← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1562

أدب الطلب ومنتهى الأرب - ت السريحي

الشوكاني

Полный текст (254 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ذلك كان تاركًا لما أوجبه الله عليه من القيام بحجته ونشر أحكامه وإرشاد عباده إلى معالمه ونهيهم عن تجاوز حدوده ولا شك أن ذلك من أوجب الواجبات على أهل العلم وأهم المهمات (١)، ولو جاز ذلك لمن طُلب منهم وعول عليه لجاز لغيره من أهل العلم أن يصنع كصنعه ويسلك مسلكه، فتتعطل معاهد الشرع وتذهب رسومه "ويتخذ الناس رؤساء جهالًا يقضون بغير علم فيَضلون ويُضلون" وذلك من علامات القيامة وأشراط الساعة كما ورد به الخبر الصحيح (٢). [الطبقة الثانية من حملة العلم]: وإذا عرفت ما ينبغي لأهل الطبقة الأولى من العلوم فلنتكلم الآن في بيان ما ينبغي لأهل الطبقة الثانية من الطبقات المذكورة سابقًا، وهي طبقة من يريد أن يعرف ما طلبه منه الشارع من أحكام التكليف والوضع على وجه يستقل فيه بنفسه ولا يحتاج إلى غيره، من دون أن يتصور البلوغ إلى ما تصوره أهل الطبقة الأولى من تعدي فوائد معارفهم إلى غيرهم والقيام في مقام أكابر الأئمة المرجوع إليهم، كما يتصوره أهل الطبقة الأولى. فنقول: صاحب هذه الطبقة الثانية هو من يطلب ما يصدق عليه مسمى الاجتهاد ويسوِّغ به العمل بأدلة الشرع، وهو يكتفي بأن يأخذ من كل فن من

стр. 212

فنون الاجتهاد بنصيب يعلم به ذلك الفن علمًا يستغني به عن الحاجة إليه، أو يهتدي به إلى المكان الذي فيه ذلك البحث على وجه يفهم به ما يقف عليه منه، فيشرع بتعلم علم النحو حتى تثبت له فيه ملكة يقتدر بها على معرفة أحوال أواخر الكلم إعرابًا وبناءً. وأقل ما يحصل له ذلك بحفظ مختصر من المختصرات المشتملة على مهمات مسائل النحو والمتضمنة لتقرير مباحثه على الوجه المعتبر، كالكافية لابن الحاجب، وقراءة شرح من شروحها المختصرة، وأحسنها بالنسبة إلى الشروح المختصرة شرح الجامي (١). فإنه ينتفع به الطالب انتفاعًا لا يجده في غيره من مختصرات الشروح. ثم يحفظ مختصرًا في الصرف كالشافية لابن الحاجب، وقراءة شرح من شروحها المختصرة، وأحسنها شرح الجاربردي (٢). ثم يشتغل بحفظ مختصر من مختصرات علم المعاني والبيان كالتلخيص للقزويني، وقراءة شرح من شروحه المختصرة كشرح السعد المختصر. ثم يشتغل بحفظ مختصر من مختصرات الأصول وقراءة شرح من شروحه. وأنفع ما ينتفع به الطالب الغاية للحسين بن القاسم وشرحها له. فإنهما، مع المبالغة في الاختصار، قد اشتملا على ما حوته غالب المطولات الكبار. ثم يشتغل بقراءة تفسير من التفاسير المختصرة كتفسير القاضي البيضاوي (٣) مع مراجعة ما يمكنه مراجعته من التفاسير. ثم يشتغل بسماع ما لا بد من سماعه من كتب الحديث، وهي الست الأمهات فإن عجز عن ذلك اشتغل بسماع ما هو مشتمل على ما فيها من المتون كجامع الأصول، ثم لا

стр. 213

يدع البحث عن ما هو موجود من أحاديث الأحكام في غيرها بحسب ما تبلغ إليه طاقته، ويبحث عن الأحاديث الخارجة عن الصحيح في المواطن التي هي مظنة للكلام عليها من الشروح والتخريجات، ويكون مع هذا عند ممارسته لعلم اللغة على وجه يهتدي به في البحث عن الألفاظ العربية واستخراجها من مواطنها، وعنده من علم اصطلاح الحديث وعلم الجرح والتعديل ما يهتدي به إلى معرفة ما يتكلم به الحفاظ على أسانيد الأحاديث ومتونها (١). فمن علم بهذه العلوم علمًا متوسطًا يوجب ثبوت مطلق الملكة في كل واحد منها صار مجتهدًا مستغنيًا عن غيره، ممنوعًا من العمل بغير الدليل، وعليه أن يبحث عند كل حادثة يحتاج إليها في دينه عن أقوال أهل العلم وكيفية استدلالهم في تلك الحادثة، وما قالوه وما رُدَّ عليهم به، فإنه ينتفع بذلك انتفاعًا كاملًا، ويضم إلى علمه علومًا وإلى فهمه فهومًا، وهو وإن قصر عن أهل الطبقة الأولى فليس بمحتاج فيما يتعلق به من أمر الدين إلى زيادة على هذا المقدار، ويختلف الانتفاع بالعلوم، باختلاف القرايح والفهوم، فقد ينتفع من هو كامل الذكاء، صادق الفهم، قوي الإدراك بالقليل ما لا يقتدر على الانتفاع بما هو أكثر منه كثير من جامدي الفهم راكدي الفطنة. [الطبقة الثالثة من حملة العلم]: وأما أهل الطبقة الثالثة وهم الذين يرغبون إلى إصلاح ألسنتهم وتقويم أفهامهم بما يتقدرون به على فهم معاني ما يحتاجون إليه من الشرع وعدم تحريفه وتصحيفه وتغيير إعرابه، من دون قصد منهم إلا الاستقلال بل يعزمون على التعويل على السؤال عند عروض التعارض والاحتياج إلى

стр. 214

الترجيح. فينبغي تعلم شيئًا من علم الإعراب حتى يعرف به إعراب أواخر الكلم. ويكفيه في مثل ذلك حفظ منظومة الحريري المسماة (الملحة) وقراءة شروحها على أهل الفن. وتدربه في إعراب ما يطلع عليه من الكلام المنظوم والمنثور، ويحفي (١) السؤال عن إعراب ما أشكل عليه حتى تثبت له بمجموع ذلك ملكة يعرف بها أحوال أواخر الكلم إعرابًا وبناء، وإن لم يعلم بوجوه العلل النحوية ولا عرف الحجج العربية. ثم يتعلم اصطلاح علم الحديث ويكفيه في مثل ذلك مثل (النخبة) وشرحها. ثم بعد هذا يكب على سماع المختصرات في الحديث مثل (بلوغ المرام) و (العمدة) و (المنتقى). وإن تمكن من سماع (جامع الأصول) أو شيء من مختصراته فعل، فإذا أشكل عليه معنى حديث نظر في الشروح أو في كتب اللغة، وإن أشكل عليه الراجح من المتعارضات أو التبس عليه هل الحديث مما يجوز العمل به أو لا. سأل علماء هذا الشأن الموثوق بعرفانهم وانصافهم ويعمل على ما يرشدونه إليه، استفتاءً وعملًا بالدليل، لا تقليدًا وعملًا بالرأي، ويشتغل بسماع تفسير من التفاسير التي لا يحتاج إلى تحقيق وتدقيق كتفسير البغوي وتفسير السيوطي المسمى "الدر المنثور". وإذا أشكل عليه بحث من المباحث أو تعارضت عليه التفاسير ولم يهتد إلى الراجح أو التبس عليه أمر يرجع إلى تصحيح شيء مما يجده في كتب التفسير رجع إلى أهل العلم بذلك الفن سائلًا لهم عن الرواية لا عن الرأي. وقد كان من هذه الطبقة غالب الصحابة والتابعين وتابعيهم (٢) الذين يقول فيهم النبي ﵌ (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم

стр. 215

ثم الذين يلونهم) (١). فإنهم كانوا يسألون أهل العلم منهم عن حكم ما يعرض لهم مما يحتاجون إليه في معاشهم ومعادهم، فيروون لهم في ذلك ما جاء عن الله تعالى أو عن رسوله ﵌، فيعملون بروايتهم لا برأيهم، من دون تقليد ولا التزام رأي، كما يعرف ذلك من يعرفه. وقد أوضحت هذا إيضاحًا كثيرًا في كتابي الذي سميته (القول المفيد في حكم التقليد) (٢) فليرجع إليه. [الطبقة الرابعة من حملة العلم]: وأما الطبقة الرابعة الذين يقصدون الوصول إلى علم من العلوم أو علمين أو أكثر لغرض من الأغراض الدينية أو الدنيوية من دون تصور الوصول إلى علم الشرع، كما يفعله من يريد أن يكون مدركًا لصناعة من الصناعات التي لها تعلق بالعلم، وذلك كمن يريد أن يكون شاعرًا ومنشئًا أو حاسبًا فإنه ينبغي له أن يتعلم ما يتوصل به إلى ذلك المطلب. فمن أراد أن يكون شاعرًا تعلم من علم النحو والمعاني، والبيان ما يفهم به مقاصد أهل هذه العلوم. ويستكثر من الاطلاع على علم البديع والإحاطة بأنواعه، والبحث عن نكته وأسراره، وعلم العروض والقوافي، ويمارس أشعار العرب ويحفظ ما يمكنه حفظه منها. ثم أشعار أهل الطبقة الأولى من أهل الإسلام كجرير [ت ١١٠ هـ] والفرزدق [ت ١١٠ هـ] وطبقتهما. ثم أشعار مثل بشار بن برد [ت ١٦٧ هـ] وأبي نواس

стр. 216

[ت ١٩٨ هـ] ومسلم بن الوليد (١) وأعيان من جاء بعدهم كأبي تمام [ت ٢٣١ هـ] والبحتري [ت ٢٨٤ هـ] والمتنبي [ت ٣٥٤ هـ] ثم أشعار المشهورين بالجودة من أهل العصور المتأخرة، ويستعين على فهم ما استصعب عليه بكتب اللغة، ويكب على الكتب المشتملة على تراجم أهل الأدب كيتيمة الدهر (٢) وذيولها (٣) وقلائد العقيان (٤) وما هو على نمطه من مؤلفات أهل الأدب كالريحانة (٥) والنفحة (٦). وكما يحتاج إلى ما ذكرناه من أراد أن يكون شاعرًا فهو يحتاج إليه أيضًا من أراد أن يكون منشئًا مع احتياجه إلى الاطلاع على المثل السائر لابن الأثير، والكامل للمبرد (٧)، والأمالي للقالي (٨)، ومجاميع خطب البلغاء ورسائلهم، خصوصًا مثل ما هو مدوّن من بلاغات الجاحظ (٩) والفاضل (١٠) والعماد (١١) وأمثالهم، فإنه ينتفع بذلك أتم انتفاع.

стр. 217

ومن أراد أن يكون حاسبًا اشتغل بعلم الحساب، ومؤلفاته معروفة، وهكذا من أراد أن يطلع على علم الفلسفة فإنه يحتاج إلى معرفة العلم الرياضي، وهو علم يُعرف به أحوال الكمّ المتصل والمنفصل، والعلم الطبيعي، وهو العلم الباحث عن أحوال عالم الكون والفساد. والعلم الإلهي، وهو العلم الباحث عن أحوال الموجود بما هو موجود، مع ما يتعلق بذلك من أحوال المبدأ والمعاد. وهكذا علم الهندسة، وهو العلم الباحث عن مقادير الأشياء كمًّا وكيفًا ومبادية الأشكال، فمن جمع هذه العلوم الأربعة أعني الرياضي والطبيعي والإلهي والهندسة صار فيلسوفًا. والعلم بالعلوم الفلسفية لا ينافي علم الشرع بل يزيد المتشرع الذي قد رسخت قدمه في علم الشرع غبطة بعلم الشرع ومحبة له، لأنه يعلم أنه لا سبيل للوقوف على ما حاول الفلاسفة الوقوف عليه إلا من جهة الشرع، وإن كل باب غير هذا الباب لا ينتهي بمن دخل إليه إلى غاية وفائدة. ومن كان مريدًا لعلم الطب فعليه بمطالعة كتب جالينوس، فإنها أنفع شيء في هذا الفن باتفاق من جاء بعده من المشتغلين بهذه الصناعة إلا النادر القليل. وقد انتقى منها جماعة من المتأخرين ستة عشر كتابًا وشرحوها شروحًا مفيدة. فإن تعذر عليه ذلك فاكمل ما وقفت عليه من الكتب الجامعة بين المفردات والمركبات والعلاجات كتاب (القانون) لابن سينا (١) و "كامل الصناعة" المشهور "بالملكي" لعلي بن العباس (٢). ومن أنفع المختصرات في هذا الفن الذخيرة لثابت بن قرة (٣)، فإنها قد تضمنت من العلاجات النافعة

стр. 218

والأدوية المجربة مع اختصارها ما هو قائم مقام كثير من المطولات ومن أنفع ما في هذا الفن باعتبار خواص الأدوية المفردة وبعض المركبات تذكرة الشيخ داود الأنطاكي (١). ولو كمل بالمعالجات لكان مغنيًا عن غيره، ولكنه انقطع بعد أن شرع في الكلام على معالجات العلل على حروف أبجد فوصل إلى حرف الطاء ثم انقطع الكتاب. ومن انفع الكتب في هذا الفن "الموجز" (٢) وشروحه. وبالجملة: فمن كان قاصدًا إلى علم من العلوم، كان عليه أن يتوصل إليه بالمؤلفات المشهورة بنفع من اشتغل بها، المحررة أحسن تحرير، المهذبة أبلغ تهذيب، وقد قدَّمنا في كل فن ما فيه إرشاد إلى أحسن المؤلفات فيه، وكثيرًا ما يقصد الطالب الذي لم يتدرب بأخلاق المنصفين ويتهذب بإرشاد المحققين الاطلاع على مذهب من المذاهب المشهورة، ولم تكن له في غيره رغبة، ولا عنده لما سواه نشاط، فأقرب الطرق إلى إدراك مقصده ونيل مأربه أن يبتدئ بحفظ مختصر من مختصرات أهل ذلك المذهب كالكنز (٣) في مذهب الحنفية، والمنهاج (٤) في مذهب الشافعية. فإذا صار ذلك المختصر محفوظًا له متقنًا على وجه يستغني به عن حمل الكتاب، شرع في تفهم معانيه وتدبر مسائله على شيخ من شيوخ ذلك الفن، حتى يكون جامعًا بين حفظ ذلك المختصر وفهم معانيه، مع كونه مكررًا لدرسه، متدبرًا لمعانيه، الوقت بعد الوقت، حتى يرسخ حفظه رسوخًا يأمن معه من التفلت.

стр. 219

ثم يشتغل بدرس شرح مختصر من شروحه على شيخ من الشيوخ، ثم يترقى إلى ما هو أكثر منه فوائد وأكمل مسائل. ثم يكبّ على مطالعة مؤلفات المحققين من أهل ذلك الفن فيضم ما وجده من المسائل خارجًا عن ذلك المختصر الذي قد صار محفوظًا له إليه على وجه يستحضره عند الحاجة إليه، ولكنه إذا لم يكن لديه من العلم إلا ما قد صار عنده من فقه ذلك المذهب فلا ريب أنه يكون عامي الفهم سيء الإدراك عظيم البلادة غليظ الطبع. فعليه أن يبتدئ بتهذيب فهمه وتلقيح فكره بشيء من مختصرات النحو ومجاميع الأدب، حتى تثبت له الفقاهة الصورية. وأما الفقاهة الحقيقية فلا يتصف بها إلا المجتهد بلا خلاف بين المحققين.

стр. 220

الفصل الثالث [مباحث عامة تتضمن إرشاد الباحث إلى بعض القواعد الكلية ليستغني بها عن كثير من الجزئيات] وإذا عرفت ما ينبغي لكل طبقة من تلك الطبقات من المعارف العلمية، فلنكمل لك الفائدة بذكر مباحث ينتفع بها طالب الحق ومريد الأنصاف انتفاعًا عامًا ويرتقي بها إلى مكان يستغني به عن كثير من الجزئيات: [بناء الشريعة على جلب المصالح ودفع المفاسد]: فمنها: أن يعلم أن هذه الشريعة المطهرة السهلة السمحة مبنية على جلب المصالح ودفع المفاسد، ومن تتبع الوقائع الكائنة من الأنبياء، والقصص المحكية في كتب الله المنزلة، علم ذلك علمًا لا يشوبه شك ولا تخالطه شبهة وقد وقع ذلك من نبينا ﵌ وقوعًا لا ينكره من له أدنى علم بالشريعة المطهرة، فإنه صلى الله عليه وآله ومسلم لما تبين له نفاق بعض المنافقين واستحقاقه للقتل بحكم الشرع قال: "لا يتحدث الناس بأن محمدًا يقتل أصحابه" (١). فترك قتله لجلب مصلحة هي أتم نفعًا للإسلام وأكثر عائدة على أهله ودفع مفسدة هي أعظم من المفسدة الكائنة

стр. 221

بترك قتله. وبيان ذلك أنه إذا تحدث الناس بمثل هذه الحديث وشاع بينهم شيوعًا لا يتبين عنده السبب كان ذلك من أعظم المنفرات لأهل الشرك عن الدخول في الدين، لأنه يَصُكُّ أسماعهم ذلك الحديث فيظنون عنده أن ما يعتقدونه من السلامة من القتل بالدخول في الإسلام غير صحيح، فيهربون منه هربًا شديدًا ويبعدون عنه بعدًا عظيمًا. وهكذا وقع منه ﵌ التأثير الجماعة ممن لم تثبت قدمه في الإسلام بغنايم (حنين) كأبي سفيان والأقرع بن حابس وعيينه بن حصن. فكان يعطي الواحد من هؤلاء وأمثالهم المائة من الإبل وما يقوم مقام ذلك. والمهاجرون والأنصار، الذي هم المقاتلة المستحقون للغنيمة ينظرون إلى ذلك التأثير، ووقع في أنفسهم ما وقع، حتى قال قائلهم: "يرحم الله رسول الله يعطي هؤلاء وسيوفنا تقطر من الدماء" فلما علموا بما أراده النبي ﵌ من المصلحة العائدة على الإسلام وأهله بتأليف مثل هؤلاء وتأثيرهم بالغنيمة قبلوه أتم قبول، وطابت أنفسهم أكمل طيبة (١). وهكذا وقع منه ﵌، العزم على مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة ظنًا منه بأن في ذلك جلب مصلحة ودفع مفسدة، فلما تبين له أن الترك أجلب للمصلحة وأدفع للمفسدة صار إليه (٢). وهكذا وقع منه ﵌ النهي عن تلقيح النخل فلما تبين له ما في ذلك من المصلحة لأهله أذن لهم به. وهكذا وقع منه الإذن بالعرايا (٣)، لما شكى عليه الفقراء ما يلحقهم من

стр. 222

المفسدة بالمنع من شراء الرطب بالتمر مع عظم الخطر فيما هو مظنة للرباء، وكم يعد العاد من هذه الأمور. وبالجملة: فكل ما وقع من النسخ والتخصيص والتقييد في هذه الشريعة المطهرة، فسببه جلب المصالح أو دفع المفاسد، فإن كل عالم يعلم أن نسخ الحكم بحكم آخر يخالفه لم يكن إلا لما في الناسخ من جلب مصلحة أو دفع مفسدة زائدة على ما في الأول من النفع والدفع. وهكذا (إخراج بعض ما يتناوله العام بالتخصيص أو ما يصح إطلاق المطلق عليه) (١) بالتقييد كما وقع في قوله تعالى: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (٢) وقوله : ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٣) ونحو ذلك كثير جدًّا. وقد كان دينه ﵌ وهجيراه، الإرشاد إلى التيسير دون التعسير، وإلى التبشير دون التنفير، فكان يقول "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا" (٤) وكان ﵌ يرشد إلى الإلفة واجتماع الأمر وينفر عن الفرقة والاختلاف لما في الألفة والاجتماع من الجلب للمصالح والدفع للمفاسد وفي الفرقة والاختلاف من عكس ذلك. فالعالم المرتاض بما جاءنا عن الشارع، الذي بعثه الله تعالى متممًا لمكارم الأخلاق، إذا أخذ نفسه في تعليم العباد وإرشادهم إلى الحق وجذبهم عن الباطل ودفعهم عن البدع، والأخذ بحجزهم عن كل مزلقة من المزالق ومدحضة من المداحض، بالأخلاق النبوية والشمائل المصطفوية

стр. 223

الواردة في الكتاب العزيز والسنة المطهرة، فيَسَّر ولم يعسر، وبشر ولم ينفر وأرشد إلى ائتلاف القلوب واجتماعها ونهى عن التفرق والاختلاف. وجعل غاية همه وأقصى رغبته جلب المصالح الدينية للعباد ودفع المفاسد عنهم. كان من أنفع دعاة المسلمين، وأنجع الحاملين لحجج رب العالمين، وانجذبت له القلوب، ومالت إليه الأنفس، وتذلَّلَ له الصعب، وتسهَّل عليه الوعر وانقلب له المتعصب منصفًا، والمبتدع متسننًا ورغب في الخير من لم يكن يرغب فيه، ومال إلى الكتاب والسنة من كان يميل عنهما، وتردى بأثواب الرواية من كان متجليبًا بالرأي، ومشى في رياض الاجتهاد واقتطف من طيب ثمراته واستنشق من عابق رياحينه من كان معتقلًا في سجن التقليد، مكبلًا بالقيل والقال، مكتوفًا بآراء الرجال. فإن قُلتَ: ما ذكرته من إنبناء الشريعة المطهرة على جلب المصالح ودفع المفاسد ماذا تريد به؟ هل يلاحظ ذلك النفع والدفع مطلقًا أو في حالة من الحالات؟. قُلتُ: لا أريد بما قدمته إلَّا أن ما لم يرد فيه نص يخصه ولا اشتمل عليه عموم ولا تناوله اطلاق فحق على العالم المرشد للعباد الطالب للحق أن يستحضر ذلك ويرشد إليه، ويهتم به ويدعو إليه. وأما مواقع النصوص وموارد أدلة الكتاب والسنة، ومواطن قيام الحجج، فلا جلب نفع ولا دفع ضر أولى من ذلك، وأقرب منه إلى الخير، وأولى منه بالبركة، فهو في الحقيقة مصالح مجلوبة ومفاسد مدفوعة، وإن قصرت بعض العقول عن إدراك ذلك، والإحاطة بكنهه، والوقوف على حقيقته، فمن قصورها أُتيت ومن ضعف إدراكها دُهيت. ومن تدبر ذلك كل التدبر وتأمله بحق التأمل لم يخف عليه، فإن كل جزئيّ من جزئيات الشريعة التي قام الدليل على طلبها والتعبد بها للكل أو البعض مطلقًا أو مقيدًا لا بد

стр. 224

أن يشتمل على جلب مصلحة أو مصالح عرفها من عرفها وجهلها من جهلها. وكل جزئيّ من جزئيات الشريعة الواردة بالنهي عن أمر أو أمور لابد أن يكون المنهي عنه مشتملًا على مفسدة أو مفاسد تندفع بالنهي عنها. ولمزيد التتبع وكثرة التدبر في ذلك مدخلية جليلة، لا سيما مع استحضار الاستعانة بالله والتوكل عليه والتفويض إليه. [وجوب تدبر ومعرفة الكليات الشرعية وإلحاق الجزئيات بها]: ومما يستعين به طالب الحق ومريد الإنصاف على ما يريده من ربط المسائل بالدلائل والخروج من آراء الرجال المتلاعبة بأهلها من يمين إلى شمال، أن يتدبر الدلائل العامة ويتفكر فيما يندرج تحتها من المسائل بوجه من وجوه الدلالة المعتبرة، فإنه إذا تمرن في ذلك وتدرب صار مستحضرًا لدليل كل ما يُسأل عنه من الأحكام الشرعية، كائنًا ما كان، وعرف معنى قوله : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. ومن أمعن النظر فيما وقع منه ﵌ من استخراج الأحكام الشرعية من كتاب الله تعالى زاده ذلك بصيرة. كما ثبت عنه "أنه لما سُئل عن [زكاة] (١) الحُمرْ الأهلية فقال: لم أجد فيها إلا هذه الآية الفاذة ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ (٢) فإن في هذا وأمثاله أعظم عبرة للمعتبرين، وأجل بصيرة للمتبصرين، وأوضح قدوة للمقتدين من العلماء المجتهدين. وثبت أنه ﵌ قال لعمرو بن

стр. 225

العاص: "صليت بأصحابك وأنت جُنُب يا عمرو. فقال: سمعت الله يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فأقرَّه النبي ﵌ وضحك ولم يقل شيئًا" (١) وهذا باب واسع يطول تعداده. وهكذا التفكر في الكليات الصادرة عمن أُعطي جوامع الكلم وأفصح من نطق بالضاد كقوله ﵌: "إنما الأعمال بالنيات" (٢) فإن هذا اللفظ الموجز والعبارة المختصرة صالحة للاستدلال بها على كل جزئي من جزئيات الشرع، فتدخل ما حصلت فيه النية في عداد الأعمال المقبولة ويخرج ما لم تحصل فيه النية إلى حيِّز الأعمال المردودة، وتصير بها المباحات (٣) قربات وعبادات، أقل أحوالها الاندراج تحت حقائق المندوبات، ويبطل كثير من الصور الحاكية لما هو من العبادات بفقد (٤) النية وعدم وجودها، أو وجودها لا على الوجه المعتبر. وكقوله ﵌: "كل بدعة ضلالة" (٥). و "من غشنا فليس منا" (٦) و "الحلال بيّن والحرام بيّن" (٧) و "كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد" (٨). فإن كل فرد من أفراد هذه العبارات وأمثالها صالح لجعله قضية كبرى للشكل الأول فلا يبقى

стр. 226

فرد من الأفراد إلا وأمكن إدراجه تحت هذه الكلية باجتلاب قضية صغرى سهلة الحصول. تقول مثلًا هذا أمر ليس عليه أمر النبي ﵌، وكل أمر ليس عليه أمره رد، فهذا رد، فلا يبقى فعل ولا قول ولا اعتقاد لم يأت به الشرع إلا وأمكن الاستدلال على رده بهذا الحديث الصحيح. وهكذا العمل في سائر الكليات والمتحلي بالمعارف العلمية يستغني بمجرد الإشارة والإيقاظ لأن المواد قد حصلت له بما حصّله من العلوم، ومارسه من المعارف، فربما يغفل عن إخراج ما في القوة إلى الفعل، فإذا نُبه على ذلك تنبه. وكان العمل عليه سهلًا والانتفاع بالعلوم يسيرًا. [وجوب الالتزام بالمدلول الحقيقي للألفاظ، وعدم الانتقال عنه إلى المجاز إلَّا بمسوِّغ شرعي وعقلي] (١): ومن جملة ما ينبغي له تصوره ويعينه استحضاره أن يعلم أن هذه الشريعة المباركة هي ما اشتمل عليه الكتاب والسنة من الأوامر والنواهي والترغيبات والتنفيرات وسائر ما له مدخل في التكليف، من غير قصد إلى التعمية والألغاز ولا إرادة لغير ما يفيده الظاهر، ويدل عليه التركيب ويفهمه أهل اللسان العربي. فمن زعم أن حرفًا من حروف الكتاب والسنّة لا يراد به المعنى الحقيقي والمدلول الواضح فقد زعم على الله ورسوله زعمًا يخالف اللفظ الذي جاءنا عنهما، فإن كان ذلك لمسوّغ شرعي تتوقف عليه الصحة الشرعية أو العقلية التي يتفق العقلاء عليها، لا مجرد ما يدعيه أهل المذاهب والنحل على العقل، مطابقًا لما قد حببه إليهم التعصب، وأدناه من عقولهم البُعد عن الأنصاف فلا بأس بذلك، وإلّا فدعوى التجوز مردوده مضروب بها

стр. 227

في وجه صاحبها، فاحرص على هذا فإنه وإن وقع الاتفاق على أصالة المعنى الحقيقي وعدم جواز الانتقال عنه إلا لعلاقة وقرينة كما صُرح به في الأصول وغيرها، فالعمل في كتب التفسير والحديث والفقه يخالف هذا لمن تدبره وأعمل فكره. ولم يغتر بالظواهر ولا جمد على قبول ما يُقال من دون بحث عن موارده ومصادره. وكثيرًا ما تجد المتعصبين يحامون عن مذاهبهم ويؤثرونها على نصوص الكتاب والسنة. فإذا جاءهم نص لا يجدون عنه متحولًا وأعياهم رده وأعجزهم دفعه. ادعوا أنه مجاز وذكروا للتجوز علاقة هي من البعد بمكان، وقرينة ليس لها في ذلك المقام وجود ولا تدعو إليها حاجة. وأعانهم على هذه الترهات استكثارهم من تعداد أنواع القرائن والعلاقات، حتى جعلوا من جملة ما هو من العلاقات المسوّغة للتجوز التضاد، فانظر هذا التلاعب، وتدبر هذه الأبواب التي فتحوها على أدلة الكتاب والسنة. وقَبِلَها عنهم من لم يمعن النظر ويطيل التدبر فجعلها علمًا وقبلها على كتاب الله وسنة رسوله. وأصلها دعوى افتراها على أهل اللغة متعصب قد اثر مذهبه على الكتاب والسنة، ولم يستطع التصريح بترجيح المذهب على الدليل، فدقَّقَ الفكر وأَعمَق النظر عنادًا الله تعالى وبغيًا على شريعته وخداعًا لعباده، فقال: هذا الدليل وإن كان معناه الحقيقي يخالف ما نذهب إليه فهو ههنا مجاز والعلاقة كذا والقرينة كذا، ولا علاقة ولا قرينة. فيأتي بعد عصر هذا المتعصب من لا يبحث عن المقاصد ولا يتدبر المسالك كما ينبغي فيجعل تلك العلاقة التي افتراها ذلك المتعصب من جملة العلائق المسوّغة للتجوز. ولهذا صار العلاقات قريبًا من ثلاثين علاقة. ثم لما كان من جملة أنواع القرائن، القرائن العرفية والعقلية افترى كل متعصب على العقل والعرف ما شاء وصنع في مواطن الخلاف ما أراد والله المستعان.

стр. 228

[ضرورة تيقظ الباحث لحيل الفقهاء فلا يغتر بها] (١) ومن جملة ما يستعين به على الحق ويأمن معه من الدخول في الباطل وهو لا يشعر أن يقرر عند نفسه أن هذه الشريعة لما كانت من عند عالم الغيب والشهادة، الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. ويعلم ما تكنّ الصدور وتخفيه الضمائر، ويحول بين المرء وقلبه، كانت المخادعة بالحيل الباطلة، والتخلص مما طلبه بالوسائل الفاسدة، من أعظم المعاصي له، وأقبح التجاري عليه، وجميع هذه الحيل التي دوّنها أهل الرأي هي ضد لما شرعه وعناد له ومراوغة لاحكامه ومجادلة باطلة لما جاء في كتابه وسنة رسوله. ومن تفكّر في الأمر كما ينبغي وتدبره كما يجب اقشعر له جلده، ووقف عنده شعره، فإن هذا الذي وضع للعباد هذه الحيل كأنه يقول لهم هذا الحكم الذي أوجبه الله عليكم أو حرمه قد وجدت لكم عنه مخلصًا ومنه متحولًا بذهني الدقيق وفكري العميق، هو كذا وكذا، فهذا المخذول قد بلغ من التجري على الله تعالى مبلغًا يتقاصر عنه الوصف لأنه ذهب يعانده ويضاد ما تعبّدنا به بمجرد رأيه الفايل وتخيّله الباطل. مقرًا على نفسه بقبيح صنعه. وإنه جاء بما يريح العباد من الحكم الشرعي، فإن كان مع هذا معتقدًا أن

стр. 229

ذلك التحيل الذي جاء به يحلل الحرام ويحرم الحلال، فهو مع كذبه على الله وافترائه على شريعته قد ضم إلى ذلك ما يستلزم أنه يدّعي لنفسه أن يشرع للعباد من عند نفسه غير ما شرعه لهم، وذلك لا يكون إلا لله سبحانه، فإن كان هذا المخذول يدّعي لنفسه الألوهية مع الله سبحانه فحسبك من شر سماعه، وإن كان لا يدعي لنفسه ذلك فيقال له ما بالك تصنع هذا الصنع وأي أمر ألجأك إليه وأوقعك فيه. فإن قال: رأيت الله قد صنع مثل هذا في مثل قصة أيوب وصنعه رسول الله ﵌ في المريض الذي زنى. فيقال له: ما أنت وهذا، لا كثر الله في أهل العلم من أمثالك، ومن أنت حتى تجعل لنفسك ما جعله الله لنفسه، فلو كان هذا الأمر الفظيع سائغًا لأحد من عباد الله لكان لهم أن يشرعوا كما شرع، وينسخوا من أحكام الدين ما شاءوا كما نسخ. ثم أي جامع بين هذه أو بين ما شرعه الله من ذلك فإنه مجرد خروج من مأثم وتحلل من يمين قد شرع الله تعالى فيها إتيان الذي هو خير كما تواترت بذلك الأحاديث الصحيحة، حتى ثبت في الصحيح أن رسول الله ﵌ حلف على ذلك فقال: "والله لا أحلف على شيء فأرى غيره خيرًا منه إلا أتيت الذي هو خير وكفّرت عن يميني" (١). فأين هذا مما يصنعه أسراء التقليد من الكذب على الله تعالى وعلى شريعته وعلى عباده. أما الكذب على الله فلكونهم زعموا عليه أنه أذن لهم به وسوّغه لهم وهو كذب بحت وزور محض، وإن كانوا لا يعتقدون ذلك بل جعلوه من عند أنفسهم جُرأةً وعنادًا ومكرًا وخداعًا فالأمر أشد والقضية أَعظم. وأما كذبهم على الشريعة فلكونهم جعلوا ما نصبوه من الحيل الملعونة والذرائع الشيطانية والوسائل الطاغوتية من جملة الشريعة

стр. 230

ومن مسائلها ودوّنوه في كتب العبادات والمعاملات. وأما الكذب على عباده فلكونهم ذهبوا إليهم فخدعوهم وماكروهم بأن ما أوجبه الله من كذا ليس بواجب وما حرّمه من كذا ليس بمحرم إذا فعلوا كذا أو قالوا كذا. وما أشبه هذا بما كان يصنعه رؤساء الجاهلية لأهلها من التلاعب بهم كما يتلاعب بالصبيان والمجانين، وكما يصنعه المجان وأهل الدعابة. فإن تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وكذلك ما كان يفعلونه من النسيء وما كانوا عليه من الميسر والأنصاب والأزلام، وما كانوا يعتمدونه مع من يطوف بالبيت الحرام من تلك الأفعال التي هي أشبه بأفعال المجانين كالتعري وما يشاكله، لا مقصد لرؤساء الجاهلية بهذه الأمور التي كانوا يفعلونها ويأمرون العباد بها إلا مجرد ارتفاع الذكر وإظهار اقتدارهم على تنفيذ ما يريدونه وقبول الناس لما يأمرونهم به وإن كانت أمورًا متكررة وبلايا متعددة وأعمالًا شاقة. فتدبر هذا وتأمله لتكون على حذر من نفاق ما جاءوا به من الحيل الباطلة عندك، وإلا كنت كالبهيمة التي لا تمنع ظهرها من راكب، ولا تستعصي على مستعمل. وقد دلت أدلة الكتاب والسنة على هذا، وكفاك بما قصه الله سبحانه علينا من حيلة أهل السبت. وقد أورد البخاري في كتاب الحيل من صحيحه ما يشفي ويكفي (١)، ولبعض المتأخرين في هذا مصنّف حافل استوعب فيه جميع الأدلة، وهي معلومة لعلماء الكتاب والسنة، ولكننا اقتصرنا ههنا على بيان الأسباب التي تنشأ عنها الحيل والمفاسد التي تتأثر عنها ليكون ذلك أدفع للمنصف وأوقع في نفسه كما هو دأبنا في هذا المختصر. فإنا نشير إلى القضية التي ينبغي اجتنابها بكلمات لا تنبو عنها مسامع المنصفين ولا تنكرها قلوبهم. ولا تبعد عنها أفهامهم. وإذا حصل المقصود بالاختصار لم تبق للتطويل حاجة، وقد ينفع القليل نفعًا لا يبلغه الكثير على أنّا لم نكن بصدد نشر الأدلة وإيراد ألفاظها فإنها معروفة مدونة.

стр. 231

بل نحن بصدد الإرشاد إلى الإنصاف بعبارات تشتمل على معان قد تحتجب عن كثير من الأذهان، وتبعد عن غالب الأفهام. ومن جملة ما ينبغي له استحضاره: أن لا يغتر بمجرد الاسم دون النظر في معاني المسميات وحقائقها فقد يسمي الشيء باسم شرعي وهو ليس من الشرع في شيء، بل هو طاغوت بحت، وذلك كما يقع من بعض من نزعه عرق إلى ما كانت عليه الجاهلية من عدم توريث الإناث فإنهم يخرجون أموالهم أو أكثرها أو أحسنها إلى الذكور من أولادهم بصورة الهبة والنذر والوصية أو الوقف، فيأتي من لا يبحث عن الحقائق فينزل ذلك منزلة التصرفات الشرعية اغترارًا منه بأن الشارع سوّغ للناس الهبة والنذر والوصية. غير ملتفت إلى أن هذا لم يكن له من ذلك إلا مجرد الاسم الذي أحدثه فاعله ولا اعتبار بالأسماء بل الاعتبار بالمسميات، فالهبة الشرعية هي التي أرشد إليها النبي ﵌: "لما سأله بشير والد النعمان عن تخصيص ولده النعمان بشيء من ماله وطلب منه أن يشهد على ذلك فقال لا أشهد على جور، ووقع منه الأمر بالتسوية بين الأولاد" وهو حديث صحيح له طرق متعددة (١). فالهبة المشتملة على التفصيل المخالف لفرائض الله ليست بهبة شرعية بل هي جور مضاد لما شرعه الله. فإطلاق اسم الهبة عليها مخادعة لله ولعباده، فلا ينفذ من ذلك شيء بل هو باطل رده لكونه ليس على أمر النبي ﵌. وهكذا من خصص بعض ورثته بنذر يخالف ما شرعه الله من الفرائض. فهذا ليس هو النذر الذي شرعه الله بل هو نذر طاغوتي. فإن النذر الذي شرعه الله سبحانه هو الذي يقول فيه النبي ﵌: "النذر ما ابتغي به وجه الله" ويقول: "لا نذر في

стр. 232

معصية الله" (١) كما هو ثابت في الصحيح. وهذا الذي أخرج بعض ماله إلى بعض ورثته مخالفة لما فرضه الله تعالى من المواريث. ثم سمى ذلك البعض نذرًا لم يبتغ به وجه الله ولا أطاعه به، بل ابتغي به وجه الشيطان الذي وسوس له بأن يخالف الشرع، وأطاعه بمعصية الله. وهكذا من أخرج بعض ماله على تلك الصفة بالوصية، فإن هذه الوصية المتضمنة للمفاضلة بين الورثة ليست الوصية التي شرعها الله تعالى لعباده بل وصية طاغوتية فإن الوصية الشرعية هي التي يقول فيها النبي ﵌: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، ولا وصية لوارث" (٢) ويقول فيها الرب تبارك تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً﴾ [النساء: ١٢] ويقول فيها ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٨٢]. والمراد بالإصلاح إبطال ما جاء به من الفساد في وصيته. وقد ورد عن النبي ﵌: "أن الضرار في الوصية من أسباب النار وأنه يحبط عبادة العمر" كما أخرج ذلك جماعة وصححه من صححه (٣) فمن جاءته من هذه الوصايا المشتملة على الضرار بوجه من الوجوه فأنفذها من الثلث مستدلًا على ذلك بمثل حديث: "الثلث والثلث كثير" (٤) ويمثل ما ورد من سائر الآيات والأحاديث القاضية بالوصية على الإطلاق، فقد غلط غلطًا

стр. 233

بيّنًا. فإن هذه الوصية التي قال فيها النبي ﵌ الثلث والثلث كثير هي وصية قربة. كما في القصة المشهورة الثابتة في الأمهات: "أن سعد بن أبي وقاص استأذن رسول الله ﵌ أن يتصدق بجميع ماله فما زال يُنازله حتى قال له: "الثلث والثلث كثير" (١). وهكذا ما ورد من قوله ﵌: "إن الله جعل لكم ثلث أموالكم في آخر أعماركم" فإنه قيّده بقوله في آخره "زيادة في حسناتكم" (٢) ولا يزيد في الحسنات إلا ما كان قربة. وأما وصايا الضرار المتضمنة لمخالفته ما شرعه الله فهي زيادة في السيئات لا زيادة في الحسنات فتبين لك أن هذه الوصية التي أذن بها النبي ﵌ ليست وصية الضرار، فإن تلك قد أخرجها الله من عموم مشروعية الوصية بقوله: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً﴾ [النساء: ١٢٠]. وأخرجها النبي ﵌ بما تقدم من الوعيد الشديد لمن يضار في وصيته ويمنع الوصية للوارث حتى ثبت في بعض الروايات بلفظ لا تجوز وصيته لوارث. وقد أوضحته في أبحاث متعددة من مصنفاتي (٣). وليس المراد ههنا إلا إرشاد طالب الإنصاف إلى عدم الاغترار بما يفعله المتلاعبون بأحكام الشرع من

стр. 234

تسمية أمور تصدر عنهم من الطاغوت بأسماء شرعية مخادعة لأنفسهم، واستدراجًا لمن لا فهم عنده ولا بحث عن الحقائق. وهذه الذريعة الشيطانية قد عمت وطمّت خصوصًا أهل البادية فإنه بقي في أنفسهم ما كانت عليه الجاهلية الأولى من عدم توريث الإناث (*) ومن لا حظ له عندهم من الورثة وإن كانوا ذكورًا، فأرادوا الاقتداء بهم، ولكنهم لما كانوا مخبوطين بسوط الشرع، مقهورين بسيفه، نصبوا هذه الوسائل الملعونة، فقالوا: نذرنا، وهبنا، أوصيْنا وساعدهم على ذلك طائفة من المقصرين الذين لا يعقلون الصواب ولا يفهمون ربط المسببات بأسبابها فحرروا لهم تحريرات على أبلغ ما يفيد النفوذ والصحة، طمعًا فيما يتعجلونه من الحطام الذي هو من أقبح أنواع السحت. فإن ما يأخذونه على ذاك هو حرام، كما ثبت عن الشارع: من "تحريم حلوان الكاهن وأجر البغي" (١) وما يأخذه من يُعلِّم كتاب الله ونحو ذلك من الأمور. ولا يشك من يفهم الحجج الشرعية أن سبب تحريم ذلك هو كونه على تحليل حرام أو تحريم حلال. وهذا الذي يكتب هذه

стр. 235

المكاتيب الطاغوتية المتضمنة لمخالفة ما شرعه الله لعباده من المواريث وقدّره لهم في كتابه وقيّده بعدم الضرار هو أولى بتحريم ما يأخذه من أولئك. وقد يقوم شيطان من شياطين المقلدة ومخذول من مخذولي المشتغلين بالرأي فيجادل عن هذه الوصايا والنذور، والهبات ونحوها وينزلها منزلة الوصايا والنذور والهبات الشرعية. ويورد ما قاله من يقلده ممن يستعظم الناس كلامه ويعتدّون (١) بمذهبه ويحكي لهم ما صرّح به في هذه الأبواب ونحوها من منصفاته غير متعقل للفرق بين هذه الطواغيت وبين تلك الأمور الشرعية. ولا فاهم للمغايرة الكلية، ولا متأمل للأسباب التي تصدر عنها تلك الأمور، وإن أهل العلم بأسرهم إنما تكلموا في مصنفاتهم على الأمور الشرعية لا الأمور الجاهلية، وإن مجرد الاسم لا يحلل الحرام ولا يحرم الحلال. كما لو سميت الخمر ماء. أو الماء خمرًا. فإنه لو كان الحكم يدور على التسمية لكان الخمر المسمى ماء حلالًا، وكان الماء المسمى خمرًا حرامًا. وهذا خرق للشرع وهتك للدين. ومن اغتر به فليس من النوع الإنساني بل من النوع البهيمي. ولا ينبغي الكلام معه، بل يقال له هذا الذي فيه النزاع ليس هو ما تكلم عليه من تقلِّده وتقتدي به، بل هو شيء آخر يضاده ويخالفه، لأن أهل الشرع إنما يتكلمون على الأمور الشرعية، وهذا ليس شرعي بل طاغوتي فإن فهم هذا استراح منه، وإن لم يفهمه ففي السكوت راحة من تحمل كرب مخاطبة السفهاء. ولقد وقعنا مع جماعة من مقصري القضاة والمفتين في هذه المسألة في أمور عظيمة، وخطوب جسيمة، وفتن كبيرة، لا يتسع المقام لبسطها. والحق منصور والباطل مخذول ولله الحمد. وأعظم ما يتمسكون به من التغرير على العوام والتزوير على الملوك

стр. 236

ومن يقدر على القيام بنصرهم، استكثارهم من قولهم هذا خالف المذهب فعل كذا قال كذا ولم يخالف في الواقع إلا الطاغوت، ولا نصر إلا الشرع. فليحذر طالب العلم من الاغترار بمثل ذلك أو الروعة منه. فإن العاقبة للمتقين، والله ناصر المحقين والأعمال بالنيات. ولقد تلطف المحبون لهذه الطواغيت والمساعدون لهم على كتبها لما صممت على إبطالها وأبطلها كل من ترد عليه من قاض أو غيره بعد أن وقع بيني وبينهم ما أشرت إليه سابقًا فكان من جملة ما عدلوا إليه من الذرائع والوسائل، الإقرار للذكور أو لمن يحبون بديون ونفقات ومكتسبات. ولم ينفق ذلك عليّ ولا التفت إليه، بل كشفت عن أصل كل إقرار، فما كان صادرًا عن هذه المقاصد الفاسدة أبطلته. ومن جملة ما تلطف به من له أولاد ذكورًا وإناثًا: أن يعمدوا إلى أولاد أولادهم الذكور فينذرون عليهم ويوصون لهم، ويقولون أنهم فعلوا ذلك لغير وارث، ولم يفعلوا ذلك إلا لقصد تقليل نصيب بناتهم وتوفير نصيب الذكور، وقد تتبعت هذا فما وجدت أحدا يوصي لأولاد أولاده أو ينذر عليهم إلا ومعه بنات، أو له ميل إلى بعض الأولاد دون بعض، ولا يفعلون ذلك لمقصد صالح إلا في أندر الحالات وأقلها. ومن جملة هذه الوصايا الطاغوتية: والنذور الشيطانية، ما يفعله كثير من الناس من النذور والوصايا على قبور الأموات، فإنه لا مقصد لهم بذلك إلا استجلاب الخير واستدفاع الشر من صاحب القبر. وهو قد صار بين أطباق الثرى يعجز عن نفع نفسه فضلًا عن نفع غيره. فلا يصح شيء من ذلك، بل يتوجب على أهل الولايات صرفه في مصالح المسلمين. ويعرّفون الناس بقبح ما يصنعونه من ذلك، وأنه من الأمور التي لا يحل اعتقادها، وأن الضر والنفع واستجلاب الخير واستدفاع الشر بيد الله ليس لغيره فيه حكم ولا له عليه اقتدار، فإن رجعوا عن ذلك وتابوا وإلا انتقل صاحب

стр. 237

الولاية معهم إلى ما هو أشد من ذلك. ولا يدعهم حتى يتوبوا. وهكذا ما يقع من الأوقاف على القبور فإنها من الحُبَس الشيطانية، والدلس الطاغوتية. ولا يحل تقرير شيء منها ولا السكوت عنه، بل صرفها في مصالح المسلمين من أهم الأمور وأوجبها. فإن في عدم إنكارها وإبطالها مفسدة عظيمة تنشأ عنها الاعتقادات الباطلة المفضية بصاحبها إلى نوع من أنواع الشرك وهو لا يشعر. [تشكيك المؤلف في حجية الإجماع والقياس والاستحسان]: ومن جملة ما ينبغي لطالب الحق أن يتصوره ويحذر من قبوله بدون كشف عنه: ما يجعله كثير من أهل العلم دليلًا يستدلون به على إثبات الأحكام الشرعية على العباد، وهو الإجماع، والقياس، والاجتهاد، والاستحسان: فأما الإجماع (١): فقد أوضحت في كثير من مؤلفاتي أنه ليس بدليل شرعي على فرض إمكانه لعدم ورود دليل يدل على حجيته. وأوضحت أنه ليس بممكن لاتساع البلاد الإسلامية، وكثرة الحاملين للعلم، وخمول كثير منهم في كل عصر من الأعصار منذ قام الإسلام إلى هذه الغاية. وتعذر الاستقراء التام لما عند كل واحد منهم. وأن الأعمار الطويلة لا تتسع لذلك فضلًا عن الإعمار القصيرة. فإن المدينة الواسعة قد يعجز من هو من أهلها أن يعرف ما عند كل فرد من أفراد علمائها، بل قد يعجز عن معرفة كل عالم فيها كما هو مشاهد محسوس معلوم لكل فرد فكيف بالمدائن المتباينة. فكيف بجميع الأقطار الإسلامية بدوها وحضرها ومداينها وقراها. فقد يوجد في زوة من الزوايا التي لا يؤبه لها، ولا يرفع الرأس إليها من يقل نظيره من المشاهير في الأمصار الواسعة. ومع هذا فهذه المذاهب قد طبَّقت الأقطار وصارت عند المنتمين إلى الإسلام قدوة يقتدون بها، لا يخرج عنها ويجتهد رأيه ويعمل بما قام عليه الدليل إلا الفرد بعد الفرد، والواحد بعد الواحد

стр. 238

وهم على غاية الكتم لما عندهم والتستر بما لديهم، خوفًا من المتمذهبين، لأنهم قد جعلوا المذهب الذي هم عليه حجة شرعية على كل فرد من أفراد العباد، لا يخرج عنه خارج، ولا يخالفه مخالف، إلا مزقوا عرضه وأهانوه وأخافوه، والدولة في كل أرض معهم وفي أيديهم. والملوك معهم لأنهم من جنسهم في القصور والبعد عن الحقائق. وإذا وجد النادر من الملوك، والشاذ من السلاطين، له من الإدراك والفهم للحقائق ما يعرف [به] (١) الحق والمحقين، فهو تحت حكم المقلدة وطوع أمرهم لأنهم جُندُه ورعيته، فإذا خالفهم خالفوه، فيظن عند ذلك ذهاب ملكه، وخروج الأمر من يده، وإذا كان الحال هكذا فكيف يمكن الوقوف على ما عند كل عالم من علماء الإسلام. هذا باعتبار الأحياء، وهو في أهل العصور المنقرضة من الأموات أشد بعدًا وأعظم تعذرًا، فإنه لا سبيل إلى ذلك إلا ما يوجد في المصنفات، وما كل من يعتد به في الإجماع يشتغل بالتصنيف، بل المشتغلون بذلك منهم هم القليل النادر. ومع هذا فمن اشتغل منهم بالتصنيف لا يحظي بانتشار مؤلفاته منهم إلا أقلهم. وهذا معلوم لكل أحد لا يكاد يلتبس، ولا شك أن من الملوك من يصر على أمر مخالف للشرع فلا يستطيع أحد من أهل العلم أن ينكر عليه أو يظهر مخالفته تقية ومحاذرة ورغبة في السلامة، وفرارًا من المحنة. وبالجملة فالدنيا مؤثرة في كل عصر، وإذا عجز الملك عن إظهار مذهبه، على فرض أنه من أهل الإدراك والحال أن بيده السيف والسوط فما ظنك بعالم مستضعف لم يكن بيده إلا أقلامه ومحبرته. ومما أحكيه لك مما أدركته في أيام الحداثة ومن الصبا: أن الإمام المهدي العباس بن الحسين (٢) رحمه الله تعالى أحد ملوك اليمن ووالد إمامنا

стр. 239

الإمام المنصور حفظه الله، كان له إدراك تام، وفهم ثاقب، واتصل بمقامه من أكابر العلماء المنصفين العالمين بالأدلة جماعة فأظهر في الصلاة سننًا كانت متروكة بترك المتمذهبين لها فقامت قيامة جماعة من المتفيهقين المقلدين، وأثاروا حفائظ جماعة من شياطين البدوان الذين لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه، ولا يدرون من الدين إلا رسمه، فتجمعوا في بواديهم وقالوا قد خرج الإمام من مذهب الشيعة إلى مذهب السنّة، ومن الاقتداء بعلي بن أبي طالب، إلى الاقتداء بمعاوية. كما لقنهم هذه المقالة شياطين المقلدة. ثم خرجوا عليه في جند يعجز عن مقاومتهم، فما وسعه إلا مصانعتهم بالمال والإعلان بترك تلك السنن التي هي أوضح من شمس النهار. وأحكي لك أيضًا حادثة أشنع من هذه كائنة في عام تحرير هذه الأحرف: هي أني لم أزل منذ اتصلت بخليفة عصرنا حفظه الله مرغبًا له في العدل في الرعية على الوجه الذي ورد الشرع به، ورفع المظالم المخالفة لقطعيات الشريعة كالمكس (١) ونحوه، والاقتصار على ما ورد به الشرع وعدم مُجاوزته في شيء، فألهمه الله سبحانه إلى الإجابة إلى ذلك بعد طول مداراة وترغيب، فجعلت مكتوبًا (٢) محكيًا عنه مضمونه أنه قد أمر عماله بالعدل في الرعية ورفع كل مظلمة والاقتصار على ما ورد به الشرع في كل شيء، وإن من لم يمتثل هذا الأمر كان على القاضي في ذلك القطر أن ينهي أمره إلى حضرة الإمام حتى يحل به من العقوبة ما يردعه ويردع أمثاله. وفي هذا المكتوب التشديد في الربا والسياسية الشيطانية والأخذ على قضاة الأقطار أن يبعثوا من يُعلِّم الناس أمر دينهم، من الصلاة والصيام والحج والزكاة والتوحيد على الوجه المطابق لمراد الله . وقرر الإمام ذلك وأنفذه

стр. 240

وأظهره في الناس (١)، فقامت شياطين المقلدة وفراعين البُدوان وخونة الوزراء في وجه هذا الأمر قيامًا يبكي له الإسلام، ويموت كمدًا عنده الأعلام، فجعلوا هذا المعروف منكرًا، وما كان الأمر السابق عليه من المنكر معروفًا وليس العجب ممن له حظ في المظالم ونصيب من المكس وقسط من السحت. فقد يفعل ذلك من يؤثر الدنيا على الدين ويبيع الآجل بالعاجل. ولكن العجب من جماعة لا حظ لهم في شيء من ذلك، ولهم حظ من العلم ونصيب من الورع متكئين على أرائكهم عاكفين على دفاترهم، صاروا ينكرون من الأمر ما يعلمون أنه منهم مخالفة لقطعيات الشريعة، مع علمهم بحكم من خالفها، واعترافهم بأن هذا هو الحق الذي اتفقت عليه الكتب المنزلة والرسل المرسلة، لكنهم يتركون تدبير الشرع، ويعودون لتدبير الدولة وما يصلحهم ويصلح لهم، حتى كأنهم من أهل الولايات، ومن القابضين للجبايات وظهر ما عندهم وتكلموا به للناس، حتى اعتقد من لا حقيقة لديه من العامة، ومن يلتحق بهم ومن أصحاب الدولة ومن شابههم. أني أرشدت إلى خطأ وأمرت بمنكر، فاجتمع من جميع ما قدمت ذكره تشوش خاطر الإمام. ومن له رغبة في شرائع الإسلام، فتوقف الأمر ولم ينفذه من يقدر على التنفيذ ممن له رغبة فيه، ووجد أعداء الله من الظلمة المجال فبالغوا في المخالفة والمدافعة والمحاولة والمصاولة (٢)، فاسمع هذه الأعجوبة واعتبر بها، وأني لا أشك أن الله سبحانه منفذ شرعه وناصر من نصره وخاذل من خذله ومتم نوره على رغم أنف من أباه. ولكن للباطل صولة وللشيطان

стр. 241

جولة، حتى يقر الحق في قراره ويتم من العدل ورفع الظلم ما أمر الله به، ومن رام أن ينصر باطلًا أو يدفع حقًّا فهو مركوس من غير فرق بين رئيس ومرؤوس (وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل). و (عند عزائم الرحمن يندفع كيد الشيطان). وأما القياس (١): فاعلم أنه قد رسمه أهل الأصول بأنه مساواة أصل للفرع في علة حكمه ثم شرطوه بشروط وقيدوه بقيود هي معلومة عند من يعرف الفن لكنهم توسعوا في هذه المساواة وأثبتوها بأمور هي مجرد خيال، ليس على ثبوته إثارة من علم. وبيانه أنهم جعلوا مسالك العلة أنواعًا فأكثر ما قيل أنها عشرة. ثم جميع هذه المسالك إلا القليل هي بحت الرأي ومحض الدعاوي المجردة، فعليك أن تضع قدمك موضع المنع، وتقوم في مقام الإنكار، حتى يوجب عليك المصير إلى شيء منها ما لا يقدر على دفعه ولا يشك في صحته كمسلك النص على العلة، ومسلك القطع بانتفاء الفارق، ومثل هذا فحوى الخطاب، وما شابه هذه الأمور، وإياك أن تثبت أحكام الله بخيالات تقع لك أو لعالم مثلك من سابق الأمة أو لاحقها، فإن عليك من الوزر والوبال ما قدمنا ذكره في هذا الكتاب. وبالجملة: فالقياس الذي يذكره أهل الأصول ليس بدليل شرعي تقوم به الحجة على أحد من عباد الله. ولا جاء دليل شرعي يدل على حجيته، وإن زعم ذلك من لا خبرة له بالأدلة الشرعية، ولا بكيفية الاستدلال بها يعرف هذا من يعرفه، وينكره من ينكره، وأما ما كانت العلة فيه منصوصة فالدليل هو ذلك النص على العلة، لأن الشارع كأنه صرح باعتبارها إذا وجدت في شيء من المسائل من غير فرق بين كونه أصلًا أو فرعًا. وهكذا ما وقع القطع فيه بنفي الفارق فإنه بهذا القدر قد صار الأمران اللذان لا فارق بينهما شيئًا

стр. 242

واحدًا ما دل على أحدهما دل على الآخر من دون تعديه ولا اعتبار (١) أصلية ولا فرعية (٢). وأما فحوى الخطاب ولحنه، فهذان هما راجعان إلى المفهوم والمنطوق، وإن سماهما بعض أهل العلم بقياس الفحوى، وبحث العمل بالمفهوم خارج عما نحن بصدده وقد جاءت لغة العرب الحاكية لما كانوا يفهمونه ويتحاورون به ويعملون عليه، أن مثل هذا المفهوم كان معتبرًا لديهم مأخوذًا به عندهم. ولهذا قال من قال من العلماء أنه منطوق لا مفهوم. ولقد تلاعب كثير من أهل الرأي بالكتاب والسنة تلاعبًا لا يخفى إلا على من لا يعرف الإنصاف بهذه الذريعة القياسية، وعولوا على ما هو منه أوهن من بيت العنكبوت، وقدموه على آيات قرآنية، وأحاديث نبوية. وما هذه بأول فاقرة جاء بها الشيطان، وحسّنها لنوع الإنسان، وذاد بها عباد الله عن شرائعه. ومن أنكر هذا فلينظر المصنَّفات في الفقه، ويتتبع مسائلها المبنية على مجرد القياس المبني على غير أساس مع وجود أدلة نيرة وبراهين مرضية. ومن هذا الباب دخل أهل الرأي وإليه خرجوا من أبواب الأدلة الثابتة في كتاب الله وسنة رسول الله ﵌. فكن رجلًا رجله في الثرى … وهامة همته في الثريا وكل من له فهم لا يَعْزُب عنه أن الله تعالى لم يتعبد عباده بمجرد قول عالم من العلماء، أنه قد أفاده مسلك تخريج المناط، أو تنقيح المناط، أو الشبه، أو الدوران، أو نحو هذا الهذيان. هذا على فرض أنه لم يوجد في الكتاب والسنة ما يخالف هذا المسلك الذي لا يسلكه المتورعون، ولا يمشي عليه المتدينون، فكيف إذا كان الدليل المخالف له واضح المنار ظاهر الاشتهار قريب الديار لمن سافر إليه من أهل الاعتبار. والكلام في هذا

стр. 243

البحث طويل الذيول، وقد أفرده جماعة من أهل العلم بالتصنيف وليس المراد هنا إلا مجرد التنبيه لطالب العلم. وإني وإن حذرته عن العمل بهذا القياس، فلا أحذره عن العلم به وتطويل الباع في معرفته والإحاطة بما جاء به المصنفون من أهل الأصول في مباحثه، فإنه لا يعرف صحة ما قلته إلا من عرفه حق معرفته، وقد يُعرف الشيء ليُجتنب ويُحذر. ويعرف الشر لا للشر. وأما الاستحسان (١): فاعلم أنهم رسموه بأنه دليل ينقدح في نفس المجتهد ويعسر عليه التعبير عنه، وأنت لا يخفي عليك إن بقي لك نصيب من فهم، وحظ من إنصاف، أن الله ﵎ لم يتعبد أحدًا من عباده بدليل يستدل به أحد من علماء الأمة ويمكنه التعبير عنه وإبرازه من القوة إلى الفعل إلا إذا كان صحيحًا تقوم به الحجة، فكيف يتعبدهم بما انقدح في نفس فرد من أفرادهم على وجه لا يمكنه التعبير عنه ولا إبرازه إلى الخارج. . فإن هذا الذي انقدح في نفسه لا ندري ما هو ولا كيف هو، فكيف يكون حجة علي أحد من الناس وقد عجز صاحبه عن بيانه وعسرت عليه ترجمته. فيا لله العجب من هذا الهذيان وكيف استجاز قائله أن يحكم عليه بأنه دليل شرعي ويفتري على الشرع ما ليس منه، وعلى الله سبحانه ما لم يقله. وبالجملة فبيان فساد هذا لا يحتاج إلى إيضاح، وأفهام البشر وإن بلغت في الضعف أي مبلغ وقاربت أفهام الدواب فهي لا تطلب البرهان على بطلان هذا الهذيان، ولو احتاج محتاج إلى الاستدلال على بطلان هذا الباطل لزمه أن يدفع فرية كل مفتر على الله. ولله در الإمام الشافعي حيث يقول: (من استحسن فقد شرّع). وأما الاجتهاد (٢): فقد رسموه بأنه استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن

стр. 244

بحكم شرعي. ولا شك أن هذا الظن الكائن بعد الاستفراغ وإن تعبد الله به ذلك المستفرغ، لكونه فرضه عند فقد الدليل كما تقدم البحث عن هذا والاستدلال عليه. لكن الشأن في كون هذا الظن حجة على أحد من عباد الله ممن لم يقع له هذا الظن ولا تقدم له استفراغ الوسع فإن الحجة الشرعية ليست ظنون بعض المكلفين بالشرع المتعبدين به على البعض الآخر ولا جاء في الشريعة حرف واحد مما يفيد هذا ويدل عليه، بل صرح الكتاب العزيز بالنهي عن اتباع الظن وأنه لا يغني من الحق شيئًا وأن بعضه إثم. وهذه الأدلة الكلية توجب على الإنسان أن لا يعمل بظنه في شيء كائنًا ما كان إلا ما خصصه الشرع، فكيف بظن غيره. فيا معشر المقلدة، اسمعوا وعُوا، فإنكم إنما تتبعون ظنونًا خطرت لقوم. الحجة من الله بما في كتابه وسنة نبيه قائمة عليهم كما هي قائمة عليكم، وهم مُتعبَّدون بها كتعبدكم بها، فما لكم ولهم، وماذا عليكم من ظنونهم، (فقد أسفر الصبح لذي عينين) (١)، وارتفع ما على قلوب قوم من الرَّين، إن بقي للهداية مجال، ولاستماع الصواب احتمال. وقد كررت الكلام في هذا المقام بما لا يحتاج معه إلى التطويل هنا. [ابتلاء الإسلام بالمذاهب وتقديس الأموات]: واعلم أن المفاسد الماحقة لبركة العلم والمفرقة لكلمة المسلمين كثيرة جدًّا، والإحاطة بها تتعسر، وقد ذكرنا هنا ما حضر عند التحرير، واعظم ما أصيب به دين الإسلام من الدواهي الكبار، والمفاسد التي لا يوقف لها في الضرر على مقدار أمران، أحدهما: هذه المذاهب التي ذهبت ببهجة الإسلام وغيرت رونقه وجَهَّمت وجهه وقد قدمنا في هذا ما يستغني عن الزيادة إن بقي له فهم يرجع به إلى الحق ويخرج به من الباطل.

стр. 245

والأمر الثاني: هذه الاعتقادات التي حدثت لهذه الأمة في صالحي الأموات حتى صار الرجل يقرن من يعتقده من الأموات بمن يقلده منهم. فيقول إمامه في المذهب فلان، وشيخه في الاعتقاد والمحبة فلان. وهذا يقوله ظاهرًا، وهو لو كوشف ونطق بما في ضميره لقال وشيخه الذي يعوّل عليه في زعمه عند الشدائد في قضاء حاجاته ونيل مطالبه فلان. فصمِّي صَمَام (١)، من خلف وأمام. فإن هذه الداهية الدهياء والمصيبة الصماء العمياء، فقد كان أوائل المقلدة يعتمدون على أئمتهم في المسائل الشرعية ويُعوّلون على آرائهم، ويقفون عند اختياراتهم، ويَدعون نصوص الكتاب والسنة، ولكنهم لا ينزلون حوائجهم بغير الله ، ولا يناجون سواه ولا يرجون غيره، ولا يعوّلون إلا عليه، ولا يطلبون إلا منه، فهم وإن خلطوا صومهم وصلاتهم وحجهم وزكاتهم وسائر عباداتهم ومعاملاتهم بآراء الرجال، وقلدوا في كثير من تفاصيلها ما لم يأذن الله بتقليده، وأخذوا دينهم على الوجه الذي لم يأمر الله به ولا ارتضاه لهم. لكنهم لم يخلطوا في معنى لا إله إلا الله، ولا تلاعبوا بالتوحيد، ولا دخلوا في أبواب الشرك ومضايق الجحود وبلايا الجاهلية وما كانوا عليه. وأما هؤلاء فعمدوا إلى جماعة من الأموات الذين لا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون، فقصدوهم في المهمات، وعكفوا على قبورهم ونذروا لهم النذور ونحروا لهم النحاير وفزعوا إليهم عند المهمات. فتارة يطلبون منهم من الحاجات ما لا يقدر عليه إلا الله وخصوهم بالنداء وأفردوهم بالطلب. وتارة ينادونهم مع الله ويصرخون بأسمائهم مع

стр. 246

اسم الله سبحانه فيأتون بكلمات تقشعر لها جلود من يعلم معنى لا إله إلا الله، ويعرف مدلول "قل هو الله أحد"، وتلاعب بهم الشيطان في ذلك ونقلهم من مرتبة إلى مرتبة، ومن منزلة إلى منزلة، حتى استعظموا من جانب هؤلاء الأموات الذين خلقهم الله ورزقهم وأحياهم وأماتهم ما لا يستعظمونه من جانب باري البرية وخالق الخلق، جل اسمه وتعالى قدره ولا إله غيره. وأفضى ذلك إلى أن أحدهم يحلف بالله تعالى فاجرًا ولا يحلف بمن يعتقده من الأموات، ويقدم على المعصية في المساجد التي هي بيوت الله، ولا يقدم عليها عند قبر من يعتقده. وتزايد الشر وعظمت المحنة وتفاقمت المصيبة حتى صار كثير منهم ينسبون ما أصابهم من الخير في الأنفس والأموال والأهل إلى ذلك الميت. وما أصابهم من الشر في ذلك إليه، وقد صار تحت أطباق الثرى وغُيّب عن أعين البشر وصار مشغولًا بنفسه عاجزًا عن جر نفع إليه أو دفع ضر عنه، منتظرًا لما ينتظر له مثله من الأموات لا يدري بما نزل به من هؤلاء النوكاء ولا يشعر بما ألصقوه به. ولو علم بذلك لجالدهم بالسيف، ودفعهم بما يقدر عليه. ومن أعظم الذرائع الشيطانية والوسائل الطاغوتية أنهم بالغوا في التأنق في عمارة قبور من يعتقدونه من الصالحين، ونصبوا عليهم القباب وجعلوا على أبوابها الحجاب، ووضعوا عليها من الستور العالية، والآلات الرائعة، ما يبهر الناظر إليه، ويدخل الروعة في قلبه، ويدعوه إلى التعظيم كما جُبلت عليه طبائع العوام من دخول المهابة في قلوبهم والروعة في عقولهم بما يتعاطاه المريدون لذلك، كما يفعله غالب ملوك الدنيا من المبالغة في تزيين منازلهم وتعظيمها والتأنق في بنائها والاستكثار من الحجاب والخدم والصياح والجلبة وارتباط الأسود ونحوها من الحيوانات، ولبس فاخر الثياب، قاصدين بذلك تربية المهابة لهم والمخافة منهم. وصنع هؤلاء القبوريون كصنعهم، ففعلوا في الأموات من جوالب التعظيم وأسباب الهيبة

стр. 247

ما يكون له من التأثير في قلوب من يزورهم من العامة ما لا يُقادر قدره ثم يزيد ذلك قليلًا قليلًا حتى يحصل لهم من الاعتقاد في أولئك الأموات ما يقدح في إسلامهم ويخدش في توحيدهم. ولو اتبع الناس ما أرشد إليه الشارع من تسوية القبور كما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي الهياج قال: قال لي علي بن أبي طالب: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﵌، أن لا تدع قبرًا مشرفًا إلا سويته، ولا تمثالًا إلا طمسته" (١) فانظر كيف بعث رسول الله ﵌ أميرًا لهدم القبور المشرفة وطمس التماثيل هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، ثم بعث عليٌّ أيام خلافته أميرًا على ذلك هو أبو الهيّاج. وأخرج أبو داود وابن ماجة وابن حبان والحاكم من حديث جابر: "أن النبي ﵌ نهى أن يجصص القبر وأن يُبنى عليه وأن يكتب عليه وأن يوطئ" (٢) "وأخرجه مسلم في صحيحه" بدون ذكر الكتابة. قال الحاكم: "النهي عن الكتابة على شرط مسلم وهي صحيحة غريبة". قال: "والعمل من أئمة المسلمين من المشرق إلى المغرب على خلاف ذلك يعني يقررون كتابة الاسم من دون إنكار، انتهى" (٣) وأقول: لا حجة في أحد خالف السنة الثابتة عن رسول الله ﵌ كائنًا من كان قل عددهم أو كثر فليس لهم أن يشرعوا للناس غير ما شرعه الله، بل يُحملون على الخطأ وعدم العناية بأمر الشرع والتساهل في أمر الدين. وما هذا بأول

стр. 248

باب من أبواب الشرع أهمله الناس وخالفوا فيه السنن الواضحة والشرائع الثابتة، ولا سيما بعد أن استعلى الجهل على العلم وغلبت آراء الرجال ما جاء في الكتاب والسنة، وصار التقليد والتمذهب هو المعروف عند الجمهور، وغيره المنكر، ولا اعتبار بسكوت أهل العلم الذي هم أهله فإنهم مغلوبون مكثورون مخبوطون بسوط العامة الذي منهم السلاطين وجنودهم كما قدمنا الإشارة إلى هذا، وإطباق أهل المشرق والمغرب على الكتابة هو كإطباقهم على رفع القبور وتجصيصها ووضع القباب عليها وجعلها مساجد، فخالفوا ما تقدم عنه ﵌ مع مخالفتهم لما ثبت في الصحيح عنه ثبوتًا لا يخالفه فيه مخالف من أن النبي ﵌ قال: "لا تجعلوا قبري مسجدًا لا تجعلوا قبري وثنا لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (١) وكان هذا القول من آخر ما قاله في مرض موته كما ثبت، آخر ما قاله ﵌: "الأمر بإخراج اليهود من جزيرة العرب والنهي عن اتخاذ قبره مسجدًا وتنفيذ جيش أسامة" (١) ثم كان الواقع من أمته بعد هذا التأكيد أنهم بنوا على قبره الشريف قبة. وما زال ملوك الإسلام يبالغون في تحسينها وتزيينها ورفع سمكها، ووضعوا القباب ورفعوا القبور، وكانوا يفعلون هذا بأهل الصلاح. ثم تزايد الشر وصاروا يفعلون ذلك لمن له رئاسة دنيوية. وإن كان من أفجر الفجرة. وقد يوصي الميت في وصيته بذلك.

стр. 249

وأعجب من هذا كله تصريح جماعة من أهل الفقه بأنه لا بأس بذلك إذا كان الميت فاضلًا، ودونوه في مصنفاتهم التي هي مدارس الطلبة، وضربوا بما ذكرناه من الأدلة في وجه من جاء به ورموا بها خلف الحائط. ولم يردعهم دين ولا وزعهم حياء وقابلوا بما أسلفنا بقولهم أنه قد استحسن رفع هذه القباب وتزيين هذه القبور بعض السلف. فلا كثر الله في أهل العلم (من أمثالكم) (١) ولا من أمثال من استحسن مخالفة الشرع من السلف الذين صرتم تقولون عليهم بما لم يقولوه، فإنه إذا صح ما تزعمونه من أنه استحسن ذلك بعض السلف فلا حجة في استحسان من استحسن مخالفة الشرع كائنًا من كان. فإنه أول مبتدع ومخالف للشرع وعاص الله ولرسوله وللشريعة المطهرة (٢). ولقد تزلزل بهذا السبب أقدام كثير من العباد عن الإسلام، وذهب بهذه الذريعة إيمان جماهير من الأنام، فإنا لله وإنا إليه راجعون. فإنها لو كانت القبور على الصفة التي شرعها الله وعلمها الأمة، رسولُ الله لم يحدث من هذه الاعتقادات الفاسدة شيء. ولا يشك عاقل أن أعظم ما أدخل فاسد الاعتقاد في صدور كثير من العباد هو هذا الأمر مع سكوت العلماء عن البيان الذي أمرهم الله به ومجاملتهم للعامة، إما مع علمهم بما في هذا الأمر من الخطر، أو مع غلبة العادات الطارئة عليهم لما عندهم من العلم، حتى ذهب ذلك بما يعلمونه ومحق بركته وأبطل ثمرته. ومما أحكيه لك: أنه كان يبلغني وأنا في الطلب للعلم والاشتغال به ما يصنعه أهل القطر التهامي في الاجتماع لزيارة جماعة من المعتقدين لديهم وما يحدث منهم عند ذلك من النهيق الذي لا يعود صاحبه إلى الإسلام سالمًا

стр. 250

مع عدم إنكار من بتلك الديار من العلماء بل كان الكثير منهم يحضرون تلك المجامع ويشهدون تلك الزيارات، فتكون المنكرات وما يحدث من أنواع الشرك بمرأى منهم ومسمع، فكتبت رسالة إلى العلماء من أهل تلك الديار على يد رجل من أهل العلم الراحلين إلى هنالك، فلما عاد أخبرني بما حصل من الاستنكار منهم لما كتبته إليهم وعدم الاعتداد به والالتفات إليه فقضيت من ذلك العجب. ثم لما ولى القضاء ببعض البنادر التهامية بعض علماء صنعاء الأكابر وشاهد من هذه المنكرات ما حمله على أن يحرر إليّ سؤالًا فأجبته برسالة مطولة سميتها: "الدر النضيد في اخلاص كلمة التوحيد" (١)، وأمرته أن يكتب منها نسخًا ويرسلها إلى القضاة في تلك الديار ففعل ولم يؤثِّر ذلك شيئًا، بل كتب كبير علماء تلك الديار على رسالتي مناقشات واعتراضات. فلم تمض إلا أيام قلائل حتى نزل بهم السيف وهدم الله تلك الطواغيت، وذهب بتلك الاعتقادات الفاسدة، فهي الآن صافية عن تلك الأمور التي كان يتلوث بها أهلها، فلا يقدر أحد منهم أن يستغيث بغير الله سبحانه، أو ينادي ميتًا من الأموات، أو يجري ذكره على لسانه. ولكنه لم يغسل أدرانهم ويذهب بالكدورات التي كانت تشوب صافي إسلامهم إلا السيف وهو الحكم العدل، في من استحكمت عليه نزعات الشيطان الرجيم، ولم تردعه قوارع آيات الرحمن الرحيم. ويلتحق بالأمرين المذكورين أمر ثالث: وإن لم تكن مفسدته كمفسدتهما، ولا شموله كشمولهما، وهو ما صارت عليه هذه الطائفة المدعوة بالمتصوفة، فقد كان أول هذا الأمر يطلق هذا الاسم على من بلغ في الزهد والعبادة إلى أعلى مبلغ، ومشى على هدي الشريعة المطهرة، وأعرض عن الدنيا وصد عن زينتها، ولم يغتر ببهجتها، ثم حدث أقوام
следующие страницы →