← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1562

أدب الطلب ومنتهى الأرب - ت السريحي

الشوكاني

Полный текст (254 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وتحتوي مؤلفات هؤلاء العلماء على الكثير مما يعرف اليوم بأصول وقواعد التربية، ووسائل التنشئة الاجتماعية، وأيضًا طرق التدريس. أما الشوكاني فإنه لم يقف في كتابه هذا عند حدود تلك الموضوعات التي طرقها السابقون عليه في مجال (آداب العلم والتعلم) ولم يعمل على تكرار آراء مؤلفيها، بل جاءت معظم الأفكار الرئيسية في كتابه جديدة ومبتكرة لم يسبقه إليها أحد. ولهذا لم يكن من قبل المبالغة قول الشوكاني في نهاية عرضه للأسباب المؤدية للتعصب والمانعة من الأنصاف والموضوعية: "إنه ينبغي لكل عالم ومتعلم أن تكون [تلك الأسباب والعوامل] نصب عينيه في إقدامه وإحجامه وما أحقها بذلك .. فإنها فوائد لا توجد في كتاب" (ص ١٧٩). وهذا ما يشهد للشوكاني بالقدرة على الإبداع والإضافة والتجديد فقد تجاوز آراء سابقيه، وسعى إلى إصلاح وتجديد المنهجين الذين سبقت الإشارة إليهما في آن واحد (المنهج العلمي، والمنهج العملي) من خلال الإسهام بتشخيص وتحليل الأسباب والعوامل الكامنة وراء الخلل الفكري ووضع الحلول الكفيلة بمعالجته وإصلاحه، كمنطلق سابق لأي محاولة تستهدف النهوض والتجديد، أو إصلاح التعليم والاستفادة من نتائجه، فإذا _________ = ولذلك نجدهم ينصحون الطالب " … أن يقلل من استعمال الأطعمة التي هي من أسباب البلادة كالتفاح الحامض، والباقلا، وشرب الخل وكذلك ما يكثر استعماله البلغم المبعد للذهن ككثرة الألبان والسمك ونحو ذلك، ويتجنب ما يورث النسيان بالخاصة: كأكل سور الفار، وقراءة الواح القبور والدخول بين جملين مقطورين والقاء القمل حية ونحو ذلك" ابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) تذكر السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم (نشرها أحمد عبد الغفور عطا ضمن مجموعته: آداب المتعلمين ص ٢١٠؛ الحسين بن القاسم بن محمد (ت ١٠٥٠ هـ) آداب العلماء والمتعلمين، الدار اليمنية للنشر (ط ٢/ ١٩٨٧) ص ٦٢.

стр. 37

كان التعليم أداة فعالة للتغيير، (تغيير الفكر أو السلوك)، فإنه لا يمكن الوصول إلى النتائج المرجوة منه طالما وأن تلك العوائق الفكرية ما تزال قائمة، إذ أن المعوقات التي تؤثر سلبًا على التعليم إنما هي مرتبطة بذلك الخلل الفكري الذي أدى إلى جمود العقل والفكر العربي، ونتيجة له، ولأن آراء الشوكاني في هذه الكتاب نابعة ومستمدة من تجربته الفكرية الثرية كباحث ومدرس ومجتهد، فقد حاول من خلاله أن يرسم المنهج العلمي للإحياء والتجديد وهو المنهج الذي صاغه وبشَّر به ودعا إليه، وأن يضع لطلابه وأبناء جيله أسس وقواعد التفكير والبحث العلمي، كأداة لتشخيص وتحديد مواطن الخلل التي تعيق النهوض أولًا، واستنباط أو اكتشاف الحلول الملائمة والكفيلة بتجاوز المجتمع لمحنته والخروج به من نفق الجمود والتخلف ثانيًا، فكان كتابه هذا أشبه ما يكون بما نسميه اليوم مناهج التفكير العلمي، أو قواعد البحث العلمي. ولهذا فإن فائدة هذا الكتاب لن تقتصر على طلبة العلم فحسب، بل سيستفيد منه كل من له صلة أو اهتمام بالعلم والبحث، كما تَصوَّر ذلك الشوكاني في مقدمة كتابه: "وإني أتصور الآن أن الكلام بمعونة الله ومشئيته لا بد أن يتعدى إلى فوائد ومطالب ينتفع بها المنتهي كما ينتفع بها المتبدي، ويحتاج إليها الكامل كما يحتاج إليها المقصر، ويعدها المحققون من أعظم الهدايا" (ص ٨١). وقد التزم المؤلف نفسه في عرضه لموضوعات هذا الكتاب، بالمنهج العلمي الذي يدعو إليه باستثناء بعض التجاوزات أو الشطحات القليلة - سنشير إليها في خاتمة هذه الدراسة -، فهو يشخِّص المشكلة ويحددها بدقة، ثم يعمل بعد ذلك على تحديد أسبابها، وتوضيح مظاهرها وأبعادها، ثم يقدم الحلول التي يراها من وجهة نظره كفيلة بمعالجتها. فإذا كانت المشكلة متمثلة في الخلل الفكري وما ترتب عليه من جمود للفكر وإعاقة للعقل عن

стр. 38

أداء دوره ورسالته، فإنه يُرجعُ السبب الكامن وراء هذا الخلل إلى عاملين رئيسيين: الأول: التقليد والتعصب، للأشخاص والآراء والمذاهب لأنهما (أي التقليد والتعصب) أساس المشكلة ويشكلان العقبة الكبرى في طريق العلم، فهما يشكلان حجابًا كثيفًا أمام العقل يمنعه من الاستفادة من مصادر العلم والمعرفة، وينبع التقليد أو يبدئ من المبالغة في احترام أئمة المذاهب وتمجيد أشخاصهم، مما يؤدي إلى إضفاء هالة من القداسة على آرائهم واجتهاداتهم تدفع المقلد إلى التهيب من التعرض لتلك الأفكار، وتجعل من المستحيل مناقشتها، وتحميصها ونقدها، مما يسبب إلى افتقاد المقلدين لملكة النقد - تدريجيًا - حتى تصل إلى درجة إلغاء دور العقل وشل فاعليته وتعطيل وظيفته في النظر والتفكير واكتشاف السنن والأسباب، والعجز عن إدراك الحقائق ومن ثم يؤدي إلى العجز عن الإبداع والابتكار اللازم للتجديد والتغيير، وكما يدفع التقليد بالمقلدين إلى التمسك الشديد بالرأي أو المذهب الذي يقلدوه ورسوخه في أذهانهم ودفاعهم عنه، وتحزبهم حوله وتعصبهم له فإنه يدفعهم كذلك إلى التسليم المطلق بصحة وصواب ذلك الرأي أو المذهب واعتقادهم باحتكارهم للحقيقة المطلقة، وبأن الحق محصور بهم لا يعدوهم إلى غيرهم، ويسبب جمودهم عليه وعدم الإلتفات إلى ما عداه، فينتهي بهم التقليد إلى الوصول إلى أقصى مراحل التعصب والجمود، وهي مرحلة القبول المسبق، دون تفكير لكل آراء وأفكار مذهبهم، وكذلك إلى الرفض المسبق - ودون تفكير أيضًا - لكل ما يخالفه (ص ٩٠ - ٩١، ١٢٢، ١٣٣ - ١٣٥) (١). _________ (١) راجع أيضًا: أبو حامد الغزالي معارج القدس، القاهرة (١٩٢٧ م) ص ١٠١؛ أيضًا: الاقتصاد في الاعتقاد، بيروت: دار الكتب العلمية (١٩٨٣) ص ١٠٤ وما بعدها؛ =

стр. 39

ومن أقوال الشوكاني (عن اقتران التقليد بالتعصب ومخاطرهما) أن: "الاعتقاد لمذهب نشأ عليه الإنسان وأدرك عليه أهل بلدته يوقع في التعصب، والمتعصب وإن كان بصره صحيحًا فبصيرته عمياء. وأذنه عن سماع الحق صماء فهو يحسب أن ما نشأ عليه هو الحق غفلة منه وجهلًا بما أوجبه الله عليه من النظر الصحيح .. وما أقل المنصفين بعد ظهور هذه المذاهب .. فإنه صار بها باب الحق مرتجًا وطريق الإنصاف مستوعرة" (١). واستشهد على تأثير التقليد السلبي على العقل وإلغاء دوره بمقولة ابن الجوزي الشهيرة "بأن في التقليد إبطال منفعة العقل" (٢). وعن منافاة التقليد للعلم، وأثره في الحيلولة بين المتعلم والاستفادة من مصادر العلم والمعرفة يقول: "إن مجرد التقليد ليس من العلم الذي ينبغي عَدَّ صاحبه من جملة أهل العلم، لأن كل مقلد يقر على نفسه بأنه لا يعقل حجج الله ولا يفهم ما شرعه لعباده. ." (ص ١٢٠)، و "إذا سكنت نفوس المقلدين للتقليد سكونًا ما، وقبلته قبولًا كليًا لم تبق فيهم بقية لفهم شيء من العلوم" (ص ١٢١). ويصف المقلد بأنه "عامي الفهم سيء الإدراك عظيم البلادة غليظ الطبع" (ص ٢٢٨) ولا يتردد في وصفه أيضًا، بأنه: "حماري الفهم بهيمي الطبع" (ص ١٣٥). - أما العامل أو السبب الرئيسي الثاني: فيتمثل في تقاعس النخبة = _________ = المقبلي، العلم الشامخ، القاهرة: دار الحديث (ط ٢/ ١٩٨٥) ص ١٢٩؛ معتز سيد عبد الله، الاتجاهات التعصبية، الكويت: (سلسلة عالم المعرفة رقم ١٣٧ ص ٧٧ وما بعدها. (١) فتح القدير ٢/ ٢٤٣. (٢) القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد ص ٢٧.

стр. 40

(العلماء) وإحجامها عن أداء مهمتها ورسالتها المنوطة بها والمتمثلة في نشر الوعي والمعرفة، ومقاومة الإنحراف والفساد بكل صوره وأشكاله، وقيادة عملية الإصلاح والتغيير، كونها الفئة الوحيدة القادرة على القيام بهذه المهمة والمؤهلة لها علميًّا وفكريًا. ويعزو الشوكاني السبب في ذلك: - إلى جبن بعض العلماء، وخوفهم على حياتهم أو مصالحهم من بطش وإرهاب السلطة أو جماعة التقليد وأصحاب المصالح والنفوذ، لأن أي دعوة أو محاولة للإصلاح والتغيير لا بد أن تصطدم أو تتعارض مع مصلحة هذه الفئات، ولذلك اثرت هذه الطائفة من العلماء السلامة والتزمت السكوت، فأصبح دورها سلبيًا. - والفئة الأخرى من العلماء قد تُغَلِّبُ مصلحتها وامتيازاتها الذاتية على المصلحة العامة (يطلق الشوكاني على هذه المصالح والإمتيازات: حب الشرف والمال) فيدفعها ذلك لا إلى السكوت فحسب، كما تفعل الفئة الأولى، وإنما إلى التحالف السلطة، لكي تحصل منها على الجاه والأموال والمناصب، وحينئذ لا يصبح دورها سلبيًا فقط، بل تصبح هذه الفئة من العلماء من أكبر العوائق الفكرية والاجتماعية وأشدها خطرًا، لأن مهمتها ودورها لا يقتصر فقط على تسخير فكرها ومواهبها لخدمة السلطة، وإنما تسخر الدين كذلك للسلطة وتخضعه لهواها في سبيل إضفاء الشرعية على استبداد السلطة ومظالمها وتبرير تصرفاتها وقراراتها المخالفة للشريعة، وما دامت مصالح هذه الطائفة مرتبطة بالسلطة، ولأن استمرار مصلحة الفريقين مرهون ببقاء الوضع الراهن (المتخلف) على حاله فإنها لا تتورع عن ممارسة الدَّجل والتضليل على العامة، والوقوف ضد أي محاولة تستهدف الإصلاح والتغيير والعمل على محاربتها وإجهاضها. (انظر ص: ١٠٦ - ١٠٩ - ١١٢، ١١٥، ١٥٦، ١٥٩ - ٢١٥، ٢١٧).

стр. 41

لذلك فالحلول التي يقترحها الشوكاني لإصلاح هذا الخلل وتجاوز هذه المعضلة تتمثل في: أولًا: الدعوة للاجتهاد وتحرير العقل من قيود التقليد والتعصب فقد اتجه المؤلف منذ بداية الكتاب إلى إثارة فكر الطالب (الباحث) وتهيئة ذهنه إلى وجوب تحرير عقله وفكره من ربقة التقليد والتعصب للأشخاص أو الأفكار، وتوطين نفسه على التزام المنهج العلمي في التفكير، لكي يستفيد من نتائج التعليم أو البحث والوصول إلى المرحلة التي يكون فيها قادرًا بنفسه على الاجتهاد والتجديد (ص ٨٨ - ٩٠). وأول مقتضيات التفكير العلمي والموضوعية هو تجاوز هالة القداسة التي اضفاها المقلدون على أئمة ورجال مذاهبهم وإخضاع آرائهم واجتهاداتهم للنقد والتمحيص وعدم التسليم المطلق والمسبق بصوابها، لأن أولئك الأئمة لم يسعوا لفرض آرائهم واجتهاداتهم على الناس، ولم يهدفوا إلى إتخاذ فكرهم وسيلة لتعطيل فكر الآخرين، وإنما اجتهدوا لأنفسهم فاجتهاداتهم لا تعتبر حجة على غيرهم ولا تلزم سواهم "فإنك إن جعلت اجتهاد أي مجتهد حجة عليك وعلى سائر العباد كنت قد جعلته شارعًا لا متشرعًا، ومكلِّفًا لا مُكلَّفًا" (ص ٨٦)، "بل عليك أن توطن نفسك على الجد والاجتهاد والبحث عما يدخل تحت طوقك وتحيط به قدرتك حتى تبلغ إلى ما بلغ إليه ذلك المجتهد" (ص ٨٧) "فإذا وطنت نفسك - أيها الطالب - على الإنصاف (الموضوعية) وعدم التعصب لمذهب من المذاهب ولا لعالم من العلماء .. فقد فُزت بأعظم فوائد العلم وربحت بأنفس فرائده فلأمرٍ ما، جعل الرسول ﷺ المنصف أعلم الناس وإن كان مقصرًا .. فالأنصاف هو الخصلة الموجبة للأعلمية، ولم يعتبر غيرها "لأن المنصف لم يكن لديه هوى ولا حميه ولا عصبية لمذهب أو عالم من العلماء … ، فَصَفَتْ غريزته (فطرته) عن أن تتكدَّر بشيء من ذلك" (ص ٨٩ - ٩٠).

стр. 42

وهذا ما دفع بالشوكاني إلى رصد وتحليل الأسباب الباعثة على التعصب الفكري والمذهبي بوصفه العائق الأساسي أمام العقل والمؤدي إلى الانحراف بالفكر عن مساره الصحيح وخروجه عن دائرة الإنصاف (الموضوعية)، وقد بذل الشوكاني جهدًا كبيرًا في استقصاء هذه الأسباب والظواهر، والاستفاضة في شرحها وتحديد أبرز مظاهرها ونتائجها، ومخاطرها على الدين والعلم والعقل .. إلخ (تشكل مادة هذا الموضوع نصف حجم الكتاب تقريبًا) مستعينًا في توضيح وشرح الموضوع - بغية تقريبه للأذهان - بتجربته الشخصية كطالب ومدرس ومجتهد. ويتجلى في هذا الفصل ملامح المنهج العلمي عند الشوكاني بوضوح، "لأن النشاط العقلي للإنسان لا يكون علميًّا بالمعنى الصحيح إلا إذا استهدف معرفة الظواهر وتعليلها ولا تكون الظاهرة مفهومة بالمعنى العلمي إلا إذا توصلنا إلى معرفة أسبابها كما إن من المستحيل التوصل إلى النتائج دون معرفة أسباب العلل والأمراض لنتمكن من معالجتها" (١). وأمراض الفكر كما يراها الشوكاني لا يمكن إجتنابها والتحرر منها إلا بعد معرفة أسبابها: "فإن عرفها [الباحث] بعد التدبر فليجتنبها كما يتجنب العليل ما ورد عليه من الأمور التي كانت سببًا لوقوعه في المرض، وإن خفيت عليه العلة التي حالت بينه وبين الحق فليسأل من له ممارسة للعلم ومعرفة بأحوال أهله، كما يسأل المريض الطبيب إذا لم يعرف علته، فقد يكون دفع العلة بمجرد تجنب الأسباب الموقعة في العلة كالحمية .. وقد يكون دفعها باستعمال الأدوية، وهكذا علة التعصب فإنه إذا عُرف سببه أمكن الخروج منه باجتنابه وإن لم يعرف سأل المنصفين من أهل العلم" (ص ١٤٣). كما قام المؤلف بوضع عدة معايير يمكن بواسطتها معرفة مدى التزام الباحث بالموضوعية وتحرره من التعصب، وأهم تلك المعايير: _________ (١) فؤاد زكريا التفكير العلمي ص ٣٧ - ٣٩.

стр. 43

- عدم مخالفة الدليل: لأن التفكير العلمي إنما هو طريقة في النظر والبحث تعتمد أساسًا على العقل والبرهان المقنع بالتجربة أو الدليل (١). يقول الشوكاني: "فالمعيار الذي لا يزيغ أن يكون طالب العلم مع الدليل في جميع موارده ومصادره، لا يثنيه عنه شيء ولا يحول بينه، وبينه حائل فإذا وجدَ في نفسه نزوعًا إلى غيره وأدرك منها (أي من نفسه) رغبة للمخالفه وتأثيرًا لغير ما هو الحق، فليعلم أنه قد أصيب بأحد الأسباب السابقة - أي أسباب التعصب - من حيث لا يدري" (ص ١٤٣). - عدم القبول أو الرفض المسبق لأي رأي أو فكر دون تفكير وتمحيص ونقد: "ومن حق الإنصاف ولازم الاجتهاد أن لا يحسن الظن أو يسؤه بفرد من أفراد أهل العلم على وجه يوجب قبول ما جاء به، أو رَدِّه من غير إعمال فكر وإمعان نظر، وكشف وبحث، فإن هذا شأن المقلدين وصنيع المتعصبين وإن غرَّته نفسه بأنه من المنصفين، وأن لا يغتر بالكثرة فإن المجتهد هو الذي لا ينظر إلى من قال، بل إلى ما قال، فإن وجد نفسه تنازعه إلى الدخول في قول الأكثرية والخروج عن قول الأقلية، أو إلى متابعة من له جلالة قدر ونبالة ذكر وسعة دائرة علم، لا لأمر سوى ذلك، فليعلم إنه قد بقي فيه عرق من عروق العصبية، وشعبة من شعب التقليد وأنه لم يوف الاجتهاد حقه" (ص ٢٠٥ - ٢٠٦) ويدخل في التقليد كذلك قبول أو رفض بعض العلوم لمجرد تزكية بعض العلماء لها أو تنفيرهم عنها (ص ١٩٧، ٢٠٥ - ٢٠٨). - اعتماد الباحث في كل علم على أهله، والرجوع إلى مصادره الأساسية: فإذا واجهت الباحث مسألة متعلقة باللغة، يرجع فيها إلى كتب اللغة، ويأخذ بأقوال أهلها، ولا يلتفت إلى قول غيرهم فيها (ص ١٢٤ _________ (١) المصدر السابق ص ١٣.

стр. 44

وما بعدها) وكذلك بقية الموضوعات المتعلقة بفنون لها مؤلفات مستقلة من قبل المتخصصين: "فإن إنصاف الرجل لا يتم حتى يأخذ كل فن على أهله كائنًا ما كان" (ص ١٢٧). كما إن "المجتهد على التحقيق هو من يأخذ الأدلة الشرعية من مواطنها … وكأنه لم يسبقه عالم ولا تقدمه مجتهد" (ص ٢٠٦). ثانيًا: وجوب التزام النخبة (العلماء) بواجبها وأدائها لرسالتها وعدم الفصل بين العلم والعمل، والتحرر من الخوف والترفع عن النزوات والمصالح الشخصية لتكون بسلوكها ومواقفها قدوه حسنة، (ص ٩١ - ٩٣، ١١٦ - ١٢٠، ١٦٠ - ١٦٥، ٢٣١ - ١٣٢). ثالثًا: إصلاح وتجديد نظام التعليم: يقترح المؤلف منهجًا تعليميًا يتناسب وحاجة كل فئة من فئات المتعلمين، على اختلاف مقاصدهم، ومستوياتهم وميولهم واتجاهاتهم الفكرية، فقد قَسَّم المتعلمين إلى فئتين أو طبقتين بحسب تعبيره: الأولى: طلاب العلوم الشرعية، الثانية: طلاب العلوم التخصصية - غير الشرعية - مثل الأدب، والطب، والهندسة، والمحاسبة والإدارة .. إلخ. وقسَّم طلاب الفئة الأولى من حيث الغايات أو الهدف الذي تسعى إلى تحقيقه من التعليم، إلى ثلاث فئات: - الأولى: الراغبون في الوصول إلى مرحلة الاجتهاد المطلق، والمتطلعين إلى إفادة الآخرين من علمهم بالتدريس أو التأليف. - الثانية: الراغبون في الوصول إلى مرتبة الاجتهاد، ولكنهم لا يطمحون إلى التأليف وإفادة الغير، بل ليستغنوا باجتهادهم عن غيرهم. - الثالثة: وهم الذين يهدفون من وراء التعليم إلى إصلاح ألسنتهم

стр. 45

وتقويم أفهامهم بما يقدرون به على فهم معاني ما يحتاجون إليه من الشرع، دون قصد إلى الاستقلال بأنفسهم، بل يعولون على السؤال عند التعارض، أو الاحتياج للترجيح. ويقترح المؤلف لكل فئة من فئات المتعلمين، المنهج التعليمي الملائم لها الذي يحقق هدفها المنشود من التعليم، والسِّمة الأساسية التي تميز هذه المناهج التي يقترحها المؤلف: - أنها تساعد على تنيمة التفكير العلمي الذي يستند على الفهم والتقويم والنَّقد والتحرر من قيود التقليد، وتؤهل الطالب/ الباحث إلى الاعتماد على النفس في البحث والوصول إلى المعنى والاستقلال في التفكير وفي تكوين آرائه وأحكامه، والوصول إلى الإبداع الفكري والتجديد (١). فكما رَكَّز الشوكاني في الفصل السابق، على توضيح العوائق التي تحول بين الإنسان وبين التفكير العلمي الصحيح، وتحول أيضًا دون الاستفادة من مصادر العلم والمعرفة، فقد ركَّز في هذا الفصل على ضرورة إمتلاك الطالب لمهارات التعليم الذاتي، فلا حاجة للمتعلم إلى تكديس وحفظ المعلومات عن أي علم بقدر ما يحتاج إلى اكتساب المهارات التي تتيح له فرصة الاستقلال بنفسه والمقدرة على مواصلة البحث والتوسع في الموضوع أو العلم الذي يريد التوسع أو البحث فيه، ويكفي الطالب للوصول إلى هذه المرحلة "أن يأخذ من كل فن من فنون الاجتهاد بنصيب يعلم به ذلك الفن علمًا يستغني به عن الحاجة إليه، أو يهتدي به إلى المكان الذي فيه ذلك البحث على وجه يفهم به ما يقف عليه منه" (ص ٢٢٠ - ٢٢١). ويقول في البدر الطالع عن القدر الذي يكتفي به طالب "الطبقة _________ (١) د. عبد الغني قاسم/ الإمام الشوكاني حياته وفكره ص ٥١٤، ٥٣٣.

стр. 46

المتوسطة" من العلوم التي تؤهله للوصول إلى مرحلة الاجتهاد، ففي علوم اللغة مثلًا "يكفيه من علم مفردات اللغة مثل القاموس، وليس المراد إحاطته به حفظًا بل المراد الممارسة لمثل هذا الكتاب أو ما يشابهه على وجه يهتدي به إلى ما يطلبه عند الحاجة" (١). ويقول بعد عرضه لعلوم الاجتهاد (اللغة وعلم الأصول) التي ينبغي لطالب "الطبقة المتوسطة" أن يُلمَّ بها: "فمن علم بهذه العلوم علمًا متوسطًا يوجب ثبوت مطلق الملكة في كل واحد منها صار مجتهدًا مستغنيًا عن غيره. . ." (ص ٢٢٢). - كما إن هذه المناهج التي يقترحها كفيلة بتحقيق الإنفتاح الفكري على كل العلوم والفنون، وعلى كافة الإتجاهات الفكرية، والمذهبية السائدة في عصر الشوكاني وتساعد على تجاوز كل ألوان التعصب، وخلق الإنسجام والتسامح الفكري في صفوف الأمة، إذ أن الشوكاني يريد من المتعلم، وخاصة من يريد أن يصل إلى المرتبة الأولى في الاجتهاد، أن يكون واسع الأفق غزير الاطلاع موسوعي الثقافة فلا يستبعد أي علم أو فن، حتى وإن كان ذلك العلم بعيدًا عن نطاق تخصصه فإنه لا بد سيستفيد منه في مجال تخصصه، لأن العلوم والمعارف متداخلة ومتكاملة فقد يتوصل من خلال معرفة أي علم، إلى معرفة فن آخر من فنون العلم، ويؤكد على أن العلوم غير الدينية كالأدب والمنطق وعلوم الفلسفة والكلام لا تتعارض مع الشريعة، (ص ٢٢٦) ولهذا يحثّ الطالب الباحث على ألا يستبعد أي علم أو فن، ولا يُصغي أو يلتفت إلى أي نقد أو تشنيع من أي عالم على أي علم من العلوم، فعن علم الكلام يقول: "وإيَّاك أن يثنيك عن الاشتغال بهذا الفن ما تسمعه من كلمات بعض أهل العلم في التنفير عنه والتزهيد فيه، والتقليل _________ (١) البدر الطالع ٢/ ٨٦ - ٨٧؛ وانظر كذلك: إرشاد الفحول ص ٢٥١ وما بعدها.

стр. 47

لفائدته، فإنك إن عملت ذلك وقبلت ما يقال لك كنت مقلدًا. . بل أعرفه حق معرفته وأنت بذلك مفوض فيما يقوله من قدح أو مدح" (ص ١٩٧) ويقول عن بقية العلوم غير الشرعية "وبالجملة فالعلم بكل فن خير من الجهل به، ولا سيما من رشح نفسه للطبقة العلية .. ودع عنك ما تسمعه من التشنيعات فإنها شعبة من التقليد، وأنت بعد العلم بأي علم من العلوم حاكم عليه بما لديك من العلم غير محكوم عليك واختر لنفسك ما يحلو، وليس يخشى على من ثبت قدمه في علم الشرع من شيء .. فاشتغل بما شئت واستكثر من الفنون ما أردت وتبحر في الدقائق ما استطعت. ." (ص ٢٠٧). ويؤكد أن معاداة السابقين لبعض العلوم وتنفير الناس عنها صادرة عن جهل منهم لتلك العلوم لأن من جهل شيئًا عاداه: "وإني لا أعجب من رجل يدَّعي الإنصاف والمحبة للعلم ويجري على لسانه الطَّعن في أي علم من العلوم لا يدري به ولا يعرفه ولا يعرف موضوعه .. وقد رأينا كثيرًا ممن عاصرنا ورأيناه يشتغل بالعلم وينصف في مسائل الشرع فإذا سمع مسألة عن فن من الفنون التي لا يعرفها كعلم المنطق والكلام والهيئة ونحو ذلك نفر منه طبعه ونفَّر عنه غيره. ." (ص ٢٠٨). ويضيف، بأن فائدة العلوم (غير الشرعية) لا تقتصر على فائدتها العلمية، بل تتعدى فوائدها إلى المتعلم نفسه، فهي تساعد على تكوين شخصيته وصقل مواهبه، وتنمي لديه ملكة الفهم والاستيعاب، وتشحذ الذهن وتوسع مدارك العقل .. إلخ. فالشعر "يفيده قوة إدراك وصحة فهم وسيلان ذهن" (ص ٢٠٦) والأدب والنحو يساهم "في تهذيب فهمه وتلقيح فكره" (ص ٢٢٨) والعلوم الطبيعية والتطبيقية كالعلم الرياضي والطبيعي والهندسة والهيئة والطب "هي من أعظم ما يصقل الأفكار ويصفي القرائح

стр. 48

ويزيد القلب سرورًا والنفس انشراحًا ص (٢٠٧) ومن ناحية ثانية يحث الشوكاني طلبة العلم على ألّا يتقوقعوا على مذهبهم، ويقتصروا في دراستهم واطلاعهم عليه، بل يجب عليهم الانفتاح والإطلاع على كل ما لدى الآخرين من أصحاب المذاهب الأخرى، سواء أكان ذلك في علم الأصول (علم الكلام) أو الفروع (الفقه) ولا يكتفي بالاطلاع على كتب المشهورين منهم فقط، لأن الباحث قد يتحصل على فوائد عند من كان أقل علمًا أو أقل شهرة لا توجد في مؤلفات المشهورين" (ص ٢٠٤ - ٢٠٥). وينصح الباحث بضرورة الإطلاع على آراء كافة الفرق والمذاهب ومعرفة وجهة نظرها وفكرها الحقيقي من مصادرها هي لا من مصادر غيرها (ص ١٩٦ - ١٩٧). والخلاصة: فإن هذه النظرة الانفتاحية التي تميز فكر الشوكاني بخاصة والمذهب الزيدي بعامة هي من الأهمية بمكان، سواء أكان ذلك في عصر الشوكاني أم في عصرنا، لأن الجمود والتخلف الذي لحق بالمسلمين منذ عدة قرون ولا نزال نعاني منه حتى الآن، يرجع قسم كبير منه إلى قصر النظر وضيق الأفق الذي أفرزه التقليد والتعصب المذهبي، فقد ابتدأت أوائل مظاهر هذا الضيق، في القرنين الثالث والرابع الهجري - والحضارة العربية الإسلامية في أوج ازدهارها - عندما بدأ الصراع والتنافس بين التيارين الفكريين الرئيسيين "أهل الأثر" و"أهل الرأي" ولجوء "أهل الأثر" والمتمثل في تيار السلف وأصحاب الحديث إلى تنفير الناس من علوم الرأي وخاصة علم الكلام، والتشديد في الأنكار على من يتعلمه أو ينظر فيه (١). وتلى ذلك في مرحلة لاحقة، وهي مرحلة تبلور الفرق والمذاهب الإسلامية واشتداد الصراع فيما بينها وادعاء كل فرقة بأن رأيها أو اجتهادها _________ (١) راجع هامش (١) ص ١٩٧ فيما يأتي من هذا الكتاب.

стр. 49

هو الصواب، وأنها هي الفرقة الناجية، بأن قامت كل فرقة بحثّ أو إلزام أتباعها على الاقتصار على دراسة كتب الفرقة نفسها وتنفيرهم عن الاطلاع على أي من كتب أو أراء الفرق الأخرى المنافسة أو المخالفة لها، التي تصفها بالإبتداع والضلال. كما شهدت مرحلة التراجع الحضاري بعد غلق باب الاجتهاد وتوقف الإبداع، تصاعد الدعوات المنفرة من العلوم غير الشرعية، وحث الناس على الاقتصار على علوم الشرع دون غيرها، وكان شعارهم في تلك المرحلة: العلم قال الله قال رسوله … وما عداهما فوسواس الشياطين" فقد كان لهذه الأفكار والنظرة الضيقة آثارها السيئة في تشكيل وعي واتجاهات الأجيال اللاحقة، وفي التهيئة للكسل العقلي والجمود الفكري. فالمعروف أنه بعد إغلاق باب الاجتهاد ورسوخ التقليد المذهبي لم تعد مهمة العلماء والمفكرين مقتصرة على الاهتمام بالقرآن والسنة، واستنباط الأحكام منهما، كما يفترض من تلك الإدعاءات، بل انشغل المتعلمون بحفظ المتون والمختصرات والشروح التي ألفها فقهاء مذاهبهم، واقتصرت مهمة القادرين على التأليف على اجترار ومحاكاة أسلافهم، إما على اختصار تلك المطولات، أو شرح المختصرات ووضع الحواشي على تلك الشروح … إلخ، حتى نسي الناس - كما يقول عبد الواحد المراكشي (١) - النظر في _________ (١) قال عبد الواحد المراكشي (ت ٦٤٧ هـ) عن علي بن يوسف بن تاشفين (ت ٥٣٧ هـ) ثاني ملوك دولة المرابطين بالمغرب الذي فرض المذهب المالكي أثناء حكمه: ولم يكن يقرب من أمير المسلمين ويحظى عنده إلّا من علم الفروع، أعني فرع مذهب مالك، فنفقت في ذلك الزمان كتب المذهب، وعمل بمقتضاها ونبذ ما سواها وكثر ذلك حتى نُسي النظر في كتاب الله وحديث رسول الله ﷺ فلم يكن أحد من مشاهير أهل ذلك الزمان يعنى بهما كل الاعتناء، ودان أهل ذلك الزمان بتكفير كل من ظهر منه الخوض في علم الكلام … " المعجب في تلخيص أخبار المغرب، =

стр. 50

الكتاب والسنة وتعذر عليهم فهمهما واستنباط الأحكام منهما، وأصبحت القراءة فيهما على سبيل التعبد والتبرُّك فقط (ص ١٣٣ - ١٣٤). رابعًا: دعوة الشوكاني لإعادة النظر في القواعد الأصولية: وقد دعم المؤلف حلوله ومقترحاته بالدعوة إلى إعادة النظر في المناهج والقواعد الأصولية (أصول الفقه) باعتبارها الأداة أو المنهج الرئيسي للاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية، وقد أشرنا فيما سبق إلى بداية نشأة وتطور هذه المناهج وأنها قد استمرت في النمو والتطور خلال العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، لتلائم وتستوعب المتغيرات والمستجدات الناجمة عن تطور حياة المسليمن وتنوع بيئاتهم ومشكلاتهم .. وكان من المفروض أن يستمر نموها واتساعها لتواكب أي تغيير إلا أنها تجمدت مع توقف حركة الاجتهاد، وأصبحت بالتالي غير قادرة على مسايرة تطورات الحياة فكان لزامًا إذا ما أريد فتح باب الاجتهاد من جديد أن يعاد النظر في تلك المناهج من جديد، وهو ما حاول الشوكاني فعله، فإنه لم يكتف فقط بالدعوة للاجتهاد وإنما سعى كذلك، لإصلاح قواعد ومناهج الاجتهاد نفسها أو على الأقل حاول أن يخطو، الخطوات الأولى في هذا السبيل: فقد شكّك الشوكاني، أو أنكر حجية بعض القواعد الأصولية، كالإجماع والقياس والاستحسان، (ص ٢٤٦ - ٢٥٢)، واعتبارها قيدًا على حرية الاجتهاد أو وسيلة للتعمية لا الاكتشاف. وأنكر كذلك إسراف الفقهاء في استخدام "المجاز" لأنه أصبح - من وجهة نظره - عند المقلدين والمتعصبين للمذاهب من الوسائل التي يقومون عن طريقها برد أدلة الكتاب _________ = تحقيق محمد سعيد العريان، القاهرة: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية (١٩٦٣) ص ٢٣٦ - ٢٣٧). (١) انظر كذلك: القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد ص ٢٨ - ٣٠.

стр. 51

والسنة، إذا تعارضت مع مذاهبهم، بدعوى أن تلك النصوص "مجازية"، ونبَّه طلابه إلى أهمية التعرف على "الحيل الفقهية" وضرورة اجتنابها إذ أن كثيرًا من الفقهاء قد توسعوا فيها واتخذوا منها أداة للتحلل من بعض التكاليف الشرعية (٢٣٧ وما بعدها). وفي مقابل ذلك كرر المؤلف التأكيد على سهولة ويسر الاجتهاد من خلال قواعد أكثر وضوحًا ومرونة، ومقدرة على استيعاب كل القضايا والمصالح المتجددة مثل مقاصد الشريعة لأن بناء الشريعة إنما هو على أساس جلب المصالح ودفع المفاسد (ص ٢٢٩ - ٢٣٤). ولأن الشريعة الإسلامية، نظرًا لخلودها واستمراريتها وصلاحيتها لكل زمان ومكان قد ركزت على المبادئ العامة، واتخذت من بيانها للأحكام المنهج "الكلي" لا "التفصيلي" أو الجزئي، وتركت مهمة التفاصيل المتغيرة بتغير الزمان والمكان لجهود العلماء والمجتهدين. ولهذا دعا الشوكاني إلى استخلاص تلك المبادئ العامة والقواعد الكلية، والتي يمكن من خلالها وباستخدام قواعد "الاستدلال" معالجة ووضع الحلول للكثير من الوقائع والمستجدات (الجزئيات). * * * وقبل أن نختم هذه الدراسة نحب أن نوضح بعض القضايا التي وردت في كتاب الشوكاني هذا (أدب الطلب) ومنها: أولًا: علاقة الشوكاني بالزيدية وموقفه منها: سيلاحظ القارئ في ثنايا هذا الكتاب نقد الشوكاني لمقلدي الزيدية وذمهم، بل وتهجُّمه الشديد عليهم، ونبزهم بـ "الروافض"، وقد يتبادر إلى ذهن البعض - وخاصة غير المطلع منهم على تراث الشوكاني - أن هذا النقد موجَّه للزيدية وللمذهب الزيدي بشكل عام وهذا غير صحيح، فالفئة التي

стр. 52

يقصدها المؤلف بنقده في هذا الكتاب، إنما هي مجموعة من أدعياء العلم ظهرت في عصر الشوكاني وفي بعض المراحل السابقة لعصره، وسلكت طريقًا مغايرًا لمنهج الزيدية (سنشير إلى بعض خصائص الزيدية بعد قليل) وحاولت فرض التقليد، وإشاعة الغلو في التشيع، واتخذت من التعصب والإرهاب سلاحًا ضد كل من يخالفها في الرأي أو في هذا النهج. أما موقف الشوكاني الحقيقي من الزيدية وعلاقته بها، فهو وإن كنا لا نميل إلى تصنيف الشوكاني ضمن أي مذهب فقهي أو كلامي (أصولي)، إلا أننا نود التأكيد على أمرين: الأول: إن أقرب تصنيف للشوكاني - من وجهة نظرنا - أنه مجتهد متحرر من أي نزعة مذهبية، فالإسلام هو المذهب الذي ينتمي إليه، ويستقي معارفه وآراءه من ينابيعه الأولى (الكتاب والسنة) بعيدًا عن أي تعصب مسبق لأي مذهب من المذاهب ولا ضده. الثاني: إن الشوكاني، ظل الابن البار والوفي للزيدية التي أنجبته واكتسب منها عقلانيته ونضجه الفكري، وإيمانه بحرية الرأي والاجتهاد، حتى وصل إلى ما وصل إليه. ولهذا حرص المؤلف على المحافظة على أصالة المذهب الزيدي، واستمراره في صورته الناصعة والبعيدة عن مظاهر التقليد والتعصب، والاهتمام بإزالة كل ما علق به من الشوائب في رحلته الطويلة خلال تعاقب القرون والأجيال، ولا أدلّ على تقدير الشوكاني للمذهب الزيدي واهتمامه به، من قيامه بشرح الكتب الرئيسية للمذهب كالأزهار وشفاء الأوام، أو الدفاع عن وجهة نظر المذهب في مسألة الصحابة في كتابه "إرشاد الغبي" كما أنه لا يخلو أي كتاب من كتبه من الإشادة بالمذهب وأئمته ومجتهديه،

стр. 53

وقد خصص كتابه "البدر الطالع" لتراجم هؤلاء المجتهدين والأئمة، والدفاع عنهم، لأنهم لم ينالوا أي عناية أو اهتمام من علماء المذاهب الأخرى خارج اليمن بسبب نظرة أولئك العلماء الغير صحيحة عن المذهب الزيدي وعلمائه التي تقوم على التقليد كما يقول الشوكاني: "ولا ريب إن علماء الطوائف لا يكثرون العناية بأهل هذه الديار لاعتقادهم في الزيدية ما لا مقتضى له إلا مجرد التقليد لمن لم يطلع على الأحوال، فإن في ديارنا الزيدية من أئمة الكتاب والسنة عدد يجاوز الوصف يتقيدون بالعمل بنصوص الأدلة، ويعتمدون على ما صح من الأمهات الحديثية وما يلتحق بها من دواوين الإسلام المشتملة على سنة سيد الأنام ولا يرفعون إلى التقليد رأسًا، لا يشوبون دينهم بشيء من البدع التي لا يخلو أهل مذهب من المذاهب من شيء منها، بل هم على نمط السلف الصالح من العمل بما يدل عليه كتاب الله وما صح من سنة رسول الله … ولو لم يكن لهم من المزية إلّا التقيد بنصوص الكتاب والسنة وطرح التقليد فإن هذه خصيصة خص الله بها أهل هذه الديار في هذه الأزمنة الأخيرة ولا توجد في غيرهم إلّا نادرًا … " (١). ولهذا فإن نقد الشوكاني لتلك الفئة من الزيدية لم يأت من موقع معاد للزيدية، وإنما من موقف زيدي بحت، لأن الزيدية التي اتسمت بالعقلانية، وبفتحها الطريق واسعًا أمام العقل كأداة للتفكير والاختيار لا للتسليم والقبول، وتشجيعها للاجتهاد، قد طبع فكرها بالمرونة والتفتح، واتساع الأفق والبراءة من التعصب، وفي المقابل، فقد اتسمت كذلك برفض التقليد وانتقاص المقلدين والأزراء بكل عالم لا يضيف جديدًا (٢). وأيضًا فقد تميز _________ (١) البدر الطالع ٢/ ٨٣ وانظر أيضًا: قطر الولي على حديث الولي للشوكاني ص ٣٣٩؛ أدب الطلب ص ١٥٦. (٢) د. عبد العزيز المقالح/ قراءة في فكر الزيدية والمعتزلة ص ٢٢، ٣٠.

стр. 54

فكر الزيدية ومنهجها بالاعتدال والتوسط، والابتعاد عن الغلو والتفريط في كل القضايا الفكرية، سواء في الأصول أو الفروع، ومن تلك القضايا مسألة التشيع، وهذا ما ميَّز الزيدية عن معظم فرق الشيعة (الغالية)، بالرغم من التقائها مع تلك الفرق على تفضيل الإمام علي على بقية الصحابة، وجعل مسألة "الإمامة" من مسائل الأصول، وحصرها في أبناء الإمام علي (من فاطمة) إلّا أنهم يختلفون عنهم في مسائل كثيرة من أهمها: نفيهم لعصمة الأئمة، والحلولية والعلم اللدني، وينكرون الرجعة .. إلخ. وهذا أبعدهم عن تقديس وتأليه أئمة أهل البيت، كما إن عدم ذهابهم إلى القول بالنص "الجلي" على إمامة الإمام علي، وإقرارهم بإمامة المفضول مع وجود الفاضل، جعلهم يعترفون بشرعية الخلفاء الثلاثة السابقين للإمام علي. وجنَّبهم الخوض في تكفير الصحابة الذين خالفوا عليًا، أو قدموا عليه الثلاثة. ومن هنا فإن أي تجاوز لذلك النهج الذي يُميز الزيدية (العقلانية، الاعتدال، وحرية الاجتهاد والفكر، ونبذ التقليد) والميل إلى التقليد أو التعصب أو الغلو في التشيع، إنما هو خروج عن الزيدية نفسها وأي فرد أو جماعة تتجاوز هذا النهج، قد يطلق عليها صفة أو لقب التيار الفكري الذي تميل إليه (١). وكان حدوث مثل هذا الأمر (التقليد أو الغلو في التشيع) إنما هو بمثابة أمر طارئ على الفكر الزيدي، وكان محل نقد واستهجان من كافة العلماء والمجتهدين في اليمن ومنهم الشوكاني، وغالبًا ما كان ظهور مثل تلك الحالات، وفي فترات متقطعة من تاريخ الفكر الزيدي، مرتبطًا بأحد العاملين التاليين (أو كليهما): _________ (١) يطلق الزيدية عادة على أي شخص يجنح إلى الغلو في التشيع لقب "رافضي" أو "جارودي" نسبة إلى أبي الجارود (ت بعد ١٥٠ هـ) الذي تنسب إليه إحدى فرق الزيدية القديمة، وكان من غلاة أهل الكوفة ابتعد كثيرًا عن منهج الإمام زيد فأصبح قريبًا من فرقة الإمامية الأثنى عشرية.

стр. 55

- قد يحدث التقليد والتعصب لنتيجة أو انعكاس لتردي الأوضاع السياسية وخاصة عندما تنحرف السلطة السياسية عن قواعد ومبادئ الزيدية في الحكم، القائم على إشاعة العدل واحترام الحريات ومقاومة الظلم والاستبداد، فتجنح تلك السلطة إلى الطّغيان والاستبداد، فينعكس ذلك على البنى الاجتماعية والفكرية، ويصيبها بالتشوه، ويغلب عليها التقليد والتعصب وضيق الأفق والاستبداد بالرأي، لأن الفكر لا يمكن له أن يزدهر أو ينمو نموًا صحيحًا خاليًا من التشوهات والانحرافات الفكرية، إلّا في ظل مناخات وأنظمة سياسية توفر العدل وترعى الحريات ولا تضيق بالمعارضة أو النقد. - كما إن ظهور التطرف والمغالات في التشيع قد لا يخلو من تأثير خارجي، إذ كان يفد إلى اليمن بعض الأفراد أو الجماعات من فارس (إيران) إما لغرض السياحة أو العمل والتجارة ويعمدون أثناء إقامتهم باليمن إلى بث ونشر مذهبهم "الإمامي" في أوساط العامة ومن أبرز أولئك الأشخاص وأكثرهم تأثيرًا: يوسف العجمي، الذي قدم إلى اليمن عام ١١٦٠ هـ، وقد تمكن من الاتصال بالإمام المنصور، الحسين بن القاسم (حكم اليمن من سنة ١١٣٩ - ١١٦١ هـ) فأعجب به المنصور وحظي عنده، وبالغ في إكرامه وتعظيمه وكلفه بالتدريس في فضائل الإمام علي بالجامع الكبير بصنعاء، وقراءة شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد في مجلس المنصور، بحضور العلماء، أمّا الدرس الذي كان يلقيه في الجامع الكبير بين العشائين، فقد كان يتم في جو من المهابة، إذ أمر المنصور أن ينصب له كرسي في المسجد، وأن تسرج الشموع الكثيرة بين يديه (١)، وكلَّف الشَّوش من أهل الدولة _________ (١) يلاحظ أن عادة نصب الكرسي وإسراج الشموع لكل من يدرس في فضائل الإمام علي، قد استمرت حتى بعد رحيل هذا الشخص عن اليمن، راجع ص ١٠٢، ١٥٢ من هذا الكتاب.

стр. 56

بمرافقته، فاستغل يوسف، مكانته لدى المنصور وحب اليمنية للإمام علي وأهل البيت، لنشر مذهبه في التشيع في أوساط العامة وخاصة في دروسه التي يلقيها بالجامع تدريجيًا حتى لم يبق مذهب من مذاهب العجم - كما يقول زبارة - إلّا دسه في ذلك، فعظم الخطب حتى وصل الأمر إلى سب كبار الصحابة، واستمر على ذلك إلى أن طرد من اليمن عام ١١٦٦ هـ، عندما طرده المهدي عباس بن الحسين (حكم من سنة ١١٦١ هـ - ١١٨٩ هـ)، بعدما تبين له مسؤوليته عن إثارة الفتنة وتهييج العامة ضد العالم الكبير محمد إسماعيل الأمير التي استهدفت قتله، بتهمة النصب ومعاداة أهل البيت (١). ثانيًا: أما المسألة الثانية التي نريد التنبيه عليها في ما يتعلق ببعض الهفوات التي وقع فيها الإمام الشوكاني في هذا الكتاب: بما أنه لا عصمة لأحد من البشر سوى الأنبياء، فإن أي إنسان يظل عرضة للخطأ مهما بلغ حظه من الكمال والعلم، وهذا من أعظم العبر، وقد تكون تلك الأخطاء التي يقع فيها العلماء، هي في الأمور التي لا يجهلون خطأها، وقد يسبق لهم أن نبهوا الأخرين - سلفًا - إلى عدم الانزلاق إليها، وهذا ما حصل بالفعل لكبار أعلام الفكر الإسلامي، وخاصة المكثرين منهم في التصنيف، كابن حزم الأندلسي، وأبو حامد الغزالي وأبو الفرج بن الجوزي وابن تيمية والسيوطي .. إلخ. ونفس الشيء حصل للشوكاني. وإن كانت أخطاؤه أقل ممَّن ذكرناهم بسبب منهجه العلمي وبعده عن أي تعصب مذهبي - فإنا نلاحظ عليه، أنه قد يبتعد قليلًا عن المنهج العلمي الذي _________ (١) راجع بالتفصيل ترجمة، يوسف العجمي في: زبارة/ نشر العرف ٣/ ٤٠٠ - ٤٠٣، كما أشار إليه الشوكاني في ترجمة محمد بن إسماعيل الأمير، انظر البدر الطالع ٢/ ١٣٤.

стр. 57

رسمه للباحثين في هذا الكتاب، فيقع في الأخطاء التي حذَّرهم من الوقوع فيها، فإما أن يقع في التقليد دون أن يشعر، أو ينساق وراء عواطفه وانفعالاته، فتأتي آراءه أو أحكامه، بعيدة عن الإنصاف والموضوعية، وسنعرض هنا لمسألتين وقع منه الخطأ فيهما: ١ - مطالبته بإنزال عقوبة الإعدام على بعض المقلدين، بتهمة الكفر والزندقة: لاحظنا فيما سبق، وجود بعض المقلدة في أوساط الزيدية، ونقد الشوكاني العنيف لهم، ولكن البعض من هؤلاء المقلدة - كما يفهم من كلام الشوكاني - قد أدى بهم الإفراط في التقليد والغلو في التشيع إلى تجاوز الحد في التطرف والتعصب لوجهة نظرهم، فأصبحوا لا يتورعون، أثناء دفاعهم. عن وجهة نظرهم تلك، في أبحاثهم أو مناقشاتهم عن التطاول على كبار الصحابة، والعلماء الذين يخالفون وجهة نظرهم وسبَّهم وسلب أعراضهم، بل وصل بهم الأمر كما يقول الشوكاني إلى التهاون بالشريعة والتلاعب بالدين والطعن علي الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، فضلًا عن غيرهم من المتمسكين بالشرع، وكل عارف إذا سمع كلامهم وتدبر أبحاثهم يتضوع له منها روائح الزندقة بل قد يقف منها على صريح الكفر … " (ص ٢١٠). ولذلك طالب الشوكاني بتطبيق حكم الأعدام ضد هؤلاء بتهمة الكفر والزندقة. مستدلًا بأحكام القضاة (في غير اليمن) ضد أمثال هؤلاء وناعيًا على اليمنيين عدم تطبيق مثل هذه الأحكام: ولقد كان القضاة من أهل المذاهب في البلاد الشامية والمصرية والرومية (أي العثمانية) .. يحكمون بإراقة دم من ظهر منه دون ما يظهر من هؤلاء حسبما تحكيه كتب التاريخ، وقد أصابوا أصاب الله بهم" (ص ٢١٠ - ٢١١). ولكن من حسن حظ اليمن واليمنيين، وحظ الشوكاني أيضًا، أن هذه الفكرة لم تصل إلى مرحلة التطبيق العملي لأن الظروف لم تكن مهيئة لذلك

стр. 58

(راجع ص ٢١١ - ٢١٢) وإلا لما كان هناك أي فارق بين عمله وعمل محمد بن عبد الوهاب الذي يستنكره الشوكاني (١). ولذلك آثر التريث عن تبني إخراج تلك الفكرة إلى حيز التنفيذ العملي، حتى تحين الظروف المناسبة مع إصراره على التمسك بصواب فكرته والتحسر على عدم تنفيذها، فيقول: "وبعد فإني أرجو الله أن يمكن منهم فتجرى عليهم الأحكام الشرعية وينفذ فيهم ما يقتضيه مُرَّ الحق ونص الدليل، وقد علم الله أني أجد من الحَسْرة والتلهف ما لا يقادر قدره ولا يمكن التعبير عنه لأنه ليس بتغاض عن مبتدع ولا بمجرد سكوت عن انتهاك حرمة من حرمات الشرع، بل هو سكوت عن الكفر .. " (ص) (٢١١). ويضيف: "فبهذه الأسباب علمت أن قيامي عليهم لا يجدي إلّا ثوران فتنة وظهور محنة، .. اللهم إني اشهدك وأنت خير الشاهدين، أني أول حاكم بسفك دم من صدر منه ذلك، وأول مُفتٍ بقتل من فعل شيئًا منه أو قال به عند أول بارقة من بوارق العدل .. " (ص ٢١٢). فنحن نجد أن أقواله هذه التي "لا تخلو من الشطط وحِدَّه العاطفة" كما يقول الدكتور: إبراهيم رفيدة (٢) قد جاءت مخالفة لدعوته في هذا الكتاب للعلماء لاستعمال الرفق، والتلطف عند قيامهم بمهمة الإصلاح والتغيير، _________ (١) انظر قصيدته التي يستنكر فيها أعمال صاحب نجد على تكفيره للناس وسفك دمائهم والتي مطلعها: إلى الدرعية القرآء تسري … فتخبرها بما فعل الجنود في: التقصار للشجني ص ١٨٠ - ١٨٢. (٢) د. إبراهيم عبد الله رفيدة، الإمام محمد بن علي الشوكاني العالم المجتهد المفسر، مجلة "دراسات يمنية" العدد (٤٠) صيف ١٩٩٠ ص ٣٤٤.

стр. 59

واعتماد أسلوب الحوار والإقناع في التعامل مع المخالفين والمتعصبين، وأن يتعاملوا مع الناس على قدر عقولهم واستعداداتهم وينصحهم بألّا يتسرب اليأس إلى نفوسهم، وينصحهم بالتحلي بالصبر فلا بدّ أن يعثروا على الوسيلة المناسبة لنشر العلم وتغيير الأفكار والعادات البعيدة أو المخالفة للإسلام، وأن أقل شيء يستطيع العالم أن يفعله مع أشد الناس تعصبًا، أن يقلل من درجة تعصبه، إذا لم يتمكن من إصلاحه (انظر ص ١٦٠ - ١٦٥، ١١٣ - ١٢١). كما أن رأيه هذا جاء متعارضًا كذلك مع آرائه في مسألة تكفير الخصوم والمخالفين من أهل القبلة التي ضمنها معظم كتبه وأوضح فيها مخاطر التكفير، وآثاره السلبية على الفرد والمجتمع وعلى الإسلام (١). ونجد أن مواقف الشوكاني تجاه هؤلاء المقلدين وأسباب حدّته عليهم، متشابه إلى حد كبير، مع ظروف ومواقف ابن حزم الأندلسي تجاه هذه الفئة، إذ يعلل الأستاذ: المكي إقلايينه لمواقف ابن حزم تجاه المقلدين ونقده العنيف لهم ترجع إلى كراهيته للتقليد - فالتقليد غير مقبول عنده - أما السبب المباشر، فيرجع إلى تهجمهم عليه وكيدهم له (٢). وكذلك الشوكاني، فهو بالإضافة إلى تحريمه للتقليد، ونقده للمقلدة، _________ (١) انظر عن تراجع الشوكاني عن تكفير المتصوفة: البدر الطالع ٢/ ٣٧، عن آرائه في خطورة التكفير راجع: وبل الغمام في شفاء الأوام (مخطوط) ص ٣٩ - ٤٠، الصوارم الحداد (مخطوط) ص ١٥٣؛ قصيدته التي سبق الإشارة إليها في: التقصار ص ١٨٠ - ١٨٢ وفي بعض رسائله مثل: كلام على حديث بني الإسلام على خمس (مخطوط)؛ بحث في الصلاة على المديون (مخطوط)؛ السيل الجرار ٤/ ٥٧٨، إرشاد الفحول ص ٢٦٠. (٢) انظر المكي إقلايينة، ابن حزم الأندلسي وأثره في الدراسات الحديثية ١/ ٦٩ - ٨٢ نقلًا عن: النظم التعليمة عند المحدثين في القرون الثلاثة الأولى (لنفس الباحث)، قطر: (سلسلة كتاب الأمة رقم ٣٤) (رجب ١٤١٣ هـ) ص ١٢٧ (هامش).

стр. 60

قد تعرض للمضايقة والأذى من هؤلاء المقلدين وكتابه هذا (أدب الطلب) طافح بالمرارة والشكوى منهم ومما ألحقوه به من ألوان العنت والأذى. ولهذا جاء موقفه الأخير (اتهامهم بالكفر والزندقة) أقرب ما يكون إلى العاطفة وردود الفعل منه إلى الحياد والموضوعية فانسياقه وراء هذه العواطف والانفعالات، جعلته يبتعد عن منهجه ومواقفه السابقة من التكفير - كما أشرنا - ودفعته إلى تصويب أحكام الإعدام التي أصدرها القضاة خارج اليمن ضد المخالفين في الرأي، وقبوله لها دون أن يخضعها للتمحيص والنقد إذ لو فعل ذلك ودرس حالة المحكوم عليهم بتلك الأحكام لتبين له أن الدوافع الحقيقية لإعدام معظم من اتهم بالزندقة، ابتداء من إعدام الجعد بن درهم، وغيلان الدمشقي مرورًا بابن المقفع وأحمد بن نصر الخراعي .. وحتى عصر المؤلف كانت دوافعها سياسية أكثر منها دينية (١). ٢ - أما الخطأ الثاني الذي وقع فيه الشوكاني في هذا الكتاب، فمتعلق بالشروط أو المواصفات الأساسية التي ينبغي توفرها في طالب العلم: يرى الشوكاني أن الشرط الأساسي في المتعلم أن يكون من ذوي _________ (١) توصل سلف الشوكاني العلامة محمد بن إسماعيل الأمير (ت ١١٨٢ هـ) إلى جانب من هذه النتيجة في ردّه على محمد بن عبد الوهاب، الذي اتخذ من حادثه قتل خالد القسري للجعد بن درهم دليلًا على مسلكه في قتل المخالفين لدعوته، واعتبر سكوت بقية الصحابة والتابعين على هذه الحادثة إجماعًا منهم على قتل صاحب البدعة .. إلخ فيقول ابن الأمير عن الصراع الدائر بين عبد الملك بن مروان، وابن الزبير والمختار بن عبيد إن هؤلاء أقوام طلاب ملك ودنيا لا يستدل بأفعالهم عاقل .. بل هؤلاء أقوام يسفكون الدماء بطلب الملك فأفعالهم دولية لا دليلية (أي سياسية لا دينية) وقتل الجعد بن درهم عمل من أعمال الطغيان والاستبداد لم يستشر قاتله أحدًا من العلماء .. فكيف يُدعى الإجماع على قتله. انظر: محمد بن إسماعيل الأمير/ النشر الندي بحقيقة محمد بن عبد الوهاب النجدي، ضمن مجموع رسائل ابن الأمير (مخطوط) ق ٢٥ وما بعدها.

стр. 61

"الحسب والنسب" فيقول: فإن قلت: وما هذه الأهلية التي يكون صاحبها محلًا لوضع العلم فيه وتعليمه أياه؟ قلت: هي شرف المَحْتَد وكرم النَّجَار وظهور الحسب أو كون في سلف الطالب من له تعلق بالعلم والصلاح ومعالي الأمور ورفيع الرتب … " (ص ٢١٣). فهذه الطبقة الاجتماعية هي التي يراها أهلًا للعلم، أما غيرها من فئات وطبقات المجتمع وخاصة تلك التي تزاول الأعمال والمهن الإنتاجية أو الحرف والأعمال اليدوية فلا يراهم أهلًا لتلقي العلم … بل ويوصي بإبعادهم وطردهم من مجالس العلم … وإلزامهم بممارسة مهن آبائهم لأن تعليمهم إنما هو بمثابة وضع العلم في غير أهله (ص ٢١٩). ويؤكد رأيه بأن هذه الفئات لا تصلح للعلم نهائيًا وإن وجد منهم أفراد قلائل فإنما يعود ذلك إلى النسب الرفيع الذي قد يكون غير معلوم في سلفهم "ومن أنكر هذا فعليه بالاستقراء والتتبع فإنه سيجد ما وجدناه ويقف على ما حكيناه ولا يخرج من هؤلاء إلّا النادر القليل، ولا يكون ذلك إلّا لعرق ينزعه إلى الشرف ويجذبه إلى الخير في سلفه القديم وإن جهله من لم يعرف .. " (ص ٢١٥). فهذه النظرة والحكم الجائر من الشوكاني ﵀ لا تتعارض مع منهجه وآرائه في معظم كتبه (١). ولا مع إنصافه وتسامحه فحسب، ولكنها تتعارض مع جوهر الدين الإسلامي الذي يرفض التمييز بين اتباعه، بل يرفض التمييز بين البشر فكلهم لآدم وآدم من تراب، والأكرم عند الله هو الأتقى (٢). _________ (١) يصور موقف الشوكاني في هذه المسألة، وكأنه قد تراجع عن موقفه السابق الذي أعلنه عام ١٢١٦ هـ أي قبل تأليف هذا الكتاب بسبع سنوات عندما دعا إلى نشر وتعميم التعليم في جميع القرى والمدن اليمنية، كما جاء في رسالته: الدواء العاجل في دفع العدو الصائل، ضمن الرسائل السلفية القاهرة: (١٩٣٠ م) ص ٣٥. (٢) عبد العزيز المقالح / قراءة في فكر الزيدية والمعتزلة ص ٢٤٢.

стр. 62

وهذه الهفوة من المؤلف، يمكن إرجاعها - كسابقتها - إلى التقليد والانسياق وراء العواطف .. فموقف الشوكاني من هذه الفئة الاجتماعية ونظرته إليها مستمدة من النظرة الاجتماعية السائدة في عصره: إذ كانت النظرة الاجتماعية آنذاك - وما تزال بعض رواسبها قائمة حتى الآن - إلى أصحاب الحرف والمهن اليدوية والإنتاجية، نظرة دونية، ويتم تصنيفهم ضمن الطبقات والفئات الدنيا في المجتمع، وكانت التقاليد الاجتماعية، تقضي بوجوب توارث الأبناء لتلك الحرف عن الآباء كما يرثون عنهم نفس الوضع والمكانة الاجتماعية. ويبدو أن اشتراك بعض المتعلمين من هذه الفئة الاجتماعية في الحملات المتكررة التي شنها عليه المقلدون والمتعصبون، قد أسهم في تعزيز وجهة نظر المؤلف السيئة نحو هذه الفئة. وإثبات خطأ وجهة نظر المؤلف في هذه المسألة لا يحتاج إلى المزيد من الأدلة، فقد بيّن الشوكاني نفسه في ثنايا هذا الكتاب، عدم التلازم بين العملية التعليمية والوضع الاجتماعي للمتعلم، كما وضح كذلك العوامل المؤثرة في التعليم: فهو يرى أن المعارف ليست حكرًا على طبقة أو فئة من الناس مهما علت منزلتها، ولا يقتصر فهمها واستيعابها على أبناء جيل دون جيل، بل هي متاحة لكل من أقبل عليها فلا مدخل في العلم لعصبية ولا مجال عنده لحمية (انظر ص ٨٤، ١٦٤) كما أكّد على أن الاختلاف بين الناس في مدى استفادتهم من العلم والتعليم إنما يرجع إلى اختلافهم في القدرات والميول والمواهب والاستعدادات الفطرية (الذكاء) وليس بحسب اختلاف أنسابهم: "ويختلف الانتفاع بالعلوم، باختلاف القرايح والفهوم فقد ينتفع من هو كامل الذكاء

стр. 63

صادق الفهم سوي الإدراك بالقليل، ما لا يقدر على الانتفاع بما هو أكثر منه كثير من جامدي الفهم وراكدي الفطنة ص (٢٢٢). ويتأثر مستوى التحصيل العلمي كذلك باختلاف الرغبات والدوافع والجهد (الهمم) واختلاف الأهداف المتوخاة من وراء العملية التعليمية: "إنه لما كانت تتفاوت المطالب في هذا الشأن (أي شأن طلب العلم) وتتباين المقاصد بتفاوت همم الطالبين وأغراض القاصدين، فقد ترتفع همة البعض منهم فيقصد البلوغ إلى مرتبة في الطلب لعلم الشرع، ومقدماته يكون عند تحصيلها إمامًا مرجوعًا إليه .. وقد تقصر همته عن هذه الغاية فيكون غاية مقصده أن يعرف ما طلب منه الشرع .. " (ص ١٧٩ - ١٨٠). فالعملية التعليمية تتوقف على الدوافع التي تدفع إليها، فالذي لديه رغبة في التعليم يتعلم أسرع من المجبر عليه، ويلاحظ أن قوة الدوافع للعلم عند أبناء الطبقات الفقيرة أو الدنيا في المجتمع بشكل يفوق مثيله، عند أبناء الطبقات العليا أو المترفة في نفس المجتمع، ويدل على ذلك كثرة العلماء الذين برزوا من أبناء الفقراء، أو أبناء الطبقات المضطهدة (كالموالي مثلًا)، لأن الطالب المنتمي إلى هذه الفئة يحاول أن يكمل بالعلم ما بدا فيه من نقص، ويعوض به ما فقده من الجاه أو الحسب، أما بعض الطلاب الذين ينتمون إلى فئة أرقى من هذه الفئة، فقد يقتصر هدفهم من التعليم على المحافظة على الوضع الاجتماعي أو الوظيفي لسلفه، وفي ذلك يقول الشوكاني عن فئة من الطلاب من أبناء الأسر العريقة في النسب الذين تقتصر دوافعهم على "إدراك منصب من منصاب أسلافهم ونيل رئاسة من الرئاسات التي كانت لهم كما نشاهده في أغلب البيوتات المعمورة بالقضاء، أو الإفتاء الخطابة أو الكتابة". فهذا الطالب "يكون ذهنه كليلًا وفهمه عليلًا ونفسه

стр. 64

خائرة ونيته خاسرة بل غاية تصوره ومعظم فكرته في اقتناص المنصب والوصول إليه … " ص (٢١٦ - ٢١٧). * * * يبدو أننا قد أسهبنا في تناول هذه الأخطاء أو الهفوات - القليلة - الواردة في هذا الكتاب، وليس ذلك منا إلا من قبيل الوفاء للشوكاني، ولمنهجه العلمي الذي رسمه للباحثين في كتابه هذا، والذي من أهم مقتضياته إعمال العقل وطرح التقليد، والتخلص من هالة القداسة نحو الأشخاص والأفكار. وبالرغم من وجود مثل هذه الهفوات أو الزلّات في هذا الكتاب، والتي نتمنى - كما تمنى قبلنا الدكتور عبد العزيز المقالح - لو خلى الكتاب منها (١) إلا أن ذلك لا يقلل من شأن الكتاب أو أهميته، بل ربما كان وجودها أكثر فائدة وأبلغ أثرًا لتقدم الدليل والعبرة، من خلال الشوكاني نفسه، على مساوئ التقليد والابتعاد عن قواعد المنهج العلمي. _________ (١) عبد العزيز المقالح/ قراءة في فكر الزيدية والمعتزلة ص ٢١٧، ٢٤١ - ٢٤٢.

стр. 65

مخطوطة الكتاب ومنهج التحقيق اعتمدنا في إعادة تحقيق هذا الكتاب على مخطوطتين: الأولى: المخطوطة الأصلية للكتاب وهي بخط الشوكاني نفسه، وهي عبارة عن جزء من مجموع يضم بالإضافة إلى هذا الكتاب "أدب الطلب" عدة رسائل وأبحاث أخرى للشوكاني، بقلمه، ومن وقفه على طلبة العلم بمكتبة الجامع الكبير بصنعاء، (مكتبة الأوقاف ورقم تصينفها حاليًا بالمكتبة (٤٢٨) يقع هذا الكتاب في ٣٥ ورقة (قطع كبير) مقاس ٣٣ × ٢٣ سنتم الأوراق من رقم (٧٩ - ١١٤) من هذا المجموع، متوسط سطور كل صفحة ٤٢ سطر، ومتوسط عدد الكلمات في كل سطر ١٥ كلمة. ويبدو أن هذه النسخة هي المسودة الأولى للمؤلف لأن بها كثير من الشطب والإضافات في الحواشي، وهي كذلك غير مقسمة أو مبوبة، كما إن موضوعات الكتاب فيها بعض التداخل والتكرار أو الاستدراكات، وكان من المفروض أن يعيد المؤلف ترتيب وصياغة تلك الموضوعات عند تبييض الكتاب. وخط الشوكاني جيد يمكن قراءته، وإن كان في بعضه خاليًا من النقط، والأخطاء الإملائية قليلة، كون الإمام الشوكاني حجة في اللغة والنحو، فيما عدا بعض الحروف التي سقطت من المؤلف نتيجة السرعة في الكتابة راجع ما ذكرناه عن قدرة المؤلف على التصنيف وسرعته في الكتابة ص ٣٣) أو إحلال الألف

стр. 66

المقصورة مكان الألف الممدودة أو العكس (١) بالإضافة إلى بعض الأخطاء في نصوص الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية التي يستشهد بها المؤلف، لأن المؤلف كما يبدو يكتبها من حفظه. - لم يؤرخ المؤلف لانتهائه من التأليف، ولكن يستفاد من بعض المعلومات أو الحوادث التي ذكرها في هذا الكتاب، أن تأريخ تأليف الكتاب في السنة ١٢٢٢ هـ فقد ذكر المؤلف في صفحة (٢٤٨) أنه في عام تحرير هذه الأحرف وافق الإمام المنصور على إلغاء المكوس استجابة لنصيحة الشوكاني وإلحاحه برفع المظالم والغرامات غير الشرعية على الرعية .. إلخ. وقد أكد تلميذه محمد بن الحسن الشجني، إن موافقة المنصور، على إسقاط بعض المطالب الدولية على الرعية، وأمره بهدم دكاكين المكوس المتخذة للجبايات في شهر ربيع الأول سنة ١٢٢٢ هـ (٢). وفي آخر هذه المخطوطة إشارة من أحد أحفاد المؤلف: عبد الله بن أحمد بن محمد الشوكاني … إلى أنه قد قرأ الكتاب على والده أحمد بن محمد سنة ١٢٤٦ هـ. وقد رمزنا لهذه المخطوطة بـ "الأصل". المخطوطة الثانية: وهي النسخة التي النسخة التي اعتمد عليها الأستاذ. عبد الله الحبشي في تحقيق الطبعة الأولى من هذا الكتاب والتي يعود تأريخ نسخها إلى عام ١٢٤٠ هـ، عن النسخة الأصلية للمؤلف، وقد التزم ناسخها بنفس طريقة المؤلف في الكتابة والإملاء، وبالرغم من أن خطّها جيد، إلا أن فيها سقط كثير، كلمات وأحيانًا أسطر، أو فقرات بكاملها (أشرنا فقط إلى سقط السطر أو الفقرة تلافيًا للتطويل في الهوامش بالإضافة _________ (١) من الأمثلة على ذلك أن المؤلف يكتب بعض الكلمات مثل: الإفتاء، والإقتداء، هكذا (الأفتى، الاقتدى)، ويكتب الأسرى: الأسرا. (٢) التقصار ص ١٧٢.

стр. 67

إلى كثرة الأخطاء الإملائية والتصحيف وقد أصبحت أهمية هذه النسخة ثانوية بالنظر لوجود الأصل الذي نقلت عنه. وقد رمزنا لهذه النسخة بالرمز "ب". منهج التحقيق: ١ - أشرنا سابقًا إلى أنَّ النسخة الأصلية للكتاب غير مبوبة ولا مقسمة، ولم يذكر المؤلف في المقدمة - كعادة معظم المؤلفين - خطته التي اعتمدها في تصنيف الكتاب. ولذلك فقد اجتهدنا في تقسيم الكتاب إلى مقدمة، وثلاثة فصول (راجع فهرس الموضوعات)، ووضع عناوين لتلك الفصول، كما قمنا بوضع عناوين جانبية بين معقوفتين [] للموضوعات أو الأفكار الرئيسية داخل كل فصل. ٢ - أصلحنا بعض الأخطاء الإملائية الموجودة بالأصل، وكذلك الأخطاء في نصوص الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية، دونما حاجة إلى الإشارة إليها في الهوامش. ٣ - تخفيفًا من كثرة الإحالات في الهوامش، وضعنا عقب الآيات القرآنية اسم السورة ورقم الآية بين معقوفتين [] وكذلك تأريخ وفيات بعض الأعلام الواردة اسماؤهم بالكتاب، وخاصة المشهورين الذين لا يحتاجون إلى ترجمة. ٤ - حققنا بعض الأقوال أو النصوص التي نقلها الشوكاني عن غيره قدر الإمكان، ولأن موضوعات هذا الكتاب من الموضوعات التي شغلت فكر المؤلف، وكانت على رأس أولوياته واهتماماته. بحيث لا يخلو معظم كتبه من الإشارة إلى بعضها، فقد أحلنا القارئ على مكان تلك النصوص

стр. 68

في كتب ورسائل الشوكاني، التي تيسر لنا الاطلاع عليها، وخاصة إذا كانت تلك الموضوعات أوسع مما هي عليه في هذا الكتاب، أو متعارضة معه. ٥ - أبقيت على الهوامش والملاحظات القيمة التي كتبها الأستاذ: عبد الله الحبشي في نشرته الأولى لهذا الكتاب كما هي، والتزامًا بالأمانة العلمية فقد وضعنا عقب كل حاشية منها بين قوسين، اسم الأستاذ المحقق مختصرًا هكذا (الحبشي). ختامًا: أتوجه بالشكر الجزيل لكل من ساهم في إخراج هذا الكتاب، وأخص بالذكر: - الأستاذ: عبد الله محمد الحبشي، الباحث والمحقق اليمني المشهور، فإليه يعود الفضل الأول في إصدار هذه النشرة، فهو الذي شجعني على ذلك وزودني بمصورات عن مخطوطتي الكتاب، ولم يبخل علي بأي نصح أو إرشاد، ويسر لي كذلك استعارة بعض المصادر - مخطوطة ومطبوعة - التي استعنت بها في الدراسة والتحقيق، من مكتبته الخاصة، والتي لا تتوفر بمكتبتي أو بالمكتبات العامة وليس ذلك بغريب على شخص كالأستاذ الحبشي، ذلك الرجل الزاهد المتواضع الذي وهب نفسه للعلم وخدمة التراث اليمني مكرسًا له كل جهده ووقته، في صبر وتفان نادرين، نائيًا بنفسه عن الجري وراء الشهرة وحب الظهور. - وأشكر كذلك العلامة الكبير الأستاذ الدكتور: إبراهيم السَّامرائي الذي تفضل بمراجعة مسودة الكتاب والدراسة، وتكرم بكتابة تمهيد لغوي وتاريخي لمعاني "أدب الطلب" عنوان وموضوع هذا الكتاب بالإضافة إلى ما أسداه إليَّ من الملاحظات والنصائح القيمة.

стр. 69

- ولا يفوتني هنا أن أشكر كذلك أخي عبد الرحمن يحيى السريحي لمساعدته في المقابلة والتصحيح، وأشكر الأخ/ حمود منصور، صاحب مكتبة الإرشاد - بصنعاء الذي يسر طباعة وإخراج الكتاب بهذا الشكل الجميل.

стр. 70

الصفحة الأولى من المخطوطة الأصلية بقلم المؤلف محمد بن علي الشوكاني

стр. 71

الصفحة الأخيرة من الكتاب بقلم المؤلف

стр. 72

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أحمدك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك وأصلي وأسلم على رسولك وآله وأسألك التثبيت والهداية وأعوذ بك من الخذلان والغواية. وبعد فإنّي قد عزمتُ عزم الله لي على الخير على أن أجمع في هذه الورقات ما ينبغي لطالب العلم اعتماده في طلبه والتحلي به في إيراده وإصداره وابتدائه وانتهائه، وما يشرع فيه ويتدرج إليه حتى يبلغ مراده على وجه يكون به فائزًا بما هو الثمرة والعلة الغائية التي هي أول الفكر وآخر العمل. وسميته (أدب الطلب ومنتهى الأرب). وإني أتصور الآن أن الكلام بمعونة الله ومشيئته لا بدّ أن يتعدى إلى فوائد ومطالب ينتفع بها المنتهي كما ينتفع بها المبتدئ ويحتاج إليها الكامل كما يحتاج إليها المقصّر ويعدها المتحققون بالعرفان من أعظم الهدايا. فأول ما على طالب العلم أن يحسن نيته ويصلح طويّته ويتصور أن هذا العمل الذي قصد له والأمر الذي أراده هو الشريعة التي شرعها الله سبحانه لعباده، وبعث بها رسله وأنزل بها كتبه، ويجرد نفسه عن أن يشوب ذلك بمقصد من مقاصد الدنيا، أو يخلطه بما يكدره من الإرادات التي ليست منه،

стр. 73

كمن يريد به الظفر بشيء من المال أو الوصول إلى نوع من الشرف أو البلوغ إلى رئاسة من رئاسات الدنيا أو جاه يحصله به فإن العلم طيّب لا يقبل غيره ولا يحتمل الشركة والروائح الخبيثة إذا لم تغلب على الروائح الطيّبة، فأقل الأحوال أن تساويها وبمجرد هذه المساواة لا يتبقى للطيّب رائحة والماء الصافى العذب الذي يستلذه شاربه كما يكدره الشيء اليسير من الماء المالح فضلًا عن غير الماء من القاذورات بل يُنغِّصُ لذَّته مجرد وجود القذاة فيه ووقوع الذباب عليه هذا على فرض أن مجرد تشريك العلم مع غيره له حكم هذه المحسوسات وهيهات ذلك فإن من أراد أن يجمع في طلبه العلم بين قصد الدنيا والآخرة فقد أراد الشطط وغلط أقبح الغلط، فإن طلب العلم من أشرف أنواع العبادة وأجلّها وأعلاها، وقد قال الله سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] فقيّد الأمر بالعبادة بالإخلاص الذي هو روحها، وصحّ عن رسول الله ﷺ حديث: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى" (١) وهو ثابت في دواوين الإسلام كلها، وقد تلقته الأمة بالقبول، وإن كان أحاديًّا أجمع جميع أهل الإسلام على ثبوته وصحته. وقد تقرّر في علم البيان والأصول بأن (إنما) من صيغ الحصر وثبت القول بذلك عن الصحابة رُوِيَ عن ابن عباس أنه احتجّ على اختصاص الربا بالنسيئة بحديث "إنَّما الربا في النسيئة" (٢) ولم يخالفه الصحابة في فهمه، وإنما خالفوه في الحكم مستدلين بأدلة أخرى مصرحة بثبوت ربا الفضل، وكما أن هذا

стр. 74

التركيب يفيد ما ذكرناه من الحصر كذلك لفظ الأعمال "بالنية" (١) أو بالنيات كما ورد في بعض ألفاظ الحديث الثابتة في الصحيح فإن الألف واللام تفيد الاستغراق وهو يستلزم الحصر وهكذا ورد في بعض ألفاظ الحديث لا عمل إلا بنية وهي أيضًا من صيغ الحصر بل هي أقواها والمراد بالأعمال هنا: أفعال الجوارح حتى اللسان فتدخل الأقوال ومن نازع في ذلك فقد أخطأ، ثم لا بدّ لقوله بالنيات من تقدير متعلق عام لعدم ورود دليل يدل على المتعلق الخاص فيقدر الوجود أو الكون أو الاستقرار أو الثبوت أو ما يفيد مفاد ذلك فيكون التقدير إنما وجود الأعمال وكونها واستقرارها أو ثبوتها بالنيات فلا وجود أو لا كون أو لا استقرار أو لا ثبوت لما لم يكن كذلك وهو ما ليس فيه نية، لا يقال أن تقدير الثبوت والوجود والكون ونحوها يستلزم عدم وجود الذات مع عدم النية وقد وجدت في الخارج، لأنا نقول المراد الذات هو الشرعية وهي غير موجودة ولا اعتبار بوجودات غير شرعية ونفي الذات هو المعنى الحقيقي فلا يُعدل عنه إلى غيره إلّا لصارف، ولا صارف هنا على أنه لو فُرض وجود صارف إلى المعنى المجازي لم يكن المقدر ههنا إلّا الصحة أو ما يفيد مفادها وهي مستلزمة لنفي الذات، فتقرر بمجموع ما ذكرنا أن حصول الأعمال وثبوتها لا يكون إلّا بالنية فلا حصول أو لا ثبوت لما ليس كذلك، فكل طاعة من الطاعات وعبادة من العبادات إذا لم تصدر عن إخلاص نية وحسن طويّة لا اعتداد بها، ولا التفات إليها، بل هي إن لم تكن معصية فأقل الأحوال أن تكون من أعمال العبث التي هي بما يصدر عن المجانين أشبه منها بما يصدر عن العقلاء. ومن أهم ما يجب على طالب العلم تصوّره عند الشروع، واستحضاره عند المباشرة بل وفي كل وقت من أوقات طلبه مبتديًا ومنتهيًا متعلّمًا وعالمًا

стр. 75

أن يقرر عند (١) نفسه أن هذا العمل الذي هو بصدده هو تحصيل العلم كما شرعه الله لعباده والمعرفة لما تعبّدهم به في محكم كتابه وعلى لسان رسوله والوقوف على أسرار كلام الله ورسوله ﵌، وإن هذا المطلب الذي هو بسبب تحصيله ليس هو من المطالب التي يقصدها مَن هو طالب للجاه والمال والرياسة بل هو مطلب يُتاجِر به الربّ سبحانه وتكون غايته العلم بما بعث الله به رسله وأنزل فيه كتبه، وذلك سبب الظفر بما عند الله من خير ومثل هذا لا مدخل فيه لعصبية ولا مجال عنده لحمية بل هو شيء بين الله سبحانه وبين جميع عباده تعبّدهم به تعبّدًا مطلقًا أو مشروطًا بشروط وأنه لا يخرج عن ذلك فرد من أفرادهم، بل أقدامهم (٢) متساوية في ذلك عالمهم وجاهلهم وشريفهم ووضيعهم وقديمهم وحديثهم ليس لواحدٍ. منهم أن يدعي أنه غير متعبّد بما تعبّد الله به عباده أو أنه خارج عن التكليف أو أنه غير محكوم عليه بأحكام الشرع ومطلوب منه ما طلبه الله من سائر الناس فضلًا عن أن يرتقي إلى درجة التشريع وإثبات الأحكام الشرعية وتكليف عباد الله سبحانه بما يصدر عنه من الرأي، فإن هذا أمر لم يكن إلّا لله سبحانه لا لغيره من البشر كائنًا من كان، إلا فيما فوّضه إلى رسله، وليس لغير الرّسل في هذا مدخل بل الرّسل أنفسهم (٣) متعبّدون بما تعيّدهم الله به مكلّفون بما كلفهم (٤) به مطلوبون بما طلبه منهم وتخصيصهم بأمور لا تكون لغيرهم لا يوجب خروجهم عن كونهم كذلك، بل هم من جملة البشر ومن أفراد (٥) العباد في التكليف بما جاؤوا به عن الله وقد أخبروا
следующие страницы →