديث ثابت عن رسول الله ﷺ ، فجاءت العقيدة الواسطية لتشق طريقها وسط ركام هائل من الكتابات الكلامية والآراء الفلسفية، ولم تتأثر بتلك الأقوال والآراء والشبهات؛ لأن هداية الوحي كاملة؛ ومن اعتصم بها وفقهها أغنته عما سواها. ب - البعد عن إيراد الشبهات: لقد كان» علماء السلف يكرهون مناظرة أهل البدع والجلوس معهم، بل ونهوا عن نقل شبهاتهم أو عرضها على المسلمين؛ وذلك لخوفهم من ضعف الناقل لها وعجزه عن إبطالها وتزييفها، فيفتن بها بعض من سمعها أو قرأها؛ وفي هذا صيانةً لقلوب المسلمين وحماية لعقولهم وأفكارهم؛ زيادةً على كون ذلك فيه إهانة للمبتدعة ومحاصرةً لآرائهم وعدم جعل الكتب السلفية جسوراً تعبر عليها تلك الآراء المنحرفة؛ ولهذا فإن المؤلفين من أهل السنة ينهجون في مؤلفاتهم منهج العرض لعقيدة السلف مدعمة بالأدلة النقلية والعقلية دون عرض للشبهة أو أدلتها ونادراً ما يخالفون هذا المنهج. وأما المؤلفات التي تتسم بمنهج الرد لآراء الخصوم فإنها تعرض الشبهة موجزة وبصورة مختصرة. هذا هو منهج السلف في تقرير العقائد الدينية؛ والمطلع على مصنفاتهم في العقيدة يتبين له ذلك « [١٣] . وعلى هذا المنهج جاءت العقيدة الواسطية. ج - عدم تقرير العقيدة بأسلوب رد الفعل: بعض المصنفات في العقيدة جاءت بأسلوب رد الفعل (قالوا، وقلنا) ، وبهذا الأسلوب يشوش كثيراً خاصة على المبتدئين، وينمي ويغرس حب الجدل في النفوس أكثر مما يغرس وينمي الإيمان، وليس هذا هو المنهج الصحيح في تقرير العقيدة. ٣ - ربط العقيدة بالعمل (التزكية) : جاء الدور الكلامي ليحصر العقيدة في مسائل ذهنية ومعارف فكرية ومقدمات فلسفية وأقيسة منطقية، واقترن ذلك بالجدل العقيم، فتحولت العقيدة من قوة إيمانية حيةٍ دافعة إلى مسائل جدلية باردة هامدة، وليست هذه هي العقيدة عند أهل السنة والجماعة، ولكن العقيدة عندهم مرتبطة بالعمل، ولها ثمارٌ ولوازم لا بد أن تظهر في سلوك المسلم، وهذا ما أكدت عليه العقيدة الواسطية؛ فبعد أن قرر فيها شيخ الإسلام الأصول العلمية ذكر الأصول العملية عند أهل السنة، فقال:» ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة. ويرون إمامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء أبراراً كانوا أو فجاراً، ويحافظون على الجماعات ويدينون بالنصيحة للأمة، ويعتقدون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً - وشبك بين أصابعه» وقوله ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» . ويأمرون بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضا بمُر القضاء، ويدعون إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويعتقدون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلقاً» ويندبون إلى أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، ويأمرون ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل، والرفق بالمملوك، وينهون عن الفخر والخيلاء والبغي والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق، ويأمرون بمعالي الأخلاق وينهون عن سفسافها.. «ا. هـ[١٤] . ومن المعلوم قطعاً أن هذه الأخلاقيات لن تأتي من مجرد حفظ واستظهار العقيدة الواسطية، ولكنها تتكوَّن عبر منهج تربوي سليم. قال ﷺ : » إنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم « [١٥] . إن إلقاء الدروس عابرة في مسائل الإيمان أمر سهلٌ ميسور، ولكن تربية المتعلمين على أخلاقيات الإيمان والأخذ بأيديهم شيئاً فشيئاً ليرتقوا في معارج الإحسان هو الأمر الشاق الذي يحتاج إلى جهدٍ وصبرٍ ومصابرة وحكمة وروية: [وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ] (آل عمران: ٧٩) . ٤ - الوسطية: الوسطية من أهم وأبرز خصائص العقيدة الإسلامية [١٦] ؛ فالإسلام دين وسط بين الإفراط والتفريط، ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه. والمقصود بالوسطية هنا: ما وافق الحق ف» الوسط من كل شيءٍ أعدله، ومنه قوله تعالى: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً] (البقرة: ١٤٣) ، أي: عدلاً « [١٧] . فالوسطية هي: حق بين باطلين، وصواب بين خطأين، وخير بين شرين، واعتدالٌ بين طرفين؛ ذلك أن صراط الله مستقيم، وسبل الضلالة تتشعب عن يمينه وشماله؛ فمن كان على ذلك الصراط المستقيم فهو على الوسطية الربانية. وقد أكد شيخ الإسلام على هذا المَعْلَم في العقيدة الواسطية فقال:» بل هم أي أهل السنة الوسط في فرق الأمة، كما أن الأمة هي الوسط في الأمم؛ فهم وسط في باب صفات الله : بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة، وهم وسط في باب أفعال الله بين الجبرية والقدرية وغيرهم، وفي باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية من القدرية وغيرهم، وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية، وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرافضة والخوارج « [١٨] . ٥ - الشمول: العقيدة الإسلامية جاءت شاملة؛ والواجب أن تقدم شاملة كاملة كما جاءت من عند الله. والشمول في دراسة العقيدة يفرض نفسه؛ ذلك أن موضوعات العقيدة متداخلة ومترابطة بعضها مع بعض، ولهذا فإن إهمال بعض المسائل العقدية يؤثر ولا شك في بقية المسائل. والناظر في العقيدة الواسطية يرى أنها جاءت ببيان شامل لأمور الاعتقاد (سواء منها ما يتعلق بالإيمان بالله وتوحيده وأسمائه وصفاته، أو الإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر خيره شره، أو ما يتعلق بالإيمان وما يشمله من القول والاعتقاد والعمل، أو ما يتعلق بالموقف من الصحابة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. وغير ذلك) [١٩] . ومَعْلَم الشمولية وإن كثر مدَّعوهُ؛ فإن واقع الحال ينبئك عن مخالفات صارخة لهذا المَعْلَم؛ فمثلاً: ترى البعض يركز الحديث على توحيد الربوبية أو على مسألة من مسائله ويهمل الحديث كُليةً عن توحيد الألوهية! يقول العلامة ابن عثيمين ﵀:» من العجب أن أكثر المصنفين في علم التوحيد من المتأخرين يركزون على توحيد الربوبية، وكأنما يخاطبون أقواماً ينكرون وجود الرب - وإن كان يوجد من ينكر الرب - لكن ما أكثر المسلمين الواقعين في شرك العبادة « [٢٠] . وفي المقابل ترى من يهمل الحديث عن توحيد الربوبية بدعوى أن توحيد الربوبية قضية بديهية فُطر الخلق عليها ولم ينازع فيها حتى المشركين! [٢١] . والواجب يقتضي الاهتمام بكلا النوعين؛ فكثير من آيات القرآن جاءت لتقرر توحيد الربوبية وتستدلُّ به على توحيد الألوهية؛ ذلك أن توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية. مثال آخر: قد ترى البعض يهتم بدراسة توحيد الأسماء والصفات، ويهمل الركن الرابع من أركان الإيمان وهو الإيمان بالرسل؛ مع أن باب النبوات من أخطر أبواب العقيدة، وعلى أساسه يقوم البناء العقدي كله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:» والإيمان بالنبوة أصل النجاة والسعادة؛ فمن لم يحقق هذا الباب اضطرب عليه باب الهدى والضلال والإيمان والكفر؛ ولم يميز بين الخطأ والصواب « [٢٢] . وقد يفرض واقع الحال العناية بقضيةٍ أو مسألةٍ ما من مسائل الاعتقاد وإعطائها قدراً زائداً من البيان والتوضيح؛ لكن ذلك لا يعني أن تُهمَل قضايا ومسائل اعتقادية وأصول إيمانية أخرى، ولا يكون ذلك مسوغاً لانتقاص حقها من الدراسة والعناية والرعاية. وختاماً: أسأل الله أن يوفقنا لخدمة دينه، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 4682

قضايا دعوية بعثة التجديد المقبلة في ظل الاجتياح العولمي: من الحركة الإسلامية إلى حركة الإسلام! (٢ ـ ٣) د. فريد الأنصاري [*] في الحلقة الأولى بدأ الكاتب بإلقاء الضوء على مفهوم (بعثة التجديد) ، وبيان أن البعثة بمعناها التجديدي إنما هي حركة الإسلام أكثر مما هي حركة إسلامية، ثم قام بتحليل مصطلح الحركة الإسلامية وبيان مضمونه، وعرض المراحل السننية التي تتعرض لها الحركة الإسلامية، وناقش مدى تأثر الحركة الإسلامية بأجواء العولمة، ثم انتقل بعد ذلك لبيان معالم البعثة الجديدة، والتي يواصل الحديث عنها في هذه الحلقة. في معالم بعثة التجديد: الوجود الديني للمجتمع الإسلامي ذاته هو هدف المعركة الجديدة، وساحتها هي الإنسان المسلم نفسه؛ ليس بما كان مقصوداً في الاستعمار القديم، ولا بما كان مقصوداً بالظلم السياسي الحديث الذي مارسته الأنظمة السياسية في العالم الإسلامي تحت غطاء الحماية الغربية، ولكن المسلم مقصود اليوم بالتدمير؛ باعتباره حائلاً طبيعياً متيناً دون الأمن الصهيوني، وحلم (إسرائيل الكبرى) ، ودون التمكن الأمريكي من النفط العربي، ولذلك فهو مستهدف في عقيدته، ونظام تربيته وتعليمه، ونمط حياته، مستهدف ببرامج تعليمية وإعلامية أخرى، وبنظم اجتماعية جديدة، وبتدمير كلي لمفهوم الأسرة، وبناء تركيبة اجتماعية أخرى، لا يبقى من إسلامها إلا أسماؤها! تماماً على نحو ما يصنعون لما يسمى بـ (الجيل الثالث) من أبناء المهاجرين في الغرب، حيث ذوبت النظم الغربية شخصيتهم الإسلامية، فضاعوا كما ضاعت بقايا (الموريسكيين) من أهل الأندلس، في المجتمع الإسباني النصراني! لقد جيشت أمريكا لذلك جيوش عولمتها المحمولة على دبابات (المارينز) ، والمحمية ليس بأسلحة التدمير الشامل فقط؛ ولكن أيضاً بأسلحة الإعلام والاقتصاد والثقافة والتعليم والتقنين الاجتماعي ... إلى آخر ما يمثل فضاء الديمقراطية في مفهومها الغربي! إن قضية (المورسكيين) اليوم في كل مكان، حتى كأن العالم الإسلامي في عصرنا هذا (أندلس) كبيرة! ألا إن هذه بصيرة، ولكن [إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ] (ق: ٣٧) ! تلك هي طبيعة المعركة الجديدة؛ فإما بعثة جديدة، وإما الانقراض لا سمح الله! ولكن يأبى الله إلا أن يحفظ كتابه إلى يوم القيامة؛ تلك عقيدتنا، وقد تواتر ذلك من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، قال تعالى: [هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ] (التوبة: ٣٣) ، وقال ﷺ : «ولا تزال طائفة من أمتي منصورين، لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة!» [١] ، وقال أيضاً: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم؛ حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس!» [٢] . لكن القضية هي مسؤولية الإنسان المسلم الذي تعلق هذا الدين بربقته، عقيدة وشريعة ومصيراً، في الدنيا وفي الآخرة. إنها مسؤولية الفرد، ومسؤولية الجيل، إنها مسؤولية (حفظ الدين) التي أناطها الله جل وعلا بالتكليف التعبدي الإنساني، وما حفظه كما تبين من قبل إلا (ببعثة للتجديد) ، تنطلق كلما أحدق الخطر ببيضة الإسلام. وإن عِظَم الخطر اليوم، وشموليته، وعمقه، بما لم يسبق له مثيل في منهجية التدمير الوجداني؛ لجدير بأن يكون وحده مؤشراً قوياً على أن الزمان زمان بعثة جديدة! ولمن كان يبصر فتلك بشائرها تلوح أنواراً في الأفق، وما جاء الفرَج قط إلا بعد (حتى) الدالة على أقصى غايات الضيق، والنهاية في مسالك الحرج، قال : [أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] (البقرة: ٢١٤) ، وقال سبحانه: [حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ] (يوسف: ١١٠) . يستعمل مصطلح (البعثة) في عملية التجديد الشمولية للدين؛ أخذاً من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كما فصلناه من قبل؛ لأن هذا المصطلح هو المفتاح الحقيقي لما نريده من مفهوم للتجديد الذي يبدد عن العالم الإسلامي بحول الله ظلمات الجاهلية الجديدة، في صورتها (العولمية) الأخيرة. وإذا كان لنا من كلام عن (بعثة التجديد) فهو عن بعض معالمها الكبرى، وهو كلام مبني بالدرجة الأولى على استقراء النصوص القرآنية والحديثية، ثم بدرجة ثانية على قراءة ضرورات المعركة الجديدة وطبيعتها، بما أشرنا إليه قبل. أول ما ابتُدئت به بعثة النبي ﷺ هو نزول آيات من القرآن، وكان ذلك حدثاً عظيماً لم يحصل بعده في سيرته ﷺ ما هو أعظم منه وأعجب! وقد بقي القرآن أداته ﷺ الأساس للدعوة إلى الله وتوحيده تعالى، مع ما ألهمه تعالى وأوحى إليه من الحكمة؛ مما نطق به في حديثه ﷺ ، وسار به في سيرته؛ إلا أن القرآن كان منبع الأنوار كلها. وتدفق الإسلام على الناس وفشا بينهم بتدفق آي القرآن وسوره عليه صلى الله عليه وسلم، فكان المادة الأساس في تربية الجيل؛ انطلاقاً من دار الأرقم، وشعاب مكة، إلى الهجرة نحو المدينة، إلى فتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجاً؛ في ظرف زمني لا يتعدى بضعاً وعشرين سنة! ومن هنالك انطلق إلى العالم في ظرف يقارب الأول، مع الخلفاء الراشدين وآخرين من بعدهم. إن هذه ملحوظة أساسية؛ أعني: التدفق الدعوي في ظرف زماني قصير! بل قياسي بالنسبة لقانون الاجتماع البشري، في انتشار الأفكار والعقائد والمذهبيات، ففي نحو بضع وعشرين سنة من التداول الاجتماعي للقرآن تربيةً وجهاداً؛ يكون الإسلام دين الله المكين في الأرض! ثم الدين الظاهر على كل الأديان والملل والنِّحَل، يخضع له الملوك والجبابرة في كل مكان؛ إسلاماً أو جزيةً! إنها بعثة إذن! وبتأمل السيرة النبوية واستقراء مراحلها، ونصوص الكتاب والسنة المتعلقة بها، وبمفهوم البعثة، وبالنظر إلى حجم الفساد والانحراف الذي ضرب العالم اليوم؛ يمكن استخلاص معالِمَ لِبعْثَةِ التَّجديد فيما يلي: المَعْلَمُ الأول: التداول القرآني: إن أهم معلم وأوضح خاصية يمكن ملاحظتها في البعثة النبوية ابتداءً؛ هي ظاهرة التداول القرآني، ومعنى ذلك أن الاشتغال النبوي إنما كان بالقرآن أساساً، فقد منع رسول الله ﷺ الناس في بداية الأمر من كتابة شيء غير القرآن! وذلك كما في حديثه المشهور؛ إذ قال ﷺ : «لا تكتبوا عني شيئاً إلا القرآن، فمن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار!» [٣] ، وقد تواترت أخبار الحركة القرآنية التي طبعت جيل الصحابة؛ اهتماماً، وقراءة، ومدارسةً. وإنما كان النبي ﷺ يشتغل به داعياً إلى الله ومربياً، وإنما أسلم معظم من أسلم من الصحابة تأثراً بسماع شيء من القرآن. لقد كان للقرآن في جيلهم خبرٌ مَهيب، ونبأ عظيم، يتلقونه ويبثونه؛ حتى صار القرآن هو الحديث الأبرز في تلك المرحلة، تَنَزُّلاً وتداولاً. إن المسلمين اليوم يقرؤون القرآن، نعم؛ ولكنهم لا يتداولونه، إننا نقصد بـ (التداول) : الاشتغال الذي يعمر الحياة؛ حتى يطغى على كل شيء سواه؛ تلاوةً، وتعلماً، ومدارسةً، وتدبراً، وتبصراَ، وفُشُوّاً بين سائر فئات المجتمع وطبقاته. هذا شيء مع الأسف مفقود اليوم، ولا يكون إلا (ببعثة جديدة) تجدد اشتغال الأمة بالقرآن. وكان لجيل الصحابة في عهد النبوة وبعده مجالسُ قرآنية، ليست كأغلب مجالس السهرات القرآنية التي تُعقد اليوم للسماع والتغني، كلا! ولكنها كانت مجالس قرآنية متكاملة، تتضافر فيه التلاوة، والتعلم، والتزكية، على كمال ما تكون التربية النبوية لخير الأجيال [٤] ، وذلك بشهادة القرآن العظيم في مثل قوله تعالى: [لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ] (آل عمران: ١٦٤) ، وقوله سبحانه: [هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ] (الجمعة: ٢) . وانطبعت تلك التربية في أصحاب رسول الله ﷺ فكانوا أهل قرآن؛ وسُموا لذلك بـ (القرّاء) ، فعَنْ أنس بن مالك ﵁ قَالَ: «جَاءَ نَاسٌ إلَى النّبِيّ ﷺ فَقَالُوا أَنِ ابْعَثْ مَعَنَا رِجَالاً يُعَلّمُونَا الْقُرْآنَ وَالسّنّةَ. فَبَعَثَ إلَيْهِمْ سَبْعِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُمُ الْقُرّاءُ، فِيهِمْ خَالِي حَرَامٌ. يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَدَارَسُونَه بِاللّيْلِ، يَتَعَلّمُونَ» [٥] . وكانت للقرآن أخبار يحرص المؤمنون على تتبعها وتناقلها؛ لأن القرآن أخلاق، ومنهج حياة، فكان حرصهم عليه حرصاً على بناء حياتهم، فعن عمر بن الخطاب ﵁ في حديث طويل؛ أنهم كانوا يتحدثون أن غسان تُنَعِّلُ الخيلَ لغزو المدينة، فجعل النبي ﷺ حراساً بعوالي المدينة؛ لمراقبة ذلك عن بعد. قال عمر ﵁: «وكان لي جار من الأنصار، فكنا نتناوب النزولَ إلى رسول الله ﷺ ، فينزل يوماً، وأنزل يوماً، فيأتيني بخبر الوحي وغيره، وآتيه بمثل ذلك» [٦] . وبعد وفاة الرسول ﷺ امتدت تلك المجالس مع الفتوح إلى سائر الأمصار، يصف لنا التابعي الجليل أبو رجاء العطاردي طريقة ذلك، وكيفية تنظيم أبي موسى الأشعري ﵁ للمجالس القرآنية بالعراق، قال: «كان أبو موسى الأشعري يطوف علينا في هذا المسجد، مسجد البصرة، يعقد حِلَقاً، فكأني أنظر إليه بين بردين أبيضين، يقرئني القرآن!» [٧] . وقد تخرّج من هذه الحِلَق الدراسية خَلْقٌ كثير من التابعين، فعن أبي كنانة أن أبا موسى الأشعري «جمع الذين قرؤوا القرآن، فإذا هم قريب من ثلاثمائة، فعَظَّمَ القرآنَ، وقال:» إن هذا القرآن كائن لكم أجراً، وكائن عليكم وزراً، فاتبعوا القرآنَ، ولا يتبعنكم القرآنُ؛ فإنه من اتبع القرآنَ هبط به على رياض الجنة! ومن تبعه القرآنُ زَخَّ في قفاه، فقذفه في النار! « [٨] . ودأب الصحابة - رضوان الله عليهم - على هذا المنهج؛ حتى لكأن الأمة إنما قامت حينما قامت بالقرآن.. وكذلك كان. فنخلص إذن إلى أن التداول القرآني كان له في البعثة الأولى وجهان: الأول: تداول اجتماعي، وتم بمقتضاه بث الاشتغال بالقرآن في كل مرافق الحياة الاجتماعية، يُتَلَقى خبرُه، وتضبط عبارته، وتُحفظ تذكرته. ثم يُبَثُّ ذلك كله، ويذاع في الناس، لتسير الآيات في الآفاق، فيعمر القرآن الحياة الاجتماعية؛ ذكراً ومذاكرةً. ولو يلحظ ذلك في العمل الدعوي التجديدي اليوم؛ إذن يتحول القرآن إلى خُلُق اجتماعي عام، وتتحول قضاياه، وقصصه، وعِبَرُه، وحِكَمُه، وأمثاله إلى (ثقافة شعبية) سارية. وذلك من شأنه أن يصنع نسيجاً اجتماعياً مسلماً، عميقاً ومتيناً، لا تخترقه عوادي العولمة الثقافية والإعلامية؛ مهما اشتدت ريحها. والثاني: تداول تربوي، وهو الذي اختصت به (مجالس القرآن) التي كانت تعمر المساجد، والبيوت، والبساتين، والشعاب، والبطاح سِرّاً في مراحل، وعلناً في مراحل أخرى مما كان قبل الهجرة ومما كان بعدها؛ تعلماً، وتزكيةً، ومدراسةً، وتدبراً، وتَبَصُّراً؛ لتخريج أهل القرآن الحكماء الربانيين الذين يربون الناس، والذين هم مادة الاستمرار الحضاري للأمة وعمودها الفقري، والذين ذكرهم الله جل وعلا في قوله: [وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ] (آل عمران: ٧٩) . المَعْلَمُ الثاني: الإمامة العلمية: إن حديث النبي ﷺ يحدد (إمامة) بعثة التجديد، وينص عليها بصورة واضحة، لا غَبَش فيها ولا إبهام. وذلك قوله ﷺ : » إِنّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وإنّ الأنبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَاراً وَلاَ دِرْهَماً، إِنّمَا وَرّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظٍ وَافِرٍ « [٩] . بيد أن (الوراثة) ها هنا تقتضي إرث العلم بكل وظائفه الدعوية والتربوية، لا مجرد العلم الخالي من كل عمل، ومن أي رسالة! فذلك علم مدَّعَى غير موروث. فالعلماء الورثة: هم أهل الرسالة، وحُمَّالُ البلاغ القرآني، ولقد أصَّل الشاطبي ﵀ ذلك، وهو أحد أئمة التجديد في الأندلس، فوصف العالم المتصدر للتربية والتجديد؛ بـ (الوارث) ، و (المُنْتَصِب) ، كما وصفه بالرباني، والحكيم، والراسخ في العلم، والعالم، والفقيه، والعاقل، في نصوص جديرة بأن تشد إليها الرحال! وهي اصطلاحات كلها دالة عنده على (إرث) النبوة في منهج التربية والتعليم والتزكية للأمة. (فالانتصاب) إنما هو تجرد لمهمة البلاغ؛ تماماً كما تنتصب الجبال بين الصحارى والبطاح؛ أعلاماً للضالين عن الطريق، فيراها كل العابرين، وتكون بذلك مثارات اتباع واقتداء. قال ﵀:» إن المنتصب للناس في بيان الدين مُنْتَصِبٌ لهم بقوله وفعله، فإنه وارثُ النبي، والنبي كان مبيناً بقوله، وفعله. فكذلك الوارثُ لا بد أن يقوم مقام الموروث، وإلا لم يكن وارثاً على الحقيقة! ومعلوم أن الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا يتلقون الأحكام من أقواله، وأفعاله، وإقراراته، وسكوته، وجميع أحواله. فكذلك الوارث، فإن كان في التحفظ في الفعل؛ كما في التحفظ فى القول؛ فهو ذلك! وصار من اتبعه على هدى. وإن كان على خلاف ذلك صار من اتبعه على خلاف الهدى! لكن بسببه! « [١٠] ، وقال في منهج اقتداء الصحابة برسول الله ﷺ :» وكانوا يبحثون عن أفعاله، كما يبحثون عن أقواله، وهذا من أشد المواضع على العالم المنتصب! « [١١] . ذلك هو عالِم البعثة إذن؛ داعية رباني حكيم، مجدِّد ومجتهد، منتصب للناس بعلمه وورعه؛ مُعَلِّماً، وداعياً، وهادياً، ومربياً. وملاحظة السيرة النبوية تفضي إلى أن النبي ﷺ قد كوَّن عدداً كبيراً من علماء الصحابة؛ كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وغيرهم كثير! جيل من العلماء الأئمة، كانوا فقهاء، وحكماء ربانيين، ولم يكونوا مجرد نقلة، بل أسهموا في بناء حضارة الأمة، ونهضتها الأولى. وبعثة التجديد لن تكون إلا بمثلهم، منهجياً؛ أي بقيادة علمية متميزة كماً وكيفاً، فلا بد من عدد وفير من أهل العلم؛ من الذين يحملون الرسالة، ويشتغلون بالقرآن؛ تعليماً، وتزكيةً، وتفقيها في الدين. وإنما أولئك هم العلماء الربانيون كما سبق قول أبي إسحاق الشاطبي ﵀:» الذين يربون الناس بصغار العلم قبل كباره «، كما جاء في بعض تراجم الإمام البخاري ﵀[١٢] ، والذين لا تفتنهم آحاد الجزئيات عن ملاحظة الكليات، ويراعون المآلات قبل الجواب عن السؤالات، إنهم قوم يحملون أخلاق النبوة علما وحِلْماً. ولقد ظن بعض أهل الخير من المشتغلين بالدعوة اليوم؛ أن الناس قد انصرفوا إلى طلب العلمي الشرعي بوفرة زائدة عن الحاجة! ولا يزالون ينصحون الشباب بالعدول عن ذلك؛ بدعوى أننا في حاجة إلى الطبيب المسلم، والمهندس المسلم، والفيزيائي المسلم. وأقول: نعم، نحن في حاجة إلى كل أولئك وأضرابهم، لكن حاجتنا إلى (علماء البعثة) آكد وأشد! ودعوى حصول الكفاية من العلماء باطلة! فأولاً ليس كل من انتسب إلى العلوم الشرعية هو من علماء بعثة التجديد، بما ذكرنا وما وصفنا من مفهوم (العالِمية) ، فإنما العلماء: الفقهاء الربانيون الوُرَّاث، كما سبق تفصيله. وليس العالم المنتصب أو الوارث هو من جمع في ذهنه عدداً كبيراً من المحفوظات والمكتبات! ولكنه من أوتي حكمة التصرف في المعلومات؛ بما يناسب الزمان والإنسان! ولشيخ المقاصد أبي إسحاق الشاطبي كلمة ذهبية في هذا، قال ﵀: إن على العالم الرباني» أن لا يذكر للمبتدئ من العلم ما هو حظ المنتهي! بل يربي بصغار العلم قبل كباره. وقد فرض العلماء مسائل مما لا يجوز الفتيا بها؛ وإن كانت صحيحة فى نظر الفقه! ( ... ) ، وضابطه أنك تعرض مسألتك على الشريعة، فإن صحت في ميزانها؛ فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهله، فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة؛ فاعرضها في ذهنك على العقول، فإن قبلتها فلك أن تتكلم فيها، إما على العموم إن كانت مما تقبلها العقول على العموم، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم. وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ؛ فالسكوت عنها هو الجاري على وفق المصلحة الشرعية والعقلية! « [١٣] . إن أمثال هؤلاء ليس منهم في الأمة إلا الندرة! بله القلة، بله الكثرة والوفرة! ولقد رأيتَ كيف أن رسول الله ﷺ قد خرَّج للناس منهم جيلاً! فما ظنك بزماننا هذا؟ وقد بلغ عدد المسلمين في العالم ملياراً ونصف المليار! هذا إذا حددنا مخاطَبنا في المسلمين خاصة، وإنما الإسلام جاء لمخاطبة العالمين! ثالثاً: يسر الدعوة وبساطة المفهومات: إن من أهم معالم البعثة النبوية؛ أنها تميزت باليسر، والسهولة في الخطاب، وفي التكليف، وهذا أمر مهم جداً لضبط الاتجاه الدعوي المعاصر؛ ذلك أن بعض الحركات الإسلامية إنما انغلقت على نفسها بسبب عسر مفهوماتها، وتنطع فهمها، وما جرت عليه من حمل الناس على العنت، وقد تواتر في الدين مفهوم (رفع الحرج) ، وما تعلق به من قواعد كلية، فالنصوص القرآنية والحديثية مجمعة على هذا المعنى؛ بما يجعله كلية قطعية من كليات الدين؛ دعوةً، وتكليفاً. فالخطاب القرآني صرح بذلك تصريحاً، ونص الحق جل وعلا على اليسر بإطلاق، فقال سبحانه: [وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ] (القمر: ٣٢) ، وقال تعالى: [فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ] (الدخان: ٥٨) ، وقال جل وعلا في الآية الجامعة المانعة، على سبيل الشمول والاستغراق: [وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ] (الحج: ٧٨) ، إلخ. وأوصى رسول الله ﷺ مبعوثيه إلى اليمن جابر بن عبد الله ومعاذ بن جبل ﵄ فقال لهما:» يَسّرا ولا تُعَسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا « [١٤] ، وقال ﷺ :» إنّ هَذَا الدّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادّ الدّينَ أَحَدٌ إلاّ غَلَبَهُ، فَسَدّدُوا، وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَيَسّرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرّوْحَةِ وَشَيْء مِنَ الدّلْجَة « [١٥] . ومثله قوله ﷺ :» يَا أَيّهَا النّاسُ، عَلَيْكُمْ مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ؛ فَإِنّ الله لاَ يَمَلّ حَتّى تَمَلّوا، وَإِنّ أَحَبّ الأَعْمَالِ إِلَىَ الله مَا دُوِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلّ « [١٦] ، وروى الصحابي الجليل أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال:» جاء ثلاثة رَهْط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أُخبروا كأنهم تَقَالُّوهَا، وقالوا: أين نحن من النبي ﷺ ، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر! قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبداً! وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر! وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً! فجاء رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم إليهم، فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله! إني لأخشاكم لله وأتقاكم له؛ لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني « [١٧] ، ومثل هذا في السُّنة كثير جداً؛ مما يفيد استقراؤه كليةً قطعية من كليات الدين، فوجب إذن أن يؤخذ على هذا الوزان؛ تكليفاً وتعليماً، ودعوةً وتزكيةً، وما خالفه فإنه يُرَدُّ إليه. ولذلك قال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية - ﵀ من بعد ما سرد عدداً من أدلة اليسر والتيسير في الشريعة:» وهذا وأمثاله في الشريعة أكثر من أن يُحصر! فمن قال إن الله أمر العباد بما يعجزون عنه إذا أرادوه إرادة جازمة فقد كذب على الله ورسوله، وهو من المفترين « [١٨] . ولقد التقط أبو إسحاق الشاطبي هذا المعنى العظيم، فجعله أصلاً من أصول المقاصد، حيث استعمل مصطلح (الأمية) في وصف الشريعة، لكن ليس بمعنى الجهل، وهذا أمر غلط فيه كثير من طلبة العلم، ممن قرأه في كتاب الموافقات؛ فمن السذاجة أن يفهم عن أبي إسحاق ﵀ أنه يصف الشريعة بالجهل، أو أنها غير صالحة إلا للعوام! كيف وهو شيخ المقاصد المجدد لعلم أصول الفقه؛ ولكن بمعنى السهولة والبساطة واليسر في الفهم وفي التكليف؛ على ما أصلنا آنفاً. وقد نقل المصطلح من دلالته اللغوية، الدالة على الجهل بالحساب والكتاب، ليستعمله في وصف الشريعة نفسها، لكن بدلالة أخرى اصطلاحية، على مفهوم منهجي، متعلق أساساً بمعنى اليسر المشترك في التكليف، وفي تطبيق الشريعة، قال ﵀ في المسألة الثالثة من كتاب المقاصد في الموافقات:» هذه الشريعة المباركة أمية « [١٩] . وهو ما فسره في موطن آخر بقوله:» ربما أُخِذ تفسير القرآن على التوسط والاعتدال، وعليه أكثر السلف المتقدمين، بل ذلك شأنهم، وبه كانوا أفقه الناس فيه، وأعلم العلماء بمقاصده وبواطنه. وربما أُخِذ على أحد الطرفين الخارجين عن الاعتدال؛ إما على الإفراط، وإما على التفريط، وكلا طرفَيْ قَصْدِ الأمورِ ذَميمٌ! فالذين أخذوه على التفريط قصروا في فهم اللسان الذي به جاء، وهو العربية، فما قاموا في تفهم معانيه ولا قعدوا! كما تقدم عن الباطنية وغيرها. ولا إشكال في اطراح التعويل على هؤلاء، والذين أخذوه على الإفراط أيضاً قصروا في فهم معانيه، من جهة أخرى. وقد تقدم في كتاب المقاصد بيان أن الشريعة أمية، وأن ما لم يكن معهوداً عند العرب فلا يعتبر فيها « [٢٠] . وهذا معنى عظيم؛ إذْ عدم اعتباره أدى بكثير من الناس إلى الزيغ عن جادة المنهج النبوي، في الدعوة والتكليف، وإنما الأصول قائمة على حمل الناس على الوسط والتوسط، والاعتدال، لا على الغلو؛ سواء في ذلك: الفهم أو التكليف. فالداعية قد يؤدي به التمسك بآحاد الأدلة دون اعتبار كلياتها الأصولية إلى الانحراف في المنهج. كما أن مراعاة بعض الجزئيات في الفهم والإفهام لا ينقض ما تقرر قطعاً في الكليات الاستقرائية، فقد تقرر مثلاً أن الدعوة يجب أن تقوم على منهج التيسير والتبشير؛ قصد التمكين من عموم التطبيق والتنزيل، فإذا وجد ما يخالفه حمل عليه وأرجع إليه. وعدم مراعاة ذلك يوقع في إشكالات منهجية، ويؤدي إلى مناقضة الفروع للأصول وهو محال. فليس كل شيء يتناوله البحث، ويصح في التحليل والاستدلال؛ يصلح ليكون مادة للدعوة والتربية، ومقصداً شرعياً يخاطب به عموم الناس. إن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم على منهجهم؛ إنما كانوا على (عقيدة سلفيةٍ موضوعاً؛ تربويةٍ منهجاً) ، لا على (عقيدة سلفيةٍ) موضوعاً، (جدليةٍ) منهجاً، وفرق بينهما كبير! إن (العقيدة السلفية موضوعاً؛ التربوية منهجاً) ؛ هي التي وردت في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وهي التي خرّجت جيل الصحابة والتابعين، وسائر العلماء الربانيين، وهي التي أطاق الجمهور من المسلمين اعتقادها والعمل بها، وكانوا بها صالحين. فلم تكن البعثة المحمدية إلا بسيطة وسهلة، وميسرة تيسيراً في الفهم والعمل، ولا نجاح لعمل دعوي يخرج عن هذا المنهج، ولذلك كان هذا مَعْلَماً من معالم (بعثة التجديد) ، فحاجة العالَم اليوم إلى الدين شديدة، وعودة الناس إلى الله رغبة أكيدة، وهي كامنة في الوجدان الإنساني، تنتظر أهل البعثة ليكتشفوها، وينزلون عليها كلمات الله طريةً ندية. وأما التعقيد فلا يجعل ماءها إلا غوراً، فلا يستطيع المعنتون له طلباً. البعثة اليوم - بعد ما حفره رجال الصحوة والدعوة، من أهل الحركات الإسلامية وغيرهم - هي على عمق صخرة واحدة، قريبة ورقيقة، تحتاج إلى من يكشف عنها شقاً واحداً؛ لتتدفق جداول وأنهاراً. رابعاً: التنظيم الفطري: وأحسب أن هذا المَعْلَمَ هو من ألطف حِكَم البعثة المحمدية، فقد كان رسول الله ﷺ منظماً في عمله كله، لا ارتجال فيه ولا فوضى، ولا اضطراب ولا عبث، بل كل خطوة من خطواته ﷺ كانت بحسابها؛ إذ» كان خلقه ﷺ القرآن « [٢١] . والقرآن نظام بديع، بل هو أبدع نظام؛ مبنىً ومعنىً، عقيدةً وشريعةً، لغةً وجمالاً، وهو الذي فيه قول الله تعالى: [وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ] (لقمان: ١٩) ، كما أن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم نظام كلها، وحكمة جميعها. ومن هنا كان إنكار تنظيم الدعوة إلى الله، والعمل الإسلامي التجديدي؛ غباءً وجهلاً بالدين، وانحرافاً عن سنن الله في الكون وفي المجتمع، وهي المبثوثة في الكتاب والسنة، أو ربما كان موقفاً سياسياً مريباً؛ للتشويش على الحركة الإسلامية، وإرباك عملها الدعوي الجهادي، ليس إلا! لكنَّ التنظيم ذا الطبيعة الميكانيكية، كما اعتمدته أغلب الحركات الإسلامية المعاصرة؛ صار إلى ما ذكرناه من الحزبية الضيقة! وهو ابتداع شنيع، وخطأ فظيع! إذ آل أمره إلى محاصرة الدعوة الإسلامية حصاراً ذاتياً، فصار كثير من (الإسلاميين) بذلك يعيشون في منفى اختياري، بين شعوبهم ومجتمعاتهم! بسبب الغلو في بناء التنظيمات، والمبالغة في تسوير الجماعات، على طريقة المنظمات الغربية. كيف الحل إذن؟ إنه الوسط، الوسط دائماً حل لكل انحراف سبَّبه الغلو، ولذلك جعلنا تسمية هذا المعلم بـ (التنظيم الفطري) ؛ تحرزاً عن (التنظيم الحزبي) الذي أهلك الدعوة وحاصر الدعاة، وأجبرهم على الإقامة داخل أفكارهم وهياكلهم! إن (التنظيم الفطري) هو النسق الجميل الذي ينظم العبادات في الإسلام، وهو أكثر ما يتجلى في صلاة الجمعة والجماعة، وهو الذي طبع السيرة النبوية في حركيتها ومراحلها، فالقيادة الشرعية يفرزها علمُها وورعُها، وتصنعها تجربتُها، فتنتصب للناس هنا وهناك بلا حرص، وتؤم المجتمع بصورة طبيعية، بلا تحيل، ولا تشنج، ولا قتال! لا تفرض نفسها فرضاً، ولا تسعى إلى ذلك قصداً، وإنما الناس هم الذين يطلبونها؛ لما فاض عنها من العلم والهدى، ولما انبعث عنها من أخلاق النبوة، وكذا لما تحقق فيها من برهان (الإرث النبوي) ، (فالعلماء ورثة الأنبياء) كما سبق بيانه بأدلته ومقاصده. هل وصل أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد إلى إمامة الناس بانتخابات حرة أو مقيدة؟ وقبْلَهم قياداتُ التابعين، ثم قبلهم أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون؛ ألم يكن الوجدان الإسلامي مجمعاً عليهم قبل توليهم، وبعد توليهم؟ ألم يكونوا أئمة في عهد رسول الله ﷺ ؟ أليسوا هم أهل شوراه ﷺ ، وأهل الحل والعقد عنده؟ إن أئمة بعثة التجديد لا تصنعها الانتخابات الراجعة إلى أصوات العوام! ولا الديمقراطيات التي قد تُغَلِّب الغثَّ على السمين، وتنصر الباطل على الحق؛ بمجرد كثرة الغث، وغلبة أهل الباطل عدداً، من الفاتنين والمفتونين. ولقد رأينا في بعض الظروف من تجاربنا الدعوية، كيف أن ذلك المنهج الهجين قدَّم في الولايات الدعوية للصف الإسلامي السفهاءَ على الحلماء، والأشقياءَ على الأتقياء، وذلك لعمري هو غاية الفساد! وإنما الحَكَمُ في إمامة بعثة التجديد، أو (حركة الإسلام) هو قاعدةُ المحدثين المشهورة: (إن هذا العلم دين؛ فانظروا عمن تأخذون دينكم) [٢٢] . ركنان عظيمان في الشخصية الإسلامية القيادية، لا يجوز تخلفهما، كلاهما أو أحدهما؛ فيمن انتصب لإمامة التجديد: (القوة والأمانة) ؛ فهما أساس الولايات الشرعية في الدين، قال تعالى: [إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ] (القصص: ٢٦) . وقال سبحانه على لسان يوسف ﵇: [قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ] (يوسف: ٥٥) . وصار ذلك مرجع المحدِّثين في تقويم الشخصية الإسلامية، في خاصيتي (الضبط والعدالة) . وكل ذلك إنما مآله إلى ذينك المفهومين: (القوة) و (الأمانة) في الإنسان المسلم. ذلك إجماع السابقين، في التأمير والتقويم، ولا خير في بدع اللاحقين! كيف التنظيم الفطري إذن؟ إنه شبكة بسيطة من العلاقات العلمية والتربوية، يشرف عليها مجموع مُتَنَامٍ من العلماء الربانيين، ينتصبون للاشتغال بالقرآن العظيم ومفاهيمه؛ تداولاً تربوياً واجتماعياً، فمرجعه إذن إلى عنصرين: الأول: مجموع من (الأئمة المنتصبين) للبعثة باصطلاح الشاطبي الآنف الذكر، كل منهم محور للعاملين والمتعلمين، يقومون فيهم مقام النبي صلى الله عليه وسلم، كما حدده القرآن، بلا ابتداع ولا تضليل، ولا ترسيخ لوساطات الأشياخ والأقطاب والأبدال، وإنما هم الربانيون وُرَّاثُ النبوة، كما سبق وصفهم بأدلته، تتحدد علاقاتهم جميعاً في ذلك علماء ومتعلمين بقول الله تعالى: [لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ] (آل عمران: ١٦٤) . فـ (التعليم والتزكية) هما مناط (القوة والأمانة) اللذين يقوم عليهما بناء الأمة الإسلامية في بعثة التجديد، تماماً كما قام في البعثة الأولى. ولمفهومي (التعليم والتزكية) تفصيل بيناه في غير هذا المكان، فلا حاجة للتكرار [٢٣] . فالعلماء الربانيون، أو الوُرَّاثُ المنتصبون، هم الركن الأول لكل بعثة حقيقية، بوجودهم وبانتصابهم ينتصب الدين ويقوم، وبغيابهم تنتصب المحن والفتن! وتدبر قول رسول الله ﷺ :» إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً؛ اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسُئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا! « [٢٤] وترجم الإمام البخاري في كتاب العلم من صحيحه: (باب: كيف يقبض العلم؟ وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه، فإني خفت دُروسَ العلم [٢٥] وذهابَ العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي ﷺ ، ولتُفْشُوا العلمَ، ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سراً) . وإن من أخطر ما تواجهه الأمة اليوم فعلاً من المعضلات، في هذه المرحلة الحرجة من الاكتساح العولمي الصهيوني؛ هو هذا الموت المتواتر، والمستحر بالعلماء، مع ضعف نتاج الخلف! فهذا مما يجب الانتباه إلى خطورته الشديدة، وإلى الضرورة الاستعجالية التي تقضي بتفرغ شباب الصحوة الإسلامية لطلب العلم الشرعي، بشروطه المذكورة قبل؛ قصد إنتاج علماء البعثة المنتصبين لها، وإنما الموفق من وفقه الله. الثاني: الاشتغال التداولي بالقرآن العظيم؛ تربوياً واجتماعياً؛ بناء على مناهج القرآن الدعوية، كما سبق بيانه في (المَعْلَم الأول) من معالم البعثة؛ وذلك لتجديد بنية الدين في المجتمع. فهما عنصران إذن كما ذكرنا: الأئمة العلماء بشروط البعثة ومعالمها، ثم المنهجية القرآنية المنظِّمة لفقه الدعوة، هذا الفقه الذي ينتج بذاته تلقائياً، وذلك بمجرد تنزيل نصوص القرآن على واقع النفس وواقع المجتمع. وهو سِرٌّ لمن تدبره من أسرار الإعجاز القرآني في الدعوة والتربية، وذلك يغني عن كثير من المحركات الإدارية التي لا تفيد إلا في إثقال حركة الإنتاج الدعوي، وتقييد المبادرات، كما هو علم الميكانيك والنظام الحزبي الذي يمنع كل حركة لم تنتج عن حركته، وهو ما تعتمده كثير من الحركات الإسلامية اليوم مع الأسف، فنظامها الميكانيكي الصرف يفرض عليها قتل التجديد والمبادرات، لا إحياءه وإنتاجه، ومثل هذا لا ينتج بعثة، ولا تجديداً، وإنما قد يحفظ للأمة بعض المصالح إلى حين. كما قد يجر عليها من المفاسد ما يفوق تلك المصالح في بعض الظروف! أما أفكار البعثة التي تنظم العمل الدعوي بشكل تلقائي؛ فإنما هي منهج الاشتغال بالقرآن تداولاً كما بيناه. إن (التداولية القرآنية) هي التي صنعت المجتمع الإسلامي الأول على يد رسول الله ﷺ ، وهي التي حضَّرت جيل الهجرة، وخرجت رجاله (الأقوياء الأمناء) من مجالس القرآن، من دار الأرقم بن أبي الأرقم، ومن بين شعاب مكة، وهي التي صنعت الدولة الإسلامية الأولى؛ انطلاقاً من مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة المنورة. إن بث بصائر الآيات في المجتمع، عبر شبكة العلماء الربانيين، المنظمين؛ لكن بمنهجية القرآن الدعوية؛ يكفيك ويغنيك عن تأمير الأمراء بصورة ميكانيكية، وانتخاب النقباء، وإنشاء الخلايا المعقدة، الحية والنائمة! فالقرآن وحده نظام البعثة وتنظيمها؛ لكن لو كان له مهندسون مبصرون! فالتنظيم الحزبي له مصالحه وله مفاسده، والتنظيم الفطري يجلب تلك المصالح، ويدرأ تلك المفاسد، وإنما الموفق من وفقه الله. ولا يصلح للدعوة غير ذلك؛ إذ كان المقصود الاستجابة لداعي بعثة التجديد، فتدبر سيرة رسول الله ﷺ في بث الإسلام بين الناس، وفي تربيتهم على مبادئه، إنما كان يُؤَمِّر (القراءَ) ويرسلهم إلى الأمصار، ويختار من أصحابه أعلمهم وأحكمهم؛ للمهمات القيادية، والأمور الصعبة. وجاهد بذلك المنهج السهل والبسيط، يكتشف القيادات، وينوط بها رسالة القرآن؛ لتدور في (تداولية) شاملة، بصورة حلزونية تستوعب المجتمع شيئاً فشيئاً؛ حتى نزل قوله تعالى: [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً] (النصر: ١-٣) ، فما كان لتنظيم حزبي معقد أن يعيد الناس إلى دين الله أفواجاً من بعد ما خرجوا عن كثير من حقائقه أفواجاً! إن المراهنة على التنظيمات الإسلامية ذات التركيبة الحزبية الميكانيكية لإقامة الدين بصورة كلية؛ لهي مغامرة خاسرة! نعم يمكنها أن تدافع عن الإسلام بصورة جزئية، ويمكنها إذا وصلت إلى السلطة أن تستصدر بعض التشريعات؛ لحفظ الدين وحمايته، وهو شيء مهم وحسن؛ ولكن لا يمكنها أن تحمل الناس عليه حملاً، ولا أن تجعله حركة وجدانية في المجتمع، ولا هي قادرة أن تستوعبهم دعوياً ولا تربوياً. فتنظيمها الحزبي هو بطبيعته نموذج تجزيئي، فلم يضعه الفكر البشري ليستوعب الجميع، بل ليستوعب فئة محدودة جداً من الناس، ويبقى المجتمع بعيداً عن هموم الحركات، وصراعات الأحزاب، ذات الأبواب والألقاب! ويتوب الله على من تاب! فدع بصائر القرآن العظيم تصنع خلاياها الطبيعية في المجتمع، كل المجتمع، وتبسط هندستها العمرانية بين شرائحه، كل شرائحه. وإنما خلايا التنظيم الفطري هي (مجالس القرآن) ، وإنما رأيه العام هو (التداول الاجتماعي) الطبيعي للآيات والسور، وإنما مقراته هي المساجد! وإنما قياداته هم العلماء الربانيون المنتصبون للبعثة والتجديد.

стр. 4683

تأملات دعوية العمل الخيري والعدوان محمد بن عبد الله الدويش dweesh@dweesh.com كان من تداعيات أحداث سبتمبر وما أعقبها؛ أن شن الغرب حملة شعواء على العمل الخيري، وانضم لهذه الحملة كثير من أصحاب القرار في بلاد المسلمين رغبة أو رهبة، طوعاً أو كرهاً. وشعر العاملون في هذه المؤسسات أنهم أمام أوضاع جديدة تعوق كثيراً من أعمالهم وجهودهم، وتعرقل كثيراً من المشروعات والطموحات. وأمام هذه الحملة الغاشمة الظالمة نجد أننا بحاجة إلى أمرين رئيسين: الأول: الثقة بالله تعالى، وأنه ناصر دينه ومعل كلمته، واليقين بأن هذه الدعوة أكبر من أن يوقفها حفنة من البشر التائهين: [هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ] (التوبة: ٣٣) ، ولو تعرقل العمل الخيري أو أصابه ما أصابه فالمسألة مسألة وقت، ولو تضررت مؤسسة وهوت أخرى ففي الأمة خير كثير، والعمل الدعوي ليس حكراً على جماعة أو فرد أو فئة. كما أن العاملين في هذه الأعمال ينبغي ألا يصيبهم الوهن أو الشعور بالهوان: [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (آل عمران: ١٣٩) ، إنهم لم يرتكبوا جرماً ولم يقارفوا خطيئة، ولم يفعلوا ما يوجب البغي والعدوان، وما يصيبهم فهو رفعة لدرجاتهم بإذن الله، وعلو في منزلتهم. الأمر الثاني: لا بد من الأخذ بالأسباب المادية، وبذل ما يُستطاع من جهد، وتسليم الأمر بعد ذلك إلى الله، فالخير فيما يختاره سبحانه، ومن ذلك: ١ - بذل الجهد يشمل كل ما يستطيع الإنسان، وليس قاصراً على الجهد البدني وحده، بل أهم شيء في ذلك التفكير والتخطيط والدراسة، وينبغي ألا نتردد في بذل المال في ذلك، فالنتاج يوفر أضعاف ما نبذل. ٢ - المسلم مطالب بالحيطة والحذر، وإيمانه بالله ويقينه به لا ينافي الأخذ بالأسباب، وها هو نبي الله موسى يقول: [فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ] (الشعراء: ٢١) ، ويقول تعالى عنه: [فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ] (القصص: ٢١) . ٣ - لا بد من الوعي بعقلية العدو والتفكير بما يفكر به، ولا ينبغي أن نزن الأمور ونقومها من خلال تفكيرنا نحن، فما نعده عملاً دعوياً قد يعده هو إرهاباً، وما نعده قانونياً قد لا يعده هو كذلك، وفرق بين أن نرفض الاستجابة له من داخلنا وبين تعاملنا مع الأمر الواقع. ٤ - لا بد من موازنة المصالح والمفاسد، وتفويت المصلحة درءاً لمفسدة أكبر منها، أو جلباً لمصلحة أعظم، وهو أمر مستقر لدى كثير من الدعاة بداهة على المستوى النظري، أما في الممارسة العملية فكثيراً ما يصرّون على مصلحة تفوّت ما هو فوقها أو تجلب ما هو أعظم منها ضرراً. ٥ - كثير من الأعمال ضررها يتجاوز صاحبها ولا يقتصر عليه، حينها فهو عندما يقصّر لا يتحمل تبعته هو بل يتحمل تبعة الآخرين. ٦ - الأزمات في حياتنا فرص، والمحن فيها المنح، فمن المهم أن يبذل السعي لاستكشاف الفرص في مثل هذه الأزمات، ولعلها تقود العاملين في المجال الخيري إلى مزيد من الضبط الإداري والقانوني والمالي لأعمالهم والمتعاونين معهم. ومع الاجتهاد والحيطة والحذر، لا بد من استحضار اليقين بالله تعالى، وتذكير النفس بها وقتاً بعد آخر. وحين نريد إشعار الناس بضخامة الحملة الآثمة على الدعوة والعمل الخيري؛ فلا بد من الحذر من أن يتحول الأمر إلى عامل يأس وإحباط، بل لا بد من التوازن والاعتدال.

стр. 4684

حوار حوار مع عضو الكونجرس الأمريكي الأسبق بول فندلي السياسات الأمريكية - الشرق أوسطية تصنع في (إسرائيل) لا في واشنطن السيناتور الأميركي السابق بول فيندلي - ٨٢ عاماً - أحد أبرز الشخصيات الأمريكية المعارضة للنفوذ اليهودي في الولايات المتحدة، ولسياسة الإدارات الأمريكية المتعاقبة ضد الإسلام والمسلمين، بدأت علاقته بالكونجرس منذ عام ١٩٦١م عندما انتخب لأول مرة عضواً عن ولاية إلينوي، وبدأت علاقته الإيجابية بالإسلام عام ١٩٧٤م إثر عودته من اليمن بعد وساطته في إطلاق سراح مواطنه «إد فرانكلين» المتهم بالتجسس لبريطانيا، وبدأ نشر مؤلفاته الخمسة عن المسلمين وقضاياهم عقب تآمر اللوبي اليهودي لإسقاطه في انتخابات الكونجرس ١٩٨٣م بعد عضوية ٢٢عاماً متواصلة، تفرغ بعدها للدفاع عن قضايا المسلمين، وأبرز كتبه «من يجرؤ على الكلام» ، الذي سجل أعلى المبيعات في أمريكا طوال أكثر من ١٢ أسبوعاً عقب صدوره، وطبع منه ما يزيد على ٣٠٠ ألف نسخة في الولايات المتحدة وحدها، كما ترجم إلى لغات عالمية عديدة ونشر في أنحاء العالم على نطاق واسع، وتحدث فيه عن أعضاء الكونجرس الذي تجرؤوا على مهاجمة اللوبي اليهودي، والسياسة الأمريكية المتحالفة مع «إسرائيل» ، وأبرزهم: ويليام فولبرايت - بول ماكلوسكي - ديان فرانسيس، والمثير أن أغلب هؤلاء تغيرت مواقفهم إيجابياً تجاه المسلمين عقب زيارات قاموا بها للمنطقة، حيث تكشفت لهم الحقائق على أرض الواقع بعيداً عن تزييف الإعلام الأمريكي، وهذا ما دفع فندلي لتأليف كتابه الأهم «لا سكوت بعد اليوم» عام ٢٠٠١م، حيث هاجم الصور النمطية المشوهة عن الإسلام التي يقدمها الإعلام الأمريكي «المتهود» وحاول أن يقدم حسب رؤيته الخاصة صوراً إيجابية للمسلمين ولقضاياهم خارج الولايات المتحدة وداخلها، ويقول فندلي في كتابه أنه عرض مسودته على والدة زوجته المثقفة جداً الكاثوليكية، فقالت له بعد قراءته: «إني على الأرجح كالملايين من الأمريكيين طالما اعتقدت أن المسلمين أناس غريبو الأطوار من الأخبار التلفزيونية، وعناوين الصحف.. أصبحت الآن على معرفة أفضل بهم، ولكني أخشى من أن غالبية الشعب الأمريكي ليسوا كذلك» . واللافت أن بول فندلي ينصح المسلمين أن يصروا على إبراز هويتهم كمسلمين، ويستنكر عليهم عدم استغلال كل فرصة لبيان حقيقة دينهم، ويقول لهم: «إن الوقت لا يسمح بانتهاج سياسة الانتظار.. ذلك لأن الأفكار المنمطة تولد عن الإسلام صوراً مؤذية سريعة التفشي» . البيان: لقد كشفتم الغطاء في كتابكم: (من يجرؤ على الكلام؟) عن حقيقة النفوذ الإسرائيلي داخل المؤسسات الأمريكية؛ فهل تعتقدون أن هذه الجهود ساهمت بشكل كبير في إخراجكم من الكونجرس؟ - على الرغم من أن عدة عوامل تسببت في خسارتي بعض الأصوات، إلا أنني أعتقد أنه كان باستطاعتي الفوز أمام أي مرشح لا يتلقى تمويلاً من قِبَل اللوبي الإسرائيلي في أمريكا. عانت منطقتي من ركود اقتصادي وارتفاع ملحوظ في نسبة البطالة. قُطِعت عني أقوى مصادر الدعم الجمهوري بما في ذلك مدينتي. كما أن معظم المناطق الحديثة والتي لي بها معرفة سطحية كانت تتبع الحزب الديمقراطي تقليدياً. ومع هذه المعوقات مجتمعةً فإنني كنت محتاجاً إلى ١٦٠٠ صوت إضافي من أصل ٢٠٠.٠٠٠ صوت كي أفوز في الانتخابات. حصل منافسي على مبلغ مليون دولار أمريكي لدعم حملة انتخابه، وهذا يعتبر سابقة في تاريخ الإنفاق في الانتخابات المحلية في ولاية ألينوي لعضوية مجلس النواب في الكونجرس. وطبقاً لمنسق لجنة شؤون العلاقات الأمريكية الإسرائيلية (توماس داين) فإن ٩٠% من الدعم الذي حصل عليه منافسي جاء من مصادر يهودية، معظمها من أناس خارج حدود المقاطعة التي أنتمي إليها. وكلما أمعنت النظر في تلك الانتخابات بدت لي أنها لم تكن قط خسارةً بل ربحاً. لقد فتحت لي أبواباً لم أكن لأعرف عنها شيئاً لو بقيت في الكونجرس. إنني سعيد أن كتابي «من يجرؤ على الكلام؟» قد ساهم في إطلاع الأمريكان على الدمار الذي لحق بمؤسساتنا السامية نتيجةً للتلاعب المفرط في سياستنا تجاه الشرق الأوسط من قِبَل اللوبي الإسرائيلي في بلادنا. وقد بيع من الكتاب أكثر من ٣٠٠.٠٠٠ نسخة، ولقد أعلن الناشرون «Hill Lawrence Books» وهم دار نشر مملوكة من قِبَل «Press Review Chicago» إطلاق نسخة ثالثة مزيدة ومنقحة. البيان: نسمع أحياناً عدداً من الأصوات الحرة والمنصفة تصدر عن مسؤولين أمريكيين، ولكن دائماً بعد تركهم مناصبهم وخروجهم من دائرة التأثير والنفوذ. كيف يمكن أن تكون هذه الأصوات مؤثرة في المجتمع الأمريكي؟ - إن سياسة التخويف الممارسة تكاد تكون مهيمنة بشكل كامل. وفي الوقت الراهن نجد أن عضو مجلس الشيوخ روبرت بايرد من غرب فرجينيا هو الأوحد الذي يتحدث بحرية عن السياسة في الشرق الأوسط. كما نرى أن نائبي ولاية جورجيا (ساينثيا مكيني) وولاية ألاباما (إرل هيليارد) كانا جريئين في الحديث أثناء توليهما منصبيهما، ولكن هذا بدوره أدى لهزيمتهما في الانتخابات التحضيرية العام الماضي. إنه لمن المحزن حقاً أن يشعر شخص واحد فقط، وهو عضو مجلس الشيوخ بايرد، بالأمان السياسي الكافي للحديث بصراحة عند مناقشة المواضيع المتعلقة بإسرائيل. وحتى بعد تنحيهم عن مناصبهم المنتخبة فإن القليل منهم من يتحدث بصراحة. إن نواب الولايات الأمريكية السابقين مثل ديفيد بونيور وسينثيا ماكيني وبول «بيت» مكلوسكي إضافة إلى السناتور ماك جفرن يعتبرون من القلة القليلة التي تحدثنا عنها. وهذه الحال التي نعايشها لن تتغير إلا إذا استيقظ الناخبون الأميركيون ووعوا الأثر المدمر للانحياز لـ (إسرائيل) على مؤسساتنا ومبادئنا السامية. وهذا الأمر لن يتحقق إلا إذا أصبح المواطنون المدركون لخطر هذه الآفة نشطاء سياسيين، ونظموا جهوداً للضغط السياسي شبيهة بما تقوم به منظمة (AIPAC) ثم ينتخبون أعضاء للكونجرس ممن لديهم الإرادة لإنهاء هذا التحيز. ولا نغفل المسلمين الأمريكيين والمواطنين من ذوي الأصول العربية؛ فهم كثر وعلى جانب كبير من الاطلاع، ولكنهم ما يزالون في المراحل الأولى من تنظيم أنفسهم سياسياً. البيان: ما الذي يتحكم في صناعة القرار الأمريكي؟ وبمعنى آخر: ما هو أثر القناعات الشخصية والمصالح في هذا القرار؟ - إن السياسات الأمريكية الشرق أوسطية تصنع في (إسرائيل) لا في واشنطن. وهؤلاء المتعصبون لإسرائيل قد سيطروا على صناعة القرارات السياسية لعدة سنوات، وهم موجودون في جميع المكاتب التشريعية والتنفيذية والتي لها علاقة بصناعة السياسات الأمريكية تجاه الشرق الأوسط. والنسخة الجديدة من كتابي «من يجرؤ على الكلام؟» تحوي التفاصيل الكاملة لهذا الأمر. البيان: وهل يوجد صراع أجنحة داخل الإدارة الأمريكية الحالية؟ - في حين أن سياسات الرئيس بوش الخارجية هي غالباً خطرة ومُضَلّلة إلا أنه على الأقل ذكر في أكثر من مناسبةٍ مساندته لدولةٍ فلسطينيةٍ مستقلة. آمل أن يستمر على هذا النهج، ولكن يساورني الشك في ذلك. أما في إدارته، فيمكن سماع أصوات عدة متنافسة. فعلى سبيل المثال غالباً ما يكون وزير الدفاع رامسفيلد وأعضاء وزارته على النقيض مع وزير الخارجية كولن باول الذي يحبذ وجود الدولة الفلسطينية في حين أن رامسفيلد يرفض ذلك. البيان: هل تعتقد أن الرأي العام له تأثير كبير على السلطة السياسية في أمريكا؟ أم العكس من ذلك؛ بحيث إن هذا الرأي العام مصنوع من قِبَل أصحاب المال والنفوذ في المجتمع؟ - يسيطر اللوبي الصهيوني على السياسة الأمريكية الشرق أوسطية سيطرةً كاملة؛ لأنه يؤثر بنجاح تام على الإعلام الأمريكي، وهذا التأثير يجعله مسيطراً بشكل فعال على مواقف الناس العاديين. البيان: وما هو السبيل للتأثير في مجرى الأحداث في ظل الإمكانات المتاحة؟ .. ما هو دور الفرد العادي؟ - كما فصلت القول في الملحق (ب) من كتابي «لا سكوت بعد اليوم» فإنه يمكن وبسرعةٍ تفعيل دور المواطن العادي بحيث يصبح مؤثراً ضد التحيز الإعلامي والتحيز الرسمي. ويستطيع المواطن أن يحتج بنجاح على جميع أشكال التحيز الإعلامي أو الانتخابي أو الخطابي. ويحتاج هذا الأمر إلى وقت وجهد، ولكنه يمكن أن يكون فعالاً. ليس هذا فحسب بل يمكن أن يكون للأفراد أن يوسعوا من دائرة تأثيرهم عندما يصبحون أعضاء نشطين في مؤسسات ذات علاقة مثل المنظمة الأمريكية العربية لمكافحة التمييز العنصري، والمعهد العربي الأمريكي، ومجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية، ومجلس المسلمين الأمريكيين، وتحالف المسلمين الأمريكيين، ومجلس العلاقات العامة الإسلامي. البيان: ما هي المراحل الإجرائية لاتخاذ القرار السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية؟ وما هي أهم حلقة (جهة) في هذه الإجراءات؟ وهل جميع القرارات تمر عبر هذه المراحل؟ - إن السياسات الأمريكية شرق الأوسطية مثلها مثل أي سياسات حكومية أخرى تحتاج إلى موافقة مجلس النواب ومجلس الشيوخ والرئيس. وعلى الرغم من أن طرح مشاريع القوانين التي تصوغ سياسة معينة يبدأ «شكلياً» ، في الكونجرس، ولكن في الواقع تصاغ مذكرات هذه القوانين من قِبَل الجهاز التنفيذي (الرئيس أو أحد أفراد حكومته) قبل عرضها للمداولة في الكونجرس. ومن المؤسف حقاً أنه لا تحدث مداولة ونقاش حقيقيان لمشاريع القوانين المقترحة في أية مرحلة. كما أن كلا الجهازين التنفيذي والتشريعي (الرئيس والكونجرس) لا يلتفتان إلى أية وجهة نظر عدا تلك التي تؤيدها (إسرائيل) ومؤيدوها في الولايات المتحدة. ولا يمكن أن تعدل أو تنقّح هذه السياسات أبداً، بل يندر أن يقترح أحد أي تعديل أو تنقيح أصلاً. البيان: هل التوجهات التي يطرحها اليمين الجديد (American New Century) من خلال مصادرهم الإعلامية تمثل الاستراتيجية والسياسة الخارجية الأمريكية تماماً؟ - هناك عدد ممن صاغ الميثاق الخطير المعروف باسم «الحقبة الأمريكية الجديدة» في أماكن حساسة في وزارة الدفاع وعلى رأسهم نائب وزير الدفاع ولفويتز. وقد صاغ ولفويتز ومجموعته هذه الفكرة إبان حكم جورج بوش الأب الذي رفضها بحكمة قبل عشر سنوات بسبب إيغالها في التطرف. ولكنهم استطاعوا معاودة النشاط في ولاية جورج بوش الابن؛ كما نجحوا في الحصول على موافقته على هذه السياسة. ويظهر هذا صراحةً في إحدى وثائق وزارة الخارجية التي صدرت بتاريخ ٢١/٩/٢٠٠٢م. إن هذه السياسة موغلة في التطرف ولها آثار بعيدة المدى جداً. البيان: كيف ترى أثر أحداث سبتمبر على أوضاع الإسلام والمسلمين في أمريكا؟ والقبض على مسلمين ذهبوا ليسجلوا أسماءهم في مقر إدارة الهجرة بولاية كاليفورنيا - مراقبة الاتصالات والبريد على نطاق واسع - المحاكمة بناء على الأدلة السرية - مداهمة الجمعيات الإسلامية الخيرية والثقافية بصورة غير مسبوقة - الاعتقال والملاحقة بأدنى شبهة ولو ملفقة ... وغيرها من ممارسات متعسفة وغير إنسانية مارستها السلطات الأمريكية تجاه بعض المسلمين أو الجمعيات الإسلامية داخل أمريكا.. هل يمكن أن تتحول أمريكا إلى دولة بوليسية؟ وما الضمانات التي تحول دون ذلك في ظل سيطرة قوى معينة على وسائل الإعلام وعجز أو سلبية المواطن الأمريكي غير المتضرر؟ - في حين أن نكسة ١١/٩/٢٠٠١م تعتبر كارثة لنظامنا السياسي إلا أنه وفي المقابل من ذلك فإن جميع الأمريكيين وبالذات المسلمون منهم أصبحوا ضحية لهذه القضية. إن أحداث الحادي عشر من سبتمبر قد عززت الصورة النمطية عن الإسلام والتي كان لها رواج واسع الانتشار في جميع أرجاء البلاد؛ وذلك بأن قُدِّم المتورطون في الأعمال الانتحارية على أنهم مسلمون ملتزمون، ونتج عن ذلك تعزيز الصورة الخاطئة عن المسلمين بأنهم مؤيدون للإرهاب، ولم يلتفت أحد لحقيقة أن الإسلام لا يقر الانتحار أو قتل الأبرياء. ولكن الذي حدث بدوره نتج عنه كتابات وتعليقات متزنة وبناءة في الصحف ووسائل الإعلام الإلكترونية. هذا التقدم مع الأسف باهت بالمقارنة بالآثار السيئة لما حصل. إن حصول إدارة الرئيس بوش على إجماع شبه مطلق من الكونجرس أدّى إلى تقييد الحرية الشخصية، ويسعى وزير العدل (النائب العام) جون أشكروفت للزيادة من تلك القيود. إن أنظمة مكافحة الإرهاب أصبحت تمثل تهديداً لصالح مجتمعنا أكثر من الإرهاب نفسه. العلاج الناجع لمثل هذه الملمة هو الحرية في التعبير عن الرأي. والنقاش الصريح غير المقيد هو أملنا الرئيس إن لم يكن الوحيد للخروج من هذا المأزق. ومما يؤسف له أن معظم الأمريكيين راضون عن تسلط الدولة على حريتنا الشخصية. إلا أنه قد بدأت تتعالى بعض الأصوات الشجاعة في أرجاء البلاد ولكنها خارج المنظومة السياسية المنتخبة. إن معظم الأمريكيين لا يعون أن الرئيس بوش جعل من دولته شرطياً على العالم، وأن الكونجرس بناءً على طلبه قد خوله صلاحية مهاجمة الدول الأخرى دون وجود حالة حرب متى أراد وحيثما شاء، كما خوَّلَه الحق في التقييد الشديد من الحريات الشخصية للمواطنين والمقيمين في الولايات المتحدة. إن أحداً من المرشحين المعلنين للانتخابات الرئاسية لعام ٢٠٠٤م لم يظهر رغبة في تحدي السياسات المتطرفة التي وضعها الرئيس بوش. إن نظامنا السياسي ما برح مشلولاً من جراء أحداث ١١/٩/٢٠٠١م وحرية التعبير عن الرأي ما تزال ضحية، وربما يتشجع بعضنا بمثال السناتور بايرد ليعبر عن رأيه. إنني على قناعة أن الفترة التي نعيشها هي أصعب المراحل التي عايشناها منذ الحرب الأهلية، ويجب علينا جميعاً أن نرفض جنون الإمبراطورية. البيان: في رأيك هل تجدي الحملة الإعلامية التي اعتمدتها الإدارة الأميركية لتحسين صورة الولايات المتحدة في العالم الإسلامي في ظل الممارسات الفعلية التي تتبعها الإدارة؟ - إنني لا أصدق أن الحملة الدعائية التي تقودها الحكومة الأمريكية حول الإسلام، بغض النظر عن حسن النوايا، سوف ترضي المسلمين. وسيكون مآلها الرفض؛ لأنها حملةٌ ملؤها الريبة والشك، ولأن القائمين عليها هم أنفسهم الذين تزعموا الحرب على الإسلام كما يعتقد المسلمون أنفسهم. البيان: من أين يستقي الفرد الأمريكي العادي معلوماته عن الإسلام؟ وما الدور الذي تقترح أن يقوم به المسلمون لتقديم صورة حقيقية للإسلام إلى هذا الفرد؟ - يكوِّن معظم الأمريكيين آراءهم حول الإسلام عن طريق قراءة عناوين الأخبار في الصحف ومشاهدة نتف من أخبار التلفزيون والتي غالباً ما تقرن الإسلام والمسلمين بالعنف. الغالبية العظمى من الأمريكيين لم يقابلوا أو يسمعوا مسلماً يتحدث عن الإسلام، بل إنهم لم يقرؤوا ولم يسمعوا أبداً آية واحدة من القرآن. وإن سألت أحدهم عن عَلَمٍ مسلم أمريكي يرونه أحد القادة المسلمين فإنهم سيقولون لك لويس فرخان، والذي لا يعتبره كثير من المسلمين ممثلاً حقيقياً لدينهم. والكثير من الأمريكيين يعتقدون أن أسامة بن لادن وحزب طالبان هم الوجه الحقيقي للإسلام. إن معظم هؤلاء يعتقدون أن منفذي أحداث ١١/٩/٢٠٠١م هم من المسلمين الذين كانوا ينفذون مشيئة الله عندما قاموا بتنفيذ العملية. لذا فإنه ومن جهلهم فإن الأمريكيين يربطون الإسلام بالتطرف بشكل آلي. أخبرني أحد الأطباء المبرزين الذين تربطني بهم وشائج الصداقة لسنوات أنه يستهجن ما يقوم به الإسرائيليون من أعمال وحشيةٍ تجاه الفلسطينيين، وهو يدين في الوقت ذاته العمليات الانتحارية التي تنفذ من قِبَل فلسطينيين يسعون للشهادة على حساب حياة الكثير من الإسرائيليين. ثم ختم أقواله المغلوطة بالطبع أن للمسلمين إلهاً عنيفاً ومحباً للانتقام وغير متسامح، تتنافى معتقداته مع تعاليم يسوع المسيح الرقيقة المتسامحة. ويرى عدد كبير من الأمريكيين أنه يجب طرد جميع المسلمين من أمريكا. البيان: يعتقد معظم المسلمين الذين اطلعوا على كتابكم (لا سكوت بعد اليوم) أنه جهد متميز لتصحيح صورة الإسلام والمسلمين في أمريكا؛ فكيف ترى أثر كتابكم في المجتمع الأمريكي خاصة بعد الأحداث الأخيرة؟ - إنني سعيد أن كتابي «لا سكوت بعد اليوم: مواجهة الصور المزيفة عن الإسلام في أمريكا» قد ساعد على انتشار الفهم الصحيح للإسلام بين الأمريكان من غير المسلمين. لقد حظي هذا الكتاب بترحيب جيد، وتلقيت عدداً كبيراً من رسائل الشكر من القسس البروتستانت المعتدلين ومن محرري الصحف وأمناء المكتبات. وقد قضيت في تأليف هذا الكتاب ثلاث سنوات، وقصدت به القراء غير المسلمين بالدرجة الأولى. إنني أعتقد أن الكتاب يعطي صورةً دقيقةً وواقعية لهؤلاء من المواطنين الأمريكيين الملايين السبعة الذين يكوّنون المجتمع المسلم؛ بحيث يشرح معتقدهم ودوافع وطريقة معيشتهم، وأهمية مساهماتهم في الحياة الأمريكية، وآمالهم وتطلعاتهم للجيل القادم. إنه يروي الإنجازات التي حققها المسلمون في الحقل السياسي، والمبادرات التي يجب أن يسلكوها لكي يتغلبوا على الصور الخاطئة عن الإسلام. إن فاجعة ١١/٩/٢٠٠١م جعلت من كتابي أكثر مناسبةً من ذي قبل. لذا فإنني أدعو جميع المسلمين لاقتناء نسختين من كتابي، ويُبقوا واحدة معروضة في منازلهم ليُطلِعوا عليها جميع الزوار، والأخرى تعار لجميع الأصدقاء واحداً بعد الآخر. إن كتاب «لا سكوت بعد اليوم» ليس له أدنى قيمة إذا تُرِك ليجمع الغبار على الرف. البيان: في ظل الأحداث الجارية، كيف ترى مستقبل الإسلام في أمريكا؟ - على الرغم من المصاعب الحالية، والتي أعتقد أنها حالةٌ استثنائيةٌ مؤقتة، إلا أنني أرى مستقبلاً مشرقاً للمسلمين في أمريكا. إن الأمريكيين، بشكل عام، منفتحون وكرماء ولطيفون، وبمجرد إدراكهم لحقيقة الإسلام، والمعتقدات الكثيرة والممارسات التي يشترك فيها الإسلام مع النصرانية واليهودية، فسوف يمدون يد الصداقة والتعاون للمسلمين. وقبل ذلك وبعده فلقد وجد المسلمون في دستور أمريكا من الحماية والفرص مثل ما يصبون إليه في الدولة الإسلامية المثالية التي وصفت في القرآن، مثل الحرية الدينية، وانعدام الإكراه في الدين، وبث روح التسامح مع أولئك الذين ينتمون للديانات الأخرى، وحماية الحريات المدنية للجميع بما في ذلك الأقليات. إنني متألم كثيراً من التعديات على الحريات المدنية التي تمارسها إدارة الرئيس بوش، ولكنني على يقين من أن قوة الدستور الأمريكي سوف تصمد أمام هذا الامتحان، كما صمدت أمام مصاعب أخرى من قبل. سوف يعود لاسم أمريكا بريقه ولسوف تستعيد دولتنا مكانتها كرائدة لحقوق الإنسان وحكم القانون للجميع. البيان: في رأيكم إلى أين سيقود العالم منطق: (من ليس معنا فهو ضدنا) ؟ وأين أصوات الحكماء في المعسكر الغربي؟ - موقف الرئيس الأمريكي بخصوص السعي للسيطرة على العالم عسكرياً واضح جداً. وقد أوضح الرئيس الأمريكي في وثيقة جديدة عن الأمن تحول موقف حكومة الولايات المتحدة من الردع إلى الهيمنة العسكرية على معارضيها. وقد أعلنت الحكومة عزمها على الإبقاء على التفوق العسكري المطلق في جميع أنحاء العالم إضافة إلى سعيها الحثيث بكل الوسائل لمنع أية دولة معارضة من تطوير قدراتها العسكرية. كما أضافت الوثيقة، بشيء من الغرور معلومات عن شروع الولايات المتحدة في توجيه دول أخرى الصين على وجه الخصوص في أمور موازناتها العسكرية. وقد أوضحت الوثيقة بما لا يدع مجالاً للشك أن دور المنظمات الدولية سيصبح مسانداً للولايات المتحدة وحلفائها؛ فإن وافقت المنظمات الدولية على ما تريده الولايات المتحدة فبها ونعمت، وإن لم توافق تصبح هذه المنظمات غير ذات قيمة. البيان: هل تعتقدون أن التحركات الأمريكية التي تلت أحداث سبتمبر كانت رد فعل تلقائية على هذه الأحداث، أم أن هذه الأحداث استغلت لتنفيذ مخططات قديمة وتحقيق أهداف مسبقة؟ - تلا أحداث سبتمبر تطور غير طبيعي فيما يتعلق بسلطات الرئيس الأمريكي؛ فقد أصبح الرئيس بوش أكثر الرؤساء الأمريكيين سلطة في تاريخ الولايات المتحدة، داخلياً وخارجياً. داخلياً: تم تمرير «القانون الوطني» (Act Patriot) وغيره من القوانين التي منحت الرئيس الأمريكي صلاحيات غير مسبوقة، مثل اعتقال المدنيين لمدد طويلة دون توجيه تهم معينة لهم، ومراقبة خطوط الهاتف بشكل مبالغ فيه، وتصنيف الناس بناء على أصولهم العرقية، وأخذ بصمات الناس بناء على جنسياتهم الأصلية، والترحيل من الولايات المتحدة بناء على شهادات سرّية. وخارجياً: فقد مرر الكونجرس قانوناً يجعل الرئيس الأمريكي حراً في إعلان الحرب على من شاء في أي وقت يشاء ولأي سبب يراه مناسباً. البيان: نتساءل مثلكم: هل كل هذا ناتج عن أحداث سبتمبر؟ وهل هذا ضروري كرد فعل للإرهاب؟ - الواقع يقول إن ما يحدث الآن قد بدأ قبل أحداث سبتمبر بأكثر من عقد كامل من الزمان. خطة سيطرة الولايات المتحدة على العالم تم طرحها في وثيقة قبل عشر سنوات من قِبَل أناس كانوا في مواقع مهمة في إدارة الرئيس جورج بوش الأب؛ ففي عام ١٩٩٢م صاغت تلك المجموعة خطة لبناء إمبراطورية أمريكية تسيطر على العالم، ولكنها لم تجد طريقها إلى النور. وبعد ثماني سنوات، أي في عام ٢٠٠٠م وقبل أحداث سبتمبر بسنة كاملة، قام بعض من أعد الخطة الأصلية (رغماً عن ابتعاد عدد منهم عن الحياة السياسية) بإعادة صياغة الخطة وتنقيحها وتقديمها في وثيقة سميت: «مشروع القرن الأمريكي الجديد» . (for Project Century American New the) هذه الوثيقة المعدلة التي أعلنت قبل الانتخابات الرئاسية في عام ٢٠٠٠م بعدة أشهر، طالبت بإحداث عدد من التغييرات في السياسة الأمريكية. فعلى سبيل المثال: معارضة إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، والتنصل من معاهدة الحد من الصواريخ المضادة للصواريخ العابرة للقارات، مواجهة إيران والعراق وكوريا الشمالية باعتبارها دولاً مسببة للمشاكل، توسعة وزيادة القواعد العسكرية الأمريكية حول العالم، وأخيراً زيادة الميزانية العسكرية الأمريكية إلى ما مقداره ٨.٣% من الإنتاج القومي. كل هذه المقترحات أصبحت الآن جزءاً من السياسة الأمريكية، بل تم اعتماد الرقم المقترح للميزانية العسكرية كما هو. إضافة لذلك نجد أن معظم من عمل على صياغة هذه الوثيقة موجود في مواقع مهمة في الإدارة الأمريكية. وعلى الرغم من أن الإدارة الأمريكية تنفي وجود علاقة بين مخططها تجاه العراق وبين رغبتها في السيطرة على العالم، إلا أن المعلومات الواردة في وثيقة أقدم من الوثيقة المذكورة تشير بوضوح إلى أن تركيز الولايات المتحدة على العراق وإيران مدفوع بسببين: الأول: النفط، والثاني: المخاوف الإسرائيلية. ولا يفوتنا أن نذكر أن الحرب على أفغانستان فتحت الطريق لتأسيس قواعد عسكرية أمريكية بالقرب من نفط بحر قزوين. والذي أتوقعه هو أن تبقى هذه القواعد هناك إلى أجل غير مسمى. البيان: حذرت الراحلة (جريس هالسل) في كتابها «النبوءة والسياسة» من الخطر المحدق بالعالم من قِبَل الأصوليين اليمينيين؛ وذلك عند قيامهم بصياغة، أو محاولة صياغة السياسة الأمريكية للشرق الأوسط بناء على معتقداتهم الدينية. وقد أوردت عدداً من الأمثلة لرجال دين ولسياسيين ممن دعموا التوجه اليميني المتطرف حيال فلسطين، مثل وزير الداخلية الأمريكي جامس وات (في عهد الرئيس ريجان) والقس جيري فالويل؛ فما هو في رأيكم مدى تأثير هذه الأفكار على السياسة الأمريكية الخارجية الحالية؟ وإلى أي حد تعتقدون أن الخلفية الدينية للرئيس الأمريكي الحالي، المعروف بتدينه، قد أثرت في أمر الحرب على العراق وعلى مبادرته للسلام في الشرق الأوسط؟ - الكاتبة الراحلة (جريس هالسل) ، كانت صوتاً قوياً للحق والعدل، وقد استفدت كثيراً من كتبها ومن النقاشات التي دارت بيننا. إن فوز جورج بوش الابن بانتخابات الرئاسة كان أكثر فوز مثير للجدل في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، وقد احتاج الأمر في الواقع لتدخل المحكمة العليا الأمريكية لإنهاء النزاع. وقد حاول الرئيس بوش ونجح في الحصول على دعم الأصوليين المسيحيين، ومنهم جيري فالويل. إن هذه الطائفة من المسيحيين، على العكس منّي ومن باقي المسيحيين عامة، تؤكد على أن إسرائيليّي اليوم يعتقدون أنهم يملكون حقاً إلهيّاً في إسرائيل الكبرى، ويعودون في ذلك إلى فترة قصيرة في التاريخ القديم لإسرائيل القديمة. وهذا يعني أن لإسرائيل المعاصرة الحق في المنطقة المعروفة بالضفة الغربية. بصراحة، كان الرئيس بوش سيخسر الانتخابات قطعاً لولا الدعم شبه المطلق من قِبَل الأصوليين المسيحيين، البالغ عددهم، على الأقل، خمسين مليوناً في الولايات المتحدة، وهؤلاء يتجاوبون بشكل كبير مع التوجيهات التي يتلقونها من القساوسة التلفزيونيين (Televangelists) من أمثال فالويل وبات روبرتسون. وإن كان ما ذاع حقيقاً من مرور الرئيس بوش بتجربة الولادة مسيحياً من جديد (again born) فهذا يعني، رغماً عن انتسابه للكنيسة المنهجية المتحدة (Church Methodist United) ، أن آراءه حيال الشرق الأوسط قد تكون مشابهة لفالويل. وأعتقد أن من الضروري ذكره أن للأصوليين المسيحيين ممثلاً قوياً في مجلس النواب الأمريكي، وهو رئيس الأغلبية الجمهورية توم ديلاي. الحزب الجمهوري الحالي مختلف جذرياً عن مثيله الذي أعرفه أثناء عملي كممثل عن الحزب الجمهوري في الكونجرس في الفترة من ١٩٦١م وحتى ١٩٨٣م. من الضروري أن يكون واضحاً لكل المراقبين أن سلامة وراحة دولة إسرائيل كانت سبباً مهماً، إن لم تكن السبب الأول، في الحرب التي شنتها إدارة الرئيس بوش الابن على العراق. البيان: إلى أي مدى تعتقدون أن وزير الخارجية الأمريكي باول كان جاداً في الخطة التي أعلنها بخصوص تعميم الديموقراطية على دول الشرق الأوسط؟ وهل كانت تصريحاته بهذا الخصوص من قبيل الدعاية فقط قبل الحرب على العراق؟ - على الرغم من بعض الأمور المحبطة حديثاً، إلا أن رأيي في وزير الخارجية كولين باول ما يزال جيداً؛ فهو «جندي صالح» وأعتقد أنه قال وفعل أموراً لا تتماشى مع ما يعتقده. كما أعتقد أنه يفضل حقيقة أن تتطور المؤسسات الديموقراطية في الشرق الأوسط، ولكن يجب عليَّ أن أنبه هنا إلى أن الحاجة العاجلة في الشرق الأوسط هي للعدل أولاً. فالحاجة الآن ملحة لأن يطالب قائد الديموقراطية الأمريكية، (الرئيس جورج بوش الابن) ، إسرائيل بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها في حرب حزيران ١٩٦٧م، وبهذا يتم تحقيق العدل، بعد طول انتظار، للفلسطينيين الذين أهينوا وظُلموا واعتدي عليهم لمدة خمس وثلاثين سنة [*] بما يسمى الديموقراطية الإسرائيلية.

стр. 4685

الإسلام لعصرنا المفهوم الغربي للوهابية أ. د. جعفر شيخ إدريس [*] j@jaafaridris.com إذا كنت تظن أن الوهابية التي يتحدث عنها السياسيون والكتاب الغربيون محصورة فيما دعا إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتبه وأحاديثه ودروسه، أو أن الوهابيين هم فقط أولئك الذين وافقوا الشيخ فيما دعا إليه، فأنت مخطئ. الوهابية عند هؤلاء هي وصف لكل أخذ لدين الإسلام مأخذ الجد؛ حتى لو كان الآخذ إنساناً لم يقرأ للشيخ حرفاً واحداً ولم يتسَمَّ باسمه ولا كان موافقاً له في بعض ما قال؛ بل إنها وصف لكل من يأخذ بجد بعض ما أجمع عليه المسلمون حتى لو كان ممارساً لبعض البدع، أو مؤمناً ببعض الخرافات. الوهابية عند هؤلاء مرادفة للأصولية التي هي الإيمان بأن القرآن كله كلام الله تعالى، وأن الالتزام به واجب على كل مسلم. الوهابي هو المسلم الذي يواظب على الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويؤدي الزكاة ويحج إن استطاع إلى بيت الله الحرام. إنه المسلم الذي لا يشرب خمراً ولا يتناول رباً ولا يرى اختلاط الرجال بالنساء، ولا يؤمن بقيم الحضارة الغربية المخالفة للإسلام. المسلم الوهابي هو الذي يرى أن دينه هو الحق وأنه يحثه على دعوة الناس إلى الإسلام. الوهابي باختصار هو كل مسلم يحاول الالتزام بتعاليم دينه حتى لو كان يعيش في البلاد الغربية. ويبدو أن الذي اقترح على السياسيين هذه التسمية لكل مسلم ملتزم بدينه بعض المختصين في الدراسات الإسلامية. وربما كان اقتراحهم لها لأسباب سياسية. ربما يكون قد قال لهم إنكم ستستفزون مشاعر المسلمين إذا صرحتم لهم بأنكم لا تريدونهم أن يلتزموا بكتاب ربهم ولا بسنة نبيهم، ولا أن يأخذوا شيئاً من دينهم بقوة؛ فامكروا عليهم بالحديث عن الوهابية بدلاً من الحديث عن الإسلام أو الكتاب والسنة؛ لأن في العالم الإسلامي أناساً كثراً لهم مشكلة مع الوهابية، ولأنهم قد أثاروا حولها تهماً، وألصقوا بها تعاليم نحن نعلم أنه لا علاقة لكثير منها بها. ومع أننا لا نتفق مع هؤلاء في كل الأسباب التي دعتهم إلى معاداة الوهابية؛ فإن موقفهم المعادي لها مما يمكن أن يساعد على تحقيق مآربنا وخدمة مصالحنا. مَنِ المسلمُ غير الوهابي إذن؟ هو المسلم الذي يفهم القرآن فهمهم لكتبهم، ويطبق دينه تطبيقهم لدينهم، ولا يعترض على شيء من ثقافتهم، ولا يدعو إلى مناهضة شيء من سياستهم حتى لو كان يراها ظالمة وضارة ببلده، ولا ينبس ببنت شفة عن كلمة اسمها الجهاد. إن كل من يفعل هذا عدو لهم؛ لأنه يعرقل ما يعدونه مصلحة وطنية لهم. ما معنى أن يفهم دينه فهمهم لدينهم؟ لعل أحسن جواب على هذا السؤال كلمة قالها رجل تابع للكنيسة الأبسكوبيلية (وهي كنيسة أمريكية تابعة للكنيسة الإنجليزية) . هذا قس اسمه (روبنسون) يستعلن بشذوذه الجنسي، بل يأتي إلى بعض الاجتماعات الدينية إلى جنب «صاحبه» الذي يفجر به والإعاذة بالله. لم ترَ الكنيسة رغم هذا كله بأساً من انتخابه لمنصب عال فيها هو منصب الأسقف. انتخبته أعلى هيئة فيها بأغلبية ستين عضواً إلى أربعين تقريباً. في مؤتمر صحفي بعد فوزه اعترف هذا الأسقف بأن معارضي انتخابه كانوا على حق في قولهم بأن الشذوذ الجنسي أمر مخالف لتعاليم الكنيسة، ثم مضى يقول: (أن تقول ببساطة إنه مخالف للتقاليد ولتعاليم الكنيسة وللكتاب المقدس لا يعني بالضرورة أنه خطأ. إننا نعبد إلهاً حياً، وهذا الإله هو الذي يقودنا إلى الحقيقة) . ذكَّرت إخواننا المصلين في خطبة جمعة خطبتها بعد هذا الخبر [١] ، بحديث الرسول ﷺ : «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» . قصدت بهذا أن لا نستغرب إذا جاءنا ممن يدعي الإسلام من يقول كلاماً مثل هذا أو قريباً منه، كأن يقول مثلاً: إن كون قول أو فعل ما مخالف لما كان عليه المسلمون، ومخالف للأحاديث النبوية، ومخالف لآيات القرآن الكريم لا يعني بالضرورة أنه خطأ. أقول إن مثل هذا هو المسلم الذي يرضى عنه بعض هؤلاء الذين يتحدثون عن التشدد وعن الأصولية وعن الوهابية. ألم يقل الله تعالى لنبيه ﷺ : [وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً] (الإسراء: ٧٣) . ثم ألم يقل الله تعالى عن بعض اليهود والنصارى المصرِّين على كفرهم: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] (البقرة: ١٢٠) ؟ ويبدو الآن أن اتباع ملتهم ليس محصوراً في اعتقاد ما يعتقدون، ولكنه يشمل طريقتهم في فهم الدين وتحريفه. فكل من يتبع منهجهم هذا في تحريف دين الإسلام وعدم أخذه بقوة كما أمر الله فهو ممن يرضون عنه. يظهر عدم رضاهم عمن لا يأخذ بمنهجهم في فهم الدين الإسلامي في كلام كثير منهم. ولعل من أوضح ذلك ما ذكره الرئيس السابق كلينتون في محاضرة ألقاها بجامعة مشهورة في واشنطن العاصمة هي جامعة جورج تاون، وقد كنت أشرت إليها في بعض المحاضرات، ثم ناقشت أجزاء منها بشيء من التفصيل مع بعض الشباب بمقر دار الأرقم بواشنطن. مما قال كلينتون في تلك المحاضرة أن الخلاف الأساس بيننا وبينهم - يعني المسلمين أو جماعة منهم - هو تصورنا لطبيعة الحقيقة. فنحن نعتقد أنه لا أحد يعلم الحقيقة كلها، ولذلك نرى أن كل إنسان له اعتبار. أما هم فيرون أنهم يعرفون الحقيقة كلها، ولهذا يرون أنك إذا لم تكن مسلماً فإنك كافر، وإذا كنت مسلماً ولم توافقهم فأنت مبتدع، وأنك في الحالين هدف مشروع حتى لو كنت طفلة في السادسة من عمرها. كان مما قلته في تلك المحاضرة [٢] أنه إذا كان المقصود بالحقيقة كلها معرفة كل شيء فنحن أول من يعترف بأن هذا أمر لا يتصف به بشر؛ وإنما هو من صفات الله تعالى، وحتى إذا كان المقصود به معرفة كل شيء عن بعض الأشياء فنحن نؤمن بأن الله تعالى هو وحده المحيط بكل شيء علماً. إننا لا نعرف كل شيء حتى عن ربنا الذي نعبده؛ فإن من أسمائه ما استأثر هو وحده بعلمه. لكن ما نعرفه عنه سبحانه وإن كان قليلاً فإنه يكفي لإقناعنا بأنه هو وحده الذي يستحق أن يُعبد، وأنه هو الذي أنزل القرآن على محمد ﷺ . وكذلك ما نعرفه عن أمورنا الدنيوية ولله المثل الأعلى هو أيضاً كاف لاستفادتنا منها. فنحن قبل أن نعرف أن الماء مكون من هيدروجين وأكسجين كنا نعرف أنه يروي الظمأ وأنه ضروري لإنبات الزرع، وأنه ينقي من الوسخ، وهكذا. فمحدودية العلم لا تعني نسبية الحقيقة، بل إن فيما نعرفه ما دام حقاًَ البرهان القاطع على أن نقيضه باطل. وكان مما قلته أن الكفر معناه إنكار الحقيقة، أو إنكار ما يزعم أنه حقيقة. فالذي ينكر أن محمداً رسول الله مع علمه بذلك منكر لحقيقة فهو كافر، والذي ينكر أن يكون غير الله مستحقاً للعبادة هو في التعبير القرآني كافر بالطاغوت. وقلت أيضاً إن أساس علاقتنا مع من لا يؤمن بالإسلام هي دعوته إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، ومجادلته بالتي هي أحسن، وأننا لا نقتل إنساناً لمجرد أنه كافر وإلا لما بقي في العالم منهم اليوم عين تطرف. ثم كيف يأمرنا ديننا بقتل كل كافر وهو يُحل لنا الزواج بالمحصنات من أهل الكتاب؟ أفنعقد عليها ثم نسلُّ سيفنا لنضرب عنقها؟ أما الأطفال فهم في حكم ديننا مسلمون؛ فلماذا نقتلهم؟

стр. 4686

ندوات حداثة أم حداثيون؟ نظرة في السياق العربي (٢ ـ ٢) إعداد: وائل عبد الغني * ضيوف الندوة: أ. د. إبراهيم الخولي: أستاذ الأدب والنقد بكلية اللغة العربية جامعة الأزهر. أ. د. مصطفى حلمي: أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية دار العلوم جامعة القاهرة. د. علاء عبد العزيز: المدرس بمعهد التمثيل بالقاهرة. أ. محمد إبراهيم مبروك: الكاتب الإسلامي المعروف. * مقدمة: جاءت الحلقة الأولى بحثاً في السياق الغربي وتطوراته التي أنتجت الحداثة، كيف تطورت الأفكار وسارت الأمور، وماذا خلفت من سلوك اجتماعي، وخلصنا إلى أن الحداثة خصوصية ثقافية متصلة بالسياق الغربي.. وفي هذه الحلقة نبحث في الحتمية التي يحاول بعض الحداثيين أن يدعيها لتطبيق أو فرض الحداثة على العالم الإسلامي والعربي، ونقلب النظر في واقع الحداثة العربية وأهم ما تحمله من قضايا وأفكار، ونستهل هذه الحلقة بتساؤل يطرح نفسه: البيان: هل يمكن تصور حداثة عربية كما يقول بعضهم؟ - د. إبراهيم الخولي: ليس هناك ما يمكن أن نسميه حداثة عربية على التحقيق.. بل ولا يوجد حداثيون عرب، لدينا دعاة حداثة عرب، ونسبتهم إلى الحداثة نسبة المقلد لا المنتج أو المبدع، فهؤلاء لم يقدموا فكراً مستقلاً، وإنما نقلوا عن الغرب دون أن يراعوا خصوصية مجتمعاتهم، فهؤلاء ليس لهم جهد فكري مستقل في هذا الباب. - أ. محمد مبروك: الحداثة تطور عن العلمانية الغربية التي تقتصر على العقل الإنساني وتجتنب القداسة بترك المسيحية، وإذا كانت قد تعايشت مع المسيحية فلا يمكن هذا مع الإسلام؛ لأن الإسلام منهج كامل غير قابل للتجزيء. الإسلام والعلمانية نقيضان، ومما وقع عليه الاتفاق بين العلماء والمفكرين العرب أن العلمانية كفر، وما أجمل الإشارة في هذه النقطة إلى قول الدكتور محمد البهي وكان وزيراً للأوقاف في كتاب له: «العلمانية أخذ بعض الدين وترك بعضه؛ فهي كفر» ، وهذا يعدُّ موقفاً رسمياً في الدولة، ومما يزيد الأمر حجية على العلمانيين عندنا أن هذا المؤلِف إلى جانب منصبه الرسمي حائز على دكتوراه الفلسفة من ألمانيا؛ بمعنى أنه محيط بهذه القضية من الناحية الشرعية ومن الناحية الفلسفية. البيان: وماذا عن قول بعضهم إن العقل الحداثي العربي قد تحول من استهلاك الحداثة الغربية في الثمانينيات إلى بناء نموذج عربي مستقل في التسعينيات؟ - د. علاء عبد العزيز: هذا كلام غير معقول؛ لأن الحداثة مبدئياً تعني القطيعة مع التراث؛ فكيف ستتطور عنه وهي في قطيعة كلية معه، ثم كيف ستكون عربية وهي لم تتحرر من النظريات والمصطلحات والأفكار التي ولّدها السياق الغربي، وجميع ما يردد في المحافل الحداثية مستورد ليس إلا، نحن لا نطعن في توليد نموذج عربي، بل نطعن في وجود ما يمكن أن يسمى حداثة عربية مستقلة؛ لأن ما أحدث القطيعة المعرفية مع التراث في الغرب غير موجود في تاريخ العالم الإسلامي.. في المجتمع الإسلامي تشيع حالات من التراحم والتكافل، جنبته ويلات الصراع الطبقي الموجود في الغرب، ولهذا فإن ماركس لم يستطع أن يطرد نظريته على العالم الإسلامي، وتهرب بتسميته نمط إنتاج آسيوي. الأوقاف على سبيل المثال، وهي جزء من نظام عام للتكافل الاجتماعي في الإسلام، كان لها دور مهم للغاية في تجنيب العالم الإسلامي ما حدث في الغرب من صراع، وقد ذكر بعض الباحثين أن ثلاثة أرباع أراضي الدولة العثمانية كانت أراضي أوقاف وليست ملكاً للدولة؛ إذن هناك مجموعة من المكونات هي التي أوجدت القطيعة والتمرد على التراث ورفض الدين في الغرب، هذه المكونات ليس لنا بها أدنى صلة لا تاريخياً ولا دينياً ولا حضارياً، ومن ثم فمن غير المنطقي أن تطبق نظريات الحداثة على مجتمعات خالية من الظرف التاريخي الذي ولّد الحداثة. - أ. محمد مبروك: العالم الإسلامي في هذه المرحلة يفتقد وجود مفكرين وفلاسفة يتطورون لكي يأتوا بفكر جديد يناسب المرحلة، أما ما يحدث ففي تصوري أن هناك مجموعة من المتمردين على الدين لا يحبون الله، يريدون أن يصنعوا لأنفسهم إطاراً موضوعياً يحتمون به، لذلك قاموا باستيراد فكرة الحداثة من الغرب، وأخذوا منها ما يتناسب مع مشروعهم الانتهازي في تدمير النسيج الإسلامي القوي وترويج وجودهم الإلحادي.. في الماضي كان المتمردون والزنادقة قلة، ونتيجة لتمكن الدين كان يتم اجتثاثهم سريعاً سواء بالعقل أو بغير العقل.. ولكن بالنسبة للعصر الحديث، فهناك قوى كبرى في الغرب يحتمون بها، ومن هنا كان من طبيعة الأشياء أن يميل هؤلاء إلى الحضارة الغربية، ويشعرون بالانتماء إليها لأنها هي التي تناسب مسلكهم، فيجب أن يلتحقوا بها، ومن ثم جاء الموقف متسقاً مع ما يعتقدونه؛ لأن من لا يؤمن بالله سيبحث ولا بد عن النسق الفلسفي الذي يمكن أن يتطور فيه، فهم انساقوا وراء النسق الفلسفي الغربي، واعتبروا كل ما يتطور إليه النسق الفلسفي الغربي يمثل التطور الفلسفي للعالم، فالقضية ليست غرباً وشرقاً، ولكن ما يمثل أقصى تطور للفكر الإنساني يرون تعميمه على العالم كله، فهم كانوا متسقين مع أنفسهم حين أرادوا أن يصنعوا إطاراً موضوعياً لإلحادهم وعلمانيتهم، فالتجؤوا لآخر موضة موجودة في الغرب والتي تسمى الحداثة، هل هم أخذوا الحداثة كتطور للمجتمع عندنا؟ هذا غير صحيح مطلقاً، ولكن لأنهم يؤمنون أن ما ينتج عن المجتمع الغربي يمثل الإنسانية جمعاء اعتبروا أن الحداثة تمثل فكرهم، فاستوردوها، هذا من الناحية الموضوعية.. أما من الناحية الأخلاقية فالذي حدث هو أنهم تمسحوا بها، وأخذوا ما يتناسب مع مشروعهم الانتهازي في تدمير النسيج الإسلامي القوي، وتسويغ وجودهم الإلحادي. - د. إبراهيم الخولي: ما يسمى الحداثة العربية أو نقل الحداثة الغربية إلى المجتمع الإسلامي؛ هو بمثابة نقل أعضاء لجسم هو يرفضها ولا يمكن أن يتقبلها، فالسياق التاريخي والفكري والاجتماعي مختلف، ولمثل هذا النقل أمثلة في تاريخنا، مثل كتاب (نقد الشعر) الذي ترجمه «قدامة بن جعفر» ، وكتاب (الشعر) لأرسطو الذي ترجمه «متى بن يونس» ، وكان ذلك في وضع قوة الدولة الإسلامية التي كانت تستقبل استقبال الناقد المتفحص الذي يأخذ ويرمي وينقي ويترك، ثم يهضم، ثم يضيف فيخرج للبشرية ما لا قِبَل لها بأخذه في البداية، ولذلك رفض المجتمع كتاب (نقد الشعر) لتأثره بالفكر الأرسطي، ولننظر كيف الغرق في الهزيمة الفكرية، هذا إذا لم نذهب إلى أبعد من ذلك، وكم هو البون بينهم وبين «السيرافي» شارح كتاب سيبويه حين ناظر «متى بن يونس» لمَّا تفاخر بالمنطق اليوناني، وأن العرب لم ينتجوا منطقاً كالمنطق اليوناني، رد عليه السيرافي وقال: جهلتَ.. فليس المنطق إلا نحواً إلا أنه مسلوخ من العقل، وليس النحو إلا منطقاً إلا أنه مسلوخ من اللغة، وسأسألك عن حرف الواو، وأدلك على أسراره واستخداماته ... إلى آخر كلامه، فأين منطق (أرسطو) من النحو العربي. فالحداثيون يجهلون التراث الإسلامي العظيم؛ لذلك فهم يعادونه لأن الإنسان عدو ما يجهل، فأنا لا أخشى من دعوتهم فهي ستزول كما زال السابقون، أما حداثة الغرب فهل تستحق من المجتمع الإسلامي كل هذه الجلبة والضجة التي يثيرها الحداثيون العرب؟ لقد ماتت في بيئتها ودخلت المتحف لا لتحيا فيه وإنما لتتحلل وتبيد. - د. علاء عبد العزيز: القطيعة المعرفية مع التراث الإسلامي وضعت المتأثرين بها في منطقة غائمة، فهم ليسوا غربيين، في الوقت الذي هم فيه مفرغون تماماً من تراثهم الحقيقي التراث الإسلامي أو الحضارة الإسلامية الفاعلة فيه، فلا هم إلى هؤلاء ولا إلى أولئك، ومع هذه القطيعة تمتد أيدي الحداثيين ليقيموا علاقة مع هوية أبعد وتراث أقدم كالفرعونية والآشورية والفينيقية والكلدانية بإذكاء النزعات العرقية والإقليمية في مناهج التعليم وفي الإعلام، ويشوشوا بها على الانتماء الإسلامي، وهو ما أطلق عليه حامد ربيع ﵀ اسم: «التسميم السياسي» . - د. مصطفى حلمي: الغرب لا يريد لنا أن نصبح على صورته الحداثية، وإنما هو يفرض صورة من الحداثة تناسب جو المستعمرات تبقي على هذا العالم سابحاً في ركاب الغرب دون أن يبلغ ما بلغه الغرب من تقدم؛ لأن وجود منافس حضاري للغرب مسألة مرفوضة منه تماماً، وأي محاولة حقيقية للنهوض تقابل بقسوة وعنف من الغرب، ومن هنا نلفت النظر إلى أن المعركة في مسألة الحداثة في عالمنا تدور حول القيم والأخلاق، أما مسألة التطوير والتقنية فهي خارج نطاق الحداثة، بل على العكس نجد أن كل الاتفاقيات تسعى لتغيير العادات والتقاليد والقيم، بينما يحرص الغرب على توسيع الهوة بيننا وبينه فيما يخص الجانب التقني، فهي حداثة انتقائية يراد فرضها علينا؛ فهل يمكن مع هذا تصور أن هناك حداثة عربية؟! وأنى لها الاستقلالية وهي تمثل قطيعة تامة مع التراث العربي. - د. إبراهيم الخولي: اللعب بالمصطلحات مسألة تحتاج إلى معالجة وتأصيل.. حين يثور الحداثيون على قيم الإسلام باسم التقدم؛ لا يعنون سوى التقدم المادي الذي يحوّل الإنسان إلى كائن يعيش على معدته وفرجه ويعيش لهما، لكن التقدم في المفهوم الإسلامي تقدم الإنسان في إنسانيته حتى يسيطر بإرادته على غرائزه، يصبح صاحب قيمة.. صاحب نظرة فلسفية في الوجود.. يعمل بعلم، يؤمن بقيم، ينتهي به إلى أن يخرج من الأنانية المنحطة في التكوين الإنساني إلى الإيثار الذي هو قمة التسامي، هذا هو التقدم، هل بوش راكب الشبح أكثر تقدمية بالمفهوم الإنساني البحت؛ من محمد بن عبد الله ﷺ راكب الجمل أو الناقة؟! محمد بن عبد الله ﷺ الذي يقول: «دخلت امرأة النار في هرة حبستها» ، ويخبرنا في حديث آخر عن بغيٍّ عاشت فاجرة، رأت كلباً في الصحراء يأكل الثرى من العطش فرقت له ونزلت إلى البئر فملأت خُفَّيْها وظلت تناوله؛ حتى شرب وهدأ واطمأن، فشكر الله لها فغفر لها، هذه هي التقدمية. لكن تقدمية المادة وتقدم العلم التجريبي ما ثمرته؟ لم يزد عن أن طور مطعم الإنسان وملبسه ومسكنه ليصبح مثله مثل البقرة في قصر من ذهب، بينما لو وُضع الراعي في حظيرة البقر وكان إنساناً يظل إنساناً متقدماً، هذه هي المعايير.. أما اللعب بالمفاهيم واللعب بالألفاظ فهي أولى خطوات الغزو الفكري، وأول مرحلة في تهيئة العقل المسلم للتقبل السلبي، وشحن المصطلح الجديد بما يغري. - د. مصطفى حلمي: هناك شهادة مهمة لأرمسترونج تقر بوجود حداثتين أحدهما تابعة والأخرى متبوعة، وتوجه لكلا النموذجين فتقول: «لم تكن المعضلة هنا تختلف عن معضلة الكثيرين في البلدان النامية ممن لا يفهمون الثقافة الغربية إلا فهماً سطحياً دون أن يستطيعوا الانتماء الحقيقي لثقافتنا التقليدية بسبب التأثير المدمر الذي أحدثته الحداثة بأساليب حياتنا المقدسة، فالحداثة في الغرب تتميز بالاستقلال والتجديد، أما في مصر وإيران فارتبطت بالاعتماد على الغرب ومحاكاته كما وعى هذا الإسلاميون وعياً شديداً» ، فالتبعية موجودة لكن الفرق يزيد الصورة العربية تشوهاً وانحطاطاً؛ لأن هؤلاء حين ثاروا على ثوابت الإسلام لم يلبثوا أن سقطوا في أسر قيود التبعية للغرب، وهي أكثر قهراً وأكثر إيلاماً من كل ما يطعنون به زوراً على الإسلام. البيان: يدعي بعض الحداثيين إمكانهم التعايش بين الحداثة والإسلام، أو إمكانية الجمع بين التراث والمعاصرة؛ بينما يسفر بعضهم عن استحالة ذلك ويدعو إلى الإجهاز كلية على التراث طلباً للتقدم، أي الموقفين معبر عن حقيقة الحداثة؟ - أ. محمد مبروك: الجمع ما بين التراث والمعاصرة والتراث والحداثة أمر مستحيل في القواعد الغربية نفسها؛ لأن الحداثة تنطلق أصلاً من القطيعة مع الماضي ومع الفكر الإنساني؛ فكيف سيفلح الجمع بين التراث والمعاصرة؟! أما بالنسبة لمجتمعاتنا فقد ظهر أن الحداثة هي تطور للسياق العلماني، وبما أن ١ + ١ = ٢، والعلمانية تتناقض مع الإسلام؛ فالحداثة كفر ولا نحتاج إلى جهد كبير لإثبات أن الحداثة كفر، ربما قالوا إن الحداثة تمثل الخط الإيجابي التقدمي للمجتمعات البشرية؛ بحيث إن انتقال المجتمعات إلى المدنية الحديثة يعني المزج بين الحداثة والتحديث، مسألة التحديث مفارقة تماماً عن مسألة الحداثة، التحديث يتعلق بالتقدم التكنولوجي للمجتمعات، أما الحداثة، كما تظهر من خلال تطور السياق التاريخي لها، فهي على علاقة بتطور الفكر العلماني ووصوله إلى مرحلة العجز والتمرد، فلماذا الجمع بين هذا وذاك؟! أما بالنسبة للتحديث نفسه؛ فأنا أرفض القول بقبول التحديث على صورته الغربية بشكل كامل، صحيح أنه لا يمتزج كلية بالحداثة، لو أتينا إلى التعريفات الحقيقية للحداثة من الناحية الفنية البحتة؛ نجد أن الحداثة ثورة على التحديث في الغرب، والحداثة ثورة على المدنية الغربية وعلى المدنية البرجوازية، ونحن لم نزل في عصر الرأسمالية البرجوازية، فالحداثة ثورة على التحديث؛ فكيف يمزج هؤلاء بين هذا وذاك؟! ولا يعني ذلك أننا نوافق على التحديث بصورته ومنطلقاته الغربية، فالتحديث نفسه صنع في إطار التوجهات في تطور المجتمع الغربي البرجوازي، وهذا بالطبع سيختلف في تطور المجتمع الإسلامي، ولذلك حتى التحديث نفسه أنا لدي عليه العديد من الإشارات والتحفظات. البيان: التمرد على المقدسات هو المقدس الأكبر لدى الحداثيين، وهذا شائع في أدبياتهم بدءاً بصلاح عبد الصبور الذي يصوّر الحلاج بطلاً ثائراً في مسرحية، ومروراً بالسيّاب في قصيدة يجعل فيها من وجود الله - تعالى الله عما يقول - خرافة يتلهى بها في شعره، وأمل دنقل في قصيدة يمجد فيها الشيطان الذي قال لا في وجه من قالوا نعم، ونزار شاعر الخصور والخمور، وغيرهم ممن يتغنى بالجسد ويقدس الشذوذ.. وتدنيس القداسة وتقديس الدنس لديهم سواء، هكذا الإبداع لديهم، الصورة القريبة لدينا رواية الوليمة وأخواتها اليمنية والأردنية، في التطاول على ذات الله تعالى وعلى القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم. - أ. محمد مبروك: هذا يؤكد لدي أهمية أن نركز في مواجهة الحداثة على موقفها من الإسلام أكثر من تركيزنا على موقف الإسلام منها، فالأهم من وجهة نظري أن نكشف عن حقيقة موقف الحداثيين من الإسلام؛ لأن ذلك يكفينا مؤنة كثير من المعارك التي يمكن أن يجيرها الحداثيون لصالحهم تحت حجة مواجهة التكفير، أو غيرها من الحجج. - د. إبراهيم الخولي: هل هي مصادفة أن يكون عامة الحداثيين في بلادنا من اليساريين ومن المراكسة على التحديد، لن نطعن في ضمير أحد، فالضمائر لله، لكن عندما يصنف هؤلاء ويعلنون بألسنتهم وأقلامهم ويفخرون أنهم مراكسة، وأنا أقول لا يمكن أن نقبل دعوى ماركسي أنه ماركسي ومسلم، إن كان ماركسياً فليس بمسلم، وإن كان مسلماً فلا يمكن أن يكون ماركسياً؛ لأن جذر الماركسية الإلحاد. - د. مصطفى حلمي: معاداة الحداثيين العرب للإسلام جاءت بسبب نشأتهم نشأة فلسفية على أساس أن الفلسفة في جانب والدين في جانب، بينما جاءت المذاهب الفلسفية المختلفة في الغرب متأثرة إلى حد بعيد بالعقيدة النصرانية، فـ (روسو) يدين إلى البروتستانتية والكاثوليكية، كما دان (كونت) إلى تقواه، أما (ديكارت) صاحب مبدأ الشك الذي أسيء استخدامه، فقد تلقى تعليمه من جماعة (الجزويت) ، والتي يصفها (برتراند راسل) بأنها جماعة تتسم بالإخلاص الكامل للقضية والمهارة في الدعاية، وكان لاهوتهم هو اللاهوت المضاد للاهوت البروتستانت. (روسو) صاحب (العقد الاجتماعي) كان له كتاب آخر حول «عبقرية المسيح» ، ويصف (برتراند راسل) طريقة (روسو) في الدفاع عن الاعتقاد الديني بالقوي، وله عبارات كثيرة تدل على اقتناعه بعقيدة البروتستانت المحدثين؛ منها قوله: «أنا لا أستنبط هذه القواعد (قواعد السلوك) من مبادئ فلسفية عالية، ولكن أجدها في أعماق قلبي، كتبتها الطبيعة بحروف لا تنمحي» . ويقول في رسالة إلى سيدة أرستقراطية لديها شك في الإله: «انظري إلى شروق الشمس وهي تبدد الغيوم التي تغطي الأرض، وتكشف عارياً منظر الطبيعة اللامع، تبدد في عين اللحظة كل سحابة من نفسي، أجد إيماني من جديد، وإلهي واعتقادي فيه.. أنا أعجب به أعشقه وأخر ساجداً في حضرته» . (روسو) يصفه (مل بترو) بأنه راهب سافوي: «إني أعترف لكم أن قداسة الإنجيل حجة تتحدث إلى قلبي، ويؤسفني ألا أجد صددها رداً حسناً انظروا إلى كتب الفلاسفة بكل ما تحمل من دلائل؛ فما أصغرها إلى جانب هذا الكتاب، إنكم تعارضونني بـ (سقراط) وحكمته وعقله، ولكن ما أبعد الشقة بينه وبين ابن العذراء المسيح» . - أ. محمد مبروك: لا يمكن أن ننفي حضور المسيحية في تراث الحضارة الغربية، ولكن لو تحدثنا عن الفكر الأساسي الذي يوجه النخبة، فهذا الفكر إلى ما قبل العصر الذي نعيشه الألفية الثالثة يتطور داخل السياق العلماني، وإن يكن بعض الفلاسفة البارزين لم ينفصلوا عن التأثر بالمسيحية؛ خصوصاً المثاليين من العلمانيين إشارة إلى (ديكارت، بركلي) ، والإشارة إلى (روسو) لها قيمتها؛ لأنه يمثل وضعية خاصة داخل إطار مدرسة الاستنارة؛ لأنه كان الاستناري الوحيد المتمرد على فلاسفة الاستنارة، وكانت مشاكله مع (فولتير، وبورون، ودلامير) شديدة الخطورة، هذا من ناحية.. وإن كنت أشكك في حقيقة ادعاء (روسو) ميله للمسيحية الغربية. أما بالنسبة للواقع المعاصر فحين نتكلم عن مراحل الحداثة، أعتقد أن هناك علاقة بين الميل إلى المسيحية مرة أخرى وبين الآثار النهائية لفكر ما بعد الحداثة التدميري، ومحاولة الغرب التحول إلى سياق آخر من العلمانية، وإن يكن ما زال كل اهتمام الغرب بالدين هو اهتمام يدخل في طريقة التعامل البراجماتية النفعية مع الدين كنوع من التأويل الذي يتناسب مع اللذة والمصلحة والمنفعة. البيان: في التعامل مع النص الشرعي؛ كيف تكون مسلك الحداثيين في ظل القطيعة؟ - د. إبراهيم الخولي: بداية إذا كان هدفنا من دراسة الكتاب والسنة الوقوف على مراد الله من خطابه، فهم ينفون القصد جملة؛ إذن دخل عنصر جديد، ومعنى هذا أنه لا يعنيهم في تناول القرآن الكريم أو تفسيره أن يسألوا ما مراد الله من هذه الآية ماذا تعني: [الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ] (النور: ٢) ؛ ماذا يعني: [وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّه] (المائدة: ٣٨) ؛ إذن ليس الهدف الآن معرفة مراد الله من هذا الخطاب، وبالتالي آيات الأحكام تسقط.. ليس هناك آيات تشريع.. تسقط ويصبح النص القرآني كأي نص قابل للتأويل، وهذا يدخلنا في التأويلية والتركيز على المتلقي، والمتلقي في النهاية سيقرأ قراءة فاسدة وجميع قراءات النص تكون بذلك قراءات سيئة، وهذا يفضي إلى فوضى القراءة، ويصبح القارئ هو الذي يصنع النص، والنص يصنع بعدد قرائه.. أي فوضى هذه وماذا بقي؟ وتذهب: [فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ] (النحل: ٤٣) هباءً، ومنهج المسلمين الذي علمه القرآن إياهم أن من القول محكماً ومتشابهاً، وعلمهم منهج التناول، وكيف تحل إشكالية المتشابه بحمله على المحكم فيذهب إشكاله: [هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغ] (كالحداثيين والتأويليين) ، [فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ] (ليس إيمان تسليم فقط، لكن تسليم مع) [كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا] (آل عمران: ٧) ، فنحمل المتشابه على المحكم فيزول الإشكال.. [يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ] (الفتح: ١٠) ، تحمل على: [لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ] (الشورى: ١١) ، وتحسم القضية.. هذه الأصول ينسفها الحداثيون نسفاً. - د. علاء عبد العزيز: مسألة موت المؤلف تنتهي بنا إلى نزع القداسة عن أي كتب سماوية، إذا كانت المسيحية الغربية نزعت القداسة عن الكتاب ودخلت في دائرة الهرمنيوطيقا كما عند (شوماخر) وندخل في الدائرة العريضة لأسباب التأويل، التأويل ارتبط أصلاً بالنص الديني قبل أن يرتبط بالنص الأدبي، لكنه انتقل إلى النص الأدبي، ثم أتى الحداثيون العرب ليقلبوا المسألة ويأخذوه إلى تأويل القرآن، ويبدؤون في عياثة الفساد زاعمين أنه نص قابل للتأويل والدراسة كما لو كان كتاباً أرضياً. الكارثة أننا نأخذ هذه المقولات أمراً واقعاً ونسلم بها، الأخطر من ذلك أنه ليست هناك اجتهادات فردية، ولكن هناك شبه نظام مؤسسي يؤيد هذه المقولة ويدعمها ويرددها ويفتح لها الأبواق؛ إذن المسألة ليست مجرد اجتهادات من مجموعة من أفراد حداثيين، وإنما تشعر كما لو كان هناك مؤسسة حداثية تتحرك في السينما والمسرح والأدب والشعر والموسيقى. البيان: وجّه أحد المثقفين اتهاماً للقائمين على الثقافة في بلاده بأنهم ليس لديهم أي رؤية أو خطة أو تصور لتوجيه الثقافة خلال السنوات المقبلة، وهذا ما اعترف به وزير الثقافة، ألا يعد هذا تناقضاً بين واقع الحداثيين وبين ما يدعونه من تنوير وثقافة؟ - د. إبراهيم الخولي: هذا من طبيعة الأمور، فعدم امتلاك الرؤية يتماشى مع العبثية التي يحياها الحداثيون قلباً وقالباً، فهم لا يملكون سوى الشعارات والإلهاء، وهي حيلة المفلس، لقد فشل الحداثيون في جميع المشاريع التي رفعوها، ولم تزد عن أن تكون شعارات للاستهلاك الزمني لتخدير الأمة للانصياع لهم، ما تلبث أن تنكشف فتسقط ثم يرفع غيرها إلى حين، وإذا نظرنا إلى طبيعة الفكر الحداثي وجدناه ثورة على النظم والقيم، وإشاعة لروح التفسخ والانحلال، أو ما يسمونه في الغرب التفكيك، فلا غرابة عندي من افتقاد هؤلاء لأي رؤية هادفة. البيان: كيف يمكن أن نقرأ الواقع الحداثي في ظل التناقضات الحاصلة؟ - د. إبراهيم الخولي: تناقضات المشهد الحداثي ومفارقاته لا تنتهي، وكل منها يعد فضيحة جديرة بأن تسقط دعاة هذا الفكر في بلادنا، وكثير منها يحتاج إلى تأمل، وتستثير السخرية. فبينما هي تبشر الإنسان العربي بالحرية؛ إذ جاءت سحقاً للإنسان وافتئاتاً على الأمة المسلمة في امتلاك قرارها، وحيث يكون الكفر والشذوذ مطلباً ومأرباً تكون الحرية هي الشعار، وحين تصرخ الأمة بالأخذ على أيدي المفسدين وتطالب بالحرية المزعومة يرفعون شعار: «لا حرية لأعداء الحرية» ، وهكذا نلحظ مفارقة ثانية هي خطيئة لدى الحداثيين حين تتحيز الحرية في مفهومها إلى حرية معينة يؤمن بها الحداثيون ويسعون إليها دون غيرها، ومن المعلوم أن النسبية التي يؤمنون بها تقتضي غير ذلك. وحين ترفع الحداثة شعار التسامح نجد أن الحداثيين من أشد الناس عصبية وشراسة وعدوانية مع مخالفيهم وخصومهم، وهذا متسق مع المسلك الغربي الذي يدينون له تماماً، ولا نفهم كيف يكون التسامح في ظل نسبية الأخلاق أو قل انعدامها، ومن يعايش الواقع الحداثي أو يتابعه سيرى تورم الذات والعدوانية والشللية والإرهاب الفكري واستبعاد الآخر وإقصاءه، ليس مع المخالفين من غير الحداثيين فحسب بل حتى مع أبناء ملتهم من الحداثيين. وإذا كان الحداثيون يرفضون التراث بزعم امتلائه بالأساطير والخرافات؛ فلماذا تشحن أعمالهم بالأسطورية سواء في الفن أو الأدب والشعر، ويرون في أساطير اليونان والرومان والهند والصين روائع يشاد بها وتضمن أعمالهم مفرداتها، بينما حقائق القرآن في نظرهم ميتافيزيقا وخرافات. وبينما هم منفتحون تمام الانفتاح على الآخر؛ تجدهم منغلقين عن ذاتهم الحضارية الأصلية المتمثلة في الإسلام وأهله، فتعاملوا كما لو كان الآخر هو ذاتهم، وذاتهم الأصلية هي الآخر، ومارسوا أقسى ألوان التشويه وجلد الذات معها بحق وبغير حق. ثم كيف يدعي هؤلاء التنوير وهم لا يملكون مشروعاً حقيقياً للنهضة وأعمالهم مبنية على الغموض والتفاهة؟ ويدّعون الجماهيرية وهم محبوسون في أبراج النخبوية العاجية؟ يرمون علماء الأمة بالكهنوتية وحراسة الأفكار واحتكار تأويل النص وهم برآء من ذلك؛ ثم نجدهم يمارسون الكهنوتية ويحرسون حداثتهم بالحد والحديد، فيسفهون عقول المخالف لهم بحجة أنهم وحدهم الذين بلغوا الشأو في فهم الحداثة، ويحتكرون الإبداع، ولا يطيقون أن يقترب أحد بالنقد لأعمالهم مهما بلغت من الانحطاط؟! ينفِّرون من الهوية الإسلامية بحجة طرح الرجعية جانباً من أجل التقدم، ولا يأنفون من الانتساب إلى حضارات بائدة حصرت الإنسان في المادة، وأشقته بالكفر وأرهقته بالظلم. يسخرون ويستهزئون بأحكام الإسلام بينما يحتفلون بالهندوكية ويدينون بالإعجاب للبوذية! ثم لماذا يتبنون الفكر الغنوصي وينشرون أدب جلال الدين الرومي وهرطقات ابن عربي، وتهويمات ابن الفارض، وكفريات الحلاج وأمثالهم من فلاسفة الحلول والاتحاد، ويجعلونها قرآناً ويقدمونها في ثوب التحرر، ويستخرجون من التاريخ صفحات الحركات السرية الهدامة التي شهدها التاريخ الإسلامي على يد القرامطة والزنج والحشاشين، ويقدمونها على أنها النموذج ويطمسون الصفحات المضيئة من تاريخ الأمة؟ البيان: الإبهام مفارقة من مفارقات الحداثة التي تدعي التنوير والتحضر، وهي سمة غالبة في شعر الحداثة ما سببها؟ - د. إبراهيم الخولي: ظاهرة الغموض والإبهام في أدب الحداثة يتصور في حصوله عدة أسباب: أولها: جهل أغلب الحداثيين باللغة ودلالات ألفاظها، وسبب ثان: ميل الحداثيين إلى نشر أفكارهم دون اصطدام بالأمة خاصة في حالات اليقظة وفي وضح الأمر، فهم يميلون نحو الغموض على طريقة الباطنية من أجل ترويج ما يريدون دون أن يلحقهم أذى. ومن الأسباب أيضاً العشوائية والعبثية والهذيان الفكري وعدم وضوح الهدف؛ حيث تشعر أن الواحد منهم لا يدري ذاته ماذا يريد، فهل يملك أحد من الحداثيين أن يجيبنا: كيف يكون الإبهام المطبق تنويراً؟ ومن هنا اضطر الحداثيون لفتح باب التأويلية والبنيوية والتفكيكية، وهو ما أدى إلى الفوضى وما بات يعرف بالتشظي. - د. مصطفى حلمي: الحداثيون يجعلون من الإبداع قيمة مطلقة تفوق كل القيم، حتى ينفتح لهم الباب للنيل من عقائد الأمة وأخلاقها وتدنيسها، ومن يكشف جرمهم يرمونه بقائمة من الاتهامات المسبقة؛ كممارسة التكفير وشهوة تصنيف الناس والجهل بالإبداع والرجعية والتخلف والظلامية، ولو ساغ القول لقلنا إن الحداثيين يمارسون التكفير لكن وفقاً لمفاهيمهم هم، حين يتهمون غيرهم بالرجعية، أو الظلامية، وهم يتقنون كيل التهم والرمي بها جزافاً، وهم يرمون من وراء هذا إلى إسقاط المرجعية الإسلامية من المجتمعات واستبدالها بمرجعية هلامية يعلون فيها من الكفر والفسوق والعصيان باسم الإبداع، فيضيقون على العلماء والدعاة ويسلبونهم حق البيان الذي استرعاهم الله إياه. - د. علاء عبد العزيز: حين يُسقط الحداثيون المرجعية الإسلامية يلجؤون إلى مرجعية مستوردة بديلة؛ هذه المرجعية تتبطن أعمالهم سواء على مستوى الفن التشكيلي، أو على مستوى الأدب، أو على مستوى الشعر، أو على مستوى الفنون، هذه الأعمال تشيع أفكار ومفاهيم وآراء ووجهات نظر تشكل رؤية الإنسان للكون، وإذا كانت الثقافة هي نتاج للدين والأخلاق، فإن إسقاط الدين جانباً وإزاحة الأخلاق، فإن النظرة الكلية للكون والحياة تتبدل، ومن هنا يصدق القول بأن الحداثة ليست مجرد مذهباً في الأدب أو نظرية في الفن، وإنما هي نظرة شاملة للوجود. - د. مصطفى حلمي: أود أن ألفت النظر إلى المقابلة المصطلحية التي ذيل بها علي عزت بيجوفيتش كتابه «الإسلام بين الشرق والغرب» ، تكشف لنا كيف نعيش الصراع المصطلحي في حياتنا بين مصطلحات مادية وأخرى نصرانية - يروج لهما الحداثيون - وثالثة إسلامية، حيث نظرة الإسلام الشمولية للإنسان ككيان يجمع بين الروح والجسد، بينما تتعامل المادية مع الإنسان كجسد، النصرانية مع الإنسان كروح: فالضرائب ومصادرة الملكيات في المادية / يقابلها الإحسان والصدقة في النصرانية / ويقابلهما في الإسلام الزكاة. ويقابل الإنتاج / الصلاة التأملية في النصرانية / والصلاة في الإسلام. ويقابل المدرسة والمعمل في المادية / المدرسة والدير والمتحف الفني في النصرانية / ويقابلهما في الإسلام المسجد والمدرسة. والقوة / المعنويات / الشريعة. الصراع الطبقي والعنف في استخدام المصلحة / الحب واللاعنف / العدالة والجهاد. الفارس المناضل السياسي البطل / القديس والراهب / الشهيد. اخلق رغبات جديدة في المادية / اقهر الرغبات في النصرانية. فكل منظومة مصطلحية من هذه.. تعبِّر عن رؤية كلية للوجود، هذه المصطلحات نجد أنه عبر الفن والإعلام والتعليم؛ يتم إزاحة المنظومة الإسلامية لصالح المنظومتين الأخريين. البيان: موقف الحداثيين من اللغة العربية موقف استعلاء واستبدال كلي ضمن المنظومة الحداثية القائمة على القطيعة؟ - د. علاء عبد العزيز: اللغة العربية هي الوحيدة التي تستطيع أن تتواصل خلالها مع تراث أجدادك حتى الشعر الجاهلي منذ ١٤ قرناً، فلو وقعت القطيعة التي يسعى إليها الحداثيون، وهجرت مفردات اللغة الأصلية؛ فإن ذلك يعني القطيعة مع القرآن والسنة والتراث، والدعوات إلى القطيعة سواء الداعية إلى استخدام الحرف اللاتيني في الكتابة بدلاً من العربية، أو إلى نشر العامية، أو إلى مزاحمة العربية بإحياء اللهجات غير العربية واعتبارها لغة رسمية، كما هو الحال في الأمازيغية، أو حتى تغريب العلم من خلال تدريسه بلغات أجنبية في التعليم.. كل هذا يرمي إلى قطيعة.. ربما لم نحس بخطرها على مستوى اللغة العربية بعد؛ لأن القرآن الكريم حفظ للغة العربية تواصلها عبر أجيال طويلة جداً، بينما في المقابل لو نظرنا إلى لغات أخرى كالروسية نجد أن تغييرها بقرار من (لينين) أحدث قطيعة مع التراث القديم للروسية، وكما فعل (أتاتورك) حين ألغى الحروف العربية واعتمد الحروف اللاتينية لكتابة التركية، فانقطعت صلة الأجيال الحديثة بتراثها، كذلك نصوص شكسبير في اللغة الإنجليزية القديمة لا يستطيع المعاصر أن يفهمها نتيجة لتطور اللغة وخروجها عن قواعدها الأصلية. ومن هنا تنشط الدعوات إلى نشر العامية من خلال مهرجانات ومسابقات للشعر العامي، وجعل العامية لغة سائدة في وسائل الإعلام لتجذر القطيعة مع العربية. وعلى مستوى الشعر نجد الاتجاه إلى الشعر غير المقفى، والشعر العامي لضرب جميع الأشكال المرتبطة بالتراث حتى على مستوى الشعر، ثم يتم التعامل مع اللغة من خلال نظريات مستوردة، وهذا يشوهها كثيراً، هذا القطع لماذا يأتي ومن أين يأتي؟ فإذا ما نظرنا إلى مردود هذا في الشارع نجده خطيراً للغاية. - د. إبراهيم الخولي: الحداثيون لا يدركون ماذا في نسيج هذه الحداثة أصلاً من تراثنا المسروق، ولو أخذنا (دي سوسير) مثالاً وهو أس وقاعدة البنيوية وما وراءها، لو أردنا أن نقيم مقارنات بين ما طرحه من فكر وبين ما كتبه عبد القاهر الجرجاني تحديداً في «الدلائل والأسرار» ؛ لقلنا إن (سوسير) يرى صورة عبد القاهر في مرآة نفسه وينقل منها، إن أساس فكر (دي سوسير) اللغوي هو التفرقة بين اللغة والكلام، وهذا ما طرحه عبد القادر تحديداً، وهو منطلق فلسفة عبد القاهر اللغوية والبلاغية، وإذا كان الغرب لا يزال حتى الآن يشقشق حول المعنى والمضمون والبنية، فإن عبد القاهر بضربة قاضية قضى على «ثنائية اللفظ والمعنى» منذ عهد باكر بـ «نظرية النظم» ، وقدم لنا نظرية لغوية بلاغية في آن معاً، وهذا ما لا نرى له نظيراً في كل شقشقات الغرب حتى انتهاء بـ (ريشاردز) الذي يسمى بأبي النقد الغربي الحديث، ثم ما أنتجته والحداثة ثم البنيوية وما إليها؛ انتهى به الأمر في النهاية إلى تخليهم عن كل ذلك. البيان: قضية المرأة قضية لها محوريتها ضمن أجندة الحداثة العربية خاصة في ظل العولمة، بما تحمله من هجوم على جميع القيم التي تحفظ للمرأة فطرتها وعفافها؛ سواء كان الحجاب أو الأسرة والزواج أو القوامة؟ - د. مصطفى حلمي: هذا دليل على التزام الحداثيين وعبوديتهم للفكر الغربي بالنسبة للمرأة؛ ما هى المرأة؟ هل هي كائن هلامي؟ ما مكانة المرأة في الإسلام؟ هي أمٌّ.. والرسول ﷺ يقول: «أمك.. أمك.. أمك» ، هي زوجة.. وفي الحديث: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» .. بالنسبة للابنة؛ معاوية ﵁ له قصة جميلة عندما رأى ناساً في حضرته يكرهون البنات فقال لهم: «لا تقولوا هذا إنها تفاحة القلب، هي التي تمرضني إذا مرضت، وتبكي عليَّ إذا مت» .. كما تكون خالة أو عمة.. إلخ وكلنا يعرف صلة الرحم، وهذا ما يجهله الحداثي. - أ. محمد مبروك: قضية الحجاب هل هي قابلة لأن يكون لها تأويل حداثي؟ - د. مصطفي حلمي: الأمر لا يحتمل التأويل بل هو الرفض للنص الإلهي. - د. إبراهيم الخولي: موقفهم من المرأة امتداد لمبدأ اللذة والشهوانية الذي يدينون به، حين تحتشم المرأة وتخفي زينتها وتتستر.. حين تعتز بطهرها؛ يُحرم هو من هذا التمتع الذي جعله الإسلام تمتعاً حراماً حين أمر بغضِّ البصر وحين وحين وحين ... ، هو يريدها سلعة مباحة، والمرأة الآن في المنطق الغربي سلعة مباحة.. بكل المعاني حين توضع فتاة الغلاف.. حين تستخدم في الإعلان، وحين تقدم في الحانات للمتعة، وحين يقال إن نص القرآن ليس فيه لفظ حجاب؛ فإن هذا كذب على الله، واتجار بأمور لا يفقهون منها إلا ما لقنهم أربابهم من المستشرقين؟ البيان: «الدياثة الفكرية» ، و «الإيدز الثقافي» مصطلحات شاعت في السنوات الأخيرة؛ تعبيراً عن الانفلات الثقافي في ظل الترويج للعولمة والسعي في أمركة المجتمعات الإسلامية.. هل يمكن تصور مقاومة من الحداثيين لفكر العولمة في ضوء ما يؤمنون به من أفكار؟ - د. مصطفى حلمي: لا يمكن للحداثيين بالطبع مقاومة فكر العولمة؛ لأن ما يؤمنون به من نسبية يفتح الباب على مصراعيه أمام قيم العولمة، بدءاً بالأخلاق وانتهاء بالولاء والواقع يشهد بهذا، وقد رأينا كيف تخلى كثير من اليساريين ممن أصيبوا بداء النسبية؛ تخلّوا عن عقيدتهم الثورية بغضِّ النظر عن صوابها أو خطئها في تقييمنا وانقلبوا دعاة للتطبيع والعولمة والقبول بهما كأمر واقع، أما القلة منهم إن وجدوا من دعاة القومية المستقلة الذين يرفعون شعار المقاومة فهم يعانون من مأزق التعارض بين ما يؤمنون به من نسبية وما ينادون به من خصوصية يمكنها أن تسقط المطلق الحداثي؛ إذ لا سبيل لتفضيل شيء على آخر وفقاً لنسبيتهم، ومن ثم فلا مجال للمقاومة لديهم، وهذا مأزق لدى البعض منهم، أما إذا تحدثنا عن عمالة الكثيرين كما لبعض الدوائر الغربية، كما أكدت عدد من الكتب الصادرة أخيراً في الغرب، اعتماداً على تقارير للمخابرات الأمريكية أُفرج عنها مؤخراً، عن تقاضي عدد من رموز الحداثة في بلادنا لمرتبات شهرية من المخابرات الأمريكية. البيان: وكيف نقرأ واقع المجتمعات الإسلامية في ظل سيطرة الفكر الحداثي على التوجيه الجماهيري؟ - د. مصطفى حلمي: هناك انقلاب وتبدل مستمران وكبيران في منظومة القيم بين الأجيال الناشئة التي تعاني اليوم أكبر أزمة في تاريخ الأمة، ملامح هذه الأزمة تتجلى في التبدل المستمر والسريع في طريقة التفكير ونمط الحياة، وفي الملبس والسلوك وفي الطموحات التي يرمي إليها الشباب، حيث تغلب فيها المادي على المعنوي، وتشيع السلبية والعزلة الاجتماعية، وتستبدل القيم الفردية محل قيم الأمة والجماعة، اليوم تسعى الحداثة قصداً وعمداً إلى إفساد مناخ التنشئة بمختلف أبعادها، وقد رأينا حصاد ذلك في تزايد الانحرافات الأخلاقية، وتزايد العنف وسيادة قيم الاستهلاك الترفي، واستغلال الإعلام استغلالاً قوياً في استمالة الشاب للحاق بالغرب، والسخرية من المقدسات باسم الترويح، بالإضافة إلى ما تعرض له الإعلانات من ثقافة بديلة، وإذا ما نظرنا في الأمر وجدنا أن الفن هو أخطر الأدوات التي نجح من خلالها الحداثيون في تشويه المجتمع وهويته على هذا النحو. البيان: سيطرة الحداثيين على الفن مكنهم من التوجيه الاجتماعي والقيمي، وهم اليوم بين متحدث عن مجتمع علماني فرضوه بالعصا والجزرة، ومتحدث عن ثنائية ثقافية، علمانية / إسلامية، وكلاهما مخيف ومفزع؟ - د. علاء عبد العزيز: الفن أخطر الوسائل التي استخدمت في التغيير الاجتماعي، وتغيير السلوك والعادات، حيث بدأت إعادة تشكيل الوعي في العالم الإسلامي أو العالم العربي مع بدايات ظهور السينما في العالم العربي على وجه التحديد بدءاً من مصر، وقد أمر (نابليون) (كليبر) بإقامة فرقة مسرحية، ودعا الناس إلى حضورها سعياً منه لتغيير عادات المصريين. ثم أتى الفن السينمائي، وكان لسان حال الغرب بعاداته وتقاليده، فالقيم الجديدة تأتي عن طريق الصورة وعليك أن تتلقاها، وأنت تتلقاها يحدث (التسريب اللاشعوري إلى الوجدان) ، فعند المشاهدة ترى رجالاً يحتسون الخمر في الإفطار.. تفاجئ بعادات وتقاليد غريبة على واقع المجتمع؛ رجال تقبل النساء، النساء ترتدي أزياء عارية ... ومع الوقت تحدث الإزاحة التدريجية للدين والقيم والتقاليد و.. و ... إلى الهامش، وتحل الصورة محل كل شيء في الاقتناع، ولهذا يصح القول إلى حد كبير إننا نحيا ثنائية ثقافية في حال غيبة الوعي في المجتمع. - أ. محمد مبروك: في رأيي أن الفن أخطر سلاح في العالم بعد القنبلة الذرية.. إذا لم يعِ الإسلاميون هذا فإنهم سيضارون ضرراً بالغاً، فهذا السلاح إذا لم تستخدمه أنت استُخدم ضدك، المصيبة الكبرى أن غالب المسلمين لا يعون هذا بالفعل، وأن هناك تكاسلاً وتغافلاً إسلامياً في هذا المجال، ونتيجة أني تغافلت وتكاسلت عن إنتاج إبداعات خاصة بي ومدارس فنية تتعلق بتياري، هذا أعطى فرصة للحداثيين أن تذاع مداركهم وأفكارهم، صحيح أنهم يُدعمون وأن هناك مؤامرات، ولكن الخواء في إبداعي أنا أعطاهم الفرصة أكثر، وهذا يجعلنا نقف وقفة طويلة أمام السينما والفن، فأنا في رأيي أن الفن الآن ليس مجرد مهم وذا تأثير كبير على الناس، ولكنه أخطر سلاح يمكن استخدامه في التغيير الاجتماعي والثقافي. - د. علاء عبد العزيز: أنا لا أهاجم السينما ولا المسرح ولكن هذه الوسائل والفنون مثلها مثل السكين قابلة أن تطعن بها وقابلة أن تستخدمها في منافعك، وتحويل استخدامها إلى شيء سيئ عيب في المستخدم لا في الأداة، وهذا يسري على جميع وسائل وأدوات تشكيل الوعي من الصحافة والتلفزيون والمذياع والكتب؛ إذ هي وسائل في حد ذاتها. - د. إبراهيم الخولي: لكن من بين الفنون ما هو محرم كالباليه، والنحت. - د. علاء عبد العزيز: الفن التشكيلي ليس له أي تأثير على مستوى رجل الشارع وكذلك الباليه، ولنتكلم بصراحة؛ فالناس تنظر إلى الفن التشكيلي على أنه حرام، وهذا متأصل لا شعورياً بداخلهم، فالصلة منبتة بينهم وبينه لأنه «شغل خواجة» ، ولهذا ليس له أي مردود في الشارع.. والنحت كذلك، حتى المسرح تقلص. أما السينما والتلفزيون باعتبارهما أكبر وسيلتين لتغيير السلوك الاجتماعي، فعندما تنظر لتجد أن الممثل يتحول إلى مثال يحتذى على مستوى الملبس والسلوك والشكل، كما يتم محاكاته وتقليده على مستوى الكلام والحوار والألفاظ، واللوازم وطرق الحديث، أصبحت الأفلام والمسلسلات هي مصدر ثقافة الجماهير، حتى أدق وأخطر المعلومات التاريخية صارت تُستقى من الأفلام، وهذه خطورة السينما في توجيه وتغيير وتعديل السلوك. البيان: يعترف كثير من أهل الفن أن نسبة ضخمة من الأفلام والمسرحيات مستوحاة من أعمال فنية غربية، وغالباً ما تكون منقولة بتفصيلاتها، وبما تحمله من معالجات تختص بالواقع الغربي يقدرها البعض بأكثر من ٨٠%. - د. علاء عبد العزيز: ليس على مستوى بناء الأعمال فقط ولكن أيضاً استيراد ونقل المصطلحات والمدارس الفنية التي في الغرب دون أي وعي بمفهوم الخصوصية الثقافية، وهذا كارثة.. المسرح العبثي مثال واضح على ذلك.. أيضاً رأينا أن مفهوم التجريد في الفن الإسلامي يختلف تماماً وكلياً عن مفهوم التجريد في الفن الغربي. حتى الفن التشكيلي تؤخذ مدارس لا يجوز أن تؤخذ مثل المدرسة الانطباعية، مثلاً في رسم اللوحات تكون الألوان في الغرب نتيجة لغياب الشمس ألواناً باهتة ضبابية.. المنازل أسقفها مائلة لأن المطر غزير.. تفاجئ في لوحات الفنانين التشكيليين العرب ينقلون هذا كما هو دون أي تغيير، أما بالنسبة للألوان عندي فالشمس عندي واضحة الإضاءة كل شيء عندي واضح. كذلك على مستوى الزي، وشيوع مفهوم الموضة، فالسترة المأخوذة من ستر الجسد، تحولت هذه السترة إلى أنها تطوّل وتقصّر دون معايير أو ضوابط دينية للزي عند المرأة. حتى العمارة فالعمارة لها فلسفة لها رؤية إلى الكون والحياة؛ في الماضي التركي الإسلامي كان هناك الحرملك والسلاملك مأخوذة من: «الحرام لك، والسلام لك» ؛ مكان لك الحق أن تدخله، ومكان ليس لك الحق في أن تدخله، لكن تحت دعوى الضرورة وظروف المعيشة الجديدة نجد الجدران قد أزيلت والأبواب مفتحة؛ إذن زوجتك مباح النظر إليها عبر هذه المساحة الفسيحة داخل البناء.. هكذا تتمدد الحداثة دون وعي منا. البيان: يرى بعض المراقبين للساحة الإسلامية والعربية أن تغلُّب الحداثيين على الساحة وإقصاء قوى الأصالة ليس إلا صورة من صور التغلب بالقوة، وأن الهزيمة التي منيت بها هذه القوى لم تكن أبداً ثقافية، وإنما أمنية بالدرجة الأولى، ولعل أقرب تعبير يحضرني في تصوير آليات المواجهة هو تعبير تشومكسي في توصيف السلوك الأمريكي بـ «إسكات الديمقراطية» مع الفارق طبعاً، كما أنه أشبه بسلوك شارون في المواجهة مع الفلسطينيين، هكذا يصنع الحداثيون، فإذا كان الأمر كذلك فكيف تُتصور المواجهة؟ - د. إبراهيم الخولي: المواجهة مع العلمانيين تتناول كل الأبعاد، تتناول ما يطرحه كفكر، تتناول دعوته وتبشيره لهذا الفكر، وتتناول موقفه العملي في ضوء هذا الذي يتبناه من الدين والتراث عندنا كوني أنتهي في النهاية إلى إصدار حكم عليه أو لا أصدر حكماً ليست هذه هي القضية التي تعنيني، لكن أقول ما يطرحه فلان من الحداثيين ينتهي في التقويم الإسلامي إلى كفر، ما يبشر به ينتهي إلى حرابة في مجتمع الإسلام، حين يدعو إلى الإلحاد، فحين يأتي علماني يعتقد ما يشاء.. في جلساته الخاصة هو حر، لكن حين يعتلي منابر إعلام ومنابر فكر وينشر ويدعو ويصبح داعية إلحاد في مجتمع المسلمين؛ يدخل تحت حد الحرابة والإفساد في الأرض، فإن لم يتب يطبق عليه حد الردة وحكمت المحاكم على أمثال هؤلاء بالردة وإن كانوا هربوا أو أخرجوا، وأذكر هنا قول الله : [لَئِن لَّمْ يَنتَهِ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلاً * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً * سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً] (الأحزاب: ٦٠-٦٢) . سنة الله في المجتمعات قاطبة أن تطهر مجتمعاتها من الهدامين فيها، الشيوعيون صنعوا هذا والرأسماليون والدنيا كلها تطهر مجتمعاتها مما تعتقد أنه هدم، ونحن بالمقياس الإسلامي عادلون تماماً، وإلى أبعد حدود التجرد في إعطاء هؤلاء حق أن يعتقدوا ما يعتقدون، لكن حين يتحول من معتنق إلى داعية وإلى مبشر وإلا فلم نواجه نحن التبشير في بلادنا فلنترك هؤلاء على الأقل يبشرون بدين يزعم له أنه دين، لكن أن يبشر بإلحاد، وهؤلاء جميعاً ينطبق عليهم قول الله تعالى: [أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّه] (الجاثية: ٢٣) نحن لا نحاول مع هؤلاء إلا بمقدار إقامة الحجة عليهم: [لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ] (الأعراف: ١٦٤) . - أ. محمد مبروك: في المواجهة مع العلمانيين والحداثيين لدي ملحظان مهمان للغاية: الأول: يتعلق بما له أولوية في المواجهة، فينبغي ألا نشغل بالنا أكثر بالأساس الفكري للحداثة، وهو الإلحاد والانتماء إلى إحدى المدارس العلمانية وجودية أو براجماتية، فينبغي أن ينصب النقاش على أساس الفكر الحداثي، ولا نسمح لهؤلاء أن يجرونا إلى قضايا فرعية أو جزئية يسترون خلفها إلحادهم، قد يكون الرد على الشبهات بشأنها مهماً لكن الأهم حصر الحداثي في فكره، وتناقضاته، ومن هنا أؤكد على المفكرين الإسلاميين الذين يواجهون العلمانية ألا يسمحوا للحداثيين في الحوار بسحبهم نحو قضايا فرعية متعلقة بالإسلام كمسألة المرأة والحرية الشخصية، أو الجمع بين التراث والمعاصرة ويحاول المسلم أن يقنعه بأن الإسلام فيه كذا وكذا من الميزات، فتتحول المسألة إلى انتقاءات كمية هل هنا أفضل أم هنا كل هذا له مرتبة تالية، أما القضية الأساسية مع الحداثي فهي إلحاده، والذي يهمني مواجهة هذه الأفكار الحقيقية التي تنتمي إليهم، والتي تمثل الإلحاد والعجز الفكري الغربي، لذلك على الإسلاميين أن يقفوا في هذه المنطقة، ولا نعني بذلك التهوين من الرد على الدعاوى التي يعلنونها، ولكن الرد على الدعاوى التي يعلنونها تأتي في أولوية تالية. وأما الأمر الثاني: فيسير متوازياً مع مواجهة الأسس الفكرية، هو بذر الثقة بالنفس في عامة الناس، وبالتالي لا أستبعد أن أقول أن ما لدي أفضل مما عندهم، فالعامة لهم ما يناسبهم من الخطاب، والمثقفون لهم أيضاً ما يناسبهم من نقد وتعطيل للأطر الثقافية التي يتحرك فيها الحداثيون، ومنطق العامة أن أدعم وأقوي الثقة بالذات، فهناك تفاوت في المستوى والاستيعاب لهذا علينا التعامل مع كلا المستويين. البيان: سؤال أخير: كثيراً ما يلح علينا، وهو أن المراقب لجميع المعارك التي وقعت مع العلمانيين والحداثيين من جهة وقوى الأصالة من علماء ودعاة وغيورين؛ بدءاً بمعركة تحرير المرأة مع قاسم أمين، ومروراً بالإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرازق، ووصولاً لمعركة القرآن في الشعر الجاهلي لطه حسين، وانتهاء بمعارك مثل الوليمة وقوانين المرأة نجد إذا ما بحثنا في السياق التاريخي لهذه المعارك أن قوى الأصالة هي التي انتصرت وألجمت دعاة «الغربنة» ، لكننا نصدم فيما بعد بالنتائج الفعلية تصب في صالح «الغربنة» ، إذ حرفت حقيقة هذه المعارك ووقعت الأجيال الجديدة في الخديعة ودفع المجتمع نحو مزيد من العلمنة. - د. مصطفى حلمي: في الحقيقة أن مسألة مثل هذه تحتاج إلى تقصٍ ودراسة عميقة، وتتبع لما كان يجري، ولكن باختصار هنا يحضرني كلام لمالك بن نبي ﵀ حول قيام قوى الاستعمار باصطناع هذه المعارك، واصطياد وقودها عبر الإغراءات المادية والمعنوية، والزج بهم في هذه المعارك، لكن مع إقامة الحجة وبيان الحق للناس، وانحياز المجتمع لحقائق الإسلام، إلا أننا نجد أنه ومع مضي الوقت تبدأ قوى الاستعمار في اتخاذ تحركات فعلية، وتحركات من شأنها أن تطور الأمر في الاتجاه الذي تريده، والأمر بالنسبة لها لا يعني سوى الكمون شيئاً من الزمن حتى ينسى الناس هذه المعارك، حيث تقوم هذه القوى بعمليات مخططة ومنظمة من تشويه قوى الأصالة وشغلها في معارك جانبية مستمرة، مع ما يتم من تركيز الأضواء على مسائل ورموز بعينها تفرض مع الوقت المشروع التغريبي، كما تقوى بإنساء المجتمعات حقيقة هذه المعارك وما نجم عنها، ثم تقوم بدهاء وخبث شديدين، وباستخدام آلة الإعلام الجبارة، بإسدال ستار الصمت والنسيان حول النتائج الفعلية لهذه المعارك، ثم تشرع في عملية إبدال وإحلال مستمرة للمفاهيم والسلوكيات يتناسى الناس معها هذه المعارك في ظل واقع ضاغط، ويسلمون لكل الرؤى التي تفرضها عليهم هذه القوى عبر عملائهم، ومن هنا، فإن تحكم هؤلاء أو لنقل تمكينهم من توجيه الساحة الثقافية والإعلامية والتعليمية، يمكنهم من تزييف الوعي بحقيقة تلك المعارك. وفي الجهة الأخرى نجد أن قوى الأصالة تفتقد إلى تدوين هذه المعارك تدويناً أميناً يسهل من عملية التواصل بين أجيال الأصالة، ثم ما يشغل به هؤلاء قوى الأصالة من معارك جديدة لا تنتهي، والتشويه المستمر لهم، يفتح الباب واسعاً أمام إضعاف أثر قوى الأصالة في توجيه المجتمعات، ومن هنا فلا بد من استرجاع هذه المعارك وتوثيقها، وتوعية الأجيال بها، والبناء عليها، خاصة في ظل إفلاس الحداثة والعلمنة وانكشاف أوراقها. نشكر لضيوفنا الكرام هذا الجهد الطيب.. ونسأل الله تعالى أن ينفع به الإسلام والمسلمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 4687

نص شعري ما عذري ؟ د. عبد الغني بن أحمد التميمي [*] (١) أيجدي الدمع يا شيشان في تخفيف ما يجري أيجدي أن تذوب قلوبنا جزعاً لهول الهم والوزرِ وما زلنا نعيش الصمت من قطرٍ إلى قطرِ وما زلنا نَعيش الأسر أحراراً ملايين تئن بذلك الأسرِ (٢) نسوّق هذه الأشعار كاسدةً لنلحق آخر السعرِ وأين يكون يا شيشان عند القصف ديوان من الشعرِ وماذا تدفع الكلمات من غزوٍ يدكُّ الجوَّ بالبرِّ وأين صقور أمتنا فما في الجوّ من صَقْرِ وماذا تصنع الأقلام بالألغامِ تنسف جامد الصخرِ أسطرٌ واحد بالشجب منتضخٌ نتيه بذلك السطرِ ولو شعرت محابرنا ولو عقلت منابرنا لقاءت ذلك الكابوس من شعرٍ ومن نثرِ ولكن أضعف الإيمان أن نشكو لمن نشكو لذابحنا وطابخنا وساكبنا من القِدْر (٣) دعوني أقتلع يوماً جذور الجبن من صدري أحيل حروفيَ الخرساء في شفتي إلى بحرِ دعوني أرفع التكبير في الدنيا فهذا مطلع الفجرِ لماذا أخنق الكلمات في جوفي وأدفن في عيوني الشمس من خوفي لماذا أُخضع الأقلام تحت وصاية الحرف وأنكر كل ما يجري ولكن ذاك في سري فما عذري؟ (٤) إذا لم أبتذل روحي فِدا ديني وأُرخص دونه عمري وأقبض باليدين الجمر لم أجزع من الجمر إذا لم أطلق الكلمات حارقة بملء فمي فما عذري؟ (٥) خذوا هذا الرصيد الضخم من لحمي ومن عظمي ومن شعري خذوا لحماً من الأكتاف والأطراف والظهرِ وصوغوا منه قنبلة تفجّر ساعة الفجرِ (٦) أيا شيشان. معذرة أعيرونا مدامعكم تعيد اللون في دمنا فقد جفّت مدامعنا أعيرونا مدافعكم تحيل ثلوجنا ناراً فقد صدئت مدافعنا أعيرونا شواظاً من بسالتكم يفجرّ نبعنا ماءً فقد نشفت منابعنا أعيرونا مراضع تنجب الأشبال قد عقمت مراضعنا أوانٍ نحن من شمع نسيم الحرب يصدعنا تقلُّبنا على الديباج يوجعُنا أعيرونا عيوناً تعشق الأهوالَ آذاناً تصيخ السمعَ قد ثقلت مسامعُنا وسوس الوهن ينخر في عزائمنا أعيرونا لبعض الوقت بعضَ العزمِ بعضُ العزم يرفعُنا أعيرونا من الإيمان عشق الموتِ حسن الظنّ، شيئاً من دواء الجبنِ إنا أيها الشيشان يصلحنا تبرعكمْ ويفسدكم تبرعُنا أعيرونا لعل الله ينفعُنا (٧) أجل يا أيها الشيشان تشغلنا قضايانا فتكفيكم ضحاياكم وتكفينا ضحايانا وما للفقر؟ نسحق كلّ من يشكو من الفقرِ وغيرُ النشر للأخلاق والأعناقِ ممنوع من النشرِ أجل يا قدس مشغولون في «هندامنا» العصري وملء دفاتر التوفير أرقاماً وعدّ الراتب الشهري وماذا أنت يا شيشان، بل يا قدسُ في قاموسنا المزري ألم نكنسْ معاجِمَنا سوى من أحرف الجر ونستبدلْ بأحرفنا حروف المعجم العبري (٨) أنا أدري بما يجري، ولم أرفع به رأساً فما عذري؟!

стр. 4688

المسلمون والعالم شيخا الإنقاذ هل يقودان السفينة من جديد؟ وهل ينجح التيار الفرنكفوني في إعاقتهما ؟ أمير سعيد Amirsaid@hotmail.com هناك في قلب العاصمة الجزائرية، قبل اثنتي عشرة سنة، كان المشهد أخَّاذاً: جموع هادرة بأعداد تنوف عن مليون من الشباب الجزائري تصرخ حناجرها: «ما تخافوش.. ما تخافوش.. الرزاق مش حمروش» (مولود حمروش رئيس وزراء الجزائر خلال تلك الفترة) .. ينسل شاب تميل بشرته للسمرة في الخامسة والثلاثين من عمره مرتدياً بزة عسكرية من بين الجموع المضربة عن العمل، تخاله لأول وهلة جندياً من جنود السلطة الجزائرية؛ ليقابل وزير الدفاع الجزائري (المتقاعد حالياً) الجنرال خالد نزار الذي يحكي في مذكراته أنه تفاجأ به أمامه ببزته تلك يقدم إليه مطالب المضربين بتعديل القانون الانتخابي الجائر. علي بلحاج الشاب الثائر، الخطيب البارز، نائب رئيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ، كانت هذه هي آخر أيام عهده بالحرية (حتى ٢/٧/٢٠٠٣م) قبل أن يؤسر على أيدي أجهزة الأمن الجزائرية. في تلفزيون الجزائر حين كان على وشك مقارعة خصومه الموالين للحكومة من المنشقين عن الجبهة الإسلامية بقيادة أحمد المراني (الذي عين فيما بعد وزيراً في حكومة هزيلة) في مناظرة تليفزيونية كان مقرراً عقدها بعد دقائق من توقيت اعتقاله بتهمة «المس بأمن الدولة» مع رفيقه زعيم الجبهة الإسلامية للإنقاذ عباسي مدني. مطالب بلحاج لم تُلْقِ السلطات الجزائرية لها بالاً؛ فقد فتحت نيران أسلحتها على المضربين فقتلت منهم أكثر من ٥٠٠ شاب، واعتقلت مدني وبلحاج وعدداً من قيادات الصف الثاني في الجبهة أبرزهم الشيوخ: كمال قمازي وعلي جدي وعبد القادر بوخمخم وعمر عبد القادر، ثم حكمت عليهم بالسجن بأحكام متفاوتة في العام التالي بعد شهور من الانقلاب على المسار الانتخابي. «بيدي قنبلة أبذل جهدي لئلا تنفجر، وهم (أي الطغمة العسكرية) حريصون على تفجيرها» هذا ما قاله الشيخ عبد القادر حشاني الرئيس المؤقت للجبهة الإسلامية للإنقاذ إبان فترة الانتخابات؛ والتي قادها فيها إلى نصر انتخابي كبير (٨٢% في الجولة الأولى من انتخابات ١٩٩٢م) ، مطلقاً تحذيره للجيش ودوائر صنع القرار الجزائري من مغبة إلغاء المسار الانتخابي. غير أن القنبلة التي كان الشيخ يحذر من تفجرها سبقته إلى الانفجار مخلفة ما بين ١٥٠ - ٢٠٠ ألف قتيل، ومليار دولار كأقل تقدير لخسائرها المادية، علاوة على ٢٠ مليون منكوب، كما أن آخر شظايا هذه القنبلة كانت من نصيب السياسي المحنك حشاني نفسه بعد سبع سنين من انفجارها. انفجرت القنبلة فتراجع دور قادة الإنقاذ وعقلائها إلى حين، سواء بالسجن؛ كالشيخين مدني وبلحاج (١٢ عاماً سجناً) ، والشيوخ كمال قمازي وعلي جدي وعبد القادر بوخمخم وعمر عبد القادر (٥ سنوات) ، والشيخ القائد عبد القادر حشاني (٥ سنوات ثم الإقامة الجبرية ثم أيام قليلة في حرية مزيفة أسير خطوات الاستخبارات قبل اغتياله على أيدي عناصر تابعة لها) ، أو بالاغتيال كحشاني كما تقدم والشيخ عبد الباقي صحراوي في العاصمة الفرنسية لاجئاً على أيدي عناصر تابعة للاستخبارات الجزائرية، والشيخ محمد السعيد زعيم تيار الجزأرة في الجبهة ورفيق دربه الشيخ عبد الرزاق رجام رئيس لجنة الإعلام بالجبهة اللذين اغتالتهما عناصر من المتشددين الجزائريين الغلاة (الجماعة الإسلامية المسلحة) بعد عام من توقيعهما بيان الوحدة مع تلك الجماعة المشبوهة التي لم يكن انحرافها العقدي والسلوكي قد فُضِح بعدُ (تبدت تلك الجماعة بوجهها الكالح في العام ١٩٩٥م) ، أو باللجوء السياسي بعد أحكام بالإعدام كالشيخ رابح كبير (ألمانيا ثم بريطانيا) والأستاذ أنور هدام (الولايات المتحدة الأمريكية حراً ثم أسيراً) وبعض كوادرها البارزة كعبد الله أنس ومراد الدهينة وأحمد الزاوي. تراجع دور ساسة الإنقاذ وعقلائها، وتقدمت «الجماعة الإسلامية المسلحة» (الجيا) التي بادرت إلى سرقة نصر الإسلاميين عبر تبنيها لخط مقاوم في البداية للانقلاب على الخيار الشعبي وهو ما مكنها من استقطاب أعداد غفيرة من الشباب الثائر في غياب تحرك فاعل من أركان الجبهة التي كانت تمر بفترة ذهول جعلتها لا تحسن مواجهة الملمة بشكل صارم، فلحقت معظم عناصرها التي أفلتت من معتقلات ومحتشدات النظام في صحراء الجزائر التي ضمت الآلاف من كوادر ونشطاء الجبهة؛ بالعمل العسكري الذي ظل لفترة في معظمه حكراً على الجيا التي تحول نشاطها شيئاً فشيئاً إلى النشاط الإجرامي بقتل القرويين والعناصر التابعة للجبهة في مجازر بشعة (قتلت الجيا في العام ٩٥ فقط أكثر من ٥٠٠ من خيرة شباب الجبهة) مصداقاً لقول النبي ﷺ فيما صح عنه في وصف الخوارج «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان» . بينما ظل تحرك الجبهة الإسلامية للإنقاذ محدوداً إلى أن نجح قياديان عسكريان تابعان للإنقاذ في الشرق والغرب الجزائري هما مدني مزراق وأحمد بن عائشة في لمِّ شعث أصحاب المنهج الصافي من الفصائل العسكرية المعتدلة تحت لواء «الجيش الإسلامي للإنقاذ» واستقطاب معظم الشباب المقاتل انطلاقاً من جبال الجزائر. ومع وجود إشارات انفراجية في العام ١٩٩٦م وقع الجيش الجزائري ونظيره «الإسلامي» اتفاقاً للهدنة تبدأ من العام ١٩٩٧م، وبرغم كون الاتفاق غامضاً لجهة أنه لا يلبي مطالب الإنقاذيين بإطلاق قادة وكوادر ونشطاء الجبهة المختطفين والمعتقلين، ولم يسمح لكثير من أولئك الذين أطلق عليهم لفظ «التائبين» وهم المستفيدون من عفو رئاسي بموجب قانون الوئام الوطني من عسكريي الجبهة بالعودة إلى أعمالهم السابقة وفقاً لما ينص عليه الاتفاق، كما لا يلبي طموحات الإنقاذ بالسماح لها من جديد بالعمل السياسي المقنن؛ إلا أن الجيش الإسلامي للإنقاذ بزعامة مزراق رأى وشاطره رأيه كثير من قادة الجبهة في الاتفاق جوانب إيجابية يمكن البناء عليها سياسياً فيما بعد. بيد أن آخرين من قادة الجبهة كان لهم رأي مغاير لهذا الرأي فيما يخص التعاطي مع الاتفاق المنقوص. وكان الموقف من العمل العسكري وكيفية الإفادة منه في تحسين الوضع التفاوضي للجبهة لا سيما فيما يخص إعادة الاعتبار لها من جديد استناداً إلى قدرتها على ضبط الأوضاع الأمنية والسياسية مادة للخلاف بين قادة وزعماء الجبهة لا سيما الموجودين منهم خارج البلاد. * من ظلمة الفرقة إلى نور الوحدة: بسبب غياب الزعيمين الكبيرين في الجبهة وعدم تمكنهما حتى من لقاء بعضهما للخروج برأي موحد فيما يخص أموراً مصيرية تخص وضعية الجبهة في ظل المتغيرات الجديدة، كان طبيعياً أن تنقسم الجبهة إلى «جبهات» ؛ فالدكتور مدني لم يكن رئيساً للجبهة وشخصيتها التاريخية الأولى القادرة على الجلوس مع كل الأطراف وحسب؛ بل كان رمانة الميزان في الجبهة نفسها بين تياري الجزأرة والسلفية التي تنحدر معظم عناصر الجبهة منهما، كما أن الشيخ بلحاج يعد من الرموز التي يكن لها السلفيون والجهاديون عظيم الاحترام والتقدير.. لذا لم يستغرب أحد كثرة الرسائل المنسوبة إليهما من قبل التيار الذي يفضل مواصلة طريق «العنف» والتيار الذي يسعى للتهدئة؛ فالجميع كان حريصاً على الوصل بالشيخين، وكانت أطراف في الاستخبارات تدفع باتجاه اضطراب صف الجبهة. وحده من بين قادة الجبهة الحكماء كان قادراً على لملمة أجنحتها: الشيخ عبد القادر حشاني الذي نجح إثر اعتقال الشيخين في جمع بقية قادة وكوادر الجبهة في مؤتمر باتنة الشهير وانتخب فيه زعيماً مؤقتاً للجبهة لحين الإفراج عن زعيمي الجبهة، وقاد من فوره الجبهة نحو نصرها الانتخابي الباهر في العام ١٩٩٢م. وكانت الطغمة العسكرية له بالمرصاد، وفطنت لقدراته السياسية الكبيرة فاعتقلته بتهمة تحريض الجيش على النظام وحكمت عليه إحدى محاكمها «التنفيذية» بالسجن لمدة خمسة أعوام، ثم وضعته قيد الإقامة الجبرية إلى أن أفرجت عنه في العام ١٩٩٩م، وبسرعة الصاروخ كان الرجل يتحرك نحو توحيد الجبهة، وخطط لعقد مؤتمر لقادتها، لكن السلطة لم تمهله وقتاً لتنفيذ مسعاه الطموح فلفقت له تهمة جديدة، ثم لم تصبر إلى محاكمته فعاجلته بضربتها القاضية حين أقدمت عناصر الاستخبارات الجزائرية على قتله في ٢٣/١١/١٩٩٩م لتعود قيادة الجبهة الإسلامية من جديد إلى الاختلاف، وتبرز أوضح معاني هذا الاختلاف في ٨/١٠/٢٠٠٢م حين أعلن المكتب التنفيذي للجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية أن أحد ناشطي الجبهة مراد الدهينة الذي يقيم في جنيف انتخب رئيساً للمكتب. وذكرت وكالة الأنباء السويسرية وقتها نقلاً عن مصدر من الجبهة قوله: إن الدهينة انتخب (مؤقتاً) على رأس المكتب التنفيذي للحزب «لأن المسؤولين التاريخيين في الجبهة الإسلامية للإنقاذ عباسي مدني وعلي بلحاج في السجن حالياً» . وقد تقرر تعيين مكتب تنفيذي جديد أثناء المؤتمر الثالث للجبهة الذي تم تنظيمه سراً في أغسطس ٢٠٠٢م في بلجيكا. وقد قرر المؤتمر إبعاد رابح كبير وحل الهيئة التنفيذية في الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الخارج التي كان يقودها «وكل الهيئات القائمة» الأخرى التابعة للحركة. ولم يعرف وقتها لماذا اتخذ الدهينة ورفاقه هذا القرار قبل أشهر قليلة فقط من الإفراج عن قادة الجبهة الحقيقيين!! على أية حال؛ فإن عودة الشيخين إلى معترك السياسة الجزائرية، سواء رفضت النيابة العسكرية أو قبلت، سيضخ الدم إن شاء الله من جديد في شرايين الجبهة الإسلامية للإنقاذ. فقد بدا من خلال التجربة الماضية أن كل زعامات الجبهة مهما بلغت درجات الخلاف بينهم، فإنها غير مستعدة لتجاوز مرجعية الرمزين الكبيرين في الجبهة، وهو الأمر الذي يدفع هذه الزعامات جميعاً للترحيب الشديد بعودة الرجلين لقيادة الجبهة رضىً بتسليمهما زمام القيادة. وهنا يمكن رؤية المشهد الجبهوي في الظرف الراهن من خلال تلك النقاط: ١ - الهيكل التنظيمي الأعلى يبدو الآن ممزقاً؛ لكنه في الوقت ذاته لا يدعو للانزعاج؛ لأن هذا الهيكل قابل للترميم وبأسرع فرصة في حضور الشيخين مدني وبلحاج، ولعل أقرب رؤية يمكن أن يرى منها هذا الهيكل هو ما ذكره القيادي في الجبهة الإسلامية وأحد ممثلي تيار «الأفغان الجزائريين» إن جاز التعبير عبد الله أنس الذي قال لفضائية الجزيرة: «الجبهة الآن مقسمة إلى ثلاث أو أربع جبهات، السُّلَّم الأول المتمثل في الشيخين الشيخ عباسي مدني، وعلي بلحاج، وهذا المقام لم يرد عليه أي اختلاف؛ فهو لا يزال صاحب المصداقية أولاً وأخيراً على جميع فصائل الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ثم الفصيل الثاني المتمثل في القيادة المفرج عنها (كمال قمازي وعلي جدي وعبد القادر بوخمخم) ويلاحظ أن كل البيانات التي صدرت من القيادة الوطنية المتمثلة في الشيوخ المفرج عنهم، حتى يزيلوا كل لبس عن أي خلاف دائماً يوقعونها جماعياً، بمعنى أن بياناتهم في توجيهها، في أهدافها، حتى في توقيعاتها موحدة. يبقى أن الإشكالية التي ربما أثير اللغط أو الجدل حولها هي ما يدور بين أبناء الجبهة خارج الجزائر؛ إذ إن هناك أربع ممثليات تقريباً: البعثة البرلمانية، واللجنة التحضيرية، والهيئة التنفيذية، والمجلس التنسيقي؛ هؤلاء كلهم اضطرهم القمع إلى الخروج من خارج الجزائر، لكن لا يستطيعون ولا يملكون اتخاذ القرار في داخل الجبهة، القرار والمواقف السياسية فقط من صلاحيات طرفين لا ثالث لهما: الشيوخ المسجونين عباسي مدني، وعلى بلحاج، وينوب عنهم خارج السجن الشيوخ المفرج عنهم.. وما عدا ذلك فإنها جهات تعبر عن وجهة نظرها. ويلاحظ في هذا الصدد أن قيادة الصف الثاني قد سعت إلى اتخاذ موقف موحد مفاجئ إثر الإفراج عن الشيخين تجلى في البيان الذي أصدره عدد من كبار القادة في الإنقاذ الذين يجمعون بين رؤى مختلفة وهم عبد القادر بوخمخم، وعلي جدي، وكمال قمازي، وعمر عبد القادر الذي غادر الجزائر في ديسمبر ١٩٩٩م، ورابح كبير، ومراد دهينة اللاجئان في أوروبا، يدعون فيه الشيخين إلى التروي قبل تحدي السلطة، مناشدين الشيخين التضحية بحقوقهما إلى حين، والتزام ما فرضه عليهما المدعي العسكري من تقييد لحرياتهما المدنية والسياسية» أملاً بمراجعة هذه الجبهة مواقفها «. واعتبر هؤلاء القادة أن الإفراج عن مدني وبلحاج، يشكل في ذاته» فاتحة خير تعد بداية موفقة نحو خروج البلاد من أزمتها والانطلاق في نهضتها التي طالما حلمت بها أجيال الجزائر المكابدة «. وحمل البيان القياديين في» الإنقاذ «ثلاثة مطالب أساسية وجهت إلى مدني وبلحاج، وهي ضرورة» الاحتفاظ بحقيهما في التصريحات الإعلامية إلى حين حتى لا ينجرا إلى كشف ما عندهما من حقائق ومعطيات مما يمكن أن يزيد الوضع استفحالاً. والجزائر في حاجة إلى هدوء وأمن واستقرار، وإلى من يأخذ بيدها إلى بر الأمان «و» أخذ المدة الزمنية اللازمة للاطلاع على الأوضاع العامة من كل جوانبها ومحاورة أهل العلم والرأي والطبقة السياسية «، و» التضحية ببعض حقوقهما المشروعة من أجل المصلحة العامة لإقامة الحجة على من أصدروا البيان المقيد للحريات وتمكينهم من مراجعة موقفهم «. ودعا موقعو البيان الرأي العام الجزائري والدولي إلى» التساؤل عما يهدف إليه البيان القاضي بحرمان الشيخين من حقوقهما السياسية والمدنية والذي يعتبر خرقاً للدستور والقانون وحقوق الإنسان، ويشكل سابقة خطيرة في حق مساجين الرأي والسياسة «. ويلاحظ أيضا أن الشيخين قد قبلا نصائح قادة الصف الثاني الحكيمة، وهو ما يؤشر بقوة إلى أن الجبهة بسبيلها للوحدة واتخاذ موقف شوري موحد وناضج. ٢ - الجناح العسكري السابق للجبهة والموالين لها هم أيضاً يجلُّون الشيخين ولا يسعون إلى مخالفتهما، وقد أبدى أكثر من مسؤول في الميليشيات العسكرية الإسلامية السابقة رغبته في تأمين فرصة للشيخين من أجل تمكينهما من المساهمة في لعب دورهما النهضوي؛ فقد أصدر مدني مزراق الأمير السابق لـ» الجيش الإسلامي للإنقاذ «بياناً انتقد فيه موقف السلطات في التعامل مع كل من مدني بلحاج. ورأى مزراق الذي استفاد من تدابير العفو الرئاسي في يناير ٢٠٠٠م، أن الحكم الجزائري بإصداره، من خلال المدعي العسكري، قائمة الممنوعات على مدني وبلحاج يكون» لغم حياة الشيوخ الإعلامية والدعوية والسياسية بعد خروجهم من غيابات السجن «. ودعا السلطات إلى ضرورة» الاعتراف بحقوقهما الوطنية والاستفادة من استعدادهما القوي للمساهمة في وقف النزيف الدموي وتحقيق الأمن والاستقرار، والتعاون جميعاً سلطة ومعارضة على النهوض بالجزائر نحو العافية والرقي «. ولا شك أن هذا موقف من يريد أن يعود الشيخان إلى تبوُّؤ مكانتهما اللائقة. وإلى ذلك فقد أيد الشيخ علي حجر أحد زعماء الميليشيات الموالية لخط الجبهة الإسلامية للإنقاذ عبر حوار أجراه معه موقع الجبهة إفساح المجال للعمل السلمي عوضاً عن العمل العسكري معتبراً أن» العمل للإسلام في وضوح النهار على أرضية الميدان، وأمام أعين الناس خير وأفضل مائة مرة من العمل في السرية معزولاً في الجبال والشعاب والمخابئ، والأنظمة المتسلطة تخاف من المتشددين وتحسب لهم حساباً؛ ولكنها تخشى المعتدلين وتحسب لهم ألف حساب؛ لأنهم ينافسونها في الميدان ويفرضون وجودهم، ولا يعدمون وسيلة ولا سبيلاً لخدمة دينهم وقضيتهم، بينما تركب هذه الأنظمة الفاسدة موجة المتطرفين وتغذيها لتضرب من تخافه وتخشاه «. مستفيداً مما مضى من تجربتيه السياسية والعسكرية على حد سواء. * الزخم الشعبي: هل تفتقر إليه الجبهة؟ المعطيات والإشارات التي صدرت عن دوائر في النظام الجزائري والقوى الجزائرية المختلفة تشي بأن الجبهة لا زالت تتمتع بقدر معقول من التأييد الشعبي، ولا تزال تحتفظ بحد أدنى من الكوادر والنشطاء القادرين بحول الله على إعادة الأمور إلى أنصبتها الحقيقية. فقد أشارت مصادر إعلامية إلى أن قريبين من وزير الخارجية السابق الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي (نجل الشيخ البشير الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين السابق) بدؤوا اتصالات مع ناشطين من الجبهة الإسلامية للإنقاذ بهدف التوافق على تحديد موقف مشترك من الاستحقاقات الرئاسية المقررة في إبريل ٢٠٠٤م، وقالت إن هذه الاتصالات تهدف إلى» تنسيق المواقف «و» تمكين قادة جبهة الإنقاذ من المساهمة في وقف النزيف الدموي والمساهمة في تحديد التوجهات المستقبلية للبلاد «. ومنذ الإفراج عن زعيمي جبهة الإنقاذ تحاول أطراف عدة من الحكم والمعارضة، على حد سواء، إجراء اتصالات مع شخصيات قريبة من الرجلين بهدف إيصال» رسائل سياسية « تصب غالبيتها في محاولة استخدام» ورقة الإنقاذ «في الاستحقاقات المقبلة. وتعتقد مصادر حزبية أن قادة» الإنقاذ «قد يلجؤون خلال الاستحقاقات المقبلة إلى » تزكية «أحد المرشحين لرئاسة الجمهورية، كـ (بن فليس) مثلاً، وهو ما يعني أن الوعاء الانتخابي للحزب المحظور سيكون محل» مفاوضات «خلال الشهور المقبلة. وتشير مصادر سياسية إلى أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ربما تعهد بإصدار عفو رئاسي يرفع بموجبه» الممنوعات «التي أصدرها المدعي العسكري في حال إعلان مدني وبلحاج مبادرة وقف العنف الموجهة إلى عناصر الجماعات المسلحة. وكان الرئيس الجزائري قد قام بخطوة غير متوقعة قبل شهور من أحداث ١١ سبتمبر في المسار عينه، حين أجرى في ٢٣/٥/٢٠٠١م اتصالات مع جبهة الإنقاذ الإسلامية في محاولة لتعديل ميزان القوى عقب انسحاب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية من الحكومة، وتقول مصادر مقربة من الرئاسة إن بوتفليقة لا يزال يؤمن بأن الإنقاذ لا تزال مؤثرة في المجتمع، وهو يريد أن يسبق الأحداث ويطوع قياداتها للتعاون معه وكسب القوة التي تمكنه من إدارة دفة الحكم. وربما كانت هذه هي الإجابة على سؤال محير للجميع وهو: لماذا حرص الحكم الجزائري على الإفراج عن الشيخين رغم ضآلة العمل العسكري الآن؟ من جهة أخرى، ومن بين سطور الإعلام العربي والمفرنس لاحظنا قدراً لافتاً من الترحيب الشعبي انسل من خلف القيود وانسكب من بين أنامل الإعلام المغرض، فتارة تذكر إحدى الصحف في تقرير لها هذه الملاحظة» وجد موكب السيارات الذي رافق بلحاج وغالبيته من قوات الأمن، صعوبات كبيرة في مغادرة المكان بسبب التفاف الأنصار حوله لمصافحته وهو كان يرد عليهم: «سنلتقي قريباً أيها الأحبة» . وأخرى تقول: «على رغم مرور عشرة أعوام على حظر السلطات نشاط الجبهة الإسلامية، إلا أن مناسبة الإفراج عن عباسي وبلحاج كشفت أن الحزب الذي حل قانونياً لا يزال يحتفظ بكثير من أنصاره ومؤيديه» . وأبرقت وكالة الأنباء الفرنسية من مكتبها في الجزائر تقريراً لها يتحدث عن مظاهر الالتزام لدى الشباب الجزائري ذكوراً وإناثاً، محاولة ربط ذلك بالجبهة الإسلامية للإنقاذ؛ مذكرة بالسنوات التي كانت الجبهة تنشط خلالها داخل البلاد. ومن جملة ما ذكر في البرقية أمور نوجزها كالتالي: - مظاهر الالتزام من ارتياد للمساجد، اللباس الإسلامي. - قدوة الشباب ممثلة في الرسول ﷺ وصحابته، واعتزازه بالأبطال والشخصيات الإسلامية. - قراءات ومطالعات هؤلاء الشباب الملتزمين. - بعض مواقفهم وآرائهم. وقالت وكالة أنباء أخرى: «أقام عدد من الأعيان المقربين من قيادة جبهة الإنقاذ ولائم كبيرة احتفاء بخروج عباسي وبلحاج من السجن، وأبدى عدد كبير من الأنصار تخوفهم من أن تكون القيود المفروضة على الرجلين تمهيداً لإدخالهما السجن ثانية أو فرض الإقامة الجبرية عليهما، مثلما حدث عام ١٩٩٧م حين أفرج عن عباسي مدني لكن بمجرد أن أدلى بتصريح صحفي وضع تحت الإقامة الجبرية ولم يسمح له بعدها بأي لقاء مع أشخاص من غير المقربين من عائلته» . * الشيخان بعد الإفراج عنهما: لم يرشح عن القريبين من الشيخين أو مما تناقلته وكالات الأنباء ما يفيد بما ينويه الشيخان، غير أن اللافت في الأيام القليلة التي تلت إطلاق الزعيمين الإسلاميين أن كلاً منهما اتخذ خطوات مغايرة نوعاً ما لرفيقه فيما يخص التعامل مع السلطة؛ فالشيخ مدني وقع لدى خروجه على التعهد الذي طلبته الدولة منه بالابتعاد عن ممارسة أي أنشطة سياسية أو اجتماعية أو ثقافية أو دينية في حين رفض الشيخ بلحاج التوقيع على هذا التعهد. والطريف أن الشيخ مدني قدم شكوى للجنة الوطنية الاستشارية لترقية حقوق الإنسان تتعلق بالقيود المفروضة عليه ونائبه علي بلحاج معتبراً أن تلك القيود غير قانونية باعتبار أنه وعلي بلحاج أنهيا فترة العقوبة، واعتبر قرار المنع هذا تمديداً لفترة سجنهما وخروجاً عن الحكم الذي نطقت به المحكمة العسكرية في يوليو ١٩٩٢م والقاضي بسجنهما ١٢ سنة. وأكد مسؤول سابق في جبهة الإنقاذ أن عباسي سيواصل احتجاجه على قرارات المنع، وسيعمل كل شيء لإلغائها في أقرب الآجال. ولم تُدْلِ لجنة ترقية حقوق الإنسان بأي تصريح في الموضوع، لكن يبدو أن عباسي أراد تحميلها رسالة إلى الرئيس عبد العزيز بوتفليقة يطلب فيها فك القيود الجديدة عنه، باعتبار اللجنة تعمل تحت سلطة الرئيس المباشرة. فيما حرص الشيخ بلحاج المشهور بمواقفه الصلبة على أن يطمئن السلطة عبر مبادرته إلى إطلاق إشارات إيجابية للسلطات عندما تخلى عن المساجد التي كان يصلي فيها مطلع التسعينيات حيث كان ينتظره آلاف المعجبين، وقرر أداء صلاة الجمعة، للمرة الأولى منذ خروجه من السجن، في مسجد عبد الحميد بن باديس في حي ديار الشمس المحسوب على نشطاء حركة مجتمع السلم القريبة من الحكم الجزائري. وهذا بحد ذاته يعكس رغبة لدى الشيخين في ممارسة نوع من الضغط على الحكم الجزائري من دون أن يصل ذلك إلى إيجاد ذريعة تمكن المتربصين من الانقضاض عليهما مجدداً بإعادة وضعهما في السجن أو قيد الإقامة الجبرية أو استمرار سلب حقوقهما السياسية. كما يعكس رغبة من الشيخين لتبادل كل منهما دور الآخر في إبداء الشدة واللين. * التيار الاستئصالي يخشى عودة الشيخين إلى الواجهة مجدداً: رأى العديد من الفعاليات العلمانية الجزائرية في عودة الشيخين عباسي مدني وعلي بلحاج إعادة للجبهة الإسلامية للإنقاذ الذي يترأسانها إلى الواجهة السياسية من جديد، بعد أن عمل النظام الجزائري على إخفاء جريمة إلغاء المسار الانتخابي عبر اتهام الجبهة بالإرهاب ومن ثم حظرها. الصحف الجزائرية العلمانية لا سيما الموغلة في عدائها للإسلام (الفرانكفونية) والتي صدرت في ذات يوم الإفراج عن الشيخين؛ رأت فيه «معضلة» للسلطات الجزائرية متسائلة: كيف ستتمكن من تطبيق هذه القيود التي فرضتها المحكمة العسكرية في البليدة على الرجلين عند الإفراج عنهما والتي سبق أن حكمت عليهما بالسجن ١٢ عاماً بتهمة «المس بأمن الدولة» . ولم تتردد بعض الصحف على غرار «لا نوفيل ريبوبليك» الناطقة بالفرنسية والقريبة من دولة الاحتلال السابقة للجزائر في التحدث عن «عودة إلى الوراء» معتبرة «أنه يجب أن نتوقع مواجهة» بين الدولة التي تسعى إلى «تطبيق قرار القضاء» وعلي بلحاج الذي يبدو وكأنه لم يفقد حسه القتالي وقد تراوده الرغبة في «المراهنة بكل ما لديه» . وعلق صحافي جزائري: «إن هذا الإفراج يثير القلق أيضاً لما قد يثيره من رغبة في إعادة تأسيس حزب إسلامي متشدد ليحل محل الجبهة الإسلامية للإنقاذ» . وأوضحت صحيفة «ليبيرتيه» (فرنسية اللغة والهوى أيضاً) أن «القلق الذي عبرت عنه الصحف وينتاب الشارع وفئة من الطبقة السياسية، له تسويغاته الكثيرة» . وقالت: إن الدليل على ذلك هو الوضع الاقتصادي والاجتماعي المتدهور في الجزائر الذي يشبه الظروف التي أدت إلى انبثاق الجبهة الإسلامية للإنقاذ في ١٩٩٠م وتطلعاتها إلى السلطة «. ودانت جمعيات ضحايا الإرهاب التي تنبذ أعمال عنف مجموعات الخوارج المسلحة منذ ١٩٩٢م، بشدة الإفراج عن هذين المجرمين. وقالت رئيسة جمعية » جزائرنا «شريفة قدار التي نظمت يوم الإفراج عن القياديين البارزين تجمعا في البليدة أمام السجن العسكري الذي كان بن حاج معتقلاً فيه» يجب أن يدفع علي بلحاج ثمن الاغتيالات والمجازر التي حرض عليها «. وعارض أمين عام الحركة الديموقراطية والاجتماعية (شيوعي سابقاً) الهاشمي الشريف الإفراج عن الزعيمين الإسلاميين معتبراً أن علي بلحاج قد ينتهك قرار منعه من أي نشاط سياسي. وقال الهاشمي الشريف إنه يجب» استخلاص العبر من مقتل مائة ألف جزائري والكف عن ممارسات الماضي «بوقف التحاور مع الإسلاميين؛ في إشارة إلى ما يسمى بسياسة المصالحة الوطنية التي ينتهجها الرئيس بوتفليقة. وكتبت» صحيفة وهران «الأكثر رواجاً بين الصحف الصادرة باللغة الفرنسية:» بعدما اضطرت من وجهة النظر القانونية إلى الإفراج عن المعتقلين في المهلة المحددة، باتت السلطة تواجه معضلة «. وقالت الصحيفة:» والسؤال الآن هو: هل سيمتنع قائدا الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة عن انتهاك الممنوعات التي فرضت عليهما «. وقالت صحيفة:» لا نوفيل ريبوبليك «إن رفض علي بلحاج التوقيع على المحضر قد يؤدي إلى» مواجهة «مع السلطات. وأوضحت صحيفة» ليبيرتيه « أن هذا» لإفراج يثير قلقا كبيراً «وأن» تاريخ والمخالفات (التي ارتكبها علي بن حاج) الذي لم يُبْدِ أبداً ندماً أو اعتذاراً، تكفي لوصفه بأنه خطير ( ... ) ولا سيما أن الجزائر تشهد وضعاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً يشبه الوضع الذي انبثقت فيه الجبهة الإسلامية للإنقاذ وتطلعاتها إلى السلطة «. واعتبرت صحيفة» لكسبرسيون «إن هذا الإفراج» يعيد الريبة والقلق « ورأت أن بلحاج يعتبر أن» كل شيء على ما كان عليه من قبل ويجب أن تتواصل المعركة «إلا أنها شددت على أن» الفرق هو سقوط ١٥٠ ألف قتيل جزائري «. وأكدت صحيفة» الفجر « (الصادرة باللغة العربية) أن كل هذه الخطوات التي خطاها علي بن حاج في يوم الإفراج عنه تدل على أن السجن لم يؤثر عليه وأن زيارته إلى تلفزيون الدولة حيث اعتقل في يونيو ١٩٩١م» دليل «على أنه مصمم على منازلة السلطات. أما الدولة العلمانية، فلم تنتظر تحريض أبواق الفرنسيس؛ فقد طلب مسؤول في وزارة الإعلام الجزائرية في اليوم التالي لإطلاقهما من الموفدين الخاصين لمحطات التلفزة الأجنبية الذين أتوا لتغطية الإفراج عن زعيمي الجبهة الإسلامية للإنقاذ، مغادرة البلاد حسبما أفاد أحد هؤلاء الصحافيين. وقال الصحافي إن » السلطات الجزائرية استاءت من بث صور عن الإفراج مساء الأمس الأربعاء « عن عباسي مدني زعيم الجبهة ونائبه علي بلحاج. وتابع» أرغمتنا السلطات على المغادرة لعدم إعطاء أصداء إعلامية كبيرة لبلحاج «. وأشار إلى أن السبب الذي أعلن رسمياً لهذا الإجراء هو» المس بسيادة الدولة «. وشبكات التلفزيون المعنية هي الشبكات الفرنسية» تي إف ١ «و» فرانس ٢ «و» فرانس ٣ « و» الشبكة النيابية «، إضافة إلى شبكة» آر تي بي إف «البلجيكية. وفي انتظار ذلك، أُرغم الصحافيون يوم الإفراج على ملازمة فنادقهم في وسط العاصمة، وقد منعهم هذا الأمر من تغطية الإفراج عن الزعيمين الإسلاميين. هذا الذي تقدم يشير بلا مواربة إلى ما يلي: ١ - المتهم الإسلامي في عرف» الليبراليين الجدد «متهم ومدان ويجب أن تنفذ عليه الأحكام والإجراءات المقيدة لحركته، حتى لو كان أنهى عقوبته التي لم يكن نص الحكم فيها يشير من قريب أو بعيد إلى سنوات حظر سياسي. ٢ - الدولة الجزائرية العريقة سبقت بمراحل تركيا / أتاتورك التي تمنع الزعيم الإسلامي نجم الدين أربكان من ممارسة أي نشاط سياسي بمقتضى حكم قضائي، لكن المحكمة العسكرية الجزائرية اكتفت بـ» التنبيه «على الشيخين بحظر أي نشاط سياسي لهما. ٣ - السلطة القضائية العسكرية الجزائرية تفردت من دون سلطات ومحاكم العالم بأنها» تمنح «المتهم حكماً لدى دخوله السجن وآخر لدى خروجه منه. ٤ - الحرية التي منحتها الحكومة الجزائرية للشيخين مشروطة فقط بضرورة الامتناع عن ممارسة أي نشاط سياسي واجتماعي وثقافي وديني، مستبقية للشيخين حرية ممارسة أنشطة رياضية فقط، ليصبح من حق الدكتور عباسي مدني (٧٢ عاماً) الحاصل على أرفع الدرجات العلمية في لندن (الدكتوراه في التربية والفلسفة) أن يصبح» الكابتن مدني «ويحق له حينئذ المشاركة في» بطولات « الدوري الكروي الجزائري!! ٥ - التساؤل يطرح الآن عن معنى الشروط التي وضعتها النيابة العسكرية لإطلاق مدني وبلحاج ومدى تطابقها مع الواقع الجديد في البلاد. فالرجلان أصلاً لم يدانا بتهمة جنائية تسقط عنهما حقوقهما السياسية. كما لم يدانا بتهمة إراقة الدم التي استثناها قانون الوئام من العفو. ٦ - المثير للاستغراب أنه قد يكون مفهوماً أن تحذر النيابة العسكرية الرجلين من اللجوء إلى العنف أو التحريض عليه أو الدعوة إلى ممارسة القوة لتغيير النظام السياسي؛ لأنهما يقعان في مثل هذه الحال تحت طائلة القانون. لكن ما ليس مفهوماً حرمانهما من الإقدام على كل» ما من شأنه أن يعتبر موقفاً سياسياً «، إلا إذا كان الهدف من هذا المنع إيجاد مسوِّغ لإعادتهما إلى الاعتقال أو الإقامة الجبرية. ٧ - أنه في زحمة أحداث الإفراج نسي المبطلون في الصحافة» الناعقة « بالفرنسية أن الشيخين اعتقلا دون سند قانوني قبل أن تراق قطرة دم واحدة في الجزائر وقبل الانقلاب على المسار الديموقراطي، وعليه فهما غير معنيين بالمرة بقضايا العنف الذي يحاول الصحفيين المؤدلجين فرنسياً أن يلصقانها بالشيخين الجليلين. ٨ - الصحافة الفرنسية (والمتفرنسة) الجزائرية نسيت أو تناست أن الشيخين كانا أحرص الساسة في الجزائر من منطلق عقدي يسبق السياسة على وقف نزيف المسلمين في الجزائر، وتناسوا دور الاستخبارات الجزائرية التي عرته أكثر من جهة وأكثر من طرف من داخل أجهزة الاستخبارات عينها أدركتهم وخزات الضمير ممن شاركوا في صنع الجريمة، وتناسوا الدور المشبوه الذي قامت به » الجماعة الإسلامية المسلحة « (الجيا) في تشويه صورة الجبهة الإسلامية للإنقاذ ورموزها عبر العنف القذر الذي قامت به بمعية رجال الاستخبارات والموساد (وفق ما دلل عليه خبير استخباري عربي في شؤون الموساد) التي ترتبط الجيا عبر حبل سري بهما بهدف سرقة النصر السياسي الذي حققته الجبهة الإسلامية للإنقاذ.. تناست تلك الصحافة أن أكبر معول هدم لرمزية الرجلين كانت من خلال هذا العنف الأحمق الذي يستحيل أن يكون الرجلان قد عملا من خلاله على هدم نفسيهما لدى الشعب الجزائري بعد أن كانا منه بمنزلة السمع والبصر.

стр. 4689

المسلمون والعالم إلغاء القوات المسلحة العراقية وتصاعد المقاومة ضد سلطة الاحتلال الأنجلو / أمريكي لواء أ. ح.د. زكريا حسين [*] قامت قوات الاحتلال الأمريكي البريطاني في العراق بإلغاء القوات المسلحة العراقية وإلغاء وزارة الدفاع وإلغاء وزارة الإعلام وتسريح أعضائها بعد تدمير أجهزة البث المرئية والمسموعة؛ وذلك تطبيقاً لقرار مجلس الأمن رقم ١٤٨٣ الصادر في ٢٢/٥/٢٠٠٣م، والذي نص على رفع جميع العقوبات التجارية والمالية المفروضة على العراق منذ عام ١٩٩٠م باستثناء واردات السلاح؛ حيث يظل الحظر قائماً في شأنها؛ كما يقنن ويبارك تسليم دولة العراق إلى سلطة الاحتلال، ويعطيها حق إدارته وتشكيل أسلوب حكمه والتصرف في موارده دون سند من شرعية، ثم يفرض على الأمم المتحدة التعاون والتعامل مع سلطة الاحتلال، بل ويمنحها صلاحيات وسلطات تتجاوز تلك المقررة وفقاً لاتفاقيات جنيف لعام ١٩٤٩م؛ وذلك دون تحديد مدة زمنية للاحتلال اكتفاءً باشتراط قيام حكومة عراقية تتسلم زمام الأمور، ورغم أنه من المسلَّمات في أحكام القانون الدولي أن سلطة الاحتلال ليس لها سوى صلاحية إدارة الأراضي تحت الاحتلال بالقدر اللازم لتدبير أموره المعيشية وتأمين سلامته دون أن يكون لها صلاحية التحكم في موارده أو استغلالها، وهي أحكام تجاوزها قرار مجلس الأمن الذي أضفى الشرعية على قرارات سلطة الاحتلال، ومن ثم كان قرار إلغاء القوات المسلحة ووزارة الدفاع إلى جانب قرارات أخرى، تمثل إلغاءً لمظاهر سيادة الدولة، وتتجاوز كل المتعارف عليه عبر التاريخ؛ حيث يعني هذا القرار إمعاناً في الإذلال وإهدار الكرامة وإجهاض أي تفكير في مقاومة الاحتلال أو مواجهته مستقبلاً. وفي محاولة لإلقاء الضوء على هذا القرار فإننا سنحاول الإجابة عن التساؤلات الآتية: أولاً: كيفية بناء القوات المسلحة العراقية. ثانياً: كيف انعكست المغامرات غير المحسوبة لنظام صدام حسين على هذه القوات؟ ثالثاً: ما الظروف التي كانت سائدة في العراق قبل قرار إلغاء القوات المسلحة العراقية؟ رابعاً: ما الأسلوب الأمثل للمعالجة في ظل حقيقة فرار قيادات وأفراد القوات المسلحة العراقية؟ خامساً: كيف انعكس قرار إلغاء القوات المسلحة على تصاعد المقاومة العراقية؟ * أولاً: كيفية بناء القوات المسلحة العراقية: إن متابعة حجم الإنفاق العسكري على بناء القوات المسلحة العراقية سواء للتعويض عن خسائرها خلال حرب الثماني سنوات مع إيران، أو لزيادة حجمها بعد ذلك لعل ذلك يعبر عما وصلت إليه هذه القوات من ضخامة باعتبار أن الإنفاق العسكري يعتبر من أبرز مؤشرات قياس حجم القوة المسلحة. إن إجمال حجم الإنفاق العام طبقاً لتقدير وكالة الحد من التسلح ونزع السلاح التابعة للأمم المتحدة يسير إلى أن العراق قد أنفق في الفترة من عام ١٩٧٨م وحتى عام ١٩٨٠م حوالي ٢٥.٢ مليار دولار، كما أنفق في الفترة من عام ١٩٨٠م وحتى ١٩٨٩م حوالي ٥٠.٢ مليار دولار، بإجمالي حوالي ٧٥.٥ مليار دولار بما يعادل ٤٠% من إجمال ناتجه القومي الكلي، ٦٠% من الإنفاق الحكومي. وصلت ميزانية الدفاع السنوية ١٢.٩ مليار دولار عام ١٩٩٠م، وأصبح متوسط ما ينفقه العراق على التسلح ٧٢٠ دولار لكل فرد في القوة المسلحة من إجمالي نصيب الفرد من الناتج القومي الذي وصل متوسطه إلى ١٩٤٠ دولار للفرد الواحد سنوياً. زاد هذا الإنفاق من ديون العراق التي وصلت إلى ما يزيد على ٧٠ مليار دولار. أدى هذا الإنفاق إلى أن وصل حجم القوة المسلحة العراقية بعد تعويض خسائر ثماني سنوات من الحرب مع إيران إلى الآتي: - قوات برية ٩٥٥ ألف مقاتل منهم ٤٨٠ ألف من الاحتياط. - نظمت هذه القوات من خلال ٧ - ٨ فيالق بها حوالي ٦٠ إلى ٦٦ فرقة؛ منها: ٧ فرق مدرعة ميكانيكية، ٨ فرق حرس جمهوري، ٤٠ فرقة مشاة، ٢٠ لواء قوات خاصة وصاعقة. - تمتلك حوالي ٦٧٠٠ دبابة من أنواع متعددة. - من ٣٠٠٠ إلى ٥٠٠٠ قطعة مدفعية، ٥٠٠ قطعة مدفعية ذاتية الحركة. - ٢٠٠ قاذف صاروخي متعدد الأدلة. - ١٨٠ صاروخ مختلف الأنواع. - ١٥٠٠٠ قطعة صواريخ مضادة للطائرات. - حوالي ٧٠٠ - ٧٧٠ مقاتلة وقاذفة، ١٠٠٠ طائرة نقل وهليكوبتر وإنذار مبكر. التصنيع الحربي العراقي: نجح العراق في إقامة صناعات حربية متطورة قبل غزوه لدولة الكويت امتدت لصناعة الصواريخ بالنوعيات والمنظومات المتعددة وذلك من خلال الاعتماد على الكثير من الخبرات الأجنبية المدربة على تشغيل خطوط الإنتاج لهذه الصناعة، إضافة إلى خط إنتاج للمقذوفات المضادة للدبابات الفردية وذلك منذ عام ١٩٧٥م، كما ركز العراق على إنتاج الصواريخ بعيدة المدى مثل الصاروخ الحسين ومداه (٦٥٠) كيلو متراً والصاروخ العباس ومداه (٩٠٠) كيلو متراً. وقد سعى العراق لإقامة صناعة للطائرات، وقد بدأ فعلاً في إنشاء مصنع للطائرات وكان على وشك الانتهاء من إنتاج الطائرة الخفيفة المصنوعة من الألياف الزجاجية، كما نجح في إنتاج الطائرة الموجهة بدون طيار، وكان يقوم بتصنيع كامل لكل خزانات الوقود للطائرات. كما تسيطر هيئة التصنيع العسكري العراقي على جميع المصانع الحربية والتي يتبعها أربعة مجمعات صناعية حربية كبرى تضم حوالي عشرين مصنعاً من مختلف نوعيات وذخائر الأسلحة. وقد كانت هناك خطة طموحة لاتجاهات البحوث والتطوير في الصناعات الحربية بإدخال تعديلات وتحسينات على نظم التسليح المستوردة والموجودة في الخدمة شملت عشرة نوعيات من الطائرات والصواريخ والدبابات والمدافع، وقد كان العراق يستعين بالخبرة الأجنبية في هذا المجال وخاصة من بريطانيا وألمانيا وفرنسا والصين. وقد شملت المشروعات التي استكمل تطويرها ستة مشروعات تركزت أساساً في تطوير الصواريخ، وقنابل الطائرات العنقودية، وقنابل الطائرات الارتجاجيه، والرؤوس الحربية الحاملة للصواريخ، ومستودعات الطائرات. * ثانياً: انعكاس المغامرات غير المحسوبة لنظام (صدام حسين) على القوة المسلحة العراقية: بدأ الرئيس العراقي حربه ضد إيران في ٢٢/٩/١٩٨١م، وكان احتياطي النقد لبلاده يبلغ ٣٥ مليار دولار، تم استنفادها في ٣٦ شهراً الأولى من الحرب، وعند وقف إطلاق النار بين العراق وإيران بلغ حجم مديونية العراق ما بين ٧٠ إلى ٨٠ مليار دولار معظمها لدى الكويت والمملكة العربية السعودية. كما شملت الخسائر البشرية - قتل ربع مليون عراقي، وأسر ١٠٠ ألف آخرين، وتدمير هائل في البنية الأساسية للدولتين، مما أنهى الحرب والعراق على حافة الإفلاس، وأصبح «صدام حسين» نفسه على حافة السقوط. ثم كان التحول المفاجئ الذي طرأ على السياسة العراقية إزاء إيران والتنازلات العديدة التي قدمتها بغداد لطهران والتي كانت مثار حديث العالم ودهشته؛ فقد قدم العراق تنازلات عديدة من أهمها اعترافه باتفاقية الجزائر عام ١٩٧٥م والانسحاب من الأراضي الإيرانية، إضافة إلى التعويضات العسكرية والتي تمثلت في حصول إيران على كل ما يمكنها الحصول عليه من النفط العراقي والذي يصل إلى ١٥٠ ألف برميل من النفط يومياً يتم نقلها عبر شط العرب عن طريق الأسطول العراقي من اللوريات، ثم بالسفن من شبه جزيرة «الفاو» وتبلغ قيمته ٤.٥ مليون دولار يومياً، أي ما يعادل ١.٥ مليار دولار سنوياً، مما دعا وزير الخارجية الإيراني «علي أكبر ولاياتي» في ذلك الوقت إلى التصريح بأن ما تحقق يُعد أعظم الانتصارات الإيرانية على مدى التاريخ؛ حيث كانت تطالب إيران بـ ٣٠٠ مليار دولار تعويضات عسكرية، ولكنها حصلت على ما هو أكبر من ذلك، في مقابل وعد إيراني بعدم مهاجمة العراق في حالة دخولها حرباً مع الولايات المتحدة وحلفائها. وكان من الطبيعي بعد انتهاء دور العراق في مواجهة وتحجيم القوة الإيرانية وإضعافها، وبعد كل هذا النمو والطفرة التي أخلت بالميزان الاستراتيجي مع إسرائيل، وأصبح يميل لصالح العرب لأول مرة منذ بدأ قيام دولة إسرائيل؛ كان من الطبيعي أن يتم توافق استراتيجي أمريكي إسرائيلي على ضرورة تجريد العراق من وسائل قوته العسكرية خاصة اتجاهه لإنتاج أسلحة دمار شامل، وبداية امتلاكه لناصية التكنولوجيا العسكرية المتقدمة، وقد مر هذا التخطيط بثلاث مراحل رئيسية: أولها: مرحلة ما قبل الغزو العراقي لدولة الكويت وتحديداً بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية. ثانيها: مرحلة الغزو العراقي لدولة الكويت وما بعدها. ثالثها: مرحلة ما بعد أحداث ١١/٩/٢٠٠١م في الولايات المتحدة الأمريكية. وعلى ذلك فقد بدأت الاستفزازات التي انطلقت سراً وعلانية ضد الحكومة العراقية، وتوالت الحملات الإعلامية التي تتوعد بتحجيم القوة المسلحة العراقية، والتي نجح العراق في بنائها؛ حيث قدرها المحللون بأنها وصلت لمرتبة القوة الرابعة في العالم أجمع، ومن ثم حققت ولأول مرة التفوق المطلق على القوة المسلحة الإسرائيلية سواء في الأسلحة التقليدية وفوق التقليدية، بل واقتربت كثيراً من امتلاك السلاح النووي العربي.. وقد كان طبيعياً أن تنزعج الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل من هذا التفوق وهو الأمر الذي أدى إلى عقد مؤتمر قمة عربي في بغداد في ٢٨/٥/١٩٩٠م لإمكان التصدي لهذه التهديدات فيما وصفه المحللون بأنه مثال لتضامن عربي فعال لم يسبق له مثيل إلا في وقفة الأمة العربية وتضامنها أثناء عمليات أكتوبر ١٩٧٣م، وقد انتهى مؤتمر القمة إلى قرارات عدة لعل أهمها ما صدر عنه لصالح جمهورية العراق وأبرزها: أولاً: الاستنكار الشديد للحملات الإعلامية والسياسية والتهديدات الموجهة ضد العراق، والتأكيد على التضامن العربي الفعال مع جمهورية العراق مع حقه في اتخاذ كافة الإجراءات الكفيلة بتأمين وحماية أمنه الوطني بما في ذلك امتلاك وسائل العلم والتكنولوجيا وتوظيفها للأغراض السلمية. وثانياً: التأكيد على حق جمهورية العراق والدول العربية في الرد على أي عدوان على أية دولة عربية خاصة العراق، وذلك بالوسائل التي تراها مناسبة لتأمين الدفاع عن نفسها وعن أمنها وسيادتها. وثالثها: الدعوة إلى مواصلة السلام بين العراق وإيران على أساس قرار مجلس الأمن رقم (٥٨٩) واتفاقية جنيف الثالثة لعام ١٩٤٦م الخاصة بمعاملة أسرى الحرب. ثم كانت المغامرة الثانية «لصدام حسين» بقيامه بغزو دولة الكويت في أغسطس ١٩٩٠م مما هيأ ظروفاً مناسبة لتدمير جيش ودولة العراق. فقد أجمع كافة المحللين العسكريين على أن الولايات المتحدة التي قادت الحشد العسكري لقوات أكثر من (٣٥) دولة في العملية «عاصفة الصحراء» قد تجاوزت هدف تحرير الكويت وعودة الحكومة الشرعية لها بتدمير القوات المسلحة العراقية إلى تدمير البنية الأساسية للدولة والقدرات الصناعية ووسائل الاتصال ومعظم الكباري والمعابر وخطوط أنابيب ومصافي وأماكن شحن وتصدير النفط ومعظم المدن الرئيسية العراقية. وقد كانت القوة المسلحة العراقية الخاسر الأعظم في هذه الحرب؛ فقد كان لأوجه القصور والنقص في أدائها أثره على الهزيمة العسكرية الموجهة لها؛ حيث تعرضت لخسائر وصلت إلى ما بين ٤٠ إلى ٦٠% من حجمها!!! تم أجهزت العقوبات الاقتصادية القاسية التي قررها مجلس الأمن على ما تبقى من قوة مسلحة عراقية وما كان يملكه من قاعدة صناعية حربية؛ حيث أعاق الحصار المحكم على العراق منع وصول قطع الغيار والمعدات الفنية لما تبقى له من قوة مسلحة تقليدية، مما يمكن معه القول بأنها تحولت إلى مجرد أعداد جوفاء لا تمتلك كفاءة قتالية أو فنية فعالة.. هذا إلى جانب قرار مجلس الأمن بإزالة ترسانة العراق من أسلحة الدمار الشامل والتي قامت اللجان الفنية التي شكلها بتدميرها وكذلك قدرات تصنيعها مع فرض نظام للمراقبة لا يسمح بإعادة إنتاجها مستقبلاً. وهكذا خرجت دولة العراق أكبر دولة عربية قوة عسكرية واقتصادية؛ حيث كانت ضمن دول عربية محدودة تمتلك ثروة بترولية زراعية وثروة صناعية وثروات أولية إلى جانب قوة بشرية وكوادر علمية شكلت رصيداً هائلاً للقدرة العربية في مواجهة كل ما يتهددها من عدائيات، وأعادت الخلل الشديد في ميزان القوى خاصة العسكرية منها لدولة إسرائيل مما هيأ ظروفاً مناسبة لفرض السلام الإسرائيلي!! إن الحقيقة التي أكدتها متابعة الأحداث بعد مرور «أكثر من عشر سنوات» من انتهاء حرب الخليج تشير إلى تضخيم حجم القوة المسلحة العراقية المزعومة هو المسوغ الرئيسي لاستمرار اتباع سياسة أمريكية / بريطانية تجاوزت مهمة تحرير دولة الكويت وعودة السلطة الشرعية لها إلى تدمير الدولة.. وإبادة الشعب العراقي من خلال السير على طريق عدة محاور متوازية ومتكاملة: أولها: دعم واستمرار عمل اللجنة الفنية لنزع أسلحة الدمار الشامل العراقية واستغلالها كوسيلة لاختراق أمن العراق من جانب. ولاستمرار فرض العقوبات الاقتصادية المدمرة له من جانب آخر. وثانيها: تقسيم العراق بفرض مناطق حظر جوي يحجبه تأمين الشيعة في الجنوب والأكراد في شمال العراق. وثالثها: غض الطرف عن الاختراق الإيراني والعلميات العسكرية التركية المتكررة لغزو شمال العراق تحت زعم كبح العمليات الإرهابية سواء (لجماعة مجاهدي خلق الإيرانية) أو ضد (حزب العمال الكردستاني) . ورابعها: صياغة محكمة لإنفاق «النفط مقابل الغذاء» بما يسمح بالسيادة الكاملة على مبيعات النفط وأوجه إنفاقها مما يعد اختراقاً صارخاً لأمن وسيادة العراق. وخامسها: اتباع سياسة الضربات الجوية والصاروخية بحجة فرض قرارات مجلس الأمن. ثم كانت أحداث ١١/٩/٢٠٠١م في الولايات المتحدة الأمريكية لتكون دولة العراق هي الضحية له بعد أن أصبحت هدفاً سهلاً وهشاً يسهل تحقيقه؛ حيث تردد أن قرار غزو العراق قد صدر بعد هذه الأحداث مباشرة، وأن الخطوات التنفيذية له بدأت عند إعلان الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في ٢٠/٩/٢٠٠٢م على مرحلتين رئيسيتين: - مرحلة أطلق عليها الحرب الدبلوماسية انتهت بصدور قرار مجلس الأمن رقم ١٤٤١. - ومرحلة الحرب الساخنة التي بدأت في ٢٠/٣/٢٠٠٣م بدون قرار من مجلس الأمن وبدون سند من شرعية دولية لتأكيد إصرار الولايات المتحدة على استكمال مخطط لتدمير العراق والانطلاق منه لمرحلة إعادة صياغة الشرق الأوسط. * ثالثاً: الظروف التي كانت سائدة في العراق قبل صدور قرار إلغاء القوة المسلحة: لعل قراءة الهدف الاستراتيجي العسكري للصراع المسلح مع العراق والذي أعلنه الجنرال «ريتشارد مايلز» رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكي يؤكد ذلك حيث يقول ذلك الهدف: «إقناع النظام العراقي بحتمية سقوطه من خلال إحداث صدمة قوية بالقصف الجوي القوي الذي يمهد لدخول القوات الأمريكية دون قتال» . هذا وقد أثار سقوط العاصمة بغداد واستسلام وفتح مدينة البصرة ثاني المدن العراقية واستكمال إحكام قبضة القوات البريطانية على منطقة شط العرب الاستراتيجية وآبار النفط بها وذلك يوم ٩/٤/٢٠٠٣م اليوم الحادي والعشرين للعمليات.. لقد أثار ذلك عدة احتمالات لهذا الانهيار المفاجئ خاصة مع تزامنه الاستسلام الكامل لمعظم المدن الرئيسية العراقية بما فيها العاصمة بغداد.. مما طرح سؤالاً محيراً: هل قررت قيادات القوات المسلحة العراقية عدم مواجهة الغزو الأمريكي؟ وفي مجال الإجابة على هذا التساؤل فإن أبرز الاحتمالات ترجيحاً هو ذلك الاحتمال الذي طرحه «أحمد الجلبي رئيس المؤتمر الوطني العراقي» والذي أعلن فيه عن حقيقة فرار قيادات وجنود القوات المسلحة العراقية وتركهم لأسلحتهم، ورفضهم استمرار القتال ومواجهة القوات الأمريكية والبريطانية دفاعاً عن نظام الرئيس صدام حسين من جهة.. وحفاظاً على ما تبقى من العاصمة بغداد والمدن الرئيسية والبنية الأساسية العراقية من جهة أخرى!! * رابعاً: ويبقى تساؤل هام: هل كان قرار الإلغاء للقوات المسلحة يمثل الأسلوب الأمثل لمعالجة الموقف، أم أنه كان هناك بدائل غير هذا القرار؟ الحقيقة أنه بافتراض أن هذا الاحتمال قد حدث فإنه لم يكن يستدعي بالضرورة إصدار قرار بالإلغاء وتسريح القوات المسلحة ووزارة الدفاع باعتبارهما أحد أهم مظاهر السيادة للدولة، وكان الأسلوب الأمثل للمعالجة يستدعي سرعة استدعاء قيادات القوات المسلحة الرئيسية وتنسيق الأسلوب الأنسب لعودة أفراد القوات المسلحة إلى وحداتهم ثم التفكير في ترشيد وتطهير القيادات والضباط وبناء كوادر قيادية جديدة تتولى إعادة بناء القوات المسلحة وإصلاح ما تم تدميره منها، وذلك باتباع الخطوات الآتية: - تسريح كل قوات وجنود الخدمة الاحتياطية بعد دفع مستحقاتهم المالية طبقاً للقواعد المالية التي كانت سائدة.. ومن ثم يتم خفض القوة المسلحة إلى حوالي ٣٠ - ٤٠% من حجمها وهي القوات العاملة المحترفة والتي تعتمد في معاشها على مرتباتها المالية من خلال عملها الدائم بالقوات المسلحة. - إحالة كبار الضباط من رتبتي العميد واللواء إلى المعاش وإحلالهم بقيادات جديدة من المشهود لهم بالكفاءة وعدم الانتماء الحزبي أو الولاء المطلق لحكم «صدام حسين» أو حزب البعث بعد دفع مستحقاتهم المالية. - إعادة إصلاح وصيانة ما تم إعطابه من الأسلحة والمعدات لرفع الكفاءة الفنية للمتوفر منها باعتبارها نواة لجيش وطني من ناحية، ولصعوبة تعويض الإنفاق المالي الذي تم عليها من ناحية أخرى. - تخزين كل الأسلحة الزائدة عن الحاجة والخاصة بقوات وجنود الاحتياط الذين تم تسريحهم على أن يكون التخزين بطريقة فنية تسمح بإعادة الاستخدام مستقبلاً. - تجميع كافة الذخائر من جميع الأنواع، وتكوين نوايات لتشكيلات مقاتلة من القوات العاملة فقط حتى يتوفر قدر من الأمن لقوة الاحتلال وضمان عدم إذكاء روح المقاومة للمستعمر في المستقبل القريب!! - من الضروري وضع خطة بناء القوات المسلحة وإعادة تشغيل مصانعها الحربية ضمن الأسبقيات الرئيسية في خطة إعادة بناء الدولة إذا صدقت النوايا باعتبار أن القوات المسلحة وامتلاكها لوسائل التصنيع الحربي المختلفة تعتبر أهم المظاهر الرئيسية لسيادة الدولة وتوفير القدرة لها للدفاع في مواجهة التهديدات التي تتهددها. - أهمية اختيار وزير للدفاع عند تعيين حكومة وطنية جديدة يكون من الكوادر عالية المستوى ومن صفوف المعارضة الوطنية، وأيضاً تعيين رئيس للأركان له ليقوم باتخاذ الخطوات الآتية على طريق إعادة بناء القوات المسلحة: * بناء هيئة أركان القوات المسلحة من الفئات عالية المستوى المشهود لها بالكفاءة والولاء للدولة وليس للنظام. * فتح المنشآت التعليمية سواء لإعداد الضباط وضباط الصف والجنود وإعطائهم التعليم الأساسي والتخصصي اللازم لاحتياجات القوات المسلحة مع التركيز في المرحلة الأولى على نظام التطوع الذي يتطور مستقبلاً إلى نظام التجنيد الإجباري. * إحياء دور هيئة التصنيع والإنتاج الحربي وإصلاح المصانع الحربية بكافة أنواعها، وإعادة تشغيل المدمر منها لتلبية احتياجات القوات المسلحة والاستفادة من الكوادر والكفاءات والخبرات العلمية والفنية التي تراكمت خلال عقدين من الزمان والتي تم إعدادها لصالح دولة العراق في هذا المجال. هذا إضافة إلى العديد من الإجراءات الأخرى التي تضمن وجود قوة مسلحة وطنية كمظهر رئيسي من مظاهر سيادة الدولة مع مراعاة ألا يتسبب وجود هذه القوة في مواجهة مسلحة قريبة أو عاجلة مع قوة الاحتلال. * خامساً: كيف انعكس قرار إلغاء القوات المسلحة على تصاعد المقاومة العراقية؟ إن ما نشهده من تصاعد للمقاومة العراقية يؤكد التخبط الذي تسير عليه الإدارة الأمريكية الإنجليزية في العراق، وعدم وجود تخطيط لما يسمى «مرحلة ما بعد صدام» أو مرحلة «فراغ السلطة» كما اتفق على أن يطلق عليها.. وأن ما يؤكد حقيقة ذلك عدة اعتبارات: أولها: أن الإدارة الأمريكية قد بدأت بالاعتماد على قائد عسكري هو «الجنرال جاي جارنر» ومعه حوالي ١٥٠ ألف جندي أمريكي وبريطاني لفرض حكم عسكري صارم في العراق استهدف فرض الأمن وإعادة النظام، مما جعل استخدام القوة وإطلاق النار وترويع المواطنين هو اللغة والوسيلة الوحيدة لفرض الأمن مما أثار الشعور العام لدى المواطن العراقي على مختلف انتماءاته وتوجهاته السياسية. ثانيها: مع إدراك الإدارة الأمريكية بإخفاق هذا الاتجاه كان تعيينها لحاكم مدني هو «بول برايمر» مع وعد بتشكيل حكومة مدنية وإصلاح وعلاج ما دمرته الحرب بالعراق. ثالثها: أنه منذ بداية عملية الغزو الأنجلو / أمريكي للعراق في ٢٠/٣/٢٠٠٣م، وحتى سقوط بغداد ومعظم المدن الرئيسية الأخرى وانهيار نظام «صدام حسين» في الحادي عشر من أبريل.. ومع كل التدمير الذي أحدثته عملية الغزو بالشعب العراقي والبنية والمرافق الأساسية والاقتصادية.. فإن أهم ما نجحت فيه الولايات المتحدة هو فرض القرار ١٤٨٣ في ٢٢/٥/٢٠٠٣م والذي نص على رفع كافة العقوبات الاقتصادية المفروضة على العراق منذ عام ١٩٩١م باستثناء واردات السلاح؛ حيث يظل الحظر لها قائماً.. وقد عهد القرار لسلطة الاحتلال باستخراج ثروة العراق النفطية وتسويقها، وحرية التصرف في عائداتها في غياب الدولة والشعب العراقي ومؤسساته من ناحية.. وغياب رقابة المجتمع الدولي من ناحية أخرى. رابعها: قامت سلطة الاحتلال استناداً لهذا القرار بإلغاء القوات المسلحة ونزع سلاح العراق بالكامل، وإلغاء وزارة الإعلام وتسريح أعضائها، بل وتمادت في حل وتسريح العديد من أجهزة الدولة بالقدر الذي جعل الحالة في العراق كالآتي: - توقف برنامج النفط مقابل الغذاء والذي كان يوفر الغذاء لحوالي ١٦ مليون مواطن بالقدر الذي أعلنت معه منظمة الغذاء العالمي بأن هناك حوالي ١٠ مليون أسرة عراقية يتهددها الجوع. - إلغاء الوزارات المدنية وتسريح أكثر من نصف مليون موظف بها. - إلغاء الأجهزة الأمنية وأجهزة الشرطة والتي قدرت بنحو ٢٥٠ ألف مواطن. - إلغاء القوات المسلحة والتي كان قوامها حوالي ٣٥٠ ألف جندي وضابط. - فرض الأمن من خلال دوريات مسلحة تطلق النيران عشوائياً على المتظاهرين أو المحتجين في صورة تماثل ما يحدث في الضفة الغربية وغزة على أيدي حكومة «شارون» . كل هذه الإجراءات حولت الغالبية العظمى من الشعب العراقي إلى شعب جائع افتقد موارده المالية التي كان يتعيش منها سواء ما كان يقدم من معونة في إطار برنامج النفط مقابل الغذاء أو توقف الرواتب الشهرية لكل العاملين بالدولة والقوات المسلحة وأجهزة الأمن وكل من كان ينتمي لحزب البعث الذي كان يحكم العراق!! هذا إلى جانب عدم البدء حتى في إصلاح البنية الأساسية التي دمرتها العمليات العسكرية والتي تسببت في انقطاع المياه والكهرباء، وعدم وجود صرف صحي بالقدر الذي بات يهدد بانتشار الأوبئة خاصة «مرض الكوليرا» . إلى جانب ضعف تجهيز المستشفيات ونقص الأدوية وعدم توفر وسائل العلاج الأمر الذي لا يجد معه المواطن الجائع والمهدد أمنياً سوى أن يقاوم وأن يثور، ومن هنا كان الانطلاق المبكر للمقاومة دون انتماء عقائدي أو تنظيم شعبي. إنها بداية حقيقية لثورة الجياع. كل هذه أسباب عجلت ببدء الثورة والمقاومة خاصة مع اتضاح الأهداف الحقيقية وراء عملية الغزو من ناحية والخطأ الفادح الذي ارتكبته الإدارة الأمريكية بإلغاء القوات المسلحة والشرطة وتحويل هذه الكوادر إلى عاطلين مما يفرض عليهم تنظيم المقاومة وتدريبها ضد الغزو في فترة زمنية قدر لها من ثلاثة شهور إلى ستة شهور. وفي النهاية أقول: إنه إذا صح ما قامت به القوات المسلحة من رفضها الدفاع عن نظام «صدام حسين» ربما يكون ذلك نتيجة طبيعية لمعاناة هذه القوة التي تم الزج بها في مغامرات ومخاطرات غير محسوبة تحقيقاً لطموحات زعامية زائفة أو لنزعة دموية جارفة لحاكم اتصف بقدر كبير من التسلط والدموية والدكتاتورية بالقدر الذي انفض عنه العالم كله شرقه وغربه شماله وجنوبه، وأذاق شعبه ودولته والمنطقة العربية كلها ويلات وكوارث واستنزاف وإهدار لثروتها وأمنها بالقدر الذي كان عاملاً حاسماً في تشجيع كل الطامعين والحالمين بنهب هذه الثروات، بل والتفكير في تغيير البيئة العربية كلها التي أنجبت قادة مثل «صدام حسين» .

стр. 4690

المسلمون والعالم المحاولات الأمريكية لاستغلال أكراد العراق د. فرست مرعي الدهوكي [*] لقد أذهلت تصريحات جلال الطالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني العراقي، وغيره من قادة الأحزاب الكردية في العراق؛ العرب والمسلمين حول دعم الجيش الأمريكي ومساندته في غزو العراق واحتلاله، والذي يُعَدُّ المرحلة الأولى لتغيير خريطة المنطقة العربية والإسلامية وإعادة رسمها من جديد. هذه التصريحات الغريبة والمتناقضة مع كل ما هو وطني وإسلامي؛ أساءت إلى حد كبير إلى سمعة الشعب الكردي الذي كانت له وقفات بطولية في التصدي لأعداء الأمة؛ سواء في مجابهة الصليبيين عندما حاولوا غزو المشرق الإسلامي إبان العصر الإسلامي، أو في مجابهة الروس عندما حاولوا غزو الدولة العثمانية أثناء الحرب العالمية الأولى، أو غيرها من معارك الجهاد والشرف التي ساهم فيها الكرد، كما في التصدي للإنجليز والروس في العراق وإيران، والفرنسيين والطليان واليونانيين في تركيا وسوريا. هذه الأمجاد والبطولات حاول جلال الطالباني وغيره من زعماء الأحزاب الكردية لطخها بالوحل؛ عندما أبدوا استعدادهم للتعاون مع أمريكا، وجعلوا أنفسهم جنوداً تحت الطلب (مرتزقة) في خدمة الآلة الحربية الأمريكية؛ بدون ثمن سوى أن تدنس بغداد وتسقط تحت جحافل الغزو المغولي الجديد للتشفي والانتقام والسيطرة، ولم يدر بخلدهم أن سقوط بغداد عار عليهم قبل غيرهم من الشعوب الإسلامية؛ لأنهم الأجدر بحمايتها لأنها عاصمتهم، وسبق لأجدادهم أن دافعوا عنها، وليس بعيداً جهاد الشيخ محمود الحفيد على رأس قوة من المجاهدين الكرد في التصدي للإنجليز ومقاتلتهم في البصرة مع المجاهدين العرب. وهكذا أصبح من شبه المؤكد أن دور الكرد في شمال العراق (كردستان) سيشبه إلى حد بعيد دور تحالف الشمال الأفغاني، حيث سيقع على عاتقهم مهمة المحافظة على احتلال بغداد؛ كما فعل الآخرون عندما احتلوا كابول وسلموها للأمريكان. ومما تجدر الإشارة إليه؛ أن مبعوث الرئيس الأمريكي زلماي خليل زاده لم يشر في كلمته أمام مؤتمر المعارضة الأخيرة في منتجع (صلاح الدين) إلى حقوق الشعب الكردي ولا إلى الفيدرالية التي يطالب بها زعماء الأحزاب الكردية في كل حين، ولا يزال بعض زعماء الكرد العراقيين سادرين في غيهم بخصوص دعم جهود أمريكا وحلفائها في المنطقة؛ بعكس توجهات الدول الإقليمية كتركيا وإيران وسوريا والعراق، وكأن لسان حالهم يقول ما دامت أمريكا إلى جانبنا فلتذهب القوى الإقليمية جميعها إلى الجحيم، ولم يدر بخلدهم أنهم سيكونون الضحية الأولى في هذه المعركة؛ لأنهم الحلقة الأضعف، فتركيا دولة إقليمية كبيرة ذات تاريخ مجيد وعضو في حلف الناتو، وأمريكا بحاجة إليها أكثر مما هي محتاجة إليها، أما إيران فهي الأخرى دولة إقليمية كبيرة ذات تاريخ قديم وتمثل الجانب الإسلامي الشيعي، كما أن العراق وسوريا دولتان عربيتان، ولا تستطيع أمريكا أن تضحي بعلاقاتها مع أكثر من عشرين دولة عربية ومصالحها الاستراتيجية والاقتصادية لأجل عيون بعض الميلشيات الكردية، وأمريكا تحاول بشتى السبل وضع نهاية للصراع العربي الإسرائيلي؛ فكيف تقوم هي نفسها بصنع مشكلة جديدة، وهي منح الاستقلال أو الفيدرالية للأكراد. أنا على يقين بأن زعماء الأحزاب الكردية على دراية تامة بهذا الموضوع، ولكن العناد والتشفي ومحاربة الإسلام وكل ما هو عربي جعلهم يمضون إلى حتفهم ، وليتهم فعلوا ذلك وحدهم، ولكنهم سيجرّون الشعب الكردي المسكين المغلوب على أمره إلى مصير أسود، وبعد ذلك سيستغلون مأساة هذا الشعب للوصول إلى مأربهم كما فعلوا مع مجزرة حلبجة والأنفال [١] . وكان جلال الطالباني قد عقد مباحثات مع الحكومة العراقية في سنة ١٩٨٣ - ١٩٨٤م، وتوصل إلى هدنة لوقف القتال، وخلال ذلك طلبت منه الحكومة العراقية تصفية القيادات الحزبية العراقية والكردية المعارضة؛ مثل: الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود البارزاني، والحزب الاشتراكي الكردستاني بقيادة الدكتور محمود عثمان [٢] ، والجيش الإسلامي الكردستاني بقيادة عباس الشبكي [٣] ، والحزب الشيوعي العراقي بقيادة عزيز محمد [٤] ، فقام بهذا العمل خير قيام، وتمت تصفية هذه الأحزاب وقتل العشرات من أفرادها، وليست مجزرة بشت آشان (منطقة في جبل قنديل) في سنة ١٩٨٢م عنا ببعيدة. وبعد إخفاق المفاوضات بين جلال الطالباني والحكومة العراقية؛ بدأ في الانحياز إلى النظام الإيراني، وتعبيراً عن حسن نيته تجاه زعماء الملالي في إيران قام بتصفية بعض زعماء وأعضاء الأحزاب الكردية الإيرانية من الديمقراطي والكوملة، وقدمهم على طبق من ذهب إلى النظام الإيراني، وهذا مما سهل له الدخول في تحالف قوي مع النظام الإيراني رغم الاختلاف الأيديولوجي الحاد بين الطرفين، فجلال الطالباني عقيدته ماركسية ماوية، بينما النظام الإيراني إسلامي شيعي راديكالي ينادي بتصدير الثورة الإيرانية الشيعية إلى بقية أنحاء العالم الإسلامي. ورغم هذا الاختلاف الجذري بين الطرفين؛ فإنهم دخلوا في تحالف براغماتي (مصلحي) جمعهم العداء للنظام العراقي، فكان أفراد حزب جلال الطالباني بمثابة أدلاء للمخابرات والجيش الإيراني في دخولهم إلى العراق، ومهاجمة المدن والقصبات الكردية ومعسكرات الجيش العراقي وحقول النفط في كركوك، وبلغ هذا التحالف ذروته في دخول الجيش الإيراني ومعه تحالف الأحزاب الكردية بقيادة جلال الطالباني إلى منطقة حلبجة الكردية، حيث تم نسف جسر «برده كون» (الجسر القادم) الواقع على نهر «أحمد آواه» الذي يصب في بحيرة «سيروان» لقطع الطريق على القوات العراقية والأفواج الكردية المتجحفلة معها لمنعها من الخروج ومحاصرتها؛ مما أدى إلى فرار كثير من أفراد الجيش العراقي وعناصر الأفواج الكردية الموالية لها، فيما وقع الكثير منهم في الأسر، وقد حاول أهالي حلبجة والمناطق المحيطة بها الفرار إلى المناطق الحدودية الآمنة، ولكن مفارز الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة شوكت حاجي مشير منعتهم بحجة أن المنطقة محررة، وأن الحكومة العراقية لن ترجع إلى هذه المنطقة بتاتاً. أما الحكومة العراقية فكان ردها بشعاً جداً فبدلاً من أن تلقي الأسلحة الكيمياوية على المحتل الإيراني ومقاتلي الأحزاب الكردية المتجحفلة معها، من الاتحاد الوطني الكردستاني، والحزب الاشتراكي الكردستاني، والحزب الشيوعي العراقي، والمتمركزة في المناطق المحيطة بحلبجة؛ فإنها بادرت بإلقاء السلاح الكيمياوي على أهالي مدينة حلبجة المسالمين وضواحيها في ١٦/٣/١٩٨٨م، فكان أن قتلت منهم في الحال حوالي (٤٥٠٠) شخص ما بين رجل وامراة وطفل، وجرحت آلافاً آخرين لا يزال قسم كبير منهم يئن من أمراض السرطان والعقم وغيرها، وكان دور الإيرانيين والأحزاب الكردية يتجلى فقط في نقل بعض الجرحى إلى الأراضي الإيرانية تمهيداً لمعالجتهم، واستغلال هذه المأساة البشعة أمام الإعلام الغربي [٥] لمصلحة إيران. وهكذا أصبحت مأساة أهالي مدينة حلبجة قميص عثمان بيد بعض زعماء الأحزاب الكردية، حيث حاولوا بهذه الطريقة دق إسفين بين العرب والكرد، وصنع حاجز نفسي تمهيداً للوصول إلى الأهداف التي نذروا أنفسهم من أجلها، وهي محاولة تغريب الشعب الكردي، ومحاولة فصله عن الجسم الإسلامي اقتداءً بسيدهم كمال أتاتورك، وتنفيذاً لمخططاتهم العلمانية التي تتوائم مع توجهات أعداء الإسلام. وكان الكثير من الحكماء والعقلاء يحذرون زعماء الأحزاب الكردية من السير في هذا الطريق الوعر والشائك (دعم ومساندة إيران) ضد بلدهم العراق، واستغلال إيران لهم كورقة ضغظ سيتم رميها متى انتفت الحاجة إليها، ولكن هؤلاء الزعماء لم يلقوا بالاً لهذه المناشدات، وكانوا يعتبرونها نوعاً من الضعف والسذاجة السياسية، ويرون أن عليهم استغلال هذه الظروف الصعبة التي يمر بها العراق، والتي قلما يجود الزمان بمثلها! وأخيراً سنحت الفرصة لصدام حسين قبيل انتهاء الحرب العراقية الإيرانية بأشهر عديدة، عندما رجحت الكفة لصالحه، واستطاع الحرس الجمهوري (غالبية أفراده من العرب السنة) تسديد ضربات قاصمة للجيش الإيراني، فحشد عدة فرق عسكرية يساندها العشرات من الأفواج الكردية المسلحة الموالية للحكومة العراقية للهجوم على المناطق الجبلية الوعرة الخارجة عن سيطرة الحكومة، والتي تتمركز فيها مقرات الأحزاب والتشكيلات العسكرية الكردية، ولم يستطع مقاتلو الأحزاب الكردية، وتحديداً الاتحاد الوطني الكردستاني، الصمود أمام الهجمات التي شنتها القوات العراقية لضخامتها وقوتها النارية، فتمكن الجيش العراقي من الدخول إلى المقرات الرئيسية للاتحاد الوطني الكردستاني، وتم احتلال مقرهم الرئيس في سركلو، فيما انسحب بقية المقاتلين إلى داخل الأراضي الإيرانية، فأضحى الشعب الكردي المنتشر في تلك المناطق ضحية لإجرام النظام، حيث تم سوق أكثر من مائة ألف كردي وبصورة قسرية على يد جلاوزة الأمن العراقي إلى صحارى جنوب العراق في عمليات ما يسمى «بالأنفال» ، حيث تم فصل الرجال عن النساء، ثم قاموا بحشر الرجال والفتيان في سيارات خاصة محكمة الإغلاق أشبه بحاويات الشحن، حيث بقوا أياماً طويلة بدون غذاء وماء، وتم نقلهم على جناح السرعة إلى صحارى المناطق الجنوبية والغربية في العراق، ويقال إنه تم حفر أخاديد عميقة في الأرض بواسطة البلدوزرات، وتم إلقاء هؤلاء الكرد الأبرياء والبائسين فيها تحت وابل من النيران التي أطلقها عليهم زبانية الأمن والاستخبارات العراقية، ومن ثم تم ردمهم بالتراب في حين كان بعضهم لا يزال على قيد الحياة [٦] . وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير هي ما حدث قبيل الحرب الأخيرة، حيث قامت الجماهير الكردية بمظاهرات ضد التدخل أو الغزو التركي لكردستان العراق، وقامت الجماهير الكردية الغاضبة المسيّرة بحرق العلم التركي في مدينتي أربيل وعقرة ووطئه بالأقدام؛ مما أثار حفيظة الزعماء والشعب التركي على حد سواء، فكان هذا أحد الأسباب التي جعلت القيادة التركية تغير من أسلوبها في التعامل مع أمريكا والقضية العراقية، وكان البرلمان التركي قد سبق له أن أصدر قراراً منع بموجبه وجود قوات برية أمريكية على الأراضي التركية تمهيداً لغزو العراق، ويبدو أن الأمريكيين هم الذين أوحوا للزعماء الكرد للقيام بمظاهرات من أجل استفزاز الأتراك وجعلهم يقدمون على فتح المجال الجوي للطائرات الأمريكية للدخول إلى العراق، وهذا ما حصل فعلاً، ففي ٢٦/٣/٢٠٠٣م تم إنزال حوالي ١٠٠٠ مظلي أمريكي من الفرقة ٧٣ المحمولة جواً في مطار حرير الواقع على بعد ٧٥ كم شمال مدينة أربيل، وقبلها تم إنزال مظليين أمريكيين في مطار طاسلوجة بالقرب من مدينة السليمانية لدعم الاتحاد الوطني الكردستاني في مقاتلة جماعة أنصار الإسلام. وقد صدرت تصريحات نارية من الجانبين الكردي والتركي بهذا الخصوص، فالكرد سيقاومون الغزو ويجعلون من كردستان مقبرة للغزاة الأتراك! والجيش التركي سوف يدخل كردستان عاجلاً أو آجلاً لمنع قيام دولة كردية أو محاولة الكرد السيطرة على مدينة كركوك الغنية بالنفط التي فيها وجود تركماني، ومدينة الموصل التي كان يضمهما سابقاً ما يطلق عليه اسم (ولاية الموصل) ، وخرج منها العثمانيون بعيد انتهاء الحرب العالمية الأولى في سنة ١٩١٨م حسب هدنة مودوروس. فإذا كان الكرد لا يقبلون بالتدخل التركي في شؤونهم؛ فإن الجيش التركي موجود الآن في مناطق عديدة من كردستان العراق لدعم الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود البارزاني؛ في قتاله لحزب العمال الكردستاني التركي بقيادة عبد الله أوجلان، فعلى سبيل المثال لا الحصر: هناك وجود لعدد لا بأس به من الدبابات التركية في قاعدة بامرني، وفي مناطق أخرى على الحدود العراقية التركية، والجيش التركي يدخل المنطقة الكردية عن طريق قصبة إبراهيم الخليل - زاخو، أو عن طريق الحدود التركية العراقية بصورة اعتيادية، أو متى ما أرادت القيادة العسكرية التركية. فلماذا ظهرت الحمية والنخوة الكردية على كردستان العراق أخيراً، وقد كانت كردستان العراق في عهد الأحزاب الكردية من سنة ١٩٩١م لغاية كتابة هذه السطور مسرحاً لصولات وجولات القوى الإقليمية من ترك وإيرانيين، والدولية من أمريكان وبريطانيين. أما جلال الطالباني الذي يعرف قواعد اللعبة السياسية واللعب على الحبال أكثر من أي زعيم كردي آخر، فكانت تصريحاته تجاه تركيا أكثر مجاملة؛ لكون مناطق نفوذه بعيدة عن تركيا نسبياً وعلى تماس مع إيران، وسبق له أن قاتل حزب العمال الكردستاني مع الحزب الديمقراطي الكردستاني في مناطق زاخو، وعلى الحدود العراقية التركية، وفي مناطق جبل قنديل وقره داغ. وهنا يثار تساؤل: لماذا المظاهرات والاستنكارات ضد الغزو التركي، والترحيب على استحياء بالتدخل الأمريكي؟ أليس هذا استهانة وتفريط بمصالح الشعب الكردي على المدى البعيد، فالغزو هو الغزو؟! وقد سألت إحدى الفضائيات العربية قيادياً كردياً حول سبب استنكارهم للتدخل التركي وترحيبهم بالتدخل الأمريكي، فكان جوابه: بأن الأمريكان قادمون لإنقاذ العراق من نظام صدام حسين وإقامة نظام ديمقراطي تعددي فيدرالي، بينما الأتراك سوف يسيطرون على المنطقة وتحديداً منابع البترول في كركوك والموصل، فضلاً عن مطامعهم التاريخية في ولاية الموصل، واستغلال التركمان لهذا الغرض. ومهما يكن من أمر؛ فقد حاولت أمريكا رأب الصدع الذي حدث بين حليفها تركيا وأصدقائها الكرد، فأرسلت مبعوثها زلماي لعقد اجتماعات ثلاثية مع الأتراك والكرد في أنقرة، وفعلاً تم التوصل ظاهرياً بعد مباحثات شاقة إلى حل وسط بموجبه ستبقى القوات التركية متمركزة في مواقعها الحالية في كردستان، وإذا ما استجد أمر ما فإنها تستطيع أن توسع من رقعة وجودها إلى مسافة ثلاثين كيلو متراً داخل العمق الكردي العراقي تحت ذريعة العوامل الإنسانية، بينما ستكون القوات الكردية تحت القيادة المشتركة لأمريكا. وفي الوقت الذي حاول الزعماء الكرد بشتى الوسائل ثني تركيا عن الدخول إلى كردستان العراق؛ لكي يتسنى لهم مساندة أمريكا في التقدم نحو بغداد عن طريق الموصل وكركوك، وتصفية حساباتهم القديمة مع النظام العراقي، والدخول إلى كركوك التي يعدها جلال الطالباني (قدس كردستان) والموصل تحت غطاء جوي أمريكي، والسماح أو غض النظر في أسوأ الاحتمالات عن قيام بعض الغوغائيين غير المنضبطين للقيام بمجازر ضد العرب والتركمان للأخذ بثأر حلبجة والأنفال من أهالي الموصل، وتكملة الدور الذي قام به أسلافهم في سنة ١٩٥٩م؛ عندما ساند بعض الكرد نظام حكم عبد الكريم قاسم والشيوعيين في المجازر التي ارتكبوها ضد سكان الموصل من العرب، وفيما بعد ضد التركمان في كركوك، والتي ما زالت لها تأثيرات عميقة لم تُمسح من ذاكرة أهل الموصل وكركوك على حد سواء. وبالرغم من بعض التصريحات التي صدرت من السيد مسعود البارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني؛ بأن أنصاره لن يتقدموا شبراً واحداً نحو الموصل؛ فإن التصريحات الكثيرة التي كانت تصدر من جلال الطالباني كانت تدل على الرغبة في التقدم نحو بغداد وإسقاط النظام؛ حتى يكون لهم نصيب كبير من الكعكة العراقية، والتي يتوهمون أنهم سيحصلون عليها بالتعاون مع المعارضة الشيعية بزعامة محمد باقر الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية. إن جلال الطالباني حاول جاهداً الربط بين جماعة أنصار الإسلام في كردستان العراق على الحدود الإيرانية وتنظيم القاعدة، ولفق وزور معلومات بهذا الخصوص، ومع علم أمريكا بعدم دقتها فقد حاولت اللعب على هذا الخط، وهذا ما بدا واضحاً في التصريحات الصحفية العديدة التي صرح بها أركان الإدارة الأمريكية، وما استند عليه وزير الخارجية الأمريكي كولن باول في شهادته أمام مجلس الأمن الدولي في شباط ٢٠٠٣م. ويبدو أن جلال الطالباني سلم السي آي إيه معلومات استخبارية ولوجستية عن أماكن وجود الجماعة الإسلامية في كردستان العراق في منطقة خورمال، وأنصار الإسلام في بيارة وطويلة في سفوح جبال هاورامان المحاذية للحدود الإيرانية. وقد صرح أخيراً الشيخ علي بابير أمير الجماعة الإسلامية في كردستان لصحيفة هاولات الكردية (المواطن) ؛ بأن جلال الطالباني أرسل برقية في الساعة التاسعة من مساء يوم الجمعة ٢١/٣/٢٠٠٣م إلى الشيخ محمد البرزنجي المرشد الروحي للجماعة الإسلامية؛ يخبره فيها بأن الأمريكيين سوف يضربون قواعد أنصار الإسلام، وقد اتصل الشيخ علي بابير بجلال الطالباني وأبلغه بأن الأمريكيين ما فتئوا يهددون بضرب أنصار الإسلام. غير أن الأمريكيين نظراً لعداوتهم الشديدة للإسلام وتحديداً الجماعات الإسلامية؛ بدؤوا بالجماعة الإسلامية في كردستان العراق، وهي في حقيقة الأمر حزب إسلامي يحمل السلاح، ولكنه على وفاق مع الاتحاد الوطني الكردستاني وغيره من الأحزاب الكردية، بعكس أنصار الإسلام الذين هم في صراع مع الأحزاب الكردية العلمانية بشتى اتجاهاتها. وكانت الجماعة الإسلامية، وأنصار الإسلام والحركة الإسلامية في كردستان؛ يضمهما جميعاً حزب الوحدة الإسلامية في كردستان العراق، والذي تألف أصلاً من اندماج الحركة الإسلامية في كردستان العراق بقيادة الشيخ علي بن عبد العزيز، وحركة النهضة الإسلامية بقيادة الشيخ صديق بن عبد العزيز، والتي كانت في الأصل إحدى خطوط جماعة (الإخوان المسلمون) العراقية فرع كردستان العراق. وقد شكل الشباب المجاهد من أعضاء الحركة الإسلامية الأم تنظيمين؛ أولهما: أطلق عليه تنظيم حماس، وغالبية أعضائه من أهالي محافظة أربيل. وثانيهما: أطلق عليه حركة التوحيد، وأعضاؤه من أهالي محافظة السليمانية. وفي حقيقة الأمر أن غالبية أعضاء التنظيمين المذكورين أعلاه كانوا من أعضاء «هيز (قوة) سوران» التي كانت متمركزة أيام الحركة الإسلامية في منطقة بيارة، ونظراً لتقارب الأفكار بين الجماعتين، فقد تم اندماج التنظيمين في جماعة واحدة أطلق عليها اسم (جند الإسلام) بقيادة أبو عبد الله الشافعي أمير «هيز سوران» سابقاً، وبعد فترة تغير اسم الجماعة إلى (أنصار الإسلام) ، وانضم إليهم الملا كريكار عضو المكتب السياسي لحركة الوحدة الإسلامية سابقاً، والمقيم حالياً كلاجئ سياسي في النرويج، حيث تولى منصب المرشد العام للجماعة، فيما أصبح الشيخ أبو عبد الله الشافعي نائباً له. كانت حركة (جند الإسلام) ، والتي أطلق عليها فيما بعد (أنصار الإسلام) ؛ تضم شباباً مجاهدين لم يرضوا بالقيادة التقليدية لحركة الوحدة الإسلامية وتوجهها السلمي مع قيادات الحزبين الكرديين الرئيسيين، وقاموا بعدد من العمليات العسكرية ضد مقاتلي الحزب الديمقراطي الكردستاني. وقد بدأت هذه العمليات العسكرية تقض مضجع جلال الطالباني، فحاول إلصاق تهمة الإرهاب بهؤلاء الشباب، وحاول أن يحتل مواقعهم عسكرياً ولكنه أخفق إخفاقاً ذريعاً. وبعد هذا الإخفاق لجلال الطالباني وأنصاره في مجابهة أنصار الإسلام؛ فإنه التفت إلى الجماعات الإسلامية المسالمة، حيث خطط لعملية اغتيال الشيخ عبد الله قسري عضو المكتب السياسي للجماعة الإسلامية، والتي ليس لها ناقة ولا جمل في هذه المعمعة، فتم اغتياله مع أربعة من أفراد حمايته في مفرق طاسلوجة عند مغادرته السليمانية قاصداً مدينة رانية؛ بحجة أنه من قيادي أنصار الإسلام، وبعدها اعتذر جلال الطالباني وأعلن عن تشكيل لجنة للتحقيق في هذا الخطأ غير المقصود؟! ورفضت الجماعة الإسلامية التفسير الذي قدمه جلال الطالباني. وكانت أمريكا قد اتهمت أنصار الإسلام بصنع أسلحة كيمياوية في معاقلها على الحدود الإيرانية، وهذا مما أثلج صدر جلال الطالباني، واعتبرها فرصة سانحة للتخلص من أنصار الإسلام الذين أذاقوه الويل والثبور. وقبل قيام أمريكا بضرب العراق وغزوه بأيام ظهر الشيخ علي بابير أمير الجماعة الإسلامية في كردستان على شاشة تلفزيون الجزيرة، وأعلن أنه لن يقاتل أمريكا إلا إذا قاتلته، وأنه يرحب بها إذا جاءت فقط للقضاء على النظام الصدامي الظالم، ومع قيام أمريكا بضرب العراق وغزوه في ٢٠/٣/٢٠٠٣م لم تتخذ الجماعة الإسلامية تدابير الحيطة والحذر، حيث فاجأها القصف الأمريكي الغادر على مقراتها في ليلة ٢١ - ٢٢/٣/٢٠٠٣م؛ مما أدى إلى استشهاد حوالي ٥٠ مجاهداً من مقاتليها؛ بينهم اثنان من أعضاء المكتب السياسي، وتم تدمير أربع مقرات لها في مصيف «أحمد آواه» الواقع في جبل هاورامان، بينما لم يسقط من جماعة أنصار الإسلام سوى اثنين وعدة جرحى في القصف الأول، ويبدو أن هذا القصف الإجرامي الغادر جاء في معرض الابتلاء والتمحيص الذي أراده الله لهذه الجماعة. لقد أكدت أمريكا بأن جهة حزبية هي التي زودتهم بمعلومات استخبارية ولوجستية عن مقرات وقواعد الجماعتين الإسلاميتين، وهذه الجهة بدون شك هي الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة جلال الطالباني، هذه الجهة هي الوحيدة التي تملك هذه المعلومات، إن هذا الإجراء الذي اتخذه جلال الطالباني بالتعاون مع أمريكا في ارتكاب مذبحة خورمال القريبة من حلبجة؛ أعاد إلى الأذهان مجزرة حلبجة في سنة ١٩٨٨م. إن مجزرة خورمال كفيلة بمراجعة إسلاميي كردستان العراق لواقعهم وأخذ الدروس والعبر، وترك الخلافات الحزبية والمناطقية والتفرق كلياً لمواجهة الهجمة الشرسة التي تقودها أمريكا وحلفاؤها لتصفية الإسلام؛ بشقيه الجهادي والمعتدل كما يطلقون عليه هم أنفسهم، وعلى الإسلاميين الكرد التنبه لما يحاك ضدهم من مؤامرات محلية وإقليمية ودولية، واعتبار هذه المجزرة التي قامت بها أمريكا بالتعاون مع الطالباني وحزبه مفترق طرق بالنسبة لهم لتوحيد جهودهم وتشكيل جبهة إسلامية موحدة؛ تضم كل القوى الإسلامية الكردية بشتى اتجاهاتها؛ لكي تستطيع الوقوف أمام أعدائها صفاً واحداً، وعليها اللعب بذكاء في مجريات الصراع الإقليمي والدولي دون الإخلال بالثوابت الشرعية لعقيدة الأمة الإسلامية، كما أن عليهم ألا ينساقوا وراء الصيحات القومية الضيقة التي ينادي بها القوميون والعلمانيون الذين يعتبرون أمريكا هي قدوتهم وبيدها مفاتيح الحل، فإن الغرب وبالتحديد بريطانيا هي التي مزقت كردستان وجعلت المسألة الكردية ورقة تتلاعب بها مع أمريكا متى شاءت للضغط على الدول التي يشكل الكرد جزءاً منها، وهذا ما اعترف به مسعود البارزاني عندما قال: (كفانا ورقة بيد الآخرين يحركونها متى شاؤوا) . وعلى الإسلاميين الكرد التعاون مع الشعوب الإسلامية ونظرائهم من الأحزاب الإسلامية العربية وغير العربية؛ لأن العرب والمسلمين هم الملاذ الأخير بعد الله تعالى للشعب الكردي، وقد آلمهم وأحزنهم الصور التي بثتها القنوات الفضائية العربية لصور شهداء مجزرة خورمال، وجعلت الكثير من العرب والمسلمين يغيرون قناعاتهم بأنه ليس كل الكرد متعاونين ومتواطئين مع أمريكا، فمثلهم مثل بقية الشعوب الإسلامية قد ابتلوا بزعماء علمانيين متعاونين مع أمريكا، بينما بقية المسلمين وقياداتهم هم مع أبناء دينهم ضد الغطرسة الصليبية الأمريكية.

стр. 4691

المسلمون والعالم «مجلس الحكم» ووهم الديمقراطية المصطنعة في العراق خليل العناني [*] k_anany@hotmail.com جاء الإعلان عن تشكيل «مجلس الحكم الانتقالي» في العراق كي يزيل الشكوك، ويكشف النقاب عن حقيقة «النموذج الديمقراطي» الذي تتبناه الولايات المتحدة باعتباره الأصلح والأنسب لمنطقتنا العربية الغراء. فالمجلس الذي تشكل في الذكرى الأولى لسقوط الملكية في العراق في ١٤/٧/١٩٥٨م، جاء متناقضاً مع أهم متطلبات الديمقراطية وهو حرية الاختيار؛ حيث جاء وفقاً لإرادة المحتل الأمريكي وحسب هواه، وهو ما يُفقد المجلس العديد من سلطاته وصلاحياته المحدودة أصلاً. وفضلاً عن كون المجلس لا يعبر عن التمثيل الحقيقي للشعب العراقي رغم ما يبدو عكس ذلك ظاهرياً فإنه يضم بين جنباته شخصيات غير مرغوبة فيها عراقياً وعلى رأسهم أحمد الجلبي الذي استقبله الشعب العراقي بالاستنكار والشجب منذ أن وطئت قدماه أرض العراق. ورغم ما تحاول أن تروجه إدارة الاحتلال الأمريكي في العراق بأن المجلس هو أول خطوة في طريق الألف ميل نحو الديمقراطية، إلا أن طريقة تشكيل المجلس وطبيعة أشخاصه لا تبشران ببدء هذا الطريق المزعوم أبداً. فالوالي الأمريكي في العراق بول بريمر قد قام باختيار وتعيين أعضاء المجلس وفق رؤيته وحسب تقييمه لكلٍ منهم، ولذا فقد استغرق تدشين المجلس أكثر من ثلاثة شهور، كما أنه حاول إيهام الجميع بمراعاة الخلفية الدينية والإثنية في العراق من خلال إعطائه الأغلبية في المجلس للأعضاء الشيعة وليس صحيحاً أنهم الأغلبية، معتبراً أن ذلك يحقق الأمان ويجلب الاستقرار المفقود في العراق والذي أخفقت قواته في ترسيخه مدار الثلاثة أشهر الماضية. وقد غاب عن بريمر أن الديمقراطية ليست بالتمثيل الطائفي فقط بقدر ما هي بالمساهمة الفعلية للشعب في تحديد هذه النسب التمثيلية، كما غاب عنه أيضاً أن الشعب العراقي شيعة وسنة وأكراد لا يهمه هذا التمثيل طالما لم يساهم هو بنفسه في صنعه ويحدد وجهته. ولذا لم يكن غريباً أن تندلع المظاهرات السنية والشيعية في العراق احتجاجاً على صيغة المجلس الموعود وتشكيلته، واعتباره صناعة أمريكية خالصة لا تحظى بالقبول الشعبي. ويمكن القول إن هذا المجلس قد وُلد ميتاً أصلاً، نتيجة للعديد من العوامل التي يأتي في مقدمتها عدم اختيار الشعب العراقي لأعضاء المجلس ومن ثم عدم اكتساب المجلس لأي شرعية حقيقة قد تؤهله لأداء الدور المنوط به، وثانيها أن المجلس لا يحوز ثقة الشعب العراقي وذلك إما لنظرة الشعب العراقي ذاته لأعضاء المجلس واعتبارهم نبت أمريكي جاء لإضفاء الشرعية على الاحتلال الموجود من ناحية، وإما لعدم توافر الإمكانات والأدوات التي يمتلكها المجلس ويضمن بها توفير الشعور بالأمن والأمان لدى العراقيين أنفسهم لكسب تعاطفهم من ناحية أخرى، وثالث هذه العوامل أن قرارات المجلس ستظل رهينة لإرادة الوالي الأمريكي ولن تصبح نافذة إلا إذا جاءت متناغمة مع ما يقتنع به هذا الوالي وإدارته في واشنطن. أما رابع هذه العوامل وآخرها فهو محدودية الصلاحيات والسلطات الممنوحة للمجلس وامتلاك بريمر لحق الاعتراض «الفيتو» على أي قرار قد يتخذه المجلس ولا يتماشى مع هوى إدارة الاحتلال، وهو ما يجعل من المجلس مجرد شكل وواجهة لإخفاء الأصابع الأمريكية التي تديره من وراء الستار، وهو ما يتشابه إلى حد بعيد مع مجالس الحكم غير المباشرة التي شكلها الاحتلال الفرنسي في مستعمراته إبان القرنين الثامن والتاسع عشر الميلاديين. وربما ليس غريباً أن تأتي الولايات المتحدة بهذا المجلس المزعوم وذلك بهدف تحقيق حزمة من الأهداف الشيطانية يتمثل أولها في محاولة ضرب المقاومة العراقية في مقتل من خلال إدانة المجلس الموقر لأعمالها واعتبارها أفعالاً ضالة لفئات بعثية هاربة، وثاني الأهداف يتركز في محاولة الخروج من مأزق الفضيحة المدوية التي فجرتها أجهزة الاستخبارات في واشنطن ولندن والمتعلقة بالخداع الأمريكي في ملف الأسلحة العراقية الذي كان الركن الأصيل في شن الحرب على العراق. أما ثالث الأهداف فيكمن في الإيحاء بصدق النوايا الأمريكية فيما يتعلق بمزاعم إرساء الديمقراطية في العراق ومن بعده بقية الدول العربية من خلال صيغة المجلس المطروح. ويتعلق الهدف الرابع والأخير بالحفاظ علي استمرار التواجد في العراق باعتباره (المجلس) غير مؤهل علي الأقل في الفترة القادمة لقيادة عمليات إعمار العراق. وهو ما عبر عنه صراحة الجنرال المتغطرس دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي، وذلك حين أشار إلى احتمالات إطالة التواجد الأمريكي في العراق لفترة قد تتعدى أربع سنوات، مما أثار ذعر الجنود الأمريكان في العراق. بيد أنه كان من الممكن لهذا المجلس أن يصبح بادرة نحو إرساء الديمقراطية الحقيقية في العراق التي تهدف بالأساس إلى تحسين أحوال العراقيين؛ وذلك إذا ما جاء بناء على اختيار الشعب العراقي ذاته ووفقاً لإرادته. ولو كانت الولايات المتحدة صادقة في مزاعمها في هذا المنحى لسمحت للعراقيين بتحقيق ذلك بل وشجعت عليه، ولكن يبدو أن السيناريو الأمريكي في أفغانستان سيتكرر في العراق من حيث الإهمال وعدم الاهتمام بتنفيذ شعارات الديمقراطية المزعومة التي تروج لها واشنطن في كل بلد تحط فيه قواتها المسلحة. ويتسق إنشاء هذا المجلس الأمريكي إلى حد كبير مع نظرة الولايات المتحدة لما يجب أن تكون عليه نظم المنطقة؛ حيث ترى أن الشعوب العربية غير قادرة بل وغير مدركة لمفهوم ومبادئ الديمقراطية والحرية، ومن ثم فلا بد من صنع نماذج ديمقراطية بالمقاس بحيث تتناسب مع ظروف كل بلد عربي وحسب «قُماشته» . واستمراراً لمسلسل الخداع الكبير تواصل واشنطن مزاعمها بشأن ترسيخ مبادئ الديمقراطية وفق النموذج العراقي وبما يتلاءم مع الرؤية الأمريكية لمستقبل المنطقة ككل. فالولايات المتحدة تدرك جيداً أن الديمقراطية الحقيقية والتي تعني في جوهرها انتخابات حرة ونزيهة وحرية تعبير ومشاركة فعلية ... إلخ، لن تجلب لها سوى المتاعب والقلق وسوف تأتي بنخبٍ لا تتفق مع المزاج الأمريكي، ومن ثم فمن المفيد لها أن تظل النخب الحالية مرابطة في كراسي الحكم مع إجراء تعديلات شكلية وهمية تسهم في إقناع الناس بحدوث التغيير. ولذا لم يكن غريباً أن تحافظ واشنطن على علاقاتها الوثيقة مع بعض النظم العربية التي تقتنع واشنطن في سريرتها بأنها غير ديمقراطية على الإطلاق، بل وعلى يقين من عدم جديتها في إحداث التغييرات المطلوبة لتحسين أحوال شعوبها. من هذا المنطلق يصبح من المنطقي أن تتبع الولايات المتحدة في رؤيتها لدول المنطقة منهج «الديمقراطية المعلبة» والتي صُنعت في واشنطن خصيصاً لهذه البقعة من الكرة الأرضية. كما تصر واشنطن على استخدام استراتيجية «ديمقراطية القوالب» التي اتبعتها من قبل في اليابان وألمانيا دون مراعاة لاختلاف الظروف والبيئات والمعتقدات. ويصبح من المؤسف أن تنجرف فئة ممن يدعون الثقافة والفكر في بلادنا العربية وراء هذه الرؤية الأمريكية للديمقراطية العربية إن جاز لنا التعبير بل والأكثر من ذلك أن تجد منهم من يؤيد ويشجع هذا التصور الأمريكي لمستقبل المنطقة. ولو توقف هؤلاء لبرهة قليلة وقارنوا بين شعارات الديمقراطية الأمريكية التي صورت للعالم عشية الحرب أن العراق سيصبح مهد الديمقراطية في العالم العربي، وبين ما يحدث حالياً في جلسات الكونجرس الأمريكي حول فضيحة «عراق غيت» لما تجرأ أحد على وصف هذا المجلس العراقي بأنه بداية عهد جديد للديمقراطية العراقية، ولما اعتبره بمثابة إنجاز أمريكي حقيقي في بلاد العرب المتهرئة. فالكذب الأمريكي فيما يخص ملف الأسلحة العراقية كفيل بهدم أي دعاية أمريكية لإرساء الديمقراطية ومحو أي محاولة أمريكية لإقامة نظام ديمقراطي في العراق أو غيره. كما أنه من غير المقنع أنه في الوقت الذي تنهار فيه أهم مبادئ الديمقراطية في الداخل الأمريكي متمثلة في مبادئ الشفافية والصدق، وتهتز فيه ثقة العالم في نزاهة السيد الأمريكي فيما يخص العراق، ونظل نحن العرب نغط في وهم الديمقراطية الأمريكية ونشيد بإنجازاتها ونفرح بما تقدم عليه في العراق باعتبارها «الوصي» على ما قد يحدث للشعوب العربية. كما أنه من المؤسف حقاً أن تظل النخب العربية الحاكمة تتمسح بالولايات المتحدة والنظر إليها باعتبارها الضمانة الوحيدة للبقاء في كراسي الحكم، وهو ما يتضح جلياً في نظرة أعضاء المجلس العراقي للمحتل الأمريكي باعتباره صاحب الفضل في اختيارهم والضامن للبقاء في مناصبهم. وقد عبرت ردة الفعل العربي تجاه تكوين المجلس المزعوم عن كل ما سبق؛ حيث تراوحت بين اتجاهين: أحدهما جاء متحفظاً تجاه هذه الخطوة الأمريكية، والآخر أخذ طابعاً سلبياً كما هي العادة العربية المفضلة ورفض التعليق على ما حدث باعتباره يقع خارج نطاق اهتماماته. كما يأتي رد الفعل هذا متوافقاً مع طبيعة الموقف العربي ذاته ومكملاً لصورته التي رُسمت عشية الإعداد للوليمة الأمريكية في العراق. تلك الصورة التي تقوم في مجملها على التزام الصمت وترك الأمور للقدر كي يقول كلمته، والاكتفاء بإرسال عبارات الشجب والندب والتنديد دون الإقدام على أي فعل مادي حقيقي يمحو جزءاً من العار الذي لحق بالأمة العربية وأفسد ذمم كثير من حكامها. وما يلفت الأنظار حقاً هو رد الفعل العربي الشعبي تجاه تكوين المجلس العراقي والذي اتسم باللامبالاة والتبلد، وهو ما قد يعود لأحد عاملين هما: إما الإيمان بعدم جدوى الاعتراض وعدم الاقتناع بفائدته خاصة في ظل الصمت الرسمي المشين، وإما لانشغال الشعوب العربية بالهموم الحياتية التي أغرقتها فيها نخبها الحاكمة وفي كلتا الحالتين فالوضع سيئ للغاية. وفي ظل هذا الانصياع العربي الذي تتزايد ملامحه يوماً بعد الآخر فمن المتوقع أن يظل السيد الأمريكي يرسم ويخطط وينفذ ما يحلو له في الخريطة العربية، بل وقد يزداد الأمر سوءاً ويصبح من حق هذا السيد أن يحدد نظام وشكل الملبس والمأكل والمشرب الذي نمارسه في طقوسنا اليومية، هذا إن لم يكن بالفعل قد قام بهذا.

стр. 4692

المسلمون والعالم العراق.. هل يشهد «ثورة عشرين» جديدة ؟! عارف المشهداني almashhadani@yahoo.com لا يخفى على متتبعي الشأن العراقي أن ما يجري على الساحة العراقية اليوم من عمليات عسكرية أوقعت خسائر موجعة بالقوات الأمريكية والبريطانية لا ينطلق من فراغ أو من بقايا نظام صدام وفدائييه، كما يحاول أن يقنعنا الحاكم الأمريكي للعراق بريمر وحاشيته، بل إن عوامل وأطرافاً عديدة دخلت ساحة الصراع ستجبر بريمر على الاعتراف بها عاجلاً أم آجلاً. فأغلب أو كل التشكيلات العسكرية التي ظهرت على الساحة أدانت وتبرأت كما هو واضح في بياناتها من صدام حسين ونظامه وحزبه وما جره على البلاد والعباد من خراب ودمار طيلة الـ ٣٥ سنة المنصرمة، وهذا ما يؤكد أن لا صلة لـ «أغلب» العمليات العسكرية بصدام وفلوله. وأقول أغلب وليس كل؛ لأن بعض العمليات تقوم بها فعلاً بقايا الأجهزة الأمنية والعسكرية للنظام السابق، خاصة في منطقة الضلوعية شمال بغداد حيث سكن العديد من ضباط ومراتب أجهزة الأمن الخاص بصدام؛ كونها مطاردة من قِبَل الشعب العراقي، الذي يطالب بالقصاص منها على ما ارتكبته من جرائم بحقه، إضافة لمطاردة القوات الأمريكية لها؛ وهذا ما يجعلها تقاتل بضراوة تشبثاً بالحياة! على أن الغالبية العظمى من العمليات العسكرية تمت وتتم على أيدي مواطنين عراقيين عاديين لا صلة لهم بصدام وحزبه لا من قريب ولا من بعيد، بل وسبق لهم أسوة بباقي أفراد الشعب العراقي أن عانوا الأمرَّين منهما، ومنظمات تشكلت حديثاً من منطلقات مختلفة نوجزها بما يلي: ١ - منظمات إسلامية ترفض الاحتلال من منطلق إسلامي شرعي، والمعلن منها لحد الآن هي قوات الخندق للجهاد الإسلامي، وكتائب الفاروق، وسرايا الجهاد، ومنظمة الطائفة المنصورة (سلفية كما أعلنت في بيانها) وقوات حزب التحرير الإسلامي فرع العراق. والساحة العراقية حبلى بالمزيد! وكل التنظيمات المذكورة أعلاه هي تنظيمات سنية. والملاحظ من بيانات هذه التنظيمات المعلنة عبر وسائل الإعلام من فضائيات وإنترنت أن هدفها إيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر في صفوف قوات الاحتلال، وأن العمليات العسكرية حسب رأيهم هي السبيل الوحيد لإجبارها على مغادرة العراق بأسرع وقت. أما الحزب الإسلامي العراقي (إخوان مسلمين) فقد أعلن غير مرة رفضه للاحتلال وأن مقاومته ستكون سلمية من خلال الضغط السياسي الذي سيمارسه على سلطات الاحتلال للإسراع في الانسحاب من العراق، لكنه أعلن أنه سيتعامل ولا يتعاون مع سلطات الاحتلال كأمر واقع، ورفع شعار: لا نثور ولا نثير ولا نثار، ودخل مجلس الحكم الانتقالي الذي شكله بريمر من خلال أمينه العام د. محسن عبد الحميد. ٢ - منظمات وطنية ترفض بحسها الوطني احتلال العراق من قِبَل القوات الأمريكية والإنكليزية، وأبرزها سرايا المقاومة العراقية وجبهة الفدائيين العراقيين. ٣ - أبناء عشائر يرفضون صنوف الإذلال والمهانة التي تمارسها قوات الاحتلال ضدهم وخاصة إجبارهم على الانبطاح أرضاً والدوس بالأحذية على رؤوس من يخالف أوامرهم إمعاناً في الإذلال. والموت بالنسبة لهم أهون من هذا الذل؛ لذا فإنهم يحاولون الثأر لكرامتهم من خلال اصطياد جنود الاحتلال لإشفاء غليل صدورهم المملوءة حقداً عليهم! ٤ - ثأرات تقوم بها قطاعات عريضة من أبناء الشعب العراقي انتقاماً لما يتعرضون له أو يتعرض له بعض أفراد عوائلهم من قتل أو سرقة أو اغتصاب أو ترويع الأطفال، بل أصبح من الطبيعي أن تسمع روايات وقصصاً عديدة ومن أكثر من مصدر عن حالات سرقة عديدة تمت على أيدي الجنود الأمريكان بعد تفتيش بيوت وسيارات المواطنين العراقيين، وهذا ما حدا بالعراقيين إلى مناداة جنود الاحتلال بـ (علي بابا) !! ٥ - ردات فعل للاستفزاز الذي تقوم به القوات المحتلة ضد الأهالي من مداهمة البيوت وتفتيش النساء بما يمس بمشاعر ومعتقدات الشعب العراقي المسلم، وسرقة حليهن، أو إدخال الكلاب البوليسية للبيوت بغرض التفتيش. ويبدو جلياً أن الإحباط الممزوج بالمهانة والإذلال الذي يستشعره العراقيون اليوم نتيجة عدم وجود كيان وسلطة وطنية لدولة تعد من مؤسسي الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية إلى الحد الذي يقوم فيه بريمر بتمثيل العراق في المنتدى الاقتصادي الذي عقد بعمان مؤخراً، بالإضافة إلى الوضع المأساوي الذي يعيشونه اليوم والمخاوف التي باتت تؤرقهم خشية تقسيم العراق إلى (كانتونات) طائفية وعرقية وفقاً للمخطط الصهيوني، وقيام العديد من اليهود وعناصر الموساد بدخول العراق وشراء عقارات وفنادق في بغداد، والنية المعلنة للشركات الإسرائيلية بغزو السوق العراقية والمشاركة في مشاريع البناء كمقاول ثانوي وخاصة بعد الدعوة (الكريمة) التي وجهها لهم نائب وزير المالية الأمريكي، أقول: إن هذا الإحباط وغياب أي أمل برحيل سريع للقوات الأمريكية والبريطانية عن العراق قد شجع الجميع وخاصة أبناء ما بدأت تطلق عليه القوات الأمريكية اسم المثلث السني (محافظات بغداد والأنبار وصلاح الدين) على المقاومة والتي ما زالت تصر القوات الأمريكية على تسميتها أعمال عنف أو إرهاب أو تخريب! فالمظاهرات السلمية التي هي إحدى الممارسات الديمقراطية والتي جاءت القوات الأمريكية لـ «تبشّر» بها في العراق تجابه بالرصاص الحي وعلى الرأس مباشرة!! أما قطع الكهرباء وإغراق بغداد بظلام دامس فتلك سياسة أبدعت فيها القوات الأمريكية وفاقت فيها صدام حسين نفسه الذي كان يمارس هذا الأسلوب ضد الآلاف من أهالي المدن المعارضة: أما القوات الأمريكية فتطبقها اليوم ضد أهالي بغداد ذات الستة ملايين نسمة!! بل بدأت ترفع شعار السلام مقابل الكهرباء من خلال مكبرات الصوت أو بالكتابة على ظهور دباباتهم التي تسير في بغداد مسببة المزيد من التشقق في شوارعها!! ولعل تردي الأوضاع من زيادة البطالة التي وصلت حداً لم تبلغه من قبل (٩٠% من الشعب العراقي يعاني البطالة اليوم) وانعدام الخدمات الأساسية من ماء صالح للشرب وكهرباء واتصالات هاتفية وانعدام الأدوية، وتنصل الإدارة الأمريكية مما كانت تصرح به من إعادة إعمار العراق وتشكيل حكومة وطنية، جعل التضجر يبلغ مداه حتى ممن جاؤوا على ظهور الدبابات الأمريكية والبريطانية! ولا يخفى على أحد أن الولايات المتحدة جاءت إلى العراق لتبقى، وهذا لم تؤكده تصريحات العديد من أعضاء الكونغرس الأمريكي فحسب، وإنما ممارسات القوات الأمريكية على الساحة العراقية، فلا يعقل أن تضحي أمريكا بأكثر من ٢٠٠ جندي بقليل منذ ٢٠ مارس ولحد الآن، وفق ما أعلن والرقم مشكوك في صحته طبعاً، من أجل سواد عيون العراقيين وإسعادهم ونشر الديمقراطية بين ربوعهم! وهذا ما أصبح واضحا لكل ذي بصيرة، وهو الذي حدا بالعراقيين إلى تصعيد مقاومتهم وعدم انتظار نهاية السنة أو السنتين وهو ما حددته الولايات المتحدة بادئ الأمر، وأصبح العراقيون موقنين أن بقاء الأمريكان سيطول ولأجل غير مسمى!! ومن يقرأ تأريخ العراق الحديث يجد أن الإرهاصات التي يعيشها العراقيون اليوم شبيهة إلى حد كبير بإرهاصات ثورة العشرين (١٩٢٠م) التي قادها العراقيون من مختلف المدن ضد الاحتلال الإنكليزي الذي احتل البصرة عام ١٩١٤م وبغداد عام ١٩١٧م والتي شهدت مدينة الفلوجة، نقطة انطلاقة المقاومة اليوم، أحد أهم فصولها عندما أقدم الشيخ ضاري، أحد شيوخ الفلوجة، بقطع رأس القائد الإنكليزي لجمن، وهو ما أحدث هزة في لندن وخرجت على إثر ذلك مظاهرات شعبية عفوية في بغداد وهي تردد أهزوجة: ضاري هز لندن وابكاها (أي وأبكاها) . وتلك الثورة الشعبية العارمة، رغم بساطة الأسلحة التي استخدمها العراقيون آنذاك (الفالة: وهي عصا طويلة تنتهي بمشبك حديدي يستخدمها سكان الأهوار لصيد السمك كما تستخدم لقلب القصب والتبن، والمكوار: وهو عصا غليظة تنتهي بقير متصلب) التي أوقعت آلاف القتلى في صفوف الإنكليز المدججين بمدافعهم (أو الطوب كما كان يسميه العراقيون آنذاك) ، لتكون أهزوجة العراقيين الممزوجة بالتحدي والتي تناقلتها الألسن جيلاً بعد جيل: (الطوب أحسن لو مكواري؟!) ، هي التي أجبرت الإنكليز على تخفيف قبضتهم على العراق من خلال تنصيب فيصل الأول ابن الحسين بن علي ملكاً عليه عام ١٩٢١م، ومن ثم رحيلهم عن العراق لينال استقلاله عام ١٩٣٢م. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن الإدارة الأمريكية أخطأت جدا قراءة طبيعة الشعب العراقي وتركيبته النفسية عندما تصورت أن كرههم لصدام ونظامه سيدفعهم إلى الترحيب بالقوات الأمريكية واستقبالهم بالزهور كضيوف مكرمين!! وهذه القراءة الخاطئة هي التي جعلتهم يصابون بالدهشة والذعر مع كل عملية عسكرية جديدة تستهدف قواتهم، وهو ما تسبب في انهيار معنويات الجنود الأمريكان بشكل بات يقلق عائلاتهم في الولايات المتحدة التي بدأت تطالب بعودتهم سالمين قبل أن يعودوا محملين بالنعوش!! رغم أن وسائل الإعلام الأمريكية تتجاهل عمداً ما يجري على أرض العراق من عمليات عسكرية أو تقلل من أهميتها من خلال بث الخبر كخبر عاشر عادة ومن دون صور للقتلى والجرحى الأمريكان ومدرعاتهم المدمرة تجنباً لإثارة الرأي العام! ومع توالي تصريحات القادة الأمريكان، سياسيين وعسكريين، التي تتجاهل ردة فعل الشعب العراقي بل وتصف تلك العمليات بأنها تخريب وإرهاب يقوم بها فلول صدام (رغم علم الأمريكان قبل غيرهم والشعب العراقي بعامته بعدم صحة هذه الدعوى؛ لأن فدائيي صدام وأعضاء حزب البعث لم يقاتلوا يوم كانت لهم سلطة فهل يقاتلون الآن؟) من حقنا أن نتساءل: لِمَ يستكثر الأمريكيون والبريطانيون على العراقيين أن يكونوا وطنيين ناشدي الحرية في بلدهم في الوقت الذي نقرأ في كتب التأريخ أن تشرشل نفسه خطب عندما هدد الغزاة بلده بريطانيا بالاحتلال قائلاً: سنقاتل على الشواطئ ولن نستسلم أبداً، وسنواصل القتال ضدهم مهما استطعنا حتى نقذفهم خارج البلاد؟! ويقيناً أنه إذا بقيت القوات الأمريكية تتصرف مع الشعب العراقي بالشكل الاستفزازي الذي يحدث يومياً دون مراعاة لمعتقدات وأخلاق وعادات هذا الشعب، ومماطلاتها المستمرة في السماح للعراقيين بتشكيل حكومة وطنية عراقية حقيقية (وليست صورية تدار بالريموت كونترول من واشنطن كما هو حال الكثير من الأنظمة العربية) فإن العمليات التي كانت تقتصر على المناطق السنية (العاصمة بغداد بمختلف مدنها ومحافظة الأنبار بمدنها: الفلوجة والرمادي وهيت وراوة والقائم، ومحافظة صلاح الدين بمدنها: سامراء وبلد وتكريت وبيجي، ومحافظة نينوى ومركزها الموصل، ومحافظة ديالى ومركزها بعقوبة) ستمتد لتشمل مناطق أخرى في الجنوب، وهذا ما حدث فعلاً كما في قضاء المجر الكبير في محافظة ميسان وكذلك في النجف مؤخراً. واتساع رقعة المقاومة ينذر أن حال الأمريكان اليوم لن يكون بأحسن من حال سلفهم الإنكليز، وهو ما ستوضحه لنا الأيام القادمة الحبلى بالمفاجآت! وإن غداً لناظره قريب!!

стр. 4693

المسلمون والعالم جذور النصرانية في ليبيا التاريخ والواقع أبو إسلام أحمد عبد الله [*] بداية، وأحسبه نوعاً من جلد الذات، فإن حال النصارى في مصر هو على غير حال المسلمين فيها؛ إذ غالباً لم يكن أحد يسمع صوتاً لأجراس الكنيسة في مصر، لكنه يفاجأ ببناء صرح كنسي جديد هنا، وتجديد صرح كنسي قديم هناك، وكلاهما اعتاد دق أجراسه مع كل صلاة من صلواتهم اليومية والأسبوعية. وإذا كان البعض في مصر يلجأ للرشاوي لحماية منشئته القديمة من قرارات الهدم الإجبارية؛ فإن الكنيسة كانت تسعى بدأب شديد لاستصدار قرارات هدم لمنشآتها القديمة، حتى يتسنى لها البناء من جديد، مع التوسع الرأسي والأفقي، واستخدام كل حديث من تقنيات البناء والتعمير. ومثلما هُدمت كنائس وأُنشئت قلاع في صمت مطبق؛ فوجئ آحاد المهتمين بالشأن الكنسي في مصر والعالم الإسلامي بأن جمهورية ليبيا تستقبل في النصف الثاني من عام ١٩٧١م وفداً رسمياً من قسس ورهبان الكنيسة المصرية، لما يسمى في الطقوس النصرانية: بتكريس خدمة رعاية أول كنيسة مصرية في العصر الحديث تُنشأ في ليبيا، بل وفي العاصمة طرابلس. وقبل مرور أسابيع قليلة أخرى؛ احتفلت الكنيسة المصرية بوفد آخر من القسس والرهبان للاحتفال بتكريس الكنيسة الثانية في بنغازي، وهي المدينة الليبية الثانية. وهكذا أضيف إلى رصيد الكنائس الغربية في ليبيا كنيستان مصريتان، في سلسلة الكنائس التي أخذت تتوافد إلى أرض ليبيا منذ إعلان (ثورة الفاتح من سبتمبر) ، فقد سبقت الكنيسة المصرية إلى ليبيا عدةُ كنائس تابعة لبابا روما، وكنائس أخرى تابعة لطائفة الروم الأرثوذكس، وكان أهل ليبيا من قبل يفخرون بأن أرضهم خالية من الكنائس، بعد طرد المحتل الإيطالي وإغلاق جميع الكنائس التي أنشأها أو سمح بإنشائها لمذاهب كنسية أخرى. بينما ما زال فخرهم قائماً أنه لا يوجد ليبي واحد يعتقد بغير دين الإسلام منذ الفتح الإسلامي حتى يومنا هذا. لكن القوى الصليبية كانت تتلمس الفرصة السانحة للعودة، فعادت الكنائس الكاثوليكية ثم الرومية، لكن الإيطالية ظلت مغلقة، ولم يكن هناك وجود للكنيسة المصرية لقلة عدد النصارى الأرثوذكس هناك، وكانوا جميعاً من السودانيين، ولذا فإن السلطات الليبية لم تجد مسوّغاً عام ١٩٦٦م لقبول الطلب الذي تقدم به الأنبا كيرلس السادس بابا الكنيسة المصرية السابق، عن طريق موفوده الأنبا صموئيل أسقف الخدمات بالكنيسة حينذاك. وبعد قيام الجمهورية الليبية ١٩٦٩م، وفتح الأبواب على مصاريعها لاستقبال المعلمين والفنيين والعمال والتجار المصريين، كان من بينهم عدد قليل من نصارى مصر، تغاضت السلطات الليبية عن ممارساتهم الدينية؛ لحاجتها إلى قدر من الوئام والتأييد والدعم في سنواتها الأولى. وأصدرت الكنيسة في القاهرة أوامرها إلى رهبانها في السودان للتوجه إلى ليبيا لرعاية دعوة الكنيسة هناك وتنشيطها، كما تقدموا بطلب رسمي لإنشاء كنيسة تخدم الرعايا المصريين هناك؛ أسوة بالعاملين القادمين من اليونان وأوروبا وأمريكا، للعمل في مجالات البترول والصناعة والبناء، والذين سمحت لهم السلطات الليبية ببناء كنائس لهم في أماكن تجمعاتهم. وفي ١٧/٥/١٩٧١م تم التنسيق والاتفاق بين مطران الكنيسة المصرية في الخرطوم وبين الكنيسة اليونانية في طرابلس وبنغازي، حيث أقيم أول (قداس صلاة) بحسب الطقس المصري في ليبيا، حضره جميع أتباع الكنيسة من أبناء السودان ومصر وإثيوبيا، ولم يتجاوز عددهم الخمسين. فلما تولى الأنبا شنودة رئاسة الكنيسة المصرية في ١٤/١١/١٩٧١م؛ كانت الظروف كلها مهيأة من حيث الأرض الممهدة للعمل الكنسي في ليبيا، ومن حيث حاجة النظام الليبي إلى تأييد الكنيسة، ثم من حيث أهمية دعم العلاقات السياسية المصرية الليبية بعد موت عبد الناصر ورئاسة السادات. وأرسل الأنبا شنودة وفداً كنسياً إلى ليبيا، حيث قدموا طلباً بإنشاء عدة كنائس، فوافقت السلطات الليبية على بناء كنيستين، واحدة في طرابلس والثانية في بنغازي. وعلى الفور صدر القرار البابوي في ١٢/١٢/١٩٧١م بضم الكنيستين الجديدتين إلى إيبارشية (مجمع رعاية كنائس) مناطق البحيرة، والتحرير، ومرسى مطروح في غرب مصر؛ ليكونوا جميعاً تحت رعاية إيبارشية واحدة وأسقف واحد، هو الأنبا باخوميوس، والذي أصبح مسماه الوظيفي الجديد: أسقف البحيرة والتحرير ومطروح والمدن الخمس الغربية. ووضعت خطة سريعة لتنشيط جهودهم بين رعايا الكنيسة المصرية في ليبيا، فأرسل الأنبا شنودة في ٢/١/١٩٧٢م القس مينا غبريال، راعي كنيسة العذراء بالهرم، ليقوم نيابة عنه برئاسة قداس ما يسمى في الكنيسة بأعياد الميلاد المجيدة. وجاء في العدد (٩، ١٠) من مجلة رسالة الكنيسة (الدورية) عام ١٩٧٢م، والتي تصدرها مطرانية البحيرة وبنتا بوليس، أن الأنبا شنودة قد أوفد إلى ليبيا وفداً كبيراً صباح ١٧/١/١٩٧٢م، برئاسة الأسقف الجديد للكنيستين الجديدتين، وكان في استقباله بمطار طرابلس عدد كبير من نصارى مصر والسودان، ومندوب رسمي من السفارة المصرية، وأسقف الكنيسة الكاثوليكية. وعلقت المجلة قائلة: لقد كان يوماً تاريخياً في المنطقة؛ إذ تطأ قدما أسقف الخمس مدن الغربية إيبارشيته، بعد مضي قرون طويلة لم تر أسقفاً مصرياً لهذه الإيبارشية. وفي اليوم التالي مباشرة أقام باخوميوس قداساً للصلاة في طرابلس في كنيسة «سان فرانسيسكو» التابعة للطائفة الكاثوليكية، حيث استضافتهم الكنيسة لحين تدبير مبنى خاص بهم، وأقيمت طقوس تعيين مجموعة من الشمامسة (خدام الكنيسة) . أما في بنغازي، فقد أقام باخوميوس قداساً للصلاة في كنيسة الروم الأرثوذكس. ثم تقدمت الكنيسة المصرية بطلب للتصريح لأبنائها في طرابلس باستخدام إحدى الكنائس الإيطالية المغلقة، وينالون الموافقة. ويكرر الأنبا شنودة قراره، بتوسيع نشاط القمص ويصا السرياني، وكيل الكنيسة في السودان، ليتولى أيضاً الرعاية المنظمة لكنائس ليبيا الجديدة، وكانت أول زيارة له بعد القرار في ٥/٣/١٩٧٢م. وقبل مرور شهر واحد من هذه الزيارة الرعوية في ٢٧/٣/١٩٧٢م؛ أقيمت احتفالات أخرى في العاصمة طرابلس، أكبر من سابقتها، ليست على المستوى الكنسي، إنما على المستوى الرسمي للجمهورية الليبية، حيث استقبل الرئيس القذافي البابا شنودة، ليتلقى منه الشكر على ما حققه للكنيسة المصرية من حلم؛ إذ كان بعيد المنال أن يكون لها في ليبيا مكان، وقد حالت قوى الاحتلال الصليبية التي تعاقبت عليها، دون أن يكون هناك وجود كنسي لمصر. تضمن برنامج الرحلة البابوية ما تسميه الكنيسة بـ (تدشين الكنيستين) ، ثم منحهما البركة بالصلاة في مذبح كنيسة طرابلس التي تقع على طريق «البراني» المؤدي إلى المطار، وأطلق عليها اسم كنيسة القديس «مار مرقص» ، ثم انتقل ركب الضيف في موكب رسمي متوجهاً إلى ميناء بنغازي، حيث أقيمت صلاة كنسية في مذبح الكنيسة الثانية التي أطلق عليها اسم «كنيسة القديس أنطونيوس» ، وهي من أملاك الكنيسة اليونانية، كما كانت الأولى من أملاك الكنيسة الإيطالية. وكان اختيار الأنبا شنودة لهذا الوقت من شهور السنة اختياراً دقيقاً؛ إذ واكب مناسبة مهمة في الطقوس الكنسية تعرف بالصوم الكبير. ومنذ هذا اليوم ارتفع لأول مرة في سماء ليبيا الصليب المجسم الذي تنفرد به كنيسة مصر، ودوت أجراس الكنيسة، ليس في أيام أعياد الكنيسة فقط، ولا في أيام الأحد من كل أسبوع فحسب، إنما كل يوم جمعة أيضاً، حيث تجتمع العائلات النصرانية التي تتوافد من كل حدب وصوب في ليبيا، لحضور ما يعرف بقداس الجمعة. * الجذور: تلك كانت البداية الأولى في أيامنا، وبعدها انطلقت الآمال والطموحات بلا حدود، تستعيد أمجاداً قديمة مخزونة في التراث، فنفضوا عنها التراب، وعرفوا فجأة أن ليبيا كانت أول موطن لدعوة النصرانية في القارة الإفريقية، على يد القديس مرقص القادم من صحبة المسيح ﵇ عبر صليبية اليونان، ثم انطلق بدعوته إلى مصر، ليضع البذرة الأولى للأرثوذكسية في مصر، لكنه سريعاً ما عاد إلى ليبيا ثانية بعدما لفظته الفرعونية الوثنية في مصر، ولعدم معرفته بلغتهم، ولمطاردة السلطات له، وليموت في ليبيا التي جاء منها. ومن هنا رأى الأنبا شنودة، أن وطن القديس مرقص صاحب الرسالة، لا بد أن يكون في قوة وحيوية رسالته (!!) ، ورأى أن الكنيستين اللتين افتتحهما، هما بداية الطريق الذي كان مجهولاً، حتى لشخصه هو؛ إذ إن اللقب الكنسي الذي يحمله الأنبا شنودة، وحمله من قبله كل الباباوات الذين سبقوه، هو: «بابا الإسكندرية وبطريريك الكرازة المرقصية في مصر والمدن الخمس الغربية وشمال إفريقيا» ، في الوقت الذي لا يعرف فيه واحد منهم ولاية أو سلطان على غير كنائس مصر، والإسكندرية التي هي جزء منها، وأوهام قديمة عن مدن خمسة غربية غير معلومة الاسم ومجهولة المكان، يطلق عليها في تاريخ الكنيسة اسم «بنتا بوليس» . ويؤكد زعمنا هذا نص مكتوب لكلمة الأنبا شنودة، وهي التي أصدر فيها قراره الكنسي غير المعلن، إلى السلطات في مصر وليبيا، بإضافة عبارة «المدن الخمس الغربية» إلى وظيفة القس باخوميوس، عشية يوم السبت الموافق ١١/١٢/١٩٧١م، فقال: «ندعوك يا باخوميوس أسقفاً على إيبارشية البحيرة، ومرسى مطروح، والخمس مدن الغربية، باسم الأب والابن والروح القدس الإله الواحد، آمين» . وجعل زعمنا حقيقة حصولنا على نص كلمته التي ألقاها خلال الاحتفال بتعيين هذا القس، ونقلتها نشرة «الكرازة المرقصية» لسان حال الكنيسة في ١٩/١٢/١٩٧١م، حيث قال: «وأرجو لأسقف البحيرة عملاً كرازياً (دعوياً) في: الغرب، ومطروح، وشمال إفريقيا، وفي الخمس مدن الغربية في ليبيا، بعد أن كانت هكذا نصاً هذه المدن مجرد لقب اسمي لبابا الإسكندرية، بدون أن يكون فيها عمل كرازي» . وحينها، تساءل كبار رجال الكنيسة وصغارها، من الذين حضروا الاحتفالية الضخمة: - أي مدن خمسة يقصدها البابا؟ - أين هي؟ ولماذا لم تكن من قبل؟ - هل هي باقية حتى يومنا هذا؟ - ما الأسماء التي تُعرف بها؟ - ما علاقتها بالبحيرة ومطروح؟ - بل وما علاقتها بمصر؟ عشرات من الأسئلة، ترددت في القاعة الكبرى لأكبر كنيسة أنشئت في العالم الإسلامي بأموال المصريين التي منحها عبد الناصر هدية لنصارى مصر، قبل أن ينشئ الدكتاتور الصليبي الهالك موبوتوسيسيكو كنيسته الكبرى في زائير على صورة كاتدرائية بطرس المقر البابوي في روما، ثم نصّب نفسه قديساً لها، باسم «القديس موبوتو سيس سيكو كوكو نغبيندو وازا بانغا» وترجمتها: «المحارب شديد المراس الذي وبسبب قوة تحمله وصلابته، سيفوز خارجياً من نصر إلى نصر، مخلفاً النار في أثره» . * وَهْم المدن الخمسة: ما أن عاد الأنبا شنودة من رحلته إلى ليبيا التي افتتح خلالها الكنيستين في أول أبريل ١٩٧٢م؛ إلا وبدأ وضع الخطط وإجراء المشاورات لإحياء نشاط كنسي في ليبيا، فأوفد إليها مجموعة من الباحثين في الآثار في رحلة استشكافية، اقتضت عشرات اللقاءات مع الأثريين الليبيين، وزيارات المتاحف والمناطق الأثرية القديمة، للوقوف على أي مصادر مكتوبة أو منقوشة أو مهجورة. ثم أرسل الأنبا شنودة وفداً آخر إلى المكتبات ومراكز المخطوطات في إنجلترا وإيطاليا وروما، للبحث عن أي مصادر حول التراث القديم للكنيسة في ليبيا، برغم تأكيدات علماء الآثار الغربيين أن هذا التاريخ المزعوم وجوده لما يُعرف بالمدن الخمسة في اللغة العربية، و «بنتا بوليس» في اللغة اليونانية المعتمدة في الكنيسة؛ هو تاريخ مجهول تماماً، ولا أساس له، ويفتقد إلى سند علمي، وهو ما أكده الدكتور الإيطالي «بورو» عميد كلية الآداب بجامعة بنغازي، في مؤتمر التاريخ الليبي، والذي نظمته الكلية عام ١٩٦٨م أثناء عمادته، فقال: «إن تاريخ بنتا بوليس في الفترة ما بين القرن (١١ - ١٩) يعتبر تاريخاً مجهولاً، أو بالأحرى؛ غير مكتوب» [١] . واستشهد «بورو» في قوله هذا بمصدرين علميين؛ أولهما موسوعة تاريخية [٢] تقول: «إن هذه المنطقة مبهمة التاريخ» [٣] ، أما المصدر العلمي الثاني، فيقول نصاً: «إن تاريخ بنتا بوليس غير معروف، ومختصر لدى المؤرخين» [٤] . وعقب الدكتور فوزي فهيم جاد الله، أستاذ التاريخ اليوناني بجامعة بنغازي (وهو نصراني مصري) ، على معلومات الدكتور بورو فقال: «ويمكنني التأكيد بأن المعلومات التي لدينا محدودة، ومقطعة، وغير متسلسلة» [٥] . لكن الدكتور ميخائيل مكس إسكندر، والذي كلفه الأنبا شنودة بإثبات وجود المدن الخمسة في ليبيا، بقوله: «ومما شجعني على إعداد هذه الدراسة الرائدة ... قداسة البابا شنودة الثالث» [٦] كان له رأي مغاير. * أسماء المدن الخمسة: إن المتيقن تاريخياً وأثرياً، بحسب كل ما أكدته المصادر العلمية التي توفرت تحت أيدي الباحثين في تاريخ ليبيا وقد وقفت على عدد ليس بالقليل منها أن المدن الخمسة حقيقة، وأن اسمها اليوناني «بنتا بوليس» ، لكنها ليست أبداً تلك المدن التي تحاول الكنيسة المصرية إلواء عنق التاريخ والجغرافيا لتكون هي «مسمار جحا» على أرض ليبيا، بل إن الأمر قد تجاوز مبكراً مساحة «المسمار» عندما أورد ميخائيل إسكندر في دراسته سطرين فقط، ضم فيها ليبيا كلها إلى الكنيسة المصرية، فقال: «وقسمت هذه المدن الخمسة، في السنكسار [**] القبطي ليوم ٢٩ هاتور، باسم» ليبية مصر « [٧] ؛ لاتحادها معها سياسياً ودينياً لفترات طويلة» [٨] . وحدد ميخائيل، باسم الكنيسة المصرية، المدن الخمسة بأنها: «سيرين، وأبوللونيا، وتوكره، وبرنيس، وبرقة» [٩] ؛ معتمداً في ذلك على موسوعة «سترابو» [١٠] الشهيرة. ثم أورد مصدراً ثانياً لإثبات ادعائه، هو كتاب «مار مرقس. الناظر الإنجيلي» ، لمؤلفه الأنبا شنودة [١١] ، ص ٣٩ - ٤٤. فلما رجعت إلى المصدر الأخير، وجدت الأنبا شنودة (ص ٤) ، يشير إلى مخطوطة موضوعها تعيين أساقفة في بعض الكنائس، ورد فيها أن المدن الخمسة هي: «برقة، طرابلس، إفريقية، القيروان، تونس» ؛ لأكتشف من ذلك أن ميخائيل إسكندر لم يكن موفقاً في اختيار مصادره، ولم يكن أميناً في نقله من تلك المصادر. أما تحديد المدن الخمسة، فلم يتفق عليه واحد من المصادر العلمية المعتمدة مع غيره، فجاءت كالتالي: ١ - رواية الأنبا شنودة المشار إليه في السطور السابقة. ٢ - حسب رواية الكاهن ساويرس، أسقف منطقة أشمون المصرية في أوائل القرن العاشر الغربي، والمعروف في الأدبيات العربية باسم «ابن المقفع» ، قال في كتابه «تاريخ بطاركة الإسكندرية» [١٢] : «إن الخمس مدن بالمغرب، هي إفريقية وما معها» ، حيث كانت تعرف ليبيا بذلك. ٣ - حسب رواية ابن كبر، وهو كاهن الكنيسة المعلقة بمصر القديمة في القرن الرابع عشر الغربي، ويعرف في الأدبيات العربية باسم «أبو البركات» ، قال: «إن المدن الخمسة هي: برقة، وطرابلس، وتونس، وإفريقية، وقيريني» [١٣] . ٤ - وفي مخطوط باللغة العربية، أورده يوسف سميكة في كتابه «دليل المتحف القبطي» [١٤] ، اتفق تماماً مع ما أورده ابن كبر في الرواية السابقة. ٥ - رواية أوردها ميخائيل إسكندر [١٥] ، نقلاً عن مصدر أجنبي [١٦] ، أن البطريرك أفتيخوس (المعروف في الأدبيات العربية باسم «ابن البطريق» ) أورد في تاريخه (٩٧٠غ) ، أن المدن الخمسة هي: «برقة، زولا، زويلة، أوجله، سنترية» . ٦ - في معجم لاروس الفرنسي، أورد أسماء مدن بنتا بوليس الخمسة، والتي تتطابق تماماً مع ما ذهب إليه ميخائيل إسكندر، ومع ما تمناه الأنبا شنودة، وهي: «سيرين، أبوللونيا، توكرة، برنيس، برقة» ، لكن معجم لاروس لم يقل إنها في ليبيا، إنما قال إنها مدن توجد كلها في تونس. * تاريخ الكنائس في ليبيا: إن القول بوجود كنائس قديمة في ليبيا، خاصة فيما يسمى بالمدن الخمس الغربية، لم تثبته المصادر العلمية كما أوضحنا، لكن الدراسة التي كلّف الأنبا شنودة بإعدادها القس ميخائيل إسكندر، وأتمها في ٤٨٠ صفحة، وهي تحت أيدينا، حاولت إثبات غير ذلك، واعتمدت الظن والتخمين أساساً لتحقيق نتائجها، حيث لم تخل صفحة دون مبالغة من أربعة كلمات على الأقل، من بين قاموس، استحدثه الباحث، ضم الكلمات التالية على سبيل المثال لا الحصر: «ربما، أقرب إلى، يتضح أن، يبدو أن، مما يدل، بينما يظن، والراجح أن، ولا يستبعد، ولعل، في رأيي، في تقديري، في اعتقادي، واستناداً إلى، ويمكن القول، ويقول البعض، ونستطيع أن نؤكد ... إلخ» . لكننا، وبرغم ذلك، رأينا تجاوزه، في محاولة للوقوف على ما أوردته الدراسة، من باب الاستئناس والاستشهاد. تقول دراسة ميخائيل إسكندر، إنه كان قديماً جداً هكذا أيضاً كنائس في ليبيا، شيدها نصارى مصر الأوائل هناك. وفي موضع آخر قال: إن هذه الكنائس لم تكن مصرية، إنما مارست طقوسها بحسب قوانين الإيمان في الكنيسة المصرية. ولأنه من المؤكد في يقين القس ميخائيل؛ أن أحداً لن يتناول دراسته بالنقد والتحليل، وكشف ما فيها من زيف وتزوير وتدليس منسوب إلى البحث العلمي، فقد ذهب إلى أن الكنائس التي شيدت في ليبيا بلغت خمسين كنيسة، أنشئت كلها في شمال ليبيا، وقام بتوزيعها على عدة مناطق أثرية تتركز كلها في الشمال الشرقي، قرب شواطئ بحر المسلمين المعروف حالياً باسم «البحر الأبيض المتوسط» ، خاصة في مناطق «برقة، وبنغازي، وسوسة، والجبل الأخضر» ، وهي أجمل مناطق ليبيا وأهمها «استراتيجياً» . واعتمد ميخائيل في توثيقاته لإثبات الكنائس الخمسين، بوجود عمود رخاميّ، أو حائط سميك، أو قطعة فسيفساء، أو نقش يشبه الصليب، أو حجرة مستطيلة، أو مصطبة تشبه هيكل الكنيسة، أو مكاناً مسقوفاً بطريقة تشبه كنيسة مصرية قديمة، أو اسماً نصرانياً وجد في تاريخ أثر، كقوله على سبيل المثال (ص ٢٣٧) : «وقد ورد ذكر اسم هذه الكنيسة في كتابات المطران سينسيوس أوائل القرن الخامس» ، ثم يعقب قائلاً: «مما يدل على أنها كانت عامرة في تلك الفترة» ، وبهذا الاستنتاج أثبت وجود كنيسة باسم «أوبليا» بين مدينتي القبة ولملودة، وهذا أفضل ما أورده من إثباتات وبراهين علمية (!!) . لكن العلاقة التي ربطت بين الخمسين كنيسة، أنها جميعاً بحسب قوله: «من المؤكد أنها هدمت أو خربت أو بني فوقها، بعد الفتح العربي» ، باستثناء كنيسة واحد هكذا تحمل رقم الخمسين، رأينا أن ننقل ما أورده بشأنها بقلمه، وهو ما سوف يحنث به في موضع آخر؛ ذلك لنوقف القارئ على المنهج الذي اتبعه الباحث الكنسي في دراسته التي اعتمدها الأنبا شنودة كجزء من تاريخ الكنيسة، فيقول ميخائيل (ص ٢٣٧) عند كنيسة باسم «كنيسة مدينة أجدابية» : «خلال زيارتنا لتلك المنطقة؛ شاهدنا بقايا أثرية محدودة جداً، أخبرنا عنها أحد الأثريين الغربيين، أنها بقايا لهيكل كنيسة مستطيلة الشكل، كانت ذات سقف برميلي على مثال كنائس مصر القديمة، ويبدو أن هذه الآثار، هي كل ما تبقى من كنيسة بيزنطية كبيرة، وقد استنبط الأثري الغربي هذا الوصف، من رسوم أثرية عنده، ويرجح أن تلك الكنيسة ترجع إلى عهد جستنيان، في الربع الأخير من القرن السادس، إلا أنه من الأرجح أن التجار الأقباط (المصريين النصارى) قد شيدوا كنيسة أخرى على نفقتهم بعد الفتح العربي في القرن التاسع، وهو الرأي الأقرب إلى الواقع. لكن السيدة» بوتشر «أشارت إلى وجود كنيسة قبطية في منطقة» برقة «، لكنها لم تحدد لنا مصدر معلوماتها (!!) ، وأكبر الظن أنها تقصد كنيسة» أجدابيا «السابق الإشارة إليها، وإن كنا نرى أن تاريخها لا يتعدى أوائل القرن الثاني عشر الميلادي على أكثر تقدير، بسبب هجمات العرب الهلاليين عام ١٠٥٠ م، التي خربت المنطقة عمرانياً وحضارياً وبشرياً» اهـ. * أسباب اختفاء النصرانية من ليبيا: ١- في كتابه «المجمل في التاريخ الليبي» يبدي الباحث الليبي «مصطفى بعيو» عجبه من واقع النصرانية في ليبيا، فيقول (ص ٦٨) : «لقد كانت في ليبيا قديماً عدة أسقفيات، فكيف لا يوجد أي ليبي مسيحي في العصر الحديث؟» . يجيب ميخائيل إسكندر عن هذا السؤال اعتماداً على مصادر غربية، فيقول: «إنه من الحقائق المسلم بها؛ أن المسلمين قد دخلوا إلى منطقة برقة، وهي في حالة يرثى لها اقتصادياً، فقد تعرضت قبل الفتح لعدة زلازل مروعة، بجانب تغير الأحوال المناخية وسيادة الجفاف» . ثم يضيف (ص ٤٠٤) : «إن النظام البيزنطي أثقل كاهل الأهالي بالضرائب الباهظة، وتعرضت البلاد إلى هجمات مكثفة من الجراد، وقلة الموارد المائية، بالإضافة إلى ضعف التجارة، بعدما قضت الإسكندرية على الأهمية التجارية لمدينة سيرين الليبية التي عانت بدورها من ثورات اليهود» . ويقول «بتلر» في موسوعته «فتح العرب لمصر» (ص ٥٣) : «إلا أن ليبيا كانت مصابة بالخراب قبل الفتح الإسلامي، حيث يؤكد المؤرخون أن الفرس أذاقوا سكان ليبيا العذاب عشر سنوات متواصلة (٦١٨ - ٦٢٨م) ، وخربوا عدداً كبيراً من دور العبادة، ونهبوا ما بها، وفرضوا الجزية عليها، وهدموا مدن بنتا بوليس كلها، فأصبح من السهل على العرب فتحها» . ويلخص الوضع الليبي أيضاً قبل الفتح الإسلامي مباشرة المؤرخ الأمريكي هنري سيرانو في كتابه الشهير «ليبيا» ، فيقول (ص ١٠٣) : «لقد حل الدين الجديد (الإسلام) بكل ما يحمل من قوة ونفوذ؛ ليجد ظروفاً مهيئة لانتشاره وانحسار للنصرانية التي كان أهلها في فقر مدقع، دفع بالغالبية إلى قبول الإسلام» ، كان ذلك من الناحية الاقتصادية. ٢ - من الناحية الاجتماعية: ينقل ميخائيل إسكندر (ص ٤٢١) عن توماس أرنولد، في كتابه «الإسلام في ليبيا» قوله: «إنني أشك حتى في وجود أية آثار للمسيحية في ليبيا عند الفتح العربي الكاسح؛ لأن كل السكان البيزنطيين (حملة الدين) قد هربوا إلى أوروبا» ، وفي المقابل فقد شجع الفتح قبائل العرب أن تتوافد إلى ليبيا في شبه موجات موسمية من الحجاز واليمن والشام والعراق، خاصة في العصر العباسي، كما توسع هؤلاء المسلمون في الزواج من الذميات، وإدخالهم في الدين الجديد. ٣ - من الناحية السياسية: يقول ميخائيل إسكندر (ص ٤١١) : «كانت السياسة العربية الأولى، تسير في خطين متوازيين، هما السماح بحرية العبادة بالنسبة لأهل الكتاب، وفي الوقت نفسه نشر الدعوة الإسلامية، وحققوا نتائج سريعة، فقد شهدت ليبيا فترة من التسامح الديني لم يلمسها أهلها خلال حكم البيزنطيين أو الفرس، وقد برع في ذلك ابن العاص بذكاء كبير» . ٤ - ومن الناحية الثقافية: فإنه بعودة الروم والبيزنطيين إلى بلادهم مع الفتح الإسلامي؛ لم يبق في ليبيا من أهلها من يحمل رسالة النصرانية أو يهتم بلغتها أو يقيم طقوسها أو يرعى دعوتها، فاستقبلوا ثقافة المسلمين على الترحيب. ويضيف ميخائيل بعداً آخر (ص ٤٠٧) ، فيقول: «ولقد أجمع الباحثون على أن الانقسامات المذهبية بين النصارى والاضطهادات العنيفة التي مارسها أباطرة روما وبيزنطية، فاستفاد بذلك الدين الجديد، فيقول المؤرخ اللاهوتي يوحنا النفيوس عن ملوك الروم:» إنهم أعداء المسيح الذين دنسوا المسيحية برجس بدعهم، وعصوا المسيح، وأذلوا أتباعه، وتجاوز شر عبدة الأوثان «. وينقل ميخائيل عن ابن المقفع (ص ٢٢٦) :» إن الله كان يخذل جيوش الروم أمام المسلمين، بسبب عقيدتهم الكاثوليكية الفاسدة «. * النصرانية في ليبيا الحديثة: أما عن الوجود النصراني بأرض ليبيا في العصر الحديث، فقد وجدت إرهاصات عديدة في الأدبيات الكنسية، في محاولة لإثبات الوجود، غير أن هذه الإرهاصات، افتقدت جميعها الدليل العلمي الذي يمكن الاعتماد عليه. ولعل أول هذه الإرهاصات وأهمها، القول بالعثور على مخطوط عربي، قام بكتابته كاهن مصري عام ١٧٢١م، جاء فيه أن» النصرانية قد اختفت تقريباً في القرن ١٣م، من أرض بنتا بوليس «بحسب رواية ميخائيل (ص ٣٩٢) . أما الأب الكاثوليكي يعقوب مويزر، فيقول في كتابه» تاريخ البطاركة « (ص ٤٥١) :» إن آخر إشارة للنصرانية في بنتا بوليس، هي منتصف القرن الثامن «؛ أي القرن الثاني الهجري. كما توجد رواية أحدث من سابقتيها، عن مصدر يستند إلى رسالة كتبها بابا الإسكندرية عام ١٥٢٤م، إلى مطران كان يعمل بالخمس مدن الغربية حينذاك، ثم هجرها أيام امتلاك العثمانيين للشمال الإفريقي. ويزعم ميخائيل إسكندر أن إيزيس المصري قد أخذت بهذه الرواية، ليس في موسوعتها المنشورة» تاريخ الكنيسة المصرية «؛ إنما في بحث لها غير منشور، ثم أضاف (ص ٣٩٤) على لسان إيزيس:» لقد ذكر بعض المؤرخين أن النصرانية انتهت تماماً في الخمس مدن الغربية أثناء بابوية الأنبا يؤانس الثالث عشر، عام ١٥٠٨م، الذي ترك ليبيا وعاد إلى مصر «. ويعقب على ذلك (ص ٣٩٥) :» إن صحت هذه الرواية؛ فإننا نرجح أن هذا المطران كان في تونس (القيروان) ؛ لأن منطقة طرابلس وبرقة، في هذا الوقت كانت مخربة ومعزولة «. ثم ننتقل عبر سنوات القرون الثلاثة الأخيرة، لنجد نقلاً أورده ميخائيل عن الرحالة الفرنسي باشو (Pacho) سنة ١٩١١م، أن النصرانية عادت إلى ليبيا، مع الاحتلال الإيطالي، حينما هاجرت جماعات إيطالية (جائعة) ، إلى الساحل الليبي، وقامت بتشييد عدد كبير من الكنائس في المدن الكبرى، ظلت حتى قيام ثورة ١٩٦٩م، حيث أغلقت جميعها، وعاد روادها إلى بلادهم» . ونؤكد من ناحيتنا أن هذه الكنائس: لم تكن كنائس بالمعنى المتعارف عليه، إنما كانت عبارة عن قاعات تعرف باسم «قاعات الصلاة» . ومع الفاتح من سبتمبر، واستخراج البترول، وحاجة النظام الليبي إلى الخبراء والعاملين المتخصصين في هذه المجالات كما أشرنا من قبل عادت إلى ليبيا قاعات الصلاة، والتي سريعاً ما تطورت إلى كنائس متواضعة، لكنها جميعاً، كانت كاثوليكية، أو خاصة بطائفة الروم الأرثوذكس، لكن واحدة منها لم تتبع الكنيسة المصرية، قبل رئاسة العقيد القذافي واستضافته للأنبا شنودة، وإنشاء الكنيستين في طرابلس وبنغازي. وفي فبراير الماضي ٢٠٠٣م، ورد خبر قصير في نشرة «الكرازة» التي تصدرها الكنيسة الكبرى في مصر، كل نصف شهر، في عدد أول يناير، قال: إن الأنبا باخوميوس قد عاد من زيارة له امتدت لمدة أسبوعين، في كل من ليبيا، ومالطا، وإنه قدم تقريراً للأنبا شنودة، جاء فيه: «لقد تقدمت بطلب جديد إلى السلطات الليبية للحصول على مكان مناسب للصلاة في مدينة مصراته» ؛ ذاكراً «أننا نصلي الآن في شقة بالمدينة، فوعدونا بأحد مكانين، وأن هذا سوف يتم قريباً» . وأضاف الخبر قول الأنبا باخوميوس: «ونشكر الرب أن القس مرقس زغلول يقوم بخدمته الكنسية بصفة منتظمة في كنيسة السيدة العذراء بمدينة مصراته، كما تقدمت بطلب إلى رئيس جمهورية مالطا لتخصيص كنيسة للمصريين الأرثوذكس، حيث يوجد في مالطا حوالي ٣٥ عائلة، فأظهر شعوراً طيباً» . وفي ختام تقريره قال: «والأقباط في مالطا مجتمع فقير جداً، وعائلات متناثرة معظم زواجهم مدني (غير كنسي) ، وعملهم الأساس عمال بناء أو وظائف صغيرة، وقليل في أعمال حرة» . ثم أخيراً، وحول أوضاع نصارى مصر في ليبيا، كشف باخوميوس عن حقيقة الأمر الغائبة، فقال: «ولوحظ في هذه الزيارة، أن عدد العائلات، يقل عن ذي قبل، ففي ليبيا الآن حوالي ٣٠٠ عائلة تقريباً (أي حوالي ألف شخص! وهو رقم مبالغ فيه للغاية) ، بينما عدد المصريين هناك ربما أكثر من ١٥ ألفاً؛ بسبب البطالة في مصر» .

стр. 4694

المسلمون والعالم مناهج التعليم الإسرائيلية والصراع العربي - الإسرائيلي بين حقبتي الحرب والسلام (١٩٤٨ - ١٩٩٦م) (٢ ـ ٢) مركز دراسات الشرق الأوسط - الأردن عبر ثلاث مراحل تاريخية (الاستيطان - إنشاء الكيان - التسوية السلمية) تقدم هذه الدراسة عرضاً تحليلياً للعملية التربوية الإسرائيلية في مناهج التعليم، بإلقاء الضوء على أهم مرتكزاتها وأبعادها، مع كشف أهدافها وآثارها، وذلك بعرض نماذج من الكتب والمؤلفات التربوية والتعليمية اليهودية، والتي يتواصل الحديث عنها في هذه الحلقة. - البيان - ويعرض الكاتب لنموذج آخر من المؤلفات الصهيونية عن الأراضي العربية هو كتاب (الجولان والجليل بأقسامه والكرمل وشمال البلاد) لمؤلفه أليعازر بنكتين ١٩٨٢م، ويعتبر المؤلف أن الجولان جزء من شمال أرض إسرائيل، ويورد صوراً عدة للتزلج على الجليد في جبل الشيخ «حرمون» ، ويتحدث عن مستوطنات الجليل، ويتناسى بشكل متعمد الاسم التاريخي لهذه الأرض وهو (فلسطين) ، وعندما يتحدث عن قطاع غزة يعرض لصور عدة من المخيمات والقرى العربية، وما هي الحال التي يعيشها السكان. كما يعرض لعدد من الصور للجرافات الإسرائيلية وهي تقوم بهدم بعض البيوت لبناء غيرها؛ في محاولة منه لطمس معالم قضية اللاجئين، ويعتبر المؤلف أن سيطرة الجيش المصري على قطاع غزة بمثابة احتلال، وأن الجيش الإسرائيلي رده على أعقابه. والسبب في رفض إسرائيل عودة اللاجئين هو رفض اللاجئين العيش في ظل حكمها، ويتحدث الكاتب أن الاحتلال لغزة كان نعمة حين يظهر التطور والتقدم الصناعي، وأن إسرائيل سمحت للعمال بالعمل في المصانع الإسرائيلية. ويدعي المؤلف أن العرب هم الذين باعوا الأرض من خلال سرده لقصة قرية أم خالد، وكيف أن شيخ القرية هو الذي باع هذه الأراضي لليهود، وعندما اقترب من الموت قرر إعادة الأرض لأصحابها اليهود على اعتبار أنهم هم أصحابها الحقيقيون. ويعرض الكاتب لنموذج آخر من المؤلفات اليهودية ذات الطابع المدرسي، وهو كتاب (يروشلايم يهودا فشومرون) لمؤلفته رنا هفرون ١٩٨٣م، ويتطرق الكتاب للضفة الغربية تحت هذا الاسم المهود ليبين مدى العلاقة بين اليهود وبين هذه المناطق، وأنها علاقة تاريخية أزلية. والملاحظ أن وضع الكتاب بهذا الاسم يثير في نفوس الطلاب ذكريات تاريخية حول هذه الأرض؛ لكي يتم ربطها بالحاضر. وتوضح الكاتبة مدى الأعمال التي قام بها اليهود عندما سكنوا هذه الأرض، وتورد الأسماء العبرية للمناطق الموجودة؛ ليرسخ عند الطالب أن هذه هي أرض الآباء والأجداد، ويشد ذلك الطلاب إلى التمسك والالتصاق بهذه الأرض والاستيطان فيها. وتناولت الكاتبة مواضع عدة؛ مثل أورشليم القدس، والجليل الأوسط، أو التمبل المركزي، والقلاع والمدن التاريخية التي تشكل الصلة الوثيقة لربط الناشئة اليهود بأرضهم، وعند حديثها عن القدس ركزت على البنية العمرانية والتنظيم اليهودي لها، وتوضح هذه المؤلفة الحدود الجغرافية لمنطقة الجبل المركزي. وفي الفصل الذي يتحدث عن القدس تستهل المؤلفة حديثها عن القدس بعبارة من سِفْر الجامعة، توضح فيها مدى حاجة القدس لليهود، وأنها لا تمتلئ ولا تمل مهما كان عددهم مثل النهر الذي يصب في البحر. وتأتي المؤلفة على قصة عدد من الحاخامات الذين زاروا القدس ووصلوا حائط المبكى، وأتبعت ذلك بمجموعة من الأشعار التي تتحدث عن المدينة، وتعرض لقصة الحاخام الذي زار القدس ومات تحت أقدام فرس رجل عربي، وذلك لتثير الحقد لدى الناشئة اليهود ضد العرب. وتقول المؤلفة إن قدسية القدس في المسيحية والإسلام تأثرت باليهودية، وإن هذه المناطق المقدسة عند المسلمين والمسيحيين هي في الأساس أماكن مقدسة يهودية؛ مثل موقع الحرم القدسي الشريف، وقبة الصخرة التي دفع داود ثمنها عندما كانت بيدر حتى تكون للأسباط الاثني عشر وليس لسبطين. وحتى تؤكد على وحدة اليهود؛ أوردت الكاتبة قصة أن الملك داود قام بجمع الأسباط الاثني عشر ضمن شعب إسرائيل، وتحت قيادة ملك واحد الملك داود صاحب النبوة والقائد العسكري الذي جعل أورشليم عاصمة له. وتركز المؤلفة على المداخل التاريخية في تحويل القدس إلى عاصمة يهودية لإسرائيل منذ عهد داود، وكيف حافظت على يهوديتها وطابعها اليهودي. ونلاحظ أن هذه المؤلفة شأنها شأن المؤلفين اليهود الآخرين تناست التاريخ العربي للمدينة والبصمات التي تركها العرب في تاريخ هذه المدينة، وركزت المؤلفة على موضوع التهويد المتبع في المدينة بعد نقل سائر الدوائر الرسمية وغير الرسمية إلى المدينة المقدسة. وتورد الكاتبة مقارنة بين القرية العربية والكيبوتس اليهودي الذي بني على أساس مخطط وهادف، وبالإضافة إلى الادعاء السائد عن أن الضفة الغربية جزء من أرض إسرائيل لذلك لا بد من بناء مزيد من المستوطنات، وأن الاحتلال اليهودي لهذه المناطق نعمة وليست نقمة؛ بسبب التطور الذي حدث بفعل هذا الاحتلال. وتتحدث الكاتبة عن العديد من القلاع والحصون التي جاء ذكرها ليؤكد للطالب مدى علاقته بهذه الأرض وتتحدث الكاتبة عن احتلال العرب والصليبيين للقدس، وكيف تراجعت المدينة بعهدهم وتأخرت على اعتبار أنهم بدو رحل لا حضارة لهم. وفي كتاب (الجولان والجليل والغور الشمالي والكرمل) ، من تأليف أليعازر بنكتين عام ١٩٨٢م، ويسعى فيه إلى تحقيق الأهداف الإسرائيلية، وهو بمستوى الصفوف الإلزامية العليا، ويقسم الكتاب إلى عدة فصول: يتحدث الفصل الأول عن التطور الذي قام به الصهاينة وعمليات الإصلاح الزراعي في منطقة الشمال الفلسطيني. والفصل الثاني يتحدث فيه بإسهاب عن المنطقة وينسبها لليهود، ويعتبر العرب المجاورين أجانب وغرباء عن هذه الدولة. ويتحدث الكتاب عن المناخ، وكيف يعتبر شمال إسرائيل (فلسطين) مصدراً مهماً للغذاء وعمليات استغلال الأرض، ويتحدث عن كيفية تقسيم الأرض إلى أسباط متعددة، وكيف قاتل اليهود من أجل حماية هذه الأرض. وفي الفصل السابع يتحدث الكاتب عن بداية الاستيطان والإعمار الذي أوجده اليهود في فلسطين، وكيف امتلك الصندوق القومي اليهودي أراضي في شرق الأردن وغربه، وما هو التأثير الذي حصل لليهود بسبب الثورات التي حصلت في روسيا ودفعت السكان إلى الهجرة إلى فلسطين والعمل الزراعي. ويتحدث في فصل آخر عن الهجرات المتعاقبة لليهود، وكيف تم استيعابها، وكيف أدت إلى التطور الصناعي والتغير النوعي في معيشة السكان وأسلوب الحياة وإنشاء المدن الجديدة مثل تل أبيب، وكيف واجه العرب هذا الأمر بقتل اليهود وتخريب مصالحهم؟ ولذلك تطوع عدد من اليهود للدفاع عن مصالح اليهود، وكانت ردة الفعل اليهودية بأن تم بناء العديد من المستوطنات وخاصة على الحدود الفلسطينية «الإسرائيلية» ، وكيف وقفت هذه المستوطنات في وجه الجيوش العربية، وكيف أن سكان الجولان وبعض المناطق الشمالية من فلسطين هاجروا وخرجوا مع الجيوش العربية الغازية، وأصبحت هذه الأراضي ملكاً لإسرائيل. وفي مواضع أخرى من الكتاب يصف الكاتب سكان بعض القرى بالجهلة المصابين بالأمراض المعدية، وكيف أنعمت عليهم إسرائيل حينما دخلت وطورت حياتهم. أما كتاب (من حرب ١٩١٨م إلى حرب ١٩٤٥م) الذي وضع للمدارس الرسمية ١٩٨١م، فهو بمثابة توجيه موسع للطلاب في مادة التاريخ والتربية الوطنية، ومن أبرز الادعاءات الكاذبة والظلم الذي وقع على اليهود أن الحرب العالمية الثانية نشأت من أجل القضاء على اليهود؛ لذلك كان من واجب العالم إيجاد وطن قومي لهم في فلسطين! وركز الكتاب على الأقلية اليهودية، وجعلهم قومية أينما وُجدوا، ويتناسى ذلك فيما يخص العرب، ويتحدث عن الأوضاع المزرية لليهود في شرق أوروبا ووسطها وخاصة التجار والمزارعين، وإن هذه الإجراءات دفعت اليهود إلى الهجرة إلى فلسطين، وللدفاع عن حقوق اليهود نظموا أنفسهم في أحزاب خاصة لهم، ويؤكد أنه كان لليهود مدارسهم الخاصة التي تدرس بالعبرية للتأكيد على الاستقلال اليهودي الثقافي، ويتحدث الكاتب عن القوانين التي يقول إنها سُنَّت فقط للتمييز ضد اليهود مثل قوانين نورمبرغ الألمانية العنصرية التي حرّمت على اليهود العمل، ولاحقتهم ومنعتهم من رفع علمهم القومي، ويتحدث عن الأعمال التي قام بها النازيون، وأنها كانت ضد اليهود، وهدفها طردهم من ألمانيا وسائر البلدان التي احتلها هتلر، وأن غرف الغاز حقيقة وليست خيالاً، وأنها حصلت لليهود على يد النازية الألمانية. وكل هذه الآراء التي يوردها الكاتب هدفها أن يصل الطالب إلى حقيقة أن فلسطين هي الأرض الآمنة بالنسبة لليهود ولا بلد سواها. أما كتاب (تحولات في جغرافية الشرق الأوسط) لمؤلفه البروفيسور أرنون سوفير ١٩٨٤م، والذي يعتقد أنه معد لطلاب المدارس الثانوية والكليات والجامعات، ويعتبر مرجعاً للجهات المختصة في إسرائيل، في هذا الكتاب نجد أن الكاتب لا يتطرق إلى ذكر العرب إطلاقاً إلا من خلال التقليل من شأنهم ووصفهم بصفات سيئة، ويتعمَّد التنكر للوجود العربي في هذه المناطق، فالخليج العربي يُطلق عليه اسم الفارسي، وعندما يتحدث عن البلاد يصفها بصفات سيئة؛ فمثلاً يقول إن الفلاح المصري لم يتطور منذ أيام الفراعنة حتى الآن؛ فالرسوم الفرعونية نجد لها واقعاً في حياة الإنسان المصري اليوم، وحالته الصحية سيئة جداً، ومصاب بالأمراض المعدية. ويرى الكاتب أن الزيادة السكانية العالية في مصر تقلق إسرائيل لإمكانية إقامة جيش قوي، وعندما يتحدث عن نفط الخليج العربي، يقول إن هذا النفط قدم مساعدات للعرب خاصة الدول المجاورة لإسرائيل، وخاصة السعودية والعراق لدعمها الكبير للأردن ومصر وسوريا، وإن علاقة إسرائيل بالخليج العربي (الفارسي) ازدادت بسبب الطرق والمواصلات الحديثة. وفي الفصل المخصص للأردن يصفها بأنها منطقة صحراوية قاحلة، وهي عبارة عن جزء من أراضي إسرائيل لكن الأمير عبد الله سيطر عليها وقام بإنشاء مملكة بها، وإن سكانها غزوا أجزاء من أرض إسرائيل وامتلكوها، وأن سكانها عبارة عن بدو رحل يعملون بتجارة السلاح. وعندما يتحدث عن الزيادة السكانية التي حصلت في الأردن يتغاضى عن سببها وهي الهجرة القسرية التي حصلت بسبب الحروب الإسرائيلية، وإن قرب الأردن من إسرائيل ساعد في نقل التكنولوجيا وخاصة الزراعية. أما نظرته لسوريا فهي سلبية، ويصف الفتح العربي لها بأنه احتلال، وتسود في دمشق ظاهرة الفقر والبؤس، وتشهد سوريا حالياً تخلفاً في المجال الزراعي والصناعي، ومواصلاتها قديمة جداً، ويتهم سوريا بشن الحروب المختلفة على إسرائيل؛ مثل حرب يوم الغفران ١٩٧٣م، وقسم سكانها إلى طوائف متعددة مثل السنة والعلويين والدروز. ويتحدث الكاتب أيضاً عن معارضة سوريا لكثير من المشاريع الصهيونية؛ مثل تجفيف بحيرة الحولة، واستغلال مياه نهر الأردن. ويرى أن العداء مستمر بين الدولتين منذ تأسست إسرائيل حتى اليوم. وعندما يتحدث المؤلف عن لبنان يسهب في الحديث عن التقسيمات الطائفية في هذا البلد، وما هي أسباب نشوء ذلك، وأن الدولة العثمانية ركزت على ذلك، وكانت تفضل السنة على الشيعة، وتحارب المسيحيين، وأن بعض الأقليات اضطرت للرحيل من لبنان لهذا السبب. والحرب الأهلية في لبنان في نظره هي بسبب الأطماع السورية في لبنان، وذلك بسبب دعوات بعض المنظمات للوحدة مع سوريا لتكوين سوريا الطبيعية، ويقول أيضاً إن المنظمات الفلسطينية كانت السبب المباشر في احتلال إسرائيل لجنوب لبنان بسبب توسعها وسيطرتها على المنطقة الجنوبية الشرقية للبنان وتعرضها دائماً للدولة اليهودية. ويتحدث كذلك عن بعض المشاريع المتعلقة بسياسة إسرائيل وأمنها؛ مثل محاولة إسرائيل السيطرة على منابع الليطاني. وعندما يتحدث عن العدوان الإسرائيلي على الجنوب اللبناني؛ يصفه بأنه عملية تحررية من أجل الدفاع عن إسرائيل بسبب سياسة المنظمات الإرهابية الفلسطينية. ولدى حديثه عن العراق لا يتورع بوصفه بصفات سيئة؛ مثل أن العراق ما يزال يبحث عن هويته السياسية، وأنه يعاني من الفقر والبؤس والجهل، وأن حالة الفلاح العراقي أسوأ من الفلاح المصري. وعن صناعة العراق يقول المؤلف لا يوجد سوى صناعات نفطية. أما عن رأي أرنون سوفير في الاستيطان؛ فيرى إنه لا بد من طرد الفلسطينيين من فلسطين وإحلال سكان يهود مكانهم كما حصل في ٤٨ والهجرات المتلاحقة؛ حتى يكون هناك توازن ديمغرافي؛ لأن زيادة العرب بهذا الحجم ستؤثر على يهودية الدولة، وفي رأيه أن هذه الفكرة أكثر أخلاقية؛ لأنها ستحول دون حصول صدامات متلاحقة بين العرب واليهود. أما فيما يخص السياسة التربوية الإسرائيلية - والدعائم الصهيونية في تهويد العملية التربوية، وكيف تطورت الاتجاهات التربوية في مرحلة الصراع العربي الصهيوني؛ فيقول الكاتب إن الكتب المقدسة مثل التوراة والمشنا والجمارا وغيرها، حتى الكتب الدينية والشروح؛ شكلت الاتجاه والمنطلق الذي تتركز عليه العملية التربوية وتوجهاتها، وكذلك في توجهات وقرارات الزعماء اليهود، وتشكلت عند الطالب اليهودي ثقافة مفادها أن كل أرض تطأها قدم اليهودي هي أرض يهودية يجب طرد السكان منها، وحتى تحقق الصهيونية هذا الأمر وضعت مؤلفات وشروحاً تعتمد على المنهج السابق؛ سواء كان في رياض الأطفال أو المرحلة الأساسية والثانوية حتى الجامعية؛ بهدف غرس القيم اليهودية في نفوس هؤلاء الطلبة. أما تاريخ بداية هذه الاتجاهات فهو يعود إلى بداية إنشاء المستعمرات والمستوطنات اليهودية على أرض فلسطين عام ١٨٧٠م، وكذلك كتابات بعض الكتاب اليهود؛ مثل هس وبنسكر، وجهود زعيم الصهيونية ثيودور هرتسل. ويركز المفكرون اليهود على ضرورة إيجاد ثقافة خاصة باليهود لتميزهم عن غيرهم أينما وجدوا، ويجب أن يسود ذلك بشكل كبير في فلسطين، وأن تكون الثقافة العبرية هي السائدة، ويتلخص جل الفكر الصهيوني في قول المفكر اليهودي أحد هعام: «من الضروري إقامة المدارس ليتخرج منها جيل يهودي سليم الروح والعقل والجسم، ومن الضروري تجديد العمل العبري لتقوية الانتماء لهذه الأمة» ، ويركز المفكرون على مفاصل معينة مهمة في تاريخ اليهود؛ مثل الخروج من مصر، والسبي البابلي. ويتفق مفكرو اليهود، سواء المسؤولون عن الكتب المدرسية أو مؤلفو الكتب الثقافية والقصص، على مبادئ عدة؛ منها الاستعلاء اليهودي والإغراق في العنصرية والنظرة القومية للجوييم عند اليهود، والإقرار بمبدأ النهب تحت اسم العودة إلى الأرض. ويرى باحثون يهود عملوا في مجال الكتب والقصص الموجودة بين يدي الناشئة اليهود أن هناك أكثر من ١٥٠٠ كتاب من أصناف عديدة تؤكد على مفاهيم بارزة ومهمة؛ مثل الاستعلاء والقومية والتحقير للعرب والمسلمين، وهذه الكتب موجودة ومنتشرة في كل أنحاء البلاد. ويمكن تصنيف الكتب الموجودة والمخصصة للناشئة حسب الآتي: ١ - كتب مخصصة للطلبة اليهود، ويلاحظ أن الأدب في هذه الكتب يعبر عن وجهة نظر عسكرية تخلو من النظرة الإنسانية للإنسان العربي الفلسطيني، ويقول بعض المؤلفين إن الكتب المتداولة بين المعلمين تحوي عنصرية وتطرفاً أكثر مما هو موجود بين يدي الطلاب، ويلاحظ على هذه الكتب عدم تجددها بشكل مستمر، وإنما يعاد تصويرها دون النظر إلى معلومات حديثة قد تكون حدثت، وهذا هدفه الإبقاء على الصورة السلبية للعربي في نظر الناشئة اليهود. ويمارس الكتّاب اليهود تزويراً أدبياً من خلال غسل الأدمغة للناشئة الصغار بتلقينهم معلومات خاطئة منذ الصغر حول اعتداءات العرب المتكررة على الأراضي اليهودية والمستعمرات، والأعمال التخريبية التي يقوم بها العرب ضد اليهود ليست فقط في إسرائيل وإنما في كل البلاد العربية التي يعيش فيها يهود؛ مثل مراكش التي يورد بعض الكتاب أنه مات فيها عام ١٨٩٩م حوالي ٢٥٠٠ يهودي بسبب الجدري الذي أصاب أحياء اليهود، وأن اليهود كانوا يُجْبَرون على ارتداء لباس معين، وأن سبب هجرة اليهود من أكثر البلاد العربية عائد إلى السياسة التي اتبعتها الحكومات المختلفة ضد اليهود، كما حصل مع يهود العراق. ويلاحظ أن المؤلفين تجاهلوا المؤامرات اليهودية مع المستعمر الغربي ضد البلاد العربية، ويعترف الكتاب أن هجرات اليهود من بعض البلاد العربية حصلت بسبب التعاون مع الاستعمار؛ كما حصل ليهود اليمن، وبالأسلوب نفسه يتم الحديث عن مختلف المناطق التي كان يعيش فيها اليهود سواء تونس أو الجزائر أو سوريا.. ويؤلف المفكرون والكتاب اليهود كتباً كثيرة تجسد العودة إلى الأرض، ويضمنونها قصصاً مستوحاة من التوراة والحنين إلى الأرض المقدسة، وأن اليهود أعطوا هذه الأرض لذلك لا يمكن التنازل عنها بأي شكل من الأشكال. ولعل من أهم المرتكزات التي تحرص عليها الصهيونية: هي تشويه الدعوة والفتوح الإسلامية في أذهان الناشئة اليهود؛ فهي تصور المسلمين بأنهم غزاة خرجوا من الجزيرة العربية غازين لهذه البلاد، وأن السيف والقتال كان شعار الدولة، وأن الإسلام هو دين المحاربين. ويصور الكتاب مصير القبائل اليهودية في الجزيرة زمن الرسول، وأنها وقعت في ظلم، ووصفت كتب عدة أن الفتح هو عبارة عن فناء وإبادة، وأن محمداً ﷺ قاد حرب فناء، وأباد قسماً كبيراً من يهود شبه الجزيرة. ويرى المفكرون اليهود أن العرب عبارة عن قبائل بدوية رحل لا يعرفون شيئاً من الحضارة، وهم يعتمدون على النهب والسلب، وأن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم عندما جاء بذل جهداً لمطابقة دينه مع دين اليهود، وعندما أدرك أن اليهود لم يستجيبوا له تحول عن كثير من أمورهم فحوَّل القبلة إلى مكة، وفرض عليهم صيام رمضان بدل يوم الغفران، وأمر بالصلاة خمس مرات، وفرض على المسلمين عدم تناول لحم الخنزير. ويتنافس المؤلفون اليهود بوصف العرب بأبشع الصور؛ مثل المحتلين، والمخربين، وعديمي الحضارة. وفي كتاب (هذا موطني) للصف الخامس؛ يروي المؤلف بعض الأحداث المزورة التي يريد أن يثبت من خلالها أن العرب المسلمين يحاربون اليهود ويمنعونهم من زيارة الأماكن المقدسة عندهم؛ مثل مغارة المكنيلا والحرم الإبراهيمي.. وأن العرب مارسوا سياسة إجرامية ضد اليهود. ويرى كثير من المؤلفين أن الاحتلال الإسلامي أدى إلى خراب العديد من المدن؛ مثل مدن النقب ويافا. ويرون أن المسلمين قاموا بإفناء قبائل عدة سكنت البلاد التي احتلها العرب. وعندما يتحدثون عن مكانة المرأة عند العرب يصورها الكتاب بأبشع صور، وأن مكانتها متدنية، ولا تقرأ، وتحرم من الميراث. أما في كتاب (الأقليات في إسرائيل: مسلمين، ومسيحيين، وبهائيين، ودروز) ، فيصور العرب أنهم لم يسكنوا البلاد إلا بعد الفتح الإسلامي وبالتالي هم غرباء عنها، وأنهم لم يؤسسوا مراكز حضارية، واقتصروا على بناء العديد من المساجد. ولم يتورع اليهود عن وصف الرسول ﷺ بأمور لا تليق بنبي عظيم وجليل مثله ﵊، فهم يقولون إن زواجه من خديجة ﵂ هو الذي جعل منه رجلاً ذا شأن، وأنه ﵇ كان يأمل في أن ينضم إليه اليهود، وعندما رأى بروداً منهم حوَّل القبلة!! ويرون أيضاً أن السبب في بناء المسجد الأقصى وقبة الصخرة يعود إلى اعتماد المسلمين على المعتقدات اليهودية، والتي تقدس جبل الهيكل، ويصورون الخلفاء المسلمين بأنهم غارقون في شرب الخمر، وإقامة الحفلات الموسيقية. ٢ - أما الجانب الثاني من سياسة التربية الصهيونية؛ فهو الموجه نحو التلاميذ العرب في الأراضي المحتلة عام ١٩٤٨م (عرب ١٩٤٨) ، وهو الذي يسعى إلى تهميش الأدب العربي بإبعاد المفاهيم والصور القومية الرصينة في هذا الأدب عن ذاكرة الطفل العربي، ويحاول المفكرون ومؤلفو الكتب سلخ الطفل العربي ما أمكن عن تراثه العربي والإسلامي. ويلاحظ من بعض الكتب التي ألفت في الأدب العربي تركيزها على جمع قصائد شعرية لا تحمل معنى، ولا تركز على القومية العربية وروح الانتماء للوطن والإسلام واستهجان الحرب والدعوة إلى السلام، ومثال على ذلك كتاب (تاريخ الأدب العربي) لمؤلفه اليهودي مراد ميخائيل، وكتاب (سنابل من حقول الأدب) إعداد سامي هبز، ويلاحظ عليها الركاكة في الألفاظ، والعجز عن إعطاء التسمية الصالحة والصحيحة للظواهر الأدبية، فمثلاً لدى شرحه (الأمة العربية) يركز على معاني القتل والتخريب، وأن هذه الصفات هي العنصر الأهم في حياة العربي. إن الملاحظ لمؤلفات الصهاينة للمدارس سواء العربية أو اليهودية؛ يجد أنها تركز على العصبية وسمو القومية اليهودية والتفوق اليهودي مع إهمال التاريخ العربي وإعطاء معنى واضح، وهو أن الاحتلال شيء مفيد لرفعة إسرائيل واستعادة الأرض الموعودة، وهو واجب ديني. * الجزء الثاني من الدراسة: وهو الذي يتحدث عن مناهج التعليم الإسرائيلية في فترة السلام: وهي الفترة التي بدأت بتوقيع مصر لمعاهدة السلام مع إسرائيل عام ١٩٧٩م في زمن الرئيس أنور السادات، يتطرق الكاتب إلى هذه المرحلة ويعتبرها امتداداً للمرحلة السابقة؛ بحكم التداخل الفكري واستمرار العمل بالمناهج الإسرائيلية السابقة، ولم يطرأ أي تغيير على مناهج التعليم اليهودية فالنظرة إلى العروبة والإسلام وإلى من هو غير يهودي؛ لم تتغير سواء قبل أو بعد السلام، فالمفاهيم اليهودية لا يمكن أن تتغير عند اليهودي؛ لأنها من المسلمات في صراعه مع العربي. ويورد المؤلف بعض الكتب الخاصة في هذه المرحلة الزمنية، ويوضح مدى بقاء كثير من المفاهيم اليهودية دون تغيير. من هذه الكتب رغم توقيع اتفاقيات سلام مع الدول العربية: كتاب (ديمقراطية إسرائيل) لمؤلفه راحيل غرومان وموشيه يلغ ١٩٩٤م، ويستهل بوصف ديمقراطية إسرائيل، وأنها هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، ولكن هناك من المفكرين الإسرائيليين من ينتقد هذه الديمقراطية ويصفها بأنها ديمقراطية التماسيح، وهي التي تسمح لفئة معينة بعمل ما تريد وتمنع الفئة الأخرى من ذلك، ويقصد بذلك العرب، ويرى أنه لو كانت إسرائيل دولة ديمقراطية صحيحة لمنح العرب كامل حقوقهم، ولألغيت قوانين الطوارئ الانتدابية التي هي سيف على رقاب العرب. أما فيما يخص يهودية الدولة فهناك صراع فكري بين أكثر من مفكر حول يهودية الدولة؛ هل هي خالصة لليهود أم أن الأقليات الأخرى يمكن أن تعيش وبنفس الحقوق، لذلك يوجد ثلاثة تيارات حول هذا الموضوع: أ - التيار العلماني، ويقسم إلى عدة أقسام: ١ - قسم يؤمن بيهودية الدولة، وأنها لليهود فقط دون غيرهم. ٢ - قسم آخر يعتقد أن إسرائيل دولة علمانية، ويجب أن تكون محطة لمختلف اليهود في كل دول العالم، وعلى الدولة تغذية العلاقات بين اليهود في أنحاء العالم. ٣ - القسم الثالث يدعو لفصل الدين عن الدولة، والتي يجب أن يكون للدولة طابع معين يميزها؛ أي أن تكون على غرار الدول الغربية. ب - التيار الديني القومي: وهو الذي ينادي ببناء دولة إسرائيل على أساس ديني بحت، وأن الدين يجب أن يتدخل في كل أرجاء الدولة، وأن دولة إسرائيل هي بداية الخلاص بالنسبة لليهود. ج - التيار الديني المتعصب «الأتقياء» : وهو تيار غير صهيوني ومضاد للصهيونية العلمانية وإسرائيل، تشكل نقطة تجمع لليهود دون أن يكون لذلك أهمية دينية. والمتطرفون فيه لا يعترفون بدولة إسرائيل، ومن أبرزهم جماعة نطوري كارتا، والمعتدلون يعترفون بالدولة؛ مثل أغودات إسرائيل وحزب شاس، ويشاركون في النشاطات السياسية لها. وإذا أردنا أن نعرف النظرة الإسرائيلية التربوية للعرب الذين يعيشون داخل الدولة على اعتبار أنهم مواطنون لهذه الدولة؛ فإنه لا بد من معرفة مكونات هذه السياسة التربوية، وأبرز مكونات هذه السياسة التربوية: ١ - أثر الدين اليهودي. ٢ - تأثير تراث وتقاليد الطائفة اليهودية في الشتات. ٣ - قوة فعالية الحركة الصهيونية. ٤ - النشاط الذي يمارسه السيشوف منذ بداية عهد الاستيطان. ٥ - الاستيطان والانتداب. ٦ - دولة إسرائيل دولة يهودية في تشريع الكنيست. ويورد الكاتب نموذجاً آخر لمؤلفات يهودية، وهو كتاب (تحولات في جغرافية الشرق الأوسط) تأليف البروفيسور أرنون سوفير أستاذ الجغرافيا بجامعة حيفا ١٩٩٥م الطبعة الخاصة. ويركز على التحولات التي حصلت في الشرق الأوسط ومدى علاقة إسرائيل فيها وتأثيرها فيها، وهو مدعم بعشرات الخرائط، ويتطرق الكتاب إلى طبيعة العلاقة بين إسرائيل والدول العربية ذات اتفاقية السلام أو الدول العربية التي لم توقع سلاماً مع إسرائيل، وما هي النظرة المستقبلية لهذه العلاقة، ويورد الكاتب نظرة إسرائيل للدول العربية منفردة؛ فعندما يتحدث عن علاقات مصر وإسرائيل؛ يقول إن النمو السكاني المصري يهدد وجود إسرائيل. وينبه المؤلف إلى خطر تجاوز إسرائيل، ويقصد به العلاقة المتنامية بين ميناء طابا والعقبة ومدينة حقل السعودية، والسفن الإسرائيلية يمكن أن تسلك قناة السويس للوصول إلى ميناء إيلات، وهذا يمثل خطراً على الميناء. ويرى أن هناك زيادة في عدد السكان في سيناء وخليج السويس بسبب حقول النفط والغاز، وهذا سيؤثر على إسرائيل؛ فوجود تجمع سكاني عربي كبير بالقرب من إسرائيل يهدد أمن الدولة اليهودية؛ لأنه يولد نزاعات على طول الحدود المصرية الإسرائيلية، أما نظرة إسرائيل للخليج العربي، والذي يصفه بالفارسي، ويرى الكاتب أن إسرائيل لها علاقة مباشرة بما يحدث بالخليج، وخاصة مسؤولية التنقيب عن البترول والنفط، وهي تنظر بعين الشك لتحسين الطرق البرية الواصلة بين الدول العربية، وتنظر بشك أيضاً لزيادة ثروات دول الخليج، وخوفها من استغلالها عائدات النفط لدعم الدول العربية على خط المواجهة الإسرائيلية. ويرى المؤلف أن ارتباط العالم العربي بالنفط يؤمن لدول الخليج مصدراً مالياً هائلاً يساعد في تطور البلاد؛ لذلك فإن إسرائيل لا بد أن تنظر إلى العديد من الدول الخليجية وتجعلها محايدة في هذا الصراع، وخاصة بعض الدول الإفريقية التي تحصل على مساعدات خليجية يجب أن تقدم لها إسرائيل مساعدات مالية وعلمية يجعلها على الحياد. ويرى الكاتب أن الأموال التي تنفق على مجال الوعظ والإرشاد الإسلامي يمكن أن تحقق صحوة دينية إسلامية تؤثر في وجود الدولة الإسرائيلية. أما عن علاقة إسرائيل بتركيا؛ فيرى سوفير أنه من الصعب النظر إلى طبيعة العلاقة بين تركيا وإسرائيل في المستقبل؛ لأن الشعب التركي بدأ يتوجه نحو الأمور الدينية، وهناك صحوة إسلامية لدى الأتراك وميل لدعم المنظمات الإسلامية. أما الأردن؛ فيرى أنه متخوف دائماً من الحرب بسبب اعتبار اليهود لشرق الأردن جزءاً من أرض الميعاد اليهودية، وأن إسرائيل لها الفضل في نقل التكنولوجيا إلى الأردن وخاصة الزراعية. أما نظرته لسوريا؛ فيرى أن إقامة المشاريع السكانية السورية بالقرب من الجولان المحتل يمكن أن يؤثر في يهودية الدولة، ويورد مقولة للرئيس السوري حافظ الأسد تقول إن الطريق لتحرير الجولان يتم بتنفيذ مشاريع الإسكان على طول الحدود مع إسرائيل؛ لإحياء المنطقة ومواجهة إسرائيل سكانياً. أما لبنان؛ فيرى أنه يمثل مشكلة بالنسبة لإسرائيل؛ لأنه يسيطر على أهم رافد من روافد نهر الأردن، وهو الليطاني؛ لذلك تتخوف إسرائيل من تحويل هذا الرافد بشكل مباشر ليصب في نهر اليرموك؛ حيث تقتسم الأردن وسوريا مياه النهر، وسيؤثر ذلك سلباً في مشاريع إسرائيل الزراعية في الشمال. وفي نظرته للعراق؛ يقول يجب أن تعامل العراق كدولة حدودية؛ لأنها تدعم الأردن، والجيش العراقي كان مشاركاً في كل الحروب العربية ضد إسرائيل، وكذلك في حرب الخليج ١٩٩١م ضرب الرئيس العراقي السابق صدام حسين إسرائيل بـ ٣٩ صاروخاً. ومن مظاهر التغيير التي تخوف إسرائيل مستقبلاً كما ينظر إليها سوفير ما يلي: ١ - التزايد السكاني الهائل في المنطقة بالنسبة للعرب. ٢ - التحول من الريف إلى المدينة بشكل متسارع، وكذلك من البادية إلى المدينة، وهذا الأمر مثير للهلع عند اليهود بسبب اتصال المدن وقربها بشكل كبير من الحدود الإسرائيلية؛ فإحدى ضواحي عمان لا تبعد عن الحدود أكثر من ٢٥ كم، وهذا يشكل تحدياً لليهود، وكذلك كثير من المدن السورية والمدن اللبنانية، وكثير من التجمعات السكانية، ويتخوف الكاتب بشكل كبير من التطور الحاصل في ميناء العقبة ونويبع المصري ومدينة حقل السعودية، ويقول إنه تم لأول مرة في التاريخ إنشاء جسر بري بحري ليربط الشرق بالغرب، وهذا الأمر له آثار اقتصادية بالغة الأهمية دون أن يكون له أثر في إسرائيل. وتتخوف إسرائيل أيضاً من أمور عدة أهمها نقص المياه والمشاكل الناتجة عنه، وتعاظم تضخم السكان في المدن وآثاره على الوطن العربي وإسرائيل، والتحسن الملموس في طرق المواصلات ووسائل الاتصالات. ونمو الحركات الإسلامية وآثارها في المجتمع العربي المحيط بإسرائيل. أما كتاب (الأقلية العربية في إسرائيل) لراحيل غرومان ١٩٩٥م؛ فهو مادة تعليمية مقررة وفقاً لمنهاج التعليم الخاص بوزارة المعارف، حيث يورد الكتاب بعض المغالطات التي يهدف من وراءها سلخ الطالب العربي عن جذوره العربية؛ مثل اعتبار الضفة الغربية وغزة أراضي تابعة لدولة إسرائيل، ويحمل المؤلف مواطني فلسطين ٤٨ مسؤولية هروبهم منها عام ١٩٤٨م، ويؤكد الكتاب على حقيقة الاحتلال العسكري؛ فيرى أن دولة إسرائيل احتلت هذه المناطق بناء على وعد رباني للشعب اليهودي، وعندما يتحدث عن الفتح العربي الإسلامي يصفه بالمحتل والمخرب، وأن أرض فلسطين لم تعان من دمار كما عانته أثناء الحكم العربي الإسلامي لها، يوحي الكتاب للطالب العربي أن الإسلام محرف ومشوه لعدة طوائف؛ مثل السنة، والشيعة، والدروز، وحضر وبدو، وفلاحين، ويعتبر الدروز أقلية مختلفة عن العرب. أما عن الجانب القانوني للأقلية العربية في إسرائيل؛ فيرى المؤلف أن حقوق الأقلية العربية تمت صياغتها في وثيقة الاستقلال للدولة اليهودية وفق مكونات ثلاث: ١ - دولة إسرائيل دولة يهودية. ٢ - دولة إسرائيل دولة ديمقراطية. ٣ - دولة إسرائيل لها احتياجات أمنية. ويتخوف العرب بشكل كبير من الإجراءات التي تقوم بها إسرائيل لترسيخ هذا المفهوم؛ خاصة إذا لقي دعماً وتأييداً من قبل المواطنين، ففي استطلاع للرأي العام جرى عام ١٩٨٧م ظهر أن ٥٤% من اليهود يؤمنون بأن على إسرائيل ترسيخ طابعها اليهودي. إن ما يقال عن الديمقراطية أمر بعيد عن الصدق، وليس الهدف منه إلا الدعاية الإعلامية، فالسلطات الإسرائيلية كممثلة تنفيذية لهذه الدولة لا تسمح للعرب بممارسة حقوقهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وكذلك فإن المؤسسات اليهودية تنظر إلى العرب على أنهم معضلة أمنية تقف في وجه الدولة، ويورد الكاتب العديد من القوانين التي تنتقص من حقوق العرب؛ مثل قانون العودة الصادر عام ١٩٥٠م، والذي يمنح الجنسية لليهودي وبمجرد العودة إلى فلسطين، أما غير اليهودي فله طرق عدة وصعبة للحصول على الجنسية، وهو قانون عنصري، فالعربي الذي عاد إلى وطنه منع من الجنسية، أما اليهودي الذي لم يعش يوماً واحداً على أرض فلسطين فيمنح الجنسية مباشرة عند العودة. وهناك قانون يميز المشاريع اليهودية عن العربية؛ مثل قانون (مكانة أو منزلة الهستدروت والوكالة اليهودية) الصادر عام ١٩٥٤م، والذي يمنح الأفضلية لهذه المؤسسات في المشاريع الاقتصادية والسكانية، وبما أنها يهودية فإن المستفيد الأول منها هو اليهودي فقط. أما قانون أراضي إسرائيل عام ١٩٦٠م؛ فقد اعتبر غالبية الأراضي ملكاً للدولة وملكاً لسلطة التطوير أو الصندوق القومي اليهودي؛ لذلك فإنه يمنع بيع أو نقل ملكيته الأرض لغير اليهود، ومعنى ذلك أن مساحة الأرض التي يسيطر عليها اليهود تزيد بينما العربية تقل. أما قانون الكنيست لعام ١٩٨٥م؛ فهو يمنح الأحزاب التي تعارض وجود الدولة من الترشح للانتخابات أو إذا كانت هذه الأحزاب تنكر قيام الدولة اليهودية. أما التناقض بين الديمقراطية نظرياً وتعبيرياً، فهو كثير فهناك خطوط حمراء للعرب لا يمكن أن يتعدوها، وإذا حدث ذلك؛ فإن الصحيفة أو الحزب أو المجلة تغلق بأمر وزير الداخلية، كما فعل وزير الداخلية بإغلاق صحيفة الاتحاد لمدة أسبوع على خلفية التحريض ضد دولة إسرائيل. أما حرية السكن والإقامة في المدن والمستوطنات فهي معقدة، فالمواطن العربي لا يجوز له السكن أو ليس حراً في تحديد مكان السكن الذي يريده، فهناك مدن لا يمكن أن يسكنها عرب؛ مثل صفد وطبريا وبيسان. ويورد الكتاب مقارنة بين التعليم في عهد الدولة اليهودية وكيف تتطور بشكل سريع بسبب الدعم المقدم للتعليم العربي، ولكنه لا يتعرض لمدى الصعوبات التي تواجه الطالب والمعلم العربي في المدارس العربية في إسرائيل؛ مثل التهديد بفصل المعلم إذا خالف آراء الدولة أو منع الطالب من إكمال التعليم. ويرى الكاتب أن مصادرة مساحات من الأراضي العربية كان لأهداف اقتصادية أي للمصلحة العامة؛ متناسياً الأثر السلبي على هذه المصادرات؛ مثل تناقص المساحات المزروعة من قبل العرب؛ مما أدى إلى قلة الاعتماد على الزراعة كمورد اقتصادي أساسي للعرب، وهذا هدف مدروس حتى يتم سلخ المواطن العربي من الأرض العربية، ويرى المفكرون اليهود أن الاستيلاء على الأراضي العربية هو حتمية صهيونية عليا، وهدفها هو توطين الشعب المختار مكان العرب؛ لأن هذه هي الأرض الموعودة لليهود. ويورد المؤلف نماذج من الصراع العربي الفلسطيني مع الحكومات الإسرائيلية داخل فلسطين المحتلة حول مصادرة الأراضي حسب العديد من الذرائع. ويتحدث المؤلف عن أثر الأحداث السياسية في تربية الناشئة العرب بين عامي ١٩٤٨ وعام ١٩٩٤م، ويوضح أن المواطن العربي أصبح محاطاً بمجموعة من الدوائر تحيط بهويته وتحدد طبيعة انتمائه، ومن أبرز ذلك: ١ - الدائرة الفلسطينية التي يشعر بانتمائه إليها إلى جانب دعم النضال العربي في الضفة والقطاع. ٢ - الدائرة الإسرائيلية؛ حيث مطلوب منه المحافظة على قوانين الدولة التي يخضع لها سياسياً وإدارياً حيث يتكلم العبرية. ويدرس في الجامعات العبرية. ٣ - الدائرة العربية ذات الانتماء القومي للأمة العربية لغة وحضارةً. ٤ - الدائرة الإسلامية التي ينتمي لها عقدياً ويعبر عنها من خلال التزامه بتعاليم الإسلام في مختلف المجالات والقيام بالعبادات المكلف بها. في ضوء الأحداث السابقة والتأثيرات يمكن أن تحدد تطور الهوية العربية في إسرائيل؛ بالشكل التالي: ١ - المرحلة الأولى مرحلة الهوية الجنسية الإسرائيلية منذ ١٩٤٨ - ١٩٦٦م. ٢ - المرحلة الثانية الهوية القومية الفلسطينية ١٩٦٧ - ١٩٩٥م. وهناك مؤثرات خارجية أثرت في الهوية لدى عرب إسرائيل؛ منها: ١ - عدوان حزيران وحرب الأيام الستة عام ١٩٦٧م. ٢ - أثر تصاعد التطرف العنصري اليهودي. ٣ - بروز منظمة التحرير الفلسطينية على الساحة الدولية؛ حيث أصبح ينظر لها المواطن العربي بأنها تتحدث عن الشعب الفلسطيني كله داخلاً وخارجاً؛ خاصة بعد اختيار ثلاثة من عرب الداخل أعضاء في منظمة التحرير. ٤ - الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية المحتلة عام ١٩٦٧م، والذي أدى إلى إعادة الاتصال بالعرب مرة أخرى بعد عزلة طويلة. ٥ - حرب تشرين ١٩٧٧م عندما استخدم العرب سلاح البترول، وشعروا أن لهم قوة ونظرة في تغيير الواقع، ويستطيعون الضغط من خلاله. ٦ - حرب لبنان ١٩٨٢ - ١٩٨٥م أكدت على وحدة الشعب أينما وجد، وأعلمت العرب أن إسرائيل كانت مسؤولة مباشرة عن المذابح التي وقعت بحق العرب في المخيمات جنوب لبنان. ٧ - الانتفاضة الفلسطينية ١٩٨٧ - ١٩٩٣م؛ حيث نظر العرب في الداخل بأنها حرب تحرر قومي؛ ولذا من واجبهم دعمها خاصة أنها تحدث في أماكن ليست بعيدة عن منازلهم. أما المؤثرات الداخلية فهناك جملة منها أخذت تعرف المشاعر القومية العربية لدى المواطنين العرب الإسرائيليين، والتي ساهمت في إبراز الشخصية العربية، ومنها: ١ - الشعور بالتزايد السكاني لدى العرب؛ حيث أصبحوا أقلية ذات عدد كبير تمثل ٢١% من مجموع السكان. ٢ - القهر والتمييز الاجتماعي من قبل الدولة والمواطنين اليهود. ٣ - بروز قيادة وطنية قطرية، والذي تمثل وتجسد بيوم الأرض في ٣/٣/١٩٧٦م. لقد أفرزت الظروف والأحداث المتعاقبة منذ ١٩٤٨م ثلاث اتجاهات لدى المواطنين الذين خضعوا للاحتلال وحملوا الهوية، ويرى المستشرق اليهودي أوري تندل أنها تلخصت فيما يلي: ١ - التطرف. ٢ - الاندماج. ٣ - الأسرلة. أما الاتجاه الأول؛ فسبب ظهوره رغبة العرب بتحقيق ذاتهم رغماً عن السلطة، بينما الاتجاه الثاني؛ فإنه يدعو إلى العيش داخل إسرائيل مع المحافظة على الطابع العام للشعب العربي، أما الاتجاه الثالث (الأسرلة) ؛ فهي شبيهة بالثانية بتعاطف أقل مع الفلسطينيين، ولكنها على استعداد للتضامن مع العرب الفلسطينيين؛ بحيث لا يتعارض هذا مع إسرائيليتهم. ويورد المؤلف فصلاً حول الأردن في نظر مؤسسة أرئيل من كتاب مواقع وأماكن في الأردن، حيث يطرح هذا الكتاب اسم الأردن كجزء من أرض إسرائيل؛ حيث يعتبرون شرق الأردن مكملاً لإسرائيل من حيث التاريخ والجغرافيا، وأن اليهود استقروا في مناطق عدة من شرق الأردن، ومع نشوء إمارة شرق الأردن فُصل الأردن نهائياً عن الوطن اليهودي. * التربية والثقافة الفكرية بعد عملية السلام: إن المتتبع للكتب الفكرية التي تصدر في إسرائيل سواء كانت منهجية (مدرسية أو جامعية) أو تطرح في الأسواق؛ لا يلحظ أي تغير في نمط تفكير المفكرين سواء قبل السلام أو بعده، فالعرب ما زالوا يوصفون بالأغيار، وأنهم رعاة لا يعرفون من الحضارة شيئاً، وإنكار الحق العربي حتى في البلاد التي وقَّعت معها إسرائيل اتفاقيات السلام، واعتبار شرق الأردن مثلاً حتى اليوم جزءاً من أرض إسرائيل، وما زالوا يقومون بذكر كثير من المواقع الأثرية الموجودة في الأردن ووصفها بأنها مناطق يهودية استقر فيها اليهود؛ مثل جلعاد ومكاور، وأن يهود الأردن كان لهم علاقات مع يهود فلسطين، وكان لهم تجمعات سكانية كبيرة لم يبق منها في العصور الوسطى إلا القليل، وأن آخر اليهود المتبقين في الأردن غادروها في نهاية الانتداب، ومع بداية الحركة الصهيونية كانت هناك مشاريع كبيرة للحركة الصهيونية في شرق الأردن، ولكنها لم تتحقق بسبب قيام إمارة شرق الأردن عام ١٩٢١م. ولم ينفك مؤلفو الكتب اليهودية يذكرون بماضي اليهود في هذه البلاد، ويحاولون ربط الماضي بالحاضر، ويتم الإحياء من خلاله بتواصل الوجود اليهودي التاريخي في شرق الأردن منذ القدم من عهد الانتداب، وأن لهم آثاراً متعددة في مناطق مختلفة؛ مثل جرش، ومادبا، وأم قيس «جدارا» التي وجدت فيها طائفة يهودية متميزة في نظرهم، أما فحل أو فيلا فهي إحدى المدن الإسرائيلية القديمة ومن أكثرها قدماً.

стр. 4695

مرصد الأحداث أحمد فهمي afahmee@albayan-magazine.com أقوال غير عابرة: - «ملف الأسرى وصمة عار على جبين رجال أوسلو والسلطة.. ويكفي أن يقول شمعون بيريز وزير خارجية العدو الأسبق في مفاوضات سابقة إنه كان يحمل في جيبه ورقة تتضمن قرار الإفراج عن الأسرى، لكن المفاوض الفلسطيني لم يطلبها» ... جمال الطويل القيادي البارز في حماس والمعتقل في سجن مجدُّو اليهودي. [السبيل الأردنية، ٢٢/٧/٢٠٠٣م] - «صدام حسين لم يعد يشكل نبأ مزعجاً، إنه نفاية تنتظر جمعها» كولن باول. [البيان الإماراتية، ٣٠/٧/٢٠٠٣م] - «القتلة الذين يأخذون إجازة لـ ٩٠ يوماً الهدنة لا يزالون قتلة.. ليس من خيار آخر أمام إسرائيل سوى استخدام وسائلها الخاصة لمحاربة الإرهاب.. النضال الذي تقوده إسرائيل هو أيضاً نضالنا.. وسيبقى الأمر كذلك إلى أن يتم سجن أو دفن آخر إرهابي على الأرض.. إنهم عقارب» زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب الأميركي توم ديلاي يتحدث أمام الكنيست عن المقاومة الإسلامية. [البيان الإماراتية، ٣٠/٧/٢٠٠٣م] - «الذين يشنون الهجمات ليس الفدائيين فقط، وإنما هناك إرهابيون من جماعة أنصار الإسلام، كانت لهم قاعدة في الشمال، وقتلنا ٧٠ منهم، ونحن نأسف أننا لم نقتلهم جميعاً» . بول بريمر. [البيان الإماراتية، ٣/٨/٢٠٠٣م] - «مصر لن تشارك في عملية السلام بينما عزام عزام قابع في سجونها لتهم هو بريء منها تماماً» .. أرئيل شارون رئيس وزراء الكيان الصهيوني. [وكالات] - «شارون الوحيد القادر على الحل، لا أعتقد أن هناك أحداً بعده ظاهراً على المسرح السياسي الإسرائيلي وعنده الجرأة، شارون هو الذي أزال المستوطنات من سيناء» . الرئيس المصري حسني مبارك. [السفير اللبنانية، ٥/٨/٢٠٠٣م] - «أوروبا بحاجة للقيام بجهود جديدة لمواجهة تحدي العلمانية، ليصبح المسيحي الحقيقي متعلقاً بدينه وتعاليمه، وليس بأية أفكار أخرى من شأنها عزل الدين عن الدولة، واقتصار مداه على دور العبادة فقط» . [بابا الفاتيكان، مفكرة الإسلام، ٦/٨/٢٠٠٣م] - «إننا نعلن على الملأ رفضنا لأفكار تنظيم القاعدة منذ فترة طويلة، أحالوا العالم كله بما في ذلك ديار الإسلام إلى ديار حرب، وأسرفوا في سفك الدماء بغير حق، ولم يحققوا مصلحة واحدة للإسلام أو المسلمين» كرم زهدي رئيس شورى الجماعة الإسلامية المصرية يتحدث من سجنه. [موقع الإذاعة السويسرية، ٦/٨/٢٠٠٣م] - الأميركيون «الذين قدموا لصدام حسين السلاح الكيمياوي ليقصف به كردستان ١٩٩١م حيث كنا حينها نقاتله باعتباره طاغوتاً يدمر الشعب العراقي، يأتون الآن بحجة إسقاط هذا الطاغوت، ويتهموننا بعلاقتنا معه، هؤلاء كفرة يكذبون» الشيخ عمر عبد العزيز ٩٠ عاماً شقيق مرشد الحركة الإسلامية الكردية في العراق محتجا على اعتقالات أميركية لقادتها. [إسلام أون لاين، ٦/٨/٢٠٠٣م] - «وأنا في زيارة مع وفد من مجلس النواب اليمني لأميركا، قال عضو في الكونجرس عن كاليفورنيا ساخراً من مسلمي الخليج والصلوات الخمس إنه أثناء زيارته للسعودية شاهد الناس وهم يقبّلون الأرض خمس مرات في اليوم والليلة، ولم يكتشف السبب في ذلك إلا بعد أن أدرك أن المنطقة تقع على بحر هائل من النفط، وحينها فهم المسوِّغ لتقبيل المسلمين لأرضهم» عضو في مجلس النواب اليمني. [الصحوة اليمنية، ٩/٨/٢٠٠٣م] أحاجي وألغاز: تقية الإخفاء - «بسبب معتقداتنا الدينية والأخلاقية، والالتزامات التي حددها القرآن لنا، فلا يمكننا أن نسعى ... ولن نسعى ... وراء مثل هذه الأسلحة التي تدمر البشرية» . هاشمي رفسنجاني رئيس هيئة التحكيم العليا في إيران. [السفير، ٢/٨/٢٠٠٣م] أزمة مرور - «باكستان والأمة الإسلامية كلها في مفترق طرق.. يجب أن نقضي على التطرف الديني.. ولا نستخدم المساجد لنشر الكراهية.. باكستان تحتل موقعاً محورياً لبيان الطريق الذي يجب أن تتبعه هي والأمة الإسلامية.. هل يجب أن نغفل هذه الفرصة؟ .. لا.. ولكن بعض الأشخاص يضعون أرجلهم على الفرامل..! يجب أن لا ندعهم يفعلون ذلك» .. برويز مشرف يتحدث للصحفيين. [ميدل إيست أون لاين، ٥/٨/٢٠٠٣م] الديمقراطية الخرساء - «أقبل بكل فخر واعتزاز بأن أكون مرشحكم للانتخابات الرئاسية المقبلة وفاء للشعب التونسي الأبي، وبراً بالوطن المفدى، وإخلاصاً للأمانة المقدسة التي كافح من أجلها المناضلون والمقاومون والشهداء، ونزولاً عند رغبة جميع أبناء تونس وبناتها من مختلف الفئات والأجيال والجهات» الرئيس التونسي بن علي في مؤتمر الحزب الحاكم. [السفير، ٢٩/٧/٢٠٠٣م] هل انتهى تاريخ الصلاحية؟ - آخر إنجازات الرئيس الليبي معمر القذافي: أصدر «الكتاب الأبيض، الذي برأ فيه اليهود من دم الفلسطينيين في دير ياسين، ودعا إلى دولة» إسراطين « بعد أعوام طويلة من الرفض يوافق فجأة على الاعتراف بمسؤوليته عن لوكيربي، ودفع ١٠ مليون دولار لأهالي كل ضحية بإجمالي ٢.٧ مليار دولار يعلن انسحابه من الجامعة العربية ضارباً بعرض الحائط كل دعاويه عن القومية العربية يضيف اللغة العبرية إلى موقعه على الإنترنت في حوار مع محطة تلفزيونية أميركية يتهم الوهابية بأنها منبع التطرف، ويتهم السعودية بتمويل القاعدة والإرهاب. [وكالات] مرصد الأخبار: شارون يوافق القرآن تعهد رئيس الحكومة اليهودية شارون، لمستشارة الرئيس الأمريكي لشؤون الأمن القومي» كونداليزا رايس «خلال اجتماعه بها أثناء زيارته لواشنطن، أن بناء مسار الجدار الفاصل الذي سيحيط بمستوطنتي» أريئيل «و» عمانوئيل « والمستوطنات المجاورة لهما، سيبدأ في سنة ٢٠٠٤م فقط، وقال إنه يمكن لـ» إسرائيل «إعادة التفكير بمسار هذا المقطع حتى ذلك الموعد، وأكد مسؤولون في الحكومة أنه» لا يوجد أي سور بين شارون وبوش «. من ناحيته رفض شارون تعبير» سور «الذي استخدمه الرئيس بوش مؤخراً، وأبلغ شارون رايس أن» الجدار ليس سوراً، إنما هو جدار أمني يشبه الجدار القائم شمالي البلاد، والجدار المحيط بقطاع غزة «. وهو بذلك يوافق بدون قصد الآية القرآنية الكريمة التي تتحدث عن اليهود» لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر «، فهو يعتبر أن لفظ» السور «لا يفي بالمقصود. وحاول شارون المخادعة بشأن مصادرة مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية، وتثبيت» حقائق سياسية «أحادية الجانب، وادعى متناقضاً كعادته أن» إسرائيل «تنوي بناء الجدار مع أخذ مطالب الفلسطينيين في الاعتبار بهدف عدم التأثير سلباً على حياتهم اليومية ومزاولة أعمالهم الزراعية، وقال شارون: » لقد أُجبرنا على بناء الجدار؛ لأن الجانب الآخر لا يتخذ إجراءات ضد الإرهاب «. أربعة أميركيين ينصّرون عشرين شاباً تركياً أبدى العديد من رجال الأعمال والتجار في تركيا ردود فعل غاضبة على اتساع نطاق الحملات التنصيرية التي تقودها أميركا داخل تركيا خاصة في مدينة بورصة، وذكرت التقارير أن أربعة أمريكيين وزعوا ما يزيد على عشرين إنجيلاً باللغة التركية، والعديد من أشرطة الكاسيت التنصيرية، في منطقة السوق التجارية المزدحمة في مدينة بورصة مما أثار غضب التجار، وأوضحت مصادر أن نحو عشرين شاباً أقل من ثلاثين عاماً تقدموا بالفعل بطلبات لتحويل ديانتهم إلى المسيحية.. [مفكرة الإسلام، ٩/٨/٢٠٠٣م] في العراق» دمار شامل «.. وفي أميركا صغير القدرة عقد مؤتمر سري بمقر القيادة الاستراتيجية الأمريكية في نبراسكا، يهدف للتخطيط لمستقبل الترسانة النووية الأمريكية، وتطوير ما يطلق عليه» النوويات الصغيرة «. ويتنبأ الخبراء بظهور نوع جديد من الحرب، يجمع بين المجال النووي من ناحية، ومجال الأسلحة التقليدية عالية الدقة، فضلاً عن الصواريخ المستخدمة، من ناحية أخرى، وفي قاموس المصطلحات العسكرية الأميركية يفضل إطلاق اسم الأسلحة» صغيرة القدرة «على تلك الأسلحة النووية، وهي قنابل قدرتها التفجيرية نحو كيلو طن واحد، أي ما يناهز قوة ألف طن من المتفجرات، ورغم ذلك يسمونها صغيرة. وسوف تفحص» لجنة ترسانة المستقبل «اللجوء إلى أسلحة نووية تبث كميات محدودة من الإشعاع، وتخترق الأرض لمهاجمة المستودعات الجوفية العميقة، فضلاً عن أسلحة أقوى ذات تأثيرات إشعاعية أكبر، وكذلك أسلحة لتدمير العناصر الكيماوية والبيولوجية. وكانت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) قد رفعت للكونجرس في كانون أول / ديسمبر ٢٠٠١م تقريراً تحت عنوان » مراجعة الوضع النووي «. وفي بريطانيا قال بن ميلر معارض لانتشار الأسلحة النووية:» من المفزع والمثير للاشمئزاز والخزي أن يجتمع مسؤولو البنتاجون في نفس الأسبوع الذي يشهد ذكرى قصف هيروشيما وناجازاكي الذي أسفر عن مصرع ما يربو عن ١١٠.٠٠٠ شخص «، وقال:» تضغط أميركا على العالم للتخلص من الأسلحة النووية، بينما تقوم هي نفسها بنقيض ذلك تماماً «. [بي بي سي أون لاين، ٥/٨/٢٠٠٣م] دحلان ينفذ عملية انتحارية كشفت رسالة خطيرة للغاية موجهة بتاريخ ١٣/٧/٢٠٠٣م بعث بها وزير الأمن الداخلي الفلسطيني محمد دحلان إلى وزير الدفاع الصهيوني شاؤول موفاز، عن ترتيبات متفق عليها مع حكومة أبو مازن لمواجهة عرفات وحركات المقاومة الفلسطينية، وعلمت السبيل أن عرفات اطلع على الوثيقة بتفاصيلها. وجاء في الوثيقة قول دحلان لموفاز:» لن نسمح لهؤلاء المتطفلين علينا المقاومة وعلى شعبنا بالبقاء في صفوف شعبنا إلا من يقبل التعايش معهم «، وأضاف:» تأكدوا أيضاً أن السيد ياسر عرفات أصبح يعدّ أيامه الأخيرة، ولكن دعونا ننهيه على طريقتنا لا على طريقتكم، وتأكدوا أيضاً أن ما قطعته على نفسي أمام الرئيس بوش من وعود فإنني مستعد لأدفع حياتي ثمناً له «، وجاء في تفاصيل خطة دحلان قوله:» أما بالنسبة للاستئصال، فنحن لم نتراجع عن سياسة الاستئصال، لقناعتنا أنه لا يوجد طريق آخر نفرض من خلاله القانون غير الضرب بيد من حديد واجتثاث هؤلاء العبثيين من بيننا «. وأضافت الرسالة:» أما بالنسبة لجبريل الرجوب فأنا أؤكد لكم مرة أخرى أن هذا الرجل أحمق وأهوج، وقد بدأ عرفات يقربه إليه الآن ليستغله ضدنا، وأنا ضد أن ينسق أبو مازن مع هذا الرجل؛ لأنه حتماً سيكون سبباً في إفشالنا جميعا «، وقال دحلان:» أما بالنسبة لإلحاحكم بالتنفيذ الفوري للمخطط المتفق عليه، وإصراركم على استعمال نصائحنا لكم سابقاً بعدم انسحابكم من الضفة وغزة، أو إخراج المعتقلين من السجون قبل أن تفككوا البنية التحتية لكل المنظمات الفلسطينية، فأنا أؤكد لكم مرة أخرى بأنه لولا أنني قادر على حمل هذه المسؤولية التي وعدتكم أنتم والرئيس بوش بها لما أقدمت عليها، وتذكروا أنني نجحت في السابق في الشيء الذي أخفقتم فيه أنتم حتى الآن، علماً أنني أعرف تماماً أنها مسؤولية انتحارية، ولكني أتمنى عليكم أن تتحركوا معنا ديناميكياً حسب ما تقتضيه مصلحة الخطة «. وجاء في الرسالة أيضاً:» أما بالنسبة لياسر عرفات، أنا شخصياً أصبحت متأكداً أنه ما لم يتم القضاء عليه فإننا لن نستطيع أن نسيطر على بقية الأجهزة، ولكني لا أريد أن يموت موتة يترحم بها عليه أحد من الشعب الفلسطيني، ولذلك نحن لا نريد أن نخرجه من اللعبة، وإلى أن يحين لنا وقت نتمكن من قتله إما سُمّاً أو أمراضاً، أو إذا عجزنا عن كل ذلك، فلا بد من قتله باسم حماس والجهاد، ولهذا لا بد من السماح له بحرية الحركة داخل الضفة وغزة والخارج؛ لأننا بالوقت الذي نكون بدأنا بالاصطدام بحماس والجهاد، فسنجعل ردة فعلهم عليه مباشرة من خلال حركته في الضفة وغزة «. وقالت الرسالة:» بدأنا بتعبئة العناصر على أساس الطاعة العمياء، وسنبدأ في البداية بملاحقة لصوص السيارات ومخالفي البناء والمتهربين من الضرائب، لكي نتمكن لاحقاً من توجيه كل قوى الأجهزة الأمنية باتجاه نزع الأسلحة، والضرب بيد من حديد على كل المخالفين لذلك، ولو أدى الأمر في النهاية أن يُقضى على نصف الشعب الفلسطيني، من أجل أن يعيش النصف الآخر بأمان؛ فإنني لن أتردد في ذلك «.. [السبيل، ٢٩/٧/٢٠٠٣م] أسبانيا ترسل صليبها» قاتل المسلمين «إلى العراق تشهد أسبانيا حالياً جدلاً حول قرار الحكومة إرسال فرقة من قواتها إلى العراق قوامها ١٣٠٠ جندي، يرتدي أفرادها زياً به شارة مرسوم عليها صليب» القديس جيمس «الذي يطلق عليه» قاتل المسلمين «لأنه قاد في العصور الوسطى حملات الاستيلاء على الأندلس وذبح المسلمين، وقالت صحيفة الغارديان البريطانية إن بعض وسائل الإعلام الإسبانية عبرت عن دهشتها إزاء اختيار هذه الشارة، في الوقت الذي تجنب فيه السياسيون الدخول في هذا الجدل، وصرح جيسوس كالديرا المتحدث باسم الحزب الاشتراكي المعارض بأنه:» إذا بدأنا الجدل حول هذا الموضوع فإن المخاطر المحيطة بالفرقة الأسبانية المرسلة إلى العراق ستزداد «، ونقلت الغارديان عن صحيفة إلموندو الأسبانية قولها في مقالها الافتتاحي:» إن وضع شارة القديس جيمس على الزي الذي يرتديه الجنود الأسبان المرسلون إلى العراق، يعني الجهل المطلق بطبيعة المجتمع الذي سيقومون فيه بمهامهم «، وقالت الصحيفة البريطانية إنه من الصعب إيجاد رمز أكثر إثارة للعراقيين غير هذه الشارة التي يحملها الجنود الأسبان. وغادرت دفعة أولى من تلك القوة قوامها ٤٥٥ عسكرياً أسبانياً على متن طائرة من طراز هركوليس متوجهين إلى العراق، وكان ٦٠ عسكرياً أسبانياً قد وصلوا إلى العراق قبلهم بأيام تحضيراً لوصول القوة الأسبانية تدريجياً، والتي تنتهي مهمتها في ٣٠/١٢/٢٠٠٣م. [السبيل، ٢٩/٧/٢٠٠٣م] قبل الطبع: -» طابور «اسم السلاح الجديد الذي أنتجه الجيش اليهودي بديلاً للرشاش الشهير» عوزي «والرشاش الأميركي» إم ١٦ «لاستخدامه في مواجهة الفلسطينيين، وقال خبير عسكري إن طابور ستكون مفيدة جداً في معارك المدن والأحياء الضيقة، والبندقية صغيرة الحجم وتزن ٢.٨ كيلو غراماً بينما الرشاش عوزي ٣.٧ كيلو غرامات، وتزن البندقية إم ١٦ الأميركية ٣.٤ كيلو غرامات. ويتم حشو طابور بالرصاص في كعبها. وللبندقية الجديدة فتحات واسعة بما يمنع كتل الغبار، كما أنها مزودة بنظارات تتيح لمن يستخدمها التصويب على الهدف وعيناه مفتوحتان. [الجزيرة نت، ١١/٨/٢٠٠٣م] - نجح فصيل: دحلان - أبو مازن، في استقطاب الرجل الخطير لعرفات » خالد سلام «أو» محمد رشيد «وهو بمثابة أمين صندوق عرفات، وكاتم أسراره المالية، ومعروف أنه يملك مفاتيح الأرصدة المالية الهائلة التي يتحكم فيها عرفات، ويودعها في كثير من البنوك ومن ضمنها بنك» لئومي «الصهيوني في تل أبيب. [السبيل الأردنية، العدد: ٥٠١] - بمجرد إعلان في صحيفة يهودية تصدر في نيويورك، تمكن سكان مغتصبة في الضفة الغربية من الحصول على تمويل لإقامة سور أمني خاص بهم، ويبلغ الطول المقدر له ١٦ كم، وتم إقامة ٣ كم منها، وقال اليهود في الإعلان: » لقد عانينا طويلاً من الهجمات.. ونحن مصممون على إقامة سياج أمني.. إنكم في حال دفعكم ٥٢ دولاراً تستطيعون المساهمة ببناء متر من هذا السياج «. [الراية القطرية، ٦/٨/٢٠٠٣م] - رغم مرور أكثر من أربعين عاماً على الحرب الأمريكية ضد فيتنام، إلا أن آثار الأسلحة البيولوجية التي استخدمتها القوات الأمريكية لا يزال الفيتناميون يعانون آثارها حتى اليوم، وأظهرت دراسة متخصصة أن ما يعرف بـ» العامل البرتقالي «الذي استخدمه الأمريكيون بين عامي ١٩٦٢ و ١٩٧١م لإسقاط أوراق الأشجار والمزروعات وحرمان المقاتلين من مأوى للاختباء ومصدر للغذاء، ما زال يلوث الماشية والأسماك، وكشفت الدراسة ارتفاع نسبة مادة الديوكسين السامة في أجساد سكان مدينة بين هوا - ٣٢ كيلو متراً جنوب العاصمة - وكذلك في الأغذية التي تنتجها، وتقدر فيتنام أن أكثر من مليون من سكانها تعرضوا للعامل البرتقالي.. الأمريكي. [وكالة رويترز للأنباء، ١٢/٨/٢٠٠٣م] - رغم المقاطعة والرفض الظاهري للتطبيع من قِبَل أغلب الدول العربية، فقد ذكرت صحيفة يديعوت أحرونوت أن المانجو» الإسرائيلي «يتم توزيعه عن طريق الأردن إلى بعض الدول العربية، ويقدم توزيع المانجو في هذه الدول فائدة كبيرة للزراعة اليهودية التي أنتجت هذا العام ٣٠ ألف طن، وهو محصول لم يسبق له مثيل، وذلك في الوقت الذي تعاني فيه الزراعة الفلسطينية من خسائر بمليارات الدولارات. [يديعوت آحرونوت، ٢٧/٧/٢٠٠٣م] مرصد الأرقام: - أفاد مسؤول في المنظمة الهندية لمراقبة الإيدز أن عدد المصابين بالفيروس في الهند بلغ ٤.٥٨ مليون شخص نهاية عام ٢٠٠٢م، وكان العدد في العام الذي قبله ٣.٩٧ مليون إصابة، ونسبة الرجال المصابين ٦١.٥%، وتشير التقديرات إلى أن عدد المصابين المتوقع عام ٢٠١٠م، يبلغ ٢٥ مليون شخص. [موقع القناة، ٢٩/٧/٢٠٠٣م] - صرحت فالنتينا ميلنيكوفا مديرة لجنة أمهات الجنود الروس أن عدد القتلى في صفوف الجيش الروسي بلغ ١٢ ألف قتيل في السنوات الأربع الأخيرة، وكذّبت التصريحات الرسمية التي تدعي مقتل ٤٧٠٠ جندي روسي فقط. [موقع مفكرة الإسلام، ٨/٨/٢٠٠٣م] - يبلغ نصيب الطالب المصري من ميزانية التعليم في العام الدراسي الواحد ١٢٩.٦ دولاراً، ويبلغ مثيله في تونس ٢٨٩.٥ دولاراً، وفي السعودية ١٣٣٧ دولاراً، بينما في الدول الغربية مثل الولايات المتحدة يبلغ نصيب الفرد من ميزانية التعليم ٤٧٦٣ دولاراً، وفي اليابان يبلغ ٦٩٥٩ دولاراً. [ميدل إيست أون لاين، ٥/٨/٢٠٠٣م] - ذكر تقرير لوزارة العدل الأميركية أن عدد المسجونين في الولايات المتحدة قد ارتفع إلى ٢٠٣٣٣٣١ شخصاً مع نهاية العام الماضي بزيادة قدرها ٣.٧%، وهي تعادل ٧٠٠ سجين إضافي أسبوعياً، ويقبع واحد من كل ١٤٣ شخصاً في الولايات المتحدة وراء القضبان، ويمثل الذكور من السود الذين تتراوح أعمارهم بين ٢٠ و ٣٩ عاماً نحو ثلث عدد السجناء المحكومين، وما يزيد عن ١٠% من الذكور السود بين ٢٥ و ٢٩ عاماً، تم إيداعهم في السجن، مقارنة بنحو ٢.٤% من الذكور من أصل إسباني، و١.٢% من الذكور من البيض في نفس المرحلة العمرية. [الجزيرة نت، ٢٨/٧/٢٠٠٣م] - قدمت اللجنة الأوليمبية القطرية منحة قدرها ١٠٠ مليون دولار لفرق الدوري القطري لكرة القدم - عددها عشرة - بواقع عشرة ملايين دولارات لكل فريق من أجل التعاقد على شراء لاعبين أجانب، ودفع أحد الفرق مؤخراً مبلغ ٨ مليون دولار لشراء أحد اللاعبين. [بي بي سي أون لاين، ٩/٨/٢٠٠٣م] - قالت اللجنة الأوروبية إن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى ٧٠٠ ألف باحث لمضاهاة الإبداعات الأميركية واليابانية، ويحصل الأوروبيون على درجة الدكتوراه بمعدل أكبر من الأمريكيين، لكن قلة تتوجه للعمل في مجال البحوث، وقالت إن أوروبا لديها ٥.٣٦ باحثين مقابل كل ألف عامل مقارنة مع ٨.٦٦ في الولايات المتحدة و ٩.٧٢ في اليابان. [الجزيرة نت] ترجمات عبرية خاصة بالبيان: محمد زيادة تصريحات عبرية: - تم تجنيدي في سلاح المدرعات عام ١٩٩٥م على الحدود الشمالية لفلسطين.. انتابني شعور نفسي مضطرب نتيجة الأوامر العسكرية الغريبة التي تلقيناها.. ومنها ما قرأه علينا قائد الوحدة:» إذا اختُطفت سيارة بها جندي تابع لنا، فعلينا إيقاف السيارة بكل وسيلة ممكنة، وإذا ما تجاوزت السيارة الخط الأحمر نطلق قذائفنا عليها، حتى لو أدى ذلك إلى موت زميلنا المختطف؛ فالجندي القتيل خير من الجندي المختطف، الذي يُكبد الدولة عناء المساومة والمقايضة مع الآخرين «. [» ينيف عكيفا «شاب يهودي، هآرتس، ٦/٦/٢٠٠٣م] -» قبل أن يقوم وزير المالية نتنياهو بتقليص مخصصات النساء المُعيلات ١١٠٠ شيكل كنت أعيش حياة مناسبة، أما بعد أن ألغاها فلا أخجل من القول بأنني أنتظر يومياً عودة ابني من المؤسسة التي يعمل بها حيث يحمل معه ما تمكن من تخبئته من بقايا وجبته هناك كي آكل، كما أقوم بسرقة النقانق والجبن من الحانوت كي أتمكن من العيش مع ابني المقعد «. [إيلانا أزولاي، امرأة يهودية، ٥٣ عاماً، تتحدث للإذاعة العبرية ريشت بيت، ١١/٧/٢٠٠٣م] أخبار: شاعر أمريكي يكرهه اليهود -» من فجر برج التوأم «قصيدة شعرية كتبها الشاعر الأفرو أمريكي » أميري برقه «عقب أحداث سبتمبر، واتهم فيها اليهود علانية بأنهم مُدبرو الهجوم، حيث قال في قصيدته:» ٤٠٠٠ إسرائيلي لم يأتوا لمنطقة الحادث صباح الكارثة.. لأنهم يعرفون مُسبقاً ما سيحدث «. ويشعر يهود أميركا - نيوجيرسي بالأخص بالمرارة والغضب من حكومة شارون لدعوتها برقه كضيف شرف في حفل الشعراء الدولي الذي سيقام هذا العام في» إسرائيل «في أكتوبر القادم. [صحيفة معاريف الإسرائيلية، ٧/٧/٢٠٠٣م] بحث إسرائيلي أمريكي حول التبرعات اليهودية -» اليهود هم أكثر الطوائف الأميركية تبرعاً بالمال، فحوالي ٢٢% من إجمالي التبرعات العالمية ذات الحجم الكبير هي لليهود، وبلغ مجموع ما قدموه عام ١٩٩٥ - ٢٠٠٠م حوالي ٥.٣ مليار دولار، و ٩.٦% من مجموع التبرعات تُخصص لخدمة المؤسسات اليهودية الأمريكية، والتي تخدم يهود أمريكا وإسرائيل على حد سواء، ثم توزع التبرعات على المعاهد البحثية والجامعات اليهودية، وقد نالت هذه المؤسسات في الخمس سنوات حوالي ٣١٨ مليون دولار.. ويركز اليهود تبرعاتهم على مجالات: التعليم الصحة الثقافة، وقد تبرع الملياردير اليهودي «آرثر ساكلر» وعائلته في عام ١٩٩٩م وحده بحوالي ١٠٠ مليون دولار للمتحف اليهودي الأمريكي «سميث سونيان» . [جاري طوبين رئيس معهد الأبحاث اليهودية والاجتماعية، سان فرانسيسكو، هآرتس، ٢٠/٤/٢٠٠٣م] «أفق ٦» قمر تجسس إسرائيلي على الدول العربية - «تستعد إسرائيل لإطلاق قمرها التجسسي الجديد» أفق ٦ «في الأسابيع القادمة الذي سيتمكن من معرفة كثير مما يحدث في الدول العربية، وقال مصدر عسكري إسرائيلي إنه عبارة عن قمر» أفق ٥ «بعد إجراء مزيد من التعديلات والتطوير عليه، خاصة في النواحي التقنية التي تتيح التقاط مزيد من الإشارات حول الأهداف التي تريد إسرائيل مراقبتها» . [مصدر عسكري إسرائيلي لمجلة «موساف شابات» العبرية، ١٩/٧/٢٠٠٣م] أخبار التنصير: أبو إسلام أحمد عبد الله التنصير يخترق عائلات المسلمين في طاجيكستان أكدت تقارير حصلت عليها إرسالياتنا في طاجكستان، أن الزعماء الدينيين هناك يرفضون إجراء أي تعديلات على قوانينهم الصارمة لحماية عقائدهم ذات الأغلبية المسلمة، لكن طبقاً لتقارير إرسالية الكتاب المقدس (مارك ريمسكيسل) التي تعمل هناك منذ فترة طويلة، فقد وجدوا طريقاً جيداً للوصول إلى العائلات المسلمة من خلال أنشطة المعسكرات الصيفية للأطفال وتلاميذ المدارس، لكن ذلك يحتاج إلى تصريحات وموافقات من إدارات عديدة ومن الآباء أيضاً، وهو ما جعلنا نكتفي في كثير من الأحوال بإبلاغ دعوة المسيح فقط، مع استمرار وضع الخطط وتنشيطها وتجديدها. [النشرة الإخبارية الكاثوليكية (ZENET) روما ١/٨/٢٠٠٣م] في ذكرى سبتمبر.. لقاء عالمي للكنائس العربية في أمريكا يعقد نصارى العرب اللقاء العالمي الثاني بمناسبة تفجيرات سبتمبر، لتحفيز القوى السياسية والكنسية في العالم على مواجهة المد الإسلامي وتجفيف منابع الدعوة، بعد نجاح خطط تجفيف منابع الإنفاق عليها بدعوى مقاومة الإرهاب، وأرسلت الدعوات إلى ألفين من قادة الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية والبروتستانتية الشرقية والغربية في العالم وأقارب ضحايا أحداث سبتمبر، كما دعيت عشرات من قنوات التلفاز العربية والغربية لحضور المناسبة على نفقة المنظمين الذين لم يفصح عن هويتهم، كان مؤتمر العام الماضي قد عقد تحت إشراف لجنة الشباب بمنظمة أقباط المهجر في أمريكا في ٩/٨/٢٠٠٢. [دعم مراسل واشنطن ٣٠/٧/٢٠٠٣م] حول العالم - النصرانية تفقد نفوذها في أميركا إذ إن ٣ من بين ١٠٠ أميركيين ممن ينتسبون للكنيسة، هو فقط يعتبر مؤمناً. (تقرير لمركز أبحاث بارنا الأميركي) - أقيم مؤخراً في كينيا مؤتمر لاهوتي لتقييم وسائل التنصير في شمال ووسط أفريقيا، ولمناقشة ضرورة تجديد الخطاب الدعوي لنشر الصليب في ضوء الأوضاع العالمية، واستجابة إلى ما يعرف اليوم في كنائس العالم بـ (صرخة لاهوت التحرر) .
следующие страницы →