← Тараджим

Тараджим · id 1564

أسد الغابة في معرفة الصحابة - ط الشعب

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (3 512 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه وبعد، فإن الأمم الحية الناهضة تهتم بتاريخها، وتعتنى بدراسته دراسة فاحصة تكشف كل ما تضمنه من آثار وأسرار وأخبار، وتجلو ما فيه من عبر ينتفع بها أولو الأبصار. وليس ذلك لونا من ألوان الترف الفكري، وإنما هو ضرورة تقتضيها مصلحة الأمة ربطا للحاضر بالماضي وليكون بناء المجتمع على أساس متين. وأمة العرب أمة ناهضة ازدهر تاريخها منذ الإسلام، وكان لها في قارات العالم أثر أي أثر، كان لها أثر في آسيا وفي إفريقيا وفي أوروبا، لقد حملت إلى هذه القارات مشاعل الهداية والعلم، والحضارة والمدنية، حملت إليها الرسالة المحمدية بكل مبادئها وتعاليمها وفضائلها ومثلها، وأثرت فيها تأثيرا كبيرا. والشخصيات التي حملت هذا العبء بعد صاحب الرسالة هي شخصيات الصحابة أولئك الذين كانوا مفخرة العالم، وهداة الإنسانية، وروادها الأفاضل. ولا عجب فقد كان لهم الفضل عليها حين حملوا إليها تعاليم الرسالة وصورة الرسول متمثلة في أقوالهم وأفعالهم ورواياتهم. لقد كان كل منهم يحرص على أن يحاكيه في حركاته وسكناته وكلماته. كان كل منهم يحرص على أن يعيش في ظلال صاحب الرسالة ليذكر بذكره، ويحظى بشرف الانتساب إليه لقد خرّجت المدرسة المحمدية في سنوات قليلة لم تزد على ثلاثة وعشرين عاما تلاميذ يعدون بالآلاف، لم يستطع التاريخ المنصف على الرغم من كثرتهم ووفرتهم أن يتجاهل واحدا منهم حتى أولئك الذين لم يبلغوا الحلم بل جاء إليهم حاني الرأس في إجلال وإكبار يفتش عن أخبارهم وينقب عن آثارهم، ويتعمق في البحث عن أسرار حياتهم. ولم توجد مدرسة في الدنيا قديما ولا حديثا اهتم التاريخ بتقصى أخبار جميع أبنائها صغارا وكبارا غير المدرسة المحمدية، فهي وحدها التي عنى بها التاريخ وظفر جميع المنتسبين إليها باهتمامه البالغ.

стр. 2

فضل الصحابة والكتب التي ألفت فيهم يكفى الصحابة تنويها بهم وإشادة بفضلهم قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ سورة الفتح-٢٩ ﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ سورة الحشر ٨ - ١٠ ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ سورة التوبة-١٠٠ ويكفى الصحابة تكريما قول النبي ﷺ : «اللَّه اللَّه في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى اللَّه ومن آذى اللَّه يوشك أن يأخذه» أخرجه ابن حبان في صحيحه وأخرجه أيضا الترمذي ٢ - ٣١٩ وبشرح ابن العربيّ ١٣ - ٢٤٤ عن عبد اللَّه بن مغفل وقوله ﷺ : «لا تسبوا أصحابي» لا تسبوا أصحابي، فو الّذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مُد أحدهم ولا نصيفه» أخرجه مسلم عن أبي هريرة ٤ - ١٩٦٧ وأخرجه ابن ماجة ولفضل الصحابة الّذي نوه به الكتاب وأشادت به السنة اهتم العلماء من قديم بضبط أسمائهم وتاريخهم، وقد ألف في الصحابة: ١ - الإمام أبو الحسن علي بن عبد اللَّه شيخ البخاري المولود سنة ١٦١، المتوفى سنة ٢٣٤. ٢ - الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، صاحب الصحيح المولود سنة ١٩٤ المتوفى سنة ٢٥٦.

стр. 3

٣ - محمد بن سعد بن منيع الزهري، صاحب الطبقات، المولود سنة ١٦٨ المتوفى سنة ٢٣٠. ٤ - خليفة بن خياط المحدث النسابة، المتوفى سنة ٢٤٠. ٥ - يعقوب بن سفيان الفسوي، المتوفى سنة ٢٧٧. ٦ - أبو بكر بن أبي خيثمة، المتوفى سنة ٢٧٩. ٧ - الإمام محمد بن عبد اللَّه بن عيسى المروزي، المولود سنة ٢٢٠ والمتوفى سنة ٢٩٣، ٨ - مطين الحافظ أبو جعفر محمد بن عبد اللَّه بن سليمان الحضرميّ، المولود سنة ٢٠٢، والمتوفى سنة ٢٩٧. ٩ - عبدان الحافظ أبو محمد عبد اللَّه بن أحمد بن موسى بن زياد الأهوازي، المتوفى سنة ٣٠٦. ١٠ - الحافظ أبو بكر عبد اللَّه بن أبي داود، المتوفى سنة ٣١٦. ١١ - الحافظ البغوي عبد اللَّه بن محمد بن عبد العزيز، المتوفى سنة ٣٣٠. ١٢ - الحافظ بن قانع عبد الباقي بن قانع بن مرزوق بن واثق، المولود سنة ٢٦٥، والمتوفى سنة ٣٥١ بدمشق. ١٣ - الحافظ بن السكن أبو علي سعيد بن عثمان بن سعيد بن السكن، المتوفى سنة ٣٥٣. ١٤ - الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان البستي، المتوفى سنة ٣٥٤. ١٥ - الحافظ الطبراني سليمان بن أحمد، المتوفى سنة ٣٦٠. ١٦ - الحافظ أبو حفص عمر بن أحمد المعروف بابن شاهين، المتوفى سنة ٣٨٥، بقي أربعة أئمة أعلام يلزمنا أن نقف عندهم وقفة قصيرة وهؤلاء هم: ١ - محمد بن يحيى بن إبراهيم (منده) بن الوليد بن سندة بن بطة بن استندار واسمه (فيرازان) بن جهار يخت العبديّ مولاهم الأصبهاني أبو عبد اللَّه جد الحافظ أبى عبد اللَّه محمد بن إسحاق. روى عن لوين وأبى كريب وخلق وحدث عنه الطبراني وغيره، وكان من الثقات وتوفى سنة ٣٠١. ٢ - أبو نعيم: أحمد بن عبد اللَّه بن أحمد الأصبهاني، حافظ من الثقات في الحفظ والرواية. ولد ومات في أصبهان من تصانيفه: حلية الأولياء، ومعرفة الصحابة ودلائل النبوة، وتاريخ أصبهان، ولد سنة ٣٣٦، ومات سنة ٤٣٠ هـ.

стр. 4

٣ - أبو عمر يوسف بن عبد اللَّه بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي المالكي، حافظ المغرب، ولد بقرطبة سنة ٣٦٨، ورحل رحلات طويلة، وولى قضاء لشبونة وشنترين، وتوفى سنة ٤٦٣ بشاطبه، وله كتاب الاستيعاب في أسماء الأصحاب، لكنه لم يستوعب، وجمع فيه من ذكر باسمه أو كنيته، أو حصل له فيه وهم وعدد من ذكر فيه ٤٢٢٥ على ترقيم طبعة مكتبة نهضة مصر، وقد ذيل عليه أبو بكر بن فتحون ذيلا حافلا بكثير من أسماء الصحابة الذين فاته أن يذكرهم، وذيل آخرون ذيولا أخرى لطيفة. ٤ - أبو موسى محمد بن عمر بن أحمد الأصبهاني المديني، من حفاظ الحديث، مولده ووفاته بأصبهان، وإليها ينتسب كما في وفيات الأعيان. رحل إلى بغداد وهمذان، ولد سنة ٥٠١ ومات سنة ٥٨١، وقد ألف ذيلا كبيرا على كتاب ابن منده مشتملا على أسماء الكثيرين من الصحابة. ابن الأثير وكتابه أسد الغابة بعد هؤلاء طلع علينا ابن الأثير بكتابه المعروف باسم «أسد الغابة» فاعتمد في تأليفه على كتب الذين سبقوه ولا سيما مؤلفات الأربعة الذين تحدثنا عنهم آنفا، فقد اعتمد عليها لكنه أضاف أسماء كثير من الصحابة إليها. يقول الحافظ بن حجر: «في أوائل القرن السابع جمع عز الدين بن الأثير كتابا حافلا سماه أسد الغابة جمع فيه كثيرا من التصانيف المتقدمة». وفي كتاب أسد الغابة تراجم ل ٧٥٥٤ صحابي. ميزات أسد الغابة لكتاب أسد الغابة ميزات أهمها: ١ - أنه رتب تراجم الصحابة ترتيبا دقيقا حسب حروف الهجاء التي يبتدئ بها كل اسم مثبتا مراجعة التي نبه عليها بالرمز ومراجع أخرى كثيرة في مختلف العلوم ذكرها بالاسم وصنيعه هذا يشهد بأن العرب كانوا أسبق من الأوربيين في تنسيق الحقائق العلمية وتبويبها وترتيبها وإثبات مصادرها فأبطل قول من يزعم أن المستشرقين والكتاب الأوربيين هم أصحاب الفضل في ذلك. ولا شك أنه بهذا يسر على القارئ سبيل الانتفاع بكتابه.

стр. 5

٢ - ضبط بالحروف الأسماء المتشابهة التي تتفق رسما وتختلف نطقا. ٣ - شرح الكلمات الغريبة التي وردت في ثنايا التراجم فوفر على القارئ مئونة البحث عن الألفاظ الصعبة. ٤ - صوب بعض الأخطاء التي رأى أن من سبقه وقع فيها. نعم … لقد بذل ابن الأثير جهده في تحرير كتابه وتنسيقه، وإذا كانت هناك بعض مؤاخذات هينة أخذت عليه، فذلك يتمشى مع طبيعة البشر، فالكمال للَّه وحده وصدق اللَّه العظيم إذ يقول: ﴿وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾. ويرحم اللَّه ابن الأثير، فقد قال في خطبة كتابه معتذرا عن ذلك «وما يشاهده الناظر في كتابي هذا من خطأ ووهم فليعلم أنى لم أقله من نفسي، وإنما نقلته من كلام العلماء وأهل الحفظ والإتقان، ويكون الخطأ يسيرا إلى ما فيه من الفوائد والصواب، ومن اللَّه سبحانه أستمد الصواب في القول والعمل. فرحم اللَّه امرأ أصلح فاسده، ودعا لي بالمغفرة والعفو عن السيئات وأن يحسن منقلبنا إلى دار السلام عند مجاورة الأموات والسلام». ترجمة ابن الأثير في بيئة دينية عريقة في التدين، وبين أسرة علمية أصيلة في العلم، نشأ عز الدين أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني المعروف بابن الأثير الجزري، والجزري نسبة إلى جزيرة ابن عمر وهي - كما في المراصد ١/ ٣٣٣ - بلدة فوق الموصل بينهما ثلاثة أيام، لها رستاق مخصب يحيط بها دجلة إلا من ناحية واحدة شبه الهلال، فعمل له خندق أجرى فيه الماء فأحاط الماء بها وسميت بذلك نسبة إلى يوسف بن عمر الثقفي أمير العراقين أو عبد العزيز بن عمر من أهل برقعيد أو أوس وكامل ابني عمر كما في وفيات الأعيان ٣/ ٣٥. كان والده ثريا يمتلك عدة بساتين بقرية العقيمة - إحدى قرى جزيرة ابن عمر - وكان يملك قرية يقال لها (قصر حرب) بجنوب الموصل، وكان يشتغل بالتجارة إلى جانب وظائفه الحكومية في جزيرة ابن عمر التابعة للموصل. فقد كان رئيس ديوانها ونائب وزير الموصل فيها. له أخوان أحدهما أكبر منه وهو (مجد الدين أبو السعادات) المبارك، ولد سنة ٥٤٤ وتوفى سنة ٦٠٦. وهو أحد العلماء الأفذاذ له كتاب (جامع الأصول في أحاديث الرسول)، وكتاب (النهاية في غريب الحديث والأثر). والآخر أصغر منه، هو (ضياء الدين أبو الفتح) نصر اللَّه، ولد سنة ٥٥٨ وتوفى سنة ٦٣٧. كان من ذوى

стр. 6

النبوغ في العلوم الأدبية، وله كتب قيمة منها (المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر) و (الوشي المرقوم في حلى المنظوم). أما صاحبنا عز الدين، فقد كان واسطة العقد، ولد في الجزيرة سنة ٥٥٥، هـ ومات بالموصل سنة ٦٣٠ هـ. وكان له باع في التاريخ، ألف في التاريخ العام كتاب (الكامل) وهو مرجع مهم في تاريخ الحملات الصليبية التي شاهد بعضا منها إلى وفاته، وفي كتابه (الكامل) تحدث أيضا عن هجوم التتار وكأنه كان على موعد مع الحملات التي شنت على بلاد الإسلام من الشرق ومن الغرب. وألف في التاريخ الخاص كتاب (أسد الغابة في معرفة الصحابة). وكتابه هذا يعلن عن سعة اطلاعه، ومعرفته بالأخبار، وغرامة بالبحث ودقته في النقد، وأصالته في التأليف. ٤ من ربيع الآخر ١٣٩٠ ٩ من يونيو ١٩٧٠ (المحققون)

стр. 7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة ابن الأثير قال الشيخ الإمام العالم، الحافظ البارع الأوحد، بقية السلف عز الدين أبو الحسن علي بن محمد ابن عبد الكريم الجزري، المعروف بابن الأثير ﵁: الحمد للَّه الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا اللَّه، والحمد للَّه المنزه عن أن يكون له نظراء وأشباه، المقدس فلا تقرب الحوادث حماه، الذي اختار الإسلام ديناً، وارتضاه، فأرسل به محمدا ﷺ ، واصطفاه، وجعل له أصحاباً فاختار كلاً منهم لصحبته واجتباه، وجعلهم كالنجوم بأيهم اقتدى الإنسان اهتدى إلى الحق واقتفاه، فصلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه صلاة توجب لهم رضاه، أحمده على نعمه كلها حمداً يقتضي الزيادة من نعمه، ويجزل لنا النصيب من قسمه. أما بعد فلا علم أشرف من علم الشريعة فإنه يحصل به شرف الدنيا والآخرة، فمن تحلى به فقد فاز بالصفقة الرابحة، والمنزلة الرفيعة الفاخرة، ومن عري منه فقد حظي بالكرة الخاسرة. والأصل في هذا العلم كتاب اللَّه، ، وسنة رسوله ﷺ ، فأما الكتاب العزيز فهو متواتر مجمع عليه غير محتاج إلى ذكر أحوال ناقليه، وأما سنة رسول اللَّه ﷺ فهي التي تحتاج إلى شرح أحوال رواتها وأخبارهم. وأول رواتها أصحاب رسول اللَّه ﷺ ولم يضبطوا ولا حفظوا في عصرهم كما فعل بمن بعدهم من علماء التابعين وغيرهم إلى زماننا هذا؛ لأنهم كانوا مقبلين على نصرة الدين وجهاد الكافرين إذ كان المهم الأعظم؛ فإن الإسلام كان ضعيفاً وأهله قليلون، فكان أحدهم يشغله جهاده ومجاهدة نفسه في عبادته عن النظر في معيشته والتفرغ لمهم، ولم يكن فيهم أيضاً من يعرف الخط إلا النفر اليسير، ولو حفظوا ذلك الزمان لكانوا أضعاف من ذكره العلماء، ولهذا اختلف العلماء في كثير منهم؛ فمنهم من جعله بعض العلماء من الصحابة، ومنهم من لم يجعله فيهم، ومعرفتهم ومعرفة أمورهم وأحوالهم وأنسابهم وسيرتهم مهم في الدين. ولا خفاء على من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد أن من تبوأ الدار والإيمان من المهاجرين والأنصار والسابقين إلى الإسلام والتابعين لهم بإحسان الذين شهدوا الرسول ﷺ وسمعوا كلامه وشاهدوا أحواله ونقلوا ذلك إلى من بعدهم من الرجال والنساء من الأحرار والعبيد والإماء أولى بالضبط والحفظ، وهم الذين آمَنُوا ولم يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْم أولئِكَ لهم الأمن وهم مهتدون بتزكية اللَّه، لهم وثنائه عليهم، ولأن السنن التي عليها مدار تفصيل الأحكام ومعرفة الحلال والحرام إلى غير ذلك

стр. 8

من أمور الدين، إنما ثبتت بعد معرفة رجال أسانيدها ورواتها، وأولهم والمقدم عليهم أصحاب رسول اللَّه ﷺ ؛ فإذا جهلهم الإنسان كان بغيرهم أشد جهلاً، وأعظم إنكاراً، فينبغي أن يعرفوا بأنسابهم وأحوالهم هم وغيرهم من الرواة، حتى يصح العمل بما رواه الثقات منهم، وتقوم به الحجة، فإن المجهول لا تصح روايته، ولا ينبغي العمل بما رواه، والصحابة يشاركون سائر الرواة في جميع ذلك إلا في الجرح والتعديل، فإنهم كلهم عدول لا يتطرق إليهم الجرح؛ لأن اللَّه ورسوله زكياهم وعدلاهم، وذلك مشهور لا نحتاج لذكره، ويجيء كثير منه في كتابنا هذا، فلا نطول به هنا. وقد جمع الناس في أسمائهم كتباً كثيرة، ومنهم من ذكر كثيراً من أسمائهم في كتب الأنساب والمغازي وغير ذلك، واختلفت مقاصدهم فيها، إلا أن الذي انتهى إليه جمع أسمائهم الحافظان أبو عبد اللَّه ابن منده (١) وأبو نعيم أحمد بن عبد اللَّه الأصفهانيان (٢)، والإمام أبو عمر بن عبد البر (٣) القرطبي ﵃، وأجزل ثوابهم، وحمد سعيهم، وعظم أجرهم وأكرم مآبهم، فلقد أحسنوا فيما جمعوا، وبذلوا جهدهم وأبقوا بعدهم ذكراً جميلاً؛ فاللَّه تعالى يثيبهم أجراً جزيلاً؛ فإنهم جمعوا ما تفرق منه. فلما نظرت فيها رأيت كلاً منهم قد سلك في جمعه طريقاً غير طريق الآخر، وقد ذكر بعضهم أسماء لم يذكرها صاحبه، وقد أتى بعدهم الحافظ أبو موسى محمّد بن أبي بكر بن أبي عيسى الأصفهاني (٤)، فاستدرك على ابن منده ما فاته في كتابه، فجاء تصنيفه كبيراً نحو ثلثي كتاب ابن منده. فرأيت أن أجمع بين هذه الكتب، وأضيف إليها ما شذ عنها مما استدركه أبو علي الغساني (٥)، على أبي عمر بن عبد البر، كذلك أيضاً ما استدركه عليه آخرون وغير من ذكرنا فلا نطول بتعداد أسمائهم هنا، ورأيت ابن منده وأبا نعيم وأبا موسى عندهم أسماء ليست عند ابن عبد البر، وعند ابن عبد البر أسماء ليست عندهم. فعزمت أن أجمع بين كتبهم الأربعة، وكانت العوائق تمنع والأعذار تصد عنه، وكنت حينئذ ببلدي وفي وطني، وعندي كتبي وما أراجعه من أصول سماعاتي، وما أنقل منه، فلم يتيسر ذلك لصداع الدنيا وشواغلها.

стр. 9

فاتفق أني سافرت إلى البلاد الشامية عازماً على زيارة البيت المقدس، جعله اللَّه داراً للإسلام أبداً؛ فلما دخلتها اجتمع بي جماعة من أعيان المحدثين، وممن يعتني بالحفظ والإتقان فكان فيما قالوه: إننا نرى كثيراً من العلماء الذين جمعوا أسماء الصحابة يختلفون في النسب والصحبة والمشاهد التي شهدها الصاحب، إلى غير ذلك من أحوال الشخص ولا نعرف الحق فيه، وحثوا عزمي على جمع كتاب لهم في أسماء الصحابة، ﵃؛ أستقصي فيه ما وصل إلي من أسمائهم، وأبين فيه الحق فيما اختلفوا فيه، واللَّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم؛ مع الإتيان بما ذكروه واستدراك ما فاتهم، فاعتذرت إليهم بتعذر وصولي إلى كتبي وأصولي وأنني بعيد الدار عنها، ولا أرى النقل إلا منها فألحوا في الطلب؛ فثار العزم الأول وتجدد عندي ما كنت أحدث به نفسي، وشرعت في جمعه والمبادرة إليه، وسألت اللَّه تعالى أن يوفقني إلى الصواب في القول والعمل، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم بمنه وكرمه واتفق أن جماعة كانوا قد سمعوا علي أشياء بالموصل وساروا إلى الشام فنقلت منها أحاديث مسندة وغير ذلك، ثم إنني عدت إلى الوطن بعد الفراغ منه وأردت أن أكثر الأسانيد وأخرج الأحاديث التي فيه بأسانيدها، فرأيت ذلك متعباً يحتاج أن أنقض كل ما جمعت، فحملني الكسل وحب الدعة والميل إلى الراحة إلى أن نقلت ما تدعو الضرورة إليه، مما لا يخل بترتيب، ولا يكثر إلى حد الإضجار والإملال، وأنا أذكر كيفية وضع هذا الكتاب، ليعلم من يراه شرطنا وكيفيته، واللَّه المستعان فأقول: إني جمعت بين هذه الكتب كما ذكرته قبل، وعلمت على الاسم علامة ابن منده صورة (د) وعلامة أبي نعيم صورة (ع)، وعلامة ابن عبد البر صورة (ب) وعلامة أبي موسى صورة (س) فإن كان الاسم عند الجميع علمت عليه جميع العلائم، وإن كان عند بعضهم علمت عليه علامته، وأذكر في آخر كل ترجمة اسم من أخرجه؛ وإن قلت أخرجه الثلاثة فأعني ابن منده وأبا نعيم وأبا عمر بن عبد البر؛ فإن العلائم ربما تسقط من الكتابة وتنسى، ولا أعني بقولي أخرجه فلان وفلان أو الثلاثة أنهم أخرجوا جميع ما قلته في ترجمته؛ فلو نقلت كل ما قالوه لجاء الكتاب طويلاً؛ لأن كلامهم يتداخل ويخالف بعضهم البعض في الشيء بعد الشيء، وإنما أعني أنهم أخرجوا الاسم. ثم إني لا أقتصر على ما قالوه إنما أذكر ما قاله غيرهم من أهل العلم، وإذا ذكرت اسماً ليس عليه علامة أحدهم فهو ليس في كتبهم. ورأيت ابن منده وأبا نعيم قد أكثرا من الأحاديث والكلام عليها، وذكرا عللها، ولم يكثرا من ذكر نسب الشخص، ولا ذكر شيء من أخباره وأحواله، وما يعرف به، ورأيت أبا عمر قد استقصى ذكر الأنساب وأحوال الشخص ومناقبه، وكل ما يعرفه به؛ حتى إنه يقول: هو ابن أخي فلان وابن عم فلان وصاحب الحادثة الفلانية، وكان هذا هو المطلوب من التعريف؛ أما ذكر الأحاديث وعللها وطرقها فهو بكتب الحديث أشبه؛ إلا أني نقلت من كلام كل واحد منهم أجوده وما تدعو الحاجة إليه طلباً للاختصار، ولم أخل بترجمة واحدة من كتبهم جميعها بل أذكر الجميع، حتى إنني أخرج الغلط كما ذكره المخرج له، وأبين الحق والصواب فيه إن علمته؛ إلا أن يكون أحدهم قد أعاد الترجمة بعينها، فأتركها وأذكر ترجمة واحدة، وأقول: قد أخرجها فلان في موضعين من كتابه.

стр. 10

وأما ترتيبه ووضعه فإنني جعلته على حروف أ، ب، ت، ث، ولزمت في الاسم الحرف الأول والثاني والثالث وكذلك إلى آخر الاسم، وكذلك أيضاً في اسم الأب والجد ومن بعدهما والقبائل أيضاً. مثاله: أنني أقدم «أبانا» على إبراهيم؛ لأن ما بعد الباء في أبان ألف، وما بعدها في إبراهيم راء، وأقدم إبراهيم بن الحارث، على إبراهيم بن خلاد، لأن الحارث بحاء مهملة وخلاد بخاء معجمة، وأقدم أبانا العبدي على أبان المحاربي، وكذلك أيضاً فعلت في التعبيد (١) فإني ألزم الحرف الأول بعد عبد، وكذلك في الكنى فإني ألزم الترتيب في الاسم الذي بعد «أبو» فإني أقدم أبا داود على أبي رافع، وكذلك في الولاء، فإني أقدم أسود مولى زيد على أسود مولى عمرو، وإذا ذكر الصحابي ولم ينسب إلى أب بل نسب إلى قبيلة فإنني أجعل القبيلة بمنزلة الأب مثاله: زيد الأنصاري أقدمه على زيد القرشي، ولزمت الحروف في جميع أسماء القبائل. وقد ذكروا جماعة بأسمائهم، ولم ينسبوهم إلى شيء، فجعلت كل واحد منهم في آخر ترجمة الاسم الذي سمى به مثاله: زيد، غير منسوب، جعلته في آخر من اسمه زيد، وأقدم ما قلت حروفه على ما كثرت؛ مثاله: أقدم «الحارث» على «حارثه». وقد ذكر ابن منده، وأبو نعيم، وأبو موسى في آخر الرجال والنساء جماعة من الصحابة والصحابيات لم تعرف أسماؤهم؛ فنسبوهم إلى آبائهم؛ فقالوا ابن فلان، وإلى قبائلهم وإلى أبنائهم، وقالوا: فلان عن عمه، وفلان عن جده وعن خاله، وروى فلان عن رجل من الصحابة؛ فرتبتهم أولاً بأن ابتدأت بابن فلان، ثم بمن روى عن أبيه؛ لأن ما بعد الباء في ابن نون، وما بعدها في أبيه ياء، ثم بمن روى عن جده، ثم عن خاله، ثم عن عمه؛ لأن الجيم قبل الخاء، وهما قبل العين، ثم بمن نسب إلى قبيلة، ثم بمن روى عن رجل من الصحابة؛ ثم رتبت هؤلاء أيضاً ترتيباً ثانياً؛ فجعلت من روى عن ابن فلان مرتبين على الآباء، مثاله: ابن الأدرع أقدمه على ابن الأسفع، وأقدمهما على ابن ثعلبة، وأرتب من روى عن أبيه على أسماء الآباء، مثاله: إبراهيم عن أبيه أجعله قبل الأسود عن أبيه، وجعلت من روى عن جده على أسماء الأحفاد، مثاله: أقدم جد الصلت على جد طلحة وجعلت من روى عن خاله على أسماء أولاد الأخوات، مثاله: أقدم خال البراء على خال الحارث، ومن روى عن عمه جعلتهم على أسماء أولاد الإخوة، مثاله: عم أنس مقدم على عم جبر، ومن نسب إلى قبيلته ولم يعرف اسمه جعلتهم مرتبين على أسماء القبائل؛ فإنني أقدم الأزدي على الخثعمي. وقد ذكروا أيضاً جماعة لم يعرفوا إلا بصحبة رسول اللَّه ﷺ فرتبتهم على أسماء الراوين عنهم، مثاله: أَنَسُ بنُ مَالك عن رَجُل من الصحابة أقدمه على ثَابِتُ بن السِّمط عن رجل من الصحابة، وإن عرفت في هذا جميعه اسم الصحابي ذكرت اسمه ليعرف ويطلب من موضعه.

стр. 11

ورأيت جماعة من المحدثين إذا وضعوا كتابا على الحروف يجعلون الاسم الذي أوله «لا»، مثل: لاحق ولا شر في باب مفرد عن حرف اللام، وجعلوه قبل الياء، فجعلتها أنا من حرف اللام في باب اللام مع الألف فهو أصح وأجود، وكذلك أفعل في النساء سواء. وإذا كان أحد من الصحابة مشهوراً بالنسبة إلى غير أبيه ذكرته بذلك النسب: كشر حبيل بن حسنة، أذكره فيمن أول اسم أبيه حاء، ثم أبين اسم أبيه، ومثل شريك بن السحماء، وهي أمه، أذكره أيضاً فيمن أول اسم أبيه سين، ثم أذكر اسم أبيه، أفعل هذا قصداً للتقريب وتسهيل طلب الاسم. واذكر الأسماء على صورها التي ينطق بها لا على أصولها، مثل: أحمر، أذكره في الهمزة ولا أذكره في الحاء، ومثل أسود في الهمزة أيضاً، ومثل عمار أذكره في «عما» ولا أذكره في «عمم»؛ لأن الحرف المشدد حرفان الأول منهما ساكن؛ فعلته طلباً للتسهيل. وأقدم الاسم في النسب على الكنية، إذا اتفقا، مثاله: أقدم عبد اللَّه بن ربيعة على: عبد اللَّه بن أبي ربيعة، وأذكر الأسماء المشتبهة في الخط وأضبطها بالكلام لئلا تلتبس؛ فإن كثيراً من الناس يغلطون فيها، وإن كانت النعتية التي ضبطها تعرف الاسم وتبينه، ولكني أزيده تسهيلاً ووضوحاً، مثال ذلك: سلمة في الأنصار، بكسر اللام، والنسبة إليه سلمي، بالفتح في اللام والسين، وأما سليم فهو ابن منصور من قيس عيلان. وأشرح الألفاظ الغريبة التي ترد في حديث بعض المذكورين في آخر ترجمته. وأذكر في الكتاب فصلاً يتضمن ذكر الحوادث المشهورة للنبي ﷺ وأصحابه، كالهجرة إلى الحبشة، وإلى المدينة، وبيعة العقبة، وكل حادثة قتل فيها أحد من الصحابة؛ فإن الحاجة تدعو إلى ذلك؛ لأنه يقال: أسلم فلان قبل دخول رسول اللَّه ﷺ دار الأرقم، أو وهو فيها، وهاجر فلان إلى الحبشة، وإلى المدينة، وشهد بدراً، وشهد بيعة العقبة، وبيعة الرضوان وقتل فلان في غزوة كذا أذكر ذلك مختصراً؛ فليس كل الناس يعرفون ذلك ففيه زيادة كشف. وأذكر أيضاً فصلاً أضمنه أسانيد الكتب التي كثر تخريجى منها؛ لئلا أكرر الأسانيد في الأحاديث طلباً للاختصار. وقد ذكر بعض مصنفي معارف الصحابة جماعة ممن كان في زمن النبي ﷺ ولم يره، ولم يصحبه ساعة من نهار، كالأحنف بن قيس وغيره، ولا شبهة في أن الأحنف كان رجلاً في حياة رسول اللَّه ﷺ ولم يره؛ ودليل أنه كان رجلاً في حياة رسول اللَّه ﷺ قدومه على عمر بن الخطاب ﵁ في وفد أهل البصرة، وهو رجل من أعيانهم، والقصة مشهورة إلا إنه لم يفد إلى النبي ﷺ ولم يصحبه، فلا أعلم لم ذكروه وغيره ممن هذه حاله؟ فإن

стр. 12

كانوا ذكروهم لأنهم كانوا موجودين على عهد رسول اللَّه ﷺ مسلمين فكان ينبغي أن يذكروا كل من أسلم في حياته ووصل إليهم اسمه، لأن الوفود في سنة تسع وسنة عشر قدموا على رسول اللَّه ﷺ من سائر العرب بإسلام قومهم؛ فكان ينبغي أن يذكروا الجميع قياساً على من ذكروه. وأذكر فيه في فصل جميع ما في هذا الكتاب من الأنساب، وجعلتها على حروف المعجم، ولم أذكر من الأنساب إلا ما في هذا الكتاب؛ لئلا يطول ذلك، وإنما فعلت ذلك؛ لأن بعض من وقف عليه من أهل العلم والمعرفة أشار به ففعلته، وليكون هذا الكتاب أيضاً جامعاً لما يحتاج إليه الناظر فيه غير مفتقر إلى غيره. وما يشاهده الناظر في كتابي هذا من خطأ ووهم فليعلم أنى لم أقله من نفسي، وإنما نقلته من كلام العلماء وأهل الحفظ والإتقان، ويكون الخطأ يسيرا إلى ما فيه من الفوائد والصواب، ومن اللَّه سبحانه أستمد الصواب في القول والعمل، فرحم اللَّه امرأ أصلح فاسده، ودعا لي بالمغفرة والعفو عن السيئات، وأن يحسن منقلبنا إلى دار السلام عند مجاورة الأموات والسلام. فصل يذكر فيه أسانيد الكتب الكبار التي خرجت منها الأحاديث وغيرها، وقد تكرر ذكرها في الكتاب؛ لئلا يطول الإسناد ولا أذكر في أثناء الكتاب إلا اسم المصنف وما بعده، فليعلم ذلك: تفسير القرآن المجيد لأبى إسحاق الثعلبي (١): أخبرنا به أَبو العباس أَحمد بن عثمان بن أَبي علي بن مهدي الزرزاري الشيخ الصالح رحمه اللَّه تعالى قال: أخبرنا الرئيس مسعود بن الحسن القاسم الأصبهاني، وأبو عبد اللَّه الحسن بن العباس الرستمي؛ قالا: أخبرنا أحمد بن خلف الشيرازي، قال: أنبأنا أبو إِسحاق أَحمد بن محمد بن إِبراهيم الثعلبي بجميع كتاب «الكشف والبيان في تفسير القرآن»، سمعت عليه من أول الكتاب إلى آخر سورة النساء، وأما من أول سورة المائدة إلى آخر الكتاب، فإنه حصل لي بعضه سماعاً وبعضه إجازة، واختلط السماع بالإجازة فأنا أقول فيه: أخبرنا به إجازة إن لم يكن سماعاً. فإذا قلت: أخبرنا أحمد بإسناده إلى الثعلبي، فهو بهذا الإسناد. الوسيط في التفسير أيضاً للواحدي (٢): أخبرنا بجميع كتاب «الوسيط في تفسير القرآن المجيد» أبو محمد عبد اللَّه محمد بن علي بن سويدة التكريتي قال: أنبأنا أبو عبد اللَّه محمد بن الحسين بن الفرخان السمناني، وعبد الرحمن بن أبي الخير بن

стр. 13

سعيد الميهنى، كلاهما إجازة؛ قالا: أَنبأَنا أَبو الحسن علي بن أَحمد بن متويه الواحدي (ح) قال أبو محمد: وأخبرنا أبو الفضل أحمد بن أبي الخير بن سعيد قراءة عليه وأنا أسمع قال: أنبأنا الواحدي. فإذا قلت: أخبرنا أبو محمد بن سويدة قال: أخبرنا الواحدي فهو بهذا الإسناد. صحيح محمد بن إسماعيل البخاري (١) أخبرنا بجميع «الجامع الصحيح» تأليف الإمام أبي عبد اللَّه محمد بن إسماعيل البخاري، ﵁ أبو عبد اللَّه محمد بن محمد بن سرايا بن علي، وأبو الفرج محمد بن عبد الرحمن بن أبي العز الواسطي، وأبو بكر مسمار بن عمر بن العويس النيار البغدادي، وأَبو عبد اللَّه الحسين بن أَبي صالح بن فنا خسرو الديلمي التكريتي الضرير، قالوا: أخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي، قال: قال: أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي، أخبرنا أبو محمد عبد اللَّه بن أحمد الحموي السرخسي، قال: أخبرنا محمد بن يوسف الفربري، أخبرنا محمد بن إسماعيل. فإذا قلت: أخبرنا أحد هؤلاء أو كلهم بإسنادهم عن البخاري، وذكرت إسناده إلى النبي ﷺ فهو بهذا الإسناد. صحيح مسلم بن الحجاج (٢) أخبرنا بجميع «الصحيح» تأليف أبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري، ﵁، أبو الفرج يحيى بن محمود بن سعد الأصفهاني الثقفي قراءة عليه، وأنا أسمع، قال: أخبرنا عم جدي أَبو الفضل جعفر بن عبد الواحد بن محمد الثقفي قراءة عليه وأنا أسمع، وأبو عبد اللَّه محمد بن الفضل الفراوي إجازة، قال جعفر: أجاز لنا، وقال الفراوي: أخبرنا سماعاً أبو الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي؛ أخبرنا أبو أحمد محمد بن عيسى ابن عمرويه الجلودي، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه، أخبرنا أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري. فإذا قلت: أخبرنا يحيى وأبو (٣) ياسر بإسنادهما عن مسلم، فهو بهذا الإسناد. الموطأ لمالك بن أنس (٤) رواية يحيى بن يحيى (٥) أخبرنا به الشيخ أبو الحرم مكي بن زيان ابن شبه المقري النحوي الماكسيني ﵀، أخبرنا أبو بكر يحيى بن سعدون بن تمام الأزدي القرطبي، أخبرنا الفقيه أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن عتاب، أخبرنا

стр. 14

القاضي أبو الوليد يونس بن عبد اللَّه بن مغيث، أخبرنا أبو عيسى يحيى بن عبيد اللَّه، أخبرنا عم أبي عبيد اللَّه بن يحيى، أخبرنا أبو يحيى بن يحيى، أخبرنا الإمام مالك بن أنس ﵁. فإذا قلت: أخبرنا أبو الحرم بإسناده عن يحيى بن يحيى عن مالك، فهو بهذا الإسناد. الموطأ لمالك أيضاً رواية القعنبي (١) أخبرنا به أَبو المكارم فِتْيان بن أَحمد بن محمد بن سمينة الجوهري، أخبرنا أبو عبد اللَّه الحسين بن محمد بن نصر بن خميس الفقيه، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عبد القادر بن يوسف، أَنبأَنا أَبو عمرو عثمان ابن محمد بن يوسف العلاف، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد اللَّه بن إبراهيم الشافعي، أخبرنا أبو يعقوب إسحاق بن الحسن بن ميمون بن سعد الحربي، أخبرنا القعنبي عن مالك ﵁. مسند أَحمد بن حنبل (٢) أَخبرنا به أَبو ياسر عبد الوهاب بن هبة اللَّه بن أبي حبة قال: أخبرنا أبو القاسم هبة اللَّه بن محمد بن عبد عبد الواحد بن الحصين، أخبرنا أبو علي الحسن بن علي بن المذهب الواعظ، أخبرنا أبو بكر بن مالك القطيعي، أخبرنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي ﵁. فكل ما فيه أخبرنا أبو ياسر أو عبد الوهاب بإسناده، عن عبد اللَّه: حدثني أبي، فهو بهذا الإسناد. مسند أبي داود الطيالسي (٣) أخبرنا به الخطيب أبو الفضل عبد اللَّه بن أحمد بن عبد القاهر الطوسي، أخبرنا أبو سعد محمد بن ابن محمد المطرز الفقيه إذناً، أخبرنا أبو نُعَيم أحمد بن عبد اللَّه بن إسحاق الأصفهاني، وأبو عبد اللَّه الحسين بن إبراهيم الجمال، قالا: أخبرنا أبو محمد عبد اللَّه بن جعفر بن فارس، أخبرنا يونس بن حبيب، أخبرنا أبو داود الطيالسي ﵁. فإذا قلت: قال أبو داود الطيالسي، فهو بهذا الإسناد. الجامع الكبير للترمذي (٤) أخبرنا به أجمع أبو الفداء إسماعيل بن علي بن عبيد الواعظ الموصلي وأبو جعفر عبيد اللَّه بن أحمد بن علي بن السمين، وأخبرنا به ما عدا أبواب الطهارة الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن مهران الشافعي، قالوا: أخبرنا أبو الفتح عبد الملك بن أبي القاسم بن أبي سهل الكروخي، قال: أخبرنا القاضي أبو عامر محمود بن القاسم بن محمد بن محمد الأزدي، وأبو نصر عبد العزيز بن محمد بن علي الترياقي، وأبو بكر

стр. 15

عبد الصمد بن أبي الفضل الفورجي، قالوا: أخبرنا أبو محمد بن أبي الجراح الجراحي المروري، أخبرنا أبو العباس المحبوبي، أخبرنا أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، ﵁، سنن أبي داود السجستاني (١) أخبرنا به أَبو أَحمد عبد الوهاب بن علي بن علي بن الأمين الصوفي الشيخ الصالح المعروف بابن سكينة ﵁، أخبرنا أبو غالب محمد بن الحسن الماوَرْدِيَّ، أخبرنا أبو علي بن أحمد التستري، أخبرنا أبو عمر القاسم بن جعفر الهاشمي، أخبرنا أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي، أخبرنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني. فإذا قلت: أخبرنا أبو أحمد بإسناده عن أبي داود، فهو بهذا الإسناد. سنن أبي عبد الرحمن النسائي (٢) أخبرنا به أبو القاسم يعيش بن صدقة بن علي الفقيه الشافعي الضرير، ﵁، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن محمويه اليزدي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن الحسن الدوني، أخبرنا أبو نصر أحمد بن الحسين الكسار، أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد السبتي، أخبرنا أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، ﵁. فإذا قلت: أخبرنا أبو القاسم أو يعيش باسناده إلى أبى عبد الرحمن، أو أحمد بن شعيب، فهو بهذا الإسناد. مسند أبي يعلى الموصلي (٣) أخبرنا به أبو الفضل المنصور بن أبي الحسن بن أبي عبد اللَّه الطبري الفقيه المخزومي المعروف بالديني، أخبرنا أبو القاسم زاهر بن طاهر الشحامي، أخبرنا أبو سعيد محمد بن عبد الرحمن الكنجرودي، أخبرنا أبو عمرو بن حمدان، أخبرنا أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي ﵁. مغازي ابن إسحاق (٤) أخبرنا به أبو جعفر عبيد اللَّه بن أحمد بن علي، أخبرنا أبو الفضل محمد بن ناصر بن علي، قال: أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن النقور إجازة (ح) قال أبو جعفر: وأخبرنا أبو الحسن علي بن عساكر

стр. 16

البطائحي، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين بن علي المرزوقي، أَخبرنا أَبو الحسين بن النَّقُور، أَخبرنا أَبو طاهر محمد بن عبد الرحمن المخلص، أخبرنا أبو الحسين رضوان بن أحمد الصيدلاني، أخبرنا أبو عمر أحمد بن عبد الجبار العطاردي، حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق. فإذا قلت في الكتاب بهذا الإسناد، فهو معروف. الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (١) أخبرنا به أبو الفرج يَحْيى بن محمود الثقفي إجازة أخبرنا عم جدي الرئيس أبو الفضل جعفر بن عبد الواحد بن محمد الثقفي قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن الأصبهاني، أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن ابن أبي بكر بن محمد بن أبي علي أحمد بن عبد الرحمن الذكواني، أخبرنا أبو بكر عبد اللَّه بن محمد بن العتاب، أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم المصنف. فكل ما في هذا الكتاب عن ابن أبي عاصم فهو بهذا الإسناد، وإذا كان بغيره ذكرته. طبقات محدثي الموصل أخبرنا به أبو منصور بن مكارم بن أحمد بن سعد المؤدب الموصلي، أخبرنا أبو القاسم نصر بن محمد بن صفوان، أخبرنا أبو البركات سعد بن محمد بن إدريس والخطيب أبو الفضائل الحسن بن هبة اللَّه، قالا: أخبرنا أبو الفرج محمد بن إدريس بن محمد إدريس قال: أخبرنا أبو منصور المظفر بن محمد الطوسي، أخبرنا أبو زكريا يزيد بن محمد بن إياس بن القاسم الأزدي المصنف. مسند المعافى بن عمران (٢) أخبرنا به أبو منصور بن مكارم، أيضاً أخبرنا به أبو القاسم ابن صفوان، أخبرنا الخطيب أبو الحسن علي بن إبراهيم السّراج، أخبرنا أبو طاهر هبة اللَّه بن إبراهيم بن أنس، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبيد اللَّه بن طوق، أخبرنا أبو جابر زيد بن عبد العزيز بن حبان، حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن عمار، أخبرنا المعافى بن عمران الأزدي، ﵁. فهذه الكتب التي كثر النقل منها، وما عداها فإنني أذكر إسنادي إليها لأنها لا تتكرر كثيراً، واللَّه ولي التوفيق. فصل نذكر فيه من يطلق عليه اسم الصحبة قال الإمام أبو بكر أحمد بن علي الحافظ بإسناده عن سعيد بن المسيب أنه قال: الصحابة لا نعدهم إلا من أقام مع رسول اللَّه ﷺ سنة أو سنتين وغزا معه غزوة أو غزوتين.

стр. 17

قال الواقدي: ورأينا أهل العلم يقولون: كل من رأى رسول اللَّه ﷺ وقد أدرك الحلم فأسلم، وعقل أمر الدين ورضيه، فهو عندنا ممن صحب رسول اللَّه ﷺ ولو ساعة من نهار، ولكن أصحابه على طبقاتهم وتقدمهم في الإسلام. وقال أحمد بن حنبل: أصحاب رسول اللَّه ﷺ كل من صحبه شهراً أو يوماً أو ساعة أو رآه، وقال محمد بن إسماعيل البخاري: من صحب رسول اللَّه ﷺ أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه. وقال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب (١): لا خلاف بين أهل اللغة في أن الصحابي مشتق من الصحبة وأنه ليس مشتقاً على قدر مخصوص منها؛ بل هو جار على كل من صحب قليلاً كان أو كثيراً، وكذلك جميع الأسماء المشتقة من الأفعال ولذلك يقال: صحبت فلاناً حولاً وشهراً ويوماً وساعة، فيوقع اسم الصحبة لقليل ما يقع عليه منها وكثيره، قال: ومع هذا فقد تقرر للأمة عرف، أنهم لا يستعملون هذه التسمية إلا فيمن، كثرت صحبته، ولا يجيزون ذلك إلا فيمن كثرت صحبته، لا على من من لقيه ساعة أو مشى معه خطاً، أو سمع منه حديثاً؛ فوجب لذلك أن لا يجري هذا الاسم إلا على من هذه حاله، ومع هذا فإن خبر الثقة الأمين عنه مقبول ومعمول به، وإن لم تطل صحبته ولا سمع منه إلا حديثاً واحداً، ولو رد قوله أنه صحابي لرد خبره عن الرسول. وقال الإمام أبو حامد الغزالي: لا يطلق اسم الصحبة إلا على من صحبه، ثم يكفي في الاسم من حيث حيث الوضع الصحبة ولو ساعة، ولكن العرف يخصصه بمن كثرت صحبته. قلت: وأصحاب رسول اللَّه ﷺ على ما شرطوه كثيرون؛ فإن رسول اللَّه شهد حنيناً ومعه اثنا عشر ألفاً سوى الأتباع والنساء، وجاء إليه هوازن مسلمين فاستنقذوا حريمهم وأولادهم، وترك مكة مملوءة ناساً، وكذلك المدينة أيضاً، وكل من اجتاز به من قبائل العرب كانوا مسلمين، فهؤلاء كلهم لهم صحبة، وقد شهد معه تبوك من الخلق الكثير ما لا يحصيهم ديوان، وكذلك حجة الوداع، وكلهم له صحبة، ولم يذكروا إلا هذا القدر، مع أن كثيراً منهم ليست له صحبة، وقد ذكر الشخص لواحد في عدة تراجم، ولكنهم معذورون، فإن من لم يرو ولا يأتي ذكره في رواية كيف السبيل إلى معرفته!. وهذا حين فراغنا من الفصول المقدمة على الكتاب، ثم نخوض غمرته فنقول: نبدأ بذكر سيدنا رسول اللَّه ﷺ تبركاً باسمه، وتشريفاً للكتاب بذكره المبارك، ولأن معرفة المصحوب ينبغي أن تقدم على معرفة الصاحب، وإن كان أظهر من أن يعرف. لقد ظهرت فما تخفى على أحد … إلا على أحد لا يعرف القمرا لكن الأكثر يعرفونه جملة فارغة عن معرفة شيء من أحواله، ونحن نذكر جملاً من تفاصيل أموره على سبيل الاختصار، فنقول وباللَّه التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل:

стр. 18

محمد رسول اللَّه ﷺ هو محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب ابن لُؤَيِّ بن غَالب بن فِهْر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار ابن معد بن عدنان أبو القاسم، سيد ولد آدم ﷺ . فأما ما بعد عدنان من آبائه إلى إسماعيل بن إبراهيم الخليل صلى اللَّه عليهما وسلم، ففيه اختلاف كثير في العدد والأسماء، لا ينضبط ولا يحصل منه غرض فتركناه لذلك، ومصر وربيعة هم صريح ولد إسماعيل باتفاق جميع أهل النسب، وما سوى ذلك فقد اختلفوا فيه اختلافاً كثيراً، وأُم رسول اللَّه ﷺ آمنة بنت وهْب بن عبد مَنَاف بن زُهْرة بن كلاب بن مرة القرشية الزهرية، تجتمع هي وعبد اللَّه اللَّه في كلاب. خرج عبد المطلب بابنه عبد اللَّه إلى وهب بن عبد مناف، فزوجه ابنته آمنة، وقيل كانت آمنة في حجر عمها وهيب بن عبد مناف، فأتاه عبد المطلب، فخطب إليه ابنته هالة بنت وهيب لنفسه، وخطب على ابنه عبد اللَّه ابنة أخيه آمنة بنت وهب، فتزوجا في مجلس واحد فولدت هالة لعبد المطلب حمزة. أخبرنا عبيد اللَّه بن أحمد بن علي بن جعفر بإسناده عن يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: وكانت آمنة بنت وهب تحدث أنها أتيت حين حملت برسول اللَّه ﷺ فقيل لها: إنك حملت بسيد هذه الأمة (١) فسميه محمداً .. فلما وضعته أرسلت إلى جده عبد المطلب تقول: قد ولد لك الليلة ولد فانظر إليه، فلما جاءها أخبرته بالذي رأت. وكان أبوه عبد اللَّه قد توفي وأمه حامل به، وقيل: توفي وللنبي ﷺ ثمانية وعشرون شهراً وقيل: كان له سبعة أشهر، والأول أثبت، وكانت وفاته بالمدينة عند أخواله بني عدي بن النجار، وكان أبوه عبد المطلب بعثه إلى المدينة يمتار (٢) تمراً، فمات، وقيل: بل أرسله إلى الشام في تجاره فعاد من غزة مريضاً فتوفي بالمدينة، وكان عمره خمساً وعشرين سنة ويقال: كان عمره ثمانياً وعشرين سنة. وإنما قيل لبني عدي أخواله لأن أم عبد المطلب سلمى بنت زيد، وقيل بنت عمرو بن زيد، من بني عدي بن النجار. وكان عبد المطلب قد أرسل ابنه الزبير بن عبد المطلب إلى أخيه عبد اللَّه بالمدينة فشهد وفاته، ودفن في دار النابغة.

стр. 19

وكان عبد اللَّه والزبير وأبو طالب إخوة لأب وأم؛ أمهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم. وورث النبي ﷺ من أبيه أم أيمن وخمسة أجمال وقطيع غنم، وسيفاً مأثوراً وورقاً، وكانت أم أيمن تحضنه. قال: أخبرنا ابن إسحاق قال: حدثني المطلب بن عبد اللَّه بن قيس عن أَبيه عن جده قيس بن مَخْرَمَة قال: ولدت أَنا ورسول اللَّه ﷺ عام الفيل كنا لدتين قيل: وكان مولد رسول اللَّه ﷺ يوم الاثنين لعشر ليال خلون من ربيع الأول، ويقال لليلتين خلتا منه، وقيل لثمان خلون منه عام الفيل، وذلك لأربعين سنة مضت من ملك كسرى أنوشروان بن قباذ، وكان ملك أنوشروان سبعاً وأربعين سنة وثمانية أشهر. ولما ولد ختنه جده عبد المطلب في اليوم السابع، وقيل ولد مختوناً مسروراً، وقد استقصينا ذكر آبائه وأسمائهم وأحوالهم في الكامل في التاريخ فلا نطول بذكره هنا؛ فإننا نقصد ذكر الجمل لا التفصيل، ولما ولد رسول اللَّه ﷺ التمسوا له الرضعاء، فاسترضع له امرأة من بنى سعد بن بكر ابن هوازن بن منصور، يقال لها: حليمة بنت أبي ذؤيب واسمه الحارث، فليطلب خبرها من ترجمتها، ومن ترجمة أخته من الرضاعة: الشيماء، فقد ذكرناهما. قال ابن إسحاق: قالت حليمة: «فلم نزل يرينا اللَّه البركة ونتعرفها تعني برسول اللَّه ﷺ حتى بلغ سنتين، فقدمنا به على أمه ونحن أضن شيء به مما رأينا فيه من البركة؛ فلما رأته قلنا لها: دعينا نرجع به هذه السنة الأخرى فإنا نخشى عليه وباء مكة، فسرحته معنا، فأقمنا به شهرين أو ثلاثة؛ فبينا هو خلف بيوتنا مع أخ له إذ جاء أخوه يشتد (١)، فقال: أخي القرشي قد جاء رجلان فأضجعاه وشقا بطنه، فخرجت أنا وأبوه نشتد نحوه، فنجده قائماً ممتقعاً لونه، فاعتنقه أبوه وقال: أي بني، ما شأنك؟ فقال: جاءني رجلان عليهما ثياب بياض فشقا بطني فاستخرجا منه شيئاً ثم رداه فقال أبوه: لقد خشيت أن يكون قد أصيب، فلنرده إلى أهله قبل أن يظهر به ما نتخوف، قالت: فاحتملناه؛ فقالت أمه: ما ردكما به فقد كنتما عليه حريصين؟ فقلنا: إن اللَّه قد أدى عنا وقضينا الذي علينا، وإنا نخشى عليه الأحداث، فقالت: أصدقاني شأنكما، فأخبرناها خبره، فقالت: أخشيتما عليه الشيطان؟ كلا، واللَّه إني رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاءت له قصور الشام، فدعاه عنكما». وأرضعته أيضاً ثويبة مولاة أبي لهب أياماً قبل حليمة بلبن ابن لها يقال له مسروح، وأرضعت قبله حمزة عمه، وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الأسد، ولما هاجر رسول اللَّه ﷺ كان يبعث إلى ثوبية بصلة وكسوة حتى توفيت منصرفه من خيبر سنة سبع، فسأل عن ابنها مسروح فقيل: توفي قبلها، فقال: هل ترك من قرابة؟ فقيل: لم يبق له أحد.

стр. 20

ذكر وفاة أمه وجده وكفالة عمه أبي طالب له وبالإسناد عن ابن إسحاق قال: حدثني عبد اللَّه بن أبي بكر [بن محمد (١)] بن عمرو بن حزم، قال: قدمت آمنة بنت وهب أم رسول اللَّه ﷺ برسول اللَّه ﷺ على أخواله بني عدي بن النجار المدينة، ثم رجعت فماتت بالأبواء (٢) ورسول اللَّه ﷺ ابن ست سنين، وقيل: ماتت بمكة ودفنت في شعب بي دب، والأول أصح. قال ابن إسحاق: وكان رسول اللَّه ﷺ مع جده عبد المطلب قال: فحدثني العباس بن عبد اللَّه بن معبد عن بعض أهله قال: كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة، وكان لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالاً له، وكان رسول اللَّه ﷺ يأتي حتى يجلس عليه، فيذهب أعمامه يؤخرونه، فيقول عبد المطلب: دعوا ابني، ويمسح على ظهره، ويقول: أن لابني هذا لشأناً، فتوفي عبد المطلب، والنبي ابن ثمان سنين، وكان قد كف بصره قبل موته. وكان عبد المطلب أول من خضب بالوسمة، ولما حضره الموت جمع بنيه وأوصاهم برسول اللَّه ﷺ ، فاقترع الزبير وأبو طالب أيهما يكفل رسول اللَّه ﷺ ، فأصابت القرعة أبا طالب فأخذه إليه، وقيل: بل اختاره رسول اللَّه ﷺ على الزبير، وكان ألطف عميه به، وقيل: أوصى عبد المطلب أبا طالب به، وقيل: بل كفله الزبير حتى مات، ثم كفله أبو طالب بعده، وهذا غلط، لأن الزبير شهد حلف الفضول بعد موت عبد المطلب، ولرسول اللَّه ﷺ يومئذ نيف وعشرون سنة. وأجمع العلماء أن رسول اللَّه ﷺ شخص مع عمه أبي طالب إلى الشام بعد موت عبد المطلب بأقل من خمس سنين؛ فهذا يدل على أن أبا طالب كفله، ثم إن أبا طالب سار إلى الشام وأخذ معه رسول اللَّه ﷺ وكان عمره اثنتي عشرة سنة وقيل: تسع سنين والأول أكثر، فرآه بحيرا (٣) الراهب، ورأى علائم النبوة، وكانوا يتوقعون ظهور نبي من قريش، فقال لعمه: ما هذا منك؟ قال: ابني، قال: لا ينبغي أن يكون أبوه حياً، قال: هو ابن أخي. قال: إني لأحسبه الذي بشر به عيسى؛ فإن زمانه قد قرب فاحتفظ به، فرده إلى مكة. ثمّ إن رسول اللَّه ﷺ شهد مع عمومته حرب الفجار (٤)، يوم نخلة، وهو من أعظم أيام الفجار. والفجار حرب كانت بين قريش ومعها كنانة، وبين قيس وقد ذكرناه في الكامل، وهو من أعظم أيام العرب، وكان يناولهم النبل ويحفظ متاعهم، وكان عمره يومئذ نحو عشرين سنة أو ما يقاربها.

стр. 21

وقيل: إنه شهد يوم شمطة أيضاً وهو من أعظم أيام الفجار وكانت الهزيمة فيه على قريش وكنانة، قال الزهري: لم يشهد رسول اللَّه ﷺ هذا اليوم، ولو شهده لم تنهزم قريش، وهذا ليس بشيء؛ فإن رسول اللَّه ﷺ قد انهزم أصحابه عنه يوم أحد، وكثر القتل فيهم. ذكر تزوج رسول اللَّه ﷺ خديجة وذكر أولاده قال: وأخبرنا يونس عن ابن إسحاق قال: وكانت خديجة بنت خويلد امرأة ذات شرف ومال، تستأجر له الرجال، أو تضاربهم بشيء تجعله لهم منه، فلما بلغها عن رسول اللَّه ﷺ ما بلغها من صدق حديثه، وعِظَم أمانته، وكرم أخلاقه، بعثت إليه، فعرضت عليه أن يخرج في مالها إلى الشام مع غلام لها يقال له: ميسرة، فقبله منها رسول اللَّه ﷺ وخرج في مالها إلى الشام، فرآه راهب اسمه نسطور، فأخبر ميسرة أنه نبي هذه الأمة، ثم باع رسول اللَّه ﷺ واشترى ما أراد، ثم أقبل قافلاً، فلما قدم مكة على خديجة بمالها باعته فأضعف أو قريباً، وحدّثها ميسرة عن قول الراهب، فأرسلت إلى رسول اللَّه ﷺ إني قد رُغِبتُ فيك، لقرابتك مني، وشرفك وأمانتك، وحسن خلقك، وصدق حديثك، وعرضت عليه نفسها، فخطبها وتزوجها على اثنتي عشرة أوقية ونش (١) والأوقية أربعون درهماً. وقد ذكرنا ذلك في ترجمة خديجة ﵂. وولد له من الولد بناته كلهن، وأولاده الذكور كلهم من خديجة إلا إبراهيم، فأما البنات فزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة، ﵅، وأما الذكور فالقاسم، وبه كان رسول اللَّه ﷺ يكنى، والطاهر والطيب وقيل: القاسم والطاهر، وعبد اللَّه وهو الطيب؛ لأنه ولد في الإسلام، وقيل: القاسم وعبد اللَّه وهو الطاهر والطيب، فمات القاسم بمكة وهو أول من مات من ولده، ثم عبد اللَّه قاله الزبير بن بكار. وقد ذكرت في خديجة وفي بناته ﵅ أكثر من هذا. ولما تزوج خديجة كان عمره خمساً وعشرين سنة، وكانت هي ابنة أربعين سنة، وقيل غير ذلك. ذكر بناء الكعبة ووضع رسول اللَّه ﷺ الحجر الأسود قال ابن إسحاق: كانت الكعبة رضماً (٢) فوق القامة، فأرادت قريش أن يهدموها ويرفعوها ويسقفوها، وكانوا يهابون هدمها، فاتفق أن نفراً من قريش سرقوا كنز الكعبة، وكان (٣) يكون في جوف الكعبة، وكان البحر قد ألقى سفينة إلى جدة لرجل من الروم، فتحطمت، فأخذوا خشبها فأعدوه لسقفها، فاجتمعت قريش على هدمها، وذلك بعد الفجار بخمس عشرة سنة، ورسول ﷺ إذ ذاك ابن خمس وثلاثين سنة، فلما أجمعوا على هدمها قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران

стр. 22

ابن مخزوم، وهو جد سعيد (١) بن المسيب بن حزن بن أبي وهب، فتناول حجراً من الكعبة فوثب من يده فرجع إلى موضعه، فقال يا معشر قريش، لا تدخلن في بنيانها من كسبكم إلا طيباً، ولا تدخلوا فيها مهر بغي (٢)، ولا رباً (٣) ولا مظلمة. وقيل: إن الوليد بن المغيرة قال هذا. فهدموها واقتسمت قريش عمارة البيت، فكان الباب لبني عبد مناف وبني زهرة، وكان ما بين الركن الأسود واليماني لبني مخزوم وتيم وقبائل من قريش، وكان ظهرها لسهم وجمح، وكان شق الحجر لبني عبد الدار وبني أسد، وبني عدي بن كعب؛ فبنوا حتى بلغ البناء موضع الركن (٤)، فكانت كل قبيلة تريد أن ترفعه حتى تجاذبوا وتخالفوا وأعدوا للقتال، فبقوا أربع ليال أو خمس ليال، فقال أبو أمية المخزومي: يا معشر قريش، اجعلوا بينكم أول من يدخل من باب المسجد، فلما توافقوا على ذلك ورضوا به، دخل رسول اللَّه ﷺ فقالوا: هذا الأمين قد رضينا به، فلما انتهى إليهم أخبروه الخبر، فقال: هلموا ثوباً، فأتوه به، فوضع رسول اللَّه ﷺ الركن فيه بيده، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوا جميعاً، فرفعوه حتى إذا بلغوا به موضعه، وضعه رسول اللَّه ﷺ بيده، ثم بنى عليه. وكان رسول اللَّه ﷺ يسمى في الجاهلية: الأمين، قبل أن يوحى إليه. وقيل: كان سبب بنائها أن السيل ملأ الوادي، ودخل الكعبة فتصدعت، فبنتها قريش. وقيل: إن الذي أشار بأول من يدخل أبو حذيفة بن المغيرة، وكانت هذه فضيلة لرسول اللَّه ﷺ على سائر قريش، ومما قدمه اللَّه له قبل المبعث من الكرامة. ذكر المبعث قالوا: بعث رسول اللَّه ﷺ ، وله أربعون سنة، وذلك في ملك أبرويز بن هرمز بن كسرى أنوشروان ملك الفرس. وقال ابن المسيب: بعثه اللَّه، ، وله ثلاث وأربعون سنة، فأقام بمكة عشراً، وبالمدينة عشراً. وقال ابن إسحاق: بعثه اللَّه وله أربعون سنة، فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشراً. وقيل: إنه كتم أمره ثلاث سنين، فكان يدعو مستخفياً إلى أن أنزل اللَّه تعالى «﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٥)» فأظهر الدعوة.

стр. 23

قال أبو عمر: بعثه اللَّه، ، نبياً يوم الاثنين لثمان من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من عام الفيل. أخبرنا أبو جعفر عبيد اللَّه بن أحمد بإسناده عن يونس عن ابن إسحاق، حدثني عبد الملك بن عبد اللَّه (١) ابن أبي سفيان بن جارية الثقفي - وكان واعية - عن بعض أهل العلم أن رسول اللَّه ﷺ حين أراد اللَّه كرامته (٢) وابتدأه بالنبوة؛ فكان لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم عليه وسمع منه، فيلتفت رسول اللَّه ﷺ خلفه، وعن يمينه وشماله، فلا يرى إلا الشجر وما حوله من الحجارة، وهي تقول: السلام عليك يا رسول اللَّه. وأخبرنا غير واحد بإسنادهم عن محمد بن إسماعيل، أخبرنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عُقَيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزُّبَيْر، عن عائشة أنها قالت: «أوّل ما بدئَ به رسول اللَّه ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم؛ كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء؛ فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد، حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني (٣) حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ قال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ (٤) فرجع بها رسول اللَّه ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة، وذكر الحديث في ذهابها إلى ورقة بن نوفل. وروي عن جابر بإسناد صحيح: أن أول ما نزل من القرآن ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. أخبرنا أبو جعفر بإسناده عن يونس، عن ابن إسحاق قال: فابتدئ رسول اللَّه ﷺ بالتنزيل يوم الجمعة في رمضان بقول اللَّه، ، ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إلى آخر الآية (٥). وقال تعالى: ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ﴾ (٦) وذلك ملتقى رسول اللَّه ﷺ والمشركين يوم بدر صبيحة الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان. وقال يونس عن بشر بن أبي حفص الكندي الدمشقي قال: حدثني مكحول أن رسول اللَّه ﷺ قال لبلال: «لا يغادرنك صيام يوم الاثنين؛ فإني ولدت يوم الاثنين، وأوحي إلي يوم الاثنين، وهاجرت يوم الاثنين». ثم إن جبريل ﵇ علم رسول اللَّه ﷺ الوضوء، والصلاة ركعتين، فأتى خديجة فأخبرها، فتوضأت وصلت ركعتين معه، وقيل: كانت الصلاة الضحى والعصر.

стр. 24

ثم دعا الناس إلى الإسلام، وقد ذكرنا أول من أسلم في أبي بكر، وعلي، وزيد بن حارثة، واستجاب له نفر من الناس سراً حتى كثروا فظهر أمرهم، والوجوه من كفار قريش غير منكرين لما يقول، وكان إذا مر بهم يقولون: «إن محمداً يكلم من السماء» فلم يزالوا كذلك، حتى أظهر عيب آلهتهم، وأخبرهم أن آباءهم ماتوا على الكفر والضلال، وأنهم في النار، فعادوه وأبغضوه، وآذوه، وكان أصحابه إذا صلوا انطلقوا إلى الأودية وصلوا سراً، ولما أظهرت قريش عداوته حدب عليه أبو طالب عمه ونصره ومنعه، ثمّ إن رسول اللَّه ﷺ لما خاف كفار قريش، اختفى هو ومن معه في دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي إلى أن أسلم عمر فخرجوا، ووثبت قريش على من فيها من المستضعفين فعذبوهم، وذكرنا ذلك في أسمائهم مثل: بلال، وعمار، وصهيب وغيرهم، ثم إن المسلمين هاجروا إلى الحبشة هجرتين على ما نذكره، إِن شاءَ اللَّه تعالى، وأرادت قريش قتل رسول اللَّه ﷺ وإنْ يترك أبو طالب بينهم وبينه، فلم يفعل؛ فكتبوا صحيفة. على أن يقاطعوا بني هاشم وبني المطلب ومن أسلم معهم ولا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يكلموهم ولا يجلسوا إليهم؛ على ما نذكره، إِن شاءَ اللَّه تعالى. ذكر وفاة خديجة وأبى طالب وذهاب رسول اللَّه ﷺ إلى الطائف وعوده قال رسول اللَّه ﷺ : «ما زالت قريش كاعة (١) عني حتى مات عمي أبو طالب». وفي السنة العاشرة أول ذي القعدة وقيل: النصف من شوال توفي أبو طالب وكان عمره بضعاً وثمانين سنة، ثم توفيت بعده خديجة بثلاثة أيام، وقيل بشهر، وقيل: كان بينهما شهر وخمسة أيام، وقيل: خمسون يوماً ودفنها رسول اللَّه ﷺ بالحجون (٢)، ولم تكن الصلاة على الجنائز يومئذ، وقيل: إنها ماتت قبل أبي طالب وكان عمرها خمساً وستين سنة، وكان مقامها مع رسول اللَّه ﷺ بعد ما تزوجها أربعاً وعشرين سنة وستة أشهر، وكان موتها قبل الهجرة بثلاث سنين وثلاثة أشهر ونصف، وقيل: قبل الهجرة بسنة، واللَّه أعلم. قال عروة: ما ماتت خديجة إلا بعد الإسراء، وبعد أن صلت الفريضة مع رسول اللَّه ﷺ وسلم، ولما اشتد بأبي طالب مرضه دعا بني عبد المطلب فقال: إنكم لن تزالوا بخير ما سمعتم قول محمد واتبعتم أمره؛ فاتبعوه وصدقوه ترشدوا. أخبرنا عبيد اللَّه بن أحمد بإسناده عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: ثم إن خديجة وأبا طالب ماتا في عام واحد؛ فتتابعت على رسول اللَّه ﷺ المصائب، وكانت خديجة وزير صدق على الإسلام، وكان يسكن إليها (٣)، ولم يتزوج عليها رسول اللَّه ﷺ حتى ماتت. ولما توفيا خرج رسول اللَّه ﷺ إلى الطائف لثلاث بقين من شوال سنة عشر من المبعث، ومعه مولاه زيد بن حارثة، يدعوهم إلى الإسلام؛ فآذته ثقيف وسمع منهم ما يكره، وأغروا به سفهاءهم، وذكرنا القصة في «عداس» وغيره، ولما عاد من الطائف أرسل إلى المطعم بن عدي يطلب منه أن يجيره،

стр. 25

فأجاره فدخل المسجد معه، وكان رسول اللَّه ﷺ يشكرها له، وكان دخوله من الطائف لثلاث وعشرين ليلة خلت من ذي القعدة. ذكر الإسراء أُسرِيَ برسول اللَّه ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وقد اختلفوا في المكان الذي أسري به منه فقيل: المسجد. وقيل: كان في بيته. وقيل: كان في بيت أم هانئ ومن قال هذين قال: المدينة كلها مسجد. واختلفوا في الوقت الذي أسرى به فيه، فروى عمرو بن شعيب عن أَبيه عن جده أنه أسري به ليلة سبع من ربيع الأول قبل الهجرة بسنة، وقال ابن عباس وأنس: أسري به قبل الهجرة بسنة. وقال السدي: قبل الهجرة بستة أشهر. وقال الواقدي: أسري به لسبع عشرة من رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهراً، وقيل: أسري به في رجب. أخبرنا أبو الفرج محمد بن عبد الرحمن بن أبي العز الواسطي، والحسين بن صالح بن فنا خسرو التكريتي وغيرهما، قالوا بإسنادهم عن محمد بن إسماعيل قال: حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا همام بن يحيى، حدثنا قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة أن نبي اللَّه ﷺ حدثهم عن ليلة أسرى به قال: «بينما أنا في الحطيم - وربما قال في الحجر - مضطجعاً إذ أتاني آت فقد قال، وسمعته يقول: فشق ما بين هذه إلى هذه فقلت للجارود - وهو إلى جنبي - ما يعني؟ قال من ثغرة نحره إلى شعرته فاستخرج قلبي، ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيماناً، فغسل قلبي، ثم حشي ثم أعيد، ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض، فقال له الجارود: هو البراق يا أبا حمزة؟ قال: نعم، يضع خطوه عند أقصى طرفه، فحملت عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا، فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبريل قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً، فنعم المجيء جاء». وذكر الحديث في صعوده إلى السماء السابعة وإلى سدرة المنتهى قال: «فمررت على موسى فقال لي: بم أمرت؟ قلت أمرت بخمسين صلاة كل يوم. قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك؛ قد جربت بني إسرائيل قبلك، فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى، فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى فأخبرته، فقال: إن أمتك لا تطيق ذلك. فلم أزل بين ربي وموسى حتى جعلها خمساً، فقال موسى: إن أمتك لا تطيق ذلك فسله التخفيف، قال: قلت قد سألت ربي حتى استحييت، فلما جاوزت نادى مناد: قد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي». قال أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري قالوا: قرض على رسول اللَّه ﷺ الصلاة ركعتين ركعتين ثم أتمت صلاة المقيم أربعاً، وبقيت صلاة المسافر على حالها، وذلك قبل قدومُ رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة مهاجراً بشهر.

стр. 26

الهجرة إلى المدينة لما بايعت الأنصار رسول اللَّه ﷺ على ما نذكره، إن شاء اللَّه تعالى، أمر أصحابه فهاجروا إلى المدينة، وبقي هو وأبو بكر وعلي فخرج هو وأبو بكر مستخفيين من قريش فقصدا غارا بحبل ثور، فأقاما به ثلاثة، وقيل أكثر من ذلك؛ ثم سارا إلى المدينة ومعهما عامر بن فهيرة مولى أبى أبي بكر، ودليلهم عبد اللَّه بن أُريقط، وكان مقامه بمكة عشر سنين، وقيل ثلاثَ عشرةَ سنة، وقيل خمس عشرة سنة، والأكثر ثلاث عشرة سنة. وكان قدومُ رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة في قول ابن إسحاق يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول، وقال الكلبي: خرج من الغار أول ربيع الأول، وقدم المدينة لاثنتي عشرة خلت منه يوم الجمعة، واللَّه تعالى أعلم. ذكر الحوادث بعد الهجرة أخبرنا أبو الفرج بن أبي الرَّجاء الأصبهاني، أخبرنا الأديب أبو الطيب طلحة بن أبي منصور الحسين ابن أبي ذر الصالحاني، أخبرنا جدي أبو ذر محمد بن إبراهيم سبط الصالحاني، أخبرنا أبو الشيخ الحافظ، حدثنا ابن أبي حاتم، حدثنا الفضل بن شاذان، حدثنا محمد بن عمرو زنيج، حدثنا أبو زهير، حدثنا الحجاج بن أبي عثمان الصواف عن أبي الزبير عن جابر قال: غزا رسول اللَّه ﷺ إحدى وعشرين غزوة بنفسه، شهدت منها تسع عشرة غزوة وغبت عن اثنتين. أخبرنا عبيد اللَّه بن أحمد بن علي بإسناده، عن يونس عن ابن إسحاق قال: فجميع ما غزا رسول اللَّه ﷺ بنفسه ست وعشرون غزوة. وأول غزوة غزاها «ودان (١)» وهي الأبواء؛ قال ابن إسحاق: وكان آخر غزوة غزاها رسول اللَّه ﷺ حتى قبضه اللَّه تعالى تبوك، وبالإسناد عن ابن إسحاق قال: وكانت سرايا رسول اللَّه ﷺ وبعوثه فيما بين أن قدم المدينة إلى أن قبضه اللَّه خمسة وثلاثين من بعث وسرية. وفي السنة الأولى من الهجرة بعد شهر من مقدمة المدينة، جعلت الصلاة أربع ركعات، وكانت ركعتين. وفيها صلى رسول اللَّه ﷺ الجمعة لما ارتحل من قباء إلى المدينة، صلاها في طريقه في بني سالم وهي أول جمعة صليت، وخطبهم وهي أول خطبة في الإسلام. وفيها بَنَى رسولُ اللَّه ﷺ مسجده ومساكنه ومسجده قباء. وفيها أري عبد اللَّه بن زيد الأذان (٢)، فعلمه بلالا المؤذن. وفيها آخى رسول اللَّه ﷺ بين المهاجرين والأنصار، بعد ثمانية أشهر. وفي السنة الثانية كانت غزوة بدر العظمى في شهر رمضان.

стр. 27

وفيها، في شعبان، فرض صوم رمضان، وأَمر رسول اللَّه ﷺ بزكاة الفطر. وفيها، في شعبان، أيضاً صرفت القبلة عن البيت المقدس إلى الكعبة، وقيل في رجب. وفيها فرضت زكاة الفطر قبل العيد بيومين. وفيها ضحى رسول اللَّه ﷺ بالمدينة، وخرج بالناس إلى المصلى، وذبح بيده شاتين، وقيل شاة، وفي السنة الثالثة كانت غزوة أحد في شوال، وفيها، وقيل سنة أربع، حرمت الخمر في ربيع الأول وفي سنة أربع صلى رسول اللَّه ﷺ صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع، وقيل: إن فيها قصرت الصلاة. وفيها رجم رسول اللَّه ﷺ اليهودي واليهودية والقصة معروفة (١). وفيها نزلت آية التيمم (٢). وفي سنة خمس نزلت آية الحجاب (٣) في ذي القعدة. وفيها زلزلت المدينة، فقال رسول اللَّه» ﷺ : «إن اللَّه يستعتبكم فأعتبوه» (٤) وفيها كانت غزوة الخندق. وفي سنة ست قال أهل الإفك ما قالوا في غزوة بني المصطلق (٥). وفيها قال عبد اللَّه بن أبي بن سلول رأس المنافقين: «لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ (٦).» وفيها كسفت الشمس، فصلى رسول اللَّه ﷺ صلاة الكسوف وهي أول ما صليت. وفيها في ذي القعدة اعتمر رسول اللَّه ﷺ عمرة الحديبية، وبايع بيعة الرضوان تحت الشجرة. وفيها قحط الناس فاستسقى رسول اللَّه ﷺ فأتاهم المطر ودام، فقال له رجل: يا رسول اللَّه، انقطعت الطرق وتهدمت المنازل؛ فقال رسول اللَّه ﷺ «اللَّهمّ حوالينا ولا علينا» فانقشع السحاب عن المدينة. وفيها سابق رسول اللَّه ﷺ بين الرواحل، فسبق قعود لرجل من العرب القصواء ناقة رسول اللَّه ﷺ ولم تكن تسبق قبلها، فاشتد ذلك على المسلمين، فقال رسول اللَّه ﷺ : «حق على اللَّه أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه». وفيها أيضاً سابق بين الخيل، فسبق فرس لأبي بكر فأخذ السبق؛ وهذان أول مسابقة كانت في الإسلام وفي سنة سبع اعتمر رسول اللَّه عمرة القضاء، قضاء عن عمرة الحديبية، حيث صده المشركون، فاضطبع (٧) فيها رسول اللَّه والمسلمون ورملوا، وهو أول اضطباع ورمل كان في الإسلام.

стр. 28

وفيها كانت غزوة خيبر. وفيها سم ﷺ ، سمته امرأة اسمها زينب امرأة سلام (١) بن مشكم، أهدت له شاة مسمومة فأكل منها. وفيها بعث رسول اللَّه ﷺ الرسل إلى الملوك: كسرى وقيصر والنجاشي وملك غسان وهوذة بن علي، واتخذ رسول اللَّه ﷺ الخاتم وختم به الكتب التي سيرها إلى الملوك. وفيها حرم رسول اللَّه ﷺ لحوم الحمر الأهلية، ومتعة النساء يوم خيبر. وفي سنة ثمان عمل منبر رسول اللَّه ﷺ فخطب عليه، وكان يخطب إلى جزع فحن الجذع حتى سمع الناس صوته، فنزل إليه فوضع يده عليه فسكن، وهو أول منبر عمل في الإسلام. وفيها أقاد رسول اللَّه ﷺ رجلا من هذيل برجل من بني ليث، وهو أول قود كان في الإسلام. وفيها فتح رسول اللَّه ﷺ مكة، وحصر الطائف، ونصب عليه المنجنيق وهو أول منجنيق نصب في الإسلام. وفي سنة تسع آلى رسول اللَّه من نسائه، وأقسم أن لا يدخل عليهن شهراً، والقصة مشهورة. وفيها هدم رسول اللَّه مسجد الضرار بالمدينة، وكان المنافقون بنوه، وكان هدمه بعد عود رسول اللَّه ﷺ من تبوك. وفيها قدمت الوفود على رسول اللَّه ﷺ من كل النواحي وكانت تسمى سنة الوفود. وفيها لاعن رسول اللَّه ﷺ بين عويمر العجلاني، وبين امرأته في مسجده بعد العصر في شعبان، وكان عويمر قدم من تبوك فوجدها حبلى. وفيها في شوال مات عبد اللَّه بن أبي بن سلول المنافق، فصلى عليه رسول اللَّه ﷺ ولم يصل بعدها على منافق، لأن اللَّه أنزل «﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً﴾ (٢)». وفيها أمر رسول اللَّه ﷺ أبا بكر على الحج، فحج بالناس، وأمر علي بن أبي طالب أن يقرأ سورة براءة على المشركين وينبذ إليهم عهدهم، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، وهي آخر حجة حجها المشركون. وفي سنة عشر نزلت ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ﴾ (٣) وكانوا لا يفعلونه قبل ذلك. وفيها حج رسول اللَّه ﷺ حجة الوداع، وقيل: إنه اعتمر معها، ولم يحج رسول اللَّه بعد الهجرة غيرها.

стр. 29

ذكر صفته وشيء من أخلاقه ﷺ أخبرنا الحسين بن توحن بن أبوية بن النعمان الباورى، وأحمد بن عثمان بن أبي علي، قالا: أخبرنا أبو الفضل محمد بن عبد الواحد بن محمد النيلي الأصفهاني، أخبرنا أبو القاسم أحمد بن منصور الخليلي البلخي، أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد بن محمد الخزاعي، أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي، حدثنا محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا جُمَيع بن عمر بن عبد الرحمن العجلي، حدثني رجل من وفد أبي هالة زوج خديجة، يكنى: أبا عبد اللَّه، عن ابن أبي هالة، عن الحسن بن علي ﵄ قال: سألت خالي هند بن أبي هالة، وكان وصافاً، عن حلية رسول اللَّه ﷺ وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئاً أتعلق به، فقال: كان رسول اللَّه ﷺ فخماً (١) مفخَّماً، يتلألأُ وجهه تَلألُؤَ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع وأقصر من المُشَذَّب، عظيمَ الهامة، رَجِل الشَّعر، إن انفرقت عقيصته فرق، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أُذنيه إذا هو وَفَّرَه، أزهرَ اللون، واسعَ الجبين، أزجَّ الحَواجب سَوَابِغَ في غير قَرَن، بينهما عِرْق يُدِرّه الغضب أقنى العِرْنين، له نورٌ يعلوه، يحسبه من لم يتأَمَّله أشمّ، كث اللِّحية، سهل الخدين، ضَلِيع الفم، مفلَّج الأسنان، دقيق المسربة، كأن عنقه جيدُ دُمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادن متماسك، سَواء البطن والصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، أنور المتجرَّد، موصول ما بين السُّرَّة واللَّبّة بشعر يجري كالخط، عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر، رحب الراحة، شثن الكفين والقدمين، سائل الأطراف، أو سائن الأطراف، خُمْصان، الأخمصين مسيح القدمين ينبو عنهما الماء إذا زال زال قلعاً يخطو تكفياً، ويمشي هوناً ذَرِيع المِشية، إذا مشى كأنما ينحط من صَبَب، وإذا التفت التفت جميعاً، خافض الطرف، نظرُه إلى الأرض أطولُ من نظره إلى السماء، جل نَظَره الملاحظة يسوق أصحابه، يبدر من لقي بالسلام. قال: وحدثنا محمد بن عيسى، أحمد بن عبدة الضبي، وعلي بن حجر، وأبو جعفر محمد بن الحسين وهو ابن أبي حليمة، المعنى واحد، قالوا حدثنا عيسى بن يونس، عن عمر بن عبد اللَّه مولى غفرة، حدثنا إبراهيم بن محمد من ولد علي بن أبي طالب قال: كان علي ﵁ إذا وصف رسول اللَّه ﷺ قال: لم يكن بالطويل الممغط ولا بالقصير المتردد، كان ربعة من القوم، لم يكن بالجعد القطط ولا بالسبط، كان جعداً رجلاً، ولم يكن بالمطهم ولا بالمكلثم كان في وجهه تدوير أبيض مشرب، أدعج العينين أهدب الأشفار، جليل المشاش والكتد، أجرد ذو مسربة، شثن الكفين والقدمين، إذا مشى تقلع كأنما ينحط من صبب، إذا التفت التفت معاً، بين كتفيه خاتم النبوة، وهو خاتم النبيين، أجرأ الناس صدراً وأصدق الناس لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ .

стр. 30

أخبرنا يحيى بن محمود بن سعد الأصْفهاني، أخبرنا أبو الطيب طلحة بن أبي منصور الحسين بن أبي الصالحاني، أخبرنا جدي أبو ذر محمد بن إبراهيم سبط الصالحاني الواعظ، أخبرنا أبو محمد عبد اللَّه بن محمد ابن جعفر أبو الشيخ، حدثنا محمد بن العباس بن أيوب، حدثنا عبيد بن إسماعيل الهباري من كتابه (ح) قال أبو الشيخ: وحدثنا إسحاق بن جميل حدثنا سفيان بن وكيع قالا: حدثنا جميع بن عمر العجلي، حدثني رجل من بني تميم من ولد أبي هالة زوج خديجة عن ابن أبي هالة عن الحسن بن علي قال: سألت خالي عن دخول (١) النبي ﷺ فقال: كان دخوله لنفسه مأذون له في ذلك، فكان إذا أوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزءاً للَّه، ، وجزءاً لأهله وجزءاً لنفسه، ثم يجعل جزءه بينه وبين الناس، فيرد ذلك على العامة بالخاصة، ولا يدخر عنهم شيئاً. فكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل على قدر فضائلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما يصلحهم والأمة عن مسألتهم وإخبارهم بالذي ينبغي لهم، ويقول: «ليبلغ الشاهد الغائب، وأبلغوني حاجة من لا يقدر على إبلاغي حاجته؛ فإنه من أبلغ سلطاناً حاجة من لا يستطيع إبلاغها إياه ثبت اللَّه قدميه يوم القيامة» لا يذكر عنده إلا ذلك ولا يقبل من أحد غيره، يدخلون رواداً ولا يتفرقون إلا عن ذواق (٢) ويخرجون أدلة (٣). قال: فسألته عن مخرجه: كيف كان يصنع فيه؟ فقال: كان رسول اللَّه ﷺ يخزن لسانه إلا فيما يعنيه أو يعنيهم، ويؤلفهم ولا ينفرهم، ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم، ويحذر الناس ويحترس منهم، من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره ولا خلقه، ويتفقد أصحابه، ويسأل عما في الناس، يحسن الحسن ويقويه، ويقبح القبيح ويوهيه. معتدل الأمر غير مختلف، لا يميل مخافة أن يغفلوا ويميلوا، لا يقصر عن الحق ولا يتجاوزه، الذين يلونه من الناس خيارهم، وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة. فسألته عن مجلسه فقال: كان رسول اللَّه ﷺ لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر اللَّه ، ولا يوطن الأماكن وينهي عن إيطانها (٤) وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطي كل جلسائه نصيبه، لا يحسب أحد من جلسائه أن أحداً أكرم عليه منه؛ من جالسه أو قاومه لحاجة سايره حتى يكون هو المنصرف، ومن سأله حاجة لم ينصرف إلا بها، أو بميسور من القول، قد وسع الناس خلقه فصار لهم أباً، وصاروا عنده في الحق سواء، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة وصدق، لا ترفع فيه

стр. 31

الأصوات ولا تئوبن فيه الحرم (١)، ولا تنثى (٢) فلتاته، معتدلين يتواصون فيه بالتقوى، متواضعين يوقرون فيه الكبير ويرحمون فيه الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة ويحفظون الغريب. قلت: كيف كانت سيرته في جلسائه؟ قال: كان رسول اللَّه ﷺ دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب (٣) في الأسواق، ولا فاحش ولا عياب ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يؤيس منه ولا يحبب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والإكثار، وما لا يعنيه. وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحداً ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رءوسهم الطير، وإذا سكت تكلموا، ولا يتنازعون عنده الحديث. من تكلم أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم عنده حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته؛ حتى كان أصحابه يستجلبونهم فيقول: إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فأرفدوه، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ (٤)، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز فيقطعه بنهي أو قيام. قال: فسألته كيف كان سكوته؟ فقال: كان سكوت رسول اللَّه ﷺ على أربع، على الحلم، والحذر، والتقدير، والتفكير؛ فأما تقديره ففي تسوية النظر والاستماع من الناس، وأما تفكيره ففيما يبقى ويفنى، وجمع له الحلم والصبر، فكان لا يغضبه شيء ولا يستفزه، وجمع له الحذر في أربعة: أخذه بالحسن ليقتدى به، وتركه القبيح ليتناهى عنه، واجتهاده الرأي فيما أصلح أمته، والقيام فيما هو خير لهم، وفيما جمع لهم خير الدنيا والآخرة. تفسير غريبه كان فخماً مفخماً: أي كان جميلاً مهيباً، مع تمام كل ما في الوجه، من غير ضخامة ولا نقصان. والمشذب: المفرط في الطول ولا عرض له، وأصله النخلة إذا جردت عن سعفها كانت أفحش في الطول، يعني أن طوله يناسب عرضه. وقوله عظيم الهامة: أي تام الرأس في تدويره. والرجل: بين القطط والسبط. والعقيصة فعيلة بمعنى مفعولة، وهي الشعر المجموع في القفا من الرأس، يريد: إن تفرق شعره بعد ما جمعه وعقصه فرق - بتخفيف الراء - وترك كل شيء في منبته، وقال ابن قتيبة: كان هذا أول الإسلام ثم فرق شعره بعد. والأزهر: هو الأنور الأبيض المشرق، وجاء في الحديث الآخر: أبيض مشرباً حمرة، ولا تناقض يعني ما ظهر منه للشمس مشرب حمرة، وما لم يظهر فهو أزهر.

стр. 32

وقوله: أزج الحواجب في غير قرن، يعني أن حاجبيه طويلة سابغة غير مقترنة. أي ملتصقة في وسط أعلى الأنف، بل هو أبلج: والبلج بياض بين الحاجبين، وإنما جمع الحواجب لأن كل اثنين فما فوقهما جمع، قال اللَّه تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ (١) يعني: داود وسليمان، وأمثاله كثير. وقوله: بينهما عرق يدره الغضب أي إذا غضب النبي امتلأ العرق دماً فيرتفع. وقوله: أقنى العرنين، فالعرنين: الأنف والقنا: طول في الأنف مع دقة الأرنبة، والأشم: الدقيق الأنف المرتفعه يعني أن القنا الذي فيه ليس بمفرط. سهل الحدين، يريد: ليس فيهما نتوء وارتفاع، وقال بعضهم: يريد أسيل الخدين. والضليع الفم: أي الواسع وكانت العرب تستحسنه. والأسنان المفلجة: أي المتفرقة. والمسربة: الشعر ما بين اللبة إلى السرة. والجيد: العنق. والدمية: الصورة. وقوله: معتدل الخلق أي: كل شيء من بدنه يناسب ما يليه في الحسن والتمام. والبادن: التام اللحم، والمتماسك: الممتلئ لحما غير مسترخ. وقوله: سواء البطن والصدر: أي ليس بطنه مرتفعا ولكنه مساو لصدره. والكراديس، رءوس العظام مثل الركبتين والمرفقين وغيرهما. والمتجرد: أي ما تستره الثياب من البدن فيتجرد عنها في بعض الأحيان يصفها بشدة البياض وقوله: رحب الراحة: يكنون به عن السخاء والكرم. والشثن: الغليظ. وقوله: خمصان الأخمصين فالأخمص وسط القدم من أسفل، يعني أن أخمصه مرتفع من الأرض تشبيهاً بالخمصان، وهو ضامر البطن. وقوله مسيح القدمين: أي ظهر قدميه ممسوح أملس لا يقف عليه الماء. وقوله: زال قلعاً إن روي بفتح القاف كان مصدراً بمعنى الفاعل، أي: يزول قالعاً لرجله من الأرض، وقال بعض أهل اللغة بضم القاف، وحكى أبو عبيد الهروي (٢) أنه رأى بخط الأزهري بفتح القاف وكسر اللام؛ غير أن المعنى فيه ما ذكرناه، وأنه ﵇ كان لا يخط الأرض برجليه. وقوله: تكفياً، أي: يميد في مشيته. والذريع: السريع المشي، وقد كان يتثبت في مشيته ويتابع الخطو ويسبق غيره، وورد في حديث آخر: كان يمشي على هينة وأصحابه يسرعون فلا يدركونه. والصبب: الحدور وقوله: يسوق أصحابه: أي يقدمهم بين يديه. وقوله: يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، قيل: إنه كان يتشدق في كلامه، بأن يفتح فاه كله ويتقعّر في الكلام (٣).

стр. 33

وأشاح: أي أعرض، وترد بمعنى جد وانكمش. وقوله: فيرد ذلك على العامة بالخاصة: يعني أن الخاصة تصل إليه فتستفيد منه، ثم يردون ذلك إلى العامة، ولهذا كان يقول: ليليني منكم أولو الأحلام والنهي. يحذر الناس: أكثر الرواة على فتح الياء والذال والتخفيف، يعني يحترس منهم، وإن روي بضم الياء وتشديد الذال وكسرها فله معنى، أي: إنه يحذر بعض الناس من بعض. وقوله: لا يوطن الأماكن: يعني لا يتخذ لنفسه مجلساً لا يجلس إلا فيه، وقد فسره ما بعده. قاومه: أي قام معه. وقوله: لا تؤبن فيه الحرم، أي: لا يذكرن بسوء، وقوله: ولا تنثى فلتاته أي: لا تذكر، والفلتات هو ما يبدر من الرجل، والهاء عائدة إلى المجلس. وقوله لا يتفرقون إلا عن ذواق: الأصل فيه الطعام إلا أن المفسرين حملوه على العلم والخير لان الذوق قد يستعار. قال اللَّه تعالى ﴿فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ (١) أي لا يقومون من عنده إلا وقد استفادوا علما وخيرا. والممغط: الذاهب طولاً، يقال: تمغط في نشابته (٢): مدها مداً شديداً، فعلى هذا هو فعل، وقيل: هو انفعل فأدغم، يقال: مغطه فانمغط وامتغط أي امتد. والمطهم: البادن الكثير اللحم. والمكلثم المدور الوجه، وقيل: المكلثم من الوجه القصير الحنك الداني الجبهة المستدير الوجه، والجمع بين هذا وبين قوله: في وجهه تدوير وقوله سهل الخدين أنه لم يكن بالأسيل جداً، ولا المدور مع إفراط التدوير، بل كان بينهما، وهو أحسن ما يكون. ذكر جمل من أخلاقه ومعجزاته ﷺ كان رسول اللَّه ﷺ أعبد الناس، قام في الصلاة حتى تفطرت قدماه (٣)، وكان أزهد الناس؛ لا يجد في أكثر الأوقات ما يأكل، وكان فراشه محشواً ليفاً، وربما كان كساء من شعر. وكان أحلم الناس يحب العفو والستر ويأمر بهما، وكان أجود الناس؛ قالت عائشة: «كان عند النبي ﷺ ستة دنانير فأخرج أربعة وبقي ديناران، فامتنع منه النوم، فسألته فأخبرها، فقالت: إذا أصبحت فضعها في مواضعها، فقال: ومن لي بالصبح» وما سئل شيئاً قط فقال: لا. وكان أشجع الناس؛ قال علي: «كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول اللَّه ﷺ فكان أقربنا إلى العدو». وكان متواضعاً في شرفه وعلو محله؛ كانت الوليدة من ولائد المدينة تأخذ بيده في حاجتها، فلا يفارقها حتى تكون هي التي تنصرف، وما دعاه أحد إلا قال: لبيك.

стр. 34

وكان طويل الصمت، ضحكه التبسم، وكان يخوض مع أصحابه إذا تحدثوا، فيذكرون الدنيا فيذكرها معهم، ويذكرون الآخرة فيذكرها معهم. ولم يكن فاحشا ولا يجزى بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح؛ قالت عائشة: ما خير رسول اللَّه ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً أو قطيعة رحم؛ فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما ضرب امرأة قط، ولا ضرب خادماً، ولا ضرب شيئاً قط إلا أن يجاهد. وقال أنس: خدمت رسول اللَّه ﷺ عَشْرَ سنين فما سبني قط ولا ضربني ولا انتهرني ولا عبس في وجهي، ولا أمرني بأمر فتوانيت فيه فعاتبني، فإن عتب أحد من أهله قال: دعوه فلو قدر لكان. وكان أشد الناس لطفاً؛ وقالت عائشة ﵂: «كان يرقع الثوب ويقم البيت، ويخصف النعل، ويطحن عن خادمه إذا أعيا. هذا القدر كاف، وتركنا أسانيدها اختصارا. وأما معجزاته ﷺ فهي أكثر من أن تحصى فمنها: إخباره عن عير قريش ليلة أسري به أنها تقدم وقت كذا فكان كما قال. ومنها ما أخبر به من قتل كفار قريش ببدر، وموضع كل واحد منهم فكان كذلك. ولما اتخذ المنبر حن الجذع الذي كان يخطب عنده حتى التزمه فسكن. ومنها أن الماء نبع من بين أصابعه غير مرة. وبورك في الطعام القليل حتى كان يأكل منه الكثير من الناس، فعل ذلك كثيراً. وأمر شجرة بالمجيء إليه فجاءت، وأمرها بالعود فعادت، وسبح الحصى بيده. ومنها ما أخبر به من الغيوب، فوقع بعده كما قال: مثل إخباره عن انتشار دعوته وفتح الشام ومصر وبلاد الفرس وعدد الخلفاء، وأن بعدهم يكون ملك وإخباره أن بعده أبا بكر وعمر. وقوله عن عثمان: يدخل الجنة على بلوى تصيبه، وقوله: «إن اللَّه مقمصك قَمِيصاً فإن أرادوك على خَلْعه فلا تَخْلَعْه لهم» يعني الخلافة وقوله: «لعلك تضرب على هذه فتختضب» يعني جانب رأسه ولحيته، فكان كذلك. وقوله عن ابنه الحسن: «يصلح اللَّه به بين فئتين عظيمتين». وقوله عن عمار: «تقتلك الفئة الباغية». وإشارته بالوصف إلى المختار والحجاج، إلى غير ذلك مما لا يحصى. وما ظهر بمولده من المعجزات منها: الفيل وهو الأمر المجمع عليه وارتجاس (١) إيوان كسرى، وإخبار أهل الكتاب بنبوته قبل ظهوره، إلى غير ذلك مما لا نطول به، ففي هذا كفاية.

стр. 35

ذكر لباسه وسلاحه ودوابه ﷺ كان رسول اللَّه ﷺ يسمي كل شيء له، فكان لرسول اللَّه ﷺ عمامة تسمى: السّحاب. وكان يلبس تحت العمامة القلانس اللاطئة (١). وكان له رداء اسمه: الفتح. وكان له سيوف منها: سيف ورثه من أبيه، ومنها ذو الفقار، والمخذم، والرسوب، والقضيب. وكان له دروع: ذات الفضول، وذات الوشاح، والبتراء، وذات الحواشي، والحرنق (٢). وكان له منطقة (٣) من أدم مبشور، فيها ثلاث حلق من فضة. واسم رمحه: المثوى، واسم حربته: العنزة، وهي حربة صغيرة شبه العكاز، وكانت تحمل معه في العيد، تجعل بين يديه يصلي إليها، وله حربة كبيرة اسمها: البيضاء. وكان له محجن (٤) قدر ذراع، وكان له مخصرة (٥) تسمى: العرجون. وكان اسم قوسه: الكتوم، واسم كنانته: الكافور واسم نبله: الموتصلة، واسم ترسه: الزّلوق، ومغفرة: ذو السبوغ. وكان له أفراس: المرتجز، كان أبيض، وهو الذي اشتراه من الأعرابي وشهد به خزيمة بن ثابت وقيل: هو غير هذا واللَّه أعلم، وذو العقال، والسكب، وهو أدهم، والشحاء، والبحر، وهو كميت، واللحيف، أهداه له ربيعة بن ملاعب الأسنة، واللّزاز، أهداه له المقوقس، والظرب، أهداه له فروة الجذامى، وقيل: إن فروة أهدى له بغلة، وكان له فرس اسمه: سبحة؛ راهن عليه رسول اللَّه ﵇ فجاء سابقاً، فهش لذلك. وكانت له بغلة اسمها دلدل، أخذها علي بعد النبي ﷺ فكان يركبها، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم محمد بن الحنفية، فكبرت وعميت، فدخلت مبطحة، فرماها رجل بسهم فقتلها، وبغلة يقال لها: الإيلية، وكانت محذوفة طويلة فكانت تعجبه؛ فقال له علي: نحن نصنع لك مثلها، فإن أباها حمار وأمها فرس فنهاه أن ينزى الحمير على الخيل. وكان له حمار أخضر اسمه: عفير، وقيل: يعفور. وكان له ناقة تسمى: العضباء، وأخرى تسمى: القصواء، وقيل هما صفتان لناقة واحدة، وقيل، كان له غيرها. وله شاة تسمى: غوثة، وقيل غيثة، وعنز تسمى: اليمن. وله قدحان، اسم أحدهما: الريان، والآخر: المضبب.

стр. 36

وله تور (١) من حجارة يقال له: المخضب، يتوضأ منه، وله مخضب من شبه (٢) وله ركوة تسمى: الصادر، وله فسطاط يسمى: الزكي، وله مرآة تسمى: المدلة، ومقراض يسمى: الجامع، وقضيب من الشوحط (٣) يسمى: الممشوق، ونعل يسميها: الصفراء، وكل هذه الأسماء إما صفات، أو يسميها تفاؤلاً بها. وأما معانيها فالقضيب من أسماء السيف، فعيل بمعني فاعل: يعني يقطع الضريبة، وذو الفقار: سمي به لحفر كانت في متنه حسنة، والبتراء: سميت به لقصرها، وذات الفضول لطولها. والمرتجز لحسن صهيله، والعقال: داء يأخذ الدواب في أرجلها، وتشدد القاف وتخفف. والكسب قيل: هو الفرس الذي اشتراه ﷺ من الفزاري بعشر أواق، وأول مشاهده عليه يوم أحد، وقيل إن الذي اشتراه من الفزاري المرتجز، ومعنى الكسب الواسع الجري وكذلك البحر، وكان لأبي طلحة الأنصاري. والشحاء، إن صح، فهو الواسع الخطو، واللحيف: فعيل بمعنى فاعل، يلحف الأرض بذنبه لطوله، واللزاز: من اللز، كأنه سمي به لتلززه ودموجه (٤). والظروب: سمي به تشبيهاً بالظرب من الأرض، وهو الرابية؛ سمي به لكبره وسمنه، وقيل لصلابة حافره. والمثوى من الثوى: الأقامة، أي أن المطعون به يقيم بمكانه؛ يعني به الموت. والكتوم سميت به لانخفاض صوتها إذا رمى عنها. والكافور: كم العنب وغلاف الطلع سميت الكنانة بها؛ لأنها غلاف النبل. والموتصل: هذه لغة قريش يثبتون الواو فيها وغيرهم يحذفها ويقول: المتصل، يعني أن النبل يصل إلى المرمى. والزلوق: يزلق عنه السلاح. والدلدل: سميت به لسرعة مشيها. وعفير تصغير أعفر كسويد تصغير أسود، والقياس: أعيفر (٥). والعضباء: المشقوقة الأذن، وقيل: المثقوبة؛ قيل: إن العضباء هي الناقة التي اشتراها ﷺ من أبي بكر الصديق ﵁ وهاجر عليها، وقيل: بل غيرها.

стр. 37

والقصواء: المقطوعة الأذن، وقيل: لم يكن بهما ذلك، وإنما سميتا به، وسميت الزكاة بالصادر، لأنها يصدر عنها بالري، سميت باسم من هي من سببه. ذكر أعمامه وعماته ﷺ كان للنبي ﷺ من الأعمام عشرة، ومن العمات خمس؛ فالأعمام: الزبير، وأبو طالب واسمه عبد مناف، وعبد الكعبة درج (١) صغيراً، وأم حكيم البيضاء، وهي توأمة عبد اللَّه أبِي رسول اللَّه ﷺ تزوجها كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، فولدت له أروى أم عثمان (٢)، وعامر بن كريز، وعاتكة بنت عبد المطلب، تزوجها أبو أمية بن المغيرة المخزومي، فولدت له زهيراً وعبد اللَّه ابني أبى أميمة، وهما أخوا أُم سلمة زوج النبي ﷺ لأبيها، وبرة بنت عبد المطلب، تزوجها عبد الأسد بن هلال بن عبد اللَّه المخزومي، فولدت له أبا سلمة بن عبد الأسد، ثم خلف عليها أبو رهم بن عبد العزى أخو حويطب ابن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ودّ، من بني عامر بن لؤي، فولدت له: أبا سبره، وأميمة بنت عبد المطلب تزوجها عمير بن وهب بن عبد بن قصي، فولدت له طليب بن عمير، وأم هؤلاء جميعاً فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وهم أشقاء عبد اللَّه بن عبد المطلب. وحمزة بن عبد المطلب أسد اللَّه، وأسد رسوله ﷺ ، والمقوم، وحجل واسمه المغيرة (٣) وصفية تزوجها الحارث بن حرب بن أمية، ثم خلف عليها العوام بن خويلد فولدت له الزبير، والسائب وعبد الكعبة درج .. وأمهم هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة، وهي ابنة عم آمنة بنت وهب بن عبد مناف، أم رسول اللَّه ﷺ . والعباس بن عبد المطلب، وأمه نُتَيلة بنت جَنَاب بن كُلَيب بن مالك امرأة من النمر بن قاسط، وضرار ابن عبد المطلب مات حدثاً قبل الإسلام، وأمه نتيلة أيضاً. والحارث بن عبد المطلب، وكان أكبر ولده، وبه كان يكنى، وأمه صفية بنت جندب بن حجير ابن زباب (٤) بن حبِيب بن سوَاءَةَ بن عَامِر بن صعصعة، وقثم بن عبد المطلب، هلك صغيراً، وأمه صفية أيضاً. وعبد العزى بن عبد المطلب، وهو أبو لهب، وكان جواداً، كناه أبوه بذلك لحسنه، وأمه لبنى بنت هاجر بن عبد مناف بن ضاطر بن حبشية بن سلول الخزاعية. والغيداق بن عبد المطلب، واسمه نوفل، وأمه: ممنعة بنت عمرو بن مالك بن مؤمل بن سويد بن سعد (٥) بن مشنوء بن عبد بن حبتر، امرأة من خزاعة، وقيل: إن قثم كان أخا الغيداق لأمه، ولم يكن أخا الحارث لأمه.

стр. 38

لم يسلم من أعمامه إلا حمزة والعباس، وأسلمت عمته صفية إجماعاً، واختلفوا في أروى وعاتكة على ما ذكرناه في اسميهما. وحجل بالحاء المفتوحة والجيم. ذكر زوجاته وسراريه ﷺ أول امرأة تزوّجها رسول اللَّه ﷺ خديجة، ولم يتزوج عليها حتى ماتت. ثم تزوج بيدها سودة بنت زمعة؛ قال الزهري: تزوجها قبل عائشة، وهو بمكة، وبنى بها بمكة أيضاً، وقال غيره: تزوج عائشة قبلها، وإنما ابتنى بسودة قبل عائشة لصغر عائشة. وتزوج عائشة بنت أبي بكر بمكة وبنى بها بالمدينة سنة اثنتين. وتزوج حفصة بنت عمر بن الخطاب في شعبان سنة ثلاث. وتزوج زينب بنت خزيمة الهلالية أم المساكين سنة ثلاث، فأقامت عنده شهرين أو ثلاثة ولم يمت من أزواجه قبله غيرها، وغير خديجة. وتزوج أم سلمة بنت أبي أمية في شعبان سنة أربع. وتزوج زينب بنت جحش الأسدية سنة خمس، وقيل غير ذلك. وتزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان سنة ست، وبنى بها سنة سبع. وتزوج جويرة بنت الحارث سنة ست، وقيل سنة خمس. وتزوج ميمونة بنت الحارث الهلالية سنة سبع. وتزوج صفية بنت حيي سنة سبع. وقد ذكرنا كل واحدة منهن، في ترجمتها مستقصى، فهؤلاء اللواتي لم يختلف فيهن، ومات عن تسع منهن، وهن اللواتي خيرهن اللَّه سبحانه، فاخترن اللَّه ورسوله. وأما اللواتي تزوجهن ولم يدخل بهن، أو خطبهن ولم يتم له العقد، أو استعاذت منه ففارقها، فقد اختلف فيهن وفي أسباب فراقهن اختلافاً كثيراً، ولا يحصل من ذكرهن فائدة، فمنهن العالية بنت ظبيان، وأسماء بنت النعمان بن الجون (١)، وقيل: اسمها أميمة، والمستعيذة، قيل: هي أميمة، وقيل،: فاطمة بنت الضحاك، وقيل: مليكة. ومنهن الغفارية رأى بها وضحاً (٢) ففارقها. ومنهن أم شريك وهبت نفسها للنبي ﷺ . وأسماء بنت الصلت السلمية، وليلى بنت الخطيم الأنصارية. وقد ذكرن في أسمائهن. وأما سراريه فمنهن مارية القبطية، وهي أم ابنه إبراهيم، ومنهن ريحانة بنت عمرو القرظية (٣).

стр. 39

ذكر وفاته ومبلغ عمره ﷺ أخبرنا الحسن بن توحن بن النعمان الباوري اليمني، وأحمد بن عثمان قالا: أخبرنا محمد بن عبد الواحد الأصفهاني، أخبرنا أبو القاسم أحمد بن منصور الخليلي البلخي، أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي، أخبرنا أبو سعيد الشاشي؛ أخبرنا أبو عيسى محمد بن عيسى، أخبرنا أبو عمار وقتيبة وغيرهما، قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة الهلالي عن الزهري عن أنس قال: «آخر نظرة نظرتها إلى رسول اللَّه ﷺ كشفت الستارة يوم الاثنين، فنظرت إلى وجهه كأنه ورقة مصحف والناس خلف أبي بكر، فأشار إلى الناس أن اثبتوا مكانكم، وأبو بكر يؤمهم، وألقى السجف وتوفي آخر ذلك اليوم. قال أبو عمر (١): ثم بدأ برسول اللَّه ﷺ مرضه الذي مات منه يوم الأربعاء، لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشرة في بيت ميمونة، ثم انتقل حين اشتد مرضه إلى بيت عائشة، ﵂، وقبض يوم الاثنين ضحى في الوقت الذي دخل فيه المدينة لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول (٢) ودفن يوم الثلاثاء حين زاغت الشمس، وقيل: بل دفن ليلة الأربعاء. قالت عائشة: ما علمنا بدفن رسول اللَّه ﷺ حتى سمعنا صوت المساحي، من جوف الليل ليلة الأربعاء، وصلى عليه علي والعباس وأهل بيته، ثم خرجوا، ثم دخل المهاجرون فصلوا عليه ﷺ ، ثم الأنصار، ثم النساء، ثم العبيد يصلون عليه أرسالا (٣) لم يؤمهم أحد. وغسله (٤) علي، والفضل بن العباس، والعباس، وصالح مولاه وهو شقران، وأوس بن خولي الأنصاري وفي رواية أسامة بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف، وكان علي يلي غسله والعباس والفضل وقثم، وأسامة وصالح يصبون عليه. قال علي: «فما كنا نريد أن نرفع منه عضواً لنغسله إلا رفع لنا» ولم ينزعوا عنه ثيابه، وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة، ونزل في قبره علي، والعباس، والفضل، وقثم، وشقران، وأسامة، وأوس بن خولي. وكان قثَم آخر الناس عهداً برسول اللَّه ﷺ ؛ ذكر ذلك عن علي وابن عباس، وكان المغيرة يدعي أنه ألقى خاتمه في قبر رسول اللَّه ﷺ فنزل ليأخذه فكان آخرهم عهداً برسول اللَّه ﷺ ولم يصح ذلك،

стр. 40

ولم يحضر دفنه فضلاً عن أن يكون آخرهم عهداً به، وسئل علي عن قول المغيرة فقال: كذب، آخرنا عهداً به قثم، وحفروا له لحداً، وألقى شقران تحت رسول اللَّه ﷺ قطيفة كان يجلس عليها. وقال أبو بكر: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: ما قبض اللَّه نبياً إلا دفن حيث يقبض فرفع فراشه، وحفروا تحته، وبنى أبو طلحة في قبره تسع لبنات، وجعل قبره مسطحاً، ورشوا عليه الماء. قال أنس: لمَّا دخل رسول اللَّه ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء ولما قبض أظلم منها كل شيء. وكان عمره ثلاثاً وستين سنة، وقيل خمساً وستين، وقيل: ستين سنة، والأول أصح. فهذا القدر كاف، ولو رمنا شرح أحواله على الاستقصاء لكان عدة مجلدات، وفي هذا كفاية للمذاكرة والتبرك فلا نطول فيه، والسلام.
следующие страницы →